صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : عجائب الآثار
المؤلف : الجبرتي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

مبدأ ذلك تغير خاطره من إبراهيم جاويش وتغير خاطر إبراهيم جاويش منه لأمور وحقد باطني لا تخلو عنه الرياسة والإمارة في الممالك. والثاني أن على كاشف له حصة بناحية طحطا وباقي الحصة تعلق عبد الرحمن جاويش ابن حسن جاويش القازدغلي فأجرها لعثمان بك ونزل علي كاشف فيها على حصته وحصة مخدومه، فحضر إليه رجل وأغراه على قتل حماد شيخ البلد ويأخذ من أولاده مائة جنزرلي وحصاناً، ويعمل واحدا منهم شيخاً عوضاً عن أبيه، ففعل ذلك ووعده إلى أن يذهب منهم شخص إلى مصر ويأتي بالدراهم من الأمين وضمنهم الذي كان السبب في قتل أبيهم، فحضر شخص منهم إلى مصر وطلب من الأمين مائة جنزرلي، وحكى له ما وقع، فأخذه وأتى به إلى إبراهيم جاويش القازدغلي وعرفه بالقصة وما فعل علي كاشف بأغراء سالم شيخ البلد، وأنه ضمنهم أيضاً في المائة جنزرلي، وقد أتى في غرضين تمنع عنه علي كاشف وتخلص ثاره من سالم. فركب إبراهيم جاويش وأتى بيت عبد الرحمن جاويش وصحبته الولد فقص عليه القصة وفهمها ثم أنهم ركبوا وذهبوا عند عثمان بك فوجدوا عنده عبد الله كتخدا القازدغلي وعلي كتخدا الجلفي فسلموا وجلسوا فقال إبراهيم جاويش: نحن قد اتينا في سؤال، قال الصنجق: خير. فذكر القصة ثم قال له: أرسل أعزل علي كاشف وأرسل خلافه. فقال الصنجق: صاحب قيراط في الفرس يركب وهذا له حصة فلا يصح أني أعزله وللحاكم الخروج من حق المفسود. وتراددوا في الكلام إلى أن أحتد الصنجق وقال له إبراهيم جاويش: أنت لك غيره على بلاد الناس وسنتك فرغت وأنا أستأجرت الحصة. فقال له الصنجق: أنزل أعمل كاشفاً فيها على سبيل الهزل. فقام إبراهيم جاويش منتوراً وقام صحبته عبد الرحمن جاويش وذهبوا إلى بيت عمر بك، فوجدوا عنده خليل أغا قطامش وأحمد كتخدا البركاوي صنجق ستة فحكوا لهم القصة وما حصل بينهم وبين عثمان بك فقال أحمد كتخدا عزبان: الجمل والجمال حاضران أكتب ايجار حصة أخيك عبد الرحمن جاويش وخذ على موجبها فرمانا بالتصرف في الناحية، فأحضروا واحدا شاهدا وكتبوا الأيجار. وبلغ الخبر عثمان بك فأرسل كتخداه إلى الباشا يقول: لا تعط فرمانا بالتصرف في ناحية طحطا لإبراهيم جاويش، فلما خرجت الحجة أرسلها للباشا صحبة باشجاويش فامتنع الباشا من أعطاء الفرمان فقامت نفس إبراهيم جاويش من عثمان بك وعزم على غدره وقتله. ودار على الصناجق والوجاقلية وجمع عنده أنفاراً فسعى علي كتخدا الجلفي وبذل جهده في تمهيد النائرة وأرسل إبراهيم جاويش ابن حماد وقال له: لماتطلع البلد وزع كامل ما عندك وخليكم على ظهور الخيل ولما يأتيكم سالم أقتلوه واخرجوا من البلد حتى ينزل كاشف من طرفي أرسل لكم ورقة أمان أرجعوا وعمروا. فنزل الولد وفعل ما قاله له الجاويش فوصل الخبر على كاشف فركب خلفهم فلم يحصل منهم أحداً، وأرسل إبراهيم جاويش كاشفاً من طرفه بطائفة ومدافع ونقارية وورقة أمان لاولاد حماد. وأستمر على كتخدا يسعى حتى أصلح بين الصنجق والجاويش والذي في القلب في القلب كما قيل:
أن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
ولما أخذ الخبر علي كاشف بالخصومة، حضر إلى مصر قبل نزول الكاشف الجديد وكانت هذه القضية أوائل سنة 1149 قبل واقعة بيت الدفتر دار وقتل الأمراء.

(1/133)


وأما النفرة التي لم يندمل جرحها فهي دعوة برديس وفرشوط، وهو أن شيخ العرب همام رهن عند إبراهيم جاويش ناحية رديس تحت مبلغ معلوم لأجل معلوم وشرط فيه وقوع الفراغ بمضي الميعاد، فأرسل همام إلى المترجم يستعير جاهه في منع الفراغ بالناحية لإبراهيم جاويش، فأخبر عثمان بك الباشا وقال له: هوارة قبلي راهنون عند إبراهيم جاويش بلدا وأرسلوا يقولون أن أوقع فيها فراغه وأرسل لها كاشفاً قتلناه وقطعنا الجالب، فأنتم لا تعطونه فرمانا في بلاد هوارة فأنهم يوقفون المال والغلال. فلم يتمكن إبراهيم جاويش من عمل الفراغ ويطلب الدراهم فلا يعطيه، وطالت الأيام وعثمان بك مستمر على عناده وإبراهيم جاويش يتواقع على الأمراء والاختيارية فلم ينفذ له غرض، ويحتج عليه بأشياء وشبه قوية وحسابات وحوالات ونحو ذلك، إلى أن ضاق خناق إبراهيم جاويش فاجتمع على عمر بك وخليل بك وأنجمعوا على رضوان كتخدا، وكان أنفصل من كتخدائية الباب، فقالوا له: أما ان تكون معنا وأما أن ترفع يدك من عثمان بك. فلم يطاوع وقال: هذا لا يكون وكيف أني أفوت إنسانا بذل مجهوده في تخليص ثارنا من أخصامنا ولولا هو لم يبق منا إنسان. وكان وجاق العزب لهم صولة وخصوصاً بعد الواقعة الكبيرة ولا يقع أمر بمصر إلا بيدهم ومعونتهم. فلما أيسوا منه قالوا له: إذا كان كذلك فانت سياق عليه في قضية أخينا إبراهيم جاويش، فوعدهم بذلك وذهب عثمان بك وكلمه في خصوص ذلك. فقال: هذا شيء لا يكون ولا يفرحون به، فألح عليه في الكلام فنفر فيه وقال له أترك هذا الكلام وأشار إلى وجهه بالمذبة فأنجرح أنفه، فأخذ في نفسه رضوان كتخدا وأغتم وقال له: حيث أنك لم تقبل شفاعتي دونك وأياهم ولا أدخل بينك وبينهم. وركب إلى بيته وأرسل إلى إبراهيم جاويش عرفه بذلك، فركب في الوقت وأخذ صحبته حسن جاويش النجدلي وذهبوا إلى عمر بك فوجدوا عنده خليل بك ومحمد بك صنجق سته، فأجمعوا أمرهم وأتفقوا على الركوب على عثمان بك يوم الخميس على حين غفلة وهو طالع إلى الديوان، فأكمنوا له في الطريق فلما ركب في صبح يوم الخميس وصحتبه اسمعيل بك أبو قلنج خرج عليه خليل بك ومن معه وهجم على عثمان بك شخص وضربه بالسيف في وجهه فزاغ عنه ولم يصب إلا طرف أنفه، ولفت وجهه ودخل من العطفة النافذة إلى بيت مناو وراس الخيمية، وخاف من رجوعه على بيت إبراهيم جاويش، ومر على قصبة رضةان على حمام الوالي وهرب أبو قلتج إلى بيت نقيب الأشراف. وبلغ الخبر عبد الله كتخدا فركب في الحال ليتدارك القضية ويمنعه من الركوب، فوجده قد ركب، ولاقاه عند حمام الوالي فرجع صحبته إلى البيت، وإذا بإبراهيم جاويش وعلي جاويش الطويل وحسن جاويش النجدلي تجمعوا ومعهم عدة وافرة وأحاطوا بالجهات، وهجموا علي بيوت أتباعه واشراقاته، وأوقعوا فيها النهب، وأحرقوها بالنار، وركبوا المدافع في رؤوس السويقة وضربوا بالرصاص من كل جهة، وأخذوا ينقبون عليه البيت. فلما رأى ذلك الحال أمر بشد الهجن وركب وخرج من البيت وتركه بما فيه ولم يأخذ منه إلا بعض نقود مع أعيان المماليك، وطلع من وسط المدينة ومر على الغورية ودخل من مرجوش وخرج من باب الحديد وذهب إلى بولاق. ونزل في جامع الشيخ أبي العلا ولم يذهب أحد خلفه، بل غم أمره على غالب الناس، وعند خروجه دخل العسكر إلى بيته ونهبوه وسبوا الحريم والجواري وأخرجوا منه ما يجل عن الوصف، وأعتنى كثير من السراجين وغيرهم من ذلك اليوم، وصاروا تجاراً وأكابر، ولم يزالوا في النهب متى قلعوا الرخام والأخشاب وأوقدوا النار.وحضر أغات الينكجرية أواخر النهار وأخرج العالم وقفل الباب وأعطى المقتاح للوالي ليدفن القتلى ويطفيء النار. وأقامت النار وهز يطفئونها يومين، وكان أمرا شنيعاً. وأما عثمان بك فإنه لما نزل بمسجد أبي العلا وصحبته عبد الله كتخدا أقاما إلى بعد الغروب فأرسل عبد الله كتخدا إلى داره فأحضر خياماً وفراشاً وقومانية وركبوا بعد الغروب وذهبوا إلى جهة قبلي من ناحية الشرق، فلم يزالا إلى أن وصلا إلى اسيوط عند علي بك تابعه حاكم جرجا، وأجتمعت عليه طوائف القاسمية الهاربين الكائنين بشرق أولاد يحيى وغيرهم. وأما ما كان من إبراهيم جاويش القازدغلي فإنه جعل مملوكه عثمان أغات متفرقة، وكذلك رضوان كتخدا جعل مملوكه اسمعيل أغات عزب، وشرعوا في تشهيل تجريدة وجعلوا خليل بك

(1/134)


قطامش أمير العسكر. ووعدوه بولاية جرجا إذا فبض على عثمان بك. فجهزوا أنفسهم وجمعوا الاسباهية وسافروا إلى أن قربوا من ناحية أسيوط، فأرسلوا جواسيس لينظروا مقدار المجتمعين فرجعموا وأخبروا أنهم نحو خمسمائة جندي وعلي بك وسليمان بك وبشيير كاشف وطوائفهم، فأشاروا على عثمان بك بالهجوم على خليل بك ومن معه فلم يرض وقال: المتعدي مغلوب. ثم أنهم أرسلوا إلى إبراهيم جاويش يطلبون منه تقوية فأنهم في عزوة كبيرة، فشرع في تجهيز نفسه وأخذ صحبته علي جاويش الطويل وعلي جاويش الخربطلي وكامل أتباعهم وأنفارهم، وسافروا إلى أن وصلوا عند خليل بك. ووصل الخبر إلى عثمان بك فتفكر في نفسه ساعة ثم قال لعبد الله كتخدا القازدغلي: أنتم لم تفوتوا بعضكم. وأشار عليه بأن يطلع إلى عند السردار، وطلع عند السر دار وعدى عثمان بك ومن معه وأنعم على القاسمية الواصلين إليه، ورجعوا إلى أماكنهم. وسار هو من جهة الشرق إلى السويس ثم ذهب إلى الطور فاقام عند عرب الطور مدة أياماً. ووصل إبراهيم جاويش ومن معه إلى أسيوط فوجدوه قد أرتحل وحضر إليهم السر دار فأخبرهم بارتحال عثمان بك وتخلف عبد الله كتخدا عنده، فأرسل إليه علي جاويش الطويل فأحضره إلى إبراهيم جاويش وعاتبه، وأرتحل في ثاني يوم خوفاً من دخول عثمان بك مصر. ولما وصل إبراهيم جاويش إلى مصر أتفقوا على نفي عبد الله كتخدا إلى دمياط فسافر إليها بكامل أتباعها، ثم هرب إلى الشام وتوفي هناك، ورجعت إتباعه إلى مصر بعد وفاته. ولما وصل عثمان بك إلأى السويس أرسل القبطان الخبر بوروده البندر وصحبته سليمان بك وبشير كاشف بطوائفهم، وأنهم أخذوا من البندر سمناً وعسلاً وجبناً ودقيقاً وذهبوا إلى الطور، فعملوا جمعية في بيت إبراهيم بك قطامش واتفقوا على أرسال صمجقين وهما مصطفى بك جاهين ومحمد بك قطامش وصحبتهما أغات بلوك وأسباهية وكتخدا إبراهيم بك وكتخدا عمر بك وطلعوا إلى الباشا، فخلع عليهم قفاطين وجهزوا أنفسهم وأخذوا مدفعين وجبخانة وساروا. ووصل الخبر إلى عثمان بك فخاف على العرب وركب بمن معه وأتى قرب أجرود، فتلاقى فعهم هناك ووقعت بينهم معركة أبلى فيها علي بك وسليمان بك وبشير كاشف وقتل كتخدا إبراهيم بك، وكان عثمان بك نازلا بعيدا عن المعركة، فأرسل إليهم وأمرهم بالرجوع وأرتحل إلى الطور. وأما التجريدة فأنهم قطعوا رؤوسا من العرب ودخلوا بها مصر، وكان عثمان بك أرسل مكاتبة سراً إلى محمد أفندي كاتبه التركي يطلبه أن يأتيه إلى الطور، فحضر محمد أفندي المذكور إلى إبراهيم جاويش الذي أحضر رجلاً بدوياً طورياً وسلمه له فأركبه هجينا وسار به إلى الطور، فلما وصل إليه وأجتمع به زين له الذهاب إلى اسلامبول حسن له ذلك، وأنه يحصل له بذلك وجاهة ورفعة، ويحصل من بعد الأمور أمور. فوافق على ذلك وعزم عليه،وركب عثمان بك ومحمد أفندي ومعهم جماعة عرب أوصلوهم إلى الشام ومنها ذهب إلى اسلامبول، ودخل علي بك وسليمان بك وبشير أغا إلى مصر، وبعد مدة ظهر بشير أغا فأرسله إبراهيم جاويش قائمقام على أمانة في الصعيد. ولما وصل المترجم إلى اسلامبول وقابل رجال الدولة أكرموه وأنزلوه بمنزل متسع باتباعه وخدمه، وعينوا له كفايته من كل شيء. وأجتمع بالسلطان وسأله عن أحوال مصر فأخبره، فقال له من جملة الكلام، وما صنعت مع أخوانك حتى تعصبوا عليك وأخرجوك؟ قال: لكوني أقول الحقق وأقيم الشرع فعلوا معي ما فعلوه ونهبوا من بيتي ما يزيد على ألفي كيس ومن وسايا البرد والخيار الشنبر ألف كيس وحلوان بلادي ألف كيس. فأمر بكتابة مرسوم وطلب أربعة آلاف كيس وعينوا بذلك قابجي باشا ويكرمي سكزجلبي الذي كان الجي في بلاد الموسكو وبلاد فرنسيس، وحضروا إلى مصر في أيام محمد باشا الذي تولى بعد يحيى باشا المعروف باليدكشي وذلك أواخر سنة سبع وخمسين. فلما قرئ ذلك المرسوم قالوا في الجواب: أما البيت فقد نهبته العسكر والرعايا والأوسية، والخيار الشنبر نهبته أتباعه وخدمه والعرب والفلاحون، وأما حلوان البلاد فعندما يتحرر الحساب فيخصم منه الذي في عهدته من المال السلطاني وما بقي ندفعه مثل العادة عن ثلاث سنوات فقال لهم: يكرمي سكزجلبي، حرروا ثمن البلاد والخيار الشنبر وأخصموا منه ما عليه، وما بقي أكتبوا به عرض محضر ويذهب به قابجي باشا ويرجع لكم بالجواب. ففعلوا ذلك وذهب به قابجي

(1/135)


باشا وصحبته سمعيل بك أبو قلنج بخزينة سنة ست وخمسين، ولما عرض قابجي باشا العرض بحضرة عثمان بك قال: ليس في جهتي هذا القدر، ولكن أرسلوا بطلب الرزنامجي وأحمد السكري كتخدادي وكاتبي يوسف وجيش، فكتبوا فرمانا بحضور المذكورين وأرسلوه صحبة جوخدار معين خطاباً إلى محمد باشا ويكرمي سكز جلبي وذكروا فيه أن يكرمي سكز جلبي يخضر بثلث الحوان بولصة. فلما وصل الجوخدار جمع الباشا الصناجق والأغوات والبلكات وقرأ عليهم ذلك المرسوم. فقالوا في الجواب: أن من يوم هروب المترجم وخروجه من مصر لم نر كتخداه ولا يوسف وجيش الكاتب، وأما الروزنامجي فهو حاضر ولكنه لا النقص ولا الزيادة لآن المبري محرر في المقاطعات، والحال أن ابن السكري كان ممن نافق على أستاذه حتى وقع له ما وقع وأخذه إبراهيم جاويش عنده وجعله كتخدا، وبعد مدة جعله متفرقة باشا ثم قلده الصنجقية وهو أحمد بك السكري أستاذ يحيى كاشف أستاذ علي كتخدا الموجود الأن الذي كان ساكنا بالسبع قاعات وبها أشتهر. ثم أنهم أكرموا سكز جلبي وقدموا له التقادم وعملوا له عزائم وولائم وهادوه بهدايا، ثم أعطوه بولصة بثلث الحلوان وسافر من مصر مثنيا ومادحا في القطامشة والدمايطة والقازدغلية. ثم أنهم أرسلوا عثمان بك إلى برصا فأقام بها مدة سنين ثم رجع إلى اسلامبول وأستمر بها إلى أن مات في حدود سنة 1190. وأما يوسف وجيش فالتجأ إلى عبد الرحمن كتخدا القازدغلي، ولما سافر عثمان بك من أجرود إلى الشام وأرتاحوا من قبله قلد إبراهيم جاويش عثمان أغات تابعه أغات المتفرقة وجعله صنجقاً وهو عثمان بك الذي عرف بالجرجاوي، وهو أول أمرئه، وكذلك رضوان كتخدا الجلفي قلد تابعه اسمعيل أغات العزب والصنجقية، وعزلوا يحيى باشا وحضر بعده محمد باشا اليدكشي. وتقلد إمارة الحج سنة 1156 إبراهيم بك بلغيه ورجع مريضاً في تختروان سنة 1157. وترك المترجم بمصر ولدين عاشا وشابت لحاهماوبنتاً تزوج بها بعض الأمراء، وأتفق أيه سافر إلى اسلامبول في بعض المهمات ولم يقدر على مواجهة صهره ولم يقدر أحد على ذكره له مطلقا لشدة غيرته وحدة طبيعته، وفي أواخر أمره أقعد ولم يقدر على النهوض، فكانوا يحملونه لركوب الحصان. فإذا أستوى راكباً أقوى من الشاب الصحيح، ورمح وصفح وسابق ولم يزل باسلامبول حتى مات كما ذكر وكما سيأتي في تاريخ سنة وفاته.وصحبته سمعيل بك أبو قلنج بخزينة سنة ست وخمسين، ولما عرض قابجي باشا العرض بحضرة عثمان بك قال: ليس في جهتي هذا القدر، ولكن أرسلوا بطلب الرزنامجي وأحمد السكري كتخدادي وكاتبي يوسف وجيش، فكتبوا فرمانا بحضور المذكورين وأرسلوه صحبة جوخدار معين خطاباً إلى محمد باشا ويكرمي سكز جلبي وذكروا فيه أن يكرمي سكز جلبي يخضر بثلث الحوان بولصة. فلما وصل الجوخدار جمع الباشا الصناجق والأغوات والبلكات وقرأ عليهم ذلك المرسوم. فقالوا في الجواب: أن من يوم هروب المترجم وخروجه من مصر لم نر كتخداه ولا يوسف وجيش الكاتب، وأما الروزنامجي فهو حاضر ولكنه لا النقص ولا الزيادة لآن المبري محرر في المقاطعات، والحال أن ابن السكري كان ممن نافق على أستاذه حتى وقع له ما وقع وأخذه إبراهيم جاويش عنده وجعله كتخدا، وبعد مدة جعله متفرقة باشا ثم قلده الصنجقية وهو أحمد بك السكري أستاذ يحيى كاشف أستاذ علي كتخدا الموجود الأن الذي كان ساكنا بالسبع قاعات وبها أشتهر. ثم أنهم أكرموا سكز جلبي وقدموا له التقادم وعملوا له عزائم وولائم وهادوه بهدايا، ثم أعطوه بولصة بثلث الحلوان وسافر من مصر مثنيا ومادحا في القطامشة والدمايطة والقازدغلية. ثم أنهم أرسلوا عثمان بك إلى برصا فأقام بها مدة سنين ثم رجع إلى اسلامبول وأستمر بها إلى أن مات في حدود سنة 1190. وأما يوسف وجيش فالتجأ إلى عبد الرحمن كتخدا القازدغلي، ولما سافر عثمان بك من أجرود إلى الشام وأرتاحوا من قبله قلد إبراهيم جاويش عثمان أغات تابعه أغات المتفرقة وجعله صنجقاً وهو عثمان بك الذي عرف بالجرجاوي، وهو أول أمرئه، وكذلك رضوان كتخدا الجلفي قلد تابعه اسمعيل أغات العزب والصنجقية، وعزلوا يحيى باشا وحضر بعده محمد باشا اليدكشي. وتقلد إمارة الحج سنة 1156 إبراهيم بك بلغيه ورجع مريضاً في تختروان سنة 1157. وترك المترجم بمصر ولدين عاشا وشابت لحاهماوبنتاً تزوج بها بعض الأمراء، وأتفق أيه سافر إلى اسلامبول في بعض المهمات ولم يقدر على مواجهة صهره ولم يقدر أحد على ذكره له مطلقا لشدة غيرته وحدة طبيعته، وفي أواخر أمره أقعد ولم يقدر على النهوض، فكانوا يحملونه لركوب الحصان. فإذا أستوى راكباً أقوى من الشاب الصحيح، ورمح وصفح وسابق ولم يزل باسلامبول حتى مات كما ذكر وكما سيأتي في تاريخ سنة وفاته.

