صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى
المؤلف : السمهودي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأوّل في فضلها ومتعلقاتها وفيه عشرة فصول
" الفصل الأوّل في أسمائها "

(1/1)


هي كثيرة وقد ذكرتها مرتبة على حروف المعجم الأوّل فالأوّل مستقصاة لأن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى وزدت على شيخ مشايخنا المجد اللغوي أسماء مميزة برقم ز فبلغت خمسة وتسعين اسما " أثرب " بالفتح وإسكان المثلثة وكسر الراء ثم وحدة لغة في يثرب اسم من سكنها أولا سميت به أرض المدينة كلها عند أبي عبيدة أو هي فقط عند أبن عباس أو ناحية منها لقول محمد بن الحسن المعروف بابن زبالة أحد أصحاب مالك وكانت يثرب أم قرى المدينة وهي ما بين طرف قناة إلى طرف الحرف أي من المشرق إلى المغرب وما بين المال الذي يقال له البرقي إلى زبالة أي من الشام إلى القبلة زاد المطري في النقل عنه وكان بها ثلاثمائة صائغ من يهود وذلك إنما ذكره أبن زبالة في زهره والجهة التي سماها بيثرب مشهورة اليوم بهذا الاسم شاميّ المدينة بها نخل غربي مشهد سيدنا حمزة وشرقي الموضع المعروف بالبركة مصرف عين الأزرق وربما قالوا فيها أثارب وبه عبر البرهان بن فرحون في منسكه قال المطري وكانت منازل بني حارثة وفيهم نزل قوله تعالى في يوم الأحزاب وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب الآية فيترحح به القول الثالث وذلك إنّ قريشا ومن معهم نزلوا يوم الأحزاب ويوم أحد برومة وما والاها قرب منازل بني حارثة من الأوس وبني سلمة من الخزرج وكان الفريقان معه صلى الله عليه وسلم ولذلك خافوا على دراريهم وديارهم يوم أحد فنزل فيهما إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما قال عقلاؤهم ما كرهنا نزولها لتولى الله إيانا أهم وفيه نظر سنبينه وقيل القائل لبني حارثة يا أهل يثرب لا مقام لكم أوس بن قيظي ومن معه نعم يرجح الثالث قول عمر بن شبة النميري قال أبو غسان وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة في الناحية التي تدعى يثرب " قلت " وإطلاقه على المدينة مع ذلك صحيح ثابت أمّا وضع لها أو من إطلاق اسم البعض على الكل والمشتهر من باب عكسه وروى أبن شبة نهيه صلى الله عليه وسلم عن تسمية المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة وما في الآية السابقة حكاية عن المنافقين ولذا قال عيسى بن دينار المالكي من سماها يثرب كتبت عليه خطيئة وكرهه بعضهم أمّا لأنه من الثرب محركا وهو الفساد أو من التثريب وهو المؤاخذة بالذنب والتوبيخ عليه أو لكونه اسم كافر لكن في الصحيحين في حديث الهجرة فإذا هي المدينة يثرب وفي رواية لا أراها إلا يثرب وقد يجاب بأنه قبل النهي. " أرض الله " لقوله تعالى (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) قال جماعة المراد المدينة أرض الهجرة لحديث فيه. " أكالة البلدان " . " أكالة القرى " لحديث أمرت بقرية تأكل القرى أي لغلبتها الجميع فضلا وتسلطها وافتتاحها بأيدي أهلها فغنموها وأكلوها ز " الإيمان " لقوله تعالى في الأنصار (والذين تبوّءا الدار والإيمان) قال عثمان بن عبد الرحمن وعبد الله بن جعفر سمى الله المدينة لدار والإيمان أي لأنها مظهر الإيمان ومصيره وعن أنس بن مالك أنّ ملك الإيمان قال أنا أسكن المدينة فقال ملك الحياء وأنا معك. " البارّة " بالتشديد أيضا لكثرة برها لأهلها خصوصا ولجميع العالم عموما إذ بها منبع الفيض والبركات " البحرة " بالفتح وسكون المهملة " البحيرة " تصغير ما قبله. " البحيرة " بالفتح ثم الكسر نقلت ثلاثتها عن منتخب كراع والاستبحار السعة لأنها من المتسع من الأرض وقول سعد لقد اصطلح أهل هذه البحيرة بالتصغير في رواية الصحيح يعني المدينة قال عياض ويروى بالفتح على غير التصغير ويقال البحر أيضا بغير ياء ساكن الحاء وأصله القرى وكل قرية بحرة اه. " البلاط " جاء عن أبن خالويه لكثرته بها واشتمالها على موضع يعرف به. " البلد " قال الله تعالى (لا أقسم بهذا البلد) قبل المدينة وقيل مكة والبلد لغة الصدر والقرية. " بيت الرسول صلى الله عليه وسلم " قال الله تعالى (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) أي المدينة لاختصاصها به اختصاص البيت بساكنه وقيل من بيته بها. " تندد " بالمثناة الفوقية والنون وإهمال الدالين كجعفر. " تندر " براء بدل الدال الأخيرة كما سيأتي في يندر بالمثناة التحتية " الجابرة " كما في حديث للمدينة عشرة أسماء لجبرها الكثير وإغنائها الفقير وتجبر على الإذعان لمطالعة بركاتها وجبرت البلاد على الإسلام. " جبار " كحذام رواه أبن شبة بدل الجابرة في حديثه ز " الجبارة " نقل عن التوراة. " جزيرة العرب " لقول

(1/2)


بعضهم إنها المراد بحديث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم التفت إلى المدينة وقال إنّ الله برأ هذه الجزيرة من الشرك " الحبيبة " لحبه صلى الله عليه وسلم لها ودعائه به " الحرم " لتحريمها وفي الحديث المدينة حرم وفي رواية حرم آمن. " حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم " لأنه الذي حرمها وفي الحديث من أخاف أهل حرمي أخافه الله وفي آخر حرم إبراهيم مكة وحرمي المدينة رواه الطبرانيّ برجال وثقوا. " حسنة " قال تعالى (لنبوّأنهم في الدنيا حسنة) أي مباءة حسنة وهي المدينة وقيل هو اسمها لاستمالها على الحسن الحسي والمعنوي " الخيرة " بالتشديد " الخيرة " بالتخفيف تقول امرأة خيرة وخيرة بمعنى كثيرة الخير وإذا أردت التفضيل قلت خير الناس وفي الحديث المدينة خير لهم " الدار " كما سبق في الإيمان لأمنها والاستقرار بها وجمعها البناء والعرصة. " دار الأبرار دار الأخيار " لأنها دار المختار والمهاجرين والأنصار وتنفي شرارها ومن أقام بها منهم فليست له في الحقيقة بدار وربما نقل منها بعد الإقبار. " دار الإيمان " كما في حديث المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان وحديث الإيمان يأزر إلى المدينة. " دار السنة دار السلام دار الفتح " ففي الصحيح قول عبد الرحمن بن عوف فإنها دار الهجرة والسنة ورواية الكشميهني والسلامة وقد فتحت منها سائر الأمصار وإليها هجرة المختار ومنها انتشرت السنة في الأقطار. " الدرع الحصينة " لحديث أحمد برجال الصحيح رأيت كأني في درع حصينة وفيه فأولت الدرع الحصينة المدينة. " ذات الحجر " لاشتمالها عليها. " ذات الحرار " لكثرتها بها. " ذات النخل " لوصفها بذلك وبما قبله في خبر خنافر مع رئيه وفي سجع عمران فليلتحق بيثرب ذات النخل وفي الحديث أريت دار هجرتي ذات نخل وحرة " السلفة " نقله الاقشهري عن التوراة وهو محتمل لفتح اللام وكسرها وسكونها إذا السلق بالتحريك القاع الصفصف والمسلاق البليغ وربما قبل للمرأة السليطة سلقة بالكسر وسلقت البيض سلقا أغليته بالنار فسميت به لاتساعها وتباعد جبالها أو لتسلطها على البلاد فنحا أول لأوائها وشدّة حرها وما كان بها من الحمى. " سيدة البلدان " لما اسنده الديلي من المعرفة لأبي نعيم عن أبن عمر مرفوعا يا طيبة يا سيدة البلدان قاله للمدينة. " الشافية " لحديث ترابها شفاء من كل داء ولما صح من الاستشفاء بثمارها وذكر ابن مسدي الاستشفاء بتعليق أسمائها على المحموم وسيأتي إنها تنفي الذنوب فتشفي من دائها " طابة " كشامة " طيبة " كهيبة " طيبة " كصيبة ز " طائب " ككاتب والأربعة مع " المطيبة " أخوات لفظا ومعنى مختلفات صيغة ومبنى وصح حديث إنّ الله سمى المدينة طابة وفي حديث كانوا يسمون المدينة يثرب فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة وفي حديث للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وطيبة وطابة وروى طائب بدل طيبة وعن وهب بن منبه والله إن أسماءها في كتاب الله يعني التوراة طيبة وطابة ونقل عنها أيضا طائب والطيبة وكذا المطيبة وذلك لطيب رائحتها وأمورها كلها واطهارتها من الشرك وموافقتها وحلول الطيب بها صلى الله عليه وسلم ولكونها تنفي خبثها وتنصع طيبها وقال الإشبيلي لتربة المدينة نفحة ليس كما أعهد من الطيب بل هو أعجب من الأعاجيب ز " ظبابا " ذكره ياقوت وهو بكسر المهملة بمعنى القطعة المستطيلة من الأرض أو فتح المعجمة من ظب وظبظب إذا حمّ لما كان بها من الحمى " العاصمة " لعصمتها للمهاجرين من المشركين ولأنها الدرع الحصينة أو هو بمعنى المعصومة فلا يدخلنها الدجال ولا الطاعون ومن أرادها بسوء أذابه الله " العذراء " بالمهملة ثم المعجمة نقل عن التوراة لصعوبتها وامتناعها على الأعداء حتى تسلمها مالكها الحقيقي صلى الله عليه وسلم ز " العرّاء " بمهملتين كالعذراء لعدم ارتفاع أبنيتها في السماء يقال جارية عذراء وعراء تشبيها بالناقة العرّاء التي لا سنام لها أو صغر سنامها كصغر نهد العذراء أو عدمه " العروض " كصبور لانخفاض مواضع منها ومسايل أودية فيها أو لأنها من نجد ونجد كلها على خط مستقيم طولاني والمدينة معترضة عنها ناحية " الغرّاء " بالمعجمة تأنيث الأغر ذي الغرة وهي بياض في مقدم الوجه وخيار الشيء ووجه الإنسان والأغر الأبيض والذي أخذت اللحية وجهه إلا القليل والرجل الكريم واليوم الشديد الحرّ والغرّاء نبت طيب الرائحة والسيدة الكبيرة

(1/3)


وقد سادت المدينة على القرى وطاب ريحها في الورى وكرم أهلها وكثر غرسها وأبيض نورها وسطع نورها ز " غلبة " محركه بمعنى الغلب لظهورها على البلاد وكانت في الجاهلية تدعى غلبة نزلت يهود بها على العماليق فغلبتهم عليها ونزلت الأوس والخزرج على يهود فغلبوهم عليها ز " الفاضحة " بالفاء ومعجمه ثم مهملة نقل عن كراع إذ لا يضمر بها أحد عقيدة فاسدة أو غيرها إلا أظهر ما أضمره وافتضح به وهو أحد معاني تنفى خبثها ز " القاصمة " بقاف ثم مهملة نقل عن التوراة لقصمها كل جبار عناها ومتمرد أتاها ومن أرادها بسوء إذا به الله ز " قبة الإسلام " لحديث المدينة قبة الإسلام ز " القرية " لحديث إنّ الله قد طهر هذه القرية من الشرك إن لم تضلهم النجوم " قرية الأنصار " جمع ناصر الأوس والخزرج سماهم الله ورسوله به لإيوائهم ونصرهم قال الله تعالى (والذين آووا ونصروا) وقيل لآنس بن مالك أرأيتم اسم الأنصار أكنتم تسمون به أم سماكم الله قالوا بل سمانا الله به والقرية بفتح القاف وكسرها ما تجمع جماعة كثيرة من الناس من قرية الماء في الحوض إذا جمعته وقيل المصر الجامع ز " قرية رسول الله صلى الله عليه وسلم " لحديث الطبراني وغيره برجال ثقلت ثم يسير يعني الدجال حتى يأتي المدينة ولا يؤذن له فيها فيقول هذه قرية ذاك الرجل ز " قلب الإيمان " أورده أبن الجوزي في حديث المدينة قبة الإسلام ز " المؤمنة " لتصديقها بالله حقيقة لخلقه قابلية ذلك فيها كما في تسبيح الحصى أو مجاز الاتصاف أهلها به وانتشاره منها واشتمالها على أوصاف المؤمن أو لإدخالها أهلها في الأمن من الأعداء والطاعون والدجال وفي خبر والذي نفسي بيده أن تربتها المؤمنة وفي آخر إنها المكتوبة في التوراة مؤمنة ز " المباركة " لأنّ الله تعالى بارك فيها بدعائه صلى الله عليه وسلم لها وحلوله فيها ز " مبوّأ الحلال والحرام " رواه الطبراني في حديث المدينة قبة الإسلام والتبوء التمكن والاستقرار لأنها محل تمكن هذين الحكمين واستقرارهما ز " مبين الحلال والحرام " رواه أبن الجوزي وغيره بدل الذي قلبه في الحديث المتقدّم لأنها محل بيانهما " المجبورة " بالجيم ذكر في حديث للمدينة عشرة أسماء ونقل عن الكتب المتقدّمة لجبرها بخلاصة الوجود حيا وميتا وبحثه على سكناها وبنقل حماها وتكرر دعائه لها " المحبة " بالضم والمهملة وتشديد الموحدة نقل عن الكتب المتقدمة " المحببة " بزيادة موحدة على ما قبله " المحبوبة " نقل عن الكتب المتقدمة أيضا وهذه الثلاثة مع الحبيبة من مادّة واحدة وحبه صلى الله عليه وسلم لها ودعاؤه به معلوم وحبه تابع لحب ربه ز " المحبورة " من الحبر وهو السرور أو من الحبرة بمعنى النعمة أو المبالغة فيما وصف بجميل والمحبار من الأرض الشريعة النبات الكثيرة الخيرات ز " المحرمة " لتحريمها ز " المحروسة " لحديث المدينة مشتبكة بالملائكة على كل نقب ملك يحرسها رواه الجنيدي ز " المحفوفة " حفت بالبركات وملائكة السماوات وفي خبر سيأتي المدينة ومكة محفوفان بالملائكة ز " المحفوظة " لحفظها عن الطاعون والدجال وغيرهما وفي خبر القرى المحفوظة أربع وذكر المدينة منها ز " المختارة " لأنّ الله تعالى اختارها للمختار من خلقه ز " مدخل صدق " قال الله تعالى (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) الآية فمدخل صدق المدينة ومخرج صدق مكة وسلطانا نصيرا الأنصار كما روى عن زيد بن أسلم " المدينة " لتكرّره في القرآن ونقل عن التوراة من مدن بالمكان أقام به أو من دان إذا أطاع إذ يطاع السلطان بالمدينة لسكناه بها وهي أبيات كثيرة تجاوز حد القرى ولم تبلع حدّ الأمصار وقيل يقال لكل مصر ويطلق على أماكن كثيرة ومع ذلك فهو علم للمدينة النبوية بحيث إذا أطلق لا يتناول غيرها ولا يستعمل فيها إلا معرفة والنكرة أسم لكل مدينة ونسبوا للكل مديني وللمدينة النبوية مدني للفرق " مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم " لقوله في حديث للطبراني ومن أحدث في مدينتي هذه حدثا أو آوى محدثا الحديث فأضافها إليه لسكناه بها وله ولخلفائه دانت الأمم " المرحومة " نقل عن التوراة لأنها رحمت بالمبعوث رحمة وبها تتنزل الرحمات ز " المرزوقة " كما سبق أو المرزوق أهلها ولا يخرج أحد منها رغبة إلا أبدلها الله خيرا منه ز " مسجد الأقصى " نقله التادلي عن صاحب المطالع ولعله لكونه آخر مساجد الأنبياء " المسكينة " نقل عن التوراة

(1/4)


