صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


بسم الله الرحمن الرحيم
قيل : إن جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام والتحية والإكرام و الصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل إسماعيل و منهم عاد و ثمود و طسم و جديس و أميم و جرهم و العماليق و أمم آخرون لا يعلمهم إلا الله كانوا قبل الخليل عليه الصلاة و السلام و في زمانه أيضا فأما العرب المستعربة و هم عرب الحجاز فمن ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام

(1/3)


و أما عرب اليمن و هم حمير فالمشهور أنهم من قحطان و اسمه مهزم قاله ابن ماكولا و ذكروا أنهم كانوا أربعة إخوة : قحطان و قاحط و مقحط و فالغ
و قحطان بن هود و قيل هو هود و قيل هود أخوه و قيل من ذريته و قيل إن قحطان من سلالة إسماعيل حكاه ابن إسحاق و غيره فقال بعضهم : هو قحطان ابن الهمبسع بن تيمن بن قيذر بن نبت بن إسماعيل و قيل غير ذلك في نسبه إلى إسماعيل و الله أعلم
و قد ترجم البخاري في صحيحه على ذلك فقال : [ باب نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه السلام ] [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن يزيد بن أبي عبيد حدثنا سلمة رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال : ارموا بني إسماعيل و أنا مع بني فلان ] لأحد الفريقين فأمسكوا بأيديهم فقال : ما لكم ؟ قالوا : و كيف نرمي و أنت مع بني فلان فقال : [ ارموا و أنا معكم كلكم ]
تفرد به البخاري و في بعض ألفاظه : [ ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا و أنا مع ابن الأدرع فأمسك القوم فقال ارموا و أنا معكم كلكم ]
قال البخاري : و أسلم بن أفضى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعني : و خزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين أرسل الله عليهم سيل العرم كما سيأتي بيانه و كانت الأوس و الخزرج منهم و قد قال لهم عليه الصلاة و السلام : [ ارموا بني إسماعيل ] فدل على أنهم من سلالته و تأوله آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل

(1/3)


لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن و غيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل
و عندهم أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين : قحطانية و عدنانية فالقحطانية شعبان : سبأ و حضرموت و العدوانية شعبان أيضا : ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان و الشعب الخامس و هم قضاعة مختلف فيهم فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبد البر : و عليه الأكثرون و يروى هذا عن ابن عباس و ابن عمر و جبير بن مطعم و هو اختيار الزبير بن بكار و عمه مصعب الزبيري و ابن هشام و قد ورد في حديث : قضاعة بن معد و لكنه لا يصح قاله ابن عبد البر و غيره
و يقال : إنهم لم يزالوا في جاهليتهم و صدر من الإسلام ينتسبون إلى عدنان فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية و كانوا أخواله انتسبوا إلى قحطان فقال في ذلك أعشى بن ثعلبة في قصيدة له :
( أبلغ قضاعة في القرطاس أنهم ... لولا خلائف آل الله ماعنقوا )
( قالت قضاعة إن من ذوى يمن ... والله يعلم مابروا ولا صدقوا )
( قد ادعوا والدا ما نال أمهم ... قد يعلمون ولكن ذلك الفرق )
و قد ذكر أبو عمرو السهيلي أيضا من شعر العرب مافيه إبداع في تعيير قضاعة في انتسابهم إلى اليمن و الله أعلم
و القول الثاني أنهم من قحطان و هو قول ابن إسحاق و الكلبي و طائفة من أهل النسب
قال ابن إسحاق : و هو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان و قد قال بعض شعرائهم و هو عمرو بن مرة صحابي له حديثان :
( ياأيها الداعي ادعنا وأبشر ... وكن قضاعيا ولا تنزر )
( نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... قضاعة بن مالك بن حمير )
( النسب المعروف غير المنكر ... في الحجر المنقوش تحت المنبر )
قال بعض أهل النسب : هو قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن حمير وقال ابن لهيعة : عن معروف بن سويد عن أبى عشابة محمد بن موسى عن عقبة بن عامر قال : قلت يا رسول الله أما نحن من معد ؟ قال لا قلت : فممن نحن ؟ قال : أنتم من قضاعة بن مالك بن حمير
قال أبو عمر بن عبد البر : و لايختلفون أن جهينة بن زيد بن أسود بن أسلم بن عمران بن الحاف بن قضاعة قبيلة عقبة بن عامر الجهني فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير بن سبأ
و قد جمع بعضهم بين هذين القولين بما ذكره الزبير بن بكار و غيره من أن قضاعة امرأة من جرهم تزوجها مالك بن حمير فولدت له قضاعة ثم خلف عليها معد بن عدنان و ابنها صغير و زعم بعضهم أنه كان حملا فنسب إلى زوج أمه كما كانت عادة كثير منهم ينسبون الرجل إلى زوج أمه و الله أعلم
و قال محمد بن سلام البصري النسابة : العرب ثلاثة جراثيم : العدنانية و القحطانية و قضاعة قيل له : فأيهما أكثر العدنانية أوالقحطانية ؟ فقال : ما شاءت قضاعة إن تيامنت فالقحطانية أكثر وإن تعدننت فالعدنانية أكثر
و هذا يدل على أنهم يتلونون في نسبهم فإن صح حديث ابن لهيعة المتقدم فهو دليل على أنهم من القحطانية و الله أعلم و قد قال الله تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم }
قال علماء النسب : يقال شعوب ثم قبائل ثم عمائر ثم بطون ثم أفخاذ ثم فصائل ثم عشائر و العشيرة أقرب الناس و ليس بعدها شيء
و لنبدأ أولا بذكر القحطانية ثم نذكر بعدهم عرب الحجاز و هم العدنانية و ما كان من أمر الجاهلية ليكون ذلك متصلا بسيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم إن شاء الله تعالى و به الثقة
و قد قال البخاري باب ذكر قحطان [ حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ] و كذا رواه مسلم عن قتيبة عن الدراوردي عن ثور بن زيد به
قال السهيلي : و قحطان أول من قيل له [ أبيت اللعن ] و أول من قيل له [ أنعم صباحا ]
و قال الإمام أحمد : [ حدثنا أبو المغيرة عن حريز حدثني راشد بن سعد المقرائي عن أبي حيي عن ذي مخمر أن رسول صلى الله عليه و سلم قال كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم فجعله في قريش [ و س ى ع و د إ ل ى هـ م ] ] قال عبد الله : كان هذا في كتاب أبي وحيث حدثنا به تكلم به على الاستواء يعني [ وسيعود إليهم ]

(1/4)


قال الله تعالى { لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين و شمال كلوا من رزق ربكم و اشكروا له بلدة طيبة و رب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم و بدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط و أثل و شيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا و هل نجازي إلا الكفور و جعلنا بينهم و بين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و أياما آمنين فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا و ظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث و مزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور }
قال علماء النسب منهم محمد ابن إسحاق : اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان قالوا : و كان أول من سبى من العرب فسمى سبأ لذلك و كان يقال له الرائش لأنه كان يعطي الناس الأموال من متاعه قال السهيلي : و يقال إنه أول من تتوج و ذكر بعضهم أنه كان مسلما و كان له شعر بشر فيه بوجود رسول صلى الله عليه و سلم فمن ذلك قوله :
( سيملك بعدنا ملكا عظيما ... نبي لا يرخص في الحرام )
( و يملك بعده منهم ملوك ... يدينون العباد بغير ذام )
( و يملك بعدهم منا ملوك ... يصير الملك فينا باقتسام )
( و يملك بعد قحطان نبي ... تقي مخبت خير الأنام )
( يسمى أحمدا يا ليت أني ... أعمر بعد مبعثه بعام )
( فأعضده وأحبوه بنصري ... بكل مدجج وبكل رامي )
( متى يظهر فكونوا ناصريه ... و من يلقاه يبلغه سلامي )
حكاه ابن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير
و قال الإمام أحمد : [ حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبائي عن عبد الرحمن بن وعلة قال سمعت عبد الله بن عباس يقول : إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن سبأ ما هو ؟ أرجل أم امرأة أم أرض ؟ قال : بل هو رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة و بالشام منهم أربعة فأما اليمانيون فمذحج و كندة و الأزد و الأشعريون و أنمار و حمير عربا كلها و أما الشامية فلخم و جذام و عاملة و غسان ]
و قد ذكرنا في التفسير أن فروة بن مسيك الغطيفي هو السائل عن ذلك كما استقصينا طرق هذا الحديث و ألفاظه هناك و لله الحمد
و المقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها و قد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن واحدهم تبع و كان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم كما كانت الأكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك و كانت العرب تسمي كل من ملك اليمن مع الشحر و حضرموت تبعا كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر و من ملك الفرس كسرى و من ملك مصر فرعون و من ملك الحبشة النجاشي و من ملك الهند بطليموس و قد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس و قد كانوا في غبطة عظيمة و أرزاق دارة و ثمار و زروع كثيرة و كانوا مع ذلك على الاستقامة و السداد و طريق الرشاد فلما بدلوا نعمة الله كفرا أحلوا قومهم دار البوار
قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه : أرسل الله إليهم ثلاثة عشرة نبيا و زعم السدي أنه أرسل إليهم اثني عشر ألف نبي ! فالله أعلم
و المقصود أنهم عدلوا عن الهدى إلى الضلال و سجدوا للشمس من دون الله و كان ذلك في زمان بلقيس و قبلها أيضا و استمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم كما قال تعالى { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم و بدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط و أثل و شيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا و هل نجازي إلا الكفور }
ذكر غير واحد من علماء السلف و الخلف من المفسرين و غيرهم أن سد مأرب كان صنعته أن المياه تجري من بين جبلين فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين و غرسوا فيهما البساتين و الأشجار المثمرة الأنيقة و زرعوا الزروع الكثيرة و يقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب و سلط إليه سبعين واديا يفد إليه و جعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء و مات و لم يكمل بناؤه فكملته حمير بعده و كان اتساعه فرسخا في فرسخ و كانوا في غبطة عظيمة و عيش رغيد و أيام طيبة حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فيمتلئ من الثمار مما يتساقط فيه من نضجه وكثرته و ذكروا أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث و لا الدواب المؤذية لصحة هوائهم و طيب فنائهم كما قال تعالى { لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين و شمال كلوا من رزق ربكم و اشكروا له بلدة طيبة و رب غفور } و كما قال تعالى { و إذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم و لئن كفرتم إن عذابي لشديد }
فلما عبدوا غير الله و بطروا نعمته و سألوا بعد تقارب ما بين قراهم و طيب ما بينها من البساتين و أمن الطرقات سألوا أن يباعد بين أسفارهم و أن يكون سفرهم في مشاق و تعب و طلبوا أن يبدلوا بالخير شرا كما سأل بنو إسرائيل بدل المن و السلوى البقول و القثاء و الفوم و العدس و البصل فسلبوا تلك النعمة العظيمة و الحسنة العميمة بتخريب البلاد و الشتات على وجوه العباد كما قال تعالى { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم }
قال غير واحد : أرسل الله على أصل السد الفأر و هو الجرذ و يقال له الخلد فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير فلم تغن شيئا إذ قد حم القدر و لم ينفع الحذر كلا لا وزر فلما تحكم في أصله الفساد سقط و انهار فسلك الماء القرار فقطعت تلك الجداول و الأنهار و انقطعت تلك الثمار و بادت تلك الزروع و الأشجار و تبدلوا بعدها بردئ الأشجار و الأثمار كما قال العزيز الجبار { و بدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط و أثل } قال ابن عباس و مجاهد و غير واحد : هو الأراك و ثمره البرير و أثل و هو الطرفاء و قيل يشبهه و هو حطب لا ثمر له [ و شيء من سدر قليل ] و ذلك لأنه لما كان يثمر النبق كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير و ثمره بالنسبة إليه كما يقال في المثل : لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى و لا سمين فينتقى و لهذا قال تعالى { ذلك جزيناهم بما كفروا و هل نجازي إلا الكفور } أي إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا و كذب رسلنا و خلفنا أمرنا و انتهك محارمنا
وقال تعالى : { فجعلناهم أحاديث و مزقناهم كل ممزق } و ذلك أنهم لما هلكت أموالهم و خربت بلادهم احتاجوا أن يرتحلوا منها و ينتقلوا عنها فتفرقوا في غور البلاد و نجدها أيدي سبأ شذر مذر فنزلت طوائف منهم الحجاز و منهم خزاعة و نزلوا ظاهر مكة و كان من أمرهم ما سنذكره و منهم المدينة المنورة اليوم فكانوا أول من سكنها ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قينقاع و بنو قريطة و بنو النضير فحالفوا الأوس و الخزرج و أقاموا عندهم و كان من أمرهم ما سنذكره و نزلت طائفة أخرى منهم الشام و هم الذين تنصروا فيما بعد و هم غسان و عاملة و بهراء و لخم و جذام و تنوخ و تغلب و غيرهم
قال محمد بن إسحاق : حدثني أبو عبيده قال : قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة و هو ميمون بن قيس :
( و في ذاك للمؤتسى أسوة ... و مأرب عفى عليها العرم )
( رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء موراه لم يرم )
( فأروى الزروع و أعنابها ... على سعة ماؤهم إذ قسم )
( فصاروا أيادي لا يقدرون ... على شرب طفل إذا ما فطم )
و قد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمي و لخم هو ابن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ و يقال لخم بن عدي بن سبأ قاله ابن هشام
قال ابن إسحاق : و كان سبب خروجه من اليمن فيما حدثني أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك فاعتزم على النقلة عن اليمن فكاد قومه فأمر أصغر ولده إذا أغلظ عليه و لطمه أن يقوم إليه فيلطمه ففعل ابنه ما أمره به فقال عمرو : لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي و عرض أمواله فقال أشراف من أشراف اليمن : اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله و انتقل في ولده و ولد ولده و قالت الأزد لا نتخلف عن عمرو بن عامر فباعوا أموالهم و خرجوا معه فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان فحاربتهم عك فكانت حربهم سجالا ففي ذلك قال عباس بن مرداس :
( وعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بغسان حتى طردوا كل مطرد )
قال : فارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام و نزل الأوس و الخزرج يثرب و نزلت خزاعة مرا و نزلت أزد السراة السراة و نزلت أزد عمان عمان ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه و في ذلك أنزل الله هذه الآيات و قد روى عن السدي قريب من هذا
و عن محمد بن إسحاق في روايته أن عمرو بن عامر كان كاهنا و قال غيره : كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة فأخبرت بقرب هلاك بلادهم و كأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الذي ساط على سدهم ففعلوا ما فعلوا و الله أعلم و قد ذكرت قصته مطولة عن عكرمة فيما رواه ابن أبي حاتم في التفسير

(1/8)


