صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تاريخ الطبري
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

سنة ثم من بعده لبطلميوس الذى اختفى عن ملكه ثمانى سنين ثم من بعده لبطلميوس دونسيوس ست عشرة سنة ثم من بعده لبطلميوس قالو بطرى سبع عشرة سنة فكل هؤلاء كانوا يونانيين فكل ملك منهم بعد الاسكندر كان يدعى بطلميوس كما كانت ملوك الفرس يدعون أكاسرة وهم الذين يقال لهم المفقانيون ثم ملك الشأم بعد قالوا بطرى فيما ذكر الروم المصاصو فكان أول من ملك منهم جايوس يوليوس
خمس سنين ثم ملك الشأم بعده أغوسطوس ستا وخمسين سنة فلما مضى من ملكه اثنتان وأربعون سنة ولد عيسى ابن مريم عليه السلام وبين مولده وقيام الاسكندر ثلثمائة سنة وثلاث سنين ونرجع الان إلى ذكر خبر الفرس بعد مهلك الاسكندر لسياق التأريخ على ملكهم فاختلف أهل العلم بأخبار الماضين في الملك الذى كان بسواد العراق بعد الاسكندر وفى عدد ملوك الطوائف الذين كانوا ملكوا أقليم بابل بعده إلى أن قام بالملك اردشير بابكان فأما هشام بن محمد فإنه قال فيما حدثت عنه ملك بعد الاسكندر يلاقس سلقيس ثم انطيحس قال وهو الذى بنى مدينة انطاكية قال وكان في أيدى هؤلاء الملوك سواد الكوفة قال وكانوا يتطرقون الجبال وناحية الاهواز وفارس حتى خرج رجل يقال له اشك وهو ابن دارا الاكبر وكان مولده ومنشأه بالرى فجمع جمعا كثيرا وسار يريد انطيحس فزحف إليه انطيحس فالتقيا ببلاد الموصل فقتل انطيحس وغلب اشك على السواد فصار في يده من الموصل إلى الرى واصبهان وعظمه سائر ملوك الطوائف لنسبه وشرفه فيهم ما كان من فعله وعرفوا له فضله وبدؤا به في كتبهم وكتب إليهم فبدأ بنفسه وسموه ملكا وأهدوا إليه من غير أن يعزل أحدا منهم أو يستعمله * ثم ملك بعده جوذرز بن اشكان قال وهو الذى غزا بنى اسرائيل المرة الثانية وكان سبب تسليط الله إياه عليهم فيما ذكر أهل العلم قتلهم يحيى بن زكرياء فأكثر القتل فيهم فلم تعد لهم جماعة كجماعتهم الاولى ورفع الله عنهم النبوة وأنزل بهم الذل قال وقد كانت الروم غزت بلاد فارس يقودها ملكها الاعظم

(1/414)


يلتمس أن يدرك بثأرها في فارس لقتل أشك ملك بابل انطيحس وملك بابل يومئذ بلاش أبو ارد وان الذى قتله أردشير بن بابك فكتب بلاش إلى ملوك الطوائف
يعلمهم ما اجتمعت عليه الروم من غزو بلادهم وأنه قد بلغه من حشدهم وجمعهم ما لا كفاء له عنده وأنه إن ضعف عنهم ظفروا بهم جميعا فوجه كل ملك من ملوك الطوائف إلى بلاش من الرجال والسلاح والمال بقدر قوته حتى اجتمع عنده أربعمائة ألف رجل فولى عليهم صاحب الحضر وكان ملكا من ملوك الطوائف يلى ما بين انقطاع السواد إلى الجزيرة فسار بهم حتى لقى ملك الروم فقتله واستباح عسكره وذلك هيج الروم على بناء القسطنطينية ونقل الملك من رومية إليها فكان الذى ولى إنشاءها الملك قسطنطين وهو أول ملوك الروم تنصر وهو أجلى من بقى من بنى إسرائيل عن فلسطين والاردن لقتلهم بزعمه عيسى ابن مريم فأخذ الخشبة التى وجدهم يزعمون أنهم صلبوا المسيح عليها فعظمها الروم فأدخلوها خزائنهم فهى عندهم إلى اليوم قال ولم يزل ملك فارس متفرقا حتى ملك أردشير فذكر هشام ما ذكرت عنه ولم يبين مدة ملك القوم * وقال غيره من أهل العلم باخبار فارس ملك بعد الاسكندر ملك دارا أناس من غير ملوك الفرس غير أنهم كانوا يضعون لكل من يملك بلاد الجبل ويمنحونه الطاعة قال وهم الملوك الاشغانون الذين يدعون ملوك الطوائف قال فكان ملكهم مائتي سنة وستا وستين سنة فملك من هذه السنين أشك بن أشجان عشر سنين ثم ملك بعده سابور بن أشغان ستين سنة وفى سنة إحدى وأربعين من ملكه ظهر عيسى ابن مريم بارض فلسطين وأن ططوس بن اسفسيانوس ملك رومية غزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى ابن مريم بنحو من أربعين سنة فقتل من في مدينة بيت المقدس وسبى ذراريهم وأمرهم فنسفت مدينة بيت المقدس حتى لم يترك بها حجرا على حجر * ثم ملك جوذو رز ابن أشغانان الاكبر عشر سنين ثم ملك بيزن الاشغانى إحدى وعشرين سنة ثم ملك جوذرز الاشغانى تسع عشرة سنة ثم ملك ترسى الاشغانى أربعين سنة ثم

(1/415)


ملك هرمز الاشغانى سبع عشرة سنة ثم ملك اردوان الاشغانى اثنتى عشرة سنة ثم ملك كسرى الاشغانى أربعين سنة ثم ملك بلاش الاشغانى أربعا وعشرين سنة ثم ملك أردوان الاصغر الاشغانى ثلاث عشرة سنة ثم ملك أردشير بن بابك * وقال بعضهم ملك بلاد الفرس بعد الاسكندر ملوك الطوائف الذين فرق الاسكندر المملكة بينهم وتفرد بكل ناحية من ملك عليها من حين ملكه ما خلا السواد فإنها كانت أربعا وخمسين سنة بعد هلاك الاسكندر في يد الروم وكان في ملوك الطوائف رجل من نسل الملوك مملكا على الجبال وأصبهان ثم غلب ولده بعد ذلك على السواد فكانوا ملوكا عليها وعلى الماهات والجبال وأصبهان كالرئيس على سائر ملوك الطوائف لان السنة جرت بتقديمه وتقديم ولده ولذلك قصد لذكرهم في كتب سير الملوك فاقتصر على تسميتهم دون غيرهم قال ويقال إن عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ولد باورى شلم بعد إحدى وخمسين سنة من ملوك الطوائف فكانت سنو ملكهم من لدن الاسكندر إلى وثوب اردشير بن بابك وقتله أردوان واستواء الامر له مائتين وستا وستين سنة قال فمن الملوك الذين ملكوا الجبال ثم تهيأت لاولادهم بعد ذلك الغلبة على السواد أشك بن جزه بن رسيبان بن ارتشاخ بن هرمز بن سام بن رزان بن اسفنديار بن بشتاسب * قال والفرس تزعم أنه أشك بن دارا * وقال بعضهم أشك بن أشكان الكبير وكان من ولد كيبيه بن كيقباذ وكان ملكه عشر سنين ثم ملك من بعده أشك بن أشك بن أشكان إحدى وعشرين سنة ثم ملك سابور ابن أشك بن أشكان إحدى وعشرين سنة ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان ثلاثين سنة ثم ملك جوذرز الاكبر بن سابور بن أشكان عشر سنين ثم ملك بيزن بن جوذرز إحدى وعشرين سنة ثم جوذرز الاصغر بن بيزن تسع عشرة
سنة ثم نرسه بن جوذرز الاصغر أربعين سنة ثم هرمز بن بلاش بن أشكان سبع عشرة سنة ثم أردوان الاكبر وهو اردوان بن أشكان اثنتى عشرة سنة ثم كسرى بن أشكان أربعين سنة ثم بها فريد الاشكانى تسع سنين ثم بلاش الاشكانى أربعا وعشرين سنة ثم أردوان الاصغر وهو أردوان بن بلاش

(1/416)


ابن فيروز بن هرمز بن بلاشر بن سابور بن أشك بن أشكان الاكبر وكان جده كيبيه بن كيقباذ ويقال إنه كان أعظم الاشكانية ملكا وأظهرهم عزا وأسناهم ذكرا وأشدهم قهرا لملوك الطوائف وأنه كان قد غلب على كوزة اصطخر لا تصالها بأصبهان ثم إن تخطى إلى جور وغيرها من فارس حتى غلب عليهما ودانت له ملوكها لهيبة ملوك الطوائف كانت له وكان ملكه ثلاث عشرة سنة ثم ملك أردشير * وقال بعضهم ملك العراق وما بين الشأم ومصر بعد الاسكندر تسعون ملكا على تسعين طائفة كلهم يعئم من يملك المدائن وهم الاشكانيون قال فملك من الاشكانيين افقورشاه بن بلاش بن سابور بن أشكان بن أرش الجبار بن سياوش بن كيقاوس الملك اثنتين وستين سنة ثم سابور بن أفقور وعلى عهده كان المسيح ويحيى عليه السلام ثلاثا وخسمين سنة ثم جوذرز بن سابور بن أفقور الذى غزا بنى إسرائيل طالبا بثأر يحيى بن زكرياء ملك تسعا وخمسين سنة ثم ابن أخيه أبزان بن بلاش بن سابور سبعا وأربعين سنة ثم جوذرز بن أبزان بن بلاش إحدى وثلاثين سنة ثم أخوه نرسى بن أبزان أربعا وثلاثين سنة * ثم عمه الهرمزان بن بلاش ثمانيا وأربعين سنة ثم ابنه الفيروزان بن الهرمزان بن بلاش تسعا وثلاثين سنة ثم ابنه كسرى بن الفيروزان سبعا وأربعين سنة ثم ابنه اردوان بن بلاش وهو آخرهم قتله اردشير بن بابك خمسا وخمسين سنة قال وكان ملك الاسكندر وملك سائر ملوك الطوائف في النواحى خمسمائة وثلاثا وعشرين سنة
(ذكر الاحداث التى كانت في أيام ملوك الطوائف) فكان من ذلك فيما زعمته الفرس لمضى خمس وستين سنة من غلبة الاسكندر على أرض بابل ولاحدى وخمسين سنة من ملك الاشكانيين ولادة مريم بنت عمران عيسى ابن مريم عليه السلام فأما النصارى فإنها تزعمان ولادتها إياه كانت لمضى ثلثمائة سنة وثلاث سنين من وقت غلبة الاسكندر على أرض بابل وزعموا أن مولد يحيى بن زكريا كان قبل مولد عيسى عليه السلام بستة أشهر وذكروا ان مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة وأن عيسى عاش إلى أن

(1/417)


رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما وأن مريم بقيت بعد رفعه ست سنين وكان جمع عمرها نيفا وخمسين سنة قال زعموا ان يحيى اجتمع هو وعيسى بنهر الاردن وله ثلاثون سنة وأن يحيى قتل قبل أن يرفع عيسى وكان زكرياء بن برخيا أبو يحيى بن زكرياء وعمران بن ما ثان أبو مريم متزوجين بأختين إحداهما عند زكرياء وهى أم يحيى والاخرى منهما عند عمران بن ما ثان وهى أم مريم فمات عمران بن مائان وأم مريم حامل بمريم فلما ولدت مريم كفلها زكرياء بعد موت أمها لان خالتها أخت أمها كانت عنده واسم أم مريم حنة بنت فاقود ابن قبيل واسم أختها أم يحيى الاشباع ابنة فاقود وكفلها زكرياء وكانت مسماة بيوسف بن يعقوب بن ما ثان بن اليعاز اربن اليوذ بن أحين بن صادوق بن عازور ابن الياقيم بن أبيوذ بن زر بابل بن شلتيل بن يوحنيا بن يوشيا بنأمون بن منشا ابن حزقيا بن أحازبن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يهو شافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود بن عم مريم * وأما ابن حميد فانه حدثنا عن سلمة عن ابن اسحاق أنه قال مريم فيما بلغني عن نسبها ابنة عمران بن يا شهم بن أمون بن منشا ابن حزقيا بن احزيق بن يوثام بن عزريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم
ابن يهشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان فولد لزكرياء يحيى بن خالة عيسى ابن مريم فنبئ صغيرا فساح ثم دخلا لشأم يدعو الناس ثم اجتمع يحيى وعيسى ثم افترقا بعد أن عمد يحيى عيسى وقيل ان عيسى بعث يحيى بن زكرياء في اثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس قال وكان فيما نهوهم عنه نكاح بنات الاخ * فحدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعث عيسى ابن مريم يحيى بن زكرياء في اثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس قال فكان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الاح قال وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه يريد أن يتزوجها وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها فلما بلغ ذلك أمها قالت لها إذا دخلت على الملك فسألك حاجتك فقولي حاجتى أن تذبح لى يحيى بن زكرياء فلما دخلت عليه سألها حاجتها قالت حاجتى أن تذبح لى يحيى

(1/418)


ابن زكرياء فقال سلينى غير هذا قالت ما أسالك إلا هذا قال فلما أبت عليه دعا يحيى ودعا بطست فذبحه فبذرت قطرة من دمه على الارض فلم تزل تغلى حتى بعث الله بختنصر عليهم فجاءته عجوز من بنى اسرائيل فدلته على ذلك الدم قال فالقى الله في قلبه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن فقتل سبعين ألفا منهم من سن واحدة فسكن * حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من بنى اسرائيل رأى في النوم ان خراب بيت المقدس وهلاك بنى اسرائيل على يدى غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بختنصر وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم فاقبل يسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب فلما جاء وعلى رأسه حزمة حطب ألقاها ثم قعد في جانب البيت فكلمه ثم أعطاه ثلاثة
دراهم فقال اشتر بهذه طعاما وشرابا فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليوم الثاني فعل به ذلك حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك ثم قال انى أحب أن تكتب لى أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر قال تسخر بى قال إنى لا أسخر بك ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا فكلمته أمه فقالت وما عليك إن كان وإلا لم ينقصك شيئا فكتب له أمانا فقال أرأيت ان جئت والناس حولك قد حالوا بينى وبينك فاجعل لى آية تعرفني بها قال ترفع صحيفتك على قصبة فاعرفك بها فكساه وأعطاه ثم ان ملك بنى اسرائيل كان يكرم يحيى بن زكرياء ويدنى مجلسه ويستشيره في أمره ولا يقطع أمرا دونه وانه هوى أن يتزوج ابنة امرأة له فسأل يحيى عن ذلك فنهاه عن نكاحها وقال لست أرضاها لك فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها فعمدت إلى الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستا من الحلى وألبستها فوق ذلك كساء أسود فارسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه وأن تعرض له فان أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها

(1/419)


ذلك سألته ان تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طست ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له فلما أخذ فيه الشراب ارادها على نفسها فقال لا افعل حتى تعطيني ما اسالك قال ما تسالينى قالت اسألك ان تبعث إلى يحيى بن زكرياء فاوتى برأسه في هذا الطست فقال ويحك سلينى غير هذا قالت ما أريد ان اسألك إلا هذا قال فلما ابت عليه بعث إليه فاتى برأسه والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول لا تحل لك فلما اصبح إذا دمه يغلى فامر بتراب فالقى عليه فرقى الدم فوق التراب يغلى فالقى عليه التراب ايضا فارتفع الدم فوقه فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلى وبلغ صيحائين فنادى في الناس واراد ان يبعث إليهم جيشا ويؤمر عليهم رجلا
فاتاه بختنصر فكلمه وقال ان الذى كنت ارسلت تلك المرة ضعيف فانى قد دخلت المدينة وسمعت كلام اهلها فابعثني فبعثه فاسر بختنصر حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلم يطقهم فلما اشتد عليه المقام وجاع أصحابه أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بن إسرائيل فقالت أين أمير الجند فأتى بها إليه فقالت إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة قال نعم قد طال مقامي وجاع أصحابي فلست أستطيع المقام فوق الذى كان منى فقالت أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك فتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف قال لها نعم قالت إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء فنادوا إنا نستفتحك يا ألله بدم يحيى بن زكريا فإنها سوف تتساقط ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها فقالت له كف يدك أقتل على هذا الدم حتى يسكن فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير فقتل عليه حتى سكن فقتل سبعين ألف رجل وامرأة فلما سكن الدم قالت له كف يدك فإن الله عزوجل إذا قتل نبى لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضى قتله فأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته وخرب بيت المقدس أمر به أن تطرح فيه الجيف وقال من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بنى إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا فلما

(1/420)


خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بنى إسرائيل وسراتهم وذهب بدانيال وعليها وعزريا وميشائيل هؤلاء كلهم من أولاد الانبياء وذهب معه برأس الجالوت فلما قدم أرض بابل وجد صيحائين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه فحسدهم المجوس فوشوا بهم إليه فقالوا إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون من ذبيحتك فدعاهم فسألهم فقالوا أجل إن لنا
ربا نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم وأمربخد فخد فألقوا فيه وهم ستة وألقى معهم سبع ضار ليأكلهم فقالوا انطلقوا فلنأكل ولنشرب فذهبوا فاكلوا وشربوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحدا ولم ينكأه شيئا فوجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة فقال ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج إليه السابع وكان ملكا من الملائكة فلطمه لطمة فصار في الوحش فكان فيهم سبع سنين (قال أبو جعفر) وهذا القول الذى روى عمن ذكرت في هذه الاخبار التى رويت وعمن لم يذكر في هذا الكتاب من أن بختنصر هو الذى غزا بنى إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء عند أهل السير والاخبار والعلم بأمور الماضين في الجاهلية وعند غيرهم من أهل الملل غلط وذلك أنهم باجمعهم مجمعون غلى أن بختنصر إنما غزا بنى إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد أرميا بن حلقيا وبين عهد أرميا وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكرياء أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة في قول اليهود والنصارى ويذكرون أن ذلك عندهم في كتبهم وأسفارهم مبين وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمرانها في عهد كيرش بن اخشويرش أصبهبذ بابل من قبل اردشير بهمن بن اسفنديار بن بشتاسب ثم من قبل ابنته خمالى سبعين سنة ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الاسكندر عليها وحيازة مملكتها إلى مملكته ثمانيا وثمانين سنة ثم من بعد مملكة الاسكندر لها إلى مولد يحيى ابن زكرياء ثلثمائة سنة وثلاث سنين فذلك على قولهم أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة * وأما المجوس فإنها توافق النصارى واليهود في مدة خراب بيت المقدس

(1/421)


وأمر بختنصر وما كان من أمره وأمر بين إسرائيل إلى غلبة الاسكندر على بيت المقدس والشام وهلاك دارا وتخالفهم في مدة ما بين ملك الاسنكدر ومولد
يحيى فتزعم أن مدة ذلك إحدى وخمسون سنة فبين المجوس والنصارى من الاختلاف في مدة ما بين ملك الاسكندر ومولد يحيى وعيسى ما ذكرت * والنصارى تزعم أن يحيى ولد قبل عيسى بستة أشهر وأن الذى قتله ملك لبنى إسرائيل يقال له هيردوس بسبب امرأة يقال لها هيروذيا كانت امرأة أخ له يقال له فيلفوس عشقها فوافقته على الفجور وكان لها ابنة يقال لها دمنى فاراد هيردوس أن يطأ امرأة أخيه المسماة هيروذيا فنهاه يحيى وأعلمه أنه لا تحل له فكان هيردوس معجبا بالابنة فألهته يوما ثم سألته حاجة فأجابها إليها وأمر صاحبا له بالنفوذ لما تأمره به فأمرته أن ياتيها برأس يحيى ففعل فلما عرف هيردوس الخبر أسقط في يده وجزع جزعا شديدا * وأما ما قال في ذلك أهل العلم بالاخبار وامور أهل الجاهلية فقد حكيت منه ما قاله هشام بن محمد الكلبى * وأما ما قال ابن إسحاق فيه فهو ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال عمرت بنو إسرائيل بعد ذلك يعنى بعد مرجعهم من أرض بابل إلى بيت المقدس يحدثون الاحداث ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث فيهم من أنبيائهم زكرياء ويحيى بن زكرياء وعيسى ابن مريم وكانوا من بيت آل داود عليه السلام وهو يحيى بن زكرياء بن أدى بن مسلم بن صدوق ابن نحشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخية بن شفاطية بن فاحور ابن شلوم بن يهفا شاط بن أسا بن أبيا بن رحبعهم بن سليمان بن داود قال فلما رفع الله عيسى صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكرياء صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وبعض الناس يقول وقتلوا زكرياء ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام فلما ظهر عليهم امر رأسا من رؤس جنوده يدعى نبوزر اذان صاحب الفيل فقال له إنى كنت حلفت بإلهى لئن انا ظهرت على اهل بيت المقدس

(1/422)


لاقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن لا أجد أحدا أقتله قامره ان يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم وان نبوزر اذان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التى كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد فيها دما يغلى وسألهم فقال يا بنى إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلى أخبروني خبره ولا تكتموني شيئا من أمره فقالوا هذا دم قربان كان لنا كنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك هو يغلى كما تراه ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فيقبل منا الا هذا القربان قال ما صدقتموني الخبر قالوا له لو كان كأول زماننا لقبل منا ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحى فلذلك لم يقبل منا فذبح منهم نبوزر اذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا من رؤسهم فلم يهدأ فأمر فاتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ فامر بسبعه آلاف من بنيهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد فلما رأى نبوزر اذان الدم لا يهدأ قال لهم يا بنى اسرائيل ويلكم اصدقوني واصبروا على أمر ربكم فقد طال ما ملكتم في الارض تفعلون فيها ما شئتم قبل ان لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكرا الا قتلته فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا ان هذا دم نبى منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فلو اطعناه فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بامركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم نبوزر اذان ما كان اسمه قالوا يحيى بن زكرياء قال الآن صدقتموني لمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلما رأى نبوزر اذان انهم قد صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله اغلقوا ابواب المدينة وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوس وخلا في بنى اسرائيل ثم قال يا يحيى ابن زكرياء قد علم ربى وربك ما قد اصاب قومك من اجلك وما قتل منهم من اجلك فاهدأ باذن الله قبل ان لا ابقى من قومك احدا فهدأ دم يحيى باذن الله ورفع نبوزر اذان عنهم القتل وقال آمنت بما آمنت به بنو اسرائيل وصدقت به
وأيقنت أنه لارب غيره ولو كان معه آخر لم يصلح * لو كان معه شريك لم يستمسك السموات والارض ولو كان له ولد لم يصلح فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم ملك الملوك الذى يملك السموات السبع بعلم وحكم وجبروت

(1/423)


وعزة الذى بسط الارض وألقى فيها رواسي لا تزول فكذلك ينبغى لربى ان يكون ويكون ملكه فأوحى إلى رأس من رؤس بقية الانبياء ان نبوزر اذان جبور صدوق والحبور بالعبرانية حديث الايمان وان نبوزر اذان قال لبنى اسرائيل ان عدو الله خردوس امرني ان اقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وانى فاعل لست استطيع ان اعصيه قالوا له افعل ما أمرت به فامرهم فحفروا خندقا وامر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والابل فذبحها حتى سال الدم في العسكر وامر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم حتى كانوا فوقهم فلم يظن خردوس الا ان ما كان في الخندق من بنى اسرائيل فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبوزر اذان ارفع عنهم فقد بلغني دماؤهم وقد انتقمت منهم بما فعلوا ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل وقد أفنى بنى اسرائيل أو كاد وهى الوقعة الاخيرة التى انزل الله ببنى اسرائيل يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وقضينا إلى بنى إسرائيل في الكتاب إلى قوله - وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) وعسى من الله حق فكانت الوقعة الاولى بختنصر وجنوده ثم رد الله لهم الكرة عليهم ثم كانت الوقعة الاخيرة خردوس وجنوده وهى كانت أعظم الوقعتين فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبى ذراريهم ونسائهم يقول الله عزوجل (وليتبروا ما علوا تتبيرا) (رجع الحديث) إلى حديث عيسى ابن مريم وأمه عليهما السلام قال وكانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمها يليان خدمة الكنيسة فكانت مريم
إذا نفد ماؤها فيما ذكر وماء يوسف أخذ كل واحد منهما قلته فانطلق إلى المغارة التى فيها الماء الذى يستعذبانه فيملا قلته ثم يرجعان إلى الكنيسة فلما كان اليوم الذى لقيها فيه جبريل وكان اطول يوم في السنة وأشده حرا نفد ماؤها فقالت يا يوسف ألا تذهب بنا نستقي قال ان عندي لفضلا من ماء أكتفى به يومى هذا إلى غد قالت لكنى والله ما عندي ماء فأخذت قلتها ثم انطلقت وحدها حتى دخلت المغارة فتجد عندها جبريل قد مثله الله لها بشرا سويا فقال لها يا مريم ان الله قد بعثنى

(1/424)


اليك لا هب لك غلاما زكيا قالت انى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا وهى تحسبه رجلا من بنى آدم فقال إنما أنا رسول ربك قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية لللنس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا أي ان الله قد قضى ان ذلك كائن فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها وملات قلتها * فحدثني محمد ابن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل ابن أخى وهب قال سمعت وهبا قال لما أرسل الله عزوجل جبريل إلى مريم تمثل لها بشرا سويا فقالت انى أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم واشتملت على عيسى قال وكان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذى عند جبل صهيون وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان وكان لخدمته فضل عظيم فرغبا في ذلك فكانا يليان معالجته بانفسهما وتجميره وكناسته وطهوره وكل عمل يعمل فيه فكان لا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما وكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف فلما رأى الذى بها استعظمه وعظم عليه
وفظع به ولم يدر على ماذا يضع امرها فإذا اراد يوسف ان يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها وانها لم تغب عنه ساعة قط وإذا اراد ان يبرئها رأى الذى ظهر بها فلما اشتد عليه ذلك كلمها فكان اول كلامه اياها ان قال لها انه قد وقع في نفسي من امرك امر قد حرصت على ان اميته واكتمه في نفسي فغلبني ذلك فرأيت ان الكلام فيه أشفى لصدري قالت فقل قولا جميلا قال ما كنت لا قول الا ذلك فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر قالت نعم قال فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها قالت نعم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم ألم تعلم ان الله انبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر انما كان من الرزع الذى انبته الله من غير بذر أولم تعلم أن الله أنبت الشجر من غير غيث وأنه جعل بتلك القدرة

(1/425)


الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كل واحد منهما وحده أو تقول لم يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء ولولا ذلك لم يقدر على إنباته قال لها يوسف لا أقول ذلك ولكني أعلم أن الله بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون قالت له مريم أو لم تعلم أن الله عزوجل خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى قال بلى فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذى بها شئ من الله عزوجل وأنه لا يسعه أن يسألها عنه وذلك لما رأى من كتمانها لذلك ثم تولى يوسف خدمة المسجد وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه وذلك لما رأى من رقه جسمها واصفرار لونها وكلف وجهها ونتوء بطنها وضعف قوتها ودأب نظرها ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك فإنهم إن ظفروا بك عيروك وقتلوا ولدك فأفضت عند ذلك إلى أختها وأختها حينئذ حبلى وقد بشرت بيحيى فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خرلوجهه ساجدا معترفا بعيسى فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت
الحمار وبين الاكاف شئ فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لارض مصرفي منقطع بلاد قومها أدرك مريم النفاس وألجأها إلى آرى حمار يعنى مزود الحمار في أصل نخلة وذلك في زمان الشتاء فاشتد على مريم المخاض فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفا محدقين بها فلما وضعت وهى محزونة قيل لها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا إلى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء فأصبحت الاصنام التى كانت تعبد من دون الله حين ولدت بكل أرض مقلوبة منكوسة على رؤسها ففزعت الشياطين وراعها فلم يدروا ما سبب ذلك فساروا عند ذلك مسرعين حتى جاؤا ابليس وهو على عرش له في لجة خضراء يتثمل بالعرش يوم كان على الماء ويحتجب يتمثل بحجب النور التى من دون الرحمن فأتوه وقد خلاست ساعات من النهار فلما رأى ابليس جماعتهم فزع من ذلك ولم يرهم جميعا منذ فرقهم قبل تلك الساعة إنما كان يراهم أشتاتا فسألهم فاخبروه أنه

(1/426)


قد حدث في الارض حدث أصبحت الاصنام منكوسة على رؤسها ولم يكن شئ أعون على هلاك بنى آدم منها كنا ندخل في أجوافها فنكلمهم وندبر أمرهم فيظنون أنها التى تكلمهم فلما أصابها هذا الحدث صغرها في أعين بنى آدم وأذلها وأدناها ذلك وقد خشينا ألا يعبدوها بعد هذا أبدا واعلم أنا لم نأتك حتى أحصينا الارض وقلبنا البحار وكل شئ قوينا عليه فلم نزدد بما أردنا الا جهلا قال لهم إبليس إن هذا لامر عظيم لقد علمت بأنى كتمته وكونوا على مكانكم هذا فطار إبليس عند ذلك فلبث عنهم ثلاث ساعات فمر فيهن بالمكان الذى ولد فيه عيسى فلما رأى الملائكة محدقين بذلك المكان علم أن ذلك الحدث فيه فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه فإذا فوقه رؤس الملائكة ومناكبهم عند السماء ثم أراد أن يأتيه من تحت
الارض فإذا أقدام الملائكة راسية أسفل مما أراد ابليس ثم أراد أن يدخل من بينهم فنحوه عن ذلك ثم رجع ابليس إلى أصحابه فقال لهم ما جثتكم حتى أحصيت الارض كلها مشرقها ومغربها وبرها وبحرها والخافقين والجو الاعلى وكل هذا بلغت في ثلاث ساعات وأخبرهم بمولد المسيح وقال لهم لقد كتمت شأنه وما اشتملت قبله رحم أنثى على ولد إلا بعلمي ولا وضعته قط الاو أنا حاضرها وإنى لارجو أن أضل به أكثر مما يهتدى به وما كان من نبى قبله أشد على وعليكم منه وخرج في تلك الليلة قوم يؤمونه من أجل نجم طلع أنكروه وكان قبل ذلك يتحدثون أن مطلع ذلك النجم من علامات مولود في كتاب دانيال فخرجوا يريدونه ومعهم الذهب والمر واللبان فمروا بملك من ملوك الشأم فسألهم أين يريدون فاخبروه بذلك قال فما بال الذهب والمر واللبان اهتديتموه له من بين الاشياء كلها قالوا تلك أمثاله لان الذهب هو سيد المتاع كله وكذلك هذا النبي هو سيد أهل زمانه ولان المر يجبر به الجرح والكسر وكذلك هذا النبي يشفى به الله كل سقيم ومريض ولان اللبان ينال دخانه السماء ولا ينالها دخان غيره كذلك هذا النبي يرفعه الله إلى السماء لا يرفع في زمانه أحد غيره فلما قالوا ذلك لذلك الملك حدث نفسه بقتله فقال اذهبوا فإذا علمتم مكانه فأعلموني ذلك فانى أرغب في مثل ما رغبتم

(1/427)


فيه من أمره فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم وأرادوا أن يرجعوا إلى هذا الملك ليعلموه مكان عيسى فلقيهم ملك فقال لهم لا ترجعوا إليه ولا تعلموه بمكانه فانه إنما أراد بذلك ليقتله فانصرفوا في طريق آخر واحتملته مريم على ذلك الحمار ومعها يوسف وردا أرض مصر فهى الربوة التى قال الله (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) فمكثت مريم اثنتى عشرة سنة تكتمه من الناس لا يطلع عليه أحد وكانت مريم لا تأمن عليه ولا على معيشته أحدا
كانت تلتقط السنبل من حيث ما سمعت بالحصاد والمهد في منكبها والوعاء الذى تجعل فيه السنبل في منكبها الآخر حتى تم لعيسى صلى الله عليه وسلم اثنتا عشرة سنة فكان أول آية رآها الناس منه أن أمه كانت نازلة في دارد دهقان من أهل مصر فكان ذلك الدهقان قد سرقت له خزانة وكان لا يسكن في داره إلا المساكين فلم يتهمهم فحزنت مريم لمصيبة ذلك الدهقان فلما أن رأى عيسى حزن أمه بمصيبة صاحب ضيافتها قال لها يا أمه أتحبين أن أدله على ماله قالت نعم يا بنى قال قولى له يجمع لى مساكين داره فقالت مريم للدهقان ذلك فجمع له مساكين داره فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين منهم أحدهما أعمى والآخر مقعد فحمل المقعد على عاتق الاعمى ثم قال له قم به قال الاعمى أنا أضعف من ذلك قال عيسى صلى الله عليه وسلم فكيف قويت على ذلك البارحة فلما سمعوه يقول ذلك بعثوا الاعمى حتى قام به فلما استقل قائما حاملا هوى المقعد إلى كوة الخزانة قال عيسى هكذا احتالا لمالك البارحة لانه استعان الاعمى بقوته والمقعد بعينيه فقال المقعد والاعمى صدق فردا على الدهقان ماله ذلك فوضعه الدهقان في خزانته وقال يا مريم خذى نصفه قالت إنى لم أخلق لذلك قال الدهقان فاعطيه ابنك قالت هو أعظم منى شأنا ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابن له فصنع له عيدا فجمع عليه أهل مصر كلهم فلما انقضى ذلك زاره قوم من أهل الشأم لم يحذرهم الدهقان حتى نزلوا به وليس عندة يومئذ شراب فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتا من بيوت الدهقان فيه صفان من جرار فأمر عيسى يده على أفواهها وهو يمشى فكلما أمر يده على

