صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : ذيل مرآة الزمان
المؤلف : اليونيني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يؤم أحاديث الرسوم فيهتدي ... بأنوارها نحو الرشاد ويحتذى
وكن مستقيماً للجماعة تابعاً ... ومن لم يتابع سنة الله يشذذ
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم.
حيتك السنة الحيا من دار ... وكستك حلتها يد الأزهار
وتعطرت نفحات تربك كلما ... فض النسيم لطيمة الأسحار
لله ما أبقى الأحبة مودعاً ... بثراك للمشتاق من آثار
لا صرّحن اليوم فيك بلوعة ... كفلت بما في الطول ونار
ما كنت بدعا في الصبابة والأسى ... حتى أواري زفرتي وأواري
ما الحب إلا حرقة تلج الحشى ... أو مدمع جار لفرقة جار
ومصونة حوت البهاء ستورها ... سمراء يُطرب وصفها سماري
عرببية الأنساب قام بحسنها ... عذرى وطاب عليه خلع عذاري
زارت على بعد المسافة بعدما ... هوت النجوم ولات حين مزار
إني طوت شعب الفلا وديارها ... بحمى الحجاز وبالعراق دياري
أهلاً بطيف زائر أهدى لنا ... ريا ممنعة الحمى معطار
جادت بوصل وانثنت ومحبها ... عاري المعاطف من ملابس عاري
هل وقفة للركب في عرصاتها ... وله جوار في أعز جوار
فأقبل الحصباء منها مطفياً ... جمر الجوى مني برمي جمار
فهناك لا حجر ولا عارٌ على ... ذي الحجر في التقبيل للأحجار
أم عائد زمني بأجدر تربة ... بالقصد في أكناف خير جدار
ربعاً؟ به غرر العلى مبذولة ... للمشتري واللاري للمشتار
وبه تبين للقلوب حقائق ال ... أسرار بدر لم يُشن بسرار
هو أحمد المختار أحمد مرسل ... قتّال كل معاند ختار
ندب إذا بث الجياد مغيرة؟ ... علقت بحبل للثبات مغار
بيمينه في الحرب حتف الممترى ... وحياتها في السلم للممتار
غمر الندى بجلاء أعمار الورى ... متكفل وهداية الأغمار
جعل المهيمن في مسامع خصمه ... وقراً وزان صحابه بوقار
وهو المظل بالغمائم من أذى ال ... أسفار والمنعوت في الأسفار
وبه تنشر حين سار مهاجراً؟ ... للغار ذكر فاق نشر الغار
وانهل إكراماً له صوب الحيا ... والقطر محتبس عن الأقطار
فضل البرية كلها وسار به ... طود العلى في هاشم ونزار
يا هادياً شد الإله بدينه ... أزرى وشدّ على العفاف أزاري
يا من به إن عذت من سنة حمى ... أو زار في سنة محا أوزاري
يا من حباء يديه محلول الحُبا ... لسناء سارٍ أو لفك إساري
لو لم يكن مدحك من عددي لما ... أضحى شعاري صنعة الأشعار
نشر الثناء عليك أطيب نفحة ... من مسك داري يضوع بداري
ملأ المهيمن مذ قصدتك مادحاً ... يساره يمناي ثم يساري
ونفى بجاهك يا أعز وسائلي ... قتر الهوى عني مع الأقتار
وغدوت محروس الحمى من صفقة ال ... إعسار عند تواتر الأشعار
حسبي رجاءً أنني من أمة ... بك أصبحت موضوعة الآصار
أنت الزعيم لها وأنت سفيرها ... إن أقبلت من أطول الأسفار
ويزيد فيك رجاء قلبي قوةً ... أن صار بي نسب إلى الأنصار
قوم حللت بدارهم فتدرعوا ... ببدارهم لرضاك ثوب فخار
فاسأل الهك لي بعشر محرم ... جبراً لقلب واجف الأعشار
وشهادتي حق عقيب شهادة ... فيها الوفاق لأهلك الإطهار
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم.
سلوان مثلك للمحب عزيز ... وعليك لوم الصب ليس يجوز

(1/108)


قلبي ذلول في هواك ومسمعي ... فله عن العذال فيك نشوز
يا من شأى بجماله شمس الضحى ... ولقدّه دان القنا المهزوز
هل للمتيم في وصالك مطمع ... فلعله بالقرب منك يفوز
أنا عبدك الراضي برقي فارضني ... عبداً فلي في ذلك التمييز
لا أبتغي مولى سواك من الورى ... إني وجانب من ملكت حريز
لا عار يلحق في هواك لعاشق ... ومحب غيرك عرضه مغموز
لا أدعي فيك الغرام مغمغماً ... في مثل حبك يكُشف المرموز
يا سيد الأشراف يا من حبه ... في كل قلب صادر مغروز
يا خاتم الرسل الكرام ومن به ... حلل النبوة زانها التطريز
ذل الخلاف على عداتك ظاهر ... ومطيع أمرك بالقبول عزيز
أبداً وليك لا يزال مقمصاً ... عزا وضدك داحض معروز
نظم القريض بمدح غيرك نقده ... زيفٌ ونظم مديحك الأبريز
كل العروض بحسن مدحك كامل ... يحلى به المقصور والمهموز
أنت المصفى من قبائل هاشم ... بك أصبحت للمكرمات تحوز
أنت الذي رفع المهيمن قدره ... وعدوك الواهي العرى الملموز
أنت الذي بصرتنا بعد العمى ... فبنور رشدك نهتدي ونميز
أنت المخصص بالشفاعة للورى ... طراً وأنت على الصراط مجيز
برزت في نيل المقامات العلى ... ولمثل مجدك يثبت التبريز
ولقد خشيت الله أعظم خشية ... فلصدرك العطر الرحيب أزيز
ونصحت إذا بلغت نصحاً شافياً ... ما فيه لا وهن ولا تعجيز
حتى استقام الدين وارتفعت له ... عمدٌ لها في الخافقين بُروز
فأجاب واقترب المنيب المتقي ... ونأى وصد الخاسر المحجوز
كسرت جنودك قاهراً سلطانها ... كسرى وأُنفق ماله المكنوز
ولحزبك الأعلون حتى يخرج ال ... طاغي ويمنع درهم وقفيز
ولسوف يبعثك المهيمن مقعداً ... فيه لك التقريب والتعزيز
أشكو إليك جماح نفس ترتمى ... في الغي وهي عن الرشاد ضموز
مخدوعة بخداع دنيا شهدها ... سمٌ وتبدي الدر وهي عزوز
فتنت قلوب الخلق وهي فتيةً ... ودهتهم بالخدع وهي عجوز
أنا في حبائلها رهين الأسراذ ... أنا للضرورة نحوها مكزوز
فأعن ضعيفاً يتقي بك كيدها ... فلنبلها وسط القلوب حزوز
بك أستجير وأستغيث وأرتجي ... أني بجاهك في المعاد أفوز
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم.
طال في شرك المضايق حبسي ... واستقالت من العوائق نفسي
إن أرادت إلى المعالي نهوضاً ... نكستها حظوظها أي نكس
وبعيني للحقيقة شرب ... عز ورداً على حوائم خمس
ونفيس فمن الجواهر غال ... سومه جلّ أن يباع ببخس
وأرى عنه كل شيء حجاباً ... لي ولو ناظري وسمعي وحسي
أي وقت تدور كأس المعاني ... في رياض البشرى بنفحة قدس
ويهب القبول من جوه الرح ... ب لمستوحش بروح وأنس
وتجول الأسرار في حلبة العل ... م فتجلو من الهوى كل لبس
ما إلى ما وصفته من سبيل ... لأخي فطنة بحذق وحس
بل بماضي عناية وبعزم ... صادق واجتناب غير الجنس
واقتداء بشيخ صدق عليم ... سالك قد بنى على خير أس
قلدته أيدي الولاية سيفاً ... لم تباشره كف قينٍ بمس
بعد أن ألبسته من خلع القر ... ب ملأ تعلو ملأ الدمقس
هو عين السعد التي أين حلت ... من عراص الدنيا نفت كل بخس
تابع سنة الرسول بها يصبح مستمسك اليدين ويمسي

(1/109)


هي في صنجة الرجال محل ... لا يضاهي الدنيا نقداً بفلس
نقد من بهرجته زيفٌ ولو كا ... ن كبشرٍ زهداً ونطقاً كقس
سنة المصطفى سراج أضاءت ... فعلى نورها ضياء الشمس
جاء بالنور والطهارة والشر ... ع المصفى من كل غش ورجس
إن أردت الزهد الصريح فمنه ... يقبس المتقي عفاف النفس
حين رد الكنوز علما بأن ال ... مال يلهي عن المعاد ويُنسي
أو أردت الصبر الجميل ففيه ... للصبور الشكور حسن التأسي
حين آذاه أقربوه وأقصو ... ه وهموا بقتله أو بحبس
لو جزاهم بفعلهم فلقد كا ... ن عليهم جبال مكة يرس
وهو الأصل في التقى لم يباشر ... أيدياً للمبائعات بلمس
وله الصوم والوصال ولا يف ... تر في الليل عن قيام ودرس
وله الحلم والندى وندى القطر ... ضنينٌ في عام محل ويبس
وله الفقر والتوكل إذلاً ... يوجد اليوم عنده زاد أمس
معدن الخوف والرعاية الخش ... ية والشكر والرضا والأنس
وهو المؤثر الوجيه إذا قا ... ل كرام الأنام نفسي نفسي
غرس الخير للورى فلقد فا ... ز محبٌ جنى ثمار الغرس
فعليه من المهيمن أزكى ... صلوات برمسه خير رمس
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
قم فبادر قبيل رفع النعوش ... حلبة السبق ذا إزار كميش
وتدبر خلق السماء ففيها ... عبرٌ جمةً لذي التفتيش
كيف قامت بلا عماد وفكر ... في معاني ديباجها المنقوش
زُينت بالنجوم تزهر فيها ... كالقناديل أو كخط رقيش
جل من شادهن سبعاً طباقاً ... ليس في خلقهن من تشويش
جعل النيرين فيها سراجاً ... وحماها من الرجيم الغشيش
وتفكر في خلقه الأرض تنظر ... عجباً في مهادها المفروش
بث فيها من كل زوج من النا ... س وما طار من ذوات الريش
وصنوف الأنعام من رائحات ... سارحات ونافرات الوحوش
وضروب الزروع والنخل والأعناب من مهمل ومن معروش
ثم أرسا الجبال فيها إلى يو ... م تراها كعهنك المنفوش
وهو المرسل اللواقح بشرىً ... بسحاب بادي الوميض خشيش
وكسا الأرض بعد محل بروداً ... من أزاهير غضةٍ وحشيش
وأعدّ الفلك المواخر تجرين بنا فوق زاخر مستجيش
وهدانا بعد العمي فانتعشنا ... بالنبي المبجل المنعوش
والمصفى من الخليل ومن سام ... بن نوح وقينن بن أنوش
وهو عند الطوفان صاحب نوح ... والخليل الرضا بنار بن كوش
وله في المعاد رفع لواء الح ... مد إذ أنه زعيم الجيوش
وهو للأمة المجيز على متن الصراط مزلة المخدوش
كل من لم تنشه ثم يداه ... زل في النار وهو غير منوش
وهو الشافع المنجي ذوي العص ... يان من قعر جاحم مخشوش
أحمد الهاشمي أفضل خلق الل ... ه عبد صفا من التغشيش
جامع المنقبات ذو الخلق المح ... مود من بعضه حديث الجيوش
فاتح الخير والمؤيد بالأم ... لاك وهو العزيز فوق العريش
جاهد الجاحدين حتى أنابوا ... واستكانوا كالأنف المخشوش
فاستنب الإسلام في الشرق والغر ... ب إلى أن علا جبال شريش
يا غياث الملهوف يا كاشف الكر ... ب ويا مرشد البليد الدهيش
قيدتني فأوثقتني الخطايا ... ورماني الهوى بسهم مريش
حصر الكاتبان قولي وفعلي ... في كتاب محبّر مرقوش
ثم مالي وجه إليك سواه ... فاجعلن التقوى لباسي وريشي

(1/110)


وارزقني الإخلاص في ساعة المو ... ت وأنساً في لحد قبر نبيش
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
إلام على الآثام أنت حريص ... وعن طاعة الرحمن فيك نكوص
أغداً إذا أحضرتُ عريان حافياً ... وأرعد مني للحساب فريص
ولائي للهادي البشير محمد ... معاداً إليه في المعاد أحيص
أبي القاسم المختار أفضل من غدت ... تخب به نحو الحجيج قلوص
وخير مزور في البسيطة أرقلت ... إليه تجيبات ضوامر خوص
نبيٌّ له من ربه بكلامه ... ورؤيته في المرسلين خصوص
وأيده الله المهيمن بالصبا ... ورعب له في الدار عين أصيص
حليم عن الجاني رؤف مؤلف ... رحيم على نفع الأنام حريص
سراج منير ذو بلاغ وحكمة ... لما فتقت أيدي الضلال يخوص
وجاء الورى من ربه بشهادة ... فكان عليها للأنام بليص
إلى أن سمعت أنوارها مستطيلة ... فكان لها في الخافقين نشوص
ألا يا رسول الله يا من زكت له ... مناقب في العصر القديم وعيص
فيا ليتني عاينت طيفك في الكرى ... أو اقتادني سير إليك بصيص
مديحي موقوف عليك فما له ... إلى أحد إلا إليك خلوص
إذا قيل فيك الشعر جاء مهذّباً ... جلّى المعاني ليس فيه عويص
ووصفك يعطي الفهم نوراً كأنه ... على الدّر في البحر الخضّم يغوص
وذكرك يا مولاي ينفع غُلتي ... وللقلب من رجس الشكوك يموص
ويؤنسني في وحدتي وتفردي ... إذا ضمني لحد علّي لحيص
اغثني فإني في زمان خطوبه ... لها بين أحناء الرجال كصيص
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
نعم إن للبرق اليماني لوعةً ... لها بين أحناء الضلوع غموض
وإن لخفاق النسيم إذا سرى ... على الزهر المطول وهو مريض
لروحاً يهز الصب حتى كأنه ... يطير اشتياقاً والجناح مهيض
سألتك يا من أصبحت عزماته ... لها في طلاب المكرمات نهوض
تسامت مراميه فأصبحت عزماته لها ... ركاب به تجوب بحر الفلا وتخوض
إذا ما وردت الماء ماء مجنة ... وطلت عليه المطى تخوض
فعرض لأهليه بصبّ غرامه ... طويل بسكان الحجاز عريض
وقل هل لمشتاق يهيم بذكركم ... تمادت به الأيام فهو حريض
سبيل إلى عيش يقضي بقربكم ... وماضي شباب فات ليس يئيض
لقد شف قلبي الوجد نحو أحبتي ... ومالي عنهم عائض فيعوض
فليت المطايا كن يممن أرضهم ... ولو بسطت دون الفلاة أروض
لمن رفعت ما بين سلع إلى قبا ... قباب تغشتها المهابة بيض
بها منهل يروي به كل عارف ... وروض لأرباب القلوب أريض
ألا أيها الأعلام من أرض يثرب ... بها زمر الأملاك ليس تجيض
حمى رسول الله أضحى معطر ال ... عراص كأن المسك فيه يميض
نبي أجدّ الدين بعد دروسه ... وسدد سهم الرشد فهو رميض
ولاقى الأذى من قومه فهو صابر ... ومرّ إلى ذات النخيل يُفيض
فحلّ بثور غاره وعداتُه ... بكل سبيل إلى الفلاة تنوض
فعمّى عليه العنكبوت بنسجه ... وظل على الباب الحمام يبيض
أتى بالهدى والناس في سكرة الهوى ... وعندهم الأمر الحميد بغيض

(1/111)


بهم لغط لا يفقهون كأنهم ... لضعف العقول الواهيات بعوض
له في جهاد القوم درع حصينة ... وأجرد مأمون العثار ركوض
وأسمر عسّال وأبيض قاضب ... صقيل وقوس بالسهام مروض
فكم في عراص المعركات لخيله ... صريع بأطراف الرماح دحيض
إلى أن ذوى الطغيان بعد شبابه ... وأصبحج روض الدين وهو غضيض
كريم عظيم المعجزات بجاهه ... نمى الغيث خصباً والزمان عضوض
وأصبح ماء البئر من فضل ريقه الرضا ... نهراً يجري فليس يغيض
والجيش حقاً من أصابع كفه ... تدفق ماء في الإناء غريض
روى الصدى من درّ عجفاء حائل ... تمكن منها الهزل فهي رفيض
وذلت له الآساد حتى أوبسا ... على باب البقيع ربوض
فيا كاسر العدوى وجابر من سطت ... به غير الأيام فهو وهيض
تجمع فيك الفضل والفقر كله ... فلم يغلُ في وصف لديك قريض
صفاتك عقدٌ في القوافي مفصل ... تحلى به ضرب وزين عروض
مديحك ذخر في حياتي وعدةٌ ... إذا حال من دون القريض جريض
علوت به في رأس أرعن شامخ ... فلا يطبيني بعد ذاك حضيض
وكن لي مجيراً من خطوب لذي الحجى ... الكريم إلى العمر اللئيم تؤض
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
إن بان من تهوى وأنت مثبط ... وصبرت لا تبكي فأنت مفرّط
فاحلل عقود الدمع في دار الهوى ... فلها البكاء عليك حقاً يُشرط
طلّ الدموع على ثرى الأطلال في ... شرع الغرام فريضةٌ لا تسقط
دار عكفت بها وفودك فاحمٌ ... افتنتني عنها ورأسك اشمط
وإذا تمكنت الصبابة من فتىً ... لم يلو عطفيه مزارٌ يشحط
كيف التسلي عن هوى قمر له ... في القلب مني منزل متوسط
أرضي بما يختاره طوعاً ... ولو أضحى بما أرضى به يتسخّط
لم أنسه يوم التقينا بأسما ... والصدر بالأشجان مني ينحط
ففهمت من ذُلي لديه وعزّه ... أن الجمال على القلوب مسلّط
والحسن جند لا يفكّ أسيره ... وقتيله بدم الجوى متشحط
ومبكّر جدّت به عزماته ... نحو العلى فاغذ لا يتثبط
ورفيقه الأدنى الموازر صعدةٌ ... يرمه أو صارم يتأبط
يطوى به شعب السباسب جلعد ... أجُدُ القرى عبل السنام عملّط
مرح يمور ويرتمى في سيره ... مور السحاب مرعد متخمّط
يطفو به آل الضحى فكأنه ... فلك على متن الخضمّ مجلفط
وإذ بدا عند الصباح لعينه ... قصرٌ بذات النخل أبيض أعيط
ورأى القباب البيض دام سناؤها ... وانحلّ عنه سيره المخروط
أرسى بطيبة للإقامة كلكلاً ... فلنعم مرساه ونعم المربط
حلّت مطيته بأشرف منزل ... منه المكارم والتقى يستنبط
فضل البقاع وشادها بمحمد ... فضلاً كبيراً سامياً لا يضبط
هو أفضل الرسل الكرام وأنه ... لخطيبهم وهو الإمام المقسط
هو خير مأمول وأكرم شافع ... يوم القيامة جاره لا يهمط
نصبت عيون الشرك والطغيا به ... وغدا به بحر الهدى يتغطمط
وافى وشيطان الغواية فاتح ... باب الضلال لحزبه متخبط
يلقي زخارفه على أشياعه ... ويلفق القول الهراء ويلغط

