صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


انشغال الناس عن الفتنة

(4/255)


ثم مشى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبدالله بن أبي

(4/255)


تنبؤ الرسول بموت رفاعة بن زيد

(4/255)


ثم راح رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناس وسلك الحجاز حتى نزل عل ماء بالجحاز فويق النقيع يقال له : بقعاء . فلما راح رسول الله صلى الله عليه و سلم هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار
فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان عظيما من عظماء يهود وكهفا للمنافقين مات في ذلك اليوم

(4/255)


ما نزل في ابن أبي من القرآن

(4/255)


ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبي ومن كان على مثل أمره فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بأذن زيد بن أرقم ثم قال : هذا الذي أوفى الله بأذنه . وبلغ عبدالله بن عبدالله بن أبي الذي كان من أمر أبيه

(4/255)


موقف عبدالله الابن من أبيه

(4/255)


قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أن عبدالله أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يارسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أبي فيما بلغك عنه فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني وإني أخشى أن تأمر به غيري ( 4 / 256 ) فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبدالله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا

(4/255)


تولي قوم ابن أبي مجازاته

(4/256)


وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم : كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته قال عمر : قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أعظم بركة من أمري

(4/256)


مخادعة مقيس بن صبابة في الأخذ بثأر أخيه و شعره في ذلك

(4/256)


قال ابن إسحاق : وقدم مقيس بن صبابة من مكة مسلما فيما يظهر فقال : يا رسول الله جئتك مسلما وجئتك أطلب دية أخي قتل خطأ
فأمر له رسول الله صلى الله عليه و سلم بدية أخيه هشام بن صبابة فأقام عند رسول الله صلى الله عليه و سلم غير كثير ثم عدا ( 4 / 257 ) على قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتدا فقال في شعر يقوله :
شفى النفس أن قد مات بالقاع مسندا ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم فتحميني وطاء المضاجع
حللت به وتري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع
ثأرت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع
وقال مقيس بن صبابة أيضا :
جللته ضربة باءت لها وشل ... من ناقع الجوف يعلوه وينصرم
فقلت والموت تغشاه أسرته ... لا تأمنن بني بكر إذا ظلموا

(4/256)


شعار المسلمين

(4/257)


قال ابن هشام : وكان شعار المسلمين يوم بني المصطلق : يا منصور أمت أمت

(4/257)


قتلى بني المصطلق

(4/257)


قال ابن إسحاق : وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس وقتل علي ابن أبي طالب منهم رجلين مالكا وابنه وقتل عبدالرحمن بن عوف رجلا من فرسانهم يقال له : أحمر أو أحيمر

(4/257)


حديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها

(4/257)


وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أصاب منهم سبيا كثيرا فشا قسمه في المسلمين وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : لما قسم رسول الله صلى الله عليه و سلم سبايا ( 4 / 258 ) بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه و سلم تستعينه في كتابتها قالت عائشة : فوالله ما هو إلا ان رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها صلى الله عليه و سلم ما رأيت فدخلت عليه فقالت : يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي قال : فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال : أقضي عنك كتابتك و أتزوجك قالت : نعم يا رسول الله قال : قد فعلت . ( 4 / 259 )
قالت : وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس : أصهار رسول الله صلى الله عليه و سلم وأرسلوا ما بأيديهم قالت : فلقد أعتق بتزوجيه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها
قال ابن هشام : ويقال : لما انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث وكان بذات الجيش دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة وأمره بالاحتفاظ بها وقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب من شعاب العقيق ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقال : يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداؤها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا ؟ فقال الحارث : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان له وناس من قومه وأرسل إلى البعيرين فجاء بهما فدفع الإبل إلى النبي صلى الله عليه و سلم ودفعت إليه ابنته جويرية فأسلمت وحسن إسلامها فخطبها رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أبيها فزوجه إياها وأصدقها أربعمائة درهم

(4/257)


الوليد بن عقبة و بنو المصطلق و ما نزل في ذلك من القرآن

(4/259)


قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث إليهم بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم هابهم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ( 4 / 260 ) فأخبره أن القوم قد هموا بقتله ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى هم رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن يغزوهم فبينا هم على ذلك قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فانشمر راجعا فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلى الله عليه و سلم أنا خرجنا إليه لنقتله ووالله ما جئنا لذلك فأنزل الله تعالى فيه وفيهم : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين . واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ) . . . إلى آخر الآية
وقد أقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم من سفره ذلك كما حدثني من لا أتهم عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها حتى إذا كان قريبا من المدينة وكانت معه عائشة في سفره ذلك قال فيها أهل الإفك ما قالوا

(4/259)


خبر الإفك في غزوة بني المصطلق سنة ست

(4/260)


قال ابن إسحاق : حدثنا الزهري عن علقمة بن وقاص وعن سعيد بن جبير وعن عروة بن الزبير وعن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال : كل قد حدثني بعض هذا الحديث وبعض القوم كان أوعى له من بعض وقد جمعت لك الذي حدثني القوم . ( 4 / 261 )

(4/260)


من كان يسافر معه صلى الله عليه و سلم من نسائه

(4/261)


قال محمد بن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن عائشة وعبدالله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة عن نفسها حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه وكل كان عنها ثقة فكلهم حدث عنها ما سمع
قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن معه فخرج بي رسول الله صلى الله عليه و سلم

(4/261)


سقوط عقد عائشة وتخلفها للبحث عنه

(4/261)


قالت : وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يهجهن اللحم فيثقلن وكنت إذا رحل لي بعيري جلست في هودجي ثم يأتي القوم الذين يرحلون لي ويحملونني فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به
قالت : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ثم أذن في الناس بالرحيل فارتحل الناس وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي ( 4 / 262 ) عقد لي فيه جزع ظفار فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته وجاء القوم خلافي الذين كان يرحلون لي البعير وقد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب قد انطلق الناس

(4/261)


صفوان بن المعطل يعثر على عائشة و يحتملها على بعيره

(4/262)


قالت : فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني وعرفت أن لو قد افتقدت لرجع إلي . قالت : فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم بيت مع الناس فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رآني قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ظعينة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا متلففة في ثيابي قال : ما خلفك يرحمك الله ؟ قالت : ( 4 / 263 ) فما كلمته ثم قرب البعير فقال : اركبي واستأخر عني
قالت : فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي فقال أهل الإفك ما قالوا فارتعج العسكر ووالله ما أعلم بشيء من ذلك

(4/262)


مرضها وإعراضه عليه الصلاة و السلام عنها

(4/263)


ثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة ولا يبلغني من ذلك شيء وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وإلى أبوي لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض لطفه بي كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك فأنكرت ذلك منه كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني - قال ابن هشام : وهي أم رومان واسمها زينب بنت عبد دهمان أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة - قال : كيف تيكم لا يزيد على ذلك

(4/263)


انتقالها إلى بيت أبيها لتمريضها

(4/263)


قال ابن إسحاق : قالت : حتى وجدت في نفسي فقلت : يا رسول الله حين رأيت ما رأيت من جفائه لي : لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني ؟ قال : لا عليك
قالت : فانتقلت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم نعافها ونكرهها إنما كنا ( 4 / 264 ) نذهب في فسح المدينة وإنما كانت النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن
فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب ابن عبد مناف وكانت أمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد ابن تيم خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه

(4/263)


علمها بما قيل فيها

(4/264)


قالت : فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها فقالت : تعس مسطح ومسطح : لقب واسمه : عوف قالت : قلت : بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا قالت : أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ؟ قالت : قلت : وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك قالت : قلت : أوقد كان هذا ؟ قالت : نعم والله لقد كان
قالت : فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي قالت : وقلت لأمي : يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا قالت : أي بنية خفضي عليك الشأن فوالله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها

(4/264)


خطبته صلى الله عليه و سلم في هذا الشأن

(4/264)


قالت : وقد قام رسول الله صلى الله عليه و سلم في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق والله ما علمت منهم إلا خيرا ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي . ( 4 / 265 )

(4/264)


من أشاع حديث الإفك

(4/265)


قالت : وكان كبر ذلك عند عبدالله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم تكن من نسائه امرأة تناصيني في المنزلة عنده غيرها فأما زينب فعصمها الله تعالى بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما حمنة بنت جحش فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادني لأختها فشقيت بذلك

