صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : صفة جزيرة الأندلس
المؤلف : الحميري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ثم كتب يوسف إلى ابن فرذلند يدعوه إلى الإسلام أو الجزية أو يأذن بحربه فامتلأ غيظاً وعتا وطغا وراجعه بما يدل على شقائه، وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا صلبهم، ونشروا أناجيلهم، وخرجوا يتبايعون على الموت؛ ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما، وقام الفقهاء والعباد يعظون الناس ويحضونهم على الصبر، ويحذرونهم الفرار؛ وجاءهم الطلائع بخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم، وهو يوم الأربعاء فأصبح المسلمون قد أخذوا مصافهم، فكع ابن فرذلند ورجع إلى إعمال الخديعة، ورجع الناس إلى محلاتهم، وباتوا ليلتهم، ثم أصبح يوم الخميس فأخذ ابن فرذلند في إعمال الحيلة، فبعث لابن عباد يقول: غداً يوم الجمعة وهو عيدكم، وبعده الأحد وهو عيدنا فليكن لقاؤنا بينهما وهو يوم السبت! فعرف المعتمد بذلك يوسف، فقال: نعم! فقال له المعتمد: هذه خديعة من ابن فرذلند! إنما يريد غدر المسلمين! فلا تطمئن إليه، وليكن الناس على استعدادٍ له طول يوم الجمعة كل النهار! وبات الناس ليلتهم على أهبةٍ واحتراسٍ بجميع المحلات، خائفين من كيد العدو، وبعد مضي جزءٍ من الليل انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي وكان في محلة ابن عباد فرحاً مسروراً، يقول إنه رأى النبي " صلعم " فبشره بالفتح والشهادة له في صبيحة غدٍ وتأهب ودعا ودهن رأسه وتطيب، وانتهى ذلك إلى ابن عباد، فبعث إلى يوسف فخبره بها تحقيقاً لما توقعه من غدر ابن فرذلند، فحذروا أجمعين، ولم ينفع ابن فرذلند ما حاوله من الغدر.
ثم جاء في الليل فارسان من طلائع المعتمد، يخبران أنهما أشرفا على محلة ابن فرذلند وسمعا ضوضاء الجيوش، واضطراب الأسلحة. ثم تلاحق بقية الطلائع محققين بتحرك ابن فرذلند، ثم جاءت الجواسيس من داخل محلة ابن فرذلند يقولون: استرقنا السمع الساعة فسمعنا ابن فرذلند يقول لأصحابه: ابن عباد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصحراويون، وإن كانوا أهل حفاظٍ وذوي بصائر في الجهاد، فهم غير عارفين بهذه البلاد، وإنما قادهم ابن عباد، فاقصدوه واهجموا عليه، واصبروا، فإن انكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده، ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة! وعند ذلك بعث ابن عبد كاتبه أبا بكر بن القصيرة إلى يوسف يعرفه بإقبال ابن فرذلند، ويستحث نصرته، فمضى ابن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين، فعرفه بجلية الأمر، فقال له: قل له إني سأقرب منك إن شاء الله تعالى. وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي بكتيبةٍ رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها ناراً، ما دام ابن فرذلند مشتغلاً مع ابن عباد.
وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد، فلم يصله إلا وقد غشيته جنود ابن فرذلند، فصدمها ابن عباد صدمةً قطعت آماله، ولم ينكشف له، فحميت الحرب بينهما، ومال ابن فرذلند على المعتمد بجموعه، وأحاطوا به من كل جهةٍ فاستحر القتل فيهم، وصبر ابن عبادٍ صبراً لم يعهد مثله لأحد، واستبطأ يوسف وهو يلاحظ طريقه، وعضته الحرب، واشتد البلاء، وأبطأ عليه الصحراويون، وساءت ظنون أصحابه، وانكشف بعضهم، وفيهم ابنه عبد الله، وأثخن ابن عباد جراحات، وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته، حتى وصلت إلى صدغيه، وجرحت يمنى يديه، وطعن في أحد جانبيه، وعقرت تحته ثلاثة أفراس، كلما هلك واحد قدم له آخر، وهو يقاسي حياض الموت، ويضرب يميناً وشمالاً، وتذكر في تلك الحالة ابناً له صغيراً، كان مغرماً به، تركه بأشبيلية عليلاً، إسمه العلاء، وكنيته أبو هاشم، فقال " متقارب " :
أبا هاشم هشمتني الشفار ... ولله صبري لذاك الأوار
ذكرت شخيصك تحت العجاج ... فلم يثننى ذكره للفرار

(1/33)


ثم كان أول من وافى ابن عباد، من قواد ابن تاشفين، داود بن عائشة، وكان بطلاً شهماً، فنفس بمجيئه عن ابن عباد؛ ثم أقبل يوسف بعد ذلك، وطبولة تصدع الجو، فلما أبصره ابن فرذلند وجه أشكولته إليه، وقصده بمعظم جنوده، وقد كان عمل حساب ذلك من أول النهار، وأعد له هذه الأشكولة، وهي معظم جنوده، فبادر إليه يوسف وصدمهم بجمعه فردهم إلى مركزهم، وانتظم به شمل ابن عباد، ووجد ريح الظفر، وتباشر بالنصر، ثم صدقوا جميعاً الحملة، فتزلزلت الأرض بحوافر خيلهم، وأظلم النهار بالعجاج والغبار، وخاضت الخيل في الدماء، وصبر الفريقان صبراً عظيماً؛ ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف وحمل معه حملةً نزل معها النصر، وتراجع المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين، فصدقوا الحملة، فانكشف الطاغية، ومر هارباً منهزماً، وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنةً بقي أثرها بقية عمره، فكان يخمع منها، فلجأ إلى تلٍ كان يلي محلته في نحو الخمسمائة فارس كلهم مكلوم، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم، وعمل المسلمون بعد ذلك من رؤوسهم صوامع يؤذنون عليها، وابن فرذلند ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة، فلا يرى إلا نكالاً محيطاً به وبأصحابه.
وأقبل ابن عباد على يوسف فصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه، وشكر يوسف مقامه، وحسن بلائه وجميل صبره، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه فقال: هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك! ولما أنحاز الطاغية بشرذمته، جعل ابن عبادٍ يحرض على اتباع الطاغية، وقطع دابره، فأتى ابن تاشفين واعتذر بأن قال: لو اتبعناه اليوم لقي في طريقه أصحابنا المنهزمين راجعين إلينا منصرفين، فيهلكهم؛ بل نصبر بقية يومنا حتى يرجع إلينا اصحابنا، ويجتمعوا بنا، ثم نرجع إليه فنحسم داءه.
وابن عباد يرغب في استعجال إهلاكه ويقول: إن فر أمامنا لقيه أصحابنا المنهزمون فلا يعجزون عنه! ويوسف مصر على الامتناع من ذلك. ولما جاء الليل تسلل ابن فرذلند وهو لا يلوى على شيء، وأصحابه يتساقطون في الطريق واحداً بعد واحدٍ من أثر جراحهم، فلم يدخل طليطلة إلا في دون المائة.
وتكلم الناس في اختلاف ابن عباد وابن تاشفين، فقال شيع ابن عباد: لم يخف على يوسف أن ابن عباد أصاب وجه الصواب والرأي في معالجته، لكن خاف أن يهلك العدو الذي من أجله استدعاه فيقع الاستغناء عنه! وقالت شيع يوسف: إنما أراد ابن عباد قطع حبال يوسف من العود إلى جزيرة الأندلس! وقال آخرون: كلا الرجلين أسر حسوا في ارتغاءٍ، وإن كان ابن عباد أحرى بالصواب.
وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية: كتابي هذا من المحلة يوم الجمعة الموفى عشرين من رجب وقد أعز الله الدين، ونصر المسلمي، وفتح لهم الفتح المبين؛ وأذاق المشركين العذاب الأليم، والخطب الجسيم؛ فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه الهزيمة العظيمة، والمسرة الكبيرة، هزيمة إذ فونش أصلاه الله نكال الجحيم، ولا أعدمه الوبال العظيم. بعد إتيان النهب على نحلاته، واستئصال القتل في جميع أبطاله وأجناده، وحماته وقواده. حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها، فالله الحمد على جميل صنعه، ولم يصبني بحمد الله تعالى إلا جراحات يسيرة ألمت، لكنها قرحت بعد ذلك، وغنمت وظفرت.
ولما فرغ يوسف من وقيعة يوم الجمعة، تواردت عليه أبناء من قبل السفن، فلم يجد معها بداً من سرعة الكرة، فانصرف إلى إشبيلية، فأراح بظاهر ثلاثة أيام، ونهض نحو بلاده، ومشرى ابن عباد معه يوماً وليلةً. فعزم عليه يوسف في الرجوع، وكانت جراحاته تثعب وتورم كلم رأسه، فرجع وأمر ابنه بالمسير بين يديه إلى فرضه المجاز حتى يعبر البحر إلى بلده.
ولما دخل ابن عباد إشبيلية جلس للناس وهنى بالفتح، وقرأت القراء، وقامت على رأسه الشعراء فأنشدوه. قال عبد الجليل بن وهبون: حضرت ذلك اليوم، وأعددت قصيدة أنشده إياها، فقرأ القارئ: " إلا تنصروه فقد نصره الله " فقلت: بعداً لي ولشعري! والله ما أبقت لي هذه الآية معنىً أحضره إليه، وأقوم به.

(1/34)


واستشهد في ذلك اليوم جماعة من أعيان الناس، كابن رميلة المتقدم الذكر، وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي وغيرهما. وطار ذكر ابن عباد بهذه الوقيعة، وشهد مجده، ومالت إليه القلوب، وسالمته ملوك الطوائف، وخاطبوه جميعاً بالتهنئة، ولم يزل ملحوظاً معظماً إلى أن كان من أمره مع يوسف ما كان.
قال مؤلف هذا الكتاب رحمه الله تعالى عليه: قد خالفت بشرح هذه الوقيعة شرط الاختصار لحلاوة الظفر في وقت نزول الهموم، ووقوعها في الزمن الخامل، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء وهو المستعان!
الزهراء
مدينة في غربي قرطبة، بناها الناصر عبد الرحمن بن محمد، كذا قالوا، ولا أدري أهي الزاهرة المتقدمة الذكر، أو غيرها؛ وبينها وبين قرطبة خمسة أميال.
وكانت قائمة الذات بأسوارها، ورسوم قصورها، وكان فيها قوم سكان بأهاليهم وذراريهم، وكانت في ذاتها عظيمة، مدرجة البنية؛ وهي مدينة فوق مدينةٍ، سطح الثلث الأعلى على الحد الأوسط، وسطح الثلث الأوسط على الثلث الأسفل، وكل ثلثٍ منها له سور، فكان الحد الأعلى منها قصوراً يعجز الواصفون عن وصفها، والحد الأوسط بساتين وروضات، والحد الأسفل فيه الديار والجامع، ثم خرب ذلك كله، وأصابه ما أصاب قرطبة وغيرها من بلاد موسطة الأندلس، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
حرف السين
سرقسطة
في شرق الأندلس، وهي المدينة البيضاء.
وهي قاعدة من قواعد الأندلس، كبيرة القطر، آهلة، ممتدة الأطناب، واسعة الشوارع، حسنة الديار والمساكن، متصلة الجنات والبساتين، ولها سور حجارةٍ حصين، وهي على ضفة نهرٍ كبيرٍ، يأتي بعضه من بلاد الروم، وبعضه من جبال قلعة أيوب ومن غير ذلك؛ فتجتمع مواد هذه الأنهار كلها فوق مدينة تطيلة، ثم تنصب إلى مدينة سرقسطة؛ ومدينة سرقسطة هي المدينة البيضاء، وسميت بذلك لكثرة جصها وجيارها؛ ومن خواصها أنها لا تدخلها حية ألبتة، وإن جلبت إليها ماتت؛ فمن الناس من يزعم أن فيها طلسما لذلك، ومنهم من يقول إن أكثر بنيانها من الرخام الذي هو صنف من الملح الدراني؛ ومن خاصيتها ألا تدخل الحناش موضعاً يكون فيه، وكذا بأقاليم عدة.
ولسرقسطة جسر عظيم يجاز عليه إلى المدينة، ولها أسوار منيعة، ومبانٍ رفيعة.
واسمها مشتق من اسم قيصر، وهو الذي بناها، وذكر أنها بنيت على مثل الصليب وجعل لها أربعة أبواب: باب إذا طلعت الشمس من أقصى المطالع في القيظ قابلته عند بزوغها، فإذا غربت قابلت الباب الذي بإزائه من الجانب الغربي، وباب إذا طلعت الشمس من أقصى مطالعها في الشتاء قابلته عند بزوغها وهو الباب القبلي؛ وإذا غربت قابلت الباب الذي بإزائه من الجانب الغربي.
وهذه المدينة على خمسة أنهار. وسرقسطة واسعة الخطة لا تعرف بالأندلس مدينة تشبهها، وقيل تعرف بالبيضاء لأن أسوارها القديمة من حجر الرخام الأبيض؛ وكان الذي بنى المسجد الجامع بسرقسطة ووضع محرابه حنش بن عبد الله الصنعاني، فلما زيد فيها، هدم الحائط القبلي، غير المحراب، فإنه احتفر من جوانبه حتى انتهى إلى قواعده، فأعملت الحيلة في حمله على الخشب وجره إلى الموضع الذي هو فيه اليوم، فتصدع وبنى عليه وحواليه البناء الذي هو باقٍ إلى الآن؛ وتوفي حنش هذا وعلى بن رباح اللخمى، وهما من جلة التابعين، بمدينة سرقسطة، وقبراهما معروفان بمقبرة باب القبلة، وكان بعض من مضى من الملوك أراد أن يتخذ عليها مشهداً، ويبنى فوقها مصنعاً، فلما اعتزم ذلك أتته امرأة معروفة بالصلاح والأمانة، موسومة بالعدالة، فأخبرته أنها رأتهما فيما يرى النائم. وأخبراها أنهما يكرهان أن يبنى على قبرهما شيء. فرجع عن ذلك الأمر الذي كان هم به.
ومدينة سرقسطة أطيب البلدان بقعةً، وأكثرها ثمرة، لكثرة الفواكه في بساتينهم، حتى لا يقوم ثمنها بمؤنة نقلها لرخصها. فيتخذونها سرجيناً يدمنون به أرضهم؛ وربما بيع فيها وسق القارب من التفاح بما تباع به الأرطال اليسيرة في غيرها.
ومما خصت به سرقسطة معدن الملح الدراني، الذي لا يوجد مثله في مكان ولا يعدل به.
وأخذ النصارى سرقسطة من يد المسلمين سنة 512، بعد أن حاصروها تسعة أشهرٍ، صلحاً؛ خرج إليها الإفرنج في خمسين ألف راكب، وابن ردمير في جملةٍ أخرى، أعادها الله للإسلام بفضله.

(1/35)


ومن سرقسطة قاسم بن ثابت صاحب كتاب الدلائل، بلغ فيه الغاية من الإتقان ومات قبل أن يكمله، وأكمله أبوه ثابت بعده. وكان قاسم ورعاً فاضلاً، وأريد على أن يلي قضاء سرقسة، فأبى من ذلك، فأراد أبوه إكراهه على ذلك، فسأله أن يتركه ثلاثة أيام حتى ينظر في أمره، ويستخير الله تعالى، فمات في الثلاثة الأيام.
فيروى أنه دعا لفنسه بالموت، وكان يقال إنه مجاب الدعوة، توفي برقسطة سنة 302.
سمورة
هي دار مملكة الجلالقة، على ضفة نهرٍ كبيرٍ جداً، خرارٍ، كثير الماء، شديد الجرية، عميق القعر. وبين سمورة وبين البحر ستون ميلاً.
وسمورة مدينة جليلة، قاعدة من قواعد الروم، وعليها سعة أسوار من عجيب البنيان، وقد أحكمته الملوك السالفة، وبين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة.
وقد كان عبد الرحمن بن محمد الخليفة الأموي بالأندلس غزاسنة327 في أزيد من مائتي ألف من الناس، فنزل على دار مملكة الجلالقة، وهي سمورة هذه، وكان أشد ما على أهل الأندلس من الأمم المحاربة لهم الجلالقة، كما أن الإفرنجة حرب لهم، غير أن الجلالقة أشد بأساً. وكان لبعد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس وزير من ولد أمية يقال له أحمد بن إسحاق، فقبض عليه عبد الرحمن على موجدةٍ وجدها عليه، فقتله عبد الرحمن، وكان لذلك الوزير أخر يقال له أمية في مدينة شنترين من ثغور الأندلس.
فلما علم ما فعل بأخيه عصا عبد الرحمن، وصار في حيرز ردمير ملك الجلالقة، فأعانه على المسلمين، ودله على عوراتهم، ثم خرج أمية في بعض الأيام عن المدينة يتصيد في بعض متنزهاته، فغلب على المدينة بعض غلمانه، ومنعه من الدهول إليها، وكاتب عبد الرحمن، فمضى أمية بن إسحاق أخو الوزير المقتول إلى ردمير فاصطفاه واستوزره وصيره في جملته، وغزا عبد الرحمن صاحب الأندلس مدينة سمورة دار مملكة الجلالقة، وكان في أزيد من مائة ألف، فكانت الوقيعة بينه وبين ردمير ملك الجلالقة في شوال سنة327 كما قدمناه، فكانت اللمسلمين عليهم، ثم ثابوا بعد أن حوصروا وألجئوا، فقتلوا من المسلمين بعد عبورهم الخندق خمسين ألفاً، وقيل إن الذي منع ردمير من طلب من نجا من المسلمين أمية بن إسحاق، خوفه الكمين، ورغبه فيما كان في عسكر المسلمين من الأموال والعدد والخزائن، ولولا ذلك لأتى على جميع المسلمين.
ثم إن أمية هذا استأمن عبد الرحمن بعد ذلك، وتخلص من ردمير، فقبله عبد الرحمن أحسن قبولٍ؛ وقد كان عبد الرحمن بعد ذلك، وتخلص من ردمير، فقبله عبد الرحمن أحسن قبولٍ؛ وقد كان عبد الرحمن صاحب الأندلس بعد هذه الوقيعة جهز عساكره مع عدةٍ من قواده إلى دار الجلالقة، فكانت لهم بهم حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف من قتل من المسلمين في الوقيعة الأولى وكانت للمسلمين عليهم.
ومدينة سمورة محدثة اتخذت داراً سنة288.
حرف الشين
شجس
قرية بالأندلس قريبة من بطرير، وهي قرية جامعة مفيدة، وهي قريبة من شاطبة.
شذونة
بالأندلس، وهي كورة متصلة بكورة مورور، وعمل شذونه خمسون ميلا في مثلها، وهي من الكور المجندة، نزلها جند فلسطين من العرب، وكورة شذونة كورة جليلة القدر، جامعة لخيرات البر والبحر، كريمة البقعة، عذبة التربة، يفيض مياهها بلا ندوى مع المحل ثمارها، وقد لجأ إليها عامة أهل الأندلس سنة136، وكانت الأندلس قد قحطت ستة أعوامٍ. ومن كور شذونة شريش وغبرها، وفيها كانت الهزيمة على لذريق حين افتتحت الأندلس سنة96.
وبقرب شذونة موضع يعرف بالجبل الواسط، وهو جبل فيه آثار للأول، وفي شق صخرةٍ داخل كهفٍ فيه فأس حديدٍ، يتعلق من الشق الذي في الصخرة، تراه العين وتجسه اليد، فمن رام إخراجه لم يطق ذلك، وإذا رفعته اليد ارتفع وغاب في شق الصخرة، ثم يعود إلى حالته. ويذكر مشايخ كورة شذونة أن النار أوقدت على الموضع، ورش بالخل لينكس، ويوصل إلى استخراج الفأس، فلم يقدر على ذلك، وأعياهم أمره، وقرنت الثيران في بعض الأزمنة، وجعلت عجلتان، وشد بهما طرفا حبلٍ وثيقٍ قد ربط في الفأس، وحملوا على الثيران ليقلع الفأس، فلم يستطع ذلك.

