صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تاريخ الطبري
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

فقال أبو بكر قد فعلت فزوجه أم فروة ابنة أبى قحافة فكان بالمدينة حتى فتح العراق (رجع الحديث إلى حديث سيف) فلما ولى عمر رحمه الله قال انه ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا وقد وسع الله وفتح المعاجم واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والاسلام إلا امرأة ولدت لسيدها وجعل فداء كل انسان سبعة أبعرة وستة أبعرة الا حنيفة وكندة فانه خفف عنهم لقتل رجالهم ومن لا يقدر
على فداء لقيامهم وأهل دبا فتتبعت رجالهم نساءهم بكل مكان فوجد الاشعث في بنى نهد وبنى غطيف امرأتين وذلك أنه وقف فيها يسأل عن غراب وعقاب فقيل ما تريد إلى ذلك قال إن نساءنا يوم النجير خطفهن العقبان والغربان والذئاب والكلاب فقال بنو غطيف هذا غراب قال فما موضعه فيكم قالوا في الصيانة قال فنعم وانصرف وقال عمر لا ملك على عربي للذى أجمع عليه المسلمون معه قالوا ونظر المهاجر في أمر المرأة التى كان أبوها النعمان بن الجون أهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوصفها انها لم تشتك قط فردها وقال لا حاجة لنا بها بعد أن أجلسها بين يديه وقال لو كان لها عند الله خير لاشتكت فقال المهاجر لعكرمة متى تزوجتها قال وأنا بعدن فاهديت إلى بالجند فسافرت بها إلى مأرب ثم أوردتها العسكر فقال بعضهم دعها فانها ليست بأهل أن يرغب فيها وقال بعضهم لا تدعها فكتب المهاجر إلى أبى بكر رحمه الله يسأله عن ذلك فكتب إليه أبو بكر إن أباها النعمان بن الجون أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزينها له حتى أمره أن يجيئه بها فلما جاءه بها قال أزيدك انها لم تتجع شيئا قط فقال لو كان لها عند الله خير لاشتكت ورغب عنها فارغبوا عنها فارسلها وبقى في قريش بعد ما أمر عمر في السبى بالفداء عدة منهم بشرى بنت قيس بن أبى الكيسم عند سعد بن مالك فولدت له عمر وزرعة بنت مشرح عند عبد الله بن العباس ولدت له عليا وكتب أبو بكر إلى المهاجر يخيره اليمن أو حضرموت فاختار اليمن فكانت اليمن على أميرين فيروز والمهاجر وكانت حضرموت على أميرين عبيدة بن سعد على كندة والسكاسك بن زياد بن لبيد على حضرموت وكتب أبو بكر إلى عمال الردة أما بعد

(2/549)


فان أحب من أدخلتم إلى أموركم إلى من لم يرتدوا من كان ممن لم يرتد فأجمعوا على ذلك فاتخذوا منها صنائع وائذنوا لمن شاء في الانصراف ولا تستعينوا بمرتد
في جهاد عود وقال الاشعث بن مئناس السكوني يبكى أهل النجير لعمري وما عمرى على بهين * لقد كنت بالقتلى لحق ضنين فلا غرو إلا يوم أفرغ بينهم * وما الدهر عندي بعدهم بأمين فليت جنوب الناس تحت جنوبهم * ولم تمش أنثى بعدهم بجنين وكنت كذات البوريعت فأقبلت * على بوها إذ طربت بحنين (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن موسى بن عقبة عن الضحاك ابن خليفة قال وقع إلى المهاجر امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع يدها ونزع ثنيتها فكتب إليه ابو بكر رحمه الله بلغني الذى سرت به في المرأة التى تغنت وزمرت بشتيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فولا ما قد سبقتني فيها لامرتك بقتلها لان حد الانبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مستسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر وكتب إليه أبو بكر في التى تغنت بهجاء المسلمين أما بعد فانه بلغني أنك قطعت يد امرأة في أن تغنت بهجاء المسلمين ونزعت ثنيتها فان كانت ممن تدعى الاسلام فأدب وتقدمه دون المثلة وإن كانت ذمية فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروها فاقبل الدعة وإياك والمثلة في الناس فانها مأثم ومنفرة الا في قصاص (وفى هذه السنة) أعنى سنة إحدى عشرة انصرف معاذ بن جبل من اليمن واستقضى أبو بكر فيها عمر بن الخطاب فكان على القضاء أيام خلافته كلها (وفيها) أمر أبو بكر رحمه الله على الموسم عتاب بن أسيد فيما ذكره الذين أسند إليهم خبره علي بن محمد الذين ذكرت قبل في كتابي هذا أسماءهم وقال على بن محمد وقال قوم بل حج بالناس في سنة إحدى عشرة عبد الرحمن بن عوف عن تأمير أبى بكر إياه بذلك

(2/550)


ثم كانت سنة اثنتى عشرة من الهجرة (قال أبو جعفر) ولما فرغ خالد من أمر اليمامة كتب إليه أبو بكر الصديق رحمه الله وخالد مقيم باليمامة فيما حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري قال أخبرنا عمى قال أخبرنا سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبى أن سر إلى العراق حتى تدخلها وابدأ بفرج الهند وهى الابلة وتألف أهل فارس ومن كان في ملكهم من الامم * حدثنى عمر بن شبة قال حدثنا على بن محمد بالاسناد الذى قد تقدم ذكره عن القوم الذين ذكرتهم فيه أن أبا بكر رحمه الله وجه خالد بن الوليد إلى أرض الكوفة وفيها المثنى بن حارثة الشيباني فسار في المحرم سنة اثنتى عشرة فجعل طريقه البصرة وفيها قطبة بن قتادة السدوسى (قال أبو جعفر) وأما الواقدي فإنه قال اختلف في أمر خالد بن الوليد فقائل يقول مضى من وجهه ذلك من اليمامة إلى العراق وقائل يقول رجع من اليمامة فقدم المدينة ثم سار إلى العراق من المدينة على طريق الكوفة حتى انتهى إلى الحيرة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن صالح بن كيسان أن أبا بكر رحمه الله كتب إلى خالد بن الوليد يأمره أن يسير إلى العراق فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريات من السواد يقال لها بانقيا وباروسما وأليس فصالحه أهلها وكان الذى صالحه عليها ابن صلوبا وذلك في سنة اثنتى عشرة فقبل منهم خالد الجزية وكتب لهم كتابا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد لابن صلوبا السوادى ومنزله بشاطئ الفرات إنك آمن بأمان الله إذ حقن دمه بإعطاء الجزية وقد أعطيت عن نفسك وعن أهل خرجك وجزيرتك ومن كان في قريتيك بانقيا وباروسما ألف درهم فقبلها منك ورضى من معى من المسلمين بها منك ولك ذمة الله وذمة محمد صلى الله عليه وسلم وذمة المسلمين على ذلك وشهد هشام بن الوليد ثم أقبل خالد بن الوليد بمن معه حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافهم مع قبيصة بن إياس بن حية الطائى
وكان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر فقال له خالد ولاصحابه أدعوكم إلى

(2/551)


الله والى الاسلام فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين لكم مالهم وعليكم ما عليهم فإن أبيتم فالجزية فإن أبيتم الجزية فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم فقال له قبيصة بن إياس ما لنا بحربك من حاجة بل نقيم على ديننا ونعطيك الجزية فصالحهم على تسعين ألف درهم فكانت أول جزية وقعت بالعراق هي والقريات التى صالح عليها ابن صلوبا (قال أبو جعفر) وأما هشام ابن الكلبى فإنه قال لما كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة أن يسير إلى الشأم أمره أن يبدأ بالعراق فيمر بها فأقبل خالد منها يسير حتى نزل النباج * قال هشام قال أبو مخنف فحدثني أبو الخطاب حمزة بن علي عن رجل من بكر بن وائل أن المثنى بن حارثة الشيباني سار حتى قدم على أبى بكر رحمه الله فقال أمرنى على من قبلى من قومي أقاتل من يلينى من أهل فارس وأكفيك ناحيتى ففعل ذلك فأقبل جمع قومه وأخذ يغير بناحية كسكر مرة وفى أسفل الفرات مرة ونزل خالد بن الوليد النباج والمثنى بن حارثة بخفان معسكر فكتب إليه خالد بن الوليد ليأتيه وبعث إليه بكتاب من أبى بكر يأمره فيه بطاعته فانقض إليه جوادا حتى لحق به وقد زعمت بنو عجل أنه كان خرج مع المثنى بن حارثة رجل منهم يقال له مذعور بن عدى فنازع المثنى بن حارثة فتكاتبا إلى أبى بكر فكتب أبو بكر إلى العجلى يأمره بالمسير مع خالد إلى الشام وأقر المثنى على حاله فبلغ العجلى مصر فشرف بها وعظم شأنه فداره اليوم بها معروفة وأقبل خالد بن الوليد يسير فعرض له جابان صاحب أليس فبعث إليه المثنى بن حارثة فقاتله فهزمه وقتل جل أصحابه إلى جانب نهر ثم يدعى نهر دم لتلك الوقعة وصالح أهل أليس وأقبل حتى دنا من الحيرة فخرجت إليه خيول آزاذبه صاحب خيل كسرى التى كانت في مسالح ما بينه
وبين العرب فلقوهم بمجتمع الانهار فتوجه إليهم المثنى بن حارثة فهزمهم الله ولما رأى ذلك أهل الحيرة خرجوا يستقبلونه فيهم عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة وهانئ ابن قبيصة فقال خالد لعبد المسيح من أين أثرك قال من ظهر أبى قال من أين خرجت قال من بطن أمي قال ويحك على أي شئ أنت قال على الارض قال

(2/552)


ويلك في أي شئ أنت قال في ثيابي قال ويحك تعقل قال نعم وأقيد قال إنما أسألك قال وأنا أجيبك قال أسلم أنت أم حرب قال بل سلم قال فما هذه الحصون التى أرى قال بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجئ الحليم فينهاه ثم قال لهم خالد إنى أدعوكم إلى الله والى عبادته والى الاسلام فإن قبلتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا وإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم شرب الخمر فقالوا لا حاجة لنا في حربك فصالحهم على تسعين ومائة ألف درهم فكانت أول جزية حملت إلى المدينة من العراق ثم نزل على بانقيا فصالحه بصبهرى بن صلوبا على ألف درهم وطيلسان وكتب لهم كتابا وكان صالح خالد أهل الحيرة على أن يكونوا له عيونا ففعلوا * قال هشام عن أبى مخنف قال حدثنى المجالد بن سعيد عن الشعبى قال اقرأني بنو بقيلة كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس سلام على من اتبع الهدى أما بعد فالحمد لله الذى فض خدمتكم وسلب ملككم ووهن كيدكم وإنه من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذى له ما لنا وعليه ما علينا أما بعد فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إلى بالرهن واعتقدوا منى الذمة وإلا فو الذى لا إله غيره لابعثن اليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة فلما قرؤا الكتاب أخذوا يتعجبون وذلك سنة اثنتى عشرة (قال أبو جعفر) وأما غير ابن اسحاق وغير هشام ومن ذكرت قوله من قبل فإنه قال في أمر خالد ومسيره إلى العراق ما حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري قال
حدثنى عمى عن سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبى قال لما فرغ خالد ابن الوليد من اليمامة كتب إليه أبو بكر رحمه الله إن الله فتح عليك فعارق حتى تلقى عياضا وكتب إلى عياض بن غنم وهو بين النباج والحجاز أن سر حتى تأتى المصيخ فابدأ بها ثم ادخل العراق من أعلاها وعارق حتى تلقى خالدا وأذنا لمن شاء بالرجوع ولا تستفتحا بمتكاره ولما قدم الكتاب على خالد وعياض وأذنا في القفل عن أمر أبى بكر قفل أهل المدينة وما حولها وأعروهما فاستمدا أبا بكر فأمد أبو بكر خالدا بالقعقاع بن عمرو التميمي فقيل له أتمد رجلا قد ارفض عنه جنوده برجل

(2/553)


فقال لا يهزم جيش فيهم مثل هذا وأمد عياضا بعبد بن عوف الحميرى وكتب اليهما أن استنفرا من قاتل أهل الردة ومن ثبت على الاسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يغزون معكم أحد ارتد حتى أرى رأيى فلم يشهد الايام مرتد فلما قدم الكتاب على خالد بتأمير العراق كتب إلى حرملة وسلمى والمثنى ومذعور باللحاق به وأمرهم أن يواعدوا جنودهم الابلة وذلك أن أبا بكر أمر خالدا في كتابه إذا دخل العراق أن يبدأ بفرج أهل السند والهند وهو يومئذ الابلة ليوم قد سماه ثم حشر من بينه وبين العراق فحشر ثمانية آلاف من ربيعة ومضر إلى ألفين كانا معه فقدم في عشرة آلاف على ثمانية آلاف ممن كان مع الامراء الاربعة يعنى بالامراء الاربعة المثنى ومذعورا وسلمى وحرملة فلقى هرمز في ثمانية عشر ألفا * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن المهلب الاسدي عن عبد الرحمن بن سياه وطلحة بن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة قالوا كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد إذ أمره على حرب العراق أن يدخلها من أسفلها وإلى عياض إذ أمره على حرب العراق أن يدخلها من أعلاها ثم يستبقا إلى الحيرة فأيهما سبق إلى الحيرة فهو أمير على صاحبه وقال إذا اجتمعتما بالحيرة وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليكن
أحدكما ردأ للمسلمين ولصاحبه بالحيرة وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم المدائن * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن المجالد عن الشعبى قال كتب خالد إلى هرمز قبل خروجه مع آزاذبه أبى الزباذبة الذين باليمامة وهرمز صاحب الثغر يومئذ أما بعد فأسلم تسلم أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقرر بالجزية وإلا فلا تلومن إلا نفسك فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة * قال سيف عن طلحة بن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة وكان قاضى أهل الكوفة قال فرق خالد مخرجه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث فرق ولم يحملهم على طريق واحد فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر وسرح عدى بن حاتم وعاصم بن عمرو ودليلاهما مالك بن عباد وسالم ابن نصر أحدهما قبل صاحبه بيوم وخرج خالد ودليله رافع فواعدهم جميعا الحفير

(2/554)


ليجتمعوا به وليصادموا به عدوهم وكان فرج الهند أعظم فروج فارس شأنا وأشدها شوكة وكان صاحبه يحارب العرب في البر والهند في البحر * قال وشاركه المهلب ابن عقبة وعبد الرحمن بن سياه الاحمري الذى ينسب إليه الحمراء فيقال حمراء سياه قال لما قدم كتاب خالد على هرمز كتب بالخبر إلى شيرى بن كسرى وإلى أردشير بن شيرى وجمع جموعه ثم تعجل إلى الكواظم في سرعان أصحابه ليتلقى خالدا وسبق حلبته فلم يجدها طريق خالد وبلغه أنهم تواعدوا الحفير فعاج يبادره إلى الحفير فنزله فتعبي به وجعل على مجنبته أخوين يلاقيان أردشير وشيرى إلى أردشير الاكبر يقال لهما قباذوا وأنوشجان واقترنوا في السلاسل فقال من لم ير ذلك لمن رآه قيدتم أنفسكم لعدوكم فلا تفعلوا فإن هذا طائر سوء فاجابوهم وقالوا أما أنتم فيحدثوننا أنكم تريدون الهرب فلما أتى الخبر خالدا بأن هرمز في الحفير امال الناس إلى كاظمة وبلغ هرمز ذلك فبادره إلى كاظمة فنزلها
وهو حسير وكان من أسوإ أمراء ذلك الفرج جورا للعرب فكل العرب عليه مغيظ وقد كانوا ضربوه مثلا في الخبث حتى قالوا أخبث من هرمز وأكفر من هرمز وتعبى هرمز وأصحابه واقترقوا في السلاسل والماء في أيديهم وقدم خالد عليهم فنزل على غير ماء فقالوا له في ذلك فأمر مناديه فنادى ألا انزلوا وحطوا أثقالكم ثم جالدوهم على الماء فلعمري ليصيرن الماء لاصبر الفريقين وأكرم الجندين فحطت الاثقال والخيل وقوف وتقدم الرجل ثم زحف إليهم حتى لاقاهم فاقتتلوا وأرسل الله سحابة فاغدرت ما وراء صف المسلمين فقواهم بها وما ارتفع النهار وفى العائط مقترن * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن عبد الملك بن عطاء البكائى عن المقطع بن الهيثم البكائى بمثله وقالوا وأرسل هرمز أصحابه بالغد ليغدروا بخالد فواطؤه على ذلك ثم خرج هرمز فنادى رجل ورجل أين خالد وقد عهد إلى فرسانه عهد فلما نزل خالد نزل هرمز ودعاه إلى النزال فنزل خالد فمشى إليه فالتقيا فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد وحملت حامية هرمز وغدرت فاستحملوا خالدا فما شغله ذلك عن قتله وحمل القعقاع بن

(2/555)