(1/112)


فكأنه ولفيفه في غيّهم ... عشواء في غسق الدجنة تخبط
فمحا بنور الرشد ظلمة مكره ال ... واهي فأدبر خاسيئاً يتلبط
وعلا بقهر النصر شامخ كيده ... فهوى وذلّ فرينه المتحمط
كم قدّ بالبتار من قدوكم ... شحطت بسهم نحو طاغ شوحط
فسما به الإيمان بعد خموله ... حتى تسم ذروة لا تهبط
وحباه مرسله بأزكى أمة ... اختارها النمط الأغر الأوسط
ما فيهم الأولى عارف ... أو زاهد أو عالم مستنبط
وغداً يكون بحوضه فرطاً لهم ... وشفيع عاص يعتدي ويفرط
وهم الشهود على عيوب سواهم ... يوم المعاد وعرضهم لا يهبط
وهم غداً ثلثا صفوف الجنة ال ... فيحاء في سند صحيح يُضبط
أزكى الورى نسباً وأكرم عنصراً ... وأمد كفاً بالنوال وأبسط
وأنمّ حلماً لا يجازي من أتى ... بالسوء عدل منصف لا يفرط
ولقد تعمّق في أذاه وكاده ... بالسحر خبٌ من يهود عشنط
فأعيذ من كيد النوافث فأنثني ... فكأنما هو من عقال ينشط
هذا ولم يعبس له وجهاً ولم ... يُسمع له يوماً كلام يسخط
وأبثّ بعض المعجرات فنظمها ... درٌّ ثمين بالمسامع يلقط
شرح الملائك صدره في أربع ... يا حبذا ما ضم منه المخيط
وكذلك في عشر وفي معراجه ... نقل الثلاثة حافظ لا يغلط
وانشق إكراماً له قمر الدجى ... وجموع مكة بالبطاح تعطعط
بقعيقعان النصف منه ونصفه ... بأبي قبيس لا محالة يسقط
ولقد شكا يوم الحديبية الصدى ... جيش فتاه صريخهم لا يوهط
فسقاهم حتى رووا وتطهّروا ... بالماء من بين الأصابع ينبط
وأتاه وفد فزارةٍ وبلادهم ... بالجدب أضحت تقشعر وتقحط
فنفى قنوطهم بدعوته ومن ... كان الرسول سفيره لا يقنط
ودعا فسحت ديمة حتى دعا ... بالصحو فانجابت كثوب تكشط
وله الشفاعة في المعاد وحوضه ال ... عذب الروا وله اللواء الأحوط
وله المقام الأكبر المحمود والز ... لفى به يوم القيامة تغبط
هذا لعمر آلهك الفضل الذي لا ... ريب فيه والثناء الأقسط
يا صفوة الرحمن من كل الورى ... يا من به في الخطب جاشى يُربط
إني إلى رب العلى متوجه ... بك عند كل ملمة تتمغط
بك أستجير ومن يلوذ من الورى ... بعظيم جاهك قدره لا يُغمط
فسأل لأمتك الضعيفة نصرة ... ورخاء عيش ثم أمناً يبسط
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
عُدّتي للحياة والموت والحشر ونار سوداء ذات شواظ
أحمد الشافع الوجيه أبو القا ... سم ذو الحظ فوق كل الأحاظي
من به بشّر المتوّج سيفٌ ... وتلاه قسٌ بسوق عكاظ
وأتاهم بمحكم الذكر منه ... فنسا الوعظ حاذق الوعاظ
هو محي القلوب ماحي الخطايا ... قرّة العين روضة الحفّاظ
جاء بالحق والشيطان تسعى ... بين حزب الضلالة الأوشاظ
دخل الشرك في قلوبهم الغلب دخول النصول في الأرعاظ
فأراهم ليهتدوا معجزاتٍ ... كافيات للصبر والأيقاظ
وهداهم إلى صراط سوى ... مورث زينة القلوب الفظاظ
فدنا منه كل عبد منيب ... ونأى كل فاجر خواظ
فلقد فاز من أناب وطالت ... حسرات المنافق الجعاظ
لم يزل يحسن البلاغ إلى أن ... عُبد الله في الذرى والشناظ
وشسوع الفلاة والسيف والري ... ف وبث الصفاء بعد الكظاظ

(1/113)


فسما الدين مقبلاً وتولى ال ... كفر حيران رامقاً بلحاظ
يا حبيب الرحمن يا شامخ البنيان في المجد يا منيع الحفاظ
يا جميل الأخلاق يا حسن آلاء ... راض والصفح عن ذوي الأحفاظ
يا كريم الأعراق يا أفصح النا ... س لساناً يا أعذب الألفاظ
يا رؤوفاً بالمؤمنين رحيماً ... ولأهل الفجور ذا إغلاظ
يا شفيع الأنام يا منقذ العا ... صين من بطشه الشداد الغلاظ
يا مغيث العطاش في الظمأ الأك ... أخبرنا والناس في صدىً وكظاظ
في مقام فيه الحجيم اكفهرت ... ثم أبدت تنفس المغتاظ
يا نبي الهدى أغث مستجيراً ... بك في الخطب دائم الألظاظ
من زمان فيه القبول لذي الجه ... ل ووقتٍ لذي الحجى لفاظ
فيه للغمر نعمة وثراء ... وأخو العلم عاجز عن لماظ
حمل العارفون فيه كما حمّل مستوثق البُرى والشظاظ
واسأل الله لطفه في حباء ... فإليه صبابتي وحفاظي
وإذا ملا قبرت فرداً وحيداً ... غائب الشخص عن حديد اللحاظ
وإذا النفس بالمنية فاظت ... بانتهاء الحياة أي فواظ
لا عداك السلام في كل يوم ... من حبيب مواصل ملظاظ
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم ويذكر عقيدته، وكان قد رآه صلى الله عليه وسلم في النوم، وقال فقبلّت فاه وقلت أشهد أن هذا الفم الذي أنزل عليه الوحي، وقال لي عليه أفضل الصلاة والسلام: وأنا أشهد أنك مت على الكتاب والسنة، ذكره صلى الله عليه وسلم بلفظ الماضي.
تواضع لرب العرش علّك تُرفع ... لقد فاز عبد للمهيمن يخضع
وداو بذكر الله قلبك إنه ... لأعلى دواء للقلوب وأنفع
وخذ من تقى الرحمن أمناً وعُدّةً ... ليوم به غير التقى مروّع
وبالسنة المثلى فكن متمسكاً ... فتلك طريق للسلامة مهيع
هي العروة الوثقى وحجة مقتد ... نبُّت بها أسباب من هو مبدع
رأيت رسول الله أنصح مرشد ... وأنجح ذي جاه كريم يشفع
وأصدق رؤيا المرء رؤياه إنها ... لمن شبه الشيطان تُحمى وتمنع
فقبّلت فاه العذب تقبيل شيّق ... وما كنت في تقبيل ممشاه أطمع
وقلت له هذا الفم الصادق الذي ... بوحي آله العرش كان يمتّع
فبشّرني خير الأنام بميتتي ... على سنة بيضاء بالحق تشرع
فها أنا تصديقاً لبشراه ثابت ... عليها بحمد الله لا أتتعتع
بمعتقد الثبت الإمام ابن حنبل ... أدين فهو الناقل المتورع
لئن لم أتابع زهده وتقاءه ... فإني له في صحة العقد اتبع
أمرّ أحاديث الصفات كما أتت ... على رغم غمر يعتدى ويشنع
فلا يلج التعطيل قلبي ولا إلى ... زخارف ذي التأويل ما عشت أرجع
أقرّ بأن الله جلّ ثناؤه آله ... قديم قاهر مترفع
سميع بصير ما له في صفاته ... شبيه يرى من فوق سبع ويسمع
وخُلق الطباق السبع والأرض واسعٌ ... وكرسيّه منهن في الخلق أوسع
قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه ... ومن علمه لم يخل في الأرض موضع
ومن قال إن الله جلّ بذاته ... بكل مكانٍ جاهلٌ متسرع
إليه الكلام الطيب الصدق صاعدٌ ... وأعمال كل الخلق تُحصى وترفع
فما لم يشاه الله ليس بكائن ... وما شاءه في خلقه ليس يدفع
يُضلُّ ويهدي والقضاء بأمره ... مضى نافذاً فيما يضرّ وينفع

(1/114)


وللشر والخير المهيمن خالق ... وإبليس من أن يخلق الشرّ أوضع
ولكنه للشر أخبثُ محدث ... بوسواسه في موبق الإثم يُوقع
علا عن مُعين ربُنا ومظاهر ... على الملك أو كفوا على الغيب يُطلع
لقد برأ الخلق ابتداء من الثرى ... بلا مسعد فيما يسوّى ويصنع
وقال لهم ذرّاً ألست بربكم ... فقال بلى منهم عصىً وطيع
وسوف يناديهم جميعاً إذا أتوا ... حفاةً عراةً في المعاد فيسمعوا
ويسمع سكان السموات وحيه ... فهم لسماع القول صرعى وخضّع
وكلم موسى والكلام حقيقة ... بتوكيده بالمصدر الخصم يقطع
ومعتقدي أن القرآن كلامه ... قديم كريم في المصاحف مودع
وقد سبق الوعد المصدّقُ أنه ... إذا جاءت الأشراط منها سيرفع
وأودع حفظاً في الصدور وإنه ... لبالعين مرئٌ وبالأذن يُسمع
بالسنة القراء يُتلى وإنه ... بحرف وصوت ضلّ من يتنطع
هو السور الهادي إلى الحق نورها ... وآيات صدق للمنيبين تنفع
به نزل الروح الأمين مصدقاً ... على قلب عبد كان بالحق يصدع
وليس بمخلوق ومن قال عكس ما ... ذكرتُ له في الناس بالكفر يقطع
ولا محدث قد جاء عن سيد الورى ... حديث لمعناه أسوق وأوضع
لقد قرأ الرحمن طه جميعها ... ويس أيضاً والملائك تسمع
ولم يخلق السبع الطباق ولا الثرى ... وهذا دليل ما لهم عنه مدفع
وقولهم خلق فظيع وقول من ... يشير إليه بالعبارة أفظع
ومن كان فيه واقفياً محيراً ... فذلك واللفظي كل مبدّع
وفي كتب الله القديمة كلها ... أقول بهذا القول لا أتفزّع
ومعتقدي أن الحروف قديمة ... وإن حار في قولي غويٌّ متعتع
تبارك ربي ذو الجلال صفاته ... تجلّ عن التأويل إن كنت تتبع
يداه هما مبسوطتان تعالياً ... عن المثل يعطى من يشاء ويمنع
وألواح موسى خطّها بيمينه ... مواعظ تشفى من ينيب ويخشع
وكلتا يديه جلّ عن مشبه له ... يمين إلى خير البرية يرفع
وينزل في الأسحار في كل ليلة ... كما جاء في الأخبار والناس هجّع
ينادي أولي الحاجات والتوب طالباً ... فهل راهب أو راغب متضرع
ومن قال إثبات الصفات شناعة ... فجرأته إذ عارض النصّ أشنع
وينظره الأبرار يوم معادهم ... ويحجب عنه من إلى النار يوزع
كما ينظرون الشمس لا غيم دونها ... لقد خاب محجوب هناك ممنّع
ولم يرفى الدنيا من الناس ربّه ... بعينيه إلا الهاشمي المشّفع
محمد المخصوص بالرؤية التي ... غدا الطور إجلالاً لها يتقطّع
وإن نعيم القبر ثم عذابه ... لحق فمسرور به ومروّع
يخالف ضيقاً بين أضلع من طغى ... ويفسح فيه للتقى ويوسع
ويسأل فيه الميت الملكان عن ... هداه فمرحوم وآخر يُقمع
ويعرف من في القبر من زاره وإن ... يُسلم على الأموات في القبر يسمعوا
ومن يقرأ القرآن للميت مهدياً ... يصله وبالإطعام والبر يُنفع
وقد يسأل الأموات من مات بعدهم ... عن الأهل من منهم مقيم ومقلع

(1/115)


وربي أحصى خلقهم ويميتهم ... ويبعثهم بعد الممات ويجمع
وينفخ إسرافيل في الصور نفخةً ... فكل من الأجداث للحشر مُهطع
وتدعى البرايا للحساب جميعهم ... فلا ظلم والميزان للعدل يوضع
وذلك يوم فيه نور نبينا ... برفع لواء الحمد يعلو ويسطع
ويظهر فيه جاهه بشفاعة ... إليها لكرب الموقف الخلق يهرع
وينقذ في يوم القيامة من لظى ... من الأمة العاصين إذ هو يشفع
وينصب فيه حوضه كاشف الصدى ... وذلك حوض بالروا العذب مُترع
وإن له فيه مقاماً مقرباً ... ومقعد صدق نوره يتشعشع
ويسبق كل العالمين مبادراً ... لحلقة باب المنزل الرحب يقرع
فيدخل والشعث الخماص كأنما ... وجوههم شمس الضحى حين تطلع
وينزله الله الوسيلة رتبةً ... له ليس فيها للخلائق مطمع
وقد خلق الله الجنان معدة ... لأربابها فيها ظلال ومرتع
وحور حسان ناعمات كواعب ... بها كل أوّابٍ حفيظ ممتع
وقد خلق الله الجحيم لأهلها ... لبأس أذاها عنهم ليس ينزع
لهم ظلل منها عليهم وتحتهم ... لأمعائهم شرب الحميم يقطع
وبعد التقاضي يّبح الموت بينهم ... فمستبشر زاض وآخر يجزع
وأعتقد الإيمان قولاً مسدداً ... وأعمال صدق في الصحائف تودع
يزيد بفعل الخير من كل مؤمن ... وينقص بالعصيان فهو ممزع
وإيماننا بضع وسبعون شعبةً ... حديث صحيح النقل لا يتضعضع
وإني إذا ما قلت إني مؤمن ... ولا شك عندي بالمشيئة اتبع
وليس كبير الذنب مخلد مؤمن ... بنار بلى فيه النبي مشفع
ولست أرى رأي الخوارج بل إذا ... رعى أمرنا والٍ أطيع وأسمع
وإن جهاد المسلمين عدوهم ... لفرض وقرن الشمس في الغرب يطلع
وأمسح فوق الخفّ والمسحُ سنة ... إلى مدة معلومة ثم اخلع
وللسحر تأثير ولا باس بالرقى ... بأم الكتاب أو دعاء يرفع
ولست لميت المسلمين بشاهد ... أيُسقى رحيقاً أم حميماً يُجرع
بلى أرتجي للمحسنين سلامة ... وأخشى على من يعتدي أو يضيّع
ولا ريب عندي في ثبوت كرامة ال ... ولي ولي ولواضحي على الماء يُسرع
وبالحمد لله افتتاح صلاتنا ... لما صح من نقل المحقين اتبع
ولا أر في الفجر القنوت ولا أرى ... عليّ إذا أذنتُ أني أرجّع
وإن مرّ في شعبان عشرون ليلة ... وتسع وغُمّ البرج بالصوم أقطع
ومذهبنا الوسطى هي العصر فاستفد ... مسائل خمساً من فروع تفرّع
ولست لمن فيها يخالف مانعاً ... ولكن خلاف في الأصول ممنّع
وما شاع فيه من خلاف لمسلم ... فإني لمن يُفتى به لا أبدّع
وأشهد أن الأنبياء جميعهم ... ومعجزهم حقٌ وذلك يُقنع
وأن رسول الله أحمد خيرهم ... وأفصحهم عند البلاغ وأبرع
على عرشه خطّ اسمه ولقد عفا ... لآدم إذا أضحى به يتضرع
وكان صفي الله آدم طينة ... وفيه لأقمار النبوة مطلع
وأودعت التوراة غرّ صفاته ... فمن نعته الأحبار آمن تبع
وأودعت الرهبان سلمان وصفه ... فكان إلى أخباره يتطلع

(1/116)


فأبصر برهان العلامات عنده ... فأضحي بجلبات الهدى يتلفع
وقد كان حملاً والجباه منيرةٌ ... به وسمت أنواره وهو مرضع
تنكّست الأصنام عند ولاده ... كما نكّستها منه في الفتح إصبع
وشبّ شباباً للنواظر ناضراً ... وفيه لسر المجد مرأىً ومسمع
لقد شرحت منه الملائك صدره ... وكان له من أبرك العمر أربع
وكان ابن خمس والغمام تظله ... وفي العشر نور الشرح في الصدر يلمع
وفي الخمس والعشرين سافر تاجراً ... بمال رزان للمفاوز يقطع
رأه بحيرا والغمامة فوقه ... ومسيرةٌ والحرّ للوجه يسفع
وأبصرت الكبرى فتاة خويلد ... ومن فوقه ظلل الغمام مرفع
إلى أن أرته الأربعون أشدّه ... فأضحى بسربال الهدى يتدرّع
ولما تحلّى بالنبوة وانتهى ... إلى مستوٍ عنه الملائك توزع
أتى وعلى عطفيه أفخر حلة ... وتاجٌ بدرّ المكرمات مرصّع
رأى ليلة المعراج أمراً محققاً ... ومنكر هذا الأمر يخفى ويردع
وفيها قُبيل الرفع أكمل صدره ... بشرح منير نشره متضوّع
به أظهر الله المهيمن دينه ... فأصبح وجه الدين لا يتبرقع
وأحكامه في الأمر والنهي والشرى ... وفي البيع تبقى والجبال تصدّع
ومعجزة القرآن ظلت لحسنه ... وترتيله في نخلة الجن تخضع
وللقمر المنشق نصفين معجزٌ ... عزيز على من رامه متمنع
ونادى فلبته بمكة دوحةٌ ... تخد إليه الأرض خداً وتسرع
ولما دنا منه سراقةُ طالباً ... على فرس كادت له الأرض تبلع
فعاذ به مستأمناً فأجاره ... وأطلقها حتى غدت تتقلع
وحنّ إليه الجذع عند فراقه ... كما حنّ مسلوب القرين مفجع
وخرّ له الناب المهدّدُ ساجداً ... وأجفانه خوفاً من النحر تدمع
فأطلقه من أهله فبجاهه ... نجا من اليم الذبح هذا الجلنقع
فكيف بنا إذ نحن عذنا بجاهه ... من الحادث المغرى بنا فهو مرجع
وخرّ له ساني الأباعر ساجداً ... وكان شروداً فانثنى وهو طيّع
وعاذت به ريمٌ فقّك إسارها ... فمرت على الخشفين تحنو وتُرضع
ومدّ يديه والرّبى مقشعرّة ... فما رام إلا والسحائب تهمع
فدام الحيا سبعاً فمدّ لكشفها ... يداً غمرت جوداً فظلت تقشّع
ودرّت له في الجدب عجفاء حائلٌ ... وبكل على نزل الفحول تمنع
وقد كان من مدّ من التمر أو من الش ... عير بجوع الجحفل الجم يشبع
ومن لبن في القعب أشبع كل من ... حوت صُفة الإسلام والقوم جوّع
وآض أبو هرٍ وقد كان آيساً ... من الرّي وهو الشارب المتضلع
ولما اشتكوا يوم الحديبية الصدى ... غدا الماء من بين الأصابع ينبع
وقد أصبح الماء الأجاج بريقه ... يروي غليل الظامئين وينقع
وساحت به بئر ومقلة حيدر ... شفاها فلم يرمد لها الدهر مدمع
وكلّمة الصم الصوامت مثلما ... يكلمه بادي الفصاحة مصقع
وكان على شهر له الرعب ناصر ... وريح الصبا للنصر هو جاء زعزع
وإن رُمت من أخلاقه ذكر بعضها ... فتلك من المسك المعنبر أضوع

