صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تهذيب سيرة ابن هشام
المؤلف : عبد السلام هارون
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

النضر قال ابن إسحاق: وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل وبه سمي أنس بن مالك.
قال ابن إسحاق: فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة فما عرفه إلا أخته عرفته ببناته.
قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم: أن عبد الرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر أصابه بعضها في رجله فعرج.
قال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر لي ابن شهاب الزهري كعب بن مالك قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أنصت.
قال ابن إسحاق: فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضوان الله عليهم والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين.
قال: فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أي محمد لا نجوت إن نجوت فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة يقول بعض القوم فيما ذكر لي: فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا بها تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها قال ابن هشام: الشعراء: ذباب له لدغ ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مراراً.
قال ابن هشام: تدأدأ يقول: تقلب عن فرسه فجعل يتدحرج.
قال ابن إسحاق وكان أبي بن خلف كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العوذ فرساً أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليه فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشاً غير كبير فاحتقن الدم قال: قتلني والله محمد! قالوا له: ذهب والله فؤادك! والله إن بك من بأس قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك فوالله لو بصق علي لقتلني فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة.
قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت في ذلك:
لقد ورث الضلالة عن أبيه ... أبي يوم بارزه الرسول
أتيت إليه تحمل رم عظم ... وتوعده وأنت به جهول
وقد قتلت بنو النجار منكم ... أمية إذ يغوث: يا عقيل
وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا ... أبا جهل لأمهما الهبول
وأفلت حارث لما شغلنا ... بأسر القوم أسرته فليل
قال ابن هشام: أسرته: قبيلته.
وقال حسان بن ثابت أيضاً في ذلك:
ألا من مبلغ عني أبياً ... لقد ألقيت في سحق السعير
تمنى بالضلالة من بعيد ... وتقسم أن قدرت مع النذور
تمنيك الأماني من بعيد ... وقول الكفر يرجع في غرور
فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ ... كريم البيت ليس بذي فجور
له فضل على الأحياء طراً ... إذا نابت ملمات الأمور
قال: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته ماء من المهراس فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه فوجد له ريحاً فعافه فلم يشرب منه وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول: اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه.

(1/251)


قال ابن إسحاق: فحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول: والله ما حرصت على قتل رجل قط كحرصي على قتل عتبة بن أبي وقاص وإن كان ما علمت لسيء الخلق مبغضاً فيه قومه ولقد كفاني منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله.
قال ابن إسحاق: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية من قريش الجبل.
قال ابن هشام: كان على تلك الخيل خالد بن الوليد.
قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا! فقاتل عمر ب الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.
قال ابن إسحاق: ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض صلى الله عليه وسلم لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول: أوجب طلحة حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع.
قال ابن هشام: وبلغني عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الدرجة المبنية في الشعب.
قال ابن هشام: وذكر عمر مولى غفرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعداً من الجراح التي أصابته وصلى المسلمون خلفه قعوداً.
قال ابن إسحاق: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم المنقى دون الأعوص.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد رفع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقش في الآطام مع النساء والصبيان فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران: ما أبا لك ما تنتظر؟ فوالله لا بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار إنما نحن هامة اليوم أو غد أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يعلم بهما فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة: أبي فقالوا: والله إن عرفناه وصدقوا قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن رجلاً منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب أصابته جراحة يوم أحد فأتي به إلى دار قومه وهو بالموت فاجتمع إليه أهل الدار فجعل المسلمون يقولون له من الرجال والنساء: أبشر يابن حاطب بالجنة قال: وكان حاطب شيخاً قد عسا في الجاهلية فنجم يومئذ نفاقه فقال: بأي شيء تبشرونه؟ بجنة من حرمل! غررتم والله هذا الغلام من نفسه.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أتى لا يدرى ممن هو يقال له: قزمان وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر له: إنه لمن أهل النار قال: فلما كان يوم أحد قاتل قتالاً شديداً فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين وكان ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر قال: فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر قال: بماذا أبشر؟ فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ولولا ذلك ما قاتلت قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهماً من كنانته فقتل به نفسه.
قال ابن إسحاق: وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون قال: لما كان يوم أحد قال: يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق قالوا: إن اليوم يوم السبت قال: لا سبت لكم فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا مخيريق خير يهود.