(1/136)


ومات مصطفى بك الدفتر دار من أشراقات عثمان بك، وذلك أنه سافر أميراً على العسكر الموجه إلى بلاد العجم ومات هناك سنة 1155.
ومات أيضاً اسمعيل بك أبو قلنج وكان سافر أيضاً بالخزينة عن سنة 1156، ومات باسلامبول ودفن هناك.
ومات الأمير عمر بك بن علي بك قطامش، تقلد الإمارة والصنجقية سنة 1149 في رجب بعد واقعة بيت محمد بك الدفتر دار، ولما قتل والده علي بك مع استاذ محمد بك أجتمع الأمراء والاختيارية بباب الينكجرية وأحضروا المترجم وطلعوا به إلى الباشا وقلدوه الإمارة ليأخذ بثار أبيه، وجرى ما جرى على أخصامهم. وطهر شأن المترجم ونما أمره وأشتهر صيته وتقلد إمارة الحج سنة 1154 ورجع سنة 1155، ولم يزل حتى حصلت كائنة قتل خليل بك ومن معه بالديوان سنة 1160، فخرج المترجم هارباً من مصر إلى الصعيد ثم ذهب إلى الحجاز ومات هناك.
ومات علي بك الدمياطي ومحمد بك قتلا في اليوم الذي قتل فيه خليل بك قطامش وعمر بك بلاط بالديوان في القلعة في ولاية محمد باشا راغب كما تقدم، ومحمد بك المذكور من القطامشة، وكان أغات مستحفظان فحصل دور السفر بالخزينة إلى عمر بك ابن علي بك المذكور فقلده الصنجقية وسافر بالخزينة عوضاً عنه سنة سبع وخمسين ومائة وألف. ومات أبو مناخير فضة، وذلك أنه كا ببيت أستاذه رضوان كتخدا في ليالي مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان جعله باش نفر عنده فأقام يتفرج إلى نصف الليل، وأراد الذهاب إلى بيته فركب حماره وسار، وخلفه عبده من طريق تربة الازبكية، على قنطرة الأمير حسين، وإذا بجماعة من أتباع الدمايطة ضربوه بالسلاح وهرب العبد والخدام وظنوا أنه مات، فتركوه ثم رجعوا إليه بعد ساعة، فوجدوا فيه الروح فحملوه على الحمار وساروا، فلاقاهم أوده باشة البوابة وهو من الدمايطة فوجد فيه الروح فكمل قتله، فذهب العبد وعرف جماعة رضوان كتخدا، فحضر منهم طائفة وشالوه ودفنوه في صبحها. وأرسل رضوان كتخدا عرف إبراهيم جاويش بذلك فعزل الأوده باشة وولى خلافه وذلك في أواخر قبل واقعة الدمايطة.
ومات علي كاشف قرقوش وهو من أتباع عثمان بك ذي الفقار المخفيين وذلك أن أوده باشة البوابة الذي تولى بعد عزل الأوده باشة الذي كمل قتل أبي مناخير فضة سرج بعد المغرب، وجلس عند قنطرة سنقر، وإذا بإنسان جائز بالطريق وهو مغطى الرأس فقبضوا عليه ونظروا في وجهه فوجدوه علي قرقاش فعرفوا عنه إبراهيم جاويش، فأمر الوالي بقتله فقتله والله أعلم بالحقائق.
في ذكر حوادث مصر ابنداء من سنة 1162
في ذكر حوادث مصر وتراجم أعيانها وولاتها من ابتداء سنة اثنتين وستين ومائة وألف إلى أواخر سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، وذلك بحسب التيسير والأمكان ومالا يدرك كله لا يترك كله. فنقول لما عزل الجناب المكرم حضرة محمد باشا راغب في الواقعة التي خرج فيها حسن بك الخشاب ومحمد بك اباظة، ونزل من القلعة إلى بيت دوعزجان تجاه المظفر كما تقدم، ثم سافر في أواخر سنة أحدة وستين ومائة وألف كما تقدم إلى ثغر رشيد.
ولاية أحمد باشا المعروف بكور وزير

(1/137)


ووصل حضرة الجناب الأفخم أحمد باشا المعروف بكور وزير، وسبب تلقبه بذلك أنه كان بعينه بعض حول فطلع إلى ثغرسكندرية ووصلت السعاة ببشائر قدومه، فنزلت إليه الملاقاة وأرباب العكاكيز وأصحاب الخدم مثل كتخدا الجاويشية وأغات المتفرقة والترجمان وكاتب الحوالة وغيرهم وكان الكاشف بالبحيرة إذ ذاك حسن أغا كتخدا بك تابع عمر بك، وتوفي هناك، فأرسل عمر بك لكتخداه حسن أغا المذكور بان يستمر في المنصب عوضاً عن مخدومه المتوفى، حتى تتم السنة، وخرج عمر بك من مصر، وأستمر المذكور بالبحيرة إلى أن أحضر احمد باشا المذكور إلى إسكندرية فحضر إلأيه وتقيد بخدمته وجمع الخيول لركوب أغواته وأتباعه، والجمال لحمل أثقاله، وقدم له تقادم عمل له السماط بالمعدية حكم المعتاد، وعرفه حاله ووفاة أستاذه وخروج سيدهم من مصر، فخلع عليه الباشا صنجقية أستاذه وأعطاه بلاده من غير حلوان وذلك قبل وصول الملاقاة. ووصل خبر ذلك إلى مصر، فأرسل المتكلمون إلى كتخدا الجاويشية يقولون له أن المذكور رجل ضعيف ولا يليق بالصنجقية، فقالوا للباشا ذلك فأغتاظ فسكتوا، ووصل إلى رشيد وأجتمع هناك براغب باشا، وسافر في المركب التي حضر فيها أحمد باشا وحضر إلى مصر، وطلع بالموكب المعتاد إلى القلعة في غرة المحرم سنة 1162 وضربوا له المدافع والشنك من أبراج الينكجرية وعمل الديوان وخلع الخلع على الأمراء والاعيان والمشايخ، وخلصت رياسة مصر وأمارتها إلى إبراهيم جاويش ورضوان كتخدا، وقلد إبراهيم جاويش مملوكه علي أغا وهو الذي عرف بالغزاوي صنجقياً وكذلك حسين أغا، وهو الذي عرف بكشكش. وكذلك قلد رضوان كتخدا أحمد آغا خازنداره صنجقياً، فصار لكل واحد منهما ثلاثة صناجق هو عثمان وعلي وحسين الابراهيمية واسمعيل وأحمد ومحمد الرضوانية. ثم أن إبراهيم جاويش عمل كتخدا الوقت ثلاثة أشهر وأنفصل عنها. وحضر عبد الرحمن كتخدا القازدغلي من الحجاز وعمل كتخدا الوقت بباب مستحفظان سنتين، وشرع في عمل الخيرات وبناء المساجد وأبطل الخمامير. وسيأتي تتمة ذلك في ترجمته سنة وفاته. وأقام أحمد باشا في ولاية مصر إلى عاشر شوال سنة 1163، وكان من أرباب الفضائل، وله رغبة في العلوم الرياضية، ولما وصل إلى مصر وأستقر بالقلعة وقابله صدور العلماء في ذلك الوقت، وهم الشيخ عبد الله الشبراوي شيخ الجامع الأزهر والشيخ سالم النفراوي والشيخ سليمان المنصوري فتكلم معهم وناقشهم وباحثهم، ثم تكلم معهم في الرياضيات فأحجموا وقالوا لا نعرف هذه العلوم فتعجب وسكت. وكان الشيخ عبد الله الشبراوي له وظيفة الخطابة بجامع السراية، ويطلع في كل يوم جمعة ويدخل عند الباشا ويتحدث معه ساعة، وربما تغدى معه، ثم يخرج إلى المسجد ويأتي إلى الباشا في خواصه فيخطب الشيخ ويدعو للسلطان وللباشا ويصلي بهم ويرجع الباشا إلى مجلسه وينزل الشيخ إلى داره. فطلع الشيخ على عادته في يوم الجمعة وأستأذن ودخل عن الباشا يحادثه، فقال له الباشا: المسموع عندنا بالديار الرومية أن مصر منبع الفضائل والعلوم وكنت في غاية الشوق إلى المجيء إليها، فلما جئتها وجدتها كما قيل تسمع معدن العلوم والمعارف. فقال: وأين هي وأتنم أعظم علمائها وقد سألتكم عن مطلوبي من العلوم فلم أجد عندكم منها شيئاً، وغاية تحصيلكم الفقه والمعقول والوسائل، ونبذتم المقاصد. فقال له نحن لسنا أعظم علمائها وأنما نحن المتصدرون لخدمتهم وقضاء حوائجهم عند أرباب الدولة والحكام، وغالب أهل الأزهر لا يشتغلون بشيء من العلوم الرياضية إلا بقدر الحاجة الموصلة إلى علم الفرائض والمواريث، كعلم الحساب والغبار. فقال له: وعلم الوقت كذلك من العلوم الشرعية بل هو من شروط صحة العبادة، كالعلم بدخول الوقت وأستقبال القبلة وأوقات الصوم والأهلة وغير ذلك. فقام: نعم مرفة ذلك من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذه العلوم تحتاج إلى لوازم وشروط وآلات وصناعات وأمور ذوقية، كرقة الطبيعة حسن الوضع والخط والرسم والتشكيل والامور العطاردية وأهل الأزهر بخلاف ذلك غالبهم فقراء وأخلاط مجتمعة من القرى والآفاق فيندر فيهم القابلية لذلك. فقال: وأين البعض؟ فقال: موجودون في بيوتهم يسعى إليهم. ثم أخبره عن الشيخ الوالد وعرفه عنه وأطنب في ذكره فقال: التمس منكم أرساله عندي. فقال: يا مولانا أنه عظيم القدر وليس هو تحت

(1/138)


أمري. فقال: وكيف الطريق إلى حضوره. قال: تكتبون له ارسالية مع بعض خواصكم فلا يسعه الأمتناع. ففعل ذلك وطلع إليه ولبى دعوته وسر برؤياه وأغتبط به كثيراً. وكان يترد إليه يومين في الجمعة وهما السبت والأربعاء، وأدرك منه مأموله وواصله بالبر و الأكرام الزائد الكثير، ولازم المطالعة عليه مدة ولايته. وكان يقول: لو لم أغنم من مصر إلا أجتماعي بهذا الأستاذ لكفاني. ومما أتفق له لما طالع ربع الدستور وأتقنه، طالع بعده ((وسيلة الطلاب في أستخراج الأعمال بالحساب))، وهو مؤلف دفيق للعلامة المارديني، فكان الباشا يختلي بنفسه ويستخرج منه ما يستخرجه بالطرق الحسابية ثم يستخرجه من النجيب، فيجده مطابقاً. فاتفق له عدم المطابقة في مسألة من المسائل فاشتغل ذهنه وتحير فكره إلى أن حضر إليه الأستاذ في الميعاد، فأطلعة على ذلك وعن السبب في عدم المطابقة، فكشف له علة ذلك بديها. فلما أنجلى وجهها على مرآه عقله كاد يطير فرحاً وحلف أن يقبل يده ثم أحضر له فروة من ملبوسه السمور باعها المرحوم بثمانمائة دينار. ثم أشتغل عليه برسم المزاول والمنحرفات حتى أتقنها ورسم على اسمه عدة منحرفات على ألواح كبيرة من الرخام صناعة وحفراً بالأزمير كتابة ورسماً.مري. فقال: وكيف الطريق إلى حضوره. قال: تكتبون له ارسالية مع بعض خواصكم فلا يسعه الأمتناع. ففعل ذلك وطلع إليه ولبى دعوته وسر برؤياه وأغتبط به كثيراً. وكان يترد إليه يومين في الجمعة وهما السبت والأربعاء، وأدرك منه مأموله وواصله بالبر و الأكرام الزائد الكثير، ولازم المطالعة عليه مدة ولايته. وكان يقول: لو لم أغنم من مصر إلا أجتماعي بهذا الأستاذ لكفاني. ومما أتفق له لما طالع ربع الدستور وأتقنه، طالع بعده ((وسيلة الطلاب في أستخراج الأعمال بالحساب))، وهو مؤلف دفيق للعلامة المارديني، فكان الباشا يختلي بنفسه ويستخرج منه ما يستخرجه بالطرق الحسابية ثم يستخرجه من النجيب، فيجده مطابقاً. فاتفق له عدم المطابقة في مسألة من المسائل فاشتغل ذهنه وتحير فكره إلى أن حضر إليه الأستاذ في الميعاد، فأطلعة على ذلك وعن السبب في عدم المطابقة، فكشف له علة ذلك بديها. فلما أنجلى وجهها على مرآه عقله كاد يطير فرحاً وحلف أن يقبل يده ثم أحضر له فروة من ملبوسه السمور باعها المرحوم بثمانمائة دينار. ثم أشتغل عليه برسم المزاول والمنحرفات حتى أتقنها ورسم على اسمه عدة منحرفات على ألواح كبيرة من الرخام صناعة وحفراً بالأزمير كتابة ورسماً.
ولاية عبد الله باشا
وصل الخبر بولاية الشريف عبد الله باشا ووصل إلى إسكندرية، ونزل أحمد باشا إلى بيت البيرقدار وسافرت الملاقاة للباشا الجديد، ثم وصل إلى مصر في شهر رمضان سنة 1164 وطلع إلى القلعة، فأقام في ولاية مصر إلى سنة 1166ثم عزل عن مصر وولي حلب، فنزل إلى القصر بقبة العزب وهاداه الأمراء، ثم سافر إلى منصبه. ووصل محمد باشا أمين فطلع إلى القلعة وهو منحرف المزاج فأقام في الولاية نحو شهرين وتوفي في خامس شهر شوال سنة 1166ودفن بجوار قبة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه.
قصد نصارى القبط الحج إلى بيت المقدس
وفي هذا التاريخ أحضر بطرك الأروام مرسوما سلطانيا بمنع طائفة النصارى الشوام من دخولهم كنائس الإفرنج، وأن دخلوا فأنهم يدفعون للدولة ألف كيس، فأرسل إبراهيم كتخدا فأخذ أربعة قسوس من دير الإفرنج وحبسهم، وأخذ منهم مبلغاً عظيماً من المال. وأستمر نصارة الشوام يدخلون كنائس الأفرانج ولعلها من تحيلات إبراهيم كتخدا.

(1/139)


ومن الحوادث أيضاً في نحو هذا التاريخ أن نصارى الأقباط قصدوا الحج إلى بيت المقدس وكان كبيرهم إذ ذلك نوروز كاتب رضوان كتخدا، فكلم الشيخ عبد الله الشبراوي في ذلك وقدم له هدية وألف دينار، فكتب له فتوى وجوابا ملخصه أن أهل الذمة لا يمنعون من دياناتهم وزياراتهم. فلما تم لهم ما أرادوا شرعوا في قضاء أشغالهم وتشهيل إغراضهم، وخرجوا في هيئة وأبها وأحمال ومواهي وتختروانات فيها نساؤهم وأولادهم ومعهم طبول وزمور، ونصبوا لهم عرضياً عند قبة العزب، وأحضروا العربان ليسيروا في خفارتهم، وأعطوهم أموالاً وخلعاً وكساوي وأنعامات. وشاع أمر هذه القضية في البلد واستنكرها الناس فحضر الشيخ عبد الله الشبراوي إلى بيت الشيخ البكري كعادته وكان علي أفندي أخو سيدي بكري متمرضاً فدخل إليه بعوده، فقال له: أي شيء هذا الحال يا شيخ الإسلام على سبيل التبكيت، كيف ترضى وتفتي النصارة وتأذن لهم بهذه الأفعال لكونهم رشوك وهادوك. فقال: لم يكن ذلك. قال: بل رشوك بألف دينار وهدية وعلى هذا تصير لهم سنة ويخرجون في العام القابل بأزيد من ذلك ويصنعون لهم محملاً ويقال حج النصارى، وحج المسلمين وتصير سنة عليك، وزرها إلى يوم القيامة. فقام الشيخ وخرج من عنده مغتاظاً وأذن للعامة في الخروج عليهم ونهب ما معهم، وخرج كذلك معهم طائفة من مجاوري الأزهر، فأجتمعوا عليهم ورجموهم وضربوهم بالعصي والمساوق، ونهبوا ما معهم وجرسوهم ونهبوا أيضاً الكنيسة القريبة من دمرداش، وأنعكس النصارى في هذه الحادثة عكسة بليغة وراحت عليهم وذهب ما صرفوه وانفقوه في الهباء.
ولاية مصطفى باشا وعزله وولاية علي باشا أوغلي الثانية
وحضر مصطفى باشا وطلع إلى القلعة ثالث عشر ربيع الأول 1167 وأستمر والياً على مصر إلى أن ورد الخبر بعزله في أوائل شهر ربيع الأول سنة 1169 وولاية حضرة الوزير المكرم علي باشا حكيم أوغلي وهي ولايته الثانية. وطلع إلى سكندرية، ونزلت إليه الملاقاة وأرباب المناصب والعكاكيز. ثم حضر إلى مصر وطلع إلى القلعة يوم الأثنين غرة شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة، وسار في مصر سيرته المعهودة وسلك طريقته المشكورة المحمودة، فأحيا مكارم الأخلاق وأدر على رعيته الأرزاق، بحلم وبشر ربي عليهما فكانا له طبعاً وصدر رحب لا يضيق بنازله ذرعاً. واستمر في ولاية مصر إلى شهر رجب سنة 1171.
ذكر من مات في هذه الأعوام من العلماء والأعيان
مات العلامة شيخ المشايخ شمس الدين الشيخ محمد القليني الأزهري وكان له كرامات مشهورة ومآثر مذكورة، منها أنه كان ينفق من الغيب لأنه لم يكن له أيراد ولا ملك ولا وظيفة، ولا يتناول من أحد شيئاً وينفق أنفاق من لا يخشى الفقر وإذا مشى في السوق تعلق به الفقراء فيعطيهم الذهب والفضة وإذا دخل الحمام دفع الآجرة عن كل من فيه. توفي سنة 1164.
ومات الشيخ الإمام الفقيه المحدث المسند محمد بن أحمد بن يحيى بن حجازي العشماوي الشافعي الأزهري، تفقه على الشيخ عبده الديوي والشهاب أحمد بن عمر الديربي وسمع الحديث على الزرقاني وبعد وفاته أخذ الكتب الستة عن تلميذه الشهاب أحمد بن عبد اللطيف المنزلي، وانفرد بعلو الأسناد وأخذ عنه غالب فضلاء العصر، توفي يوم الأربعاء ثاني عشري جمادى الأولى سنة 1167 ودفي بتربة المجاورين.
ومات الشيخ الإمام العلامة سالم بن محمد النفراوي المالكي الأزهري المفتي الضرير، أخذ عن الشيخ العمدة أحمد النفراوي الفقه وأخذ الحديث عن الشيخ محمد الزرقاني والشيخ محمد بن علاء الدين البابلي ببيته بالازبكية والشبراملسي وغيرهم، وكان مشهوراً بمعرفة فروع المذهب وأستحضار الفروع الفقهية. وكانت حلقة درسه أعظم الحلق وعليه مهابة وجلالة. توفي يوم الخميس سادس عشر من شهر صفر سنة 1168.