(1/117)


اتته مقالي الكنوز فردّها ... وقال أجوع اليوم والغد أشبع
فصحّ له الزهد الصريح بقدرة ... وعلم فمن ذا منه أغنى وأقنع
وفي الحلم ما جاز مسيئاً بفعله ... ألم يعف عمن للسّمام تُجرع
وعن ساحر جزيان رام بكيده ... أذاه فلم يجزه بما كان يصنع
فقال لقوم عند دركلة لهم ... رؤوه ففروا آل أرفدة أرجعوا
ليعلم أعداء الهدى أن ديننا ... هو الحق فيه الأمر سهل موسع
ويستنشد الأشعار مستحسناً لها ... وقد كان من حسّان للمدح يسمع
ولابن أبي سُلمى أجاز وقد دعا ... على المدح للعباس نعم المشرع
وكان له حسن التواضع شيمةً ... حباه به الرحمن لا يتصنع
ففي بيته قد كان يخصف نعله ... وكان إذا ما انهج الثوب يرقع
ويجلس فوق الأرض لا فرش تحته ... ومطعمه أيضاً على الأرض يُوضع
دعاه يهوديٌّ أجاب دعاءه ... وعن دعوة الملوك لا يتمنّع
وفي الجود فاسئل عن خباء يمينه ... أئمة أهل النقل يا متتبع
ألم يهب الشاء الكثيرة عدادها ... لعافٍ أتاه يعتريه ويقنع
أما فضّها سبعين ألفاً بمجلس ... فلم يبق منها درهم يتوقع
وفي البأس فاسأل عنه يوم هوزان ... أما انهزموا وهو الكمّى السميدع
وما التقت الأقران يوم كريهة ... على الطعن إلا وهو أقوى وأشجع
لهم منه يوم السلم شرع وسنة ... وفي الحرب نصر والأسنة تشرع
وأمته خير القرون وخيرهم ... صحابته أزكى الأنام وأورع
وخيرهم الصدّيق إذ هو منهم ... إلى السبق في الإسلام والبرّ أسرع
وفي ليلة الغار افتداه بنفسه ... حذاراً عليه من أراقم تلسع
وقاه من الرقش العوادي برجله ... فبات يعاني السم والطرف تدمع
واتحفه بالبكر عائشة التي ... براءتها في سور النور تُسمع
وكان له صهراً وصلّى وراءه ال ... نبي صلاة الصبح والصحب أجمع
وردّ فريق الردّة الزائغ الذي ... لفرض زكاة المال أصبح يمنع
إلى أن أقام الدين بعد اعوجاجه ... وأضحى حمى التقوى به وهو ممرع
رضينا به بعد النبي خليفة ... على عقده كل الصحابة أجمعوا
ومن بعده الفاروق مظهر ديننا ... بإسلامه والأمر خافٍ مبرقع
هو العدويّ العبقريّ المفهّم المبصر والباب الحديد الممنع
خلافته صحت بعقد خليفة ... على فضله حزب الصحابة مجمع
ورؤيا النبي المصطفى أنه على ... قليب غزير الماء بالغرب ينزع
وتأويل هذا ما سمعت فتوحه ... وعدل له بين الأنام موزع
له العلم والحكم السديد وصحة التوكل وصف والتقى والتورّع
وعن زهده فاسأل خبيراً ألم يقم ... خطيباً عليهم والأزار مرقّع
ومن بعده عثمان من كان في الدجى ... يرتّل آيات الكتاب ويركع
يرتله في ركعة وهو الذي ... له كان في رقّ المصاحف يجمع
وزوجه الهادي ابنتيه كرامةً ... ولو كنّ عشراً لم يكن بعد يمنع
وأعطاه سهماً يوم بدر ولم يكن ... وبايع عنه نائباً حين بُويعوا
وسبّل بئراً ماؤها ينقع الصدى ... وجهّز جيشاً وهو بالعسر مدقع
وقمّصه الرحمن ثوب خلافة ... بوعد النبي المصطفى ليس يخلع
ومن بعده الهادي علي بقوله السديد إذا ما أشكل الأمر يقطع

(1/118)


إذا ذكر الراوون صحب محمد ... يكون له فيهم خصائص أربع
إخاءٌ مع المختار وهو ابن عمه ... وسبطاه والزهراء فضل منوّع
وأعطاه خير الناس أشرف رأية ... وكان له بالفتح والنصر مرجع
ولو شاء أن يرقى السموات إذ له ... على كتف الهادي البشير ترفع
أمام بطين في العوم وإنه ... من الشك والشرك الخفي لأنزع
ومن بعدهم خير الصحابة ستة ... لهم بالجنان المصطفى كان يقطع
فذكرك منهم طلحة الخير شائع وقولك فيه طلحة الجود أشيع
ويعرف بالفياض إذ جود كفه ... أعمّ من البحر الخضم وأنفع
فكم مائتي ألف على الناس فضّها ... عليهم بها في الضائقات يوسّع
ويمناه شلت يوم أحد لدفعه ... بها عن نبي الله لا يتزعزع
وإن الزبير الفاتك الشهم منهم ... أشد رجال الحرب بأساً وأمنع
وفارس بدر وابن عمة سيد ال ... ورى والجواد المنفق المتطوّع
حواريّه وهو الذي باختياره ... لرأيته العلياء في الفتح يرفع
ومنهم أمير الحرب سعد بن مالك ... وأفضل من رامٍ عن القوس ينزع
وثلث أرباب الهدى ودعاؤه ... إليه من الله الإجابة تسرع
وكان له خالاً وأول من رمى ... بسهم له في عصبة الشرك موقع
ومنهم سعيد خصّه سيد الورى ... وآخّره عذر عن الغزو يمنع
بسهمٍ وأجرٍ يوم بدر وقد غدا ... كمن هو في بدر كمتىٌ مدرّع
وإن ابن عوف منهم المنفق الذي ... بأنفس مال لم يزل يتبرع
ومنهم أمين الأمة الثبت عامر ... فيا لفتىً فيه غناء ومقنع
وأبطال بدر فضلهم غير منكر ... بأفخر ثوب في الجهاد تدرّعوا
وفي بيعة الرضوان فضل لأهلها ... وتفضيل أهل البيت ما ليس يُدفع
وأزواجه في جنة الخلد عنده ... بهن مع الحور الحسان يمتع
وللفضل أيضاً في معاوية أعتقد ... ردافته تفضيلها لا يضيع
هو الكاتب الوحي الحليم وأخته ... مع المصطفى في جنة الخلد ترتع
وكل صحابي رآه ففضله ... على غيره في نيله ليس يُطمع
ولا أبتغي التفتيش في ذكر ما جرى ... لأصحابه خاب الغوى المشنع
فيا طالباً أرض الحجاز إذا انطوى ... له أجرعٌ منها تعرّض أجرع
يحاول أسباب العلى في طلابه ... فيوجف في البيد الركاب ويوضع
إذا بلغت سلعاً مطاياك غدوةً ... ولاح لها من أرض طيبة مرتع
فذلك مأوى العلم والحلم والهدى ... وفيه لمكنون الحقائق منبع
لأن به خير الأنام محمداً ... له كل الفضائل تجمع
فقل يا رسول الله أنت نصيرنا ... على فتن في وقتنا تتقرع
بك السنة المثلى عرفنا وأنكرت ... قلوب عليها بالغباوة يطبع
بتسليمنا فيها وعينا وفرقة ال ... هوى قلّدوا فيها العقول فلم يعوا
فسل ربك الرحمن أن لا يزيلنا ... عن السنة المثلى وأنت مشفع
عليك سلام الله ما أعقب الدجى ... صباح وما لاحت بوارق تلمع
وقال رحمه الله يمدحه صلى الله عليه وسلم بالإشارة:
نفسي الفداء لبدر تمّ بازغ ... سامٍ عل غصن الجمال النابغ
لا يعترى نقصُ المحاق كماله ... كلاً وليس قوامه بالزائغ
يهتز في حلل المواهب مائساً ... في ظل قرب للجلالة سابغ
غصن النضارة نشره متعطر ... ريّان من ورد المزيد السائغ
أهدى له الرحمن أحسن صبغة ... فتبارك الرحمن أحسن صابغ

(1/119)


بلغت عنايته به ما لم يكن ... أحد إليه من الأنام ببالغ
صفت القلوب بوده إذ أطفأت ... أنواره نار العدول النازغ
قمعت جيوش النصر تحت لوائه ... بالقهر كلّ مبارز ومرواغ
يا من تجمعت المناقب كلها ... فيه فلم يدركه وصف مبالغ
ومن اكتسى ثوب البهاء محبةً ... تباً لقلب من ودادك فارغ
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
إليك رسول الله أشكو تخلّفي ... وشدّة تقصير بقلبي مُجحف
وفقد خشوع للفوائد جالب ... وأعظم من فقديه فقد تأسفي
إذا لمعت للرشد في القلب لمعةٌ ... تغمدها سدفٌ الحجاب فتختفي
إلام وقد أكملت ستين حجةً ... الوث على ذل النقيصة مطرفي
وحتّام أنهى النفس عن شهواتها ... وتضمن لي أن لا تعود فلا تفي
وأزجرها عن غيّها وجماحها ... فتخدعني منها بوعدٍ مسوّف
أغالي بها في سومها فتردني ... إلى ثمنٍ بخسٍ زهيد مطفف
اغثني فقد ضاقت عليّ مذاهبي ... وأنت ملاذ للمروع المخوّف
أجرني أجرني يا حمى كل عائذ ... ويا ملجأ الجاني وغوث الملهّف
قصدتك يا خير البرية كلها ... وأفضل مبعوث وأعدل منصف
وأكرم مقصود وأنجح شافع ... وأرحم خلق الله بالمتعطف
لتسأل فيّ الله فارحم تضرعي ... وذلّ خضوعي واستعار تلهفي
قصدتك علماً أن جاهك كأنف ... لجارك قصد الهاتف المتخطّف
فخذ بيدي يا عُدّتي عند شدتي ... وصل وتعطف يا كريم التعطف
وكن لي في الدنيا شفيعاً فإنني ... لأرجوك في الأخرى لحشري وموقفي
ألست سليل الغرّ من آل هاشم ... أولى الكرم الهامي على كل معتفي
بك اكتست الآباء فوق فخارهم ... فخاراً ومن يفخر بمثلك يكتف
وكنت نبياً قبل آدم مصطفى ... كريماً لحقٌ أنت خيرٌ من اصطفى
ومنك اكتست أعطاف طيبة حلّة ... من الفخر لا أهداب برد مفوّف
فقاقت جميع الأرض نوراً وبهجةً ... وعرفاً به لولاك لم تتعرّف
ولولاك ما حنّت إليها على الوجى ... ركائب تطوى نفنفاً بعد نفنف
ضوامر من طول السرى برّحت بها ... البرى وبراها الحثّ من كل موجف
عليا رجال فارقوا خفض عيشهم ... فما صدفتهم عنك زهرة زخرف
يؤمون ربعاً منك بالنور آهلاً ... يرومون منك الفضل يا خير مُسعف
وأدركت الأنصار أوسٌ وخزرج ... بك النصر لا بالسمهريّ المثقّف
لك المنّة العظمى عليهم إذ اهتدوا ... بنورك للدين القويم المخفّف
بدت ليلة السبعين أنجم سعدهم ... ببدر تمامٍ منك غير مكسّف
وحاز بك الأعيان من نقبائهم ... مناقب عزٍّ نورها ليس يختفي
دعوتهم نحو الرشاد فبادروا ... سراعاً لما تدعو بغير توقف
فأضحوا جميعاً قد تألف شملهم ... على طاعة الرحمن خير تألف
وأمتك المرحومة الوسط التي ... سمت قبل اجتازت كمال التشرف
أتيتك يا خير البرايا بمدحة ... أطاعت قوافيها بغير تكلّف
عليها بهاءٌ من ثنائك باهر ... شهيّ إلى قلب المحب المشغف
ولو لم تكن جاءت بمدحك سنةٌ ... لقصّر عنه هيبةّ نظمُ وُصف
مدحتك أبغى الفضل منك وأجتدي ... نوالك فأجبر كسر يحيى بن يوسف
فلي حرمة الإسلام والشيب والذي ... أدين به من سنّة لم تحرّف
ورؤياك في الدنيا وأخراي يا لها ... مني إن أنل أسبابها أتشرف

(1/120)


وحج إلى البيت المعظم في غنىً ... وعافية وأضمم عيالي وأكنف
وتجديد تسليمي عليك مواجهاً ... وتعفير خدي في الثرى المترشف
وخاتمة الأعمال بالفوز والرضا ... ومن يُكف عقبي السوء فيها فقد كفى
عليك سلام الله غضّاً مجدداً ... منوطاً بتسليم جديد مضعّف
لعترتك الغرّ الكرام وصحبك ال ... أفاضل أهل السبق في كل موقف
وأزواجك اللاتي كملن طهارةً ... وبرأهن الله من إفك مُرجف
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
لولا شذاً من نشركم ينشق ... ما حنّ نحو المُهتم المُعرق
ولا صبا في الصبح نحو الصبا ... ولا ثارت شجوه الأينق
ما للربوع بعدكم بهجة ... ولا لروض ناضر رونق
أنتم معانيها فإن غبتموا ... فليس فيها حسن يُرمق
لولاكم ما هاجني بارق ... ولا شجاني بالحمى أبرق
ولا لوى لي عنقاً في الفلا ... عيسٌ إذا جدّ السرى العنق
ما عرّض الحادي بذكراكم ... إل اوسمعي نحوه يسبق
ولا سرى ركبٌ إلى أرضكم ... إلا تلاه قلبي الشيّق
فُكّوا أسيراً لكمُ مُوثقاً ... عليه في حفظ الهوى موثق
فؤاده قيّده حبّكم ... وجسمه بين الورى مطلق
قد كنت من قبل النوى إن جرى ... فراقكم في خاطري أفرق
وكنت نُصباً لعيني فهل ... طيفُ خيال منكمُ يطرق
أحببتكم طفلاً وقد أخلقت ... شبيبتي والود لا يخلق
أنّي أشوب الآن صفو الهوى ... وعارضي قد شاب والمفرق
يليق بي صبري على حكمكم ... ولكن العطف بكم اليق
هل عائد لي والمُنى ضلّةٌ ... ظلٌ وورد سائغ ريّق
يا أرض نعمان ووادي مِنى ... والخيف لو أن المنى تصدق
وهل بذاك الشعب لي وقفةً ... في حرم أنواره تُشرق
وربّة الستر لنا تُجلتلى ... وعوُد وصلي مثمرٌ مورق
وأكبر الآمال لو ضمّني ... بسفح سلع مربع مونق
فبالقباب البيض لي مطلب ... عرف الرضا من تربه يُنشق
محجب بالعزّ لا بالظُبا ... به سناه لا القنا مُحدق
تقطع بالأشواق أرواحُنا ... إليه ما لا تقطع السبّق
حاز كنوز الفضل بالمصطفى ... ذاك الجناب العطر المشرق
وكلّ فجٍّ أرجٍ بالتقى ... فإنه من طيبه يعبق
أتى بدين قيّم واضحٍ ... بين ضلال وهدى يَفُرق
يَنمى ويزداد ودينُ العدى ... أئمة الزيغ به تمحق
كذلك الحق إذا ما علا ... على محالٍ باطل يزهق
طوى الطباق السبع حتى انتهى ... إلى مقام قطّ لا يُلحق
قام مقاماً لودنا غيره ... منه لأضحى بالسنا يُحرق
وعاد ليلاً وأساريره ... بنظرةٍ قدسيةٍ تُبرق
يا ويل من كذبه بعد ما ... كان أميناً فيهم يصدق
لو لم يقل إني رسول أما ... شاهدُه في وجهه يَنطق
سبحان من صوّره صورةً ... أكمل معناها الذي يَخلق
كأن فاه باسماً ناطقاً ... بجوهر الغوّاص مستحدق
فالشفة الياقوت والؤلؤ ال ... رطب الثمين الثغر والمنطق
جبينه الصبحُ ومن فوقه ... الفرع الدجى والفلك المفرق
كأنما قد صيغ من فضّة ... بنانه والكفّ والمرفق

(1/121)


وخصّه بالخُلُق المرتضى ... سمحٌ حليم خاشع مُشفق
يسمو ويعلوها بهاء إذا ... ما قال والتوقير إذ يطرق
كان على الأعداء ذا قوّة ... وبالذي يبغي الهُدى يَرفق
في صلب نوح كان مستودعاً ... فهو على الأمواج لا يغرق
وصلب إبراهيم من أجله ... له ضرام النار لا تحرق
وكان من معجزه أن غدا ... ماء رواً من كفه يدفق
كما حوى كفّاه تمراً به ... أشبع جيشاً ضمّه الخندق
ومرود الدوسيّ فأعجب له ... إذ زودت من تمره الأوسق
فرسانه أخنت على فارسٍ ... فزال عنها التاج والمنطق
وجاهه متصلٌ بعد ما ... يصعق بالنفخة من يصعق
غداً له الحوض وفي كفّه ... لواء حمدٍ شاملٍ يخفق
وهو شفيع منقذ في غدٍ ... مَن بالخطايا في لظىً موثق
يا من له في منصّات العُلى ... وفي البرايا نسبٌ مُعرق
وتعرف الخضراء آثاره ... وتعرف الغبراء والمشرق
ووصفُه يعجز عن حصره ... نظماً ونثراً ماهرٌ مُفلق
قد مسني الضرّ وما لي سوى ... جاهك أسباب بها أعلق
كن لي مجيراً في زمانٍ به ... قوارع أسهمها ترشق
واسأل لي الرحمن روحاً إذا ... ضمّ عظامي برزخ ضيّق
ورحمةً توصلني جنّة ... لبأسها الفاخر استبرق
لا زال في ربعك أملاكه ... سبعون ألفاً حوله تحدق
تهدي إلى تربك طول المدى ... توافحُ المسك به تفتق
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
يا ربة الستر لا انجابت غواديكي ... عن جو مغناك أو يخضرّ واديكي
وزدت في كل صبح عزةً وسناً ... ولا خلا من رجال الحيّ ناديكي
لا زال مربعك الداني الظلال حمىً ... رحباً لعاكفك الناوي وباديكي
وأنت يا عذبات الباني لا برحت ... تهيج أشواقنا ألحانُ شاديكي
وماس من كل غصن منك من طرب ... عطف وتهت دلالاً في تهاديك
ويا مياه الحمى لا زلت طيبة ... يروي بشرب الزلال العذب صاديكي
ويا نسيم صبا بجد لقد عرفت ... روحي بمسراك وهناً عرف مهديكي
وياليالينا لله عيش هوىً ... معى البدور تقضي في دياريكي
ويا فوارط أيامي بخيف منىً ... لو كان يُفدى زمانٌ كنت أفديكي
ويا رسائل وجدٍ لا أبوح بها ... إلى الأحبة عنّي من يؤديكي
أخفيك من عّذلي صوناً ومكرمة ... بل المدامع والأنفاس تبديكي
ويا ركاب الحجاز القُود لا نقبت ... من السرى أبداً أخفافُ أيديكي
ولا عدلت عن النهج القويم ولا ... مالت إلى غير أحبابي هواديكي
كم ذا التمادي دعى التعليل وابتدرى ... إلى الحمى فعنائي في تماديكي
ويا قباب حمى سلع حويت على ... رقى بما أسلفت عندي أياديكي
فتحت بالرشد لي عيني بعد عمىً ... واسمع السر من قلبي مناديكي
حق علي أوالي من بك اعتقلت ... أسبابه وأعادي من يعاديكي
أني وإن تكن أضحت عنك نازحة ... داري لأرعى بظهر الغيب واديكي
لا زال سكانك القطان في دعة ... وفاز رائحك الساري وغاديكي
وأنت لا تجزعي يا نفس من بدع ... مضلة ورسول الله هاديكي
أجارك الله لولا درع سنته ... لكان سهم الهوى الفتان مرديكي