وذكر في حديث للمدينة عشرة أسماء وروى مرفوعا أنّ الله قال للمدينة يا طيبة يا طابة يا مسكينة لا تقبلي الكنوز أرفع أحاجيرك على أحاجير السطوح والمسكنة الخضوع والخشوع خلقه الله فيها أو هي مسكن الخاشعين الخاضعين ز " المسلمة " كالمؤمنة لخلق الله فيها الانقياد والانقطاع له أو لانقياد أهلها وفتحها بالقرآن ز " مضجع رسول الله " صلى الله عليه وسلم لقوله في الحديث الآتي المدينة مهاجري ومضجعي في الأرض " المطيبة " ز " كالمرجبة " تقدّم في طائب ز " المقدسة " لتنزهها عن الشرك وكونها تنفي الذنوب ز " المقرّ " القاف كالممر ذكره بعضهم ز " المكّان " قال سعد بن أبي سرح في حصار عثمان رضى الله عنه " وأنصارنا بالمكتين قليل " وقال نصر بن حجاج بعد نفيه من المدينة حديث للمدينة عشرة أسماء وروى مرفوعا أنّ الله قال للمدينة يا طيبة يا طابة يا مسكينة لا تقبلي الكنوز أرفع أحاجيرك على أحاجير السطوح والمسكنة الخضوع والخشوع خلقه الله فيها أو هي مسكن الخاشعين الخاضعين ز " المسلمة " كالمؤمنة لخلق الله فيها الانقياد والانقطاع له أو لانقياد أهلها وفتحها بالقرآن ز " مضجع رسول الله " صلى الله عليه وسلم لقوله في الحديث الآتي المدينة مهاجري ومضجعي في الأرض " المطيبة " ز " كالمرجبة " تقدّم في طائب ز " المقدسة " لتنزهها عن الشرك وكونها تنفي الذنوب ز " المقرّ " القاف كالممر ذكره بعضهم ز " المكّان " قال سعد بن أبي سرح في حصار عثمان رضى الله عنه " وأنصارنا بالمكتين قليل " وقال نصر بن حجاج بعد نفيه من المدينة
فأصبحت منفيا على غير ريبة ... وقد كان لي بالمكتين مقام
فالظاهر إرادة المدينة فقط لانضمام المهاجرين إلى الأنصار بها أو أنه من قبيل التغليب والمراد مكة والمدينة ز " المكينة " لتمكنها في المكانة والمنزلة ز " مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقوله المدينة مهاجري " الموفية " بتشديد الفاء وتخفيفها لتوفيتها حق الوافدين حسا ومعنى وأهلها الموفون بالعهد ز " الناجية " بالجيم لنجاتها من العتاة والطاغون والدجال أو لإسراعها في الخيرات فحازت أشرف المخلوقات أو لارتفاع شأنها ز " نبلاء " فتمل عن كراء وكأنه من النبل وهو الفضل والنجابة ز " النحر " من نحر الظهيرة لشدة حرها أو لإطلاقه على الأصل وهي أصل بلاد الإسلام ز " الهزراء " ذكره أبن النجار بدل العذراء نقلا عن التوراة فإن كانت الذال معجمة وهي الرواية فذلك لشدة حرها يقال هاذر شديد الحر أو لكثرة مياهها وأصوات سوانيها يقال هذر إذا كثروا إن كانت مهملة فهو من هذر الحمام إذا صوت والماء أنصب وأرض هادرة كثيرة النبات " يثرب " تقدم في أثرب والتي في قول الشاعر
مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
وقيل يثرب المدينة وعرقوب من قدماء يهودها أو من الأوس وقيل بمثناة فوقية بدل المثلثة وراء مفتوحة قرية باليمامة أو بلاد بني سعد من تميم وعرقوب منهم أو عماليق اليمامة ز " يندد " ذكره كراع من الندا أطيب المعروف أو الند للتل المرتفع أو من الناد وهو الرزق " يندر " كحيدر براء بدل الدال الثانية مما قبله كذا في حديث للمدينة عشرة أسماء في بعض الكتب وفي بعضها بمثناة فوقية ودالين وفي بعضها بفوقية ودال وراء وصوب المجد يندد فقط بالتحية ودالين وفيه نظروا الحديث رواه أبن الزبالة كذلك إلا أنه سردها تسعة ورواه أبن شبة وسردها ثمانية فحذف منها الدار ثم روى عن أبن جعفر تسميتها بالدار والإيمان ثم قال فالله أعلم أهما تمام العشرة أم لا اه وعن الدراوردي بلغني أن للمدينة في التوراة أربعين اسما.
" الفصل الثاني في تفضيلها على البلاد "

(1/5)


نقل عياض وقبله أبو الوليد الناجي وغيرهما الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة حتى على الكعبة كما قاله أبن عساكر في تحفته وغيره بل نقل التاج السبكي عن أبن عقيل الحنبلي إنها أفضل من العرش وصرح التاج الفاكهي بتفضيلها على السماوات قال بل الظاهر المتعين تفضيل جميع الأرض على السماء لحلوله صلى الله عليه وسلم بها وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم بها لكن قال النووي أن الجمهور على تفضيل السماء على الأرض أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة وأجمعوا بعد ذلك على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد واختلفوا فيها فذهب عمر بن الخطاب وبعض الصحابة وأكثر المدنيين كما مال عياض إلى تفضيل المدينة وهو مذهب مالك وأحد الروايتين عن أحمد والخلاف فيما عدا الكعبة فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقا وقال أبن عبد السلام معنى التفضيل بين مكة والمدينة أن ثواب العمل في إحداهما أكثر من ثواب العمل في الأخرى وكذا التفضيل في الأزمان وموضع القبر الشريف لا يمكن العمل فيه فيشكل قول عياض إنه أفضل إجماعا وأجاب بعضهم بأن التفضيل في ذلك للمجاورة ولذا حرم على المحدث مس جلد المصحف لا لكثرة الثواب وإلا فلا يكون جلد المصحف بل ولا المصحف أفضل من غيره لتعذر العمل فيه وقال التقى السبكي قد يكون التفضيل بكثرة الثواب وقد يكون لأمر آخرون لم يكن عمل فأن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عنه فكيف لا يكون أفضل الأمكنة وأيضا فباعتبار حياته صلى الله عليه وسلم به وأن أعماله مضاعفة أكثر من كل أحد " قلت " والرحمات النازلات بذلك المحل يعم فيضها الأمّة وهي غير متناهية لدوام ترقياته صلى الله عليه وسلم فهو منبع الخيرات والكعبة عند من منع الصلاة فيها لا يصح القول بتفضيل المسجد حولها عليها لأنه محل العمل جزما وأيضا فسيأتي أن المجيء المذكور في قوله تعالى (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) الآية حاصل بالمجيء إلى قبره الشريف وكذا زيارته صلى الله عليه وسلم وسؤال الشفاعة منه والتوسل به إلى الله تعالى والمجاورة عنده من أفضل القربات وعنده تجاب الدعوات فكيف لا يكون أفضل وهو السبب في هذه الخيرات وأيضا فهو من أعلى رياض الجنة وفي الحديث لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها وفي حديث مستدرك الحاكم وقال صحيح وله شواهد صحيحة عن أبي سعيد قال مرّ النبي صلى الله عليه وسلم عند قبر فقال قبر من هذا فقالوا فلان الحبشي يا رسول الله فقال لا اله إلا الله سبق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها ولابن الجوزي في الوفاء عن كعب الأحبار لما أراد الله عز وجلّ أن يخلق محمدا صلى الله عليه وسلم أمر جبريل فاتاه بالقبضة البيضاء التي هي موضع قبره صلى الله عليه وسلم فعجنت بماء التسنيم ثم غمست في أنهار الجنة وطيف بها في السماوات والأرض فعرفت الملائكة محمد وفضله قبل أن تعرف آدم عليه السلام وقال الحكيم الترمذيّ في حديث إذا قضى لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة إنما صار أجله هناك لأنه خلق من تلك البقعة وقد قال تعالى منها خلقناكم وفيها نعيدكم وإنما المرء من حيث بدئ منه وعن الجريري قال سمعت أبن سيرين يقول لو حلفت حلفت صادقا بارا غير شاك ولا مستثن إنّ الله تعالى ما خلق نبيه صلى الله عليه وسلم ولا أبا بمر ولا عمر إلا من طينة واحدة ثم ردّهم إلى تلك الطينة وجاء أن عزرائيل عليه السلام لما قبض القبضة من الأرض وطئ إبليس الأرض بقدميه وصار بعضها بينهما فمن التربة التي لم يصل إليها قدمه الأنبياء والأولياء وكانت درة رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك البقعة موضع تطر الله كما في العوارف وعن أبن عباس رضى الله عنهما أصل طينته صلى الله عليه وسلم من سرّة الأرض بمكة يعني الكعبة وقيل لما خاطب الله السماوات والأرض بقوله (ائتيا طوعا أو كرها) الآية أجاب من الأرض موضع الكعبة ومن السماء ما يحاذيها فالمجيب من الأرض درته صلى الله عليه وسلم ومن الكعبة دحيت الأرض ولم يكن مدفنه صلى الله عليه وسلم بها لأنه لما تموج الماء مرمى الزبد إلى النواحي فوقعت جوهرته صلى الله عليه وسلم إلى ما يحاذي تربته بالمدينة واستقرّت بها كما قاله بعض المحققين فاستحق هذا المحل الشرف باستقرار ذلك فيه كما أن السبب

(1/6)


في تفضيل الكعبة وجوده بها أوّلا ولابن الجوزي في الوفاء عن عائشة رضى الله عنها قالت لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم اختار وافى دفنه فقال عليّ رضى الله عنه إنه ليس في الأرض بقعة أكرم على الله من بقعة قبض فيها نفس نبيه صلى الله عليه وسلم قلت فهذا أصل الإجماع على تفضيله لرجوع الباقين إليه ولقول أبي بكر رضى الله عنه حينئذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه رواه أبو يعلى قلت وأحبها إليه أحبها إلى ربه لأنّ حبه تابع لحب ربه وما كان أحب إلى الله ورسوله كيف لا يكون أفضل وقد سلكت في تفضيل المدينة هذا المسلك فقد صح قوله صلى الله عليه وسلم اللهمّ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ أي بل أشدّ كما روى به وأجيبت الدعوة حتى كان يحرّك دابته إذا رآها من حبها وقال ما على الأرض بقعة أحب إليّ من أن يكون قبري بها منها كما سيأتي مع أن الحاكم روى في مستدركه على الصحيحين حديث اللهمّ إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فأسكني في أحب البقاع إليك أي في موضع تصيره كذلك فيجتمع فيه الحبان والحب من الله تعالى إنالة الخير والتعظيم للمحبوب فيتجدد بعد أن لم يكن قيل قد ضعفه أبن عبد البر ولو سلمت صحته فالمراد أحب إليك بعد مكة لحديث إن مكة خير بلاد الله وفي رواية أحب بلاد الله إلى الله ولزيادة المضاعفة بمسجد مكة قلت ما ذكر لا يقتضي صرفه عن ظاهره إذ القصد به الدعاء لدار هجرته بأن يصيرها الله كذلك وفيما قدّمنا غنية عن صحته وحديث إنّ مكة محمول على بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة وإظهار الدين وافتتاح البلاد منها حتى مكة فقد أنالها الله وأنال بها ما لم يكن لغيرها من البلاد فظهر إجابة الدعوة وصيرورتها أحب مطلقا بعد ولهذا افترض الله على حبيبه صلى الله عليه وسلم الإقامة بها وحث هو على الاقتداء به في سكناها والموت بها فكيف لا تكون أفضل وقوله في بعض طرق حديث إن مكة خير بلاد الله إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قاله وهو على راحلته بالحزورة وهو المعروف اليوم بعزورة وقد كان صلى الله عليه وسلم في سفر الهجرة مستخفيا لا يقتضي تأخر هذا القول عن سفر الهجرة لأنّ خروجه صلى الله عليه وسلم للغار كان ليلا بعد أن ذر التراب على رؤوس من كان يرصده وقرأ أوائل يس يستتر بها فلم يروه وفي رواية لأبن حبان فركبا يعني هو وأبو بكر حتى أتيا الغار وهو غار ثور فتواريا فيه وأما مزيد المضاعفة فأسباب التفضيل لا تنحصر في ذلك فالصلوات الخمس بمنى للمتوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها المضاعفة إذ في الاتباع ما يربو عليها ومذهبنا شمول المضاعفة النقل مع تفضيله بالمنزل ولذا قال عمر رضى الله عنه بمزيد المضاعفة بمسجد مكة مع قوله بتفضيل المدينة ولم يصب من أخذ من قوله بمزيد المضاعفة تفضيل مكة إذ غايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل مع أن دعاءه صلى الله عليه وسلم بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة كما سيأتي شامل للأمور الدينية أيضا وقد يبارك في العدد القليل فيربو نفعه على الكثير ولهذا استدل به على تفضيل المدينة وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط فالجواب أن الكلام فيما عداها فلا يرد شيء مما جاء في فضلها ولا ما بمكة من مواضع الشكر لتعلقه بها ولهذا قال عمر لعبد الله المخزومي أنت القائل لمكة خير من المدينة فقال عبد الله هي حرم الله وأمنه وفيها بيته فقال عمر لا أقول في حرم الله وبيته شيئاً ثم كرّر عمر قوله الأوّل فأعاد جوابه فأعاد له عمر لا أقول في حرم الله وبيته شيئاً فأشير على عبد الله فأنصرف وقد عوضت المدينة عن العمرة ما صح في إتيان مسجد قباء وعن الحج ما جاء مما سيأتي في فضل الزيارة والمسجد والإقامة بعد النبوّة بالمدينة وإن كانت أقل من مكة على القول به فقد كانت سببا لإعزاز الدين وإظهاره ونزول أكثر الفرائض وإكمال الدين حتى كثر تردّد جبريل عليه السلام بها ثم استقرّ بها صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة ولهذا قيل لمالك أيما أحب إليك المقام هنا يعني المدينة أو بمكة فقال ههنا وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلا سلك عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام ينزل من عند رب العالمين في أقل من ساعة وقد ثبت بالأحاديث الآتية تفضيل الموت بالمدينة فيثبت تفضيل سكناها لأنه طريقه

(1/7)


وروى الطبراني وغيره حديث المدينة خير من مكة وفي رواية للجنيدي أفضل من مكة وفيه محمد بن عبد الرحمن الرداد ذكره أبن حيان في الثقات وقال كان يخطئ وقال أبو زرعة لين وقال أبن عدي روايته ليست محفوظة وقال أبن حاتم ليس بقوي ومن تأمّل ما سلف مع ما سيأتي في فضائلها وخصائصها استغنى عنه وأنشرح صدرا بتفضيلها وفي الصحيحين أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد أي أمرني الله بالهجرة إليها إن كان قاله بمكة أو بسكناها إن كان قاله بالمدينة وقال القاضي عبد الوهاب لا معنى لقوله تأكل القرى الأرجح فضلها عليها وزيادتها على غيرها وقال أبن المنير يحتمل أن يكون المراد بذلك غلبة فضلها على فضل غيرها أي أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدما وهذا أبلغ من تسمية مكة أم القرى لأنّ الأمومة لا ينمحي معها ما هي له أمّ لكن يكون لها حق الأمومة قلت وجعله احتمالا لأنه كنى بالأكل عن الغلبة لأنّ الآكل غالب على المأكول فيحتمل أن يكون المراد غلبتها في الفضل أو غلبة أهلها على القرى قلت والأقرب حمله عليها إذ هو أبلغ في الغرض المسوق له ذلك وفي صحيح مسلم حديث يأتي على الناس زمان يدعو الرجل أبن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه وفيه إشعار بذم الخروج منها مطلقا وهو عامّ أبدا كما نقله المحب الطبري عن قوم وقال إنه ظاهر اللفظ وفي حديث الصحيحين إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي تنقبض وتنضم وتلجأ مع أنها أصل انتشاره فكل مؤمن من نفسه شائق إليها في جميع الأزمان لحبه في ساكنها صلى الله عليه وسلم وللجنيدي حديث يوشك الإيمان أن يأرز إلى المدينة أي يرجع إليها أخيرا كما أبتدأ منها ولذا روى لا تقوم الساعة حتى يحاز الإيمان إلى المدينة كما يجوز السيل الدمن وفي رواية ستأتي في الفصل التاسع ليعودنَ هذا الأمر إلى المدينة كما بدئ منها حتى لا يكون إيمان إلا بها ولأبى يعلى عن العباس رضى الله عنه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة فالتفت إليها وقال إنّ الله برأ هذه الجزيرة من الشرك في رواية إنّ الله قد طهر هذه القرية من الشرك إن لم تضلهم النجوموى الطبراني وغيره حديث المدينة خير من مكة وفي رواية للجنيدي أفضل من مكة وفيه محمد بن عبد الرحمن الرداد ذكره أبن حيان في الثقات وقال كان يخطئ وقال أبو زرعة لين وقال أبن عدي روايته ليست محفوظة وقال أبن حاتم ليس بقوي ومن تأمّل ما سلف مع ما سيأتي في فضائلها وخصائصها استغنى عنه وأنشرح صدرا بتفضيلها وفي الصحيحين أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد أي أمرني الله بالهجرة إليها إن كان قاله بمكة أو بسكناها إن كان قاله بالمدينة وقال القاضي عبد الوهاب لا معنى لقوله تأكل القرى الأرجح فضلها عليها وزيادتها على غيرها وقال أبن المنير يحتمل أن يكون المراد بذلك غلبة فضلها على فضل غيرها أي أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدما وهذا أبلغ من تسمية مكة أم القرى لأنّ الأمومة لا ينمحي معها ما هي له أمّ لكن يكون لها حق الأمومة قلت وجعله احتمالا لأنه كنى بالأكل عن الغلبة لأنّ الآكل غالب على المأكول فيحتمل أن يكون المراد غلبتها في الفضل أو غلبة أهلها على القرى قلت والأقرب حمله عليها إذ هو أبلغ في الغرض المسوق له ذلك وفي صحيح مسلم حديث يأتي على الناس زمان يدعو الرجل أبن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه وفيه إشعار بذم الخروج منها مطلقا وهو عامّ أبدا كما نقله المحب الطبري عن قوم وقال إنه ظاهر اللفظ وفي حديث الصحيحين إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي تنقبض وتنضم وتلجأ مع أنها أصل انتشاره فكل مؤمن من نفسه شائق إليها في جميع الأزمان لحبه في ساكنها صلى الله عليه وسلم وللجنيدي حديث يوشك الإيمان أن يأرز إلى المدينة أي يرجع إليها أخيرا كما أبتدأ منها ولذا روى لا تقوم الساعة حتى يحاز الإيمان إلى المدينة كما يجوز السيل الدمن وفي رواية ستأتي في الفصل التاسع ليعودنَ هذا الأمر إلى المدينة كما بدئ منها حتى لا يكون إيمان إلا بها ولأبى يعلى عن العباس رضى الله عنه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة فالتفت إليها وقال إنّ الله برأ هذه الجزيرة من الشرك في رواية إنّ الله قد طهر هذه القرية من الشرك إن لم تضلهم النجوم