(1/428)


جرة امتلات شرابا حتى أتى عيسى على آخرها وهو يومئذ ابن اثنثى عشرة سنة فلما فعل ذلك عيسى فزع الناس لشأنه وما أعطاه الله من ذلك فأوحى الله عز وجل إلى أمه مريم أن اطلعي به إلى الشأم ففعلت الذى أمرت به فلم تزل بالشأم
حتى كان ابن ثلاثين سنة فجاءه الوحى على ثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين ثم رفعه الله إليه فلما رآه إبليس يوم لقيه على العقبة لم يطق منه شيئا فتمثل له برجل ذى سن وهيئة وخرج معه شيطانان ماردان متمثلين كما تمثل إبليس حتى خالطوا جماعة الناس * وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا فمن أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم يطق ذلك منهم أتاه عيسى صلى الله عليه وسلم يمشى إليه وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله عز وجل فجاءه إبليس في هيئة يبهر الناس حسنها وجمالها فلما رآه الناس فرغوا له ومالوا نحوه فجعل يخبرهم بالاعاجيب فكان في قوله إن شأن هذا الرجل لعجيب تكلم في المهد وأحيا الموتى وأنبأ عن الغيب وشفى المريض فهذا الله قال أحد صاحبيه جهلت أيها الشيخ وبئس ما قلت لا ينبغى لله أن يتجلى للعباد ولا يسكن الارحام ولا تسعه أجواف النساء ولكنه ابن الله وقال الثالث بئس ما قلتما كلا كما قد أخطأ وجهل لبس ينبغى لله أن يتخذ ولدا ولكنه إله معه ثم غابوا حين فرغوا من قولهم فكان ذلك آخر العهد منهم * حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدى في خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابجها فاتخذت من دونهم حجابا من الجدران وهو قوله (فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا) في شرقي المحراب فلما طهرت إذا هي برجل معها وهو قوله (فأرسلنا إليها روحنا) فهو جبريل (فتمثل لها بشرا سويا) فلما رأته فزعت منه وقالت (إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا، قال إنما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما

(1/429)


زكيا، قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسني بشر و لم أك بغيا) تقول زانية (قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا) فخرجت عليها جلبابها فأخذ بكميها فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها فدخلت النفخة في صدرها فحملت فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلة تزورها فلما فتحت لها الباب التزمتها فقالت امرأة زكرياء يا مريم أشعرت أنى حبلى قالت مريم أشعرت انى أيضا حبلى قالت امرأة زكرياء فانى وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله (مصدقا بكلمة من الله) فولدت امرأة زكرياء يحيى ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة يقول ألجأها المخاض إلى جذع النخلة قالت وهى تطلق من الحبل استحياء من الناس يا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا تقول نسيا نسى ذكرى ومنسيا تقول نسى أثرى فلا يرى لى أثر ولا عين فناداها جبريل من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا والسرى هو النهر وهزى إليك بجذع النخلة وكان جذعا منها مقطوعا فهزته فإذا هو نخلة وأجرى لها في المحراب نهرا فتساقطت النخلة رطبا جنيا فقال لها كلى واشربي وقرى عينا فاما ترين من البشر أحدا فقولي إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلم حتى يمسى فقيل لها لا تزيدي على هذا فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بنى اسرائيل إن مريم قد ولدت فأقبلوا يشتدون فدعوها فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يقول عظيما يا أخت هارون ما كان أبو ك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فما بالك أنت يا أخت هارون وكانت من بنى هارون أخى موسى وهو كما تقول يا أخا بنى فلان وانما يعنى قرابته فقالت لهم ما أمرها الله فلما ارادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه إلى عيسى فغضبوا وقالوا لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبى أشد علينا من زناها
قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا فتكلم عيسى فقال إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت، فقالت بنو اسرائيل ما أحبلها

(1/430)


أحد غير زكرياء هو كان يدخل إليها فطلبوه ففر منهم فتشبه له الشيطان في صورة راع فقال يا زكرياء قد أدركوك فادع الله حتى تنفتح لك هذه الشجرة فتدخل فيها فدعا الله فانفتحت له الشجرة فدخل فيها وبقى من ردائه هدب فمرت بنو اسرائيل بالشيطان فقالوا يا راعى هل رأيت رجلا من ههنا قال نعم سحر هذه الشجرة فانفتحت له فدخل فيها وهذا هدب ردائه فعمدوا فقطعوا الشجرة وهو فيها بالمناشير وليس تجد يهوديا إلا تلك الهدبة في ردائه فلما ولد عيسى لم يبق في الارض صنعم يعبد من دون الله إلا أصبح ساقطا لوجهه * حدثنى المثنى قال حدثنا اسحاق بن الحجاج قال حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال حدثنى عبد الصمد بن معقل انه سمع وهبا يقول ان عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم لما أعلمه الله انه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما فقال احضروني الليلة فإن لى إليكم حاجة فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه فتعاظموا ذلك وتكارهوه فقال ألا من رد على شيئا الليلة مما أصنع فليس منى ولا أنا منه فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدى فليكن لكم بى أسوة فإنكم ترون أنى خيركم ولا يتعظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم وأما حاجتى التى أستعينكم عليها فتدعون الله لى وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلى فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء فجعل يوقظهم ويقول سبحان الله ما تصبرون لى ليلة واحدة تعينوني فيها
قالوا والله ما ندرى ما لنا لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه فقال يذهب بالراعى وتتفرق الغنم وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه ثم قال الحق ليكفرن بى أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا فتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا هذا من أصحابه فجحد وقال

(1/431)


ما أنا بصاحبه فتركوه ثم أخذه آخر فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال ما تجعلون لى إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فاخذها ودلهم عليه وكان شبه عليهم قبل ذلك فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل فجعلوا يقودونه ويقولون أنت كنت تحيى الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون أفلا تفتح نفسك من هذا الحبل ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التى أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا ثم إن أمه والمرأة التى كان عيسى يداويها فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى صلى الله عليه وسلم فقال على من تبكيان فقالتا عليك فقال إنى قد رفعني الله إليه ولم يصبنى إلا خير وأن هذا شئ شبه لهم فأمر الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر وفقد الذى كان باعه ودل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه فقال لو تاب تاب الله عليه ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحيى فقال هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني قال توفى الله عيسى ابن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه الله إليه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق
والنصارى يزعمون أنه توفاه الله سبع ساعات من النهار ثم أحياه الله فقال له اهبط فأنزل على مريم المجدلانية في جبلها فإن لم يبك عليك أحد بكاءها ولم يحزن عليك أحد حزنها ثم لتجمع لك الحواريين فبثهم في الارض دعاة إلى الله فإنك لم تكن فعلت ذلك فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا فجمعت له الحواريين فبثهم وأمرهم أن يبلغوا الناس عنه ما أمره الله به ثم رفعه الله إليه فكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار في الملائكة وهو معهم حول العرش فكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا وتفرق الحواريون حيث أمرهم فتلك الليلة التى أهبط فيها الليلة التى تدخن فيها النصارى وكان ممن

(1/432)


وجه من الحواريين والاتباع الذين كانوا في الارض بعدهم فطرس الحوارى ومعه بولس وكان من الاتباع ولم يكن من الحواريين إلى رومية وأندراييس ومشى إلى الارض التى يأكل أهلها الناس وهى فيما نرى للاساود وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وفيلبس إلى القيروان وقرطاجنة وهى افريقية ويحنس إلى دفسوس قرية الفتية أصحاب الكهف ويعقوبس إلى أورى شلم وهى إيليا بيت المقدس وابن تلما إلى العرابية وهى أرض الحجاز وسيمن إلى أرض البربر دون أفريقية ويهوذا ولم يكن من الحواريين إلى أريوبس جعل مكان يوذس زكريا بوطاحين أحدث ما أحدث * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عمر بن عبد الله بن عروة عن الزبير عن ابن سليم الانصاري ثم الزرقى قال كان على امرأة منا نذر لتظهرن على رأس الجماء جبل بالعقيق من ناحية المدينة قال فظهرت معها حتى إذا استوينا على رأس الجبل إذا قبر عظيم عليه حجران عظيمان حجر عند رأسه وحجر عند رجليه فيهما كتاب بالمسند لا أدرى ما هو فاحتملت الحجرين معى حتى إذا كنت ببعض الجبل منهبطا ثقلا على فألقيت
أحدهما وهبطت بالآخر فعرضته على أهل السريانية هل يعرفون كتابته فلم يعرفوه وعرضته على من يكتب بالزبور من أهل اليمن ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه قال فلما لم أجد أحدا ممن يعرفه ألقيته تحت تابوت لنا فمكث سنين ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون الخرز فقلت لهم هل لكم من كتاب فقالوا نعم فأخرجت إليهم الحجر فإذا هم يقرءونه فإذا هو بكتابهم هذا قبر رسول الله عيسى ابن مريم عليه السلام إلى أهل هذه البلاد فإذاهم كانوا أهلها في ذلك الزمان مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثم عدوا على بقية الحواريين يشمسونهم ويعذبونهم وطافوا بهم فسمع بذلك ملك الروم وكانوا تحت يديه وكان صاحب وثن فقيل له إن رجلا كان في هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بنى إسرائيل عدوا عليه فقتلوه وكان يخبرهم أنه رسول الله قد أراهم العجائب وأحيا لهم الموتى وأبرأ لهم الاسقام وخلق لهم من

(1/433)


الطين كهيئة الطير ونفخ فيه فكان طائرا بإذن الله وأخبرهم بالغيوب قال ويحكم فما منعكم أن تذكروا هذا لى من أمره وأمرهم فوالله لو علمت ما خليت بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن دين عيسى وأمره فاخبروه خبره فتابعهم على دينهم واستنزل سرجس فغيبه وأخذ خشبته التى صلب عليها فأكرمها وصانها لما مسها منه وعدا على بنى اسرائيل فقتل منهم قتلى كثيرة فمن هنالك كان أصل النصرانية في الروم * وذكر بعض أهل الاخبار أن مولد عيسى عليه السلام كان لمضى اثنتين وأربعين سنة من ملك أغوسطوس وأن أغوسطوس عاش بعد ذلك بقية ملكه وكان جميع ملكه ستا وخمسين سنة قال بعضهم وأياما قال ووثبت اليهود بالمسيح والرياسة ببيت المقدس في ذلك الوقت لقيصر والملك على بيت المقدس من قبل قيصر هيردوس الكبير الذى دخلت عليه رسل ملك
فارس الذين وجههم الملك إلى المسيح فصاروا إلى هيردوس غلطا وأخبروه أن ملك الفارس بعث بهم ليقربوا إلى المسيح ألطافا معهم من ذهب ومر ولبان وأنهم نظروا إلى نجمه قد طلع فعرفوا ذلك بالحساب وقربوا الالطاف إليه ببيت لحم من فلسطين فلما عرف هيردوس خبرهم كاد المسيح فطلبه ليقتله فامر الله الملك أن يقول ليوسف الذى كان مع مريم في الكنيسة ما أراد هيردوس من قتله وأمره أن يهرب بالغلام وأمه إلى مصر فلما مات هيردوس قال الملك ليوسف وهو بمصر إن هيردوس قد مات وملك مكانه أركلاوس ابنه وذهب من كان يطلب نفس الغلام فانصرف به إلى ناصرة من فلسطين ليتم قول شعيا النبي من مصر دعوتك ومات أركلاوس وملك مكانه هيردوس الصغير الذى صلب شبه المسيح في ولايته وكانت الرياسة في ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم وكان هيردوس وولده من قبلهم إلا أنهم كانوا يلقبون باسم الملك وكان الملوك الكبار يلقبون بقيصر وكان ملك بيت المقدس في وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بن اغوسطوس دون القضاء وكان القضاء لرجل رومى يقال له فيلاطوس من قبل قيصر وكانت رياسة الجالوت ليونن بن بهبوثن

(1/434)


قال وذكروا أن الذى شبه بعيسى وصلب مكانه رجل اسرائيلي يقال له ايشوع ابن فنديرا وكان ملك طيباريوس ثلاثا وعشرين سنة وأياما منها إلى وقت ارتفاع.
المسيح ثمانى عشرة سنة وأيام ومنها بعد ذلك خمس سنين ذكر من ملك من الروم أرض الشام بعد رفع المسيح عليه السلام إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم في قول النصارى (قال أبو جعفر) زعموا أن ملك الشام من فلسطين وغيرها صار بعد طيباريوس إلى جايوس بن طيباريوس وأن ملكه كان أربع سنين.
ثم ملك
بعده ابن له آخر يقال له قلوديوس أربع عشرة سنة.
ثم ملك بعده نيرون الذى قتل فطرس وبولس وصلبه منكسا أربع عشرة سنة.
ثم ملك بعده بوطلايوس أربعة أشهر ثم ملك بعده اسفسيانوس أبو ططوس الذى وجهه إلى بيت المقدس عشر سنين ولمضى ثلاث سنين من ملكه وتمام أربعين سنة من وقت رفع عيسى صلى الله عليه وسلم وجه اسفسيانوس ابنه ططوس إلى بيت المقدس حتى هدمه وقتل من قتل من بنى اسرائيل غضبا للمسيح.
ثم ملك بعده ططوس بن اسفسيانوس سنتين.
ثم من بعده دومطيانوس ست عشرة سنة.
ثم من بعده نارواس ست سنين.
ثم من بعده طرايانوس تسع عشرة سنة.
ثم من بعده هدريانوس إحدى وعشرين سنة.
ثم ملك من بعده ططورس بن بطيانوس اثنتين وعشرين سنة.
ثم من بعده مرقوس وأولاده تسع عشرة سنة.
ثم من بعده قوذوموس ثلاث عشرة سنة.
ثم من بعده فرطناجوس ستة أشهر.
ثم من بعده سبروس أربع عشرة سنة.
ثم من بعده انطنياوس سبع سنين.
ثم بعده مرقيانوس ست سنين.
ثم بعده انطنيانوس أربع سنين.
ثم الحسندروس ثلاث عشرة سنة.
ثم غسميانوس ثلاث سنين.
ثم جورديانوس ست سنين.
ثم بعده فليفوس سبع سنين.
ثم داقيوس ست سنين.
ثم قالوس ست سنين.
ثم بعده والربيانوس وقال يونس خمس عشرة سنة.
ثم قلوديوس سنة.
ثم من بعده

(1/435)


قريطاليوس شهرين.
ثم أورليانوس خمس سنين.
ثم طيقطوس ستة أشهر.
ثم فولوريوس خمسة وعشرين يوما.
ثم فرابوس ست سنين.
ثم قوروس وابناه سنتين.
ثم دوقلطيانوش ست سنين.
ثم محسميانوش عشرين سنة.
ثم قسطنطينوس ثلاثين سنة.
ثم قسطنطين ثلاثين سنة.
ثم قسطنطين عشرين سنة.
ثم اليانوس المنافق سنتين.
ثم يويانوس سنة.
ثم والمطيانوس وغرطيانوس عشر سنين.
ثم
خرطانوس ووالنطيانوس الصغير سنة.
ثم تياداسيس الاكبر سبع عشرة سنة.
ثم أرقديوس وأنوريوس.
عشرين سنة.
ثم تياداسيس الاصغر ووالنطيانوس ست عشرة سنة.
ثم مرقيانوس سبع سنين.
ثم لاون ست عشرة سنة.
ثم زانون ثمانى عشرة سنة.
ثم انسطاس سبعا وعشرين سنة.
ثم يوسطنيانوس سبع سنين.
ثم يوسطنيانوس الشيخ عشرين سنة.
ثم يوسطينس اثنتى عشرة سنة.
ثم طيباريوس ست سنين.
ثم مريقيس وتاذاسيس ابنه عشرين سنة.
ثم فوقا الذى قتل سبع سنين وستة أشهر.
ثم هرقل الذى كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين سنة فمن لدن عمر بيت المقدس بعد تخريبه بختنصر إلى الهجرة على قولهم ألف سنة ونيف ومن ملك الاسكندر إليها تسعمائة سنة ونيف وعشرون سنة من ذلك من وقت ظهوره إلى مولد عيسى ثلثمائة سنة وثلاث سنين ومن مولده إلى ارتفاعه اثنتان وثلاثون سنة ومن وقت ارتفاعه إلى الهجرة خمسمائة وخمس وثمانون سنة وأشهر * وزعم بعض أصحاب الاخبار أن قتل بنى إسرائيل يحيى بن زكرياء كان في عهد أردشير بن بابك لثماني سنين خلت من ملكه وأن بختنصر إنما صار إلى الشأم لقتال اليهود من قبل سابور الجنودا ابن أردشير بن بابك * وكان من الاحداث أيام ملوك الطوائف إلى قيام أردشير ابن بابك بالملك فيما ذكر هشام بن محمد دنو من دنا من قبائل العرب من ريف العراق ونزول من نزل منهم.
(الحيرة والانبار وما حوالى ذلك) فحدثت عن هشام بن محمد قال لما مات بختنصر انضم الذين كان أسكنهم الحيرة