(1/36)


قالوا: وأطيب العنبر الغربي إنما يوجد بساحلها، وبساحل شذونه يوجد حوت التن لا في غيره من سواحل الأندلس، فيظهر في أول شهر مايه، لا يرى قبل هذا الشهر، فإنه يخرج من البحر المحيط فيدخل إلى البحر المتوسط الذي يسمى البحر الرومي، فيصيد مدة ظهوره أربعين يوماً، ثم يعود على مثل ذلك الوقت من العام الآخر.
وبساحل شذونة المقل الذي يعظم جماره حتى يكون قلبه مثل قلب النخل، وكانت تصنع منه الغرابيل عن الحلفاء. وكانت جباية شذونة في أيام الأمير الحكم بن هشام خمسين ألفاً وستمائة.
الشرف
من غربي إشبيلية بالأندلس، وهو جبل شريف البقعة، كريم التربة، دائم الخضرة، فراسخ في فراسخ طولاً وعرضاً، لا تكاد تشمس منه بقعة لا لتفاف زيتونه، واشتباك غصونه، وزيته من أطيب الزيوت، كثير الريع عند العصر، لا يتغير على طول الدهر، ومن هناك يتجهز به إلى الآفاق براً وبحراً؛ وكل ما استودع أرض إشبيلية وغرس في تربتها نما وزكا وفضل وجل.
ويقال إن في الشرف ثمانية آلاف قرية عامرة، وديارها حسنة، وبين الشرف وبين إشبيلية ثلاثة أميال، وسمي بذلك لأنه مشرف على ناحية إشبيلية، ممتد من الجنوب إلى الشمال، وهو كله تراب أحمر، وشجر الزيتون فيه من هذا المكان إلى قنطرة لبلة.
شريش
من كور شذونة بالأندلس، بينها وبين قلشانة خمسة وعشرون ميلاً، وهي على مقربة من البحر، يجود زرعها، ويكثر ريعها.
وبين المغرب والقبلة من شريش حصن روطة، على شاطئ البحر، بينهما ستة أميال، وهو موضع رباطٍ، ومقر للصالحين، مقصود من الأقطار، وبروطة هذه بئر حصب بماء لا يعلم مثله في بقعةٍ، وهي بئر أولية، قديمة البنية، ينزل المرء يستسقى الماء بيده حيث انتهى من البئر، فكلما كثر البشر بحصن روطة، واجتمعت إليه المرابطة طما الذي في البئر وزاد حتى يستسقى من رأس البئر باليد دون مهانةٍ ولا مشقة، فإذا قل الناس بها وتفرفوا نضب الماء حتى يكون بآخر دركه.
وشريش متوسطة حصينة حسنة الجهات، قد أطافت بها الكروم الكثيرة، وشجر الزيتون والتين والحنطة بها ممكنة.
شقر
جزيرة بالأندلس، قريبة من شاطبة، وبينها وبين بلنسية ثمانية عشر ميلاً.
وهي حسنة البقعة، كثيرة الأشجار والثمار والأنهار، وبها أناس وجلة، وبها جامع ومساجد وفنادق وأسواق، وقد أحاط بها الوادي. والمدخل إليها في الشتاء على المراكب، وفي الصيف على مخاضة.
وفي إحاطة الوادي بها يقول ابن خفاجة في شعرٍ يتشوق فيه إلى معاهده، ويندب ماضي زمانه " خفيف " :
بين شقرٍ وملتقى نهريها ... حيث ألقت بنا الأماني عصاها
ويغنى المكاء في شاطئيها ... يستخف النهى فحلت حباها
عيشة أقبلت يشهى جناها ... وارف ظلها لذيذ كراها
لعبت بالعقول إلا قليلاً ... بين تأويبها وبين سراها
فانثنينا مع الغصون غصوناً ... مرحاً في بطاحها ورباها
ثم ولت كأنها لم تكن تل؟ ... بث إلا عشيةً أو ضحاها
فاندب المرج فالكنيسة فالش؟ ... ط وقل آه يا معيد هواها
آه من غربةٍ ترقرق بثا ... آه من رحلةٍ تطول نواها
آه من فرقةٍ لغير تلاقٍ ... آه من دارٍ لا يجيب صداها
لست أدري ومدمع المرز رطب ... أبكاها صبابةً أم سفاها
فتعالى يا عين نبك عليها ... من حياة إن كان يغنى بكاها
وشباب قد فات إلا تناس؟ ... يه ونفسٍ لم يب إلا شجاها
ما لعيني تبكي عليها وقلبي ... شمنى سواده لو فداها
وفي جزيرة شقر يقول الكاتب أبو المطرف بن عميرة طويل:
فقد حازنا نأى عن الأهل بعدما ... نأينا عن الأ وطان فهي بلاقع
نرى غربةً حتى تنزل غربة ... لقد صنع البين الذي هو صانع
وكيف بشقرٍ أو بزرقة مائه ... وفيه لشقرٍ أو لزرقٍ شوارع
وقال من قصيدة يمدح فيها صاحب إفريقية الأمير الأجل أبا زكرياء " منسرح " :
وعاد قلبي من شوق أندلسٍ ... عبداً شرفته وما فتر
فأين منا منازل عصفت ... ريح عليها من العدى صرصر

(1/37)


ودون شقرٍ ودون زرقته ... أزرق يحكى قناه وأشقر
شقندة
قرية بعدوة نهر قرطبة، قبالة قصرها، فيها اجتمع وجوه العجم يتشاورون في حرب العرب، ويحذرونهم من العقود عنهم، ويحضون بعضهم بعضاً على أن يكونوا يداً واحدة، وقدموا على لذريق بقرطبة بسبب ذلك، فنزلوا أكناف شقندة هذه، ولم يطمئنوا إلى الدخول على لذريق أخذاً بالحزم.
شقوبية
بالأندلس، ليست بمدينة، إنما هي قرى كثيرة متجاورة متقاربة متلاصقة، متداخلة العمارات، فيها بشر كثير، وجم غفير، وهم في نظر صاحب طليطلة، وهم أنجاد أجلاد، ومنها إلى طليطلة مائة ميلٍ.
شقورة
مدينة من أعمال جيان بالأندلس، قالوا: وجبل شقورة ينبت الورد الذكي المعطر، والسنبل الرومي الطيب، وفي غيران شنت مرتين من جبل شقوره أشقاقل كبير قوى الفعل، يفوق غيره، وإذا نزل بتلك الغيران أحد كثر منه الاحتلام، وربما نزل المنى منه بغير إرادة ولا تذكر؛ ويقال إن في قريةٍ هنالك ماء يفعل مثل ذلك. وفي جبل شقورة شجر الطخش الذي يتخذ منه القسى، وعصير ورقه سم قتال وحي. وفي تلك الناحية ماء صعيدة في حجر قد رما تدخل الدابة رأسها فيه، فتشرب ويتتابع على ذلك العدد الكثير من الدواب فتصدر رواءً، فإذ استقى في إناء لم يكن يروى الرجل.
ولعلى بن أبي جعفر بن همشك، وكتب على قبره بشقورة وافر:
لعمرك ما أردت بقاء قبري ... وجسمي فيه ليس له بقاء
ولكن رجوت وقوف من على ... قبر مر فينفعني الدعاء
سبيل الموت غاية كل حيٍ ... فكل سوف يلحقه بالفناء
ومن شقورة أبو بكر بن مجبر الشاعر المفلق المجيد، شاعر دولة بني عبد المؤمن.
شلب
من بلاد الأندلس، وهي قاعدة كورة أكشونبة، وهي مدينة بقبلي مدينة ياجة، ولها بسائط فسيحة، وبطائح عريضة؛ ولها جبل عظيم منيف، كثير المسارح والمياه، واكثر ما ينبت فيه شجر التفاح العجيب، يتضوع منه روائح المود.
وعليها سور حصين، ولها غلات وجنات، وشرب أهلها من واديها الجاري إليها من جهة جنوبها، وعليه أرحاء البلد، والبحر منها في الغرب على ثلاثة أميالٍ، ولها مرسىً في الوادي وبها الإنشاء، والعود بجبالها كثير، يحمل منها إلى كل الجهات؛ والمدينة في ذاتها حسنة الهيئة، بديعة البناء، مرتبة الأسواق، وأهلها وسكان قراها عرب من اليمن وغيرها، وكلامهم بالعربية الصريحة، وهم فصحاء يقولون الشعر، وهم نبلاء خاصتهم وعامتهم؛ وأهل بوادي هذه البلدة في غاية الكرم، لا يجاريهم فيه أحد. ومن شلب إلى بطليوس ثلاث مراحل، ومن شلب إلى مارتلة أربعة أيام.
وفي سنة 585 في ربيع الآخر منها، نازل ابن الرنق صاحب قلمرية وما يليها من غرب الأندلس مدينة شلب هذه ، فلم يزل محاصراً لها إلى أن ضاق أهلها بالحصار، فخافوا الغلية عليهم، فصالحوهم على أن يخرجوا سالمين في أنفسهم، ويتركوا البلد بجميع ما فيه من أموالهم وأثاثهم، فأجابهم على ذلك، ووفي لهم بما صالحهم عليه، ودخلها في الموفى عشرين من رجب هذه السنة، وبلغ أمر شلب إلى صاحب المغرب والأندلس، المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، فامتعض من ذلك وأنف منه، وكبر عليه، فاعترض جنوده، واستنفر حشوده، واستعد الأسلحة، وفرق الأموال، وخرج من مراكش قاصداً الأندلس في وسط ذي الحجة من هذه السنة، واستمر سيره إلى أن وصل إلى رباط الفتح من مدينة سلا، فأقام بها نحواً من ثلاثين يوماً إلى أن توافقت الحشود، وتكاملت القبائل، وورد عليه في أثناء مقامه برباط الفتح فتح فتح عليه في المغرب، وهنى به؛ وفيه يقول أبو بكر بن مجبر " طويل " :
قلائد فتح كان يذخرها الدهر ... فلما أردت الغزو أبرزها النصر
القصيدة بطولها.
وتحرك المنصور من رباط الفتح في أخريات المحرم عام 586، وركب البحر من قصر مصمودة في الثاني والعشرين من ربيع الأول، فأقام بطريف إلى أن تحرك منها في غرة ربيع الآخر، وسار إلى قرطبة، وعقدت له الرايات بجامعها الأكبر؛ وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر قصيدته المشهورة التي أولها " بسيط " :
بشراى هذا لواء قل ما عقدا ... إلا وقد مده الروح الأمين بدا
وأقبل النصر لا يعدو بناحيةٍ ... فحيما قصدت راياته قصدا

(1/38)


واستقبلته بتبشير الفتوح فقد ... كادت تكون على أكتافه لبدا
إلى آخر القصيدة، وهي طويلة. ثم تحرك من إشبيلية إلى قصر أبي دانس من غرب الأندلس، فنزلوا على حكمه، فاحتملهم إلى مراكش، ورحل من قصر أبي دانس إلى حصن بلمالة، فاست سلموا ورغبوا في الأمان على أن يتركوا الحصن، ويسلموا في أنفسهم، وينصرفوا إلى بلادهم، فأجيبوا إلى ذلك، وخلى سبيلهم، فنهضوا إلى بلادهم؛ وانتهب جميع ما كان في الحصن ثم هدم قصد إلى حصن المعدن، فافتتح وهدم.
وبعد الفراغ من ذلك كان النهوض إلى شلب، فوصلها في ثاني جمادى الأخيرة سنة 587، فأحدقت الجيوش بها، وأخذت بمخنقها، ونصب عليها المجانيق وآلات الحرب، وجدوا في قتالها، وبالغوا في نكاية أهلها، فطلبوا الأمان في أنفسهم على أن يسلموا المدينة ويخرجوا إلى بلادهم، فأجيبوا إلى ذلك، وخرجوا منها في السادس والعشرين من جمادى الأخيرة، وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر قصيدته المشهورة، التي أولها طويل:
دعا الشوق قلبي والركائب والركبا ... فلبوا جميعاً وهو أول من لبى
وظلنا نشاوى للذي بقلوبنا ... نخال الهوى كأسا ويحسبنا شرابا
إذا القضب هزتها الرياح تذكروا ... قدود الحسان البيض فاعتنقوا القضبا
القصيدة. ثم أخذ المنصور في الرحيل إلى مراكش.
شلبطرة
بالأندلس، من بلاد الإذفونش، وهو حصن من حصون الأندلس من عمل قلعة رباح؛ كان الملك الناصر أبو عبد الله محمد بن المنصور بعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب نزل عليها وحاصرها بالمجانيق الفخام، والآلات الحربية، حتى قهر أهلها وملأها، وذكل في أوائل سنة608؛ وكان نزل أولاً على حصن الثلج فتملكه، ثم رجع الحصار كله على حصن شلبطرة، فنصب عليها المجانيق، ورميت بالحجارة الصم الكبار، وطال حصارها إلى أن ضاق أهلها وأعياهم المر، فطلبوا أجلاً يستجلبون فيه ملكهم صاحب طليطلة وقشتيلة الإذفونش بن شانجه، فأعطوا ما طلبوا؛ فأخرجوا قوماً من ثقاتهم إلى طليطلة والتقوا مع ملكهم إذفونش بها أو بغيرها من بلاده، وأعلموه بما انتهوا إليه من الشدة، وما بلغوا من الجهد والمشقة، وحملوا إليه بعض أحجار المجانيق التي يرمون بها؛ فعذرهم، ولم تكن عنده قدرة لدفع ما نزل بهم، ولا استطاع الدفاع عنهم، فأذن لهم في الخروج عنها، فرجعت ثقاتهم بذلك، فطلبوا الخروج مسلمين في أنفسهم، فوفى لهم بذلك، ومكنوه من الحصن، وانفصل الناس عنها في صدر ربيع الأول من سنة608. وكان الحصار فيها إحدى وخمسين ليلة. وزعيمهم الإذفونش بن شانجه لم يقدر في ذلك الوقت على شئ حتى استغاث بأهل ملته، وكاتب من قرب وبعد منهم، وشكا إليهم ما دهاه من المسلمين، وحثهم على حماية دينهم ونصر ملتهم، فاستجابوا له وجاؤوه من كل جهة وانثالوا عليه، فكان من وقيعة العقاب على الملك الناصر في عام 609ما هو مذكور في موضعه.

(1/39)


ولما ملك الناصر حصن شلبطرة نفذت عنه المخاطبات بهذا الفتح. فمن فضل من ذلك ما خاطب به صاحب إفريقية حينئذٍ الشيخ المعظم أبا محمد عبد الواحد: وهذا كتابنا إليكم من منزل الموحدين بمنزل أندوجر، ولما كان صاحب قشتالة أقرب من تعينت حربه دارا، وأكثرهم عما استطاع أحرارا كان أول من نوينا، ووجب تقديم غزوه علينا؛ وكان المعقل المعروف بشلبطرة قد علقت به حبائل الصلبان، وضجر من ناقوسه ما في جهاته الأربع من التكبير والأذان مرقب الدو، وعقاب الجو؛ العلم المطل على الأعلام، والنكتة السوداء التي هبت بسائط الإسلام؛ والخباة الطلعة الذي لا حال للمسلمين معه قد جعلته النصرانية إلى كل غاية جناحا، وأعدته إلى أبواب العاقل والمدائن مفتاحا؛ فاستخرنا الله تعالى على منازلته وقلنا: هو يمين صاحب قشتالة إن قطعت قعد مقعد الذليل، ونظنه عبرة إن لم يتحرك لها فقد قام على ضعفه أوضح دليل؛ ونحن في ذلك برءاء من القوة والحول، ونتوكل على الله ذي الفضل والطول؛ فقبل النزول من السروج، ووضع الهند والوشيج؛ حباهم الله بكل ضرب وجيع، وموت حي سريع؛ وملكوا عليهم أرباضهم وكانت من الذروة إلى البطحاء، فأضرموها ناراً من جميع الأنحاء؛ ونسخوا فيا آية النهار بالظلماء؛ فألقوا يد الاستسلام، وذلوا لعزة الإسلام؛ ورغبوا في أمد يقيمون فيه الحجة على صاحبهم فأذنا لرسلهم في التوجه إليه، لعلنا أن ذلك أشد من وقع السيوف عليه؛ فحينئذ وافته رسلهم اعترف لهم بالصغار، وقلة القوة على الانتصار، وفارقوه على تسليم الدار، لمن له عقبى الدار؛ فنبذنا إليهم بأنفسهم احتقارا، وساروا إلى قومهم يحملون هموماً طوالاً وآمالاً قصارا؛ وعلى أثرهم طهر الله تعالى المعقل من الأدران، ورقيت أعاليه ألوية الإيمان، وبدل الله عز وجل فيه الناقوس بالأذان، وحولنا كنيسةً مسجداً ومنبراً على تقوى من الله ورضوان.
شلطيش
بالأندلس، بقرب مدينة لبلة، وهي جزيرة، لا سور لها ولا حظيرة، إنما هي بنيان متصل بعضه ببعض، وبها دار صناعة الحديد الذي يعجز عن صنعه أهل البلاد لجفائه، وهي صنعة المراسى التي ترسوبها السفن، وقد تغلب عليها المجوس مرات، ويحيط بجزيرة شلطيش البحر من كل ناحية، إلا مقدار نصف رمية حجرٍ هناك يجوزون لاستقاء الماء لشربهم؛ وطول الجزيرة نحو ميل أو أزيد، والمدينة منها في جهة الجنوب. وهذه المدينة بإزاء مدينة أو نبة، ومقدار المجاز بينهما أربعة أميالٍ.
وفي صفة استدارة البحر بهذه الجزيرة يقول عبد الجليل بن وهبون من قصيدةٍ يمدح بها المعتمد بن عباد وافر:
ألم تر للجزيرة كيف أوفى ... عليها مثل ما انعطف السوار
أعد بها على شاطيه رسياً ... ومد يداً إليك بها يسار
فإن يقبل تحيته فأحذر ... فربتما تواصلت البحار
يحيط كما يحيط بها ولكن ... لسمط الدر في العنق افتخار
وكان بهذه الجزيرة بيع للأول، واتخذت في الفتنة مدينةً، ولها أرباض واسعة، وبها آبار عذبة قريبة الأرشية، وبساتين حسنة، وفيها أطيب الصنوبر، ولها مراعٍ خصيبة لا تتصوح، وعيون ماء عذبٍ تصلح بها الألبان والقطانى، ومن خاصتها الثريد النفيس. ومدينة شلطيش مرفا للسفن وركاب البحر، ومرساها كن بكل ريح، وهي كثيرة السفن، وبها دار صناعةٍ لإنشائها، ويسكنها جماعة من النصارى؛ ويكون طولها نحو أربعة أميال في عرضٍ يسيرٍ.
شلوبينية
قرية مسكونة على ضفة البحر، بينها وبين المنكب عشرة أميال، ويجود فيها الموز وقصب السكر، ولعل الأستاذ أبا علي الشلوبين منسوب إليها؛ ويقال إن شلوبينية تقابل من العدوة الأخرى مرسى مليلة، ويقطع البحر بينهما في مجريين.
شلير

(1/40)