عمرو واستحلم حماة هرمز فأناموهم وإذا خالد يماصعهم وانهزل أهل فارس وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل وجمع خالد الرثاث وفيها السلاسل فكانت وقر بعير ألف رطل فسميت ذات السلاسل وأفلت قباذوا أنوشجان * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبى قال كان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف فكان هرمز ممن تم شرفه فكانت قيمتها مائة ألف فنفلها أبو بكر خالدا وكانت مفصصة بالجوهر وتمام شرف أحدهم أن يكون من بيوتات السبعة * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد بن نويرة عن حنظلة بن زياد بن حنظلة قال
لما تراجع الطلب من ذلك اليوم نادى منادى خالد بالرحيل وسار بالناس واتبعته الاثقال حتى ينزل بموضع الجسر الاعظم من البصرة اليوم وقد أفلت قباذو أنوشجان وبعث خالد بالفتح وما بقى من الاخماس وبالفيل وقرأ الفتح على الناس ولما قدم زر بن كليب بالفيل مع الاخماس فطيف به في المدينة ليراه الناس جعل ضعيفات النساء يقلن أمن خلق الله ما نرى ورأينه مصنوعا فرده أبو بكر مع زرقان ولما نزل خالد موضع الجسر الاعظم اليوم بالبصرة وبعث المثنى بن حارثة في آثار القوم وأرسل معقل بن مقرن المزني إلى الابلة ليجمع له مالها والسبي فخرج معقل حتى نزل الابلة فجمع الاموال والسبايا (قال أبو جعفر) وهذه القصة في أمر الابلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح وإنما كان فتح الابلة أيام عمر رحمه الله وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربعة عشرة من الهجرة وسنذكر أمرها وقصة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله (رجع الحديث) إلى حديث سيف عن محمد بن نويرة عن حنظلة بن زياد قال وخرج المثنى حتى انتهى إلى نهر المرأة فانتهى إلى الحصن الذى فيه المرأة فخلف المعنى بن حارثة عليه فحاصرها في قصرها ومضى المثنى إلى الرجل فحاصره ثم استنزلهم عنوة فقتلهم واستفاء أموالهم ولما بلغ ذلك المرأة صالحت المثنى وأسلمت فتزوجها المعنى ولم يحرك خالد وأمراؤه الفلاحين في

(2/556)


شئ من فتوحهم لتقدم أبى بكر إليه فيهم وسبى أولاد المقاتلة الذين كانوا يقومون بأمور الاعاجم وأقر من لم ينهض من الفلاحين وجعل لهم الذمة وبلغ سهم الفارس في يوم ذات السلاسل والثنى ألف درهم والراجل على الثلث من ذلك قال وكانت وقعة المذار في صفر سنة اثنتى عشرة ويومئذ قال الناس صفر الاصفار فيه يقتل كل جبار
على مجمع الانهار * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن زياد والمهلب عن عبد الرحمن بن سياه الاحمري وأما فيما كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف فانه عن سيف عن المهلب بن عقبة وزياد بن سرجس الاحمري وعبد الرحمن بن سياه الاحمري وسفيان الاحمري قالوا وقد كان هرمز كتب إلى أردشير وشيرى بالخبر بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة نحوه فأمده بقارن بن قريانس فخرج قارن من المدائن ممدا لهرمز حتى إذا انتهى إلى المذار بلغته الهزيمة وانتهت إليه الفلال فتذامروا وقال فلال الاهواز وفارس لفلال السواد والجبل إن افترقتم لم تجتمعوا بعدها أبدا فاجتمعوا على العود مرة واحدة فهذا مدد الملك وهذا قارن لعل الله يديلنا ويشفينا من عدونا وندرك بعض ما أصابوا منا ففعلوا وعسكر بالمذار واستعمل قارن على مجنبته قباد وأنوشجان وأرز المثنى والمعنى إلى خالد بالخبر ولما انتهى الخبر إلى خالد عن قسم الفئ على من أفاءه الله عليه ونفل من الخمس ما شاء الله وبعث ببقيته وبالفتح إلى أبى بكر وبالخبر عن القوم وباجتماعهم إلى الثنى المغيث والمغاث مع الوليد بن عقبة والعرب تسمى كل نهر الثنى وخرج خالد سائرا حتى ينزل المذار على قارن في جموعه فالتقوا وخالد على تعبيته فاقتتلوا على حنق وحفيظة وخرج قارن يدعو للبراز فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن الاعشى ابن النباش فابتدراه فسبقه إليه معقل فقتله وقتل عاصم الانوشجان وقتل عدى قباذ وكان شرف قارن قد انتهى ثم لم يقاتل المسلمون بعده أحدا انتهى شرفه في الاعاجم وقتلت قارس مقتلة عظيمة فضموا السفن ومنعت المياه المسلمين من طلبهم

(2/557)


وأقام خالد بالمذار وسلم الاسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت وقسم الفئ ونفل من الاخماس أهل البلاء وبعث ببقية الاخماس ووفد وفدا مع سعد بن النعمان أخى بنى عدى بن كعب * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد
ابن عبد الله عن أبى عثمان قال قتل ليلة المذار ثلاثون ألفا سوى من غرق ولولا المياة لاتى على آخرهم ولم يفلت منهم من أفلت إلا عراة وأشباه العراة * قال سيف عن عمرو والمجالد عن الشعبى قال كان أول من لقى خالد مهبطه العراق هرمز بالكواظم ثم نزل الفرات بشاطئ دجلة فلم يلق كيدا وتبحبح بشاطئ دجلة ثم الثنى ولم ليلق بعد هرمز أحدا إلا كانت الوقعة الآخرة أعظم من التى قبلها حتى أتى دومة الجندل وزاد سهم الفارس في يوم الثنى على سهمه في ذات السلاسل فأقام خالد بالثنى يسبى عيالات المقاتلة ومن أعانهم وأقر الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعد ما دعوا وكل ذلك أخذ عنوة ولكن دعوا إلى الجزاء فأجابوا وتراجعوا وصاروا ذمة وصارت أرضهم لهم كذلك جرى ما لم يقسم فإذا اقتسم فلا وكان في السبى حبيب أبو الحسن يعنى أبا الحسن البصري وكان نصرانيا وما فنة مولى عثمان وأبو زياد مولى المغيرة بن شعبة وأمر على الجند سعيد بن النعمان وعلى الجزاء سويد بن مقرن المزني وأمره بنزول الحفير وأمره ببث عماله ووضع يده في الجباية وأقام لعدوه يتجسس الاخبار ثم كان أمر الولجة في صفر من سنة اثنتى عشرة والولجة مما يلى كسكر من البر * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال حدثنى سيف عن عمرو والمجالد عن الشعبى قال لما فرغ خالد من الثنى وأتى الخبر أردشير بعث الاندرزغر وكان فارسيا من مولدي السواد * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال حدثنى سيف عن زياد بن سرجس عن عبد الرحمن ابن سياه قال وفيما كتب به إلى السرى قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن المهلب ابن عقبة وزياد بن سرجس وعبد الرحمن بن سياه قالوا لما وقع الخبر باردشير

(2/558)


بمصاب قارن وأهل المذار أرسل الاندر زغر وكان فارسيا من مولدي السواد
وتنائهم ولم يكن ممن ولد في المدائن ولا نشأ بها وأرسل بهمن جاذويه في أثره في جيش وأمره أن يعبر طريق الاندرزغر وكان الاندرزغر قبل ذلك على فرج خراسان فخرج الاندرزغر سائرا من المدائن حتى أتى كسكر ثم جازها إلى الولجة وخرج بهمن جاذويه في أثره وأخذ غير طريقه فسلك وسط السواد وقد حشر إلى الاندرزغر من بين الحيرة وكسكر من عرب الضاحية والدهاقين فعسكروا إلى جنب عسكره بالولجة فلما اجتمع له ما أراد واستتم أعجبه ما هو فيه وأجمع السير إلى خالد ولما بلغ خالدا وهو بالثنى خبر الاندرزغر ونزوله الولجة نادى بالرحيل وخلف سويد بن مقرن وأمره بلزوم الحفير وتقدم إلى من خلف في أسفل دجلة وأمرهم بالحذر وقلة الغفلة وترك الاغترار وخرج سائرا في الجنود نحو الولجة حتى ينزل على الاندرزغر وجنوده ومن تأشب إليه فاقتتلوا قتالا شديدا هو أعظم من قتال الثنى * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد ابن أبى عثمان قال نزل خالد عن الاندرزغر بالولجة في صفر فاقتتلوا بها قتالا شديدا حتى ظن الفريقان أن الصبر قد أفرغ واستبطأ خالد كمينه وكان قد وضع لهم كمينا في ناحيتين عليهم بسر بن أبى رهم وسعيد بن مرة العجلى فخرج الكمين في وجهين فانهزمت صفوف الاعاجم وولوا فأخذهم خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم فلم ير رجل منهم مقتل صاحبه ومضى الاندرزغر في هزيمته فمات عطشا وقام خالد في الناس خطيبا يرغبهم في بلاد العجم ويزهدهم في بلاد العرب وقال ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكن إلا المعاش لكان الرأى أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به ونولى الجوع والاقلال من تولاه ممن أثاقل عما أنتم عليه وسار خالد في الفلاحين بسريته فلم يقتلهم وسبى ذرارى المقاتلة ومن أعانهم ودعا أهل الارض إلى الجزاء والذمة فتراجعوا (كتب إلى السرى)
عن شعيب عن سيف وحدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن عمرو

(2/559)


عن الشعبى قال بارز خالد يوم الولجة رجلا من أهل فارس يعدل بألف رجل فقتله فلما فرغ اتكأ عليه ودعا بغدائه وأصاب في أناس من بكر بن وائل ابنا لجابر ابن بجير وابنا لعبد الاسود خبر أليس وهى على صلب الفرات (قال أبو جعفر) حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال حدثنا سيف عن محمد ابن طلحة عن أبى عثمان وطلحة بن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة وأما السرى فإنه قال فيما كتب إلى حدثنا شعيب عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان وطلحة ابن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة قالا ولما أصاب خالد يوم الولجة من أصاب من بكر بن وائل من نصاراهم الذين أعانوا أهل فارس غضب لهم نصارى قومهم فكاتبوهم الاعاجم وكاتبتهم الاعاجم فاجتمعوا إلى أليس وعليهم عبد الاسود العجلى وكان أشد الناس على أولئك النصارى مسلمو بنى عجل عتيبة بن النهاس وسعيد بن مرة وفرات بن حيان والمثنى بن لاحق ومذعور بن عدى وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه وهو بقسياثا وكان رافد فارس في يوم من أيام شهرهم وبنو اشهورهم كل شهر على ثلاثين يوما وكات لاهل فارس في كل يوم رافد قد نصب لذلك يرفدهم عند الملك فكان رافدهم بهمن روز أن سر حتى تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب فقدم بهمن جاذويه جابان وأمره بالحث وقال كفكف نفسك وجندك من قتال القوم حتى ألحق بك إلا أن يعجلوك فسار جابان نحو أليس وانطلق بهمن جاذويه إلى أردشير ليحدث به عهدا وليستأمره فيما يريد أن يشير به فوجده مريضا فعرج عليه وأخلى جابان بذلك الوجه ومضى حتى أتى أليس فنزل بها في صفر واجتمعت إليه المسالح التى كانت بإزاء العرب وعبد الاسود في نصارى العرب من بنى عجل وتيم اللات
وضبيعة وعرب الضاحية من أهل الحيرة وكان جابر بن بجير نصراينا فساند عبد الاسود وقد كان خالد بلغه تجمع عبد الاسود وجابر وزهير فيمن تأشب

(2/560)


إليهم فنهد لهم ولا يشعر بدنو جابان وليست لخالد همة إلا من تجمع له من عرب الضاحية ونصاراهم فأقبل فلما طلع على جابان بأليس قالت الاعاجم لجابان أنعاجلهم أم نغدى الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم ثم نقاتلهم بعد الفراغ فقال جابان إن تركوكم والتهاون بهم فتهاونوا ولكن ظنى بهم أن سيعجلوكم ويعاجلونكم عن الطعام فعصوه وبسطوا البسط ووضعوا الاطعمة وتداعوا إليها وتوافوا إليها فلما انتهى خالد إليهم وقف وأمر بحط الاثقال فلما وضعت توجه إليهم ووكل خالد بنفسه حوامى يحمون ظهره ثم ندر أمام الصف فنادى أين أبجر أين عبد الاسود أين مالك بن قيس رجل من جذرة فنكلوا عنه جميعا إلا مالكا فبرز له فقال له خالد يا ابن الخبيثة ما جرأك على من بينهم وليس فيك وفاء فضربه فقتله وأجهض الاعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوا فقال جابان ألم أقل لكم يا قوم أما والله ما دخلتني من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم فقالوا حيث لم يقدروا على الاكل تجلدا ندعها حتى نفرغ منهم ونعود إليها فقال جابان وأيضا أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون فالآن فأطيعوني سموها فإن كانت لكم فأهون هالك وإن كانت عليكم كنتم قد صنعتم شيئا وأبليتم عذرا فقالوا لا اقتدار عليهم فجعل جابان على مجنبتيه عبد الاسود وأبجر وخالد على تعبيته في الايام التى قبلها فاقتتلوا قتالا شديدا والمشركون يزيدهم كلبا وشدة ما يتوقعون من قدومهم بهمن جاذويه فصابروا المسلمين للذى كان في علم الله أن يصيرهم إليه وحرب المسلمون عليهم وقال خالد اللهم إن لك على إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقى منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجرى نهرهم بدمائهم ثم أن الله عز وجل كشفهم للمسلمين ومنحهم
أكتافهم فأمر خالد مناديه فنادى في الناس الاسر الاسر لا تقتلوا إلا من امتنع فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين يساقون سوقا وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر ففعل ذلك بهم يوما وليلة وطلبوهم الغد وبعد الغد حتى انتهوا إلى النهرين ومقدار ذلك من كل جوانب أليس فضرب أعناقهم وقال له القعقاع وأشباه له لو أنك قتلت أهل الارض لم تجر دمائهم إن الدماء

(2/561)


لا تزيد على أن ترقرق مند نهيت عن السيلان ونهيت الارض عن نشف الدماء فأرسل عليه الماء تبر يمينك وقد كان صد الماء عن النهر فأعاده فجرى دما عبيطا فسمى نهر الدم لذلك الشأن إلى اليوم وقال آخرون منهم بشير بن الخصاصية قال وبلغنا ان الارض لما نشفت دم ابن آدم نهيت عن نشف الدماء ونهى الدم عن السيلان الا مقدار برده ولما هزم القوم وأجلوا عن عسكرهم ورجع المسلمون من طلبهم ودخلوه وقف خالد على الطعام فقال قد نفلتكموه فهو لكم وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى على طعام مصنوع نفله فقعد عليه المسلمون لعشائهم بالليل وجعل من لم ير الارياف ولا يعرف الرقاق يقول ما هذه الرقاع البيض وجعل من قد عرفها يجيبهم ويقول لهم مازحا هل سمعتم برقيق العيش فيقولون نعم فيقولون هو هذا فسمى الرقاق وكانت العرب تسميه القرى * حدثنا عبد الله قال حدثنى عمى قال حدثنا سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبى عمن حدث عن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الناس يوم خيبر الخبز والطبيخ والشواء وما أكلوا غير ذلك في بطونهم غير متأثليه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن طلحة عن المغيرة قال كانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء وهو أحمر قوت العسكر ثمانية عشر ألفا أو يزيدون ثلاثة أيام وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جندلا من
بنى عجل وكان دليلا صارما فقدم على أبى بكر بالخبر وبفتح أليس وبقدر الفئ وبعدة السبى وبما حصل من الاخماس وبأهل البلاء من الناس فلما قدم على أبى بكر فرأى صرامته وثبات خبره قال ما اسمك قال جندل قال وبها جندل نفس عصام سودت عصاما * وعودته الكر والاقداما وأمر له بجارية من ذلك السبى فولدت له قال وبلغت قتلاهم من أليس سبعين ألفا جلهم من امغيشيا (قال أبو جعفر) قال لنا عبيد الله بن سعد قال عمى سألت عن أمغيشيا بالحيرة فقيل لى منشيا فقلت لسيف فقال هذا اسمان

(2/562)


حديث أمغيشيا في صفر وأفاءها الله عز وجل بغير خيل * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة قالا لما فرغ خالد من وقعة أليس نهض فأتى أمغيشيا وقد أعجلهم عما فيها وقد جلا أهلها وتفرقوا في السواد ومن يومئذ صارت السكرات في السواد فأمر خالد بهدم أمغيشيا وكل شئ كان في حيزها وكانت مصرا كالحيرة وكان فرات بادقلى ينتهى إليها وكانت أليس من مسالحها فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله قط (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن بحر بن الفرات العجلى عن أبيه قال لم يصب المسلمون فيما بين ذات السلاسل وأمغيشيا مثل شئ أصابوه في أمغيشيا بلغ سهم الفارس ألفا وخمسمائة سوى النفل الذى نفله أهل البلاء وقالوا جميعا قال أبو بكر رحمه الله حين بلغه ذلك يا معشر قريش يخبرهم بالذى أتاه عدا أسدكم على الاسد فغلبه على خراذيله أعجزت النساء أن ينشؤا مثل خالد حديث يوم المقر وفم فرات بادقلى (قال أبو جعفر) كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن محمد عن أبى
عثمان وطلحة عن المغيرة أن الآزاذبه كان مرزبان الحيرة أزمان كسرى إلى ذلك اليوم فكانوا لا يمد بعضهم بعضها إلا بإذن الملك وكان قد بلغ نصف الشرف وكان قيمة قلنسوته خمسين ألفا فلما أخرب خالد أمغيشيا وعاد أهلها سكرات لدهاقين القرى علم الآزاذبه أنه غير متروك فأخذ في أمر وتهيأ لحرب خالد وقدم ابنه ثم خرج في أثره حتى عسكر خارجا من الحيرة وأمر ابنه بسد الفرات ولما استقل خالد من أمغيشيا وحمل الرجل في السفن مع الانفال والاثقال لم يفجأ خالداإلا والسفن جوانح فارتاعوا لذلك فقال الملاحون إن أهل فارس فجروا الانهار فسلك الماء غير طريقه فلا يأتينا الماء إلا بسد الانهار فتعجل خالد في خيل نحو ابن الآزاذبه فتلقاه على فم العتيق خيل من خيله فجئهم وهم آمنون لغارة