و ليس جميع سبأ خرجوا من اليمن لما أصيبوا بسيل العرم بل أقام أكثرهم بها و ذهب أهل مأرب الذين كان لهم السد فتفرقوا في البلاد و هو مقتضى الحديث المتقدم عن ابن عباس أن جميع قبائل سبأ لم يخرجوا من اليمن بل إنما تشاءم منهم أربعة و بقى باليمن ستة و هم مذحج و كندة و أنمار و الأشعريون و أنمار هو أبو خثعم و بجيلة و حمير فهؤلاء ست قبائل من سبأ أقاموا باليمن و استمر فيهم الملك والتبابعة حتى سلبهم ذلك ملك الحبشة بالجيش الذي بعثه صحبا أميريه أبرهة و أرباط نحوا من سبعين سنة ثم استرجعه سيف بن ذي يزن الحميري و كان ذلك قبل مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم بقليل كما سنذكره مفصلا قريبا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان
ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أهل اليمن عليا و خالد بن الوليد ثم أبا موسى الأشعري و معاذ بن جبل و كانوا يدعون إلى الله تعالى و يبينون لهم الحجج ثم تغلب على اليمن الأسود العنسي و أخرج نواب رسول الله صلى الله عليه و سلم منها فلما قتل الأسود استقرت اليد الإسلامية عليها في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه

(1/13)


المتقدم ذكره اللخمي كذا ذكره ابن إسحاق و قال السهيلي : و نساب اليمن تقول : نصر بن ربيعة و هو ربيعة بن نصر الحارث بن نمارة بن لخم و قال الزبير ابن بكار : ربيعة بن مالك بن شعوذ بن ملك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم و لخم أخو جذام و سمى لخما لأنه لخم أخاه على خده أي لطمه فعضه الآخر في يده فجذمها فسمى جذاما
و كان ربيعة أحد ملوك حمير التبابعة و خبره مع شق و سطيح الكاهنين و إنذارهما بوجود رسول الله صلى الله عليه و سلم
أما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان و أما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس بن عبقر بن أنمار بن نزار و منهم من يقول أنمار بن إراش بن لحبان بن عمرو بن الغوث بن نابت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ و يقال إن سطيحا كان لا أعضاء له و إنما كان مثل السطيحة و وجهه في صدره و كان إذا غضب انتفخ و جلس و كان شق نصف إنسان و يقال إن خالد بن عبد الله القسري كان من سلالته و ذكر السهيلي أنهما ولدا في يوم واحد وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية و يقال إنها تفلت في فم كل منهما فورث الكهانة عنها و هي امرأة عمر بن عامر المتقدم ذكره و الله أعلم
قال محمد بن إسحاق : و كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة فرأى رؤيا هالته و فظع بها فلم يدع كاهنا و لا ساحرا و لاعائفا و لا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم : إني قد رأيت رؤيا هالتني و فظعت بها فأخبروني بها و بتأويلها فقالوا : اقصصها علينا نخبرك بتأويلها فقال : إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأوليها لأنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها فقال له رجل منهم : فإن كان الملك يريد هذا فليبعث شق و سطيح فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه
فبعث إليهما فقدم إليه سطيح قبل شق فقال له : إني قد رأيت رؤيا هالتني و فظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها فقال أفعل رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة فقال له الملك : ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها ؟ قال : أحلف بما بين الحرتين من حنش لتهبطن أرضكم الحبشة فليملكن ما بين أبين إلى جرش فقال له الملك : يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده ؟ فقال : لا و أبيك بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال : أفيدوم ذلك من سلطانهم أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع لبضع و سبعين من السنين ثم يقتلون و يخرجون منها هاربين قال و من يلي ذلك من قتلهم و إخراجهم ؟ قال يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن قال : أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع قال و من يقطعه ؟ قال : نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي قال و ممن هذا النبي ؟ قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال و هل للدهر من آخر ؟ قال : نعم يوم يجمع فيه الأولون و الآخرون يسعد فيه المحسنون و يشق فيه المسيئون قال أحق ما تخبرني ؟ قال : نعم و الشفق و الغسق و الفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق
قال : ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح و كتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال : نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة و أكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا و أن قولهما واحد إلا أن سطيحا قال [ وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة ] و قال شق : [ وقعت بين روضة و أكمة فأكلت منها كل ذات نسمة ] فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها ؟ فقال : أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان و ليملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك : و أبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده ؟ قال لا بل بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن و يذيقهم أشد الهوان قال : و من هذا العظيم الشأن ؟ قال غلام ليس بدني و لا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع قال : بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين و الفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال و ما يوم الفصل ؟ قال : يوم يجزى فيه الولاة يدعى فيه من السماء بدعوات تسمع منها الأحياء و الأموات و يجمع الناس فيه للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز و الخيرات قال أحق ما تقول ؟ قال إي و رب السماء و الأرض و ما بينهما من رفع و خفض إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض قال ابن اسحاق : فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه و أهل بيته إلى العراق و كتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاد فأسكنهم الحيرة
قال ابن اسحاق : فمن بقية ولد ربيعة بن نصر : النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر يعني الذي كان نائبا على الحيرة لملوك الأكاسرة و كانت العرب تفد إليه و تمتدحه و هذا الذي قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس
و قد روى ابن إسحاق أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جيء بسيف النعمان بن المنذر سأل جبير بن مطعم عنه ممن كان ؟ فقال من أشلاء قنص بن معد بن عدنان قال ابن إسحاق : فالله أعلم أي ذلك كان

(1/14)


قصة تبع أبي كرب تبان أسعد ملك اليمن مع أهل المدينة و كيف أراد غزو البيت الحرام ثم شرفه و عظمه و كساه الحلل فكان أول من كساه
قال ابن إسحاق فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب و تبان أسعد هو تبع الآخر ابن كلكى كرب بن زيد و زيد تبع الأول بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة بن المنار بن الرائش بن عدي بن صيفي بن سبأ الأصغر بن كعب كهف الظلم بن زيد بن سهل بن مرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث ابن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج و العرنجج هو حمير بن سبأ الأكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان
قال عبد الملك بن هشام : سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان
قال ابن إسحاق : و تبان أسعد أبو كرب هو الذي قدم المدينة و ساق الحبرين من يهود إلى اليمن و عمر البيت الحرام و كساه و كان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر و كان قد جعل طريقه حين رجع من غزوة بلاد المشرق على المدينة و كان قد مر بها في بدأته فلم يهج أهلها و خلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة فقدمها و هو مجمع لإخرابها و استئصال أهلها و قطع نخلها فجمع له هذا الحي من الأنصار و رئيسهم عمرو بن طلة أخو بنى النجار ثم أحد بني عمرو بن مبذول و اسم مبذول عامر بن مالك ابن النجار و اسم النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر
و قال ابن هشام : عمرو بن طلة هو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار و طلة أمه و هي بنت عامر بن زريق الخزرجية
قال ابن إسحاق : و قد كان رجل من بني عدي بن النجار يقال له أحمر عدا على رجل من أصحاب تبع وجده يجد عذقا له فضربه بمنجله فقتله و قال : إنما التمر لمن أبره فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم فاقتتلوا
فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار و يقرونه بالليل فيعجبه ذلك منهم و يقول : و الله إن قومنا لكرام !
و حكى ابن إسحاق عن الأنصار أن تبعا إنما كان حنقه على اليهود و أنهم منعوهم منه
قال السهيلي : و يقال إنه إنما جاء لنصرة الأنصار أبناء عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في المدينة على شروط فلم يفوا بها و استطالوا عليهم و الله أعلم
قال ابن إسحاق : فبينا تبع على ذلك من قتالهم إذا جاءه حبران من أحبار اليهود من بني قريظة عالمان راسخان حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة و أهلها فقالا له : أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك و بينها و لم نأمن عليك عاجل العقوبة فقال لهما و لم ذلك ؟ قالا هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان تكون داره و قراره
فتناهى عن ذلك و رأى أن لهما علما و أعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة و اتبعهما على دينهما قال ابن إسحاق : و كان تبع و قومه أصحاب أوثان يعبدونها فتوجه إلى مكة و هي طريقه إلى اليمن حتى إذا كان بين عسفان و أمج أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان فقالوا له : أيها الملك ألا ندلك على بيت مال دائر أغفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ و الزبرجد و الياقوت و الذهب و الفضة ؟ قال : بلى قالوا : بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده
و إنما أراد الهذليون هلاكه بذلك لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك و بغى عنده
فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك فقالا له : ما أراد القوم إلا هلاكك و هلاك جندك ما نعلم بيتا لله عز و جل اتخذه في الأرض لنفسه غيره و لئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن و ليهلكن من معك جميعا قال : فماذا تأمرأنني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه ؟ قالا : تصنع عنده ما يصنع أهله تطوف به و تعظمه و تكرمه و تحلق رأسك عنده و تذلل له حتى تخرج من عنده قال فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟ قالا : أما و الله إنه لبيت أبينا إبراهيم عليه السلام و إنه لكما أخبرناك و لكن أهله حالوا بيننا و بينه بالأوثان التي نصبوها حوله و بالدماء التي يهريقون عنده و هم نجس أهل شرك أو كما قالا له
فعرف نصحهما و صدق حديثهما و قرب النفر من هزيل فقطع أيديهم و أرجلهم ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت و نحر عنده و حلق رأسه و أقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس و يطعم أهلها و يسقيهم العسل و أري في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف ثم أري في المنام أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء و الوصائل فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت و أوصى به ولاته من جرهم و أمرهم بتطهيره و أن لا يقربوه دما و لا ميتة و لا مثلاة و هي المحايض و جعل له بابا و مفتاحا
ففي ذلك قالت سبيعة بنت الأحب تذكر ابنها خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب و تنهاه عن البغي بمكة و تذكر له ما كان من أمر تبع فيها :
( أبني لا تظلم بمكـ ... كة لا الصغير و لاالكبير )
( و احفظ محارمها بني و لا يغرنك الغرور )
( أبني من يظلم بمكـ ... كة يلق أطراف الشرور )
( أبني يضرب وجهه ... و يلح بخديه السعير )
( أبني قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور )
( الله آمنها و ما ... بنيت بعرصتها قصور )
( و الله آمن طيرها ... و العصم تأمن في ثبير )
( و لقد غزاها تبع ... فكسا بنيتها الحبير )
( وأذل ربي ملكه ... فيها فأوفى بالنذور )
( يمشي إليها حافيا ... بفنائها ألفا بعير )
( و يظل يطعم أهلها ... لحم المهارى و الجزور )
( يسقيهم العسل المصفـ ... فى و الرحيض من الشعير )
( و الفيل أهلك جيشه ... يرمون فيها بالصخور )
( و الملك في أقصى البلا ... د و في الأعاجم و الخزير )
( فاسمع إذا حدثت و افهم كيف عاقبة الأمور )
قال ابن إسحاق : ثم خرج تبع متوجها إلى اليمن بمن معه من الجنود و بالحبرين حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن
قال ابن إسحاق : حدثني أبو مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال : سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه و بين ذلك و قالوا : لا تدخلها علينا و قد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه و قال إنه خير من دينكم قالوا : تحاكمنا إلى النار ؟ قال : نعم
قال : و كانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأخذ الظالم و لا تضر المظلوم فخرج قومه بأوثانهم و ما يتقربون به في دينهم و خرج الحبران بمصاحفها في أعناقهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه فخرجت النار إليهم فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها و هابوها فذمرهم من حضرهم من الناس و أمروهم بالصبر لها فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان و ما قربوا معها و من حمل ذلك من رجال حمير و خرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما و لم تضرهما فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن
قال ابن إسحاق : و قد حدثني محدث أن الحبرين و من خرج من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها و قالوا : من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها ر جال حمير بأوثانهم ليردوها فدنت منهم لتأكلهم فحادوا عنها و لم يستطيعوا ردها فدنا منها الحبران بعد ذلك و جعلا يتلون التوراة و هي تنكص عنهما حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما و الله أعلم أي ذلك كان
قال ابن إسحاق : و كان رئام بيتا لهم يعظمونه و ينحرون عنده و يكلمون منه إذ كانوا على شركتهم فقال الحبران لتبع : إنما هو شيطان يفتنهم بذلك فخل بيننا و بينه قال فشأنكما به فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود فذبحاه ثم هدما ذلك البيت فبقاياه اليوم ـ كما ذكر لي ـ بها آثار الدماء التي كانت تهراق عليه و قد ذكرنا في التفسير الحديث الذي ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم [ لا تسبوا تبعا فإنه قد كان أسلم ] قال السهيلي : و روى معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ لا تسبوا أسعد الحميري فإنه أول من كسى الكعبة ] قال السهيلي : و قد قال تبع حين أخبره الحبران عن رسول صلى الله عليه و سلم شعرا :
( شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله بارى النسم )
( فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له و ابن عم )
( و جاهدت بالسيف أعداءه ... و فرجت عن صدره كل هم )
قال : و لم يزل هذا الشعر تتوارثه الأنصار و يحفظونه بينهم و كان عند أبي أيوب الأنصاري رضى الله عنه و أرضاه
قال السهيلي : و ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب القبور أن قبرا حفر بصنعاء فوجد فيه امرأتان معهما لوح من فضة مكتوب بالذهب و فيه : هذا قبر لميس و حبى ابنتي تبع ماتتا و هما تشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و على ذلك مات الصالحون قبلهما

(1/18)


ثم صار الملك فيما بعد إلى حسان بن تبان أسعد و هو أخو اليمامة الزرقاء التي صلبت على باب مدينة جو فسميت من يومئذ اليمامة
قال ابن إسحاق : فلما ملك ابنه حسان بن أبي كرب تبان أسعد سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب و أرض الأعاجم حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق كرهت حمير و قبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم فكلموا أخا لهم له يقال له عمرو و كان معه في جيشه فقالوا له : اقتل أخاك حسان و نملكك علينا وترجع بنا إلى بلادنا فأجابهم فاجتمعوا على ذلك إلا ذا رعين الحميري فإنه نهى عمرا عن ذلك فلم يقبل منه فكتب ذو رعين رقعة فيها هذان البيتان :
( ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين )
( فإما حمير غدرت و خانت ... فمعذرة الإله لذي رعين )
ثم استودعها عمرا فلما قتل عمرو أخاه حسان و رجع إلى اليمن منع منه النوم و سلط عليه السهر فسأل الأطباء و الحزاة من الكهان و العرافين عما به فقيل له : إنه و الله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا إلا ذهب نومه و سلط عليه السهر فعند ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه فلما خلص إلى ذي رعين قال له : إن لي عندك براء ة قال و ما هي ؟ قال : الكتاب الذي دفعته إليك فأخرجه فإذا فيه البيتان فتركه و رأى أنه قد نصحه
و هلك عمرو فمرج أمر حمير عند ذلك و تفرقوا