(1/8)


" الفصل الثالث " في الحث على الإقامة والصبر والموت بها واتخاذ الأصل ونفيها الخبث والذنوب ووعيد من أحدث بها حدثا أو آوى محدثا أو أرادها وأهلها بسوء أو أخافهم والوصية بهم

(1/9)


وقد سبق حديث مسلم يأتي على الناس زمان الحديث وفي الموطأ والصحيحين حديث تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون الحديث ويبسون بفتح أوّله وضم الموحدة وبكسرها أي يسوقون دوابهم مسرعين وفي الصحيحين حديث من صبر على لأوائها وشدّتها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة ولمسلم عن سعيد مولى المهري إنه جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرّة فاستشاره في الجلاء من المدينة وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها فقال ويحك لا آمرك بذلك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يصبر وفي رواية لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة وفي رواية فقال أبو سعيد لا تفعل الزم المدينة وذكر الحديث ولمسلم وغيره أن مولاة أتت أبن عمر رضى الله عنهما في الفتنة تسلم عليه فقالت إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن اشتدّ علينا الزمان فقال لها عبد الله اقعدي لكاع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يصبر على لأوائها وشدّتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة والظاهر كما قال عياض إنّ أو ليست للشك لكثرة رواته بها بل للتقسيم ويكون شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين أو شهيدا لمن مات في حياته وشفيعا لمن مات بعده وكل من هذه الشفاعة أو الشهادة خاصة تزيد على شفاعته وشهادته العامتين أو تكون أو بمعنى الواو فقد رواه البزار برجال الصحيح عن عمر رضى الله عنه بالواو والمفضل الجنيدي عن أبي هريرة رضى الله عنه بلفظ لا يصبر أحد على لأواء المدينة وفي نسخة وحرها إلا كنت له شفيعا وشهيدا وفيه البشرى للطابر بها بم الموت على الإسلام لاختصاص ذلك بالمسلمين وكفى بها مزية بل كل من مات بها فهو مبشر بذلك فقد ثبت حديث من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة وحديث من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فأني أشفع لمن يموت بها وفي رواية فأني أشهد أن يموت بها وللبيهقي وأبن حبان في صحيحه من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فأنه من يمت بها أشفع له وأشهد له وفي رواية فأنه من مات بها كنت له شفيعا أو شهيد يوم القيامة وفي رواية عقب ذلك وأني أوّل من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتى أهل البقيع فيحشرون ثم انتظر أهل مكة ولأبي ذر الهروي في سنته عن أبن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أوّل من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتى أهل البقيع فيحشرون معي ثم انتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين وفي حديث أوّل من أشفع له من أمتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطائف وفي الموطأ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا وقبر يحفر بالمدينة فاطلع رجل في القبر فقال بئس مضجع المؤمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بئسما قلت قال الرجل أني لم أرد هذا إنما أردت القتل في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مثل للقتل في سبيل الله ما على الأرض بقعة أحب إليّ من أن يكون قبري بها منها يعني المدينة ثلاث مرّات ولا حمد برجال الصحيح إنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل مكة قال اللهمّ لا تجعل منايانا بمكة حتى تخرجنا منها وصح أن عمر رضى الله عنه قال اللهمّ ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم وروى أن ذلك كان من أجل دعائه وفي الكبير للطبراني في حديث من كان له بالمدينة أصل فليتمسك به ومن لم يكن له بها أصل فليجعل له بها أصلا فليأتين على الناس زمان يكون الذي ليس له بها أصل كالخارج منها المجتاز إلى غيرها وفي رواية فليجعل له بها أصلا ولو قصرة أي ولو شجرة وزنا ومعنى ورواه أبن شبة بنحوه ثم أسند عن الزهري مرفوعا لا تتخذوا الأموال بمكة واتخذوها في دار هجرتكم فأنّ الرجل مع ماله وعن أبن عمر رضى الله عنهما مرفوعا أيضا لا تتخذوا من وراء الرق حاملا ولا ترتدوا على أعقابكم بعد الهجرة ولا تنكحوا بناتكم طلقاء أهل مكة الحديث وفي مسلم عقب قوله في الحديث السابق لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه ألا إن المدينة كالكير تنفي الناس وفي رواية تنفي الرجال أي شرارهم أو خبثهم ولذا روى خبث الرجال وفي صحيح البخاري حديث إنها طيبة تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة وفي

(1/10)


الصحيحين قصة الإعرابي القائل أقلني بيعتي فأبى صلى الله عليه وسلم فخرج الإعرابي فقال صلى الله عليه وسلم المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها وهو ظاهر في أنّ المراد إبعاد أهل الخبث ولا يختص بزمنه صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها أي عند ظهور الدجال حين ترجف المدينة فيخرج إليه منافقوها ولذا جاء في حديث أحمد الآتي وذلك يوم التخليص ذلك يوم تنفى المدينة الخبث وقال عمر بن عبد العزيز إذا خرج منها لمن معه أنخشى أن نكون ممن نفت المدينة وقد أبعد الله عنها أرباب الخبث الكامل وهم الكفار وأما غيرهم فقد يكون إبعاد أن مات بها بنقل الملائكة له كما أشار إليه الأقشهري فقوله تنفى خبثها وتنفى الذنوب أي أهل ذلك أو المراد إبعاد أهل الخبث الكامل فقط وهم أهل الشقاء لعدم قبولهم للشفاعة أو المراد فيما عدا قصة الإعرابي والدجال أنها تخلص النفوس من شرهها وظلمات ذنوبها بما فيها من اللأواء والمشقات ومضاعفة المثوبات والرحمات إذ الحسنات يذهبن السيئات أو المراد من كان في قلبه خبث وفساد ميزته عن القلوب الصادقة وأظهرت ما يخفي من عقيدته كما هو مشاهد بها ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم عند رجوع المنافقين في غزوة أحد المدينة كالكير الحديث والذي ظهر لي أنها تنفي خبثها بالمعاني الأربعة وتنصع بفتح الفوقانية وسكون النون وبالمهملتين أي تميز وتخلص طيبها بالنصب على المفعولية هذا هو المشهور وفي الصحيحين في أحاديث تحريم المدينة فمن أحدث فيها أحدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ولفظ البخاري لا يقبل منه صرف ولا عدل والجمهور أنّ الصرف الفريضة والعدل النافلة وقيل عكسه وقيل الصرف التوبة والعدل الفدية أي أتى فيها إثما أو آوى من أتاه وحماه فلا يقبل منه فريضة ونافلة قبول رضا ولا يجد في القيامة ما يفتدى به من كافر وقيل غير ذلك ولعنه إبعاده عن رحمة الله وطرده عن الجنة أوّلا لا كلعن الكفار وفيه دلالة على أنّ ذلك من الكبائر مطلقا إذ اللعن خاص بها فيستفاد منه أنّ الصغيرة بها كالكبير بغيرها تعظيما للحضرة النبوية وفي صحيح البخاري مرفوعا لا يكيد أهل المدينة أحد إلا أنماع كما ينماع الملح في الماء ولمسلم من أراد أهل هذه البلدة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء وله في رواية ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء قال عياض قوله في النار يبين أنّ هذا حكمه في الآخرة أو المراد من أرادها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بسوء اضمحل كما يضمحل الرصاص في النار فيكون في اللفظ تقديم وتأخير ويؤيده قوله أو ذوب الملح في الماء أو المراد من كادها اغتيالا وطلبا لغرّتها فيضمحل كيده ولا يتم أمره بخلاف من أتاها جهارا أو المراد من أرادها بسوء مطلقا فأن أمره يضمحل في الدنيا كما عوجل مسلم بن عقبة وكذا مرسله عقب إغزائها قلت هذا هو الأرجح إذ ليس في اللفظ ما يقتضي التخصيص بزمان ولأنه لا يتم لمن أرادها بسوء ما أراده بل الوعد بإهلاكه سريعا وهذا هو المشاهد من شانها وقد يضاف لذلك الإذابة في النار أيضا وللجنيدي حديث أيما جبار أراد المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء وللبزاز بإسناد حسن حديث اللهمّ اكفهم من دهمهم محرّكا أي غشيهم بسرعة وأغار عليهم ولأبن زبالة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف على المدينة فرفع يديه حتى رؤى عفرة إبطه ثم قال الهمّ من أرادني وأهل بلدي بسوء فعجل هلاكه وفي الأوسط للطبراني برجال الصحيح حديث اللهمّ من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل وفي رواية لغيره من أخاف أهل المدينة أخافه الله يوم القيامة وغضب عليه ولم يقبل منه صرفا ولا عدلا وللنسائي من أخاف أهل المدينة ظالما لهم أخافه الله وكانت عليه لعنة الله ولأبن حبان نحوه ولا حمد برجال الصحيح عن جابر أنّ أميرا من أمراء الفتنة قدم المدينة وكان قد ذهب بصر جابر فقيل لجابر لو تنحيت عنه فخرج يمشي بين ابنيه فنكب فقال تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبناه أو أحدهما يا أبت وكيف أخاف رسول

(1/11)


الله صلى الله عليه وسلم وقد مات فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي قلت ولعل هذا الأمير بسر بن أرطاة كما رواه أبن عبد البر من إرسال معاوية رضى الله عنه له إلى المدينة في جيش بعد تحكيم الحكمين وإنه أرسل إلى بني سلمة ما لكم عندي أمان ولا بيعة حتى تأتون بجابر وروى أن أهل المدينة فرّوا يومئذ حتى دخلوا حرّة بين سليم وفي الكبير للطبراني حديث من آذى أهل المدينة آذاه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ولأبن النجار عن معقل بن يسار المزني مرفوعا المدينة مهاجري فيها مضجعي ومنها مبعثي حقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر ومن حفظهم كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة ومن لم يحفظهم سقى من طينه الخبال قيل للمزني وما طينة الخبال قال عصارة أهل النار ورواه الكبراني بلفظ المدينة مهاجري ومضجعي في الأرض حق على أمتي أن يكرموا جيراني ما اجتنبوا الكبائر فمن لم يفعل ذلك منهم سقاه الله من طينة الخبال قلنا يا أبا يسار وما طينة الخبال قال عصارة أهل النار وفي فوائد القاضي أبي الحسن الهاشمي عن خارجة أبن زيد مرفوعا المدينة مهاجري وفيها مضجعي ومنها مخرجي حق على أمتي حفظ جيراني فيها من حفظ وصيتي كنت له شهيدا يوم القيامة ومن ضيعها أورده الله حوض الخبال قيل وما حوض الخبال يا رسول الله قال حوض من صديد أهل النار ولأبن زبالة حديث أنّ الله جعل المدينة فيها مهاجري وفيها مضجعي ومنها مبعثي فحق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر فمن حفظ فيهم حرمتي كنت له شفيعا يوم القيامة ومن ضيع فيهم حرمتي أورده الله حوض الخبال وفي رواية له المدينة مهاجري وبها وفاتي ومنها محشري وحقيق على أمتي أن يحفظوا جيراني ما اجتنبوا الكبيرة من حفظ فيهم حرمتي كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة وفي مدارك عياض قال محمد بن مسلمة سمعت مالكا يقول دخلت على المهدي فقال أوصني فقلت أوصيك بتقوى الله وحده والعطف على أهل بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيرانه فإنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المدينة مهاجري ومنها مبعثي وبها قبري وأهلها جيراني وحقيقة على أمتي حفظ جيراني فمن حفظهم فيّ كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال وقال مصعب لما قدم المدينة أستقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال فلما بصر بمالك أنحرف المهدي إليه فعانقه وسايره فألتفت إليه مالك فقال يا أمير المؤمنين إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك وهم أولاد المهاجرين والأنصار فسلم عليهم فأن ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ولا بلد خير من أهل المدينة قال ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله فقال إنه لا يعرف قبر نبي اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد صلى الله عليه وسلم ومن كان قبر محمد صلى الله عليه وسلم عندهم فينبغي أن يعرف فضلهم على غيرهم ففعل ما أمر به اه وفيه إشارة إلى التفضيل بمجاورة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال ما زال جبريل يوصيني بالجار ولم يخص جارا دون جار ومن تأمل هذا الفضل لم يرقب في تفضيل سكنى المدينة على مكة مع تسليم مزية المضاعفة لمكة فتلك لها مزيد العدد ولهذه تضاعف البركة والمدد ولتلك جوار بيت الله تعالى ولهذه جوار حبيب الله صلى الله عليه وسلم وأكرم الخلق على الله تعالى وقال أبو بكر بن حماد إنه سأل أبا عبد الله يعني ابن حنبل أين ترى أحب إليك أن يسكن الرجل مكة أو المدينة قال المدينة لمن كبر عليها وفي رواية المدينة لمن قوى عليها قيل له لم قال لأن بها خير المسلمين واختيار سكنا المدينة هو المعروف من حال السلف ولأبن كبة عن الشعبيّ إنه كان يكره المقام بمكة ويقول هي دار إعرابية هاجر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ألا يغنى حبيب نفسه حيث جاور بمكة وهي دار إعرابية وعن عامر نحوه وقال لأن أنزل دور أن أحب إلىّ من أنزل مكة وهي قريه هاجر منها النبي صلى الله عليه وسلم ودوران كحوران عند طرف قديد وفي مصنف عبد الرزاق أن الصحابة كانوا يحجون ثم يرجعون ويعتمرون ثم يرجعون ولا يجاورون قلت ولم أر للسلف خلافا في كراهة المجاورة بالمدينة بخلاف مكة وأن اقتضى كلام النووي حكاية الخلاف فيهما بناء على أن

(1/12)


العلة خوف الملل وقلة الحرمة والأنس وخوف ملابسة الذنوب قال والمختار استحباب المجاورة بهما إلا أن يغلب على ظن الوقوع فيما ذكر وفي الأوسط للطبراني حديث من غاب عن المدينة ثلاثة أيام جاءها وقلبه مشرب جفوة.لة خوف الملل وقلة الحرمة والأنس وخوف ملابسة الذنوب قال والمختار استحباب المجاورة بهما إلا أن يغلب على ظن الوقوع فيما ذكر وفي الأوسط للطبراني حديث من غاب عن المدينة ثلاثة أيام جاءها وقلبه مشرب جفوة.
" الفصل الرابع " في الدعاء لها ولأهلها ونقل وباءها وعصمتها من الدجال والطاعون

(1/13)


في الصحيحين حديث اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ ورواه رزين والجنديّ بالواو وقد تكرّر دعاءه صلى الله عليه وسلم بتحديد المدينة والظاهر أن الإجابة حصلت بالأول والتكرير لطلب المزيد حتى كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرانها وفي رواية دوحاتها أي حبال شجرها وفي رواية درجاتها أي طرقها المرتفعة أوضع راحلته وإن كان على دابة حركها من حبها كما في الصحيح وفي رواية لأبن زبالة تباشر بالمدينة وفي أخرى كان إذا أقبل من مكة فكان بالأتاية طرح رداءه عن منكبيه وقال هذه أرواح طيبة وفي الدعاء للمحاملي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كان إذا قدم من سفر من أسفاره فأقبل على المدينة يسير أتم السير ويقول اللهم اجعل لنا بها قرارا ورفقا حسنا وفي الصحيحين حديث اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة ولهما أيضا اللهم بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في صاعهم وبارك لهم في مدهم قلت هذه البركة في أمر الدين والدنيا لأنهم نماء وازدياد والبركة لها حاصلة في نفس المكيل بحيث يكفي المدّ بها من لا يكفيه بغيرها وهذا محسوس لمن سكنها ولذا أقول إن سكنا ها تزيد في الإيمان ولمسلم اللهم بارك لنا في مدينتنا اللهم بارك لنا في صاعنا اللهم بارك لنا في مدنا اللهم بارك لنا في مدينتنا اللهم اجمع مع البركة بركتين وله أيضا الله بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وأنى عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعا بمكة ومثله معه وله وللترمذيّ كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه قال اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا الحديث وهو يقتضي تكرر الدعاء بتكرر ذلك وللطبراني في الأوسط برجال ثقاة عن ابن عمر رضي الله عنه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم أقبل على القوم فقال اللهم بارك لنا في مدينتنا الحديث وله في الكبير برجال ثقاة عن أبن عباس نحوه وللترمذي وقال حسن صحيح عن علي رضي الله عنه خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بحرة السقيا التي كانت اسعد بن أبي وقاص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتوني بوضوء فتوضأ قام فأستقبل القبلة فقال اللهم أن إبراهيم كان عبدك وخليلك ودعاك لأهل مكة بالبركة وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثل ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين ورواه أبن شبة ألا أنه قال حتى إذا كنا بالحرة بالسقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتوني بوضوء فلما توضأ قام فاستقبل القبلة ثم كبر ثم قال الحديث وفيه إشارة إلى أن المدعوّ ستة أضعاف ما بمكة من البركة ولأبن زبالة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى ناحية من المدينة وخرجت معه فاستقبل القبلة ورفع يديه حتى أني لأرى بياض ما تحت منكبيه ثم قال اللهم إن إبراهيم نبيك وخليلك دعاك لأهل مكة وأنا نبيك ورسولك أدعوك لأهل المدينة اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم وقليلهم وكثيرهم ضعفي ما باركت لأهل مكة اللهم من ها هنا وها هنا وها هنا حتى أشار إلى نواحي الأرض كلها اللهم من أرادهم بسوء فأذيه كما يذوب الملح بالماء ولأحمد برجال الصحيح عن أبي قتادته أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأرض سعد بأصل الحرة عند بيوت السقيا ثم قال اللهم أن إبراهيم خليلك وعبدك ورسولك ونبيك دعاك لأهل مكة وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثلما دعاك به إبراهيم لمكة أدعوك أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة وأجعل ما بها من وباء يختم الحديد وللجندي حديث اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وبارك لنا في مدها وصاعها وأنقل حماها وأجعلها بالجفة ولأبن زبالة في حديث قدومه صلى الله عليه وسلم ووعظ أصحابه إنه جلس على المنبر ثم رفع يديه ثم قال اللهم أنقل عنا الوباء فلما أصبح قال أتيت هذه الليلة بالحمى فإذا بعجوز سوداء ملببة بيدي الذي جاء بها فقال هذه الحمى فما ترى فيها فقلت اجعلوها بخمّه وفي رواية له إنه أمر عائشه رضي الله عنها بالذهاب إلى أبي بكر وموليه فرجعت فأخبرته فكره ذلك ثم عمد إلى بقيع الخيل وهو سوق