هو جبل الثلج المشهور بالأندلس، وهو بإزاء جبل إلبيرة، وهو متصل بالبحر المتوسط، مقتطع بجبل ريه، ويذكر ساكنوه أنهم لا يزالون يرون الثلج نازلاً فيه شتاء وصيفاً. وهذا الجبل يرى من اكثر بلاد الأندلس ويرى من عدوة البحر ببلاد البربر، وفي هذا الجبل أصناف الفواكه العجيبة، وفي قراه المتصلة به يكون أفضل الحرير والكتان الذي يفضل كتان الفيوم. وطوله يومان، وهو في غاية الارتفاع، والثلج به دائماً في الشتاء والصيف. ووادي آش وغرناطة في شمال هذا الجبل، ووجه الجبل الجنوبي مطل على البحر، يرى من البحر على مجرى أو نحوه. وفيه يقول ابن صارة، وأستغفر الله من كتب هذا الاستخفاف " طويل " :
يحل لنا ترك الصلاة بأرضكم ... وشرب الحميا وهو شئ محرم
فراراً إلى أرض الجحيم فإنها ... أحن علينا من شليرٍ وأرحم
فإن كنت ربي مدخلي في جهنمٍ ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم
شنتجالة
في طرف كورة تدمير بالأندلس مما بلى الجوف، ويقال لها أيضاً جنجالة، وإليها ينسب الوطاء الجنجالي لعمله بها.
شنترة
من مدائن الأشبونة بالأندلس على مقربة من البحرن ويغشاها ضباب دائم لا ينقطع، وهي صحيحة الهوى، تطول أعمار أهلها، ولها حصنان في غاية المنعة، وبينها والبحر قدر ميل، وهناك نهر ماؤه يصب في البحر،ومنه شرب جناتهم؛ وهي أكثر البلاد تفاحا، ويجل عندهم حتى يبلغ دورها أربعة أشبار، وكذلك الكمترى، وبجبل شنترة ينبت البنفسج بطبعه، ويخرج من شنترة عنبر جيد، ويخرج أيضاً في شذونة من بلاد الأندلس.
شنترلانة
مدينة أو قرية بالأندلس، على طريق قلشانة، وهي عن يمين الطريق، وناقوسها ملقى في الأرض لا حارس له ولا رقبة عليه، ويزعم أهلها أنه معقود ممنوع من جميع الناس، وأن من اخذه لا يمكنه الخروج به من القرية، وأن خصيتى من أخذه تنتفخان ويشتد وجعهما حتى يصرفه إلى موضعه؛ هذا عندهم صحيح لا يشكون فيه.
شنترين
بالأندلس، مدينة معدودة في كور باجة.
وهي مدينة على جبل عالٍ كثير العلو جداً، ولها من جهة القبلة حافة عظيمة ولا سور لهان وبأسفلها ربض على طول النهر، وشرب أهلها من العيون ومن ماء النهر، ولها بساتين كثيرة وفواكه ومباقل، وبينها وبين بطليوس أربع مراحل.
وهي من أكرم الأرضبين، ونهرها يفيض على بطحائها كفيض نيل مصر، فتزدرع أهلها على ثراه عند انقطاع الزريعة في البلاد وذهاب أوانها، فلا يقصر عن نمائه الطيب ولا يتأخر إناه وإدراكه.
ومن أقاليمها صقلب، وهي أطيب بقاع الأرض، يرفع في أرضه عند توسط الرباح للحبة مائة، وعند كماله اللحبة مائتان. ولشنترين جزائر في البحر مسكونة، وكانت جباية شنترين ألفين وتسعمائة دينار، وأحوازها متصلة بأحواز باجة.
وكان يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب اجتاز عليها في حركته الأندلسية بعسكره، وهو أربعون ألفاً من أنجاد العرب الفرسان ومن الموحدين والجنود والمطوعة وفرسان الأندلس، واجتازها ما ينيف على مائة ألف فارس، وبرز أسطوله على الأشبونة، وحاصرها عشرين يوماً، ونزل على أعظم قواعد ابن الرنق عدو المغرب، وكان مؤذياً للمسلمين من قاعدته، وهي شنترين هذه، فبرز إليها في أمم لا تحصى، وهناك عرض له المرض الذي توفى فيه، أقام الرحل به على مطيةٍ مضطجعاً على فراشه، وضعفه يتزايد، إلى أن تفقد في بعض أميالٍ فوجد ميتاً، وذلك في سنة 580 فتقدم بالأمر ولده يعقوب المنصورز فقفل بالناس إلى إشبيلية. فبويع بها ورجع إلى مراكش.
شنتمرية
مدينة في الأندلس من مدن أكشونبة.
وهي أول الحصون التي تعد لبنبلونة، وهي أتقن حصون بنبلونة بنياناً، وأعلاها سموكاً، مبتناه على نهر أرغون، على مسافة ثلاثة أميال منه.
وبناحية شنتمرية أعجوبة عاينها كل من دخل على تلك الناحية من المسلمين، وذلك عين ينفجر بماء كثير، ينظر الناس ذلك عياناً، فإذا قربوا منها، ووقفوا عليها انقطع جريانها، فلا تنبض بقطرةٍ، فإذا تباعد الناس عنها عادت إلى حالها، وهذا مستفيض لا يجهد له أحد ممن صاقب تلك الناحية.

(1/41)


وشنتمرية على معظم البحر الأعظم، سورها يصعد ماء البحر فيه إذا كان فيه آلمد، وهي مدينة متوسطة القدر، حسنة التربة بها مسجد جامع ومنبر وجماعة، وبها المراكب واردة وصادرة، وهي كثيرة الأعناب والتين، وبينها وبين شلب ثمانية وعشرون ميلاً.
وإليها ينسب الأستاذ أبو الحجاج يوسف بن سليمان الشنتمرى الأعلم ذو التصانيف المشهورة.
وهي مدينة أولية، وبها دار صناعةٍ للأساطيل، وبإزائها جزائر في البحر ينبت فيها شجر الصنوبر. ومن الغرائب ما ظهر بشنتمرية هذه في عشر الستين والخمسمائة، وذلك صبى يتواصف المحققون ممن عاين أمره أن سنه خمسة أعوامٍ أو نحوها، بلغ مبلغ الرجال وأشعر، وهذا مستفيض عندهم.
شنت ياقوب
كنيسة عظيمة عندهم، وهي في ثغور ماردة، وهذه الكنيسة مبنية على جسد يعقوب الحواري، يذكرون أنه قتل في بيت المقدس، وأدخله تلامذته في مركب، فجرى به المركب في البحر الشأمي، ألى أن خرج به إلى البحر المحيط، حتى انتهى به إلى موضع الكنيسة بساحلٍ فيه، فبنيت الكنيسة ليومٍ معروفٍ جعل عيداً لها.
وغز اشنت يا قوب عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر سنة387، وأوسع أهلها قتلاً وأسراً، وقراها وأسوارها هدماً وإحراقاً، ومن إنشاء القسطلى رسالة إلى الخليفة هشام بن الحكم بن عبد الرحمن يخبره بالفتح، و يصف الكنيسة وأرضها، وله فيها قصيدة مشهورة.
شنفيرة
حصن على أربع مراحل من مرسية بالأندلس في شرقيها، مشهور بالمنحة، ظفر به في الصلح محمد بن هود سنة 614، ومعه خمسمائة من أجناد الرجال، فغدر به؛ لأن أبا سعيد بن الشيخ أبي حفص الهنتاتى، لما طاف على حصون الأندلس يتفقدها في أيام الهدنة، نظر إلى هذا المعقل وهو بارز إلى السماء مع وثاقة بنائه فأعجبه وقال:كيف أخذ الروم هذا الحصن من المسلمين؟ فقيل: غدروا به في زمان الصلح! فقال: أما في أجناد المسلمين من يجازيهم بفعلهم؟ فسمعه ابن هود فأسرها في نفسه، إلى أن تمت له الحيلة، فطلع في سلمٍ من حبالٍ فذبح السامر الذي يحرس بالليل، ولم يزل يطلع رجاله واحداً وأحداً إلى أن حصلوا بجملتهم في الحصن، وفر الروم الذين خلصوا من القتل إلى برج مانع. فقال ابن هود: إن أصبح هؤلاء في هذا البرج جاءهم المدد من كل مكان! فالرأي أن نطلق النيران في بابه! فلما رأوا الدخان، وأبصروا اشتعال النار طلبوا الصلح على أن يخرجوا بأنفسهم، فكان ذلك واستولى المسلمون على الحصن؛ وكان الروم قد أرسلوا في الليل شخصاً دلوه من البرج، فأصبحت الخيل والرجال على الحصن، وقد أحكم المسلمون أمره، فانصرفوا في خجلةٍ وخيبةٍ، وترددت في شأنه المخاطيات إلى مراكش، فقال الوزير ابن جامع لابن الفخار: أخذناه في الصلح، كما أخذ عنا في الصلح! ومن هذه الوقيعة اشتهر أبن هود عند أهل شرق الأندلس، وصاروا يقولون: هو الذي استرجع شنفيره!
شوذر
بالأندلس، من كور جيان، وهي قرية تعرف بغدير الزيت، لكثرة زيوتها، وهي كثيرة المياه والبساتين، بها جامع من ثلاث بلاطات على أعمدة من رخام، وسوق حافلة يوم الثلاثاء.
حرف الصاد
الصخور
حصن صغير على نهر مرسية من الأندلس.

(1/42)


فيه دعا لفنسه محمد بن هود سنة625، وأبو العلى إدريس المأمون إشبيلية، وقد صفت له؛ وكان عازماً على التحريك إلى بر العدوة، فبينما هو يروم ذلك إذ وصله الخبر بقيام ابن هود هذا، وكان من الجند، ولم يكن إذ ذاك أحد من أكابر الأندلسيين يطمع في ثيارة، ولا يحدث بها نفسه؛ فبنو مردنيش في بلنسية، وبنو عيسى في مرسية، وبنو صناديد في جيان، وبنو...في غرناطة، وبنو فارس في قرطبة، وبنو وزير في إشبيلية، لا نتظام البرين على طاعة الدولة الممهدة القواعد، ورجوع أمورها إلى إمام واحد، حتى اتفقت ثيارة العادل بمرسية، ثم ثيارة البياسى ونكبته، ثم مبايعة أبي العلى بإشبيلية، ففتحوا على دولتهم باباً رحله منه غيرهم، فأوقع الله تعالى في خاطر ابن هود هذا أنه بملك الأندلس، وتحدث بذلك مع من يثق به، وذكر أنه محمد بن يوسف بن محمد بن عبد العليم بن أحمد المستنصر بن هود، واحتقره السيد الذي كان في مسرية من قبل أبي العلى، فجمع أصحابه وخرج بهم إلى الحصن المعروف بالصخور، فدعا لنفسه، واجتمع له جمع من القطاع، وذعار الشعارى والضياع؛ وقال لهم: أنا صاحب الزمان، وأنا الذي أرد الخطبة عباسية! وخاطب بذلك أبا الحسن القسطلى قاضي مرسية يومئذ، وأعلمه أنه إن تمكن من هذا العرض فإن الدولة تكون في يده، فأصغى الشيخ إليه إصغاء أذهله عن حتفه الذي بحث عنه، ثم حضر القاضي القسطلى عند السيد الملقب بأبي الأمان، وقد لاحت عليه دلائل الخذلان؛ فقال: يا سيدي! هذا الرجل الذي كان في الصخور ما زال خديمكم، فكتبنا له نرغبه في الطاعة ونعده بما يكون له من الخير في إثر ذلك، حتى أذعن، وها هو قد وصل ليقبل به كم الكريمة، وسيدنا يرتب له ولأصحابه ما يكفهم عن الثيارة، ويرجى أن ينتفع بهم في قطع الفساد، عن جهات هذه البلاد! فابتهج السيد، وأنفذ إليه بالمبادرة، فلم يمر إلا القليل حتى دخل ابن هود وأصحابه مرسية في السلاح، فبعد ما مالوا لتقبيل يده قبضوا عليه، ثم حبسوه وأجلسوا ابن هود في مكانه. وخطب في أول جمعة للمستنصر العباسي، ثم لنفسه بالمتوكل على الله أمير المؤمنين؛ وعندما وصل الخبر بذلك إلى أبي العلى، وكان عزم على جواز البحر، تمثل كامل:
إن الطبيب إذا تعارض عنده ... مرضان مختلفان داوى الأخطرا
وصرف وجهه إلى مرسية؛ ففي أول منزلة نزل بها، قام الأستاذا أبو على الشلوبين فابتده، فخطب وقال: ثلمك الله ونثرك يريد: سلمك ونصرك. وكان يرد السين والصاد ثاء. وقام بعده أبو الحسن بن أبي الفضل، فأنشده قصيدةً أولها " خفيف " :
خدمتك السيوف والأقلام ... وأناخت لأمرك الأيام
وقام الكاتب البلوى فأنشد قصيدةً منها " سريع " :
أرتك مرسية وقد عصت ... لنا قديماً طائعاً أكثر
منابر يالك قد أصبحت ... مناظراً إن قد عصى منبر
فكره أبو العلى ما أتوا به، واسود وجهه، فتطير الحاضرون بذلك، وامتنع أبو العلى بعد هذا المجلس من كلام الخطباء، وإنشاد الشعراء، في هذه القضية؛ وأقام محاصراً لابن هود حتى رحل في السنة الثانية، وعلم أهلها أنهم لا ينفعهم معه إلا التحريك على ساعد الجد، وعلم هو أنه لا تجوز عليهم حيلة ولا تنفع فيهم موعظة، وكان الأمر على ما نطق به القدر على ألسنة أولئك.
صدينة
من كور شذونة ببلاد الأندلس، أزلية قائمة الأسوار، باقية الآثار، تطرد المياه داخلها من عين ثرة تطحن على جنوبها الأرحاء، وهي في غاية الحصانة، لا ينفذ جيش إليها، ولا يتوصل عسكر للنزول عليها، وهذه العين عنصر نهر بوصة.
حرف الطاء
طارق
جبل فيه خرج طارق بن زياد ومنه افتتح الأندلس، وهو عند الجزيرة الخضراء، وبجبل طارق مرسى مكن من كل ريح، وبه غريبة، وهو غار هناك يعرف بغار الأقدام، يرى من البطحاء التي تلي الغار أثر قدمٍ أبداً وليس هناك طريق ولا منفذ إلى غير الغار، وقد مسحت تلك البطحاء وسويت، ثم أتوها من الغد، فوجدوها فيها أثر القدم، جرب ذلك مراراً.

(1/43)


وكان أحد خلفاء بني عبد المؤمن أمر ببناء مدينةٍ على جبل طارق، فندب إليها البنائين والنجارين وقطاع الحجر للبنيان والجيار من كل بلدة، وخطت فيه المدينة وقدم إليها من المال ما يعجز كثرةً، واتخذ فيها الجامع وقصراً له، وقصوراً تجاروه للسادة بنيه، وتولى العمل في ذلك، وأقطع أعيان وجوه البلاد فيه منازل، نظروا في بنائها، بعد إن حفروا في سفح الجبل مواضع نبع فيها الماء، وجمع بعضها إلى بعض حتى سال منها جدول عم المدينة لأنفسهم ومواشيهم، من أعذب الماء وأطيبه، يصب في صحنٍ عظيمٍ اتخذ له، وأجرى إلى الجنات المغترسة بها عن أمره، فللحين ما جاءت مدينة تفوت المدن حسناً وحصانةً، لا يدخل إليها إلا من موضع واحدٍ، قد حصن بسور منيع من البنيان الرفيع، وسميت بمدينة الفتح، وقالت الشعراء فيها، ثم جاز إليها في سنة 556، وورد الوفود عليه هناك، فتلقاهم بالتكرمة، وفت ذلك في عضد العدو.
طالقة
مدينة بالأندلس، بقرب إشبيلية، وهي من المدن القديمة، وكانت دار مملكة الأفارقة بالأندلس، وكانت من مدن إشبيلية المتصلة بها في سالف الدهر وهي خراب، إذ كان إشبان بن طيطش غزا طالقة وحاصر ملكهم بها حتى فتحها وتغلب على مملكتهم، فهدم طالقة ونقل رخامها وآلاتها إلى إشبيلية وبه سميت، واتخذها دار ملكه وكثرت جموعه، فعلا في الأرض وغزا من إشبيلية وبه سميت، واتخذها دار ملكه، وكثرت جموعه، فعلا في الأرض وغزا من إشبيلية إيلياء بعد سنتين من ملكه؛ خرج إليها في السفن فغنمها وهدمها، وقتل من اليهود مائة ألفٍ، واسترق مائه ألفٍ، وفرق في البلاد مائة ألف، وانتقل رخام إيلياء وآلاتها إلى الأندلس، والغرائب التي أصيبت من مغانم الأندلس كمائدة سليمان التي ألفاها طارق بن زياد بكنيسة طليطلة، وقليلة الدر التي ألفاها موسى بن نصير بكنيسة ماردة وغيرها من الذخائر، إنما كانت مما صلوا لصاحب الأندلس من غنيمة بيت المقدس إذ حضر فتحها مع بخت نصر.
وحكوا أن الخضر وقف بإشبان هذا وهو يحرث الأرض في حداثة فقال له: يا إشبان، إنك لذو شأن، وسوف يحظيك زمان، ويعليك سلطان؛ فإذا أنت غلبت على إيلياء، فارفق بذرية الأنبياء! فقال له إشيان: أساحر أنت رحمك الله؟ أني يكون هذا وأنا ضعيف مهين؟ فقال: قدر ذلك من قدر في عصاك اليابسة ما تراه! فنظر إشبان إلى عصاه فرآها قد أورقت، فريع لما رأى، وذهب الخضر عنه وقد وقر ذلك الكلام في نفسه، والثقة بكونه؛ فترك الامتهان، وداخل الناس، وصحب أجل الناس، وسما به جده، فارتقى في طلب السلطان حتى نال منه عظيماً؛ وكان ملكه عشرين سنة.
واتصلت مملكة الإشبانيين بعده إلى أن ملك منهم الأندلس خمسة وخمسون ملكاً.
وكانت بطالقة آثار وعجائب غريبة؛ فمن ذلك صورة جاريةٍ من مرمر لم تسمع في الأخبار، ولا روى في الآثار، صورة أبدع منها في قالب جارية، كاملة القد، حسنة الجسم، جميلة الوجه، صور كل عضوٍ من أعضائها، وكل جاريةٍ، كاملة القد، حسنة الجسم، جميلة الوجه، صور كل عضوٍ من أعضائها، وكل جارحةٍ من جوارحها على أتم ما يكون، وأفضل ما يستحسن في جوارح المرأة حضنها صورة صبيٍ على مثلٍ من الحكمة والإتقان، وقد صورت حية تصعد من قدمها كأنها تريد نهش الصبي، فنظرها بين مصعد الحية ومكان الطفل كالمشفقة الحذرة يتبين ذلك في التقائها، ولو وقف الناظر لتأملها عامة نهاره لم يسأم ذلك ولا مله، لدقيق صنعتها وغريب حكمتها؛ وهذه الصورة موضوعة في بعض حمامات إشبيلية، وقد تعشقها جماعة من العوام، وشغف بها أناس من الطغام؛ فتعطلت أشغالهم، وانقطعت متاجرهم بالنظر إليها.
طبيرة
لا أدري أهي طلبيرة بزيادة لام أو غيرها، فإن كانت هي فهي مذكورة بعد.
طرسونة
بالأندلس، كانت مستقر العمال والقواد بالثغور، وكان أبو عثمان عبيد الله بن عثمان المعروف بصاحب الأرض اختارها محلاً، وآثرها على مدن الثغور منزلاً؛ وكانت ترد عليه عشر مدينة أربونة وبرشلونة، ثم عادت طرسونة من بنات تطلية عند تكاثر الناس بتطيلة، وإيثارهم لها، لفضل بقعتها، واتساع خطتها، وبينهما اثنا عشر ميلاً.
طرطوشة
من بلنسية إلى طرطوشة مائة ميل وعشرون أميال، مسيرة أربعة أيام.