(1/252)


قال ابن إسحاق: وكان الحارث بن سويد بن صامت منافقاً فخرج يوم أحد مع المسلمين فلما التقى الناس عدا على المجذر بن ذياد البلوي وقيس بن زيد أحد بني ضبيعة فقتلهما ثم لحق بمكة بقريش وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به ففاته فكان بمكة ثم بعث إلى أخيه الجلاس بن سويد يطلب التوبة ليرجع إلى قومه فأنزل الله تعالى فيه فيما بلغني عن ابن عباس: " كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين " إلى آخر القصة.
قال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل العلم: أن الحارث بن سويد قتل المجذر بن ذياد ولم يقتل قيس بن زيد والدليل على ذلك أن ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد وإنما قتل المجذر لأن المجذر بن ذياد كان قتل أباه سويداً في بعض الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب.
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه إذ خرج الحارث بن سويد من بعض حوائط المدينة وعليه ثوبان مضرجان فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فضرب عنقه ويقال: بعض الأنصار.
قال ابن إسحاق: قتل سويد بن الصامت معاذ بن عفراء غيلة في غير حرب رماه بسهم فقتله قبل يوم بعاث.
قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة قال: كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش قال الحصين: فقلت لمحمود بن أسد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد بدا له في الإسلام فأسلم ثم أخذ سيفه فعدا حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة قال: فبينا رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به فقالوا: والله إن هذا للأصيرم ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث فسألوه ما جاء به فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني ثم لم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه لمن أهل الجنة.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن أشياخ من بني سلمة: أن عمرو بن الجموح كان رجلاً أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله عز وجل قد عذرك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك وقال لبنيه: ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يوم أحد.
قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة كما حدثني صالح بن كيسان والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدماً وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشياً غلام جبير بن مطعم وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمه وبكري
شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي على عمري ... حتى ترم أعظمي في قبري
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت:
خزيت في بدر وبعد بدر ... يا بنت وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر ... ملهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري ... حمزة ليثي وعلي صقري
إذ رام شيب وأبوك غدري ... فخضبا منه ضواحي النحر
ونذرك السوء فشر نذر

(1/253)


قال ابن هشام: تركنا منها ثلاثة أبيات أقذعت فيها.
قال ابن إسحاق: وقالت هند بنت عتبة أيضاً:
شفيت من حمزة نفسي بأحد ... حتى بقرت بطنه عن الكبد
أذهب عني ذاك ما كنت أجد ... من لذعة الحزن الشديد المعتمد
والحرب تعلوكم بشؤبوب برد ... تقدم إقداماً عليكم كالأسد
قال ابن إسحاق: فحدثني صالح بن كيسان أنه حدث أن عمر بن الخطاب قال لحسان بن ثابت: يابن الفريعة قال ابن هشام: الفريعة بنت خالد بن خنيس ويقال: خنيس: ابن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج لو سمعت ما تقول هند ورأيت أشرها قائمة على صخرة ترتجز بنا وتذكر ما صنعت بحمزة؟ قال له حسان: والله إني لأنظر إلى الحربة تهوي وأنا على رأس فارع يعني أطمه فقلت: والله إن هذه لسلاح ما هي بسلاح العرب وكأنها إنما تهوي إلى حمزة ولا أدري لكن أسمعني بعض قولها أكفكموها قال: فأنشده عمر بن الخطاب بعض ما قالت فقال حسان بن ثابت:
أشرت لكاع وكان عادتها ... لؤماً إذا أشرت مع الكفر
قال ابن هشام: وهذا البيت في أبيات له تركناها وأبياتاً أيضاً له على الدال وأبياتاً أخر على الذال لأنه أقذع فيها.
قال ابن إسحاق: وقد كان الحليس بن زبان أخو بني الحارث بن عبد مناة وهو يومئذ سيد الأحابيش قد مر بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول: ذق عقق فقال الحليس: يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحماً؟ فقال: ويحك! اكتمها عني فإنها كانت زلة.
ثم إن أبا سفيان بن حرب حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته فقال: أنعمت فعال وإن الحرب سجال يوم بيوم أعل هبل أي أظهر دينك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عمر فأجبه فقل: الله أعلى وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له أبو سفيان: هلم إلي يا عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: ائته فانظر ما شأنه فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمداً؟ قال عمر: اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر لقول ابن قمئة لهم: إني قد قتلت محمداً.
قال ابن هشام: واسم ابن قمئة عبد الله.
قال ابن إسحاق: ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مثل والله ما رضيت وما سخطت وما نهيت وما أمرت.
ما توعد به أبو سفيان المسلمين ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر للعام القابل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد.
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وما يريدون فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة.
وفرغ الناس لقتلاهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني أخو بني النجار: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد فنظر فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق قال: فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم ومنكم عين تطرف قال: ثم لم أبرح حتى مات قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره.