(1/140)


ومات الشيخ الفقيه المفتي العلامة سليمان بن مصطفى بن عمر بن الولي العارف الشيخ محمد المنير المنصوري الحنفي أحد الصدور المشار إليهم، ولد سنة 1078 بالنقيطة إحدى قرى المنصورة، وقدم الأزهر فأخذ عن شيوخ المذهب كشاهين الأرمناوي وعبد الحي بن عبد الحق والشرنبلالي وأبي الحسن علي بن محمد العقدي وعمر الزهري وعثمان النحريري وقائد الأبياري شارح الكنز، فاتقن الأصول ومهر في الفروع ودارت عليه مشيخة الخنفية، ورغب الناس في فتاويه وكان جليل القدر عالي الذكر مسموع الكلمة مقبول الشفاعة. توفي سنة 1169.
ومات الشيخ الإمام الفاضل الصالح الشاعر الأديب عمر بن محمد بن عبد الله الحسيني الشنواني من ولد القطب شهاب الدين العراقي دفين شنوان، قرأ على أفاضل عصره وتكمل في الفنون وإلقى دروسا بالأزهر. توفي في رجب سنة1167.
ومات الأجل المكرم الحاج صالح الفلاح وهو أستاذ الأمراء المعروفين بمصر المشهورين بجماعة الفلاح وينسبون إلى القازدغلية. وكان متمولا ذا ثروة عظيمة وشيخ، وأصله غلام يتيم فلاح من قرية من قرى المنوفية، يقال لها الراهب. وكان خادماً لبعض أولاد شيخ البلد فانكسر عليه المال فرهن ولده عند الملتزم وهو علي كتخدا الحلفي ومعه صالح هذا وهما غلامان صغيران، فأقاما ببيت علي كتخدا حتى غلق أبوه ما عليه من المال و استلم ابنه ليرجع به إلى بلده، فامتنع صالح وألف المقام ببيت الملتزم وأستمر به يخدم مع صبيان الحريم، وكان نبيهاً خفيف الروح والحركة. ولم يزل يتنقل في الأطوار حتى صار من أرباب الأموال، وأشترى المماليك والعبيد والجواري ويزوجهم من بعضهم ويشتري لهم الدور والإيراد، ويدخلهم في الوجاقات والبلكات، بالمصانعات والرشوات لأرباب الحل والعقد والمتكلمين، وتنقلوا حتى تلبسوا بالمناصب الجليلة كتخدا آت واختيارية وأمراء طلخانات وجاويشية وأوده باشية وغير ذلك، حتى صار من مماليكه من يركب في العذارات فقط نحو المائة، وصار لهم بيوت وأتباع ومماليك وشهرة عظيمة بمصر، وكلمة نافذة وعزوة كبيرة. وكان يركب حماراً ويعتم عمة لطيفة على طربوش وخلفه خادمه، ومات في سن السبعين ولم يبق في فمه سن، وكان قال له صالح جلبي والحاج صالح، وبالجملة فكان من نوادر الزمن وكان يقرض إبراهيم كتخدا وأمراءه بالمائة كيس وأكثر، وكذلك غيرهم ويخرج الأموال بالربا والزيادة، وبذلك أنمحقت دولتهم وزالت نعمهم في أقرب وقت، وآل أمرهم إلى البوارهم وأولادهم وبواقيهم، لذهاب ما في أيديهم، وصاروا أتباعاً وأعواناً للامراء المتأخرين.

(1/141)


ومات الأمير إبراهيم كتخدا تابع سليمان كتخدا القازدغلي، وسليمان هذا تابع مصطفى كتخدا والد عبد الرحمن كتخدا المشهور، لبس الضلمة في سنة 1148 وعمل جاويشاً وطلع سر دار قطار في الحج في إمارة عثمان بك ذي الفقار سنة 1153. وفي تلك السنة أستوحش منه عثمان بك باطناً لأنه كان شديد المراس قوي الشكيمة، وبعد رجوعه من الحج في سنة 1152 نما ذكره وأنتشر صيته ولم يزل من حينئذ ينمو أمره وتزيد صولته وتنقذ كلمته، وكان ذا دهاء ومكر وتحيل ولين وقسوة وسماحة وسعة صدر وتؤدة وحزم وأقدام ونظر في العواقب. ولم يزل يدبر على عثمان بك وضم إليه كتخداه أحمد السكري ورضوان كتخدا الحلفي وخليل بك قطامش عمر بك بسبب منافسة معه على بلاد هوارة كما تقدم، حتى أوقع به على حين غفلة وخرج عثمان بك من مصر على الصورة المتقدمة فعند ذلك عظم شأنه وزادت سطوته وأستكثر من شراء المماليك، وقلد عثمان مملوكه الذي كان أغات متفرقة صنجقاً وهو أول صناجقه، وهو الذي عرف بالجرجاوي. ولما قتل خليل بك قطامش وعمر بك بلاط وعلي بك الدمياطي ومحمد بك في أيام راغب باشا بمغامرة حسين بك الخشاب، ثم حصلت أيضاً كائنة الخشاب وخروجه ومن معه من مصر، وزالت دولة القطامشة والدمايطة والخشابية، وعزلوا راغب باشا في أثناء ذلك، كما تقدم، فعند ذلك أنتهب رئاسة مصر وسيادتها للمترجم وقسيمه رضوان كتخدا الجلفي ونفذت كلمتهما وعلت سطوتهما على باقي الأمراء والاختيارية الموجودين بمصر وتقلد المترجم كتخدائية باب مستحفظان ثلاثة أشهر، ثم أنفصل عنها. وذلك كما يقال لأجل حرمة الوجاق وقلد مملوكيه عليا وحسيناً صنجقين وكذلك رضوان كتخدا، كما سبق وصار لكل واحد منهما ثلاثة صناجق. وأشتغل المترجم بالأحكام وقبض الأموال الميرية وصرفها في جهاتها، وكذلك العلوفات وغلال الأنبار ومهمات الحج والخزينة ولوازم الدولة والولاة، وقسيمه رضوان كتخدا مشتغل بلذاته ومنهمك على خلاعاته، ولا يتدخل في شيء مما ذكر، والمترجم يرسل له الأموال ويوالي بر الجميع ويراعي خواطرهم وينفذ أغراضهم، وعبد الرحمن كتخدا مشتغل بالعمائر وفعل الخيرات وبناء المساجد. وأستكثر المترجم من شراء المماليك وقلدهم الأمريات والمناصب وقلد إمارة الحج لمملوكه علي بك الكبير، وطلع بالحج ورجع سنة 1167. وفي تلك السنة نزل على الحجاج سيل عظيم بمنزلة ظهر الحمار، فأخذ معظم الحجاج بجمالهم وأحمالهم إلى البحر ولم يرجع من الحجاج إلا القليل. ومما يحكى عنه أنه رأى في منامه أن يديه مملوءتان عقارب، فقصها على الشيخ الشبراوي، فقال: هؤلاء مماليك يكونون مثل العقارب ويسري شرهم وفسادهم لجميع الناس. فإن العقرب لدغت النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم: لعن الله العقرب، لا تدع نبياً ولا غيره إلا لدغته، وكذا يكون مماليكك. وكان الأمر كذلك وليس للمترجم مآثر أخروية ولا أفعال خيرية يدخرها في ميعاده ونخفف عنه بها ظلم خلقه وعباده، بل كان معظم أجتهاده الحرص على الرياسة والإمارة عمر داره التي بخط قوصون بجوار دار رضوان كتخدا والدار التي بباب الخرق هي دار زوجته بنت البارودي والقصر المنسوب إليها أيضاً بمصر القديمة. والقصر الذي عند سبيل قيماز بالعادلية، وزوج الكثير من مماليكه نساء الأمراء الذين ماتوا وقتلوا وأسكنهم في بيوتهم وعمل وليمة لمصفي باشا وعزمه في بيته بحارة قوصون في سنة 1166، وقدم له تقادم وهدايا وأدرك المترجم من العز والعظمة ونفاذ الكلمة وحسن السياسة واستقرار الأمور ما لم يدركه غيره بمصر، ولم يزل في سيادته حتى ماب على فرشه في شهر صفر سنة 1168.

(1/142)


ومات بعده رضوان كتخدا الجلفي وهو مملوك علي كتخدا الجلفي تقلد كتخدائية باب عزبان بعد قتل أستاذه بعناية عثمان بك ذي الفقار كما تقدم، ولم يزل يراعي لعثمان بك حقه وجميله حتى أوقع بينهما إبراهيم كتخدا كما تقدم. ولما استقرت الأمور له ولقسيمه ترك له الرياسة في الأحكام وأعتكف المترجم على لذاته وفسوقه وخلاعاته ونزهاته، وأنشأ عدة قصور وأماكن بالغ في زخرفتها وتأنيقها وخصوصاً داره التي أنشأها على بركة الأزبكية وأصلها بيت الدادة الشرايبي، وهي التي على بابها العامودان الملتفان المعروفة عند أولاد البلد بثلاثة وليه، وعقد على مجالسها العالية قبابا عجيبة الصنعة منقوشة بالذهب المحلول واللازورد والزجاج الملون والألوان المفرحة والصنائع الدقيقة، ووسع قطعة الخليج بظاهر قنطرة الدكة بحيث جعلها بركة عظيمة وبنى عليها قصراً مطلاً عليها وعلى الخليج الناصري من الجهة الأخرى. وكذلك أنشأ في صدر البركة مجلساً خارجاً بعضه على عدة قناطر لطيفة وبعضه داخل الغيط المعروف بغيط المعدية وبوسطه بحيرة تمتلئ بالماء من أعلى ويصب منها إلى حوض من أسفل ويجري إلى البستان لسقي الأشجار. وبنى قصراً آخر بداخل البستان مطلاً على الخليج وعلى الأعلاق من ظاهره. فكان يتنقل في تلك القصور وخصوصاً في أيام النيل، ويتجاهر بالمعاصي والراح والوجوه الملاح وتبرج النساء ومخاليع أولاد البلد. وخرجوا عن الحد في تلك الأيام ومنع أصحاب الشرطة من التعرض للناس في أفاعيلهم. فكانت مصر في تلك الأيام مراتع غزلان ومواطن حور وولدان كأنما أهلها خلصوا من الحساب ورفع عنهم التكليف والخطاب. وهو الذي عمر باب القلعة الذي بالرميلة المعروف بباب العزب وعمل حوله هاتين البدنتين العظيمتين والزلاقة على هذه الصورة الموجودة الآن. وقصدته الشعراء ومدحوه بالقصائد والمقامات والتواشيخ وأعطاهم الجوائز السنية وداعب بعضهم بعضاً فكان يغري هذا بهذا ويضحك منهم ويباسطهم، وأتخذ له جلساء وندماء منهم الشيخ علي جبريل والسيد ليمان والسيد حمودة السدبدي والشيخ معروف والشيخ مصطفى اللقيمي الدمياطي صاحب المدامة الأرجوانية في المدائح الرضوانية ومحمد أفندي المدني. وأمتدحه العلامة الشيخ يوسف الحفني بقصائد طنانة وللشيخ عمار القروي فيه مقامة مدحا في المترجم ومداعبة للسيد حمودة السديدي المحلاوي. ولم يزل رضوان كتخدا وقسيمه على إمارة مصر ورئاستها حتى مات إبراهيم كتخدا كما تقدم، فتداعى بموته ركن المترجم ورفعت النيام رؤوسها وتحركت حفائظها ونفوسها، وظهر شأن عبد الرحمن كتخدا القازدغلي وراح سوق نفاقه، وأخذ يعضد مماليك إبراهيم كتخدا ويغريهم ويحرضهم على الجلفية لكونهم مواليه. فيخلص له بهم ملك مصر ويظن أنهم يراعون حق ولائه وسيادته جده، فكان الأمر عليه بخلاف ذلك كما ستراه، وهم كذلك ييظهرون له الأنقياد ويرجعون إلى رأيه ومشورته ليتم لهم به المراد. وكل من أمراء إبراهيم كتخدا متطلع للرياسة أيضاً بالبلدة أيضاً من الأكابر والاختيارية وأصحاب الوجاهة مثل حسن كتخدا أبي شنب وعلي كتخدا الخربطلي وحسن كتخدا الشعراوي وقرا حسن كتخدا واسمعيل كتخدا التبانة وعثمان أغا الوكيل وإبراهيم كتخدا مناو وعلي أغا توكلي وعمر أغا متفرقة وعمر أفندي محرم اختيار جاويشان وخليل جاويش حيضان مصلي وخليل جاويش القازدغلي وبيت الهياتم وإبراهيم أغا بن الساعي وبيت درب الشمسي وعمر جاويش الداودية ومطفى أفندي الشريف اختيارية متفرقة وبيت بلغيه وبيت قصبة رضوان وبيت الفرح وهم كثيرون اختيارية وأوده باشيه ومنهم أحمد كتخدا واسمعيل كتخدا وعلي كتخدا وذو الفقار جاويش واسمعيل جاويش وغيرهم، فأخذ أتباع إبراهيم كتخدا يدبرون في أغتيال رضوان كتخدا وأزالته، وسعت فيهم عقارب الفتن فتنبه رضوان كتخدا لذلك فأتفق مع أغراضه ولمك القلعة والأبواب والمحمودية وجامع السلطان حسن وأجمع إليه كثير من أمرائه وغيرهم من أنضم إليهم وكاد يتم له الأمر، فسعى عبد الرحمن كتخدا والاختيارية في أجراء الصلح، وطلع بعضهم إلى رضوان نصحهم لأنه كان سليم الصدر ففرق الجمع ونزل إلى بيته الذي بقوصون فاغتنموا عند ذلك الفرصة وبيتوا أمرهم ليلاً وملكوا القلعة والأبواب والجهات والمترجم في غفلته آمن في بيته مطمئن من قبلهم ولا يدي ما خبئ له، فلم يشعر إلا وهم يضربون عليه

(1/143)


بالمدافع وكان المزين يحلق له رأسه، فسقطت على داره الحلل فأمر بالاستعداد وطلب من يركن إليهم فلم يجد أحداً، وجدهم قد أخذوا حوله الطرق والنواحي ، فحارب فيهم إلى قريب الظهر وخامر عليه أتباعه فضربه مملوكه صالح الصغير برصاصة من خلف الباب الموصل لبيت الراحة فأصابته في ساقه، وهرب مملوكه إلى الأخصام، وكانوا وعدوه بأمرية أن هو قتل سيده. فلما حضر إليهم وأخبرهم بما فعل أمر علي بك بقتله. ثم أمر رضوان بك بالخيول وركب في خاصته وخرج من نقب نقبه في ظهر البيت وتألم من الضربة لأنها كسرت عظم ساقه فسار إلى جهة البساتين وهو لا يصدق بالنجاة، فلم يتبعه أحد ونهبوا داره ثم ركب وسار إلى جهة الصعيد. فمات بشرق أولاد يحيى ودفن هناك. فكانت مدته بعد قسيمه قريباً من ستة أشهر. ولما مات تفرقت صناجقه ومماليكه في البلاد وسافر بعضهم إلى الحجاز من ناحية القصير، ثم ذهبوا من الحجاز إلى بغداد واستوطنوها وتناسلوا وماتوا وإنقضت دولتهما. فكانت مدتهما نحو سبع سنوات ومصر في تلك المدة هادية من الفتن والشرور والإقليم البحري والقبلي أمن وأمان والأسعار رخية والأحوال مرضية، واللحم الضاني المجروم من عظمه رطله بنصفين والجاموسي بنصف والسمن البقري عشرته بأربعين نصف فضة اللبن المنعاد كذلك والمكرر قنطاره بألف نصف والعسل القطر قنطاره بمائة وعشرين نصفاً واقل والرطل البن القهوة بأثني عشر نصفاً والتمر يجلب من الصعيد في المراكب الكبار ويصب على ساحل بولاق مثل عرم الغلال ويباع بالكيل والأردب والأرز أردبه بأربعمائة نصف والعسل النحل قنطاره بخمسمائة نصف وشمع العسل رطله بخمسة وعشرين نصفاً وشمع الدهن بأربعة أنصاف والفحم قنطاره بأربعين نصفا والبصل قنطاره بسبعة أنصاف وفسر على ذلك. يقول جامعه: أني أدركت بقايا تلك الأيام، وذلك أن مولدي كان في سنة 1167، ولما صرت في سن التمييز رأيت الأشياء على ما ذكر إلا قليلاً وكنت أسمع الناس يقولون الشيء الفلاني زاد سعره عما كان في سنة كذا، وذلك في مبادئ دولة إبراهيم كتخدا وحدوث الاختلال في الأمور، وكانت مصر إذ ذاك محاسنها باهرة وفضائلها ظاهرة ولأعدائها قاهرة، ويعيش رغداً بها الفقير وتتسع للجليل والحقير، وكان لأهل مصر سنن وطرائق في مكارم الأخلاق لا توجد في غيرهم. أن في كل بيت من بيوت جميع الأعيان مطبخين أحدهما أسفل رجالي، والثاني في الحريم. فيوضع في بيوت الأعيان السماط في وقتي العشاء والغداء مستطيلاً في المكان الخارج مبذولاً للناس، ويجلس بصدره أمير المجلس وحوله الضيفان، ومن دونهم مماليكه وأتباعه. ويقف الفراشون في وسطه يفرقون على الجالسين ويقربون إليهم ما بعد عنهم من القلايا والمحمرات، ولا يمنعون في وقت الطعام من يريد الدخول أصلاً ويرون أن ذلك من المعايب، حتى أن بعض ذوي الحاجات عند الأمراء إذا حجبهم الخدام أنتظروا وقت الطعام ودخلوا فلا يمنعهم الخدم في ذلك الوقت، فيدخل صاحب الحاجة ويأكل وينال غرضه من مخاطبة الأمير، لأنه إذا نظر على سماطه شخصاً لم يكن رآه قبل ذلك ولم يذهب بعد الطعام عرف أن له حاجة. فيطلبه ويسأله عن حاجته فيقضيها له، وأن كان محتاجا واساه بشيء. ولهم عادات وصدقات في أيام المواسم، مثل أيام أول رجب والمعراج ونصف شعبان وليالي رمضان والأعياد وعاشوراء والمولد الشريف، يطبخون فيها الأرز باللبن والزردة ويملأون من ذلك قصاعاً كثيرة ويفرقون منها على من يعرفونه من المحتاجين. ويجتمع في كل بيت الكثير من الفقراء، فيفرقون عليهم الخبز ويأكلون حتى يشبعوا من ذلك اللبن والزرده. ويعطونهم بعد ذلك دراهم ولهم غير ذلك صدفات وصلت لمن يلوذ فيهم، ويعرفون منه الأحتياج، وذلك خلاف ما يعمل ويفرق من الكعك المحشو بالسكر والعجمية والشريك على المدافن والترب في الجمع والمواسم. كذلك أهل القرى والأرياف فيهم من مكارم الأخلاق ما لا يوجد في غيرهم من أهل قرى الإقليم، فإن أقل ما فيهم إذا نزل به ضيف ولم لم يعرفه أجتهد وبادر بقراه في الحال وبذل وسعه في أكرامه وذبح له ذبيحة في العشاء، وذلك ما عدا مشايخ البلاد والمشاهير من كبار العرب والمقادم، فإن لهم مضايف واستعدادات للضيوف، ومن ينزل عليهم من السفار والأجناد. ولهم مساميح وآطيان في نظير ذلك خلفا عن سلف إلى غير ذلك مما يطول شرحه ويعسر أستقصاؤه. وبموت رضوان كتخدا