(1/44)


وهي في سفح جبل، ولها سور حصين، وبها أسواق وعمارات وضياع وفعلة، وإنشاء للمراكب الكبار من خشب جبالها، وبجبالها خشب الصنوبر الذي لا يوجد له نظير في الطول والغلظ، ومنه تتخذ الصوارى والقرى، وهو خشب أحمر صافي البشرية بعيد التغير، لا يفعل فيه السوس ما يفعله في غيره من الخشب، ومنها إلى طر كونة خمسون ميلاً، وبينها وبين البحر الشأمى عشرون ميلاً.
وقصبة طرطوشة على صخرةٍ عظيمةٍ سهلة الأعلى، وفي الشرق من القصبة جبل الكهف وهو جبل أجرد والمصلى؛ والمدينة في غربي القصبة وجوفيها؛ وعلى المدينة سور صخرٍ من بناء بني أمية، على رسم أولى قديم؛ ولها أربعة أبواب، وأبوابها كلها ملبسة بالحديد، ولها أرباض من حومة الجوف والقبلة ودار الصناعة قد أحدق على ذلك كله سور صخرٍ حصين، بناه عبد الرحمن بن النظام، وبها جامع من خمس بلاطات، وله رحبة واسعة، بنى سنة345؛ وبها أربعة حمامات، وسوقها في الربض القبلي جامعة لكل صناعة ومتجر، وهي باب من أبواب البحر، ومرقى من مراقيه، تحلها التجار من كل ناحية، وهي كثيرة شجر البقس، ومنا يفترق إلى النواحي، وخشبها الصنوبر له خاصية في الجودة تفوق جميع خشب الأمصار. وقصبة طرطوشة في المنعة والسمو إلى حدٍ لم يستوفه بالصفة إلا عبد الملك بن إدريس الكاتب المعروف بالجزيرى، حين سجنه بها المنصور بن أبي عامر، فقال يصف حاله هناك من قصيدةٍ طويلةٍ مشهورةٍ كامل:
في رأس أجرد شاهقٍ عالي الذرى ... ما بعده لمؤملٍ من ممصر
يهوى إليه كل أعور ناعق ... وتهب فيه كل ريحٍ صرصر
ويكاد من يرقى إليه مرةً ... من دهره يشكو انقطاع الأبهر
وأول هذا الشعر:
ألوى بعزم تجلدى وتصبرى ... نأى الأحبة واعتماد تذكر
شحط المزار فلا مزار ونافرت ... عينى الهجوع فلا خيال يعترى
وقصرت عنهم فاقتصرت على جوى ... لم يدع بالواني ولا بالمقصر
ومن أهل طرطوشة، الفقيه الإمام الزاهد، أبو الوليد الطرطوشى الفهرى؛ نزل الإسكندرية، صاحب التعلقة في الخلاف، وكتاب الحوادث والبدع وغير ذلك؛ سكن بغداد، وتفقه على أبي بكر الشاشى، وسمع بها الحديث وهو مالكى المذهب.
قالوا: وزهده أكثر من علمه، وانتفع به جماعة، وانجلب إليه أكثر من مائتي فقيهٍ مفتٍ؛ ومن كبار أصحابه أبو الطاهر بن عوف، وسند بن عنان الأزدى؛ وعاصر الغزالي، وله في إحيائه كلام، وكان منحرفاً عنه، سيئ الاعتقاد فيه وكانت وفاته بعد العشر والخمسمائة.
طركونة
بالأندلس، بينها وبين لاردة خمسون ميلاً. وطر كونة مدينة أزلية، قاعدة من قواعد العمالقة، وجعلها قسطنطين في القسم الثالث من الأندلس، وأضاف إليها مدن ذلك القسم.
وهي مبنية على ساحل البحر الشأمى، ومعالمها باقية لم تتغير، وأكثر سورها باقٍ لم يتهدم، وهي أكثر البلاد رخاماً محكاً، وسورها من رخام أسود وأبيض، وقليلاً ما يوجد منثله؛ ومن الغرائب بطركونة أرحاء نصبها الأول، وتطحن عند هبوب الريح وتسكن بكسونها؛ وذكر أهل العلم باللسان اللطينى أن معنى طر كونه الأرض المشبهة بالمجنة وكانت في قديم الزمان خاليةً، لأنها كانت فيما بين حد المسلمين والروم؛ والأخياس بها كثيرة، ومبانيها كبيرة، وبها أساطين رفيعة، مما تضل الأوهام في حكمته، ويعجز المتكلفون اليوم عن صنعته. وذكر شيخ ثقة من أهل شبرانة، يقال له ابن زيدان، أنه كان يخرج في السرايا إلى تلك الناحية، فنزل في بعض خرجاته مع جماعة من أصحابه في البنيان الذي تحت مدينة طركونة، فأرادوا التحول منه فضلوا ولم يهتدوا منه لمخرج، وترددوا كذلك ثلاثة أيامن حتى هدوا في آخر اليوم الثالث لما أراد الله تعالى من إبقائهم. وزعم قوم أنهم وجدوا هناك بيوتاً مملوءةً قمحاً وشعيراً من الزمان السالفة، قد اسود حبه، وتغير لونه؛ وفي هذه المدينة يكمن المسلمون عند طلب الفرصة في الغزو، وفيها يكمن العدو أيضاً للمسلمين.
طريانة
من كور إشبيلية بالأندلس، كان بها الفنش بن فرذلند الطاغية واعد قواد جيوشه للاجتماع فيها عام الزلاقة لمحاصرة ابن عباد بإشبيلية في سنة 479، فأخلف الله ظنه، وعكس عليه أمله؛ وكان ما كان في الزلاقة من نصر الله تعالى للمسلمين والفتح لهم، فله الحمد؛ وقد مر ذلك في

(1/45)


رسم الزلاقة. ومن كلام عامة إشبيلية لفتكٍ وطريانة تؤدى الجعل! طريف اسم بلد جزيرة طريف، على البحر الشأمى، في أول المجاز المسمى بالزقاق، ويتصل غربها ببحر الظلمة؛ وهي مدينة صغيرة عليها سور ترابٍ؛ ويشقها نهر صغير، وبها أسواق وفنادق وحمامات؛ ومن جزيرة طريف إلى الخضراء ثمانية عشر ميلاً.
وكتب موسى بن نصير إلى الوليد يستأذنه في اقتحام الأندلس؛ فراجعه: خضها بالسرايا، ولا تغرر بالمسلمين في بحرٍ شديد الأهوال! فراجعه: ليس ببحرٍ زخارٍ إنما هو خليج يتبين للناظر ما خلفه! فجاوبه: وإن كان فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه! فبعث موسى رجلاً من وإليه من البربر اسمه طريف، كينى أبا زرعة، في أربعمائة رجل، معهم مائة فرس، في أربعة مراكب؛ فنزل بالخضراء التي هي معبر سفائهم؛ وهي التي يقال لها اليوم جزيرة طريف لنزوله بها؛ فأغار عليها، فأصاب سبياً، لم ير موسى ولا أصحابه مثله حسناً، ومالاً جسيماً، وأمتعة؛ وذلك سنة91.
طلبيرة
بالأندلس أيضاً، بينها وبين وادي الرمل خمسة وثلاثون ميلاً؛ وهي أقصى ثغور المسلمين؛ وباب من الأبواب التي يدخل منها إلى أرض المشركين، وهي قديمة أزلية على نهر تاجه. وهي في الجزء الثالث من قسمة قسطنطين.
وهي مدينة كبيرة، وقلعتها أرفع القلاع حصناً، ومدينتها أشرف البلاد حسناً، وهو بلد واسع الساحة، كثير المنافع، به أسواق وديار حسنة؛ ولها على نهر تاجه أرحاء كثيرة، ولها عمل واسع، ومزارعها زاكية؛ وبينها وبين طليطلة سبعون ميلا.
طلمنكة
مدينة بثغر الأندلس، بناها الأمير محمد بن عبد الرحمن؛ منها أحمد بن محمد بن عبد الله بن لب بن يحيى المعافرى الطلمنكى المقرى؛ وبينها وبين وادي الحجارة عشرون ميلاً.
طلياطة
بالأندلس، بينها وبين إشبيلية محلة من عشرين ميلاً، ومن طلياطة إلى لبلة محلة مثلها.
وفي جمادى الأولى من سنة 622كانت الوقيعة على أهل إشبيلية بفحص طلياطة، فأغار الروم الغربيون على تلك الجهة، وغنموا ما وجدوا، وساقوا ما أصابوا، والعادل صاحب المغرب يومئذٍ بإشبيلية، ووزيره أبو زيد بن وجان، ومعهما أهل الدولة وأشياخ الأمر، ولا غناء لديهم، ولا مدفع عندهم، إذ كان الأمر قد أدبر ورونق الدولة قد تغير. ومن نزلت به من الناس مصيبة أو أغير له على سرحٍ لم يرج مغيثاً ولا يجد نصيراً؛ وكان خبر هؤلاء الروم بلغ إشبيلية قبل ذلك بأيام، واجتمع جمع كثير من العامة في المسجد الجامع، فلما فرغ من صلاة الجمعة قاموا فصاحوا بالسلطان يحملونه على الخروج؛ فلما كان يوم السبت خرج المنادي ينادي الناس بالخروج، فأخذوا في ذلك وتجهزوا، وخرج بعضهم في ذلك اليوم، ولما كان يوم الأحد جد بالناس، فخرجوا على كل صعب وذلول، كبارهم وصغارهم، بسلاح وبغير سلاح كما يخرخون إلى نزههم في البساتين والجنات، فتكامل بعضهم في جهة طلياطة يوم الأحد، ولم يخرج معهم من الخيل إلا دون المائة؛ والروم في عددٍ ضخمٍ، عليهم الدروع، وبأيديهم السلحة، وأكثر جميع المسلمين بغير سلاح إلا ما لا قدرة له، وإنما هم أهل الأسواق والباعة؛ وكان في من خرج من الجند أبو محمد عبد الله بن أبي بكر بن يزيد، وهو أعلم بالحرب من هؤلاء الرعاع والغوغاء الذين لا يعقلون، فصاحوا به أن يسير إلى لقاء العدو، فأبى عليهم ونهاهم وحذرهم؛ فأبوا عليه إلا اللقاء، وسبوه، وآذوه بالقول؛ فزهمهم وانصرف عنهم، هو ومن كان معه من الخيل، إذ رأوا ما لم يروه، وعاينوا ما لم يعاينوه، وأبصروا ما لا طاقة لهم به؛ فلما رأى الروم ذلك مالوا على أولئك العامة، فلما رأوهم مستقبلين لهم أخذوا في الفرار، فوقع القتل بهم، فأفنى منهم بالقتل وأسر منهم كثير، وأفلت كثير؛ وكان الناس بعد يختلفون في مقدار من أتى القتل عليه من أهل إشبيلية والأسر، فمقلل ومكثر، فالمكثر يقول بلغوا عشرين ألفاً، وقيل دون ذلك، فالله أعلم. وخرج العادل من إشبيلية متوجهاً إلى حضرة مراكش في ذي القعدة من هذه السنة، وهي سنة 622.
طليطلة
بالأندلس، بينها وبين البرج المعروف بوادي الحجارة خمسة وستون ميلاً، وهي مركز لجميع بلاد الأندلس، لأن منها إلى قرطبة تسع مراحل، ومنها إلى بلنسية تسع مراحل أيضاً، ومنها إلى المرية في البحر الشأمى تسع مراحل أيضاً.

(1/46)


وطليطلة عظيمة القطر، كثيرة البشر، وهي كانت دار الملك بالأندلس حين دخلها طارق؛ وهي حصينة، لها أسوار حسنة، وقصبة حصينة، وهي أزلية من بناء العمالقة، وهي على ضفة النهر الكبير، وقل ما يرى مثلها إتقاناً وشماخة بنيانٍ، وهي عالية الذرى، حسنة البقعة، ولها قنطرة من عجائب البنيان، وهي قوس واحدة، والماء يدخل تحتها بعنفٍ وشدة جرىٍ، ومع آخر القنطرة ناعورة، وارتفاعها في الجو تسعون ذراعاً، وهي تصعد الماء إلى أعلى القنطرة، ويجري الماء على ظهرها فيدخل المدينة.
وكانت طليطلة دار مملكة الروم، وكان بطليطلة بيت مغلق متحامى الفتح على الأيام، عليه عدة من الأقفال، يلزمه قوم من ثقات القوط قد وكلوا به لئلا يفتح، قد عهد الأول في ذلك إلى الآخر، فلما قعد لذريق ملكاً أتاه أولئك الموكلون بالبيت يسألونه أن يقفل على الباب فقال: لا أفعل حتى أعلم ما فيه ولا بد لي من فتحه! فقالوا: أيها الملك إنه لم يفعل هذا أحد قبلك! فلم يلتفت إليهم ومضى إلى البيت، فأعظمت ذلك العجم، وضرع إليه أكابرهم، فلم يفعل وظن أنه بيت مالٍ قد احترمته الملوك؛ ففض الأقفال عنه، ودخل، فأصابه فارغاً لا شيء فيه إلا تابوتاً عليه قفل، فأمر بفتحه فألفاه أيضاً فارغاً ليس فيه إلا شقة مدرجة صورت فيها العرب، عليهم العمائم وتحتهم الخيل العراب، متقلدى السيوف، متنكبى القسى، رافعي الرايات على الرماح، وفي أعلاها أسطر مكتوبة بالعجمية فقرئت فإذا فيها: إذ كسرت الأقفال عن هذا البيت، وفتح هذا التابوت، وظهر ما فيه من هذه الصور، فإن هذه الأمة المصورة في هذه الشقة تدخل الأندلس فتغلب عليها وتملكها! فوجم لذريق وندم على ما فعل، وعظم غمه وغم العجم بذلك، وأمر برد الأقفال، وإقرار الحراس، وأخذ في تدبير ملكه، وذهل عما أنذر به، إلى أن كان من أمر يليان عامل لذريق على سبتة وأمر ابنته في الخبر المشهور ما سبب إثارة عزمه على إدخاله العرب إلى الأندلس، إلى أن كان ذلك وسبب الل فتحها بسبب ذلك، وما بعد ذلك يذكر في غير هذا المكان .
ووجد أهل الإسلام فيها ذخائر عند افتتاح الأندلس، كادت تفوق الوصف كثرةً؛ فمنها مائة وسبعون تاجاً مرصعة بالدر، وأصناف الحجارة الثمينة، ووجد فيها ألف سيف مجوهر ملوكى، ووجد بها من الدر والياقوت أكيالاً وأوساقاً، ومن آنية الذهب والفضة وأنواعها مالا يحيط به وصف، ووجد بها مائدة سليمان بن داوود، وكانت فيما يذكر من زمردة، وهذه المائدة اليوم في مدينة رومية.
وزعم رواة العجم أنها لم تكن لسليمان، وإنما أصلها أن العجم، في أيام ملكهم، كان أهل الحسبة في دينهم، إذا مات أحدهم أوصى بمالٍ للكنائس، فإذا اجتمع عندهم ذلك المال صاغوا منه آلات من الموائد والكراسي وغيرها، من الذهب والفضة، يحمل الشمامعة والقسوس فوقها مصاحف الأناجيل إذا أبرزت في أيام المناسك، ويضعونها على المذابح في الأعياد للمباهاة بزينتها، فكانت تلك المائدة بطليطلة مما ضيع في هذه السبيل، وبالغت الأملاك في تحسينها، يزيد الآخر منهم فيها على الأول، حتى برزت على جميع ما اتخذ من تلك الآلات؛ وطار الذكر بها كل مطار. وكانت مصوغةً من خالص الذهب، مرصعةً بفاخر الدر والياقوت والزبرجد، لم تر الأعين مثلها، فولع في تحسينها من أحل دار المملكة. وأنه لا ينبغي أن يكون بموضع آلة جمالٍ أو متاع مباهاةٍ إلا دون ما يكون فيها؛ وكانت توضع على مذبح كنيسة طليطلة فأصابها المسلمون هناك. وقصة اتصالها إلى سليمان بن عبد الملك ومنازعة موسى بن نصير وطارق مولاه في رحلتهما مشهورة.
قال ابن حيان: ومضى طارق خلف فرار أهل طليطلة، فسلك إلى وادي الحجارة، ثم استقبل الجبل فقطعه، فبلغ مدينة المائدة؛ والمائدة خضراء من زبرجدة، حافاتها منها، وأرجلها؛ وكان لها ثلاثمائة وخمسة وستون رجلاً، فأحرزها عنده.

(1/47)


وبطليطلة بساتين محدقة، وأنهار مخترقة، ودواليب دائرة، وجنات يانعة، وفواكه عديمة المثل؛ ولها من جميع جهاتها أقاليم رفيعة، وقلاع منيعة؛ وعلى بعد منها في جهة الشمال، الجبل العظيم المعروف بالشارات، فيه من البقر والغنم الشئ الكثير، الذي يتجهز به الجلابون إلى سائر البلاد؛ ولا يوجد شئ من أبقاره وأغنامه إلا في غاية من السمن، ولا يوجد مهزولاً ألبتة، ويضرب به المثل في ذلك في جميع الأقطار بالأندلس؛ وعلى مقربة من طليطلة قرية تسمى بمغام، وجبالها وترابها الطين المأكول يتجهز به منها إلى مصر والشأم والعراق. وليس على قرار الأرض مثله في لذة أكله، وتنظيف غسل الشعر به؛ وفي جبل طليطلة معادن الحديد والنحاس.
وزعموا أن اسم طليطلة باللطينى تولاظو معناه فرح ساكنوها، يريدون لحصانتها ومنعتها؛ وفي كتاب الحدثان كان يقال: طليطلة الأطلال، بنيت على الهرج والقتال؛ إذا وادعوا الشرك، لم يقم لهم سوقة ولا ملك؛ على يدي أهلها يظهر الفساد، ويخرج الناس من تلك البلاد.
ومدينة طليطلة قاعدة القوط ودار مملكتهم، منها كانوا يغزون عدوهم، وإليها كان يجتمع جيوشهم، وهي إحدى القواعد الأربع، إلا أنها أقدمهن؛ ألفتها القياصرة مبنيةً، وهي أول الإقليم الخامس من السبعة الأقاليم التي هي ربع معمور الأرض، وإليها ينتهي حد الأندلس، ويبتدئ بعدها الذكر للأندلس الأقصى، أوفت على نهر تاجه، وبها كانت القنطرة التي يعجز الواصفوان عن وصفها، وكان خرابها أيام الإمام محمد.
ومن خواص طليطلة أن حنطها لا تسوس على مر السنين، يتوارثها الخلف عن السلف، وزعفران طليطلة هو الذي يعم البلاد، ويتجهز به إلى الآفاق؛ وكذلك الصبغ السماوي.
وأول من نزل طليطلة من ملوك الأندلس لوبيان، وهو الذي بنى مدينة رقابل، وهي على مقربة من طليطلة، وسماها باسم ولده؛ ومنها ولى الأساقفة على الكور، وبها مجتمعهم للمشورة، وكان عددهم ثمانين أسقفاً لثمانين مدينة من حوز الأندلس، كجليقية وطر كونه وقرطباجنة، وكانت قبل ولايته فرقاً، فائتلف أمر الناس وانقطع الخلاف، وأحبه الخاص والعام؛ وهو الذي بنى الكنائس الجليلة، والمعالم الرفيعة، وبنى الكنيسة المعروفة بالمردقة، واسمه مزبور على بابها، وهي بين حاضره إلبيرة ووادي آش.
وبطليطلة ألفيت ذخائر الملوك، وعلى مقربة من طليطلة قرية قنيشرة، وهي حارتان فيهما عينا ماء، إذ نضبت أحداهما جرت الأخرى، هذا دأبهاما كل عامٍ، وهما يتعاقبان لا يجريان في زمانٍ واحدٍ، وغربيها على نحو عشرين ميلاً منها تمثالان عظيمان على صورة طورين قد نحتا من حجرٍ صلدٍ. وذكر بعض المؤرخين أن طارقاً لما غزا طليطلة اعترض جنده وهو راكب أحدهما. قالوا: لمامضى طارق بن زياد إلى طليطلة دار مملكة القوط ألفاها خاليةً، وقد فر أهلها عنها، فضم إليها اليهود وخلى بها رجالاً من أصحابه، ومضى خلف فرار أهل طليطلة، فسلك إلى وادي الحجارة، ومنه اقتحم ارض جليقية فخر بها ودوخ الجهة، ثم انصرف إلى طليطلة، وذلك في سنة 93 من الهجرة.
وفي سنة 450 نتجت بغلة بطليطلة فلواً في صور مهرٍ، وكانت بغلة كميتا لبعض السقائين، فتشاءم به النصارى، ولم يزالوا يختلونه حتى عقروه؛ وبقلة العهن من جوفي طليطلة على خمسة وعشرين ميلاً منها بئر لا يعرف فيها قط علق، فنبشت في بعض السنين ليكثر ماؤها، فكثر العلق فيها كثرةً مفرطةً، فنظروا فيما استخرجوه من نبشها فإذا فيه علقة نحاسٍ، فردت في البئر فانقطع العلق منها. وقيل إنما ذلك في حصن وقش في عينٍ نحو الحصن.وفي قريةٍ على عشرة أميالٍ من طليطلة في طريق مجريط بئر معروفة، إذا شرب من مائها المعلوق أسقطت العلق، إنساناً كان أو دابةً أو غير ذلك.
وكان أخذ النصارى لطليطلة في منتصف محرم سنة 478.
؟طيلاقة
بينها وبين إشبيلية ميلان.
حرف العين
عفص
بالأندلس، بقرب مرسية، فيها كانت وقيعة للروم على أهل مرسية في رجبها، ذهب فيها من أهل مرسية بين قتيل وأسير نحو أربعة آلاف رجل؛ وكان الروم أغاروا على تلك الجهة، فخرج إليهم أهل مرسية، وكانوا عاثوا على أهل إشبيلية مثلهان حين وقعت عليهم الهزيمة بفحص طلياطة، ونسبوهم إلى الضعف والخور وقلة الدربة بالحروب، فلم تمض الأيام حتى امتحنهم الله بهذه الوقيعة؛ وكان صاحب جيش هذا اليوم أبو علي بن أشرقى.