(1/24)


و قد ملكها سبعا و عشرين سنة
قال ابن اسحاق : فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر فقتل خيارهم و عبث ببيوت أهل المملكة منهم و كان مع ذلك امرأ فاسقا يعمل عمل قوم لوط فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه و من حضر من جنده قد أخذ مسواكا فجعله في فيه ليعلمهم أنه قد فرغ منه
حتى بعث إلى زرعة ذي نواس بن تبان أسعد أخي حسان و كان صبيا صغيرا حين قتل أخوه حسان ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة و عقل فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه فأخذ سكينا حديدا لطيفا فخبأه بين قدميه و نعله ثم أتاه فلما خلا معه وثب إليه فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله ثم حز رأسه فوضعه في الكوة التي كان يشرف منها و وضع مسواكه في فيه ثم خرج على الناس فقالوا له : ذا نواس أرطب أم يباس ؟ فقال سل نخماس استرطبان لا باس فنظروا إلى الكوة فإذا رأس لخنيعة مقطوع فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه فقالوا : ما ينبغي أن يملكنا غيرك إذا أرحتنا من هذا الخبيث

(1/25)


فملكوه عليهم و اجتمعت عليه حمير و قبائل اليمن فكان آخر ملوك حمير و تسمى يوسف فأقام في ملكه زمانا و بنجران بقايا من أهل دين عيسى ابن مريم عليه السلام على الإنجيل أهل فضل و استقامة من أهل دينهم لهم رأس يقال له عبد الله ابن الثامر

(1/26)


ثم ذكر ابن إسحاق سبب دخول أهل نجران في دين النصارى و أن ذلك كان على يدي رجل يقال له فيميون كان من عباد النصارى بأطراف الشام و كان مجاب الدعوة و صحبه رجل يقال له صالح فكانا يتعبدان يوم الأحد و يعمل فيميون بقية الجمعة في البناء و كان يدعو للمرضى و الزمنى و أهل العاهات فيشفون ثم استأسره و صاحبه بعض الأعراب فباعوهما بنجران فكان الذي اشترى فيميون يراه إذا قام في مصلاه بالبيت الذي هو فيه في الليل يمتلئ عليه البيت نورا فأعجبه ذلك من أمره
و كان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلقون عليها حلي نسائهم و يعكفون عندها فقال فيميون لسيده : أرأيت إن دعوت الله على هذه الشجرة فهلكت أتعلمون أن الذي أنتم عليه باطل قال : نعم فجمع له أهل نجران و قام فيميون إلى مصلاه فدعا الله عليها فأرسل الله عليها قاصفا فجعفها من أصلها و رماها إلى الأرض فاتبعه أهل نجران على دين النصرانية و حملهم على شريعة الإنجيل حتى حدثت فيهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض
فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب
ثم ذكر ابن إسحاق قصة عبد الله بن الثامر حين تنصر على يدي فيميون و كيف قتله و أصحابه ذو نواس وخد لهم الأخدود قال ابن هشام : و هو الحفر المستطيل في الأرض مثل الخندق و أجج فيه النار و حرقهم بها و قتل آخرين حتى قتل قريبا من عشرين ألفا كما هو مستقصى في تفسير سورة { و السماء ذات البروج } من كتابنا التفسير و لله الحمد

(1/26)


كما أخبر بذلك شق و سطيح الكاهنان و ذلك أنه لم ينج من أهل نجران إلا رجل واحد يقال له دوس ذو ثعلبان على فرس له فسلك الرمل فأعجزهم فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر ملك الروم فاستنصره على ذي نواس و جنوده و أخبره بما بلغ منهم و ذلك لأنه نصراني على دينهم فقال له بعدت بلادك منا و لكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين و هو أقرب إلى بلادك فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره
فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة و أمر عليهم رجل منهم يقال له أرياط و معه في جنده أبرهة الأشرم فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن و معه دوس و سار إليه ذو نواس في حمير و من أطاعه من قبائل اليمن فلما التقوا انهزم ذو نواس و أصحابه فلما رأى ذو نواس ما نزل به و بقومه وجه فرسه في البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح حتى أفضى به إلى غمرة فأدخله فيها فكان آخر العهد به و دخل أرياط اليمن و ملكها
و قد ذكر ابن إسحاق هاهنا أشعارا للعرب فيما وقع من هذه الكائنة الغريبة و فيها فصاحة و حلاوة و بلاغة و طلاوة و لكن تركنا إيرادها خشية الإطالة و خوف الملالة و الله المستعان

(1/27)


قال ابن إسحاق : فأقام أرياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعه أبرهة حتى تفرقت الحبشة عليهما فانحاز إلى كل منهما طائفة ثم سار أحدهم إلى الآخر فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط : إنك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا : فابرز لي و أبرز لك فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده فأرسل إليه أرياط : أنصفت
فخرج إليه أبرهة و كان رجلا قصيرا لحيما و كان ذا دين في النصرانية و خرج إليه أرياط و كان رجلا جميلا عظيما طويلا و في يده حربة له و خلف أبرهة غلام يقال له عتودة يمنع ظهره فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه و عينه و أنفه و شفته فبذلك سمي أبرهة الأشرم و حمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله و انصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن و ودى أبرهة أرياط
فلما بلغ ذلك النجاشي ملك الحبشة الذي بعثهم إلى اليمن غضب غضبا شديدا على أبرهة و قال : عدا على أميري فقتله بغير أمري ! ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده و يجز ناصيته
فحلق أبرهة رأسه و ملأ جراب من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي ثم كتب إليه : أيها الملك إنما كان أرياط عبدك و أنا عبدك فاختلفنا في أمرك و كل طاعته لك إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة و أضبط لها و أسوس منه و قد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك و بعثت إليه بجراب تراب من أرضي ليضعه تحت قدمه فيبر قسمه في
فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضى عنه و كتب إليه أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فأقام أبرهة باليمن

(1/28)


كما قال الله تعالى { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل و أرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول }
قيل أول من ذلل الفيلة إفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك قاله الطبري و هو أول من اتخذ للخيل السرج و أما أول من سخر الخيل و ركبها فطهمورث و هو الملك الثالث من ملوك الدنيا و يقال إن أول من ركبها إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام و يحتمل أنه أول من ركبها من العرب و الله تعالى أعلم
و يقال إن الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود بإحضار سنانير إلى حومة الوغى فنفرت الفيلة
قال ابن إسحاق : ثم إن أبرهة بني القليس بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض و كتب إلى النجاشي : إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك و لست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب
فذكر السهيلي أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة و سخرهم فيها أنواعا من السخر و كان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة و جعل ينقل إليها من قصر بلقيس رخاما و أحجارا و أمتعة عظيمة و ركب فيها صلبانا من ذهب و فضة و جعل فيها منابر من عاج و أبنوس و جعل ارتفاعها عظيما جدا و اتساعها باهرا فلما هلك بعد ذلك أبرهة و تفرقت الحبشة كان من يتعرض لأخذ شيء من بنائها و أمتعتها أصابته الجن بسوء و ذلك لأنها كانت مبنية على اسم صنمين و كعيب و امرأته و كان طول كل منهما ستون ذراعا فتركها أهل اليمن على حالها فلم تزل كذلك إلى زمن السفاح أول خلفاء بني العباس فبعث إليها جماعة من أهل العزم و الحزم و العلم فنقضوها حجرا حجرا و درست آثارها إلى يومنا هذا
قال ابن إسحاق : فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي غضب رجل من النسأة من كنانة الذين ينسئون شهر الحرام إلى الحل بمكة أيام الموسم كما قررنا ذلك عند قوله [ إنما النسىء زيادة في الكفر ] قال ابن إسحاق : فخرج الكناني حتى أتى القليس فقعد فيها أي أحدث حيث لا يراه أحد ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر أبرهة بذلك فقال من صنع هذا ؟ فقيل له : صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجه العرب بمكة لما سمع بقولك أنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا فغضب فجاء فقعد فيها أي أنه ليس لذلك بأهل
فغضب أبرهة عند ذلك و حلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه ثم أمر الحبشة فتهيأت و تجهزت ثم سار و خرج معه بالفيل و سمعت بذلك العرب فأعظموه و فظعوا به و رأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام
فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن و ملوكهم يقال له ذو نفر فدعا قومه و من أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة و جهاده عن بيت الله الحرام و ما يريد من هدمه و إخرابه فأجابه من أجابه إلى ذلك ثم عرض له فقاتله فهزم ذو نفر و أصحابه و أخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا فلما أراد قتله قال له ذو نفر : أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من القتل فتركه من القتل و حبسه عنده في وثاق و كان أبرهة رجلا حليما
ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم عرض نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم و هما شهران و ناهس و من تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة و أخذ له نفيل أسيرا فأتى به فلما هم بقتله قال له نفيل : أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب و هاتان يداي لك على قبيلى خثعم شهران و ناهس بالسمع و الطاعة فخلى سبيله و خرج به معه يدله
حتى إذا أمر بالطائف خرج إليه مسعود بن متعب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف فقالوا له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف و ليس بيتنا هذا البيت الذي تريد يعنون اللات إنما تريد البيت الذي بمكة و نحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز عنهم قال ابن إسحاق : و اللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة قال : فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة فخرج أبرهة و معه أبو رغال حتى أنزله بالمغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت قبره العرب فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس و في قصة ثمود أن أبا رغال كان رجلا منهم وكان يمتنع بالحرم فلما خرج منه أصابه حجر فقتله و أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه : [ و آية ذلك أنه دفن معه غصنان من ذهب ] فحفروا فوجدوهما قال و هو أبو ثقيف
قلت : و الجمع بين هذا و بين ما ذكر ابن إسحاق أن أبا رغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى و رجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضا و الله أعلم و قد قال جرير :
( إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجمكم لقبر أبي رغال )
الظاهر أنه الثاني
قال ابن إسحاق : فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجل من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال تهامة من قريش و غيرهم و أصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم و هو يومئذ كبير قريش و سيدها فهمت قريش و كنانة و هذيل و من كان بذلك الحرم بقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك
و بعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة و قال له : سل عن سيد أهل هذا البلد و شريفهم ثم قل له إن الملك إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم فإن هو لم يرد حربي فائتني به
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش و شريفها فقيل له : عبد المطلب بن هاشم فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة
فقال له عبد المطلب : و الله ما نريد حر به و ما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام و بيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال فإن يمنعه منه فهو حرمه و بيته و إن يخل بينه و بينه فو الله ما عندنا دفع عنه
فقال له حناطة : فانطلق معي إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك
فانطلق معه عبد المطلب و معه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر و كان له صديقا حتى دخل عليهم و هو في محبسه فقال له : يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا ؟
فقال له ذو نفر : و ما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ! ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي فأرسل إليه و أوصيه بك و أعظم عليه حقك و أسأله أن يستأذن لك على الملك فنكلمه بما بدا لك و يشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك
فقال : حسبي
فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له : إن عبد المطلب سيد قريش و صاحب عين مكة يطعم الناس بالسهل و الوحوش في رؤوس الجبال و قد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه و انفعه عنده بما استطعت قال : أفعل
فكلم أنيس أبرهة فقال له : أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك و هو صاحب عين مكة و هو الذي يطعم الناس بالسهل و الوحوش في رؤوس الجبال فائذن له عليك فليكلمك في حاجته فأذن له أبرهة قال : و كان عبد المطلب أوسم الناس و أعظمهم و أجملهم فلما رآه أبرهة أجله و أكرمه عن أن يجلسه تحته و كره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه و أجلسه معه عليه إلى جانبه ثم قال لترجمانه : قل له حاجتك ؟ فقال له ذلك الترجمان فقال حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه : قل له : لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك و تترك بيتا هو دينك و دين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه ! ؟
فقال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل و إن للبيت ربا سيمنعه
فقال : ما كان ليمتنع مني قال : أنت و ذاك فرد على عبد المطلب إبله
قال ابن إسحاق : و يقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يعمر بن نفاثة ابن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة سيد بني بكر و خويلد بن وائلة سيد هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم و لا يهدم البيت فأبى عليهم ذلك فالله أعلم أكان ذلك أم لا
فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر و أمرهم بالخروج من مكة و التحرز في رؤوس الجبال ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة و قام معه نفر من قريش يدعون الله و يستنصرونه على أبرهة و جنده و قال عبد المطلب و هو آخذ بحلقة باب الكعبة :
( لا هم إن العبد يمـ ... نع رحله فامنع رحالك )
( لا يغلبن صليبهم ... و محالهم غدوا محالك )
( إن كنت تاركهم و قبـ ... لتنا فأمر ما بدا لك )
قال ابن هشام : هذا ما صح له منها
قال ابن إسحاق : ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة و انطلق هو و من معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة و هيأ فيله و عبى جيشه و كان اسم الفيل محمودا
فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال : ابرك محمود و ارجع راشدا من حيث أتيت فإنك في بلد الله الحرام و أرسل أذنه فبرك الفيل
قال السهيلي : أي سقط إلى الأرض و ليس من شأن الفيلة أن تبرك و قد قيل إن منها ما يبرك كالبعير فالله أعلم
و خرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل و ضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول و وجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك و وجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك و وجهوه إلى مكة فبرك
و أرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخظاطيف و البلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره و حجران في رجليه أمثال الحمص و العدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك و ليس كلهم أصابت
و خرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا و يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل في ذلك :
( ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمنا كم مع الإصباح عينا )
( ردينة لو رأيت فلا تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا )
( إذا لعذرتني و حمدت أمري ... و لم تأسى على ما فات بينا )
( حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... و خفت حجارة تلقى علينا )
( و كل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا )
قال ابن إسحاق : فخرجوا يتساقطون بكل طريق و يهلكون بكل مهلك على كل منهل و أصيب أبرهة في جسده و خرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة كلما سقطت أنملة اتبعتها منه مدة تمث قيحا و دما حتى قدموا به صنعاء و هو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون
قال ابن إسحاق : حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة و الجدري بأرض العرب ذلك العام و أنه أول ما رؤي بها مرائر الشجر : الحرمل و الحنظل و العشر ذلك العام
قال ابن إسحاق : فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم كان مما يعدد الله على قريش من نعمته عليهم و فضله ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم و مدتهم فقال تعالى : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل و أرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول } ثم شرع ابن إسحاق و ابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة و التي بعدها
و قد بسطنا القول في ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى و له الحمد و المنة
قال ابن هشام : الأبابيل : الجماعات و لم تتكلم لها العرب بواحد علمناه
قال : و أما السجيل فأخبرني يونس النحوي و أبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب
قال : و زعم بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتها العرب كلمة واحدة و أنها سنج و جل فالسنج : الحجر و الجل : الطين يقول الحجارة من هذين الجنسين الحجر و الطين قال : و العصف : ورق الزرع الذي لم يقصب
و قال الكسائي : سمعت بعض النحويين يقول واحد الأبابيل إبيل
و قال كثيرون من السلف : الأبابيل : الفرق من الطير التي يتبع بعضها بعضا من ههنا و ههنا
و عن ابن عباس : كان لها خراطيم كخراطيم الطير و أكف كأكف الكلاب
و عن عكرمة كانت رؤوسها كرؤوس السباع خرجت عليهم من البحر و كانت خضرا
و قال عبيد بن عمير : كانت سودا بحرية في مناقيرها و أكفها الحجارة
و عن ابن عباس : كانت أشكالها كعنقاء مغرب و عن ابن عباس كان أصغر حجر منها كرأس الإنسان و منها ما هو كالإبل و هكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق و قيل : كانت صغارا و الله أعلم و قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير قال لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار : حجرين في رجليه و حجرا في منقاره قال فجاءت حتى صفت على رءوسهم ثم صاحت و ألقت ما في رجليها و مناقيرها فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره و لا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر و بعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا
و قد تقدم أن ابن إسحاق قال : و ليس كلهم أصابته الحجارة يعني بل رجع منهم راجعون إلى اليمن حتى أخبروا أهلهم بما حل بقومهم من النكال و ذكروا أن برهة رجع و هو يتساقط أنملة أنملة فلما وصل إلى اليمن انصدع صدره فمات لعنه الله
و روى ابن إسحاق قال : حدثني عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت : لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان و تقدم أن سائس الفيل كان اسمه أنيسا فأما قائده فلم يسم و الله أعلم
و ذكر النقاش في تفسيره أن السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر
قال السهيلي : و كانت قصة الفيل أول المحرم من سنة ست و ثمانين و ثمانمائة من تاريخ ذي القرنين قلت : و في عامها ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم على المشهور و قيل كان قبل مولده بسنين كما سنذكر إن شاء الله تعالى و به الثقة