(1/144)


لم يقم لوجاق العزب صولة.م لوجاق العزب صولة.
ومات الأجل المكرم والملاذ المفخم الخواجا الحاج أحمد بن محمد الشرايبي، وكان من أعيان التجار المشتهرين كأسلافه وبيتهم المشهور بالازبكية بيت المجد والفخر والعز، ومماليكهم وأولاد مماليكهم من أعيان مصر جربجية وأمراء، ومنهم يوسف بك الشرايبي. وكانوا في غاية من الغنى والرفاهية والنظام ومكارم الأخلاق والأحسان للخاص والعام ويتردد إلى منزلهم العلماء والفضلاء ومجالسهم مشحونة بكتب العلم النفيسة للأعارة والتغيير وأنتفاع الطلبة ولا يكتبون عليها وقفية ولا يدخلونها في مواريثهم، ويرغبون فيها ويشترونها بأغلى ثمن ويضعونها على الرفوف والخزائن والخورنقات، وفي مجالسهم جميعاً. فكل من دخل إلى بيتهم من أهل العلم إلى أي مكان يقصد الإعارة أو المراجعة وجد بغيته ومطلوبه في أي علم كان من العلوم، ولو لم يكن الطالب معروفاً ولا يمنعون من يأخذ الكتاب بتمامه، فإن رده في مكانه رده وأن لم يرده وأختص به أو باعه لا يسأل عنه، وربما بيع الكتاب عليهم واشتروه مراراً، ويعتذرون عن الجاني بضرورة الاحتياج، وخبزهم، وخبزهم وطعامهم مشهور بغاية الجودة والإتقان والكثرة وهو مبذول للقاصي والداني مع السعة والاستعداد، وجميعهم مالكيو المذهب على طريقة أسلافهم وأخلاقهم جميلة وأوضاعهم منزهة عن كل نقص ورذيلة. ومن أوضاعهم وطرائقهم أنهم لا يتزوجون إلا من بعضهم البعض ولا تخرج من بيتهم امرأة إلا للمقبرة فإذا عملوا عرسا أولموا الولائم وأطعموا الفقراء والقراء على نسق أعتادوه، وتنزل العروس من حريم أبيها إلى مكان زوجها بالنساء الخلس والمغاني والجنك تزفها ليلاً بالشموع، وباب البيت مقلوق عليهن، وذلك عندما يكون الرجال في صلاة العشاء بالمسجد الأزبكي المقابل لسكنهم، وبيتهم يشتمل على أثني عشر مسكنا، كل مسكن بيت متسع على حدته. وكان الأمراء بمصر يترددون إليهم كثيراً من غير سبق دعوة، وكان رضوان كتخدا يتفسح عند المترجم في كثير من الأوقات مع الكمال والاحتشام ولا يصحبه في ذلك المجلس إلا الطفاء من ندمائه، وإذا قصده الشعراء بمدح لا يأتونه في الغالب إلا في مجلسه لينالوا فضيلتين ويحرزوا جائزتين. وكان من سنتهم أنهم يجعلون عليهم كبيراً منهم وتحت يده الكاتب والمستوفي والجابي فيجمع لديه جميع الأيراد من الألتزام والعقار والجامكية ويسدد الميري، ويصرف لكل إنسان راتبه على قدر حاله وقانون أستحقاقه. وكذلك لوازم الكساوي للرجال والنساء في الشتاء والصيف، ومصروف الجيب في كل شهر، وعند تمام السنة يعمل الحساب ويجمع ما فضل عنده من المال، ويقسمه على كل فرد بقدر استحقاقه وطبقته. واستمروا على هذا الرسم والترتيب مدة مديدة فلما مات كبارهم وقع بينهم الاختلاف واقتسموا الإيراد وأختص كل فرد منهم بنصيبه يفعل به ما يشتهي. وتفرق الجمع وقلت البركة وأنعزل المحبون وصار كل حزب بما لديهم فرحون، وكان مسك ختامهم صديقنا وأخانا في اللوذعي الأريب والنادرة المفرد النجيب سيدي إبراهيم بن محمد بن الدادة الشرايبي الغزالي. كان رحمه الله تعالى ملكي الصفات بسام الثنايات عذع المورد رحيب النادي واسع الصدر للحاضر والبادي قطعنا معه أوقاتا كانت لعين الدهر قرة، وعلى مكتوب العمر عنوان المسرة. وما زال يشتري متاع الحياة بجوهر عمره النفيس، مواظباً على مذاكرة العلم وحضور التدريس، حتى كدر الموت ورده وبدد الدهر الحسود بنوائبه عقده كما يأتي تتمة ذلك في سنة وفاته وأنمحت بموته من بيتهم المآثر وتبدد بقية عقدهم المتناثر.
ومات أحمد جلبي ابن الأمير علي والأمير عثمان وتزوج مماليك القازدغلية نساءهم وسكنوا في بيتهم. ومنهم سليمان أغا صالح وتقلد الزعامة وصار بيتهم بيت الوالي وتوفي سنة 1171
وفاة السلطان محمود خان وتولية السلطان عثمان
ومات سلطان الزمان محمود خان العثماني وكانت مدته نيفاً وعشرين سنة، وهو آخر عثمان في حسن السيرة والشهامة والحرمة واستقامة الأحوال والمأثر الحسنة. توفي ثامن عشر صفر سنة 1168.
وتولى السلطان عثمان بن أحمد أصلح الله شأنه

(1/145)


ومات النبيه النبيل والفقيه الجليل والسيد الأصيل السيد محمد المدعو حمودة السديدي أحد ندماء الأمير رضوان كتخدا، ولد بالمحلة الكبرى وبها نشأ وحفظ القرآن وأشتغل بطلب العلم، فحصل مأموله في الفقه والمعقول والمعاني والبيان والعروض، وعانى نظم الشعر، وكان جيد القريحة حسن السليقة في النظم والنثر والأنشاء وحضر إلى مصر وأخذ عن علمائها وأجتمع بالأمير رضوان كتخدا عزبان الجلفي المشار إليه وصار من خاصة ندمائه، وأمتدحه بقصائد كثيرة طنانة وموشحات ومزدوجة بديعة، والمقامة التي داعب بها الشيخ عمار القروي و أردفها بقصيدة رائية بليغة في هجو المذكور سامحهما الله. وكل ذلك مذكور في الفوائح الجنانية لجامعه الشيخ عبد الله الأدكاوي. حج رحمه الله ومات وهو آيب بأجرود سنة 1163.
ومات الأجل المكرم محمد جلبي ابن إبراهيم جربجي الصابونجي مقتولاً وخبره أنه لما توفي أبوه وأخذ بلاده وبيتهم تجاه العتبة الزرقاء على بركة الأزبكية فتوفي أيضاً عثمان جربجي الصابونجي بمنفلوط وذلك سنة 1147 ومات غيره كذلك من معاتيقهم، وكان محمد جربجي مثل والده بالباب ويلتجيء إلى يوسف كتخدا البركاوي، فلما مات البركاوي خاف من علي كتخدا الجلفي فالتجأ إلى عبد الله كتخدا القازدغلي وعمل ينكجري، فأراد أن يقلده أوده باشه ويلبسه الضلمة، فقصد السفر إلى الوجه القبلي، وذلك في سنة أربع وخمسين، فسافر وأستولى على بلاد عثمان جربجي ومعاتيقه، وقام هناك وكان رذلا نجيلاً طماعاً شرهاً في الدنيا، وكان مماليكه يهربون منه، وكانت أخته زوجا لعمر أغا خازندار أبيه، ولم يفتقدها بشيء.
ولما مات إبراهيم كتخدا القازدغلي ورضوان كتخدا الجلفي بدأ أمر أتباع إبراهيم كتخدا في الظهور، وكان المتعين بالإمارة منهم عثمان بك الجرجاوي وعلي بك الذي عرف بالغزاوي وحسين بك الذي عرف بكشكش، وهؤلاء الثلاثة تقلدوا الصنجقية والإمارة في حياة أستاذهم. والذي تقلد الإمارة منهم بعد موته حسين بك الذي عرف بالصابونجي وعلي بك بلوط قبان وخليل بك الكبير. وأما من تأمر منهم بعد قتل حسين بك الصابونجي فهم حسن بك جوجه واسمعيل بك أبو مدفع. وأما من تأمر بعد ذلك بعناية علي بك بلوط قبان عندما ظهر أمره فهو اسمعيل بك الأخير الذي تزوج ببنت أستاذه وكان خازنداره وعلي بك السروجي. فلما أستقر أمرهم بعد خروج رضوان كتخدا وزوال دولة الجلفية تعين بالرياسة منهم على أقرانه عثمان بك الجرجاوي، فسار سيراً عنيفاً من غير تدبر وناكد زوجه سيده بنت البارودي وصادرها في بعض تعلقاتها، فشكت أمرها إلى كبار الاختيارية فخاطبوه في شأنها، وكلمه حسن كتخدا أبو شنب فرد عليه رداً قبيحاً فتحزبوا عليه ونزعوه من الرياسة، وقدموا حسين بك الصابونجي وجعلوه شيخ البلد. لم يزل حتى حقد عليه خشداشينه وقتلوه.

(1/146)


وخبر موت حسين بك المذكور أنه لما مات إبراهيم كتخدا قلدوا المذكور إمارة الحج، وطلع سنة 1169 وسنة 1170، ثم تعين بالرياسة وصار هو كبير القوم والمشار إليه وكان كريماً جواداً وجيهاً، وكان يميل بطبعه إلى نصف حرام لأن أصله من مماليك الصابونجي، فهرب من بيته وهو صغير وذهب إلى أبراهيم جاويش فاشتراه من الصابونجي ورباه ورقاه، ثخم زوجه بزوجة محمد جربجي ابن إبراهيم الصابونجي، وسكن بيتهم وعمره ووسعه وأنشأ فيه قاعة عظيمة، فلذلك أشتهر بالصابونجي، ولما رجع من الحجاز قلد عبد الرحمن أغا أغاوية مستحفظان وهو عبد الرحمن أغا المشهور في شهر شعبان من سنة 1171، وطلع بالحج في تلك السنة محمد بك بن الدالي ورجع في سنة 1172 ثم أن المترجم أخرج خشداشه علي بك المعروف ببلوط قبان ونفاه إلى بلده النوسات وأخرج خشداشه أيضاً عثمان بك الجرجاوي منفياً إلى اسيوط وأراد نفي علي بك الغزاوي وإخراجه إلى جهة العادلية،فسعى فيه اختيارية بواسطة نسيبه علي كتخدا الخربطلي وحسن كتخدا أبي شنب فألزمه أن يقيم بمنزل صهره علي كتخدا المذكور ببركة الرطلي ولا يخرج من البيت ولا يجتمع بأحد من أقرانه، وأرسل إلى خشداشه حسين بك المعروف بكشكش فأحضره من جرجا، وكان حاكماً بالولاية، فأمره بالأقامة في قصر العيني ولا يدخل إلى المدينة. ثم أرسل إليه يأمره بالسفر إلى جهة البحيرة، وأحضروا إليه المراكب التي يسافر فيها ويريد بذلك تفرق خشداشينه في الجهات، ثم يرسل إليهم ويقتلهم ليينفرد بالأمر والرياسة، ويستقل بملك مصر، ويظهر دولة نصف حرام وهو غرضه الباطني. وضم إليه جماعة من خشداشينه وتوافقوا معه على مقصد ظاهراً، وهم حسن كاشف جوجه وقاسم كاشف وخليل كاشف جرجي وعلي أغا المنجي واسمعيل كاشف أبو مدفع وآخر يسمى حسن كاشف. وكانوا من إخصائه وملازميه، فاشتغل معهم حسين بك كشكش واستمالهم سراً وأتفق معهم على أغتياله، فحضروا عنده في يوم الجمعة على جري عادتهم وركبوا صحبته إلى القرافة، فزاروا ضريح الإمام الشافعي ثم رجع صحبتهم إلىمصر القديمة فنزلوا بقصر الوكيل، وباتوا صحبته في أنس وضحك. وفي الصباح حضر إليهم الفطور فأكلوه وشربوا القهوة، وخرج المماليك ليأكلوا الفطور مع بعضهم، وبقي هو مع الجماعة وحده، وكانوا طلبوا منه أنعاماً فكتب إلى كل واحد منهم وصولا بألف ريال وألف أردب قمح وغلال، ووضعوا الأوراق في جيوبهم ثم سحبوا عليه السلاح وقتلوه وقطعوه قطعاً ونزلوا من القصر وأغلقوه على المماليك والطائفة من خارج. وركب حسن كاشف جوجه ركوبة حسين بك وكان موعدهم مع حسين بك كشكش عند المجراة، فإنه لما أحضروا له مراكب السفر تلكأ في النزول وكلما أرسل إليه حسين بك يستعجله بالسفر يحتج بسكون الريح أو ينزل بالمراكب ويعدي إلى البر الآخر ويوهم أنه مسافر ثم يرجع ليلاً ويتعلل بقضاء أشغاله. وأستمر على ذلك الحال ثلاثة أيام حتى تمم أغراضه وشغله مع الجماعة ووعدهم بالأمريات. وأتفق معهم أنه ينتظرهم عند المجراة وهم يركبون مع حسين بك ويقتلونه في الطريق أن لم يتمكنوا من قتله بالقصر. فقدر الله أنهم قتلوه وركبوا حتى وصلوا حسين بك كشكش فأخبروه بتمام الأمر، فركب معهم ودخلوا إلى مصر وذهب كشكش إلى بيت حسين بك الداودية وملكه بما فيه، وأرسل بأحضار خشداشيه المنفيين. وعندما وصل الخبر إلى علي بك الغزاوي ببركة الرطلي ركب في الحال مع القاتلين وطلعوا إلى القلعة وأخذوا في طريقهم أكابر الوجاقلية، ومنهم حسن كتخدا أبو شنب وهو من أغراض حسين بك المقتول، وكان مريضاً بالآكلة في فمه. فلما دخلوا إليه وطلبوه نزل إليهم من الحريم فأخبروه بقتلهم حسين بك فطلبوه للركوب معهم فاعتذر بالمرض، فلم يقبلوا عذره فتطيلس وركب معهم إلى القلعة، وولوا علي بك كبير البلد عوضاً عن حسين بك المقتول، وكان قتله في شهر صفر سنة1171، ثم أن مماليكه وضعوا أعضاءه في خرج وحملوه على هجين ودخلوا به إلى المدينة فأدخلوه إلى بيت الشيخ الشبراوي بالرويعي فغسلوه وكفنوه ودفنوه بالقرافة. وسكن علي بك المذكور بيت حسين بك الصابونجي الذي بالازبكية وأحضروا علي بك من النوساب وعثمان بك الجرجاوي من أسيوط، وقلدواخليل كاشف صنجقية واسمعيل أبو مدفع كذلك، وقاسم كاشف قلدوه الزعامة، ثم قلدوا بعد أشهر حسن كاشف المعروف بجوجه صنجقية ايا، وكان ذلك في ولاية

(1/147)


علي باشا ابن الحكيم الثانية، فكان حال حسين بك المقتول مع قاتليه كما قال الشاعر:لي باشا ابن الحكيم الثانية، فكان حال حسين بك المقتول مع قاتليه كما قال الشاعر:
وإخوان تخذتهمو دروعاً ... فكانوها ولكن للاعادي
وخلتهمو سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وأما من مات في هذا التاريخ من الأعيان خلاف حسين بك المذكور فالشيخ الإمام الفقيه المحدث الأصولي المتكلم الماهر الشاعر الأديب عبد الله بن محمد بن عامر شرف الدين الشبراوي الشافعي، ولد تقريباً في سنة 1092 هو من بيت العلم والجلالة، فجده عامر بن شرف الدين ترجمه الأميني في الخلاصة ووصفه بالحفظ والذكاء، فأول من شملته أجازته سيدي محمد بن عبد الله الخرشي وعمره إذ ذاك نحو ثمان سنوات، وذلكفي سنة 1100وتوفي الشيخ الخرشي المالكي في سابع عشرين الحجة سنة 1101وتولى بعده مشيخة الأزهر الشيخ محمد النشرتي المالكي وتوفي في ثامن عشري الحجه سنة 1120، ووقع بعد موته فتنة بالجامع الأزهر بسبب المشيخة والتدريس بالاقبغاوية وأفترق المجاورون فرقتين تريد الشيخ أحمد النفراوي، والأخرى تريد الشيخ عبد الباقي القليني ولم يكن حاضراً بمصر، فتعصب له جماعة النشرتي وأرسلوا يستعجلونه للحضور فقبل حضوره تصدر الشيخ أحمد النفراوي وحضر للتدريس بالاقبغاوية فمنعه القاطنون بها، وحضر القليني فأنضم إليه جماعة النشرتي وتعصبوا له فحضر جماعة النفراوي إلى الجامع ليلاً ومعهم بنادق وأسلحة وضربوا بالبنادق في الجامع وأخرجوا جماعة القليني، وكسروا باب الاقبغاوية وأجلسوا النفراوي مكان النشرتي. فاجتمعت جماعة القليني في يومها بعد العصر وكبسوا الجامع وقفلوا أبوابه وتضاربوا مع جماعة النفراوي فقتلوا منهم نحو العشرة أنفار وانجرح بينهم جرحى كثيرة وانتهبت الخزائن وتكسرت القناديل. وحضر الوالي فأخرج القتلى وتفرق المجاورون ولم يبق بالجامع أحد. ولم يصل فيه ذلك اليوم، وفي ثاني يوم طلع الشيخ أحمد النفراوي إلى الديوان ومعه حجة الكشف على المقتولين فلم يلتفت الباشا إلى دعواه لعلمه بتعديه، وأمره بلزوم بيته وأمر بنفي الشيخ محمد شنن إلى بلده الجدية وقبضوا على من كان بصحبته وحبسوهم في العرقانة وكانوا أثني عشر رجلاً. وأستقر القليني في المشيخة والتدريس. ولما مات تقلد بعده الشيخ محمد شنن، وكان النفراوي قد مات. ولما مات الشيخ شنن تقلد المشيخة الشيخ إبراهيم ابن موسى الفيومي المالكي. ولما مات في سنة سبع وثلاثين انتقلت المشيخة إلى الشافعية، فتولاها الشيخ عبد الله السبراوي المترجم المذكور في حياة كبار العلماء، بعد أن تمكن وحضر الأشياخ كالشيخ خليل بن أبراهيم اللقاني والشهاب الخليفي والشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني والشيخ أحمد النفراوي والشيخ منصور المنوفي والشيخ صالح الحنبلي والشيخ محمد المغربي الصغير والشيخ عيد النمرسي. وسمع الأولية وأوائل الكتب من الشيخ عبد الله بن سالم البصر أيام حجه، ولي يزل يترقى في الأحوال والأطوار ويفيد ويملي ويدرس حتى صار أعظم الأعاظم ذا جاه ومنزلة عند رجال الدولة والأمراء، ونفذت كلمته وقبلت شفاعته، وصار لأهل العلم في مدته رفعة مقام ومهابة عند الخاص والعام، وأقبلت عليه الأمراء وهادوه بأنفس ما عندهم وعمر داراً عظيمة على بركة الأزبكية بالقرب من الرويعي، وكذلك ولده سيدي عامر عمر داراً تجاه دار أبيه، وصرف عليها أموالاً جمة. وكان يقتني الظرائف والتحائف من كل شيء والكتب المكلفة النفيسة بالخط الحسن، وكان راتب مطبخ ولده سيدي عامر في كل يوم من اللحم الضاني رأسين من الغنم السمان يذبحان في بيته، وكان طلبة العلم في أيام مشيخة الشيخ عبد الله الشبراوي في غاية الأدب والأحترام. ومن آثاره كتاب مفائح الألطاف في مدائح الأشراف وشرح الصدر في غزوة بدر ألفها بإشارة علي باشا ابن الحكيم وذكر في أخرها نبذة من التاريخ وولاة مصر إلى وقت صاحب الإشارة. وله ديوان يحتوي على غزليات وأشعار ومقاطيع مشهور بأيدي الناس وغير ذلك كثير، توفي في صبيحة يوم الخميس سادس ذي الحجة سنة 1171، وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل عن ثمانين سنة تقريباً.