(4/265)


ما اقترحه المأمون بعد خطبته صلى الله عليه و سلم

(4/265)


فلما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم تلك المقالة قال أسيد بن حضير : يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم قالت : فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا فقال : كذبت لعمر الله لا نضرب أعناقهم أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا فقال أسيد : كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين قالت : وتساور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر . ونزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخل علي

(4/265)


الرسول يستشير عليا و أسامة

(4/265)


قالت : فدعا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه و أسامة بن زيد فاستشارهما فأما أسامة فأثنى علي خيرا وقاله ثم قال : يا رسول الله أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا ( 4 / 266 ) وهذا الكذب والباطل وأما علي فإنه قال : يا رسول الله إن النساء لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف وسل الجارية فإنها ستصدقك
فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم بريرة ليسألها قالت : فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضربا شديدا ويقول : اصدقي رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت : فتقول والله ما أعلم إلا خيرا وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله
قالت : ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي معي فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا عائشة إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس فاتقي الله وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده قالت : فوالله ما هو إلا أن قال لي ذلك فقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يتكلما قالت : وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به في المساجد ويصلى به ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه و سلم في نومه شيئا يكذب به الله عني لما يعلم من براءتي أو يخبر خبرا فأما قرآن ينزل في فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك . ( 4 / 267 )

(4/265)


حزن عائشة ونزول القرآن ببراءتها

(4/267)


قالت : فلما لم أر أبوي يتكلمان قالت : قلت لهما : ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قالت : فقالا : والله ما ندري بماذا نجيبه قالت : ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام قالت : فلما أن استعجما علي استعبرت فبكيت ثم قلت : والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا . والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقولن ما لم يكن ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني
قالت : ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت : ولكن سأقول كما قال أبو يوسف : ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون )
قالت : فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه و سلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجي بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت ولا باليت قد عرفت أني بريئة وأن الله عز و جل غير ظالمي وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس
قالت : ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول : أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك قالت : قلت : بحمد الله
ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت حجش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم . ( 4 / 268 )

(4/267)


استنتاج أبي أيوب طهر عائشة

(4/268)


قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار : أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى وذلك الكذب أكنت يا أم أيوب فاعلة ؟ قالت : لا والله ما كنت لأفعله قال : فعائشة والله خير منك

(4/268)


ما نزل من القرآن في حديث الإفك

(4/268)


قالت : فلما نزل القرآن بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الإفك فقال تعالى : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا
قال ابن هشام : ويقال : وذلك عبدالله بن أبي وأصحابه
قال ابن هشام : والذي تولى كبره عبدالله بن أبي وقد ذكر ذلك ابن إسحاق في هذا الحديث قبل هذا . ثم قال تعالى : ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) : أي فقالوا كما قال أبو أيوب وصاحبته ثم قال : ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم )

(4/268)


أبو بكر يمتنع عن الإنفاق على مسطح ورجوعه عن ذلك

(4/268)


فلما نزل هذا في عائشة وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة وأدخل علينا قالت : فأنزل الله في ذلك ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ( 4 / 269 ) وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم )

(4/268)


تفسير ابن هشام لبعض ألفاظ القرآن

(4/269)


قال ابن هشام : يقال : كبره وكبره في الرواية وأما في القرآن فكبره بالكسر
قال ابن هشام : ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم ) ولا يأل أولوا الفضل منكم
قال امرؤ القيس بن حجر الكندي :
ألا رب خصم فيك ألوى رددته ... نصيح على تعذاله غير مؤتل
وهذا البيت في قصيدة له ويقال : ولا يأتل أولوا الفضل : ولا يحلف أولوا الفضل وهو قول الحسن بن أبي الحسن البصري فيما بلغنا عنه
وفي كتاب الله تعالى : ( للذين يؤلون من نسائهم ) وهو من الألية والألية : اليمين . قال حسان بن ثابت :
آليت ما في جميع الناس مجتهدا ... مني ألية بر غير إفناد
وهذا البيت في أبيات له سأذكرها إن شاء الله في موضعها . فمعنى : أن يؤتوا في هذا المذهب : أن لا يؤتوا وفي كتاب الله عز و جل : ( يبين الله لكم أن تضلوا ) يريد : أن لا تضلوا ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض ) يريد أن لا تقع على الأرض وقال ابن مفرغ الحميري :
لا ذعرت السوام في وضح الصب ... ح مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى مخافة الموت ضيما ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا
يريد : أن لا أحيد وهذان البيتان في أبيات له
قال ابن إسحاق : قالت : فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب ( 4 / 270 ) أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال : والله لا أنزعها منه أبدا

(4/269)


صفوان يحاول قتل حسان

(4/270)


قال ابن إسحاق : ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه ما كان يقول فيه وقد كان حسان قال شعرا مع ذلك يعرض بابن المعطل فيه وبمن أسلم من العرب من مضر فقال :
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
قد ثكلت أمه من كنت صاحبه ... أو كان منتشبا في برثن الأسد
ما لقتيلي الذي أغدو فآخذه ... من دية فيه يعطاها ولا قود
ما البحر حين تهب الريح شامية ... فيغطئل ويرمي العبر بالزبد ( 4 / 271 )
يوما بأغلب مني حين تبصرني ... ملغيظ أفري كفري العارض البرد
أما قريش فإني لن أسالمهم ... حتى ينيبوا من الغيات للرشد
ويتركوا اللات والعزى بمعزلة ... ويسجدوا كلهم للواحد الصمد
ويشهدوا أن ما قال الرسول لهم ... حق ويوفوا بعهد الله والوكد
فاعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف ثم قال - كما حدثني يعقوب بن عتبة - :
تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي : أن ثابت بن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل حين ضرب حسان فجمع يديه إلى عنقه بحبل ثم انطلق به إلى دار بني الحارث ابن الخزرج فلقيه عبدالله بن رواحة فقال : ما هذا ؟ قال : أما أعجبك ضرب حسان بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله قال له عبدالله بن رواحة : هل علم رسول الله صلى الله عليه و سلم بشيء مما صنعت ؟ قال : لا والله قال : لقد اجترأت أطلق الرجل فأطلقه ثم أتوا رسول ( 4 / 272 ) الله صلى الله عليه و سلم فذكروا ذلك له فدعا حسان وصفوان بن المعطل فقال ابن المعطل : يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لحسان : أحسن يا حسان أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام ثم قال : أحسن يا حسان في الذي أصابك قال : هي لك يا رسول الله
قال ابن هشام : ويقال : أبعد أن هداكم الله للإسلام
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن إبراهيم : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أعطاه عوضا منها بيرحاء وهي قصر بني حديلة اليوم بالمدينة وكانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدق بها على آل رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاها رسول الله صلى الله عليه و سلم حسان في ضربته وأعطاه سيرين أمة قبطية فولدت له عبدالرحمن ابن حسان قالت : وكانت عائشة تقول : لقد سئل عن ابن المعطل فوجدوه رجلا حصورا ما يأتي النساء ثم قتل بعد ذلك شهيدا
قال حسان بن ثابت يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة رضي الله عنها :
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ( 4 / 273 )
عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس كلهم ... تقاصر عنه سورة المتطاول ( 4 / 274 )
فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرىء بي ماحل
قال ابن هشام : بيته : ( عقيلة حي ) والذي بعده وبيته : ( له رتب عال ) عن أبي زيد الأنصاري
قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة : أن امرأة مدحت بنت حسان بن ثابت عند عائشة فقالت :
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت عائشة : لكن أبوها

(4/270)


شعر في هجاء حسان و مسطح

(4/274)


قال ابن إسحاق : وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه في فريتهم على عائشة - قال ابن هشام : في ضرب حسان وصاحبيه - :
لقد ذاق حسان الذي كان أهله ... وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم ... وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا
وآذوا رسول الله فيها فجللوا ... مخازي تبقى عمموها وفضحوا
وصبت عليهم محصدات كأنها ... شآبيب قطر من ذرا المزن تسفح ( 4 / 275 )

(4/274)


أمر الحديبية في آخر سنة ست وذكر بيعة الرضوان والصلح بين رسول الله صلى الله عليه و سلم وبين سهيل بن عمرو

(4/275)


خروج الرسول

(4/275)


قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة شهر رمضان وشوالا وخرج في ذي القعدة معتمرا لا يريد حربا

(4/275)