(1/48)


قال صاحب الملتمس: كائنة عفص هي أخت كائنة طلياطة المتقدمة في سنة 621، كانت هذه في غرب الأندلس وهذه في شرقها، وكان عباد الصليب قد وصلوا إلى عفص من عمل مرسية، فخرج عسكر مرسية ومعهم العامة، فقتل منهم كثير وأسر منهم كثير. وفيها يقول أحد المرسيين متقارب:
موقعة عفص وطلياطة ... تكامل إقبال أيامنا
فبالغرب تلك وبالشرق ذى ... أناخا على شم أعلامنا
وفي وسط الأرض قيجاطة ... ولوشة قما بأحلامنا
وليس الصليب يرى جائعاً ... تواتر أعدا ... منا
وسيدنا ناظر في الجواز ... يروم النجاة بإسلامنا
العقاب
بكسر العين بالأندلس بين جيان وقلعة رباح، كانت في هذا الموضع موقعة عظيمة، وهزيمة على المسلمين شنيعة؛ في منتصف صفر من سنة 609. وذلك أن الملك الناصر أمير المؤمنين، محمد بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب، كان تحرك من مراكش إلى الأندلس، فأحل بإشبيلية، ثم تحرك منها إلى قرطبة، ثم نزل على حصنى شلبطرة واللج فحاصرهما، وضيق عليهما. فملك حصن اللج أولاً، ثم حصن شلبطرة، ونصب عليها المجانيق الضخام، ورمبت بالحجارة الضخمة حتى ملكها على رغم الإذفونش صاحب طليطلة وقشتيلة، ولم يكن له يومئذٍ قدرة على دفاعه. وكان ذلك في سنة608، حتى انتصف في العام الذي يليه في هذه الوقيعة. وكان الملك الناصر أعجب بفتح شلبطرة وكتب بذلك إلى الآفاق، وخفى عنه ما فرط الغيوب من خبر العقاب، ورجع إلى إشبيلية ظافراً غانماً، ثم استغاث الإذفونش بأهل ملته، وحثهم على حماية دينهم، فاستجابوا وانثالوا عليه من كل مكان.
وخرج إليه الناصر من إشبيلية في العشرين من محرم سنة609 بحشود لا غرض لهم في الغزو، وقد أمسكت أرزاقهم، وقتر عليهم، مع ما كان من قتله لابن قادس صاحب قلعة رباح، بسبب إسلامه القلعة للنصارى، من غير أن يسمع حجته، وإخراجه من مجلسه الحشود الأندلسية غضباً عليهم، ومخادعة النضارى لباقي الأجناد باشتهار الصلح والعمل على ضده، حتى خالطوهم على غفلة، فأخذ المسلمون في فرارٍ ما سمع بمثله، وكان ذلك في العقاب بين بجيان وقلعة رباح، في منتصف صفر من سنة609 كما ذكرناه، وكانت شنيعةً؛ وفر الناصر لا يلوى على شئ حتى وصله إشبيلية، وتبعهم العدو حتى حال بينهم الليل، وأخذوا خباء الساقة، وماتت تحتهم الخيل، فمشى ودافع بكل طريق سلكوه، ومنهاج وردوه، وأتى القتل على خلقٍ كثيرٍ من المسلمين، وقتل فيها من الأعيان والطلبة جملة، منهم على بن الغانى الميورقى وابن عاتٍ الفقيه وغيرهما؛ وكان فرس الملك الناصر بادناً فلم يطق الحركة، فنزل له بعض العرب عن فرسه وقال له: اركبه فهو خير لك من هذا! وكان أمر أبا بكر بن عبدب الله بن أبي حفص بالوقوف تحت الراية، وحملت الروم فقصدت الراية ظنا منها أن الناصر عندها، فوضعت السيف فيمن واجهها، فقتلت خلقاً، وقتل أبو بكر هذا، وانهزم الناس، واستولى العدو على جميع المحلة وأكثر مضاربها.
ثم استولى الروم بعد ذلك على مدينتي بسطة وباغو، وما جاورهما من القرى والحصون، وقتلوا الرجال وسبوا الذرية، وكانت هذه الوقيعة أول وهنٍ دخل على الموحدين. فلم تقم بعد ذلك لأهل المغرب قائمة؛ ولما انتهى الناصر إلى إشبيلية آنس البلاد بخطاب كتبه إليهم بزخرفه الكاذب، ثم جاز البحر إلى مراكش فتوفى في قصره من مراكش سنة610؛ قيل عضه كلب وقيل غير ذلك.
حرف الغين
غافق
بالأندلس بقرب حصن بطروش.
وهو حصن حصين، ومعقل جليل، في أهله نجدة وحزم، وجلادة وعزم؛ وكثيراً ما تسرى إليهم سرايا الروم، فيستنقذون منهم غنائمهم، ويخرجونهم من أرضهم، والروم تعلم بأسهم وبسالتهم فيجتنبونهم.
حرف الفاء
فحص البلوط
الترجمة في حرف الباء
بالأندلس من ناحية قرطبة ، منه القاضي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي. كان متفنناً في ضروب من العلوم، وكانت له رحلة لقى فيها جماعةً من العلماء في الفقه واللغة، وكان كثير المناقب والخصال الحميدة غير مدافع، مع ثبات الجنان وجهارة الصوت وحسن الترتيل؛ وله تفسير على الكتاب العزيز.

(1/49)


ومما جرى له مع عبد الرحمن الناصر أمير المؤمنين أنه بنى قبةً واتخذ قراميد القبة من فضة، وبعضها مغشى بالذهب. وجعل سقفها نوعين صفراء فاقعة، وبيضاء ناصعة؛ يستلب الأبصار شعاعها؛ فجلس فيها إثر تمامها لأهل مملكته، وقال لقرابته ووزرائه مفتخراً عليهم: أرأيتم أم سمعتم ملكاً كان قبلى صنع مثل ما صنعت؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين، وإنك لأوحد في شأنك! فبينما هم على ذلك، إذ دخل منذر بن سعيد واجماً ناكساً رأسه؛ فلما أخذ مجلسه قال له ما قال لقرابته، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته وقال له: والله ! يا أمير المؤمنين! ما ظننت أن الشيطان لعنه الله يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك الله تعالى وفضلك به على المسلمين، حتى ينزلك منازل الكافرين! فاقشعر عبد الرحمن من قوله، وقال له: انظر ما تقول! كيف أنزلني منازلهم؟ قال: نعم! أليس الله تعالى يقول: " ولو لا أن يكون الناس أمةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضةٍ ومعارج عليهم يظهرون الآيات. فوجم الخليفة عبد الرحمن ونكس رأسه ملياً، ودموعه تنحدر على لحيته خشوعاً وتذمما لما جرى، ثم أقبل على منذر بن سعيدٍ، وقال له: جزاك الله عنا وعن الدين خيراً، وكثر في الناس أمثالك! فالذي قلت، والله! والله هو الحق! وقام من مجلسه ذلك يستغفر الله تعالى، وأمر بنقض سقف القبة، وأعاده قرمداً على صفةٍ غيرها.
ومن أخباره أن الناصر لدين الله أمره بالخروج للاستقاء، فخرج واجتمع له الناس في مصلى الربض بقرطبة، بارزين إلى الله تعالى، في جمع عظيمٍ، ثم قام منذر بن سعيدٍ باكياً، خاشعاً لله تعالى، فخطب فقال: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالةٍ ثم تاب من بعده واصلح فأنه غفور رحيم! ثم قال: " استغفروا ربكم إنه كان غفاراً " ، قال: فضج الناس بالبكاء، وارتفعت أصواتهم بالاستغفار، والتضرع إلى الله تعالى بالسؤال، فما تم النهار حتى أرسل الله السماء بماءٍ منهمرٍ.
وكان رحمه الله، على متانة دينه، وجزالته في أحكامه، حسن الخلق، كثير الدعابة، ربما ارتاب بباطنه من لا يعرفه، حتى إذا رام أن يصيب من دينه ثار به ثورة الليث العادي، قيل له: إن قوماً من جيران أحد المتحاكمين من أهل ربض الرصافة، قد تألبوا معه على خصمه، وأعانوه بشهادةٍ مدخولةٍ، وهم غادرون بها عليك! وكان كثيراً ما تأتيه عيونه بمثل ذلك، فغدوا عليه بمجلس نظره، وكانت أسماء جميعهم متفقةً في الوزن على مثال فعلون، فأخذوا مواضعهم، وقام الذين يشهدون له؛ فلما رأى القاضي أسماءهم قال رافعاً صوته: يا ابن صيفون، ويا ابن زيدون، ويا ابن سحنون، من الربض الملعون، ألقوا ما أنتم ملقون! فلما سمعوا قوله لاذوا عن الشهادة، وخرجوا متسللين؛ فكفى شأنهم.
وكان نظاراً لا يقنع بالتقليد؛ ومن قوله في استقصار هذه الفرقة طويل:
عذيرى من قومٍ إذا ما سألتهم ... دليلاً يقولوا هكذا قال مالك
فإن زدت قالوا قال سحنون مثله ... وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن قتلت قال الله ضجوا وأعولوا ... على وقالوا أنت خصم مماحك
ونوادره كثيره.
الترجمة في حرف الفاء
بالأندلس، بينه وبين قرطبة مرحلتان أو ثلاث، ومن هذا الفحص جبل البرانس وفيه معدن الزئبق، ومن هناك يحمل إلى الآفاق؛ وبهذا الجبل الزيتون المتناهى في الجودة؛ وبموضع بقرب من معدن الزئبق جبل يعرف بجبل المعز، في شعراء هنالك حجر يسمى حجر العابد، في وسطه قلة، وهي حفرة على قدر الصحفة بمقدار ما يدخل الإنسان فيها يديه، ويملؤهما من ماء هناك، فيشرب أو يصنع به ما احتاج إليه، فيأتي إيه البقر الكثير فيكفيهم، ويرجع إلى حجه لا يغيض ولا يغور؛ وذكر من رآه أنه جاءه في نيفٍ وثلاثين رجلاً أو نحو ذلك، وهذا معروف هناك.
وبهذا الفحص بلاد وأسواق. وجباية هذا الفحص في عهد الأمير محمد ألفان اثنان، ويتصل بأحواز فحص البلوط أحواز فريش، وتنتظم قراها بقراها.
وإلى فحص البلوط أحواز فريش، وتنتظم قراها بقراها.
وإلى فحص البلوط ينسب الفقيه القاضي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطى، وقد مر ذكره في حرف الباء.
فرنجولش
بالأندلس بقرب حصن المدور.

(1/50)


وهي مدينة جليلة، كثيرة الكروم والأشجار، ولها على مقربة منها معادن الذهب والفضة بموضع يعرف بالمرج.
فريش
موضع بالأندلس، بين الجوف والغرب من قرطبة، فيها معدن رخام، والغالب بها أشجار القسطل، وبها معدن حديدٍ؛ ويتصل بأحواز فريش أحواز فحص البلوط، وبينها وبين قرطبة مرحلتان، وبها قرية تعرف بقسطنطينة، كانت مدينةً عظيمةً أوليةً، وفيها آثار الكنائس، ويقال إنها بنيت في أيام قسطنطين ملك الروم؛ وبينها وبين قرطبة أربعون ميلاً.
فنيانة
قرية بقرب وادي آش من الأندلس، جامعة خطيرة، كثيرة الكروم والتوت والبساتين وضروب الثمار، وكان بها طرز الديباج، والمياه تطرد في جميع جناتها، وأهلها عجم، ذوو يسار.
الفهمين
مدينة بالأندلس، بالقرب من طليطلة.
وكانت مدينةً متحضرةً، حسنة الأسواق والمباني، وفيها منبر ومسجد جامع، وخطبة قائمة، وملكها الروم لما ملكوا طليطلة.
حرف القاف
قادس
جزيرة بالأندلس عند طالقة من مدن إشبيلية، وطول جزيرة قادس من القبلة إلى الجوف اثنا عشر ميلاً، وعرضها في أوسع المواضع ميل، وبها مزارع كثيرة الريع، وأكثر مواشيها المعز، وشعراؤها صنوبر ورتم؛ فإذا رعت معزهم خروب ذلك المكان عند عقدها، واسكر لبنها، وليس يكون ذلك في ألبان الضان. وقال صاحب الفلاحة النبطية: بجزيرة قادس نبات رتم إذا رعته المعز أسكر لبنها إسكاراً عظيماً؛ وأهلها يحققون هذه الخاصية.
وفي طرف الجزيرة الثاني حصن خرب أولى، بين الآثار، وبه الكنيسة المعروفة بشنت بيطر، وشجر المثنان كثير بهذه الجزيرة، وبها شجيرة تشبه فسيل النخل، لها صمغ إذا خلط بالزجاج صمغه، وصار حجراً تتخذ منه الفصوص، وبها آثار للأول كثيرة.
ومن أعجب الآثار بها الصنم المنسوب إلى هذه الجزيرة، بناه أركليش، وهو هرقلس، أصله من الروم الإغريقيين، وكان من قواد الروم وكبرائهم على زمن موسى عليه السلام؛ وقيل إنه أول معدودٍ لملوك اليونانيين، وملك أكثر الأرض، فحارب أهل المشرق وافتتح مدنهم، إلى أن وصل إلى الهند، وانصرف صادراً مفتتحاً لبلاد أولاد يافت، إلى أن انتهى إلى الأندلس؛ فلما بلغ البحر المحيط الغربي، سأل عما وراءه فقيل إنه لا يجاوز إلا بر الأندلس فعمد إلى جزيرة قادس، فبنى بها مجدلاً عالياً منيفاً، وجعل صورة نفسه مفرغةً من نحاسٍ في أعلى المنارة، وقد قابلت المغرب، كرجلٍ متوشح برداً من منكبيه إلى أنصاف ساقيه، وقد ضم عليه وشاحه، وفي يده اليمنى مفتاح من حديد، وهو مادها نحو المغرب، وفي اليسرى صحيفة من رصاصٍ منقوشة، فيها ذكر خبره، ومعنى الذي بيده أنه افتتح ما وراءه من البلدان والمدن.
والصنم في وسط الجزيرة، وبينه وبين الحصن المذكور ستة أميال، والصنم مربع، ذرع أسفله من كل جانبٍ أربعون ذراعاً، وارتفع على قدر هذا الذرع ثم ضاق، وارتفع على قدر ذلك الذرع الثاني، ثم ضاق، وارتفع على قدر ذلك الذرع الثالث، ثم خرط البنيان من ابتداء الطبقة الرابعة، إلى أن صارت قدما الصورة على صخرةٍ واحدةٍ، قدر تربيعها في رأي العين أربع أذرع، قد تقدمت رجله اليمنى، وتأخرت اليسرى كالماشى؛ وارتفاع الصنم من الأرض إلى رأس الصورة مائة وأربع وعشرون ذراعاً، لطول الصورة من ذلك ثماني أذرع، وقيل ست؛ وقيل إن هذا الذرع بالذراع الكبير الذي هو ثلاثة أشبارٍ ونصف، وقد خرج من بين رجليه عمود نحاسٍ أو ذهبٍ صاعداً حتى علا فوق رأسه نحو ذراعين في رأي العين.
وكان يقول أهل العلم بالحدثان في سالف الأزمان: يوشك أن يقع من يد هذه الصورة أحد المفتاحين، فتكون بذلك يده تحرك الفتن بالأندلس، ثم يقع الآخر بعد فيكون حينئذٍ خراب الأندلس. فذكر جماعة أهل قادس أن أحد المفتاحين سقط سنة400، وهو في صورة المفتاح، فحمل إلى صاحب مدينة سبتة، فأمر به فوزن، فكانت زنته ثمانية أرطال، وقيل إن الصنمو بنى لتأريخ ألفين وأربعمائة وإحدى وخمسين من وقت الطوفان، وقيل لتأريخ ألفين وأربعمائة وإحدى وخمسين من وقت آدم عليه السلام؛ والذي لا يشك فيه أنه بنى على عهد موسى عليه السلام.
وقال موسى بن شخيص يعنى هذا الصنم طويل:
ورجراجة الأرداف موارة الخطا ... تهادى وليست من حسان الأوانس
إلى أن ترى الشخص الملعلع موفياً ... على الصنم الموفى على بحر قادس

(1/51)


ولما نزلنا تحته قال صاحبى ... أعاجيب رومٍ أم أعاجيب فارس
فقلنا له خفض سؤالك والتمس ... نجاتك من مرسى البحار الكوائس
وكانوا يتحدثون أن المتوسطة من البحر الغربي، الذي كان يسمونه ببلايه، لم تسلك قط إلى وقت سقوط ذلك المفتاح حتى سقط المفتاح؛ فمن حينئذٍ سلك الناس في البحر إلى سلا وإلى السوس وإلى غيرهما، وكان هذا مستفيضاً عندهم.
وذكر بعض المؤلفين لغرائب الحدثان، أن صنم قادس موضوع على بلاد الأندلس، فجعل رأسه لطليطلة، وصدره لقرطبة، وكذلك أعضاؤه، قسمها عضواً عضواً على بلاد الأندلس، فمتى أصاب عضواً من هذه الأعضاء آفة حلت بذلك القطر الذي من قسيمته آفة.
وفي بعض التصانيف: إذا هدم صنم قادس استولى النصارى على بلاد الأندلس؛ فنظروا فإذا الوقت الذي هدمه أبو الحسن على بن عيسى بن ميمون فيه دخل النصارى قرطبة وملكوها. قال المخبر: وكانت إشبيلية تحت الذمة لأن مرقيش النصارى المعروف بالسليطين، لما استحوذ عليها أقر أبا زكرياء يحيى بن علي بن تايشا على ما كان بأيدي الملثمين منها ومن غيرها، وكان حكم السليطين فافذاً فيها؛ ولقد وقع سنة 540 تنازع بين رجلين من المرابطين في إنزال جنان بقرية من قرى إشبيلية؛ فادعاه أحدهما بإنزال ابن غانية له فيه، وأتى بظهيرٍ؛ وادعاه الآخر بظهير السليطين؛ وحكم بينهما وإلى إشبيلية تحت نظر يحيى بن علي؛ وكان هذا الملثم قد كتب له به السليطين بطليطلة حين سفر إليه رسولاً عن يحيى بن على.
وكان هدم على بن عيسى لهذا الصنم لأنه خيل إليه أنه على كنوزٍ ضخمةٍ، وأن داخله محشو تبراً، فدعا له الرجال والبناة وأخذوا في قطع حجرٍ منه، وكلما قطعوا حجراً ادعموا مكانه بدعامةٍ من خشب، حتى وقف ذلك الجرم العظيم على الدعائم؛ ثم رموا إلى الخشب النار، بعد ما ملأوا الخلل الذي بين الخشب حطباً، فسقط جميعة وكانت له وهلة عظيمة، واستخرج الرصاص المعقود بالحجارة، والنحاس الذي كان منه الصنم، وكان مذهباً؛ وبدت في يديه من مطلبه الخيبة. وكان يقال إن الذي يهدم صنم قادس يموت مقتولاً؛ وكذلك كان.
ويزعم أهل جزيرة قادس أنهم لن يزالوا يسمعون أن الراكب في هذا البحر إن ألج فيه وغاب عنه صنم قادس، بدا له صنم ثانٍ مثله، فإذا وصلوا إليه وجاوزوه حتى يغيب عليه، بدا له صنم ثالث، فإذا تجاوزوا سبعة أصنامٍ صاروا في بلاد الهند؛ وهذا مستفيض عندهم، معروف جارٍ على ألسنتهم، لم يزل يأخذه آخرهم عن أولهم. قالوا: ولما أحكم أركليش هذه الآثار عمد إلى بلاد البربر؛ فعمد إلى مدينة سبتة من الزقاق الخارج من البحر المحيط، ولم يزل يفتتح مدينةً بعد مدينةٍ حتى انتهى إلى لوبيا وتراقيا؛ فوجد هناك ألماً وأوجاعاً في بدنه، فلما اشتد ذلك به أجج ناراً وألقى نفسه فيها، واحترق؛ وكان غرضه أن يحرق الأوجاع التي في بدنه، فدل هذا من فعله على أنه كان من عبدة النيران. وتفرقت جموعه، واتخذه المجوس وثناً يعبدونه.
قبتور
قرية من قرى إشبيلية؛ وفي سنة 623 وصلت شياطى الروم الغربيين نهر إشبيلية، فأسروا الناس، وحرقوا القوارب، ثم وصلوا إلى قبتور هذه، وغلبوا أهلها، ودخلوا عليهم عنوةً، ففر منهم من فر، وأخذوا جملةً منهم ومن نسائهم، واستبيح جميع ما كان في الديار من الآلات والمتاع.
قبرة
مدينة بالأندلس، بينها وبين قرطبة ثلاثون ميلاً، ذات مياهٍ سائحةٍ من عيونٍ شتى، منها العين التي عليها؛ والنهر الذي هناك مخرجه من ناحية جبل شيبة، عليه أرحاء كثيرة؛ وهذا الجبل شامخ ينبت ضروب النواوير وأصناف الأزاهر، وأجناس الأفاويه والعقاقير، وتدوم غضاره نواره، وتتصل بهجة نبته باعتدال هوائه وكثرة أندائه، فيقطف النرجس فيه بأعضان من الورد؛ وللمسجد الجامع بقبرة ثلاث بلاطات، ولها سوق جامعة يوم الخميس، وتحسن بها ضروب الغراسات، وأنواع الثمرات؛ وهي مخصوصة بكثرة الزيتون.