(1/148)


ومات الشيخ الإمام الأحق بالتقديم الفقيه المحدث الورع الشيخ حسن ابن علي بن أحمد بن عبد الله الشافعي الأزهري المنطاوي الشهير بالمدابغي، أخذ العلوم عن الشيخ منصور المنوفي وعمر بن عبد السلام التطاوني والشيخ عيد النمرسي والشيخ محمد بن أحمد الوزازي ومحمد بن سعيد التنبكتي وغيرهم، خدم العلم ودرس بالجامع الأزهر وأفتى وألف وأجاد، ومنها حاشيته على شرح الخطيب علي أبي شجاع نافعة للطلبة وثلاثة شروح على الآجرومية، وشرح الصيغة الأحمدية وشرح الدلائل وشرح على حزب البحر، وشرح حزب النووي شرحاً لطيفاً. واختصر شرح الحزب الكبير للبناني ورسالة في القراءات العشر، وأخرى في فضائل ليلة القدر، وأخرى في المولد الشريف، وحاشيته على جمع الجوامع المشهورة، وحاشيته على شرح الأربعين لابن حجر، وأختصر سيرة ابن الميت وحاشية التحرير وحاشية على الأشموني وشرح قصيدة المقري التي أولها سبحان من قسم الحظوظ وحاشية على الشيخ خالد، وغير ذلك.
ومات العلامة القدوة شمس الدين محمد بن الطيب بن محمد الشرفي الفاسي ولد بفاس سنة 1110، واستجاز له ولده من أبي الاسرار حسن ابن علي العجمي من مكة المشرفة وعمره إذ ذاك ثلاث سنوات، فدخل في عموم أجازته وتوفي بالمدينة المنورة سنة 1170، وتاريخه مغلق عن ستين عاما رحمه الله تعالى.
ومات الشيخ داود بن سليمان بن أحمد بن محمد بن عمر بن عامر بم خضر الشرنوبي البرهاني المالكي الخربتاوي، ولد سنة 1080، وحضر على كبار أهل العصر كالشيخ محمد الزرقاني والخرشي وطبقتهما وعاش حتى الحق الأحفاد بالأجداد وكان شيخاً معمراً مسنداً له عناية بالحديث. توفي في جمادى الثانية سنة 1170.
ومات الشيخ القطب الصالح العارف الواصل الشيخ محمد بن علي الجزائي القاسمي الشهير بكشك، ورد مصر صغيراً وبها نشأ وحج وأخذ الطريقة عن سيدي أحمد السوسي تلميذ سيدي قاسم، وجعله خليفة القاسمية بمصر، فلوحظ بالأنوار والأسرار، ثم دخل المغرب ليزور شيخه فوجده قد مات قبل وصوله بثلاثة أيام، وأخبره تلامذة الشيخ أن الشيخ أخبر بوصول المترجم وأودع له أمانة فأخذها ورجع إلى مصر وجلس للإرشاد وأخذ العهود، ويقال أبه تولى القطبانبة، توفي سنة 1170.ومات الشيخ؟؟؟؟؟؟الفاضل العلامة محمد بن أحمد الحنفي الأزهري الشهير بالصائم، تفقه على سيدي علي العقدي والشيخ سليمان المنصوري والسيد محمد أبي السعود وغيرهم، وبرع في معرفة فروع المذهب ودرس بالأزهر وبمسجد الحنفي ومسجد محرم في أنواع الفنون، ولازم الشيخ العقيقي كثيراً ثم أجتمع بالشيخ أحمد العريان، وتجرد للذكر والسلوك وترك علائق الدنيا ولبس زي الفقراء ثم باع ما ملكت يداه، وتوجه إلى السويس، فركب في سفينة فانكسرت فخرج مجردا يساتر العورة. ومال إلى بعض خباء الأعراب فأكرمته امرأة منهم وجلس عندها مدة يخدمها، وثم وصل إلى المنبع على هيئة رثه وأوى إلى جامعها. وأتفق له أنه صعد ليلة من الليالي على المنارة وسبح على طريقة المصريين، فسمعه الوزير إذ كان منزله قريباً من هناك، فلما أصبح طلبه وسأله فلم يظهر حاله سوى أنه من الفقراء، فأنعم عليه ببعض ملابس وأمره أن يحضر إلى داره كل يوم للطعام، ومضت على ذلك برهة إلى أن اتفق موت بعض مشايخ العربان وتشاجر أولاده بسبب قسمة التركة، فأتوا إلى الينبع يستفتون فلم يكن هناك من يفك المشكل، فرأى الوزير أن يكتب السؤال ويرسله مع الهجان بأجرة معينة إلى مكة يستفتي العلماء فاستقل الهجان الآجرة ونكص عن السفر، ووقع التشاجر في دفع الزيادة للهجان، وأمتنع أكثرهم ووقعوا في الحيرة. فلما رأى المترجم ذلك طلب الدواة والقلم وذهب إلى خلوة له بالمسجد فكتب الجواب مفصلاً بنصوص المذهب وختم عليها، وناوله للوزير فلما قرأ تعجب وأكرمه الوزير وأجله ورفع منزلته وعين له من المال والكسوة وصار يقرأ دروس الفقه والحديث هناك حتى أشتهر أمره وأقبلت عليه الدنيا. فلما أمتلأ كيسه وانجلى بؤسه وقرب ورود الركب المصري، رأى الوزير تفلته من يده فقيد عليه، ثم لما لم يجد بدا عاهده على أنه يحج ويعود إليه، فوصل مع الركب إلى مكة وأكرم وعاد إلى مصر، ولم يزل على حالة مستقيمة حتى توفي عن فالج جلس فيه شهوراً في سنة 1170، وهو منسوب إلى سفط الصائم إحدى قرى مصر من إعمال الفشن بالصعيد الأدنى، ولم يخلف في فضائله مثله رحمه الله.

(1/149)


ومات الإمام الأديب المتفنن أعجوبة الزمان على بن تاج الدين محمد ابن عبد المحسن بن محمد بن سالم القلعي الحنفي المكي، ولد بمكة وتربى في حجر أبيه في غاية العز والسيادة والسعادة، وقرأ عليه وعلى غيره من فضلاء مكة، وأخذ عن الواردين إليها، ومال إلى فن الأدب وغاص في بحره فاستخرج منه اللآلى والجواهر، وطارح الأدباء في المحاضر فبان فضله وبهر برهانه ورحل إلى الشام في سنة 1142 وأجتمع بالشيخ عبد الغني النابلسي، فأخذ عنه وتوجه إلى الروم، وعاد إلى مكة ، وقدم إلى مصر سنة ستين، ثم غاب عنها نحو عشر سنين ثم ورد عليها، وحينئذ كمل شرحه على بديعيته وعلى بديعيتين لشيخه الشيخ عبد الغني وغيره ممن تقدم، وهي عشر بديعيات وشرحه على بديعيته ثلاث مجلدات، قرظ عليه غالب فضلاء مصر كالشبراوي والادكاوي والمرحومي ومن أهل الحجاز الشيخ إبراهيم المنوفي وكان للمترجم بالوزير المرحوم علي باشا ابن الحكيم التئام زائد لكونه له قوة يد ومعرفة في علم الرمل، وكان في أول اجتماعه به في الروم أخبره بأمور، فوقعت كما ذكرن فازداد عنده مهابة وقبولا. ولما تولى المذكور ثاني توليته، وهي سنة سبعين، قدم إليه من مكة من طريق البحر فأغذق عليه ما لا يوصف ونزل في منزل بالقرب من جامع أزبك بخط الصليبة، وصار يركب في موكب حافل تقليداً للوزير. ورتب في بيته كتخدا وخازندار والمصرف والحاجب على عادة الأمراء، وكان فيه الكرم المفرط والحياء والمروءة وسعة الصدر في أجازة الوافدين مالاً وشعراً. ومدحه شعراء عصره بمدائح جليلة منهم الشيخ عبد الله الادكاوي له فيه عدة قصائد، وجوزي بجوائز سنية. ولما عزل مخدومه توجه إلى بلاد الروم، فلما ولى الختام ثانيا زاد المترجم عنده أبهة حتى صار في سدة السلطنة أحد الأعيان المشار إليهم، وأتخذ داراً واسعة فيها أربعون قصراً، ووضع في كل قصر جارية بلوازمها. ولما عزل الوزير ونفي إلى إحدى مدن الروم سلب المترجم جميع ما كان بيده ونفي إلى الإسكندرية. فمكث هناك حتى مات سنة 1172 شهيداً غريباً، ولم يخلف بعده مثله. وله ديوان شعر ورسائل منها تكميل الفضل بعلم الرمل ومتن البديعية سماه الفرج في مدح عالي الدرج أقترح فيها بأنواع منها وسع الأطلاع والتطريز والرث والأعتراف والعود والتعجيب والترهيب والنعريض، وأمثلة ذلك كله موضحة في شرحه على البديعية. ولما تغيرت دولة مخدومه وتغير وجه الزمان عاد روض أنسه ذابل الأفنان، ذا أحزان وأشجان، لم يطب له المكان ودخل اسم عزه في خبر كان وتوفي في نحو هذا التاريخ.
ومات العمدة الأجل النبيه الفصيح المفوه الشيخ يوسف بن عبد الوهاب الدلجي، وهو أخو الشيخ محمد الدلجي، كلاهما ابنا خال المرحوم الوالد وكان إنساناً حسناً ذا ثروة وحسن عشرة، وكان من جملة جلساء الأمير عثمان بك ذي الفقار ولديه فضيلة ومناسبات ويحفظ كثيراً من النوادر والشواهد، وكان منزله المشرف على النيل ببولاق مأوى اللطفاء والظرفاء، ويقتني السراري والجواري، توفي سنة 1171 عن ولديه حسين وقاسم وابنة أسمها فاطمة موجودة في الأحياء إلى الآن.
ومات الشيخ النبيه الصالح علي بن خضر بن أحمد العمروسي المالكي أخذ عن السيد محمد السلموني والشهاب النفرواي والشيخ محمد الزرقاني، ودرس بالجامع الأزهر وأنتفع به الطلبة، وأختصر المختصر الخليلي في نحو الرابع ثم شرحه وكان إنساناً حسناً منجمعاً عن الناس مقبلاً على شأنه توفي سنة 1173.
ومات الأستاذ المبجل ذو المناقب الحميدة السيد شمس الدين محمد أبو الأشراق بن وفي وهو ابن أخي الشيخ عبد الخالق ولما توفي عمه في سنة 1161 خلفه في المشيخة والتكلم، وكان ذا أبهة ووقار محتشماً سليم الصدر كريم النفس بشوشاً. توفي سادس جمادى الأولى سنة 1171 وصلي عليه بالأزهر، وحمل إلى الزاوية فدفن عند عمه، وقام بعده في الخلافة الأستاذ مجد الدين محمد أبو هادي ابن وفي رضي الله عنهم أجمعين.

(1/150)


ومات الإمام العلامة الفريد الفقيه الفرضي الحيسوبي الشيخ حسين المحلي الشافعي، كان وحيد دهره وفريد عصره، فقهاً وأصولاً ومعقولاً جيد الاستحضار والحفظ للفروع الفقهية. وأما في علم الحساب الهوائي والغباري والفرائض وشباك ابن الهائم والجبر والمقابلة والمساحة وحل الأعداد فكان بحراً لا تشبهه البحار، ولا يدرك له قرار، وله في ذلك عدة تآليف بخطه ويبيعها لمن يرغب فيها، ويأخذ من الطالبين أجرة على تعليمهم، فإذا جاء من يريد التعلم وطلب أن يقرأ عليه الكتاب الفلاني تعزز عليه وتمنع ويساومه على ذلك بعد جهد عظيم، وكان له حانوت بجوار باب الأزهر يتكسب فيه ببيع المناكيب لمعرفة الأوقات والكتب وتسفيرها. وألف كتاباً حافلاً في الفروع الفقهية على مذهب الإمام الشافعي، وهو كتاب ضخم في مجلدين معتبر مشهور معتمد الأقوال في الأفتاء، وله غير ذلك كثير. وبالجملة فكان طودا راسخاً تلقى عنه كثير من أشياخ العصر، ومنهم شيخنا الشيخ محمد الشافعي الجناجي المالكي وغيره. توفي سنة 1170.

(1/151)


ومات الشيخ الإمام المعمر القطب أحد مشايخ الطريق صاحب الكرامات الظاهرة والأنوار الساطعة الباهرة عبد الوهاب بن عبد السلام بن أحمد ابن حجازي بن عبد القادر بن أبي العباس بن مدين بن أبي العباس بن عبد القادر بن أبي العباس بن شعيب بن محمد بن القطب سيدي عمر الرزوقي العفيفي المالكي البرهاني، يتصل نسبه إلى القطب الكبير سيدي مرزوق الكفافي المشهور، ولد المترجم بمنية عفيف إحدى قرى مصر ونشأ بها على صلاح وعفة، ولما ترعرع قدم إلى مصر، فحضر على شيخ المالكية في عصره الشيخ سالم النفراوي أياما في مختصر الشيخ خليل، وأقبل على العبادة وقطن بالقاعة بالقرب من الأزهر بجوار مدرسة السنانية، وحج فلقي بمكة الشيخ أدريس اليماني فأجازه وعاد إلى مصر، وحضر دروس الحديث على الإمام المحدث الشيخ أحمد بن مصطفى الإسكندري الشهير بالصباغ، ولازمه كثيرا حتى عرف به. وأجازه مولاي أحمد التهامي حين ورد إلى مصر بطريقة الأقطاب والأحزاب الشاذلية والسيد مصطفى البكري بالخلوتية. ولما توفي شيخه الصباغ لازم السيد محمد البليدي في دروسه من ذلك تفسير البيضاوي بتمامه. وروى عنه جملة من أفاضل عصره كالشيخ محمد الصبان والسيد محمد مرتضى والشيخ محمد بن اسمعيل النفراوي،وسمعوا عليه صحيح مسلم بالاشرفية وكان كثير الزيارة لمشاهد الأولياء متواضعاً لا يرى لنفسه مقاما متحرزاً في مأكله وملبسه، لا يأكل إلا ما يؤتى إليه من زرعه من بلده من العيش اليابس مع الدقة، وكانت الأمراء تأتي لزيارته ويشمئز منهم ويفر منهم في بعض الأحيان. وكل من دخل عنده يقدم له ما تيسر من الزاد من خبزه الذي كان يأكل منه. وأنتفع به المريدون وكثروا في البلاد ونجبوا ولم يزل يترقى في مدارج الوصول إلى الحق، حتى تعلل أياما بمنزله الذي بقصر الشوك. توفي في ثاني عشر صفر سنة 1172، ودفن بجوار سيدي عبد الله المنوفي، ونزل سيل عظيم، وذلك في سنة 1178، فهدم القبور وعامت الأموات فانهدم قبره وامتلأ بالماء، فاجتمع أولاده ومريدوه وبنوا له قبراً في العلوة على يمين تربة الشيخ المنوفي، ونقلوه إليه قريبا من عمارة السلطان قايتباي، وبنوا على قبره قبة معقودة وعملوا له مقصورة ومقاما من داخلها، وعليه عمامة كبيرة وصيروه مزارا عظيماً يقصد للزيارة ويختلط به الرجال والنساء. ثم أنيشأوا بجانبه قصراً عالياً عمره محمد كتخدا اباظة وسوروا له رحبة متسعة مثل الحوش لموقف الدواب من الخيل والحمير دثروا بها قبورا كثيرة، بها كثير من أكابر الأولياء والعلماء والمحدثين غيرهم من المسلمين والمسلمات. ثم أنهم أبتدعوا له موسماً وعيداً في كل سنة يدعون إليه الناس من البلاد القبلية والبحرية، فينصبون خياماً كثيرة وصواوين ومطابخ وقهاوي ويجتمع العالم الأكبر من أخلاط الناس وخواصهم وعوامهم وفلاحي الأرياف وأرباب الملاهي والملاعب والغوازي والبغايا والقرادين والحواة، فيملأون الصحراء والبستان فيطأون القبور يوقدون عليها النيران ويصبون عليها القاذورات ويبوبون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً، ويستمر ذلك نحو عشرة أيام أو أكثر، ويجتمع لذلك أيضاً الفقهاء والعلماء وينصبون لهم خياماً أيضاً، ويقتدي بهم الأكابر من الأمراء والتجار والعامة من غير إنكار، بل ويعتقدون ذلك قربة وعبادة. ولو لم يكن كذلك لأنكره العلماء فضلاً عن كونهم يفعلونه، فالله يتولى هدانا أجمعين.

(1/152)


ومات الشيخ الأجل المعظم سيدي محمد بكري بن أحمد بن عبد المنعم ابن محمد بن أبي السرور محمد بن القطب أبي المكارم محمد أبيض الوجه ابن أبي الحسن محمد بن الجلال عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن محمد بن عوض بن محمد بن عبد الخالق بن عبد المنعم بن يحيى بن الحسن بن موسى بن يحيى بن يعقوب بن نجم بن عيسى بن شعبان ابن عيسى بن داود بن محمد بن نوح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق، وكان يقال له سيدي أبو بكر البكري شيخ السجادة بمصر ولاه أبوه الخلافة في حياته لما تفرس فيه النجابة، مع وجود أخوته الذين هم أعمامه، وهم أبو المواهب وعبد الخالق ومحمد بن عبد المنعم. فسار في المشيخة أحسن سير وكان شيخاً مهيباً ذا كلمة نافذة وحشمة زائدة تسعى إليه الوزراء والأعيان والأمراء. وكان الشيخ عبد الله الشبراوي يأتيه في كل يوم قبل الشروق يجلس معه مقدار ساعة زمانية ثم يركب ويذهب إلى الأزهر. ولما مات خلفه ولده الشيخ سيد أحمد وكان المترجم متزوجاً بنت الشيخ الحنفي فأولدها سيدي خليلا وهو الموجود الآن تركه صغيراً فتربى في كفالة ابن عمه السيد محمد أفندي ابن علي أفندي الذي أنحصرت فيه المشيخة بعد وفاة ابن عمه الشيخ سيد أحمد مضافة إلى نقابة السادة الأشراف، كما يأتي ذكر ذلك أن شاء الله. وكانت وفاة المترجم في أواخر شهر صفر سنة 1171.
ومات أيضاً في هذه السنة السلطان عثمان خان العثماني. وتولى السلطان مصطفى بن أحمد خان، وعزل علي باشا ابن الحكيم وحضر إلى مصر محمد سعيد باشا في أواخر رجب سنة 1171واستمر في ولاية مصر إلى سنة 1173. وفي تلك السنة نزل مطر كثير سالت منه السيول.
ومات أفضل النبلاء وأنبل الفضلاء بلبل دوحة الفصاحة وغريدها، من انحازت له بدائعها طريفها وتليدها، الماجد الأكرم مصطفى أسعد اللقيمي الدمياطي، هو أحد الأخوة الأربعة وهم عمر ومحمد وعثمان والمترجم أولاد المرحوم أحمد بن أحمد بن صلاح الدين اللقيمي الدمياطي الشافعي سبط العنبوسي، وكلهم شعراء بلغاء توفي سنة 1173.
وما أديب الزمان وشاعر العصر والأوان العلامة الفاضل شمس الدين الشيخ محمد سعيد بن محمد الحنفي الدمشقي الشهير بالسمان، ورد إلى مصر في سنة 1144 فطارح الأدباء وزاحم بمناكبه الفضلاء، ثم عاد إلى وطنه وورد إلى مصر أيضاً في سنة 1172 وكان ذا حافظة وبراعة وحسن عشرة وصار بينه وبين الشيخ عبد الله الادكاوي محاضرات ومطارحات وذكره في مجموعته وأثنى عليه وأورد له من شعره كثيراً ثم توجه إلى الشام وقد وافاه الحمام ودفن بالصالحية سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف.
ومات الشيخ الصالح الشاعر اللبيب الناظم الناثر الشيخ عامر الأنبوطي الشافعي شاعر مفلق هجاء، ليب شراره محرق، كان يأتي من بلده يزور العلماء والأعيان. وكلما رأى لشاعر قصيدة سائرة قلبها وزنا وقافية إلى الهزل والطبيخ، فكانوا يتحامون عن ذلك. وكان الشيخ الشبراوي يكرمه ويكسيه ويقول له: يا شيخ عامر لا تزفر قصيدتي الفلانية وهذه جائزتك. ومن بعده الشيخ الخفني كان يكرمه ويغدق عليه ويستأنس لكلامه. وكان شيخاً مسناً صالحاً مكحل العينين دائماً عجيباً في هيئته، ومن نظمه ألفية الطعام على وزن ألفية ابن مالك، وأولها:
يقول عامر هو الانبوطي ... أحمد ربي لست بالقنوطي
ومات الأمير الكبير عمر بك بن حسن بك رضوان، وذلك أنه لما قلد إبراهيم كتخدا تابعه علي بك الكبير إمارة الحج وطلع بالحجاج، ورجع في سنة 1167، ونزل عليهم السيل العظيم بظهر حمار، وألقى الحجاج وأحمالهم إلى البحر، ولم يرجع منهم إلا القليل، تشاور فيمن يقلدونه إمارة الحج فاقتضى رأي إبراهيم كتخدا تولية المترجم، وقد صار مسناً هرماً فاستعفى من ذلك، فقال له إبراهيم كتخدا: أما أن تطلع بالحج أو تدفع مائتي كيس مساعدة. فحضر عند إبراهيم كتخدا فرأى منه الجد. فقال: إذا كان ولابد فأني أصرفها واحد ولو أني أصرف ألف كيس. ثم توجه إلى القبلة وقال: اللهم لا ترني وجه إبراهيم هذا بعد هذا اليوم أما أني أموت أو هو يموت. فاستجاب الله دعوته ومات إبراهيم كتخدا في صفر قبل دخول الحجاج إلى مصر بخمسة أيام. وتوفي عمر بك المذكور سنة 1171.