(2/563)


خالد في تلك الساعة فأنامهم بالمقر ثم سار من فوره وسبق الاخبار إلى ابن الآزاذبه حتى يلقاه وجنده على فم فرات بادقلى فاقتتلوا فأنامهم وفجر الفرات وسد الانهار وسلك الماء سبيله (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة وبحر عن أبيه قالوا وحدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال حدثنا سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة قالا لما أصاب خالد بن الآزاذبه على فم فرات بادقلى قصد للحيرة واستحلق أصحابه وسار حتى ينزل بين الخورنق والنجف فقدم خالد الخورنق وقد قطع الآزاذبه الفرات هاربا من غير قتال وإنما حداه على الهرب أن الخبر وقع إليه بموت أردشير ومصاب ابنه وكان عسكره بين الغريين والقصر الابيض ولما تتام أصحاب خالد إليه بالخورنق خرج من العسكر حتى يعسكر بموضع عسكر الآزاذبه بين الغريين والقصر الابيض وأهل الحيرة متحصنون فأدخل خالد الحيرة الخيل من عسكره وأمر بكل قصر رجلا من قواده يحاصر أهله ويقاتلهم فكان ضرار بن الازور محاصرا القصر
الابيض وفيه إياس بن قبيصة الطائى وكان ضرار بن الخطاب محاصرا قصر العدسيين وفيه عدى بن عدى المقتول وكان ضرار بن مقرن المزني عاشر عشرة إخوة له محاصرا قصر بنى مازن وفيه ابن أكال وكان المثنى محاصرا قصر ابن بقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح فدعوهم جميعا وأجلوهم يوما فأبى أهل الحيرة ولجوا فناوشهم المسلمون * حدثنى عبيد الله بن سعيد قال حدثنى عمى عن سيف عن الغصن بن القاسم رجل من بنى كنانة (قال أبو جعفر) هكذا قال عبيد الله وقال السرى فيما كتب به إلى حدثنا شعيب عن سيف عن الغصن بن القاسم عن رجل من بنى كنانة قال عهد خالد إلى امرائه أن يبدأوا بالدعاء فإن قبلوا قبلوا منهم وإن أبوا أن يؤجلهم يوما وقال لا تمكنوا عدوكم من آذانكم فيتربصوا بكم الدوائر ولكن ناجزوهم ولا تردوا المسلمين عن قتال عدوهم فكان أول القواد أنسب القتال بعد يوم أجلوهم فيه ضرار بن الازور وكان على قتال أهل القصر الابيض فأصبحوا وهم مشرفون فدعاهم إلى إحدى ثلاث الاسلام أو الجزاء أو المنابذة فاختاروا المنابذة

(2/564)


وتنادوا عليكم الخزازيف فقال ضرار تنحوا لا ينالكم الرمى حتى ننظر في الذى هتفوا به فلم يلبث أن امتلا رأس القصر من رجال متعلقي المخالى يرمون المسلمين بالخزازيف وهى المداحى من الخزف فقال ضرار أرشقوهم فدنوا منهم فرشقوهم بالنبل فأعروا رءوس الحيطان ثم بثوا غارتهم فيمن يليهم وصبح أمير كل قوم أصحابه بمثل ذلك فافتتحوا الدور والديرات وأكثروا القتل فنادى القسيسون والرهبان يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم فنادى أهل القصور يا معشر العرب قد قبلنا واحدة من ثلاث فادعوا بنا وكفوا عنا حتى يبلغونا خالدا فخرج إياس بن قبيصة وأخوه إلى ضرار بن الازور وخرج عدى ابن عدى وزيد بن عدى إلى ضرار بن الخطاب وعدى الاوسط الذى رثته
أمه وقتل يوم ذى قار وخرج عمرو بن عبد المسيح وابن أكال هذا إلى ضرار بن مقرن وهذا إلى المثنى بن حارثة فأرسلوهم إلى خالد وهم على مواقفهم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة قالا قال كان أول من طلب الصلح عمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن الحارث وهو بقيلة وانما سمى بقيلة لانه خرج على قومه في بردين أخضرين فقالوا يا حار ما أنت إلا بقيلة خضراء وتتابعوا على ذلك فأرسلهم الرؤساء إلى خالد مع كل رجل منهم ثقة ليصالح عليه أهل الحصن فخلا خالد بأهل كل قصر منهم دون الآخرين وبدأ بأصحاب عدى وقال ويحكم ما أنتم أعرب فما تنقمون من العرب أو عجم فما تنقمون من الانصاف والعدل فقال له عدى بل عرب عاربة وأخرى متعربة فقال لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا فقال له عدى ليدلك على ما نقول أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية فقال صدقت وقال اختاروا واحدة من ثلاث أن تدخلوا في ديننا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم وان أقمتم في دياركم أو الجزية أو المنابذة والمناجزة فقد والله أتيتكم بقوم هم على الموت أحرص منكم على الحياة فقال بل نعطيك الجزية فقال خالد تبا لكم ويحكم إن الكفر فلاة مضلة فأحمق العرب من سلكها فلقيه دليلان أحدهما عربي فتركه

(2/565)


واستدل الاعجمي فصالحوه على مائة ألف وتسعين ألفا وتتابعوا على ذلك وأهدوا له هدايا وبعث بالفتح والهدايا إلى أبى بكر رحمه الله مع الهذيل الكاهلى فقبلها أبو بكر من الجزاء وكتب إلى خالد أن احسب لهم هديتهم من الجزاء إلا أن تكون من الجزاء وخذ بقية ما عليهم فقو بها أصحابك وقال ابن بقيلة أبعد المنذرين أرى سواما * تروح بالخورنق والسدير وبعد فوارس النعمان أرعى * قلوصا بين مرة والحفير
فصرنا بعد هلك أبى قبيس * كجرب المعز في اليوم المطير تقسمنا القبائل من معد * علانية كأيسار الجزور وكنا لا يرام لنا حريم * فنحن كضرة الضرع الفخور نؤدى الخرج بعد خراج كسرى * وخرج من قريظة والنضير كذاك الدهر دولته سجال * فيوم من مساءة أو سرور (الجرب والجربة والجربة الجماعة) كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن الغصن بن القاسم عن رجل من بنى كنانة ويونس بن أبى اسحاق بنحو منه وقالا فكانوا يختلفون إليه ويقدمون في حوائجهم عمرو بن عبد المسيح فقال له خالد كم أتت عليك قال مئو سنين قال فما أعجب ما رأيت قال رأيت القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة تخرج المرأة من الحيرة فلا تزود إلا رغيفا فتبسم خالد وقال هل لك من شيخك إلا عقلة خرفت والله يا عمرو ثم أقبل على أهل الحيرة فقال ألم يبلغني أنكم خبثة خدعة مكرة فمالكم تتناولون حوائجكم بخرف لا يدرى من أين جاء فتجاهل له عمرو وأحب أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله ويستدل به على صحة ما حدثه به فقال وحقك أيها الامير إنى لاعرف من أين جئت قال فمن أين جئت قال أقرب أم أبعد قال ما شئت قال من بطن أمي قال فأين تريد قال أمامى قال وما هو قال الآخرة قال فمن أين أقصى أثرك قال من صلب أبى قال ففيم أنت قال في ثيابي قال أتعقل قال إى والله وأقيد قال فوجده حين فر عضا وكان أهل قريته أعلم به فقال خالد قتلت أرض جاهلها

(2/566)


وقتل أرضا عالمها والقوم أعلم بما فيهم فقال عمرو أيها الامير النملة أعلم بما في بيتها من الجمل بما في بيت النملة وشاركهم في هذا الحديث من هذا المكان محمد ابن أبى السفر عن ذى الجوشن الضبابى وأما الزهري فانه حدثنا به فقال شاركهم
في هذا الحديث رجل من الضباب قالوا وكان مع ابن بقيلة منصف له متعلق كيسا في حقوه فتناول خالد الكيس ونثر ما فيه في راحته فقال ما هذا يا عمرو قال هذا وأمانة الله سم ساعة قال ولم تحتقب السم قال خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت وقد أتيت على أجلى والموت أحب إلى من مكروه أدخله على قومي وأهل قريتي فقال خالد إنها لن تموت نفس حتى تأتى على أجلها وقال بسم الله خير الاسماء رب الارض ورب السماء الذى ليس يضر مع اسمه داء الرحمن الرحيم فأهووا إليه ليمنعوه منه وبادرهم فابتلعه فقال عمرو والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن واقبل على أهل الحيرة فقال لهم أر كاليوم أمرا أوضح إقبالا وأبى خالد أن يكاتبهم إلا على إسلام كرامة بنت عبد المسيح إلى شويل فثقل ذلك عليهم فقالت هونوا عليكم وأسلموني فانى سأقتدى ففعلوا وكتب خالد بينه وبينهم كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديا وعمرا ابني عدى وعمرو بن عبد المسيح وإياس ابن قبيصة وحيرى بن أكال وقال عبيد الله جبري وهم نقباء أهل الحيرة ورضى بذلك أهل الحيرة وأمروهم به عاهدهم على تسعين ومائة ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسهم إلا من كان منهم على غير ذى يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها وقال عبيد الله إلا من كان غير ذى يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها وسائحا تاركا للدنيا وعلى المنعة فإن لم يمنعهم فلا شئ عليهم حتى يمنعهم وان غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة وكتب في شهر ربيع الاول من سنة اثنتى عشرة ودفع الكتاب إليهم فلما كفر أهل السواد بعد موت أبى بكر استخفوا بالكتاب وضيعوه وكفروا فيمن كفر وغلب عليهم أهل فارس فلما افتتح المثنى ثانية أدلوا بذلك فلم يجبهم إليه وعاد بشرط آخر فلما غلب المثنى على البلاد كفروا فيمن كفر وأعانوا واستخفوا

(2/567)


وأضاعوا الكتاب فلما افتتحها سعد وأدلوا بذلك سألهم واحدا من الشرطين فلم يجيئوا بهما فوضع عليهم وتحرى ما يرى أنهم مطيقون فوضع عليهم أربعمائة ألف سوى الحرزة قال عبيد الله سوى الخرزة * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف والسرى عن شعيب عن سيف عن الغصن بن القاسم الكنانى عن رجل من بنى كنانة ويونس بن أبى إسحاق قالا كان جرير بن عبد الله ممن خرج مع خالد ابن سعيد بن العاصى إلى الشأم فاستأذن خالدا إلى أبى بكر ليكلمه في قومه وليجمعهم له وكانوا أوزاعا في العرب وليتخلصهم فأذن له فقدم على أبى بكر فذكر له عدة من النبي صلى الله عليه وسلم وأتاه على العدة بشهود وسأله إنجاز ذلك فغضب أبو بكر وقال له ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمين ممن بإزائهم من الاسدين فارس والروم ثم أنت تكلفني التشاغل بما لا يغنى عما هو أرضى لله ولرسوله دعني وسر نحو خالد بن الوليد حتى أنظر ما يحكم الله في هذين الوجهين فسار حتى قدم على خالد وهو بالحيرة ولم يشهد شيئا مما كان بالعراق إلا ما كان بعد الحيرة ولا شيئا مما كان خالد فيه من أهل الردة وقال القعقاع بن عمرو في أيام الحيرة سقى الله قتلى بالفرات مقيمة * وأخرى بأثباج النجاف الكوانف فنحن وطئنا بالكواظم هرمزا * وبالثنى قرنى قارن بالجوارف ويوم أحطنا بالقصور تتابعت * على الحيرة الروحاء إحدى المصارف حططناهم منها وقد كاد عرشهم * يميل به فعل الجبان المخالف رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا * غبوق المنايا حول تلك المحارف صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا * إلى الريف من أرض العريب المقانف خبر ما بعد الحيرة * حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري قال حدثنى عمى عن سيف عن جميل الطائى عن أبيه قال لما أعطى شويل كرامة بنت عبد المسيح قلت لعدى بن حاتم
ألا تعجب من مسألة شويل كرامة بنت عبد المسيح على ضعفه قال كان يهرف

(2/568)


بها دهره قال وذلك أنى لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما رفع له من البلدان فذكر الحيرة فيما رفع له وكان شرف قصورها أضراس الكلاب عرفت أن قد أريها وأنها ستفتح فلقنته مسألتها * وحدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف قال قال لى عمرو والمجالد عن الشعبى والسرى عن شعيب عن سيف عن المجالد عن الشعبى قال لما قدم شويل إلى خالد قال إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتح الحيرة فسألته كرامة فقال هي لك إذا فتحت عنوة وشهد له بذلك وعلى ذلك صالحهم فدفعها إليه فاشتد ذلك على أهل بيتها وأهل قريتها ما وقعت فيه وأعظموا الخطر فقالت لا تخطروه ولكن اصبروا ما تخافون على امرأة بلغت ثمانين سنة فإنما هذا رجل أحمق رأني في شبيبتى فظن أن الشباب يدوم فدفعوها إلى خالد فدفعها خالد إليه فقالت ما أربك إلى عجوز كما ترى فأدنى قال لا إلا على حكمي قالت فلك حكمك مرسلا فقال لست لام شويل إن نقصتك من ألف درهم فاستكثرت ذلك لتخدعه ثم أتته بها فرجعت إلى أهلها فتسامع الناس بذلك فعنفوه فقال ما كنت أرى أن عددا يزيد على ألف فأبوا عليه إلا أن يخاصمهم فقال كانت نيتى غاية العدد وقد ذكروا أن العدد يزيد على ألف فقال خالد أردت أمرا وأراد الله غيره نأخذ بما يظهر وندعك ونيتك كاذبا كنت أو صادقا (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبى قال لما فتح خالد الحيرة صلى صلاة الفتح ثمانى ركعات لا يسلم فيهن ثم انصرف وقال لقد قاتلت يوم مؤتة فانقطع في يدى تسعة أسياف وما لقيت قوما كقوم لقيتهم من أهل فارس وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل أليس * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن عمرو والمجالد عن الشعبى قال
صلى خالد صلاة الفتح ثم انصرف ثم ذكر مثل حديث السرى * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف والسرى عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم وكان قدم مع جرير على خالد قال أتينا خالدا بالحيرة وهو متوشح قد شد ثوبه في عنقه يصلى فيه وحده ثم انصرف فقال اندق في يدى تسعة أسياف يوم مؤتة ثم صبرت في يدى صفيحة

(2/569)


يمانية فما زالت معى * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان وطلحة بن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة والغصن بن القاسم عن رجل من بنى كنانة وسفيان الاحمري عن ماهان قالوا ولما صالح أهل الحيرة خالدا خرج صلوبا بن نسطونا صاحب قس الناطف حتى دخل على خالد عسكره فصالحه على بانقيا وبسما وضمن له ما عليهما وعلى أرضيهما من شاطئ الفرات جميعا واعتقد لنفسه وأهله وقومه على عشرة آلاف دينار سوى الخرزة خرزة كسرى وكانت على كل رأس أربعة دراهم وكتب لهم كتابا فتموا وتم ولم يتعلق عليه في حال غلبة فارس بغدر وشاركهم المجالد في الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وفومه إنى عاهدتكم على الجزية والمنعة على كل ذى يد بانقيا وبسما جميعا على عشرة آلاف دينار سوى الخرزة القوى على قدر قوته والمقل على قدر إقلاله في كل سنة وإنك قد نقبت على قومك وإن قومك قد رضوا بك وقد قبلت ومن معى من المسلمين ورضيت ورضى قومك فلك الذمة والمنعة فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا حتى نمنعكم شهد هشام بن الوليد والقعقاع ابن عمرو وجرير بن عبد الله الحميرى وحنظلة بن الربيع وكتب سنة اثنتى عشرة في صفر (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان عن ابن أبى مكنف وطلحة عن المغيرة وسفيان عن ماهان وحدثنا عبيد الله قال
حدثنى عمى عن سيف عن محمد عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة قال كان الدهاقين يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة فلما استقام ما بين أهل الحيرة وبين خالد واستقاموا له أتته دهاقين الملطاطين وأتاه زاذ بن بهيش دهقان فرات سريا وصلوبا بن نسطونا بن بصبهرى هكذا في حديث السرى وقال عبيد الله صلوبا بن بصبهرى ونسطونا فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هرمزجرد على ألفى ألف وقال عبيد الله في حديثه على ألف ألف ثقيل وأن للمسلمين ما كان لآل كسرى ومن مال معهم عن المقام في داره فلم يدخل في الصلح وضرب خالد رواقه في عسكره وكتب لهم كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من خالد بن الوليد

(2/570)


