صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : عجائب الآثار
المؤلف : الجبرتي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وفي منتصفه، وصلت أغنام وعجول وجواميس من الأرياف هزيلة وازدادت بإقامتها هزالاً من الجوع وعدم مراعاتها فذبحوا منها المذابح أقل من المعتاد وزعت على الجزارين فيخص الشخص منهم الاثنان أو الثلاثة فعندما يصل إلى حانوته وهو مثل الحرامي فيتخاطفها العساكر التي بتلك الخطة وتزدحم الناس فلا ينوبهم شيء وتذهب في لمح البصر ثم امتنع وجودها واستمر الحال والناس لا يجدون ما يطبخونه لعيالهم وكذلك امتنع وجود الخضراوات فكان الناس لا يحصلون القوت إلا بغاية المشقة واقتاتوا بالفول المصلوق والعدس والبيصار ونحو ذلك وانعدم وجود السمن والزيت والشيرج وزيت البزر وزيت القرطم لاحتكارها لجهة الميري وأغلقت المعاصر والسيارج وامتنع وجود الشمع والعسل والشمع المصنوع من الشحم لاحتكار الشحم والحجز على عمال الشمع فلا يصنعه الشماعون ولا غيرهم ونودي على بيع الموجود منه بأربعة وعشرين نصفاً وكان يباع بثلاثين وأربعين فأخفوه وطفقوا يبيعونه خفية بما أحبوا وانعدم وجود بيض الدجاج لجعلهم العشرة منه بأربعة أنصاف وكان قبل المناداة اثنان بنصف وكل ذلك والمحتسب يطوف بالأسواق ويشدد على الباعة ويؤلمهم بالضرب والتجريس وفقد وجود الدجاج فلا يكاد يوجد بالأسواق دجاجة لأنه نودي على الدجاجة باثني عشر نصفاً وكان الثمن عنها قبل ذلك خمسة وعشرين فأكثر.
واستهل شهر صفر الخير سنة 1232
فيه حضر المعلم غالي من الجهة القبلية ومعه مكاتبات من محمد بك الدفتردار الذي تولى إمارة الصعيد عوضاً عن إبراهيم باشا ابن الباشا الذي توجه إلى البلاد الحجازية لمحاربة الوهابية يذكر فيها نصح المعلم غالي وسعيه في فتح أبواب تحصيل الأموال للخزينة وأنه ابتكر شيء وحسابات يتحصل منها مقادير كثيرة من المال فقوبل بالرضا والإكرام وخلع عليه الباشا واختص به وجعله كاتب سره ولازم خدمته وأخذ فيما ندب إليه وحضر لأجله التي منها حسابات جميع الدفاتر وأقلام المبتدعات ومباشريها وحكام الأقاليم.
وفيه، تجردت عدة عساكر أتراك ومغاربة إلى الحجاز وصحبتهم أرباب صنائع وحرف.
وفيه، أرسل الباشا إلى بندر السويس أخشاباً وأدوات عمارة وبلاط كذان وحديداً وصناعاً بقصد عمارة قصر لخصوصه إذا نزل هناك.
واستهل شهر ربيع الأول سنة 1232
فيه شحت المبيعات والغلال والأدهان وغلا سعر الحبوب وقل وجودها في الرقع والسواحل فكان الناس لا يحصلون شيئاً منها إلا بغاية المشقة.
وفيه، عزل الباشا حكام الأقاليم والكشاف ونوابهم وطلبهم للحضور وأمر بحسابهم وما أخذوه من الفلاحين زيادة على ما فرضه لهم وأرسل من قبله أشخاصاً مفتشين للفحص والتجسس على ما عسى يكون أخذوه منهم من غير ثمن فأخذوا يقررون المشايخ والفلاحين ويحررون أثمان مفرق الأشياء من غنم أو دجاج أو تبن أو عليق أو بيض أو غير ذلك في المدة التي أقامها أحدهم بالناحية فحصل للكثير من قائم مقاماتهم الضرر وكذلك من انتمى إليهم فمنهم من اضطر وباع فرسه واستدان.
وفيه، حضر علي كاشف من شرقية بلبيس معزولاً عن كشوفيتها وقلدها خلافه وكان كاشفاً بالإقليم عدة سنوات وكذلك جرى لكاشف المنوفية والغربية وحضر أيضاً حسن بك الشماشرجي من الفيوم معزولاً ووجهه الباشا إلى ناحية درنة لمحاربة أولاد علي.
واستهل شهر ربيع الثاني سنة 1232

(2/473)


فيه حصل الحجز والمنع على من يذبح شيئاً من المواشي في داره أو غيرها ولا يأخذ الناس لحوم أطعمتهم إلا من المذبح وأقفت عساكر بالطرق رصداً لمن يدخل المدينة بشيء من الأغنام وذلك أنه لما نزلت لمراسيم إلى الكشاف بمشترى المواشي من الفلاحين وإرسالها إلى المكان الذي أعده الباشا لذلك ويؤخذ منها مقدار ما يذبح بالسلخانة في كل يوم لرواتب الدولة والبيع طلب كشاف النواحي شراء الأغنام والعجول والجواميس بالثمن القليل من أربابها فهرب الكثير من الفلاحين بأغنامهم فيخرجون من القرية ليلاً ويدخلون ويمرون بها في الأسواق ويبيعونها بما أحبوا من الثمن على الناس فانكب الناس على شرائها منهم لجودتها ويشترك الجماعة في الشاة فيذبحونها ويقسمونها بينهم وذلك لقلة وجدان اللحم كما سبقت الإشارة إليه وإن تيسر وجوده فيكون هزيلاً رديئاً فإن في كل يوم ترد الجملة الكثيرة من بحري وقبلي إلى المكان المعد لها ولم يكن ثم من يراعيها بالعلف والسقي فتهزل وتضعف فلما كثر ورود الفلاحين بالأغنام وشراء الناس لها ووصل خبر لك إلى الباشا فأمر بوقوف عساكر على مفارق الطرق خارج المدينة من كل ناحية فيأخذون الشاة من الفلاحين إما بالثمن أو يذهب صاحبها معها إلى المذبح فتذبح في يومها ومن الغد ويوزن اللحم خالصاً ويعطى لصاحبها ثمنه عن كل رطل ثمانية فضة ونصف ويوزن على الجزارين بذلك الثمن بما فيه من القلب والكبد والمنحر والمذاكير والمخرج بما فيه من الزبل أيضاً والجزارون يبيعونها على من يشتري لشدة الطلب بزيادة النصف والنصفين بل والثلاثة والأربعة إن كان به نوع جودة وأما الأسقاط من الرؤوس والجلود والكروش فهو للميري وكذلك يفعل فيما يرد لخاصة الناس من الأغنام يفعل بها كذلك ولا يأخذ إلا قدر راتبه في كل يوم من المذبح.
وفيه، شح وجود الغلال في الرقع والسواحل حتى امتنع وجود الخبز في الأسواق فأخرج الباشا جانب غلة ففرقت على الرقع وبيعت على الناس وهي ألف أردب انفضت في يومين ولا يبيعون أزيد من كيلة أو كيلتين وبيع الأردب بألف ومائتين وخمسين نصفاً.
وفيه، أفرد محل لعمل الشمع الذي يعمل من الشحوم بعطفة ابن عبد الله بك جهة السروجية واحتكروا لأجل عمله جميع الشحوم التي من المذبح وغيره وامتنع وجود الشحم من حوانيت الدهانين ومنعوا من يعمل شيئاً من الشمع في داره أو في القوالب الزجاج وتتبعوا من يكون عنده شيء منها فأخذوها منه وحذروا من عمله خارج المعمل كل التحذير وسعروا رطله بأربعة وعشرين نصفاً.
واستهل شهر جمادى الأولى سنة 1232
فيه، حول معمل الشمع إلى جهة الحسينية عند الدرب الذي يعرف بالسبع والضبع.
دوفيه، ارتحلت عساكر مجردة إلى الحجاز.

(2/474)


وفيه، برزت أوامر إلى كشاف النواحي بإحصاء عدد أغنام البلاد والقرى ويفرض عليها كل عشر شياه واحدة من أعظمها إما كبش أو نعجة بأولادها يجمعون ذلك ويرسلون به إلى مجمع أغنام الباشا وفرض أيضاً على كل فدان رطلاً من السمن يجمع الأرطال مشايخ البلاد من الفلتحين عند كشاف النواحي ويرسلونها إلى مصر وسبب هذه الحادثة أنه لما عملت التسعيرة وتسعر رطل السمن بستة وعشرين نصفاً ويبيعه السمان والزيات بزيادة نصفين امتنع وجوده وظهوره فيأتي الفلاح ليلاً في الخفية ويبيعه للزبون أو للمتسبب بما أحب ويبيعه المتسبب أيضاً بالزيادة لمن يريده سراً فيبيعون الرطل بأربعين وخمسين ويزيد على ذلك غش المتسبب وخلطه بالدقيق والقرع والشحم وعكر اللبن فيصفو على النصف ولا يقدر مشتريه على رد غشه للبائع لأنه ما حصله إلا بغاية المشقة والعزة والإنكار والمنع وإن فعل لا يجد من يعطيه ثانياً وتقف طائفة من العسكر بالطرق ليلاً وفي وقت الغفلات يرصدون الواردين من الفلاحين ويأخذونه منهم بالقهر ويعطونهم ثمنه بالسعر المرسوم ويحتكرونه هم أيضاً ويبيعونه لمن يشتريه منهم بالزيادة الفاحشة فامتنع وروده إلا في النادر خفية مع الغرر أو الخفارة والتحامي في بعض العساكر من أمثالهم واشتد الحال في انعدام السمن حتى على أكابر الدولة فعند ذلك ابتدع الباشا هذه البدعة وفرض على كل فدان من طين الزراعات رطلاً من السمن ويعطي في ثمن الرطل عشرين نصفاً فاشتغلوا في تحصيل ما دهمهم من هذه النازلة وطولب المزارع بمقدار ما يزرعه من الأفدنة أرطالاً من السمن ومن لم يكن متأخراً عنده شيء من سمن بهيمته أو لم يكن له بهيمة أو احتاج إلى تكملة موجود عنده فيشتريه ممن يوجد عنده بأغلى ثمن ليسد ما عليه اضطرار أجزاء وفاقاً.
وفيه، حصل الإذن بدخول ما دون العشرة من الأغنام إلى المدينة وكذلك الإذن لمن يشتري شيئاً منها من الأسواق وسبب إطلاق الإذن بذلك مجيء بعض أغنام إلى أكابر الدولة ولا غنى عن ذلك ولا دني منهم أيضاً وحجزوا عن وصولها إلى دورهم فشكوا إلى الباشا فأطلق الإذن فيما دون العشرة.
وفيه، أيضاً امتنع وجود الغلال بالعرصات والسواحل بسبب احتكارها واستمرار انجرارها ونقلها في المراكب قبلي وبحري إلى جهة الإسكندرية للبيع على الإفرنج بالثمن الكثير كما تقدم ووجهت المراسيم إلى كشاف النواحي بمنع بيع الفلاحين غلالهم لمن يشتري منهم من المتسببين والتراسين وغيرهم وبأن كل ما احتاجوا لبيعه مما خرج لهم من زراعتهم يؤخذ لطرف الميري بالثمن المفروض بالكيل الوافي واشتد الحال في هذا الشهر وما قبله حتى قل وجود الخبز من الأسواق بل امتنع وجوده في بعض الأيام وأقبلت الفقراء نساء ورجالاً إلى الرقع بمقاطفهم ورجعوا بها فوارغ من غير شيء وزاد الهول والتشكي وبلغ الخبر الباشا فأطلق أيضاً ألف أردب توزع على الرقع ويباع على الناس إما ربع واحداً وكيلة فقط وكل ربع ثمنه قرش فيكون الأردب بأربعة وعشرين قرشاً.
وفيه، حضر حسن بك الشماشرجي من ناحية درنة وبلد أخرى يقال لها سيوة وصحبته فرقة من أولاد علي وذلك أن أولاد علي افترقوا فرقتين أحدهما طائعة والأخرى عاصية عن الطاعة ومنحازون إلى هذه الناحية فجرد الباشا عليهم حسن بك المذكور فحاربهم وهزمهم وهزموه ثانياً فرجع إلى مصر فضم إليه الباشا جملة من العساكر وأصحب معه الفرقة الأخرى الطائعة فسار الجمع ودهموهم على حين غفلة وتقدم لحربهم إخوانهم الطائعة وقتلوا منهم وآغاروا على مواشيهم وأباعرهم وأغنامهم فأرسلوا المنهوبات إلى جهة الفيوم وفي ظن العرب أن الغنائم تطيب لهم وحضر حسن بك وصحبته كبار العرب من أولاد علي الطائعين وفي ظنهم الفوز بالغنيمة وأن الباشا لا يطمع فيها لكون النصرة كانت بأيديهم وأنه يشكرهم ويزيدهم أنعاماً وكانوا نزلوا ببر الجيزة وحضر حسن بك إلى الباشا فطلب كبار العرب ليخلع عليهم ويكسوهم، فلما حضروا إليه أمر بحبسهم وإحضار الغنيمة من ناحية الفيوم بتمامها فأحضروها بعد أيام وأطلقهم فيقال أن الأغنام ستة عشر ألف رأس أو أكثر ومن الجمال ثمانية آلاف جمل وناقة وقيل أكثر من ذلك.

(2/475)


وفيه نجزت عمارة السواقي التي أنشأها الباشا بالأرض المعروفة برأس الوادي بناحية شرقية بلبيس قيل أنها تزيد على ألف ساقية وهي سواقي دواليب خشب تعمل في الأرض التي يكون منبع الماء فيها قريباً واستمر الصناع مدة مستطيلة في عمل آلاتها عند بيت الجبجي وهو بيت الرزاز الذي جهة التبانة بقرب المحجر وتحمل على الجمال إلى الوادي هناك المباشرون للعمل المقيدون بذلك وغرسوا بها أشجار التوت الكثيرة لتربية دود القز واستخراج الحرير، كما يكون بنواحي الشام وجبل الدوروز، ثم برزت الأوامر إلى جميع بلاد الشرقية بأشخاص أنفار من الفلاحين البطالين الذين لم يكن لهم أطيان فلاحة يستوطنون بالوادي المذكور وتبنى لهم كفور يسكنون فيها ويتعاطون خدمة السواقي والمزارع ويتعلمون صناعة تربية القز والحرير واستجلب أناساً من نواحي الشام والجبل من أصحاب المعرفة بذلك ويرتب للجميع نفقات إلى حين ظهور النتيجة، ثم يكونون شركاء في ربع المتحصل، ولما برزت المراسيم بطلب الأشخاص من بلاد الشرق أشيع في جميع قرى الأقاليم المصرية إشاعات وتقولوا أقاويل منها أن الباشا يطلب من كل بلدة عشرة من الصبيان البالغين وعشرة من البنات ويزوجهم بهن ويمهرهن من ماله ويرتب لهم نفقات إلى بد وصلا المزارع، ثم أشاعوا الطلب للصبيان الغير مختونين ليرسلهم إلى بلاد الإفرنج ليتعلموا الصنائع التي لم تكن بأرض مصر وشاع ذلك في أهل القرى وثبت ذلك عندهم فختن الجميع صبيانهم ومنهم من أرسل ابنه أو بنته وفيها عند معارفه بالمدينة إلى غير ذلك من الأقاويل التي لم يثبت منها إلا ما ذكر أولاً من أن المطلوب جلب الفلاحين البطالين من بلد الشرقية لا غير وقد تعمر هذا الوادي بالسواقي والأشجار والسكان من جميع الأجناس وانتشأ دنيا جديدة متسعة لم يكن لها وجود قبل ذلك بل كانت برية خراباً وفضاء واسعاً.
وفيه سافر جملة من عساكر الأتراك والمغاربة وكبيرهم إبراهيم آغا الذي كان كتخدا إبراهيم باشا، ثم تولى كشوفية المنوفية وصحبته خزينة وجبخانة ومطلوبات لمخدومه.
واستهل شهر جمادى الثانية بيوم الثلاثاء سنة 1232
في أوائله حضر إلى مصر بن يوسف باشا حاكم طرابلس وعه أخوه أصغر منه يستأذنان الباشا في حضور والدهما إلى مصر فاراً من والده وكان ولاه على ناحية درنة وبني غازي فحصل منه ما غير خاطر والده عليه وعزم على أن يجرد عليه فأرسل أولاده إلى صاحب مصر بهدية يستأذن في الحضور إلى مصر والالتجاء إليه فأذن له في الحضور وهو ابن أخي الذي بمصر أولاً وسافر مع الباشا إلى الحجاز ورجع إلى مصر واستمر ساكناً بالسبع قاعات.
وفيه وصل الخبر بأن إبراهيم آغا سافر مع الجردة لما وصل إلى العقبة أمر من بصحبته من المغاربة والعسكر بالرحيل، فلما ارتحلوا ركب هو في خاصته وذهب على طريق الشام.
وفي ليلة الأربعاء سادس عشره، وصل جراد كثير ليلاً ونزل ببستان الباشا بشبرا وتعلق بالأشجار والزهور وصاحت الخولة والبستانجية وأرسل الباشا إلى الحسينية وغيرها فجمعوا مشاعل كثيرة وأوقدوها وضربوا بالطبول والصنوج النحاس لطرده وأمر الباشا لكل من جمع منه رطلاً فله قرشان فجمع الصبيان والفلاحون منه كثيراً.
ثم في ليلة السبت تاسع عشره، قبل الغروب وصل جراد كثير من ناحية المشرق ماراً بين السماء والأرض مثل السحاب وكان الريح ساكناً فيقط منه الكثير على الجنائن والمزارع والمقاثيء، فلما كان في نصف الليل هبت رياح جنوبية واستمرت واشتد هبوبها عند انتصاف النهار وأثارت غباراً أصفر وعبوقاً بالجو ودامت إلى بعد العصر يوم السبت فطردت ذلك الجراتد وأذهبته فسبحان الحكيم المدبر اللطيف.
وفي يوم الأحد طاف مناد أعمى يقوده آخر بالأسواق ويقول في ندائه من كان مريضاً أو به رمداً وجراحة وإدارة فليذهب إلى خان بالموسكي به أربعة من حكماء الإفرنج أطباء يداوونه من غير مقابلة شيء فتعجب الناس من هذا وتحاكوه وسعوا إلى جهتهم لطلب التداوي.
وفيه حضر ابن باشت طرابلس ودخل إلى المدينة وصحبته نحو المائتي نفر من أتباعه فأنزله الباشا في منزل أم مرزوق بك بحارة عابدين وأجرى عليه النفقات والرواتب له ولأتباعه.