(1/52)


وعلى مقربة من مدينة قبرة، والمغارة المعروفة بالعروب، لا يدرك قعرها، ولا يسبر غورها، وهي باب من أبواب الرياح، ويعرفونها ببئر الريح، وكان بعض خلفاء بني أمية قد أمر عامل قبرة بردم تلك المغارة، وأن يحشد لذلك أهل الناحية، ويشرف عليه بنفسه، ففعل، واعتمل الناس من ذلك مدةً؛ وكان مما ردموها به التبن والحشيش، إلى أن استوى الردم، وجلس العامل على فم الغار ليخاطب الأمير بذلك، فرجف المكان، وانهال الردم، ونجا العامل ولم يكد ينجو، بقيت المغارة لا يدرك لها قعر كما كانت قبل الردم، ولم يعلم أين ذهب جميع ما قذف فيها؛ إلا أنه رئى من ذلك التبن في بعض ينابيع المياه بذلك الجبل. وفي هذه المغارة قذف جماعة من الصقالبة المأسورين، في هزيمة كانت، أحياء.
القبطيل
بالأندلس، هو مفرغ وادي طرطوشة في البحر، ويعرف أيضاً بالعسكر، لأنه موضع عسكر به المجوس واحتفروا حوله خندقاً أثره باقٍ إلى الآن.
قرباكة
بالباء بالأندلس أيضاً، من إقليم مولة، وهي قرية بها عين ماءٍ تولد الحصى بطبعها، وإذا طال مكثه في الإناء من النحاس أو غيره، تحجر بجنباته حتى تتضاعف زنة الإناء؛ وعين ماء أخرى تفتت الحصى بطبعها.
قربليان
بالأندلس، بينها وبين أوريولة عشرون ميلاً، وهي كثيرة الزيتون، وبها سقى كثير.
قرطاجنة
هذا الأسم في ثلاثة مواضع: أحدها بالأندلس عند جبل طارق، وهي مدينة للأول غير مسكونة، وبها آثار كثيرة، وتعرف بقرطاجنة الجزيرة، وبمرساها نهر يريق في البحر يعرف بوادي البحر؛ والثانية:
قرطاجنة الخلفاء
بالأندلس أيضاً من كورة تدمير.
وهي فرضة مدينة مرسية، وهي مدينة قديمة أزلية، لها مينا ترسو فيها المراكب الكبار والصغار، وهي كثيرة الخصب والرخاء المتتابع، ولها إقليم يسمى الفندون، وقليلاً ما يوجد مثله في طيب الأرض وعذوبة الماء. ويحكى أن السنبل يحصد فيه عن مطرةٍ واحدةٍ، وإليه المنتهى في الجودة. ومن مدينة قرطاجنة إلى مرسية في البر أربعون ميلاً.
وبقرطاجنة هذه، هزم عبد العزيز بن موسى بن نصير تدمير عبدوس، الذي سميت به تدمير؛ هزمه وأصحابه، ووضع المسلمون فيهم السيف، يقتلونهم كيف شاءوا، حتى نجا تدمير في شرذمةٍ من قلال أصحابه إلى حصن أوريولة، وكان مجرباً بصيراً ذاهيبة؛ فلما رأى قلة أصحابه، أمر النساء فنشرن شعورهن، وأمسكن القصب بأيديهن فيمن بقى من الرجال، وقصد بنفسه كهيئة الرسول واستأمن، فأمن، وانعقد الصلح له ولأهل بلده، وفتحت تدمير صلحا؛ فلا نفذ أمره عرفهم بنفسه وأدخلهم المدينة، فلم يروا بها إلا نفراً يسيراً من الرجال، فندم المسلمون على ما كان منهم؛ وكان ما انعقد من صلح تدمير مع عبد العزيز على إتاوةٍ يؤديها، وجزيةٍ عن يدٍ يعطيها، وذلك على سبع مدائن: منها أوريولة، ولقنت، وبلانة، وغيرها. وتأريخ فتحها سنة94.
ومن الغرائب ما حكى أن ديراً بقرطاجنة الخلفاء، كان على مقربة منها، بني لا مرأةٍ شهيدةٍ ولها قدر عندهم، وعلى القبر قبة، في أعلاها كوة، لا يعلو تلك القبة طائر، فإن علاها اجتذبته قوة من تلك الكوة، فسقط في القبة.
وقد أخبر رجل بهذه القصة وهو يتصيد بقرطاجنة فأنكر ذلك، واعتمد دفع جوارح وصيده على القبة، فتساقطت داخلها. وكان لتلك القبة مشهد عظيم في يوم من العام، يجتمع إليه الدانى والقاصى من نصارى تلك النواحي، وذلك في الرابع والشعرين من أعشت؛ فلما كانت سنة 414، قصده جماعة من نصارى بلاد إفرنجة في مركبٍ جرى إلى تلك القبة، فاستخرجوا منها الشهيدة وحملوها؛ فلما وصلوا بها إلى جزيرة صقلية بذل لهم نصاراها مالاً عريضاً ليتركوا المرأة عندهم فيقبروها في كنائسهم، فأبوا عليهم؛ ووصلوا بها إلى بلادهم.
قرطبة

(1/53)


قاعدة الأندلس، أم مدائنها ومستقر خلافة الأمويين بها، وآثارهم بها ظاهرة، وفضائل قرطبة ومناقب خلفائها أشهر من أن تذكر؛ وهم أعلام البلاد، وأعيان الناس؛ اشتهروا بصحة المذهب، وطيب المكسب، وحسن الزى، وعلو الهمة، وجميل الأخلاق؛ وكان فيها أعلام العلماء، وسادة الفضلاء؛ وتجارها مياسير، وأحوالهم واسعة؛ وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضاً، وبين المدينة والمدينة سور حاجز؛ وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمامات وسائر الصناعات؛ وطولها من غربيها إلى شرقيها ثلاثة أميال، وعرضها من باب القنطرة إلى باب اليهود ميل واحد. وهي في سفح جبل مطلٍ عليها، يسمى جبل العروس، ومدينتها الوسطى هي التي فيها باب القنطرة.
وفيها المسجد الجامع المشهور أمره، الشائع ذكره؛ من أجل مصانع الدنيا كبر مساحةٍ، وأحكام صنعةٍ، وجمال هيئةٍ، وإتقان بنيةٍ؛ تهمم به الخلفاء المروانيون، فزادوا فيه زيادةً بعد زيادة، وتتميماً إثر تتميم، حتى بلغ الغاية في الإتقان، فصار يحار فيه الطرف، ويعجز عن حسنه الوصف؛ فليس في مساجد المسلمين مثله تنميقاً وطولاً وعرضاً؛ طوله مائة باع، وعرضه ثمانون باعاً، ونصفه مسقف، ونصفه صحن بلا سقف؛ وعدد قسى مسقفه تسع عشرة قوساً، وسوارى مسقفه بين أعمدته وسوارى قببه صغاراً وكباراً مع سوارى القبلة الكبرى وما يليها ألف ساريةٍ؛ وفيه مائة وثلاث عشرة ثريا للوقيد، أكبرها واحدة منها تحمل ألف مصباح، وأقلها تحمل انثى عشر مصباحاً، وجميع خشبه من عيدان الصنوبر والطرطوشى، ارتفاع حد الجائزة منه شبر وافر، وفي عرض شبرٍ إلا ثلاثة أصابع، في طول كل جائزة منها سبع وثلاثون شبراً؛ وبين الجائزة والجائزة غلظ جائزة؛ وفي سقفه من ضروب الصنائع والنقوش مالا يشبه بعضها بعضاً، قد أحكم تزيينها، وأبدع تلوينها؛ بأنواع الحمرة والبياض والزرقة والخضرة والتكحيل، فهي تروق العين وتستميل النفوس، بإتقان ترسيمها ومختلفات ألوانها. وسعة كل بلاطٍ من بلاط سقفه ثلاثة وثلاثون شبراً؛ وبين العمود والعمود خمسة عشر شبراً؛ ولكل عمود منها رأس رخامٍ وقاعدة رخامٍ ولهذا الجامع قبلة يعجز الواصفون عن وصفها وفيها إتقان يبهر العقول تنميقها، وفيها من الفسفساء المذهب والملون ما بعث به صاحب القسطنطينة العظمى إلى عبد الرحمن الناصر لدين الله؛ وعلى وجه المحراب سبع قسىٍ قائمة على عمد، طول كل قوس أنيف من قامة، وكل هذه القصى موجهة صنعة القوط، قد أعجزت المسلمين والروم بغريب أعمالها، ودقيق صنعها؛ وعلى أعلى الكل كتابان منحوتان بين بحرين من الفسيفساء المذهب في أرض الزجاج اللازوردى، وعلى وجه المحراب أنواع كثيرة من التزيين والنقوش، وفي جهتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران واثنان زرزوريان لا تقوم بمال، وعلى رأس المحراب خصة رخام قطعة واحدة مشبوكة منصعة بأبدع التنميق من الذهب واللازورد وسائر الألوان، واستدارت على المحراب حظيرة خشبٍ، بها من أنواع النقش كل غريبة، ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الأرض مثله صنعةً، خشبه آبنوس وبقس وعود المجمر، يقلل إنه صنع في سبع سنين، وكان صناعة ستة رجال غير من يخدمهم تصرفاً؛ وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطشوت ذهبٍ وفضةٍ وحسك، وكلها لو قيد الشمع في كل ليلة سبع وعشرين من رمضان؛ وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله، فيه أربع أوراق من مصحف عثمان بن عفان " رضه " الذي خطه بيمينه، وفيه نقطة من دمه؛ ويخرج هذا المصحف في صبيحة كل يومٍ، يتولى إخراجه قوم من قومه المسجد وللمصحف غشاء بديع الصنعة، منقوش بأعزب ما يكون من النقش، وله كرسي يوضع عليه، ويتولى الإمام قراءة نصف حزب فيه، ثم يرفع إلى موضعه. وعن يمين المحراب والمنبر باب يفضى إلى القصر بين حائطى الجامع في ساباط متصل، وفي هذا الساباط ثمانية أبواب: منها أربعة تنغلق من جهة القصر، وأربعة تنغلق من جهة الجامع؛ ولهذا الجامع عشرون باباً مصفحةً بصفائح النحاس وكواكب النحاس؛ وفي كل باب منها حلقتان في نهاية الإتقان، وعلى وجه كل باب منها في الحائط ضروب من الفص المتخذ من الآجر الأحمر المحكوك، أنواع شتى وأصناف مختلفة من الصناعات والتنميق:

(1/54)


وللجامع في الجهة الشمالية الصومعة الغريبة الصنعة، الجلية الأعمال، الرائقة الشكل والمثال؛ ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بالذراع الرشاشى، منها ثمانون ذراعاً إلى الموضع الذي يقف فيه المؤذن، ومن هناك إلى أعلاها عشرون ذراعاً؛ ويصعد إلى أعلى هذا المنار بمدرجين، أحدهما من الجانب الغربي والثاني من الشرقي؛ إذا افترق الصاعدان أسفل الصومعة لم يجتمعا إلا إذا وصلا الأعلى. ووجه هذه الصومعة مبطن بالكذان، منقوش من وجه الأرض إلى أعلى الصومعة بصنعةٍ تحتوي على أنواع من التزويق والكتابة. وبالأوجه الأربعة الدائرة من الصومعة صفان من قسىٍ دائرةٍ على عمد الرخام، وبيت له أربعة أبواب معلقة يبيت فيه كل ليلة مؤذنان. وعلى أعلى القبه التي على البيت ثلاث تفاحات ذهباً، واثنان من فضة، وأوراق سوسنية؛ تسع الكبيرة من هذه التفاحات ستين رطلاً من الزيت، ويخدم الجامع كله ستون رجلاً، وعليهم قائم ينظر في أمورهم. فهذا ما حكاه محمد بن محمد بن إدريس.
وقرطبة على نهرٍ عظيم، عليه قنطرة عظيمة من أجل البنيان قرارا، وأعظمه خطرا؛ وهي من الجامع في قبلته وبالقرب منه فانتظم به الشكل. قالوا: وبأمر عمر بن عبد العزيز قام على نهر قرطبة الجسر الأعظم الذي لا يعرف في الدنيا مثله، وحول الأندلس من عمل إفريقية، وجرد لها عاملاً من قبله، ووقعت المغانم فيها عن أمره.
وذكر أن تفسير قرطبة بلسان القوط قرظبة بالظاء المعجمة، ومعنى ذلك بلسانهم القلوب المختلفة وقيل إن معنى قرظبة آخر فاسكنها. ودور مدينة قرطبة في كمالها ثلاثون ألف ذراع؛ ولها من الأبواب باب القنطرة، وهو بقبليها، ومنه يعبر النهر على القنطرة، والباب الجديد وهو شرقيها، وباب عامر وهو بين الغرب والجوف منها وغيرها، وقصر مدينة قرطبة بغربيها متصل بسورها القبلي والغربي؛ وجامعها بإزاء القصر من جهة الشرق، وقد وصل بينهما بساباط يسلك الناس تحته من المحجة العظمى التي بين الجامع والقصر إلى باب القنطرة، وكان طول مسقف البلاطات من المسجد الجامع، وذلك من القبلة إلى الجوف قبل الزيادة، مائتين وخمسا وعشرين ذرعاً، والعرض من الشرق إلى الغرب قبل الزيادة مائة ذراع وخمس أذرع، ثم مازاد الحكم في طوله في القبلة مائة ذراع وخمس أذرع، فكمل الطول ثلاثمائة ذراع وثلاثين ذراعاً؛ وزاد محمد بن أبي عامر بأمر هشام بن الحكم في عرضه من جهة المشرق ثمانين ذراعاً، فتم العرض بمائتين وثلاثين ذراعاً. وكان عدد بلاطاته أحد عشر بلاطاً، عرض أوسطها ستة عشر ذراعاً، وعرض كل واحدٍ من اللذين يليانه شرقاً واللذين يليانه غرباً أربعة عشر ذراعاً؛ وعرض كل واحدٍ من الستة الباقية إحدى عشر ذراعاً؛ وزاد محمد بن أبي عامر فيه ثماني بلاطات، عرض كل واحدٍ عشر أذرع. وطول الصحن من المشرق إلى المغرب مائة وثمانٍ وعشرون ذراعاً، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة واحدة وخمس أذرع؛ وعرض السقائف المستديرة بصحنه عشرة أذرع؛ فتكسيره ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ومائة وخمسون ذراعاً. وعدد أبوابه تسعة: ثلاثة في صحنه غرباً وشرقاً وجوفاً، وأربعة في بلاطات: اثنان غربيان واثنان شرقيان، وفي مقاصير النساء من السقائف بابان. وجميع ما فيه من الأعمدة ألف عمود ومائتا عمود وثلاثة وتسعون عموداً، رخام كلها. وقباب مقصورة الجامع مذهبة، وكذلك جدار المحراب وما يليه قد أجرى فيه الذهب على الفسيفساء، وثريات المقصورة فضة محضة؛ وارتفاع الصومعة اليوم وهي من بناء عبد الرحمن بن محمد، ثلاث وسبعون ذراعاً إلى أعلى القبة المفتتحة التي يستدير بها المؤذنون، وفي رأس هذه القبة تفاح ذهبٍ وفضةٍ، وارتفاعها إلى مكان الأذان أربع وخمسون ذراعاً، وطول كل حائطٍ من حياطانها على الأرض ثماني عشرة أذرع، وعدد المساجد بقرطبة على ما أحصى وضبط أربعمائة وإحدى وتسعون مسجداً.

(1/55)


وأحواز قرطبة تنتهي في المغرب إلى أحواز إشبيلية، وتأخذ في الجوف ستين ميلاً، ويختلط أحوازها في الشرق بأحواز جيان. وعلى الجملة فقد كانت أم البلاد وواسطة عقد الأندلس، وحوت من الأكابر من أهل الدنيا والآخرة، من الملوك والعلماء والصالحين والمفتين وغيرهم خلقاً، ومتعوا فيها ما أراد الله عز وجل، وذلك حين كان جدها صاعداً؛ وبعد ذلك طحنتها النوائب، واعتورتها المصائب؛ وتوالت عليها الشدائد والأحداث؛ فلم يبق من أهلها إلا البشر اليسير على كبر اسمها، وضخامة حالها؛ وقنطرتها التي لا نظير لها، وعد أقواسها تسع عشرة قوساً، بين القوس والقوس خمسون شبراً، ولها ستائر من كل جهة تستر القامة، وارتفاعها من موضع المشى إلى وجه الماء، في أيام جفوف الماء وقلته، ثلاثون ذراعاً؛ وتحت القنطرة يعترض الوادي برصيف مصنوع من الأحجار والعمد الجافية من الرخام؛ وعلى السد ثلاث بيوت أرحاء، في كل بيت منها أربعة مطاحن. ومحاسن هذه المدينة وشماختها أكثر من أن يحاط بها خبراً. فلما عثر جدها، وخوى نجمها، وضعف أمر الإسلام، واختلفت بالجزيرة كلمته، تغلب عليها النصارى، وحكموا عليها في أواخر شوال من سنة 633.
قرمونة
مدينة بالأندلس في الشرق من إشبيلية، وبينها وبين إستجة خمسة وأربعون ميلاً، وهي مدينة كبيرة قديمة، وهي باللسان اللطينى كارب موية وهي الكاف والألف والراء والباء المعجمة بواحدة معناه صديقي؛ وهي في سفح جبلٍ عليها سور حجارة من بنيان الأول كان تثلم في الهدنة، ثم بنى في الفتنة، وجنباتها حصينة ممتنعة على المحاربين إلا من جهة المغرب، وارتفاع سورها هناك أربعون حجراً، وبالذراع ثلاث وأربعون ذراعاً، وفي هذا السور الغربي برج يعرف بالبرج الأجم، عليه ينصب العرادات عند القتال؛ وفي ركن هذا السور أيضاً، مما يلي الجوف، بنيان مرتفع على السور يسمى سمرملة، عليه برج للمحاربين، وتحته مرج نضير لا ينهشم ولا يصوح كلاه، ويتصل بهذا السور خندق عميق جداً أولى، وترابه مستند إلى السور، وفي السور القبلي موضع فيه صخرة عظيمة منيعة منتصبة كالحائط، يحسر عنها الطرف من علوها، والسور مبنى فوقها، وقد بقي منها دونه قدر ممشى الرجل، فيتدلى من هناك الرجال لا شتيار العسل، واصطياد فراخ الطير من صدوع تلك الصخرة؛ وفي هذا السور القبلى باب يعرف بباب يرنى، نسب إلى قرية بإزائه تسمى يرنى، وباب قرطبة شرقية عليه قصبة وأبراج، وباب قلشانة بين الشرق والجوف، ومنه الخروج إلى قرطبة لسهولته؛ وأما باب قرطبة فطريقه وعر ممتنع، وباب إشبيلية غربي، دونه إلى داخل المدينة باب ثانٍ بينهما خمسون ذراعاً؛ وبمدينة قرمونة جامع حسن البناء، فيه سبع بلاطات، على أعمدة رخامٍ وأرجل صخرٍ، وسوقها جامعة يوم الخميس، وبها حمامات ودار صناعة، بنيت بعد سنة المجوس مخزناً للسلاح؛ وبداخل مدينة قرمونة آثار كثيرة للأول، ومقطع حجرٍ، وحواليها مقاطع كثيرة، منها مقطع بجوفيها.
وإشبيلية بقرب مدينة قرمونة بينهما عشرون ميلاً.
وبقرب قرمونة فحص عريض حمال للزرع فيه قرى كثيرة ذات مياهٍ غزيرةٍ وعيونٍ وآبارٍ.
وافتتح عبد الرحمن بن محمد مدينة قرمونة سنة305.
قرناطة
بالنون مدينة بالأندلس، في ناحية منتزحة عن العمران، وفي جبالٍ شاهقة هناك غار فيه رجل ميت لم تغيره الأزمنة ولا يدرى له أول شأنٍ، ويكف من أعلى الغار ماء في وقبٍ لطيف فلا يفيض ذلك الوقب بدوام الماء، وإن شرب منه العدد الكثير لم ينقص. ويذكر أن بعض المستهزئين أخذ من أكفان ذلك الميت فصعق لفوره.
قسطلة دراج
قرية في غرب الأندلس، منها أبو عغمر أحمد بن محمد بن دراج القسطلى، ودراج هو الذي تنسب إليه القرية فيقال قسطلة دراج. وكان أبو عمر هذا كاتباً من كتاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي عامر، وهو معدود في جملة العلماء والمقدمين من الشعراء، واختبر واقترح عليه فبرز وسبق. فمن قوله يصف السوسن ويمدح الحاجب المظفر سيف الدولة عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر منسرح:
إن كان وجه الربيع مبتسما ... فالسوسن المجتلى ثناياه
يا حسنه بين ضاحكٍ عبقٍ ... يطيب ريح الحبيب رياه
خاف عليه العيون غاشيةً ... فاشتق من حده فسماه