(1/153)


ومات الرجل الفاضل النبيه الذكي المتفنن المتقن الفريد الأوسطي إبراهيم السكاكيني، كان إنسانا حسناً عطارديا يصنع السيوف والسكاكين، ويجيد سقيها وجلاءها ويصنع قراباتها ويسقطها بالذهب والفضة، ويصنع المقاشط الجيدة الصناعة والسقي والتطعيم والبر كارات للصنعة وأقلام الجدول الدقيقة الصنعة المخرمة، وغير ذلك. وكان يكتب الخط الحسن الدقيق بطريقة متسقة معروفة من دون الخطوط لا تخفى، وكتب بخطه ذلك كثيراً مثل مقامات الحريري وكتب أدبية ورسائل كثيرة في الرياضيات والرسميات وغير ذلك، وبالجملة، فقد كان فريدا في ذاته وصفاته وصناعته لم يخلف بعده مثله. توفي في حدود هذا التاريخ وكان حانوته تجاه جامع المرداني بالقرب من درب الصياغ.
وفي تلك السنة، أعني سنة 1171، نزل مطر كثير سالت منه السيول وأعقبه الطاعون المسمى بقارب شيحة، الذي أخذ المليح والمليحة. مات به الكثير من الناس المعروفين وغيرهم ما لا يحصى ثم خف وأخذ ينقر في سنة 1172 وكان قوة عمله في رجب وشعبان، وولد للسلطان مصطفى مولود في تلك السنة وورد الأمر بالزينة في تلك الأيام. وهذا المولود هو السلطان سليم المتولي الآن، ولما قتل حسين بك القازدغلي المعروف بالصابونجي وتعين في الرياسة بعده علي بك الكبير وأحضر خشداشينه المنفيين، وأستقر أمرهم، وتقلد إمارة الحج سنة 1173 فبيت مع سليمان بك الشابوري وحسن كتخدا الشعراوي وخليل جاويش حيضان مصلي وأحمد جاويش المجنون، وأتفق معهم على قتل عبد الرحمن كتخدا في غيبته، وأقام عوضه في مشيخة البلد خليل بك الدفتر دار، فلما سافر استشعر عبد الرحمن كتخدا بذلك، فشرع في نفي الجماعة المذكورين، فأغرى بهم علي بك بلوط فبن فنفى خليل جاويش حيضان مصلي وأحمد جاويش إلى الحجاز من طريق السويس على البحر، ونفى حسن كتخدا الشعراوي وسليمان بك الشابوري مملوك خشداشه إلى فارسكور. فلما وصل علي بك وهو راجع بالحج إلى العقبة وصل إليه الخبر، فكتم ذلك وأمر بعمل شنك يوهم من معه بأن الهجان أتاه بخبر سار، ولم يزل سائراً إلى أن وصل إلى قلعة نخل، فانحاز إلى القلعة وجمع الدويدار وكتخدا الحج والسدادرة وسلمهم الحجاج والمحمل، وركب في خاصته وسار إلى عزة، وسار الحجاج من غير أمير إلى أن وصلوا إلى أجرود، فأقبل عليهم حسن بك كشكش ومن معه يريد قتل علي بك فلم يجده، فحضر بالحجاج ودخل بالمحمل إلى مصر وأستمر علي بك بغزة نحو ثلاثة شهر وأكثر، وكاتب الدولة بواسطة باشة الشام، فارسلوا إليه واحداً أغا ووعدوه ومنوه وتحيلوا عليه حتى استقصوا ما معه من المال والأقمشة وغير ذلك. ثم حضر إلى مصر بسعاية نسيبه علي كتخدا الخربطلي وأغراضه، ومات بعد وصوله إلى مصر بثمانية أيام. يقال أن بعض خشداشينه شغله بالسم حين كان يطوف عليهم للسلام.
ولاية مصطفى باشا وأحمد باشا كامل
وفي تلك السنة حضر مصطفى باشا والياً على مصر وأستمر إلى أواخر سنة 1174 ونزل إلى القبة متوجهاً إلى جدة فأقام هناك.

(1/154)


وحضر أحمد باشا كامل المعروف بصبطلان في أواخر سنة 1174. وكان ذا شهامة وقوة مراس ، فدقق في الأحكام وصار يركب وينزل ويكشف على الأنبار والغلال، فتعصبت عليه الأمراء وعزلوه، وأصعدوا مصطفى باشا المعزول وعرضوا في شأنه إلى الدولة، وسافر بالعرض الشيخ عبد الباسط السنديوني ووجه مصطفى باشا خازنداره إلى جدة، وكيلاً عنه. ولما وصل العرض إلى الدولة وكان الوزير إذ ذاك محمد باشا راغب، فوجهوا أحمد باشا المنفصل إلى ولاية قندية ومصطفى باشا إلى حلب، ووجهوا باكير باشا والي حلب إلى مصر، فحضر وطلع إلى القلعة وأقام نحو شهرين ومات ودفن بالقرافة سنة 1175، وحضر حسن باشا في أواخر سنة ست وسبعين ثم عزل. وحضر حمزة باشا في سنة 1179، وسيأتي تتمة ذلك، واستقر الحال وتقلد في إمارة الحج حسين بك كشكش، وطلع سنة 1174، ووقف له العرب في مضيق وحضر إليه كبراؤهم وطلبوا مطالبهم وعوائدهم، فأحضر كاتبه الشيخ خليل كاتب الصرة والصراف وأمرهم بدفع مطلوبات العرب. فذهبوا معه إلى خيمته وأحضر المال وشرع الصراف يعد لهم الدراهم، فضرب عند ذلك مدفع الشيل، فقال لهم حينئذ: لا يمكن في هذا الوقت فاصبروا حتى ينزل الحج في المحطة يحصل المطلوب. وسار الحج حتى خرج من ذلك المضيق إلى الوسع ورتب مماليكه وطوائفه، وحضر العرب وفيهم كبيرهم هزاع فأمر بقتلهم، فنزلوا عليهم بالسيوف فقتلوهم عن أخرهم، وفيهم نيف وعشرون كبيراً من مشايخ العربان المشهورين خلاف هزاع المذكور، وأمر بالرحيل، وضربوا المدفع، وسار الحج وتفرق قبائل العرب ونساؤهم يصرخون بطلب الثأر. فتجمعب القبائل من كل جهة ووقفوا بطريق الحجاج وفي المضايق وهو يسوق عليهم من إمام الحج وخلفه ويحاربهم ويقاتلهم بمماليكه وطوائفه حتى وصل إلى مصر بالحج سالما ومعه رؤوس العربان محملة على الجمال. ودخل المدينة بالمحمل والحجاج منصورا مؤيدا فاجتمع عليه الأمراء من خشداشينه وغيرهم، وقال له علي بك بلوط قبن: أنك افسدت علينا العرب وأخربت طريق الحج، ومن يطلع بالحج في العام القابل بعد هذه الفعلة التي فعلتها. فقال: أنا الذي أسافر بالحج في العام القابل، ومنى للعرب أصطفل. فطلع أيضاً في السنة الثانية، وتجمع عليه العرب ووقفوا في كل طريق ومضيق وعلى رؤوس الجبال وأستعدوا له بما أستطاعوا من الكثرة من كل جهة، فصادمهم وقاتلهم وحار بهم وصار يكر ويفر ويحلق عليهم من إمام الحج ومن خلفه، حتى شردهم وأخافهم وقتل منهم الكثير، ولم يبال بكثرتهم مع ما هو فيه من القلة، فإنه لم يكن معه إلا نحو الثلثمائة مملوك خلاف الطوائف والأجناد وعسكر المغاربة. وكان يبرز لحربهم حاسرا رأسه مشهوراً حسامه فيشتت شملهم ويفرق جمعهم، فهابوه وأنكمشوا عن ملاقاته وأنكفوا عن الحج. فلم تقم للعرب معه بعد ذلك قائمة. فحج أربع مرات أميراً بالحج آخرها سنة 1176، ورجع سنة 1177، ولم يتعرض له أحد من العرب ذهاباً واياباً بعد ذلك. وكذلك أخاف العربان الكائنين حوالي مصر ويقطعون الطريق على المسافرين والفرحين ويسلبون الناس، فكان يخرج إليهم على حين غفلة فيقتلهم وينهب مواشيهم ويرجع بغنائمهم ورؤوسهم في أشناف على الجمال، فارتدعوا وأنكفوا عن أفاعيلهم. وأمنت السبل وشاع ذكره بذلك.

(1/155)


وفي هذه المدة ظهر شأن علي بك بلوط قبن واستفحل أمره، وقلد اسمعيل بك الصنجقية وجعله أشراقه وزوجه هانم بنت سيده وعمل له مهما عظيما أحتفل به للغاية ببركة الفيل. وكان ذلك في أيام النيل سنة 1174فعلموا على معظم البركة أخشاباً مركبة على وجه الماس يمشي عليها الناس للفرجة. واجتمع بها أرباب الملاهي والملاعيب وبهلوان الحبل وغيره من سائر الأصناف والفرج والمتفرجون والبياعون من سائر الأصناف والأنواع، وعلقوا الناديل والوقدات على جميع البيوت المحيطة بالبركة، وغالبها سكن الأمراء والأعيان أكثرهم خشداشين بعضهم البعض ومماليك إبراهيم كتخدا أبي العروس. وفي كل بيت منهم ولائم وعزائم وضيافات وسماعات وآلات وجمعيات. وأستمر هذا الفرح والمهم مدة شهر كامل، والبلد مفتحة والناس تغدو وتروح ليلاً ونهاراً للحظ والفرجة من جميع النواحي. ووردت على علي بك الهدايا والصلات من إخوانه الأمراء والأعيان والاختيارية والوجاقلية والتجار والمباشرين والأقباط والإفرنج والأروام واليهود، والمدينة عامرة بالخير والناس مطمئنة والمكاسب كثيرة والأسعار رخية والقرى عامرة. وحضرت مشايخ البلدان وأكابر العربان ومقادم الإقاليم والبنادر بالهداية والأغنام والجواميس والسمن والعسل، وكل من الأمراء والإبراهيمية كأنه صاحب الفرح والمشار إليه من بينهم صاحب الفرح علي بيك. وبعد تمام الشهر زفت العروس في موكب عظيم شقوا به من وسط المدينة بأنواع الملاعيب والبهلوانات والجنك والطبول ومعظم الأعيان والجاويشية والملازمين والسعاة والأغوات إمام الحريمات، وعليهم الخلع والتخاليق المثمنة، وكذلك المهاترة والطبالون وغيرهم من المقدمين والخدم والجاويشية والركبدارية والعروس في عربة. وكان الخازندار لعلي بيك في ذلك الوقت محمد بك أبو الذهب ماشياً بجانب العربة، وفي يده عكاز ومن خلفها أولاد خزنات الأمراء ملبسين بالزرد والخود واللثامات الكشميري مقلدين بالقسي والنشاب وبأيديهم المزاريق الطوال، وخلف الجميع النوبة التركية والنفيرات. فمن ذلك الوقت أشبهر أمر علي بك وشاع ذكره ونما صيته وقلد أيضاً مملوكه علي بك المعروف بالسروجية. ولما كان عبد الرحمن كتخدا بان سيدهم ومركز دائرة دولتهم انضوى إلى ممالأته ومال هو الآخر إلى صداقته ليقوى به على أرباب الرياسة من اختيارية الوجاقات، وكل منهما يريد تمام الأمر لنفسه. حتى أن عبد الرحمن كتخدا لما أراد نفي الجماعة المتقدم ذكرهم مع بعض المتكلمين وصوروا علي أحمد جاويش المجنون ما يقتضي نفيه، ثم عرضوا ذلك على عبد الرحمن كتخدا فمانع في ذلك وأظهر الغيظ وأصبح في ثاني يوم أجتمع عنده الاختيارية والصناجق على عادتهم. فلما تكامل حضور عين عبد الرحمن كتخدا غاديا إلى بيت علي بك وكذلك باقي الأمراء والاختيارية وصار الجميع والديوان في بيته من ذلك اليوم، ولبس الخلعة من الباشا على ذلك، ثم أنهم طلعوا أيضاً في ثاني يوم إلى الديوان وأجتمعوا بباب الينكجرية وكتبوا عرضحال بنفي أحمد جاويش وخليل جاويش وسليمان بك الشابوري، فقال عبد الرحمن كتخدا: وأكتبوا معهم حسن كتخدا الشعراوي أيضاً. فكتبوه وأخرجوا فرماناً بذلك نفوهم كما ذكر، واستمروا في نفيهم. وعمل أحمد جاويش وقادا بالحرم المدني وخليل جاويش أقام أيضاً بالمدينة والشابوري وحسن كتخدا جهة فارسكور والسرو ورأس الخليج، وأخذ علي بك يمهد لنفسه، وأستكثر من شراء المماليك وشرع في مصادرة الناس. ويتحيل على أخذ الأموال من أرباب البيوت المدخرة والأعيان المستورين مع الملاطفة وإدخال الوهم على البعض بمثل النفي والتعرض إلى الفائظ ببعض المقتضيات ونحو ذلك.
حادثة سماوية
ومن الحوادث السماوية أن في يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى هبت رسح عظيمة شديدة نكباء غريبة، وغرق منها بالإسكندرية ثلاثة وثلاثون مركبا في مرسى المسلمين، وثلاثة مراكب في مرسى النصارى. وضجت الناس وهاج البحر شديداً وتلف بالنيل بعض مراكب وسقطت عدة أشجار.

(1/156)


وطلع علي بك أميراً بالحج في سنة 1177ورجع في أوائل سنة 1178 في أبهة عظيمة وأرخى مملوكه محمد الخازندار لحيته على زمزم. فلما رجع قلده الصنجقية وهو الذي عرف بأبي الذهب. ثم قلد مملوكه أيوب أغا ورضوان قرابينه وإبراهيم شلاق بلغيه وذا الفقار وعلي بك الحبشي صناجق أيضاً. وأنقضت تلك السنة وأمر علي بك يتزايد. وشهلوا أمور الحج على العادة وقبضوا الميري وصرفوا العلوفات والجامكية والصرة وغلال الحرمين والانبار، وخرج المحمل على القانون المعتاد وأميره حسن بك رضوان. ولما رجع من البركة بعد أرتحال الحج، طلع علي بك وخشداشينه وأغراضه وملكوا أبواب القلعة وكتبوا فرمانا وأخرجوا عبد الرحمن كتخدا وعلي كتخدا الخربطلي وعمر جاويش الداودية ورضوان جربجي الرزاز وغيرهم منفيين. فأما عبد الرحمن كتخدا فأرسلوه إلى السويس ليذهب إلى الحجاز وعينوا للذهاب معه صالح بك ليوصله إلى السويس. ونفوا باقي الجماعة إلى جهة بحري وأرتجت مصر في ذلك اليوم وخصوصاً لخروج عبد الرحمن كتخدا، فإنه كان أعظم الجميع وكبيرهم وابن سيدهم وله الصولة والكلمة والشهرة، وبه أرتفع قدر الينكجرية على العزب، وكان له عزوة كبيرة ومماليك وأتباع وعساكر مغاربة وغيرهم، حتى ظن الناس وقوع فتنة عظيمة في ذلك اليوم. فلم يحصل شيء من ذلك سوى ما نزل بالناس من البهتة والتعجب. ثم أرسل إلى صالح بك فرمانا ينفيه إلى غزة، فوصل إليه الجاويش في اليوم الذي نزل فيه عبد الرحمن كتخدا في المركب وسافر وذهب صالح بك إلى غزة فأقام بها مدة قليلة، ثم أرسلوا له جماعة ونقلوه من غزة وحضروا به إلى ناحية بحري وأجلسوه برشيد، ورتب له علي بك ما يصرفه وجعل له فائظا في كل سنة عشرة أكياس. فأقام برشيد مدة فحضرت أخبار وصول الباشا الجديد، وهو حمزة باشا إلى ثغر سكندرية، فأرسلوا إلى صالح بك جماعة يغيبونه من رشيد ويذهبون به إلى دمياط يقيم بها، وذلك لئلا يجتمع بالباشا. فلما وصلت إليه الأخبار بذلك ركب بجماعته ليلاً وسار إلى جهة البحيرة، وذهب من خلف جبل الفيوم إلى جهة قبلي، فوصل إلى منية ابن خصيب فأقام بها وأجتمع عليه أناس كثيرة من الذين شردهم علي بك ونفاهم في البلاد، وبنى له أبنية ومتاريس وكان له معرفة وصداقة مع شيخ العرب همام وأكابر الهوارة وأكثر البلاد الجارية في التزامه جهة قبلي. وأجتمع عليه الكثير منهم وقدموا له التقادم والذخيرة وما يحتاج إليه ووصل المولى حفيد أفندي القاضي، وكان من العلماء الأفاضل ويعرف بطرون أفندي، وكان مسناً هرماً فجلس على الكرسي بجامع المشهد الحسيني ليملي درساً فأجتمع عليه الفقهاء الأزهرية وخلطوا عليه، وكان المتصدي لذلك الشيخ أحمد بن يونس والشيخ عبد الرحمن البراذعي، فصار يقول لهم: كلموني بآداب البحث أما قرأتم آداب البحث. فزادوا في المغالطة فما وسعه إلا القيام، فانصرفوا عنه وهم يقولون عكسناه.
وفي شعبان من السنة المذكورة شرع القاضي المذكور في عمل فرح لختان ولده، فأرسل إليه علي بك هدية حافلة وكذلك باقي الأمراء والاختيارية والتجار والعلماء حتى امتلأت حواصل المحكمة بالأرز والسمن والعسل والسكر وكذلك امتلأ المقعد بفروق البن ووسط الحوش بالحطب الرومي، وأجتمع بالمحكمة أرباب الملاعيب والملاهي والبهلوانات وغيرهم، وأستمر ذلك عدة أيام والناس تغدو وتروح للفرجة. وسعب العلماء والأمراء والأعيان والتجار لدعوته. وفي يوم الزفة أرسل إليه علي بك ركوبته وجميع اللوازم من الخيول والمماليك وشجر الدر والزرديات، وكذلك طاقم الباشا من الأغوات والسعاة والجاويشية والنوبة التركية، وأركبوا الغلام بالزفة إلى بيت علي بك، فألبسه فروة سمور ورجع إلى المحكمة بالموكب وختن معه عدة غلمان، وكان مهما مشهوداً، وأتحد هذا القاضي بالشيخ الوالد بالشيخ الوالد وترد كل منهما على الآخر كثيراً، وحضر مرة في غير وقت ولا موعد في يوم شديد الحر، فلما صعد إلى أعلى الدرج وكان كثيراً فاستلقى من التعب على ظهره لهرمه، فلما تروح وأرتاح في نفسه قال له الشيخ: يا أفندي لاي شيء تتعب نفسك، أنا آتيك متى شئت. فقال: أنا أعرف قدرك وأنت تعرف قدري. وكان نائبه من الأذكياء أيضاً.