(2/476)


وفي يوم الخميس حادي عشرينه، وصل خبر الأطباء ومناداتهم إلى كتخدا بك فأحضر حكيم باشا وسأله فأنكر معرفتهم وأنه لا علم عنده بذلك فأمر بإحضارهم وسألهم فخلطوا في الكلام فأمر بإخراجهم من البلدة ونفوهم في الحال، وذهبوا إلى حيث شاء الله ولو فعل مثل هذه الفعلة بعض المسلمين لجوزي بالقتل أو الخازوق، وكان صورة جلوسهم أن يجلس أحدهم خارج المكان والآخر من داخل وبينهما ترجمان ويأتي مريد العلاج إلى الأول وهو كأنه الرئيس فيجس نبضه أو بيضه وكأنه عرف علته ويكتب له ورقة فيدخل مع الترجمان بها لآخر بدخل المكان فيعطيه شيئاً من الدهن أو السفوف أو الحب المركب ويطلب منه إما قرشاً أو قرشين أو خمسة بحسب الحال وذلك ثمن الدواء لا غير وشاع ذلك وتسامع به الناس وأكثرهم معلول من طبيعتهم التقليد والرغبة في الوارد الغريب فتكاثروا وتزاحموا عليهم فجمعوا في الأيام القليلة جملة من الدراهم واستلطف الناس طريقتهم هذه بخلاف ما يفعله الذين يدعون التطبيب من الإفرنج واصطلاحهم إذا دعي الواحد منهم لمعالجة المريض فأول ما يبدأ به نقل قدمه بدراهم يأخذها إما ريال فرانسة أو أكثر بحسب الحال والمقام، ثم يذهب إلى المريض فيجسه ويزعم أنه عرف علته ومرضه وربما هول على المريض داءه وعلاجه، ثم يقاول على سعيه في معالجته بمقدار من الفرانسة إما خمسين أو مائة أو أكثر بحسب مقام العليل ويطلب نصف الجعالة ابتداء ويجعل على كل مرة من التردادات عليه جعالة أيضاً، ثم يزاوله بالعلاجات التي تجددت عندهم وهي مياه مستقطرة من الأعشاب أو أدهان كذلك يأتون بها للمرضى في قوارير الزجاج اللطيفة في المنظر يسمونها بأسماء بلغاتهم ويعربونها بدهن البد زهر وإكسير الخاصة ونحو ذلك فإن شفى الله العليل أخذ منه بقية ما قاوله عليه أو أماته طالب الورثة بباقي الجعالة وثمن الأدوية طبق ما يدعيه وإذا قيل له أنه قد مات قال في جوابه أني لم أضمن أجله وليس على الطبيب منع الموت ولا تطويل العمر وفيهم من جعل له في كل يوم عشرة من الفرانسة.
وفيه رأى رأيه حضرة الباشا حفر بحر عميق يجري إلى بركة عميقة تحفر أيضاً بالإسكندرية تسير فيها السفن بالغلال وغيرها ومبدؤها من مبدً خليج الأشرفية عند الرحمانية فطلب لذلك خمسين ألف فأس ومسة يصنعها صناع الحديد وأمر بجمع الرجال من القرى وهم مائة ألف فلاح توزع على القرى والبلدان للعمل والحفر بالأجرة وبرزت الأوامر وبذلك فارتبك أمر الفلاحين ومشايخ البلاد لأن الأمر برز بحضور المشايخ وفلاحيهم فشرعوا في التشهيل وما يتزيدون به في البرية ولا يدرون مدة الإقامة فمنهم من يقدرها بالسنة ومنهم بأقل أو أكثر.
واستهل شهر رجب بيوم الأحد سنة 1232

(2/477)


في ثانيه يوم الاثنين الموافق لثاني عشر بشنس القبطي وسابع أيار الرومي قبل الغروب بنحو ساعة تغير الجو بسحاب وقتام وحصل رعد متتابع وأعقبه مطر بعد الغروب، ثم انجلى ذلك والسبب في ذكر مثل هذه الجزئية شيئان الأول وقوعها في غير زمانها لما فيه من الاعتبار بخرق العوائد الثاني الاحتياج إليها في بعض الأحيان في العلامات السماوية وبالأكثر في الوقائع العامية فإن العامة لا يؤرخون غالباً بالأعوام والشهور بل بحادثة أرضية أو سماوية خصوصاً إذا حصلت في غير وقتها أو ملحمة أو معركة أو فصل أو مرض عام أو موت كبير أو أمير فإذا سئل الشخص عن وقت مولده أو مولد ابنه أو ابنته أو موت أبيه أو سنة بلوغه سن الرشد يقول كان بعد الحادثة الفلانية بكذا من الأيام، ثم لا يدري في أي شهر أو عام وخصوصاً إذا طال الزمان بعدها، وتكرر الاحتياج إلى تحرير الوقت في مسائل شرعية في مجلس الشرع في مثل الحضانة والعدة والنفقة وسن اليأس ومدة غيبة المفقود بأن يتفق قولهم على أن الصبي ولد يوم السيل الذي هدم القبور أو يوم موت الأمير فلان أو الواقعة الفلانية ويختلفون في تحقيق وقتها وعند ذلك يحتاجون إلى السؤال ممن عساه يكون أرخ وقتها وفي غير وقت الاحتياج يسخرون بمن يشغل بعض أوقاته بشيء من ذلك لاعتيادهم إهمال العلوم التي كان يعتني بتدوينها الأوائل إلا بقدر إقامة الناموس الذي يحصلون به الدنيا ولولا تدوين العلوم وخصوصاً علم الأخبار ما وصل إلينا شيء منها ولا الشرائع الواجبة ولا يشك شاك في فوائد التدوين وخصائصه بنص التنزيل قال تعالى وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين.
وفي عاشره، وصلت هجانة وأخبار عن إبراهيم باشا من الحجاز بأنه وصل إلى محل يسمى الموتان فوقع بينه وبين الوهابية وقتل منهم مقتلة عظيمة وأخذ منهم أسرى وخياماً ومدفعين فضربوا لتلك الأخبار مدافع سروراً بذلك الخبر.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشره، سافر الباشا إلى أسكلة السويس وصحبته السيد محمد المحروقي ليتلقى سفائنه الواصلة بالبضائع الهندية.
واستهل شهر شعبان بيوم الاثنين سنة 1232
فيه رجع الباشا من السويس وأخلوا للبضائع الواصلة ثلاث خانات توضع في حواصلها، ثم توزع على الباعة بالثمن الذي يفرضه.
وفيه وصل الخبر أيضاً بوصول سفائن إلى بندر جدة وفيها ثلاثة من الفيلة.
وفيه قوي اهتمام الباشا لحفر الترعة الموصلة إلى الإسكندرية، كما تقدم وأن يكون عرضها عشرة أقصاب والعمق أربعة أقصاب بحسب علو الأراضي وانخفاضها وتعينت كشاف الأقاليم لجمع الرجال وفرضوا أعدادهم بحسب كثرة أهل القرية وقلتها وعلى كل عشرة أشخاص شخص كبير وجمعت الغلقان ولكل غلق فأس وثلاثة رجال لخدمته وأعطوا كل شخص خمسة عشر قرشاً ترحيلة ولكل شخص ثلاثون نصفاً في أجرته كل يوم وقت العمل وحصل الاهتمام لذلك في وقت اشتغال الفلاحين بالحصيدة والدراس وزراعة الذرة التي هي معظم قوتهم وشرعوا في تشهيل احتياجاتهم وشراء القرب للماء فإن تلك البرية لا يوجد الماء إلا ببعض الحفائر التي يحفرها طالب الماء، وقد تخرج مالحة لأنها أراض مسبخة وتعين جماعة من مهندس خانة ونزلوا مع كبيرهم لمساحتها وقياسها فقاسوا من فم ترعة الأشرفية حيث الرحمانية إلى حد الحفر المراد بقرب عمود السواري الذي بالإسكندرية فبلغ ذلك ستة وعشرين ألف قصبة، ثم قاسوا من أول الترعة القديمة المعروفة بالناصرية وابتداؤها من المكان المعروف بالعطف عند مدينة فوة فكان أقل من ذلك ينقص عنه خمسة آلاف قصبة وكسر فوقع الاختيار على أن يكون ابتداؤها هناك.
وفي أثناء ذلك زاد النيل قبل المناداة عليه بالزيادة وذلك في منتصف بؤنه القبطي وغرق المقاثيء من البطيخ والخيار والعبدلاوي وأهمل أمر الحفر في الترعة المذكورة إلى ما بعد النيل واستردت الدراهم التي أعطيت للفلاحين لأجل الترحيلة وفرحوا بذلك الإهمال، وقد كان أطلق الباشا لمصارفها أربعة آلاف كيس من تحت الحساب ورجع المهندسون إلى مصر وقد صوروا صورتها في كواغد ليطلع عليها الباشا عياناً، وكان رجوعهم في ثامن عشر شعبان.

(2/478)


وفيه تقلد إبراهيم آغا المعروف بآغات الباب أمر تنظيم الأصناف والمحدثات وعمل معدلاتها لبيان سرقات ومخفيات المتقلدين أمر كل صنف من الأصناف بعد البحث والتفتيش والتفحص على دقائق الأشياء.
وفيه وصل نحو المائتي شخص من بلاد الروم أرباب صنائع معمرين ونجارين وحدادين وبنائين وهم ما بين أرمني وأجريجي ونحو ذلك.
وفيه أيضاً اهتم الباشا ببناء حائطين بحري رشيد عند الطينة على يمين البغاز وشماله لينحصر فيما بينهما الماء ولا تطمى الرمال وقت ضعف النيل ويقع بسبب ذلك العطب للمراكب وتلف أموال المسافرين وقد كمل ذلك في هذا الشهر وهذه الفعلة من أعظم الهمم الملوكية التي لم يسبق بمثلها.
وفي عشرينه شنق شخص بباب زويلة بسبب الزيادة في المعاملة وعلقوا بأنفه ريال فرانسة مع أن الزيادة سارية في المبيعات والمشتروات من غير إنكار.
وفيه أيضاً خزم المحتسب آناف أشخاص من الجزارين في نواحي وجهات متفرقة وعلق في آنافهم قطعاً من اللحم وذلك بسبب الزيادة في ثمن اللحم وبيعهم له بما أحبوه من الثمن في بعض الأماكن خفية لأن الجزارين إذا نزلوا باللحم من المذبح وأكثره هزيل ونعاج ومعز والقليل من المناسب الجيد فيعلقون الرديء بالحوانيت ويبيعونه جهاراً بالثمن المسعر ويخفون الجيد ويبيعونه في بعض الأماكن بما يحبون.
وفي يوم الخميس خامس عشرينه، وصلت الأفيال الثلاثة من السويس أحدها كبير عن الاثنين ولكن متوسط في الكبر فعبروا بها من باب النصر وشقوا من وسط المدينة وخرجوا بها من باب زويلة على الدرب الأحمر وذهبوا بها إلى قراميدان وهرولت الناس والصبيان للفرجة عليها وذهبوا خلفها وازحموا في الأسواق لرؤيتها وكذلك العسكر والدلاة ركباناً ومشاة وعلى ظهر الفيل الكبير مقعد من خشب.
واستهل شهر رمضان بيوم الثلاثاء سنة 1232
وعملت الرؤية تلك الليلة وركب المحتسب وكذا مشايخ الحرف كعادتهم وأثبتوا رؤية الهلال تلك الليلة وكان عسر الرؤية جداً.

(2/479)


وفي صبح ذلك اليوم، عزل عثمان آغا الورداني من الحسبة وتقلدها مصطفى كاشف كرد وذلك لما تكرر على سمع الباشا أفعال الوقة وانحرافهم وقلة طاعتهم وعدم مبالاتهم بالضرب والإيذاء وخزم الأنوف والتجريس قال في مجلس خاصته لقد سرى حكمي في الأقاليم البعيدة فضلاً عن القريبة وخافني العربان وقطاع الطريق وغيرهم خلاف سوقة مصر فإنهم لا يرتدعون بما يفعله فيهم ولاة الحسبة من الإهانة والإيذاء فلا بد لهم من شخص يقهرهم ولا يرحمهم ولا يهملهم فوقع اختياره على مصطفى كاشف كرد هذا فقلده ذلك وأطلق له الإذن، فعند ذلك ركب في كبكبة وخلفه عدة من الخيالة ترك شعار المنصب من المقدمين والخدم الذين يتقدمونه وكذلك الذي أمامه بالميزان ومن بأيديهم الكرابيج لضرب المستحق والمنقص في الوزن وبات يطوف على الباعة ويضرب بالدبوس هشماً بأدنى سبب ويعاقب بقطع شحمة الأذن فأغلقوا الحوانيت ومنعوا وجود الأشياء حتى ما جرت العادة في رمضان من عمل الكعك والرقاق المعروف بالسحير وغيره، فلم يلتفت لامتناعهم وغلقهم الحوانيت وزاد في التعسف، ولم يرجع عن سعيه واجتهاده ولازم على السعي والطواف ليلاً ونهاراً لا ينام الليل بل ينام لحظة وقت ما يدركه النوم في أي مكان ولو على مصطبة حانوت وأخذ يتفحص على السمن والجبن ونحوه المخزون في الحواصل ويخرجه ويدفع ثمنه لأربابه بالسعر المفروض ويوزعه لأرباب الحوانيت ليبيعوه على الناس بزيادة نصف أو نصفين في كل رطل وذهب إلى بولاق ومصر القديمة فاستخرج منها سمناً كثيراً ومعظم ذلك في مخازن للعسكر فإن العسكر كانوا يرصدون الفلاحين وغيرهم فيأخذونه منهم بالسعر المفروض وهو مائتان وأربعون في العشرة منه، ثم يبيعونه على المحتاجين إليه بما أحبوا من الزيادة الفاحشة، فلم يراع جانبهم واستخرج مخبآتهم قهراً عنهم ومن خالف عليه منهم ضربه وأخذ سلاحه ونكل به وذهب في بعض الأوقات إلى بولاق فأخرج من حاصل ببعض الوكائل ثلاثمائة وخمسين ماعوناً لكبير من العسكر فحضر إليه بطائفته، فلم يلتفت إليه ووبخه وقال له أنتم عساكر ولكم رواتب والعلائف واللحوم والأسمان وخلافها، ثم تحتكرون أيضاً أقوات الناس وتبيعونها عليهم بالثمن الزائد وإعطاء الثمن المفروض وحمل المواعين على الجمال إلى الأمكنة التي أعدها لها عند باب الفتوح وعندما رأى أرباب الحوانيت الجد وعدم الإهمال والتشديد عليهم فتح المغلق منهم حانوته وأظهروا مخبآتهم أمامهم وملؤا السدريات والطسوت من السمن وأنواع الجبن خوفاً من بطش المحتسب وعدم رحمته بهم ويقف بنفسه على باعة البطيخ والقاوون.
وفي منتصف شهر رمضان، وصلوا برمة إبراهيم بك الكبير من دنقلة وذلك أنه لما وصل خبر موته استأذنت زوجته أم ولده الباشا في إرسالها امرأة تدعى نفيسة لإحضار رمته فأذن بذلك وأعطى المتسفرة فيما بلغنا عشرة أكياس وكتب لها مكاتبات لكشاف الوجه القبلي بالمساعدة وسافرت وحضرت به في تابوت وقد جف جلده على عظمه لنحافته وذلك بعد موته بنحو ستة شهور وعملوا له مشهداً وأماه كفارة ودفنوه بالقرافة الصغرى عند ابنه مرزوق بك.
وفي ليلة الخميس سابع عشره، طلب المحتسب حجاجاً الخضري الشهير بنواحي الرميلة فأخذه إلى الجمالية وشنقه على السبيل المجاور لحارة المبيضة وذلك في سادس ساعة من الليل وقت السحور وتركوه معلقاً لمثلها من الليلة القابلة، ثم أذن برفعه فأخذه أهله ودفنوه وحجاج هو الذي تقدم ذكره غير مرة في واقعة خورشيد باشا وغيرها وكان مشهوراً بالإقدام والشجاعة طويل القامة عظيم الهمة وكانشيخاً على طوائف الخضرية صاحب صولة وكلمة بتلك النواحي ومكارم أخلاق وهو الذي بنى البوابة بآخر الرميلة عند عرصة الغلة أيام الفتنة واختفى مراراً بعد تلك الحوادث وانضم إلى الألفي، ثم حضر إلى مصر بأمان ولم يزل على حالته في هدوء وسكون، ولم يؤخذ في هذه بجرم فعله يوجب شنقه بل قتل مظلوماً لحقد سابق وزجراً لغيره.

(2/480)


وفي يوم الاثنين ثامن عشرين شهر رمضان الموافق السادس مسرى البطي أوفى النيل أذرعه فنودي بالوفاء وكسر السد صبح يوم الثلاثاء بحضرة كتخدا بك والقاضي وغيره وجرى الماء في الخليج، ولم يقع فيه مهرجان مثل العادة هذا والمحتسب مواظب على السروح ليلاً ونهاراً ويعاقب بجرح الآذان والضرب بالدبوس وأقعد بعض صناع الكنافة على صوانيهم التي على النار وأمر بكنس الأسواق ومواظبة رشها بالماء ووقود القناديل على أبواب الدور وعلى كل ثلاثة من الحوانيت قنديل ويركب آخر الليل، ثم يذهب إلى بولاق ليتلقى الواردين بالبطيخ الأخضر والأصفر ويعرف عدة الشروات ويأمرهم بدفع مكوسها المفروضة، ثم يأمرهم بالذهاب إلى مراكز بيعهم ولا يبيعون شيئاً حتى يأتيهم بنفسه أو بحضرة من يرسله من طرفه، ثم يعود طائفاً عليهم فيحصي ما في فرش أحدهم عدداً ويميز الكبير بثمن والصغير بثمن ويترك عند البائع من يباشره أو يقف هو بنفسه ويبيع على الناس بما فرضه ويعطي لصاحبه الثمن والربح فيراه قد ربح العشرة قروش وأكثر بعد مكسه ومصارفه فيقول له، أما يكفي مثلك ربح هذا القدر حتى تطمع أيضاً في الزيادة عليه وهو مع ذلك يكر ويطوف على غيرهم ويحلق على ما يرد من السمن الوارد الذي تقرر على المزارعين فيزنه منهم بالسعر المفروض وهو أربعة وعشرون نصفاً الرطل ويرد عليهم الفوارغ ويعطيه للبائع بالثمن المقرر وهو ستة وعشرون وهو يبيعونه بزيادة نصفين في كل رطل وهو ثمانية وعشرون ويناله الناس بأسهل وجدان سالماً من الخلط والغش ويأمرهم بإعادة ما عسى يوجد فيه من المرتة والعكار إلى مواعينه ليوزن مع فوارغه ورصد أيضاً ما يرد للناس ولو لأكابر الدولة من السمن فيطلق البعض ويأخذ الباقي بالثمن، وكذلك ما يأتيهم من البطيخ والدجاج ولو كان لصاحب الدولة حسب إذنه له بذلك كل ذلك للحرص على كثرة وجدان الأشياء وتعدت أحكامه إلى بضائع التجار والأقمشة الهندية وأهل مرجوش والمحلاوية وخلافهم وطلب قوائم مشترواتهم والنظر في مكايلهم فضاق خناق أكثر الناس لكونهم لم يعتادوه من محتسب قبله وكأنه وصله خبر ولاة الحسبة وأحكامهم في الدلو المصرية القديمة فإن وظيفة أمين الاحتساب وظيفة قضاء وله التحكم والعدالة والتكلم على جميع الأشياء، وكان لا يتولاها إلا المتضلع من جميع المعارف والعلوم والقوانين ونظام العدالة حتى على من يتصدر لتقرير العلوم فيحضر مجلسه ويباحثه فإن وجد فيه أهلية للإلقاء أذن له بالتصدر أو منعه حتى يستكمل وكذلك الأطباء والجراحية حتى البيطارية والبزدرية ومعلموا الأطفال في المكاتب ومعلموا السابحة في الماء والنظر في وسق المراكب في الأسفار وأحمال الدواب في نقل الأشياء ومقادير روايا الماء مما يطول شرحه وفي ذلك مؤلف للشيخ بن الرفعة، وقد يسهل بعض ذلك مع العدالة وعدم الاحتكار وطمع المتولي وتطلعه لما في أديد الناس وأرزاقهم.
ومما يحكي أن الرشيد سأل الليث بن سعد فقال له يا أبا الحرث ما صلاح بلدكم يعني مصر فقال له أما صلاح أمرها ومزارعها فبالنيل، وأما أحكامها فمن رأس العين يأتي الكدر.
وفي أواخر رمضان، زاد المحتسب في نغمات الطنبور وهو أنه أرسل مناديه في مصر القديمة ينادي على نصارى الأرمن والأروام والشوام بإخلاء البيوت التي عمروها وزخرفوها وسكنوا بها بإنشاء والملك والمؤاجرة المطلة على النيل وأن يعودوا إلى زيهم الأول من لبس العمائم الزرق وعدم ركوبهم الخيول والبغال والرهونات الفارهة واستخدامهم المسلمين فتقدم أعاظمهم إلى الباشا بالشكوى وهو يراعي جانبهم لأنهم صاروا أخصاء الدولة وجلساء الحضرة وندماء الصحبة.
وأيضاً نادى مناديه على المردان ومحلقي اللحى بأنهم يتركونها ولا يحلقونها وجميع العسكر وغالب الأتراك سنتهم حلق اللحى ولو طعن في السن فأشيع فيهم أن يأمرهم بترك لحاهم، وذلك خرم لقواعدهم بل يرونه من الكبائر وكذلك السيد محمد المحروقي بسبب تعرضه إلى بضائع التجار وأهل الغورية فإن ذلك منوط به.