(1/254)


قال ابن هشام: وحدثني أبو بكر الزبيري أن رجلاً دخل على أبي بكر الصديق وبنت لسعد بن الربيع جارية صغيرة على صدره يرشفها ويقبلها فقال له الرجل: من هذه؟ قال: هذه بنت رجل خير مني سعد بن الربيع كان من النقباء يوم العقبة وشهد بدراً واستشهد يوم أحد.
قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه.
فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى ما رأى: لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.
قال ابن هشام: ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال: لن أصاب بمثلك أبداً ما وقفت موقفاً قط أغيظ إلي من هذا! ثم قال: جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد إخوة من الرضاعة أرضعتهم مولاة لأبي لهب.
قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي وحدثني من لا أتهم عن ابن عباس أن الله عز وجل أنزل في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون " فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة.
قال ابن إسحاق: وحدثني حميد الطويل عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه حتى يأمرنا بالصدقة وينهانا عن المثلة.
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى فيوضعون إلى حمزة فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة.
قال ابن إسحاق: وقد أقبلت فيما بلغني صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه وكان أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: ألقها فأرجعها لا ترى ما بأخيها فقال لها: يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي وذلك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك قال: خل سبيلها فأتته فنظرت إليه فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن.
قال: فزعم لي آل عبيد الله بن جحش وكان لأميمة بنت عبد المطلب حمزة خاله وقد كان مثل به كما مثل بحمزة إلا أنه لم يبقر عن كبده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفنه مع حمزة في قبره ولم أسمع ذلك إلا عن أهله.
قال ابن إسحاق: وكان قد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: ادفنوهم حيث صرعوا.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير العذري حليف بني زهرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على القتلى يوم أحد قال: أنا شهيد على هؤلاء إنه ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه اللون لون الدم والريح ريح مسك انظروا أكثر هؤلاء جمعاً للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه في القبر وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر الواحد.
قال: وحدثني عمي موسى بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمي اللون لون دم والريح ريح مسك.

(1/255)


قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن أشياخ من بني سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ حين أمر بدفن القتلى: انظروا إلى عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد.
قال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة فلقيته حمتة بنت جحش كما ذكر لي فلما لقيت الناس نعي إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زوج المرأة منها لبمكان! لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها.
قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظفر فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له! فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد ابن خضير إلى دار بني عبد الأشهل أمر نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم عن عباد بن حنيف عن بعض رجال بني عبد الأشهل قال: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه فقال: ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن.
قال ابن هشام: ونهى يومئذ عن النوح.
قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بكاءهن قال: رحم الله الأنصار فإن المواساة منهم ما عتمت لقديمة مروهن فلينصرفن.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الواحد بن أبي عون عن إسماعيل بن محمد عن سعد بن أبي وقاص قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيراً يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ قال:فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة.
قال ابن هشام: الجلل: يكون من القليل ومن الكثير وهو هاهنا من القليل قال امرؤ القيس في الجلل القليل:
لقتل بني أسد ربهم ... ألا كل شيء سواه جلل
قال ابن هشام: وأما قول الشاعر وهو الحارث بن وعلة الجرمي:
ولئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
فهو من الكثير.
قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: اغسلي عن هذا دمه يا بنية فوالله لقد صدقني اليوم وناولها علي بن أبي طالب سيفه فقال: وهذا أيضاً فاغسلي عنه دمه فوالله لقد صدقني اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة.
قال ابن هشام: وكان يقال لسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذو الفقار.
قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن ابن أبي نجيح قال: نادى مناد يوم أحد
لا سيف إلا ذو الفقار ... ولا فتى إلا علي
قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا.
قال ابن إسحاق: وكان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال.
قال: فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو فأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن تترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهباً للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.

(1/256)


قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: شهدت أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخ لي فرجعنا جريحين فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحاً فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.
قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام.
قال ابن إسحاق: فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة.
قال: وقد مر به كما حدثني عبد الله بن أبي بكر معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئاً كان بها ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقاً قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط قال: ويحك! ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى أرى نواصي الخيل قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال: فإني أنهاك عن ذلك قال: والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من شعر قال: وما قلت؟ قال: قلت:
كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سألت الأرض بالجرد الأبابيل
تردي بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل
فظلت عدواً أظن الأرض مائلة ... لما سمو برئيس غير مخذول
فقلت: ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل
إني نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخش تنابلة ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه.
ومر به ركب بن عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة؟ قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم هذه غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد أراد الرجوع إلى المدينة ليستأصل بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان فارجعوا فرجعوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب.
قال أبو عبيدة: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهة ذلك قبل رجوعه إلى المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهو جد عبد الملك بن مروان أبو أمه عائشة بنت معاوية وأبا عزة الجمحي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره ببدر ثم من عليه فقال: يا رسول الله أقلني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمداً مرتين اضرب عنقه يا زبير فضرب عنقه.