(1/436)


من العرب حين أمر بقتالهم إلى أهل الانبار وبقيت الحيرة خرابا فغبروا بذلك زمانا طويلا لا تطلع عليهم طالعة من بلاد العرب ولا يقدم عليهم قادم وبالانبار
أهلها ومن انضم إليهم من أهل الحيرة من قبائل العرب من بنى اسماعيل وبنى معد ابن عدنان فلما كثر أولاد معد بن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب وملؤا بلادهم من تهامة وما يليهم فرقتهم حروب وقعت بينهم وأحداث حدثت فيهم فخرجوا يطلبون المتسع والريف فيما يليهم من بلاد اليمن ومشارق الشأم وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين وبها جماعة من الازد كانوا نزلوها في دهر عمران ابن عمرو من بقايا بنى عامر وهو ماء السماء بن حارثة وهو الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الازد وكان الذين أقبلوا من تهامة من العرب مالك وعمروا بنا فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ومالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة في جماعة من قومهم والحيقار بن الحيق بن عمير بن قنص بن معد بن عدنان في قنص كلها ولحق بهم غطفان بن عمرو بن الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أفصى بن دعمى بن أياد بن نزار بن معد بن عدنان وزهر بن الحارث بن الشلل بن زهر بن أياد وصنح بن صنح بن الحارث بن أفصى بن دعمى بن أياد فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب فتحالفوا على التنوخ وهو المقام وتعاقدوا على التوازر والتناصر فصاروا يدا على الناس وضمهم اسم تنوخ فكانوا بذلك الاسم كأنهم عمارة من العمائر قال وتنخ عليهم بطون من نمارة بن لخم قال ودعا مالك بن زهير جذيمة الابرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الازدي إلى التنوخ معه وزوجه أخته لميس ابنة زهير فتنخ جذيمة بن مالك وجماعة ممن كان بها من قومهم من الازد فصار مالك وعمرو ابنا فهم والازد حلفاء دون سائر تنوخ وكلمة تنوخ كلها واحدة وكان اجتماع من اجتمع من قبائل العرب بالبحرين وتحالفهم وتعاقدهم أزمان ملوك الطوائف الذين ملكهم الاسكندر وفرق البلدان بينهم عند قتله دارا ابن دارا ملك فارس إلى أن ظهر اردشير بن بابك ملك فارس على ملوك الطوائف

(1/437)


وقهرهم ودان له الناس وضبط له الملك قال وإنما سموا ملوك الطوائف لان كل ملك منهم كان ملكه قليلا من الارض إنما هي قصور وأبيات وحولها خندق وعدوه قريب منه له من الارض مثل ذلك ونحوه يغير أحدهما على صاحبه ثم يرجع كالخطفة قال فتطلعت أنفس من كان بالبحرين من العرب إلى ريف العراق وطمعوا في غلبة الاعاجم على ما يلي بلاد العرب منه أو مشاركتهم فيه واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف فأجمع رؤساؤهم بالمسير إلى العراق ووطن جماعة ممن كان معهم على ذلك فكان أول من طلع منهم الحيقار بن الحيق في جماعة قومه وأخلاط من الناس فوجدوا والارمانيين وهم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل يقاتلون الاردوانيين وهم ملوك الطوائف وهم فيما بين نفر وهى قرية من سواد العراق إلى الابلة وأطراف البادية فلم تدن لهم فدفعوهم عن بلادهم قال وكان يقال لعاد إرم فلما هلكت قيل لثمود إرم ثم سموا الارمانيين وهم بقايا ارم وهم نبط السواد ويقال لدمشق ارم قال فارتفعوا عن سواد العراق وصاروا اشلاء بعد في عرب الانبار وعرب الحيرة فهم اشلاء قنص بن معد واليهم ينسب عمرو بن عدى بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث ابن مسعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم وهذا قول مضر وحماد الرواية وهو باطل ولم يأت في قنص بن معد شئ أثبت من قول جبير بن مطعم ان النعمان كان من ولده قال وإنما سميت الانبار انبار لانها كانت تكون فيها أنابير الطعام وكانت تسمى الاهراء لان كسرى يرزق أصحابه رزقهم منها قال ثم طلع مالك وعمرو ابنافهم بن تيم الله ومالك بن زهير بن فهم بن تيم الله وغطفان بن عمرو بن الطمثان وزهربن الحارث وصنح بن صنح فيمن تنخ علهيم من عشائرهم وحلفائهم على الانبار على ملك الارمانيين فطلع نمارة بن قيس بن نمارة والنجدة وهم قبيلة من العماليق
يدعون إلى كندة وملكان بن كندة ومالك وعمرو ابنافهم ومن حالفهم وتنخ معهم على نفر على ملك الاردوانيين فأنزلهم الحير الذى كان بناه بختنصر لتجار العرب الذين وجد بحضرته حين أمر بغزو العرب في بلادهم وإدخال الجيوش عليهم فلم تزل طالعة

(1/438)


الانبار وطالعة نفر على ذلك لا يدينون للاعاجم ولا تدين لهم الاعاجم حتى قدمها تبع وهو أسعد أبو كرب بن ملكيكرب في جيوشه فخلف بها من لم تكن به قوة من الناس ومن لم يقو على المضى معه ولا الرجوع إلى بلاده وانضموا إلى هذا الحير واختلطوا بهم وفى ذلك يقول كعب بن جعيل بن عجرة بن قمير بن ثعلبة بن عوف بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل وغزا تبع في حمير حتى * نزل الحيرة من أهل عدن وخرج تبع سائرا ثم رجع إليهم وأقاموا فأقرهم على حالهم وانصرف راجعا إلى اليمن وفيهم من كل القبائل من بنى لحيان وهم بقايا جرهم وفيهم جعفى وطئ وكلب وتميم وليسوا إلا بالحيرة يعنى بقايا جرهم قال ابن الكلبى لحيان بقايا جرهم ونزل كثير من تنوخ الانبار والحيرة وما بين الحيرة إلى طف الفرات وغربيه إلى ناحية الانبار وما والاها في المظال والاخبية لا يسكنون بيوت المدر ولا يجامعون أهلها فيها واتصلت جماعتهم فيما بين الانبار والحيرة وكانوا يسمون عرب الضاحية فكان أول من ملك منهم في زمان ملوك الطوائف مالك بن فهم وكان منزله مما يلى الانبار ثم مات مالك فملك من بعده أخوه عمرو بن فهم ثم هلك عمرو بن فهم فملك من بعده جذيمة الابرش بن مالك ابن فهم بن غانم بن دوس الازدي قال ابن الكلبى دوس بن عدنان بن عبد الله بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ قال ابن الكلبى ويقال إن جذيمة الابرش من العاربة الاولى من بنى وبار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح
قال وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيا وأبعدهم مغارا وأشدهم نكاية وأطهرهم حزما وأول من استجمع له الملك بأرض العراق وضم إليه العرب وغزا بالحيوش وكان به برص * فكنت العرب عنه وهابت العرب أن تسميه به وتنسبه إليه إعظاما له فقيل جذيمة الوضاح وجذيمة الابرش وكانت منازله فيما بين الحيرة والانبار وبقة وهيت وناحيتها وعين التمر وأطراف البر إلى الغمير والقطقطانه وخفية وما والاها وتجبى إليه الاموال وتفد إليه الوفود وكان

(1/439)


غزاطسما وجديسا في منازلهم من جو وما حولهم وكانت طسم وجديس يتكلمون بالعربية فأصاب حسان بن تبع أسعد أبى كرب قد أغار على طسم وجديس باليمامة فانكفأ جذيمة راجعا بمن معه وأتت خيول تبع على سرية لجذيمة فاجتاحتها وبلغ جذيمة خبرهم فقال جذيمة ربما أو فيت في علم * ترفعن بردى شمالات في فتو أنا كالئهم * في بلايا غزوة باتوا ثم أبنا غانمي نعم * وأناس بعبدنا ماتوا نحن كنا في ممرهم * إذ ممر القوم خوات ليت شعرى ما أماتهم * نحن أدلجنا وهم باتوا ولنا كانوا ونحن إذا * قال منا قائل صاتوا ولنا البيد البعاد التى * أهلها السودان أشتات ثبوة الاخيار شاهدة * ذاكم قومي وأولات قد شربت الخمر وسطهم * ناعما في غير أصوات فعلى ما كان من كرم * فستبكيني بنيات أنا رب الناس كلهم * غير ربى الكافت الفات
يعنى بالكافت الذى يكفت أرواحهم والفات الذى يفتهم أنفسهم يعنى الله عزوجل قال ابن الكلبى ثلاثة أبيات منها حق والبقية باطل قال وفى مغازيه وغاراته على الامم الخالية من العاربة الاولى بقول الشاعر في الجاهلية أضحى جذيمة في يبرين منزله * قد حاز ما جمعت في دهرها عاد فكان جذيمة قد تنبأ وتكهن واتخذ صنمين يقال لهما الضيزنان قال ومكان الضيزنين بالحيرة معروف وكان يستسقى بهما ويستنصر بهما على العدو وكانت أيادبعين أباغ وأباغ رجل من العماليق نزل بتلك العين فكان يغازيهم فذكر لجذيمة غلام من لخم في أخواله من أباذ يقال له عدى بن نصر بن ربيعة بن عمرو ابن الحارث بن سعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم له جمال وظرف فغزاهم

(1/440)


جذيمة فبعث أياد قوما فسقوا سدنة الصنمين الخمر وسرقوا الصنمين فأصبحا في أياد فبعث إلى جذيمة أن صنميك أصبحا فينا زهدا فيك ورغبة فينا فإن أو ثقت لنا أن لا تغزونا رددناهما إليك قال وعدى بن نصر تدفعونه إلى فدفعوه إليه مع الصنمين فانصرف عنهم وضم عديا إلى نفسه وولاه شرابه فأبصرته رقاش ابنة مالك أخت جذيمة فعشقته وراسلته وقالت يا عدى اخطبني إلى الملك فإن لك حسبا وموضعا فقال لا أجترئ على كلامه في ذلك ولا أطمع أن يزوجنيك قالت إذا جلس على شرابه وحضره ندماؤه فاسقه صرفا واسق القوم مزاجا فإذا أخذت الخمرة فيه فاخطبني إليه فإنه لن يدرك ولن يمتنع منك فإذا زوجك فأشهد القوم ففعل الفتى ما أمرته به فلما أخذت الخمرة مأخذها خطبها إليها فأملكه إياها فانصرف إليها فأعرس بها من ليلته وأصبح مضرجا بالخلوق فقال له جذيمة وأنكر ما رأى به ما هذه الآثار يا عدى قال آثار العرس قال أي عرس قال عرس رقاش قال من زوجكها ويحك قال زوجنيها الملك فضرب جذيمة بيده على جبهته وأكب
على الارض ندامة وتلهفا وخرج عدى على وجهه هاربا فلم ير له أثر ولم يسمع له بذكر وأرسل إليها جذيمة فقال حدثينى وأنت لا تكذبينى * أبحر زنيت أم بهجين أم بعبد فأنت أهل لعبد * أم بدون فانت أهل لدون فقالت لابل أنت زوجتني امرأ عربيا معروقا حسيبا ولم تستأمرني في نفسي ولم أكن مالكة لامرى فكف عنها وعرف عذرها ورجع عدى بن نصر إلى اياد فكان فيهم فخرج ذات يوم مع فتية متصيدين فرمى به فتى منهم من لهب فيما بين جبلين فتنكس فمات واشتملت رقاش على حبل فولدت غلاما فسمته عمرا ورشحته حتى إذا ترعرع عطزته وألبسته وحلته وأزارته خاله جذيمة فلما رآه أعجب به وألقيت عليه منه مقة ومحبة فكان يختلف مع ولده ويكون معهم فخرج جذيمة متبديا بأهله وولده في سنة خصبة مكلئة فضربت له ابنية في روضة ذات زهرة وغدر وخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة فكانوا إذا أصابوا

(1/441)


كمأة جيدة أكلوها وإذا أصابها عمرو وخبأها في حجزته فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون وعمرو يقول هذا جناى وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه فضمه إليه جذيمة والتزمه وسر بقوله وفعله وأمر فجعل له حلى من فضة وطوق فكان أول عربي ألبس طوقا فكان يسمى عمرو ذا الطوق فبينما هو على أحسن حاله إذ استطارته الجن فاستهوته فضرب له جذيمة في البلدان والآفاق زمانا لا يقدر عليه قال وأقبل رجلان أخوان من بلقين يقال لهما مالك وعقيل ابنا فارج بن مالك بن كعب بن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة من الشام يريدان جذيمة قد أهديا له ظرفا ومتاعا فلما كانا ببعض
الطريق نزلا منزلا ومعهما قينة لهما يقال لها أم عمرو فقدمت إليهما طعاما فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتى عريان شاحب قد تلبد شعره وطالت أظفاره وساءت حاله فجاء حتى جلس ناحية منهما فمد يده يريد الطعام فناولته القينة كراعا فأكلها ثم مد يده إليها فقالت تعطى العبد كراعا فيطمع في الذراع فذهبت مثلا ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها وأوكت زقها فقال عمرو بن عدى صددت الكاس عنا أم عمر * وكان الكاس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو * بصاحبك الذى لا تصحبينا فقال مالك وعقيل من أنت يافتى فقال: إن تنكراني أو تنكرا نسبي * فانى أنا عمرو بن عدى ابن تنوخية اللخمى * وغدا ما تريانى في نمارة غير معصى فنهضا إليه فضماه وغسلا رأسه وقلما أظفاره وأخذا من شعره وألبساه مما كان معهما من الثياب وقالا ما كنا لنهدي لجذيمة هدية أنفس عنده ولا أحب إليه من ابن أخته قد رده الله عليه بنا فخرجا به حتى دفعا إلى باب جذيمة بالحيرة فبشراه فسر بذلك سرورا شديدا وأنكره لحال ما كان فيه فقالا أبيت اللعن أن من كان في مثل حاله يتغير فأرسل به إلى أمه فمكث عندها أياما ثم أعادته إليه فقال

(1/442)


لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق فما ذهب عن عينى ولا قلبى إلى الساعة فأعادوا عليه الطوق فلما نظر إليه قال شب عمرو عن الطوق فأرسلها مثلا وقال لمالك وعقيل حكمكما قالا حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت فهما ندمانا جذيمة اللذان ضربا مثلا في أشعار العرب وفى ذلك يقول أبو خراش الهذلى لعمرك ما ملت كبيشة طلعتي * وإن ثوائى عندها لقليل ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا * نديما صفاء مالك وعقيل
وقال متمم بن نويرة وكنا كندمانى جذيمة حقيقة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأنى ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارق بلاد الشام عمرو بن ظرب ابن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العملقى ويقال العمليقى من عاملة العماليق فجمع جذيمة جموعا من العرب فسار إليه يريد غزاته وأقبل عمرو بن ظرب بجموعه من الشام فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل عمرو بن ظرب وانفضت جموعه وانصرف جذيمة بمن مع سالمين غانمين فقال في ذلك الاعور بن عمرو بن هناءة ابن مالك بن فهم الازدي كأن عمرو بن ثربا لم يعش ملكا * ولم تكن حولة الرايات تختفق لاقى جذيمة في جأواء مشعلة * فيها حراشف بالنيران ترتشق فملكت من بعد عمرو ابنته الزباء واسمها نائلة وقال في ذلك القعقاع بن الدرماء الكلبى أتعرف منزلا بين المنقى * وبين مجر نائلة القديم وكان جنود الزباء بقايا من العماليق والعاربة الاولى وتزيد وسليح ابني حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة ومن كان معهم من قبائل قضاعة وكانت

(1/443)