(1/14)


المدينة فقام فيه ووجهه إلى القبلة فرفع يديه إلى الله تعالى فقال اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهم بارك لأهل المدينة في سوقهم وبارك لهم في صاعهم وبارك لهم في مدهم اللهم أنقل ما كان للمدينة من وباء إلى مهيعة ولمسلم عن عائشة رضي الله عنه قدمنا المدينة وهي وبية فأشتكى أبو بكر وأشتكى بلال رضي الله عنه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوى أصحابه قال اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد وبارك لنا في صاعها ومدها وحول حماها إلى الجحفة وللبخاري عنها لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال رضي الله عنه وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقولالمدينة فقام فيه ووجهه إلى القبلة فرفع يديه إلى الله تعالى فقال اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهم بارك لأهل المدينة في سوقهم وبارك لهم في صاعهم وبارك لهم في مدهم اللهم أنقل ما كان للمدينة من وباء إلى مهيعة ولمسلم عن عائشة رضي الله عنه قدمنا المدينة وهي وبية فأشتكى أبو بكر وأشتكى بلال رضي الله عنه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوى أصحابه قال اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد وبارك لنا في صاعها ومدها وحول حماها إلى الجحفة وللبخاري عنها لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال رضي الله عنه وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراكة نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقبرته ويقول
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي أذخر وجليل
وهل أردن يوما ميساه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ اللهمّ بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة قالت وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله تعالى وكان بطحان يجرى نجلا يعني ماء أحبنا أي متغير أو لأبن أسحق عنها لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي أوبأ أرض الله تعالى من الحمى فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرفه الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم قالت فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبي بكر معه في بيت واحد فأصابتهم الحمى فدخلت عليهم أعودهم وذلك قبل أن يضرب الحجاب وبهم ما لا يعلمه إلا الله تعالى من شدّة الوعك فدنوت من أبي بكر فقلت كيف تجدك فقال كل امرئ البيت فقلت والله ما يدري أبي ما يقول ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت كيف تجدك فقال
لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقه
قالت فقلت ما يدري عامر ما يقول وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت وذكر ما سبق ولأبن زبالة لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أصحابه فخرج يعود أبا بكر فوجده بهجر فقال يا رسول الله لقد لقيت الموت البيت فخرج من عنده فدخل على بلال فوجده بهجر وهو يقول ألا ليت شعري البيتين ودخل على أبي أحمد بن جحش فوجده موعوكا فلما جلس إليه قال
واحبذا مكة من وادي ... أرض بها تكثر عوّادي
أرض بها تضرب أو تأذى ... أرض بها أهلي وأولادي
أرض بها أمشي بلا هادي

(1/15)


فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا أن ينقل الوباء من المدينة فيجعله بخم وخم كما سيأتي قرب الجحفة وهي مهيعة وإنما دعا صلى الله عليه وسلم بنقل الحمى إليها لأنها كانت دار شرك ولم تزل من يومئذ أكثر بلاد الله حمى قال بعضهم وإنه ليتقي شرب الماء من عينها التي يقال لها عين خم فقلّ من شرب منها الأحمّ وللبيهقيّ في الحديث السابق عن هشام بن عروة قال وكان المولود يولد بالجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى وله أيضا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي أوبأ أرض الله تعالى وواديها بصحان نجل يجري عليه الأثل قال هشام وكان وباؤها معروفا في الجاهلية وكان إذا كان الوادي وفي خبر ثنية الوداع ما يقتضي أنّ الداخل كان يعشر بها أي ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق وإلا مات قبل أن يخرج منها حتى قدم عروة بن الورد العبسي فلم يعشر فتركه الناس وتحويل مثل هذا الوباء من أعظم المعجزات وللبخاريّ حديث رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة فتأوّلتها أنّ وباء بالمدينة نقل إلى مهيعة ولأبن زبالة أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فجاءه إنسان كأنه قدم من ناحية طريق مكة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل لقيت أحدا قال لا ألا امرأة سوداء عريانة ثائرة الشعر فقال صلى الله عليه وسلم تلك الحمى ولن تعود بعد اليوم أبدا وله أيضا حديث أصح المدينة من الحمى ما بين حرة بني قريظة والعريض وحديث اللهم حبب إلينا المدينة وأنقل وباءها إلى مهيعة وما بقي منه فاجعله تحت ذنب مشعط وحديث إن كان الوباء في شيء من المدينة فهو في ظل مشعط قلت ومشعط بالشين المعجمة كمرفق أطم لبني هذيلة كان في غربي مسجدهم قرب البقيع وهذا يؤذن بمقام شيء من الحمى كما هو اليوم فالذي نقل سلطانها أو أعيد الخفيف منها للتكفير لحديث أحمد وغيره برجال الصحيح عن جابر استأذنت الحمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذه فقال ما شئتم أن شئتم دعوت الله تعالى ليكشفها عنكم وإن شئتم تكون لكم طهورا قالوا أو تفعل قال نعم قالوا فدعها وفي رواية وإن شئتم تركتموها وأسقطت بقية ذنوبكم وله أيضا برجال ثقات أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون بالشام فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز على الكافرين وأن الموجود منها اليوم ليس حمى الوباء بل رحمة ربنا ودعوة نبينا لما روى أحمد في تفسير ما صح عن شرحبيل بن حسنة وغيره إنه أي الطاعون رحمة ربكم ودعوة نبيكم من قول أبي قلابة إنه صلى الله عليه وسلم سأل ربه عز وجل أن لا يهلك أمته بسنة فأعطيها وأن لا يسلط عليهم عدوّا من غيرهم فأعطيها وأن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض فمنعه فقال في دعائه فحمى إذا أو طاعونا كرره ثلاثا أي فحمى للموضع الذي عصم من الطاعون فتضعف الأبدان عن إذاقة بعضهم بأس بعض فتمنعه وتطهرهم وتكون حظهم من النار أو طاعونا للموضع الذي لم يعصم منه وهذا الأخير قد ظهر لي من فهم الأحاديث وترجح عندي وفي الصحيحين وغيرهما حديث على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال وللبخاريّ وغيره حديث المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شار الله تعالى وقول إن شاء الله تعالى للتبرك للجزم بذلك في بقية الأحاديث وقرن الدجال بالطاعون مع كونه شهادة ورحمة لما ثبت من تفسيره بوخز أعدائنا من الجنّ فقد منع منها مردة الجنّ كما منع رأس مردة الأنس وأيضا فالطاعون سببه أشياء تقع من الأمة ففيه نوع مؤاخذة وقد عوّضت المدينة عنه بالحمى وقيل المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل ما يقع لغيرها كطاعون عمواس وهو مردود فلم تزل محفوظة منه مطلقا في سائر الإعصار كما جزم به أبن قتيبة وتبعه جمع جم من آخرهم النوويّ وهذا القائل فسر الطاعون بالموت العام الفاشي والصواب إنّ المراد به ما يكون عن ظعن الجنّ فيهيج به الدم في البدن فقد روى الطبراني وغيره برجال ثقات حديث ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل خرج من بعض الآفاق حتى إذا كان قريبا من المدينة ببعض الطريق أصابه الوباء ففزع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأرجو أن لا يطلع علينا نقابها يعني طرق المدينة والمراد بالوباء هنا الطاعون المعروف بعلاماته وإلا فموت الواحد

(1/16)


لا يفزع ولا يسمى وباء عاما وفي الصحيح قول أبي الأسود قدمت المدينة وهم يموتون بها موتا ذريعا فهذا وقع بالمدينة لكنه غير الطاعون ولأحمد برجال ثقات وأبن شيبة برجال الصحيح حديث المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة على كل نقب منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون قلت كذا هو لا يدخلها بالأفراد فيحتمل عودها للمدينة فقط وإن ثبت لما سيأتي عدم دخول الدجال لمكة فقد نقل جماعة عن الطاعون العام سنة تسع وأربعين وسبعمائة إنه دخلها بخلاف المدينة فلم ينقل ذلك فيها أو أن ليس كما ظن ناقله من كونه طاعونا وفي الصحيحين حديث ليس بلد إلا سيعلوه الجبال إلا مكة والمدينة ليس نقب من أنقابها إلا عليه ملائكة صافين يحرسونها فينزل السبخة ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات أي بسبب الزلزلة التي تقع فيخرج إليه كل كافر ومنافق وفي رواية فيأتي سبخة الجرف فيخرج إليه كل منافق ومنافقة وللبخاري لا يدخل المدينة رعب المسيح لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان ولمسلم يأتي المسح من قبل المشرق وهمته المدينة حتى ينزل دبر أحد ثم تصرف الملائكة وجهه قبل المشرق وهنالك يهلك ولهما قصة خروج الرجل الذي هو خير الناس من المدينة إليه إذا نزل بعض سباخها فيقول له أشهد أنك الدجال الذي حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه الحديث بطوله فاختصبت بذلك لكونها حضرة المبعوث بالحق ولا حمد برجال الصحيح أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على فلق من أفلاق الحرة ونحن معه فقال نعم الأرض المدينة إذا خرج الدجال على كل نقب من أنقابها ملك لا يدخلها الدجال فإذا كان ذلك رجفت المدينة بأهلها ثلاث رجفات لا يبقى فيها منافق ولا منافقة إلا خرج إليه وأكثرهم يعني من يخرج النساء وذلك يوم التخليص ذلك يوم تنفى المدينة الخبث كما ينفي الكير وسخ الحديد يكون معه سبعون ألفا من اليهود كل رجل منهم ساج وسيف محلى فيضرب قبته بهذا المضرب الذي بمجتمع السيول الحديث بطوله وللطبراني يا أهل المدينة اذكروا يوم الخلاص قالوا وما يوم الخلاص قال يقبل الدجال حتى ينزل بذباب فلا يبقى في المدينة مشرك ولا مشركة ولا كافر ولا كافرة ولا منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه ويخلص المؤمنون فذلك يوم الخلاص وقوله بذباب أي بما يقابله من مجتمع السيول كما سبق وفي رواية ينزل الدجال خذوا المدينة فأقول من يتبعه النساء والإماء ولا حمدوا الحاكم يجيء الدجال فيصعد أحدا فيطلع فينظر إلى المدينة فيقول لأصحابه ألا ترون إلى هذا القصر الأبيض هذا مسجد أحمد ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب من أنقابها ملكا مصلتا سيفه فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه أي فسطاطه ولا حمد ينزل الدجال في هذه السبخة بمر قناة أي ممرها ولابن ماجة ينزل عند الطريق الأحمر عند منقطع السبخة وللزبيرين بكار ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجتمع السيول فقال ألا أخبركم بمنزل الدجال من المدينة ثم قال هذا منزله يريد المدينة لا يستطيعها يجدها متمنطقة بالملائكة على كل نقب من أنقابها ملك شاهر سلاحه لا يدخلها الدجال ولا الطاعون فينزل بالمدينة وبأصحاب الدجال زلزلة لا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه وأكثر من يتبعه النساء فلا يعجز الرجل أن يمسك سفيهته ولأبي يعلي برجال الصحيح في حديث الجساسة هو المسيح تطوى له الأرض في أربعين يوما إلا ما كان من طيبة قال صلى الله عليه وسلم وطيبة المدينة ما باب من أبوابها إلا وملك مصلت سيفه يمنعه وبمكة مثل ذلك يفزع ولا يسمى وباء عاما وفي الصحيح قول أبي الأسود قدمت المدينة وهم يموتون بها موتا ذريعا فهذا وقع بالمدينة لكنه غير الطاعون ولأحمد برجال ثقات وأبن شيبة برجال الصحيح حديث المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة على كل نقب منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون قلت كذا هو لا يدخلها بالأفراد فيحتمل عودها للمدينة فقط وإن ثبت لما سيأتي عدم دخول الدجال لمكة فقد نقل جماعة عن الطاعون العام سنة تسع وأربعين وسبعمائة إنه دخلها بخلاف المدينة فلم ينقل ذلك فيها أو أن ليس كما ظن ناقله من كونه طاعونا وفي الصحيحين حديث ليس بلد إلا سيعلوه الجبال إلا مكة والمدينة ليس نقب من أنقابها إلا عليه ملائكة صافين يحرسونها فينزل السبخة ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات أي بسبب الزلزلة التي تقع فيخرج إليه كل كافر ومنافق وفي رواية فيأتي سبخة الجرف فيخرج إليه كل منافق ومنافقة وللبخاري لا يدخل المدينة رعب المسيح لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان ولمسلم يأتي المسح من قبل المشرق وهمته المدينة حتى ينزل دبر أحد ثم تصرف الملائكة وجهه قبل المشرق وهنالك يهلك ولهما قصة خروج الرجل الذي هو خير الناس من المدينة إليه إذا نزل بعض سباخها فيقول له أشهد أنك الدجال الذي حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه الحديث بطوله فاختصبت بذلك لكونها حضرة المبعوث بالحق ولا حمد برجال الصحيح أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على فلق من أفلاق الحرة ونحن معه فقال نعم الأرض المدينة إذا خرج الدجال على كل نقب من أنقابها ملك لا يدخلها الدجال فإذا كان ذلك رجفت المدينة بأهلها ثلاث رجفات لا يبقى فيها منافق ولا منافقة إلا خرج إليه وأكثرهم يعني من يخرج النساء وذلك يوم التخليص ذلك يوم تنفى المدينة الخبث كما ينفي الكير وسخ الحديد يكون معه سبعون ألفا من اليهود كل رجل منهم ساج وسيف محلى فيضرب قبته بهذا المضرب الذي بمجتمع السيول الحديث بطوله وللطبراني يا أهل المدينة اذكروا يوم الخلاص قالوا وما يوم الخلاص قال يقبل الدجال حتى ينزل بذباب فلا يبقى في المدينة مشرك ولا مشركة ولا كافر ولا كافرة ولا منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه ويخلص المؤمنون فذلك يوم الخلاص وقوله بذباب أي بما يقابله من مجتمع السيول كما سبق وفي رواية ينزل الدجال خذوا المدينة فأقول من يتبعه النساء والإماء ولا حمدوا الحاكم يجيء الدجال فيصعد أحدا فيطلع فينظر إلى المدينة فيقول لأصحابه ألا ترون إلى هذا القصر الأبيض هذا مسجد أحمد ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب من أنقابها ملكا مصلتا سيفه فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه أي فسطاطه ولا حمد ينزل الدجال في هذه السبخة بمر قناة أي ممرها ولابن ماجة ينزل عند الطريق الأحمر عند منقطع السبخة وللزبيرين بكار ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجتمع السيول فقال ألا أخبركم بمنزل الدجال من المدينة ثم قال هذا منزله يريد المدينة لا يستطيعها يجدها متمنطقة بالملائكة على كل نقب من أنقابها ملك شاهر سلاحه لا يدخلها الدجال ولا الطاعون فينزل بالمدينة وبأصحاب الدجال زلزلة لا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه وأكثر من يتبعه النساء فلا يعجز الرجل أن يمسك سفيهته ولأبي يعلي برجال الصحيح في حديث الجساسة هو المسيح تطوى له الأرض في أربعين يوما إلا ما كان من طيبة قال صلى الله عليه وسلم وطيبة المدينة ما باب من أبوابها إلا وملك مصلت سيفه يمنعه وبمكة مثل ذلك

(1/17)


الفصل الخامس في ترابها وثمرها

(1/18)