(1/157)


ولما حضر حمزة باشا سنة 1179 المذكورة والياً على مصر، وطلع إلى القلعة عرضوا له أمر صالح بك وأنه قاطع الطريق ومانع وصول الغلال والميري وأخذوا فرمانا بالتجريد عليه، وتقلد حسين بك كشكش حاكم جرجا وأمي رالتجريدة وشرعوا في التشهيل والخروج، فسافر حسين بك كشكش وصحبته محمد أبو الذهب وحسن بك الأزبكاوي فالتطموا مع صالح بك لطمة صغيرة، ثم توجه وعدى إلى شرق أولاد يحيى، وكان حسين بك شبكة مملوك حسين بك كشكش نفاه علي بك إلى قبلي، فلما ذهب صالح بك إلى قبلي أنضم إليه وركب معه، فلما توجه حسين بك بالتجريدة وعدى صالح بك شرق أولاد يحيى أنفصل عنه وحضر إلى سيده حسين بك وأنضم إليه كما كان، ورجع محمد بك وحسن بك إلى مصر، وتخلف حسين بك عن الحضور يريد الذهاب إلى منصبه بجرجا، وأقام في المنية فأرسل إليه علي بك فرمانا بنفيه إلى جهة عينها له، فلم يمتثل لذلك، وركب في مماليكه وأتباعه وأمرائه وحضر إلى مصر ليلاً فوجد الباب الموصل لجهة قناطر السباع مغلوقا، فطرقه فلم يفتحوه، فكسره ودخل وذهب إلى بيته وبقي الأمر بينهم على المسالمة اياماً، فأراد علي بك أن يشغله بالسم بيد عبد الله الحكيم وقد كان طلب منه معجوناً للباءة فوضع له السم في المعجون وأحضره له، فأمره أن يأكل منه أولاً، فتلكأ وأعتذر فأمر بقتله. وكان عبد الله الحكيم هذا نصرانياً رومياً يلبس على رأسه قلبق سمور، وكان وجيهاً جميل الصورة فصيحاً متكلماً يعرف التركية والعربية والرومية والطليانية. وعلم حسين بك أنها من عزيمة علي بك، فتأكدت بينهما الوحشة وأضمر كل منهما لصاحبه السوء وتوافق علي بك مع جماعته على غدر حسين بك أو أخراجه، فوافقوه ظاهراً وأشتغل حسين بك على أخراج علي بك وعصب خشداشينه وغيرهم، وركبوا عليه المدافع فكرنك في بيته وأنتظر حضور المتوافقين معه، فلم يأته منهم أحد، وتحقق نفاقهم عليه. فعند ذلك أرسل إليهم يسألهم عن مرادهم فحضر إليه منهم من يأمره بالركوب والسفر، فركب وأخرجوه منفياً إلى الشام ومعه مماليكه وأتباعه، وذلك في أواخر شهر رمضان سنة 1179 وأقام بالعادلية ثلاثة أيام حتى عملوا حسابه وحساب أتباعه وهم محيطون بهم من كل جهة بالعسكر والمدافع، حتى فرغوا من الحساب وأستخلصوا ما بقي على طرفهم، ثم سافروا إلى جهة غزة، وكانت العادة فيمن ينفى من أمراء مصر انه إذا خرج إلى خارج فعلوا معه ذلك ولا يذهب حتى يوفي جميع ما يتأخر بذمته من ميري وخلافه، وأن لم يكن معه ما يوفي ذلك باع أساس داره ومتاعه وخيوله، ولا يذهب إلا خالص الذمة. وسافر صحبة علي بك أمراؤه وهم محمد بك وأيوب بك ورضوان بك وذو الفقار بك وعبد الله أغا الوالي وأحمد جاويش وقيطاس كتخدا وباقي أتباعه. وأستقر خليل بك كبير البلد مع قسيمه حسين بك كشكش وباقي جماعته وحسن بك جوجو، وعزلوا عبد الرحمن الرحمن أغا وقلدوا قاسم أغا الوالي أغات مستحفظان ، وورد الخبر من الجهة القبلية بأن صالح بك رجع من شرق أولاد يحيى إلى المنية وأستقر فيها وحصنها. فعند ذلك شرعوا في تشهيل تجريدة وبرزوا إلى جهة البساتين. وفي تلك الأيام رجع علي بك ومن معه على حين غفلة ودخل إلى مصر، فنزل ببيت حسين بك كشكش ومحمد بك نزل عند عثمان بك الجرجاوي وأيوب بك دخل منزل إبراهيم أغا الساعي، فأجتمع الأمراء بالآثار وعملوا مشوره في ذلك. فاقتضى الرأي بأن يرسلوه إلى جدة، فأجتمع الرأي بأن يعطوه النوسات ويذهب إليها، فرضي بذلك وذهب إلى النوسات وأقام بها، وأرسلوا محمد بك وأيوب بك وضوان بك إلى قبلي بناحية أسيوط وجهاتها، وكان هناك خليل بك الأسيوطي فانضموا إليه وصادقوه وسفروا التجريدة إلى صالح بك فهزمت فأرسلوا له تجريدة أخرى وأميرها حسن بك جوجو وكان منافقا فلم يقع بينهم إلا بعض مناوشات، ورجعوا أيضاً كأنهم مهزومون وأرسلوا له ثالث ركبة، فكانت الحرب بينهم سجالاً ورجعوا كذلك بعد أن اصطلحوا مع صالح بك أن يذهب إلى جرجا ويأخذ ما يكفيه هو ومن معه ويمكث بها ويقوم بدفع المال والغلال. وكان ذلك في شهر جمادى الأولى سنة 1180 وفي ثاني شعبان منها اتهموا حسن بك الأزبكاوي أنه يراسل علي بك وعلي بك يراسله، فقتلوه في ذلك اليوم بقصر العيني ورسموا بنفي خشداشينه وهم حسن بك أبو كرش ومحمد بك الماوردي وسليمان أغا كتخدا الجاويشية سيد الثلاثة وهو زوج أم عبد الرحمن

(1/158)


كتخدا وكان مقيماً بمصر القديمة، وقد صار مسناً، فسفروهم إلى جهة بحري ةتخيلوا من أقامة علي بك بالنوسات، فأرسلوا له خليل بك السكران فأخذه وذهب به إلى السويس ليسافر إلى جدة من القلزم وأحضر له المركب لينزل فيها.ا وكان مقيماً بمصر القديمة، وقد صار مسناً، فسفروهم إلى جهة بحري ةتخيلوا من أقامة علي بك بالنوسات، فأرسلوا له خليل بك السكران فأخذه وذهب به إلى السويس ليسافر إلى جدة من القلزم وأحضر له المركب لينزل فيها.

(1/159)


وفي ثاني شهر شوال من السنة ركب الأمراء إلى قراميدان ليهنئوا الباشا بالعيد، وكان معتاد الرسوم القديمة أن كبار الأمراء يركبون بعد الفجر من يوم العيد،كذلك أرباب العكاكيز فيطلعون إلى القلعة ويمشون إمام الباشا من باب السراية إلى جامع الناصر بن قلاوون، فيصلون صلاة العيد ويرجعون كذلك ثم يقبلون أتكه ويهنئونه وينزلون إلى بيوتهم، فيهنئ بعضهم بعضاً على رسمهم وأصطلاحهم، وينزل الباشا في ثاني يوم إلى الكشك بقراميدان، وقد هيئت مجالسه بالفرش والمساند والستائر واستعد فراشو الباشا بالتطلي والقهوة والشربات والقماقم والمباخر، ورتبوا جميع الأحتياجات واللوازم من الليل، وأصطف الخدم والجاويشية والسعاة والملازمون وجلس الباشا بذلك الكشك، وحضرت أرباب العكاكيز والخدم قبل كل أحد، ثم يأتي الدفتر دار وأمير الحاج والأمراء الصناجق والاختيارية وكتخدا الينكجرية والعزب أصحاب الوقت والمقادم والأوده باشية واليمقات والجربجية، فيهنئون الباشا ويعيدون عليه وعلى قدر مراتبهم بالقانون والترتيب، ثم ينصرفون. فلما حضروا في ذلك اليوم المذكور وهنأ الأمراء الصناجق الباشا وخرجوا إلى دهليز القصر يريدون النزول، وقف لهم جماعة وسحبوا السلام عليهم وضربوا عليهم بنادق، فأصيب عثمان بك الجرجاوي بسيف في وجهه وحسين بك كشكش أصيب برصاصة نفذت من شقه، وسحب الآخرون سلاحهم وسيوفهم وأحتاط بهم مماليكهم نط أكثرهم من حائط البستان ونفذوا من الجهة الأخرى وركبوا خيولهم وهم لا يصدقون بالنجاة. و انجرح أيضاً اسمعيل بك أبو مدفع ومحمود بك وقاسم أغا ولكن لم يمت منهم إلا عثمان بك. وباتوا على ذلك فلما أصبحوا اجتمعوا وطلعوا إلى الأبواب وأرسلوا إلى الباشا يأمرونه بالنزول فنزل إلى بيت أحمد بك كشك بقوصون، وعند نزوله ومروره بباب العزب وقف له حسين بك كشكش وأسمعه كلاماً قبيحاً، ثم أنهم جعلوا عوضا خليل بك بلغيه قائمقام وقلدوا عبد الرحمن أغا مملوك عثمان بك صنجقاً عوضاً عن سيده، ونسبت هذه النكتة إلى حمزة باشا وقيل أنها من علي بك الذي بالنوسات ومراسلاته إلى حسن بك جوجو، فبيت مع أنفار من الجلفية وأخفاهم عنده مدة أيام وتواعدوا على ذلك اليوم وذهبوا إلى الكشك بقراميدان، وكانوا نحو الأربعين، فاختلفوا واتفقوا على ثاني يوم بدهليز بيت القاضي، وتفرقوا إلا أربعة منهم ثبتوا على ذلك الأتفاق وفعلوا هذه الفعلة وبطل أمر العيد من قراميدان من ذلك اليوم. وتهدم القصر وخرب وكذلك الجنينة ماتت أشجارها وذهبت نضارتها، لما حصلت هذه الحادثة أرسلوا حمزة بك إلى علي بك فوجده في المركب بالغاطس ينتظر أعتدال الريح للسفر، فرده إلى البر وأركبه بمماليكه وأتباعه ورجع إلى جهة مصر، ومر من الجبل وذهب إلى جهة شرق اطفيح ثم إلى أسيوط بقبلي، ورجع حمزة بك إلى مصر. ثم أن علي بك أجتمع عليه المنفيون وهوارة وخلافهم وأراد الأنضمام إلى صالح بك، فنفر منه فلم يزل يخادعه، وكان علي كتخدا الخربطلي هناك منفياً من قبله وجعله سفيراً فيما بينه وبين صالح بك هو وخليل بك الأسيوطي وعثمان كتخدا الصابونجي، فأرسلهم فلم يزالوا به حتى جنح لقولهم. فعند ذلك أرسل إليه محمد بك أبو الذهب، فلم يزل به حتى أنخدع له وأجتمع عليه بكفالة شيخ العرب همام وتحالفا وتعاقدا وتعاهدا على الكتاب والسيف. وكتبوا بذلك حجة وأتفق مع علي بك أنه إذا تم لهم الأمر أعطى لصالح بك جهة قبلي قيد حياته. وأتفقوا على ذلك بالمواثيق الأكيدة وأرسلوا بذلك إلى شيخ العرب همام فانسر بذلك ورضي به مراعاة لصالح بك، وأمدهم عند ذلك همام بالعطايا والمال والرجال، وأجتمع عليهم المتفرقون والمشردون من الغز والأجناد والهوارة والشجعان ولموا جموعا كثيرة، وحضروا إلى المنية وكان بها خليل بك السكران. فلما بلغه قدومهم أرتحل منها وحضر إلى مصر هارباً، وأستقر علي بك وصالح بك وجماعتهم بالمنية وبنوا حولها أسوارا وأبراجا وركبوا عليها المدافع وقطعوا الطريق على المسافرين المبحرين والمقبلين. وأرسل علي بك إلى ذي الفقار بك وكان بالمنصورة وصحبته جماعة كشاف، فارتحلوا ليلاً وذهبوا إلى المنية، فعمل الأمراء جمعية وعزموا على تشهيل تجريدة وتكلموا وتشاوروا في ذلك، فتكلم الشيخ الحفناوي في ذلك المجلس وأفحمهم بالكلام ومانع في ذلك وحلف أنه لا يسافر أحد بتجريدة مطلقاً، وإن

(1/160)


فعلوا ذلك لا يحصل لهم خير أبداً فقالوا: إنه هو الذي يحرك الشر ويريد الانفراد بنفسه ومماليكه وأن لم نذهب إليه أتى هو إلينا وفعل مراده فينا، فقال لهم الشيخ : أنا أرسل إليه مكاتبة فلا تتحركوا بشيء حتى يأتي رد الجواب. فلم يسعهم إلا الإمتثال فكتب له الشيخ مكتوباً ووبخه فيه وزجره ونصحه ووعظه وأرسلوه إليه، فلم يلبث الشيخ بعد هذا المجلس إلا أياماً ومرض ورمى بالدم وتوفي إلى رحمة الله تعالى. فيقال أنهم أشغلوه وسموه ليتمكنوا من أغراضهم.ا ذلك لا يحصل لهم خير أبداً فقالوا: إنه هو الذي يحرك الشر ويريد الانفراد بنفسه ومماليكه وأن لم نذهب إليه أتى هو إلينا وفعل مراده فينا، فقال لهم الشيخ : أنا أرسل إليه مكاتبة فلا تتحركوا بشيء حتى يأتي رد الجواب. فلم يسعهم إلا الإمتثال فكتب له الشيخ مكتوباً ووبخه فيه وزجره ونصحه ووعظه وأرسلوه إليه، فلم يلبث الشيخ بعد هذا المجلس إلا أياماً ومرض ورمى بالدم وتوفي إلى رحمة الله تعالى. فيقال أنهم أشغلوه وسموه ليتمكنوا من أغراضهم.
ولاية محمد باشا راقم
وفي أثناء ذلك ورد الخبر بوصول محمد باشا راقم إلى سكندرية فأرسلوا له الملاقار وحضر إلى مصر وطلع إلى القلعة في غرة ربيع الثاني سنة 1181.
وفي حادي عشر جمادى الأولى أجتمعوا بالديوان وقلدوا حسن بك رضوان دفتر دار مصر.
وفي خامس عشرة قلدوا خليل بك بلعيه أمير الحاج وقاسم إغا صنجقاً وكتبوا فرمانا بطلوع التجريدة إلى قبلي ولبس صاري عسكرها حسين بيك كشكش، وشرعوا في التشهيل وأضطرهم الحال إلى مصادرة التجار، وأحضر خليل بيك النواخيد وهم منلا مصطفى وأحمد أغا الملطيلي وقرأ إبراهيم وكاتب البهار وطلب منهم مال البهار معجلاً فاعتذروا فصرخ عليهم وسبهم فخرجوا من بين يديه وأخذوا في تشهيل المطلوب وجمع المال من التجار، وبرز حسين بيك خيامه للسفر في منتصف جمادى الأولى، وخرج صحبته ستة من الصناجق وهم حسن بيك جوجو وخليل بيك السكران وحسن بيك شبكة واسمعيل بيك أبو مدفع وحمزة بيك وقاسم بيك وأسرعوا في الارتحال.
وفي عشرينه أخرج خلفهم أيضاً خليل بك تجريدة أخرى وفيها ثلاثة صناجق ووجاقلية وعسكر مغاربة وسافروا أيضاً في يومها، وبعد ثلاثة أيام ورد الخبر وقوع الحرب بينهم ببياضة تجاه بني سويف فكانت الهزيمة على حسين بك ومن معه، وقتل علي أغا الميجي وخلافه. وقتل من ذلك الطرف ذو الفقار بك ورجع المهزومون في ذلك ثاني يوم الأحد طلعوا إلى أبواب القلعة وطلبوا من الباشا فرمانا بالتجريدة على الكثرة، وهو يوم السبت رابع عشرينه وهم في اسأ حال. وأصبحوا يوم علي بك وصالح بك ومن معهم وطلبوا مائتي كيس من الميري يصرفوها في اللوازم، فامتنع الباشا من ذلك وحضر الخبر يوم الاثنين بوصول القادمين إلى غمازة، وكان الوجاقلية وحسن بك جوجو ناصبين خيامهم جهة البساتين، فارتحلوا ليلاً وهربوا وتخبل عقل خليل بك وحسين بك ومن معهما وتحيروا في أمرهم وتحققوا الأدبار والزوال، وأرسل الباشا إلى الوجاقلية يقول لهم كل وجاق يلازم بابه.
وفي سابع عشرينه حضر علي بك وصالح بك ومن معهم إلى البساتين فازداد تحيرهم وطلعوا إلى الأبواب فوجدوها مغلوقة، فرجعوا إلى قراميدان وجلسوا هناك، ثم رجعوا وتسحب تلك الليلة كثير من الأمراء والأجناد وخرجوا إلى جهة علي بك، وكان حسن بك المعروف بجوجو ينافق الطرفين ويراسل علي بك وصالح بك سراً ويكاتبهما وضم إليه بعض الأمراء مثل قاسم بك خشداشه واسمعيل بك زوج هانم بنت سيدهم وعلي بك السروجي وجن علي وهو خشداش إبراهيم بك بلغية وكثير من أعيان الوجاقلية ويرسلون لهم الأوراق في داخل الأقصاب التي يشربون فيها الدخان ونحو ذلك.
وفي ليلة الخميس تاسع عشرين جمادى الأولى هرب الأمراء الذين بمصر وهم خليل بك شيخ البلد وأتباعه وحسين بك كشكش وأتباعه، وهم نحو عشرة صناجق وصحبتهم مماليكهم وأجنادهم عدة كثيرة وأصبح يوم الخميس فخرج الأعيان وغيرهم لملاقاة القادمين ودخل في ذلك اليوم علي بك وصالح بك وصناجقهم ومماليكهم وأتباعهم، وجميع من كان منفياً بالصعيد قبل ذلك من أمراء ووجاقلية وغيرهم، وحضر صحبتهم علي كتخدا الخربطلي وخليل بك السيوطي وقلده علي بك الصنجقية مجدداً وضربت النوبة في بيته، ثم أعطاه كشوفية الشرقية وسافر إليها.