(1/29)


ثم ذكر ابن إسحاق ما قالته العرب من الأشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نصر الله فيها بيته الحرام الذي يريد أن يشرفه و يعظمه و يطهره و يوقره ببعثة محمد صلى الله عليه و سلم و ما يشرع له من الدين القويم الذي أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه و سيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة و لم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش و إنما كان النصر للبيت الحرام و إرهاصا و توطئة لبعثة محمد صلى الله عليه و سلم
فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزبعري السهمي :
( تنكلوا عن بطن مكة إنها ... كانت قديما لا يزام حريمها )
( لم تخلق الشعرى ليالي حرمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها )
( سائل أمير الحبش عنها ما رأى ... فلسوف ينبي الجاهلين عليمها )
( ستون ألفا لم يئوبوا أرضهم ... بل لم يعش بعد الإياب سقيمها )
( كانت بها عاد و جرهم قبلهم ... و الله من فوق العباد يقيمها )
و من ذلك قول أبي قيس بن الأسلت الأنصاري المدني :
( و من صنعه يوم فيل الحبو ... ش إذ كلما بعثوه رزم )
( محاجنهم تحت أقرابه ... و قد شرموا أنفه فانخرم )
( و قد جعلوا سوطه مغولا ... إذا يمموه قفاه كلم )
( فولى و أدبر أدراجه ... و قد باء بالظلم من كان ثم )
( فأرسل من فوقهم حاصبا ... فلفهم مثل لف القزم )
( تحض على الصبر أحبارهم ... و قد ثأجوا كثؤاج الغنم )
و من ذلك قول أبي الصلت ربيعة بن أبي ربيعة وهب بن علاج الثقفي قال ابن هشام : و يروى لأمية ابن أبى الصلت :
( إن آيات ربنا ثاقبات ... ما يمارى فيهن إلا الكفور )
( خلق الليل و النهار فكل ... مستبين حسابته مقدور )
( ثم يجلو النهار رب رحيم ... بمهاة شعاعها منشور )
( حبس الفيل بالمغمس حتى ... صار يحبو كأنه معقور )
( لازما حلقه الجران كما قد من صخر كبكب محدور )
( حوله من ملوك كندة أبطا ... ل ملاويث في الحروب صقور )
( خلفوه ثم ابذعروا جميعا ... كلهم عظم ساقه مكسور )
( كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة بور )
و من ذلك قول أبي قيس بن الأسلت أيضا :
( فقوموا فصلوا ربكم و تمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب )
( فعندكم منه بلاء مصدق ... غداة أبي يكسوم هادي الكتائب )
( كتيبته بالسهل تمشي و رجله ... على القاذفات في رؤوس المناقب )
( فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم ... جنود المليك بين ساف و حاصب )
( فولوا سراعا هاربين و لم يؤب ... إلى أهله ملحبش غير عصائب )
و من ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات في عظمة البيت و حمايتة بهلاك من أراده بسوء :
( كاده الأشرم الذي جاء بالفيـ ... ل فولى و جيشه مهزوم )
( و استهلت عليهم الطير بالجنـ ... دل حتى كأنه مرجوم )
( ذاك من يغره من الناس يرجع ... و هو فل من الجيوش ذميم )

(1/39)


قال ابن إسحاق و غيره : فلما هلك أبرهة ملك الحبشة بعده ابنه يكسوم ثم من بعده أخوه مسروق ابن أبرهة و هو آخر ملوكهم و هو الذي انتزع سيف بن ذي يزن الحميري الملك من يده بالجيش الذين قدم بهم من عند كسرى أنوشروان كما سيأتي بيانه
و كانت قصة الفيل في المحرم سنت ست ثمانين و ثمانمائة من تاريخ ذي القرنين و هو الثاني اسكندر ابن فلبس المقدوني الذي يؤرخ له الروم
و لما هلك أبرهة و ابناه و زال ملك الحبشة عن اليمن هجر القليس الذي كان بناه أبرهة و أراد صرف حج العرب إليه لجهله و قلة عقله و أصبح يبابا لا أنيس به و كان قد بناه على صنمين و هما كعيب و امرأته و كانا من خشب طول كل منهما ستون ذراعا في السماء و كانا مصحوبين من الجان و لهذا كان لا يتعرض أحد إلى أخذ شيء من بناء القليس و أمتعته إلا أصابوه بسوء فلم يزل كذلك إلى أيام السفاح أول خلفاء بني العباس فذكر له أمره و ما فيه من الأمتعة و الرخام الذي كان أبرهة نقله إليه من صرح بلقيس الذي كان باليمن فبعث إليه من خربه حجرا حجرا و أخذ جميع ما فيه من الأمتعة و الحواصل و هكذا ذكره السهيلي و الله أعلم

(1/41)


قال محمد بن إسحاق رحمه الله : فلما هلك أبرهة ملك الحبشة ابنه يكسوم بن أبرهة و به كان يكنى فلما هلك يكسوم ملك اليمن من الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة
قال : فلما طال البلاء على اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري
و هو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن ابن الهميسع بن العرنجج و هو حمير بن سبأ و كان سيف يكنى أبا مرة
حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكا إليه ما هم فيه و سأله أن يخرجهم عنه و يليهم هو و يخرج إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يشكه
فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر و هو عامل كسرى على الحيرة و ما يليها من أرض العراق فشكا إليه أمر الحبشة فقال له النعمان : إن لي على كسرى وفادة في كل عام فأقم عندي حتى يكون ذلك ففعل
ثم خرج معه فأدخله على كسرى
و كان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه و كان تاجه مثل القنقل العظيم فيما يزعمون يضرب فيه الياقوت و الزبرجد و اللؤلؤ بالذهب و الفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك و كانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشف عنه الثياب فلا يراه قبل ذلك إلا برك هيبة له
فلما دخل عليه طأطأ رأسه فقال الملك : إن هذا لأحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه !
فقيل ذلك لسيف فقال : إنما فعلت هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء
ثم قال له : أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة
قال كسرى : أي الأغربة الحبشة أم السند ؟
قال : بل الحبشة فجئتك لتنصرني و يكون ملك بلادي لك
فقال له كسرى : بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف و كساه كسوة حسنة
فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس فبلغ ذلك الملك فقال : إن لهذا لشأنا ثم بعث إليه فقال : عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس !
قال و ما أصنع بحبائك ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب و فضة يرغبه فيها
فجمع كسرى مرازبته فقال لهم : ما ترون في أمر هذا الرجل و ما جاء له ؟
فقال قائل : أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم و إن ظفروا كان ملكا ازددته
فبعث معه كسرى من كان في سجونه و كانوا ثمانمائة رجل و استعمل عليهم رجلا منهم يقال له وهرز و كان ذا سن فيهم و أفضلهم حسبا و بيتا فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان و وصل إلى ساحل عدن ست سفائن
فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه و قال له : رجلي و رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا فقال له وهرز : أنصفت
و خرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن و جمع إليه جنده فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم فقتل ابن وهرز فزاده ذلك حنقا عليهم
فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز : أروني ملكهم فقالوا له : أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء
قال : نعم قالوا : ذلك ملكهم فقال اتركوه
قال فوقفوا طويلا ثم قال علام هو ؟ قالوا قد تحول على الفرس قال : اتركوه
فتركوه طويلا ثم قال : علام هو ؟ قالوا على البغلة قال وهرز : بنت الحمار ذل و ذل ملكه إني سأرميه فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل و إن رأيتم القوم قد استداروا به و لاثوا فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم
ثم أوتر قوسه و كانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها و أمر بحاجبيه فعصبا له ثم رماه فصك الياقوتة التي بين عينيه و تغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه و نكس عن دابته و استدارت الحبشة و لاثت به و حملت عليهم الفرس فانهزموا فقتلوا و هربوا في كل وجه
و أقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتي منكسة أبدا اهدموا هذا الباب فهدم ثم دخلها ناصبا رايته

(1/42)


فقال سيف بن ذى يزن الحميرى :
( يظن الناس بالملكيـ ... ن أنهما قد التأما )
( و من يسمع بلأمهما ... فإن الخطب قد فقما )
( قتلنا القيل مسروقا ... و روينا الكثيب دما )
( و إن القيل قيل النا ... س وهرز مقسم قسما )
( يذوق مشعشعا حتى ... يفئ السبى و النعما )

(1/45)


و وفدت العرب من الحجاز و غيرها على سيف يهنئونه بعود الملك إليه و امتدحوه فكان من جملة من وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم فبشره سيف برسول الله صلى الله عليه و سلم و أخبره بما يعلم من أمره و سيأتي ذلك مفصلا فى باب البشارات به عليه الصلاة و السلام
قال ابن إسحاق : و قال أبو الصلت بن ربيعة الثقفى قال ابن هشام : و تروى لأمية ابن أبى الصلت
( ليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن ... ريم فى البحر للأعداء أحوالا )
( يمم قيصر لما حان رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذى سالا )
( ثم انثنى نحو أسرى بعد عاشرة ... من السنين يهين النفس و المالا )
( حتى أتى ببنى الأحرار يحملهم ... إنك عمرى لقد أسرعت قلقالا )
( لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن أرى لهم فى الناس أمثلا )
( غلبا مرازبة بيضا أساورة ... أسدا تربب فى الغيضات أشبالا )
( يرمون عن شدف كأنها غبط ... بزمخر يعجل المرمى إعجالا )
( أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم فى الأرض فلالا )
( فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا )
( و اشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم ... و أسبل اليوم فى برديك إسبالا )
( تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا )
يقال : إن غمدان قصر باليمن بناه يعرب بن قحطان و ملكه بعده و احتله وائلة ابن حمير بن سبأ و يقال كان ارتفاعه عشرين طبقة فالله أعلم

(1/45)


قال ابن إسحاق : و قال عدي بن زيد الحيري و كان أحد بني تميم :
( ما بعد صنعاء كان يعمرها ... ولاة ملك جزل مواهبها )
( رفعها من بني لدى قزع الـ ... مزن و تندى مسكا محاربها )
( محفوفة بالجبال دون عرى الـ ... كائد ما ترتقي غواربها )
( يأنس فيها صوت النهام إذا ... جاوبها بالعشي قاصبها )
( ساقت إليها الأسباب جند بني الـ ... أحرار فرسانها مواكبها )
( و فوزت بالبغال توسق بالـ ... حتف و تسعى بها توالبها )
( حتي رآها الأقوال من طرف الـ ... منقل مخضرة كتائبها )
( يوم ينادون آل بربر و الـ ... يكسوم لا يفلحن هاربها )
( فكان يوم باقي الحديث و زا ... لت إمة ثابت مراتبها )
( و بدل الفيج بالزرافة و الأيام خون جم عجائبها )
( بعد بني تبع نخاورة ... قد اطمأنت بها مرازبها )
قال ابن هشام : وهذا الذي عنى سطيح بقوله : [ يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن ] و الذي عنى شق بقوله : [ غلام ليس بدني و لا مدن يخرج من بيت ذي يزن ]
قال ابن إسحاق : فأقام وهرز و الفرس باليمن فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم

(1/46)


و كان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق ابن أبرهة و أخرجت الحبشة اثنتين و سبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة : أرياط ثم أبرهة ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروق بن أبرهة

(1/47)