روى ابن النجار وابن الجوزي في الوفاء حديث غبار المدينة سفاء من الجذام وفي جامع الأصول لرزين ابن الأثير وبيضا لمخرجه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك تلقاه رجال من المخلفين من المؤمنين فأثاروا غبارا فخمر أو فغطى بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفه فأزال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللثام عن وجهه وقال الذي نفسي بيده أن في غبارها شفاء من كل داء وأراه ذكر من الجذام والبرص ولرزين عن ابن عمر نحوه وقال فمدّ الرسول صلى الله عليه وسلم يده فأماطه عن وجهه وقال ما علمت أن هجوة المدينة شفاء من السقم وغبارها شفاء من الجذام ولابن زبالة عن صيفي بن أبي عامر مرفوعا والذي نفسي بيده أنّ تربتها المؤمنة وأنها شفاء من الجذام وله عن سلمة بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال غبار المدينة يطفئ الجذام قلت وقد شاهدنا من استشفى به منه وكان قد أضربه فنفعه جدا وروى يحيي بن الحسن بن جعفر الحجة العلوي وابن النجار كلاهما من طريق ابن زبالة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالحرث فإذا هم رؤبى فقال مالكم يا بني الحرث روبى قالوا أصابتنا يا رسول الله هذه الحمى قال فأين أنتم عن صعيب قالوا يا رسول الله ما تصنع به قال تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء ثم يتفل عليه أحدكم ويقول بسم الله تراب أرضنا بريق بعضنا شفاء لمريضنا بأذن ربنا ففعلوا فتركتهم الحمى قال طاهر بن يحيى العلوي عقب روايته لذلك عن أبيه صعب وادي بطحان دون الماجشونية أي الحديقة المعروفة اليوم بالمدشونية وفيه حفرة مما يأخذ الناس منه وهو اليوم إذا وبئ إنسان أخذ منه قال أبن النجار وقد رأيت أنا هذه الحفرة اليوم والناس يأخذون منها وذكروا أنهم قد جرّبوه فوجدوه صحيحا قال وأخذت منه أنا أيضا قلت وهذه الحفرة موجودة يؤثرها الخلف عن السلف وينقلون ترابها للتداوي وذكر المجد أنّ جماعة من العلماء ذكروا أنهم جرّبوه للحمى فوجدوه صحيحا قال وأنا سقيته غلاما لي مريضا من نخوسنة تواظبه الحمى فانقطعت عنه من يومه وذكر هو في موضع آخر كالمطري أنّ ترابه يجعل في الماء ويغتسل به من الحمى قلت فينبغي أن يفعل أوّلا ما ورد ثم يجمع بين الشرب والغسل وفي الصحيحين حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أشتكى الإنسان أو كانت به قرحة أو جرح قال بإصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها وقال بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بأذن ربنا وفي رواية يقول بريقه ثم قال به في التراب ولأبن زبالة أنّ رجلا أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرجله قرحة فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم طرف الحصير ثم وضع إصبعه التي تلي الإبهام على التراب بعد ما مسها بريقه وقال بسم الله ريق بعضنا بتربة أرضنا يشفى سقيمنا بأذن ربنا ثم وضع إصبعه على القرحة فكأنما حل من عقال وله مرفوعا من تصبح بسبع تمرات من العجوة لا أعلمه إلا قال من العالية لم يضره يومئذ سم ولا سحر ولمسلم حديث من أكل سبع تمرات مما بين لا بتيها حين يصبح لم يضره شيء حتى يمسي ولا حمد برجال الصحيح من أكل سبع تمرات عجوة مما بين لابتي المدينة على الريق لم يضره يومه ذلك شيء حتى يمسي قال فليح وأظنه قال وأن أكلها حين يمسي لم يضره شيء حتى يصبح وفي الصحيحين من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر ولمسلم أن في عجوة العالية شفاء أو إنها ترياق أوّل البكرة لا حمد برجال الصحيح في حديث وأعلموا أن الكمأة دواء العين وأن العجوة من فاكهة الجنة وللطبراني في الثلاثة وغيره بسند جيد الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم وصح لأبي داود عن سعد بن أبي وقاص مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فوضع يده بين ثدييّ حتى وجدت بردها على فؤادي فقال إنك رجل مفؤود أنت الحرث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطبب فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليلماهن ثم ليدلكهن أي يسقيك يقال لده إذا سقاه الدواء في أحد جانبي الفم وفي كامل بن عدي مرفوعا ينفع من الدوام أن تأخذ سبعة تمرات من عجوة المدينة كل يوم تفعل ذلك سبعة أيام وفي غريب الحديث للخطابي عن عائشة رضي الله عنه إنها كانت تأمر للدوام والدوار بسبع تمرات عجوة في سبع غدوات على الريق والدوام والدوار ما يأخذ الإنسان في رأسه

(1/19)


فيدومه ومنه تدويم الطائر وهو أن يستدير في طيرانه وتخصيص العجوة دون غيرها وعدد السبع مما لا يعلم حكمته فيجب الإيمان به واعتقاد فضله وبركته وسوق هذه الأحاديث وأطواق الناس على التبرك بالعجوة وهو النوع المعروف الذي يأثره الخلف عن السلف بالمدينة ولا يرتابون في تسميته بذلك يردّ ما قيل هنا مما سوى ذلك والعجوة كما قال أبن الأثير ضرب من التمر أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد قال وهو مما غرسه النبي صلى الله عليه وسلم بيده بالمدينة وذكر هذا الأخير البزار أيضا ولأبن حبان عن أبن عباس رضي الله عنه كان أحب التمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العجوة ولأحمد خير تمركم البراني يخرج الداء ولا داء فيه ورواه أبن شبة والحاكم خطابا لوفد عبد القيس في ثمارهم وللطبراني في الصغير برجال الصحيح كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بالباكورة من الثمار ووضعها على عينيه ثم قال اللهم كما أطعمتنا أوله فأطعمنا آخره ثم يأمر به للمولود من أهله وفي الكبير كان إذا أتى بالباكورة من التمر قبلها وجعلها على عينيه وفي نوادر الأصول إذا أتى بالباكورة من كل شيء ثم قبلها ثم وضعها على عينيه اليمنى ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا الحديث وللبزار مرفوعا يا عائشة إذا جاء الرطب فهنيني وفي الغيلانيات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يفطر على الرطب في أيام الرطب وعلى التمر إذا لم يكن رطب ويختم بهن ويجعلهن وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا وأنواع تمر المدينة كثيرة استقصيناها في الأصل الأول فبغلت مائة وبضعا وثلاثين نوعا منها الصيحاني وفي فضل أهل البيت لأبن المؤيد الحموي عن جابر رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوما في بعض حيطات المدينة ويد عليّ في يده قال فمررنا بنخل فصاح النخل هذا محمد سيد الأنبياء وهذا عليّ سيد الأولياء أبو الأئمة الطاهرين ثم مررنا بنخل فصاح النخل هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا عليّ سيف الله فلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عليّ فقال له سمه الصيحاني فسمى من ذلك اليوم الصيحاني فكان هذا سبب تسمية هذا النوع بذلك أو المراد نخل ذلك الحائط وبالمدينة اليوم موضع يعرف بالصيحاني.ه ومنه تدويم الطائر وهو أن يستدير في طيرانه وتخصيص العجوة دون غيرها وعدد السبع مما لا يعلم حكمته فيجب الإيمان به واعتقاد فضله وبركته وسوق هذه الأحاديث وأطواق الناس على التبرك بالعجوة وهو النوع المعروف الذي يأثره الخلف عن السلف بالمدينة ولا يرتابون في تسميته بذلك يردّ ما قيل هنا مما سوى ذلك والعجوة كما قال أبن الأثير ضرب من التمر أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد قال وهو مما غرسه النبي صلى الله عليه وسلم بيده بالمدينة وذكر هذا الأخير البزار أيضا ولأبن حبان عن أبن عباس رضي الله عنه كان أحب التمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العجوة ولأحمد خير تمركم البراني يخرج الداء ولا داء فيه ورواه أبن شبة والحاكم خطابا لوفد عبد القيس في ثمارهم وللطبراني في الصغير برجال الصحيح كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بالباكورة من الثمار ووضعها على عينيه ثم قال اللهم كما أطعمتنا أوله فأطعمنا آخره ثم يأمر به للمولود من أهله وفي الكبير كان إذا أتى بالباكورة من التمر قبلها وجعلها على عينيه وفي نوادر الأصول إذا أتى بالباكورة من كل شيء ثم قبلها ثم وضعها على عينيه اليمنى ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا الحديث وللبزار مرفوعا يا عائشة إذا جاء الرطب فهنيني وفي الغيلانيات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يفطر على الرطب في أيام الرطب وعلى التمر إذا لم يكن رطب ويختم بهن ويجعلهن وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا وأنواع تمر المدينة كثيرة استقصيناها في الأصل الأول فبغلت مائة وبضعا وثلاثين نوعا منها الصيحاني وفي فضل أهل البيت لأبن المؤيد الحموي عن جابر رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوما في بعض حيطات المدينة ويد عليّ في يده قال فمررنا بنخل فصاح النخل هذا محمد سيد الأنبياء وهذا عليّ سيد الأولياء أبو الأئمة الطاهرين ثم مررنا بنخل فصاح النخل هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا عليّ سيف الله فلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عليّ فقال له سمه الصيحاني فسمى من ذلك اليوم الصيحاني فكان هذا سبب تسمية هذا النوع بذلك أو المراد نخل ذلك الحائط وبالمدينة اليوم موضع يعرف بالصيحاني.

(1/20)


" الفصل السادس " في تحريمها والألفاظ المتعلقة به

(1/21)


وسر تخصيص ذلك بالتحريم. وفي الصحيحين حديث أن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وفي رواية ودعا لأهلها وأني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وللبخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه حرم ما بين لابتي المدينة على لسان قال وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بني حارث فقال أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم ثم التفت فقال بل أنتم فيه ولأحمد أن الله حرم على لسان ما بين لابتي المدينة وللإسماعيلي نحوه وقال ثم جاء بني حارثة وهم في سند الحر أي في الجانب المرتفع منها والمراد منزلهم الذي جاء الإسلام وهم فيه من الحرة الشرقية يمينا متوجه في الطريق الشرقية لمشهد حمزة رضي الله عنه لا كما قال المطري إنهم كانوا غربية المشهد بيثرب لما أوضحناه في الأصل وكأنه صلى الله عليه وسلم لما رأى منزلهم فيما أرتفع من الحرة فلا يصدق عليه إنه فيما بين الحرتين قال لهم ذلك رأى أن ذلك داخل فيما بين الجبلين فقال بل أنتم فيه ولمسلم اللهم أني أحرم ما بين جبليها مثلما حرم إبراهيم مكة وله اللهم أن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما وأني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها أن لا يراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف " قلت " ومأزما المدينة جبلاها كما صوبه النووي وهما عير وثور لما فيه رواية مسلم في حديث الصحيفة عن عليّ المدينة حرم ما بين عير إلى ثور ولأبي داود مثله وزاد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يختلي خلالها ولا ينفر صيدها ولا يلتقط لقطتها الأمن أشاد بها ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها سلاح لقتال ولا أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره وللطبراني برجال ثقات ما بين عير وأحد حرام حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأحمد نحوه وللبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه لو رأيت الضبا بالمدينة ترتع ما ذعرتها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها حرام ولمسلم عنه حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة قال أبو هريرة فلو وجدت الضباء ما بين لابتيها ما ذعرتها وجعل اثنا عشر ميلا حول المدينة حما ولأبي داود حما رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريد إلا يخبط شجرة ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل ولأحمد في حديث الصحيفة وهو صحيح إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين حرتيها وحماها كله لا يختلي خلاها ولا ينفر صيدها ولا يلتقط لقطتها ولا يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره ولا يحمل فيها السلاح لقتال وللبهيقي في المعرفة أن إبراهيم حرم مكة وأني أحرم المدينة ما بين حرتيها وحماها الحديث وقال ولا يلتقط لقطتها إلا من أشاد بها يعني أنسد ومقتضى رواية أحمد إنه حرم بين حرتي المدينة وحرّم حماها كله وفي رواية البيهقي أنه حرم ما بين اللابتين وحمام المدينة وهنّ ثلاثة أجبل مما يلي حرّتها الغربية ولمسلم من حديث جابر إن إبراهيم حرم مكة وأني حرمت المدينة ما بين لابيتها لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها ولأحمد وأنا أحرم ما بين حرتيها ولذا قال النوويّ رضي الله عنه لابتيها أي حرتيها الشرقية والغربية والمدينة بينهما وهو حد للحرم من المشرف والمغرب وما بين جبليها بيان لحدّه من الجنوب والشمال قال ومعنى قوله ما بين لابتيها اللابتان وما بينهما " قلت " ويؤيده ما سبق في منازل بني حارثة وأن التحديد بالجبلين مقتض لذلك وللمدينة أيضا حرة من القبلة وحرة من الشام لكنهما يرجعان إلى المشرق والمغرب ويتصلان بهما والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة جدّا وهي المعول عليه عندنا في تحديد حرم المدينة وما وقع في أبي داود وغيره من ذكر البريد فقد بين إنه حمى وهو غير الحرم ولم يتعرض أصحابنا لإجراء أحكام الحمى على ما بين نهاية حرم المدينة وبين البريد وجاء في أحاديث ليست بالقوية ما يبين أنه حرم أيضا فلأبن زبالة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شجر المدينة بريدا في بريد منها وأذن في المسد والنجدة ومتاع الناضح أن يقطع منه والمنجدة عصا الناضح وللمفضل الجندي أن سعدا قال في قصة العبد الذي وجده يعضد أو يخبط شيئاً من عضاه بالعقيق سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من وجد من يعضد أو يخبط شيئاً من عضاه المدينة بريدا في بريد فله سلبه فلم أكن لأردّ شيئاً أعطانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وللبزار عن جابر حرّم

(1/22)


رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بريدا من نواحيها وللطبرانيّ عن كعب بن مالك حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الشجر بالمدينة بريدا في بريد وأرسلني فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش وعلى شريب وعلى أشراف مخيض ولأبن النجار حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بريدا في بريد وأرسلني فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش وعلى مشيرب وعلى أشراف المجتهر وعلى تيم ورواه أبن زبالة لكن أسقط أشراف المجتهر وأبدل تيما شبيب وزاد وعلى الحفياء وعلى ذي العشيرة وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم حمى الشجر ما بين المدينة إلى وعيرة وإلى تنية المحدث وإلى أشراف مخيض وإلى ثنية الحفياء وإلى مضرب القبة وإلى ذات الجيش من الشجر أن يقطع وأذن لهم في متاع الناضح أن يقطع من حمى المدينة وله أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نزل بمضرب القبة وقال ما بيني وبين المدينة حمى المدينة لا يعضد فقالوا إلا المسد فأذن لهم في المسد قال وقال مالك بن أنس عن أبي بكر بن حزم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحمى إلى مضرب القبة قال مالك وذلك نحو من بريد وله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال بعثتني عمتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذنه في مسد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرئ عمتك السلام وقل لها لو أذنت لكم في مسد لطلبتم ميزابا ولو أذنت لكم في ميزاب لطلبتم خشبة ثم قال حماي من حيث اتسقت بنو فزارة لقاحي قوله عير لفتح المهملة وسكون المثناة تحت مرادف الحمار ويقال عاير جبل مشهور في قبلة المدينة قرب ذي الحليفة وفوقه جبل يسمى باسمه ويميز الأوّل بالوارد والثاني بالصادر وثور بالمثلثة مرادف فحل البقر جبل صغير خلف أحد كما سنحققه وفي المشارق أنّ الزبير بن بكار قال عير جبل المدينة وقال عمه مصعب الزبيري ليس بالمدينة عير ولا ثور ولذا كنى عنهما بعض رواة البخاري قلت في النقل عن مصعب الزبيري نظر فقد ذكر الزبير بن بكار أنّ عمه مصعبا ذكر عيرا في شعره حيث قال من أبيات ذكر فيها العرصة وغيرها من بقاع المدينةول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بريدا من نواحيها وللطبرانيّ عن كعب بن مالك حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الشجر بالمدينة بريدا في بريد وأرسلني فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش وعلى شريب وعلى أشراف مخيض ولأبن النجار حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بريدا في بريد وأرسلني فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش وعلى مشيرب وعلى أشراف المجتهر وعلى تيم ورواه أبن زبالة لكن أسقط أشراف المجتهر وأبدل تيما شبيب وزاد وعلى الحفياء وعلى ذي العشيرة وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم حمى الشجر ما بين المدينة إلى وعيرة وإلى تنية المحدث وإلى أشراف مخيض وإلى ثنية الحفياء وإلى مضرب القبة وإلى ذات الجيش من الشجر أن يقطع وأذن لهم في متاع الناضح أن يقطع من حمى المدينة وله أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نزل بمضرب القبة وقال ما بيني وبين المدينة حمى المدينة لا يعضد فقالوا إلا المسد فأذن لهم في المسد قال وقال مالك بن أنس عن أبي بكر بن حزم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحمى إلى مضرب القبة قال مالك وذلك نحو من بريد وله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال بعثتني عمتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذنه في مسد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرئ عمتك السلام وقل لها لو أذنت لكم في مسد لطلبتم ميزابا ولو أذنت لكم في ميزاب لطلبتم خشبة ثم قال حماي من حيث اتسقت بنو فزارة لقاحي قوله عير لفتح المهملة وسكون المثناة تحت مرادف الحمار ويقال عاير جبل مشهور في قبلة المدينة قرب ذي الحليفة وفوقه جبل يسمى باسمه ويميز الأوّل بالوارد والثاني بالصادر وثور بالمثلثة مرادف فحل البقر جبل صغير خلف أحد كما سنحققه وفي المشارق أنّ الزبير بن بكار قال عير جبل المدينة وقال عمه مصعب الزبيري ليس بالمدينة عير ولا ثور ولذا كنى عنهما بعض رواة البخاري قلت في النقل عن مصعب الزبيري نظر فقد ذكر الزبير بن بكار أنّ عمه مصعبا ذكر عيرا في شعره حيث قال من أبيات ذكر فيها العرصة وغيرها من بقاع المدينة
وعلى عير فما حاز الغرا ... وإبل مار عليها واكتسح
قال وقال عبد الله بن مصعب من أبيات أيضا

(1/23)