(1/56)


وهو إذا مغرم تنسمه ... خلى على الأنف منه سيماه
يا حاجباً مذ براه خالفه ... توجه بالعلى وحلاه
إذا رآه الزمان مبتهجاً ... فقد رأى كل ما تمناه
وإن رآه الهلال مطلعاً ... يقول ربي وربك الله
قشتالة
عمل من الأعمال الأندلسية، قاعدته قشتالة سمي العمل بها، وقالوا: ما خلف الجبل المسمى بالشارات في جهة الجنوب يسمى إشبانيا، وما خلف الجبل من جهة الشمال يسمى قشتالة، ولبعضهم كامل:
الروم تضرب في البلاد وتغنم ... والعرب تأخذ ما بقي المغرم
والمال يورد كله قشتالة ... فالله يلطف بالعباد ويرحم
القصر
مدينة بالأندلس، بينها وبين شلب أربعة مراحل.
وهي مدينة حسنة متوسطة، على ضفة نهر كبير، وهو نهر تصعد فيه السفن السفرية، وفيما استدار بها من أرض كلها شجر الصنوبر، وبها الإنشاء الكثير، وهي خصيبة، كثيرة الألبان والسمن والعسل واللحم، وبين القصر والبحر عشرون ميلاً.
قصر أبي دانس
بغربي الأندلس، فيه كانت الوقيعة على المسلمين للروم في سنة 614، وأعانهم أهل الأشبونة وغيرها من مملكة ابن الرنق، فأخذوا في نقب الأرض تحت الحصن،إلى أن قنطوا وأفضى الناس إلى الهلكة، وبلغ الأمر إلى الولاة الذين في غرب الأندلس وإشبيلية وقرطبة وجيان، فتجهزوا لدفاع العدو، وجاء منهم جيش عظيم لكنهم تخاذلوا على عادتهم، فكانت الهزيمة عليهم وولوا منهزمين، ووقع القتل والأسر، ولم يبرز للمسلمين من الروم إلا نحو سبعين فارساً، ورأى أهل الحصن ذلك فأيقنوا بالتغلب عليهم.
قلب
هي قاعدة مورور بالأندلس، ودار الولاية بها، وهي مدينة كبيرة، فيها مسجد جامع، وسوق ترده الناس بضروب المتاجر، وهي كثيرة الزيتون والثمار، ولها بطائح سهلة، وجبال شامخة وعرة، منها جبل بقبلتها منيع وعر حصين، وعلى مقربة منه جبل القرود.
قلسانة قلشانة
بالسين والشين بالأندلس، من كور شذونة، وهي مدينة سهلية على وادي لكه، وهو بقبلتها، وينصب فيه على مقربة منها نهر بوطة، وموقعه في نهر لكه، ولها قصبة مشرفة بغربيها، وتفتح بابها إلى القبلة؛ وفي المدينة جامع حسن البناء، فيه ست بلاطات، بناه الإمام عبد الرحمن بن محمد، وقلشانة متوسطة المدن بكور شذونة، وبها كان قرار العمال والقواد على شذونة، ومدينتها الأولية المذكورة في كتب القياصرة مدينة شذونة التي تعرف في عصرنا بمدينة ابن السليم، وبنو السليم قد انصرفوا إليها عند خراب مدينة قلشانة وصاروا فيها، وبين قلشانة ومدينة ابن السليم خمسة وعشرون ميلاً، وهي بين الغرب والقبلة من قلشانة، وتعمل في قلشانة ثياب تعرف بالقلشانية مخترعة الصنعة، غريبة العمل.
قلعة أيوب
بالأندلس بقرب مدينة سالم.
وهي مدينة رائقة البقعة، حصينة، شديدة المنعة، كثيرة الأشجار والثمار، كثيرة الخصب، رخيصة الأسعار، وبها يصنع الغضار المذهب، ويتجهز به إلى كل الجهات، وهي قريبة من مدينة دروقة، بينهما ثمانية عشر ميلاً.
قلعة رباح
بالأندلس أيضاً من عمل جيان، وهي بين قرطبة وطليطلة، وهي مدينة حسنة، ولها حصون حصينة على نهرٍ، وهي مدينة محدثة في أيام بني أمية، وإنما عمرت قلعة رباح بخراب أوريط، وبقرب قلعة رباح حامض إذا مخض في سقاء حلا.
وفي سنة 241 أمر الإمام محمد بتحصين مدينة قلعة رباح والزيادة في مبانيها، ونقل الناس إليها وإلى مدينة طلبيرة، ثم ملكها النصارى ولم تزل في أيديهم إلى عام وقيعة الأرك، فخلت قبل الوصول إليها وكان بقاؤها في أيديهم إحدى وخمسين سنة وعشرة أشهر؛ فأمر المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بتطهير جامعها، وصلى فيها، وقدم على قوادها يوسف بن قادس.
قلمرية
" بالميم " ، بالأندلس من بلاد برتقال، بينها وبين قورية أربعة أيام.
وهي على جبل مستدير، وعليها سور حصين، ولها ثلاثة أبواب، وهي في نهاية من الحصانة.
وهي صغيرة متحضرة عامرة كثيرة الكروم والتفاح والقراسيا؛ ومكانها في رأس جبل ترابٍ، لا يمكن قتالها، وهي على نهر عليه أرحاء، وبين قلمرية وشنترين ثلاث مراحل، وبينها وبين البحر اثنا عشر ميلاً.
قنطرة السيف

(1/57)


بالأندلس وهو حصن بينه وبين ماردة يومان وهو حصن منيع على نهر القنطرة، وأهلها متحصنون فيه، ولا يقدر لهم أحد على شيء، والقنطرة لا يأخذها القتال إلا من بابها فقط، والقنطرة هذه قنطرة عظيمة على قوسٍ من عمل الأول، في أعلاها سيف معلق لم تغيره الأزمنة ولا يدري ما تأويله.
قورية
بالأندلس، قريبة من ماردة، وبينها وبين قنطرة السيف مرحلتان، ولها سور منيع، وهي أولية البناء، واسعة الفناء، من أحصن المعاقل، وأحسن المنازل، ولها بوادٍ شريفة خصيبة، وضياع طيبة، وأصناف من الفواكه كثيرة، وأكثرها العنب والتين.
قيجاطة
مدينة بالأندلس من عمل جيان؛ كان عبد الله المعروف بالبياسى من بني عبد المؤمن، لما نازعه العادل ونزل عليه في بياسة، فلم يقدر عليه، ورجع عنه خائباً، استدعى البياسى النصارى، فسلم لها بياسة، وأخرج منها المسلمين، وسار مع الفنش ليدخل معاقل الإسلام باسمه، فدخل قيجاطة هذه بالسيف، وقتل العدو فيها خلقاً، وأسر آخرين، وكان حديثها شنيعاً تنفر منه الأسماع والقلوب. ثم سار إلى لوشة من عمل غرناطة، فقاتل أهلها وقاتلوه، وأسمعوه ما غاظه، فسلط عليهم النصارى، ففتكوا فيهم أشد الفتك، ثم سار إلى بيغو من عمل غرناطة فدخلها بعد شدة، وذلك مذكور في حرف الباء، وكان ذلك سنة622.
قيشاطة
حصن بالأندلس كالمدينة، بينه وبين شوذر اثنا عشر ميلاً؛ وفي قيساطة أسواق وربض عامر وحمام وفنادق، وعليها جبل، يقطع به من الخشب الذي تخرط القصاع والأطباق وغير ذلك مما يعم بلاد الأندلس وأكثر بلاد المغرب، وهذا الجبل يتصل ببسطة، وبين جيان وهذا الحصن مرحلتان.
حرف الكاف
حصن الكرس
بالأندلس من عمل جيان، كان الفنش نزل عليه مدة، وفيه القائد أبو جعفر بن فرج، فارس مشهور بالشجاعة، فرأى منه ضبطاً وصبراً وحسن دفاع؛ وكان عند الفنش مهندس من المسلمين المعاهدين بطليطلة، فصنع له برجاً عظيماً من خشب ارتفع به على سور الحصن، فلما أكمل المهندس عمله، بعث إلى ابن فرج في الباطن: إني صنعت هذا البرج اضطراراً لحفظ دمي، وصون من ورائي من الأهل، فاحتل في إحراقه، لئلا تكون ذنوب المسلمين في عنقي وعنقك، إن تركته وأنت قادر عليه بأنواع الحيل؛ وقد طليته بدهانٍ خفيٍ يقبل النار بسرعةٍ، فاعرف كيف تكون في الكتم والإبقاء على! فاختار ابن فرج من أنجاد الرجال جماعةً، ونهض بهم، وبأيديهم القطران والكتان والينران، ودفع تحت الظلام بهم نحو البرج، فأحرقه حتى صار رماداً، ومات من كان فيه ومن حامى عنه، ورجع سالماً. فاغتم الفنش وقال: هذا كان رجاؤنا في فتح الحصن، وقد طالت عليه إقامتنا، ولم يبق إلا أن نعلم قدر ما بقي فيه من الطعام والماء لنبنى أمرنا على حقيقةٍ في ذلك؛ فانتدب لهذا الشأن نصرانى ماكر أشقر أزرق أنحس، تقضى الفراسة بأنه جامع للشر، فأظهر أنه أسلم وأنه هرب من الوباء والغلاء الواقعين في معسكرهم، فقبله المسلمون وخالطهم حتى اطلع على أنه لم يبق عندهم غير زبيب يقتسمونه بالعدد، وماء يتوزعونه بالقسط؛ فسار ونزل من السور ليلاً إلى أهل ملته، فأعلمهم بحقيقة الأمر؛ فوجه الفنش إلى ابن فرج: إنا قد اطلعنا على خبيئاتكم، ولم يبق إلا أن تسلموا الحصن، وتستريحوا من التعب، المفضى إلى الطب، أو تصبروا قليلاً حتى نظفر بكم رغماً، فنقتل جميعكم! فاشترط عليه ابن فرج أن يقيم لأهل الحصن سوقاً حتى يبيعوا مالا يقدر على حمله، وأن يدفع لهم دواب يحملون عليها أشياءهم إلى جيان فأوفى لهم بذلك. ولما خرج ابن فرج تعجب الفنش من طوله وعظم خلقته، وأنكر عليه كونه سلم عليه بالإشارة ولم يقبل يده، وتكلم معه الترجمان في ذلك فقال: لو كنت أخدمه أكان يجوز أن أقبل يد خصمه؟ فذكر ذلك للفنش فقال: لا يجوز! وضحك الفنش وقال: مثل هذا ينبغي أن تكون الرجال! وأحسن إليه وأعطاه فرسه وسلاحه وقال له: يعجبني أن يكون مثلك عند مثلي.
قال: وشغل الله تعالى الفنش مدةً طويلةً بهذا الحصن عن بلاد الإسلام، وكان الناس يرون ذلك في صفيحة ابن فرج، وكان ذلك في سنة620.
حرف اللام
لاردة

(1/58)


في ثغر الأندلس الشرقي،وهي مدينة قديمة ابتنيت على نهرٍ يخرج من أرض جليقية، يعرف بشيقر، وهو النهر الذي تلقط منه شذرات الذهب الخالص، وهي بشرقي مدينة وشقة. وكانت مدينة لاردة قد خربت وأقفرت، فجدد بنيانها إسماعيل ابن موسى بن لب بن قسى سنة270. وحصنها منيع، فلا يرام بقتالٍ، ولا يطمع فيه بطول حصار؛ وبأعلاه مسجد جامع متقن البناء، بنى سنة 288. والحصن مشرف على فحصٍ عريضٍ بفحص مشكيجان " بتفخيم الجيم " ؛ ومدينة لاردة خصيبة على الجدوب، ولها بساتين كثيرة، وفواكه غزيرة، وهي مخصوصة بكثرة الكتان وطيبه، ومنها يتجهز بالكتان إلى جميع نواحي الثغور؛ وفحص مشكيجان كثيرة الضياع والمزارع والمراعي، ولا تخلو ضيعة منها أن يكون بها برج أو سرداب يمتنع فيه العامرون بها من العدو؛ وأهل الثغور في عملها يخرجون الأموال من الوصايا والصدقات.
لبلة
في غرب الأندلس مدينة قديمة بها ثلاث عيون: إحداها عين تهشر وهي أغزرها، والثانية عين تنبعث بالشب، والثالثة عين تنبعث بالزاج، ومن إشبيلية إلى طلياطة مرحلة من عشرين ميلاً، ومن طلياطة إلى لبلة مرحلة مثلها؛ وتعرف لبلة بالحمراء، وفيها آثار للأول كثيرة، وسور لبلة قد عقد على أربعة تماثيل: ضم تسميه العامة دردب، وعليه صنم آخر، وصنم تسميه العامة مكبح، وعليه صنم آخر؛ ويخيل إلى الناظر أن ذلك البنيان موضوع على أعناقهم، وانفردت بهذه البنية من بين سائر المدن؛ ومن مدنها مدينة جبل العيون.
ولبلة مدينة حسنة أزلية متوسطة القدر، ولها سور منيع، ونهرها يأتيها من ناحية الجبل، ويجاز عليه في قنطرة إلى لبلة، وبها أسواق وتجارات، وبينها وبين البحر المحيط ستة أميال.
وكور لبلة جامعة لفوائد الكور، كثيرة الزيتون والشجر وضروب الثمار، يكون فيها القرنفل الفاضل، ويجود بها العصفر، وهي سهلية جبلية؛ وكانت جباية كورة لبلة في أيام الأمير الحكم بن هشام خمسة عشر ألفاً وستمائة.
لكه
مدينة بالأندلس، من كورة شذونة، قديمة، من بنيان قيصر اكتبيان، وآثارها باقية، ولها حمة من أشرف حمات الأندلس.
وعلى نهر لكله هذه، التقى لذريق ملك الأندلس في جموعه من العجم، وطارق ابن زيادٍ في من معه من المسلمين، يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان لسنة 92 من الهجرة؛ فاتصلت الحرب بينهم إلى يوم الاحد لخمس خلون من شوالٍ بعده، ثم هزم الله المشركين، فقتل منهم خلق عظيم، أقامت عظامهم بعد ذلك دهراً طويلاً بتلك الأرض، وحاز المسلمون من عسكرهم ما يجل قدره؛ فكانوا يعرفون كبار العجم وملوكهم بخواتم الذهب يجدونها في أصابعهم، ويعرفون من دونهم بخواتم الفضة، ويميزون عبيدهم بخواتم النحاس.
لماية
إقليم لماية من أقاليم كورة ريه بالأندلس، وبهذا الإقليم جبل يتصل بفحص قرطبة، ويعرف واديه بوادي لماية؛ وفي سند هذا الجبل تمثال صورة إنسانٍ بموضع لا يصل إليه إلا من تدلى بالحبال؛ ويذكر أنه لا يزال يسقط من منخر ذلك التمثال الأيمن نقط ماء، وأن العذراء من النساء تختبر به، وذلك بأن تحاذى بيدها التمثال، فإن كانت بكراً قطر الماء في يدها، وإلا لم يوافق يدها، ولو جهدت في ذلك جهدها؛ هذا عند أهل الناحية مستفيض وأخبر به الثقات.
لقنت
من بلاد الأندلس، وبينها وبين دانية على الساحل سبعون ميلا.
وهي مدينة صغيرة عامرة، وبها سوق ومسجد جامع ومنبر، ويتجهز منها بالحلفاء إلى جميع بلاد البحر، وبها فواكه وبقل كثير وتين وأعناب، ولها قصبة منيعة جداً، في أعلى جبلٍ يصعد إليه بمشقةٍ وتعبٍ، وهي على صغرها تنشأ بها المراكب السفرية والحراريق، ومن لقنت إلى ألش في البرمرحلة.
لورقة
بالأندلس من بلاد تدمير، إحدى المعاقل السبعة عاهد عليها تدمير، وهي كثيرة الزرع والضرع والخمر.
وهي على ظهر جبل، وبها أسواق وربض في أسفل المدينة، وعلى الربض سور، وفي الربض السوق، وبها معدن تربةٍ صفراء، ومعادن مغرةٍ تحمل إلى كثير من الأقطار، وبينها وبين مرسية أربعون ميلاً، وفيها معادن لازورد.