(1/257)


قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت فضرب عنقه.
قال ابن هشام: ويقال: إن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلا معاوية بن المغيرة بعد حمراء الأسد كان لجأ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل فأقام بعد ثلاث وتوارى فبعثهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا فوجداه فقتلاه.
قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكان عبد الله بن أبي ابن سلول كما حدثني ابن شهاب الزهري له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر شرفاً له في نفسه وفي قومه وكان فيهم شريفاً إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم أكرمكم الله وأعزكم به فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ورجع بالناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدو الله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجراً أن قمت أشدد أمره فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال: ما لك؟ ويلك! قال: قمت أشدد أمره فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني لكأنما قلت بجراً أن قمت أشدد أمره قال: ويلك! ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.
قال ابن إسحاق: كان يوم بلاء ومصيبة وتمحيص اختبر الله به المؤمنين ومحن به المنافقين ممن كان يظهر الإيمان بلسانه وهو مستخف بالكفر في قلبه ويوماً أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته.
ذكر ما أنزل الله في أحد من القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: فكان مما أنزل الله تبارك وتعالى في يوم أحد من القرآن ستون آية من آل عمران فيها صفة ما كان في يومهم ذلك ومعاتبة من عاتب منهم يقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم " قال ابن هشام: تبوئ المؤمنين: تتخذ لهم مقاعد ومنازل قال الكميت بن زيد:
ليتني كنت قبله ... قد تبوأت مضجعا
وهذا البيت في أبيات له.
أي سميع بما تقولون عليم بما تخفون.
" إذ همت طائفتان منكما أن تفشلا " : أن تتخاذلا والطائفتان: بنو سلمة بن جشم بن الخزرج وبنو حارثة بن النبيت من الأوس وهما الجناحان يقول الله تعالى: " والله وليهما " : أي المدافع عنهما ما همتا به من فشلهما وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما غير شك في دينهما فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته حتى سلمتا من وهونهما وضعفهما ولحقتا بنبيهما صلى الله عليه وسلم.
قال ابن هشام: حدثني رجل من الأسد من أهل العلم قال: قالت الطائفتان: ما نحب أنا لم نهم بما هممنا به لتولي الله إيانا في ذلك.
قال ابن إسحاق: يقول الله تعالى: " وعلى الله فليتوكل المؤمنون " : أي من كان به ضعف من المؤمنين فليتوكل علي وليستعن بي أعنه على أمره وأدافع عنه حتى أبلغ عنه وأقويه على نيته " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون " : أي فاتقوني فإنه شكر نعمتي ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أقل عدداً وأضعف قوة " إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة مسومين " أي إن تصبروا لعدوي وتطيعوا أمري ويأتوكم من وجههم هذا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين.
قال ابن هشام: مسومين: معلمين بلغنا عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: أعلموا على أذناب خيلهم ونواصيها بصوف أبيض فأما ابن إسحاق فقال: كانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضاً وقد ذكرت ذلك في حديث بدر والسيما: العلامة وفي كتاب الله عز وجل: " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " : أي علامتهم و " حجارة من سجيل منضود مسومة " يقول: معلمة بلغنا عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: عليها علامة أنها ليست من حجارة الدنيا وأنها من حجارة العذاب قال رؤبة بن العجاج:

(1/258)