للزباء أخت يقال لها زبيبة فبنت لها قصرا حصينا على شاطئ الفرات الغربي وكانت تشتو عند أختها وتربع ببطن النجار وتصير إلى تدمر فلما أن استجمع لها أمرها واستحكم لها ملكها أجمعت لغزو جذيمة الابرش تطلب بثأر أبيها
فقالت لها أختها زبيبة وكانت ذات رأى ودهاء وإرب يا زباء إنك إن غزوت جذيمة فانما هو يوم له ما بعده إن ظفرت أصبت ثأرك وان قتلت ذهب ملكك والحرب سجال وعثراتها لا تستقال وإن كعبك لم يزل ساميا على من ناوأك وساماك ولم ترى بؤسا ولا غيرا ولا تدرين لمن تكون العاقبة وعلى من تكون الدائرة فقالت لها الزباء قد أديت النصيحة وأحسنت الروية وأن الرأى ما رأيت والقول ما قلت فانصرفت عما كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة ورفضت ذلك وأتت أمرها من وجوه الختل والخدع والمكر فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها وأن يصل بلاده ببلادها وكان فيما كتبت به انها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان وقلة ضبط المملكة وانها لم تجد لملكها موضعا ولا لنفسها كفؤا غيرك فاقبل إلى فاجمع ملكى إلى ملكك وصل بلادي ببلادك وتقلد أمرى مع أمرك فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة وقدم عليه رسلها استخفه ما دعته إليه ورغب فيما أطمعته فيه وجمع إليه أهل الحجى والنهى من ثقات أصحابه وهو بالبقة ما شاطئ الفرات فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء واستشارهم في أمره فأجمع رأيهم على أن يسير إليها ويستولى على ملكها وكان فيهم رجل يقال له قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن ربى بن نمارة بن لخم وكان سعد تزوج أمة لجذيمة فولدت له قصيرا وكان أريبا حازما أثيرا عند جذيمة ناصحا فخالفهم فيما أشاروا به عليه وقال رأى فاتر وغدر حاضر فذهبت مثلا فرادوه الكلام ونازعوه الرأى فقال إنى لارى أمرا ليس بالخسا ولا الزكا فذهبت مثلا * وقال لجذيمة أكتب إليها فان كانت صادقة فلتقبل اليك وإلا لم تمكنها من نفسك ولم تقع في حبالها وقد وترتها وقتلت أباها فلم يوافق جذيمة ما أشار به عليه قصير فقال قصير

(1/444)


إنى امرو لا يميل العجز ترويتى * إذا أتت دون شئ مرة الوذم فقال جذيمة لا ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح فذهبت مثلا فدعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدى فاستشاره فشجعه على المسير وقال إن نمارة قومي مع الزباء ولو قدروا لصاروا معك فأطاعه وعصى قصيرا فقال قصير لا يطاع لقصير أمر وفى ذلك يقول نهشل بن حرى بن ضمرة بن جابر التميمي ومولى عصاني واستبد برأيه * كما لم يطع بالبقتين قصير فلما تبين غب أمرى وأمره * وولت بأعجاز الامور صدور تمنى نئيشا أن يكون أطاعنى * وقد حدثت بعد الامور امور وقالت العرب ببقة أبرم الامر فذهبت مثلا واستخلف جذيمة عمرو بن عدى على ملكه وسلطانه وجعل عمرو بن عبد الجن الجرمى معه على خيوله وسار في وجوه أصحابه فأخذ على الفرات من الجانب الغربي فلما نزل الفرضة دعا قصيرا فقال ما الرأى قال ببقة تركت الرأى فذهبت مثلا واستقبلته رسل الزباء بالهدايا والالطاف فقال يا قصير كيف ترى قال خطر يسير في خطب كبير فذهبت مثلا وستلقاك الخيول فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك من خلفك فإن القوم غادرون فاركب العصا وكانت فرسا لجذيمة لا تجارى فإنى راكبها ومسايرك عليها فلقيته الخيول والكتائب فحالت بينه وبين العصا فركبها قصير ونظر إليه جذيمة موليا على متنها فقال ويل امه حزما على ظهر العصا فذهبت مثلا فقال يا ضل ما تجرى به العصا وجرت به إلى غروب الشمس ثم نفقت وقد قطعت أرضا بعيدة فبنى عليها برجا يقال له برج العصا وقالت العرب خير ما جاءت به العصا مثل تضربه وسار جذيمة وقد أحاطت به الخيول حتى دخل على الزباء فلما رأته تكشفت فإذا هي مضفورة الاسب فقالت يا جذيمة أدأب عروس ترى فذهبت مثلا فقال بلغ المدى وجف الثرى وأمر غدر أرى
فقالت أما وإلهى ما بنا من عدم مواس ولا قلة أواس ولكنه شيمة من أناس فذهبت مثلا وقالت إنى أنبئت أن دماء الملوك شفاء من الكلب ثم أجلسته على

(1/445)


قطع وأمرت بطست من ذهب فأعدته له وشقته من الخمر حتى أخذت مأخذها منه وأمرت براهشيه فقطعا وقدمت إليه الطست وقد قيل لها إن قطر من دمه شئ في غير الطست طلب بدمه وكانت الملوك لا تقتل بضرب الاعناق إلا في قتال تكرمة للملك فلما ضعفت يداه سقطتا فقطر من دمه في غير الطست فقالت لا تضيعوا دم الملك فقال جذيمة دعوا دما ضيعه أهله فذهبت مثلا فهلك جذيمة واستنشفت الزباء دمه فجعلته في برس قطن في ربعة لها وخرج قصير من الحى الذى هلكت العصا بين أظهرهم حتى قدم على عمرو بن عدى وهو بالحيرة فقال له قصير أداثر أم تائر قال لا تائر سائر فذهبت مثلا ووافق قصير الناس وقد اختلفوا فصارت طائفة منهم مع عمرو بن عبد الجن الجرمى وجماعة منهم مع عمرو بن عدى فاختلف بينهما قصير حتى اصطلحا وانقاد عمرو بن عبد الجن لعمرو بن عدى ومال إليه الناس فقال عمرو بن عدى في ذلك دعوت ابن عبد الجن للسلم بعد ما * تتابع في غرب السفاه وكلسما فلما ارعوى عن صدنا باعترامه * مريت هواه مرى آم روائما فقال عمرو بن عبد الجن مجيبا له أما ودماء مائرات تخالها * على قلة العزى أو النسر عندما وما قدس الرهبان في كل هيكل * أبيل الابيلين المسيح بن مريما قال هكذا وجد الشعر ليس بتام وكان ينبغى أن يكون البيت الثالث لقد كان كذا وكذا * فقال قصير لعمرو بن عدى تهيأ واستعدد ولا تطل دم خالك قال وكيف لى بها وهى أمنع من عقاب الجو فذهبت مثلا وكانت الزباء سألت
كاهنة لها عن أمرها وملكها فقالت أرى هلاكك بسبب غلام مهين غير أمين وهو عمرو بن عدى ولن تموتي بيده ولكن حتفك بيدك ومن قبله ما يكون ذلك فحذرت عمرا واتخذت نفقا من مجلسها الذى كانت تجلس فيه إلى حصن لها داخل مدينتها وقالت إن فجئني أمر دخلت النفق إلى حصنى ودعت رجلا مصورا أجود أهل بلادها تصويرا وأحسنهم عملا لذلك فجهزته وأحسنت إليه وقالت

(1/446)


له سر حتى تقدم على عمرو بن عدى متنكرا فتخلو بحشمه وتنضم إليهم وتخالطهم وتعلمهم ما عندك من العلم بالصور والثقافة له ثم أثبت عمرو بن عدى معرفة وصوره جالسا وقائما وراكبا ومنفصلا ومتسلحا بهيئته ولبسته وثيابه ولونه فإذا أحكمت ذلك فأقبل إلى فانطلق المصور حتى قدم على عمرو وصنع الذى أمرته به الزباء وبلغ ما أوصته به ثم رجع إليها بعلم ما وجهته له من الصور على ما وصفت له وأرادت أن تعرف عمرو بن عدى فلا تراه على حال إلا عرفته وحذرته وعلمت علمه فقال قصير لعمرو بن عدى اجدع أنفى واضرف ظهرى ودعني وإياها فقال عمرو ما أنا بفاعل وما أنت لذلك بمستحق منى فقال قصير خل عنى إذا وخلاك ذم فذهبت مثلا قال ابن الكلبى كان أبو الزباء اتخذ النفق لها ولاختها وكان الحصن لاختها في داخل مدينتها قال فقال له عمرو فانت أبصر فجدع قصير أنفه وأثر بظهره فقالت العرب لمكر ما جدع أنفقه قصير وفى ذلك يقول المتلمس ومن حذر الاوتار ما حز أنفه * قصير وخاض الموت بالسيف بيهس ويروى ورام الموت وقال عدى بن زيد كقصير إذ لم يجد غير أن ج * دع أشرافه لشكر قصير فلما أن جدع قصير أنفه وأثر تلك الآثار بظهره خرج كأنه هارب وأظهر أن عمرا فعل به ذلك وأنه يزعم أنه مكر بخاله جذيمة وغره من الزباء فسار قصير حتى
قدم على الزباء فقيل لها إن قصيرا بالباب فأمرت به فادخل عليها فإذا أنفه قد جدع وظهره قد ضرب فقالت ما الذى أرى بك يا قصير فقال زعم عمرو بن عدى أنى غررت خاله وزينت له السير اليك وغششته ومالاتك عليه ففعل بى ما ترين فاقبلت إليك وعرفت أنى لا أكون مع أحد هو أثقل على منك فألطفته وأكرمته وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأى والتجربة والمعرفة بأمور الملوك فلما عرف أنها قد استرسلت إليه ووثقت به قال لها إن لى بالعراق أموالا كثيرة وبها طرائف وثياب وعطر فابعثيني إلى العراق لاحمل مالى وأحمل اليك من بزوزها وطرائف ثيابها وصنوف ما يكون بها من الامتعة والطيب

(1/447)


والتجارات فتصيبين في ذلك أرباحا عظاما وبعض مالا غنى بالملوك عنه فانه لا طرائف كطرائف العراق فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرحته ودفعت معه عيرا فقالت انطلق إلى العراق فبع بها ما جهزناك به وابتع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب وغيرها فسار قصير بما دفعت إليه حتى قدم العراق وأتى الحيرة متنكرا فدخل على عمرو بن عدى فاخبره بالخبر وقال جهزني بالبز والطرف والامتعة لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك وتقتل عدوك فاعطاه حاجته وجهزه بصنوف الثياب وغيرها فرجع بذلك كله إلى الزباء فعرضه عليها فأعجبها ما رأت وسرها ما أتاها به وازدادت به ثقة واليه طمأنينة ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الاولى فسار حتى قدم العراق ولقى عمرو بن عدى وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء ولم يترك جهدا ولم يدع طرفة ولا متاعا قدر عليه إلا حمله إليها ثم عاد الثالثة إلى العراق فاخبر عمرا الخبر وقال اجمع لى ثقات أصحابك وجندك وهيئ لهم الغرائر والمسوح * قال ابن الكلبى وقصير أول من عمل الغرائر واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين واجعل معقد رؤس الغرائر من باطنها فإذا دخلوا مدينة الزباء
أقمتك على باب نفقها وخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا باهل المدينة فمن قاتلهم قتلوه وإن أقبلت الزباء تريد النفق جللتها بالسيف ففعل عمرو بن عدى وحمل الرجال في الغرائر على ما وصف له قصير ثم وجه الابل إلى الزباء عليها الرجال وأسلحتهم فلما كانوا قريبا من مدينتها تقدم قصير إليها فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات تلك الابل وما عليها من الاحمال فانى جئت بما صاء وصمت فذهبت مثلا وقال ابن الكلبى وكان قصير يكمن النهار ويسير الليل وهو أول من كمن النهار وسار الليل فخرجت الزباء فابصرت الابل تكاد قوائمها تسوخ في الارض من ثقل أحمالها فقالت يا قصير ما للجمال مشيها وئيدا * أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا باردا شديدا فدخلت الابل المدينة حتى كان آخرها بعيرا مر على بواب المدينة وهو نبطى

(1/448)


بيده منخسة فنخس بها الغرائر التى تليه فأصابت خاصرة الرجل الذى فيها فضرط فقال البواب بالنبطية بشتابسقا يعنى بقوله بشتابسقا في الجوالق شر وأرعب قلبا فذهبت مثلا فلما توسطت الابل المدينة أنيخت ودل قصير عمرا على باب النفق قبل ذلك وأراه إياه وخرجت الرجال من الغرائر وصاحوا بأهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح وقام عمرو بن عدى على باب النفق وأقبلت الزباء مولية مبادرة تريد النفق لتدخله وأبصرت عمرا قائما فعرفته بالصورة التى كان صورها لها المصور فمصت خاتما وكان فيها سم وقالت بيدى لا بيدك يا عمرو فذبت مثلا وتلقاها عمرو بن عدى فجللها بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من أهل المدينة وانكفأ راجعا إلى العراق فقال عدى بن زيد في أمر جذيمة وقصير والزباء وقتل عمرو بن عدى إياها قصيدته
أبدلت المنازل أم عفينا * تقادم عهدها أم قد بلينا إلى آخرها وقال المخبل وهو ربيعة بن عوف السعدى يا عمرو إنى قد هويت جماعكم * ولكل من يهوى الجماع فراق بل كم رأيت الدهر زايل بينه * من لا يزايل بينه الاخلاق طابت به الزبا وقد جعلت لها * دورا ومشربة لها أنفاق حملت لها عمرا ولا بخشونة * من آل دومة رسلة معناق حتى تفرعها بأبيض صارم * عضب يلوح كانه مخراق وأبو حذيفة يوم ضاق بجمعه * شعب الغبيط فحومة فافاق وله معد والعباد وطيى * ومن الجنود كتائب ورفاق يهب النجائب والبرائع حوله * جردا كان متونها الاطلاق فأتت عليه ساعة ما إن له * مما أفاء ولا أفاد عتاق فكأن ذلك يوم حم قضاؤه * رفد أميل إناؤه مهراق وقال بعض شعراء العرب نحن قتلنا فقحلا وابن راعن * ونحن خنينا نبت زبا بمنجل

(1/449)


فلما أتتها العير قالت أبارد * من التمر هذا أم حديد وجندل وقال عبد باجر واسمه بهرا من العرب العاربة وهم عشرة أحياء عاد وثمود والعماليق وطسم وجديس وأميم والمود وجرهم ويقطن والسلف قال والسلف دخل في حمير لا ركبت رجلك من بين الدلى * لقد ركبت مركبا غير الوطى على العراقى بصقا من الطوى * إن كنت غضبى فاغضبي على الركى وعاتبي القيم عمرو بن عدى
فصار الملك بعد جذيمة لابن أخته عمرو بن عدى بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم وهو أول من اتخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب وأول من مجده أهل الحيرة في كتبهم من ملوك العرب بالعراق واليه ينسبون وهم ملوك آل نصر فلم يزل عمرو بن عدى ملكا حتى مات وهو ابن مائة وعشرين سنة منفردا بملكه مستبدا بأمره يغزو المغازى ويصب الغنائم وثفد عليه الوفود دهره الاطول لا يدين لملوك الطوائف بالعراق ولا يدينون له حتى قدم أردشير ابن بابك في أهل فارس وانما ذكرنا في هذا الموضع ما ذكرنا من أمر جذيمة وابن أخته عمرو بن عدى لما كنا قدمنا من ذكر ملوك اليمن أنه لم يكن لملكهم نظام وان الرئيس منهم إنما كان ملكا على مخلافه ومحجره لا يجاوز ذلك فان نزع منهم نازع أو نبغ منهم نابغ فتجاوز ذلك وإن بعدت مسافة سيره من مخلافه فانما ذلك منه عن غير ملك له موطد ولا لآبائه ولا لابنائه ولكن كالذى يكون من بعض من يشرد من المتلصصة فيغير على الناحية بعد الناحية باستغفاله أهلها فإذا فصده الطلب لم يكن له ثبات فكذلك كان أمر ملوك اليمن كان الواحد منهم بعد الواحد يخرج عن مخلافه ومحجره أحيانا فيصيب مما مر به ثم يتشمر عند خوف الطلب راجعا إلى موضعه ومخلافه من غير أن يدين له أحد من غير أهل مخلافه بالطاعة أو يؤدى إليه خرجا حتى كان عمرو بن عدى الذى ذكرنا أمره وهو ابن أخت جذيمة الذى اقتصصنا خبره فانه اتصل له ولعقبه ولاسبابه الملك على ما كان

(1/450)