(1/59)


ومن أغرب الغرائب الزيتون التي على مقربة من حصن سرنيط، وهو حصن من حصون لورقة البرانية منها، وهي زيتونة في حرمة الجبل، فإذا كان وقت صلاة العصر من اليوم الذي يستقبل أول ليلة من شهر ميه، نورت الزيتونة فلا يجن عليها الليل إلا وقد عقدت، ولا تصبح إلا وقد اسود زيتونها وطاب، قد عرف ذلك الخاصة والعامة ووقفوا عليه.
وذكر إبراهيم بن يوسف الطرطوشى أن ملك الروم قال له سنة305: إني أريد أن أرسل إلى ملك الأندلس قومساً بهديةٍ، وإن من أعظم حوائجي عنده، وأعظم مطالبي لديه أن القاعة الكريمة الكنيسة التي في الدار التي فيها الزيتونة المباركة، التي تنور وتعقد ليلة الميلاد، وتطعم من نهارها، فبها قبر شهيدٍ له محل عظيم عند الله عز وجل؛ فأنا أسأله مداراة أهل تلك الكنيسة، وملاطفتهم، حتى يسمحوا إلى بعظام ذلك الشهيد؛ فإن حصل لي فهو أجل عندي منكل نعمةٍ في الأرض! وبهذه الناحية موضع معروف، من أراد أن يتخذ فيه جناناً، صرف إلى الموضع العناية بالتدمين والعمارة والسقى من النهر، فتنبت الأرض هناك بطبعها شجر التفاح والكمثرى والتين والرمان وضروب الفواكه، حاشا شجر التوت، من غير غراسةٍ ولا اعتمال. وهذا الموضع يعرف بأشكوني.
وتفسير لورقة باللطينى الزرع الخصيب وهذا الاسم وافق معناه، لأنها من المعاقل الخصيبة، وعلى نهرٍ مجراه إلى الشرق من هذا القطر، كما يختبر في أرض مصر، ولهذا النهر هناك مجريان، أحدهما أعلى من الثاني، فإذا احتيج إلى السقى به عولى بالسداد حتى يرقى المجرى الأعلى فيسقى به. وعلى هذا النهر نواعير في مواضع مختلفة، تسقى به البساتين، ويخرج منه الجداول العظيمة، يسقى الجدول عشرة فراسخ وأكثر. وطعام لورقة يبقى مطمراً تحت الأرض عشرين عاماً لا يغير، وكثيراً ما يجاح زروع بالجراد، ويزعم أهلها أنه كان فيها جرادة من ذهب طلسما لدفع مضار الجراد، فسرقت من هناك، فلم يزل الجراد من حينئذٍ ظاهراً عندهم فاشياً.
ويزعمون أن البقر كانت لا تفتل عندهم، ولا يقع عندهم فيها الموتان العام لها في بعض الأعوام، حتى وجد في بعض الأساس من مباني الأول ثوران من صخرٍ، أحدهما أمام صاحبه، ينظر إليه، فلما انتزعت من ذلك الموضع وقع الموتان في البقر عندهم ذلك العام.
وللورقة الفحص الذي لا يعلم في الأرض مثله، وهو المعروف بالفندون، المتصل بفحص شنقنيرة، ومسافة ذلك خمسة وعشرون ميلاً.
وكان قدم قرطبة أيام الأمير محمد قوم من وجوه المضرية واليمانية بتدمير، فسألوهم عن هذا الفحص فذكروا فضله ونمو ما يزدرع فيه فأكثروا وقالوا: إن الحبة تتفرع من أصلها ثلاثمائة قصبة! فأنكر ذلك بعضهم، فكذبه، فوجهوا رسولاً أمروه بإغراء اليقين، وبحمل أصولٍ من ذلك الزرع فأحضرها، فأحصى في كل أصلٍ ثلاثمائة قصبة وأكثر، في كل قصبة سنبلة.
وبقرية تازة، من قرى لورقة، عين تخرج من حجرٍ صلد، تجري في قناةٍ منقورةٍ في الحجر، عمقها أكثر من قامة، نحو ميلين، ثم يتصل الماء بنقبٍ من الحجر الصلد، ومناهد مفتوحةٍ إلى أعلى المنافس للهواء، ثم يفضى إلى بيتٍ في داخل الجبل ظليم مملوء ماء، والجبل كله مغتمد له على أرجلٍ، ومن دخل إليه لا يعلم ما وراء تلك الأرجل.
لوشة
بالأندلس من أقاليم إلبيرة، بينهما ثلاثون ميلاً، وبها جبل فيه غار يصعد إليه، وعلى فمه شجرة، وهو في حجرٍ صلدٍ، عمقه نحو قامتين، فيه أربعة نفر موتى لا يعلم أول أمرهم ولا وقت موتهم، يذكر الأبناء عن الآباء أنهم ألفوهم هكذا، إلا أن الملوك والولاة لم يزالوا يراعون أمورهم، ويتعهدون تجديد أكفانهم، ولا توضع عليه إلا بعد أن يقطع فيها قطوع كثيرة لئلا يطمع الفسقة فيخلعونها عنهم.
وهو غار موحش مظلم مرهب، لا يدخله إلا رابط الجاش جرئ النفس.
وكان صاحب بياسة عبد الله المعروف بالبياسى من بني عبد المؤمن، لما ضايقه العادل في سنة 622 استعان بالنصارى وسلم لهم بياسة، فدخل قيجاطة بالسيف، وسار بالعدو إلى لوشة هذه، فقاتلهم أشد قتالٍ، وسقط عليهم عدو الدين، فقتلوا فيهم أشد القتل، ثم سار إلى بيغو من عمل غرناطة، فاحتوى عليها بعد شدة.
ليون
قاعدة من قواعد قشتالة، عامرة، بها معاملات وتجارات ومكاسب، ولأهلها همة ونفاسة.
حرف الميم
مارتلة

(1/60)


على نهر بطليوس، بجزيرة الأندلس، منها الزاهد موسى بن عمران المارتلي، اشتهر بإشبيلية بالصلاح، وله شعر مدون منقول، منه " كامل " :
أوصيك لا ترد الشها ... دة والإمامة والأمانة
تسلم من التجريح وال؟ ... حسد المبرح والخيانة
ولما جاز المنصور الموحدى البحر إلى الجهاد عام الأرك، زاره ثم وجه إليه مالاً، فقال للرسول: هو أحوج في ماله! قل له: هذه مائة دينار من حلالٍ خذها لفنقتك في هذه الغزوة، إني أرجو إن لم تطعم إلا الحلال أن تنصر! فيقال إن المنصور قبل منها ما نابه لخاصته في تلك الحركة، فلم يزل يتعرف ببركتها حتى نصره الله تعالى. وتوفي في سنة591.
ماردة
مدينة بجوفي قرطبة، منحرفة إلى الغرب قليلاً، وكانت مدينةً ينزلها الملوك الأوائل، فكثرت بها آثارهم والمياه المستجلبة إليها، واتصل ملكهم إلى أن ملك منهم سبعة وعشرون ملكاً؛ ويقال إن ذا القرنين كان منهم، وكان يقال لهذه الأمة الشبونقات، ثم دخلت أمة القوط فغلبوا على الأندلس، فاقتطعوها من صاحب رومة، واتخذوا طليطلة دار ملكهم وأقروا فيا سرير ملكهم إلى أن دخل عليهم الإسلام؛ وكان آخرهم لذريق، وكان قد أحدق بماردة سوراً عرضه اثنا عشر ذراعاً، وارتفاعه ثماين عشر ذراعاً، وكان على بابها مما يلي الغرب حنايات يكون طولها خمسين ذراعاً، متقنة البناء، عددها ثلاثمائة وستون حنية، وفي وسط قنطرتها برج محنى، يسلك تحته من سلك في القنطرة؛ وتفسيرها باللسان اللطينى مسكن الأشراف.
وقيل بل كانت دار مملكةٍ لماردة بنت هرسوس الملك، وبها من البناء آثار ظاهرة تنطق عن ملكٍ وقدرة، وتعرب عن نخوةٍ وعزٍ وتفصح عن غبطةٍ وعبرة؛ لها في قصبتها قصورة خربة، وفيها دار يقال لها دار الطبيخ، وهي في ظهر القصر، وكان الماء يأتي في دار الطبيخ في ساقية، هي الآن باقية الأثر، فتوضع صحاف الذهب والفضة بأنواع الطعام في تلك الساقية على الماء حتى تخرج بين يدي الملكة، فترفع على الموائد، ثم إذا فرغ من أكل ما فيها وضعت في الساقية، فتستدير إلى أن تصل إلى يد الطباخ بدار الطبخ، فيرفعها بعد غسلها، ثم يمر ذلك الماء في سروب القصر؛ ومن أغرب الغرائب جلب الماء الذي كان يأتي إلى القصر على عمدٍ مبنيةٍ تسمى الارجالات، وهي أعداد كثيرة باقية إلى الآن، قائمة على قوائم لم تخل بها الأزمان، ولا غيرتها الدهور، فمنها قصار، ومنها طوال، بحسب الأماكن التي كان فيها البناء، وأطولها يكون غلوة سهمٍ، وهي على خطٍ مستقيمٍ؛ وكان الماء يأتي عليها في قنى مصنوعةٍ خربت وقنيت، وبقيت تلك الارجالات قائمةً، يخيل إلى الناظر إليها أنها من حجرٍ واحدٍ لحكمة إتقانها وتجويد صنعتها؛ وفي الجنوب من سور هذه المدينة قصر آخر صغير، وفي برج منه مكان مرآةٍ كانت الملكة ماردة تنظر إلى وجهها فيه، ومحيط دوره عشرون شبراً، وكان يدور على حرفه، وكان دورانه قائماً، ومكانه إلى الآن باقٍ؛ ويقال إنما صنعته ماردة لتحاكى به مرآة ذي القرنين التي وضعها في منارة الإسكندرية.
وقال هاشم بن عبد العزيز، وقد تذاكروا شرف ماردة وفضل ما فيها من الرخام؛ قال: كنت كلفاً بالرخام، فلما وليت ماردة تتبعته لأنتقل منه كل ما استحسنته، فبينا أطوف في بعض الأيام بالمدينة إذ نظرت إلى لوح رخامٍ في سورها، شديد الصفاء، كثيراً ما يخيل للناظر أنه الجوهر، فأمرت باقتلاعه، فقلع بعد معاناةٍ، فلما أنزل وجد فيه كتاب أعجمي، فجمعت عليه من كان بماردة من النصارى، فزعموا أنه لا يقدر على ترجمته إلا أعجمي ذكروه يعظمونه، فأنفذت فيه رسولاً، فأتيت بشيخ هرمٍ كبير، فلما وضع اللوح بين يديه أجهش بالبكاء، واستعبر مليا، ثم قال لترجمته: براءة لأهل إيلياء من عمل في سورها خمس عشرة ذراعاً، فقد كان في افتتاح الأندلس وجد في كنائس ماردة ما وقع إليها من ذخائر بيت المقدس عند انتهاب بخت نصر لإيلياء، وكان ممن حضره في جنوده إشبان ملك الأندلس، ووقع ذلك وغيره في سهامه.
وقصر ماردة بناه عبد الملك بن كليب بن ثعلبة، وهو منيع، طول كل شقة من سوره ثلاثمائة ذراع، وعرض البناء اثنا عشر ذراعاً؛ وقنطرة ماردة عجيبة البنيان، طولها ميل بأبدع ما يكون من البنيان. ومن ماردة إلى بطليوس عشرون ميلاً.
مالقة

(1/61)


بالأندلس، مدينة على شاطئ البحر، عليها سور صخرٍ والبحر في قبلتها، وهي حسنة عامرة آهلة، كثيرة الديار، وفيما استدار بها من جميع جهاتها شجر التين المنسوب إليها، وهي تحمل إلى مصر والشأم والعراق، وربما وصل إلى الهند، وهو من أحسن التين طيباً وعذوبةً، ولها ربضان كبيران، وشرب أهلها من الآبار، ولها وادٍ يجري في زمان الشتاء، وليس بدائم الجرى.
وهي من تأسيس الأول، وأكثر المدينة على جسرٍ من بناء الأول، والجسر داخل في البحيرتين هناك، قد بنى بصخرٍ كأنوف الجبال؛ وقصبتها في شرقي مدينتها، عليها سور صخرٍ، وهي في غاية الحصانة والمنعة. وفي هذه القصبة مسجد بناه الفقيه المحدث معاوية بن صالح الحمصى، وكان ممن حضر وقعة مروان بن محمد ليلة بوصير، فأنجاه الفرار، ولجأ إلى الأندلس فرقاً من المسودة، ومات بها، وله روايات وتقدم في السنة والعلم؛ وجامع مدينة مالقة بالمدينة، وهو خمس بلاطات، ولها خمسة أبواب، بابان منها إلى البحر، وباب شرقي يعرف بباب الوادي، وباب جوفي يعرف بباب الخوخة، وبها مبانٍ فخمة، وحمامات حسنة، وأسواق جامعة كثيرة في الربض والمدينة؛ وذكرها الأول في كتبهم فقالوا: مدينة مالقة لا بأس عليها، ولا فرق، آمنة من جوعٍ وسبيٍ ودمٍ، مكتوب ذلك في العلم الذي يكتب؛ وقد قيل إن هذه الكلمات وجدت في بعض حجارتها نقشاً بالقلم الإغريقي.
قال: وجميع هذه الآثار التي أمنها منها، وبقاؤها عنها، قد لحقت بها، وجمعت لها سنة 459، بمحاصرة عباد بن عباد لها، واستطالة برابر قصبتها على أهلها، فشملهم الضر، وعمهم الفقر؛ ثم استحلت حرماتهم وسفت مهجاتهم؛ فما نجا في البحر إلا الشريد، ولا تخلص إلا السعيد؛ فخلت ديارهم، وتعطلت آثارهم. انتهى.
وكذلك عندما نشأت الفتنة في آخر أيام الملثمين وصدر دولة الموحدين، بقيام ابن حسون فيها، وبعد ما قتل فيها من قتل وغرب من غرب، قتل نفسه عند قيام أهل البلد عليه، فسبيت حريمه،ومزقوا في البلاد كل ممزقٍ، وأسيطت حاله، ولله الحكمة البالغة.
ومن مالقة إلى أرشذونة ثمانية وعشرون ميلاً، ومرسى مالقة صيفي يكن بالغربى، وبإزائه مما يلي المدينة الجسر الذي ذكرناه، ينكسر عليه الموج.
ولما ولى القاضي المحدث الشهير أبو محمد عبد الله بن سليمان بن حوط الله الأنصارى قضاء مالقة، وقدم عليها، خرج طلبتها إلى لقائه، فأنشدهم سريع:
مالقة حييت يا تينها ... الفلك من أجلك يأتينها
نهى طبيبي عنك في علتى ... ما لطبيبي عن حياتي نها
مدينة المائدة
في أحواز طليطلة سميت بذلك لأنها وجدت فيها المائدة المنسوبة إلى سليمان بن داوود عليهما السلام، وهي خضراء من زبرجد، حافاتها وأرجلها، وفيها ثلاثمائة وخمسة وستون رجلاً؛ وانتهى إليها طارق حين مضى إلى طليطلة سنة93.
مجريط
مدينة بالأندلس شريفة، بناها الأمير محمد بن عبد الرحمن، ومن مجريط إلى قنطرة ما قدة، وهو آخر حيز الإسلام، إحدى وثلاثون ميلاً، وفي مجريط تربة يصنع منها البرام، وتستعمل على النار عشرين سنةً لا تنكسر، وما طبخ فيها لا يكاد يتغير في حر الهواء؛ وحصن مجريط من الحصون الجليلة، وهو من بناء الأمير محمد ابن عبد الرحمن. وذكر ابن حيان في تأريخه الخندق الذي خندق بخارج سور مجريط قال: عثر فيه على قبر برمةٍ عاديةٍ، كان طولها إحدى وخمسين ذراعاً، التي هي مائة شبر وشبران، من نمرقة رأسه إلى طرف قدميه، وصح هذا بالثبت من مخاطبة قاضي مجريط، ووقوفه عليه، ومعاينته إياه، ومعاينة شهوده ذلك، وأخبر أن مقدار ما وسعه تجويف قحف دماغه ما قدره ثمانية أرباع أو نحوها، فسبحان من له في كل شيء آية! ومجريط مدينة صغيرة، وقلعة منيعة، وكان لها في زمن الإسلام مسجد جامع وخطبة قائمة، وهي بمقربة من طليطلة.
مربلة
بالأندلس بقرب مسرى سهيل ومرسى مالقة، ومر بلة مدينة صغيرة مسورة من بناء الأول، محكمة العمل، ممتنعة المرام؛ وهناك جبل منيف عالٍ، يزعم أهل تلك الناحية أن النجم المسمى سهيلاً يرى من أعلاه، ولذلك سمي أبو القاسم الأستاذ الحافظ، مؤلف الروض الأنف، السهيلي.
مربيطر

(1/62)


حصن بالأندلس، قريب من طرطوشة، وهو على جبل، والبحر بقبلته، ويظهر منه شرقاً وغرباً؛ وبمربيطر جامع ومساجد، وفيها آثار للأول: دار ملعب وأصنام وغير ذلك؛ وهي كثيرة الزيتون والشجر والأعناب وأصناف الثمار؛ ومن مربيطر إلى أول قرى بريانة تسعة عشر ميلاً ونصف ميلٍ.
مرج الأمير
بالأندلس عند قرية مليس، بقرب وادي آش، وبه عسكر عبد الرحمن بن محمد إذ كان محاصراً لحصن اشتبين.
مرسانة
مدينة بكورة إشبيلية، ومرسانة أيضاً من حصون المرية.
مرسية
بالأندلس، وهي قاعدة تدمير، بناها الأمير عبد الرحمن بن الحكم، واتخذت داراً للعمال، وقراراً للقواد. وكان الذي تولى بنيانها، وخرج العهد إليه في اتخاذها جابر بن مالك بن لبيد؛ وكان تأريخ الكتاب يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول سنة 216؛ فلما بناها ورد كتاب الأمير عبد الرحمن على جابر بن مالك بخراب مدينة أله من المضرية واليمانية؛ وكان السبب في ذلك أن رجلاً من اليمانية استقى من وادي لورقة قلةً، وأخذ ورقةً من كرمٍ لرجل من المضرية، فغطى بها القلة، فأنكر ذلك المضرى وقال: إنما ذلك استخفافاً بي إذا انقطعت ورق كرمى، وتفاقم الأمر بينهما حتى تحارب الحيان، وعسكر بعضهم إلى بعضٍ، واقتتلا أشد قتالٍ.
ومرسية على نهر كبير يسقى جميعها كنيل مصر، ولها جامع جليل، وحمامات وأسواق عامرة، وهي راخية أكثر الدهر، رخيصة الفواكه، كثيرة الشجر والأعناب وأصناف الثمار، وبها معادن فضةٍ غزيرة متصلة المادة؛ وكانت تصنع بها البسط الرفيعة الشريفة؛ ولأهل مرسية حذق بصنعتها وتجويدها لا يبلغه غيرهم.
ومن مرسية أبو غالب تمام بن غالب، المعروف بابن التياني اللغوى المرسى صاحب الموعب؛ وكان أبو الجيش مجاهد بن عبد الله، صاحب دانية، قد تغلب على مرسية وأبو غالب إذ ذاك بها، فأرسل إليه ألف دينار على أن يزيد في ترجمة الكتاب أنه ألفه لأبي الجيش مجاهد، فرد الدنانير وأبى من ذلك وقال: والله لو بذلت لي الدنيا على ذلك ما فعلت، ولا استجزت الكذب، فإني لم أجمعه لك خاصةً، وإنما جمعته لكل طالب علمٍ.
وعلى أربعين ميلاً من مرسية عين ماء عذبٍ، يقصدها منعلق العلق بحلقه، فيفتح به، فيسقط العلق لحينه، وذلك بإقليم إيلش؛ وقال بعضهم: هذا طب تمام يوجد في كل ماءٍ عذبٍ باردٍ إذا فتح فيه عليه من علق العلق به أسقطه في الأغلب، وذلك لأن العلق إنما ينشا في الماء العذب، فيطرأ عليه من خلاف ذلك المزاج ما يستروح منه إلى الماء، وكثيراً ما يطب به الأطباء فيستغنون به عن شجر أناغاليس الذي من شأنه قتل العلق، وعن العكوب وعن الخل وأمثال هذه الأشياء.
ومرسية في مستوٍ من الأرض، ولها ربض عامر آهل، وعليها وعلى ربضها أسوار، وحظائر متقنة، والماء يشق ربضها، وهي على ضفة النهر، ويجاز إليها على قنطرةٍ مصنوعةٍ من المراكب، ولها أرحاء طاحنة في مراكب تنتقل من موضع إلى موضع،وبها شجر التين كثير، ولها حصون وقلاع وقواعد وأقاليم معدومة المثال، ومنها إلى بلنسية خمس مراحل، ومنها إلى قرطبة عشر مراحل.
ويخرج من نهر مرسية جدول على مقربة من قنطرة اشكابه، قد نقرته الأول فهي الجبل وهو حجر، وجابوه نحو ميلٍ، وهذا الجدول هو الذي يسقى قبلى مرسية، ونقبوا بإزاء هذا النقب في الجبل الموازي لهذا الجبل نقباً آخر، مسافته نحو ميلين، وأخرجوا فيه جدولاً ثانياً، وهو الذي يسقى جوفي مرسية؛ ولهذين الجدولين منافس في أعلى الجبلين، ومناهد إلى الوادي؛ تنقى الجدولان منه بفتحها وانحدار الماء مما اجمتع من الغثاء فيهما؛ ولا يسقى من نهر مرسية شئ بغير هذين الجدولين إلا بما رفع بالدواليب والسواني؛ وبين موقع هذين النقيرين ومرسية ستة أميالٍ.
المرية
بالأندلس مدينة محدثة، أمر ببنائها أمير المؤمنين، الناصر لدين الله، عبد الرحمن ابن محمد سنة 344. وفيهاب يقول الشاعر مجتث:
قالوا المرية صفها ... فقلت نط وشيح
وقيل فيها معاش ... فقلت إن هب ريح

(1/63)