(1/122)


لا تخلفي موعدي في حفظ منهجها ... فلست أخلف في حفظيه وعديكي
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم
يا حداة الركب الحجازي ميلوا ... فبنعمان للركاب مقيل
فأريحوا فيها المطايا قليلاً ... من وجاها فقد براها النحول
وانزلوا الخفيف من منىً فيه ظل ... للأماني للنازلين ظليل
واستقلوا نحو الأباطح إن كا ... ن إلى ربة الستور سبيل
بأبي ذلك الجناب فوجدي ... وغرامي به عريض طويل
داره طال ما تبلج فيها ... للمحبين وجه عطف جميل
عشت فيها مع الأحبة حيناً ... لم يرع مسمعي لديها عزول
ثم غارت يد الجلال فصانت ... عزة ربعها فعز الوصول
غير أني على المودة لا الطر ... ف نسئ ولا الفؤاد ملول
أتمنى الدنو منها وقد حا ... ل عن القرب وعرها والسهول
أين منا سمراء دون حماها ... ذبل السمر شرعاً والنصول
ذات خدر لها البهاء وشاح ... ولها العز والسنا أكليل
ليس في تربها لذي العز والسل ... طان إلا الخضوع والتقبيل
هل لظمأن نحو منهلها العذ ... ب ورد به يبل الغليل
يوم تضحي وللنياق حنين ... في رباها وللجياد صهيل
وإذا ما سرت لها نحو سلع ... خبب تارةً وطوراً ذميل
ترتمي في الفلا لها الشوق حاد ... ولها نشرمن تحب دليل
فلها اليمن والسعادة والنص ... رة والبشر والرضا والقبول
بجناب رحب حوى كل فضل ... وفخار مذ حل فيه الرسول
أحمد الهاشمي أكرم خلق ال ... له أصلاً إذا تعد الأصول
شيبة الحمد جده هطل الغي ... ث به والربيع وإن كان كليل
سل من هاشم بن عبد مناف ... كاسر الجوع والجدوب تصول
نسب حل في قريش ذراها ... دون مرساه شامة وطفيل
حاز فيه بنو كنانة من عد ... نان مجداً بناه أسمعيل
ولقد طاب والمهيمن ربي ... منبت أصله الخليل الجليل
ولعمري به قريش استفادت ... شرفاً لم ينله قبل قبيل
وصفع المرتضى لموسى وعيسى ... بينته التوراة والإنجيل
وبه أحسن البشارة شعياً ... وعزيز وبعده حزقيل
واهتدى تبع بما بين الأح ... بار من نعته الذي لا يحول
وتصدى كعب لآل لؤي ... ولديه شبانها والكهول
قبل خلق النبي بالحقب الخم ... س خطيباً وهو اللبيب النبيل
ذاكراً مبعث النبي وود الن ... صر لو كانت الحياة تطول
وجلاه لشيبة الحمد سيف ... لحلاه وما إليه يؤل
ولقد قام في المواسم قس ... شاهداً أنه نبي رسول
ورأى الراهب النبوة قد لا ... حت عليه كأنها قنديل
إذ رأى فوقه الغمامة ظلاُ ... ويميل الظلال أنى يميل
ولنعت الرهبان أفضل هاد ... كان سلمان في البلاد يجول
فرأى عنده العلامات حقاً ... فاغتدى وهو قابل مقبول
وكفاه من الفخار مقام ... كان في القرب دونه جبريل
وهو الخاتم المخصص بالتك ... ليم والرؤية الحبيب الجليل
يا حبيب الرحمن أنت المرجى ... والوجيه المشفع المأمول
قد قصدناك في حوايج فاسأل ... ربك اليسر فهو نعم الوكيل
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
ألا يارسول الله يا خير مرسل ... تخيرك الرحمن للرسل خاتما
ويا من إذا المشتاق أبصر وجهه ... فأن له البشرى وإن كان نائما

(1/123)


تعطف على ضعفي برؤية وجهك ال ... كريم فرؤياه تحط المأثما
ولست بأهل لاجتلاء جماله ... ولكن فقير يسأل البر راحما
وهذا ربيع أبرك الأشهر الذي ... ظهرت به في مطالع السعد قادما
كساك به الله المهيمن حلة ال ... جمال وقلدت المهابة صارما
فهب لي فيه خلعة الفوز والرضا ... برؤياك يامن كان بالحق حاكما
وسل لي رب العرش منه معونة ... من الله تغنيني إذا كنت عادما
وسل لعيالي صونهم وصلاحهم ... عسى أن يكونوا صالحين أكارما
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
إذا صار قلب العبد للسر معدنا ... تلوح على أعطافه بهجة السنا
وإن فاته المعنى علته كثافة ... وأصبح في أفعاله متلونا
وعدت بأمر ليس عندي ريبة ... ولا شك فيمن قاله متيقنا
وكنت أظن الأربعين مظنة ... لوعدي فجازتني ولم أبلغ المنى
وأربت على الستين مدة عيشتي ... كذلك لم أعرف لنفسي موطنا
فإن كان ما أرجو قد أصبح واقعاً ... فكل الذي لاقيت أصبح هينا
وإلا فيا حزني وطول ندامتي ... وحق لمثلي أن يهيم ويحزنا
وما عاقني إلا هوىً يحجب الفتى ... عن الخطة المثلى ويورثه العنا
فإن كان يمحو العذر زلتي التي ... حرمت بها الأمر الذي لي عينا
فها أنا منها تائب متنصل ... إلى الله ذو السلطان والعز والغنى
وإني إليه خاضع متوجه ... بأحمد أزكى شافع لفتىً جنى
محمد المختار من آل هاشم ... نبياً رسولاً للصواب مبينا
له الجاه والزلفى إذا قيل من لها ... فقال مجيباً دون كل الورى أنا
فينجي جميع الخلق من كرب موقف ... به كل وجه للمهيمن قد عنا
وتنقذ من نار الجحيم عصاتنا ... شفاعته ممن أسر وأعلنا
وفي هذه الدنيا فإن بجاهه ... علينا لظلاً شاملاً طيب الجنى
وفي كل يوم اثنين يعرض كسبنا ... عليه وفي يوم الخميس مدونا
فما كان من خير فيحمد ربه ... وما كان من سوء فيسأله لنا
فيا خير مبعوث إلى خير أمةً ... به أصبحت في الخلق شامخة إلينا
أجرني فما لي غيرك اليوم ناصر ... على كيد غاو شره قد تبينا
طليعته نفسي وسلطان جيشه ... على هوىً يلقى اللبيب مفتنا
فخذ بيدي يا أمنع الناس معقلا ... وأعظمهم جاهاً وأقوى تمكنا
ولا تدعني نهبة لجنوده ... وكن لي بحسن الحفظ منه محصنا
فأنت عمادي في حياتي وعدتي ... لموتي وذخري في المعاد إذا دنا
سقى جدثاً رحباً حللت بجوه ... فأصبح للإحسان والحسن معدنا
غمائم قرب تكسب الروح الرضا ... فينبت روض الأنس فيه فيجتني
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
ألا يا رسول الله المليك الذي ... هدانا به الله من كل تيه
سمعت حديثاً من المسندا ... ت يسر فؤاد الفقيه النبيه
رواه ابن إدريس شيخي الذي اس ... تقام على منهج يرتضيه
باسناده عن شيوخ ثقا ... ت نفوا عن حديثك زور السفيه
ومعنا أنك قلت أطلبوا ال ... حوايج عند حسان الوجوه
ولم أر أحسن من وجهك ال ... كريم فجد لي بما أرتجيه
فجاهك جاه عظيم ولم ... يخب من رجا جاه مولى وجيه
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
أقل عثراتي واعف يا حسن العفو ... عن عمدي من مسطور ذنبي والهفو
وصف من الأكدار قلبي واهدني ... من البر والتقوى إلى المورد الصفو

(1/124)


فكم لي من سوء اجتراح نسيته ... واحصاه محروس الحفاظ من السهو
شقيت به أيام أمرح في الصبا ... وأسحب أذيال البطالة واللهو
فيا ملكاً زان السماء بأنجم ... على الفلك الأعلى طفت أحسن الطفو
وسخر ما بين السماء وأرضه ... سحائب يخفو برقها أحسن الخفو
وأبقى على شمس النهار ضياؤها ... وخص بنقص آية الليل بالمحو
ولما دحى الأض اقتداراً وحكمةً ... على الماء أرسى الشم في اثر الدحو
أغثني بتوفيق ينور باطني ... وينحو إلى الخيرات في أرشد النحو
فأني مقر أنك الله ربنا ... تعاليت عن شرك الغطاة أولى العدو
بأات جميع الكائنات بقدرة ... على غير أمثال تضاهى ولا حذو
وله لغز في فهد:
ومتصف بالفتك يوم اكتسابه ... على ظفره أثر الدماء ونابه
كأن مهاة الفلك لما انتهى بها ... مداه إلى سرب المها وأنتهابه
رمته بشهب الجو خوف انتقامه ... فأطفأها في عسجد من إهابه
الصاحب مؤيد الدين إبراهيم بن يوسف بن إبراهيمالمقدسي الشافعي تفقه وبرع ودرس وكان أحد الفقهاء المشهورين بدمشق سمع من أبي عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي وغيره وحدث وتوفي بدمشق ليلة السادس عشر من شهر ربيع الآخر ودفن من الغد بمقابر الصوفية وكانت له جنازة حفله رحمه الله تعالى.
عيسى بن طاهر بن نصر الله بن جهبل بن أحمد الشيباني المعروف بابن القفطي الحلبي الوزير كان من الرؤساء الأكابر الفضلاء مولده ببيت المقدس سنة أربع وتسعين وخمسمائة وسمع من الافتخار الهاشمي وغيره وحدث وتولى نظر حران في أيام وزارة أخيه القاضي الأكرم جمال الدين
عفر الخد وقبل تربة ... حل فيها أكرم الناس قبيلا
حجة الرحمن مفتاح الهدى ... أحمد المبعوث بالحق رسولا
جدد الأيمان اضحت جدداً ... بسنا أنواره بيضاً سهولا
ونجوم الدين زهراً لا ترى ... أبد الدهر لساريها أفولا
هديه يهدي التقى للمهتدي ... وهداه يورث العلم الجهولا
لم تزل أنسابه ساميةً ... في قرون سلفت جيلاً فجيلا
من لدن آدم حتى حتى هاشم ... فهو خير الناس إن عدوا الأصولا
خصه الله بأصحاب فنوا ... بالقنا في نصرة المجد الأثيلا
ذبحوا الكفر فأضحى بهم ... كل صعب من بني الشرك ذلولا
لبسوا درع التقى سابغة ... وانتضوا للمجد صمصاماً ثقيلا
غرر الأحياء ضاهوا بالنوا ... ل الحيا طولاً وجازوا النجم طولا
منهم الصديق أولاهم به ... إذ هو السابق قوالاً فعولاً
لو أراد المصطفى من صحبه ... خلا اختار أبا بكر خليلاً
ثم لو كان نبياً بعده ... أصبح الفاروق بالأمر كفيلا
وارتضى عثمان من أصحابه ... لابنتيه كفؤاً براً نبيلا
وكسى عطفي على حلة ... لا تضاهى حين أعطاه البتولا
ولأهل البيت منه شرف ... وهو في الآيات باق لن يزولا
وبه آمنة نالت من الفض ... ل والفخر منالاً مستطيلا
يا رسول الله يا من مدحه ... في القوافي أقوم الألفاظ قيلا
مسني ضر غطاء ساتر ... من ذنوب غادرت قلبي كليلا
أنا منها تائب مستغفر ... فاسأل الرحمن لي صفحاً جميلا
وقال يمدحه صلى الله عليه وسلم:
سرى صوب الحيا إلهامي فأحيا ... مرابع بالحمى غزت عليا
مررت على رباها بالعشايا ... فيكسوها من الأزهار وشيا
إذا نشرت مطارفه عليها ... طوت عنها برود الجدب طيا
تعلق حبها قلبي فأضحت ... أحب الأرض في الدنيا إليا

(1/125)


وساكنها أحب الناس طرا ... إلى قلبي وأحظاهم لديا
فقل لعيشة قضيت فيها ... فداء كل شيء في يديا
شربت بها من المعنى كؤوساً ... يصول بها الوقار على المحيا
إذا ما خالطت سراً مصوناً ... سمت عزماته فوق الثريا
وما حيا نديم الشرت ميتاً ... بها إلا غدا في الحال حيا
مبرقعة المحاسن ما اجتلاها ... بخيل عد رشد الجود غيا
وتأنف أن يلم بها جبان ... يرى أحجامه في الحرب بقيا
ولكن من رأى الأمساك فقراً ... وعد الموت في العلياء محيا
حقائق ليس فيها من نصيب ... لمن لم يتبع السنن المهيا
شرائع سنها خير البرايا ... وأحكم عقدها أمراً ونهيا
فكيف يزيغ عنها ذو تقاة ... وقد نزلت من الرحمن وحيا
على المختار أحمد خير هاد ... وأزكى الناس أخلاقاً وهديا؟
حوى قصب السباق إلى المعالي ... فرتبة فضله في السبق عليا
تبين فضله والناس ذر ... إلى أن شاع عن موسى وشعيا
وقلد فخره مضراً وأعطى ... لواء المنصب السامي لؤيا
وأعلى كعب كعب في البرايا ... وأقصى الفخر بلغه قصيا
وشاد لهاشم أعلى مناراً ... فأضحوا أشرف الأحياء حيا
وأشرق نوره إذ كان حملاً ... على الجبهات للإبصار رئيا
وزاد البيت ذو الحرمات نوراً ... به لما بدا يمتص ثديا
وتم شبابه الريان يجري ... إلى حلبات أقصى الفخر جريا
وسلم كل مخلوق صموت ... عليه عند مبعثه وحيا
ونال بليلة المعراج شأوا ... لمن رام المصير إليه أعيا
أبر الناس ف قول وفعل ... وأثبت عزمةً وتقىً ورأيا
وأطول بالحسام العضب باعاً ... وأطعن بالقنا وأشد رميا
حليم صابر راض وفي ... جواد باسم طلق المحيا
فلم يحدث لأمر فات لوا ... ولم يمزج بوعد منه ليا
كريم طيب الأعراق سهل ... يذيق محبه بالبشر أريا
فإن ظهرت بسالته لقوم ... تجرع خصمه بالبأس شريا
له كف على العافين غيث ... وصاعقة على من صد بغيا
وقلب من قلوب الأسد أقوى ... ووجه من ذوات الخدر أحيا
يموت ببأسه في الحرب حزب ... وآخر بالندى في السلم يحيى
أتى بالحق والشيطان يسعى ... بباطل كيده في الناس سعيا
فاسمع بالهدى والذكر صماً ... وقاد إلى سبيل الحق عميا
وأوجب طاعة ونفى خلافاً ... فتم الأمر إيجاباً ونفيا
وأضحى الدين مذكوراً شهيراً ... به من بعد ما قد كان نسيا
ألا يا فاتح الخيرات فتحاً ... وباني قاعدات الشرع بنيا
ومن نرجوه في سر وجهر ... لكل أمورنا ديناً ودنيا
سل الرحمن في يسر وحج ... أموت على تقاضيها وأحيا
زيارة ربعك المعمور سقياً ... له من مربع رحب ورعيا
ورؤية وجهك الميمون طوبى ... لمشغوف جلتك عليه رؤيا
وخاتمة متوجةً بحسنى ... يفوز بها عبيد البر يحيى
يرى نظم المدايح فيك ذخراً ... إذا حثي التراب عليه حثيا
فذكرك في قريض الشعر مسك ... ووصفك يلبس الأوزان حليا
عليك من المهيمن كل وقت ... سلام لا يحاول عنك نأيا
ولا زالت لك الأنوار تهدى ... وفي الآخرى لك الزلفى تهيا
وقال رحمه الله وكتب بها إلى والدي رحمه الله
ألا يا حليف البيد يخترق الفلا ... يخوض نواح الأحتيناب المفاوز
إذا جئت أرض الشام أبرك بقعةً ... وأفتك جند بالعدو المناجز

(1/126)


فقف بالفقيه الحنبلي محمد ... حليف المعالي والخلال والغرائر
أمام الحسن البشر والبر باذل ... وللزهد والإخلاص والذكر كانز
فبلغ سلام العبد يحيى بن بوسف ... ولاتك عن حمل السلام بعاجز
وسلم عليه من قديم وداده ... علي بن وضاح تكن خير فائز
وقال وقد بلغه أن والدي رحمه الله قد حصل له مرض وبرئ فكتب إليه:
يا من غدا فهمه بالعلم مدرعاً ... وعقله برداء الحلم مقتنعا
وقلبه بشمال الدين مشتملاً ... وصدره بالها والرحب متسعا
ووجهه بسنا الأنوار مبتهجاً ... وكفه باللهى والجود مترعا
إن ألتقى والحجى والعلم والعمل ال ... مبرور والزهد والخيرات والورعا؟
من بعض أوصاف من أخفيت ... سنن وأبديت بدع قد أخفا البدعا
وأبدأ السنة الغراء مجتهداً ... لله حين أضحى الحق منقشعا
بمنصل كان شرع الله صيقله ... وما انتضى بدعة إلا لها قطعا
لما سمعت بداء قد عراك إذا ... وجدته في حشائي مولماً وموجعا
خوفاً على المذهب الهادي لمرتشد ... أن لا يرى بعد أهليه قد انصدعا
فشتت البدعة الظلماء حين ترى ... نجماً من السنة الغراء قد وقعا؟
لأنها قمر سار وأنت لها ... فلك ومنك سنا أنوارها طلعا
كذلك العلم روض زهره ثمر ... وأنت تجني المعاني منه ممترعا
قد كنت من قبل نظم الشعر فيك إذا ... يممت نظماً أراني مفتحاً لكعا
فحين ما جال فكري فيك خلت بأ ... ن كل نظم ونثر قد حويت معا
يوسف بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن جمادي بن أحمد بن محمد بن جعفرالجوزي بن عبد الله بن القاسم بن نصر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضوان الله عليه أبو المظفر محي الدين القرشي التيمي البكري البغدادي الحنبلي المعروف بابن الجوزي مولده في يوم ليلة السبت ثاني عشر ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة تفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وسمع من أبيه الإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن ومن أبي القاسم يحيى بن أسعد بن بوش وأبي الفرج عبد المنعم بن كليب وجماعة آخرين وترسل عن الديوان إلى مصر والروم والشام والشرق والموصل والجزيرة وغير ذلك عدة دفوع في الأيام المستنصرية والأيام المستعصمية وتولى أستاذية الدار ببغداد مدة وكان إماماً عالماً فاضلاً رئيسا أحد صدور الإسلام وفضلائهم وأكابرهم أجلائهم ومن بيت الفضيلة والرواية والدراية وحدث ببغداد ومصر وغيرهما من البلاد والده الإمام جمال الدين أوحد علماء المسلمين وحفاظ المحدثين صاحب التصانيف المشهورة والفضائل المذكورة في فنون العلم وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره.
وكان وصل محي الدين المذكور رسولاً من المستنصر بالله إلى حلب سنة أربع وثلاثين وملكها يومئذ الملك العزيز فتوفي في شهر ربيع الأول من السنة ثم توجه إلى الروم رسولاً فمات الملك علاء الدين سلطان الروم في شوال من السنة ثم توجه رسولا إلى الملك الأشرف ابن العادل وأخيه الملك الكامل فتوفي الأشرف في المحرم سنة خمس وثلاثين وتوفي الكامل في شهر رجب منها فعمل الأمير أبو القاسم بن محمود بن الأرشح بن الحسين بن محمود بن إبراهيم السنجاري المولد الحنفي المذهب
قل الخليفة رفقاً ... لك البقاء الطويل
أرسلت فيهم رسولاً ... سفيره عزرئيل
لم يبق من رعا البلاد ... إلا القليل
تلقاه حيث استقلت ... به الركاب عويل
فليت شعري هذا ... مغسل أم رسول
سموه باسمين كانا ... صديق فيما يقول
محيي تصدى مميتاً ... ويوسفاً وهوغول
وللملك الناصر داود بن المعظم عيسى في هذه الواقعة:

(1/127)


يا إمام الهدى أبا جعفر المن ... صور يا من له الفخار الطويل
ما جرى من رسولك الشيخ محي ال ... دين في هذه البلاد قليل
جاء والأرض بالسلاطين تزهو ... وانثنى والقصور منهم طلول
أقفر الروم والشآم ومصر ... أفهذا مغسل أم رسول
كان محي الدين المذكور قد ولاه الإمام الناصر لدين الله حسبة بغداد وأنعم عليه إنعاماً عظيماً ورزق منه حظا ولم يزل في عرق إلى أن ولي أستاذية الدار للخليفة وترسل عنه إلى ملوك الأقاليم وحصل له الوجاهة التامة ووعظ وله علم بالتفسير والحديث والفقه ونظم الشعر وله المدايح في الخلفاء خاصة قال المبارك بن أبي بكر بن حمدان في قلائد الفرائد قدم إربل رسولاً من ديوان الخلافة إلى خوارزم شاه منكيرني بن محمد بن تكش فاجتمعت به بعد عوده من الرسالة بأربل في أواخر شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة وذكر لي أن مولده في ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة وأن له عدة تصنيفات في الخلاف والجدل والمذهب والوعظ وأنه قرأ القرآن الكريم بالقراآت على أبي بكر الباقلاني وله كتاب سماه معادن الأبريز في تفسير الكتاب العزيز ومما قرأت عليه لنفسه من قصيدة مدح بها الناصر لدين الله رحمه الله:
وإذا طرف المشوق كبا ... لك تقل والله عثرته
وممات الصب صدكم ... وغداة الوصل بغيته
قصة المحزون سطرها ... في ظلام الليل غصته
صفحة الخدين رقعتها ... ودواة الصب مقلته
ويراع الوجد يعربها ... من مداد الشوق مدته
وإلى المحبوب يحملها ... من صبا الأسحار نسمته
وإذا حن الحزين أسى ... كحنين العيس حنته
وسلاف الحب تطربه ... فتذيع السر نشرته
مثل ما في النظم يطربني ... لإمام العصر مدحته
لوفود الجود قد كفلت ... بالأماني أريحته
من ندى كفيه تابعه ... حجة الإحسان عمرته
فعلت بالحق دولته ... فعلت في الخلق دعوته
يخجل الوطفاء هاميةً ... حين تهمى الجود مزنته
وأسود الغاب خاسئة ... قد كساها الخوف سطوته
فإذا ما البحر قيس به ... أشبه الغدران لجته
ومن الطين الورى خلقوا ... ومن العلياء طينته
ولنا منه الندى وله ... من إله العرش نصرته
وله رق الورى وله ... من رسول الله بردته
ومنانا أن يدوم لنا ... لتنال السول دولته
إن ميت الجود عاش به ... بعد ما ضمته حفرته
وإذا ما الله عمره ... كملت للجود بغيته
فلمن عاداه نار لظىً ... ولمن والاه جنته
وقال أيضاً:
يا نفس ويحك قد دهاك ... قهر الغير هداك حين دهاكي
فكأنني بك قد أنال ... يلقاك منه الذل إذ يلقاكي
فلئن ركنت إلى سرور زائل ... فلقد رضيت بخادع أفاك
ولئن نظرة مرة لمسرةً ... فلتنظرن غداً بمقلة باكي
أتراك مالك عبرة في من مضى ... ممن علمت من الورى أتراكي
إن الذين بنوا مشيداً وانثنوا ... يسعون سعي القاهر الفتاك
من كل من ضاق الفضاء بجيشه ... وسمته همته على الأفلاك
نقلوا إلى ضيق اللحود وقد غدوا ... في الأسر ليس لهم سبيل فكاك
ولقد علمت بأن سبلك سبلهم ... فعلام لا تتأهبين فما أشقاك
جدي فأيام الحياة قصيرة ... وكأنني بالموت قد فاجأكي
العز ذل والحياة منية ... والقرب بعد هكذا دنياكي
لا تحسبي المأخوذ في يوم الجزا ... أخذاً بما كسبت يداك سواك
فتزودي ما شئت من حسن ومن ... سوء فذلك كله يلقاك

(1/128)


ويلاه من نصب الصراط ووضعه ... وشهادة الأعضاء والأملاك
قد طال ما وافقت رأيك في الهوى ... وعصيت عقلي طائعاً لرضاكي
ورأيت أعدا صاحب لي ناصحاً ... وأخي الموافق لي على بلواك
فالآن حين مضى الشباب بشرخه ... وأتى المشيب مبادراً ينعاكي
وأبيض من فودي ما لو يفتدى ... لفديته بكرائم الأملاك
أدعوك للأمر الرشيد فتنفري ... بدلت غيرك قبل يوم هلاكي
لا تجعليني قائلاً لك في غد ... كم كنت من هذا البلا أنهاكي
وأرى شقياً من أطاعك جاهلاً ... ولو أهتدى لرشاده لعصاك
فاستغفري بالله العظيم لما مضى ... وعليك فيما فات باستدراك
وذكر ابن المستوفي في تاريخ أربل أن محي الدين المذكور تولى حسبة بغداد وعقد بها مجالس الوعظ وقيل أنه كان يعمل في كل أسبوع قصيدة يمدح بها الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين.
وقال قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن خلكان رحمه الله تعالى في كتابه الموسوم بوفيات الأعيان حكى لي الوجيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن سويد التاجر التكريتي قال كان الشيخ محي الدين أبو المظفر يوسف بن الجوزي رحمه الله قد توجه رسولاً من بغداد إلى الملك العادل بن الكامل بن العادل بن أيوب سلطان مصر في ذلك الوقت وكان أخوه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محبوساً في قلعة الكرك يومئذ فلما عاد محي الدين راجعاً إلى بغداد وقدم دمشق وكنت بها فدخلت عليه أنا والشيخ أصيل الدين أبو الفضل عباس بن عثمان بن نبهان الأربلي وكان رئيس التجار في عصره وجلسنا نتحدث معه فقال حلفت الملك الناصر داود صاحب الكرك أن لا يخرج الملك الصالح نجم الدين من الحبس إلا بأمر أخيه الملك العادل قال فقال له الأصيل يا مولانا هذا بأمر الديوان العزيز فقال محي الدين وهل هذا يحتاج إلى أذن؟ هذا أقتضته المصلحة لكن أنت تاريخ يا أصيل الدين فقال يعني مولانا أني قد كبرت وما أدري ما أقول وأنا أحكي لمولانا حكاية في هذا المعنى أعرفها من غرائب الحكايات قال هات فقال كان ابن رئيس الرؤساء ناظر واسط يحمل في كل شهر حملاً من واسط وهو ثلاثون ألف دينار لا يمكن أن يتأخر يوماً عن العادة فتعذر في بعض الأشهر كمال الحمل فضاق صدره لذلك وذكره لنوابه فقالوا له يا مولانا هذا ابن زيادة عليه من الحقوق أضعاف ذلك ومتى حاسبته قام بما يتم الحمل وزيادة فاستدعاه وقال له أنت لم لا تؤدي كما يؤدي الناس فقال أنا معي خط الإمام المستنجد بالمسامحة قال فهل معك خط مولانا الإمام الناصر قال لا قال قم واحمل ما يجب عليك قال ما ألتفت إلى أحد وما أحمل شيئاً ونهض من المجلس فقال النواب لابن رئيس الرؤساء أنت صاحب الوسادتين وناظر النظار وما علي يدك يد ومن هو هذا حتى يقابلك بمثل هذا القول ولو كسبت داره وأخذت ما فيها لما قال لك أحد شيئاً وحملوه عليه حتى ركب بنفسه وأجناده وكان ابن زيادة يسكن قبالة واسط وقدموا لابن رئيس الرؤساء السفن حتى يعبر إليه وإذا بزبزب قد قدم من بغداد فقال ما قدم هذا إلا في مهم ننظر ماهو ثم نعود إلى ما نحن بسببه فلما دنا من الزبزب فإذا فيه خدم من خدام الخليفة فصاحوا به الأرض الأرض فقبل الأرض وناولوه مطالعة وفيها قد بعثنا خلعة ودواة لابن زيادة فتحمل الخلعة على رأسك والدواة على صدرك وتمشي إليه راجلاً وتلبسه الخلعة وتجهزه إلينا وزيراً فحمل الخلعة على رأسه والدواة على صدره ومشى إليه راجلاً فلما رأه ابن زبادة انتشده ابن رئيس الرؤساء
إذا المرء حي فهو يرجى ويتقى ... وما يعلم الإنسان ما في المغيب
وأخذ يعتذر إليه فقال له ابن زبادة لا تثريب عليكم اليوم وركب في الزبزب إلى بغداد وما علم أن أحداً أرسلت إليه الوزارة غيره فلما وصل إلى بغداد أول ما نظر فيه أن عزل ابن رئيس الرؤساء عن واسط وقال هذا ما يصلح لهذا المنصب ثم قال الأصيل المصلحة يا مولانا أن تخرج الملك الصالح وتملك وتعود إليه ويقع وجهك في وجهه وتستحي منه فأنشده محي الدين:

(1/129)


وحتى يؤب القارظان كلاهما ... وينشر في الموتى كليب لوائل
فما كان إلا مديدة حنتى خرج الملك الصالح من حبس الكرك وملك مصر وقبض على العادل فخرج محي الدين للقائه وكان بها رسولاً إلى العادل.
قلت ومولد قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن علي بن زبادة الشيباني يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة وتوفي ليلة الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة ببغداد رحمه الله.
وأما جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محي الدين يوسف المذكور فمولده سنة ست وستمائة سمع ووعظ وترسل عن الديوان إلى مصر وولي الحسبة ببغداد ودرس بالمدرسة المستنصرية على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى وكان رئيساً معظماً من أعيان الدولة وأماثلها وله ديوان شعر حدث بمصر وببغداد وقتل ببغداد شهيداً في صفر سنة ست وخمسين وكان والده بكر به فأسمعه من الشيخ أبي محمد عبد العزيز وغيره من شيوخ بغداد ومن شعره في النبي صلى الله عليه وسلم من أبيات:
فضل النبيين الرسول محمد ... شرفا يزيد وزادهم تعظيما
در يتيم في الفخار وإنما ... خير اللآلي ما يكون يتيما
ولقد شاي الرسل الكرام فكلهم ... قد سلموا لجلاله تسليما
وأما أخوه شرف الدين فهو الذي كان أرسله المستعصم بالله إلى هولاكو لما قصد بغداد يبذل له الأموال وكان من الرؤساء الأعيان الفضلاء وأما أخوه تاج الدين فكان رئيساً فاضلاً عالماً متديناً من أعيان رؤساء بغداد فقتل الجميع شهداء على يد التتر ببغداد في شهر صفر رحمهم الله.
السنة السابعة والخمسين وستمائة
دخلت هذه السنة والملك الناصر صاحب الشام وغيره ففي أوائلها رحل بالعساكر متتبعاً آثار البحرية فاندفعوا بين يديه إلى الكرك فنزل بركة زيزاء ليحاصر الكرك وصحبته الملك المنصور صاحب حماة فجاء إلى الملك الناصر رسل المغيث ودار القطبية ابنة الملك المفضل قطب الدين بن العادل يتضرعون إليه ويطلبون رضاه عن المغيث فشرط عليه أن يقبض على من معه من البحرية فأجاب إلى ذلك وقبض عليهم وجهزهم إلى الملك الناصر على الجمال وهو نازل ببركة زيزاء فحملوه إلى حلب واعتقلوا بها ولما أحس الأمير ركن الدين البندقداري بما وقع عليه الإتفاق هرب من الكرك في جماعة من البحرية ووصل إلى خدمة الملك الناصر فتلقاهم وأحسن إليهم وعفا عنهم ولما تم الصلح رجع الملك الناصر إلى دمشق وصحبته الأمير ركن الدين البندقداري وتوجه صاحب حماة إليها.

(1/130)


وفيها دخل هولاكو ديار بكر قاصداً حلب ونزل على آمد وبعث رسله إلى الملك السعيد نجم الدين أيلغازي صاحب ماردين يستدعيه فسير إليه الملك المظفر قرا أرسلان وقاضي القضاة مهذب الدين محمد بن مجلي والأمير سابق الدين بلبان وكان أكبر أمرائه وعلى أيديهم هدية وحملهم رسالة تتضمن الإعتذار عن الحضور بمرض منعه من الحركة ووافق وصولهم إليه أخذه لقلعة اليمانية وإنزاله من بها من حريم الملك صاحب ميافارقين رحمه الله وأولاده وأقاربه وهم ولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف جفتاي والملك السعيد عمر وابن أخيه الملك الأشرف أحمد وابن تاج الملوك علي بن الملك العادل وينعت بالصالح نجم الدين أيوب فلما رأوهم هلعوا وجزعوا وأدوا الرسالة فقال ليس مرضه بصحيح وإنما هو متمارض مخافة الملك الناصر فإن انتصرت عليه اعتذر إلى بزيادة المرض وإن انتصر على كانت له اليد البيضاء عنده إذ لم يجتمع بي فلو كان للملك الناصر قوة يدفعني لم يمكني من دخول بلاده وقد بلغني أنه بعث حريمه وحريم أمرائه وكبراء رعيته إلى مصر ولو نزل صاحبكم إلى رعيت له ذلك ثم أمر برد القاضي وحده فعاد وأخبر الملك السعيد بصورة الحال وعرفه أنه رأى عند هولاكو عز الدين وركن الدين ملوك الروم فتألم وندم على إرسال ولده وبعث رسلاً إلى البرية إلى الملك الناصر يستحثه على الحركة إلى حلب ويعرفه أنه متى وصل إليها رحل إليه برجاله وماله وسير الأمير عز الدين يوسف السماع رسولاً في الظاهر إلى هولاكو بهدية وإلى ولده وإلى ولدي غياث الدين صاحب الروم باطناً يحرض ولده على الهروب وينكر على ولدي صاحب الروم في مجيئهما فيكما فأوسعا الحيلة في الإنفصال عنه والحذر منه فشكراه وقال عز الدين والله ما خرجت البلاد عن أيدينا إلا بتخاذل بعضنا عن بعض فلو كانت الكلمة مجتمعة لم يجر علينا ما جرى.
وفيها توفي محمد بن ملي بن محمد بن الحسن بن عبد الله أبو عبد الله بهاء الدين القرشي الدمشقي العدل المعروف بابن الدجاجية الصالحي مولده في ثاني شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وتوفي في ثاني المحرم وقيل في رابعه من هذه السنة بدمشق ودفن من الغد بمقابر الباب الصغير كان فاضلاً شاعراً حسناً مطبوع الشعر ووالده يلقب حفظ الدين كان فقيهاً شافعياً نظم المهذب قصيدة ودرس ببصرى ومولده ثامن المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بدمشق ومات لها ليلة الخميس ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وعشرين وستمائة رحمه الله وللبهاء المذكور يقول:
عن حبكم قط لا أحول ... ولو برى جسمي النحول
جمالكم قال أني ... مهما فعلتم بي هو الجميل
دلالكم ما خفي علينا ... بأنه للجفا دليل
يا كاحلاً بالسهاد طرفي ... يتمنى طرفك الكحيل
تنكسف الشمس حين تبدو ... ويخجل الغصن إذ تميل
لا تسمعوا في المحب قولاً ... زوره المبغض العذول
واحيرتي وانقطاع ظهري ... إن لم يكن لي بكم وصول
وله أيضاً:
من أين لقدك ذا الهيف ... قد حار الواصف ما يصف
الرمح الأسمر يحسده ... والغصن الأخضر والألف
فتبارك من أنشاك لقد ... في الخلق تفاضلت الطيف
قسماً بهواك وما أحلا ... قسم العشاق إذا حلفوا
وبمن خاضوا غمرات منىً ... وحصى الجمرات بها حذفوا
لا حلت عن المشتاق ولو ... أودى بحشاشتي التلف
يلحاني قوم ما فهموا ... ما شأني فيك ولا عرفوا
وله يمدح الملك الناصر يوسف:
دعوا دماً ضيعه أهله ... لا ستمر الجزع ولا أثله
ولا لبيناه ولا مية ... ولا سليماه ولا جمله
لو غض طرفاً ما ارتقت ... له ثم دماً ورى قتله
أحبابنا لئن توسعوا ... عذراً لمن ضاقت به سبله
وطرفه إن كان لما رنا ... جنى فقد حاق به فعله
ويلاه يا أهل الحمى لم يكن ... يعهد منكم ذا الجفا كله
صار طفيلياً على وصلكم ... من شاب في حبكم طفله

(1/131)


لم يك يوم الضال جمعي بكم ... إلا خيالاً زائلاً ظله
حلو التثني والتجني لوى ... عني ديناً لم يجز مطله
إن كان قد أحزنني هجره ... فطالما أفرحني وصله
كفرحة الدينا بسلطانها ال ... ناصر من عم الورى عدله
وله دوبيت:
بالله قفوا بعيسكم في الربع ... كي نسأل عن سكان وادي الجزع
إن لم أرهم أو أستمع ذكرهم ... لا حاجة لي في بصري أو سمعي
وقال:
يا أيها الصاحب الصدر الكبير ومن ... إليه قد طال إيرادي وإصداري
تركت قولي ومحض الشرع فهو معي ... وملت عني إلى قول ابن بندار
ما أنت إلا كما قد قال بعضهم ... وما علي بهذا القول من عار
المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
وله دوبيت:
ما عذر فتىً ما مد للهو يداً ... والروح قد اكتسى ثيابا جددا
مالت طرباً أغصانه راقصةً ... لما صدح الطير عليها وشدا
عرته غرته لما سرى ... ظن بأن الصبح قد أسفرا
اقبل يسعى خفراً خائفاً ... على ذمام الوعد أن يخفرا
زار محبا بات مستطولاً ... من ليله ما راح مستصغرا
يحق يا قوم لمن قده ال ... خطاران لا يرهب إلا خطرا
ضمته إذ قد نام سماره ... كما يضم البطل الأسمرا
بتنا وما في ليلنا من كرى ... كأنما النوم غدا مسكرا
وقال:
إلى سلم الجرعاء أهدى سلامه ... فماذا علي من قد لحاه ولامه
غريم الأسى أمسى فلا تمنعوه أن ... يبث إذ ذكر الحبيب غرامه
تجلد حتى لم يدع معظم الجوى ... لرائيه إلا جلده وعظامه
ولا عجب من فرط سقم بجسمه ... وصحة ود المرء يبدي سقامها
أاحبابنا الشاكين جدب وهادهم ... وعهدي به يروي العهاد إكامه
إذا لم يجد قطراً على منحناكم ... دمعا يقوم مقامه
ترى هل يعيد الله للصب وصلكم ... بذاك الحمى من قبل يلقى حمامه
ليهدي بكم قلب أطلتم خفوقه ... وينظركم طرف سلبتم منامه
وبي ظالم في الحكم لو أن وجهه ... تجلى بجنح الليل جلى ظلامه
يقوم بعذري فيه عند عواذلي ... إذا ما انثنى تيهاً يهز قوامه
تزرد خوفاً سالفاه للحظه ... بأنهما لا يِأمنان سهامه
وقال:
إلا مالقى قلبي وياما بكم لقي ... فيا ليتني ما عشت لم أعرف العشقا
نأت داركم من بعد قرب عن الغضا ... فلي دمع عين لا يفيض ولا يرقى
وقال الأعادي إنني قد سلوتكم ... لعمري لقد قال العدو وما أبقا
هوى من كساني السقم غير هواكم ... وفرقه من قد شبيت منى الفرقا
ووالله لو لم ينزلوا برق الحمى ... لما شمت من تلقاء ساحته برقا
المظفر بن محمد بن ألياس بن علي بن أحمد بن عبد الله بن علي أبو غالب نجم الدين الأنصاري الدمشقي المعروف بابن الشيرجي مولده بدمشق في شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة وسمع من أبي طاهر الخشوعي وابن طبرزد وحنبل وغيرهم وحدث وكان من العدول الأكابر الأعيان الرؤساء ولي الحسبة بدمشق ونزل الجامع بها وتوفي ليلة سلخ ذي الحجة رحمه الله وبيته مشهور بالرئاسة والتقدم والعدالة.