من استعمله صلى الله عليه و سلم على المدينة

(4/275)


قال ابن هشام : واستعمل على المدينة نميلة بن عبدالله الليثي

(4/275)


استنفاره صلى الله عليه و سلم العرب

(4/275)


قال ابن إسحاق : واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأبطأ عليه كثير من الأعراب وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له

(4/275)


عدد من خرج للعمرة

(4/275)


قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا ( 4 / 276 ) يريد قتالا وساق معه الهدي سبعين بدنة وكان الناس سبعمائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة نفر
وكان جابر بن عبدالله فيما بلغني يقول : كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة

(4/275)


ما قاله عليه الصلاة و السلام عندما علم أن قريشا تريد منعه

(4/276)


قال الزهري : وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي - قال ابن هشام : ويقال بسر - فقال : يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة
ثم قال : من رجل يخرج بنا عن طريق غير طريقهم التي هم بها ؟

(4/276)


تجنب الرسول لقاء قريش :

(4/276)


قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن أبي بكر : أن رجلا من أسلم قال : أنا يا رسول الله قال : فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين ( 4 / 277 ) وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للناس : قولوا نستغفر الله ونتوب إليه فقالوا ذلك فقال : والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها
قال ابن شهاب : فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس فقال : اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمش في طريق ( تخرجه ) على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة قال : فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم رجعوا راكضين إلى قريش وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته
فقالت الناس : خلأت الناقة قال : ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة . لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها
ثم قال للناس : انزلوا قيل له : يا رسول الله : ما بالوادي ماء ننزل عليه فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب . فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن

(4/276)


الذي نزل بسهم الرسول في طلب الماء :

(4/277)


قال ابن إسحاق : فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم : أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم بن عمرو بن وائلة بن سهم بن مازن بن أسلم بن أفصى بن أبي حارثة وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال ابن هشام : أفصى بن حارثة . ( 4 / 278 )
قال ابن إسحاق : وقد زعم لي بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول : أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فالله أعلم أي ذلك كان

(4/277)


شعر لناجية يثبت أنه حامل سهم الرسول :

(4/278)


وقد أنشدت أسلم أبياتا من شعر قالها ناجية قد ظننا أنه هو الذي نزل بالسهم فزعمت أسلم أن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها وناجية في القليب يميح على الناس فقالت :
يأيها المائح دلوى دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكما
قال ابن هشام : ويروى :
إني رأيت الناس يمدحونكا
قال ابن إسحاق : فقال ناجية وهو في القليب يميح على الناس :
قد علمت جارية يمانية ... أني أنا المائح واسمى ناجية
وطعنة ذات رشاش واهية ... طعنتها عند صدور العادية

(4/278)


بديل ورجال خزاعة بين الرسول وقريش :

(4/278)


فقال الزهري في حديثه : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه : ما الذي جاء به ؟
فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا البيت ومعظما لحرمته ثم قال لهم نحوا مما قال لبشر بن سفيان فرجعوا إلى قريش فقالوا : يا ( 4 / 279 ) معشر قريش إنكم تعجلون على محمد إن محمدا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرا هذا البيت فاتهموهم وجبهوهم وقالوا : وإن كان جاء ولا يريد قتالا فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تحدث بذلك عنا العرب
قال الزهري : وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه و سلم مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة

(4/278)


مكرز رسول قريش إلى الرسول :

(4/279)


قال : ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بني عامر بن لؤي فلما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم مقبلا قال : هذا رجل غادر فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وكلمه قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم

(4/279)


الحليس رسول من قريش إلى الرسول :

(4/279)


ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان وكان يومئذ سيد الأحابيش وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه فلما رآى الهدي يسيل عله من عرض الوادي في قلائده وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إعظاما لما رأى فقال لهم ذلك . قال : فقالوا له : اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك
قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن أبي بكر : أن الحليس غضب ( 4 / 280 ) عند ذلك وقال : يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم
أيصد عن بيت الله من جاء معظما له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد . قال : فقالوا له : مه كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به

(4/279)


عروة بن مسعود رسول من قريش إلى الرسول :

(4/280)


قال الزهري في حديثه : ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم عروة بن مسعود الثقفي فقال : يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتهم
فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس بين يديه ثم قال : يا محمد أجمعت أوشاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل . قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا . وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا
قال : وأبو بكر الصديق خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم قاعد فقال : امصص بظر اللات أنحن نتكشف عنه ؟ قال : من هذا يا محمد ؟ قال : هذا ابن أبي قحافة قال : أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بها
قال : ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يكلمه . قال : والمغيرة ( 4 / 281 ) ابن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديد
قال : فجعل يقرع يده إذ تناول لحية رسول الله صلى الله عليه و سلم ويقول : اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن لا تصل إليك قال : فيقول عروة : ويحك ما أفظك وأغلظك قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له عروة : من هذا يا محمد ؟ قال : هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال : أي غدر وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس
قال ابن هشام : أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف : بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر
قال ابن إسحاق : قال الزهري : فكلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم بنحو مما كلم به أصحابه وأخبره أنه لم يأت يريد حربا
فقام من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه . ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه . فرجع إلى قريش فقال : يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه . وقيصر في ملكه . والنجاشي في ملكه . وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم

(4/280)


خراش رسول الرسول إلى قريش :

(4/281)


قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه و سلم وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم . ( 4 / 282 )

(4/281)


النفر القرشيون الذين أرسلتهم قريش للعدوان ثم عفا عنهم الرسول :

(4/282)


قال ابن إسحاق : وقد حدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس : أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين رجلا وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه و سلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحجارة والنبل

(4/282)


عثمان رسول محمد إلى قريش :

(4/282)


ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال : يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان . فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عثمان بن عفان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته

(4/282)


إشاعة مقتل عثمان :

(4/282)


قال ابن إسحاق : فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أرسله به فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم إليهم : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف فقال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه و سلم
واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل . ( 4 / 283 )

(4/282)


لبيعة الرضوان

(4/283)


مبايعة الرسول الناس على الحرب وتخلف الجد :

(4/283)


قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن أبي بكر : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل : لا نبرح حتى نناجز القوم فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس إلى البيعة
فكانت بيعه الرضوان تحت الشجرة فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله صلى الله عليه و سلم على الموت وكان جابر بن عبدالله يقول : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر
فبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة فكان جابر بن عبدالله يقول : والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته . قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس . ثم أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل

(4/283)


أول من بايع :

(4/283)


قال ابن هشام : فذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي : أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه و سلم بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي
قال ابن هشام : وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له عن ابن أبي مليكة عن ابن أبي عمر : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بايع لعثمان فضرب بإحدى يديه على الأخرى

(4/283)


أمر الهدنة

(4/283)


إرسال قريش سهيلا إلى الرسول للصلح :

(4/283)


قال ابن إسحاق : قال الزهري : ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وقالوا له : ائت محمدا فصالحه ولا يكن ( 4 / 284 ) في صلحه إلا أن يرجع عنا عامة هذا فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا
فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم مقبلا قال : قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل . فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح

(4/283)


عمر ينكر على الرسول الصلح :

(4/284)


فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر أليس برسول الله ؟ قال : بلى وألسنا بالمسلمين ؟ قال : بلى قال : أوليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال أبو بكر : يا عمر الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله قال عمر : وأنا أشهد أنه رسول الله
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله ألست برسول الله ؟ قال : بلى قال : أولسنا بالمسلمين ؟ قال : بلى قال : أوليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال : أنا عبدالله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني
قال : فكان عمر يقول : ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرا

(4/284)


علي يكتب شروط الصلح :

(4/284)


قال : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال : فقال سهيل : لا أعرف هذا ولكن أكتب باسمك اللهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اكتب باسمك اللهم فكتبها
ثم قال : اكتب : ( 4 / 285 ) هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو قال : فقال سهيل : لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك قال : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وإن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه . ( 4 / 286 )

(4/284)


دخول خزاعة في عهد محمد وبني بكر في عهد قريش :

(4/286)


فتواثبت خزاعة فقالوا : نحن في عقد محمد وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا : نحن في عقد قريش وعهدهم وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها

(4/286)


ما أهم الناس من الصلح ومجيء أبي جندل :

(4/286)