بالعرصتين فسفح عير فالربا ... من بطن خاخ ذي المحل الأسهل
وقال عامر بن صالح الزبيري
قال للذي رام هذا الحيّ من أسد ... رمت الشوامخ من عير ومن عظم
وذكره أبن أذينة وغيره من الشعراء وثنوه لما قدمناه وذكره أبن زبالة أيضا وشهرة عير غير خافية قديما وحديثا إنما الغرابة في ثور فقال أبو عبيد القاسم بن سلام عير وثور جبلان بالمدينة وأهل المدينة لا يعرفون بها جبلا يقال له ثور وإنما ثور بمكة قال فإذا نرى أنّ الحديث أصله ما بين عير إلى أحد ونقل ذلك البيهقي في المعرفة ثم قال عقبه وبلغني عن أبي عبيدة إنه قال في كتاب الجبال بلغني أن بالمدينة جبلا يقال له ثور انتهى وقال المجد في عير قال نصر هو جبل يقابل الثنية المعروفة بشعب الجوز وثور جبل عند أحد انتهى فهذا أصل قديم كما نقله المحب الطبريّ وغيره عن أبن مزروع ولفظ الطبريّ أخبرني الثقة الصدوق الحافظ العالم المجاور بحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم البصري إن حذاء أحد عن يساره جافحا إلى ورائه جبلا صغيرا يقال له ثور وأخبر أنه تكرر سؤاله عن الطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وقال القطب الحلبي حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولا إلى العراق من صاحب المدينة وكان معه دليل يذكر له ما كان قال فلما وصلنا إلى أحدا ذا بقربة جبل صغير فسألته عنه فقال هذا يسمى ثورا قال فعلمت صحة الرواية وردّ الجمال المطري على من أنكر وجود ثور وقال أنه خلف أحد من شماليه صغير مدور يعرفه أهل المدينة خلف عن سلف " قلت " وهو الآن مشهور ومعروف من علم حجة على من يعلم وثبت بذلك أن أحد من الحرم وما وقع في الروضة وغيرها من التحديد بأحد مبنى على ما سبق مع أن النووي عقب نقله عن الحازمي أن الرواية الصحيحة ما بين عير إلى أحد قال ويحتمل أن ثورا كان اسما الجبل هناك أما أحد وأما غيره فحق اسمه وقال غيره فقد سمعت الرواية بلفظ ثورا ولا ينبغي الأقدام على توهيم الرواية لمجرد عدم العرفان فإن أسماء الأماكن قد تتغير أو تنسى ولا يعلمها كثير من الناس قوله شرف ذات الجيش قال ابن زبالة ذات الجيش نقيب ثنية الحفيرة من طريق مكة وقال الهجري هي شعبة على يمين الخارج إلى مكة بحذاء الحفيرة صدر وادي أبي كبير فوق مسجدي الحرم والمعرس وذات الجيش نصب في وادي أبي كبير وطرف أعظم الغربي يدفع في ذات الجيش وما قبل من الصلصلين يدفع في بئر أبي عاصية ثم يدفع في ذات الجيش انتهى وهو مقتض لأن تكون ذات الجيش بقرب الصلصلين شاميّ جبل أعظم فوق البيداء والناس يعدون ذلك اليوم من البيداء لقربه ولذا قالت عائشة رضي الله عنها في قصة ابتغاء عقدها ونزول آية التميم حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش وسيأتي في أسماء البقاع مسافة ما بينهما وبين العقيق قوله شريب الظاهر أنه مشيرب تصغير مشرب كما جاء في الرواية الأخرى وهو ما بين جبال شامي ذات الجيش بينها وبين خلائق الضبوعة قوله أشرف مخيض بلفظ مخض اللبن هي جبال مخيض على يمين القادم من الشام حين يفضي من الجبال إلى البركة مصرف عين المدينة قوله أشراف المجتهر كذا لبن النجار بالجيم والهاء المفتوحة فإن صح فهو موضع والأنهر تصحيف المخيض لمجيئه بدله فيما سبق قوله الحفياء هي بالغلبة شامي المدينة على نحو ستة أميال منها قوله ذي العشيرة تصغير عشرة نقيب شرقي الحفياء قوله بفتح المثلثة ثم مثناة تحتية ساكنة ثم موحدة كذا رأيته مضبوطا بالقلم في أصل من تهذيب ابن هشام وغيره قال ابن زبالة وهو جبل شرقي المدينة وقال ابن هشام أن أبا سفيان نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له ثيب من المدينة على بريد أو نحوه لكن قال الهجري ثيأب كيتعب فاقتضى أن بعد الياء الساكنة همزة ويشهد له قول عباس بن مرداس من أبيات
سلّكن على وادي الشظاة فثيأبا

(1/24)


والشظاة وادي قناة ووقع لابن النجار بدله تيم بفتح الفوقية ثم التحتية وبالميم قال المجد وهو تصحيف والصواب يتيب بتحتية ثم مثناة فوقية مضارع تاب إذا رجع قوله وعيرة بفتح أوله من الوعورة جبل شرقي ثور أكبر مكنه وأصغر من أحد قوله ثنية المحدث لم أر من تكلم عليه قوله مضرب القبة قال الهجري هو بين جبل أعظم وبين الشام نحو ستة أميال أي من المدينة قوله من حيث اتسقت بنو قزازة لقاحي كانت اللقاح بالغابة وما حولها قال ابن زبالة عقب ما تقدم وذلك كله يشبه أن يكون بريد في بريد وقد أخذ به مالك وفرق بين حرم الصيد وحرم الشجر فقال الحرم حرمان فحرم الطير والوحش من حرة أقم وهي الشرقية إلى حرة العقيق وهي الغربية وحرم الشجر بريد في بريد " قلت " ولم يعول أصحابنا في التحديد على البريد لعدم صحة أحاديثه ولو صحت لكان البريد حر ما مطلقا ألا أن في رواية مسلم تسمية حمى فكان مالكا فهم منها تحريم الشجرة ونحن نقول أن أريد بالحمى الحرم ثبت الحكم على إطلاقه وكذا روى الطبراني في الكبير برجال ثقات عن عبد الله بن سلام قال ما بين عير وأحد حرام حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنت لأقطع به شجرة ولا أقتل به طائرا ففهم من التحريم استواء الحكم وروى ابن زبالة ومحله من الضعف معلوم تحريم ما بين لابتيها أي المدينة من الصيد أن يصاد بها وأن ثبت فهو من قبيل أفراد فرد من العام بحكمه والمفهوم من تحريم ذلك تشريف المدينة وتعظيمها به لحلول حبيبه صلى الله عليه وسلم وانتشار أنواره بها كما جعل ما حول بيته الحرام حرما فيوجد فيه من الخير والبركة والأنوار ما لا يوجد في غيره وتخصيص ذلك المقدار ما لأمر رباني وسر روحاني بثه الله تعالى فيه لتلك الحدود وأهل الشهود يرون الأنوار منبثة بالحرم إلى حدوده وسيأتي أن النار لآتي ذكرها لما بلغته طفئت أو أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأضاء منها كل شيء كما رواه أنس كانت الإضاءات إلى تلك الحدود أو أن الملائكة الموكلة بحراسة بلده قائمة بتلك الحدود أو هو لأمر تقصر عنه عقولنا وحكم الباري تعالى تحريم المدينة على لسان حبيبه صلى الله عليه وسلم قديم من حيث أن الأحكام خطاباته تعالى والحادث تعلقها والتكليف بها ولذا ذهب الأكثر إلى أن مكة لم تزل حراما منذ خلق الله السماوات والأرض ثم أظهر الله تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام فنسب تحريمها إليه وقيل لم تزل كغيرها إلى أن حرمها إبراهيم عليه السلام بدعوته أو بأمر الله تعالى له ولعل الأول يقول أن الله تعالى أظهر تحريمها الملائكة يوم خلق السماوات والأرض وإلا فما معناه مع انتفاء التعليق التكليفي حينئذ وتأخر التكليف بتحريم المدينة حتى كان على لسان اشرف المرسلين بدعوته خصيصة لها وكمال " تنبيه " البريد أربع فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال والميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع كما صححه ابن عبد البر وهو الموافق لاختيار ما ذكروه من المسافات وقال النووي رحمه الله تعالى أنه ستة آلاف ذراع وهو بعيد جدا وقيل ألفا ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعا كل إصبع ست شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض وذلك ذراع الأثمن من ذراع الحديد المستعمل بمصر كما حققه التقي القاسمي وهو الموافق لما اختبرناه من ذرع محققي المتقدمين وليكن ذلك على ذكر منك
" الفصل السابع " في أحكام حرمها

(1/25)


أتفق الأئمة الثلاثة وغيرهم على تحريم قطع شجرها وصيدها خلافا لأبي حنيفة رضي الله عنه وما سبق من الأحاديث الصحيحة الصريحة حجة عليه ويتمسك بقول صلى الله عليه وسلم كما حرم إبراهيم مكة على كل ما لم يقم دليل على افتراق الحرمين فيه ولمسلم أنّ سعد أركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسليه ثيابه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم فقال معاذ الله أن أردّ شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية للمفضل الجندي فأخذ فأسه ونطعه وشيئاً سوى ذلك فأطلع العبد إلى سادته فأخبرهم فركبوا إلى سعد فقالوا الغلام غلامنا فأردد إليه ما أخذت منه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث السابق في الفصل قبله ولأبي داود لأنّ سعد أوجد عبيدا من عبيد المدينة يقطعون شجرا من شجر المدينة قال فأخذ متاعهم وقال يعني لمواليهم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن يقطع من شجر المدينة شيء وقال من قطع منه شيئاً فإن أخذ سلبه ولأبن زبالة أن سعد أوجد جارية لعاصية السلمية تقطع فضربها بها وسلبا شمله لها وفأسا كانت معها فاستعدت عاصية عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أردد إليها يا أبا إسحاق فقال لا والله لا أردد إليها غنيمة غنمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول من وجدتموه يقطع الحمى فاضربوه واسلبوه واتخذ من فأسها مما تغازل يعمل بها حتى لقي الله تعالى وفي رواية له يقطع شجرا بالعقيق وأنه قال غنما رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجدناه يقطع من شجر حرم المدينة الرطب منه وللجندي أن عمر رضي الله عنه قال لغلام قدامة بن مظعون أنت على هؤلاء الحطابين فمن وجدنه احتطب فيما بين لابتي المدينة فلك فأسه وحبله وثوباه قال عمر ذلك كثير ولأبي داود وهو صحيح أو حسن كما قال النووي أن سعدا أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلبه ثيابه فجاء مواليه فكلموه فيه فقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّم هذا الحرم وقال من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه فلا أردد طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه وفي الموطا عن أبي أيوب الأنصاري أنه وجد غلمانا قد ألجوا ثعلبا إلى زاوية فطردهم عنه قال مالك لا أعلم أنه قال أفي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بصنع هذا وللطبراني برجال الصحيح مثله عن زيد بن ثابت بدل أبي أيوب وله أيضا عن شرحبيل بن سعيد قال أخذت نهسا يعني طائرا بالأسواق فأخذه مني زيد بن ثابت فأرسله وقال أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ما بين لابتيها ولأحد وغيره نحوه وللطبراني في الكبير برجال ثقات عن عبد الله بن عباد الرزقي كنت أصيد العصافير في بئرا هاب وكانت لهم قال فرآني عبادة بن الصامت وقد أخذت العصفور فينزعه مني ويقول أي بنيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم مكة وللبزاز عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف اصطدت طيرا بالقنبلة فلقيني أبي عبد الرحمن فعرك أذني ثم أخذ مني فأرسله وقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم صيد ما بين لابتيها وتمسك الحنفية بقصة أبا عمير ما فعل النغير قالوا وإلا لما جاز حبس النغير ومحمله عندنا أنه من صيدا لحل إذ لا يجب إرساله بل يجوز ذبحه بالحرم وهم يمنعون ذلك وبتقدير تسليمه فهو محتمل لأن يكون قبل تحريم المدينة وتمسك بعضهم بقطعه صلى الله عليه وسلم النخل لبناء المسجد وجوابه أن ذلك كان في أول الهجرة وتحريم المدينة كان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من خيبر كما أوضحه الحافظ ابن حجر مع أن النخل مما يستنبته الآدميون وقد ذهبت الحنفية كالمالكية إلى جواز قطعه في الحرم المكي أيضا والأصح عندنا المنع إلا لحاجة العمارة ونحوها كما سيأتي عن الغزالي بل قال الماروردي أن محل الخلاف فيما كان من ذلك في موات الحرم فإن أنبته شخص في ملكه جاز قطعه بلا خلاف كما أنه لا خلاف في جواز قطع ما يستنبت من غير الشجر كالحنطة والخضراوات مطلقا وقال البهيقي إنه استدلوا بحديث سلمة إما إن كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق قال وهو حديث ضعيف لا يعارض به الأحاديث الصحيحة الثابتة ويجوز أن يكون الموضع الذي كان

(1/26)


يصيد فيه سلمة خارجا من الحرم أي لأن العقيق يمتد إلى البقيع كما سيأتي فبعضه خارج الحرم جزما بخلاف موضع قصر سعد مع قصور العقيق فإنها بحرته مع احتمال أن ذلك كان قبل التحريم قال الطحاوي يحتمل أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة كانت إليها وكان بقاء ذلك مما يزيد في رؤيتها ويدعوا إليها كما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينتها فلما انقطعت الهجرة زال ذلك قلت أراد أن النهي ليس التحريم فهو خلاف مقتضاه ما لم يقم دليل على خلافه وأن أراد نسخه فالنسخ لا يثبت إلا بدليل وأختلف القائلون بالتحريم فعن أحمد في الجزاء روايتان وعن الشافعي قولان الجديد عدمه وهو قول مالك واختاره ابن المنذر وابن نافع من أصحاب مالك وجوبه وقال القاضي عبد الوهاب أنه إلا قيس وأختاره النووي وغيره لصحة حديث سعد والجواب عنه مشكل ويسلب كالقتيل من الكفار حتى يؤخذ فرسه وسلاحه وقيل الثياب فقط ويكون ذلك للسالب على الأصح وقيل لفقراء المدينة ويترك للمسلوب ما يستر به عورته وفي أخذ منه بعد وجهان ويسلب إذا صاد وإن لم يتلف فإن كانت ثيابه مغصوبة لم تسلب بلا خلاف كما في شرح المهذب وقال البلقيني الذي يقتضيه النظر أنّ العبد لا يسلب إذ لا ملك له وكذا لو كان على الصائد ثوب مستأجر أو مستعار قلت التحقيق التفصيل بين أن يأمر السيد ومن في معناه بذلك أم لا ويحمل ما اتفق لسعد على الأول يجوز أخذ ما يتغذى به مما ينبت بنفسه كالرجلة ونحوه كما قاله المحب الطبري وهو ظاهر فهو أولى من أخذه للبهائم وفرق المطري تبعا لأبن النجار وابن الجوزي من الحنابلة بين حرم مكة والمدينة فقال يجوز أخذ ما تدعوا الحاجة إليه من شجر حرم المدينة للرحل بالحاء المهملة والوسائد ومن حثيثه للعلف بخلاف مكة لما سبقت الإشارة إليه في بعض أحاديث الفصل قبله ولابن زبالة يا رسول الله أنا أصحاب عمل وأنا لا نستطيع أن ننتاب أرضا فرخص لهم في القائمتين والوسادة والعارضة والاثنان قلت مثل هذا لا يحتج به وسبق من جنسه ما يعارضه بل روى الطبراني عن جابر رضي الله عنه بإسناد حسن إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمنع أن يقطع المسد قال خارجة والمسد مرود البكرة وأخذ الحشيش للدواب جائز عندنا على الأصح في حرم مكة وقال النووي في حديث مسلم المتقدم أن فيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف بخلاف خبط الأغصان وقطعها فإنه حرام وقال هو وغيره في شجر مكة أنه يجوز أخذ ورقها لكنها لا تهش حذرا من أن يصيب لحاءها فقد استوى الحرمان في ذلك وقال الغزالي حرم مكة لو قطع منه للحاجة التي يقطع لها إلا ذخر كتسقيف البيوت ونحوه ففيه الخلاف في قطعه للدواء أي والأصح جوازه وتبعه على ذلك صاحب الحاوي الصغير فجوز القطع للحاجة مطلقا ولم يخص الدواء فالحرمان في ذلك سواء وقل من تعرض للمسألة وما ذكروه في الدواء يتناول تحصيله له وإن لم يكن السبب قائما وهو ظاهر إطلاق الماوردي واستدلال بعضهم بنقل السنا المكي لكن عبارة الروضة ولو احتج إليه للدواء وفي شرح المهذب يجوز أخذه للعلف ولو أخذه لبيعه ممن يعلف به لم يجز ومقتضى ما سبق في الفصل قبله من قوله في الحديث ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لتطتها امتناع تنفير صيدها أي لا يصاح عليه فينفر كما قالوه في الحرم المكي وقد سوى صاحب الانتصار من أصحابنا بين الحرمين في أن لقطتهما لا تحل للتملك بل للعفظ أبدا وهو مقتضى الدليل خلافا للدرامي حيث أرمي حيث فرق بينهما وقال الأئمة الثلاثة أن لقطتها تحل للتملك كغيرها ومقتضى قوله ولا يحمل فيها سلاح لقتال مجيء الخلاف الذي في مكة وأن المقاتلة الجائزة بغيرها تحرم فيها كقتال البغاة بل يضيق عليهم أن يخرجوا أو يفيأوا وذهب الحسن إلى تحريم حمل السلاح بمكة للنهي عن القتال فيها وهو سببه وفي الصحيح لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة ونقل النووي عن الماوردي أنه طرد الوجهين في سقوط فرض الاستنجاء بالذهب والديباج في حجارة الحرم قل ولعل مراده ما نقل منها إلى الحل إذ لا خلاف في جواز البول في الحرم فالأستنجاء بأحجاره كذلك وصحح الرافعي كراهة نقل أحجار الحرم وترابه وما أتخذ منه ونقلها النووي عن كثيرين أو الأكثرين وصحح هو التحريم وقال أبو حنيفة لا بأس به وحمل تراب الحل وأحجاره إلى الحرم خلاف