(2/481)


وفي أثناء ذلك، ورد إلى عابدين بك مواعين سمن فأرسل الجمال إلى حملها من ساحل بولاق فبلغ خبرها المحتسب فأخذها وأدخلها مخزنه وعادت الجمال فارغة وأخبروا مخدومهم بحجز المحتسب لها فأرسل عدة من العسكر فأخرجوها من المخزن وأخذوها، ولم يكن المحتسب حاضراً واتفق أنه ضرب شخصاً من عسكر المذكور أرنؤدي بالدبوس حتى كاد يموت فاشتد بعابدين بك الحنق وركب إلى كتخدا بك وشنع على المحتسب وتعددت الشكاوي وصادفت في زمن واحد فأنهي الأمر إلى الباشا فتقدم إليه بكف المحتسب عن هذه الأفعال فأحضره الكتخدا وزجره وأمره أن لا يتعدى حكمه الباعة ومن كان يسري عليهم أحكام من كان في منصبه قبله وأن يكون أمامه الميزان ويؤدب المستحق بالكرابيج دون الدبوس.
واستهل شهر شوال بيوم الخميس سنة 1232
فترك السروح في أيام العيد وأشيع بين السوقة عزله فأظهروا الفرح ورفعوا ما كان ظاهراً بين أديديهم من السمن والجبن وأخفوه عن الأعين ورجعوا إلى حالتهم الأولى في الغش والخيانة وغلاء السعر وأغلق بعضهم الحانوت وخرجوا إلى المنتزهات وعملوا ولائم.
وفي رابعه شنقوا عدة أشخاص في أماكن متفرقة قيل أنهم سراق وزغلية وكانوا مسجونين في أيام رمضان، ولم يركب المحتسب حسب الأمر بل أركب خازنداره وشق بالميزان عوضاً عنه، ثم ركب هو أيضاً وبيده الدبوس لكن دون الحالة الأولى في الجبروت، ولم يسر حكمه على النصارى فضلاً عن غيرهم.
وفي عاشره يوم السبت، نزلوا بكسوة الكعبة من القلعة وشقوا بها من وسط الشارع إلى المشهد الحسيني.
وفي يوم السبت سابع عشره، أداروا المحمل وخرج أمير الركب إلى خارج باب النصر ووصلت حجاج كثيرة من ناحية المغرب إلى بر أنبابة وبولاق وطفقوا يشترون الأغنام من الفلاحين ويذبحونها ويبيعونها ببولاق وطرقها على الناس جزافاً من غير وزن ويذهب الكثير من الناس إلى الشراء منهم فيقعون في الغبن الفاحش والزيادة على السعر بالضعف وأكثر وضرورتهم في الشراء منهم رداءة ما يحمله القصابون من المذبح من أغنام الباشا المحضرة من البلاد والقرى، وقد هزلت من السفر والإقامة بالجوع والعطش ويموت الكثير منها فيسلمونه ويزنونه على الجزارين بالبيع للناس وفيه المتغير الرائحة وما تعافه النفوس فبسبب ذلك اضطر الناس إلى الشراء من هؤلاء الأجناس بالغبن وتحمل سوء أخلاقهم وحصل بينهم وبين بعض العسكر شرور وقتل بينهم قتلى ومجاريح والباشا وحكام الوقت يتغافلون عنهم خوفاً من وقوع الفتن، ثم ارتحلوا لأنهم كثروا وملؤا الأزقة والنواحي وحضر أيضاً الركب الفاسي وفيه ولدا السلطان سليمان ومن يصحبهما فأحسن الباشا نزلهم وتقيد السيد محمد المحروقي بملاقاتهم ولوازمهم وأنزلوهم في منزل بجوار المشهد الحسيني وأجريت عليهم نفقات تليق بهم وأهديا للباشا هدية وفيها عدة بغال وبرانس حرير وغير ذلك.

(2/482)


وفي ثامن عشرينه، ارتحل الحج المصري من البركة وكانت الحجوج في هذه السنة كثيرة من سائر الأجناس أتراك وططر وبشناق وجركس وفلاحين من سائر الأجناس ورجع الكثير من المسافرين على بحر القلزم إلى الحجاز من السويس لقلة المراكب التي تحملهم وغصت المدينة من كثرة الزحام زيادة على ما بها من ازدحام العساكر وأخلاط العالم من فلاحي القرى المشيعين والمسافرين ومن يرد من الآفاق والبلاد الشامية ونصارى الروم والأرمن والدلاة والواردين والذين استدعاهم الباشا من الدروز والمتاولة والنصيرية وغيرهم لعمل الصنائع والمزارع وشغل الحرير وما استجده بوادي الشرق حتى أن الإنسان يقاسي الشدة والهول إذا مر بالشارع من كثرة الازدحام ومرور الخيالة وحمير الأوسية والجمال التي تحمل الأتربة والأنقاض والأحجار لعمائر الدولة سوى ما عداها من حمول الأحطاب والبضائع والتراسين حتى الزحمة في داخل العطف الضيقة وزيادة على ذلك كثرة الكلاب بحيث يكون في القطعة من الطريق نحو الخمسين، ثم صياحها ونباحها المستمر وخصوصاً في الليل على المارين وتشاجرها مع يعضها مما يزعج النفوس ويمنع الهجوع وقد أحسن الفرنساوية بقتلهم الكلاب فإنهم لما استقروا وتكرر مرورهم ونظروا إلى كثرة الكلاب من غير حاجة ولا منفعة سوى الهبهبة والعواء وخصوصاً عليهم لغرابة أشكالهم فطاف عليهم طائف منهم باللحم المسموم فما أصبح النهار إلا وجميعها موتى مطروحة بجميع الشوارع فكان الناس والصغار يسحبونها كذا بالحبال إلى الخلاء واستراحت الأرض ومن فيها منها فالله يكشف عنا مطلق الكرب في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه.
واستهل شهر ذي القعدة سنة 1232
في خامسه يوم الأربعاء وليلة الخميس ارتحل ركب الحجاج المغاربة من الحصوة.
وفي أواخره، حصل الأمر للفقهاء بأزهر بقراءة صحيح البخارى فاجتمع الكثير من الفقهاء والمجاورين وفرقوا بينهم أجزاء وكراريس من البخارى يقرؤون فيها في مقدار ساعتين من النهار بعد الشروق فاستمروا على ذلك خمسة أيام، وذلك بقصد حصول النصر لإبراهيم باشا على الوهابية، وقد طالت مدة انقطاع الأخبار عنه وحصل لأبيه قلق زائد، ولما انقضت أيام قراءة البخاري نزل للفقهاء عشرون كيساً فرقت عليهم وكذلك على أطفال المكاتب.
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الأحد سنة 1232
في رابعه شنقوا أشخاصاً قيل أنهم خمسة ويقال أنهم حرامية.
وفيه أرسلت الأفيال الثلاثة إلى دار السلطنة صحبة الهدايا المرسلة ثلاثة سروج ذهب وفيها سرج مجوهر وخيول وكباش ونقود وأقمشة هندية وسكاكر وأرز.
وفيه، وصل فيل آخر كبير مروا به من وسط المدينة وذهبوا به إلى رحبة بيت السيد محمد المحروقي وقفوا به في أواخر النهار والناس تجتمع للفرجة عليه إلى أواخر النهار ثم طلعوا إلى القلعة وأوقفوا بالطبخانة وهي محل عمل المدافع وحضر بصحبته شخص يدعي العلم والمعرفة بالطب والحكمة ومعه مجلد كبير في حجم الوسادة يحتوي على الكتب الستة الحديثية وخطه دقيق قال أنه نسخه بيده ونزل ببيت السيد محمد المحروقي وركب له معجون الجواهر أنفق فيه جملة من المال وكجلا وركب أيضاً تراكيب لغيره وشرط عليهم في الاستعمال بعد مضي ستة أشهر وشيء منها بعد شهرين وثلاثة وأقام أياماً ثم سافر راجعاً إلى صنعاء.

(2/483)


وفي يوم الثلاثاء عاشره، كان عيد النحر ولم يرد فيه مواش كثيرة كالأعياد السابقة من الأغنام والجواميس التي تأتي من الأرياف فكانت تزدحم منها الأسواق لكثرتها والوكائل والرميلة فلم يرد إلا النزر القليل قبل النحر بيومين ويباع بالثمن الغالي ولم يذبح الجزارون في أيام النحر للبيع كعادتهم إلا القليل منهم مع التحجير على الجلود وعلى من يشتريها وتباع لطرف الدولة بالثمن الرخيص جداً وانقضت السنة مع استمرار ما تجدد فيها من الحوادث التي منها ما حدث في آخر السنة من الحجر وضبط أنوال الحياكة وكل ما يصنع بالمكوك وما ينسج على نول أو نحوه من جميع الأصناف من إبريم أو حرير أو كتان إلى الخيش والفل والحصير في سائر الإقليم المصري طولاً وعرضاً قبلي وبحري من الإسكندرية ودمياط إلى أقصى بلاد الصعيد والفيوم وكل ناحية تحت حكم هذا المتولي وانتظمت لهذا الباب دواوين ببيت محمود بك الخازندار وأياماً ببيت السيد محمد المحروقي وبحضرة من ذكر والمعلم غالي ومتولي كبر ذلك والمفتتح لأبوابه المعلم يوسف كنعان الشامي والمعلم منصور أبو سربمون القبطي ورتبوا لضبط ذلك كتاباً ومباشرين يتقررون بالنواحي والبلدان والقرى وما يلزم لهم من المصاريف والمعليم والمشاهرات ما يكفيهم في نظير تقيدهم وخدمتهم فيمضي المتعينون لذلك فيحصون ما يكون موجوداً على الأنوال بالناحية من القماش والبز والأكسية الصوف المعروفة بالزعابيط والدفافي ويكتبون عدده على ذمة الصانع ويكون ملزوماً به حتى إذا تم نسجه دفعوا لصاحبه ثمنه بالفرض الذي يفرضونه وإن أرادها صاحبها أخذها من الموكلين بالثمن الذي يقدرونه بعد الختم عليها من طرفيها بعلامة الميري فإن ظهر عند شخص شيء م غير علامة الميري أخذت منه بل وعوقب وغرم تأديباً على اختلاسه وتحذيراً لغيره هذا شأن الموجود الحاصل عند النساجين واستئناف العمل المجدد فإن الموكل بالناحية ومباشريها يستدعون من كل قرية شخصاً معروفاً من مشايخها فيقيمونه وكيلاً ويعطونه مبلغاً من الدراهم ويأمرونه بإحصاء الأنوال والشغالين والبطالين منهم في دفتر فيأمرون البطالين بالنسج على الأنوال التي ليس لها صناع بأجرتهم كغيرهم على طرف الميري ويدفع المتوكل لشخصين أو ثلاثة دراهم يطوفون بها على النساء اللاتي يغزلن الكتان بالنواحي ويجعلنه أذرعاً فيشترون ذلك منهن بالثمن المفروض ويأتون إلى النساجين ثم تجمع أصناف الأقمشة في أماكن للبيع بالثمن الزائد وجعلوا لمبيعها أمكنة مثل خان أبو طقية وخان الجلاد وبه يجلس المعلم كنعان ومن معه وغير ذلك وبلغ ثمن الثوب القطن الذي يقال له البطانة إلى ثلاثمائة نصف فضة بعد ما كان يشترى بمائة نصف وأقل وأكثر بحسب الرداءة والجودة وأدركناه يباع في الزمن السابق بعشرين نصفاً وبلغ ثمن المقطع القماش الغليظ إلى ستمائة نصف فضة وكان يباع بأقل من ثلث ذلك وقس على ذلك باقي الأصناف وهذه البدعة أشنع البدع المحدثة فإن ضررها عم الغني والفقير والجليل والحقير والحكم لله العلي الكبير.
ومنها، أن المشار إليه هدم القصر الذي بالآثار وأنشأه على الهيئة الرومية التي ابتدعوها في عمائرهم بمصر وهدموه وعمروه وبيضوه في أيام قليلة وذلك أنه بات هناك ليلتين فأعجبه هواؤه فاختار بناءه على هواه وعند تمامه وتنظيمه بالفرش والزخارف جعل يتردد إلى المبيت به بعض الأحيان مع السراري والغلمان كما ينتقل ما قصر الجيزة وشبرا والأزبكية والقلعة وغيرها من سرايات أولاده وأصهاره والملك لله الواحد القهار.

(2/484)


ومنها، أن طائفة من الإفرنج الإنكليز قصدوا الإطلاع على الأهرام المنهورة الكائنة ببر الجيزة غربي الفسطاط لأن طبيعتهم ورغبتهم الإطلاع على الأشياء المستغربات والفحص عن الجزئيات وخصوصاً الآثار القديمة وعجائب البلدان والتصاوير والتماثيل التي في المغارات والبرابي بالناحية القبلية وغيرها ويطوف منهم أشخاص في مطلق الأقاليم بقصد هذا الغرض ويصرفون لذلك جملاً من المال في نفقاتهم ولوازمهم ومؤاجريهم حتى أنهم ذهبوا إلى أقصى الصعيد وأحضروا قطع أحجار عليها نقوش وأقلام وتصاوير ونواويس من رخام أبيض كان بداخلها موتى بأكفانها أو أجسامها باقية بسبب الأطلية والأدهان الحافظة لها من البلاء ووجه المقبور مصور على تمثال صورته التي كان عليها في حال حياته وتماثيل آدمية من الحجر السماقي الأسود المنقط الذي لا يعمل فيه الحديد جالسين على كراسي واضعين أيديهم على الركب وبيد كل واحد شبه مفتاح بين أصابعه اليسرى والشخص مع كرسيه قطعة واحدة مفرغ معه أطول من قامة الرجل الطويل وعلو رأسه نصف دائرة منه في علو الشبر وهم شبه العبيد المشوهين الصورة وهم ستة على مثال واحد كأنما أفرغوا في قالب واحد يحمل الواحد منهم الجملة من العتالين وفيهم السابع من رخام أبيض جميل الصورة وأحضروا أيضاً رأس صنم كبير دفعوا في أجرة السفينة التي أحضروه فيها ستة عشر كيساً عنها ثلاثمائة وعشرون ألف نصف فضة وأرسلوها إلى بلادهم لتباع هناك بأضعاف ما صرفوه عليها وذلك عندهم من جملة المتاجر في الأشياء الغريبة ولما سمعت بالصور المذكورة فذهبت بصحبة ولدنا الشيخ مصطفى باكير المعروف بالساعاتي وسيدي إبراهيم المهدي الإنكليزي إلى بيت قنصل بدرب البرابرة بالقرب من كوم الشيخ سلامة جهة الأزبكية وشاهدت ذلك كما ذكرته وتعجبنا من صناعتهم وتشبههم وصقالة أبدانهم الباقية على ممر السنين والقرون التي لا يعلم قدرها إلا علام الغيوب وأردوا الإطلاع على أمر الأهرام وأذن لهم صاحب المملكة فذهبوا إليها ونصبوا خيمة وأحضروا الفعلة والمساحي والفلقان وعبروا إلى داخلها وأخرجوا منها أتربة كثيرة من زبل الوطواط وغيره ونزلوا إلى الزلاقة ونقلوا منها تراباً مربع من الحجر المنحوت غير مسلوك هذا ما بلغنا عنهم وحفروا حوالي الرأس العظيمة التي بالقرب من الأهرام التي تسميها الناس رأس أبي الهول فظهر أنه جسم كامل عظيم من حجر واحد ممتد كأنه راقد على بطنه رافع رأسه وهي التي يراها الناس وباقي جسمه مغيب بما انهال عليه من الرمال وساعداه من مرفقيه ممتدان أمامه وبينهما شبه صندوق مربع إلى استطالة من سماق أحمر عليه نقوش شبه قلم الطير في داخله صورة سبع مجسم من حجر مدهون بدهان أحمر رابض باسط ذراعيه في مقدار الكلب رفعوه أيضاً إلى بيت القنصل ورأيته يوم ذاك وقيس المرتفع من جسم أبي الهول من عند صدره إلى أعلى رأسه فكان اثنين وثلاثين ذراعاً وهي نحو الربع من باقي جسمه وأقاموا في هذا العمل نحواً من أربعة أشهر.

(2/485)


وأما من مات في هذه السنة من المشاهير، فمات العالم العلامة الفاضل الفهامة صاحب التحقيقات الرائقة والتأليفات الفائقة شيخ شيوخ أهل العلم وصدر صدور أهل الفهم المتفنن في العلوم كلها نقليها وعقليها وأديبها إليه انتهت الرياسة في العلوم بالديار المصرية وباهت مصر ما سواها بتحقيقاته البهية استنبط الفروع من الأصول واستخراج نفائس الدور من بحور المعقول والمنقول وأودع الطروس فوائد وقلدها عوائد فرائد الأستاذ الشيخ محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القادر بن عبد العزيز بن محمد السنباوي المالكي الأزهري الشهير بالأمير وهو لقب جده الأدني أحمد وسببه أن أحمد وأباه عبد القادر كان لهما أمرة بالصعيد وأخبرني المترجم من لفظه أن أصلهم من المغرب نزلوا بمصر عند سيدي عبد الوهاب أبي التخصيص كما أخبر عن ذلك وثائق لهم ثم التزموا بحصة بناحية سنبو وارتحلوا إليها وقطنوا بها وبها ولد المترجم وكان مولده في شهر ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائة وألف بإخبار والديه وارتحل معهما إلى مصر وهو ابن تسع سنين وكان قد ختم القرآن فجوده على الشيخ المنير على طريقة الشاطيية والدرة وحبب إليه طلب العلم فأول ما حفظ متن الآجرومية وسمع سائر الصحيح والشفاء على سيدي علي بن العربي السقاط وحضر دروس أعيان عصره واجتهد في التحصيل ولازم دروس الشيخ الصعيدي في الفقه وغيره من كتب المعقول وحضر على السيد البليدي شرح السعد على عقائد النسفي والأربعين النووية وفقع الموطا على هلال المغرب وعالمه الشيخ محمد التاودي بن سودة بالجامع الأزهر سنة وروده بقصد الحج ولازم المرحوم الوالد حسناً الجبرتي سنين وتلقى عنه الفقه الحنفي وغير ذلك من الفنون كالهيئة والهندسة والفلكيات والأوفاق والحكمة عنه وبواسطة تلميذه الشيخ محمد بن إسماعيل النفراوي المالكي وكتب له إجازة مثبتة في برنامج شيوخه وحضر الشيخ يوسف الحفني في آداب البحث وبانت سعاد وعلى الشيخ محمد الحفني أخيه مجالس من الجامع الصغير والشمايل والنجم الغيطي في المولد وعلى الشيخ أحمد الجوهري في شرح الجوهرة للشيخ عبد السلام وسمع منه المسلسل بالأولية وتلقى عنه طريق الشاذلية من سلسلة مولاي عبد الله الشريف وشملته إجازة الشيخ الملوي وتلقى عنه مسائل في أواخر أيام انقطاعه بالمنزل ومهر وأنجب وتصدر لإلقاء الدروس في حياة شيوخه ونما أمره واشتهر فضله خصوصاً بعد موت أشياخه وشاع ذكره في الآفاق وخصوصاً بلاد المغرب وتأتيه الصلات من سلطان المغرب وتلك النواحي في كل عام ووفد عليه الطالبون للأخذ عنه والتلقي منه وتوجه في بعض المقتضبات إلى دار السلطنة وألقى هناك دروساً حضره فيها علماؤهم وشهدوا بفضله واستجازوه وأجازهم بما هو مجاز به من أشياخه وصنف عدة مؤلفات اشتهرت بأيدي الطلبة وهي غاية التحرير منها مصنف في فقه مذهبه سماه المجموع حاذى به مختصر خليل جمع فيه الراجح في المذهب وشرحه شرحاً نفيساً وقد صار كل منهما مقبولاً في أيام شيخه العدوي حتى كان إذا توقف شيخه في موضع يقول هاتوا مختصر الأمير وهي منقبة شريفة وشرح مختصر خليل وحاشية على المغني لابن هشام وحاشية على الشيخ عبد الباقي على المختصر وحاشية على الشيخ عبد السلام على الجوهرة وحاشية على شرح الشذور لابن هشام وحاشية على الأزهرية وحاشية على الشنشوري على الرحبية في الفرائض وحواش على المعراج وحاشية على شرح الملوي على السمرقندية ومؤلف سماه مطلع النيرين فيما يتعلق بالقدرتين وإتحاف الأنس في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس ورفع التلبيس عما يسأل به ابن خميس وثمر الثمام في شرح آداب الفهم والإفهام وحاشية على المجموع وتفسير سورة القدر وكان رحمه الله رقيق القلب لطيف المزاج ينزعج طبعه من غير انزعاج يكاد الوهم يؤلمه وسماع المنافر يوهنه ويسقمه وبآخره ضعفت قواه وتراخت أعضاه وزاد شكواه، ولم يزل يتعلل ويزداد أنينه وتململ والأمراض به تسلسل وداعي المنون عنه لا يتحول إلى أن توفي يوم الإثنين عاشر ذي القعدة الحرام، وكان له مشهد حافل جداً ودفن بالصحراء بجوار مدفن الشيخ عبد الوهاب العفيفي بالقرب من عمارة السلطان قايتباي وكثر عليه الأسف والحزن وخلف ولده العلامة النحرير الشيخ محمداً الأمير وهو الآن أحد الصدور كوالده يقرأ الدروس ويفيد الطلبة ويحضر الدواوين والمجالس العالية بارك الله