لزاذ بن بهيش وصلوبا بن نسطونا إن لكم الذمة وعليكم الجزية وأنتم ضامنون لمن نقبتم عليه من أهل البهقباذ الاسفل والاوسط وقال عبيد الله وأنتم ضامنون حرب من نقبتم عليه على ألفى ألف تقبل في كل سنة ثم كل ذى يد سوى ما على بانقيا وبسما وإنكم قد أرضيتموني والمسلمين وأنا قد أرضيناكم وأهل البهقباذ الاسفل ومن دخل معكم من أهل البهقباذ الاوسط على أموالكم ليس فيها ما كان لآل كسرى ومن مال ميلهم شهد هشام بن الوليد والقعقاع بن عمرو وجرير بن عبد الله الحميرى وبشير بن عبيد الله بن الخصاصية وحنظلة بن الربيع وكتب سنة اثنتى عشرة في صفر وبعث خالد بن الوليد عماله ومسالحه فبعث في العمالة عبد الله ابن وثيمة النصرى فنزل في أعلى العمل بالفلاليج على المنعة وقبض الجزية وجرير ابن عبد الله على بانقيا وبسما وبشير بن الخصاصية على النهرين فنزل الكويفة ببانبورا وسويد بن مقرن المزني إلى تستر فنزل العقر فهى تسمى عقر سويد إلى اليوم وليست بسويد المنقرى سميت وأط بن أبى أط إلى روذ مستان فنزل منزلا على نهر سمى ذلك النهر به ويقال نهر أط إلى اليوم وهو رجل من بنى سعد بن زيد مناة فهؤلاء
كانوا عمال الخراج زمن خالد بن الوليد وكانت الثغور في زمن خالد بالسيب بعث ضرار بن الازور وضرار بن الخطاب والمثنى بن حارثة وضرار بن مقرن والقعقاع عمرو وبسر بن أبى رهم وعتيبة بن النهاس فنزلوا على السيب في عرض سلطانه فهؤلاء امراء ثغور خالد وأمرهم خالد بالغارة والالحاح فمخروا ما وراء ذلك إلى شاطئ دجلة قالوا ولما غلب خالد على أحد جانبى السواد دعا من أهل الحيرة برجل وكتب معه إلى أهل فارس وهم بالمدائن مختلفون متساندون لموت أردشير إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جازويه ببهرسير وكأنه على المقدمة ومع بهمن جاذويه الآزاذبه في أشباه له ودعا صلوبا برجل وكتب معهما كتابين فأما أحدهما فإلى الخاصة وأما الآخر فإلى العامة أحدهما حيرى والآخر نبطى ولما قال خالد لرسول أهل الحيرة ما اسمك قال مرة قال خذ الكتاب فأت به أهل فارس لعل الله أن يمر عليهم عيشهم أو يسلموا أو ينيبوا وقال لرسول صلوبا ما اسمك قال هزقيل

(2/571)


قال فخذ الكتاب وقال اللهم أزهق نفوسهم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مجالد وغيره بمثله والكتابان بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس أما بعد فالحمد لله الذى حل نظامكم ووهن كيدكم وفرق كلمتكم ولو لم يفعل ذلك بكم كان شرا لكم فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على غلب على أيدى قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس أما بعد فأسلموا تسلموا وإلا فاعتقدوا منى الذمة وأدوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر * حدثنى عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن محمد بن نويرة عن أبى عثمان والسرى عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان والمهلب بن عقبة وزياد بن سرجس عن سياه وسفيان
الاحمري عن ما هان أن الخراج جبى إلى خالد في خمسين ليلة وكان الذين ضمنوه والذين هم رؤس الرساتيق رهنا في يده فأعطى ذلك كله للمسلمين فقووا به على أمورهم وكان أهل فارس بموت أردشير مختلفين في الملك مجتمعين على قتال خالد متساندين وكانوا بذلك سنة والمسلمون يمخرون ما دون دجلة وليس لاهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر وليست لاحد منهم ذمة إلا الذين كاتبوه واكتتبوا منه وسائر أهل السواد جلاء ومتحصنون ومحاربون واكتتب عمال الخراج وكتبوا البراآت لاهل الخراج من نسخة واحدة بسم الله الرحمن الرحيم براءة لمن كان من كذا وكذا من الجزية التى صالحهم عليها الامير خالد بن الوليد وقد قبضت الذى صالحهم عليه خالد وخالد والمسلمون لكم يد على من بدل صلح خالد ما أقررتم وكففتم أمانكم أمان وصلحكم صلح نحن لكم على الوفاء واشهدوا لهم النفر من الصحابة الذين كان خالد أشهدهم هشام والقعقاع وجابر ابن طارق وجريرا وبشيرا وحنظلة وأزداذ والحجاج بن ذى العنق ومالك بن زيد * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى عن سيف عن عطية بن الحارث عن عبد خير قال وخرج خالد وقد كتب أهل الحيرة عنه كتابا إنا قد أدينا الجزية التى

(2/572)


عاهدنا عليها خالد العبد الصالح والمسلمون عباد الله الصالحون على أن يمنعونا وأميرهم البغى من المسلمين وغيرهم وأما السرى فإنه قال في كتابه إلى حدثنا شعيب عن سيف عن عطية بن الحارث عن عبد خير عن هشام بن الوليد قال فرغ خالد ثم سائر الحديث مثل حديث عبيد الله بن سعد * حدثنا عبد الله قال حدثنى عمى عن سيف والسرى عن شعيب عن سيف عن عبد العزير بن سياه عن حبيب بن أبى ثابت عن ابن الهذيل الكاهلى نحوا منه قالوا وأمر الرسولين اللذين بعثهما أن يوفياه بالخبر وأقام خالد في عمله سنة
ومنزله الحيرة يصعد ويصوب قبل خروجه إلى الشأم وأهل فارس يخلعون ويملكون ليس إلا الدفع عن بهرسير وذلك أن شيرى بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى كسرى بن قباذ ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه فقتلوا كل من بين كسرى بن قباذ وبين بهرام جور فبقوا لا يقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه * حدثنا عبيد الله قال حدثنى عمى قال حدثنى سيف عن عمرو والمجالد عن الشعبى قال أقام خالد بن الوليد فيما بين فتح الحيرة إلى خروجه إلى الشأم أكثر من سنة يعالج عمل عياض الذى سمى له وقال خالد للمسلمين لولا ما عهد إلى الخليفة لم أتنقذ عياضا وكان قد شجى وأشجى بدومة وما كان دون فتح فارس شئ إنها لسنة كأنها سنة نساء وكان عهد إليه أن لا يقتحم عليهم وخلفه نظام لهم وكان بالعين عسكر لفارس وبالانبار آخر وبالفراض آخر ولما وقعت كتب خالد إلى أهل المدائن تكلم نساء آل كسرى فولى الفرخزاذ بن البندوان إلى أن يجتمع آل كسرى على رجل إن وجدوه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة والمهلب عن سياه وسفيان عن ماهان قالوا كان أبو بكر رحمه الله قد عهد إلى خالد أن يأتي العراق من أسفل منها وإلى عياض أن يأتي العراق من فوقها وأيكما ما سبق إلى الحيرة فهو أمير على الحيرة فإذا اجتمعتما بالحيرة إن شاء الله وقد فضضتما مسالح ما بين العرب وفارس وأمنتم أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليقم بالحيرة أحدكما وليقتحم

(2/573)


الآخر على القوم وجالدوهم عما في أيديهم واستعينوا بالله واتقوه وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم ولا تؤثروا الدنيا فتسلبوهما واحذروا ما حذركم الله بترك المعاصي ومعاجلة التوبة وإياكم والاصرار وتأخير التوبة فأتى خالد على ما كان أمر به ونزل الحيرة واستقام له ما بين الفلاليج إلى أسفل السواد وفرق
سواد الحيرة يومئذ على جرير بن عبد الله الحميرى وبشير بن الخصاصية وخالد ابن الواشمة وابن ذى العنق وأط وسويد وضرار وفرق سواد الابلة على سويد ابن مقرن وحسكة الحبطى والحصين بن أبى الحر وربيعة بن عسل وأقر المسالح على ثغورهم واستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو وخرج خالد في عمل عياض ليقضى ما بينه وبينه ولاغاثته فسلك الفلوجة حتى نزل بكربلاء وعلى مسلحتها عاصم بن عمرو وعلى مقدمة خالد الاقرع بن حابس لان المثنى كان على ثغر من الثغور التى على المدائن فكانوا يغاورون أهل فارس وينتهون إلى شاطئ دجلة قبل خروج خالد من الحيرة وبعد خروجه في إغاثة عياض (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى روق عمن شهدهم بمثله إلى أن قال وأقام خالد على كربلاء أياما وشكا إليه عبد الله بن وثيمة الذباب فقال له خالد اصبر فإنى إنما أريد أن أستفرغ المسالح التى أمر بها عياض فنسكنها العرب فتأمن جنود المسلمين أن يؤتوا من خلفهم وتجيئنا العرب أمنة وغير متعتعة وبذلك أمرنا الخليفة ورأيه يعدل نجدة الامة وقال رجل من أشجع فيما شكا ابن وثيمة لقد حبست في كربلاء مطيتي * وفى العين حين عاد غثا سمينها إذا رحلت من مبرك رجعت له * لعمر أيها إننى لاهينها ويمنعها من ماء كل شريعة * رفاق من الذبان زرق عيونها حديث الانبار وهى ذات العيون وذكر كلواذى (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأصحابهما قالوا خرج خالد بن الوليد في تعبيته التى خرج فيها من الحيرة وعلى مقدمته الاقرع

(2/574)


ابن حابس فلما نزل الاقرع المنزل الذى يسلمه إلى الانبار انتج قوم من المسلمين إبلهم فلم يستطيعوا العرجة ولم يجدوا بدا من الاقدام ومعهم بنات مخاض تتبعهم
فلما نودى بالرحيل صروا الامهات واحتقبوا المنتوجات لانها لم تطق السير فانتهوا ركبانا إلا الانبار وقد تحصن أهل الانبار وخندقوا عليهم وأشرفوا من حصنهم وعلى تلك الجنود شيرزاذ صاحب ساباط وكان أعقل أعجمى يومئذ وأسوده وأقنعه في الناس العرب والعجم فتصايح عرب الانبار يومئذ من السور وقالوا صبح الانبار أشر جمل يحمل جميلة وحمل تربه عوذ فقال شيرزاد ما يقولون ففسر له فقال أما هؤلاء فقد قضوا على أنفسهم وذلك أن القوم إذا قضوا على أنفسهم قضاء كاد يلزمهم والله لئن لم يكن خالد مجتازا لاصالحنه فبينا هم كذلك قدم خالد على المقدمة فأطاف بالخندق وأنشب القتال وكان قليل الصبر عنه إذا رآه أو سمع به وتقدم إلى رماته فأوصاهم وقال إنى أرى أقواما لا علم لهم بالحرب فارموا عيونهم ولا توخوا غيرها فرموا رشقا واحدا ثم تابعوا ففقئ ألف عين يومئذ فسميت تلك الوقعة ذات العيون وتصايح القوم ذهبت عيون أهل الانبار فقال شيرزاذ ما يقولون ففسر له فقال آباذ آباذ فراسل خالدا في الصلح على أمر لم يرضه خالد فرد رسله وأتى خالد أضيق مكان في الخندق في برذايا الجيش فنحرها ثم رمى بها فيه فأفعمه ثم اقتحم الخندق والرذايا جسورهم فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق وأرز القوم إلى حصنهم وراسل شيرزاذ خالدا في الصلح على ما أراد فقبل منه على أن يخليه ويلحقه بمأمنه في جريدة خيل ليس معهم من المتاع والاموال شئ فخرج شيرزاذ فلما قدم على بهمن جاذويه فأخبره الخبر لامه فقال إنى كنت في قوم ليست لهم عقول وأصلهم من العرب فسمعتهم مقدمهم علينا يقضون على أنفسهم وقلما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم ثم قاتلهم الجند ففقؤا فيهم وفى أهل الارض ألف عين فعرفت أن المسألة أسلم ولما اطمأن خالد بالانبار والمسلمون وأمن أهل الانبار وظهروا رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها فسألهم ما أنتم فقالوا قوم من العرب نزلنا إلى قوم

(2/575)


من العرب قبلنا فكانت أوائلهم نزلوها أيام بخنتصر حين أباح العرب ثم لم تزل عنها فقال ممن تعلمتم فقالوا تعلمنا الخط من إياد وأنشدوه قول الشاعر قومي إياد لو انهم أمم * أو لو أقاموا فتهزل النعم قوم لهم باحة العراق إذا * ساروا جميعا والخط والقلم وصالح خالد من حولهم وبدأ بأهل البوازيج وبعث إليه أهل كلواذى ليعقد لهم فكاتبهم فكانوا عيبته من وراء دجلة ثم إن أهل الانبار وما حولها نقضوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين من الدول ما خلا أهل البوازيج فإنهم ثبتوا كما ثبت أهل بانقيا (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبد العزيز يعنى ابن سياه عن حبيب بن أبى ثابت قال ليس لاحد من أهل السواد عقد قبل الوقعة إلا بنى صلوبا وهم أهل الحيرة وكلواذى وقرى من قرى الفرات ثم غدروا حتى دعوا إلى الذمة بعد ما غدروا (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس قال قلت للشعبى أخذ السواد عنوة قال نعم وكل أرض إلا بعض القلاع والحصون فان بعضهم صالح به وبعضهم غلب فقلت فهل لاهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الهرب قال لا ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمة خبر عين التمر (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وزياد قالوا ولما فرغ خالد من الانبار واستحكمت له استخلف على الانبار الزبرقان بن بدر وقصد لعين التمر وبها يومئذ مهران بن بهرام جوبين في عظيم من العجم وعقة ابن أبى عقة في جمع عظيم من العرب من التمر وتغلب وإياد ومن لافهم فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران ان العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدا قال صدقت
لعمري لانتم أعلم بقتال العرب وإنكم لمثلنا في قتال العجم فخدعه واتقى به وقال دونكموهم وإن احتجتم إلينا أعناكم فلما مضى نحو خالد قالت له الاعاجم ما حملك

(2/576)


على أن تقول هذا القول لهذا الكلب فقال دعوني فإنى لم أرد إلا خير لكم شر لهم إنه قد جاءكم من قتل ملوككم وفل حدكم فاتقنه بهم فان كانت لهم على خالد فهى لكم وان كانت الاخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم مضعفون فاعترفوا له بفضل الرأى فلزم مهران العين ونزل عقة لخالد على الطريق وعلى ميمنته بجير بن فلان أحد بنى عبيد بن سعد بن زهير وعلى ميسرته الهذيل بن عمران وبين عقة وبين مهران روحة أو غدوة ومهران في الحصن في رابطة فارس وعقة على طريق الكرخ كالخفير فقدم عليه خالد وهو في تعبئة جنده فعبى خالد جنده وقال لمجنبتيه اكفونا ما عنده فانى حامل ووكل بنفسه حوامى ثم حمل وعقة يقيم صفوفه فاحتضنه فأخذه أسيرا وانهزم صفه من غير قتال فأكثروا فيهم الاسر وهرب بجير والهذيل واتبعهم المسلمون ولما جاء الخبر مهران هرب في جنده وتركوا الحصن ولما انتهت فلال عقة من العرب والعجم إلى الحصن اقتحموه واعتصموا به وأقبل خالد في الناس حتى ينزل على الحصن ومعه عقة أسير وعمرو بن الصعق وهم يرجون أن يكون خالد كمن كان يغير من العرب فلما رأوه يحاولهم سألوه الامان فأبى إلا على حكمه فسلسلوا له به فلما فتحوا دفعهم إلى المسلمين فصاروا مساكا وأمر خالد بعقة وكان خفير القوم فضربت عنقه ليوئس الاسراء من الحياة ولما رآه مطروحا على الجسر يئسوا من الحياة ثم دعا بعمرو بن الصعق فضرب عنقه وضرب أعناق أهل الحصن أجمعين وسبى كل من حوى حصنهم وغنم ما فيه ووجد في بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الانجيل عليهم باب مغلق فكسره عنهم وقال ما أنتم قالوا رهن فقسمهم في أهل البلاء منهم أبو زياد مولى
ثقيف ومنهم نصير أبو موسى بن نصير ومنهم أبو عمرة جد عبد الله بن عبد الاعلى الشاعر وسيرين أبو محمد بن سيرين وحريث وعلاثة فصار أبو عمرة لشرحبيل بن حسنة وحريث لرجل من بنى عباد وعلاثة للمعنى وحمران لعثمان ومنهم عمير وأبو قيس فثبت على نسبه من موالى أهل الشأم القدماء وكان نصير ينسب إلى بنى يشكر وأبو عمرة إلى بنى مرة ومنهم ابن أخت النمر (كتب إلى السرى) عن شعيب

(2/577)