فبينما رسول الله صلى الله عليه و سلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد كان أصحاب ( 4 / 287 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون
فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه ثم قال : يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا قال : صدقت فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وإنا لا نغدر بهم
قال : فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول : اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب . قال : ويدني قائم السيف منه . قال : يقول عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية

(4/286)


من شهدوا على الصلح :

(4/287)


فلما فرغ ( رسول الله صلى الله عليه و سلم ) من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين : أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبدالرحمن بن عوف وعبدالله بن سهيل بن عمرو وسعد بن أبي وقاص ومحمود بن مسلمة ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك وعلي بن أبي طالب وكتب وكان هو كاتب الصحيفة

(4/287)


نحر الرسول وحلق فاقتدى به الناس :

(4/287)


قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم مضطربا في الحل وكان يصلي في الحرم فلما فرغ من الصلح ( 4 / 288 ) قدم إلى هدية فنحره ثم جلس فحلق رأسه وكان الذي حلقه فيما بلغني في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون

(4/287)


دعوة الرسول للمحلقين ثم للمقصرين :

(4/288)


قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال : حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يرحم الله المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : يرحم الله المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : والمقصرين فقالوا : يا رسول الله : فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين ؟ قال : لم يشكوا

(4/288)


أهدى الرسول جملا فيه برة من فضة :

(4/288)


وقال عبدالله بن أبي نجيح : حدثني مجاهد عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين

(4/288)


نزول سورة الفتح :

(4/288)


قال الزهري في حديثه : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم من وجهه ذلك قافلا حتى إذا كان بين ( 4 / 289 ) مكة والمدينة نزلت سورة الفتح : ( ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما ) ) . ( الفتح : 1 )

(4/288)


ذكر البيعة :

(4/289)


ثم كانت القصة فيه وفي أصحابه حتى انتهى من ذكر البيعة فقال جل ثناؤه : ( ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) )

(4/289)


ذكر من تخلف :

(4/289)


ثم ذكر من تخلف عنه من الأعراب ثم قال حين استفزهم للخروج معه فأبطئوا عليه : ( ( سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ) ) . ثم القصة عن خبرهم حتى انتهى إلى قوله : ( ( سيقولون المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ) ) . ثم القصة عن خبرهم وما عرض عليهم من جهاد القوم أولى البأس الشديد
قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : فارس
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن الزهري أنه قال : أولوا البأس الشديد حنيفة مع الكذاب
ثم قال تعالى : ( ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا . ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيرا حكيما . وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهيدكم صراطا مستقيما . وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ) ) . ( 4 / 290 )

(4/289)


ذكر كف الرسول عن القتال :

(4/290)


ثم ذكر محبسه وكفه إياه عن القتال بعد الظفر منه بهم يعني : النفر الذين أصاب منهم وكفهم عنه ثم قال تعالى : ( ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ) ) . ثم قال تعالى : ( ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ) )

(4/290)


تفسير ابن هشام لبعض الغريب :

(4/290)


قال ابن هشام : المعكوف المحبوس قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :
وكأن السموط عكفه السلك ... بعطفي جيداء أم غزال
وهذا البيت في قصيدة له
قال ابن إسحاق ( ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) ) والمعرة : الغرم أي : أن تصيبوا منهم ( معرة ) بغير علم فتخرجوا ديته فأما إثم فلم يخشه عليهم
قال ابن هشام : بلغني عن مجاهد أنه قال : نزلت هذه الآية في الوليد بن الوليد بن المغيرة وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل وأشباههم
قال ابن إسحاق : ثم قال تبارك وتعالى : ( ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ) ) يعني : سهيل بن عمرو حين حمي أن تكتب بسم الله الرحمن الرحيم وأن محمدا رسول الله ثم قال تعالى : ( ( فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى ) ) وكانوا أحق بها وأهلها : أي التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله . ( 4 / 291 )
ثم قال تعالى : ( ( لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا ) ) . أي : لرؤيا رسول الله صلى الله عليه و سلم التي رأى أنه سيدخل مكة آمنا لا يخاف يقول : محلقين رءوسكم ومقصرين معه لا تخافون فعلم من ذلك ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا صلح الحديبية
يقول الزهري : فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وآمن الناس بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه ولقد دخل تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر
قال ابن هشام : والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة في قول جابر بن عبدالله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف

(4/290)


ما جرى عليه أمر قوم من المستضعفين بعد الصلح

(4/291)


مجيء أبي بصير إلى المدينة وطلب قريش له :

(4/291)


قال ابن إسحاق : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية وكان ممن حبس بمكة فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب ( 4 / 292 ) الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله صلى الله عليه و سلم بكتاب الأزهر والأخنس
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق إلى قومك قال : يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني ؟ قال : يا أبا بصير انطلق فإن الله تعالى سيجعل ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا

(4/291)


قتل أبي بصير للعامري ومقالة الرسول في ذلك :

(4/292)


فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه فقال أبو بصير : أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر ؟ فقال : نعم أنظر إليه ؟ قال : انظر إن شئت . قال : فاستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله

(4/292)


وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو جالس في المسجد فلما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم طالعا قال : إن هذا الرجل قد رأى فزعا فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ويحك ما لك ؟ قال : قتل صاحبكم صاحبي فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا بالسيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال ( 4 / 293 )

(4/292)


اجتماع المحتبسين إلى أبي بصيرة وإيذاؤهم قريشا وإيواء الرسول لهم :

(4/293)


ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قل رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بصير : " ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال " فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص فاجتمع إليه منهم قريب من سبعين رجلا وكانوا قد ضيقوا على قريش لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه لا تمر بهم عير إلا اقتطعوها حتى كتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم تسأل بأرحامها إلا آواهم فلا حاجة لهم فآواهم رسول الله صلى الله عليه و سلم تسأل بأرحامها إلا آواهم فلا حاجة لهم بهم فآواهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقدموا عليه المدينة
قال ابن هشام : أبو بصير ثقفي

(4/293)


أراد سهيل ودي أبي بصير وشعر موهب في ذلك :

(4/293)


قال ابن إسحاق : فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبي بصير صاحبهم العامري أسند ظهره إلى الكعبة ثم قال : والله لا أؤخر ظهري عن الكعبة حتى يودي هذا الرجل فقال أبو سفيان بن حرب : والله إن هذا لهو السفه والله لا يودي ( ثلاثا )
فقال في ذلك موهب بن رياح أبو أنيس حليف بني زهرة :
- قال ابن هشام : أبو أنيس أشعري
أتاني عن سهيل ذرء قول ... فأيقظني وما بي من رقاد
فإن تكن العتاب تريد مني ... فعاتبني فما بك من بعادي
أتوعدني وعبد مناف حولي ... بمخزوم ألهفا من تعادي ( 4 / 294 )
فإن تغمز قناتي لا تجدني ... ضعيف العود في الكرب الشداد
أسامي الأكرمين أبا بقومي ... إذا وطئ الضعيف بهم أرادي
هم منعوا الظواهر غير شك ... إلى حيث البواطن فالعوادي
بكل طمرة وبكل نهد ... سواهم قد طوين من الطراد
لهم بالخيف قد علمت معد ... رواق المجد رفع بالعماد

(4/293)


شعرابن الزبعرى في الرد على موهب :

(4/294)


فأجابه عبدالله بن الزبعرى فقال :
وأمسى موهب كحمار سوء ... أجاز ببلدة فيها ينادي
فإن العبد مثلك لا يناوي ... سهيلا ضل سعيك من تعادي
فاقصر يا ابن قين السوء عنه ... وعد عن المقالة في البلاد
ولا تذكر عتاب أبي يزيد ... فهيهات البحور من الثماد

(4/294)


أمر المهاجرات بعد الهدنة

(4/294)


هجرة أم كلثوم إلى رسول وإباؤه ردها :

(4/294)


قال ابن إسحاق : وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدة فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه و سلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل أبى الله ذلك . ( 4 / 295 )

(4/294)


سؤال ابن هنيدة لعروة عن آية المهاجرات ورده عليه :

(4/295)


قال ابن إسحاق : فحدثني الزهري عن عروة ابن الزبير قال : دخلت عليه يكتب كتابا إلى ابن أبي هنيدة صاحب الوليد بن عبدالملك وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى : ( ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) )

(4/295)


تفسير ابن هشام لبعض الغريب :

(4/295)