قال ابن هشام : ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان ثم مات فأمر ابن التينجان ثم عزله عن اليمن و أمر عليها باذان و في زمنه بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال ابن هشام : فبلغني عن الزهري أنه قال : كتب كسرى إلى باذان : إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي فسر إليه فاستتبه فإن تاب و إلا فابعث إلي برأسه
فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا ] فلما أتى باذان الكتاب وقف لينتظر و قال : إن كان نبيا فسيكون ما قال فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ابن هشام : على يدي ابنه شيرويه
قلت و قال بعضهم : بنوه تمالأوا على قتله
و كسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ و هو الذي غلب الروم في قوله تعالى : { ألم غلبت الروم في أدنى الأرض } كما سيأتي بيانه
قال السهيلي : و كان قتله ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى سنة تسع من الهجرة و كان و الله أعلم لما كتب إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعوه إلى الإسلام فغضب و مزق كتابه كتب إلى نائبه باليمن يقول له ما قال و في بعض الروايات أن رسول صلى الله عليه و سلم قال لرسول باذن : [ إن ربي قد قتل الليلة ربك ] فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قتل تلك الليلة بعينها قتله بنوه لظلمه بعد عدله بعدما خلعوه و ولوا ابنه شيرويه فلم يعش بعد قتله أباه إلا ستة أشهر أو دونها
و في هذا يقول خالد بن حق الشيباني :
( و كسرى إذ تقسمه بنوه ... بأسياف كما اقتسم اللحام )
( تمخضت المنون له بيوم ... ألا ولكل حاملة تمام )
قال الزهري : فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه و إسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت الرسل من الفرس : إلى من نحن يا رسول الله ؟ قال [ أنتم منا و إلينا أهل البيت ] قال الزهري : و من ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ سلمان منا أهل البيت ]
قلت : و الظاهر أن هذا كان بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة و لهذا بعث الأمراء إلى اليمن لتعليم الناس الخير و دعوتهم إلى الله عز و جل فبعث أولا خالد بن الوليد و علي بن أبي طالب ثم أتبعها أبا موسى الأشعري و معاذ بن جبل و دانت اليمن و أهلها للإسلام و مات باذان فقام بعده ولده شهر بن باذان و هو الذي قتله الأسود العنسي حين تنبأ و أخذ زوجته كما سيأتي بيانه و أجلى عن اليمن نواب رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما قتل الأسود عادت اليد الإسلامية عليها
قال ابن هشام : و هذا هو الذي عنى به سطيح بقوله : [ نبي ذكي يأتيه الوحى من قبل العلي ] و الذي عنى شق بقوله : [ بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق و العدل بين أهل الدين و الفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل ]
قال ابن إسحاق : [ و كان في حجر باليمن فيما يزعمون كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول : لمن ملك ذمار ؟ لحمير الأخيار لمن ملك ذمار ؟ للحبشة الأشرار لمن ملك ذمار ؟ لفارس الأحرار لمن ملك ذمار ؟ لقريش التجار ]
و قد نظم بعض الشعراء هذا المعنى فيما ذكره المسعودي :
( حين شيدت ذمار قيل لمن أنـ ... ت ؟ فقال لحمير الأخيار )
( ثم سيلت من بعد ذاك فقالت ... أنا للحبش أخبث الأشرار )
( ثم قالوا من بعد ذاك لمن أنـ ... ت فقالت لفارس الأحرار )
( ثم قالوا من بعد ذاك لمن أنـ ... ت فقالت إلى قريش التجار )
و يقال : إن هذا الكلام الذي ذكره محمد بن إسحاق وجد مكتوبا عند قبر هود عليه السلام حين كشفت الريح عن قبره بأرض اليمن و ذلك قبل زمن بلقيس بيسير في أيام مالك بن ذي المنار أخي عمرو ذى الأذعار بن ذي المنار و يقال كان مكتوبا على قبر هود أيضا و هو من كلامه عليه السلام حكاه السهيلي و الله أعلم

(1/48)


و قد ذكر قصته هاهنا عبد الملك بن هشام لأجل ما قاله بعض علماء النسب : أن النعمان بن المنذر الذي تقدم ذكره في ورود سيف بن ذي يزن عليه و سؤاله في مساعدته في رد ملك اليمن إليه أنه من سلالة الساطرون صاحب الحضر و قد قدمنا عن ابن إسحاق أن النعمان بن المنذر من ذرية ربيع بن نصر و أنه روى عن جبير بن مطعم أنه من أشلاء قنص بن معد بن عدنان فهذه ثلاثة أقوال في نسبه فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر
و الحضر حصن عظيم بناه هذا الملك و هو الساطرون على حافة الفرات و هو منيف مرتفع البناء واسع الرحبة و الفناء دوره بقدر مدينة عظيمة و هو في غاية الإحكام و البهاء و الحسن و السناء و إليه يجبى ما حوله من الأقطار و الأرجاء
و اسم الساطرون : الضيزن بن معاوية بن عبيد بن أجرم من بنى سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة كذا نسبه ابن الكلبي
و قال غيره : كان من الجرامقة و كان أحد ملوك الطوائف و كان يقدمهم إذا اجتمعوا لحرب عدو من غيرهم و كان حصنه بين دجلة و الفرات
قال ابن هشام و كان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا الساطرون ملك الحضر
وقال غير ابن هشام : إنما الذي غزا صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان أذل ملوك الطوائف ورد الملك إلى الأكاسرة و أما سابور ذو الأكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل و الله أعلم ذكره السهيلي
قال ابن هشام : فحصره سنتين و قال غيره : أربع سنين
و ذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته بأرض العراق فأشرقت بنت االساطرون و كان اسمها النضيرة فنظرت إلى سابور و عليه ثياب ديباج و على رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد و الياقوت و اللؤلؤ و كان جميلا فدست إليه : أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر ؟ فقال : نعم
فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر و كان لا يبيت إلا سكران فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه و بعثت بها مع مولى لها ففتح الباب و يقال : بل دلتهم على نهر يدخل منه الماء متسع فولجوا منه إلى الحضر و يقال : بل دلتهم على طلسم كان في الحضر و كان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء و تخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء ثم ترسل فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم فيفتح الباب ففعل ذلك فانفتح الباب
فدخل سابور فقتل ساطرون و استباح الحضر و خربه و سار بها معه فتزوجها
فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تململ لا تنام فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس فقال لها سابور : أهذا الذي أسهرك ؟ قالت : نعم
قال : فما كان أبوك يصنع بك قالت : كان يفرش لي الديباج و يلبسني الحرير و يطعمني المخ و يسقيني الخمر
قال : أفكان جزاء أبيك ما صنعت به ! أنت إلي بذلك أسرع
فربطت قرون رأسها بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها

(1/50)


ففيه يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة :
( ألم تر للحضر إذ أهله ... بنعمى وهل خالد من نعم )
( أقام به شاهبور الجنو ... د حولين تضرب فيه القدم )
( فلما دعا ربه دعوة ... أناب إليه فلم ينتقم )
( فهل زاده ربه قوة ... و مثل مجاوره لم يقم )
( و كان دعا قومه دعوة ... هلموا إلي أمركم قد صرم )
( فموتوا كراما بأسيافكم ... أرى الموت يجشمه من جشم )

(1/52)


و قال عدي بن زيد في ذلك :
( و الحضر صابت عليه داهية ... من فوقه أيد مناكبها )
( ربية لم توق والدها ... لحينها إذ أضاع راقبها )
( إذ غبقته صهباء صافية ... و الخمر وهل يهيم شاربها )
( فأسلمت أهلها بليلتها ... تظن أن الرئيس خاطبها )
( فكان حظ العروس إذ جشر الصبح دماء تجري سبائبها )
( و خرب الحضر و استبيح و قد ... أحرق في خدرها مشاجبها )
و قال عدي بن زيد أيضا :
( أيها الشامت المعير بالدهـ ... ر أأنت المبرء الموفور ! )
( أم لديك العهد الوثيق من الأيام بل أنت جاهل مغرور )
( من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير ؟ ! )
( أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور ! )
( و بنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكور )
( و أخو الحضر إذ بناه و إذ دجـ ... لة تجبى إليه و الخابور )
( شاده مرمرا و جلله كلـ ... سا فللطير في ذراه وكور )
( لم يهبه ريب المنون فبان الملك عنه فبابه مهجور )
( و تذكر رب الخورنق إذ أشرف يوما و للهدى تفكير )
( سره ماله و كثرة ما يمـ ... لك و البحر معرضا و السدير )
( فارعوى قلبه و قال : و ماغبـ ... طة حي إلى الممات يصير )
( ثم أضحوا كأنهم ورق جف فألوت به الصبا و الدبور )
قلت : و رب الخورنق الذى ذكره في شعره رجل من الملوك المتقدمين وعظه بعض علماء زمانه في أمره الذى كان قد أسرف فيه وعتا و تمرد فيه و أتبع نفسه هواها و لم يراقب فيها مولاها فوعظه بمن سلف قبله من الملوك و الدول و كيف بادوا و لم يبق منهم أحد و أنه ما صار إليه عن غيره إلا و هو منتقل عنه إلى من بعده فأخذته موعظته و بلغت منه كل مبلغ فارعوى لنفسه و فكر في يومه و أمسه و خاف من ضيق رمسه فتاب و أناب و نزع عما كان فيه و ترك الملك و لبس زي الفقراء و ساح في الفلوات و حظى بالخلوات و خرج عما كان الناس فيه من أتباع الشهوات و عصيان رب السموات
و قد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الإمام موفق بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب التوابين و كذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلى في كتاب الروض الأنف المرتب أحسن ترتيب و أوضح تبين

(1/53)


و أما صاحب الحضر و هو ساطرون فقد تقدم أنه كان مقدما على سائر ملوك الطوائف و كان من زمن اسكندر بن فلبيس المقدوني اليوناني و ذلك لأنه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا و أذل مملكته و خرب بلاده و استباح بيضة قومه و نهب حواصله و مزق شمل الفرس شذر مذر عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل و لا يلتئم لهم أمر
فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في إقليم من أقاليم الأرض ما بين عربها و أعاجمها فاستمر كل ملك منهم يحمي حوزته و يحفظ حصته و يستغل محلته فإذا هلك قام ولده من بعده أو أحد قومه فاستمر الأمر كذلك قريبا من خمسمائة سنة
حتى كان أردشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه ورجعت الممالك برمتها إليه وأزال ممالك ملوك الطوائف ولم يبق منهم تالد ولا طارف وكان تأخر عليه حصار صاحب الحضر الذي كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم إذ كان رئيسهم ومقدمهم فلما مات أردشير تصدى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه كما تقدم و الله سبحانه و تعالى أعلم

(1/55)


ذكرنا إسماعيل نفسه عليه السلام مع الأنبياء و كيف كان من أمره حين احتمله أبوه إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام مع أمه هاجر فأسكنها بوادي مكة بين جبال فاران حيث لا أنيس به و لا حسيس و كان إسماعيل رضيعا ثم ذهب و تركهما هنالك عن أمر الله له بذلك ليس عند أمه سوى جراب فيه تمر و وكاء فيه ماء فلما نفذ ذلك أنبع الله لهاجر زمزم التي هي طعام طعم و شفاء سقم كما في حديث ابن عباس الطويل الذي رواه البخاري رحمه الله
ثم نزلت جرهم و هم طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الأقدمين عند هاجر بمكة على أن ليس لهم في الماء شيء إلا ما يشربون منه و ينتفعون به فاستأنست هاجر بهم
و جعل الخليل عليه السلام يطالع أمرهم في كل حين يقال إنه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه و إيابه
ثم لما ترعرع الغلام و شب و بلغ مع أبيه السعي كانت قصة الذبح و الذبيح هو إسماعيل على الصحيح
ثم لما كبر تزوج من جرهم امرأة ثم فارقها و تزوج غيرها و تزوج بالسيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي و جاءته بالبنين الاثني عشر كما تقدم ذكرهم و هم : نابت و قيذر و أذبل و مشا و مسمع و ماشى و دما و أذر و يطور و نبش و طيما و قيذما هكذا ذكره محمد بن إسحاق و غيره عن كتب أهل الكتاب و له ابنة واحدة اسمها نسمة و هي التي زوجها من ابنه أخيه العيصو بن إسحاق بن إبراهيم فولد له منها الروم و فارس و الأشبان أيضا في أحد القولين

(1/56)


ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم إلى ولديه نابت و قيذر
و كان الرئيس بعده و القائم بالأمور الحاكم في مكة و الناظر في أمر البيت و زمزم نابت بن إسماعيل و هو ابن أخت الجرهميين

(1/57)


ثم تغلبت جرهم على البيت طمعا في بني أختهم فحكموا بمكة و ما والاها عوضا عن بني إسماعيل مدة طويلة فكان أول من صار إليه البيت بعد نابت مضاض بن عمرو بن سعد بن عيبر بن نبت بن جرهم
و جرهم بن قحطان و يقال : جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح الجرهمي و كان نازلا بأعلى مكة بقعيقعان
و كان السميدع سيد قطوراء نازلا بقومه في أسفل مكة و كل منهما يعشر من مر به مجتازا إلى مكة
ثم وقع بين جرهم وقطوراء فاقتتلوا فقتل السميدع و استوثق الأمر لمضاض و هو الحاكم بمكة و البيت لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم و شرفهم و انتشارهم بمكة و بغيرها و ذلك لخؤولتهم له و لعظمه البيت الحرام
ثم صار الملك بعده إلى ابنه الحارث ثم إلى عمرو بن الحارث
ثم بغت جرهم بمكة و أكثرت فيها الفساد و ألحدوا بالمسجد الحرام حتى ذكر أن رجلا منهم يقال له إساف بن بغي و امرأة يقال لها نائلة بنت وائل اجتمعا في الكعبة فكان منه إليها الفاحشة فمسخهما الله حجرين فنصبهما الناس قريبا من البيت ليعتبروا بهما فلما طال الطال بعد ذلك بمدد عبدا من دون الله في زمن خزاعة كما سيأتي بيانه في موضعه فكان صنمين منصوبين يقال لهما إساف و نائلة

(1/57)


فلما أكثرت جرهم البغي بالبلد الحرام تمالأت عليهم خزاعة الذين كانوا نزلوا حول الحرم و كانوا من ذرية عمرو بن عامر الذى خرج من اليمن لأجل ما توقع من سيل العرم كما تقدم و قيل إن خزاعة من بنى إسماعيل فالله أعلم
و المقصود أنهم اجتمعوا لحربهم و آذنوهم بالحرب و اقتتلوا
و اعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين
فغلبت خزاعة و هم بنو بكر بن عبد مناة و غبشان و أجلوهم عن البيت

(1/58)


فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي و هو سيدهم إلى غزالي الكعبة و هما من ذهب و حجر الركن و هو الحجر الأسود و إلى سيوف محلاة و أشياء أخر فدفنها فى زمزم و طم زمزم و ارتحل بقومه فرجعوا إلى اليمن

(1/58)