بنواحي العراق وبادية الحجاز من العرب باستعمال ملوك فارس إياهم على ذلك واستكفائهم أمر من وليهم من العرب إلى أن قتل ابرويز بن هرمز النعمان بن المنذر ونقل ما كانت ملوك فارس يجعلونه إليهم إلى غيرهم فذكرنا ما ذكرنا من أمر جذيمة وعمرو بن عدى من أجل ذلك إذ كنا نريد أن يسوق تمام التاريخ
على ملك ملوك فارس ونستشهد على صحة ما روى من أمرهم بما وجدنا إلى الاستشهاد به عليها سييلا وكان أمر آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق عند أهل الحيرة متعالما مثبتا عندهم في كنائسهم وأسفارهم * وقد حدثت عن هشام بن محمد الكلبى انه قال إنى كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة وفيها ملكهم وأمورهم كلها * فأما ابن حميد فانه حدثنا في أمر ولد نصر بن ربيعة ومصيرهم إلى أرض العراق غير الذى ذكره هشام والذى حدثنا به من ذلك عن سلمة عن ابن اسحاق عن بعض أهل العلم أن ربيعة بن نصر اللخمى رأى رؤيا نذكرها بعد عند ذكر أمر الحبشة وغلبتهم على اليمن وتعبير سطيح وشق وجوابهما عن رؤياه ثم ذكر في خبره ذلك ان ربيعة بن نصر لما فرغ من مسألة سطيح وشق وجوابهما إياه وقع في نفسه ان الذى قالا له كائن من أمر الحبشة فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة قال فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان ملك حيرة وهو النعمان ابن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدى بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم (قال أبو جعفر) ونذكر الآن أمر طسم وجديس إذ كان أمرهم أيضا كان في أيام ملوك الطوائف وان فناء جديس كان على يد حسان بن تبع إذ كنا قدمنا فيما مضى ذكر تبابعة حمير الذين كانوا على عهد ملوك فارس * وحدثت عن هشام بن محمد وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن

(1/451)


ابن اسحاق وغيرهما من علماء العرب أن طسما وجديسا كانوا من ساكنى اليمامة
وهى إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيرا لهم فيها صنوف الثمار ومعجبات الحدائق والقصور الشامخة وكان عليهم ملك من طسم ظلوم غشوم لا ينهاه شئ عن هواه يقال له عملوق مضر بجديس مستذلا لهم وكان مما لقوا من ظلمه واستذلاله أنه أمر بأن لا تهدى بكر من جديس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها فقال رجل من جديس يقال له الاسود بن غفار لرؤساء قومه قد ترون ما نحن فيه من العار والذل الذى ينبغى للكلاب أن تعافه وتمتعض منه فأطيعوني فانى أدعوكم إلى عز الدهر ونفى الذل قالوا وما ذاك قال إنى صانع للملك ولقومه طعاما فإذا جاؤا نهضنا إليهم بأسيافنا وانفردت به فقتلته وأجهز كل رجل منكم على جليسه فأجابوه إلى ذلك وأجمع رأيهم عليه فأعد طعاما وأمر قومه فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل وقال إذا أتاكم القوم يرفلون في حللهم فخذوا سيوفهم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم ثم اقتلوا الرؤساء فانكم إذا قتلتموهم لم تكن السفلة شيئا وحضر الملك فقتل وقتل الرؤساء فشدوا على العامة منهم فأفنوهم فهرب رجل من طسم يقال له رياح بن مرة حتى أتى حسان بن تبع فاستغاث به فخرج حسان في حمير فلما كان من اليمامة على ثلاث قال له رياح أبيت اللعن إن لى أختا متزوجة في جديس يقال لها اليمامة ليس على وجه الارض أبصر منها انها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث وإنى أخاف أن تنذر القوم بك فمر أصحابك فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه ويسير وهى في يده فأمرهم حسان بذلك ففعلوا ثم سار فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس لقد سارت حمير فقالوا وما الذى ترين قالت أرى رجلا في شجرة معه كتف يتعرقها أو نعل يخصفها فكذبوها وكان ذلك كما قالت وصبحهم حسان فأبادهم وأخرب بلادهم وهدم قصورهم وحصونهم وكانت اليمامة تسمى إذ ذاك جوا والقرية وأتى حسان باليمامة ابنة مرة فأمر بها ففقئت عيناها فإذا فيها عروق سود فقال لها ما هذا السواد في عروق عينيك قالت حجير أسود
يقال له الاثمد كنت أكتحل به وكانت فيما ذكروا أول من اكتحل بالاثمد فأمر حسان

(1/452)


بأن تسم يجو اليمامة * وقد قالت الشعراء من العرب في حسان ومسيره هذا فمن ذلك قول الاعشى كونى كمثل الذى إذ غاب وافدها * أهدت له من بعيد نظرة جذعا ما نظرت ذات أشفار كنظرتها * حقا كما صدق الذثبى إذ سجعا إذ قلبت مقلة ليست بمقرفة * إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا قالت أرى رجلا في كفه كتف * أو يخصف النعل لهفى أية صنعا فكذبوها بما قالت فصبحهم * ذو آل حسان يزجى الموت والشرعا فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم * وهدموا شاخص البنيان فاتضعا ومن ذلك قول النمر ابن تولب العكلى هلا سألت بعادياء وبيته * والخل والخمر التى لم تمنع وفتاتهم عنز عشية آنست * من بعد مرأى في الفضاء ومسمع قالت أرى رجلا يقلب كفه * أصلا وجو آمن لم يفزع ورأت مقدمة الخميس وقبله * رقص الركاب إلى الصياح بتبع فكأن صالح أهل جو غدوة * صبحوا بذيفان السمام المنقع كانوا كأنعم من رأيت فاصبحوا * يلوون زاد الراكس المتمتع قالت يمامة احملوني قائما * إن تبعثوه باركا بى أصرع وحسان بن تبع الذى أوقع بجديس هو ذو معاهر وهو تبع بن تبع تبان أسعد أبى كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن وهو أبو تبع بن حسان الذى يزعم أهل اليمن انه قدم مكة وكسا الكعبة وأن الشعب من المطابخ انما سمى هذا الاسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع واطعامه الناس وأن أجيادا إنما سمى أجيادا لان
خيله كانت هنا لك وأنه قدم يثرب فنزل منزلا يقال له منزل الملك اليوم وقتل من اليهود مقتلة عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من الاوس والخزرج بسوء الجوار وأنه وجه ابنه حسان إلى السند وسمرا ذا الجناح إلى خراسان وأمرهما أن يستبقا إلى الصين فمر سمر بسمرقند فأقام عليها حتى افتتحا وقتل مقاتلتها وسبى

(1/453)


وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين فوافى حسان بها فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك ومنهم من يزعم أنهما انصرفا إلى تبع بالاموال والغنائم (ومما كان) في أيام ملوك الطوائف ما ذكره الله عزوجل في كتابه من أمر الفتية الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم ذكر الخبر عن أصحاب الكهف وكان أصحاب الكهف فتية آمنوا بربهم كما وصفهم الله عزوجل به من صفتهم في القرآن المجيد فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا والرقيم هو الكتاب الذى كان القوم الذين منهم كان الفتية كتبوه في لوح بذكر خبرهم وقصصهم ثم جعلوه على باب الكهف الذى أووا إليه أو نقروه في الجبل الذى أووا إليه أو كتبوه في لوح وجعلوه في صندوق خلفوه عندهم إذ أوى الفتية إلى الكهف وكان عدد الفتية فيما ذكر ابن عباس سبعة وثامنهم كلبهم * حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ما يعلمهم إلا قليل أنا من القليل كانوا سبعة * حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول أنا من اولئك القليل الذين استثنى الله تعالى كانوا سبعة وثامنهم كلبهم قال وكان اسم أحدهم وهو الذى كان يلى شرى الطعام لهم الذى ذكره الله عنهم أنهم قالوا إذ هبوا من رقدتهم (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة
فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه) * حدثنى عبد الله بن محمد الزهري قال حدثنا سفيان عن مقاتل فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة اسمه يمنيخ * وأما ابن اسحاق فانه قال فيما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه اسمه يمليخا * وكان ابن اسحاق يقول كان عدد الفتية ثمانية فعلى قوله كان كلبهم تاسعهم وكان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق يسميهم فيقول كان أحدهم وهو أكبرهم والذى كلم الملك عن سائرهم مكسملنا والآخر محسملينا والثالث يمليخا والرابع مرطوس والخامس كسوطونس والسادس بيرونس والسابع

(1/454)


رسمونس والثامن بطونس والتاسع قالوس وكانوا احداثا * وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد قال لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانهم وضح الورق وكانوا من قوم يعبدون الاوثان من الروم فهداهم الله للاسلام وكانت شريعتهم شريعة عيسى في قول جماعة من سلف علمائنا * حدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمرو يعنى ابن قيس الملائى في قوله إن أصحاب الكهف والرقيم كانت الفتية على دين عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم على الاسلام وكان ملكهم كافرا وكان بعضهم يزعم أن أمرهم ومصيرهم إلى الكهف كان قبل المسيح وأن المسيح أخبر قومه خبرهم فان الله عزوجل ابتعثهم من رقدتهم بعد ما رفع المسيح في الفترة بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم والله أعلم أي ذلك كن فمأا الذى عليه علماء أهل الاسلام فعلى أن أمرهم كان بعد المسيح فاما أنه كان في أيام ملوك الطوائف فإن ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة * وكان لهم في ذلك الزمان ملك يقال له دقينوس يعبد الاصنام فيما ذكر عنه فبلغه عن الفتية خلافهم إياه في دينه فطلبهم فهربوا منه بدينهم حتى صاروا إلى جبل لهم يقال له فيما حدثنا سلمة
عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس نيحلوس * وكان سبب إيمانهم وخلافهم به قومهم فيما حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر قال أخبرني اسماعيل بن سدوس أنه سمع وهب ابن منبه يقول جاء حوارى عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف فاراد أن يدخلها فقيل له إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له فكره أن يدخلها فأتى حماما وكان فيه قريبا من تلك المدينة فكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة ورد عليه الرزق فجعل يعرض عليه وجعل يسترسل إليه وعلقه فتية من أهل المدينة وجعل يخبرهم خبر السماء والارض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة وكان يشرط على صاحب الحمام أن الليل لى لا تحول بينى وبين الصلاة إذا

(1/455)


حضرت فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعيره الحوارى فقال أنت ابن الملك وتدخل ومعك هذه الكذى فاستحيى فذهب فرجع مرة أخرى فقال له مثل ذلك وسبه وانتهره ولم يلتفت حتى دخل ودخلت معه المرأة فماتا في الحمام جميعا فأتى الملك فقيل له قتل صاحب الحمام ابنك فالتمس فلم يقدر عليه فهرب قال من كان يصحبه فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع له وهو على مثل أمرهم فذكروا أنهم التمسوا وانطلق معهم ومعه الكلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوه فقالوا نبيت ههنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم فضرب على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف فكلما أراد رجل أن يدخل أرعب فلم يطق أحد أن يدخل فقال قائل أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم قال بلى قال فابن عليهم باب فدعهم فيه يموتوا عطشا وجوعا ففعل فغبروا
بعد ما بنى عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمي من المطر فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخل فيه ورد الله إليهم أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا فبعثوا أحدهم بورق يشترى لهم طعاما فكلما أتى باب مدينتهم رأى شيئا ينكره حتى دخل على رجل فقال بعنى بهذه الدراهم طعاما قال ومن اين لك هذه الدراهم قال خرجت وأصحاب لى أمس فآوانا الليل حتى أصبحوا فأرسلوني فقال هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان فرفعه إلى الملك وكان ملكا صالحا فقال من أين لك هذه الورق قال خرجت أنا وأصحاب لى أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا ثم أمروني أن أشترى لهم طعاما قال وأين أصحابك قال في الكهف قال فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف فقال دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم فلما رأوه ودنا منهم ضرب على أذنه وآذانهم فجعلوا كلما دخل رجل أرعب فلم يقدروا على ان يدخلوا إليهم فبنوا عندهم كنسة واتخذوها مسجدا يصلون فيه * حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا عبد الرزاق

(1/456)


قال أخبرنا معمر عن قتادة عن عكرمة قال كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم رزقهم الله الاسلام فتفردوا بدينهم واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على سمخانهم فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم وجاءت أمة مسلمة وكان ملكهم مسلما واختلفوا في الروح والجسد فقال قائل تبعث الروح والجسد جميعا وقال قائل تبعث الروح وأما الجسد فتأكله الارض فلا يكون شيئا فشق على ملكهم اختلافهم فانطلق فلبس المسوح وجلس على الرماد ثم دعا الله عزوجل فقال يا رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم ما يبين لهم فبعث الله أصحاب الكهف فبعثوا أحدهم يشترى لهم طعاما فدخل السوق فجعل ينكر
الوجوه ويعرف الطرق ويرى الايمان بالمدينة ظاهرا فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلا يشترى منه طعاما فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها قال حسبت أنه قال كأنها أخفاف الربع يعنى الابل الصغار قال له الفتى اليس ملككم فلان قال بل ملكنا فلان فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك فسأله فأخبره الفتى خبر أصحابه فبعث الملك في الناس فجمعهم فقال إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد وإن الله عزوجل قد بعث لكم آية فهذا رجل من قوم فلان يعنى ملكهم الذى مضى فقال الفتى انطلقوا بى إلى أصحابي فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهى إلى الكهف فقال الفتى دعوتي أدخل إلى أصحابي فلما أبصرهم ضرب الله على أذنه وعلى آذانهم فلما استبطأوه دحل الملك ودخل الناس معه فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا غير أنها لا أرواح فيها فقال الملك هذه آية بعثها الله لكم قال قتادة وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام فقال رجل هذا عظام أصحاب الكهف فقال ابن عباس لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلثمائة سنة * قال أبو جعفر فكان منهم.
يونس بن متى فكان فيما ذكر من أهل قرية من قرى الموصل يقال له نينوى وكان قومه يعبدون الاصنام فبعث الله إليهم يونس بالنهي عن عبادتها والامر بالتوبة إلى

(1/457)


الله من كفرهم والامر بالتوحيد فكان من أمره وأمر الذين بعث إليهم ما قصه الله في كتابه فقال الله عزوجل (فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) وقال (وذان النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين فاستجبنا
له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) وقد اختلف السلف من علماء أمة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذهابه لربه مغاضبا وظنه أن لن نقدر عليه وفى حين ذلك * فقال بعضهم كان ذلك منه قبل دعائه القوم الذين أرسل إليهم وقبل إبلاغه إياهم رسالة ربه وذلك ان القوم الذين أرسل إليهم لما حضرهم عذاب الله أمر بالمصير إليهم ليعلمهم ما قد أظلهم من ذلك لينيبوا مما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله فاستنظر ربه المصير إليهم فلم ينظره فغضب لاستعجال الله إياه للنفوذ لامره وترك إنظاره.
ذكر من قال ذلك * حدثنى الحارث قال حدثنا الحسن الاشيب قال سمعت أبا هلال محمد بن سليم قال حدثنا شهر بن حوشب قال أتاه جبريل عليه السلام يعنى يونس وقال انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم قال التمس دابة قال الامر أعجل من ذلك قال التمس حذاء قال الامر أعجل من ذلك قال فغضب فانطلق إلى السفينة فركب فلما ركب احتبست السفينة لا تقدم ولا تأخر قال فساهموا قال فسهم فجاء الحوت يبصبص بذنبه فنودى الحوت أيا حوت انا لم نجعل يونس لك رزقا إنما جعلناك له حرزا ومسجدا فالتقمه الحوت فانطلق به من ذلك المكان حتى مر به على دجلة ثم انطلق به حتى ألقاه في نينوى * حدثنى الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا شهر بن حوشب عن ابن عباس قال انما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت * وقال آخرون كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليه إلى ما أمره الله بدعائهم إليه وتبليغه إياهم رسالة ربه ولكنه

(1/458)


وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس الله في وقت وقته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله والايمان فلما أظل القوم عذاب الله فغشيهم كما وصف الله
في تنزيله تابوا إلى الله فرفع الله عنهم العذاب وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذى كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال وعدتهم وعدا فكذب وعدى فذهب مغاضبا ربه وكره الرجوع إليهم وقد جربوا عليه الكذب ذكر بعض من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن يزيد بن زياد عن عبد الله بن أبى سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعثه الله تعالى يعنى يونس إلى أهل قريته فردوا عليه ما جاءهم به وامتنعوا منه فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه انى مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا فاخرج من بين أظهرهم فأعلم قومه الذى وعدهم الله من عذابه إياهم فقالوا ارمقوه فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم فلما كانت الليلة التى وعدو العذاب في صبيحتها أدلج وراءه القوم فحذروا فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم وفرقوا بين كل دابة وولدها ثم عجوا إلى الله واستقالوه وأقالهم وتنظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال ما فعل أهل القرية فقال فعلوا أن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب فخرجوا من قريتهم إلى براز من الارض وفرقوا بين كل ذات ولد وولدها ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه فقبل منهم وأخر عنهم العذاب قال فقال يونس عند ذلك وغضب والله لا أرجع إليهم كذابا أبدا وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم ومضى وجهه مغاضبا لربه فاستزله الشيطان * حدثنى المثنى بن ابراهيم قال حدثنا اسحاق بن الحجاج قال حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع قال حدثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره في امارة عمر بن الخطاب فحدث عن قوم يونس حيث أنذر قومه فكذبوه فأخبرهم أنه مصيبهم العذاب وفارقهم فلما رأوا ذلك وغشيهم العذاب لكنهم خرجوا من مساكنهم وصعدوا في مكان رفيع وانهم جأروا إلى ربهم ودعوه