قال ابن هشام : واحدة العصم : عصمة وهي الحبل والسبب . قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :
إلى المرء قيس نطيل السرى ... ونأخذ من كل حي عصم
وهذا البيت في قصيدة له
( ( واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم ) )

(4/295)


عود إلى جواب عروة :

(4/295)


قال : فكتب إليه عروة بن الزبير : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه فلما هاجر النساء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وإلى الإسلام أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الإسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ذلكم ( 4 / 296 ) حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم
فأمسك رسول الله صلى الله عليه و سلم النساء ورد الرجال وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم إن هم فعلوا
ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله صلى الله عليه و سلم النساء كما رد الرجال ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد لهن صداقا وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد

(4/295)


سؤال ابن إسحاق الزهري عن آية المهاجرات :

(4/296)


قال ابن إسحاق : وسألت الزهري عن هذه الآية وقول الله عز و جل فيها : ( ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتهم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) ) . فقال : يقول : إن فات أحدا منكم أهله إلى الكفار ولم تأتكم امرأة تأخذون بها مثل يأخذون منكم فعوضوهم من فيء إن أصبتموه فلما نزلت هذه الآية : ( ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ) ) . . . إلى قول الله عز و جل : ( ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) )
كان ممن طلق عمر بن الخطاب طلق امرأته قريبه بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة وأم كلثوم بنت جرول أم عبيد الله بن عمر الخزاعية فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم رجلا من قومه وهما على شركهما

(4/296)


بشرى فتح مكة وتعجل بعض المسلمين :

(4/296)


قال ابن هشام : حدثنا أبو عبيدة : أن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له لما قدم المدينة : ألم تقل يا رسول الله إنك تدخل مكة آمنا ؟ قال : بلى أفقلت لكم من عامي هذا ؟ قالوا : لا قال : فهو كما قال لي جبريل عليه السلام . ( 4 / 297 )

(4/296)


ذكر المسير إلى خيبر في المحرم سنة سبع

(4/297)


الخروج إلى خيبر :

(4/297)


قال محمد بن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم وولي تلك الحجة المشركون ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر

(4/297)


استعمال نميلة على المدينة :

(4/297)


قال ابن هشام : واستعمل على المدينة نميلة بن عبدالله الليثي ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكانت بيضاء

(4/297)


ارتجاز ابن الأكوع ودعاء الرسول له واستشهاده :

(4/297)


قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الأسلمي أن أباه حدثه : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع : وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع وكان اسم الأكوع سنان : انزل يا ابن الأكوع فخذ لنا من هناتك قال : فنزل يرتجر برسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : ( 4 / 298 )
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
إنا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يرحمك الله فقال عمر بن الخطاب : وجبت والله يا رسول الله لو أمتعتنا به فقتل يوم خيبر شهيدا وكان قتله فيما بلغني أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما شديدا فمات منه فكان المسلمون قد شكوا فيه وقالوا : إنما قتله سلاحه حتى سأل ابن أخيه سلمة بن عمرو بن الأكوع رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك وأخبره بقول الناس فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنه لشهيد وصلى عليه فصلى عليه المسلمون

(4/297)


دعاء الرسول لما أشرف على خيبر :

(4/298)


قال ابن إسحاق : حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه عن أبي معتب بن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أشرف على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم : قفوا ثم قال : " اللهم رب السماوات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن ورب الشياطين وما أظللن ورب الرياح وما أذرين فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شر أهلها وشر ما فيها أقدموا بسم الله " . قال : وكان يقولها عليه السلام لكل قرية دخلها . ( 4 / 299 )

(4/298)


فرار أهل خيبر لما رأوا الرسول :

(4/299)


قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار
فنزلنا خيبر ليلا فبات رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا فركب وركبنا معه فركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه و سلم والجيش قالوا : محمد والخميس معه فأدبروا هرابا فقال رسول الله صلى الله ليه وسلم : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين
قال ابن إسحاق : حدثنا هارون عن حميد عن أنس بمثله

(4/299)


منازل الرسول في طريقة إلى خيبر :

(4/299)


قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر فبنى له فيها مسجد ثم على الصهباء ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم بجيشه حتى نزل بواد يقال له الرجيع فنزل بينهم بين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه و سلم . ( 4 / 300 )

(4/299)


غطفان ومحاولتهم معونة خيبر ثم انخذا لهم :

(4/300)


فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أمولاهم وأهليهم حسا ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه و سلم وبين خيبر

(4/300)


افتتاح رسول الله الحصون :

(4/300)


وتدنى رسول الله صلى الله عليه و سلم الأموال يأخذها مالا مالا ويفتتحها حصنا حصنا فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه منه رحا فقتلته ثم القموص حصن بني أبي الحقيق
وأصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم سبايا منهن صفية بنت حيي بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وبنتي عم لها فاصطفى رسول الله صلى الله عليه و سلم صفية لنفسه
وكان دحية بن خليفة الكلبي قد سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم صفية فلما أصفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها وفشت السبايا من خيبر في المسلمين

(4/300)


نهى الرسول يوم خيبر عن أشياء :

(4/300)


وأكل المسلمون لحوم الحمر الأهلية من حمرها فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فنهى الناس عن أمور سماها لهم
قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن عمرو بن ضمرة الفزاري عن عبدالله بن أبي سليط عن أبيه قال : أتانا نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أكل لحوم الحمر الإنسية والقدور تفور بها فكفأناها على وجوهها . ( 4 / 301 )
قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مكحول : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهاهم يومئذ عن أربع : إتيان الحبالى من السبايا وعن أكل الحمار الأهلي وعن أكل كل ذي ناب من السباع وعن بيع المغانم حتى تقسم
قال ابن إسحاق : وحدثني سلام بن كركرة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبدالله الأنصاري ولم يشهد جابر خيير : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في أكل لحوم الخيل
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق مولى تجيب عن حنش الصنعاني قال : غزونا مع رويفع بن ثابت ( 4 / 302 ) الأنصاري المغرب فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها : جربة فقام فينا خطيبا فقال : يا أيها الناس إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم يقوله فينا يوم خيبر قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماؤه زرع غيره يعني : إتيان الحبالى من السبايا ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن عبدالله بن قسيط أنه حدث عن عبادة بن الصامت قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم خيبر عن أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين وتبر الفضة بالورق العين وقال : ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين وتبر الفضة بالذهب العين
قال ابن إسحاق : ثم جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يتدنى الحصون والأموال

(4/300)


شأن بني سهم الأسلميين

(4/302)


فحدثني عبدالله بن أبي بكر أنه حدثه بعض أسلم : أن بني سهم من أسلم : أتوا رسول ( 4 / 303 ) الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : والله يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئا يعطيهم إياه
فقال : اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاما وودكا فغدا الناس ففتح الله عز و جل حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه

(4/302)


مقتل مرحب اليهودي :

(4/303)


قال ابن إسحاق : ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه و سلم من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بضع عشرة ليلة
قال ابن هشام : وكان شعار أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم يوم خيبر : يا منصور أمت أمت
قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن سهل بن عبدالرحمن بن سهل أخو بني حارثة عن جابر بن عبدالله قال : خرج مرحب اليهودي من حصنهم قد جمع سلاحه يرتجز وهو يقول :
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرب
إن حماى للحمى لا يقرب
وهو يقول : من يبارز ؟ فأجابه كعب بن مالك فقال :
قد علمت خيبر أني كعب ... مفرج الغمي جرئ صلب ( 4 / 304 )
وإذ شبت الحرب تلتها الحرب ... معي حسام كالعقيق عضب نطؤكم حتى يذل الصعب ... نعط الجزاء أو يفيء النهب
بكف ماض ليس فيه عتب
قال ابن هشام : أنشدني أبو زيد الأنصاري :
قد علمت خيبر أني كعب ... وأنني متى تشب الحرب
ماض على الهول جريء صلب ... معي حسام كالعقيق غضب
بكف ماض ليس فيه عتب ... ندككم حتى يذل الصعب
قال ابن هشام : ومرحب من حمير
قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن سهل عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال :
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من لهذا ؟ قال محمد بن مسلمة : أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر قتل أخي بالأمس فقال : فقم إليه اللهم أعنه عليه
قال : فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها حتى برز كل واحد منها لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فضربه فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها فعضت به فأمسكته وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله

(4/303)


مقتل ياسر أخو مرحب :

(4/304)