(1/161)


وفي يوم الأحد ثاني شهر جمادى الثانية طلع علي بك وصالح بك وباقي الأمراء القادمين والذين تخلفوا عن الذاهبين مثل حسن بك جوجو واسمعيل بك زوج هانم وجن علي وعلي بك السروجي وقاسم بك والاختيارية والوجاقلية وغيرهم إلى الديوان بالقلعة، فخلع الباشا على علي بك وأستقر في مشيخة البلد كما كان، وخلع علي صناجقه خلع الأستمرار أيضاً في أماراتهم كما كانوا، ونزلوا إلى بيوتهم وثبت قدم علي بك في إمارة مصر ورئاستها في هذه المرة، وظهر بعد ذلك الظهور التام وملك الديار المصرية والأقطار الحجازية والبلاد الشامية، وقتل المتمردين وقطع المعاندين وشتت شمل المنافقين وخرق القواعد وخرم العوائد وأحزب البيوت القديمة وأبطل الطرائق التي كانت مستقيمة، ثم أنه حضر سليمان أغا كتخدا الجاويشية وصناجقه إلى مصر وعزم على نفي بعض الأعيان وأخراجهم من مصر، فعلم أنه لا يتمكن من أغراضه مع وجود حسن بك جوجو، وأنم ما دام حياً لا يصفو له الحال، فأخذ يدبر على قتله فبيت مع أتباعهم على قتله فحضر حسن بك جوجو وعلي بك جن علي عند علي بك وجلسوا معه حصة من الليل وقام ليذهب إلى بيته، فركب وركب معه جن علي ومحمد بك أبو الذهب وأيوب بك ليذهبا أيضاً إلى بيوتهما لأتحاد الطريق، فلما صاروا في الطريق التي عند بيت الشابوري خلف جامع قوصون سحبوا سيوفهم وضربوا حسن بك وقتلوه وقتلوا معه أيضا جن علي، ورجعوا وأخبروا سيدهم علي بك، وذلك ليلة الثلاثاء ثامن شهر رجب من سنة 1181، وأصبح علي بك مالكاً للأبواب ورسم بنفي قاسم بك واسمعيل بك أبي مدفع وعبد الرحمن بك واسمعيل بك كتخدا عزبان ومحمد كتخدا زنور ومصطفى جاويش تابع مصطفى جاويش الكبير مملوك إبراهيم كتخدا وخليل جاويش درب الحجر.
وفي حادي عشر شهر شوال أخرج أيضاً نحو الثلاثين شخصاً من الأعيان ونفاهم في البلاد، وفيهم ثمانية عشر أميرا من جماعة الفلاح، وفيهم علي كتخدا وأحمد كتخدا الفلاح وإبراهيم كتخدا مناو وسليمان أغا كتخدا جاووشان الكبير وصناجقه حسن بك أبو كرش ومحمد بك الماوردي وخلافهم مقادم وأوده باشية، فنفى الجميع إلى جهة قبلي وأرسل سليمان أغا كتخدا الجاويشية إلى السويس ليذهب إلى الحجاز من القلزم وأستمر هناك إلى أن مات.
وفيه قبض علي بك على الشيخ يوسف بن وحيش وضربه علقة قوية ونفاه إلى بلده جناج، فلم يزل بها إلى أن مات. وكان من دهاة العالم، وكان كاتباً عند عبد الرحمن كتخدا القازدغلي وله شهرة وسمعة في السعي وقضاء الدعاوى والشكاوى والتحيلات والمداهنات والتلبيسات وغير ذلك.
في شهر الحجة وصلت أخبار عن حسين بك كشكش وخليل بك أنهم لما وصلوا إلى غزة جمعوا جموعاً وأنهم قادمون إلى مصر، فشرع علي بك في تشهيل تجريدة عظيمة وبرزوا وسافروا. ثم ورد الخبر بعد ثلاثة أيام أنهم عرجوا إلى جهة دمياط ونهبوا منها شيئاً كثيراً، ثم حضروا إلى المنصورة ونهبوا منها كذلك فأرسل علي بك يأمر التجريدة بالذهاب إليهم، وأرسل لهم أيضاً عسكراً من البحر، فتلاقوا معهم عند الديزس والجراح من أعمال المنصورة عند سمنود، فوقع بينهم وقعة عظيمة وانهزمت التجريدة وولوا راجعين. وقتل في هذه المعركة سليمان جربجي باش اختيار جمليان وأحمد جربجي طنان جراكسه وعمر إغا جاووشان أمين الشون، وكانوا صدور الوجاقات ولم يزالوا في هزيمتهم إلى دجوة. فلما وصل الخبر بذلك إلى علي بك أهتم لذلك ونزل الباشا وخرج إلى قبة باب النصر خارج القاهرة وجمع الوجاقلية والعلماء وأرباب السجاجيد، وأمر الباشا بأن كل من كان وجاقياً أو عليه عتامنة يشهل نفسه ويطلع إلى التجريدة أو يخرج عنه بدلاً، وأجتهد علي بك في تشهيل تجريدة عظيمة أخرى وكبيرها محمد بك أبو الذهب، وسافروا في أوائل المحرم واجتمعوا بالتجريدة الأولى، وسار الجميع خلف حسين بك وخليل بك ومن معهم، وكانوا عدوا إلى بر الغربية بعد أن هزموا التجريدة، فلو قدر الله أنهم لما كسروا التجريدة ساقوا خلفهم كما فعل علي بك وصالح بك لدخلوا إلى مصر من غير مانع، ولكن لم يرد الله تعالى لهم ذلك.
وانقضت هذه السنين وما وقع بها.
من مات في هذه الأعوام من أكابر العلماء وأعاظم الأمراء

(1/162)


مات الشيخ الإمام الفقيه المحدث الشريف السيد محمد بن محمد البليدي المالكي الأشعري الأندلسي، حضر دروس الشيخ شمس الدين محمد بن قاسم البقري المقري الشافعي في سنة 1110 ثم على أشياخ الوقت كالشيخ العزيزي والملوي والنفراوي، وتمهر ثم لازم الفقه والحديث بالمشهد الحسيني فراج أمره وأشتهر ذكره وعظمت حلقته وحسن اعتقاد الناس فيه وانكبوا على تقبيل يده وزيارته وخصوصا تجار المغاربة لعلة الجنسية، فهادوه وواسوه واشتروا له بيتا بالعطفة المعروفة بدرب الشيشيني وفسطوا ثمنه على أنفسهم ودفعوه من مالهم. فلم يزل مقبلاً على شانه ملازما على طريقته مواظباً على أملاء الحديث كصحيح البخاري ومسلم والموطأ والشفاء والشمائل، حتى توفي ليلة التاسع والعشرين من رمضان سنة ست وسبعين ومائة وألف.
ومات الأستاذ المعظم ذو المناقب العلية والشجايا المرضية بقية السلف السيد مجد الدين محمد أبو هادي بن وفي، ولد سنة 1151 ومات والده وهو طفل فنشأ يتيماً وخلف عمه في المشيخة والتكلم، وأقبل على العلم والمطالعة والأذكار والأوراد، وولى نقابة الأشراف بمصر في الأثناء فساس فيها أحسن سياسة وجمع له بين طرفي الرياسة وكان أبيض وسيماً ذا مهابة لا يهاب في الله، أمارا بالمعروف فاعلاً للخير، توفي يوم الخميس خامس ربيع الأول سنة 1176، وصلي عليه بالأزهر في مشهد عظيم حضره الأكابر والأصاغر وحمل على الأعناق ودفن بزاويتهم بالقرب من عمه رضي الله عنه، وتخلف بعده السيد شهاب الدين أحمد أبو الأمداد.
ومات أيضاً في هذا الشهر والسنة الصدر الأعظم المغفور له محمد باشا المعروف براغب، وكان معدودا من أفاضل العلماء وأكابر الحكماء جامعاً للرياستين حويا للفضيلتين، وله تأليف وأبحاث في المعقول والمنقول والفروع والأصول، وهو الذي حضر إلى مصر والياً في سنة 1159 ووقع له ما وقع مع الخشاب والدمايطة كما تقدم، ورجع إلى الديار الرومية وتولى الصدارة، ثم توفي إلى رحمة الله تعالى في رابع عشرين شهر رمضان سنة 1176.
ومات الشيخ المجذوب علي الهواري، كان من أرباب الأحوال الصادقين والأولياء المستغرقين وأصله من الصعيد. وكان يركب الخيول ويروضها ويجيد ركوبها ولذلك لقب بالهواري. ثم أقلع من ذلك وأنجذب مرة واحدة وكان للناس فيه اعتقاد حسن، وحكى عنه الكشف غير واحد ويدور في الأسواق والناس يتبركون به. مات شهيدا بالرميلة أصابته رصاصة من يد رومي فلتة في سنة 1176، وصلوا عليه بالأزهر وأزدحم الناس على جنازته رحمه الله.
ومات الشيخ المسند بن أحمد بن عقيل الحسيني المكي الشافعي الشهير بأسقاف ابن أخت حافظ الحجاز عبد الله سالم البصري، وأسقاف لقب جده الأكبر عبد الرحمن من آل باعلوي. ولد بمكة سنة 1102، وروى عن خالد المذكور وعن الشيخين العجمي والنخلي والشيخ تاج الدين المفتي وسين بن عبد الرحمن الخطيب ومحمد عقبلة وإدريس بن أحمد اليماني والشيخ عيد وعبد الوهاب الطنتدائي ومصطفى ابن فتح الله الحنفي، وسمع الأولية عاليا عن الشهاب أحمد البناء بعناية خاله سنة 1110، ومهر وأنجب واشتهر صيته وسمع منه كبار الشيوخ، وأجازهم كالشيخ الوالد والشيخ أحمد الجوهري، وعندي إجازته للوالد بخطه، وكذلك أجاز عبد الله بن سالم البصري والشيخ محمد عقيلة ومحمد السندي، وذلك بمكة سنة 1157، وبه تخرج شيخنا السيد محمد مرتضى في غالب مروياته، وسمعت منه أنه أجتمع به بالمدينة المنورة عند باب الرحمة، أحد أبواب الحرم الشريف وسمع منه وأجازه إجازة عامة، وذلك في سنة 1163، ولازمه بمكة سنة 1164، وسمع منه أوائل الكتب الستة وأباح له كتب خاله يراجع فيها ما يحتاج إليه وسمع من لفظه المسلسل بالعيد بالحرم المكي في صحبة سلالة الصالحين الشيخ عبد الرحمن المشرع وأجازهما، توفي في سنة 1174.
ومات العمدة العلامة المفوه النبيه الفقيه الشيخ محمد العدوي الحنفي، تفقه على كل من الأسقاطي والسيد علي الضرير والشيخ الزيادي وغيرهم. وضر في المعقول على أشياخ الوقف كالملوي والعماوي وتصدر للإفادة والإقراء وكان ذا شكيمة وشجاعة نفس وقوة جنان ومكارم أخلاق. توفي في ثالث الحجة سنة 1175.

(1/163)


ومات الإمام العلامة الفقيه المتقن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الدلجي الحنفي، وهو ابن خال الوالد، أشتغل بالعلوم والفقه على أشياخ الوقت، ودرس وأفتى وأقتنى كتباً نفيسة في الفقه وجميعها بخط حسن، وقابلها وصححها وكتب عليها بخطه الحسن، وكانت جميع كتبه الفقهية وغيرها في غاية الجودة والصحة يضرب بها المثل ويعتمد عليها إلى الآن. وكان ملازماً للإفادة والإفتاء والتدريس والنفع على حالة حسنة ودماثة أخلاق وحسن عشرة، ولم يزل حتى توفي في شهر رجب سنة 1177.
ومات الفقيه الصالح الخير الدين حسن بن سلامة الطيبي المالكي نزيل ثغر رشيد تفقه على شيخه محمد بن عبد الله الزهيري وبه تخرج وأجازه محمد بن عثمان الصافي البرلسي في طريقة البراهمة وسيدي أحمد ابن قاسم البوتي حين ورد ثغر رشيد في الحديث، ودرس بجامع زغلول وأغتى ودرسه أكبر الدروس، وكان لديه فوائد كثيرة. توفي سنة 1176.
ومات المغتي الفاضل النبيه زين الدين أبو المعالي حسن بن علي بن علي ابن منصور بن عامر بن ذئاب شمة الفوي الأصل المكي ينتهي نسبه إلى الولي الكامل سيدي محمد بن زين النحراوي ومن أمه إلى سيدي إبراهيم البسيوني، ولد بمكة سنة 1142 بها نشأ، وأخذ العلم عن الشيخ عطاء بن أحمد المصري والشيخ أحمد الأشبولي وغيرهما من الواردين بالحرمين، وأتى إلى مصر فحضر دروس الشيخ الحفني وله أنتسب، وأجازه في الطريقة البرهامية بلدية الشيخ منصور هدية، وألف وأجاد وكان فصيحاً بليغاً ذكياً حاد الذهن جيد القريحة له سعة اطلاع في العلوم الغريبة وظم رائق مع سرعة الأرتجال، وقد جمع كلامه في ديران هو على فضله عنوان وسكن في الأخر بولاق بها توفي ليلة الجمعة رابع عشرين رمضان سنة 1146.
ومات الشيخ الإمام الفقيه المحدث المحقق الشيخ خليل بن محمد المغربي الأصل المالكي المصري أتى والده من المغرب فتدير مصر وولد المترجم بها، نشأ على عفة وصلاح وأقبل على تحصيل المعارف والعلوم فأدرك منها المروم، وحضر دروس الشيخ الملوي والسيد البليدي وغيرهما من فضلاء الوقت، إلى أن استكمل هلال معارفه وأبدر وفاق أقرانه في التحقيقات، واشتهر وكان حسن الإلقاء للعلوم حسن التقرير والتحرير حاد القريحة جيد الذهن إماما في المعقولات وحلالا للمشكلات، وولي خزانة كتب المؤيد مدة فأصلح ما فسد منها ورم ما تشعث، وأنتفع به جماعة كثيرون من أهل عصرنا، وله مؤلفات منها شرح المقولات العشر. توفي يوم الخميس خامس عشرين المحرم سنة 1177 بالري وهو منصرف من الحج.
ومات السيد الأديب الشاعر المفنن عمر بن علي الفتوشي التونسي ويعرف بابن الوكيل، ورد مصر في سنة أربع وخمسين فسمع الصحيح على الشيخ الحفني وأجازه في ثاني المحرم منها ثم توجه إلى الإسكندرية وتديرها مدة، ثم ورد في أثناء أربع وسبعين وكان ينشد كثيراً من المقاطع لنفسه ولغيره، وألف رسالة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، خرج صيغها بالدور الأعلى للشيخ الأكبر وتولى ينابة القضاء بالكاملية، وكان إنساناً حسناً لطيف المحاورة كثير التودد والمراعاة بشوش الملتقى مقبلاً على شأنه توفي في ثاني ذي الحجة 1175.
ومات الأستاذ الذاكر الشيخ محفوظ الفوي تلميذ سيدي محمد ابن يوسف من ورم في رجليه في غرة جمادى الثانية سنة 1178. ودفن يومه قريباً من مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها.
ومات العالم الفقيه المحدث الأصولي الشيخ محمد بن يوسف بن عيسى الدنجيهي الشافعي بدمياط في سادس شعبان سنة 1178.
ومات الجناب المكرم الصالح المنفصل عن مشيخة الحرم النبوي عبد الرحمن آغا في ثامن شوال سنة 1179، ودفن بجوار المشهد النفيسي.
ومات الجناب المكرم محب الفقراء والمساكين الأمير إبراهيم أوده باشه غالم فجأة في ثامن جمادى الأولى سنة 1177، ودفن بمقبرتهم عند السادة المالكية.
ومات أيضاً العمدة الشيخ عبد الفتاح المرحومي بالأزبكية في تاسع شوال سنة 1178.
ومات الأجل المكرم الحاج حسن فخر الدين النابلسي عن سن عالية، وكان من أرباب الأموال رابع عشرين جمادى الأولى سنة 1178.

(1/164)


ومات الأمير الأجل المحترم صاحب الخيرات والمحبب إلى الصالحات علي بن عبد الله مولى بشير آغا دار السعادة، ولي وكالة دار السعادة فباشر فيها بحشمة وافرة وشهامة باهرة. وكان منزله مورد الوافدين من الآفاق مظهر التجليات الأشراق مع ميله إلى الفنون الغريبة، وكماله في البدائع العجيبة من حسن الخط وجودة الرمي وأتقان الفروسية.
ومدحته الشعراء وأحبته العلماء وألقت إليه الرياسة قيادها فأصلح ما وهن من أركانها وأزال فسادها ولقد عزل عن منصبه، ولم يأفل بدر كماله وأستمر ناموس حشمته باقياً على حاله، وأقتنى كتباً نفيسة وكان سموحاً باعإرتها وكان عنده من جملتها البرهان القاطع للتبريزي في اللغة الفارسية على ثيئة القاموس، وسفينة الراغب وهي مجموعة جامعة للفوائد الغربية، ومنها كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون لمصطفى خليفة وهو كتاب عجيب. توفي يوم الاثنين ثامن عشر شهر صفر سنة 1176، وصلى عليه بسبيل المؤمن ودفن بالقرافة بالقرب من الإمام الشافعي، ولم يخلف بعده مثله في المروءة والكرم رحمه الله تعالى وقد رثاه الشعراء بمراث كثيرة.
ومات الإمام العالم والمدقق الفهامة الشيخ يوسف شقيق الأستاذ شمس الدين الحفني أخذ العلم عن مشايخ عصره مشاركا لأخيه وتلقى عن أخيه ولازمه ودرس، وأفاد وأفتى وألف ونظم الشعر الفائق الرائق، وله ديوان شعر مشهور فكتب حاشية عظيمة على الأشموني هي مشهورة يتنافس فيها الفضلاء، وحاشية على مختصر السعد، وحاشية على شرح الخزرجية لشيخ الإسلام، وحاشية على جمع الجوامع لم تكمل، وحاشية على الناصر وابن قاسم وشرح شرح الأزهرية لمؤلفها وشرح على شرح السعد لعقائد النسفي وحاشية الخيالي عليه. توفي في شهر سفر سنة 1178.
ومات الإمام الفصيح المفرد الأديب الماهر الناظم الناثر الشيخ علي ابن الخبر بن علي المرحومي الشافعي خطيب جامع الحبشلي، وفي ليلة الجمعة سادس ذي القعدة سنة 1178.
ومات الإمام العلامة السيد إبراهيم بن محمد أبي السعود بن علي بن علي الحسيني الحنفي ولد بمصر وقرأ الكثير على والده وبه تخرج في الفنون ومهر في الفقه، وأنجب وغاص في معرفة فروع المذهب وكانت فتاويه في حياة والده مسددة معروفة ويده الطولى في حل لا أشكالات العقيمة مذكورة موصوفة، رحل في صحبة والده إلى المنصورة فمدحهما القاضي عبد الله بن مرعي المكي وأثنى عليهما بما هو مثبت في ترجمته ولو عاش المترجم لتم به جمال المذهب. توفي يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة سنة 1179.
ومات الفقيه الزاهد الورع العالم المسلك الشيخ محمد بن عيسى ابن يوسف الدمياطي الشافعي، أخذ المعقول عن السيد على الضرير والشيخ العزيزي والشيخ إبراهيم الفيومي والفقه أيضاً عنهما وعن الشيخ العياشي والشيخ الملوي والحفني وطبقتهم، وأجتمع بالسيد مصطفى البكري وأخذ عنه الطريقة الخلوتية ولقنه الأسماء بشروطها، وألف حاشية على المنهج ونسبها لشيخه السيد مصطفى العزيزي، وله حاشية على سلم الأخضري في المنطق وحاشية علي السنوسية وغير ذلك. توفي في ثامن رمضان سنة 1178، وكانت جنازته حافلة وصلى عليه بالأزهر ودفن ببستان المجاورين وبنوا على قبره سقيفة يجتمع تحتها تلامذته في صبح يوم الجمعة يقرأون عنده القرآن ويذكرون وأستمروا على ذلك مدة سنين.
ومات الإمام العلامة الناسك الشيخ أحمد بن محمد السحيمي الشافعي نزيل قلعة الجبل حضر دروس الأشياخ ولازم الشيخ عيسى البراوي وبه أنتفع وتصدر للتدريس بجامع سيدي سارية وأحيا الله به تلك البقعة وأنتفع به النسا جيلا بعد جيل، وعمر بالقرب من منزله زاوية وحفر ساقية بذل عليها بعض الأمراء بأشارته مالا حفيلا فنبع الماء، وعد ذلك من كراماته، فأنهم كانوا قبل ذلك يتعبون من قلة الماء كثيراً، وشغل الناس بالذكر والعلم والمراقبة وصنف التصانيف المفيدة في علم التوحيد على الجوهرة، وجعله متنا وشرحه مزجاً وهي غاية في بابها، وله حال مع الله وتؤثر عنه كرامات أعتنى بعض أصحابه بجمعها، وأشتهر بينهم أنه كان يعرف الأسم الإعظم، وبالجملة فلم يكن في عصره من يدانيه في الصلاح والخير وحسن السلوك على قدم السلف. توفي ثامن شعبان سنة 1178. ودفن بباب الوزير.

(1/165)