عن سيف عن محمد وطلحة وأبى سفيان طلحة بن عبد الرحمن والمهلب بن عقبة قالوا ولما قدم الوليد بن عقبة من عند خالد على أبى بكر رحمه الله بما بعث به إليه من الاخماس وجهه إلى عياض وأمد به فقدم عليه الوليد وعياض محاصرهم وهم محاصروه وقد أخذوا عليه بالطريق فقال له الرأى في بعض الحالات خير من جند كثيف ابعث إلى خالد فاستمده ففعل فقدم عليه رسوله غب وقعة العين مستغيثا فعجل إلى عياض بكتابه من خالد إلى عياض اياك أريد لبث قليلا تأتك الحلائب * يحملن آسادا عليها القاشب * كتائب يتبعها كتائب خبر دومة الجندل قالوا ولما فرغ خالد من عين التمر خلف فيها عويم بن الكاهل الاسلمي وخرج في تعبيته التى دخل فيها العين ولما بلغ أهل دومة مسير خالد إليهم بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم وقبل ما قد أتاهم وديعة في كلب وبهراء ومسانده ابن وبرة بن رومانس وأتاهم ابن الحدرجان في الضجاعم وابن الايهم في طوائف من غسان وتنوخ فأشجوا عياضا وشجوا به فلما بلغهم دنو خالد وهم على رئيسين أكيدر بن عبد الملك والجودى بن ربيعة اختلفوا فقال أكيدر أنا أعلم الناس بخالد لا أحد أيمن طائرا منه ولا أحد في حرب ولا يرى وجه خالد قوم أبدا قلوا أو كثروا الا انهزموا عنه فأطيعوني
وصالحوا القوم فأبوا عليه فقال لن أمالئكم على حرب خالد فشأنكم فخرج لطيته وبلغ ذلك خالدا فبعث عاصم بن عمرو معارضا له فأخذه فقال إنما تلقيت الامير خالدا فلما أتى به خالدا أمر به فضربت عنقه وأخذ ما كان معه من شئ ومضى خالد حتى ينزل على أهل دومة وعليهم الجودى بن ربيعة ووديعة الكلبى وابن رومانس الكلبى وابن الايهم ابن الحدرجان فجعل خالد دومة بين عسكره وعسكر عياض وكان النصارى الذين أمدوا أهل دومة من العرب محيطين بحصن دومة لم يحملهم الحصن فلما اطمأن خالد خرج الجودى فنهض بوديعة

(2/578)


فزحفا لخالد وخرج ابن الحدرجان وابن الايهم إلى عياض فاقتتلوا فهزم الله الجودى ووديعة على يدى خالد وهزم عياض من يليه وركبهم المسلمون فأما خالد فإنه أخذ الجودى أخذا وأخذ الاقرع بن حابس وديعة وأرز بقية الناس إلى الحصن فلم يحملهم فلما امتلا الحصن أغلق من في الحصن الحصن دون أصحابهم فبقوا حوله حرداء وقال عاصم بن عمرو يا بنى تميم حلفاؤكم كلب إسروهم وأجيروهم فإنكم لا تقدرون لهم على مثلها ففعلوا وكان سبب نجاتهم يومئذ وصية عاصم بنى تميم بهم وأقبل خالد على الذين أرزوا إلى الحصن فقتلهم حتى سد بهم باب الحصن ودعا خالد بالجودى فضرب عنقه ودعا بالاسرى فضرب أعناقهم إلا أسارى كلب فإن عاصما والاقرع وبنى تميم قالوا قد آمناهم فأطلقهم لهم خالد وقال مالى ولكم أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الاسلام فقال له عاصم لا تحسدهم العافية ولا يحوزهم الشيطان ثم أطاف خالد بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه واقتحموا عليهم فقتلوا المقاتلة وسبوا الشرخ فأقاموهم فيمن يزيد فاشترى خالد ابنة الجودى وكانت موصوفة وأقام خالد بدومة ورد الاقرع إلى الانبار ولما رجع خالد إلى الحيرة وكان منها قريبا حيث يصبحها أخذ القعقاع أهل الحيرة بالتقليس فخرجوا يتلقونه وهم يقلسون
وجعل بعضهم يقول لبعض مروا بنا فهذا فرح الشر (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا وقد كان خالد أقام بدومة فظن الاعاجم به وكاتبهم عرب الجزيرة غضبا لعقة فخرج زرمهر من بغداد ومعه روزبه يريدان الانبار واتعد حصيدا والخنافس فكتب الزبرقان وهو على الانبار إلى القعقاع ابن عمرو وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة فبعث القعقاع أعبد بن فدكى السعدى وأمره بالحصيد وبعث عروة بن الجعد البارقى وأمره بالخنافس وقال لهما إن رأيتما مقدما فأقدما فخرجا فحالا بينهما وبين الريف وأغلقاهما وانتظر روزبه وزرمهر بالمسلمين اجتماع من كاتبهما من ربيعة وقد كانوا تكاتبوا واتعدوا فلما رجع خالد من دومة إلى الحيرة على الظهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادمة أهل المدائن كره خلاف أبى بكر وأن يتعلق عليه بشئ فعجل القعقاع بن عمرو وأبا ليلى بن فدكى

(2/579)


إلى روزبه وزرمهر فسبقاه إلى عين التمر وقدم على خالد كتاب امرئ القيس الكلبى أن الهذيل بن عمران قد عسكر بالمضيح ونزل ربيعة بن بجير بالثنى وبالبشر في عسكر غضبا لعقة يريدان زرمهر وروزبه فخرج خالد وعلى مقدمته الاقرع بن حابس واستخلف على الحيرة عياض بن غنم وأخذ طريق القعقاع وأبى ليلى إلى الخنافس حتى قدم عليهما بالعين فبعث القعقاع إلى الحصيد وأمره على الناس وبعث أبا ليلى إلى الخنافس وقال زجياهم ليجتمعوا ومن استثأرهم وإلا فواقعاهم فأبيا إلا المقام خبر حصيد فلما رأى القعقاع أن زرمهر وروزبه لا يتحركان سار نحو حصيد وعلى من مر به من العرب والعجم روزبه ولما رأى روزبه أن القعقاع قد قصد له استمد زرمهر فأمده بنفسه واستخلف على عسكره المهبوذان فالتقوا بحصيد فاقتتلوا فقتل الله العجم مقتلة عظيمة وقتل القعقاع زرمهر وقتل روزبه قتله عصمة بن عبد الله
أحد بنى الحارث بن طريف من بنى ضبة وكان عصمة من البررة وكل فخذها جرت بأسرها تدعى البررة وكل قوم هاجروا من بطن يدعون الخيرة فكان المسلمون خيرة وبررة وغنم المسلمون يوم حصيد غنائم كثيرة وأرز فلال حصيد إلى الخنافس فاجتمعوا بها الخنافس وسار أبو ليلى بن فدكى بمن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس وقد أرزت فلال حصيد إلى المهبوذان فلما أحس المهبوذان هرب ومن معه وأرزوا إلى المضيح وبه الهذيل بن عمران ولم يلق بالخنافس كيدا وبعثوا إلى خالد بالخبر جميعا مضيح بنى البرشاء قالوا ولما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد وهرب أهل الخنافس كتب إليهم ووعد القعقاع وأبا ليلى وأعبد وعروة ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المضيح وهو بين حوران والقلت وخرج خالد من العين قاصدا للمضيح على

(2/580)


الابل يجنب الخيل فنزل الجناب فالبردان فالحنى واستقل من الحنى فلما كان تلك الساعة من ليلة الموعد اتفقوا جميعا بالمضيح فأغاروا على الهذيل ومن معه ومن أوى إليه وهم نائمون من ثلاثة أوجه فقتلوهم وأفلت الهذيل في أناس قليل وامتلا الفضاء قتلى فما شبهوا بهم إلا غنما مصرعة وقد كان حرقوص بن النعمان قد محضهم النصح وأجاد الرأى فلم ينتفعوا بتحذيره وقال حرقوص بن النعمان قبل الغارة * ألا سقيانى قبل خيل أبى بكر * الابيات وكان حرقوص معرسا بامرأة من بنى هلال تدعى أم تغلب فقتلت تلك الليلة وعبادة بن البشر وامرؤ القيس ابن بشر وقيس بن بشر وهؤلاء بنو الثورية من بنى هلال وأصاب جرير بن عبد الله يوم المضيح من النمر عبد العزى بن أبى رهم بن قرواش أخا أوس مناة
من النمر وكان معه ومع لبيد بن جرير كتاب من أبى بكر بإسلامهما وبلغ أبا بكر قول عبد العزى وقد سماه عبد الله ليلة الغارة وقال سبحانك اللهم رب محمد فواده وودى لبيدا وكانا أصيبا في المعركة وقال أما إن ذلك ليس على إذ نازلا أهل الحرب وأوصى بأولادهما وكان عمر يعتد على خالد بقتلهما إلى قتل مالك يعنى ابن نويرة فيقول أبو بكر كذلك يلقى من ساكن أهل الحرب في ديارهم وقال عبد العزى أقول إذ طرق الصباح بغارة * سبحانك اللهم رب محمد سبحان ربى لا إله غيره * رب البلاد ورب من يتورد (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عطية عن عدى بن حاتم قال أغرنا على أهل المضيح وإذا رجل يدعى باسمه حرقوص بن النعمان من النمر وإذا حوله بنوه وامرأته وبينهم جفنة من خمر وهم عليها عكوف يقولون له ومن يشرب هذه الساعة وفى أعجاز الليل فقال اشربوا شرب وداع فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها هذا خالد بالعين وجنوده بحصيد وقد بلغه جمعنا وليس بتاركنا ثم قال ألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر * بعيد انتفاخ القوم بالعكر الدثر وقبل منايانا المصيبة بالقدر * لحين لعمري لا بزيد ولا يحرى

(2/581)


فسبق إليه وهو في ذلك بعض الخيل فضرب رأسه فإذا هو في جفنته وأخذنا بناته وقتلنا بنيه (الثنى والزميل) وقد نزل ربيعة بن بجير التغلبي الثنى والبشر غضبا لعقة وواعد روزبه وزرمهر والهذيل فلما أصاب خالد أهل المضيح بما أصابهم به تقدم إلى القعقاع والى أبى ليلى بأن يرتحلا أمامه وواعدهما الليلة ليفترقوا فيها للغارة عليهم من ثلاثة أوجه كما فعل بأهل المضيح ثم خرج خالد من المضيح فنزل حوران ثم
الرنق ثم الحماة وهى اليوم لبنى جنادة بن زهير من كلب ثم الزميل وهو البشر والثنى معه وهما اليوم شرقي الرصافة فبدأ بالثنى واجتمع هو وأصحابه فبيته من ثلاثة أوجه بياتا ومن اجتمع له واليه ومن تأشب لذلك من الشبان فجردوا فيهم السيوف فلم يفلت من ذلك الجيش محبر واستبى الشرخ وبعث بخمس الله إلى أبى بكر مع النعمان بن عوف بن النعمان الشيباني وقسم النهب والسبايا فاشترى على ابن أبى طالب عليه السلام بنت ربيعة بن بجير التغلبي فاتخذها فولدت له عمر ورقية وكان الهذيل حين نجا أوى إلى الزميل إلى عتاب بن فلان وهو بالبشر في عسكر ضخم فبيتهم بمثلها غارة شعواء من ثلاثة أوجه سبقت إليهم الخبر عن ربيعة فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا قبلها مثلها وأصابوا منهم ما شاؤا وكانت على خالد يمين ليبغتن تغلب في دارها وقسم خالد فيأهم في الناس وبعث بالاخماس إلى أبى بكر مع الصباح بن فلان المزني وكانت في الاخماس ابنة مؤذن النمري وليلى بنت خالد وريحانة بنت الهذيل بن هبيرة ثم عطف خالد من البشر إلى الرضاب وبها هلال بن عقة وقد ارفض عنه أصحابه حين سمعوا بدنو خالد وانقشع عنها هلال فلم يلق كيدا بها (حديث الفراض) ثم قصد خالد بعد الرضاب وبغتته تغلب إلى الفراض والفراض تخوم الشأم والعراق والجزيرة فأفطر بها رمضان في تلك السفرة التى اتصلت لها فيها الغزوات

(2/582)


والايام ونظمن نظما أكثر فيهن الرجاز إلى ما كان قبل ذلك منهن (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وشاركهم عمرو بن محمد عن رجل من بنى سعد عن ظفر بن دهى والمهلب بن عقبة قالوا فلما اجتمع المسلمون بالفراض حميت الروم واغتاظت واستعانوا بمن يليهم من مسالح أهل فارس
وقد حموا واغتاظوا واستمدوا تغلب واياد والنمر فأمدوهم ثم ناهدوا خالدا حتى إذا صار الفرات بينهم قالوا اما أن تعبروا الينا واما أن نعبر اليكم قال خالد بل اعبروا الينا قالوا فتنحوا حتى نعبر فقال خالد لا نفعل ولكن اعبروا أسفل منا وذلك للنصف من ذى القعدة سنة اثنتى عشرة فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض احتسبوا ملككم هذا رجل يقاتل على دين وله عقل وعلم ووالله لينصرن ولنخذلن ثم لم ينتفعوا بذلك فعبروا أسفل من خالد فلما تتاموا قالت الروم امتازوا حتى نعرف اليوم ما كان من حسن أو قبيح من أينا يجئ ففعلوا فاقتتلوا قتالا شديدا طويلا ثم ان الله عز وجل هزمهم وقال خالد للمسلمين ألحوا عليهم ولا ترفهوا عنهم فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه فإذا جمعوهم قتلوهم فقتل يوم الفراض في المعركة وفى الطلب مائة ألف وأقام خالد على الفراض بعد الوقعة عشرا ثم أذن في الفعل إلى الحيرة لخمس بقين من ذى القعدة وأمر عاصم ابن عمرو أن يسير بهم وأمر شجرة بن الاعز أن يسوقهم وأظهر خالد أنه في الساقة (حجة خالد) (قال أبو جعفر) وخرج خالد حاجا من الفراض لخمس بقين من ذى القعدة مكتتما بحجه ومعه عدة من أصحابه يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت فتأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل ولا ريبال فسار طريقا من طرق أهل الجزيرة لم ير طريق أعجب منه ولا أشد على صعوبته منه فكانت غيبته عن الجند يسيرة فما توافي إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب الساقة الذى وضعه فقدما معا وخالد وأصحابه محلقون لم يعلم بحجه الا من أفضى إليه بذلك من الساقة ولم يعلم أبو بكر

(2/583)


رحمه الله بذلك إلا بعد فعتب عليه وكانت عقوبته اياه أن صرفه إلى الشأم وكان مسير خالد من الفراض أن استعرض البلاد متعسفا متسمتا فقطع طريق الفراض
ماء العنبري ثم مثقبا ثم انتهى إلى ذات عرق فشرق منها فاسلمه إلى عرفات من الفراض وسمى ذلك الطريق الصد ووافاه كتاب من أبى بكر منصرفه من حجه بالحيرة يأمره بالشأم يقاربه ويباعده (قال أبو جعفر) قالوا فوافى خالدا كتاب أبى بكر بالحيرة منصرفه من حجه أن سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك فانهم قد شجوا وأشجوا واياك أن تعود لمثل ما فعلت فانه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجيك ولم ينزع الشجى من الناس نزعك فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتمم الله لك ولا يدخلنك عجب فتسخر وتخذل واياك ان تدل بعمل فإن الله له المن وهو ولى الجزاء (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبد الملك بن عطاء بن البكائى عن المقطع بن الهيثم البكائى عن أبيه قال كان أهل الايام من أهل الكوفة يوعدون معاوية عند بعض الذى يبلغهم ويقولون ما شاء معاوية نحن أصحاب ذات السلاسل ويسمون ما بينها وبين الفراض ما يذكرون ما كان بعد احتقارا لما كان بعد فيما كان قبل * وحدثني عمير بن شيبة قال حدثنا على بن محمد بالاسناد الذى قد مضى ذكره أن خالد بن الوليد أتى الانبار فصالحوه على الجلاء ثم أعطوه شيئا رضى به فأقرهم وأنه أغار على سوق بغداد من رستاق العال وأنه وجه المثنى على سوق فيها جمع لقضاعة وبكر فأصاب ما في السوق ثم سار إلى عين التمر ففتحها عنوة فقتل وسبى وبعث بالسبي إلى أبى بكر فكان أول سبى قدم المدينة من العجم وسار إلى دومة الجندل فقتل أكيدر وسبى ابنة الجودى ورجع فأقام بالحيرة هذا كله سنة اثنتى عشرة (وفيها) تزوج عمر رحمه الله عاتكة بنت زيد (وفيها) مات أبو مرثد الغنوى (وفيها) مات أبو العاصى بن الربيع في ذى الحجة وأوصى إلى الزبير وتزوج علي عليه السلام ابنته (وفيها) اشترى عمر أسلم مولاه (واختلف) فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال بعضهم حج بهم فيها أبو بكر رحمه الله

(2/584)


ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن ابن يعقوب مولى الحرقة عن رجل من بنى سهم عن ابن ماجدة السهمى أنه قال حج أبو بكر في خلافته سنة اثنتى عشرة وقد عارمت غلاما من أهلى فعض بأذنى فقطع منها أو عضضت بأذنه فقطعت منها فرفع شأننا إلى أبى بكر فقال اذهبوا بهما إلى عمر فلينظر فإن كان الجارح قد بلغ فليقدمنه فلما انتهى بنا إلى عمر رضى الله عنه قال لعمري لقد بلغ هذا ادعوا لى حجاما قال فلما ذكر الحجام قال أما إنى قد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قد أعطيت خالتي غلاما وأنا أرجو أن يبارك الله لها فيه وقد نهيتها أن تجعله حجاما أو قصابا أو صائغا فاقتص منه * وذكر الواقدي عن عثمان بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبى وجزة يزيد بن عبيد عن أبيه أن أبا بكر حج في سنة اثنتى عشرة واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رحمه الله وقال بعضهم حج بالناس سنة اثنتى عشرة عمر بن الخطاب ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال بعض الناس يقول لم يحج أبو بكر في خلافته وأنه بعث سنة اثنتى عشرة على الموسم عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث ففيها وجه أبو بكر رحمه الله الجيوش إلى الشام بعد منصرفه من مكة إلى المدينة * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال لما قفل أبو بكر من الحج سنة اثنتى عشرة جهز الجيوش إلى الشأم فبعث عمرو بن العاصى قبل
فلسطين فأخذ طريق المعرقة على أيلة وبعث يزيد بن أبى سفيان وأبا عبيدة ابن الجراح وشرحبيل بن حسنة وهو أحد الغوث وأمرهم أن يسلكوا التبوكية