قال ابن إسحاق : ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يقول : من يبارز ؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير ( 4 / 305 ) ابن العوام خرج إلى ياسر فقالت أمه صفية بنت عبدالمطلب : يقتل ابني يا رسول الله قال : بل ابنك يقتله إن شاء الله . فخرج الزبير فالتقيا فقتله الزبير
قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة : أن الزبير كان إذا قيل له : والله إن كان سيفك يومئذ لصارما عضبا قال : والله ما كان صارما ولكني أكرهته

(4/304)


شأن علي يوم خيبر :

(4/305)


قال ابن إسحاق : وحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن أبيه سفيان عن سلمة بن عمرو بن الأكوع قال : بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه برايته وكانت بيضاء فيما قال ابن هشام : إلى بعض حصون خيبر فقاتل فرجع ولم يك فتح وقد جهد ثم بعث الغد عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع ولم يك فتح وقد جهد
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار
قال : يقول سلمة : فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عليا رضوان الله عليه وهو أرمد فتفل في عينه ثم قال : خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك
قال : يقول سلمة : فخرج والله بها يأنح يهرول هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال : من أنت ؟ قال : ( 4 / 306 ) أنا علي بن أبي طالب
قال : يقول اليهودي : علوتم وما أنزل على موسى أو كما قال . قال : فما رجع حتى فتح الله على يديه
قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن الحسن عن بعض أهله عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : خرجنا مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطاح ترسه من يده فتناول على عليه السلام بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في نفر سبعة معي أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه

(4/305)


حديث أبي اليسر كعب بن عمرو :

(4/306)


قال ابن إسحاق : وحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن بعض رجال بني سلمة عن أبي اليسر كعب بن عمرو قال : والله إنا لمع رسول الله صلى الله عليه و سلم بخيبر ذات عشية إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من رجل يطعمنا من هذا الغنم ؟
قال أبو اليسر : فقلت : أنا يا رسول الله قال : فافعل قال : فخرجت أشتد مثل الظليم فلما نظر إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم موليا قال : اللهم أمتعنا به
قال : فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه و سلم . فذبحوهما فأكلوهما
فكان أبو اليسر من أخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم هلاكا . فكان إذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال : أمتعوا بي لعمري حتى كنت من أخرهم هلكا . ( 4 / 307 )

(4/306)


أمر صفية أم المؤمنين :

(4/307)


قال ابن إسحاق : ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه و سلم القموص حصن بني أبي الحقيق أتي رسول الله صلى الله عليه و سلم بصفية بنت حيي بن أخطب وبأخرى معها فمر بهما على قتلى من قتلى يهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها
فلما رآها رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : اعزبوا عني هذه الشيطانة وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد اصطفاها لنفسه
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لبلال فيما بلغني حين رأى بتلك اليهودية ما رأى أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين علي قتلى رجالهما ؟
وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع ابن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال : ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها . فأتي بها رسول الله صلى الله عليه و سلم وبها أثر منه فسألها ما هو ؟ فأخبرته هذا الخبر

(4/307)


بقية أمر خيبر

(4/307)


عقوبة كنانة بن الربيع :

(4/307)


وأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم بكنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحد أن يكون يعرف مكانه فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجل من يهود فقال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لكنانة : أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك ؟
قال : نعم فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله عما بقي فأبى أن يؤديه
فأمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم الزبير بن العوام فقال : عذبه حتى تستأصل ما عنده فكان الزبير يقدح بزند ( 4 / 308 ) في صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة

(4/307)


مصالحة الرسول أهل خيبر :

(4/308)


وحاصر رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ففعل
وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد حاز الأموال كلها : الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين
فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يسألونه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل
وكان فيمن مشى بين رسول الله صلى الله عليه و سلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يعاملهم في الأموال على النصف وقالوا : نحن أعلم بها منكم وأعمر لها
فصالحهم رسول الله صلى الله عليه و سلم على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم فصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت خيبر فيئا بين المسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه و سلم لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب

(4/308)


أمر الشاة المسمومة :

(4/308)


فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه و سلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية وقد ( 4 / 309 ) سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟
فقيل لها : الذراع فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم فأما بشر فأساغها
وأما رسول الله صلى الله عليه و سلم فلفظها ثم قال : إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم فاعترفت فقال : ما حملك على ذلك ؟ قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت : إن كان ملكا استرحت منه وإن كان نبيا فسيخبر قال : فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم ومات بشر من أكلته التي أكل
قال ابن إسحاق : وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه ودخلت أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده : يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر
قال : فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة . ( 4 / 310 )

(4/308)


رجوع الرسول إلى المدينة :

(4/310)


قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من خيبر انصرف إلى وادي القرى فحاصر أهله ليالي ثم انصرف راجعا إلى المدينة

(4/310)


مقتل غلام رفاعة الذي أهداه للرسول :

(4/310)


قال ابن إسحاق : فحدثني ثور بن يزيد عن سالم مولى عبدالله بن مطيع عن أبي هريرة قال : فلما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم عن خيبر إلى وادي القرى نزلنا بها أصيلا مع مغرب الشمس ومع رسول الله صلى الله عليه و سلم غلام له أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبيني
قال ابن هشام : جذام أخو لخم
قال : فوالله إنه ليضع رحل رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ أتاه سهم غرب فأصابه فقتله فقلنا : هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : كلا والذي نفس محمد بيده إن شملته الآن لتحترق عليه في النار كان غلها من فيء المسلمين يوم خيبر
قال : فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فأتاه فقال : يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لي قال : فقال : يقد لك مثلهما من النار

(4/310)


ابن مغفل وجراب شحم أصابه :

(4/310)


قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن عبدالله بن مغفل المزني قال : أصبت من فئ خيبر جراب شحم فاحتملته على عاتقي إلى رحلي وأصحابي
قال : فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها فأخذ بناحيته وقال : هلم هذا تقسمه بين المسلمين قال : قلت : لا والله لا أعطيكه قال : فجعل يجاذبني الجراب
قال : فرآنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن نصنع ذلك . قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم ضاحكا ثم قال لصاحب المغانم : لا ( 4 / 311 ) أبا لك خل بينه وبينه . قال : فأرسله فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه

(4/310)


بناء الرسول بصفية وحراسة أبي أيوب للقبة :

(4/311)


قال ابن إسحاق : ولما أعرس رسول الله صلى الله عليه و سلم بصفية بخيبر أو ببعض الطريق وكانت التي جملتها لرسول الله صلى الله عليه و سلم ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم أنس أبن مالك
فبات بها رسول الله صلى الله عليه و سلم في قبة له وبات أبو أيوب خالد بن زيد أخو بني النجار متوشحا سيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه و سلم ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رأى مكانه قال : ما لك يا أبا أيوب ؟ قال : يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني

(4/311)


تطوع بلال للحراسة وغلبة النوم عليه :

(4/311)


قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري عن سعيد بن المسيب قال : لما انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم من خيبر فكان ببعض الطريق قال : من آخر الليل : من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام ؟ قال بلال : أنا يا رسول الله أحفظه عليك . ( 4 / 312 )
فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم ونزل الناس فناموا وقام بلال يصلي فصلى ما شاء الله عز و جل أن يصلي . ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عينه فنام فلم يوقظهم إلا مس الشمس وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم أول أصحابه هب فقال : ماذا صنعت بنا يا بلال ؟
قال : يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك قال : صدقت ثم اقتاد رسول الله صلى الله عليه و سلم بعيره غير كثير ثم أناخ فتوضأ وتوضأ الناس ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناس فلما سلم أقبل على الناس فقال : إذ نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها فإن الله تبارك وتعالى يقول : ( ( أقم الصلاة لذكري ) )

(4/311)


شعر ابن لقيم في فتح خيبر :

(4/312)


قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني قد أعطى ابن لقيم العبسي حين افتتح خيبر ما بها من دجاجة أو داجن وكان فتح خيبر في صفر فقال ابن لقيم العبسي في خيبر :
رميت نطاة من الرسول بفيلق ... شهباء ذات مناكب وفقار
واستيقنت بالذل لما شيعت ... ورجال أسلم وسطها وغفار ( 4 / 313 )
صبحت بني عمرو بن زرعة غدوة ... والشق أظلم أهله بنهار
جرت بأبطحها الذيول فلم تدع ... إلا الدجاج تصيح في الأسحار
ولكل حصن شاغل من خيلهم ... من عبد أشهل أو بني النجار
ومهاجرين قد اعلموا سيماهم ... فوق المغافر لم ينوا لفرار
ولقد علمت ليغلبن محمد ... وليثوين بها إلى أصفار
فرت يهود يوم ذلك في الوغى ... تحت العجاج غمائم الأبصار