و في ذلك يقول عمرو بن الحارث بن مضاض :
( و قائلة و الدمع سكب مبادر ... و قد شرقت بالدمع منها المحاجر )
( كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس و لم يسمر بمكة سامر )
( فقلت لها و القلب مني كأنما ... يلجلجه بين الجناحين طائر )
( بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي و الجدود العواثر )
( وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت و الخير ظاهر )
( و نحن ولينا البيت من بعد نابت ... بعز فما يحظى لدينا المكاثر )
( ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا ... فليس لحي غيرنا ثم فاخر )
( ألم تنكحوا من خير شخص علمته ... فأبناؤه منا و نحن الأصاهر )
( فإن تنثن الدنيا علينا بحالها ... فإن لها حالا و فيها التشاجر )
( فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك يا للناس تجري المقادر )
( أقول إذا نام الخلي و لم أنم ... أذا العرش لا يبعد سهيل وعامر )
( و بدلت منها أوجها لا أحبها ... قبائل منها حمير و يحابر )
( و صرنا أحاديثا و كنا بغبطة ... بذلك عضتنا السنون الغوابر )
( فسحت دموع العين تبكي لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر )
( و تبكي لبيت ليس يؤذي حمامه ... يظل به أمنا و فيه العصافر )
( و فيه وحوش لا ترام أنيسة ... إذا خرجت منه فليست تغادر )
قال ابن إسحاق : و قال عمرو بن الحارث بن مضاض أيضا يذكر بني بكر و غبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة :
( يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا )
( حثوا المطي و أرخوا من أزمتها ... قبل الممات و قضوا ما تقضونا )
( كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا )
قال ابن هشام : هذا ما صح له منها وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب و أنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن و لم يسم قائلها
و ذكر السهيلي لهذه الأبيات إخوة و حكي عندها حكاية معجبة و إنشادات مغربة
قال : وزاد أبو الوليد الأزرقي في كتابه فضائل مكة على هذه الأبيات المذكورة المنسوبة إلى عمرو بن الحارث بن مضاض :
( قد مال دهر علينا ثم أهلكنا ... بالبغي فيه وبز الناس ناسونا )
( و استخبروا في صنيع الناس قبلكم ... كما استبان طريق عنده الهونا )
( كنا زمانا ملوك الناس قبلكم ... بمسكن في حرام الله مسكونا )

(1/58)


قال ابن إسحاق : ثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة و كان الذى يليه منهم عمرو بن الحارث الغشبانى
و قريش إذ ذاك حلول و صرم و بيوتات متفرقون فى قومهم من بني كنان
قالوا : و إنما سميت خزاعة خزاعة لأنهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام فنزلوا بمر الظهران فأقاموا به
قال عون بن أيوب الأنصارى ثم الخزرجى فى ذلك :
( فلما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا في حلول كراكر )
( حمت كل واد من تهامة و احتمت ... بصم القنا و المرهفات البواتر )
و قال أبو المطهر إسماعيل بن رافع الأنصارى الأوسى :
( فلما هبطنا بطن مكة أحمدت ... خزاعة دار الآكل المتحامل )
( فحلت أكاريسا و شتت قنابلا ... على كل حى بين نجد وساحل )
( نفوا جرهما عن بطن مكة و احتبوا ... بعز خزاعي شديد الكواهل )
فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم حليل ابن حبشية بن سلوك بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي الذى تزوج قصي بن كلاب ابنته حبى فولدت له بنيه الأربعة : عبد الدار عبد مناف وعبد العزى و عبدا ثم صار أمر البيت إليه كما سيأتي بيانه و تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى و به الثقة
و استمرت خزاعة على ولاية البيت نحوا من ثلاثمائة سنة و قيل خمسمائة سنة و الله أعلم و كانوا مشؤمين في ولايتهم و ذلك لأن في زمانهم كان أول عبادة الأوثان بالحجاز

(1/60)


و ذلك بسبب رئيسهم عمرو بن لحي عنه الله فإنه أول من دعاهم إلي ذلك و كان ذا مال جزيل جدا يقال : إنه فقأ أعين عشرين بعيرا و ذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير
و كان من عادة العرب أن من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها لأنه يدفع بذلك العين عنها و ممن ذكر ذلك الأزرقي
و ذكر السهيلي : أنه ربما ذبح أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة و كسا عشرة آلاف حلة في كل سنة يطعم العرب و يحيس لهم الحيس بالسمن و العسل و يلت لهم السويق
قالوا : و كان قوله و فعله فيهم كالشرع المتبع لشرفه فيهم و محلته عندهم و كرمه عليهم
قال ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلي الشام في بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء و بها يومئذ العماليق و هم ولد عملاق و يقال ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا و نستنصرها فتنصرنا
فقال لهم : ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلي أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه و أمر الناس بعبادته و تعظيمه قال ابن إسحاق : و يزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل عليه السلام أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم و التمسوا الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم
فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة
حتي سلخ ذلك بهم إلي أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة و أعجبهم حتي خلفت الخلوف و نسوا ما كانوا عليه
و في الصحيح عن أبي رجاء العطاردي قال : كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب و جئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها
قال ابن إسحاق : واستبدلوا بدين إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام غيره فعبدوا الأوثان و صاروا إلي ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات
و فيهم علي ذلك بقايا من عهد إبراهيم عليه السلام يتمسكون بها من تعظيم البيت و الطواف به و الحج و العمرة و الوقوف على عرفات و المزدلفة و هدي البدن و الإهلال بالحج و العمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه
فكانت كنانة و قريش إذا أهلوا قالوا : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم و يجعلون ملكها بيده يقول الله تعالي لمحمد صلي الله عليه و سلم : { و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون } أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي

(1/61)


و قد ذكر السهيلي و غيره : أن أول من لبى هذه التلبية عمرو بن لحي و أن إبليس تبدى له في صورة شيخ فجعل يلقنه ذلك فيسمع منه و يقول كما قال و اتبعه العرب في ذلك و ثبت في الصورة أن رسول الله صلي الله عليه و سلم كان إذا سمعهم يقولون : لبيك لا شريك لك : [ قد قد ] أي حسب حسب
و قد قال البخاري : [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيي بن آدم حدثنا إسرائيل عن أبي حفص عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه و سلم قال : إن أول من سيب السوائب و عبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر و إني رأيته يجر أمعاءه في النار ]
تفرد به أحمد من هذا الوجه و هذا يقتضي أن عمرو ابن لحي هو أبو خزاعة الذي تنسب إليه القبيلة بكمالها كما زعمه بعضهم من أهل النسب فيما حكاه ابن إسحاق و غيره
و لو تركنا مجرد هذا لكان ظاهرا في ذلك بل كالنص و لكن قد جاء ما يخالفه من بعض الوجوه
فقال البخاري : [ حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري قال : سمعت سعيد بن المسيب قال : البحيرة : التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس و السائبة : التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء
قال : و قال أبو هريرة : قال النبي صلي الله عليه و سلم : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب السوائب ]
و هكذا رواه البخاري أيضا و مسلم من حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة به
ثم قال البخاري : و رواه ابن الهاد عن الزهري
قال الحاكم : أراد البخاري : [ رواه ابن الهاد عن عبد الوهاب بن بخت عن الزهري كذا قال
و قد رواه أحمد عن عمرو بن سلمة الخزاعي عن الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة : سمعت رسول الله صلي الله عليه و سلم يقول : رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار و كان أول من سيب السوائب و بحر البحيرة ]
و لم يذكر بينهما عبد الوهاب بن بخت كما قال الحاكم فالله أعلم
و قال أحمد أيضا : [ حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلي الله عليه و سلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار و هو أول من سيب السوائب ]
و هذا منقطع من هذا الوجه و الصحيح : الزهري عن سعيد عنه كما تقدم
و قوله في هذا الحديث و الذي قبله : [ الخزاعي ] يدل علي أنه ليس والد القبيلة بل منتسب إليها مع ما وقع في الرواية من قوله أبو خزاعة تصحيف من الراوي من [ أخو خزا عة ] أو أنه كان يكني بأبي خزاعة و لا يكون ذلك من باب الإخبار بأنه أبو خزاعة كلهم و الله أعلم
و قال محمد بن إسحاق : [ حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله صلي الله عليه و سلم يقول : لأكثم بن الجون الخزاعي : يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به و لا بك منه ]
فقال أكثم : عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله قال : [ لا إنك مؤمن و هو كافر إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان و بحر البحيرة و سيب السائبة و وصل الوصيلة و حمي الحامي ]
ليس في الكتب من هذا الوجه
و قد رواه ابن جرير عن هناد بن عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه و سلم بنحوه أو مثله و ليس في الكتب أيضا
و قال البخاري : [ حدثني محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكرماني حدثنا حسان ابن إبراهيم حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلي الله عليه و سلم : رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا و رأيت عمرا يجر قصبه و هو أول من سيب السوائب ]
تفرد به البخاري
و روي الطبراني من طريق صالح عن ابن عباس مرفوعا في ذلك

(1/63)


و المقصود أن عمرو بن لحي لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك فضلوا بذلك ضلالا بعيدا بينا فظيعا شنيعا
و قد أنكر الله تعالى عليهم في كتابه العزيز في غير ما آية منه فقال تعالى : { و لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا علي الله الكذب } الآية و قال تعالى : { ما جعل الله من بحيرة و لا سائبة و لا وصيلة و لا حام و لكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب و أكثرهم لا يعقلون }
و قد تكلمنا علي هذا كله مبسوطا و بينا اختلاف السلف في ذلك فمن أراده فليأخذه من ثم ولله الحمد و المنة
و قال تعالى : { و يجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون }
و قال تعالى : { و جعلوا لله مما ذرأ من الحرث و الأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم و هذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلي الله و ما كان لله فهو يصل إلي شر كائهم ساء ما يحكمون و كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شر كاؤهم ليردوهم و ليلبسوا عليهم دينهم و لو شاء الله ما فعلوه فذرهم و ما يفترون و قالوا هذه أنعام و حرث حجر لا يطعمها إلا نشاء بزعمهم و أنعام حرمت ظهورها و أنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون و قالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا و محرم علي أزواجنا و غن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم و حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا و ما كانوا مهتدين }
و قال البخاري في صحيحه : باب جهل العرب :
حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين و مائة في سورة الأنعام : { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا و ما كانوا مهتدين }
و قد ذكرنا تفسير هذه الآية و ما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي قبحه الله مصلحة و رحمة بالدواب و البهائم و هو كاذب مفتر في ذلك
و مع هذا الجهل و الضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام فيه
بل قد تابعوه فيما هو أطم من ذلك و أعظم بكثير و هو عبادة الأوثان مع الله عز و جل
و بدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم من توحيد عبادة الله وحده لا شريك له و تحريم الشرك
و غيروا شعائر الحج و معالم الدين بغير علم و لا برهان و لا دليل صحيح و لا ضعيف
و اتبعوا في ذلك من كان قبلهم من الأمم المشركين
و شابهوا قوم نوح و كانوا أول من أشرك بالله و عبد الأصنام و لهذا بعث الله إليهم نوحا و كان أول رسول بعث ينهي عن لأصنام كما في قصة نوح { و قالوا لا تذرن آلهتكم و لا تذرون ودا و لا سواعا و لا يغوث و يعوق و نسرا و قد أضلوا كثيرا و لا تزد الظالمين إلا ضلالا }
قال ابن عباس : كان هؤلاء قواما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا علي قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم و قد بينا كيفية ما كان من أممر همفي عبادتهم بما أغني عن إعادته ها هنا

(1/66)


قال ابن اسحاق و غيره : ثم صارت هذه الأصنام فى العرب بعد تبديلهم دين إسماعيل فكان ود لبنى كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة و كان منصوبا بدومة الجندل
و كان سواع لبنى هذيل بن الياس بن مدركة بن مضر و كان منصوبا بما كان يقال له رهاط
و كان يغوث لبنى أنعم من طيىء و لأهل جرش من مذحج و كان منصوبا بجرش و كان يعوق منصوبا بأرض همدان من اليمن لبني خيوان بطن من همدان
و كان نسر منصوبا بأرض حمير لقبيلة يقال لها ذو الكلاع
قال ابن إسحاق : و كان لخولان بأرضهم صنم يقال له عم أنس يقسمون له من أنعامهم و حروثهم قسما بينه و بين الله فيما يزعمون فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي قسموه له تركوه له و ما دخل في حق الله من عم أنس ردوه عليه وفيهم أنزل الله : { و جعلوا لله مما ذرأ من الحرث و الأنعام نصيبا }
قال : و كان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له سعد صخرة بفلاة من أرضهم طويلة فأقبل رجل منهم بإبل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بركته فيما يزعم فلما رأته الإبل و كانت مرعية لا تركب و كان الصنم يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهبت فى كل وجه و غضب ربها فأخذ حجرا فرماه به ثم قال : لا بارك الله فيك نفرت علي إبلي ثم خرج في طلبها حتى جمعها فلما اجتمعت له قال :
( أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد )
( و هل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا يدعو لغي و لا رشد )
قال ابن إسحاق : و كان فى دوس صنم لعمرو بن حممة الدوسي
قال : و كانت قريش قد اتخذت صنما على بئر فى جوف الكعبة يقال له هبل
و قد تقدم فيما ذكره ابن هشام أنه أول صنم نصبه عمرو بن لحي لعنه الله
قال ابن إسحاق : و اتخذوا إسافا و نائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما ثم ذكر أنهما كانا رجلا و امرأة فوقع عليها فى الكعبة فمسخهما الله حجرين
ثم قال : حدثنى عبد الله بن أبى بكر محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة أنها قالت : سمعت عائشة تقول : ما زلنا نسمع أن إسافا و نائلة كانا رجلا و امرأة من جرهم أحدثا فى الكعبة فمسخهما الله عز و جل حجرين و الله أعلم
و قد قيل إن الله لم يمهلهما حتى فجرا فيها بل مسخهما قبل ذلك فعند ذلك نصبا عند الصفا و المروة
فلما كان عمرو بن لحي نقلهما فوضعهما على زمزم و طاف الناس بهما
وفي ذلك يقول أبو طالب :
( و حيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضى السيول من إساف ونائل )
و قد ذكر الواقدي : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أمر بكسر نائلة يوم الفتح خرجت منه سوداء شمطاء تخمش و جهها و تدعو بالويل و الثبور
و قد ذكر السهيلي : أن أجا و سلمى و هما جبلان بأرض الحجاز إنما سميا باسم رجل اسمه أجا بن عبد الحي فجر بسلمى بنت حام فصلبا في هذين الجبلين فعرفا بهما قال : و كان بين أجا و سلمى صنم لطيء يقال له قلس
قال ابن إسحاق : و اتخذ أهل كل دار فى دارهم صنما يعبدونه فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره و إذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله
قال : فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم بالتوحيد قالت قريش : أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب

(1/68)