(2/486)


فيه..
ومات الشيخ الفقيه العلامة الشيخ خليل المدابغي لكونه يسكن بحارة المدابغ حضر دروس الأشياخ من الطبقة الأولى وحصل الفقه والمعقول واشتهر فضله مع فقره وانجماعه عن الناس متقشفاً متواضعاً ويكتسب من الكتابة بالأجرة، ولم يتجمل بالملابس ولا بزي الفقهاء يظن الجاهل به أنه من جملة العوام توفي يوم الإثنين ثامن عشر ذي القعدة من السنة.
ومات الشيخ الفقيه الورع الشيخ علي المعروف بأبي زكري البولاقي لسكنه ببولاق، وكان ملازماً لإقراء الدروس ببولاق ويأتي إلى الجامع الأزهر في كل يوم يقرأ الدروس ويفيد الطلبة ويرجع إلى بولاق بعد الظهر ومات حماره الذي كان يأتي عليه إلى الجامع الأزهر، فلم يتخلف عن عادته ويأتي ماشياً، ثم يعود مدة حتى أشفق عليه بعض المشفقين من أهالي بولاق واشتروا له حماراً، ولم يزل على حالته وانكساره حتى توفي يوم الخميس ثامن شهر ذي القعدة من السنة رحمه الله وإيانا وجمعنا في مستقر رحمته آمين.
ومات من أكابر الدولة المسمى ولي أفندي ويقال له خواجا وهو كاتب خزينة الباشا وأنشأ الدار العظيمة التي بناحية باب اللوق وأدخل فيها عدة بيوت ودوراً جليلة تجاهها وملاصقة لها من الجهتين وبعضها مطل على البركة المعروفة ببركة أبي الشوارب وتقدم في أخبار العام الماضي أن الباشا صاهره وزوج ابنته لبعض أقارب الباشا الخصيصين به مثل الذي يقال له شريف آغا وآخر وعمل له مهما عظيماً احتفل فيه إلى الغاية وزفة وشنكاً كل ذلك وهو متمرض إلى أن مات في ثاني عشرين ربيع الثاني وضبطت تركته فوجد له كثير من النقود والجواهر والأمتعة وغير ذلك فسبحان الحي الذي لا يموت.
واستهلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف
واستهل المحرم بيوم الإثنين ووالي مصر وحاكمها الوزير محمد علي باشا وهو المتصرف فيها قبليها وبحريها بل والأقطار الحجازية وضواحيها وبيده أزمة الثغور الإسلامية ووزيره محمد بك لاظ المعروف بكتخدا بك وهو قائم مقامه في حال غيابه وحضوره والمتصدر في ديون الأحكام الكلية والجزئية وفصل الخصومات ومباشرة الأحوال نافذ الكلمة وافر الحرمة وآغات الباب إبراهيم آغا ومتولي أيضاً أمر تعديل الأصناف ليوفر على الخزينة ما يأكله المتولي على كل صنف ويخفي أمره فيشدد الفحص في المكيل والموزون والمذروع حتى يستخرج المخبأ ولو قليلاً فيجتمع من القليل الكثير من الأموال فيحاسب المتولي مدة ولايته فيجتمع له ما لا قدرة له على وفاء بعضه لأن ذلك شيء قد استهلك في عدة أيدي أشخاص واتباع ويلزم الكبير بأدائه ويقاسي ما يقاسيه من الحبس والضرب وسلب النعمة ومكابدة الأهوال وسلحدار الباشا سليمان آغا عوضاً عن صالح بك السلحدار لاستعفائه عنها في العام السابق وهو السلط على أخذ الأماكن وهدمها وبنائها خانات ورباعاً وحوانيت فيأتي إلى الجهة التي يختار البناء فيها ويشرع في هدمها ويأتيه أربابها فيعطيهم أثمانها، كما هي في حججهم القديمة وهو شيء نادر بالنسبة لغلو أثمان العقارات في هذا الوقت لعموم التخرب وكثرة العالم وغلاء المؤن وضيق المساكن بأهلها حتى أن المكان الذي كان يؤجر بالقليل صار يؤجر بعشرة أمثال الأجرة القديمة ونحو ذلك ومحمود بك الخازندار وخدمته قبض أموال البلاد والأطيان والرزق وما يتعلق بذلك من الدعاوي والشكاوي وديوانه بخط سويقة اللالا والمعلم غالي كاتب سر الباشا ورئيس الأقباط، وكذلك الدفتردار محمد بك صهر الباشا وحاكم الجهة القبلية والروزنامجي مصطفى أفندي وآغا مستحفظان حسن آغا البهلوان والزعيم علي آغا الشعرواي ومصطفى آغا كرد المحتسب وقد بردت همته عما كان عليه ورجع الحال في قلة الأدهان كالأول وازدحم الناس على معمل الشمع فلا يحصل الطالب منه شيئاً إلا بشق الأنفس، وكذلك انعدم وجود بيض الدجاج لعدم المجلوب ووقوف العسكر ورصدهم من يكون معه شيء منه من الفلاحين الداخلين إلى المدينة من القرى فيأخذونه منهم بدون القيمة حتى بيعت البيضة الواحدة بنصفين وأما المعاملة، فلم يزل أمرها في اضطراب بالزيادة والنقص وتكرار المناداة كل قليل وصرف الريال الفرانسة إلى أربعمائة نصف فضة والمحبوب إلى أربعمائة وثمانين والبندقي إلى تسعمائة نصف والمجر إلى ثمانمائة نصف وأما هذه الأنصاف العددية التي تذكر فهي أسماء لا وجود لمسمياتها في الأيدي.

(2/487)


وفي ثاني عشره، سافر الباشا إلى جهة الإسكندرية لمحاسبة الشركاء والنظر في بيع الغلال والمتاجر والمراسلات.
وفي تاسع عشره، ارتحلت عساكر أتراك ومغاربة مجردة إلى الحجاز.
واستهل شهر صفر بيوم الأربعاء سنة 1233
في ثالث عشره وصل الكثير من حجاج المغاربة.
وفي يوم الجمعة، سابع عشره وصل جاويش الحاج وفي ذلك اليوم وقت العصر ضربوا عدة مدافع من القلعة لبشارة وصلت من إبراهيم باشا بأنه حصلت له نصرة وملك بلدة من بلاد الوهابية وقبض على أميرها ويسمى عتيبة وهو طاعن في السن.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشرينه، وصل ركب الحاج المصري والمحمل وأمير الحاج من الدلاة.
واستهل شهر ربيع الأول بيوم الجمعة سنة 1233
فيه وصل قابجي من دار السلطنة فعملوا له موكباً وطلع إلى القلعة وضربوا له شنكاً سبعة أيام وهي مدافع تضرب في كل وقت من الأوقات الخمسة.
وفي هذا الشهر انعدم وجود القناديل الزجاج وبيع القنديل الواحد الذي كان ثمنه خمسة أنصاف بستين نصفاً إذا وجد.
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم السبت سنة 1233
ووفقه أيضاً أول أمشير القبطي.
وفي منتصفه سافر أولاد سلطان المغرب والكثير من حجاج المغاربة وكانوا في غاية الكثرة بحيث ازدحمت منهم أسواق المدينة وبولاق وما بينهما من جميع الطرق فكانوا يشترون الأغنام من الفلاحين ويذبحونها ويبيعوها على الناس جزافاً من غير وزن بعد أن يتركوا لأنفسهم مقدار حاجتهم فذهب الكثير لشراء منهم بسبب رداءة اللحم الموجود بحوانيت الجزارين ولو وقف عليهم بالثمن الزائد.
وفي أواخره، حضر مبشر من ناحية الديار الحجازية يخبر بنصرة حصلت لإبراهيم باشا وأنه استولى على بلدة تسمى الشقراء وأن عبد الله بن مسعود كان بها فخرج منها هارباً إلى الدرعية ليلاً وأن بين عسكر الأتراك والدرعيين مسافة يومين، فلما وصل هذا المبشر ضربوا لقدومه مدافع من أبراج القلعة وذلك وقت الغروب من يوم الأربعاء سادس عشرينه.
واستهل شهر جمادى الأولى بيوم الأحد سنة 1233
فيه نودي على طائفة المخالفين للملة من الأقباط والأروام بأن يلزموا زيهم من الأزرق والأسود ولا يلبسوا العمائم البيض لأنهم خرجوا عن الحد في كل شيء ويتعممون بالشيلان الكشميري الملونة والغالية في الثمن ويركبون الرهوانات والبغال والخيول وأمامهم وخلفهم الخدم بأديدهم العصي يطردون الناس عن طريقهم ولا يظن الرائي لهم إلا أنهم من أعيان الدولة ويلبسون الأسلحة وتخرج الطائفة منهم إلى الخلاء ويعملون لهم نشنباً يضربون عليه بالبنادق الرصاص وغير ذلك فما أحسن هذا النهي لو دام.
وفي يوم السبت حادي عشرينه، حضر الباشا من غيبته بالإسكندرية أواخر النهار فضربوا لقدومه مدافع فبات بقصر شبرا وطلع في صبحها إلى القلعة فضربوا بها مدافع أيضاً فكانت مدة غيبته بالإسكندرية أربعة أشهر وتسعة أيام.
وفي أواخره، وصل هجان من شرق الحجاز ببشارة بأن إبراهيم باشا استولى على بلد كبير من بلاد الوهابية، ولم يبق بينه وبين الدرعية إلا ثمان عشرة ساعة فضربوا شنكاً ومدافع.
وفيه وصل هجان من حسن باشا الذي بجدة بمراسلة يخبر فيها بعصيان الشريف حمود بناحية يمن الحجاز وأنه حاصر من بتلك النواحي من العساكر وقتلهم ولم ينج منهم إلا القليل وهو من فر على جوائد الخيل.
ووقع فيه أيضاً الاهتمام في تجريد عساكر للسفر وأرسل الباشا بطلب خليل باشا للحضور من ناحية بحري هو وخلافه وحصل الأمر بقراءة صحيح البخاري بالأزهر فقرئ يومين وفرق على مجاوري الأزهر عشرة أكياس وكذلك فرقت دراهم على أولاد المكاتب.
واستهل شهر جمادى الثانية سنة 1233
في منتصفه ليلة الثلاثاء حصل خسوف للقمر في سادس ساعة من الليل وكان المنخسف منه مقدار النصف وحصل الأمر أيضاً بقراءة صحيح البخاري بالأزهر.
وفيه ورد الخبر بموت الشريف حمود وأنه أصيب بجراحة مات بها.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرينه، حصل كسوف للشمس في ثالث ساعة من النهار وكان المنكسف منها مقدار الثلث.
وفي ذلك اليوم، ضربت مدافع لوصول بشارة من إبراهيم باشا بأنه ملك جانباً من الدرعية وأن الوهابية محصورون وهو ومن معه من العربان محيطون بهم.
واستهل شهر شعبان سنة 1233

(2/488)


فيه حضر خليل باشا وحسين بك دالي باشا من الجهة البحرية ونزلوا بدورهم.
واستهل شهر رمضان بيوم الأحد سنة 1233
في منتصفه وصل نجاب وأخبر بأن إبراهيم باشا ركب إلى جهة من نواحي الدرعية لأمر يبتغيه وترك عرضيه فاغتنم الوهابية غيابه وكبسوا على العرضي على حين غفلة وقتلوا من العساكر عدة وافرة وأحرقوا الجبخانه فعند ذلك قوي الاهتمام وارتحل جملة من العساكر في دفعات ثلاث براً وبحراً يتلو بعضهم بعضاً في شعبان ورمضان وبرز عرضي خليل باشا إلى خارج باب النصر وترددوا في الخروج والدخول واستباحوا القطر في رمضان بحجة السفر فيجلس الكثير منهم بالأسواق يأكلون ويشربون ويمرون بالشوارع وبأيديهم أقصاب للدخان والتتن من غير احتشام ولا احترام لشهر الصوم وفي اعتقادهم الخروج بقصد الجهاد وغزو الكفار المخالفين لدين الإسلام وانقضى شهر الصوم والباشا متكدر الخاطر ومتقلق.
واستهل شهر شوال بيوم الاثنين سنة 1233
وكان هلاله عسر الرؤية جداً فحضر جماعة من الأتراك إلى المحكمة وشهدوا برؤيته.
وفي ذلك اليوم الموافق لثامن عشرة شهر أبيب القبطي أوفى النيل أذرعه فأخروا فتح سد الخليج ثلاثة أيام العيد ونودي بالوفاء يوم الأربعاء وحصل الجمع يوم الخميس رابعه وحضر فتح الخليج كتخدا بك والقاضي ومن له عادة بالحضور فكان جمعاً وازدحاماً عظيماً من أخلاط العالم في جهة السد والروضة تلك الليلة واشتغلت النار في الحريقة واحترق فيها أشخاص ومات بعضهم.
وفي سادسه يوم السبت، خرج خليل باشا المعين إلى السفر في موكب وشق من وسط المدينة وخرج من باب النصر وعطف على باب الفتوح ورجع إلى داره في قلة من أتباعه في طريقه التي خرج منها.
وفيه، انتدب مصطفى آغا المحتسب ونادى في المدينة ويأمر الناس بقطع أراضي الطرقات والأزقة حتى العطف والحارات الغير النافذة فأخذ أرباب الحوانيت والبيوت يعملون بأنفسهم في قطع الأرض والحفر ونقل الأتربة وحملها من خوفهم من أذيته ولعدم الفعلة والأجراء واشتغال حمير الترابين باستعمالهم في عمائر أهل الدولة فلو كان الاهتمام في قطع أرض الخليج الذي يجري به الماء فإنه لم تقطع أرضه وينقطع جريانه في أيام قليلة لعلو أرضه من الطمي وبما يتهدم عليه من الدور القديمة وما يلقيه على ذلك بهذه الفعلة إلقاء ما يحفرونه وينقلونه من أتربة الأزقة والبيوت القديمة منه فيه ليلاً ونهاراً.
وفي ثامنه، ارتحل خليل باشا مسافراً إلى الحجاز من القلزم وعساكره الخيالة على طريق البر.
وفي يوم السبت ثالث عشره، نزلوا بكسوة الكعبة إلى المشهد الحسيني على العادة.
وفي يوم الاثنين ثاني عشرينه، عمل الموكب لأمير الحاج وهو حسين بك دالي باشا وخرج بالمحمل خارج باب النصر تجاه الهمائل ثم انتقل في يوم الأربعاء إلى البركة وارتحل منها يوم الاثنين تاسع عشرينه وسافر الكثير من الحجاج وأكثر فلاحي القرى والصعايدة ومن باقي الأجناس مثل المغاربة والقرمان والأتراك أنفار قليلة.
وفي ذلك اليوم، وصل قبجي وعلى يده تقرير لحضرة الباشا على السنة الجديدة وطلع إلى القلعة في موكب وقرئ التقرير بحضرة الجمع وضربت مدافع كثيرة وكذلك وصل قابجي صحبته فرمان بشارة بمولود ولد لحضرة السلطان فعمل له شنك ومدافع ثلاثة أيام في الأوقات الخمسة وذلك في منتصفه.
واستهل شهر ذي القعدة بيوم الأربعاء سنة 1233
وانقضى والباشا منفعل الخاطر لتأخر الأخبار وطول الانتظار وكل قليل يأمر بقراءة صحيح البخاري بالأزهر ويفرق على صغار المكاتب والفقراء دراهم ولضيق صدره واشتغال فكره لا يستقر بمكان فيقيم بالقلعة قليلاً ثم ينتقل إلى قصر شبرا ثم إلى قصر الآثار ثم الأزبكية ثم الجيزة وهكذا.
واستهل شهر ذي الحجة الحرام بيوم الجمعة 1233
في سابعه، وردت بشائر من شرق الحجاز بمراسلة من عثمان آغا الورداني أمير الينبع بأن إبراهيم باشا استولى على الدرعية والوهابية فانسر الباشا لهذا الخبر سروراً عظيماً وانجلى عنه الضجر والقلق وأنعم على المبشر وعند ذلك ضربوا مدافع كثيرة من القلعة والجيزة وبولاق والأزبكية وانتشر المبشرون على بيوت الأعيان لأخذ البقاشيش.