(1/132)


يوسف القميني كان مأواه القمامين والمزابل بدمشق وغالب أوقاته يكون بقمين حمام نور الدين رحمه الله بسوق القمح ويلبس ثيابا طوالا تكنس الأرض وهو حاف مكشوف الرأس طويل الصمت قليل استعمال الماء ولكثير من الناس فيه عقيدة جميلة ويحكون عنه أنه كان يكاشفهم في كثير من الأوقات وكان بعض من يعتقد فيه يحضر له شيئاً من المأكول والمشروب ويجتهد به فيتناول منه قدراً يسيراً ولازم هذه الطريقة الشاقة إلى أن توفي في سادس شعبان بدمشق ودفن بسفح قاسيون في تربة المولعين رحمه الله، وكانت له جنازة حافلة لم يتخلف عنها إلا القليل وكان من غرائب العالم يترنح في مشيته ولا يلتفت إلى أحد ولا يعبأ به.
أبو بكر بن الملك الأشرف أبي الفتح محمد بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الدين شاذي رحمه الله مولده بمصر في النصف الآخر من شعبان سنة سبع وتسعين وخمسمائة سمع من حلب من ابن طبرزد وحنبل ودخل بغداد وسمع بها من أصحاب أبي الوقت السجزي وحدث بدمشق وغيرها وكانت وفاته في الثاني والعشرين من ذي الحجة بالياروقية بحلب رحمه الله.
؟؟السنة الثامنة والخمسون والستمائة
أولها يوم الخميس فيها كثر الإرجاف بوصول التتار إلى البلاد العربية فجفل الناس من بين أيديهم إلى الديار المصرية والجبال والأماكن المتوعرة وفي منتصف صفر ورد الخبر إلى دمشق باستيلاء التتار على بلاد حلب بالسيف وكان نزولهم على حلب في ثاني صفر واستولوا عليها في تاسعه وأمنوا أهلها ثم غدروا بهم فقتلوهم ولما اتصل ذلك بالملك الناصر رحمه الله سار عن دمشق بأمرائه نحو القبلة وكان رسل التتار بقرية حرستا فدخلوا دمشق ليلة الأثنين سابع عشر صفر وقرئ في يوم الأثنين بعد صلاة الظهر فرمان جاء من عند ملكهم يتضمن الأمان لأهل دمشق وما حولها وشرع أكابر البلد في تدبير أمرهم معهم وفي سابع عشر ربيع الأول وصل إلى دمشق نواب التتار فلقيهم كبراء البلد أحسن ملتقى وقرئ ما معهم من الفرمان المتضمن الأمان بالميدان الأخضر ووصلت عساكرهم من جهة الغوطة مارين وراء الضياع إلى جهة الكسوة وأهلكوا في ممرهم جماعة كانوا قد تجمعوا وتخرموا وعدم بسبب ذلك جماعة من غيرهم وفي السادس والعشرين منه جاء منشور من هولاكو للقاضي كمال الدين عمر بن العديم بتفويض قضاء القضاة إليه بمدائن الشام والموصل ومارين وميافارقين والأكراد وغير ذلك وتفويض جميع الأوقاف إلى نظيره ووقف الجامع وغيره وكان القاضي قبله صدر الدين أحمد بن سنى الدولة من جمادى سنة ثلاث وأربعين وكان كمال الدين ينوب عنه في الحكم بدمشق وفي ربيع الآخر رجعت عساكر التتار التي كانت عبرت على دمشق بعد ما عاثت في بلاد حوران وأرض نابلس وما حولها وكان الأمير محي الدين إبراهيم بن أبي زكري بنابلس فقاتلهم قتالاً شديداً وأبلى بلاء حسناً بحيث قتل بيده منهم عشرة نفر ثم قتل رحمه الله فلما بلغ الملك الناصر رحمه الله ذلك وهو بغزة توجه نحو الديار المصرية فنزل العريش ثم قطيا ثم تفرق عسكره عنه فتوجه معظم العسكر إلى الديار المصرية مع الأثقال وعاد الملك الناصر في طائفة من خواصه لشئ بلغه عم ملك مصر ونزل بوادي موسى ثم نزل بركة زيزاء فكبسه التتار بها وتفرق عنه معظم أصحابه ثم أستأمن له بعض أصحابه وصار إليهم فكان معهم في ذل وهوان إلى أن قتل على ما نذكر إن شاء الله تعالى.

(1/133)


وأما العساكر التترية فبلغت غارتهم أرض غزة وبلد الخليل صلوات الله عليه والصلت وبركة زيزاء وموجب الكرك ونحو ذلك فقتلوا الرجال وسبوا النساء والصبيان واستاقوا من الأسرى والأبقار والأغنام والمواشي شيئاً كثيراًَ وأخذوا من الأسلاب والأثاث ما لا يحصى فلما وصلوا دمشق اشترى من الأسرى شئ كثير وأطلقوا وهرب بعضهم واستصحبوا معهم من بقي وقد كانت قلعة دمشق امتنع بها الأمير بدر الدين محمد بن فريجار واليها وجمال الدين بن الصيرفي نقيبها في جمع كثير بها واحتيج إلى حصارها فجاءها من التتر خلق كثير وصلوا يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى فما يأتوا تلك الليلة حتى قطعوا من الأخشاب ما احتاجوا إليه فكانوا أستصحبوا معهم أكثر من عشرين منجنيقاً تجرها الخيل وهم ركاب عليها وقدموا قبل ذلك بأسلحة تجرها البقر على العجل وأصبحوا يوم الاثنين يجمعون الحجارة لرمي المجانيق فاخربوا حيطاناً كثيرةً وأخذوا حجارتها من أساسها وأخربوا طرفاً من القنوات بسبب الحجارة وهيؤها للرمي ونصبت المجانيق ليلة الثلاثاء وأصبحوا يرمون بها رمياً فأخربوا كثيراً من القلعة من غربيها فما أمسوا حتى طلبوا الأمان فأمنوهم وخرجوا من الغد ونهب ما في القلعة وأحرق فيها مواضع كثيرة وهدم من أبراجها وأعاليها ثم ساروا إلى بعلبك وكان قبل ذلك حضر عند هولاكو تقي الدين الحديثي الحشائشي وكان هذا تقي الدين أصله من قرية حديثا من بقاع بعلبك وربي ببعلبك بين أهلها كأحدهم ثم سافر إلى الديار المصرية وفاق أهل عصره في معرفة الحشائش والأعشاب وخواصها ومنافعها ومضارها وتقدم عند الملك المعز أيبك التركماني وأعطاه أقطاعاً جيداً ثم جهزه إلى الملك الناصر في بعض مهماته فاتفق قتل الملك المعز وهو بالشام فأقام بدمشق فورد كتاب هولاكو على الملك الناصر رحمه الله يطلب جماعة التقى أحدهم فسيرهم إليه فحصل له منه إقبال فلما حصل الإستيلاء على حلب سأل من هولاكو فرمان لأهل بعلبك وشحنة من التتر فأجابه إلى ذلك فوصل المذكور ومعه الفرمان والشحنة ودخل بعلبك واجتمع به أهلها وكلهم معارفه ومعظم أصحابه وتحدث معهم في الدخول في الطاعة وقبول الأمان وكان سائر أهل البلاد إلا القليل قد صعدوا إلى القلعة بأموالهم وحريمهم مصممين على العصيان وكان نائب السلطنة بالأعمال البعلبكية الأمير ناصر الدين محمد بن البتيني رحمه الله فعندما بلغ أهل البلد منازلة التتر لحلب سألوه المقام عندهم والذب عنهم وتدبير أمورهم فأجابهم وأصعد إلى القلعة شيئاً كثيراً فلما بلغه أخذ حلب وتوجه إلى الملك الناصر من دمشق رجع عن الصعود إلى القلعة وسافر من جهة بانياس والصبيبة وكانت تحت نظره وولايته وسافر معه جماعة من أهل بعلبك فلما اتفق بعد ذلك قدوم التقى تحللت العزائم وجنحت إلى قبول الأمان فقال لهم ينزل معي جماعة من أعيان البلد إلى دمشق لأحضرهم عند نواب الملك وأعرفهم بدخولهم في الطاعة فتعوجه صحبته جماعة من الأعيان قريب خمسة عشر نفراً فلما وصلوا دمشق أنزلوا في مدرسة الأمير ناصر الدين القيمري ورتب لهم راتب متوفر من الطعام والحلواء والفاكهة وغير ذلك وأحسن إليهم غايةالإحسان وخلع عليهم خلع سنية وهذا لم يجر لغيرهم مع التتر فرجعوا إلى بعلبك صحبة التقى على أن تسلموا القلعة وينزل الناس إلى بيوتهم فاتفق يوم وصولهم إلى بعلبك وصول بدر الدين يوسف الخوارزمي إلى بعلبك من عند هولاكو ومعه فرمان بولاية بعلبك وأعمالها، وكان هذا بدر الدين رحمه الله قد ولي مدينة بعلبك في الأيام الناصرية ورفق بأهلها وعاملهم أجمل معاملة وصادق كثيراً منهم وعاشرهم ثم عزل وولي ولايات أخر ثم عزل عنها واعتقل بدمشق وأنقضت الدولة الناصرية وهو بالاعتقال فخرج من الحبس وقصد هولاكو وكان عنده وتوصل ومعرفة بسائر الألسن، وهو مقبول الصورة وله معرفة بابن كشلوخان وكان ابن كشلوخان مع التتر وله صورة عندهم فلما حضر بدر الدين المذكور عند هولاكو ذكر معرفته ببعلبك وأهلها وتكفل بتسهيل ما تعسر منها وكان لبعلبك عند التتر صورة كبيرة لحصانة قلعتها ونجدة رجالها فكتب له فرمان بولايتها واتفق وصوله على ما تقدم فتحلل لقدومه معظم العزائم ودخل البلد وأمر ونهى وأنس به الناس لقديم المعرفة وتمسك بالعصيان شجاع الدين إبراهيم والي القلعة ومن عنده من المستخدمين وقريب نصف أهل البلد

(1/134)


وقد كتب شجاع الدين إلى الملك الناصر رحمه الله يعرفه صورة الحال واستأذنه في ما يفعل وسير الكتاب مع شخص يعرف بالمقرئ إبراهيم فوجده ببركة زيزاء فأعطاه المطالعة فقرأها وقال داروا عن أنفسكم وكتب الجواب بمثل ذلك. كتب شجاع الدين إلى الملك الناصر رحمه الله يعرفه صورة الحال واستأذنه في ما يفعل وسير الكتاب مع شخص يعرف بالمقرئ إبراهيم فوجده ببركة زيزاء فأعطاه المطالعة فقرأها وقال داروا عن أنفسكم وكتب الجواب بمثل ذلك.
حكى لي المقرئ إبراهيم المذكور قال لما قرأ المطالعة وأمر بكتب الجواب حصل له في خلال ذلك رعاف يسير فمسح أنفه بمنديل كان في يده ورماه وطلب غيره فلم يكن عنده غيره فغسل بيده موضع الدم منه وحمله قال ولم أجد معه إلا نفراً يسيراً جداً إن في ذلك لعبرة.
وأما أهل القلعة فتمسكوا بالعصيان وأنتظار ما يرد به جواب الملك الناصر فعاد كتبغا نوين بالعساكر وكان عند توجهه إلى دمشق اجتاز بعلبك ولم يتعرض لقتالها فلما عاد بعد أخذ قلعة دمشق أحضر معه بدر الدين محمد بن قريجار وجمال الدين بن الصيرفي ليتحدثا مع أهل القلعة فتحدثوا فلم يفد وحضر إبراهيم بجواب الملك الناصر فحلل ما بقي من العزائم غير أن الوثوق بأمان التتر غير محقق فلما رأى كتبغا أصرارهم نازل القلعة ونصب عليها عدة مجانيق في يوم الأحد وجميعها تضرب في برج واحد لعله من أحصن الأبراج بحيث فتحت فيه المجانيق طاقة كبيرة كالباب الكبير فِأذعن أهل القلعة بتسليمها وطلبوا الأمان فأمنهم كتبغا على أنفسهم وأن يخرج كل أنسان بما يستطيع أن يحمله من ماله فخرجوا على هذه الصورة بعد عصيان يوم واحد ووفي لهم بذلك ولم يرق لأحد محجمة دم ثم بعد خروج الناس من القلعة دخلها كتبغا فرآها وصعد قلتها ونهبها التتر وأخذوا ما وجدوا فيها ورحلوا وقد بقي فيها من القمح والشعير والحبوب والدبس واللبن وغير ذلك من الطعومات شئ كثير فتلطف بدر الدين يوسف الخوارزمي وأحسن السياسة فيه بحيث شاور كتبغا وتلطف به حتى أجاب إلى أن يقرر عن هذا الطعم درهم معلوم فقرر على ذلك قريب خمسين ألف درهم بحيث ناب غرارة القمح عشرين درهما وغرارة الشعير عشرة دراهم وقنطار الدبس الشديد عشرين وقنطار اللبن ثلاثون درهما فحصل للناس بذلك رفق كثير.
ثم أن كتبغا أمر باعتقال شجاع الدين إبراهيم والي القلعة ببعلبك وديوانها فاعتقلوا خلا شاهد القلعة فإنه كان خرج منها قبل حصرها وطلع إلى جبل الكسروانيين فاعتقلوا ثم أستدعوا إلى مرج يرغوث وضربت رقابهم وضربت رقبة ولد الشجاع وصهره معه ولذلك ضرب هناك رقبة بدر الدين محمد بن فريجار وابن الصيرفي نقيب قلعة دمشق وجرى بألطاف الله تعالى بأهل بعلبك ما لم يكن في الحساب فلله الحمد على ذلك.
وفي غرة شعبان حضر الملك الأشرف موسى بن صاحب حمص إلى بعلبك وقد استقر نائب هولاكو في الشام وسلم إليه حمص والرحبة وتدمر وتل باشر بقلاعها فأقام بظاهر بعلبك يومين فتوجه إلى دمشق.
وفيها توجه قاضي القضاة محي الدين يحيى بن الزكي وأولاده وأخوه لأمه شهاب الدين وقاضي القضاة صدر الدين أحمد بن سنى الدولة إلى أرد وهولاكو فأدركوه دون الفرات قبل قطعها ثم عادوا إلى طريق بعلبك فوصلوها سادس جمادى الآخرة أو سابعها بكرة الخميس ومحي الدين في تجمل عظيم وهو راكب في محفة ومعه من الحشم والغلمان والأولاد والحاشية ما لا مزيد عليه وصلى الجمعة في شباك قبة المدرسة الأمينية المجاورة جامع بعلبك وأحضر منبر إلى صحن الجامع قبالة الشباك المشار إليه وقرأ عليه تقليده وهو تقليد عظيم جدا بسط فيه القول والمبالغة في تفحيم القاضي محي الدين بحيث لا يخاطب فيه إلا بمولانا وهو يتضمن فيه تفويض القضاء إليه بسائر البلاد والشامية من قنسرين إلى العريش ونائبه أخوه لأمه شهاب الدين اسماعيل بن أسعد بن وحيس وكذلك الأوقاف وغيرها وأن يشارك النواب في أمورهم بحيث لا يخرج عن رأيه ولا يستبدون دونه بأمر وكان عليه حال قعوده في الشباك فرجية عظيمة سوداء منسوجة بالذهب قيل أنها الخلعة التي خلعت على الملك الناصر يوسف رحمه الله من جهة الخليفة أخذت من قلعة حلب وعلى رأسه بقيار صوف بغير طيلسان ثم توجه إلى دمشق وأقام القاضي صدر الدين ببعلبك في منزل إلى حين توفي رحمه الله وسنذكره إن شاء الله تعالى.