قال ابن إسحاق : و قد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت و هي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة و حجاب و تهدي لها كما تهدى الكعبة و تطوف بها كطوافها بها و تنحر عندها و هى مع ذلك تعرف فضل الكعبة عليها لأنها بناء إبراهيم الخليل عليه السلام و مسجده
و كانت لقريش و بني كنانة العزى بنخلة و كان سدنتها و حجابها بني شيبان من سليم خلفاء بني هاشم و قد خر بها خالد بن الوليد زمن الفتح كما سيأتي
قال : و كانت اللات لثقيف بالطائف و كان سدنتها و حجابها بني معتب من ثقيف و خربها أبو سفيان و المغيرة بن شعبة بعد مجيء أهل الطائف كما سيأتي
قال : و كانت مناة للأوس و الخزرج و من دان بدينهم من أهل المدينة على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد و قد خربها أبو سفيان أيضا و قيل علي بن أبي طالب كما سيأتي
قال : و كان ذو الخلصة لدوس و خثعم و بجيلة و من كان ببلادهم من العرب بتبالة و كان يقال له
الكعبة اليمانية و لبيت مكة الكعبة الشامية و قد خربه جرير بن عبد الله البجلي كما سيأتي
قال : و كان قلس لطيء و من يليها بجبلي طيء يعني أجأ و سلمى و هما جبلان مشهوران كما تقدم
قال : و كان رئام بيتا لحمير و أهل اليمن كما تقدم ذكره فى قصة تبع أحد ملوك حمير و قصة الحبرين حين خرباه و قتلا منه كلب أسود
قال : و كانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم و لها يقول المستوغر و اسمه كعب بن ربيعة بن كعب :
( و لقد شددت على رضاء شدة ... فتركتها قفرا بقاع أسحما )
( و أعان عبد الله في مكروهها ... و بمثل عبد الله أغشى المحرما )
و يقال إن المستوغر هذا عاش ثلاثمائة سنة و ثلاثين سنة و كان أطول مضر كلها عمرا و هو الذى يقول :
( و لقد سئمت من الحياة و طولها ... و عمرت من عدد السنين مئينا )
( مائة حدتها بعدها مائتان لي ... و ازدادت من عدد الشهور سنينا )
( هل ما بقي إلا كما قد فاتنا ... يوم يمر و ليلة تحدونا )
قال ابن هشام : و تروى هذه الأبيات لزهير بن جناب بن هبل
قال السهيلي : و من المعمرين الذين جازوا المائتين و الثلاثمائة : زهير هذا و عبيد ابن شرية و دغفل بن حنظلة النسابة و الربيع بن ضبع الفزاري و ذو الإصبع العدواني و نصر بن دهمان بن أشجع بن ريث بن غطفان وكان قد اسود شعره بعد ابيضاضه و تقوم ظهره بعد اعوجاجه
قال : و كان ذو الكعبات لبكر و تغلب ابني وائل و إياد بسنداد و له يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة :
( بين الخورنق و السدير و بارق ... و البيت ذي الشرفات من سنداد )
و أول هذه القصيدة :
( و لقد علمت و إن تطاول بي المدى ... أن السبيل سبيل ذي الأعواد )
( ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم و بعد إياد )
( نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد )
( أرض الخورنق و السدير و بارق ... و البيت ذي الكعبات من سنداد )
( جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد )
( و أرى النعيم و كل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى و نفاد )
قال السهيلي : الخورنق : قصر بناه النعمان الأكبر لسابور ليكون ولده فيه عنده و بناه رجل يقال له سنمار فى عشرين سنة و لم ير بناء أعجب منه فخشي أن يبني لغيره مثله فألقاه من أعلاه فقتله ففي ذلك يقول الشاعر :
( جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار و ما كان ذا ذنب )
( سوى رضفه البنيان عشرين حجة ... يعد عليه بالقرامد و السكب )
( فلما انتهى البنيان يوما تمامه ... و آض كمثل الطود و الباذخ الصعب )
( رمى بسنمار على حق رأسه ... و ذاك لعمر الله من أقبح الخطب )
قال السهيلى : أنشده الجاحظ فى كتاب الحيوان و السنمار من أسماء القمر
و المقصود أن هذه البيوت كلها هدمت لما جاء الإسلام جهز رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى كل بيت من هذه سرايا تخربه و إلى تلك الأصنام من كسرها حتى لم يبق للكعبة ما يضاهيها و عبد الله وحده لا شريك له كما سيأتي بيانه و تفصيله في مواضعه إن شاء الله تعالى و به الثقة

(1/70)


لا خلاف أن عدنان من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام

(1/74)


و اختلفوا فى عدة الآباء بينه و بين إسماعيل على أقوال كثيرة
فأكثر ما قيل أربعون أبا و هو الموجود عند أهل الكتاب أخذوه من كتاب برخيا كاتب أرميا بن حلقيا على ما سنذكره
و قيل بينهما ثلاثون و قيل عشرون و قيل خمسة عشر و قيل عشرة و قيل تسعة و قيل سبعة
و قيل إن أقل ما قيل فى ذلك أربعة لما رواه [ موسى بن يعقوب عن عبد الله بن وهب بن زمعة الزمعى عن عمته عن أم سلمة عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال معد بن عدنان بن أدد بن زند بن اليرى بن أعراق الثرى ]
قالت أم سلمة : فزند هو الهميسع و اليرى هو نابت و أعراق الثرى هو إسماعيل لأنه ا بن إبراهيم و إبراهيم لم تأكله النار كما أن النار لا تأكل الثرى
قال الدارقطنى : لا نعرف زندا إلا فى هذا الحديث و زند بن الجون و هو أبو دلامة الشاعر
قال الحافظ أبو القاسم السهيلي و غيره من الأئمة : مدة ما بين عدنان إلى زمن إسماعيل أكثر من أن يكون بينهما أربعة آباء أو عشرة أو عشرون و ذلك أن معد ابن عدنان كان عمره زمن بختنصر اثنتى عشرة سنة

(1/74)


و قد ذكر أبو جعفر الطبري و غيره أن الله تعالى أوحى فى ذلك الزمان إلى أرمياء بن حلقيا أن اذهب إلى بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على العرب و أمر الله أرمياء أن يحمل معه معد بن عدنان على البراق كي لا تصيبه النقمة فيهم فإني مستخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل
ففعل أرمياء ذلك و احتمل معدا على البراق إلى أرض الشام فنشأ مع بني إسرائيل ممن بقي منهم بعد خراب بيت المقدس و تزوج هناك امرأة اسمها معانة بنت جوشن من بني دب بن جرهم قبل أن يرجع إلى بلاده ثم عاد بعد أن هدأت الفتن و تمحضت جزيرة العرب و كان رخيا كاتب أرمياء قد كتب نسبه في كتاب عنده ليكون فى خزانة أرمياء فيحفظ نسب معد كذلك و الله أعلم

(1/74)


و لهذا كره مالك رحمه الله رفع النسب إلى ما بعد عدنان
قال السهيلي : و إنما تكلمنا فى رفع هذه الأنساب على مذهب من يرى ذلك و لم يكرهه كابن إسحاق و البخاري و الزبير بن بكار و الطبري و غيرهم من العلماء
و أما مالك رحمه الله فقد سئل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك و قال له : من أين له علم ذلك ؟ ! فقيل له : فإلى إسماعيل ؟ فأنكر ذلك أيضا و قال : و من يخبره به !

(1/75)


و كره أيضا أن يرفع في نسب الأنبياء مثل أن يقال : إبراهيم بن فلان بن فلان هكذا ذكره المعيطي في كتابه
قال : و قول مالك هذا نحو ما روي عن عروة بن الزبير أنه قال : ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان و إسماعيل
و عن ابن عباس أنه قال : بين عدنان و إسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون
و روي عن ابن عباس أيضا أنه كان إذا بلغ عدنان يقول : كذب النسابون مرتين أو ثلاثا و الأصح عن ابن مسعود مثله
و قال عمر بن الخطاب : إنما ننسب إلى عدنان
و قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه : الأنباه في معرفة قبائل الرواة : روى ابن لهيعة عن أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يقول : ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان و لا ما وراء قحطان إلا تخرصا
و قال أبو الأسود : سمعت أبا بكر سليمان بن أبي خيثمة و كان من أعلم قريش بأشعارهم و أنسابهم يقول : ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان في شعر شاعر و لا علم عالم
قال أبو عمر : و كان قوم من السلف منهم عبد الله بن مسعود و عمرو بن ميمون الأزدي و محمد بن كعب القرظي إذا تلوا { و الذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله } قالوا : كذب النسابون
قال أبو عمر رحمه الله : و المعنى عندنا في هذا غير ما ذهبوا و المراد أن من ادعى إحصاء بني آدم فإنهم لا يعلمهم إلا الله الذي خلقهم و أما أنساب العرب فإن أهل العلم بأيامها و أنسابها قد وعوا و حفظوا جماهيرها و أمهات قبائلها و اختلفوا في بعض فروع ذلك
قال أبو عمر : و الذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان قالوا : عدنان بن أدد ابن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل ابن إبراهيم الخليل عليهما السلام و هكذا ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة
قال ابن هشام : و يقال عدنان بن أد يعني عدنان بن أد بن أدد
ثم ساق أبو عمر بقية النسب إلى آدم
و أما الأنساب إلى عدنان من سائر قبائل العرب فمحفوظة شهيرة جدا لا يتمارى فيها اثنان
و النسب النبوي إليه أظهر و أوضح من فلق الصبح و قد ورد حديث مرفوع بالنص عليه كما سنورده في موضعه بعد الكلام على قبائل العرب و ذكر أنسابها و انتظامها في سلك النسب الشريف و الأصل المنيف إن شاء الله تعالى و به الثقة و عليه التكلان و لا حول و لا قوة إلا بالله العزيز الحكيم

(1/75)


و ما أحسن ما نظم النسب النبوي الإمام أبو العباس عبد الله بن محمد الناشيء في قصيدته المشهورة المنسوبة إلى ه و هي قوله :
( مدحت رسول الله أبغي بمدحه ... و فوز حظوظي من كريم المآرب )
( مدحت امرأ فاق المديح موحدا ... بأوصافه عن مبعد و مقارب )
( نبيا تسامى في المشارق نوره ... فلاحت هواديه لأهل المغارب )
( أتتنا به الأنباء قبل مجيئه ... و شاعت به الأخبار في كل جانب )
( و أصبحت الكهان تهتف باسمه ... و تنفي به رجم الظنون الكواذب )
( و أنطقت الأصنام نطقا تبرأت ... إلى الله فيه من مقال الأكاذب )
( و قالت لأهل الكفر قولا مبينا ... أتاكم نبي من لؤي بن غالب )
( و رام استراق السمع جن فزيلت ... مقاعدهم منها رجوم الكواكب )
( هدانا إلى ما لم نكن نهتدي له ... لطول العمى من واضحات المذاهب )
( و جاء بآيات تبين أنها ... دلائل جبار مثيب معاقب )
( فمنها انشقاق البدر حين تعممت ... شعوب الضيا منه رؤوس الأخاشب )
( و منها نبوع الماء بين ... بنانه و قد عدم الوراد قرب المشارب )
( فروى به جما غفيرا و أسهلت ... بأعناقه طوعا أكف المذانب )
( و بئر طغت بالماء من مس سهمه ... و من قبل لم تسمح بمذقة شارب )
( و ضرع مراه فاستدر و لم يكن ... به درة تصغي إلى كف حالب )
( و نطق فصيح من ذراع مبينة ... لكيد عدو للعداوة ناصب )
( و إخباره بالأمر من قبل كونه ... و عند بواديه بما في العواقب )
( و من تلكم الآيات وحي أتى به ... قريب المآتي مستجم العجائب )
( تقاصرت الأفكار عنه فلم يطع ... بليغا و لم يخطر علي قلب خاطب )
( حوى كل علم و احتوى كل حكمة ... و فات مرام المستمر الموارب )
( أتانا به لا عن روية مرتئ ... و لا صحف مستمل و لا وصف كاتب )
( يواتيه طورا في إجابة سائل ... و إفتاء مستفت و وعظ مخاطب )
( و إتيان برهان و فرض شرائع ... و قص أحاديث و نص مآرب )
( و تصريف أمثال و تثبيت حجة ... و تعريف ذي جحد و توقيف كاذب )
( و في مجمع النادي و في حومة الوغى ... و عند حدوث المعضلات الغرائب )
( فيأتي علي ما شئت من طرقاته ... قويم المعاني مستدر الضرائب )
( يصدق منه البعض بعضا كأنما ... يلاحظ معناه بعين المراقب )
( و عجز الورى عن أن يجيئوا بمثل ما ... وصفناه معلوم بطول التجارب )
( تأبى بعبد الله أكرم والد ... تبلج منه عن كريم المناسب )
( و شيبة ذي الحمد الذي فخرت به ... قريش علي أهل العلا و المناصب )
( و من كان يستسقي الغمام بوجهه ... و يصدر عن آرائه في النوائب )
( و هاشم الباني مشيد افتخاره ... بغر المساعي و امتنان المواهب )
( و عبد مناف و هو علم قومه اشـ ... تطاط الأماني و احتكام الرغائب )
( و إن قصيا من كريم غراسه ... لفي منهل لم يدن من كف قاضب )
( به جمع الله القبائل بعدما ... تقسمها نهب الأكف السوالب )
( و حل كلاب من ذرى المجد معقلا ... تقاصر عنه كل دان و غائب )
( و مرة لم يحلل مريرة عزمه ... سفاه سفيه أو محوبة حائب )
( و كعب علا عن طالب المجد كعبه ... فنال بأدنى السعي أعلا المراتب )
( و ألوى لؤي بالعداة فطوعت ... له همم الشم الأنوف الأغالب )
( و في غالب بأس أبي البأس دونهم ... يدافع عنهم كل قرن مغالب )
( و كانت لفهر في قريش خطابة ... يعوذ بها عند اشتجار المخاطب )
( و ما زال منهم مالك خير مالك ... و أكرم مصحوب و أكرم صاحب )
( و للنضر طول يقصر الطرف دونه ... بحيث التقى ضوء النجوم الثواقب )
( لعمري لقد أبدى كنانة قبله ... محاسن تأبى أن تطوع لغالب )
( و من قبله أبقى خزيمة حمده ... تليد تراث عن حميد الأقارب )
( و مدركة لم يدرك الناس مثله ... أعف و أعلى عن دني المكاسب )
( و إلياس كان اليأس منه مقارنا ... لأعدائه قبل اعتداد الكتائب )
( و في مضر يستجمع الفخر كله ... إذا اعتركت يوما زحوف المقانب )
( و حل نزار من رياسة أهله ... محلا تسامى عن عيون الرواقب )
( و كان معد عدة لوليه ... إذا خاف من كيد العدو المحارب )
( و ما زال عدنان إذا عد فضله ... توحد فيه عن قرين و صاحب )
( و أد ... تأدى الفضل منه بغاية و إرث حواه عن قروم أشايب )
( و في أدد حلم تزين بالحجا ... إذا الحلم أزهاه قطوب الحواجب )
( و ما زال يستعلي هميسع بالعلا ... و يتبع آ مال البعيد المراغب )
( و نبت بنته دوحة العز و ابتنى ... معاقله في مشمخر الأهاضب )
( و حيزت لقيذار سماحة حاتم ... و حكمة لقمان و همة حاجب )
( هم نسل اسماعيل صادق وعده ... فما بعده في الفخر مسعى لذاهب )
( و كان خليل الله أكرم من عنت ... له الأرض من ماش عليها و راكب )
( و تارح ما زالت له أريحية ... تبين منه عن حميد المضارب )
( و ناحور نحار العدي حفظت له ... مآثر لما يحصها عد حاسب )
( و أشرع في الهيجاء ضيغم غابة ... يقد الطلا بالمرهفات القواضب )
( و أرغو ناب في الحروب محكم ... ضنين على نفس المشح المغالب )
( و ما فالغ في فضله تلو قومه ... و لا عابر من دونهم في المراتب )
( و شالخ و ارفخشذ وسام سمت بهم ... سجايا حمتهم كل زار و عائب )
( و ما زال نوح عند ذي العرش فاضلا ... يعدده فيالمصطفين الأطايب )
( و لمك أبوه كان في الروع رائعا ... جريئا على نفس الكمي المضارب )
( و من قبل لمك لم يزل متوشلخ ... بذود العدى بالذائدات الشوازب )
( و كان لإدريس النبي منازل ... من الله لم تقرن بهمة راغب )
( و يارد بحر عند آل سراته ... أبي الخزايا مستدق المآرب )
( و كانت لمهلاييل فهم فضائل ... مهذبة من فاحشات المثالب )
( و قينان من قبل اقتنى مجد قومه ... و فاد بشأو الفضل وخد الركائب )
( و كان أنوش ناش للمجد نفسه ... و نزهها عن مرديات المطالب )
( و ما زال شيث بالفضائل فاضلا ... شريفا بريئا من ذميم المعائب )
( و كلهم من نور آدم أقبسوا ... و عن عوده أجنوا ثمار المناقب )
( و كان رسول الله أكرم منجب ... جرى فيظهور الطيبين المناجب )
( مقابلة آباؤه أمهاته ... مبرأة من فاضحات المثالب )
( عليه سلام الله في كل شارق ... ألاح لنا ضوءا و في كل غارب )
هكذا أورد القصيدة الشيخ أبو عمر بن عبد البر و شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه من شعر الأستاذ أبي العباس عبد الله بن محمد الناشيء المعروف بابن شرشير