(2/585)


على البلقاء من علياء الشأم * وحدثني عمر بن شيبة عن على بن محمد بالاسناد الذى ذكرت قبل عن شيوخه الذين مضى ذكرهم قال ثم وجه أبو بكر الجنود إلى الشأم أول سنة ثلاث عشرة فأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاصى ثم عزله قبل أن يسيره وولى يزيد بن أبى سفيان فكان أول الامراء الذين خرجوا إلى الشأم وخرجوا في سبعة آلاف (قال أبو جعفر) وكان سبب عزل أبى بكر خالد بن سعيد فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أن خالدا بن سعيد حين قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تربص ببيعته شهرين يقول قد أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يعزلني حتى قبضه الله وقد لقى على بن أبى طالب وعثمان بن عفان فقال يا بنى عبد مناف لقد طبتم نفسا عن أمركم يليه غيركم فأما أبو بكر فلما يحفلها عليه وأما عمر فاضطغنها عليه ثم بعث أبو بكر الجنود إلى الشأم وكان أول من استعمل على ربع منها خالد بن سعيد فأخذ عمر يقول أتؤمره وقد صنع ما صنع وقال ما قال فلم يزل بأبى بكر حتى عزله وأمر يزيد بن أبى سفيان (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مبشر بن فضيل عن جبير بن صخر حارس النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه قال كان خالد بن سعيد بن العاصى باليمن زمن النبي صلى الله عليه وسلم وتوفى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بها وقدم بعد وفاته بشهر وعليه جبة ديباج فلقى عمر بن الخطاب وعلي بن أبى طالب فصاح عمر بمن يليه مزقوا عليه جبته أيلبس الحرير وهو في رجالنا في السلم مهجور فمزقوا جبته فقال خالد يا أبا الحسن يا بنى عبد مناف أغلبتم عليها فقال علي عليه السلام أمغالبة ترى أم خلافة
قال لا يغالب على هذا الامر أولى منكم يا بنى عبد مناف وقال عمر لخالد فض الله فاك والله لا يزال كاذب يخوض فيما قلت ثم لا يضر إلا نفسه فأبلغ عمر أبا بكر مقالته فلما عقد أبو بكر الالوية لقتال أهل الردة عقد له فيمن عقد فنهاه عنه عمر وقال إنه لمخذول وإنه لضعيف التروية ولقد كذب كذبة لا يفارق الارض مدل بها وخائض فيها فلا يستنصر به فلم يحتمل أبو بكر عليه وجعله ردءا بتيماء أطاع عمر في بعض أمره وعصاه في بعض * كتب

(2/586)


إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى إسحق الشيباني عن أبى صفية التيمى تيم بن شيبان وطلحة عن المغيرة ومحمد عن أبى عثمان قالوا أمر أبو بكر خالدا بأن ينزل تيماء ففصل ردا حتى ينزل بتيماء وقد أمره أبو بكر أن لا يبرحها وأن يدعو من حوله بالانضمام إليه وأن لا يقبل إلا ممن لا يرتد ولا يقاتل الا من قاتله حتى يأتيه أمره فأقام فاجتمع إليه جموع كثيرة وبلغ الروم عظم ذلك العسكر فضربوا على العرب الضاحية البعوث بالشأم إليهم فكتب خالد بن سعيد إلى أبى بكر بذلك وبنزول من استنفرت الروم ونفر إليهم من بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان من دون زيزاء بثلاث فكتب إليه أبو بكر أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله فسار إليهم خالد فلما دنا منهم تفرقوا وأعروا منزلهم فنزله ودخل عامة من كان تجمع له في الاسلام وكتب خالد إلى أبى بكر بذلك فكتب إليه أبو بكر أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك فسار فيمن كان خرج معه من تيماء وفيمن لحق به من طرف الرمل حتى نزلوا فيما بين آبل وزيزاء والقسطل فسار إليه بطريق من بطارقة الروم يدعى باهان فهزمه وقتل جنده وكتب بذلك إلى أبى بكر واستمده وقد قدم على أبى بكر أوائل مستنفرى اليمن ومن بين مكة واليمن وفيهم ذو الكلاع وقدم عليه عكرمة قافلا وغازيا فيمن كان معه من تهامة وعمان والبحرين والسرو فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصدقات أن يبدلوا من
استبدل فكلهم استبدل فسمى ذلك الجيش جيش البدال فقدموا على خالد بن سعيد وعند ذلك اهتاج أبو بكر للشأم وعناه أمره وقد كان أبو بكر رد عمرو بن العاصى على عمالة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاها إياه من صدقات سعد هذيم وعذرة ومن لفها من جذام وحدس قبل ذهابه إلى عمان فخرج إلى عمان وهو على عدة من عمله إذا هو رجع فأنجز له ذلك أبو بكر فكتب أبو بكر عند اهتياجه للشأم إلى عمرو إنى كنت قد رددتك على العمل الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاكه مرة وسماه لك أخرى مبعثك إلى عمان انجاز المواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وليته ثم وليته وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو

(2/587)


خير لك في حياتك ومعادك منه إلا أن يكون الذى أنت فيه أحب إليك فكتب إليه عمرو إنى سهم من سهام الاسلام وأنت بعد الله الرامى بها والجامع لها فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به شيئا أن جاءك من ناحية من النواحى وكتب إلى الوليد بن عقبة بنحو ذلك فأجابه بإيثار الجهاد (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد قال كتب أبو بكر إلى أبو عمرو وإلى الوليد بن عقبة وكان على النصف من صدقات قضاعة وقد كان أبو بكر شيعهما مبعثهما على الصدقة وأوصى كل واحد منهما بوصية واحدة اتق الله في السر والعلانية فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا فان تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله إنك في سبيل من من سبل الله لا يسعك فيه الاذهان والتفريط والغفلة عما فيه قوام دينكم وعصمة أمركم فلا تن ولا تفتر وكتب إليهما استخلفا على اعمالكما واندبا من يليكما فولى عمرو على عليا قضاعة عمرو بن فلان العذري وولى الوليد على ضاحية قضاعة مما يلى دومة امرأ القيس وندبا الناس فتتام إليهما بشر كثير وانتظرا أمر أبى بكر
وقام أبو بكر في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال ألا إن لكل أمر جوامع فمن بلغها فهى حسبه ومن عمل لله كفاه الله عليكم بالجد والقصد فان القصد أبلغ إلا أنه لا دين لاحد لا إيمان له ولا أجر لمن لا حسبة له ولا عمل لمن لا نية له ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغى للمسلم أن يحب أن يخص به هي التجارة التى دل الله عليها ونجى بها من الخزى وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة فامد عمرا ببعض من انتدب إلى من اجتمع إليه وأمره على فلسطين وأمره بطريق سماها له وكتب إلى الوليد وأمره بالاردن وأمده ببعضهم ودعا يزيد بن أبى سفيان فأمره على جند عظيم هم جمهور من انتدب له وفى جنده سهيل بن عمرو وأشباهه من أهل مكة وشيعه ماشيا واستعمل أبا عبيدة بن الجراح على من اجتمع وأمره على حمص وخرج معه وهما ماشيان والناس معهما وخلفهما وأوصى كل واحد منهما (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن سهل

(2/588)


عن القاسم ومبشر عن عن سالم ويزيد بن أسيد الغساني عن خالد وعبادة قالوا ولما قدم الوليد عن خالد بن سعيد فسانده وقدمت جنود المسلمين الذين كان أبو بكر أمده بهم وسموا جيش البدال وبلغه عن الامراء وتوجههم إليه اقتحم على الروم طلب الخظوة وأعرى ظهره وبادر الامراء بقتال الروم واستطرد له باهان فأرز هو ومن معه إلى دمشق واقتحم خالد في الجيش ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد حتى ينزل مرح الصفر من بين الواقوصة ودمشق فانطوت مسالح باهان عليه وأخذوا عليه الطرق ولا يشعر وزحف له باهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمطره في الناس فقتلوهم وأتى الخبر خالدا فخرج هاربا في جريدة فأفلت من أفلت من أصحابه على ظهور الخيل والابل وقد أجهضوا عن عسكرهم ولم تنته بخالد بن سعيد الهزيمة عن ذى المروة وأقام عكرمة في الناس ردءا لهم فرد عنهم باهان وجنوده أن يطلبوه
وأقام من الشأم على قريب وقد قدم شرحبيل بن حسنة وافدا من عند خالد ابن الوليد فندب معه الناس ثم استعمله أبو بكر على عمل الوليد وخرج معه يوصيه فأتى شرحبيل على خالد ففصل بأصحابه الا القليل واجتمع إلى أبى بكر أناس فأمر عليهم معاوية وأمره باللحاق بيزيد فخرج معاوية حتى لحق بيزيد فلما مر بخالد فصل ببقية أصحابه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب لم يزل يكلم أبا بكر في خالد بن الوليد وفى خالد ابن سعيد فأبى أن يعطيه في خالد بن الوليد وقال لا أشيم سيفا سله الله على الكفار وأطاعه في خالد بن سعيد بعد ما فعل فعلته فأخذ عمرو طريق المعرقة وسلك أبو عبيدة طريقه وأخذ يزيد طريق التبوكية وسلك شرحبيل طريقه وسمى لهم أمصار الشأم وعرف أن الروم ستشغلهم فأحب أن يصعد المصوب ويصوب المصعد لئلا يتواكلوا فكان كما ظن وصاروا إلى ما أحب (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبى قال لما قدم خالد بن سعيد ذا المروة وأتى أبا بكر الخبر كتب إلى خالد أقم مكانك فلعمري إنك مقدام محجام نجاء من الغمرات لا تخوضها إلى حق ولا تصبر عليه ولما كان بعد وأذن له في دخوله

(2/589)


المدينة قال خالد اعذرني قال أخطل وأنت امر وجبن لدى الحرب فلما خرج من عنده قال كان عمر وعلى أعلم بخالد ولو أطعتهما فيه اختشيته واتقيته (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مبشر وسهل وأبى عثمان عن خالد وعبادة وأبى حارثة قالوا وأوعب القواد بالناس نحو الشأم وعكرمة ردء للناس وبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل وخرج هرقل حتى نزل بحمص فأعد لهم الجنود وعبى لهم العساكر وأراد اشتغال بعضهم عن بعض لكثرة جنده وفضول رجاله وأرسل إلى عمرو أخاه تذارق لابيه وأمه فخرج نحوهم في تسعين ألفا وبعث
من يسوقهم حتى نزل صاحب الساقة ثنية جلق بأعلى فلسطين وبعث جرجة بن توذرا نحو يزيد بن أبى سفيان فعسكر بإزائه وبعث الدراقص فاستقبل شرحبيل ابن حسنة وبعث الفيقار بن نسطوس في ستين ألفا نحو أبى عبيدة فهابهم المسلمون وجميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفا سوى عكرمة في ستة آلاف ففزعوا جميعا بالكتب وبالرسل إلى عمران ما الرأى فكاتبهم وراسلهم إن الرأى الاجتماع وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة وإذا نحن تفرقنا لم يبق الرجل منا في عدد يقرن فيه لاحد ممن استقبلنا وأعد لنا لكل طائفة منا فاتعدوا ليرموك ليجتمعوا به وقد كتب إلى أبى بكر بمثل ما كاتبوا به عمرا فطلع عليههم كتابة بمثل رأى عمرو بأن اجتمعوا فتكونوا عسكرا واحدا والقوا زحوف المشركين بزحف المسلمين فإنكم أعوان الله والله ناصر من نصره وخاذل من كفره ولن يؤتى مثلكم من قلة وإنما يؤتى العشرة آلاف والزيادة على العشرة آلاف إذا أتوا من تلقاء الذنوب فاحترسوا من الذنوب واجتمعوا باليرموك متساندين وليصل كل رجل منكم بأصحابه وبلغ ذلك هرقل فكتب إلى بطاقته أن اجتمعوا لهم وانزلوا بالروم منزلا واسع العطن واسع المطرد ضيق المهرب وعلى الناس التذارق وعلى المقدمة جرجة وعلى مجنبتيه باهان والدراقص وعلى الحرب الفيقار وابشروا فإن باهان في الاثر مددا لكم ففعلوا فنزلوا الواقوصة وهى على ضفة اليرموك وصار الوادي خندقا لهم وهو لهب لا يدرك وإنما أراد باهان وأصحابه

(2/590)


أن تستفيق الروم ويأنسوا بالمسلمين وترجع إليهم أفئدتهم عن طريتها وانتقل المسلمون عن عسكرهم الذى اجتمعوا به فنزل عليهم بحذائهم على طريقهم وليس للروم طريق إلا عليهم فقال عمرو أيها الناس ابشروا حصرت والله الروم وقل ما جاء محصور بخير فأقاموا بازائهم وعلى طريقهم ومخرجهم صفر من سنة
ثلاث عشرة وشهرى ربيع لا يقدرون من الروم على شئ ولا يخلصون إليهم اللهب وهو الواقوصة من ورائهم والخندق من أمامهم ولا يخرجون خرجة إلا أديل المسلمون منهم حتى إذا سلخوا شهر ربيع الاول وقد استمدوا أبا بكر وأعلموه الشأن في صفر فكتب إلى خالد ليلحق بهم وأمره أن يخلف على العراق المثنى فوافاهم في ربيع (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو والمهلب قالوا ولما نزل المسلمون اليرموك واستمدوا أبا بكر قال خالد لها فبعث إليه وهو بالعراق وعزم عليه واستحثه في السير فنفذ خالد لذلك فطلع عليهم خالد وطلع باهان على الروم وقد قدم قدامه الشمامسة والرهبان والقسيسين يغرونهم ويحضضونهم على القتال ووافق قدوم خالد قدوم باهان فخرج بهم باهان كالمقتدر فولى خالد قتاله وقاتل الامراء من بازائهم فهزم باهان وتتابع الروم على الهزيمة فاقتحموا خندقهم وتيمنت الروم بباهان وفرح المسلمون بخالد وحرد المسلمون وحرب المشركون وهم أربعون ومائتا ألف منهم ثمانون ألف مقيد وأربعون ألفا منهم مسلسل للموت وأربعون ألفا مربطون بالعمائم وثمانون ألف فارس وثمانون ألف راجل والمسلمون سبعة وعشرون ألفا ممن كان مقيما إلى أن قدم عليهم خالد في تسعة آلاف فصاروا ستة وثلاثين ألفا ومرض أبو بكر رحمه الله في جمادى الاولى وتوفى للنصف من جمادى الآخرة قبل الفتح بعشر ليال خبر اليرموك (قال أبو جعفر) وكان أبو بكر قد سمى لكل أمير من أمراء الشأم كورة فسمى لابي عبيدة بن عبد الله بن الجراح حمص وليزيد بن أبى سفيان دمشق ولشرحبيل

(2/591)


ابن حسنة الاردن ولعمرو بن العاصى ولعلقمة بن مجزز فلسطين فلما فرغا منها نزل علقمة وسار إلى مصر فلما شارفوا الشام دهم كل أمير منهم قوم كثير فأجمع رأيهم
أن يجتمعوا بمكان واحد وأن يلقوا جمع المشركين بجمع المسلمين ولما رأى خالد أن المسلمين يقاتلون متساندين قال لهم هل لكم يا معشر الرؤساء في أمر يعز الله به الدين ولا يدخل عليكم معه ولا منه نقيصة ولا مكروه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان يزيد بن أسيد الغساني عن خالد وعبادة قالا توافي إليها مع الامراء والجنود الاربعة سبعة وعشرون ألفا وثلاثة آلاف من فلال خالد بن سعيد أمر عليهم أبو بكر معاوية وشرحبيل وعشرة آلاف من أمداد أهل العراق مع خالد بن الوليد سوى ستة آلاف ثبتوا مع عكرمة ردأ بعد خالد بن سعيد فكانوا ستة وأربعين ألفا وكل قتالهم كان على تساند كل جند وأميره لا يجمعهم أحد حتى قدم عليهم خالد من العراق وكان عسكر أبى عبيدة باليرموك مجاورا لعسكر عمرو بن العاصى وعسكر شرحبيل مجاورا لعسكر يزيد بن أبى سفيان فكان أبو عبيدة ربما صلى مع عمرو وشرحبيل مع يزيد فأما عمرو ويزيد فإنهما كانا لا يصليان مع أبى عبيدة وشرحبيل وقدم خالد بن الوليد وهم على حالهم تلك فعسكر على حدة فصلى بأهل العراق ووافق خالد بن الوليد المسلمين وهم متضايقون بمدد الروم عليهم باهان ووافق الروم وهم نشاط بمددهم فالتقوا فهزمهم الله حتى ألجأهم وامدادهم إلى الخنادق والواقوصة أحد حدوده فلزموا خندقهم عامة شهر يحضهم القسيسون والشمامسة والرهبان وينعون لهم النصرانية حتى استبصروا فخرجوا للقتال الذى لم يكن بعده قتال مثله في جمادى الآخرة فلما أحس المسلمون خروجهم وأرادوا الخروح متساندين سار فيهم خالد بن الوليد فحمد الله وأثنى عليه وقال إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغى فيه الفخر ولا البغى أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبية على تساند وانتشار فان ذلك لا يحل ولا ينبغى وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا فاعملوا فيما لم تؤمروا به الذى ترون أنه الرأى