(1/135)


ثم وصل محي الدين إلى دمشق وقرأ الفرمان بتوليته يوم الأربعاء أربع عشر جمادى الآخرة تحت النسر بجامع دمشق وحضر قرائته إيلبان نائب ملك التتر وكان من المغل وحضرت زوجته معه وقعدت على طراحة بسطت لها بين زوجها والقاضي إلى جانب العمود الشرقي في الباب الكبير الأوسط من باب أبواب النسر بالجامع ثم أضاف القاضي محي الدين إلى نفسه وأولاده عدة مدارس كالعذراوية والسلطانية والفلكية والركنية والقيمرية والكلاسية والصالحية وولاها عماد الدين بن عزى والأمينية ولاها ولده عماد الدين عيسى مع مشيخة الشيوخ وباشر أخوه شهاب الدين عنه نيابة الحكم مع التدريس الرواحية والشامية البرانية مع أن شرطها لا يجمع المدرس بينها وبين غيرها وبقي الأمر كذلك إلى أن ملك المسلمون في أواخر شهر رمضان من هذه السنة فبذل أموالاً جليلة على أن يستمر على حاله فأجيب إلى ذلك نحو شهر ثم أمر بالسفر مع السلطان الملك المظفر رحمه الله إلى مصر فتولى القاضي أبو بكر محمد بن سنى الدولة وقرئى تقليده تقليده بشباك الحكم بالجامع بدمشق يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي القعدة.
وفيها لما استولى التتر على القلاع أبقوا بلاطنس على ابن واليها نجم الدين بن قايماز الظاهري فلما كسروا أستفسد مظفر الدين عثمان بن منكورس صاحب صهيون من كان بها من الأجناد على نجم الدين واليها فسلموه إليه في العشر الأول من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وبقيت في يده إلى أن سلمها لولده عز الدين أحمد فبقيت في يده مدة حياة أبيه إلى أن سلمها إلى نواب الملك الظاهر في سنة سبع وستين وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وفيها وصل الخبر باستيلاء التتر على عدة قلاع منها الصلت وعجلون وصرخد وبصرى والصبيبة وهدموا الجميع حسب ما أمكنهم.
وفيها وصل الخبر أن طائفة التتار وقعوا على العرب عند زيزاء وحسبان فهزموهم وغنموا من أولادهم ونسائهم وأنعامهم شيئاً كثيراً واستاقوا الجميع وهرب الملك الناصر إلى البراري فساقوا خلفه فأخذوه وقد بلغ شربة الماء نحو مائة دينار وأتوا به إلى كتبغانوين فوقفه بين يديه وأهانه وقرعه ثم أتوا به دمشق مع من قدم من الكرك من الدمشقيين الذين كانوا هربوا إليها وكان كتبغا سير القاضي كمال الدين التفليسي رحمه الله برسالة منه إلى الملك المغيث صاحب الكرك يلتمس منه الدخول في الطاعة فأجاب بجواب ظاهره الطاعة وباطنه المراوغة وانتظار ما تجري به المقادير فلما عاد القاضي كمال الدين إلى الكرك صحبه جماعة ممن كان ألتجأ إليها من الدمشقيين بعد مشقة شديدة وجدوها من تنردهم مع التتار كيف ما داروا نحو من خمسة وثلاثين يوما وكان وصولهم سادس شهر رجب وسار الملك الناصر رحمه الله مع جماعة من التتار إلى هولاكو في رابع عشر شهر رجب ومعه ابنه الملك العزيز وأخوه الملك الظاهر علي والصاحب إسماعيل بن صاحب حمص وغيرهم.
وفيها في يوم الاثنين السابع والعشرين من جمادى الأولى طيف بدمشق برأس مقطوع مرفوع على رمح قصير معلق بشعره وهو في قطعة شبكة زعموا أنه رأس الملك الكامل محمد بن الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب رحمه الله صاحب ميافارقين وتلك النواحي ودام في حصار التتار أكثر من سنة ونصف ولم يظاهر عليهم إلى أن فني أهل البلد لفناء زادهم فوجد مع من بقي من أصحابه موتى أو مرضى فقطع رأسه وطيف به البلاد ثم علق على باب الفراديس الخارج فقال قائل في ذلك:
ابن غاز غزا وجاهد قوماً ... أثخنوا في العراق والمشرقين
ظاهراً غالباً ومات شهيداً ... بعد صبر عليهم عامين
لم يشنه أن طيف بالرأس منه ... فله أسوة برأس الحسين
وافق السبط في الشهادة والحم ... ل لقد حاز أجره مرتين
جمع الله حسن ذي الشهدي ... ن على فتح ذينك القلعتين
ثم واروا في مشهد الرأس ذلك ال ... رأس فاستعجبوا من الحالين
وارتجوا أنه يجئ لدى البع ... ث رفيق الحسين في الجنتين
ثم وقع من الأتفاق العجيب أن دفن في مسجد الرأس داخل باب الفراديس في المحراب في أصل الجدار وغربي المحراب في طاقة يقال أن رأس الحسين رضي الله عنه دفن بها.

(1/136)


وفي نصف شعبان أغارت العرب على جشارات التتر بتل راهط وما حوله فاستاقوها وخرج الملك الأشرف صاحب حمص ومن بدمشق من التتار ثم رجعوا ولم يقعوا عليها وكان الملك الأشرف قد وصل قبل ذلك إلى دمشق ونزل في داره وقرئ فرمانه بأن تكون البلاد تحت نظره وفي ثاني رمضان وصل الخبر إلى دمشق باستيلاء التتار على صيداء من بلاد الفرنج ونهبها وخلاص ثلاثمائة أسير منها.
وفيها خرج الملك المظفر سيف الدين قطز رحمه الله بعساكر الديار المصرية ومن انضاف منهم من عساكر الشام إلى لقاء التتار ودفعهم عن البلاد الشامية وكان كتبغانوين بالبقاع فبلغه الخبر فاستدعى الملك الأشرف وقاضي القضاة محي الدين واستشارهم في ذلك فمنهم من أشار بعدم الملتقى والاندفاع بين يدي الملك المظفر ومن معه من العساكر إلى حيث يجيئه مدد من هولاكو ليقوى على ملتقى العساكر الإسلامية ومنهم من أشار بغير ذلك وتفرقت الآراء فاقتضى رأي كتبغانوين الملتقى وتوجه من فوره على كره ممن أشار عليه بالأندفاع لما أراد الله تعالى من إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وحزبه فحصل التقاء العساكر على عين جالوت في يوم الجمعة خامس وعشرين شهر رمضان فانكسرت ميسرة المسلمين كسرة شنيعة فحمل الملك المظفر رحمه الله في طائفة عظيمة من المسلمين أول البصائر فكسرهم كسرة عظيمة أتت على معظم أعيانهم وأصيب كتبغانوين قيل قتله الأمير جمال الدين آقوش الشمسي فولوا الأدبار لا يلوون على شئ واعتصم منهم طائفة بالتل المجاور لمكان الوقعة فأحدقت بهم العساكر وصابروهم حتى أفنوهم قتلاً وأسراً ونجا من نجا بحشاشته وأهل البلاد يتخطفونهم وفي حال الفراغ من المصاف حضر السعيد حسن ابن الملك العزيز عماد الدين بن الملك العادل بين يدي الملك المظفر رحمه الله تعالى وكان التتار لما ملكوا قلعة البيرة وجدوه فيها معتقلاً فأطلقوه وأعطوه بانياس وقلعة الصبيبة وبقي معهم وقاتل يوم المصاف المسلمين قتالاً شديداً فلما أيد الله المسلمين بنصره وحضر الملوك عند الملك المظفر فحضر المذكور فلم يقبله الملك المظفر رحمه الله وأمر به فضربت عنقه صبراً وورد كتاب المظفر إلى دمشق في سابع وعشرين شهر رمضان يخبر بالفتح وكسرة العدو ويعدهم بوصوله إليهم ونشر المعدلة فيهم فثاروا العوام بدمشق وقتلوا الفخر محمد بن يوسف ابن محمد الكنجي في جامع دمشق وكان المذكور من أهل العلم لكنه كان في شر وميل إلى مذهب الشيعة وخالطه الشمس القمي الذي كان حضر إلى دمشق من جهة هولاكو ودخل معه في أخذ أموال الغياب عن دمشق فقتل ومن نظمه في علي رضوان الله عليه:
وكان علي أرمد العين يبتغي ... دواء فلما لم يحس مداويا
شفاه رسول الله منه بتفلة ... فبورك مرقياً وبورك راقيا
وقال سأعطي الراية اليوم فارساً ... كمياً شجاعاً في الحروب محاميا
يحب الإله والإله يحبه ... به يفتح الله الحصون كما هيا
فخص دون البرية كلها ... علياً وسماه الوصي المواخيا

(1/137)


وقتل بدمشق أيضاً من أعوان التتار الشمس ابن الماكسيني وابن البغيل وغيرهما وكان النصارى بدمشق قد شمخوا وتجرؤا على المسلمين واستطالوا بتردد إيلبان وغيره من كبار التتار إلى كنائسهم وذهب بعضهم إلى هولاكو وجاؤا من عنده بفرقان يتضمن الوصية بهم والاعتناء بأمرهم ودخلوا به البلد من باب توما وصلبانهم مرتفعة وهم ينادون حولها بارتفاع دينهم واتضاع دين الإسلام ويرشون الخمر على الناس وفي أبواب المساجد فحصل عند ذلك من المسلمين هم عظيم فلما هرب نواب التتر حين بلغهم خبر الكسرة أصبح الناس إلى دور النصارى ينهبونها ويخربون ما استطاعوا منها واخربوا كنيسة اليعاقبة وأحرقوا كنيسة مريم حتى بقيت كوما والحيطان حولها تعمل النيران في أخشابها وقتل منهم جماعة واختفى الباقون ولما عبر النصارى من باب توما قاصدين درب الحجر وقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان رحمه الله ونادوا بشعارهم ورشوا الخمر في باب الرباط وفعلوا مثل ذلك على باب مسجدي الحجر الكبير والصغير وألزموا الناس في دكاكينهم بالقيام للصليب ومن لم يقم أخرقوا به وأهانوه وشقوا السوق على هذا الوجه على عند القنطرة آخر سويقة كنيسة مريم فقام بعضهم على الدكان الوسطى من الصف الغربي بين القناطر وخطب وفضل دين النصارى ووضع من دين الإسلام ثم عطفوا من خلف السوق إلى الكنيسة التي خربها الله تعالى وكان ذلك في ثاني وعشرين شهر رمضان وفي الغد صعد المسلمون مع قضاتهم وشهودهم إلى إيلبان بالقلعة فأهانوهم ورفعوا قسيس النصارى عليهم وأخرجوهم من القلعة بالضرب والإهانة وفي هذه حضر إيلبان إلى الكنيسة وفي غده كانت الكسرة ولله الحمد والمنة.
وهم بعض الناس بنهب اليهود فنهب شيء يسير ثم كفوا عنهم وفي يوم الجمعة ثاني شوال خطب بجامع دمشق الأصيل الأسعردي فبقي متوليا الخطابة والإمامة بجامع دمشق إلى سلخ شوال من سنة ثمان وخمسين وستمائة.
وحكى ابن الجزري في تاريخه عن والده إبراهيم بن أبي بكر الجزري رحمه الله قال خرجت من جامع دمشق بعد صلاة الجمعة وهي ثاني جمعة مرت من شهر رمضان من تحت الساعات ودخلت في الخضراء إلى نحو دكاني بسوق الرماحين فوجدت جميع دكاكين الخضراء فيها الخمور والنصارى فيها يبيعون الخمر وبعض المسلمين القليلين الذين معهم وهم يشربون ويرشون الخمر على من عبر عليهم من المصلين وغيرهم قال فما ملكت نفسي إلا والدموع تسيل على خدي وحصل لي نحيب وبكاء كثير وما زلت كذلك إلى حيث وصلت دكاني بسوق البر بالرماحين وأنا على ذلك في البكاء والنحيب إذا قد جاء شخص يقال له الحاج عبد العزيز من أهل دمشق وقد جاء من المكان الذي جئت منه وقد حصل له حال مثل الحال الذي قد حصل لي فقعد كل واحد منا في ناحية وأخذ المنديل على وجهه يبكي وينتحب قال فبينا نحن نبكي وإذا بالشيخ محمد الخالدي قدس الله روحه قد عبر علينا وقال لي يا مليح لأجل أي شئ تبكي الذي رأيت يزول الساعة أبعث إليك محمد العطار يبشرك وأنا فما أقدر أقف ثم مشى وتركني وكان الشيخ محمد مدة مقام التتر بدمشق ليس للشيخ محمد الخالدي شغل سوى أنه يمشي من باب الجابية إلى الباب الشرقي قال فلما كان بعد ساعة إذا بالحاج محمد العطار قد جاءيني وقال لي الشيخ محمد يبشرك والمسلمين ويخبرك أن في أول ليلة الجمعة مرت من هذا الشهر وهو رمضان اجتمعت أشباح الأنبياء والأولياء جميعهم وإبراهيم الخليل وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين على صخرة بيت المقدس وسألوا الله تعالى أن يكشف عن المسلمين ما هم فيه من أمر التتار فلم يجبهم فلما كان البارحة وهي ليلة الجمعة أجتمعوا ثانية وسألوا الله تعالى فأجابهم وما يخرج شهر رمضان إلا وهم مكسورين وما تعيد أنت والمسلمين بدمشق إلا بسلطان جديد مسلم قال والدي رحمه الله فكان الواقع كما قال الشيخ محمد قدس الله روحه.

(1/138)


وفيها فارق الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري الملك الناصر من دمشق مهاجراً إلى مصر إلى خدمة الملك المظفر سيف الدين قطز فلما وصل إلى غزة اتفق هو والشهرزورية وتزوج منهم وبعث الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري إلى الملك المظفر لتحليفه له فأجابه المظفر إلى ما طلبه منه واقترحه عليه فسار إليه ودخل القاهرة يوم السبت ثاني وعشرين ربيع الأول سنة ثمان وخمسين فركب المظفر للقائه وأنزله في دار الوزارة وأقطعه قصبة قيلوب لخاصته وأشار عليه بملاقاة التتار وقوي جأشه وحرك عزائمه وحرضه على التوجه للقائهم وتكفل له بحصول الظفر من تلقائه فخرج يوم الأثنين خامس عشر شعبان بجميع عساكر مصر مع ما انضاف إليهم من العرب وغيرهم لقصد التتار الذين بالشام فلما وصل إلى مرج عكا أتصل بكتبغانوين مقدم عسكر التتر بالشام خروج الملك المظفر وكان في بلد حمص فتوجه إلى الغور وبعث الملك المظفر للأمير ركن الدين البندقداري في عسكر ليتجسس خبر التتر فلما وقعت عينه عليهم كتب إلى الملك المظفر ليعلمه بوصولهم ثم أنتهز الفرصة في مناوشتهم ليكون له اليد البيضاء عند الإسلام فلم يزل يستدرجهم تارة بالأقبال وتارة بالإحجام حتى وافى بهم إلى الملك المظفر على عين جالوت فكانت الوقعة التي أيد الله بها المسلمين على التتر وأخذ بها منهم ثأر أهل الوير والمدر وحاق بهم مكر السيف وحكم فيهم الحتف بالحيف وقتلوهم وأخذوهم ومعهم ملكهم كتبغانوين فقتل وأخذ رأسه وأسر أبنه وكانت الوقعة بين المسلمين والتتر على عين جالوت يوم الجمعة خامس وعشرين من شهر رمضان المعظم ووصل الخبر إلى دمشق في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان فانهزم بتلك الليلة من كان بدمشق من التتار وأيل سبان نائب الملك وأتباعهم وتبعهم الناس وأهل الضياع ينهبونهم يقتلون من ظفروا به فلله الحمد والشكر وجرد الملك المظفر خلف التتر الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري فتبعهم إلى حمص وقتل وأسر منهم خلقا كثيراً ورجع إلى دمشق ودخل السلطان الملك المظفر إلى دمشق يوم الأحد رابع شوال فأقام بها إلى أن خرج منها طالبا للديار المصرية ووصل إلى دمشق إلى خدمة الملك المظفر الملك الأشرف صاحب حمص والملك المنصور صاحب حماة فأنعم عليهما وأكرمهما غاية الإكرام وممن قتل بعد المعركة الملك السعيد حسن بن الملك العزيز عثمان ابن العادل صاحب الصبيبة وبانياس بقي محبوساً بقلاع الشام بعد موت الملك الصالح أيوب وابنه المعظم توران شاه وكسرت الفرنج بالديار المصرية سنين كثيرة آخرها بقلعة البيرة على الفرات فلما وصل التتر إليها أخرجوه وصار معهم ثم قدم مع مقدمهم كتبغانوين إلى دمشق وحضر فتح قلعتها وتسلم بلاده فلما قدم العسكر المصري في هذه الكرة قاتل مع التتار فلما وقعت الكسرة عليهم جاء إلى الملك المظفر فلم يقبله وقال له لولا الكسرة ما جئت إلي وأمر به فقتل ووصل كتاب السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز إلى دمشق من طبرية تاريخه يوم الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان وهو أول كتاب وصل منه إلى أهل دمشق يخبرهم بهذه الكسرة الميمونة العظيمة وبوصوله إليهم بعدها.
ومن العجائب أن التتار كسروا وأهلكوا بأبناء جنسهم من الترك وعمل الشيخ شهاب الدين أبو شامة في ذلك شعراً:
غلب التتار على البلاد فجاءهم ... من مصر تركي يجود بنفسه
بالشام بددهم وفرق شملهم ... ولكل شيء آفة من جنسه
ولبعض شعراء دمشق أيضاً:
هلك الكفر في الشآم جميعاً ... واستجد الإسلام بعد دحوضه
بالمليك المظفر الملك الأر ... وع سيف الإسلام عند نهوضه
ملك جاءنا بعزم وحزم ... فاعتززنا بسمره وببيضه
أوجب الله شكر ذاك علينا ... دائماً مثل واجبات فروضه

(1/139)


ومما حكى ابن الجزري في تاريخه عن الملك المظفر قطز قال لما كان في رق ابن الزعيم بدمشق بالقصاعين اتفق أن أستاذه بعض الأيام غضب عليه ولطمه على وجهه ولعن واليه وأبوه وجده فقعد يبكي وينتحب كثيراً وحضر الطعام فلم يأكل منه شيئاً وبقي ذلك اليوم طول نهاره يبكي ثم أن استاذه ركب بين الصلاتين إلى الخدمة وأوصى به إلى الفراش وقال له أطعم قطز واعتبه واسترضه هذه صورة ما حكى الحاج على الفراش قال فجئت إليه بعد ركوب أستاذه فقلت له ما هذا البكاء العظيم من لطمة أو لطشة تعمل هذا كله لو ضربت ألف عصاة أو ألف دبوس أو جرحت بالسيف ما عملت هذا كله ولا بعضه فقال والله ما بكائي وغيظي من أجل لطشة إنما غيظي من لعنته أبواي وجدي وأبواي خير منه ومن أبوه وجده فقلت له من أنت ومن أبيك قطعة مملوك تركي كافر بن كافرين فقال والله ما أنا إلا مسلم ابن مسلمين أنا محمود بن ممدود ابن اخت خوارزم شاه من أولاد الملوك قال فسكت وطايبته وتقلبت به الأحوال إلى أن ملك مصر والشام ولما ملك دمشق أحسن إلى الحاج على الفراش وأعطاه خمسمائة دينار مصرية.
وحكى المذكور أيضاً قال حكى لي الحاج أبو بكر المعروف بابن الدريهم الأسعردي الحاج زكي الدين إبراهيم الجزري المعروف بالجيلي استاذ الفارس أقطاي قال كنا عند الأمير سيف الدين قطز لما ملك أستاذه المعز فقد حضر عنده منجم ورد من بلاد الغرب وهو موصوف بالحذاقة والمعرفة في علم الرمل وعلم الفلك فأمر أكثر حاشيته بالإنصراف فانصرفوا وكنا نحن من أكابر أصحابه وأتباعه فجئنا حتى نقوم فأمرنا بالقعود وما ترك عنده إلا من يثق إليه في خواصه ....... أنه صرف أكثر مماليكه وقال للمنجم أضرب فضرب وعمل صناعته وحدثه بأكثر ما كان في نفسه ثم آخر ما قال له أضرب وأبصر من يملك بعد أستاذي ومن يكسر التتر ومن يكون هلاكهم على يديه قال فضرب وبقي زماناً يحسب وهو مفكر يعد على أصابعه فقال ياخوند يطلع معي خمس حروف بلاب نقط وأبو هذا أيضاً خمس حروف بلاب نقط وأسمك يا خوند ثلاث حروف وكذلك ولد السلطان علي وفي الضرب خمسة بلا نقط فقال له لما لا تقول محمود بن ممدود فقال له المنجم يا خوند ولا يقع غير هذا الإسم فقال له أنا محمود ابن ممدود وأنا الذي أكسر التتر وآخذ بثأر خالي خوارزم شاه قالوا فتعجبنا من كلامه وفرحنا وقلنا إن شاء الله تعالى يكون هذا يا خوند ثم أننا استكتمنا هذا الأمر وأعطى المنجم ثلاث مائة درهم وصرفه ثم قدر الله تعالى تملكه وكسره للتتر خذلهم الله تعالى.