(4/312)


تفسير ابن هشام لبعض الغريب :

(4/313)


قال ابن هشام : فرت : كشفت كما تفر الدابة بالكشف عن أسنانها يريد كشفت عن جفون العيون غمائم الأبصار يريد الأنصار

(4/313)


شهود النساء خيبر وحديث المرأة الغفارية :

(4/313)


قال ابن إسحاق : وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه و سلم نساء من نساء المسلمين فرضخ لهن رسول الله صلى الله عليه و سلم من الفيء ولم يضرب لهن بسهم
قال ابن إسحاق : حدثني سليمان بن سحيم عن أمية بن أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد ( 4 / 314 ) سماها لي قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في نسوة من بني غفار فقلن : يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا وهو يسير إلى خيبر فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا فقال : على بركة الله
قالت : فخرجنا معه وكنت جارية حدثه فأردفني رسول الله صلى الله عليه و سلم على حقيبة رحله . قالت : فوالله لنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الصبح وأناخ ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني وكانت أول حيضة حضتها
قالت : فتقبضت إلى الناقة واستحييت فلما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما بي ورأى الدم قال : ما لك ؟ لعلك نفست قالت : قلت : نعم قال : فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي به ما أصاب الحقيبة من الدم ثم عودي لمركبك
قالت : فلما فتح رسول الله صلى الله عليه و سلم خيبر رضخ لنا من الفيء وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي فوالله لا تفارقني أبدا
قالت : فكانت في عنقها حتى ماتت ثم أوصت أن تدفن معها . قالت : وكانت لا تطهر من حيضة إلا جعلت في طهورها ملحا وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت

(4/313)


شهداء خيبر من بني أمية :

(4/314)


قال ابن إسحاق : وهذه تسمية من استشهد بخيبر من المسلمين من قريش ثم من بني أمية بن عبد شمس ثم من حلفائهم ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو بن بكير بن عامر بن غنم بن دودان بن أسد وثقيف بن عمرو ورفاعة بن مسروح

(4/314)


من بني أسد :

(4/314)


ومن بني أسد بن عبدالعزى : عبدالله الهبيب ويقال : ابن الهبيب ( 4 / 315 ) فيما قال ابن هشام ابن أهيب بن سحيم بن غيره من بني سعد ابن ليث حليف لبني أسد وابن أختهم

(4/314)


من الأنصار :

(4/315)


ومن الأنصار ثم من بني سلمة : بشر بن البراء بن معرور مات من الشاة التي سم فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم : وفضيل بن النعمان . رجلان

(4/315)


من زريق :

(4/315)


ومن بني زريق : مسعود بن سعد بن قيس بن خلده بن عامر بن زريق

(4/315)


من الأوس :

(4/315)


ومن الأوس ثم من بني عبدالأشهل : محمود بن مسملة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث حليف لهم من بني حارثة

(4/315)


من بني عمرو :

(4/315)


ومن بني عمرو بن عوف : أبو ضياح بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف والحارث بن حاطب وعروة بن مرة بن سراقة وأوس بن القائد وأنيف بن حبيب وثابت بن أثلة وطلحة

(4/315)


من غفار :

(4/315)


ومن بني غفار : عمارة بن عقبة رمي بسهم

(4/315)


من أسلم :

(4/315)


ومن أسلم : عامر بن الأكوع والأسود الراعي وكان اسمه أسلم
قال ابن هشام : الأسود الراعي من أهل خيبر . ( 4 / 316 )

(4/315)


من بني زهرة :

(4/316)


ومن استشهد بخيبر فيما ذكر ابن شهاب الزهري من بني زهرة : مسعود بن ربيعة حليف لهم من القارة

(4/316)


من الأنصار :

(4/316)


ومن الأنصار بني عمرو بن عوف : أوس بن قتادة

(4/316)


أمر الأسود الراعي في حديث خيبر

(4/316)


إسلامه واستشهاده :

(4/316)


قال ابن إسحاق : وكان من حديث الأسود الراعي فيما بلغني أنه أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر ومعه غنم له كان فيها أجيرا لرجل من يهود
فقال : يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم - وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه - فلما أسلم قال : يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي فكيف أصنع بها ؟ قال : اضرب في وجوهها فإنها سترجع إلى ربها - أو كما قال
فقال الأسود فأخذ حفنة من الحصى فرمى بها في وجوهها وقال : ارجعي إلى صاحبك فوالله لا أصحبك أبدا فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله وما صلى لله صلاة قط
فأتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم فوضع خلفه وسجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض عنه فقالوا : يا رسول الله لم أعرضت عنه ؟ قال : إن معه الآن زوجتيه من الحور العين
قال ابن إسحاق : وأخبرني عبدالله بن أبي نجيح أنه ذكر له : أن الشهيد إذا ما أصيب تدلت له زوجتاه من الحور العين عليه تنفضان التراب عن وجهه وتقولان : ترب الله وجه من تربك وقتل من قتلك . ( 4 / 317 )

(4/316)


أمر الحجاج بن علاط السلمي

(4/317)


حيلته في جمع ماله من مكة :

(4/317)


قال ابن إسحاق : ولما فتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله عليه و سلم الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي فقال : يا رسول الله إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده له منها معرض بن الحجاج ومال متفرق في تجار أهل مكة فأذن لي يا رسول الله فأذن له قال : إنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول قال : قل
قال الحجاج : فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثينة البيضاء رجالا من قريش يتسمعون الأخبار ويسألون عن أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد بلغهم نه قد سار إلى خيبر وقد عرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان فلما رأوني قالوا : الحجاج بن علاط - قال : ولم يكونوا علموا بإسلامي عنده والله الخبر - أخبرنا يا أبا محمد فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر وهي بلد يهود وريف الحجاز
قال : قلت : قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم قال : فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون : إيه يا حجاج قال : قلت : هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط وأسر ( 4 / 318 ) محمد أسرا وقالوا : لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم
قال : فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا : قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم
قال : قلت : أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك
قال ابن هشام : ويقال : من فيء محمد

(4/317)


العباس يستوثق من خبر الحجاج ويفاجئ قريشا :

(4/318)


قال ابن إسحاق : قال : فقاموا فجمعوا لي مالي كأحث جمع سمعت به . قال : وجئت صاحبتي فقلت : مالي وقد كان لي عندها مال موضوع لعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار
قال : فلما سمع العباس بن عبدالمطلب الخبر وجاءه عني أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار فقال : يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئت به ؟
قال : فقلت : وهل عندك حفظ لما وضعت عندك ؟ قال : نعم قال : قلت : فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء فأني في جمع مالي كما ترى فانصرف عني حتى أفرغ . قال : حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت : احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت قال : افعل
قلت : فإني والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم ( 4 / 319 ) يعني : صفية بنت حيي ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه فقال : ما تقول يا حجاج ؟ قال : قلت : إي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا من أن أغلب عليه فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب
قال : حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا : يا أبا الفضل هذا والله التجلد الحر المصيبة قال : كلا والله الذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على بنت ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه قالوا : من جاءك بهذا الخبر ؟
قال : الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما فأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه قالوا : يا لعباد الله انفلت عدو الله أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن قال : ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك

(4/318)


شعر حسان في يوم خيبر :

(4/319)


قال ابن إسحاق : وكان مما قيل من الشعر في يوم خيبر قول حسان بن ثابت :
بئسما قاتلت خيابر عما ... جمعوا من مزارع ونخيل
كرهوا الموت فاستبيح حماهم ... وأقروا فعل اللئيم الذليل
أمن الموت يهبوا فإن الموت ... موت الهزال غير جميل

(4/319)


شعر حسان في عذر أيمن لتخلفه عن خيبر :

(4/319)