(2/592)


من واليكم ومحبته قالوا فهات فما الرأى قال إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر ولو علم بالذى كان ويكون لقد جمعكم إن الذى أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم وأنفع للمشركين من امدادهم ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم فالله الله فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه إن دان لاحد من أمراء الجنود ولا يزيده عليه إن دانوا له إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم هلموا فإن هؤلاء قد تهيؤا وهذا يوم له ما بعده إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم وإن هزمونا لم نفلح بعدها فهلموا فلنتعاور الامارة فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم ودعوني إليكم اليوم فأمروه وهم يرون أنها كخرجاتهم وأن الامر أطول مما صاروا إليه فخرجت الروم في تعبية لم ير الراؤون مثلها قط وخرج خالد في تعبية لم تعبها العرب قبل ذلك فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الاربعين وقال إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبية تعبية أكثر من رأى العين من الكراديس فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاصى وفيها شرحبيل بن حسنة وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبى سفيان وكان على كردوس من كراديس أهل العراق القعقاع بن عمرو وعلى كردوس مذعور بن عدى وعياض بن غنم على كردوس وهاشم ابن عتبة على كردوس وزياد بن حنظلة على كردوس وخالد في كردوس وعلى فالة خالد ابن سعيد دحية بن خليفة على كردوس وامرؤ القيس على كردوس ويزيد بن يحنس على كردوس وأبو عبيدة على كردوس وعكرمة على كردوس وسهيل على كردوس وعبد الرحمن بن خالد على كردوس وهو يومئذ ابن ثمانى عشرة سنة وحبيب بن مسلمة على كردوس وصفوان بن أمية على كردوس وسعيد بن خالد
على كردوس وأبو الاعور بن سفيان على كردوس وابن ذى الخمار على كردوس وفى الميمنة عمارة بن مخشى بن خويلد على كردوس وشرحبيل على كردوس ومعه خالد بن سعيد وعبد الله بن قيس على كردوس وعمرو بن عبسة على كردوس

(2/593)


والسمط بن الاسود على كردوس وذو الكلاع على كردوس ومعاوية بن حديج على آخر وجندب بن عمرو بن حممة على كردوس وعمرو بن فلان على كردوس ولقيط بن عبد القيس بن بجرة حليف لبنى ظفر من بنى فزارة على كردوس وفى الميسرة يزيد بن أبى سفيان على كردوس والزبير على كردوس وحوشب ذو ظليم على كردوس وقيس بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن مازن بن صعصعة من هوازن حليف لبنى النجار على كردوس وعصمة بن عبد الله حليف لبنى النجار من بنى أسد على كردوس وضرار بن الازور على كردوس ومسروق بن فلان على كردوس وعتبة بن ربيعة بن بهز حليف لبنى عصمة على كردوس وجارية ابن عبد الله الاشجعى حليف لبنى سلمة على كردوس وقباث على كردوس وكان القاضى أبو الدرداء وكان القاص أبو سفيان بن حرب وكان على الطلائع قباث ابن أشيم وكان على الاقباض عبد الله بن مسعود (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة نحوا من حديث أبى عثمان وقالوا جميعا وكان القارئ المقداد ومن السنة التى سن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر أن يقرأ سورة الجهاد عند اللقاء وهى الانفال ولم يزل الناس بعد ذلك على ذلك (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان يزيد بن أسيد الغساني عن عبادة وخالد قالا شهد اليرموك ألف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم نحو من مائة من أهل بدر قالا وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس فيقول الله الله إنكم ذادة العرب وأنصار الاسلام وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك
اللهم إن هذا يوم من أيامك اللهم أنزل نصرك على عبادك قالا وقال رجل لخالد ما أكثر الروم وأقل المسلمين فقال خالد ما أقل الروم وأكثر المسلمين إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال والله لوددت أن الاشقر براء من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد وكان فرسه قد حفى في مسيره قالا فأمر خالد عكرمة والقعقاع وكانا على مجنبتى القلب فانشبا القتال وارتجز القعقاع وقال يا ليتنى ألقاك في الطراد * قبل اعترام الجحفل الوراد

(2/594)


وأنت في حلبتك الوراد وقال عكرمة قد علمت بهكنة الجوارى * أنى على مكرمة أحامي فنشب القتال والتحم الناس وتطارد الفرسان فإنهم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة فأخذته الخيول وسألوه الخبر فلم يخبرهم إلا بسلامة وأخبرهم عن إمداد وإنما جاء بموت أبى بكر رحمه الله وتأمير أبى عبيدة فأبلغوه خالدا فأخبره خبر أبى بكر أسره إليه وأخبره بالذى أخبر به الجند قال أحسنت فقف وخذ الكتاب وجعله في كنانته وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر له أمر الجند فوقف محمية بن زنيم مع خالد وهو الرسول وخرج جرجة حتى كان بين الصفين ونادى ليخرج إلى خالد فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه فوافقه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما وقد أمن أحدهما صاحبه فقال جرجة يا خالد أصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم قال لا قال فبم سميت سيف الله قال إن الله عز وجل بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم فدعانا فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعا ثم إن بعضنا صدقه وتابعه
وبعضنا باعده وكذبه فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه فقال أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين ودعا لى بالنصر فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين قال صدقتني ثم أعاد عليه جرجة يا خالد أخبرني إلام تدعوني قال إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والاقرار بما جاء به من عند الله قال فمن لم يجبكم قال فالجزية ونمنعهم قال فإن لم يعطها قال نؤذنه بحرب ثم نقاتله قال فما منزلة الذى يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الامر اليوم قال منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا ثم أعاد عليه جرجة هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل مالكم من الاجر والذخر قال نعم وأفضل قال وكيف يساويكم

(2/595)


وقد سبقتموه قال إنا دخلنا في هذا الامر وبايعنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حى بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتب ويرينا الآيات وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج فمن دخل في هذا الامر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا قال جرجة بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ولم تألفني قال بالله لقد صدقتك وما بى إليك وإلى أحد منكم وحشة وإن الله لولى ما سألت عنه فقال صدقتني وقلب الترس ومال مع خالد وقال علمني الاسلام فمال به خالد إلى فسطاطه فشن عليه قربة من ماء ثم صلى ركعتين وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة والحارث بن هشام وركب خالد ومعه جرجة والروم خلال المسلمين فتنادى الناس فثابوا وتراجعت الروم إلى مواقفهم فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب ثم أصيب
جرجة ولم يصل صلاة سجد فيها إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما وصلى الناس الاولى والعصر إيماء وتضعضع الروم ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم وكان مقاتلهم واسع المطرد ضيق المهرب فلما وجدت خيلهم مذهبا ذهبت وتركوا رجلهم في مصافهم وخرجت خيلهم تشتد بهم في الصحراء وأخر الناس الصلاة حتى صلوا بعد الفتح ولما رأى السلمون خيل الروم توجهت للهرب أفرجوا لها ولم يحرجوها فذهبت فتفرقت في البلاد وأقبل خالد والمسلمون على الرجل ففضوهم فكأنما هدم بهم حائط فاقتحموا في خندقهم فاقتحمه عليهم فعمدوا إلى الواقوصة حتى هوى فيها المقرنون وغيرهم فمن صبر من المقترنين للقتال هوى به من جشعت نفسه فيهوى الواحد بالعشرة لا يطيقونه كلما هوى أثنان كانت البقية أضعف فتهافت في الواقوصة عشرون ومائة ألف ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق سوى من قتل في المعركة من الخيل والرجل فكان سهم الفارس يومئذ ألفا وخمسمائة وتجلل الفيقار وأشراف من أشراف

(2/596)


الروم برانسهم ثم جلسوا وقالوا لا نحب أن نرى يوم السوء إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية فأصيبوا في تزملهم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان عن خالد وعبادة قالا أصبح خالد من تلك الليلة وهو في رواق تذارق لما دخل الخندق نزله وأحاطت به خيله وقاتل الناس حتى أصبحوا (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان الغساني عن أبيه قال قال عكرمة بن أبى جهل يومئذ قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن وأفر منكم اليوم ثم نادى من يبايع على الموت فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الازور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا وقتلوا إلا من برأ ومنهم ضرار
ابن الازور قال وأتى خالد بعد ما أصبحوا بعكرمة جريحا فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء ويقول كلا زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عميس عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبى أمامة وكان شهد اليرموك هو وعبادة بن الصامت أن النساء قاتلن يوم اليرموك في جولة فخرجت جويرية ابنة أبى سفيان في جولة وكانت مع زوجها بعد قتال شديد وأصيبت يومئذ عين أبى سفيان فأخرج السهم من عينه أبو حسمة (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد عن أرطأة بن جهيش قال كان الاشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية فخرج يومئذ رجل من الروم فقال من يبادر فخرج إليه الاشتر فاختلفا ضربتين فقال للرومي خذها وأنا الغلام الايادي فقال الرومي أكثر الله في قومي مثلك أما والله لو لا أنك من قومي لزرت الروم فأما الآن فلا أعينهم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى عثمان وخالد وكان ممن أصيب في الثلاثة الآلاف الذين أصيبوا يوم اليرموك عكرمة وعمرو بن عكرمة وسلمة بن هشام وعمرو بن سعيد وأبان بن سعيد وأثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين مات بعد وجندب بن عمرو بن حممة الدوسى

(2/597)


والطفيل بن عمرو وضرار بن الازور أثبت فبقى وطليب بن عمير بن وهب من بنى عبد بن قصى وهبار بن سفيان وهشام بن العاصى (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال لقى خالدا مقدمه الشأم مغيثا لاهل اليرموك رجل من روم العرب فقال يا خالد ان الروم في جمع كثير مائتي ألف أو يزيدون فان رأيت أن ترجع على حاميتك فافعل فقال خالد أبالروم تخوفنى والله لوددت ان الاشقر براء من توجيه وانهم أضعفوا ضعفهم فهزمهم
الله على يديه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد عن ارطاة بن جهيش قال قال خالد يومئذ الحمد لله الذى قضى على أبى بكر الموت وكان أحب الي من عمر والحمد لله الذى ولى عمر وكان أبغض إلى من أبى بكر ثم الزمني حبه (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو ابن ميمون قالوا وقد كان هرقل حج قبل مهزم خالد بن سعيد فحج بيت المقدس فبينا هو مقيم به أتاه الخبر بقرب الجنود منه فجمع الروم وقال أرى من الرأى ألا تقاتلوا هؤلاء القوم وأن تصالحوهم فو الله لئن تعطوهم نصف ما أخرجت الشأم وتأخذوا نصفا وتقر لكم جبال الروم خير لكم من أن يغلبوكم على الشأم ويشاركوكم في جبال الروم فنخر أخوه ونخر ختنه وتصدع عنه من كان حوله فلما رآهم يعصونه ويردون عليه بعث أخاه وأمر الامراء ووجه إلى كل جند جندا فلما اجتمع المسلمون أمرهم بمنزل واحد واسع جامع حصين فنزلوا بالواقوصة وخرج فنزل حمص فلما بلغه أن خالدا قد طلع على سوى وانتسف أهله وأموالهم وعمد إلى بصرى وافتتحها وأباح عذراء قال لجلسائه ألم أقل لكم لا تقاتلوهم فانه لا قوام لكم مع هؤلاء القوم ان دينهم دين جديد يجدد لهم ثبارهم فلا يقوم لهم أحد حتى يبلى فقالوا قاتل عن دينك ولا تجبن الناس واقض الذى عليك قال وأى شئ أطلب إلا توفير دينكم ولما نزلت جنود المسلمين اليرموك بعث إليهم المسلمون انا نريد كلام أميركم وملاقاته فدعونا نأته ونكلمه فأبلغوه فأذن لهم فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبى سفيان كالرسول والحارث بن هشام وضرار بن

(2/598)


الازور وأبو جندل بن سهيل ومع أخى الملك يومئذ ثلاثون رواقا في عسكره وثلاثون سرادقا كلها من ديباج فلما انتهوا إليها أبوان يدخلوا عليه فيها وقالوا لا نستحل الحرير فابرز لنا فبرز إلى فرش ممهدة وبلغ ذلك هرقل فقال ألم أقل لكم
هذا أول الذل أما الشأم فلا شأم وويل للروم من المولود المشؤم ولم يتأت بينهم وبين المسلمين صلح فرجع أبو عبيدة وأصحابه واتعدوا فكان القتال حتى جاء الفتح (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن مطرح عن القاسم عن أبى أمامة وأبى عثمان عن يزيد بن سنان عن رجال من أهل الشام ومن أشياخهم قالوا لما كان اليوم الذى تأمر فيه خالد هزم الله الروم مع الليل وصمد المسلمون العقبة وأصابوا ما في العسكر وقتل الله صناديدهم ورؤوسهم وفرسانهم وقتل الله أخا هرقل وأخذ التذارق وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون مدينة حمص فارتحل فجعل حمص بينه وبينهم وأمر عليها أميرا وخلفه فيها كما كان أمر على دمشق وأتبع المسلمون الروم حين هزموهم خيولا لا يثفنونهم ولما صار إلى أبى عبيدة الامر بعد الهزيمة نادى بالرحيل وارتحل المسلمون بزحفهم حتى وضعوا عساكرهم بمرج الصفر قال أبو أمامة فبعثت طليعة من مرج الصفر معى فارسان حتى دخلت الغوطة فجستها بين أبياتها وشجراتها فقال أحد صاحبي قد بلغت حيث أمرت فانصرف لا تهلكنا فقلت قف مكانك حتى تصبح أو آتيك فسرت حتى دفعت إلى باب المدينة وليس في الارض أحد ظاهر فنزعت لجام فرسى وعلقت عليها مخلاتها وركزت رمحي ثم وضعت رأسي فلم أشعر إلا بالمفتاح يحرك عند الباب ليفتح فقمت فصليت الغداة ثم ركبت فرسى فحملت عليه فطعنت البواب فقتلته ثم انكفأت راجعا وخرجوا يطلبوني فجعلوا يكفون عنى مخافة أن يكون لى كمين فدفعت إلى صاحبي الادنى الذى أمرته أن يقف فما رأوه قالوا هذا كمين انتهى إلى كمينه فانصرفوا وسرت أنا وصاحبى حتى دفعنا إلى صاحبنا الثاني فسرنا حتى انتهينا إلى المسلمين وقد عزم أبو عبيدة أن لا يبرح حتى يأتيه رأى عمر وأمره فأتاه فرحلوا حتى نزلوا على دمشق وخلف باليرموك بشير بن

(2/599)


كعب بن أبى الحميرى في خيل (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعد عن أبى سعيد قال قال قباث كنت في الوفد في فتح اليرموك وقد أصبنا خيرا ونفلا كثيرا فمر بنا الدليل على ماء رجل قد كنت اتبعته في الجاهلية حين أدركت وأنست من نفسي لاصيب منه كنت دللت عليه فأتيته فأخبرته فقال قد أصبت فإذا ريبال من ربالة العرب قد كان يأكل في اليوم عجز جزور بأدمها ومقدار ذلك من غير العجز ما يفضل عنه إلا ما يقوتنى وكان يغير على الحى ويدعنى قريبا ويقول إذا مر بك راجز يرتجز بكذا وكذا فانا ذلك فشل معى فمكثت بذلك حتى أقطعنى قطيعا من مال وأتيت به أهلى فهو أول مال أصبته ثم إنى رأست قومي وبلغت مبلغ رجال العرب فلما مر بنا على ذلك الماء عرفته فسألت عن بيته فلم يعرفوه وقالوا هو حى فأتيت ببنين استفادهم بعدى فأخبرتهم خبرى فقالوا اغد علينا غدا فانه أقرب (معا ؟) يكون إلى ما تحب بالغداة فغاديتهم فأدخلت عليه فأخرج من خدره فأجلس لى فلم أزل أذكره حتى ذكر وتسمع وجعل يطرب للحديث ويستطعمنيه وطال مجلسنا وثقلنا على صبيانهم ففرقوه ببعض ما كان يفرق منه ليدخل خدره فوافق ذلك عقله فقال قد كنت وما أفزع فقلت أجل فأعطيته ولم أدع أحدا من أهله إلا أصبته بمعروف ثم ارتحلت (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن أبى سعيد المقبرى قال قال مروان بن الحكم لقباث أأنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله أكبر منى وأنا أقدم منه قال فما أبعد ذكرك قال خشى الفيل لسنة قال وما أعجب ما رأيت قال رجل من قضاعة إنى لما أدركت وأنست من نفسي سألت عن رجل أكون معه وأصيب منه فدللت عليه واقتص هذا الحديث * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحاق عن صالح بن كيسان أن أبا بكر رحمه الله حين سار القوم خرج مع يزيد بن أبى سفيان يوصيه وأبو بكر يمشى ويزيد
راكب فلما فرغ من وصيته قال أقرئك السلام وأستودعك الله ثم انصرف ومضى يزيد فأخذ التبوكية ثم تبعه شرحبيل بن حسنة ثم أبو عبيدة بن الجراح مددا لهما

(2/600)