(1/140)


وفيها توجه الملك المظفر إلى مصر وترك الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائباً بدمشق وبحلب الملك المظفر علي بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ثم رجع طالب الديار المصرية في يوم الثلاثاء سادس عشرين شوال وقد نقل الصاحب عز الدين بن شداد في سيرة الملك الظاهر أن الملك المظفر لما ملك دمشق كان عازماً على التوجه إلى بلد حلب ليغسل عنها بالتفقد لها وضر التتر فوشى إليه واش أن الملك الظاهر تنكر له...... عليه وأنه عازم على مسكه فصرف وجه توجهه عن قصده وعزم للتوجه إلى مصر مضمرا للظاهر سوءاً أسره الى بعض خواصه فأطلع عليه الأمير ركن الدين البندقداري فخرجوا من دمشق يوم الثلاثاء سادس عشر من شوال ولم تزل الضغائن والحقود تتراءى في صفحات العيون والخدود وكل منهما يحترس من صاحبه بجنة الخداع ويترقب فرصة تقف الروح من الجسد بانتهازها على سنية الوداع إلى أن جمع رأي الظاهر على قتله واتفق مع الأمير سيف الدين بهادر المعزي والأمير بدر الدين بكتوت الجوكنداري المعزي والأمير سيف الدين بيدغان الركني والأمير سيف الدين بلبان الهاروني والأمير علاء الدين أنس الأصبهاني فلما قارب القصير بين الغرابي والصالحية انحرف عن الدرب للصيد فلما قضى وطره وعاد إلى الدهليز سايره الظاهر وأصحابه وطلب منه إمرأة من سبي التتر فأنعم له بها فأخذ يده ليقبلها وكنت تلك إشارة بينه وبين من اتفق معه فلما رآه قد قبض على يده بادره الأمير بدر بن بكتكوت على عاتقه بالسيف فأبانه ثم أختطفه الأمير علاء الدين أنس وألقاه عن فرسه ثم رماه الأمير سيف الدين بهادر بسهم أتى على روحه وذلك يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة ثم ساروا إلى الدهليز فأجالوا قداح الرأي بينهم فيمن يملكوه عليهم ويسلموا إليه قيادتهم ويصونوا بمواضي عزمه حريمهم وأولادهم فوقع اتفاقهم على الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري فتقدم الأمير فراس الدين أقطاي المعروف بالأتابك فبايعه وحلف له ثم الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي ثم الأمراء على طبقاتهم ونعت بالملك القاهر ثم في الحالة الراهنة قال له الأمير فارس الدين الأتابك لا يتم لك الملك إلا بدخولك الى قلعة الجبل فركب هو والأمير فارس الدين الأتابك والأمير بدر الدين بيسري الشمسي والأمير سيف الدين قلاوون الألفي والأمير بدر الدين بيليك الخزندار وجماعة من خواصه وقصد قلعة القاهرة ليسبق إليها من يطمع نفسه بالملك ورتب في مسيرة إلى القاهرة الأمير جمال الدين آقوش التجيبي أستاذ دار والأمير عز الدين الأفرم أمير جندار والأمير حسام الدين لاجين الدرفيل والأمير سيف الدين بلبان الرومي في الدوادارية وأقر بهاء الدين على عادته أمير أخور ولقيه في طريقه الأمير عز الدين الحلي نائب السلطنة عن الملك المظفر وكان قد خرج للقاء الملك المظفر فأعلمه بصورة الحال وعرض عليه أن يحلف له فحلف ثم تقدم بين يديه إلى القلعة فلم يزل على بابها ينتظره حتى وصل إليها فدخلها وتسلمها والطالع السرطان وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفر والناس في جذل وسرور وفرح وحبور فلما أسفر الصبح وطلع النهار لم يشعر الناس إلا والمنادي ينادي يا معشر الناس رحمكم الله ترحموا على الملك المظفر وادعوا لسلطانكم الملك القاهر ركن الدين بيبرس فوجموا الناس لما به دهموا خوفاً من عود دولة البحرية إليهم وإلقاء كلكلها عليهم ثم سرى عنهم ما لحقهم بمواعيد برزت إليهم لأن الملك المظفر كان قد أحدث على أهل مصر حوادث كثيرة في هذه السنة سنة ثمان وخمسين منها تسقيع الأملاك وتقويمها وزكاتها وأخذ ثلث الزكاة وأخذ ثلث الترك ودينار عن كل إنسان ومضاعف الزكاة ومبلغ ذلك في السنة ستمائة ألف دينار فأطلقه لهم الملك الظاهر وكتب بذلك توقيع وفرحوا غاية الفرح ولما اسفرت الليلة التي وصل فيها عن يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة جلس في إيوان القلعة حيث تجلس الملوك وكان الوزير يومئذ زين الدين ابن زبير وكان فاضلاً في الأدب والترسل وعلم التاريخ وغيره فأشار بتغيير هذا اللقب وقال ما لقب به أحد فأفلح لقب به القاهر ابن المعتضد فلم تطل إمامته وخلع وسمل ولقب به الملك القاهر بن صاحب الموصل فسم ولم تزد أيامه في المملكة على سبع سنين فأبطل اللقب الأول الملك القاهر ولقب نفسه بالملك الظاهر وكتب إلى الملك الأشرف صاحب حمص وإلى الملك المنصور صاحب

(1/141)


حماة وإلى الامير مظفر الدين عثمان بن منكوس صاحب صهيون وإلى الإسماعيلية وإلى المظفر علاء الدين علي بن لؤلؤبن بدر الدين بحلب وإلى الأمير علم الدين الحلبي النائب بدمشق ولما بلغ الأمير علم الدين سنجر الحلبي قتل المظفر وتملك الظاهر للبلاد رغبت نفسه عن الأنقياد فجمع من كان عنده من الأمراء الذين رتبهم معهم الملك المظفر وأعيان دمشق من ذوي الحل والعقد وألزمهم بالحلف له على أن يكونوا في طاعته فأجابه بعض الأمراء ظاهراً ووافقه الباقون فلما استتب له مراده نعت نفسه بالملك المجاهد فكتب إلى النواب المسلمين القلاع الشامية وطلب تسليمها منهم إليه فمنهم من أجاب ومنهم من أبى وبعث إلى الأشرف صاحب حمص و إلى المنصور صاحب حماة والي الأمراء العزيزية بحلب يستميلهم إليه ويرغبهم في طاعته .ماة وإلى الامير مظفر الدين عثمان بن منكوس صاحب صهيون وإلى الإسماعيلية وإلى المظفر علاء الدين علي بن لؤلؤبن بدر الدين بحلب وإلى الأمير علم الدين الحلبي النائب بدمشق ولما بلغ الأمير علم الدين سنجر الحلبي قتل المظفر وتملك الظاهر للبلاد رغبت نفسه عن الأنقياد فجمع من كان عنده من الأمراء الذين رتبهم معهم الملك المظفر وأعيان دمشق من ذوي الحل والعقد وألزمهم بالحلف له على أن يكونوا في طاعته فأجابه بعض الأمراء ظاهراً ووافقه الباقون فلما استتب له مراده نعت نفسه بالملك المجاهد فكتب إلى النواب المسلمين القلاع الشامية وطلب تسليمها منهم إليه فمنهم من أجاب ومنهم من أبى وبعث إلى الأشرف صاحب حمص و إلى المنصور صاحب حماة والي الأمراء العزيزية بحلب يستميلهم إليه ويرغبهم في طاعته .
وفي العشر الأخير من ذي القعدة رسم الأمير علم الدين الحلبي بتجديد عمارة قلعة دمشق وزفت بالمغاني والطبول والبوقات وفرح أهل دمشق بذلك وحضر أمراء الدولة وخلع على الصناع والنقباء وعمل الناس في البناء حتى النساء وكان يوم الشروع في تجديد عمارتها يوما مشهوداً وفرحاً عظيماً لأهل دمشق.
وفي سادس ذي الحجة من هذه السنة خطب على منابر الجوامع بدمشق للملك الظاهر ركن الدين بيبرس وذكر بعده الذي تولى دمشق الملك المجاهد علم الدين سنجر الحلبي وضربت الدراهم باسمهما على الوجه الواحد الملك الظاهر ركن الدنيا والدين والآخر الملك المجاهد علم الدنيا والدين.
ذكر ما جرى بحلب
لما ملك الظاهر مصر والملك المظفر ابن صاحب الموصل متول حلب أساء السيرة وظلم وعسف الرعية واستجبى من أهلها خمسين ألف دينار أجحفت بهم ولما وصلت الأخبار بوفاته كان بحلب الأمير حسام الدين لاجين الجوكنداري العزيزي فاتفق من بها من العزيزية والناصرية والمصرية على قبض الملك المظفر ابن صاحب الموصل وأحذ ما أخذه في المصادرة وحبسوه في قلعة الثغر وقدم الأمير حسام الدين الجوكنداري وفوضوا إليه نيابة السلطنة وذلك في سابع ذي الحجة.
وكان الأمير حسام الدين المذكور قد أخذ إذناً من الملك المظفر وتوجه إلى حلب لاستخلاص ما تبقى له من الإقطاع والودائع والذخائر من الأيام الناصرية فلما اتفق بحلب ما اتفق أجمعوا على تقدمته فلما صار إليه ما صار من أمر حلب كتب إليه الأمير علم الدين سنجر الحلبي يرغب إليه على أن يقطعه إقطاعاً عينه له زيادة على ما كان في يده من الأيام الناصرية فأبى إلا القيام على طاعة صاحب الديار المصرية.
وفيها وصلت التتر إلى حلب يوم الخميس سادس وعشرين ذي الحجة ظهراً فخرج منها الأمير حسام الدين لاجين ومن كان فيها من الأمراء بكرة اليوم المذكور وكان مقدم التتر بيدرة ونادوا في شوارع البلد وعلى المأذنة بالأمن والسلامة ونادوا في ظاهرها كذلك وأقروا أهلها في منازلهم ثم خرجوا منها وشحنوا في بلادها ولما وصلت الأمراء الذين كانوا بحلب إلى حماة بعثوا إلى الملك المنصور صاحبها فحذروه من التتر ويشيروا عليه بالخروج وموافقتهم فظن ذلك حيلة منهم عليه فلما تحقق أمرهم وما قالوه صحيح خرج إليهم ولحق بهم وسار معهم إلى حمص ووصلت غارة التتر إلى حماة وسنذكر ما تجدد من أخبارهم في حوادث سنة تسع وخمسين وستمائة.

(1/142)


وفيها في هذه السنة كثر تغير الدول ومتولي الحكم بالشام فكان من أول السنة إلى نصف صفر في مملكة الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب وهو آخر من ملك من بني أيوب رحمهم الله وأيانا ثم صار في مملكة التتار إلى الخامس والعشرين من شهر رمضان المعظم ثم صار في مملكة الملك المظفر سيف الدين قطز المعزى صاحب الديار المصرية إلى أن قتل في ذي القعدة ثم صار في مملكة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري وعلم الدين سنجر الحلبي وهي أول سنة صار أمر الشام إلى ملوك الديار المصرية فلأجل ذلك عملت الخطبة في أول سنة ثمان وخمسين وستمائة وكان القضاء في أول السنة تولاه بدمشق صدر الدين بن سني الدولة مستقلاً به من خمسة عشر سنة إلى أن ملكوا التتار فولوا كمال الدين عمر التفليسي ثم سافر محي الدين بن زكي والقاضي صدر الدين بن سني الدولة إلى هولاكو فولاهما القضاء وتوفي صدر الدين ببعلبك فاستقل محي الدين بالقضاء وحده إلى تولى الملك المظفر سيف الدين قطز الشام فولى القاضي نجم الدين بن صدر الدين بن سني الدولة.
وفيها أبتلى الناس بالشام بغلاء شديد عام في جميع الأشياء منم المأكول والملبوس وغيرهما وبلغ رطل الخبز درهمين ورطل اللحمة خمسة عشر درهماً وأوقية القيبريس درهماً والجبن درهماً ونصفاً والثوم أوقية بدرهم والعنب رطلاً بدرهمين ومن أكثر أسبابه ما أحدثه الفرنج من ضرب الدراهم المعروفة باليافية وكانت كثيرة الغش قيل أنه كان في المائة نحو خمسة عشر درهماً فضة والباقي نحاس وكثرت في أيدي الناس وتحدث في إبطالها مراراً فبقي كل من عنده شيء حريص على إخراجها خوفاً من بطلانها فتراه يدب في شراء أي شيء كان فيتزايد في السلع بسبب ذلك إلى أن بطلت في آواخر هذه السنة فعادت تباع كل أربعة دراهم منها بدرهم ناصري مغشوش وافتقر لسببها خلق كثير وأنتفع آخرون.
ولما ملكوا التتار دمشق كان الملك الأشرف بن صاحب حمص توجه صحبة الملك الناصر فخلاه من بعض البلاد وراح إلى التتار إلى حلب إلى خدمة هولاكو أخذ منه فرمان فرسم له أن يكون من جملة نوابه بالشام المحروسة وأقطعه مائة فارس ومن جملة ما أقطعوه معربا والتل ومنين من حبه عسال التي كانت أقطاع الملك المجاهد جده وبقي مقيما بدمشق يعمل النيابة مع نواب التتار إلى أن كسروا فهرب مع نواب التتار إلى الرحبة فلما ملك الملك المظفر دمشق سير الملك الأشرف صارم الدين أزبك وحسام الدين لؤلؤ وطلبوا له الأمان وحلفوه أنه ما يؤذيه فحضر إليه فركب للقائه وأحسن إليه وأعطاه حمص والرحبة وزاده تل باشر وتوجه الأشرف إلى حمص وطلع القلعة وأقام بها إلى أن توفي رحمه الله في الأيام الظاهرية وعند وفاته سير الأمير جمال الدين التجيبي الأمير بدر الدين بيليك العلائي الكبير وشرف الدين ابن الوزان إلى حمص احتاطوا على حواصلها وحملوا المال والجوهر والقماش الذي خلفه والخيل والبغال والجمال إلى الديار المصرية وأقاموا بها إلى أن حضر إليها الأمير علم الدين سنجر الباش قردي نائبا بها فحضروا المذكورون إلى دمشق المحروسة.

(1/143)


وفيها توفي السلطان الملك السعيد نجم الدين ايلغازي ابن الملك المنصور ناصر الدين أرتق أرسلان بن نجم الدين أيلغازي بن أبي تمرتاش بن أيلغازي بن أرتق السلطان أبو الفتح صاحب ماردين وأعمالها وذلك في سادس عشر صفر وقيل في ذي الحجة وهو الأصح نقله الله إلى رضوانه ووفر حظه من غفرانه بسبب وباء وقع في أهل القلعة فأهلك أكثرهم ووصل الخبر إلى التتر بموته من رجل يسمى أحمد بن فارس علي الشافصني رمى بنفسه من القلعة إلى التتر وهم على حصار القلعة كما تقدم ذكره ولما أتصل بهم وفاته بعثوا رسلا إلى ولده الملك المظفر وطلبوا منه الدخول في الطاعة فبعث إليهم عز الدين يوسف بن السماع ليتعرف له منهم ما أضمرت نفوسهم فلما اجتمع بمقدميهم وهما قطزنوين وجرمون قالا له إن بين الملك المظفر قرا أرسلان وبين أيل خان يعنون ملكهم هولاكو وعداً أن والده متى مات وتسلم الملك بعده دخل في طاعته فقال لهم عز الدين هذا صحيح لكن أنتم أخربتم بلاده وقتلتم رعيته فبأي شئ يدخل في طاعته حتى يداري عنه فقالا قد علمنا ذلك ونحن نضم له أن أيل خان متى أتصل به وفات الملك السعيد وأن ولده الملك المظفر دخل تحت طاعته على ما كان تقرر بينهما عوضه عما خرب من بلاده بلادا عامرة مما تجاوزه فلما عاد عز الدين إلى الملك المظفر وأخبره بما دار بينهما وبينه رده إليهم برسالة مضمونها إن أردتم أن أسير رسلي إلى أيل خان فابعثا لي رهائن من جهتكما تكون عندي إلى أن يرجعون وترددت الرسل بينه وبينهم إلى أن استقر الحال بينهم أن بعث قطزنوين ولده وبعث جرمون ابن أخيه فلما صعدا القلعة إلى عند الملك المظفر بعث نور الدين محمود بن كاجار أخا الملك السعيد لأمه وأصحبه قطزنوين من جهته الأمير سابق الدين بلبان فوصلا إلى هولاكو وهو بمراغه فأديا الرسالة وكان مضمونها ما تقدم فأجاب إلى ما ضمناه قطزنوين وجرمون وكتب لهم بذلك بفرامين وبعث بها مع قصاد من جهته وأبقى الرسل عنده وأمرهما بالرحيل عن ماردين فرحلا في شهر رجب الفرد من سنة تسع وخمسين وستمائة ثم بعث هولاكو الرسولين وأصحبهما كوهداي من أكابر أمرائه ومقدميه فوصلوا إلى ماردين وانتظم الصلح والهدنة بين هولاكو والملك المظفر وأسلم بعد ذلك المقدم كوهداي على يد الملك المظفر وأزوجه أخته من أبيه كان الملك السعيد شهماً بطلاً جواداً كريماً حازماً أمره وعنده حسن سياسة واحتراز وافر.
وفيها قتل الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد الله مملوك الملك المعز عز الدين أيبك بن عبد الله الصالحي التركماني بين الغرابي والصالحية كما تقدم ذكره كان بطلاً شجاعاً هماماً وله سطوة وعنده بطش وجرأة وإقدام في جميع الأمور كان مدة ملكه منذ قبض على ابن أستاذه الملك المنصور علي بن الملك المعز إلى أن قتل نحو من سنة حكى أنه لما سافر من القاهرة إلى الشام كان في درجة سيره حيث أتجه يفتح عليه وينتصر لكنه لا يرجع إلى مستقر ملكه أبداً وتصديق ذلك ما حكاه النجم النحاس المنجم بدمشق في شهور سنة خمس وثمانين وستمائة قال كنت بالقاهرة لما أراد الملك المظفر الخروج إلى لقاء التتر قال فجمعونا فكنا خمسة عشر منجماً قال فبقينا في قلعة الجبل ثمانية أيام والراتب يجيئنا وقالوا لنا أبصروا طالع سعيد لسلامة السلطان ورجوعه سالماً قال فاتفقنا جميعاً على أن نأخذ طالعاً يكون فيه سلامة المسلمين والنصر على العدو المخذول ولم نفكر بسلامة الملك المظفر ولا رجوعه فكان من أمره ما كان.

(1/144)