(2/489)


وفي ثاني عشره، وصل المرسوم بمكاتبات من السويس والينبع وذلك قبل العصر فأكثروا من ضرب المدافع من كل جهة واستمر الضرب من العصر إلى المغرب بحيث ضرب بالقلعة خاصة ألف مدفع وصادف ذلك شنك أيام العيد وعند ذلك أمر بعمل مهرجان وزينة داخل المدينة وخارجها وبولاق ومصر القديمة والجيزة وشنك على بحر النيل تجاه الترسخانه ببولاق من النجارين والخراطين والحدادين وتقيد لذلك أمين أفندي المعمار وشرعوا في العمل وحضر كشاف النواحي والأقاليم بعساكرهم وأخرجوا الخيام والصواوين والوطاقات خارج باب النصر وباب الفتوح وذلك يوم الثلاثاء سادس عشرينه ونودي بالزينة وأولها الأربعاء فشرع الناس في زينة الحوانيت والخانات وأبواب الدور ووقود القناديل والسهر وأظهروا الفرح والملاعيب كل ذلك مع ما الناس فيه من ضيق الحال والكد في تحصيل أسباب المعاش وعدم ما يسرجون به من الزيت والشيرج والزيت الحار وكذا السمن فإنه شح وجوده ولا يوجد منه إلا القليل عند بعض الزياتين ولا يبيع الزيات زيادة عن الأوقية وكذلك اللحم لا يوجد منه إلا ما كان في غاية الرداءة من لحم النعاج الهزيل وامتنع أيضاً وجود القمح بالساحل وعرصات الغلة حتى الخبز امتنع وجوده بالأسواق ولما أنهي الأمر إلى من لهم ولاية الأمر فأخرجوا من شون الباشا مقداراً ليباع في الرقع وقد أكلها السوس ولا يباع منها أزيد من الكيلة أكثرها مسوس وكذلك لما شكا الناس من عدم ما يسرج به في القناديل أطلقوا للزياتين مقدار من الشيرج في كل يوم يباع في الناس لوقود الزينة وفي كل يوم يطوف المنادي ويكرر المناداة بالشوارع على الناس بالسهر والوقود والزينة وعدم غاق الحوانيت ليلاً ونهاراً وانقضى العام بحوادثه ومعظمها مستمر.
فمنها، وهو أعظمها شدة الأذية والضيق خصوصاً بذوي البيوت والمساتير من الناس بسبب قطع إيرادهم وأرزاقهم من الفائظ والجامكية السائرة والرزق الأحباسية وضبط الأنوال التي تقدم ذكرها وكان يتعيش منها ألوف من العالم ولما اشتد الضنك بالملتزمين وتكرر عرضحالهم فأمر لهم بصرف الثلث وتحول المصرفجي على بعض الجهات فكان كلما اجتمع لديه قدر يلحقه الطلب بحوالة من لوازم عساكر السفر المجردين وانقضى العام وأكثر الناس لم يحصل على شيء وذلك لكثرة المصاريف والإرساليات من الذخائر والغلال والمؤن وخزائن المال من أصناف خصوص الريال الفرانسه والذهب البندقي ولمحبوب الإسلامي بالأحمال وهي الأصناف الرائجة بتلك النواحي وأما القروش فلا رواج لها إلا بمصر وضواحيها فقط أخبرني أحد أعيان كتاب الخزينة عن أجرة حمل الذخيرة على جمال العرب خاصة في مرة من المرات خمسة وأربعين ألف فرانسه وذلك من الينبع إلى المدينة حساباً عن أجرة كل بعير ستة فرانسه يدفع نصفها أمير الينبع والنصف الأخير يدفعه أمير المدينة عند وصول ذلك ثم من المدينة إلى الدرعية ما يبلغ المائة والأربعين ألف فرانسه وهو شيء مستمر التكرر والبعوث ويحتاج إلى كنوز قارون وهامان وإكسير جابر بن حيان.
ومنها، العمارة التي أمر بإنشائها الباشا المشار إليه بين السورين وحارة النصارى المعروفة بخميس العدس المتوصل منها إلى جهة الخرنفش وذلك بإشارة أكابر نصارى الإفرنج ليجتمع بها أرباب الصنائع الواصلون من بلاد الإفرنج وغيرهم وهي عمارة عظيمة ابتدؤا فيها ممن العام الماضي واستمروا مدة في صناعة الآلات الأصولية التي يصطنع بها اللوازم مثل السندالات والمخارط للحديد والقواديم والمناشير والتزجات ونحو ذلك وأفردوا لكل حرفة وصناعة مكاناً وصناعاً يحتوي المكان على الأنوال والدواليب والآلات الغريبة الوضع والتركيب لصناعة القطن وأنواع الحرير والأقمشة والمقصبات.
وفي أواخر هذا العام، جمعوا مشايخ الحارات وألزموهم بجمع أربعة آلاف غلام من ألاد البلد ليشتغلوا تحت أيدي الصناع ويتعلموا ويأخذوا أجرة يومية ويرجعوا لأهاليهم أواخر النهار فمنهم من يكون له القرش والقرشان والثلاثة بحسب الصناعة وما يناسبها وربما احتيج إلى نحو العشرة آلاف غلام بعد إتمامها والمحتاج إليه في هذا الوقت القدر المذكور وهي كرخانه عظيمة صرف عليها مقادير عظيمة من الأموال.

(2/490)


ومنها أنه ظهر بأراضي الأرز بالبحر الشرقي ناحية دمياط حيوان يخرج من البحر الشرقي في قدر الجاموس العظيم ولونه فيرعى الفدان من الزرع ثم يتقايا أكثره وكان ظهوره من العام الماضي فيجتمع عليه الكثير من أهل الناحية ويرجمونه بالحجارة ويضربون عليه بنادق الرصاص فلا تؤثر في جلده ويهرب إلى البحر واتفق أنه ابتلع رجلاً إلى أن أصيب في عينه وسقط وتكاثر عليه وقتلوه وسلخوا جلده وحشوه تبناً وأتوا به إلى بولاق وتفرج عليه الباشا والناس وأخبرني غير واحد ممن رآه أنه أعظم من الجاموس الكبير طوله ثلاثة عشر قدماً ولونه وجلده أملس ورأسه عظيم يشبه رأس ابن عرس وعيناه في أعلى دماغه واسع الفم وذنبه مثل ذنب السمك وأرجله غلاظ مثل أرجل الفيل في أواخرها أربع ظلوف طوال وأسفلها كخف الجمل وأدخلوه إلى بيت الإفرنج وأنعم به الباشا على بغوص الترجمان الأرمني وهو يبيعه على الإفرنج بثمن كبير.
ومنها، أن امرأة يقال لها الشيخة رقية تتزر بمئزر أبيض وبيدها خيزرانة وسبحة تطوف على بيوت الأعيان وتقرأ وتصلي وتذكر على السبحة ونساء الأكابر يعتقدون فيها الصلاح ويسألن منها الدعاء وكذلك الرجال حتى بعض الفقهاء وتجتمع على الشيخ العالم المعتقد الشيخ تعيلب الضرير ويكثر من مدحها للناس فيزدادون فيها اعتقاداً ولها بمنزل خليل بك طوقان النابلسي مكان مفرد تأوي إليه على حدتها وإذا دخلت بيتاً من البيوت قام إليها الخدم واستقبلوها بقولهم نهارنا سعيد ومبارك ونحو ذلك وإذا دخلت على الستات قمن إليها وفرحن بقدومها وقبلن يدها وتبيت معهن ومع الجواري فذهبت يوماً إلى دار الشيخ عبد العليم الفيومي وذلك في شهر شوال فتمرضت أياماً وماتت فضجوا وتأسفوا عليها وأحبوا تغيير ما عليها من الثياب فرأوا شيئاً معجر ما بين أفخاذها فظنوه صرة دراهم وإذا هو آلة الرجال الخصيتان والذي فوقهما فبهت النساء وتعجبن وأخبروا الشيخ تعيلب بذلك فقال استروا هذا الأمر وغسلوه وكفنوه وواروه في التراب ووجدوا في جيبه مرآة وموسى وملقاطاً وشاع أمره واشتهر وتناقله الناس بالتحدث والتعجب.
ومنها، زيادة النيل في هذا العام الزيادة المفرطة التي لم تسمع ولم نر مثلها حتى غرق الزروع الصيفية مثل الذرة والنيلة والسمسم والقصب والأرز وأكثر الجنائن بحيث صار البحر وسواحله والملق لجة ماء وانهدم بسببه قرى كثيرة وغرق الكثير من الناس والحيوان حتى كان الماء ينبع بين الناس من وسط الدور واختلط بحر الجيزة ببحر مصر العتيقة حتى كانت المراكب تمشي فوق جزيرة الروضة وكثر عويل الفلاحين وصراخهم على ما غرق لهم من المزارع وخصوصاً الذرة الذي هو معظم قوتهم وكثير من أهل البلاد ندبوا بالدفوف.
ومنها، أن الباشا زاد في هذه السنة الخراج وجعل على كل فدان ستة قروش وسبعة وثمانية وذكر أنها مساعدة على حروب الحجاز والخوارج فدهي الفلاحون بهاتين الداهيتين وهي زيادة النيل وزيادة الخراج في غير وقت وأوان فإن من عادة الفلاحين وأهل القرى إذا انقضت أيام الحصاد والدراوي وشطبوا ما عليهم من مال الخراج لملتزميهم ويكون ذلك مبادي زيادة النيل وارتفع عنهم الطلب وارتحلت كشاف النواحي وقائمقام الملتزمين والصيارف والعينون وخلت النواحي منهم فعند ذلك ترتاح نفوسهم وتجتمع حواسهم ويعملون أعراسهم ويجدون ملبوسهم ويزوجون بناتهم ويختنون صبيانهم ويشيدون بنيانهم ويصلحون جسورهم وحبوسهم فإذا أخذ النيل في الزيادة شرعوا في زراعة الصيفي الذي هو معظم قوتهم وكسبهم حتى إذا انحسر الماء وانكشفت الأراضي وآن أوان التحضير وزراعة الشتوي من البرسيم والغلة وجدوا ما يسدون به مال التجهية وما يرقعون به أحوالهم من بهائم الحرث ومحاريث وتقاوي وأجر عمال ونحو ذلك فدهموا هذه السنة بهاتين الآفتين الأرضية والسماوية ورحل الكثير عن أهله ووطنه وكان ابتداء طلب هذه الزياجة قبل زيادة النيل ومجيء خبر النصرة فلما ورد خبر النصرة لم يرتفع ذلك.

(2/491)


ومنها، الاضطراب في المعاملة بالزيادة والنقص والمناداة عليها كل قليل والتنكيل والترك وبلغ الصرف البندقي ثمانمائة وثمانين نصفاً فضة والفرانسة أربعمائة نصف وعشرة والمحبوب أربعمائة وأربعين وهو المصري وأما الإسلامبولي فيزيد أربعين والمجر ثمانمائة نصف وأما هذه الأنصاف وهي الفضة العددية فهي أسماء من غير مسميات لمنعها واحتكارها فلا يوجد منها في المعاملة بأديد الناس إلا النادر جداً ولا يوجد بالأيدي في محقرات الأشياء وغيرها إلا المجزأ بالخمسة والعشرة والعشرين وتصرف من اليهود والصيارف بالفرط والنقص ومن حصل بيده شيء من الأنصاف عض عليه بالنواجذ ولا يسمح بإخراج شيء منها إلا عند شدة الاضطرار اللازم.
ومنها، أن السيد محمد المحروقي أنشأ ببركة الرطلي دار وبستاناً في محل الأماكن التي تخربت في الحوادث وذلك أنه لما طرقت الفرنساوية الديار المصرية واختل النظام وجلا أكثر الناس عن أوطانهم وخصوصاً سكان الأطراف فبقيت دور البركة خالية من السكان وكان بها عدة من الديار الجليلة منها حسن كتخدا الشعراوي وتابعه عمر جاويش وداره على سمته أيضاً ودار علي كتخدا الخربطلي ودار قاضي البهار ودار سليمان آغا ودار الحموي وخلاف ذلك دور كانت جارية في وقف عثمان كتخدا القازدغلي وغيره وهذه الدور هي التي أدركناها بل سكنا بها عدة سنين وكانت في الزمن الأول عدة دور مختصرة يسكنها أهل الرفاهية من أهالي البلد وكان بها بيت البكرية القديم بالناحية الجنوبية تجاه زاوية جدهم الشيخ جلال الدين البكري وكان الناس يرغبون في سكناها لطيب هوائها وانكشاف الريح البحري بها وليس في تجاهها من البر الآخر سوى الأشجار والمزارع ويعبرها المراكب والسفائن والقنج في أيام النيل بالمتفرجين والمتنزهين وأهل الخلاعة بمزامرهم ومغانيهم ولصدى أصواتهم المطربة طرب آخر فلما انقشع عنها السكان تداعت الدور إلى الخراب وبقيت مسكناً للبوم والغراب مدة إقامة الفرنساوية فلما حضر يوسف باشا الوزير في المرة الأولى وذلك سنة أربع عشرة ومائتين وألف وانتقض الصلح بينه وبين الفرنساوية وحصلت المفاقمة ووقعت الحروب داخل البلدة واحتاطت الفرنساوية بجهات البلد وجرى ما تقدم ذكره في الحوادث السابقة وكان طائفة من الفرنساوية أتوا إلى هذه البركة وملكوا التل المعروف بتل أبو الريش وأخذوا يرمون بالمدافع والقنابر على أهل باب الشعرية وتلك النواحي فما انجلت الحروب حتى خربت بيوت البركة وما كان بتلك النواحي من الدور التي بظاهرها وبقيت كيماناً فحسن ببال السيد المذكور أن يجعل له سكناً هناك فاحتكر أراضي تلك المساكن من أربابها من مدة سابقة ثم تكاسل عن ذلك واشتغل بتوسعة دار سكنه التي بخطة الفحامين محل دكة الحسبة القديمة حتى أتمها على الوضع الذي قصده ثم شرع في السنة الماضية في إنشاء سكن لخصوص نزاهته فشرع في تنظيف الأتربة وإصلاح الأرض وأنشأ دار متسعة وقيعاناً وفسحات وهي مفروشة بالرخام وحولها بستان وغرس به أنواع الأشجار ودوالي الكروم وهي بمكان حسن كتخدا ومن كان على سمته من الدور نحو الثلاثين وأنشأ كاتبه السيد عمر الحسيني داراً عظيمة لخصوصه أخذ فيها باقي أراضي الأماكن وزخرفها وانتقل إليها بأهله وعياله وجعلها داراً لسكناه صيفاً وشتاء وبنيا خارج ظاهرها حائطاً يكون لدورهما سوراً وعملا بها بوابة تفتح وتقفل وكان بجوار ذلك جامع متخرب يسمى جامع الحريشي فعمره أيضاً السيد محمد المحروقي وأقام حوائطه وأعمدته وسقفه وبيضه وأقام الخطبة آخر جمعة شهر المحرم، وأما من مات في هذه السنة، ممن له ذكر.

(2/492)


فمات، شيخ الإسلام وعمدة الأنام الفقيه العلامة والنحرير الفهامة الشيخ محمد الشنواني نسبة إلى شنوان الغرف الشافعي الأزهري شيخ الجامع الأزهر من أهل الطبقة الثانية الفقيه النحوي المعقولي حضر الأشياخ أجلهم الشيخ فارس وكالصعيد والدردير والفرماوي وتفقه على الشيخ عيسى البراوي ولازم دروسه وبه تخرج وأقرأ الدروس وأفاد الطلبة بالجامع المعروف بالفاكهاني بالقرب من دار سكناه بخشقدم مهذب النفس مع التواضع والانكسار والبشاشة لكل واحد من الناس ويشمر ثيابه ويخدم بنفسه ويكنس الجامع ويسرج القناديل ولما توفي الشيخ عبد الله الشرقاوي اختاروه للمشيخة فامتنع وهرب إلى مصر العتيقة بعدما جرى ما تقدم ذكره من تصدر الشيخ محمد المهدي فأحضروه قهراً عنه وتلبس بالمشيخة مع ملازمته لجامع الفاكهاني كعادته وأقبلت عليه الدنيا فلم يتهنأ بها واعترته الأمراض وتعلل بالزخير أشهراً ثم عوفي ثم بآخره بالبرودة وانقطع بالدار كذلك أشهراً ولم يزل منقطعاً حتى توفي يوم الأربعاء رابع عشري المحرم وصلي عليه بالأزهر في مشهد عظيم ودفن بتربة المجاورين وله تآليف منها حاشية جليلة على شرح الشيخ عبد السلام علي الجوهرة مشهورة بأيدي الطلبة وكان يجيد حفظ القرآن ويقرأ مع فقهاء الجوقة في الليالي، وتقلد المشيخة بعده الشيخ العلامة السيد محمد ابن شيخنا الشيخ أحمد العروسي من غير منازع وبإجماع أهل الوقت ولبس الخلع من بيوت الأعيان مثل البكري والسادات وباقي أصحاب المظاهر ومن يحب التظاهر.

(2/493)


ومات، العمدة الشيخ محمد بن أحمد بن محمد المعروف هو بالدواخلي الشافعي ويقال له السيد محمد لأن أباه تزوج بفاطمة بنت السيد عبد الوهاب البرديني فولد له المترجم منها ومنها جاءه الشرف وهم من محلة الداخل بالغربية وولد المترجم بمصر وتربى في حجر أبيه وحفظ القرآن واجتهد في طلب العلم وحضر الأشياخ من أهل وقته كالشيخ محمد عرفة الدسوقي والشيخ مصطفى الصاوي وخلافه من أشياخ هذا العصر ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي في فقه مذهبه وغيره من العقولات ملازمة كلية وانتسب له وصار من أخص تلامذته ولما مات السيد مصطفى الدمنهوري الذي كان بمنزلة كتخداه قام مقامه واشتهر به وأقرأ الدروس الفقهية والمعقولية وحف به الطلبة وتداخل في قضايا الدعاوي والمصالح بين الناس واشتهر ذكره وخصوصاً أيام الفرنساوية حين تقلد شيخه رآسة ديوانهم وانتفع في أيامهم انتفاعاً عظيماً من تصديه لقضايا نساء الأمراء المصرية وغيرهم ومات والده فأحرز ميراثه وكذلك لما قتل عديله الحاج مصطفى البشتيلي في الحرابة ببولاق لا عن وارث فاستولى على تعلقاته وأطيانه وبستانه التي ببشتيل واتسع حاله واشترى العبيد والجواري والخدم ولما ارتحل الفرنساوية ودخلها العثمانيون انطوى إلى السيد أحمد المحروقي لأنه كان يراسله سراً بالأخبار حين خرج مع العثمانيين في الكسرة إلى الشام فلما رجع فراعاه وراشاه ونوه بذكره عند أهل الدولة وفي أيام الأمراء المصريين حين رجعوا إلى مصر بعد قتل طاهر باشا في سنة ثمان عشرة واحتوى على رزق وأطيان وحصص التزام ولبس الفراوي بالأقية وركب البغال وأحدق به الأشياخ والأتباع وعنده ميل عظيم للتقدم والرياسة ولا يقنع بالكثير ولما وقع ما وقع في ولاية محمد علي باشا وانفرد السيد عمر أفنجي في الرياسة وصار بيده مقاليد الأمور ازداد به الحسد فكان هو من أكبر الساعين عليه سراً مع المهدي وباقي الأشياخ حتى أوقعوا به وأخرجه الباشا من مصر كما تقدم فعند ذلك صفا لهم الوقت وتقلد المترجم النقابة بعد موت الشيخ محمد بن وفأ وركب الخيول ولبس التاج الكبير ومشت أمامه الجاويشية والمقدمون وأرباب الخدم وازدحم بيته بأرباب الدعاوي والشكاوي وعمر دار سكنهم القديمة بكفر الطماعين وأدخل فيها دوراً وأنشأ تجاهها مسجداً لطيفاً وجعل فيه منبراً وخطبة وعمر داراً ببركة جناق وأسكنها إحدى زوجاته وداخله الغرور وظن أن الوقت قد صفا له فأول ما ابتدأه به الدهر من نكباته أن مات ولده أحمد وكان قد ناهز البلوغ ولم يكن له من الأولاد الذكور غيره فوجد عليه وجداً شديداً حتى كان يتكلم بكلام نقمه الناس عليه وعمل ميتماً ودفنه بمسجده تجاه بيته وعمل عليه مقاماً ومقصورة مثل المقامات التي تقصد للزيارة وكان موته في منتصف سنة تسع وعشرين ووقعت حادثة قومة العسكر على الباشا في أواخر شهر شعبان من السنة المذكورة والمترجم إذ ذاك من أعيان الرؤوس يطلع وينزل في كل ليلة إلى القلعة ويشار إليه ويحل ويعقد في قضايا الناس ويسترسل معه الباشا، كما تقدم ذكر ذلك وداخله الغرور الزائد ولقد تطاول على كبار الكتبة الأقباط وغيرهم ويراجع الباشا في مطالبه بعد انقضاء الفتنة إلى أن ضاق صدر الباشا منه وأمر بإخراجه ونفيه إلى دسوق وذلك في سنة إحدى وثلاثين فأقام بها أشهراً، ثم توجه بشفاعة السيد المحروقي إلى المحلة الكبرى، فلم يزل بها متقلق الحواس منحرف المزاج متكدر الطبع وكل قليل يراسل اليد المحروقي في أن يشفع فيه عند الباشا ليأذن له في الحج مرة يحتج بالمرض ليموت في داره، فلم يؤذن له في شيء من ذلك، ولم يزل بالمحلة حتى توفي في منتصف شهر ربيع الأول من السنة ودفن هناك، وكان رحمه الله يميل إلى الرياسة طبعاً وفيد حدة مزاج وهي التي كانت سبباً لموته بأجله رحمه الله تعالى وإيانا.