على بربع فسلكوا ذلك الطريق وخرج عمرو بن العاصى حتى نزل بغمر العربات ونزلت الروم بثنية جلق بأعلى فلسطين في سبعين ألفا عليهم تذارق أخو هرقل لابيه وأمه فكتب عمرو بن العاصى إلى أبى بكر يذكر له أمر الروم ويستمده وخرج خالد بن سعيد بن العاصى وهو بمرج الصفر من أرض الشام في يوم مطير يستمطر فيه فتعاوى عليه اعلاج الروم فقتلوه وقد كان عمرو بن العاصى كتب إلى أبى بكر يذكر له أمر الروم ويستمده (قال أبو جعفر) وأما أبو زيد فحدثني عن على بن محمد بالاسناد الذى قد ذكرت قبل أن أبا بكر رحمه الله وجه بعد خروج يزيد بن أبى سفيان متوجها إلى الشأم بأيام شرحبيل بن حسنة قال وهو شرحبيل ابن عبد الله بن المطاع بن عمرو من كندة ويقال من الازد فسار في سبعة آلاف ثم أبو عبيدة بن الجراح في سبعة آلاف فنزل يزيد البلقاء ونزل شرحبيل الاردن ويقال بصرى ونزل أبو عبيدة الجابية ثم أمدهم بعمرو بن العاصى فنزل بغمر العربات ثم رغب الناس في الجهاد فكانوا يأتون المدينة فيوجههم أبو بكر إلى الشأم فمنهم من يصير مع أبى عبيدة ومنهم من يصير مع يزيد يصير كل قوم مع من أحبوا قالوا فأول صلح كان بالشأم صلح مآب وهى فسطاط ليست بمدينة مر أبو عبيدة بهم في طريقه وهى قرية من البلقاء فقاتلوه ثم سألوه الصلح فصالحهم واجتمع الروم جمعا بالعربة من أرض فلسطين فوجه إليهم يزيد بن أبى سفيان أبا أمامة الباهلى ففض ذلك الجمع قالوا فأول حرب كانت بالشأم بعد سرية أسامة بالعربة ثم أتوا الداثنة ويقال الداثن فهزمهم أبو أمامة الباهلى وقتل بطريقا منهم ثم كانت مرج الصفر استشهد فيه خالد بن سعيد بن العاصى أتاهم أدرنجار في أربعة آلاف وهم غارون فاستشهد
خالد وعدة من المسلمين (قال أبو جعفر) وقيل إن المقتول في هذه الغزوة كان ابنا لخالد بن سعيد وإن خالد انحاز حين قتل ابنه فوجه أبو بكر خالد بن الوليد أميرا على الامراء الذين بالشام ضمهم إليه فشخص خالد من الحيرة في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة في ثمانمائة ويقال في خمسمائة واستخلف على عمله المثنى بن حارثة فلقيه عدو بصندوداء فظهر بهم وخلف بها ابن حرام الانصاري ولقى جمعا بالمضيح

(2/601)


والحصيد عليهم ربيعة بن بجير التغلبي فهزمهم وسبى وغنم وسار ففوز من قراقر إلى سوى فأغار على أهل سوى واكتسح أموالهم وقتل حرقوص بن النعمان البهرانى ثم أتى أرك فصالحوه وأتى تدمر فتحصنوا ثم صالحوه ثم أتى القريتين فقاتلهم فظفر بهم وغنم وأتى حوارين فقاتلهم فهزمهم وقتل وسبى وأتى قصم فصالحه بنو مشجعة من قضاعة وأتى مرج راهط فأغار على غسان في يوم فصحهم فقتل وسبى ووجه بسر بن أرطاة وحبيب بن مسلمة إلى الغوطة فأتوا كنيسة فسبوا الرجال والنساء وساقوا العيال إلى خالد قال فوافى خالدا كتاب أبى بكر بالحيرة منصرفه من حجه أن سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك فانهم قد شجوا وأشجوا وإياك أن تعود لمثل ما فعلت فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجيك ولم ينزع الشجى من الناس نزعك فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتمم الله لك ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل وإياك أن تدل بعمل فإن الله عز وجل له المن وهو ولى الجزاء (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبد الملك ابن عطاء عن الهيثم البكائى قال كان أهل الايام من أهل الكوفة يوعدون معاوية عند بعض الذى يبلغهم ويقولون ما شاء معاوية نحن أصحاب ذات السلاسل ويسمون ما بينها وبين الفراض ما يذكرون ما كان بعد احتقارا لما كان بعد فيما كان قبل (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن اسحاق
ابن ابراهيم عن ظفر بن دهى ومحمد بن عبد الله عن أبى عثمان وطلحة عن المغيرة والمهلب بن عقبة عن عبد الرحمن بن سياه الاحمري قالوا كان أبو بكر قد وجه خالد بن سعيد بن العاصى إلى الشأم حيث وجه خالد بن الوليد إلى العراق وأوصاه بمثل الذى أوصى به خالدا وأن خالد بن سعيد سار حتى نزل على الشأم ولم يقتحم واستجلب الناس فعز فهابته الروم فأحجموا عنه فلم يصبر على أمر أبى بكر ولكن توردها فاستطردت له الروم حتى أوردوه الصفر ثم تعطفوا عليه بعد ما أمن فوافقوا ابنه سعيد بن خالد مستمطرا فقتلوه هو ومن معه وأتى الخبر خالدا فخرج هاربا حتى يأتي البر فينزل منزلا واجتمعت الروم إلى اليرموك فنزلوا

(2/602)


به وقالوا والله لنشغلن أبا بكر في نفسه عن تورد بلادنا بخيوله وكتب خالد بن سعيد إلى أبى بكر بالذى كان فكتب أبو بكر إلى عمرو بن العاصى وكان في بلاد قضاعة بالسير إلى اليرموك ففعل وبعث أبا عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبى سفيان وأمر كل كل واحد منهما بالغارة وأن لا توغلوا حتى لا يكون وراءكم أحد من عدوكم وقدم عليه شرحبيل بن حسنة بفتح من فتوح خالد فسرحه نحو الشام في جند وسمى لكل رجل من أمراء الاجناد كورة من كور الشأم فتوافوا باليرموك فلما رأت الروم توافيهم ندموا على الذى ظهر منهم ونسوا الذى كانوا يتوعدون به أبا بكر واهتموا وهمتهم أنفسهم وشجوهم وأشجوا بهم ثم نزلوا الواقوصة وقال أبو بكر والله لانسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد فكتب إليه بهذا الكتاب الذى فوق هذا الحديث وأمره أن يستخلف المثنى بن حارثة على العراق في نصف الناس فإذا فتح الله على المسلمين الشام فارجع إلى عملك بالعراق وبعث خالد بالاخماس إلا ما نفل منها مع عمير بن سعد الانصاري وبمسيره إلى الشام ودعا خالد الادلة فارتحل من الحيرة سائرا إلى دومة ثم طعن في البر إلى
قراقر ثم قال كيف لى بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم فإنى إن استقبلتها حبستنى عن غياث المسلمين فكلهم قال لا نعرف إلا طريقا لا يحمل الجيوش يأخذه الفذ الراكب فإياك أن تغرر بالمسلمين فعزم عليه ولم يجبه إلى ذلك إلا رافع بن عميرة على تهيب شديد فقام فيهم فقال لا يختلفن هديكم ولا يضعفن يقينكم واعلموا إن المعونة تأتى على قدر النية والاجر على قدر الحسبة إن المسلم لا ينبغى له أن يكترث بشئ يقع فيه مع معونه الله له فقالوا له أنت رجل قد جمع الله لك الخير فشأنك فتطابقوه ونووا واحتسبوا واشتهوا مثل الذى اشتهى خالد فأمرهم خالد فترووا للشفة لخمس وأمر صاحب كل خيل بقدر ما يسقيها فظمأ كل قائد من الابل الشرف الجلال ما يكتفى به ثم سقوها العلل بعد النهل ثم صروا آذان الابل وكعموها وخلوا أدبارها ثم ركبوا من قراقر مفوزين إلى سوى وهى على جانبها الاخر مما يلى الشأم فلما ساروا يوما افتظوا لكل عدة من الخيل عشرا

(2/603)


من تلك الابل فمزجوا ما في كروشها بما كان من الالبان ثم سقوا الخيل وشربوا للشفة جرعا ففعلوا ذلك أربعة أيام (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عبيد الله بن محفز بن ثعلبة عمن حدثه من بكر بن وائل أن محرز بن حريش المحاربي قال لخالد اجعل كوكب الصبح على حاجبك الايمن ثم أمه تفض إلى سوى فكان أدلهم (قال أبو جعفر الطبري) وشاركهم محمد وطلحة قالوا لما نزل بسوى وخشى أن يفضحهم حر الشمس نادى خالد رافعا ما عندك قال خير أدركتم الرى وأنتم على الماء وشجعهم وهو متحير أرمد وقال أيها الناس انظروا علمين كأنهما ثديان فأتوا عليهما وقالوا علمان فقام عليهما فقال اضربوا يمنة ويسرة لعوسجة كقعدة الرجل فوجدوا جذمهما فقالوا جذم ولا نرى شجرة فقال احتفروا حيث شئتم فاستثاروا أوشالا وأحساء رواء فقال رافع أيها الامير والله
ما وردت هذا الماء منذ ثلاثين سنة وما وردته إلا مرة وأنا غلام مع أبى فاستعدوا ثم أغاروا والقوم لا يرون ان جيشا يقطع إليهم (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن إسحاق بن إبراهيم عن ظفر بن دهى قال فأغار بنا خالد من سوى على مضيح بهراء بالقصوانى ماء من المياه فصبح المضيح والنمر وإنهم لغارون وإن رفقة لتشرب في وجه الصبح وساقيهم يغنيهم ويقول ألا صبحانى قبل جيش أبى بكر فضربت عنقه فاختلط دمه بخمره (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد بإسناده الذى تقدم ذكره قال ولما بلغ غسان خروج خالد على سوى وانتسافها وغارته على مضيح بهراء وانتسافها فاجتمعوا بمرج راهط وبلغ ذلك خالدا وقد خلف ثغور الروم وجنودها مما يلى العراق فصار بينهم وبين اليرموك صمد لهم فخرج من سوى بعد ما رجع إليها بسبي بهراء فنزل الرمانتين علمين على الطريق ثم نزل الكثب حتى صار إلى دمشق ثم مرج الصفر فلقى عليه غسان وعليهم الحارث بن الايهم فانتسف عسكرهم وعيالاتهم ونزل بالمرج أياما وبعث إلى

(2/604)


أبى بكر بالاخماس مع بلال بن الحارث المزني ثم خرج من المرج حتى ينزل قناة بصرى فكانت أول مدينة افتتحت بالشأم على يدى خالد فيمن معه من جنود العراق وخرج منها فوافى المسلمين بالواقوصة فنازلهم بها في تسعة آلاف (كتب إلى السرى) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا ولما رجع خالد من حجه وافاه كتاب أبى بكر بالخروج في شطر الناس وأن يخلف على الشطر الباقي المثنى بن حارثة وقال لا تأخذن نجدا الا خلفت له نجدا فإذا فتح الله عليكم فارددهم إلى العراق وأنت معهم ثم أنت على عملك وأحضر خالد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأثر بهم على المثنى وترك للمثنى أعدادهم من أهل القناعة
ممن لم يكن له صحبة ثم نظر فيمن بقى فاختلج من كان قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وافدا أو غير وافد وترك للمثنى أعدادهم من أهل القناعة ثم قسم الجند نصفين فقال المثنى والله لا أقيم الا على إنفاذ أمر أبى بكر كله في استصحاب نصف الصحابة أو بعض النصف وبالله ما أرجو النصر إلا بهم فأنى تعرينى منهم فلما رأى ذلك خالد بعد ما تلكأ عليه أعاضه منهم حتى رضى وكان فيمن أعاضه منهم فرات بن حيان العجلى وبشير بن الخصاصية والحارث بن حسان الذهليان ومعبد بن أم معبد الاسلمي وعبد الله بن أبى أوفى الاسلمي والحارث بن بلال المزني وعاصم بن عمرو التميمي حتى إذا رضى المثنى وأخذ حاجته انجذب خالد فمضى لوجهه وشيعه المثنى إلى قراقر ثم رجع إلى الحيرة في المحرم فأقام في سلطانه ووضع في المسلحة التى كان فيها على السيب أخاه ومكان ضرار بن الخطاب عتيبة ابن الناس ومكان ضرار بن الاوزر مسعود أخاه الآخر وسد أماكن كل من خرج من الامراء برجال أمثالهم من أهل الغناء ووضع مذعور بن عدى في بعض تلك الاماكن واستقام أهل فارس على رأس سنة من مقدم خالد الحيرة بعد خروج خالد بقليل وذلك في سنة ثلاث عشرة على شهر براز بن أردشير بن شهريار ممن يناسب إلى كسرى ثم إلى سابور فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز جاذويه في عشرة آلاف ومعه فيل وكتبت المسالح إلى المثنى بإقباله فخرج المثنى

(2/605)


من الحيرة نحوه وضم إليه المسالح وجعل على مجنبتيه المعنى ومسعودا ابني حارثة وأقام له ببابل وأقبل هرمز جاذويه وعلى مجنبتيه الكوكبد والخوكبذ وكتب إلى المثنى من شهر براز إلى المثنى إنى قد بعثت إليك جندا من وحش أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست اقاتلك إلا بهم فأجابه المثنى من المثنى إلى شهر براز إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شر لك وخير لنا
وإما كاذب فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وفى الناس الملوك وأما الذى يدلنا عليه الرأى فإنكم إنما اصطررتم إليهم فالحمد لله الذى رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير فجزع أهل فارس من كتابه وقالوا انما أتى شهر براز من شؤم مولده ولؤم منشئه وكان يسكن ميسان وبعض البلدان شين على من يسكنه وقالوا له جرأت علينا عدونا بالذى كتبت به إليهم فإذا كاتبت أحدا فاستشر فالتقوا ببابل فاقتتلوا بعدوة الصراة الدنيا على الطريق الاول قتالا شديدا ثم إن المثنى وناسا من المسلمين اعتوروا الفيل وقد كان يفرق بين الصفوف والكراديس فأصابوا مقتله فقتلوه وهزموا أهل فارس وأتبعهم المسلمون يقتلونهم حتى جازوا بهم مسالحهم فاقاموا فيها وتتبع الطلب الفالة حتى انتهوا إلى المدائن وفى ذلك يقول عبدة بن الطبيب السعدى وكان عبدة قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل فلما آيسته رجع إلى البادية فقال هل حبل خولة بعد البين موصول * أم أنت عنها بعيد الدار مشغول وللاحبة أيام تذكرها * وللنوى قبل يوم البين تأويل حلت خويلة في حى عهدتهم * دون المدائن فيها الديك والفيل يقارعون رؤس العجم ضاحية * منهم فوارس لا عزل ولا ميل القصيدة الفرزدق يعدد بيوتات بكر بن وائل وذكر المثنى وقتله الفيل وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة * ببابل إذ في فارس ملك بابل ومات شهر براز منهزم هرمز جاذويه واختلف أهل فارس وبقى ما دون دجلة وبرس من السواد في يدى المثنى والمسلمين ثم إن أهل فارس اجتمعوا بعد شهربراز

(2/606)


على دخت زنان ابنة كسرى فلم ينفذ لها أمر فخلعت وملك سابور بن شهربراز قالوا ولما ملك سابور بن شهربراز قام بأمره الفرخزاذ بن البندوان فسأله أن يزوجه
أزر ميدخت ابنة كسرى ففعل فغضبت من ذلك وقالت يا ابن عم أتزوجني عبدى قالت استحى من هذا الكلام ولا تعيديه على فانه زوجك قبعثت إلى سياوخش الرازي وكان من فتاك الاعاجم فشكت فيه الذى تخاف فقال لها إن كنت كارهة لهذا فلا تعاوديه فيه وأرسلي إليه وقولى له فليقل له فليأتك فانا أكفيكه ففعلت وفعل واستعد سياوخش فلما كان ليلة العرس أقبل الفرخزاذ حتى دخل فثار به سياوخش فقتله ومن معه ثم نهد بها معه إلى سابور فحضرته ثم دخلوا عليه فقتلوه وملكت آزر ميدخت بنت كسرى وتشاغلوا بذلك وأبطأ خبر أبى بكر على المسلمين فخلف المثنى على المسلمين بشير بن الخصاصية ووضع مكانه في المسالح سعيد بن مرة العجلى وخرج المثنى نحو أبى بكر ليخبره خبر المسلمين والمشركين وليستأذنه في الاستعانة بمن قد ظهرت توبته وندمه من أهل الردة ممن يستطعمه الغزو وليخبره أنه لم يخلف أحدا أنشط إلى قتال فارس وحربها ومعونة المهاجرين منهم فقدم المدينة وأبو بكر مريض وقد مرض أبو بكر بعد مخرج خالد إلى الشأم مرضته التى مات فيها بأشهر فقدم المثنى وقد أشفى وعقد لعمر فاخبره الخبر فقال على بعمر فجاء فقال له اسمع يا عمر ما اقول لك ثم اعمل به انى لارجو أن أموت من يومى هذا وذلك يوم الاثنين فان أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس مع المثنى ولا يشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم وقد رأيتنى متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما صنعت ولم يصب الخلق بمثله وبالله لو أنى أنى عن أمر الله وأمر رسوله لخذلنا ولعاقبنا فاضطرمت المدينة نارا وإن فتح الله على أمراء الشأم فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أهله وولاة أمره وحده وأهل الضراوة بهم والجراءة عليهم ومات أبو بكر رحمه الله مع الليل فدفنه عمر ليلا وصلى عليه في المسجد وندب الناس مع المثنى بعد ما سوى على أبى بكر وقال عمر كان أبو بكر قد علم أنه يسوءني أن

(2/607)