وقال حسان بن ثابت أيضا وهو يعذر أيمن ابن أم أيمن بن عبيد كان قد تخلف عن ( 4 / 320 ) خيبر وهو من بني عوف بن الخزرج وكانت أمه أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي أم أسامة بن زيد فكان أخا أسامة لأمه :
على حين أن قالت لأيمن أمه ... جبنت ولم تشهد فوارس خيبر
وأيمن لم يجبن ولكن مهره ... أضر به شرب المديد المخمر
ولولا الذي قد كان من شان مهره ... لقاتل فيهم فارسا غير أعسر
ولكنه قد صده فعل مهره ... وما كان منه عنده غير أيسر
قال ابن هشام : أنشدني أبو زيد هذه الأبيات لكعب بن مالك وأنشدني :
ولكنه قد صده شأن مهره وما ... وما كان لولا ذاكم بمقصر

(4/319)


شعر ناجية في يوم خيبر

(4/320)


قال ابن إسحاق : وقال ناجية بن جندب الأسلمي :
يا لعباد الله فيم يرغب ... ما هو إلا مأكل ومشرب
وجنة فيها نعيم معجب
وقال ناجية بن جندب الأسلمي أيضا : ( 4 / 321 )
أنا لمن أنكرني ابن جندب ... يا رب قرن في مكري أنكب
طاح بمغدي أنسر وثعلب
قال ابن هشام : وأنشدني بعض الرواة للشعر قوله : في مكرى وطاح بمغدي

(4/320)


شعر كعب بن مالك في يوم خيبر :

(4/321)


وقال كعب بن مالك في يوم خيبر فيما ذكر ابن هشام عن أبي زيد الأنصاري :
ونحن وردنا خيبرا وفروضه ... بكل فتى عاري الأشاجع مذود
جواد لدى الغايات لاواهن القوى ... جريء على الأعداء في كل مشهد
عظيم رماد القدر في كل شتوة ... ضروب بنصل المشرفي المهند
يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة ... من الله يرجوها وفوزا بأحمد
يذود ويحمي عن ذمار محمد ... ويدفع عنه باللسان وباليد
وينصره من كل أمر يريبه ... يجود بنفس دون نفس محمد
يصدق بالأنباء بالغيب مخلصا ... يريد بذاك الفوز والعز في غد

(4/321)


ذكرمقاسم خيبر وأموالها

(4/321)


الشق ونطاة والكتيبة :

(4/321)


قال ابن إسحاق : وكانت المقاسم على أقوال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة فكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين ( 4 / 322 ) وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبي صلى الله عليه و سلم وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وطعم أزواج النبي صلى الله عليه و سلم وطعم رجال مشوا بين رسول الله صلى الله عليه و سلم وبين أهل فدك بالصلح منهم محيصة بن مسعود أعطاه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثين وسقا من شعير وثلاثين وسقا من تمر وقسمت خيبر على أهل الحديبية من شهد خيبر ومن غاب عنها ولم يغب عنها إلا جابر بن عبدالله ابن عمرو بن حرام فقسم له رسول الله صلى الله عليه و سلم كسهم من حضرها وكان وادياها وادي السريرة ووادي خاص وهما اللذان قسمت عليهما خيبر وكانت نطاة والشق ثمانية عشر سهما نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلاثة عشر سهما وقسمت الشق ونطاة على ألف سهم وثمان مائة سهم

(4/321)


عدة من قسمت عليهم خيبر :

(4/322)


وكانت عدة الذين قسمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ألف سهم وثمان مائة سهم برجالهم وخيلهم الرجال أربع عشرة مائة والخيل مئتا فارس وكان لكل فرس سهمان ولفارسه سهم وكان لكل راجل سهم فكان لكل سهم رأس جمع إليه مائة رجل فكانت ثمانية عشر سهما جمع
قال ابن هشام : وفي يوم خيبر عرب رسول الله صلى الله عليه و سلم العربي من الخيل وهجن الهجين . ( 4 / 323 )

(4/322)


قسمة الأسهم على أربابها :

(4/323)


قال ابن إسحاق : فكان علي بن أبي طالب رأسا والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعمر بن الخطاب وعبدالرحمن بن عوف وعاصم بن عدي أخو بني العجلان وأسيد بن حضير وسهم الحارث بن الخزرج وسهم ناعم وسهم بني بياضة وسهم بني عبيد وسهم بني حرام من بني سلمة وعبيد السهام
قال ابن هشام : وإنما قيل له عبيد السهام لما اشترى من السهام يوم خيبر وهو عبيد بن أوس أحد بني حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس
قال ابن إسحاق : وسهم ساعدة وسهم غفار وأسلم وسهم النجار وسهم حارثة وسهم أوس
فكان أول سهم خرج من خيبر بنطاة سهم الزبير بن العوام وهو الخوع وتابعه السرير ثم كان الثاني سهم بياضه ثم كان الثالث سهم أسيد ثم كان الرابع سهم بني الحارث بن الخزرج ثم كان الخامس سهم ناعم لبني عوف بن الخزرج ومزينة وشركائهم وفيه قتل محمود بن مسلمة فهذه نطاة
ثم هبطوا إلى الشق فكان أول سهم خرج منه سهم عاصم بن عدي أخي بني العجلان ومعه كان سهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم سهم عبدالرحمن بن عوف ثم سهم ساعدة ثم سهم النجار ثم سهم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه
ثم سهم طلحة بن عبيد الله ثم سهم غفار وأسلم ثم سهم عمر بن الخطاب ثم سهما سلمة بن عبيدة وبني حرام ثم سهم حارثة ثم سهم عبيد السهام ثم سهم أوس وهو سهم اللفيف جمعت إليه جهينة ومن حضر خيبر من سائر العرب وكان حذوه سهم رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي كان أصابه في سهم عاصم بن عدي . ( 4 / 324 )
ثم قسم رسول الله صلى الله عليه و سلم الكتيبة وهي وادي خاص بين قرابته وبين نسائه وبين رجال المسلمين ونساء أعطاهم منها فقسم رسول الله صلى الله عليه و سلم لفاطمة ابنته مائتي وسق ولعلي بن أبي طالب منه مائة وسق ولأسامة بن زيد مائتي وسق وخمسين وسقا من نوى

(4/323)


ولعائشة أم المؤمنين مائتي وسق ولأبي بكر بن أبي قحافة مائة وسق ولعقيل بن أبي طالب مائة وسق وأربعين وسقا ولبني جعفر خمسين وسقا ولربيعة بن الحارث مائة وسق

(4/324)


وللصلت بن مخرمة وابنيه مائة وسق للصلت منها أربعون وسقا ولأبي نبقة خمسين وسقا ولركانه بن عبد يزيد خمسين وسقا ولقيس بن مخرمة ثلاثين وسقا ولأبي القاسم بن مخرمة أربعين وسقا ولبنات عبيدة بن الحارث وابنة الحصين بن الحارث مائة وسق ولبني عبيد بن عبد يزيد ستين وسقا ولابن أوس بن مخرمة ثلاثين وسقا
ولمسطح بن أثاثة وابن إلياس خمسين وسقا ولأم رميثة أربعين وسقا ولنعيم بن هند ثلاثين وسقا ولبحينة بنت الحارث ثلاثين وسقا ولعجير بن عبد يزيد ثلاثين وسقا ولأم الحكم ثلاثين وسقا ( 4 / 325 ) ولجمانة بنت أبي طالب ثلاثين وسقا ولابن الأرقم خمسين وسقا ولعبدالرحمن بن أبي بكر أربعين وسقا
ولحمنة بنت جحش ثلاثين وسقا ولأم الزبير أربعين وسقا ولضباعة بنت الزبير أربعين وسقا ولابن أبي خنيس ثلاثين وسقا ولأم طالب أربعين وسقا ولأبي بصرة عشرين وسقا ولنميلة الكلبي خمسين وسقا ولعبدالله بن وهب وابنتيه تسعين وسقا لابنيه منها أربعين وسقا ولأم حبيب بنت جحش ثلاثين وسقا ولملكوم بن عبدة ثلاثين وسقا ولنسائه صلى الله عليه و سلم سبع مائة وسق

(4/324)


بسم الله الرحمن الرحيم

(4/325)


عهد الرسول إلى نسائه بنصيبهن في المغانم :

(4/325)


ذكر ما أعطى محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم نساءه من قمح خيبر : قسم لهن مائة وثمانين وسقا ولفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم خمسة وثمانين وسقا ولأسامة بن زيد أربعين وسقا وللمقداد بن الأسود خمسة عشر وسقا ولأم رميثة خمسة أوسق
شهد عثمان بن عفان وعباس وكتب

(4/325)


ما أوصى به الرسول عند موته :

(4/325)