(2/494)


ومات الصدر المعظم والدستور المكرم الوزير طاهر باشا ويقال أنه ابن أخت محمد علي باشا وكان ناظراً على ديوان الكمرك ببولاق وعلى الخمامير ومصارفه من ذلك وشرع في عمارة داره التي بالأزبكية بجوار بيت الشرايبي تجاه جامع أزبك على طرف الميري وهي في الأصل بيت المدني ومحمود حسن واحترق منه جانب، ثم هدم أكثرهما وخرج بالجدار إلى الرحبة وأخذ منها جانباً وأخل فيه بيت رضوان كتخدا الذي يقال له ثلاثة ولية تسمية له باسم العامودين الرخام الملتفين على مكسلتي الباب الخارج وشيد البناء بخرجات في العلو متعددة وجعل بابه مثل باب القلعة ووضع في جهتيه العامودين المذكورين وصارت الدار كأنها قلعة مشيدة في غاية من الفخامة فما هو إلا أن قارب الإتمام وقد اعتراه المرض فسافر إلى الإسكندرية بقصد تبديل الهواء فأقام هناك أياماً وتوفي في شهر جمادى الثانية وأحضروا رمته في أواخر الشهر ودفنوه بمدفنه الذي بناه محل بيت الزعفراني بجوار السيدة بقناطر السباع وترك ابناً مراهقاً فأبقاه الباشا على منصب أبيه ونظامه وداره.
ومات الأمير أيوب كتخدا الفلاح وهو مملوك الأمير مصطفى جاويش تابع صلاح الفلاح وكان آخر الأعيان المبجلين من جماعة الفلاح المشهورين وله عزوة وأتباع وبيته مفتوح للواردين ويحب العلماء والصلحاء ويتأدب معهم وكان الباشا يجله ويقبل شفاعته وكذلك أكابر الدولة في كل عصر وعلى كل حال كان لا بأس به توفي يوم الأربعاء لعشرين من شهر شعبان وقد جاوز سبعين رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف
واستهل المحرم بيوم السبت وسلطان الإسلام السلطان محمود شاه ابن عبد الحميد بدار سلطنته إسلامبول وولي مصر وحاكمها محمد علي باشا القوللي وكتخداه وباقي أرباب المناصب على حالهم وما هم عليه في العام الماضي.

(2/495)


ووردت الأخبار من شرق الحجاز والبشائر بنصرة حضرة إبراهيم باشا على الوهابية قبل استهلال السنة بأربعة أيام، فعند ذلك نودي بزينة المدينة سبعة أيام أولها الأربعاء سابع عشري الحجة ونصبت الصواوين خارج باب النصر عند الهمايل، وكذلك صيوان الباشا وباقي الأمراء والأعيان خرجوا بأسرهم لعمل الشنك والحرائق وأخرجوا من المدافع مائة مدفع وعشرة وتماثيل وقلاعاً وسواقي وسواريخ وصوراً من بارود وبدءوا في عمل الشنك من يوم الأربعاء فيضربون بالمدافع مع رماحة الخيالة من أول النهار مقدار ساعة زامنية وربع قريباً من عشرين درجة ضرباً متتابعاً لا يتخلله سكون على طريقة الإفرنج في الحروب بحيث أنهم يضربون المدفع الواحد اثنتي عشرة مرة وقيل أربع عشرة مرة في دقيقة واحدة فعلى هذا الحساب يزيد ضرب المدافع في تلك المدة على ثمانين ألف مدفع بحيث يتخيل الإنسان أصواتها مع أصوات بنادق الخيالة المترمحين رعوداً هائلة ورتبوا المدافع أربعة صفوف ورسم الباشا أن الخيالة ينقسمون كذلك طوابير ويكمنون في الأعالي، ثم ينزلون مترامحين وهم يضربون بالبنادق ويهجمون على المدافع في حال اندفاعها بالرمي فمن خطف شيئاً من أدوات الطبجية الرماة يأتي به إلى الباشا ويعطيه البقشيش والأناعم، فمات بسبب ذلك أشخاص وسواس ويكون مبادئ نهاية وقوف الخيالة نهاية محط جلة المدفع فإنهم عند طلوع الفجر يضربون مدافع معمورة بالجلل بعدد الطوابير فتستعد الخيالة ويقف كل طابور عند مرمى جلته ويأخذون أهبتهم من ذلك الوقت إلى بعد شروق الشمس ويبتدؤن في الرمي والرماحة الحصة المذكورة وبعد العشاء خيرة لا يعمل كذلك الشنك برمي المدافع المتتالية المختلطة أصواتها بدون الرماحة ومع المدافع الحراقة والنفوط والسواريخ التي تصعد في الهواء وفيها من خشب الزان بدل القصب وكرنجة بارودها أعظم من تلك بحيث أنها تصعد من الأسفل إلى العلو مثل عامود النار وأشياء أخر لم يسبق نظائرها تفنن في عملها الإفرنج وغيرهم وحول محل الحراقة حلقة دائرة متسعة حولها ألوف من المشاعل الموقدة وطلبوا لعمل أكياس بارود المدافع مائتي ألف ذراع من القماش البز وكان راتب الأرز الذي يطبخ في القزانات في عراضي العساكر في كل يوم أربعمائة أردب وما يتبعها من السمن وهذا خلاف مطابخ الأعيان وما يأتيهم من بيوتهم من تعابي الأطعمة وغيرها واستمر هذا الضرب والشنك إلى يوم الثلاثاء رابع المحرم وأهل البلد ملازمون للسهر والزينة على الحوانيت والدور ليلاً ونهاراً وتكرار المناداة عليهم في كل يوم وركب حضرة الباشا وتوجه إلى داره بالأزبكية وهدمت الصواوين والخيام وبطل الرمي ودخلت العساكر والبينبات بمتاعهم وعازتهم أفواجاً إلى المدينة وذهبوا إلى دروهم ورفع الناس الزينة، وكان معظمها حيث مساكن الإفرنج والأرمن فإنهم تفننوا في عمل التصاوير والتماثيل وأشكال السرج والفنيارات الزجاج والبلور وأشكال النجف ومعظمها في جهات المسلمين بخان الخليلي والغورية والجمالية وببعض الأماكن والخانات ملاهي وآغاني وسماعات وقيان وجنك رقاصات هذا والتهيؤ والأشغال والاستعداد لعمل الدونانمه على بحر النيل ببولاق فصنعوا صورة قلعة بأبراج وقباب وزوايا وأنصاف دوائر وخورنقات وطيقان للمدافع وطلوها وبيضوها ونقشوها بالألوان والأصباغ وصورة باب مالطة وكذلك صورة بستان على سفائن وفيه الطين ومغروس به الأشجار ومحيط به درابزين مصبغ وبه دوالي العنب وأشجار الموز والفاكهة والنخيل والرياحين في قصارى لطيفة على حافاته وصورة عربة يجرها أفراس وبها تماثيل وصور جالسين وقائمين وتمثال مجلس وبه جنك رقاصات من تماثيل مصورة تتحرك بآلات ابتكار بعض المبتكرين لأن كل من تخيل بفكره شيئاً ملعوباً أو تصويراً ذهب إلى الترسخانه حيث الأخشاب والصناع فيعمله على طرف الميري حتى يبرزه في الخارج ويأخذ على ابتكاره البقشيش وأكثرها لخصوص الحراقات والنفوط والبارود والسواريخ وغير ذلك وبعد انقضاء السبعة أيام المذكورة حصل السكون من يوم الثلاثاء المذكور إلى يوم الأحد التالي له من الجمعة الأخرى مدة خمسة أيام في أثنائها اجتهد الناس من الأعيان وكل من له اسم من أكابر الناس وأهل الدائرة والأفندية الكتبة حتى الفقهاء أرباب المناصب والمظاهر ومشايخ الإفتاء والنواب والمتفرجين في نصب الخيام بحافتي النيل

(2/496)


واستأجروا الأماكن المطلة على البحر ولو من البعد وتنافسوا واشتط أربابها في الأجرة حتى بلغ أجرة حفر طبقة بمثل وكالة الفسيخ إلى خمسمائة قرش وزيادة وكان الباشا أمر بإنشاء قصر لخصوص جلوسه بالجزيرة تجاه بولاق قبلي قصر ابنه إسماعيل باشا وتمموا بياضه ونظامه في هذه المدة القليلة، فلما كان ليلة الاثنين وهو يوم عاشوراء خرج الباشا من ليلته وعدى إلى القصر المذكور وخرج أهل الدائرة والأعيان إلى الأماكن التي استأجروها وكذلك العامة أفواجاً وأصبح يوم الاثنين المذكور فضربت المدافع الكثيرة لتي صففوها بالبرين وزين أهالي بولاق أسواقهم وحوانيتهم وأبواب دورهم ودقت الطبول والمزامير والنقرزانات في السفائن وغيرها وطبلخانة الباشا تضرب في كل وقت والمدافع الكثيرة في ضحوة كل يوم وعصره وبعد العشاء كذلك وتوقد المشاعل وتعمل أصناف الحراقات والسواريخ والشعل وتتقابل القلاع المصنوعة على وجه الماء ويكون منها المدافع على هيئة المتحاربين وفيها فوانيس وقناديل وهيئة باب مالطه بوابة مجسمة مقوصرة لها بدنات ويرى بداخلها سرج وشعل ويخرج منها حراقات وسواريخ وغالب هذه الأعمال من صناعة الإفرنج وأحروا سفائن رومية صغيرة تسمى الشلنبات يرمي منها مدافع وشنابر وشيطيات وغلايين مما يسير في البحر المالح وفي جميعها وقدات وسرج وقناديل وكلها مزينة بالبيارق الحرير والأشكال المختلفة الألوان ودبوس أوغلي ببولاق التكرور وعنده أيضاً الحراقات الكثيرة والشعل والمدافع والسواريخ وبالجيزة عباس بك بن طوسون باشا والنصارى الأرمن بمصر القديمة وبولاق والإفرنج وأبرز الجميع زينتهم وتماثيلهم وحرائقهم وعند الأعيان حتى المشايخ في القنج والسفائن المعدة للسروج والتفرج والنزاهة والخروج عن الأوضاع الشرعية والأدبية واستمروا على ما ذكر إلى يوم الاثنين سابع عشره.جروا الأماكن المطلة على البحر ولو من البعد وتنافسوا واشتط أربابها في الأجرة حتى بلغ أجرة حفر طبقة بمثل وكالة الفسيخ إلى خمسمائة قرش وزيادة وكان الباشا أمر بإنشاء قصر لخصوص جلوسه بالجزيرة تجاه بولاق قبلي قصر ابنه إسماعيل باشا وتمموا بياضه ونظامه في هذه المدة القليلة، فلما كان ليلة الاثنين وهو يوم عاشوراء خرج الباشا من ليلته وعدى إلى القصر المذكور وخرج أهل الدائرة والأعيان إلى الأماكن التي استأجروها وكذلك العامة أفواجاً وأصبح يوم الاثنين المذكور فضربت المدافع الكثيرة لتي صففوها بالبرين وزين أهالي بولاق أسواقهم وحوانيتهم وأبواب دورهم ودقت الطبول والمزامير والنقرزانات في السفائن وغيرها وطبلخانة الباشا تضرب في كل وقت والمدافع الكثيرة في ضحوة كل يوم وعصره وبعد العشاء كذلك وتوقد المشاعل وتعمل أصناف الحراقات والسواريخ والشعل وتتقابل القلاع المصنوعة على وجه الماء ويكون منها المدافع على هيئة المتحاربين وفيها فوانيس وقناديل وهيئة باب مالطه بوابة مجسمة مقوصرة لها بدنات ويرى بداخلها سرج وشعل ويخرج منها حراقات وسواريخ وغالب هذه الأعمال من صناعة الإفرنج وأحروا سفائن رومية صغيرة تسمى الشلنبات يرمي منها مدافع وشنابر وشيطيات وغلايين مما يسير في البحر المالح وفي جميعها وقدات وسرج وقناديل وكلها مزينة بالبيارق الحرير والأشكال المختلفة الألوان ودبوس أوغلي ببولاق التكرور وعنده أيضاً الحراقات الكثيرة والشعل والمدافع والسواريخ وبالجيزة عباس بك بن طوسون باشا والنصارى الأرمن بمصر القديمة وبولاق والإفرنج وأبرز الجميع زينتهم وتماثيلهم وحرائقهم وعند الأعيان حتى المشايخ في القنج والسفائن المعدة للسروج والتفرج والنزاهة والخروج عن الأوضاع الشرعية والأدبية واستمروا على ما ذكر إلى يوم الاثنين سابع عشره.

(2/497)


وفي ذلك اليوم وصل عبد الله بن مسعود الوهابي ودخل من باب النصر وصحبته عبد الله بكتاش قبطان السويس وهو راكب على هجين وبجانبه المذكور وأمامه طائفة من الدلاة فضربوا عند دخوله مدافع كثيرة من القلعة وبولاق وخلافهما وانقضى أمر الشنك وخلافه من ساحل النيل وبولاق ورفعوا الزينة وركب الباشا إلى قصر شبرا في تلك السفينة وانفض الجمع وذهبوا إلى دورهم وكان ذلك من أغرب الأعمال التي لم يقع نظيرها بأرض مصر ولا ما يقرب من ذلك ومطبخ الميري يطبخ به الأرز على النسق المتقدم والأطعمة ويؤتى لأرباب المظاهر منها في وجبتي الغداء والعشاء خلاف المطابخ الخاصة بهم وما يأتيهم من بيوتهم وأما العامة والمتفرجون من الرجال والنساء فخرجوا أفواجاً وكثر زحامهم في جميع الطرق الموصلة إلى بولاق ليلاً ونهاراً بأولادهم وأطفالهم ركباناً ومشاة، وقد ذهب في هاتين الملعبتين من الأموال ما لا يدخل تحت الحصر وأهل الاستحقاق يتلظون من الفشل والتفليس مع ما هم فيه من غلاء الأسعار في كل شيء وانعدام الأدهان وخصوصاً السمن والشيرج والشحم فلا يوجد من ذلك الشيء اليسير إلا بغاية المشقة ويكون على حانوت الدهان الذي يحصل عنده بعض السمن شدة الحام والصياح ولا يبيع بأزيد من خمسة أنصاف وهي أوقية اثنا عشر درهماً بما فيها من الخلط وأعوان المحتسب مرصدون لمن يرد من الفلاحين والمسافرين بالسمن فيحجزونه لمطالب الدولة ومطابخهم ودورهم في هذه الولائم والجمعيات ويدفع لهم ثمنه على موجب التسعيرة، ثم يوزع ما يوزعه وهو الشيء القليل على المتسببين وهم يبيعونه على هذه الحالة ومثل ذلك الشيرج وخلافه حتى الجبن القريش.
وفيه وصل عبد الله الوهابي فذهبوا إلى بيت إسماعيل باشا بن الباشا فأقام يومه وذهبوا به في صبحها عند الباشا بشبرا، فلما دخل عليه قام له وقابله بالبشاشة وأجلسه بجانبه وحادثه وقال له ما هذه المطاولة فقال الحرب سجال قال وكيف رأيت إبراهيم باشا قال ما قصر وبذل همته، ونحن كذلك حتى كان ما كان قدره المولى فقال أنا إن شاء الله تعالى أترجى فيك عند مولانا السلطان فقال المقدر يكون، ثم ألبسه خلعة وانصرف عنه إلى بيت إسماعيل باشا ببولاق ونزل الباشا في ذلك اليوم السفينة وسافر إلى جهة دمياط وكان بصحبة الوهابي صندوق صغير من صفيح فقال له الباشا ما هذا فقال هذا ما أخذه أبي من الحجرة أصحبه معي إلى السلطان وفتحه فوجد به ثلاثة مصاحف قرآناً مكلفة ونحو ثلاثمائة حبة لؤلؤ كبار وحبة زمرد كبيرة وبها شريط ذهب فقال له الباشا الذي أخذه من الحجرة أشياء كثيرة غير هذا فقال هذا الذي وجدته عند أبي فإنه لم يستأصل كل ما كان في الحجرة لنفسه بل أخذ كذلك كبار العرب وأهل المدينة وأغوات الحرم وشريف مكة فقال الباشا صحيح وجدنا عند الشريف أشياء من ذلك.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشره، سافر عبد الله بن مسعود إلى جهة الإسكندرية وصحبته جماعة من الططر إلى دار السلطنة ومعه خدم لزومه.
واستهل شهر صفر بيوم الاثنين سنة 1234
في ثالثه وصل طائفة من الحجاج المغاربة يوم الأربعاء وصحبتهم حجاج كثيرة من الصعائدة وأهل القرى فدخلوا على حين غفلة وكان الرئيس فيهم شخص من كبار عرب أولاد علي يسمى الحبالي وهذا لم يتفق نظيره فيما وعيناه وسببه أمن الطريق وانكماش العربان وقطاع الطريق.
وفيه أخبر المخبرون بأن الباشا أقام بدمياط أياماً قليلة، ثم توجه إلى البرلس ويزل في نقيرة وذهب إلى الإسكندرية على ظهر البحر المالح وقد استعد أهلها بقدومه وزينوا البلد والذي تولى الاعتناء بذلك طائفة الفرنج فإنهم نصبوا طريقاً من باب البلد إلى القصر الذي هو سكن الباشا وجعلوا بناحيتيه يمنى ويسرى أنواع الزينة والتماثيل والتصاوير والبلور والزجاج والمرايات وغير ذلك من البدع البديعة الغريبة.
وفي غايته وصل الحاج المصري ودخلوا إرسالاً شيئاً فشيئاً ومنهم من دخل ليلاً وخصوصاً ليلة الاثنين وفي صبحه دخل حسن باشا أرنؤد الذي كان مقيماً بجدة وفي ذلك اليوم دخل بواقي الحجاج إلى منازلهم.
واستهل شهر ربيع الأول بيوم الثلاثاء سنة 1234
في صبحه دخلوا بالمحمل المدينة وأكثر الناس لم يشعر بدخوله وهذا لم يتفق فيما نعلم تأخر الحاج إلى شهر ربيع الأول.