(1/459)


مخلصين له الدين أن يكشف عنهم العذاب وأن يرجع إليهم رسولهم قال ففى ذلك أنزل الله تعالى فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين فلم يكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها إلا قوم يونس خاصة فلما رأى ذلك يونس لكنه ذهب عاتبا على ربه وانطلق مغاضبا وظن أن لن يقدر عليه حتى ركب سفينة فأصاب أهلها عاصف من الريح فقالوا هذه بخطيئة أحدكم وقال يونس وقد عرف أنه هو صاحب الذنب هذه بخيئتى فألقوني في البحر وأنهم أبو ا عليه حتى أفاضوا بسهامهم فساهم فكان من المدحضين فقال لهم قد أخبرتكم أن هذا الامر بذنبى وأنهم أبو ا عليه أن يلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من المدحضين فقال لهم قد أخبرتكم أن هذا الامر بذنبى وأنهم أبو ا عليه أن يلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثة فكان من المدحضين فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر وذلك تحت الليل فابتلعه الحوت فنادى في الظلمات وعرف الخطيئة أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين وكان قد سبق له من العمل الصالح فأنزل الله فيه فقال (فلو لا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) وذلك ان العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر (ونبذناه بالعراء وهو سقيم) وألقى على ساحل البحر وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهى فيما ذكر شجرة القرع يتقطر عله من اللبن حتى رجعت إليه قوته ثم رجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبست فحزن وبكى عليها فعوتب فقيل له أحزنت على شجرة وبكيت عليها ولم تحزن على مائة ألف أو زيادة أردت هلاكهم جميعا ثم ان الله اجتباه من الضلالة فجعله من الصالحين ثم أمر أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله قد تاب عليهم فعمد إليهم حتى لقى راعيا فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف
هم فاخبره أنهم بخير وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم فقال له فاخبرهم انى قد لقيت يونس فقال لا أستطيع إلا بشاهد فسمى له عنزا من غنمه فقال هذه تشهد لك أنك قد لقيت يونس قال وما ذا قال وهذه البقعة التى أنت فيها تشهد لك أنك

(1/460)


قد لقيت يونس قال وماذا قال وهذه الشجرة نشهد لك أنك قد لقيت يونس وأنه رجع الراعى إلى قومه فأخبرهم أنه لقى يونس فكذبوه وهموا به شرا فقال لا تعجلوا على حنى أصبح فلما أصبح غدابهم إلى البقعة التى لقى فيها يونس وسأل العنز فأخبرتهم أنه لقى يونس واستنطقوا الشجرة فأخبرتهم إنه قد لقى يونس فاتنطقها فأخبرتهم انه لقى يونس ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك قال وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين * حدثنى الحسين بن عمرو بن محمد العبقري قال حدثنا أبى عن اسرائيل عن أبى اسحاق عن عمرو بن ميمون الاودى قال حدثنا ابن مسعود في بيت المال قال إن يونس كان وعد قومه العذاب وأخبرهم انه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه فكف الله عنهم العذاب وغدا يونس ينتظر العذاب فلم ير شيئا وكان من كذب ولم يكن له بينة قيل فانطلق مغاضبا فنادى في الظلمات قال ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر قال فسبح وهو في بطن الحوت قال فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا يا ربنا إنا لنسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة
قال ذلك عبد ى يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر قالوا العبد الصالح الذى كان يصعد اليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله وهو سقيم وكان سقمه الذى وصفه الله به انه ألقاه الحوت على الساحل كالصبى المنفوس قد تنسر اللحم والعظم * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن يزيد بن زياد عن عبد الله ابن أبى سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرج به يعنى الحوت حتى

(1/461)


لفظه في ساحل البحر فطرحه مثل الصبى المنفوس لم ينقص من خلقه شئ * حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنى أبو صخر قال أخبرني ابن قسيط انه سمع أبا هريرة يقول طرح بالعراء فأنبت الله عليه يقطينة فقلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة الدباء هيأ الله له أروية وحشية تأكل من حشاش الارض أو هشاش الارض فتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت ومما كان أيضا في أيام ملوك الطوائف إرسال الله رسله الثلاثة الذين ذكرهم في تنزيله فقال (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون) الآيات التى ذكر تعالى ذكره في خبرهم واختلف السلف في أمرهم فقال بعضهم كان هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم الله في هذه الآيات وقص فيها خبرهم أنبياء ورسلا أرسلهم إلى بعض ملوك الروم وهو انطيخس والقرية التى كان فيها هذا الملك الذى أرسل الله إليه فيها هؤلاء الرسل انطاكية ذكر من قال ذلك * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال كان من حديث صاحب يس فيما حدثنا
محمد اسحاق قال مما بلغه عن كعب الاحبار وعن وهب بن منبه اليماني أنه كان رجلا من أهل النطاكية وكان اسمه حبيبا وكان يعمل الحرير وكان رجلا سقيما قد أسرع فيها الجذام وكان منزله عند باب من أبو اب المدينة قاصيا وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيما يذكرون فيقسمه نصفين فيطعم نصفا عياله ويتصدق بنصف فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه حين طهر قلبه واستقامت فطرته وكان بالمدينة التى هو بها مدينة انطاكية فرعون من الفراعنة يقال له انطيخس بن انطيخس بن انطيخس يعبد الاصنام صاحب شرك فبعث الله المرسلين وهم ثلاثة صادق وصدوق وشلوم فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنين فكذبوهما ثم عزز الله بثالث وقال آخرون بل كانوا من حواريى عيسى ابن مريم

(1/462)


ولم يكونوا رسلا لله وانما كانوا رسل عيسى ابن مريم ولكن إرسال عيسى ابن مريم اياهم لما كان عن أمر الله تعالى ذكره اياه بذلك أضيف إرساله اياهم إلى الله فقيل إذ أرسلنا إليهم اثقنين فكذبوهما فعززنا بثالث ذكر من قال ذلك * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قال ذكر لنا أن عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى انطاكية مدينة بالروم فكذبوهما فأعزهما بثالث فقالوا إنا اليكم مرسلون الآية (رجع الحديث إلى حديث ابن اسحاق) فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وصدعت بالذى أمرت به وعابت دينهم وما هم عليه قال لهم إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالت لهم الرسل طائركم معكم أي أعمالكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون فلما أجمع
هو وقومه على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة الاقصى فجاء يسعى إليهم يذكرهم الله ويدعوهم إلى اتباع المرسلين فقال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون أي لا يسألونكم أموالكم على ما جاؤكم به من الهدى وهم لكم ناصحون فاتبعوهم تهتدوا بهداهم * حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال لما انتهى يعنى حبيبا إلى الرسل قال هل تسألون على هذا من أجر قالوا لا فقال عند ذلك يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (رجع الحدث إلى حديث ابن اسحاق) ثم ناداهم بخلاف ماهم عليه من عبادة الاصنام وأظهر لهم دينه وعبادة ربه وأخبرهم أنه لا يملك نفعه ولا ضره غيره فقال ومالى لا أعبد الذى فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة - إلى قوله - إنى آمنت بربكم فاسمعون أي آمنت بربكم الذى كفرتم به فاسمعوا قولى فلما قال لهم ذكل وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه واستعفوه لضعفه وسقمه ولم يكن أحد يدفع عنه * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى

(1/463)


ابن اسحاق عن بعض أصحابه أن عبد الله بن مسعود كان يقول وطؤه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره وقال الله له ادخل الجنة فدخلها حيا يرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها فلما أفضى إلى رحمة الله وجنته وكرامته قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لى ربى وجعلني من المكرمين وغضب الله له لاستضعافهم إياه غضبة لم يبق من القوم شيئا فعجل لهم النقمة بما استحلوا منه وقال (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السما وما كنا منزلين) يقول ما كابدناهم بالمجموع أي الامر أيسر علينا من ذلك إن كانت إلا صيحة واحدة فإذاهم خامدون فاهلك الله ذلك الملك وأهل انطاكية فبادوا عن وجه الارض فلم يبق منهم باقية * حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم
ابن عتيبة عن مقسم أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل عن مجاهد عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول كان اسم صاحب يس حبيب وكان الجذام قد أسرع فيه * حدثنا ابن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن عاصم الاحول عن أبى مخلد قال كان اسم صاحب يس حبيب بن مرى كان فيهم شمسون وكان من أهل قرية من قرى الروم قد هداه الله لرشده وكان قومه أهل أوثان يعبدونها فكان من خبره وخبرهم فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن المغيرة بن أبى لبيد عن وهب بن منبه اليماني أن شمسون كان فيهم رجلا مسلما وكانت أمه قد جعلته نذيرة وكان من أهل قرية من قراهم كانوا كفارا يعبدون الاصنام وكان منزله منها على أميال غير كثيرة وكان يغزوهم وحده ويجاهدهم في الله فيصيب منهم وفيهم حاجته فيقتل ويسبي ويصيب المال وكان إذا لقيهم لقيهم بلحى بعير لا يلقاهم بغيره فإذا قاتلوه وقاتلهم وتعب وعطش انفجر له من الحجر الذى في اللحى ماء عذب فيشرب منه حتى يروى وكان قد أعطى قوة في البطش وكان لا يوثقه حديد ولا غيره وكان على ذلك يجاهدهم في الله ويغزوهم ويصيب منهم حاجته لا يقدرون منه على شئ حتى قالوا

(1/464)


لن تأتوه إلا من قبل امرأته فدخلوا على امرأته فجعلوا لها جعلا فقالت نعم أنا أوثقه لكم فأعطوها حبلا وثيقا وقالوا إذا نام فأوثقي يده إلى عنقه حتى نأتيه فنأخذه فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بذلك الحبل فلما هب جذبه بيد فوقع من عنقه فقال لها لم فعلت فقالت أجرب به قوتك ما رأيت مثلك قط فأرسلت إليهم أنى قد ربطته بالحبل فلم أغن عنه شيئا فأرسلوا إليها بجامعة من حديد فقالوا إذا نام فاجعليها في عنقه فلما نام جعلتها في عنقه ثم أحكمتها فلما هب جذبها فوقعت
من يده ومن عنقه فقال لها لم فعلت هذا قالت أجرب به قوتك ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمسون أما في الارض شئ يغلبك قال لا إلا شئ واحد قالت وما هو قال ما أنا بمخبرك به فلم تزل به تسأله عن ذلك وكان ذا شعر كثيره فقال لها ويحك إن أمي جعلتني نذيرا فلا يغلبنى شئ أبدا ولا يضبطني إلا شعرى فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر رأسه فأوثقه ذلك وبعثت إلى القوم فجاءوا فأخذوه فجدعوا أنفه وأذنيه وفقئوا عينينه ووقفوه للناس بين ظهرانى المئذنة وكانت مئذنة ذات أساطين وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمسون وما يصنع به فدعا الله شمسون حين مثلوا به ووقفوه أن يسلطه عليهم فأمر أن يوخذ بعمودين من عمد المئذنة التى عليها الملك والناس الذين معه فيجذبهما فجذبهما فرد الله عليه بصره وما أصابوا من جسده ووقعت المئذنة بالملك ومن عليها من الناس فهلكوا فيها هدما ذكر خبر جرجيس وكان جرجيس فيما ذكر عبد الله صالحا من أهل فلسطين ممن أدرك بقايا من حواريى عيسى ابن مريم وكان تاجرا يكسب بتجارته ما يستغنى به عن الناس ويعود بالفضل على أهل المسكنة وأنه تجهز مرة إلى ملك بالموصل مما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن وهب بن منبه وغيره من أهل العلم أنه كان بالموصل داذانه وكان قد ملك الشأم كله وكان جبارا عاتيا لا يطيقه إلا الله تعالى وكان جرجيس رجلا صالحا من أهل فلسطين وكان مؤمنا يكتم أيمانه في

(1/465)


عصبة معه صالحين يستخفون بإيمانهم وكانوا قد أدركوا بقايا من الحواريين فسمعوا منهم وأخذوا عنهم وكان جرجيس كثير المال عظيم التجارة عظيم الصدقة فكان يأتي عليه الزمان يتلف ماله في الصدقة حتى لا يبقى منه شئ حتى يصير
فقيرا ثم يضرب الضربة فيصيب مثل ماله أضعافا مضاعفة فكانت هذه حاله في المال وكان إنما يرغب في المال ويعمره ويكسبه من أجل الصدقة لو لا ذلك كان الفقر أحب إليه من الغنى وكان لا يأمن ولاية المشركين عليه مخافة أن يؤذوه في دينه أو يفتنوه عنه فخرج يؤم ملك الموصل ومعه مال يريد أن يهديه له لئلا يجعل لاحد من تلك الملوك عليه سلطانا دونه فجاءه حين جاءه وقد برز في مجلس له وعنده عظماء قومه وملوكهم وقد أوقد نارا وقرب أصنافا من أصناف العذاب الذى كان يعذب به من خالفه وقد أمر بصنم يقال له أفلون فنصب فالناس يعرضون عليه فمن لم يسجد له ألقى في تلك النار وعذب بأصناف ذلك العذاب فلما رأى جرجيس ما يصنع فظع به وأعظمه وحدث نفسه بجهاده وألقى الله في نفسه بغضه ومحاربته فعمد إلى المال الذى أراد أن يهديه له فقسمه في أهل ملته حتى لم يبق منه شيئا وكره أن يجاهده بالمال وأحب أن يلى ذلك بنفسه فأقبل عليه عند ما كان أشد غضبا وأسفا فقال له اعلم أنك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك وأن فوقك ربا هو الذى يملكك وغيرك وهو الذى خلقك ورزقك وهو الذى يحييك ويميتك ويضرك وينفعك وأنت قد عمدت إلى خلق من خلقه قال له كن فكان أصم أبكم لا ينطق ولا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ولا يغنى عنك من الله شيئا فزينته بالذهب والفضة لتجعله فتنه للناس ثم عبد ته دون الله وأجبرت عليه عباد الله ودعوته ربا فكلم الملك جرجيس بنحو هذا من تعظيم الله وتمجيده وتعريفه أمر الصنم وأنه لا تصلح عبادته فكان من جواب الملك إياه مسئلته أياه عنه ومن هو ومن أين هو فأجابه جرجيس أن قال أنا عبد الله وابن عبد ه وابن أمته أذل عباده وأفقرهم إليه من التراب خلقت وفيه أصير وأخبره ما الذى جاء به وحاله وأنه دعا ذلك الملك جرجيس إلى عبادة

(1/466)


الله ورفض عبادة الاوثان وأن الملك دعا جرجيس إلى عبادة الصنم الذى يعبده وقال لو كان ربك الذى تزعم أنه ملك الملوك كما تقول لرؤى عليك أثره كما ترى أثرى على من حولي من ملوك قومي فأجابه جرجيس بتمجيد الله وتعظيم أمره وقال له فيما قال أين تجعل طرقبلينا وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك من إلياس وما نال إلياس بولاية الله فإن إلياس كان بدؤه آدميا يأكل الطعام ويمشى في الاسواق فلم يتناه به كرامة الله حتى أنبت له الريش وألبسه النور فصار إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا يطير مع الملائكة وحدثني أين تجعل مجليطيس وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك من المسيح ابن مريم وما نال بولاية الله فإن الله فضله على رجال العالمين وجعله وأمه آية للمعتبرين ثم ذكر من أمر المسيح ما كان الله خصه به من الكرامة وقال أيضا وحدثني أين تجعل أم هذا الروح الطيب التى اختارها الله لكلمته وطهر جوفها لروحه وسودها على إمائه فأين تجعلها وما نالت بولاية الله من أزبيل وما نالت بولايتك فإنها إذ كانت من شيعتك وملتك أسلمها الله عند عظيم ملكها إلى نفسها حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها فانتهشت لحمها وولغت دمها وجرت الثعالب والضباع أوصالها فأين تجعلها وما نالت بولايتك من مريم ابنة عمران وما نالت بولاية الله فقال له الملك إنك لتحدثنا عن أشياء ليس لنا بها علم فأتني بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما حتى أنظر إليهما وأعتبر بهما فانى أنكر أن يكون هذا في البشر فقال له جرجيس إنما جاءك الانكار من قبل الغرة بالله وأما الرجلان فلن تراهما ولن يرياك إلا أن تعمل بعملهما فتنزل منازلهما فقال له الملك أما نحن فقد أعذرنا إليك وقد تبين لنا كذبك لانك فخرت بأمور عجزت عنها ولم تأت بتصديقها ثم خير الملك جرجيس بين العذاب وبين السجود لافلون فيثيبه فقال له جرجيس إن كان افلون هو الذى رفع السماء وعدد عليه أشياء من قدرة الله فقد أصبت ونصحت وإلا فاخسأ ايها
النحس الملعون فلما سمعه الملك يسبه ويسب آلهته غضب من قوله غضبا شديدا وامر بخشبه فنصبت له للعذاب وجعلت عليه امشاط الحديد فخدش بها جسده