(1/77)


أصله من الأنبار ورد بغداد ثم ارتحل إلى مصر فأقام بها حتى مات سنة ثلاث و تسعين و مائتين و كان متكلما معتزليا يحكي عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه المقالات فيما يحكي عن المعتزلة و كان شاعرا مطبقا حتى أن من جملة اقتداره على الشعر كان يعاكس الشعراء فى المعاني فينظم فى مخالفتهم و يبتكر ما لا يطيقونه من المعاني البديعة و الألفاظ البليغة حتى نسبه بعضهم إلى التهوس و الاختلاط
و ذكر الخطيب البغدادي أن له قصيدة على قافية واحدة قريبا من أربعة آلاف بيت ذكرها الناجم و أرخ وفاته كما ذكرنا
قلت : و هذه القصيدة تدل على فضيلته و براعته و فصاحته و بلاغته و علمه و فهمه و حسن لفظه و إطلاعه و اضطلاعه و اقتداره على نظم هذا النسب الشريف فى سلك شعره و غوصه على هذه المعاني التي هي جواهر نفسية من قاموس بحره فC و أثابه و أحسن مصيره و إيابه

(1/81)


و ذلك لأن عدنان ولد له ولدان معد و عك
قال السهيلي : و لعدنان أيضا ابن اسمه الحارث و آخر يقال له المذهب قال : و قد ذكر أيضا فى بنيه الضحاك و قيل إن الضحاك ابن لمعد لا ابن عدنان قال : و قيل إن عدن التى تعرف به مدينة عدن و كذلك أبين كانا ابنين لعدنان حكاه الطبري
فتزوج عك في الأشعريين و سكن في بلادهم من اليمن فصارت لغتهم واحدة فزعم بعض أهل اليمن أنه منهم فيقولون : عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد بن يغوث و يقال : عك بن عدنان بن الذيب بن عبد الله بن الأسد و يقال : الريث بدل الذيب و الصحيح ما ذكرنا من أنهم من عدنان قال عباس بن مرداس :
( و عك بن عدنان الذين تلعبوا ... بغسان حتى طردوا كل مطرد )

(1/82)


و أما معد فولد له أربعة : نزار و قضاعة و قنص و إياد و كان قضاعة بكره و به كان يكنى و قد قدمنا الخلاف فى قضاعة و لكن هذا هو الصحيح عند ابن إسحاق و غيره و الله أعلم
و أما قنص فيقال إنهم هلكوا و لم يبق لهم بقية إلا أن النعمان بن المنذر الذى كان نائبا لكسرى على الحيرة كان من سلالته على قول طائفة من السلف و قيل : بل كان من حمير كما تقدم و الله أعلم

(1/82)


و أما نزار فولد له ربيعة و مضر و أنمار قال ابن هشام : و إياد بن نزار كما قال الشاعر :
( وفتو حسن أوجهم ... من إياد بن نزار بن معد )
قال : و إياد و مضر شقيقان أمهما سودة بنت عك بن عدنان و أم ربيعة و أنمار شقيقة بنت عك بن عدنان و يقال جمعة بنت عك بن عدنان
قال ابن إسحاق : فأما أنمار فهو والد خثعم و بجيلة قبيلة جرير بن عبد الله البجلي قال : و قد تيامنت فلحقت باليمن
قال ابن هشام : و أهل اليمن يقولون أنمار بن إراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث ابن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ
قلت : و الحديث المتقدم فى ذكر سبأ يدل على هذا و الله أعلم
قالوا : و كان مضر أول من حدا و ذلك لأنه كان حسن الصوت فسقط يوما عن بعيره فوثبت يده فجعل يقول وايدياه فأعنقت الإبل لذلك

(1/82)


قال ابن إسحاق : فولد مضر بن نزار رجلين : الياس و عيلان

(1/83)


و ولد لالياس مدركة و طابخة و قمعة و أمهم خندف بنت عمران بن الحاف ابن قضاعة
قال ابن إسحاق : و كان اسم مدركة عامرا و اسم طابخة عمرا و لكن اصطادا صيدا فبيناهما يطبخانه إذ نفرت الإبل فذهب عامر فى طلبها حتى أدركها و جلس الآخر يطبخ فلما راحا على أبيهما ذكرا له ذلك فقال لعامر : أنت مدركة و قال لعمرو : أنت طابخة قال : و أما قمعة فيزعم نساب مضر أن خزاعة من ولد عمرو بن لحي بن قمعة بن الياس
قلت : و الأظهر أنه منهم لا والدهم و أنهم من حمير كما تقدم الله أعلم

(1/83)


قال ابن إسحاق : فولد مدركة خزيمة و هذيلا و أمهما امرأة من قضاعة

(1/84)


و ولد خزيمة كنانة و أسدا و أسدة و الهون

(1/84)


قال : و ولد كنانة النضر و مالكا و عبد مناة و ملكان و زاد أبو جعفر الطبري فى أبناء كنانة على هؤلاء الأربعة : عامرا و الحارث و النضير و غنما و سعدا و عوفا و جرولا و الجرال و غزوان

(1/84)


قال ابن إسحاق : و أم النضر برة بنت مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر و سائر بنيه لامرأة أخرى و خالفه ابن هشام فجعل برة بنت مر أم النضر و مالك و ملكان و أم عبد مناة هالة بنت سويد بن الغطريف من أزد شنوءة

(1/84)


قال ابن هشام : النضر هو قريش فمن كان من ولده فهو قرشي و من لم يكن من ولده فليس بقرشي قال : و يقال فهر بن مالك هو قريش فمن كان من ولده فهو قرشي و من لم يكن من ولده فليس بقرشي
و هذان القولان قد حكاهما غير واحد من أئمة النسب كالشيخ أبي عمر بن عبد البر و الزبير بن بكار و مصعب و غير واحد
قال أبو عبيد و ابن عبد البر : و الذي عليه الأكثرون أنه النضر بن كنانة لحديث الأشعث بن قيس قلت : و هو الذي نص عليه هشام بن محمد بن السائب الكلبي و أبو عبيدة معمر بن المثنى و هو جادة مذهب الشافعي رضي الله عنه
ثم اختار أبو عمر أنه فهر بن مالك و احتج بأنه ليس أحد اليوم ممن ينتسب إلى قريش إلا و هو يرجع في نسبه إلي فهر بن مالك ثم حكى اختيار هذا القول عن الزبير ابن بكار و مصعب الزبيري و علي بن كيسان قال : و إليهم المرجع في هذا الشأن وقد قال الزبير بن بكار : و قد أجمع نساب قريش و غيرهم أن قريشا إنما تفرقت من فهر بن مالك و أن من جاوز فهر بن مالك بنسبه فليس من قريش ثم نصر هذا القول نصرا عزيزا و تحامى له بأنه و نحوه أعلم بأنساب قومهم و أحفظ لمآثرهم
و قد روى البخاري من حديث كليب بن وائل قال : قلت لربيبة النبي صلي الله عليه و سلم يعني زينب بنت أبي سلمة في حديث ذكره : أخبريني عن النبي صلي الله عليه و سلم أكان من مضر ؟ قالت : فممن كان إلا من مضر من بني النضر بن كنانة
و قال الطبراني : [ حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي حدثنا الحسن بن صالح عن أبيه عن الجشيش الكندي قال : جاء قوم من كندة إلي رسول الله صلي الله عليه و سلم فقالوا : أنت منا و ادعوه فقال : لا نحن بنو النضر ابن كنانة لا نقفوا أمنا و لا ننتفي من أبينا ]
و قال الإمام أبو عثمان سعيد بن يحيي بن سعيد : [ حدثني أبي حدثنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : جاء رجل من كندة يقال له الجشيش إلي النبي صلي الله عليه و سلم : فقال يا رسول الله إنا نزعم أن عبد مناف منا فأعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك ثم أعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك
فقال النبي صلي الله عليه و سلم : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا و لا ننتفي من أبينا ]
فقال الأشعث : ألا كنت سكت من المرة الأولى !
فأبطل ذلك قولهم علي لسان نبيه صلي الله عليه و سلم
و هذا غريب أيضا من هذا الوجه و الكلبي ضعيف و الله أعلم
و قد قال الإمام أحمد : [ حدثنا بهز و عفان قالا حدثنا حماد بن سلمة قال حدثني عقيل بن أبي طلحة و قال عفان : عقيل بن طلحة السلمي عن مسلم بن الهيصم عن الأشعث بن قيس أنه قال : أتيت رسول الله صلي الله عليه و سلم في وفد كندة قال عفان : لا يروني أفضلهم قال فقلت : يا رسول الله إنا نزعم أنكم منا قال فقال رسول الله صلي الله عليه و سلم : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا و لا ننتفي من أبينا ] قال فقال الأشعث بن قيس : فو الله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد
و هكذا رواه ابن ماجة من طرق عن حماد ابن سلمة به
و هذا إسناد جيد قوي و هو فيصل في هذه المسألة فلا التفات إلى قول من خالفه و الله أعلم و لله الحمد و المنة
و قد قال جرير بن عطية التميمي يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان :
( فما الأم التي ولدت قريشا ... بمقرفة النجار و لا عقيم )
( و ما قرم بأنجب من أبيكم ... و لا خال بأكرم من تميم )
قال ابن هشام : يعني أم النضر بن كنانة و هي برة بنت مر أخت تميم بن مر

(1/84)


و أما اشتقاق قريش فقيل من التقرش و هو التجمع بعد التفرق و ذلك في زمن قصي بن كلاب فإنهم كانوا متفرقين فجمعهم بالحرم كما سيأتي بيانه و قد قال حذافة ابن غانم العدوي :
( أبوكم قصي كان يدعي مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر )
و قال بعضهم : كان قصي يقال له قريش قيل : من التجمع و التقرش التجمع كما قال أبو خلدة اليشكري :
( إخوة قرشوا الذنوب علينا ... في حديث من دهرنا و قديم )
و قيل : سميت قريش من التقرش و هو التكسب و التجارة حكاه ابن هشام رحمه الله
و قال الجوهري : القرش : الكسب و الجمع وقد قرش يقرش قال الفراء : و به سميت قريش وهي قبيلة و أبوهم النضر بن كنانة فكل من كان من ولده فهو قرشي دون ولد كنانة فما فوقه
و قيل : من التفتيش قال هشام بن الكلبي : كان النضر بن كنانة يسمى قريشا لأنه كان يقرش عن خلة الناس و حاجتهم فيسدها بماله و التقريش هو التفتيش و كان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيرفدونهم بما يبلغهم بلادهم فسموا بذلك من فعلهم و قرشهم قريشا و قد قال الحارث بن حلزة في بيان أن التقرش التفتيش :
( أيها الناطق المقرش عنا ... عند عمرو فهل له إبقاء )
حكى ذلك الزبير بن بكار
و قيل : قريش تصغير قرش و هو دابة في البحر قال بعض الشعراء :
( و قريش هي التي تسكن البحـ ... ر بها سميت قريش قريشا )
قال البيهقي : أخبرنا أبو نصر بن قتادة أنبأنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني حدثنا محمد بن الحسن بن الخليل النسوي أن أبا كريب حدثهم حدثنا وكيع بن الجراح عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي ركانة العامري أن معاوية قال لابن عباس : فلم سميت قريش قريشا ؟ فقال لدابة تكون في البحر تكون أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث و السمين إلا أكلته قال فأنشدني في ذلك شيئا فأنشده شعر الجمحي إذ يقول :
( و قريش هي التي تسكن البحـ ... ر بها سميت قريش قريشا )
( تأكل الغث و السمين و لا ... تتركن لذي الجناحين ريشا )
( هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا )
( و لهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم و الخموشا )
و قيل سموا بقريش بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة و كان دليل بني النضر و صاحب ميرتهم فكانت العرب تقول : قد جاءت عير قريش قالوا : و ابنه بدر بن قريش هو الذي حفر البئر المنسوبة إليه التي كانت عندها الوقعة العظمى يوم الفرقان يوم التقي الجمعان و الله أعلم
و يقال في النسبة إلي قريش : قريش : قرشي و قريشي قال الجوهري : و هو القياس قال الشاعر :
( لكل قريشي عليه مهابة ... سريع إلي داعي الندى و التكرم )
قال : فإذا أردت بقريش الحي صرفته وإن أردت القبيلة منعته قال الشاعر في ترك الصرف :
( و كفى قريش المعضلات و سادها )
و قد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي عمر و الأوزاعي قال : [ حدثني شداد أبو عمار حدثني واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلي الله عليه و سلم : إن الله اصطفي كنانة من ولد إسماعيل و اصطفى قريشا من كنانة و اصطفي هاشما من قريش و اصطفاني من بني هاشم ]
قال أبو عمر بن عبد البر : يقال : بنو عبد المطلب فصيلة رسول الله صلي الله عليه و سلم و بنو هاشم فخذه و بنو عبد مناف بطنه و قريش عمارته و بنو كنانة قبيلته و مضر شعبه صلوات الله و سلامه عليه دائما إلى يوم الدين

(1/87)