(2/498)


وفي ليلة الثلاثاء ثامنه احترق سوق الشرم والجملون الكائن أسفل جامع الغورية بما فيه ن الحوانيت وبضائع التجار والأقمشة الهندية وخلافها فظهرت به النار من بعد العشاء الأخيرة فحضر الوالي وآغات التبديل فوجدوا الباب الذي من جهة الغورية مغلقاً من داخل، وكذلك الباب الذي من الجهة الأخرى وهما في غاية المتانة، فلم يزالوا يعالجون فتح الباب بالعتالات والكسر إلى بعد نصف الليل والنار عمالة من داخل وهرب الخفير واحترق ليوان الجامع البراني والدهليز وأخذوا في الهدم وصب المياه بآلات القصارين مع صعوبة العمل بسبب علو الحيطان الشاهقة والأخشاب العظيمة والأحجار الهائلة والعقود، فلم يخمد لهب النار إلا بعد حصة من النهار وسرحت النار في أخشاب الجامع التي بداخل البناء، ولم يزل الدخان صاعداً منها وسقطت الشبابيك النحاس العظام وبقيت مفتتة ومكلسة واستمر العلاج في إطفاء الدخان ثلاثة أيام ولولا لطف المولى وتأخير فتح الباب لكونه مصفحاً بالحديد، فلم تعمل فيه النار فهو لم يكن كذلك لاحترق وسرحت النار إلى الحوانيت الملاصقة به وهي كلها أخشاب ويعلوها سقائف أخشاب كذلك ومن فوق الجميع السقيفة العظيمة الممتدة على السوق من أوله إلى آخره وهي في غاية العلو والارتفاع وكلها أخشاب وحجة وسهوم وبراطيم من أعلى ومن أسفل لحملها من الجهتين ومن ناحيتها الرباع والوكائل والدور وحيطان الجميع من الحجة والأخشاب العتيقة التي تشتعل بأدنى حرارة فلو وصلت النار والعياذ بالله تعالى إلى هذه السقيفة لما أمكن إطفاؤها بوجه، وكان حريقاً دومياً ولكن الله سلم.
وفي يوم السبت ثاني عشره، حضر السيد عمر أفندي نقيب الأشراف سابقاً وذلك أنه لما حصلت النصرة والمسرة للباشا فكتب إليه مكتوباً بالتهنئة وأرسله مع حفيده السيد صالح إلى الإسكندرية فتلقاه بالبشاشة وطفق يسأله عن جده فيقول له بخير ويدعو لكم فقال له هل في نفسه شيء أو حاجة نقضيها له فقال لا يطلب غير طول البقاء لحضرتكم، ثم انصرف إلى المكان الذي نزل به فأرسل إليه في ثاني يوم عثمان السلانكلي ليسأله ويستفسره عما عسى أن يستحي من مشافهة الباشا بذكره، فلم يزل يلاطفه حتى قال لم يكن في نفسه إلا الحج إلى بيت الله إن أذن له أفندينا بذلك فلما عاد بالجواب أنعم عليه بذلك وأذن له بالذهب إلى مصر وأن يقيم بداره إلى أوان الحج إن شاء براً وإن شاء بحراً وقال أنا لا أتركه في الغربة هذه المدة إلا خوفاً من الفتنة والآن لم يبق شيء من ذلك فإنه أبى وبيني وبينه ما لا أنساه من المحبة والمعروف وكتب له جواباً بالإجابة وصورته بحروفه مظهر الشمائل سنيها حميد الشؤون وسميها سلالة بيت المجد الأكرم والدنا السيد عمر مكرم دام شأنه أما بعد فقد ورد الكتاب اللطيف من الجناب الشريف تهنئة بما أنعم الله علينا وفرحاً بمواهب تأييده لدينا فكان ذلك مزيداً في السرور ومستديماً لحمد الشكور ومجلبة لثناكم وإعلاناً بنيل مناكم جزيتم حسن الثنا مع كمال الوقار ونيل المنى هذا وقد بلغنا نجلكم عن طلبكم الإذن في الحج إلى البيت الحرام وزيارة روضته عليه الصلاة والسلام للرغبة في ذلك والترجي لما هنالك وقد أذناكم في هذا المرام تقرباً لذي الجلال والإكرام ورجاء لدعواتكم بتلك المشاعر العظام فلا تدعوا الابتهال ولا الدعاء لنا بالقال والحال، كما هو الظن في الطاهرين والمأمول من الأصفياء المقبولين والواصل لكم جواب منا خطاباً إلى كتخدائنا ولكم الإجلال والاحترام مع جزيل الثناء والسلام وأرسل إليه المكتوبين صحبة حفيده السيد صالح وأرسل إلى كتخدا بك كتاباً وصل إليه قبل قدومه فأرسل الكتخدا ترجمانه إلى منزله ليبشرهم بذلك وأشيع خبر مقدمه فكان الناس بين مصدق ومكذب حتى وصل في اليوم المذكور إلى بولاق فركب من هناك وتوجه إلى زيارة الإمام الشافعي وطلع إلى القلعة وقابل الكتخدا وسلم عليه وهنئه الشعراء بقصائدهم وأعطاهم الجوائز واستمر ازدحام الناس أياماً، ثم امتنع عن الجلوس في المجلس العام نهاراً واعتكف بحجرته الخاصة فلا يجتمع به إلا بعض من يريده من الأفراد فانكف الكثير عن الترداد وذلك من حسن الرأي.
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم السبت سنة 1234

(2/499)


فيه حصل الاهتمام بحفر الترعة المعروفة بالأشرفية الموصلة إلى الإسكندرية وقد تقدم في العام الماضي بل والذي قبله اهتمام الباشا ونزل إليها المهندسون ووزنوا أرضها وقاسوا طولها وعرضها وعمقها المطلوب. ثم أهمل أمرها لقرب مجيء النيل وتركوا الشغل في مبدئها ولم يترك الشغل في منتهاها عند الإسكندرية بالقرب من عامود السواري فحفروا هناك منبتها وهي بركة متسعة وحوطوها بالبناء المحكم المتين وهي مرسى المراكب التي تعبر منها إلى الإسكندرية بدلاً من البغاز وهو ملتقى البحرين وما يقع فيه من تلف المراكب فتكون هذه أسلم وأقرب وأقل كلفة إن صحت بل وأقرب مسافة ونزل الأمر لكشاف الأقاليم بجمع الفلاحين والرجال على حساب مزارع القدادين فيحصون رجال القرية المزارعين ويدفعون للشخص الواحد عشرة ريالات ويخصم له مثلها من المال وإذا كان له شريك وأحب المقام لأجل الزرع الصيفي أعطاه حصته وزاده عليها حتى يرضي خاطره وزوده بما يحتاج إليه أيضاً وعند العمل يدفع لكل شخص قرش في كل يوم ويخرج أهل القرية أفواجاً ومعهم أنفار من مشايخ البلاد ويجتمعون في المكان المأمورين باجتماعهم فيه، ثم يسيرون مع الكاشف الذي بالناحية ومعهم طبول وزمور وبيارق ونجارون وبناؤن وحدادون وفرضوا على البلاد التي فيها النخيل غلقاناً ومقاطف وعراجين وسلباً وعلى البنادر فؤوساً ومساحي شيء كثير بالثمن وطلبوا أيضاً طائفة الغواصين لأنهم كانوا إذا تسفلوا في قطع الأرض في بعض المواضع منها ينبع الماء قبل الوصول إلى الحد المطلوب.
وفي يوم الخميس عشرينه ورد مرسوم من الباشا بعزل كتخدا بك عن منصب الكتخدائية وتولية محمود بك فيها عوضاً عنه وحضر محمود بك في ذلك اليوم قادماً من الإسكندرية وطلع إلى القلعة وحضر أيضاً حسن باشا وكان قد ذهب إلى الإسكندرية ليسلم على الباشا لكونه كان بالديار الحجازية المدة المديدة وحضر إلى مصر والباشا بالإسكندرية فتوجه إليه وأقام معه أياماً وعاد إلى مصر صحبة محمود بك وحضر أيضاً إبراهيم أفندي من إسلامبول وهو ديوان أفندي الباشا فتقلد في نظر الأطيان والرزق والالتزام عوضاً عن محمود بك.
واستهل شهر جمادى الأولى سنة 1234
في سابعه يوم الخميس، ضربت مدافع كثيرة وقت الشروق بسبب ورود نجابة من الديار الحجازية باستيلاء خليل باشا على يمن الحجاز صلحاً.
وفيه وصلت الأخبار أيضاً عن عبد الله بن مسعود أنه لما وصل إلى إسلامبول طافوا به البلدة وقتلوه عند باب همايون وقتلوا أتباعه أيضاً في نواح متفرقة فذهبوا مع الشهداء.
وفيه أشيع وصول قابجي كبير من طرف الدولة يقال له قهوجي باشا إلى الإسكندرية وورد الأمر بالاستعداد لحضوره مع الباشا فطلعوا بالمطابخ إلى ناحية شبرا وطلبت الخيول من الربيع واستمر خروج العساكر ودخولهم وكذلك طبخ الأطعمة وفي كل يوم يشيعون الورود، فلم يأت أحد، ثم ذكروا أن ذلك القابجي حين قرب من الإسكندرية رده الريح إلى رودس واستمر هذا الريح إلى آخر الشهر.
وفيه قوي الاهتمام بأمر حفر الترعة المتقدم ذكرها وسبقت الرجال والفلاحون من الأقاليم البحرية وجدوا في العمل بعدما حددوا لكل أهل إقليم أقصاباً توزع على أهل كل بلد من ذلك الإقليم فمن أتم عمله المحدود انتقل إلى مساعدة الآخرين وظهر في حفر بعض الأماكن منها صورة أماكن ومساكن وقيعان وحمام بعقوده وأحواضه ومغاطسه ووجد ظروف بداخلها فلوس نحاس كفرية قديمة وأخرى لم تفتح لا يعلم ما فيها رفعوها للباشا مع تلك.
وفي يوم الأربعاء سابع عشرينه، حضر الباشا إلى شبرا ووصل في أثره قهوجي باشا وعملوا له موكباً في صبيحة يوم الخميس وطلعوا إلى القلعة ومع الآغا المذكور ما أحضره برسم الباشا وولده إبراهيم باشا الذي بالحجاز وهو خلعتا سمور لكل واحد خلعة وخنجر مجوهر لكل واحد وشلنجان مجوهران وساعة جوهر وغير ذلك وقرئ الفرمان بحضرة الجمع وفيه الثناء الكثير على الباشا والعفو عمن بقي من الوهابية وبعد القراءة ضربت مدافع كثيرة وكذلك عند ورودهم واستمر ضرب المدافع ثلاثة أيام في جميع الأوقات الخمس ونزل القابجي المذكور ببيت طاهر باشا بالأزبكية وحضر أيضاً عقبه أطواخ لكل من عباس بك بن طوسون باشا بن الباشا ولأحمد بك ابن طاهر باشا وفي ضمن الفرمان الإذن للباشا بتولية أمريات وقبجيات لمن يختار.

(2/500)


وفي صبحها يوم الجمعة، خلع الباشا على أربعة أو خمسة من أمرائه بقبجيات باشا، وهم علي بك السلانكلي قابجي باشا وحسن آغا أزرجانلي كذلك وخليل أفندي حاكم رشيد وشريف بك.
واستهل شهر جمادى الثانية سنة 1234
فيه حضر محمد بك الدفتردار من الجهة القبلية فأقام أياما وعاد إلى قبلي وفي أواخره رجع الكثير من فلاحي الأقاليم إلى بلادهم من الأشرفية وهم الذين أتموا ما لزمهم من العمل والحفر ومات الكثير من الفلاحين من البرد ومقاساة التعب.
وفي هذا الشهر حصل بعض موت بالطاعون فداخل الناس وهم بسبب ما حدث في أكابر الدولة والنصارى من التحجب وعمل الكورنتينات وهي التباعد من الملامسة وتبخير الأوراق والمجالس ونحو ذلك.
واستهل شهر رجب بيوم الاثنين سنة 1234
في خامسه مات عبود النصراني كاتب الخزينة وكان مشكور السيرة في صناعته وعند مشاركة ودعوى عريضة ودعوى علم ويتكلم بالمناسبات والآيات القرآنية ويضمن إنشاءاته ومراسلاته آيات وأمثالاً وسجعات وأخذ دار القيسرلي بدرب الجنينة وما حولها وأنشأها داراً عظيمة وزخرفها وجعل بها بستاناً ومجالس مفروشة بالرخام الملون وفساقي وشاذروانات وزجاج بلور وكل ذلك على طرف الميري وله مرتب واسع وكان الباشا يحبه ويثق به ويقول لولا الملامة لقلدته الدفتردارية.
وفي سابعه، حضر إلى مصر حاكم يافا المعروف بمحمد بك أبو نبوت معزولاً عن ولايته فأرسل إلى الباشا يستأذنه في الحضور إلى مصر فأطلق له الإذن فحضر فأنزله بقصر العيني وصحبته نحو الخمسمائة مملوك وأجناد وأتباع واجتمع بالباشا وأجله وسلم عليه وأقام معه حصة من الليل ورتب له مرتباً عظيماً وعين له ما يقوم بكفايته وكفاية أتباعه فمن جملة ما رتب له ثلاثة آلاف تذكرة كل تذكرة بألفين وستمائة نصف فضة في كل شهر وذلك خلاف المعين واللوازم من السمن والخبز والسكر والعسل والحطب والأرز والفحم والشمع والصابون فمن الأرز خاصة في كل يوم أردبان وللعليق خمسة وعشرون أردباً في كل يوم.
وفي يوم السبت ثالث عشره، سافر قهوجي باشا عائداً إلى إسلامبول واحتفل به الباشا احتفالاً زائداً وقدم له ولمخدومه وأرباب الدولة من الأموال والهدايا والخيول والبن والأرز والسكر والشربات وتعابي الأقمشة الهندية وغيرها شيئاً كثيراً، وكذلك قدم له أكابر الدولة هدايا كثيرة ولأنه لما حضر إلى مصر قدم لهم هدايا فقابلوه بأضعافها وعندما سافر احتجب الباشا وأمر كل من كان يلازم ديوانه بالإنصراف والتحجب فتكرتن منهم من تكرتن في داره ومنهم في القصور وسافر مع قهوجي باشا سليمان آغا السلحدار وشربتشي باشا وآخرون لتشييعه إلى الإسكندرية.
وفي يوم الخميس ثامن عشره حضر بواقي الوهابية بحريمهم وأولادهم وهم نحو الأربعمائة نسمة وأسكنوا بالقشلة التي بالأزبكية وابن عبد الله ابن مسعود بدر جامع مسكة وخواصه من غير حرج عليهم وطفقوا يذهبون ويجيئون ويترددون على المشايخ وغيرهم ويمشون في الأسواق ويشترون البضائع والاحتياجات.
واستهل شهر شعبان سنة 1234
وفيه وصل جماعة هجانة من جهة الحجاز وصحبتهم ابن حمود أمير يمن الحجاز وذلك أنه لما مات أبوه تأمر عوضه وأظهر الطاعة وعدم المخالفة للدولة فلما توجه خليل باشا إلى اليمن أخلى له البلاد واعتزل في حصن له ولم يخرج لدفعه ومحربته، كما فعل أبوه وترددت بينهما المراسلات والمخادعات حتى نزل من حصنه وحضر عند خليل باشا فقبض عليه وأرسله مع الهجانة إلى مصر.
وفيه صرفوا الفلاحين عن العمل في الترعة لأجل حصاد الزرع ووجهوا عليهم طلب المال.
واستهل شهر رمضان سنة 1234
والباشا مكرتن بشبرا ولم يطلع إلى القلعة كعادته في شهر رمضان.
وفي ثامن عشرينه طلع إلى القلعة وعيد بها.
واستهل شهر شوال بيوم الجمعة سنة 1234

(3/1)


وفي رباع عشره الموافق لآخر يوم من شهر أبيب نودي بوفاء النيل وكان الباشا سافر إلى جهة الإسكندرية بسبب ترعة الأشرفية وأمر حكام الجهات بالأرياف بجمع الفلاحين للعمل فأخذوا في جمعهم فكانوا يربطونهم قطارات بالحبال وينزلون بهم المراكب وتعطلوا عن زرع الدراوي الذي هو قوتهم وقاسوا شدة بعد رجوعهم من المرة الأولى بعد ما قاسوا ما قاسوه ومات الكثير منهم من البرد والتعب وكل من سقط أهالوا عليه من تراب الحفر ولو فيه الروح، ولما رجعوا إلى بلادهم للحصيدة طولبوا بالمال وزيد عليهم عن كل فدان حمل بعير من التبن وكيلة قمع وكيلة فول وأخذ ما يبيعونه من الغلة بالثمن الدون والكيل الوافر فما هم إلا والطلب للعود إلى الشغل في الترعة ونزح المياه التي لا ينقطع نبعها من الأرض وهي في غاية الملوحة والمرة الأولى كانت في شدة البرد وهذه المرة في شدة لحر وقلة المياه العذبة فينقلونها بالروايا على الجمال مع بعد المسافة وتأخر ري الإسكندرية.
وفي سابع عشرينه، ارتحل ركب الحجاج من البركة وأمير الحاج عابدين بك أخو حسن باشا.
واستهل شهر ذي القعدة سنة 1234
والعمل في الترعة مستمر.
واستهل شهر ذي الحجة سنة 1234
في منتصفه سافر الباشا إلى الصعيد وسافر صحبته حسن باشا طاهر ومحمد آغا لاظ المنفصل عن الكتخدائية وحسن آغا أزرجانلي وغيرهم من أعيان الدولة.
وفيه وصل الخبر بموت سليمان باشا حاكم عكا وهو من مماليك أحمد باشا الجزار.
وفي أواخره وصل ابن إبراهيم باشا وصحبته حريم أبيه فضربوا لوصولهم مدافع وعملوا للصغير موكباً ودخل من باب النصر وشق من وسط المدينة.
وانقضت السنة وما تجدد بها من الحوادث التي منها زيادة النيل الزيادة المفرطة أكثر من العام الماضي وهذا من النوادر وهو الغرق في عامين متتابعين واستمر أيضاً في هذه السنة إلى منتصف هاتور حتى فات أوان الزراعة وربما نقص قليلاً، ثم يرجع في ثاني يوم أكثر ما نقص.
ودخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف
فكان أول المحرم بالهلال يوم الخميس وفيه وما قبله بأيام حصل بالأرياف بل وبداخل المدينة انزعاجات بسبب تواتر سرقات وإشاعة سروح مناسر وحرامية وعمر الناس أبواب الدور والدروب وحصل منع الناس من المسير والمشي بالأزقة من بعد الغروب وصار كتخدا بك وآغات التبديل والوالي يطوفون ليلاً بالمدينة وكل من صادفوه قبضوا عليه وحبسوه ولو كان مما لا شبهة فيه واستمر هذا الحال إلى آخر الشهر.
وفي سابع عشرينه، حضر الباشا من الصعيد بعد أن وصل في سرحته إلى الشلال وكان الناس تقولوا على ذهابه إلى قبلي أقاويل منها أنه يريد التجريد على بواقي المصريين المنقطعين بدنقلة فإنهم استفحل أمرهم واستكثروا من شراء العبيد وصنعوا البارود والمدافع وغير ذلك ومنها أنه يريد التجريد أيضاً وأخذ بلاد دارفور والنوبة ويمهد طريق الوصول إليها ومنها أنهم قالوا أنه ظهر بتلك البلاد معدن الذهب والفضة والرصاص والزمرد وأن ذهابه للكشف على ذلك وامتحانه وعمل معدله ومقدار ما يصرف عليه حتى يستخرج صافيه وبطل كل ما توهموه وخمنوه برجوعه وأما قولهم عن هذه المعادن فالذي تلخص من ذلك أنه ظهر بأرض أحجار خضر تشبه الزمرد وليست إياه وبمكان آخر شيء أسود مخرفش مثل خرء الحديد يخرج منه بعد العلاج والتصفية رصاص قليل فقد أخبرني أخونا الشيخ عمر الناوي المعروف بالمخلصي أنه أخذ منه قطعة وذهب بها إلى الصائغ ودقها ووضعها في بوط كبير وساق عليها بنار السبك وانكسر البوط فنقلها إلى بوط آخر، ولم يزل يعالجها بطول النهار وأحرق عليها زيادة عن القنطار من الفحم.
وفيه حضر أيضاً جماعة من الوهابية وأنزلوا بدار بحارة عابدين.
واستهل شهر صفر بيوم الجمعة سنة 1235
في غرته سافر محمد آغا المعروف بأبو نبوت الشامي إلى دار السلطنة باستدعاء من الدولة وذلك انه لما حضر إلى مصر ونزل برحاب الباشا، كما تقدم وكاتب الباشا في شأنه إلى الدولة فحضر الأمر بطلبه وأوكد بالإكرام فعند ذلك هيأ له الباشا ما يحتاج إليه من هدية وغيرها وتعين للسفر صحبته خمسة وثلاثون شخصاً أرسل إليهم الباشا كساوي وفراوي وترك باقي أتباعه بمصر أنزلوهم في دار بسويقة اللالا وهم يزيدون عن المائتين ويصرف لهم الرواتب في كل يوم والشهرية.