(1/467)


حتى تقطع لحمه وجلده وعروقه ينضح خلال ذلك بالخل والخردل فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بستة مسامير من حديد فأحميت حتى إذا جعلت نارا أمر بها فسمر بها رأسه حتى سال منه دماغه فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس فأوقد عليه حتى إذا جعله نارا أمر به فادخل في جوفه وأطبق عليه فلم يزل فيه حتى برد حره فلما رأى ذلك لم يقتله دعا به فقال ألم تجد ألم تجد ألم هذا العذاب الذى تعذب به فقال له جرجيس أما اخبرتك أن لك ربا هو أولى بك من نفسك قال بلى قد أخبرتني قال فهو الذى حمل عنى عذابك وصبرني ليحتج عليك فلما قال له ذلك أيقن بالشرو خافه على نفسه وملكه وأجمع رأيه على أن يخلده في السجن فقال الملا من قومه إنك إن تركته طليقا يكلم الناس أو شك أن يميل بهم عليك ولكن مر له بعذاب في السجن يشغله عن كلام الناس فأمر فبطح في السجن على وجهه ثم أوتد في يديه ورجليه أربعة أو تاد من حديد في كل ركن منها وتدثم أمر بأسطوان من رخام فوضع على ظهره حمل ذلك الاسطوان سبعة رجال فلم يقلوه ثم أربعة عشر رجلا فلم يقلوه ثم ثمانية عشرة رجلا فأقلوه فظل يومه ذلك موتدا تحت الحجر فلما أدركه الليل أرسل الله إليه ملكا وذلك أول ما أيد بالملائكة وأول ما جاءه الوحى فقلع عنه الحجر ونزع الاوتاد من يديه ورجليه وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه فلما أصبح أخرجه من السجن وقال له الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده فإن الله يقول لك ابشر واصبر فإنى أبتليك بعدوى هذا سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرار في كل ذلك أرد إليك روحك فإذا كانت القتلة الرابعة تقبلت روحك
وأوفيتك أجرك فلم يشعرا الآخرون إلا وقد وقف جرجيس على رؤسهم يدعوهم إلى الله فقال له الملك أجر جيس قال نعم قال من أخرجك من السجن قال أخرجنى الذى سلطانه فوق سلطانك فلما قال له ذلك ملئ غيظا فدعا بأصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئا فلما رآها جرجيس تصنف له أوجس في نفسه خيفة وجزعا ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته وهم يسمعون فلما فرغ

(1/468)


من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين ووضعوا عليه سيفا على مفرق رأسه فنشروه حتى سقط بين رجليه وصار جزلتين ثم عمدوا إلى جزلتيه فقطعوهما قطعا وله سبعة أسد ضارية في جب وكانت صنفا من أصناف عذابه ثم رموا بجسده إليها فلما هوى نحوها أمر الله الاسد فخضعت برؤوسها وأعناقها وقامت على براثنها لا تألو أن تقيه الاذى فظل يومه ذلك ميتا فكانت أول ميته ذاقها فلما أدركه الليل جمع الله له جسده الذى قطعوه بعضه على بعض حتى سواه ثم ردفيه روحه وأرسل ملكا فأخرجه من قعر الجب وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه فلما أصبحوا قال له الملك يا جر جيس قال لبيك قال اعلم أن القدرة التى خلق آدم بها من تراب هي التى أخرجتك من قعر الجب فالحق بعدوك ثم جاهده في الله حق جهاده ومت موت الصابرين فلم يشعر الآخرون إلا وقد أقبل جرجيس وهم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحا زعموا بموت جرجيس فلما نظروا إلى جرجيس مقبلا قالوا ما أشبه هذا بجرجيس قالوا كأنه هو قال الملك ما بجرجيس من خفاء إنه لهو إلا ترون إلى سكون ريحه وقلة هيبته قال جرجيس بلى أنا هو حقا بئس القوم أنتم قتلتم ومثلتم فكان الله وحق له خيرا وأرحم منكم أحيانى ورد على روحي هلم إلى هذا الرب العظيم الذى أراكم ما أراكم فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض فقالوا ساحر سحر أيديكم وأعينكم عنه فجمعوا له من كان ببلادهم
من السحرة فلما جاء السحرة قال الملك لكبيرهم اعرض على من كبير سحرك ما يسرى به عنى قال له ادع لى بثور من البقر فلما أتى به نفث في إحدى اذنيه فانشقت باثنتين ثم نفث في الاخرى فإذا هو ثوران ثم أمر ببذر فحرث وبذر ونبت الزرع وأينع وحصد ثم داس وذرى وطحن وعجن وخبز وأكل ذلك في ساعة واحدة كما ترون قال له الملك هل تقدر على أن تمسخه لى دابة قال الساحر أي دابة أمسخه لك قال كلبا قال ادع لى بقدح من ماء فلما أتى بالقدح نفث فيه الساحر ثم قال للملك اعزم عليه أن يشربه فشربه جرجيس حتى أتى على آخره فلما فرغ منه قال له الساحر ماذا تجد قال ما أجد إلا خيرأ قد كنت عطشت

(1/469)


فلطف الله لى بهذا الشراب فقوانى به عليكم فلما قال له ذلك أقبل الساحر على الملك فقال اعلم أيها الملك أنك لو كنت تقاسي رجلا مثلك إذا كنت غلبته ولكنك تقاسي جبار السموات وهو الملك الذى لا يرام وقد كانت امرأة مسكينة سمعت بجرجيس وما يصنع من الاعاجيب فأتته وهو في أشد ما هو فيه من البلاء فقالت له يا جرجيس إنى امرأة مسكينة لم يكن لى مال ولا عيش إلا ثور كنت أحرث عليه فمات وجئتك لترحمني وتدعو الله أن يحيى لى ثورى فذرفت عيناه ثم دعا الله أن يحيى لها ثورها وأعطاها عصا فقال اذهبي إلى ثورك فاقر عيه بهذه العصا وقولى له احى بإذن الله فقالت يا جرجيس مات ثورى منذ أيام وتفرقته السباع وبيني وبينك أيام فقال لو لم تجدى منه إلا سنا واحدة ثم قرعتها بالعصا لقام بإذن الله فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها فكان أول شئ بدالها من ثورها أحد روقيه وشعر ذنبه فجمعت أحدهما إلى الآخر ثم قرعتها بالعصا التى أعطاها وقالت كما أمرها فعاش ثورها وعملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك فلما قال الساحر للملك ما قال قال رجل من أصحاب الملك وكان أعظمهم بعد الملك اسمعوا منى أيها القوم
أحدثكم قالوا نعم فتكلم قال إنكم قد وضعتم أمر هذا الرجل على السحر وزعمتم أنه سحر أيديكم عنه وأعينكم فأراكم انكم تعذبونه ولم يصل إليه عذابكم وأراكم أنكم قد قتلتموه فلم يمت فهل رأيتم ساحرا قط قدر أن يدرأ عن نفسه الموت أو أحيى ميتا قط ثم قص عليهم فعل جرجيس وفعلهم به وفعله بالثور وصاحبته واحتج عليهم بذلك كله فقالوا له إن كلامك لكلام رجل قد أصغى إلى قال ما زال أمره لى معجبا منذ رأيت منه ما رأيت قالوا له فلعله استهواك قال بل آمنت وأشهد الله أنى برئ مما تعبدون فقام إليه الملك وصحابته بالخناجر فقطعوا لسانه فلم يلبث أن مات وقالوا أصابه الطاعون فأعجله الله قبل أن يتكلم فلما سمع الناس بموته أفزعهم وكتموا شأنه فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس فكشف لهم أمره وقص عليهم كلامه فاتبعه على كلامه أربعة آلاف وهو ميت فقالوا صدق ونعم ما قال يرحمه الله فعمد إليهم الملك فأوثقهم ثم لم يزل يلون لهم العذاب ويقتلهم

(1/470)


بالمثلات حتى أفناهم فلما فرغ منهم أقبل على جرجيس فقال له هلا دعوت ربك فأحيا لك أصحابك هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك فقال له جرجيس ماخلى بينك وبينهم حتى خار لهم فقال رجل من عظمائهم قال له مجليطيس إنك زعمت يا جرجيس أن إلهك هو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وإنى سائلك أمرا ان فعله إلهك آمنت بك وصدقتك وكفيتك قومي هؤلاء هذه تحتنا أربعة عشر منبرا حيث ترى ومائدة بيننا عليها أقداح وصحاف وكل صنع من الخشب اليابس ثم هو من أشجار شتى فادع ربك ينشئ هذه الآنية وهذه المنابر وهذه المائدة كما بدأها أول مرة حتى تعود خضرا نعرف كل عود منها بلونه وورقه وزهره وثمره فقال له جرجيس قد سألت أمرا عزيزا على وعليك وإنه على الله لهين فدعا ربه فما برحوا مكانهم حتى اخضرت تلك المنابر وتلك الآنية كلها فساخت عروقها وألبست
اللحاء وتشعبت ونبت ورقها وزهرها وثمرها حتى عرفوا كل عود منها باسمه ولونه وزهره وثمره فلما نظروا إلى ذلك انتدب له مجليطيس الذى تمنى عليه ما تمنى فقال أنا أعذب لكم هذا الساحر عذابا يضل عنه كيده فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور جوفاء واسعة ثم حشاها نفطا ورصاصا وكبريتا وزرنيخا ثم أدخل جرجيس مع الحشو في جوفها ثم أوقد تحت الصورة فلم يزل يوقد حتى التهبت الصورة وذاب كل شئ فيها واختلط ومات جرجيس في جوفها فلما مات أرسل الله ريحا عاصفا فملات السماء سحابا أسود مظلما فيه رعد لا يفتر وبرق وصواعق متداركات وأرسل الله أعصارا فملات بلادهم عجاجا وقتاما حتى اسود ما بين السماء والارض وأظلم ومكثوا أياما متحيرين في تلك الظلمة لا يفصلون بين الليل والنهار وأرسل الله ميكائيل فاحتمل الصورة التى فيها جرجيس حتى إذا أقلها ضرب بها الارض ضربا فزع من روعتها أهل الشأم أجمعون وكلهم يسمعها في ساعة واحدة فخرو الوجوههم صعقين من شدة الهول وانكسرت الصورة فخرج منها جرجيس حيا فلما وقف يكلمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والارض ورجعت إليهم أنفسهم فقال له رجل منهم يقال له طرقبلينا لا ندرى

(1/471)


يا جرجيس أنت نصنع هذه العجائب أم ربك فإن كان هو الذى يصنعها فادعه يحيى لنا موتانا فإن في هذه القبور التى ترى أمواتا من أمواتنا منهم من نعرف ومنهم من مات قبل زماننا فادعه يحيهم حتى يعودوا كما كانوا ونكلمهم ونعرف من عرفنا منهم ومن لا نعرف أخبرنا خبره فقال له جرجيس لقد علمت ما يصفح الله عنكم هذا الصفح ويريكم هذه العجائب إلا ليتم عليكم حججه فتستوجبوا بذلك غضبه ثم أمر بالقبور فنبشت وهى عظام ورفات ورميم ثم أقبل على الدعاء فما برحوا مكانهم حتى نظروا إلى سبعة عشر إنسانا تسعة رهط وخمس نسوة
وثلاثة صبية فإذا شيخ منهم كبير فقال له جرجيس أيها الشيخ ما اسمك فقال اسمى يوبيل فقال متى مت قال في زمان كذا وكذا فحسبوا فإذا هو قد مات منذ أربعمائة عام فلما نظر إلى ذلك الملك وصحابته قالوا لم يبق من أصناف عذابكم شئ إلا قد عذبتموه الا الجوع والعطش فعذبوه بهما فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة فقيرة كان حريزا وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد فحصروه في بيتها فلا يصل إليه من عند أحد طعام ولا شراب فلما بلغه الجوع قال للعجوز هل عندك طعام أو شراب قالت لا والذى يحلف به ما عهدنا بالطعام منذ كذا وكذا وسأخرج وألتمس لك شيئا قال لها جرجيس هل تعرفين الله قالت له نعم قال فإياه تعبدين قالت لا قال فدعاها إلى الله فصدقته وانطلقت تطلب له شيئا وفى بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت فأقبل على الدعاء فما كان كشئ حتى اخضرت تلك الدعامة فأنبتت كل فاكهة تؤكل أو تعرف أو تسمى حتى كان فيما أنبتت اللبا واللوبياء (قال أبو جعفر) اللبانبت بالشأم له حب يؤكل وظهر للدعامة فرع من فوق البيت أظله وما حوله وأقبلت العجوز وهو فيما شاء يأكل رغدا فلما رأت الذى حدث في بيتها من بعدها قالت آمنت بالذى أطعمك في بيت الجوع فادع هذا الرب العظيم ليشفى ابني قال أدنيه منى فأدنته منه فبصق في عينيه فأبصر فنفث في أذنيه فسمع قالت له أطلق لسانه ورجليه رحمك الله قال أخريه فإن له يوما عظيما وخرج الملك يسير في مدينته فلما نظر إلى الشجرة قال لاصحابه إنى أرى شجرة بمكان ما كنت أعرفها

(1/472)


به قالوا له تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذى أردت أن تعذبه بالجوع فهو فيما شاء قد شبع منها وأشبعت الفقيرة وشفى لها ابنها فأمر بالبيت فهدم وبالشجرة لتقطع فلما هموا بقطعها أيبسها الله تعالى كما كانت أول مرة فتركوها وأمر بجرجيس فبطح على وجهه وأوتدله أربعة أوتادو أمر بعجل فأوقرا سطوانا ما حمل وجعل
في أسفل العجل خناجر وشفارا ثم دعا بأربعين ثورا فنهضت بالعجل نهضة واحدة وجرجيس تحتها فتقطع ثلاث قطع ثم أمر بقطعة فأحرقت بالنار حتى إذا عادت رمادا بعث بذلك الرماد رجالا فذروه في البحر فلم يبرحوا مكانهم حتى سمعوا صوتا من السماء يقول يا بحر إن الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب فانى أريد أن أعيده كما كان ثم أرسل الله الرياح فأخرجته من البحر ثم جمعته حتى عاد الرماد صبرة كهيئته قبل أن يذروه والذين ذروه قيام لم يبرحوا ثم نظروا إلى الرماد يثور كما كان حتى خرج منه جرجيس مغبرا ينفض رأسه فرجعوا ورجع جرجيس معهم فلما انتهوا إلى الملك أخبروه خبر الصوت الذى أحياه والريح التى جمعته فقال له الملك هل لك يا جرجيس فيما هو خير لى ولك فلو لا أن يقول الناس أنك قهرتني وغلبتني لا تبعتك وآمنت بك ولكن اسجد لافلون سجدة واحدة أو اذبح له شاة واحدة ثم أنا أفعل ما يسرك فلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع أن يهلك الصنم حين يدخله عليه رجاء أن يؤمن له الملك حين يهلك صنمه ويأيس منه فخدعه جرجيس فقال نعم إذا شئت فأدخلني على صنمك أسجد له وأذبح له ففرح الملك بقوله فقام إليه فقبل يديه ورجليه ورأسه وقال إنى أعزم عليك أن لا تظل هذا اليوم ولا تبيت هذه الليلة إلا في بيتى وعلى فراشي ومع أهلى حتى تستريح ويذهب عنك وصب العذاب فيرى الناس كرامتك على فأخلى له بيته وأخرج منه من كان فيه فظل فيه جرجيس حتى إذا أدركه الليل قام يصلى ويقرأ الزبور وكان أحسن الناس صوتا فلما سمعته امرأة الملك استجابت له ولم يشعر إلاوهى خلفه تبكى معه فدعاها جرجيس إلى الايمان فآمنت وأمرها فكتمت ايمانها فلما أصبح غدابه إلى بيت الاصنام ليسجد لها وقيل للعجوز التى كان سجن

(1/473)