(1/27)


الأولى كما في شرح المهذب وأطلق في الروضة والمناسك الكراهة عليه ويظهر أن محل ذلك فيما لم تدع الحاجة إليه فإن دعت الحاجة إلى نقل تراب الحل إلى الحرم أو عكسه كمن أحتاج للسفر بآنية من تراب الحرم أو دخوله بها جاز وهو أولى مما سبق في جواز قطع نبات الحرم للدواء ونحوه وأولى من تجويز آنية الذهب والفضة للحاجة وقد قال الزركشي ينبغي أن يستثنى من منع نقل تراب الحرم تربة حمزة رضي الله عنه أي المأخوذة من المسيل الذي به مصرعه لأطباق السلف والخلف على نقلها للتداوي من الصداع قلت فتربه صعيب أولى بذلك لما سبق فيها ويجب على من أخرج شيئاً من تراب الحرم أو حجره أن يردّه ولا ضمان في تركه قال الدميري فإذا نقل تراب أحد الحرمين إلى الآخر هل يزول التحريم أي فينقطع وجوب الردّ أو يفرق بين نقله للأشرف وعكسه فيه نظروا في تغليظ الدية على القاتل خطأ بحرم المدينة كمكة خلاف مبني على الخلاف في ضمان صيدها ولذا أختار السراج البلقيني أنها تغلظ لأن المختار كما سبق عن النووي وغيره ضمان صيدها بالسلب وهو متجه واستحسن الروياني التسوية بين الحرمين في أن من مات من الكفار بهما يخرج ويدفن خارجها وعلي القول باختصاص مكة بذلك فسببه أن الكفار أخرجوا منها حبيبه صلى الله عليه وسلم فعوقبوا بالمنع من الحلول فيها مطلقا.لأولى كما في شرح المهذب وأطلق في الروضة والمناسك الكراهة عليه ويظهر أن محل ذلك فيما لم تدع الحاجة إليه فإن دعت الحاجة إلى نقل تراب الحل إلى الحرم أو عكسه كمن أحتاج للسفر بآنية من تراب الحرم أو دخوله بها جاز وهو أولى مما سبق في جواز قطع نبات الحرم للدواء ونحوه وأولى من تجويز آنية الذهب والفضة للحاجة وقد قال الزركشي ينبغي أن يستثنى من منع نقل تراب الحرم تربة حمزة رضي الله عنه أي المأخوذة من المسيل الذي به مصرعه لأطباق السلف والخلف على نقلها للتداوي من الصداع قلت فتربه صعيب أولى بذلك لما سبق فيها ويجب على من أخرج شيئاً من تراب الحرم أو حجره أن يردّه ولا ضمان في تركه قال الدميري فإذا نقل تراب أحد الحرمين إلى الآخر هل يزول التحريم أي فينقطع وجوب الردّ أو يفرق بين نقله للأشرف وعكسه فيه نظروا في تغليظ الدية على القاتل خطأ بحرم المدينة كمكة خلاف مبني على الخلاف في ضمان صيدها ولذا أختار السراج البلقيني أنها تغلظ لأن المختار كما سبق عن النووي وغيره ضمان صيدها بالسلب وهو متجه واستحسن الروياني التسوية بين الحرمين في أن من مات من الكفار بهما يخرج ويدفن خارجها وعلي القول باختصاص مكة بذلك فسببه أن الكفار أخرجوا منها حبيبه صلى الله عليه وسلم فعوقبوا بالمنع من الحلول فيها مطلقا.
" الفصل الثامن " في خصائصها

(1/28)


وهي كثيرة تزيد على المائة إلا أن مكة شاركتها في بعض ذلك كالمذكور في الفصل قبله من تحريم وقطع الرطب من شجرها وحشيشها وصيدها واصطياده وتنفيره وحمل السلاح للقتال بها وأمر لقطتها ونقل التراب ونحوه منها أو إليها ونبش الكافر إذا دفن بها. وامتازت بتحريمها على لسان أشرف الأنبياء بدعوته صلى الله عليه وسلم كون المتعرض لصيدها وشجرها يسلب كقتيل الكفار وهو أبلغ في الزجر مما جاء في مكة وعلي القول بعدمه وهو أدل على عظيم حرمتها حيث لم يشرع له جابر ويجوز نقل ترابها للتداوي واشتمالها على أفضل البقاع ودفن أفضل الخلق به وأفضل هذه الأمة وكذا أكثر الصحابة والسلف الذين هم خير القرون وخلقهم من تربتها وبعث أشرف هذه الأمة يوم القيامة منها على ما نقله في المدارك عن مالك قال وهو لا يقوله من عند نفسه وكونها محفوفة بالشهداء كما قاله مالك أيضا بها أفضل الشهداء الذين بذلوا أنفسهم في ذات الله تعالى بين يدي نبيه صلى الله عليه وسلم فكان شهيدا عليهم واختيار الله تعالى لها قرار الأفضل خلقه وأحبهم إليه واختيار أهلها للنصرة والإيواء وافتتاحها بالقرآن وسائر البلاد بالسيف والسنان وافتتاح سائر بلاد الإسلام منها وجعلها مظهر الدين وجوب الهجرة إليها قبل فتح مكة والسكنى بها لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته بالأنفس على ما قال عياض أنه متفق عليه قال ومن هاجر قبل الفتح فالجمهور على منعه من الإقامة بمكة بعد الفتح ورخص له في ثلاثة أيام بعد قضاء نسكه والحث على سكناها وعلى اتخاذ الأصل بها وعلى الموت فيها والوعد على ذلك بالشفاعة أو الشهادة أو هما واستجاب الدعاء بالموت بها وحرصه صلى الله عليه وسلم على موته بها وشفاعته أو شهادته لمن صبر على لأوائها أو شدتها وطلبه لزيادة البركة بها على مكة بما سبق بيانه ودعائه بحبها وأن يجعل الله تعالى بها قرارا ورزقا حسنا وتحريكه الدابة عند قدومها من حبها وطرحه الرداء عن منكبيه إذا قاربها وتسميته لها بطيبة وغيرها مما سبق ومن خصائصها طيب ريحها وللعطر فيها رائحة لا يوجد في غيرها قاله ياقوت وطيب العيش بها وكثرة أسمائها وكتابتها في التوراة مؤمنة وتسميتها فيها بالمحبوبة والمرحومة وغيره مما سبق وإضافتها إلى الله في قوله تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها وإلى الرسول بلفظ البيت في قوله تعالى كما أخرجك ربك من بيت الحق وأقسم الله تعالى (لا أقسم بهذا البلد) والبداء فيها في قوله تعالى (رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) مع أن المخرج مقدّم على المدخل وكثرة دعائه صلى الله عليه وسلم لها خصوصا بالبركة ولثمارها ومكيالها ولسوقها وأهلها وقوله أنها تنفي خبثها وأنها تنفي الذنوب وأنه لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله تعالى فيها من هو خير منه ومن أرادها وأهلها بسوء إذا به الله تعالى الحديث فرتب الوعيد فيه على الإرادة كما قال تعالى في حرم مكة ومن يرد فيه بالحاد بظالم الآية والوعيد الشديد لمن أحدث بها حدثا أو آوى محدثا والحدث الإثم فيشمل الصغيرة فهي بها كبيرة أي يعظم جزاؤها لدلالتها على جراءة مرتكبها بحرم سيد المرسلين وحضرته الشريفة والوعيد الشديد لمن ظلم أهلها أو أخافهم ووعيد من لم يكرم أهلها وأن إكرامهم وحفظهم حق على الأمة وأنه صلى الله عليه وسلم شفيع أو شهيد لمن حفظهم فيه وقوله ومن أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي واختصاصها بملك الإيمان والحياء وبكون الإيمان يأرز إليها واشتباكها بالملائكة وحراستهم لها وأنها دار إسلام أبد الحديث أن الشياطين قد يئست أن تعبد ببلدي هذا وأنها آخر قرى الإسلام خرابا رواه الترمذي وحسنه وعصمتها من الطاعون ومن الدجال مع خروج الرجل الذي هو خير الناس أو من خير الناس منها إليه ونقل وبائها وحماها والاستشفاء بترابها وبثمرها وقوله في حديث الطبراني وحق على كل مسلم زيارتها وسماعه صلى الله عليه وسلم لمن صلى أو سلم عليه عند قبره ووجوب شفاعته لمن زاره بها وغير ذلك مما سيأتي في فضل الزيارة وكونها أول أرض أتخذ بها مسجد لعامة المسلمين في هذه الأمة وتأسيس مسجدها على يد صلى الله عليه وسلم وعمله فيه بنفسه ومعه خير الأمة وأن الله تعالى أنزل في بنائه لمسجد أسس على التقوى الآية وكونه آخر مساجد الأنبياء والمساجد التي تشد إليها الرحال وكونه أحق

(1/29)


المساجد أن يراد وما به من المضاعفة الآتية وأن من صلى فيه أربعين صلاة كتبت له براءة من النار وبراءة من العذاب وبريء من النفاق وأن من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة فيه كان بمنزلة حجة وما ثبت من أن إتيان مسجد قباء والصلاة فيه تعدل عمرة وغير ذلك مما سيأتي في فصلها وأن ما بين بيته صلى الله عليه وسلم ومنبره روضة من رياض الجنة مع ذهاب بعضهم إلى أن ذلك يعم مسجده صلى الله عليه وسلم وأنه المسجد الذي لا يعرف بقعة في الأرض من الجنة غيره وأن منبره الشريف على ترعة من ترع الجنة وأن قوائمه ثوابت في الجنة وأنه على حوضه صلى الله عليه وسلم وما جاء في أن ما بين منبره الشريف والمصلى روضة من رياض الجنة وسيأتي ما يقتضي أن المراد مصلى العيد وهذا جانب كبير من هذه البلدة وقوله في أحد جبل يحبنا ونحبه وأنه على ترعة من ترع الجنة وفي واديها بطعان أنه على ترعة من ترع الجن ووصفه لواديها العقيق وبالوادي المبارك وأنه يحبنا ونحبه وقوله في ثمارها أن العجوة من الجن وسيأتي في بئر غرس أن صلى الله عليه وسلم رأى أنه أصبح على بئر نن آبار الجنة فأصبح عليها ورؤيا الأنبياء حق واختصاص مسجدها بمزيد الأدب وخفض الصوت وتأكد التعلم والتعليم به وأنه لا يسمع النداء فيه ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق واختصاصه عند بعضهم بمنع أكل الثوم من دخوله لاختصاصه بملائكة الوحي والوعيد الشديد لمن حلف يمين فاجرة عند منبرها ومضاعفة سائر الأعمال بها كما صرح به الغزالي وغيره وسيأتي حديث صيام شهر رمضان في المدينة كصيام ألف شهر فيما سواها وكون أهلها أول من يشفع لهم صلى الله عليه وسلم واختصاصهم بمزيد الشفاعة والإكرام وجاء بعث الميت بها من الآمنين وأنه يبعث من بقيعها سبعون ألفا على صورة القمر يدخلون الجنة بغير حساب ومثله مقبرة بني سلمة وتوكل ملائكة بمقبرة بقيعها كلما امتلأت أخذوا بأطرافها فكفؤها في الجنة وبعثه صلى الله عليه وسلم منها وبعث أهلها من قبورهم قبل سائر الناس واستحباب الدعاء بها في الأماكن التي دعا بها صلى الله عليه وسلم وسيأتي بيانها ويقال انه مستجاب عند الأسطوان المخلق وعند المنبر وبزاوية دار عقيل وبمسجد الفتح على ما سيأتي وكثرة المساجد والمشاهد والمتبركات بها كما يتضح لك واستحقاق من عاب تربتها للتعزيز أفتى مالك فيمن قال تربتها رديئة بأن يضرب ثلاثين درّة وأمر بسجنه وكان له قدر وقال ما أحوجه غلى ضرب عنقه تربة دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم يزعم أنها غير طيبة واستجاب الدخول لها من طريق والرجوع من أخرى والاغتسال لدخولها وتخصيص أهلها بأبعد المواقيت وذهب بعض السلف غلى تفضيل البداءة بها قبل مكة وأن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يبدؤون بالمدينة إذا حجوا يقولون نبدأ من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن علقمة والأسود وعمرو بن ميون أنهم بدءوا بالمدينة وعن العبدي من المالكية المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم افضل من الكعبة وسيأتي أن من نذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لزمه الوفاء قولا واحدا وفي وجوب الوفاء بزيارة قبر غيره وجهان ويكتفي بزيارته لمن نذر إتيان مسجده كما قاله الشيخ أبو علي تفريعا على القول بلزوم الإتيان كما في البويطي وعلى أنه لا بد من ضم قربه إلى الإتيان كما هو الأصح والصحيح عدم لزوم الإتيان وجاء في سوقها أن الجالب إليه كالمجاهد في سبيل الله وأن المحتكر فيه كالمخلد في كتاب الله واختصت بظهور نار الحجاز المنذر بها من أرضها مع انطفائها عند حرمها كما سيأتي وبما تضمنه حديث الحاكم وغيره وصححه يوشك الناس أن يضربوا كباد الإبل فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة وكان ابن عيينة يقول نراه مالك بن انس وقيل ذلك وبما نقل عن مالك من أن إجماع أهلها مقدم على خبر الواحد لسكناهم مهبط الوحي ومعرفتهم بالناسخ والمنسوخ واختصاص أهلها في قيام رمضان بستة وثلاثين ركعة سوى الوتر على المشهور عند الشافعية قال الشافعي رأيت أهل المدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعة منها ثلاث الوتر ونقل الروياني وغيره من الشافعي أن سببه إرادة أهل المدينة مساواة أهل مكة فيما كانوا يأتون به من الطواف وركعتيه بعد الترويحات فجعلوا مكان كل أسبوع ترويحة قال الشافعي ولا يجوز لغير

(1/30)


أهل المدينة أن يماروا أهل مكة ولا ينافسوهم لأن الله تعالى فضلهم على سائر البلاد وقد بسطنا المسألة في كتابنا مصابيح القيام في شهر الصيام وأهل المدينة اليوم يقومون بعشرين ركعة أول الليل وبستة عشر آخره ولم أتحقق ابتداء وقت التفريق ويجعلون لكل من الصلاتين إماما ما غير الآخر ويقتصرون على إقامة الوتر جماعة أول الليل فتفوت من عزم على القيام آخر الليل وآخر وتره هذه السنة فذكرت لهم ذلك فصار إمام آخر الليل يوتر بفرقته وأن اتحد الإمام قدم غيره فيه فيوتر بهم ثم غلبت الحظوظ النفسية فتركوا ذلك بعد سنين ولا يخفى أن مكة تشارك المدينة في بعض ما سبق ومما اشتركا فيه أن كلا منهما يقوم مقام المسجد الأقصى لمن نذر الصلاة أو الاعتكاف فيه ولو نذرهما بمسجد المدينة لم يجزه الأقصى وأجزأ المسجد الحرام بناء على زيادة المضاعفة به وإذا نذر المشي إليها قال ابن المنذر يلزمه الوفاء وأن نذر المشي إلى بيت المقدس يخير بين الشي إليه أو إلى أحدهما والذي رجحوه ما اقتضاه كلام البغوي من عدم لزوم المشي في غير المسجد الحرام وإذا نذر تطيب مسجد المدينة والأقصى فتردّد فيه أمام الحرمين واقتضى كلام الغزالي تخصيص التردّد بهما فإن نظر غلى التعظيم ألحقناهما بالكعبة أو إلى امتياز الكعبة فلا " قلت " فينبغي الجزم بذلك في نذر تطييب القبر الشريف والله أعلم.دينة أن يماروا أهل مكة ولا ينافسوهم لأن الله تعالى فضلهم على سائر البلاد وقد بسطنا المسألة في كتابنا مصابيح القيام في شهر الصيام وأهل المدينة اليوم يقومون بعشرين ركعة أول الليل وبستة عشر آخره ولم أتحقق ابتداء وقت التفريق ويجعلون لكل من الصلاتين إماما ما غير الآخر ويقتصرون على إقامة الوتر جماعة أول الليل فتفوت من عزم على القيام آخر الليل وآخر وتره هذه السنة فذكرت لهم ذلك فصار إمام آخر الليل يوتر بفرقته وأن اتحد الإمام قدم غيره فيه فيوتر بهم ثم غلبت الحظوظ النفسية فتركوا ذلك بعد سنين ولا يخفى أن مكة تشارك المدينة في بعض ما سبق ومما اشتركا فيه أن كلا منهما يقوم مقام المسجد الأقصى لمن نذر الصلاة أو الاعتكاف فيه ولو نذرهما بمسجد المدينة لم يجزه الأقصى وأجزأ المسجد الحرام بناء على زيادة المضاعفة به وإذا نذر المشي إليها قال ابن المنذر يلزمه الوفاء وأن نذر المشي إلى بيت المقدس يخير بين الشي إليه أو إلى أحدهما والذي رجحوه ما اقتضاه كلام البغوي من عدم لزوم المشي في غير المسجد الحرام وإذا نذر تطيب مسجد المدينة والأقصى فتردّد فيه أمام الحرمين واقتضى كلام الغزالي تخصيص التردّد بهما فإن نظر غلى التعظيم ألحقناهما بالكعبة أو إلى امتياز الكعبة فلا " قلت " فينبغي الجزم بذلك في نذر تطييب القبر الشريف والله أعلم.
" الفصل التاسع " في بدء شأنها وما يؤول عليه أمرها وما وقع من ذلك

(1/31)


عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا أن مكة بلد عظمه الله تعالى وعظم حرمته خلق مكة وحفها بالملائكة قبل أن يخلق شيئاً من الأرض كلها بألف عام ووصلها بالمدينة ووصل المدينة ببيت المقدس ثم خلق الأرض كلها بعد ألف خلقا واحدا وهو حديث واه وعن عليّ رضي الله عنه كانت الأرض ماء فبعث الله ريحا مسحت الأرض مسحا فظهرت على الأرض زبدة فقسمها أربع قطع خلق من قطعة مكة والثانية المدينة والثالثة بيت المقدس والرابعة الكوفة وهو أثر رواه أيضا وفي الكبير للطبراني مرفوعا أن الله عز وجل أطع إلى أهل المدينة وهي بطحاء قبل أن تعمر ليس فيها مدر ولا بشر فقال يا أهل يثرب أني مشترط عليكم ثلاثا وسائق إليكم من كل الثمرات لا تعصي ولا تعلى ولا تكبري فإن فعلت شيئا من ذلك كالجزور لا يمنع من أكله ولرزين وغيره مرفوعا لما تجلى الله الجبل طور سيناء تشظى ستة أشظاظ وفي رواية شظايا فنزلت بمكة ثلاثة حراء وثبير وثور وبالمدينة أحد وعير وورقان وفي رواية ورضوي بدل عير ورضوي ينبع من عمل المدينة وفي رواية عير وثور ورضوي وفيه حكمة أخرى لتحديد الحرم بها وللطبراني وفي حديث الإسراء أول ما أسري به صلى الله عليه وسلم مرّ بأرض ذات نخل فقال له جبريل أنزل فنزل فصلى فقال صليت بيثرب وللنسائي فقال أتدري أين صليت صليت بطيبة وإليها المهاجرة وللشافعي رحمه الله حديث أسكنت أقل الأرض مطرا وهي بين عيني السماء عين الشام وعين اليمن زاد ابن زبالة فاتخذوا الغنم على خمس ليال من المدينة وفي رواية له فأقلوا من الماشية وعليكم بالزرع وأكثروا فيه من الجماجم وللشافعي يوشك أهل المدينة أن تمطر مطر ألا يكن أهلها البيوت ولا تكنهم الأمظال الشعر وفي رواية أن يصيبها مطر أربعين ليلة لا يكن أهلها بيت من مدر وفي أخبار المدينة للمرجاني عن جابر رضي الله عنه مرفوعا ليعودن هذا الأمر إلى المدينة كما بدا منها حتى لا يكون إيمانا إلا بها ولا حمد برجال ثقات أن يرجع الناس إلى المدينة حتى تصير مسالحهم بسلاح ولابن زبالة كيف بك يا عائشة إذا رجع الناس بالمدينة وكانت كالرمانة المحشوة قالت فمن أين يأكلون يا نبي الله قال يطعمهم الله فوقهم ومن تحت أرجلهم ومن جنات عدن وفي رواية له وليوشكن ان يبلغ بنيانهم هيفا وله عقب ذكر شجرة ذي الحليفة مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يبلغ البناء الشجرة وله أريتك شرف السيالة وشرف الروحاء فإنه منازل أهل الأردن إذا حيز الناس إلى المدينة ولمسلم تبلغ المساكن أهاب أو يهاب بكسر المثناة التحتية ولأحمد في حديث أنه صلى الله عليه وسلم خرج حتى أتى بئر الأهاب يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان وبئر أهاب كما سيأتي بالحرة الغربية وقد بلغتا المساكن قبل خراب المدينة ولأبي بعلي عن أبى ذر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ البناء فأرتحل إلى الشام فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام وللطبراني في الكبير سيبلغ البناء سلعا ثم يأتي على المدينة زمان يمر السفر على بعض أقطارها فيقول قد كانت هذه مرة عامرة من طول الزمان وعفو الأثر ولا حمد بإسناد حسن ليسيرن الراكب في جنب وادي المدينة فليقولن لقد كان في هذه مرة حاضرة من المؤمنين وللنسائي آخر قرية قرى السلام خرابا المدينة وللترمذي نحوه وحسنه وكذا لابن حبان ولأبي داود عران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة فتح القسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال وله الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية خروج الدجال في سبعة اشهر وفي الصحيحين لتتركون المدينة على خير ما كانت مدللة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي يريد عوافي الطيور والسباع وآخر من يحشر منها راعيان يريدان المدينة ينعقان بغنمها فيجدانها وحوشا ولمسلم وحشا وزاد حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما وفي الموطأ لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب والذئب فيعدى على بعض سواري المسجد أو المنبر أي يبول ولأحمد برجال ثقات المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة قالوا فمن يأكلها قال السباع والعائف وله برجال الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدا فأقبل على المدينة وقال ويدل أنها قرية يدعها أهلها كأينع ما تكون وفي رواية ويل أتتك قرية يدعك أهلك وأنت خير ما تكونين ولأبن شبة عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا ليخرجن أهل المدينة من المدينة خير ما كانت

(1/32)


نصفها زهز ونصفها رطب قيل من يخرجهم منها يا أبا هريره قال أمراء السوء وله ابن عمرو علي بن أبي هريره أي في تعبيره بخير ما كانت فقال له لم ترد عليّ فوالله لقد كنت أنا وأنت في بيت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منها أهلها خير ما كانت فقال ابن عمر أجل ولكن لم يقله وإنما قال أعمر ما كانت ولو قال خير ما كانت لكان ذلك وهو حيّ وأصحابه فقال أبو هريرة رضي الله عنه صدقت والذي نفسي بيده ولأحمد برجال ثقات عن أبى ذر رضي الله عنه ما أنهم سيدعونها أحسن ما تكون الحديث الآتي في الفصل بعده وقد أختلف في هذا الترك للمدينة فقال عياض جرى في العصر الأول وذكر الإخباريون في بعض الفتن التي جرت بها أرحا أكثر أهلها وبقيت ثمارها للعوافي ثم تراجع الناس إليها زاد البدر بن فرحون في النقل عن عياض وأن قوما رأوا ما أنذر به صلى الله عليه وسلم من تعدية الكلاب على سواري مسجدها وقال النووي المختاران هذا يكون آخر الزمان عند قيام الساعة يوضحه قوله في رواية لم يحشر راعيان وفي البخاري أنهما آخر من يحشر قلت روى ابن شبة حديث ليخرجن أهل المدينة ثم ليعودن إليه ثم ليخرجن منها ثم لا يعودون وحديث يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إليه فيعمرونها حتى تمتلئ وتبنى ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدا فالترك الثاني لم يقع وهو مراد النووي ولذا روى ابن شبة عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا آخر من يحشر رجلان رجل من جهينة وآخر من مزينة فيقولان أين الناس فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعالب فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقانهما بالناس وله آخر الناس محشر أرجلان من مزينة يفقدان الناس فيقول أحدهما لصاحبه فقد الناس مندحين وفيه ثم يقول أنطلق بنا إلى المدينة فينطلقان فلا يجدان بها أحد ثم يقول أنطلق إلى منزل قريش ببقيع الغرقد فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب فيتوجهان نحو البيت الحرام قلت فهذا مبين لأن ذلك عند قيام الساعة وكأنهما لما كانا آخر الناس موتا كانا آخرهم حشرا وفي رواية إنهما كانا ينزلان بجبل ورقان ويؤيد ما ذكره النووي أيضا ما رواه ابن شبة بسند صحيح أما والله لندعنها مذللة أربعين عاما للعوافي أتدرون ما العوافي الطير والسباع وله تقوم الساعة حتى يجيء الثعلب فيربض على منبر النبي صلى الله عليه وسلم لا ينهنهه أحد وله ليجيئن الثعلب حتى يقبل في ظل المنبر ثم يروح لا ينهنهه أحد وله عن شريح بن عبيد أنه قرأ كتابا لكعب ليغشين أهل المدينة أمر يفزعهم حتى يتركوها وهي مذللة وحتى تبول السنانير على قطائف الخز ما يروعها شيء وحتى تخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء ولابن زبالة لا تقوم الساعة حتى تغلب على مسجدي هذا الكلاب والذئاب والضباع فيمر الرجل ببابه فيريد أن يصلي فيه فما يقدر عليه فهذا كله لم يقع اتفاقا وأما الترك الأول الذي ذكره عياض فلعله المشار إليه بقول أبي هريرة رضي الله عنه لما قيل له من يخرجهم منها قال أمراء السوء ولأبن شبة عنه والذي نفسي بيده لتكونن بالمدينة ملحمة يقال لها الحالقة لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين فأخرجوا من المدينة ولو على قدر بريد ولأبن أبي شيبة عنه اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمرة الصبيان يشير إلى ولاية يزيد وكانت سنة ستين وإلى كائنة الحرة وهي السبب في ترك المدينة كما يشير إليه قول القرطبي تبعا العياض فلما انتهى حال المدينة كمالا وحسنا تناقض أمرها إلى أن أقفرت جهاتها وتوالت الفتن فيها فخاف أهلها فارتحلوا عنها ووجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش عظيم من أهل الشام فنزل بالمدينة فقاتل أهلها فهزمهم وقتلهم بحرة المدينة قتلا ذريعا واستباح المدينة ثلاثة أيام فسميت وقعة الحرة لذلك ويقال لها حرة زهرة وكانت الوقعة بموضع يعرف بواقم على ميل من المسجد النبوي فقتل بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين وهم ألف وسبعمائة وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان وقتل من حملة القرآن سبعمائة رجل قال وقال الإمام بن حزم في المرتبة الرابعة وجالت الخيول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالت وراثت بين القبر والمنبر أدام الله تشريفهما وأكره الناس أن يبايعوا اليزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق وذكر له يزيد بن عبد الله بن زمعة البيعة على

(1/33)


حكم القرآن والسنة فأمر بقتله فضرب عنقه وذكر الإخباريون أنها خلت من أهلها وبقيت ثمارها للعوافي وفي حال خلائها أعدت الكلاب أي بالبت على سواري المسجد اه كلام القرطبي وسبب أمر يزيد بذلك على ما ذكره ابن الجوزي أنه ولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان المدينة فبعث إليه وفدا منها فلما رجعوا قالوا قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ويعزف بالطنابير ويلعب بالكلاب وأنا نشهدكم أنا قد خلعنا مع إحسانه جائزتهم فخلعوه عند المنبر وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على الأنصار وعبد الله بن مطيع على قريش وأخرجوا عامله عثمان وكان ابن حنظلة يقول ما خرجنا عليه حتى خفنا أن نرمي بالحجارة من السماء وفي كتاب الواقدي أن ابن ميناء كان عاملا على صوافي المدينة وبها يومئذ صواف كثيرة حتى كان معاوية رضي الله عنه يجد بالمدينة وأعراضها مائة ألف وسق وخمسين ألف وسق يحصد مائة ألف وسق حنطة فأقبل ابن ميناء بشرج من الحرة يريد الأموال فلما انتهى إلى بلحارث منعوه فأعلم أمير المدينة عثمان بذلك فأرسل إلى ثلاثة من بلحارث فأجابوه فعد ابن ميناء فذبوه فرجع إلى الأمير فقال أجمع لهم وبعث معه جنده فرفدت قريش الأنصار وتفاقم الأمر فكتب عثمان إلى يزيد بذلك وحرضه على أهل المدينة فقال والله لأبعثن لهم الجيوش ولأوطئنها الخيل فبعث مسلم بن عقبة في أثنى عشر ألفا وقال له أدع القوم ثلاثا فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا للجند وأجهز على جريحهم وأقتل مدبرهم وإياك أن تبقى عليهم وأن لم يعرضوا لك فأمض إلى ابن الزبير فلما قربوا تشاور أهل المدينة في خندق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعملوا في الخندق خمسة عشر يوما فلما وصل القوم عسكروا بالجرف وبعثوا رجالا أحدقوا بالمدينة فلم يجدوا مدخلا والناس على أفواه الخنادق يرمون بالنبل وجلس مسلم بناحية وأقم فرأى أمر مهولا فاستعان بمروان وكان أهل المدينة قد أخرجوه من بني أمية فلقي مسلما فرجع معه فكلم مروان رجلا من بني حارثة ورغبه في الصنيع وقال تفتح لنا طريقا فأكتب بذلك إلى يزيد فيحسن جائزتك ففتح لهم طريقا من قبلهم حتى أدخل له الرجال من بني حارثة إلى بني عبد الأشهل قال محمود بن لبيد حضرت يومئذ فإنما أتينا من قومنا بني حارثة وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عند أبن عباس قال جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة قال يعقوب وكانت الوقعة سنة ثلاث وستين ولأبن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء سمعت أشياخ أهل المدينة يوما فأن فعلوا فأرمهم بمسلم بن عقبة فأني عرفت نصيحته فلما ولى يزيد وقد عليه أبن حنظلة وجماعة فأكرمهم فرجع فحرض الناس على يزيد ودعاهم إلى خلعه فأجابوه فبلغه فجهز مسلم بن عقبة فأستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير وذلك أن بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب المدينة فترك أهل المدينة القتال ودخلوا خوفا على أهليهم فكانت الهزيمة وبايع مسلم الناس على أنهم خول ليزيد يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم بما شاء اه وذكر المجد وغيره إنهم سبوا الذرية واستباحوا الفروج وإنه كان يقال لأولئك الأولاد من النساء اللاتي حملن أولاد الحرة لأبن الجوزي عن هشام أبن حسان ولدت بعد الحرة ألف امرأة من غير زوج وممن قتل من الصحابة يومئذ صبرا عبد الله أبن حنظلة الغسيل مع ثمانية من بنيه وعبد الله بن زيد حاكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ومعقل بن سنان الأشجعي وكان شهد فتح مكة وكان معه راية قومه وفيه يقول شاعرهملقرآن والسنة فأمر بقتله فضرب عنقه وذكر الإخباريون أنها خلت من أهلها وبقيت ثمارها للعوافي وفي حال خلائها أعدت الكلاب أي بالبت على سواري المسجد اه كلام القرطبي وسبب أمر يزيد بذلك على ما ذكره ابن الجوزي أنه ولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان المدينة فبعث إليه وفدا منها فلما رجعوا قالوا قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ويعزف بالطنابير ويلعب بالكلاب وأنا نشهدكم أنا قد خلعنا مع إحسانه جائزتهم فخلعوه عند المنبر وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على الأنصار وعبد الله بن مطيع على قريش وأخرجوا عامله عثمان وكان ابن حنظلة يقول ما خرجنا عليه حتى خفنا أن نرمي بالحجارة من السماء وفي كتاب الواقدي أن ابن ميناء كان عاملا على صوافي المدينة وبها يومئذ صواف كثيرة حتى كان معاوية رضي الله عنه يجد بالمدينة وأعراضها مائة ألف وسق وخمسين ألف وسق يحصد مائة ألف وسق حنطة فأقبل ابن ميناء بشرج من الحرة يريد الأموال فلما انتهى إلى بلحارث منعوه فأعلم أمير المدينة عثمان بذلك فأرسل إلى ثلاثة من بلحارث فأجابوه فعد ابن ميناء فذبوه فرجع إلى الأمير فقال أجمع لهم وبعث معه جنده فرفدت قريش الأنصار وتفاقم الأمر فكتب عثمان إلى يزيد بذلك وحرضه على أهل المدينة فقال والله لأبعثن لهم الجيوش ولأوطئنها الخيل فبعث مسلم بن عقبة في أثنى عشر ألفا وقال له أدع القوم ثلاثا فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا للجند وأجهز على جريحهم وأقتل مدبرهم وإياك أن تبقى عليهم وأن لم يعرضوا لك فأمض إلى ابن الزبير فلما قربوا تشاور أهل المدينة في خندق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعملوا في الخندق خمسة عشر يوما فلما وصل القوم عسكروا بالجرف وبعثوا رجالا أحدقوا بالمدينة فلم يجدوا مدخلا والناس على أفواه الخنادق يرمون بالنبل وجلس مسلم بناحية وأقم فرأى أمر مهولا فاستعان بمروان وكان أهل المدينة قد أخرجوه من بني أمية فلقي مسلما فرجع معه فكلم مروان رجلا من بني حارثة ورغبه في الصنيع وقال تفتح لنا طريقا فأكتب بذلك إلى يزيد فيحسن جائزتك ففتح لهم طريقا من قبلهم حتى أدخل له الرجال من بني حارثة إلى بني عبد الأشهل قال محمود بن لبيد حضرت يومئذ فإنما أتينا من قومنا بني حارثة وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عند أبن عباس قال جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة قال يعقوب وكانت الوقعة سنة ثلاث وستين ولأبن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء سمعت أشياخ أهل المدينة يوما فأن فعلوا فأرمهم بمسلم بن عقبة فأني عرفت نصيحته فلما ولى يزيد وقد عليه أبن حنظلة وجماعة فأكرمهم فرجع فحرض الناس على يزيد ودعاهم إلى خلعه فأجابوه فبلغه فجهز مسلم بن عقبة فأستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير وذلك أن بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب المدينة فترك أهل المدينة القتال ودخلوا خوفا على أهليهم فكانت الهزيمة وبايع مسلم الناس على أنهم خول ليزيد يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم بما شاء اه وذكر المجد وغيره إنهم سبوا الذرية واستباحوا الفروج وإنه كان يقال لأولئك الأولاد من النساء اللاتي حملن أولاد الحرة لأبن الجوزي عن هشام أبن حسان ولدت بعد الحرة ألف امرأة من غير زوج وممن قتل من الصحابة يومئذ صبرا عبد الله أبن حنظلة الغسيل مع ثمانية من بنيه وعبد الله بن زيد حاكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ومعقل بن سنان الأشجعي وكان شهد فتح مكة وكان معه راية قومه وفيه يقول شاعرهم

(1/34)