(3/2)


وفيه وصل جماعة من عسكر المغاربة والعرب الذين كانوا ببلاد الحجاز وصحبتهم أسرى من الوهابية نساء وبنات وغلماناً نزلوا عند الهمايل وطفقوا يبيعونهم على من يشتريهم مع أنهم مسلمون وأحرار.
وفي منتصفه مات مصطفى آغا وكيل دار السعادة سابقاً ومات أيضاً الشيخ عبد الرحمن القرشي الحنفي.
وفي سابع عشره وصل الحاج المصري ومات الكثير من الناس فيه بالحمى وكثرت الحمى بأرض مصر وكأنها تناقلت من أرض الحجاز.
وفي حادي عشرينه، وصل إبراهيم باشا ابن الباشا من ناحية القصير وكان قبل وروده بأيام وصل خبر وصوله إلى القصير وضربوا لذلك الخبر مدافع من القلعة وغيرها ورمحت المبشرون لأخذ البقاشيش من الأعيان واجتمعت نساء أكابرهم عند والدته ونسائهم للتهنئة ونظموا له القصر الذي كان أنشأه ولي خوجه وتممه شريف بك الذي تولى في منصبه وهو بالروضة بشاطئ النيل تجاه الجيزة وعند وصول المذكور عملوا جسراً من الروضة إلى ساحل مصر القديمة على مراكب من البر إلى البر وردموه بالأتربة من فوق الأخشاب.
وفي ذلك اليوم، وصل قابجي من دار السلطنة بالبشارة بمولود ولد لحضرة السلطان وطلع إلى القلعة في موكب.
وفي يوم الخميس حادي عشرينه، عند وصول إبراهيم باشا نودي بزينة المدينة سبعة أيام بلياليها فشرع الناس في تزيين الحوانيت والدور والخانات بما أمكنهم وقدروا عليه من الملونات والمقصبات وأما جهات النصارى وحاراتهم وخاناتهم فإنهم أبدعوا في عمل تصاوير مجسمات وتماثيل وأشكال غريبة وشكا الناس من عدم وجود الزيت والشيرج فرسموا بجملة قناطير شيرج تعطى للزياتين لتباع على الناس بقصد ذلك ويأخذونها ويبيعونها بأغلى ثمن بعد الإنكار والكتمان.
ولما أصبح يوم الجمعة وقد عدى إبراهيم باشا إلى بر مصر رتبوا له موكباً ودخل من باب النصر وشق المدينة وعلى رأسه الطلخان السليمي من شعار الوزارة وقد أرخى لحيته بالحجاز وحضر والده إلى جامع الغورية بقصد الفرجة على موكب ابنه وطلع بالموكب إلى القلعة، ثم رجع سائراً بالهيئة الكاملة إلى جهة مصر القديمة ومر على الجسر وذهب إلى قصره المذكور بالروضة واستمرت الزينة والوقود والسهر بالليل وعمل الحراقات وضرب بالمدافع في كل وقت من القلعة ومغاني وملاعب في مجامع الناس سبعة أيام بلياليها في مصر الجديدة والقديمة وبولاق وجميع الأخطاط ورجع إبراهيم باشا من هذه الغيبة متعاظماً في نفسه جداً وداخله من الغرور ما لا مزيد عليه حتى أن المشايخ لما ذهبوا للسلام عليه والتهنئة بالقدوم، فلما أقبلوا عليه وهو جالس في ديوانه لم يقم لهم، ولم يرد عليهم السلام فجلسوا وجعلوا يهنئونه بالسلامة، فلم يجبهم ولا بالإشارة بل جعل يحادث شخصاً سخرية عنده وقاموا على مثل ذلك منصرفين ومنكسفين ومنكسري الخاطر.
واستهل شهر ربيع الأول بيوم الأحد سنة 1235
قي ثامنه مات ابن إبراهيم باشا وهو الذي تقدمه في المجيء إلى مصر وعملوا له الموكب وعمره نحو ست سنوات وكان موته في أول الليل من ليلة الأحد فأرسلوا التنابيه لأعيان الدولة والمشايخ فخرج البعض منهم في ثلث الليل الأخير إلى مصر القديمة حي المعادي لأنه مات بقصر الجيزة فما طلع النهار حتى ازدحموا بمصر القديمة وما حضروا به إلا قرب الزوال وانجروا بالمشهد إلى مدفنهم بالقرب من الإمام الشافعي وعملوا له مأتماً وفرقوا دراهم على الناس والفقهاء وغير ذلك، ثم حكى المخبرون عن كيفية موته أنه كان نائماً في حجر دادته جارية سوداء فشاجرتها جارية بيضاء ورفصتها برجلها فأصابت الغلام فاضطرب ووصل الخبر إلى أبيه فدخل إليهم وقبض على الجواري الحاضرات وحبسهن في مكان بالقصر وقال إن مات ولدي قتلتكن عن آخركن فمات من ليلته فحخنق الجميع وألقاهن في البحر بما فيهن الدادة في أنهم خمسة وقيل ستة والله أعلم.

(3/3)


وفي أواخره انقضى أمر الحفر بترعة الإسكندرية، ولم يبق من الشغل إلا القليل ثم فتحوا لها شرماً خلاف فمها المعمول خوفاً من غلبة البحر فجرى فيها الماء واختلط بالمياه المالحة التي نبعت من أرضها وعلا الماء منها على بعض المواطن المسجنة وبها روبة عظيمة وساح على الأرض وليس هناك جسور تمنع وصادف أيضاً وقوع نوة وأهوية علا فيها البحر المالح على الجسر الكبير ووصل إلى الترعة فأشيع في الناس أن الترعة فسد أمرها ولم تصح وأن المياه المالحة التي منها ومن البحر غرقت الإسكندرية وخرج أهلها منها إلى أن تحقق الخبر بالواقع وهو دون ذلك ورجع المهندسون والفلاحون إلى بلادهم بعد ما هلك معظمهم.
واستهل شهر ربيع الثاني سنة 1235
في أوله عزل الباشا محمد بك الدفتردار عن إمارة الصعيد وقلد عوضه أحمد باشا ابن طاهر باشا وسافر في خامسه.
وفي سابعه، سافر الباشا إلى الإسكندرية للكشف على الترعة وسافر صحبته ابنه إبراهيم باشا ومحمد بك الدفتردار والكتخدا القديم ودبوس أوغلي.
وفي ثالث عشره، حضر الباشا ومن معه من غيبتهم وقد انشرح خاطره لتمام الترعة وسلوك المراكب وسفرها فيها وكذلك سافرت فيها مراكب رشيد والنقاير بالبضائع واستراحوا من وعر البغاز والسفر في المالح إلى الإسكندرية والنقل والتجريم وانتظار الريح المناسب لاقتحام البغاز والبحر الكبير ولم يبق في شغل الترعة إلا الأمر اليسير وإصلاح بعض جسورها واتفق وقوع حادثة في هذا الشهر وهو أن شخصاً من الإفرنج الإنكليز ورد من الإسكندرية وطلع إلى بلدة تسمى كفر حشاد فمشى بالغيط ليصطاد الطير فضرب طيراً ببندقته فأصابت بعض الفلاحين في رجله وصادف هناك شخصاً من الأرنؤد بيدده هراوة أو مسوقة فجاء إلى ذلك الإفرنجي وقال له أما تخشى أن يأتي إليك بعض الفلاحين ويضربك على رأسك هكذا وأشار بما في يده على رأس الإفرنجي لكونه لا يفهم لغته فاغتاظ من ذلك الإفرنجي وضربه ببندقته فسقط ميتاً فاجتمع عليه الفلاحون وقبضوا على الإفرنجي ورفعوا الأرنؤدي المقتول وحضروا إلى مصر وطالبوا بمجلس كتخدا بك واجتمع الكثير من الأرنؤد وقالوا لا بد من قتل الإفرنجي فاستعظم الكتخدا ذلك لأنهم يراعون جانب الإفرنج إلى الغاية فقال حتى نرسل إلى القناصل ونحضرهم ليروا حكمهم في ذلك فأرسل بإحضارهم وقد تكاثر الأرنؤد وأخذتهم الحمية وقالوا لأي شيء تؤخر قتله إلى مشورة القناصل وإن لم يقتل هذا في الوقت نزلنا إلى حارة الإفرنج ونهبناها وقتلنا كل من بها من الإفرنج فلم يسع الكتخدا إلا أن أمر بقتله فنزلوا به إلى الرميلة وقطعوا رأسه وطلع أيضاً القناصل في كبكبتهم وقد نفذ الأمر وكان ذلك في غيبة الباشا.
واستهل شهر جمادى الأولى سنة 1235
فيه جرد الباشا حسن بك الشماشرجي حاكم البحيرة على سيوة من الجهة القبلية فتوجه إليها من البحيرة بجنده ومعه طائفة من العرب.
وفيه قوي عزم الباشا على الآغارة على نواحي السودان فمن قائل أنه متوجه إلى سنار ومن قائل إلى دار فور وساري العسكر ابنه إسماعيل باشا وخلافه ووجه الكثير من اللوازم إلى الجهة القلية وعمل البقسماط والذخيرة ببلاد قبلي والشرقية واهتم اهتماماً عظيماً وأرسل أيضاً بإحضار مشايخ العربان والقبائل.
وفيه خرج الباشا إلى ناحية القليوبية حيث الخيول بالربيع وخرج محو بك لضيافته بقلقشنده وأخرج خياماً وجمالاً كثيرة محملة بالفرش والنحاس وآلات المطبخ والأرز والسمن والعسل والزيت والحطب والسكر وغير ذلك وإضافة ثلاثة أيام وكذلك تأمر كاشف الناحية وغيره وكذلك أحضر له ضيافة ابن شديد شيخ الحويطات وابن الشواربي كبير قليوب وابن عسر وكان صحبة الباشا ولداه إبراهيم باشا وإسماعيل باشا وحسن باشا.
وفي أثناء ذلك ورد الهبر بموت عابدين بك أخو حسن باشا بالديار الحجازية وكذلك الكثير من أتباعه بالحمى فتكدر حظهم وبطلت الضيافات وحضر الباشا ومن معه في أواخره لعمل العزاء والميتم وأخبر الواردون بكثرة الحمى بالديار الحجازية حتى قالوا أنه لم يبق من طائفة عابدين بك إلا القليل جداً.
واستهل شهر جمادى الثانية سنة 1235
في عشرينه وردت هدية من والي الشام فيها من الخيول الخاص عشرة بعضها ملبس والباقي من غير سروج وأشياء أخر لا نعلمها.

(3/4)


وفي أواخره ورد الخبر بأن حسن بك الشماشرجي استولى على سيوة.
وفيه ورد الخبر بأنه وقع بإسلامبول حريق كثير.
وفيه ورد الخبر أيضاً عن حلب بأن أحمد باشا المعروف بخورشيد الذي كان سابقاً والي مصر استوى على حلب وقتل من أهلها وأعيانها أناساً كثيرة، وذلك أنه كان متولياً عليها فحصل منه ما أوجب قيام أهل البلدة عليه وعزلوه وأخرجوه وذلك من مدة سابقة، فلما أخرجوه أقام خارجها وكاتب الدولة في شأنهم وقال ما قال في حقهم فبعثوا أوامر ومراسيم لولاة تلك النواحي بأن يتوجهوا لمعونته على أهل حلب فاحتاطوا بالبلدة وحاربوها أشهراً حتى ملكوها وفتكوا في أهلها وضربوا عليهم ضرائب عظيمة وهم على ذلك.
وفي أواخره تقلد آغاوية مستحفظان مصطفى آغا كرد مضافة للحسبة عوضاً عن حسن آغا الذي توفي في الحج فأخذ يعسف كعادته في مبادئ توليته للحسبة وجعل يطوف ليلاً ونهاراً ويحتج على المارين بالليل بأدنى سبب فيضرب من يصادفه راجعاً من سهر ونحوه أو يقطع من أذنه أو أنفه.
واستهل شهر رجب بيوم الجمعة سنة 1235
في ثالثه تقلد نظر الحسبة شخص يسمى حسين آغا المورلي وهو بخشونجي بساتين الباشا.
وفيه رجع حسن بك الشماشرجي من ناحية سيوة بعد أن استولى عليها وقبض من أهاليها مبلغاً من المال والتمر وقرر عليها قدراً يقومون به في كل عام إلى الخزينة وفي عشرينه، سافر محمد آغا لاظ وهو المنفصل عن الكتخدائية إلى قبلي بمعنى أنه في مقدمة الجردة يتقدمها إلى الشلال.
وفي أواخره وصل الخبر بموت خليل باشا بالديار الحجازية فخلع الباشا على أخيه أحمد بك وهو ثالث إخوته وهو أوسطهم وقلده في منصب أخيه عوضاً عنه وأعطى البيرق واللوازم.
وفي أواخره توجه الباشا إلى ناحية الوادي لينظر ما تجدد به من العمائر والمزارع والسواقي وقد صار هذا الوادي إقليماً على حدته وعمر به قرى ومساكن ومزارع.
واستهل شهر شعبان بيوم الأحد سنة 1235
فيه سافر إبراهيم باشا إلى القليوبية، ثم إلى المنوفية والغربية لقبض الخراج عن سنة تاريخه والطلب بالبواقي التي انكسرت على الفقراء وكان الباشا سامح في ذلك وتلك بواقي سبع سنين فكان يطلب مجموع ما على القرية من المال والبواقي في ظرف ثلاثة أيام ففزعت الفلاحون ومشايخ البلاد وتركوا غلالهم في الأجران وطفشوا في النواحي بنسائهم وأولادهم وكان يحبس من يجده من النساء ويضربهن فكان مجموع المال المطلوب تحصيله على ما أخبرني به بعض الكتاب مائة ألف كيس.
وفي منتصفه حضر الباشا من ناحية الوادي.
وفي أواخره وقع حريق ببولاق في مغالق الخشب التي خلف جامع مرزه وأقام الحريق نحو يومين حتى طفئ واحترق فيه الكثير من الخشب المعد للعمائر بالكرسنة والزفت وحطب الإشراق وغيره.
واستهل شهر رمضان بيوم الاثنين سنة 1235
والاهتمام الحاصل وكل قليل يخرج عساكر ومغاربة مسافرين إلى بلاد السودان ومن جملة الطلب ثلاثة أنفار من طلبة العلم يذهبون بصحبة التجريدة فوقع الاختيار على محمد أفندي الأسيوطي قاضي أسيوط والسيد أحمد البقلي الشافعيين والشيخ أحمد السلاوي المغربي المالكي وأقبضوا محمد أفندي المذكور عشرين كيساً وكسوة ولكل واحد من الاثنين خمسة عشر كيساً وكسوة ورتبوا لهم ذلك في كل سنة.

(3/5)


وفي سابعه وقع حريق في سراية القلعة فطلع الآغا والوالي وآغات التبديل واهتموا بطفء النار وطلبوا السقائين من كل ناحية حتى شح الماء ولا يكاد يوجد وكان ذلك في شدة الحر وتوافق شهر بؤته ورمضان وأقاموا في طفء النار يومين واحترق ناحية كتخدا بك ومجلس شريف بك وتلفت أشياء وأمتعة ودفاتر حرقاً ونهباً وذلك أن أبنية القلعة كانت من بناء الملوك المصرية بالأحجار والصخور والعقود وليس بها إلا القليل من الأخشاب فهدموا ذلك جميعه وبنوا مكانه الأبنية الرقيقة وأكثرها من الحجنة والأخشاب على طريق بناء إسلامبول والإفرنج وزخرفوها وطلوها بالبياض الرقيق والأدهان والنقوش وكله سريع الاشتغال حتى أن الباشا لما بلغه هذا الحريق وكان مقيماً بشبرا تذكر بناء القلعة القديم وما كان فيه من المتانة ويلوم على تغيير الوضع السابق ويقول أنا كنت غائباً بالحجاز والمهندسون وضعوا هذا البناء وقد تلف في هذا الحريق ما ينيف عن خمسة وعشرين ألف كيس حرقاً ونهباً ولما حصل هذا الحريق انتقلت الدواوين إلى بيت طاهر باشا بالأزبكية وانقضى شهر رمضان.
واستهل شهر شوال بيوم الثلاثاء سنة 1235
وقع في تلك الليلة اضطراب في ثبوت الهلال لكونه كان عسر الرؤية جداً وشهد اثنان برؤيته ورد الواحد، ثم حضر آخر ولم يزالوا كذلك إلى آخر الليل، ثم حكم به عند الفجر بعد أن صليت التراويح وأوقدت المنارات وطاف المسحرون بطبلاتهم وتسخرت الناس وأصبح العيد بارداً.
وفي خامسه سافر الباشا إلى ثغر إسكندرية كعادته وأقام ولده إبراهيم باشا للنظر في الأحكام والشكاوى والدعاوى وكانت إقامته بقصره الذي أنشأه بشاطئ النيل تجاه مضرب النشاب وتعاظم في نفسه جداً ولما رجع إبراهيم باشا من سرحته شرعوا في عمل مهم لختان عباس باشا ابن أخيه طوسون باشا وهو غلام في السادسة فشرعوا في ذلك في تاسع عشره ونصبوا خياماً كثيرة تحت القصر وحضرت أرباب الملاعيب والحواة والمفزلكون والبهلوانيون وطبخت الأطعمة والحلواء والأسمطة وأوقدت الوقدات بالليل من المشاعل والقناديل والشموع بداخل القصر وتعاليق النجفات البلور وغير ذلك ورسموا بإحضار غلمان أولاد الفقراء فحضر الكثير منهم وأحضروا المزينين فختنوا في أثناء أيام الفرح نحو الأربعمائة غلام ويفرشون لكل غلام طراحة ولحافاً يرقد عليها حتى يبرأ جرحه، ثم يعطى لكل غلام كسوة وألف نصف فضة وفي كل ليلة يعمل شنك وحراقات ونفوط ومدافع بطول الليل ودعوا في أثناء ذلك كبار الأشياخ والقاضي والشيخ السادات والبكري وهو نقيب الأشراف أيضاً والمفاتي وصار كل من دخل منهم يجلسونه من سكوت ولم يقم لواحد منهم ولم يرد على من يسلم ولا بالإشارة السلام، ولم يكلمهم بكلمة يؤانسهم بها وحضرت المائدة فتعاطوا الذي تعاطوه حتى انقضى المجلس وقاموا وانصرفوا من سكوت.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشرينه خرجوا بالمحمل إلى الحصوة وأمير الحاج شخص من الدلاة لم نعرف اسمه.
وفي يوم الخميس عملوا الزفة لعباس باشا ونزلوا به من القلعة على الدرب الأحمر على باب الخرق إلى القصر وختنوه في ذلك اليوم وامتلأ طشت المزين الذي ختنه بالدنانير من نقوط الأكابر والأعيان وخلعوا عليه فروة وشال كشميري وأنعموا على باقي المزينين ثلاثين كيساً وانقضى ذلك.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرينه الموافق لثالث مسرى القبطي أوفى النيل أذرعه وكسر السد في صبحها يوم الأربعاء وجرى الماء في الخليج وذلك بحضرة كتخدا بك والقاضي.
وفي هذا الشهر، حضر طائفة من بواقي الأمراء المصرية من دنقلة إلى بر الجيزة وهم نحو الخمسة وعشرين شخصاً وملابسهم قمصان بيض لا غير فأقاموا في خيمة ينتظرون الإذن وقد تقدم منهم الإرسال بطلب الأمان عندما بلغهم خروج التجاريد وحضر ابن علي بك أيوب وطلب أماناً لأبيه فأجيبوا إلى ذلك وأرسل لهم أماناً لأجمعهم ما عدا عبد الرحمن بك والذي يقال له المنفوخ فليس يعطيهما أماناً ولما حضرت مراسلة الأمان لعلي بك أيوب تأهب للرحيل حقدوا عليه وقتلوه ووصل خبر موته فعملوا نعيه في بيت سكن زوجته الكائن بشمس الدولة وأكثروا من الندب والصراخ عدة أيام.
وفي هذا الشهر، حضر أشخاص من بلاد العجم وصحبتهم هدية إلى الباشا وفيها خيول فأنزلوهم ببيت حسين بك الشماشرجي بناحية سويقة العزى.

(3/6)