فالآن تبلى بي الجياد السهم ... ولا تجاريني إذا ما سوموا
وشخصت أبصارهم وأجذموا أجذموا بالذال المعجمة: أي أسرعوا وأجدموا بالدال المهملة: أقطعوا.
وهذه الأبيات في أرجوزة له والمسومة أيضاً: المرعية وفي كتاب الله تعالى: " والخيل المسومة " و " شجر فيه تسيمون " تقول العرب: سوم خيله وإبله وأسامها: إذا رعاها قال الكميت بن زيد:
راعياً كان مسجحاً ففقدنا ... وفقد المسيم هلك السوام
قال ابن هشام: مسجحاً: سلس السياسة محسن إلى الغنم وهذا البيت في قصيدة له.
" وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم " : أي ما سميت لكم من سميت من جنود ملائكتي إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به لما أعرف من ضعفكم وما النصر إلا من عندي لسلطاني وقدرتي وذلك أن العز والحكم إلي لا إلى أحد من خلقي ثم قال: " ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين " أي ليقطع طرفاً من المشركين بقتل ينتقم به منهم أو يردهم خائبين: أي ويرجع من بقي منهم فلا خائبين لم ينالوا شيئاً مما كانوا يأملون.
قال ابن هشام: يكبتهم: يغمهم أشد الغم ويمنعهم ما أرادوا قال ذو الرمة:
ما أنس من شجن لا أنس موقفنا ... في حيرة بين مسرور ومكبوت
ويكتبهم أيضاً: يصرعهم لوجوههم.
قال ابن إسحاق: ثم قال لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " : أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم أو أتوب عليهم برحمتي فإن شئت فعلت أو أعذبهم بذنوبهم فبحقي " فإنهم ظالمون " : أي قد استوجبوا ذلك بمعصيتهم إياي " والله غفور رحيم " : أي يغفر الذنب ويرحم العباد على ما فيهم.
ثم قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة " : أي لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله به ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره مما له يحل لكم في دينكم " واتقوا الله لعلكم تفلحون " : أي فأطيعوا الله لعلكم تنجون مما حذركم الله من عذابه وتدركون ما رغبكم الله فيه من ثوابه " واتقوا النار التي أعدت للكافرين " : أي التي جعلت داراً لمن كفر بي.
ثم قال: " وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون " معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره ثم قال: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين " : أي داراً لمن أطاعني وأطاع رسولي " الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " : أي وذلك هو الإحسان وأنا أحب من عمل به " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " : أي إن أتوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم بمعصية ذكروا نهي الله وما حرم عليهم فاستغفروه لها وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " : أي لم يقيموا على معصيتي كفعل من أشرك بي فيما غلوا به في كفرهم وهم يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري " أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين " : أي ثواب المطيعين.
ثم استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم والبلاء الذي أصابهم والتمحيص لما كان فيهم واتخذاه الشهداء منهم فقال: تعزية لهم وتعريفاً لهم فيما صنعوا وفيما هو صانع بهم: " قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبت المكذبين " : أي قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي: عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين فرأوا مثلات قد مضت مني فيهم ولمن هو على مثل ما هم عليه من ذلك مني فإني أمليت لهم: أي لئلا يظنوا أن نقمتي انقطعت عن عدوكم وعدوي للدولة التي أدلتهم بها عليكم ليبتليكم بذلك ليعلمكم ما عندكم.

(1/259)


ثم قال تعالى: " هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين " : أي هذا تفسير للناس إن قبلوا الهدى " وهدى وموعظة " : أي نور وأدب " للمتقين " أي لمن أطاعني وعرف أمري " ولا تهنوا ولا تحزنوا " : أي لا تضعفوا ولا تبتئسوا على ما أصابكم " وأنتم الأعلون " : أي لكم تكون العاقبة والظهور " إن كنتم مؤمنين " : أي إن كنتم صدقتم نبيي بما جاءكم به عني " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " : أي جراح مثلها " وتلك الأيام نداولها بين الناس " : أي نصرفها بين الناس للبلاء والتمحيص " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين " : أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة " والله لا يحب الظالمين " : أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية " وليمحص الله الذين آمنوا " : أي يختبر الذين آمنوا حتى يخلصهم بالبلاء الذي نزل بهم وكيف صبرهم ويقينهم " ويمحق الكافرين " أي يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به.
ثم قال تعالى " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " : أي حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا من ثوابي الكرامة ولم أختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره حتى أعلم صدق ذلك منكم بالإيمان بي والصبر على ما أصابكم في ولقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم يعني الذين استنهضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خروجه بهم إلى عدوهم لما فاتهم من حضور اليوم الذي كان قبله ببدر ورغبة في الشهادة التي فاتتهم بها فقال: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه " يقول: " فقد رأيتموه وأنتم تنظرون " أي الموت بالسيف في أيدي الرجال قد خلى بينكم وبينهم وأنتم تنظرون إليهم ثم صدهم عنكم " وما محمد إلا رسول الله قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين " : أي لقول الناس: قتل محمد صلى الله عليه وسلم وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم " أفإن مات أو قتل " رجعتم عن دينكم كفاراً كما كنتم وتركتم جهاد عدوكم وكتاب الله وما خلف نبيه صلى الله عليه وسلم من دينه معكم وعندكم وقد بين لكم فيما جاءكم به عني أنه ميت ومفارقكم " ومن ينقلب على عقبيه " : أي يرجع على دينه " فلن يضر الله شيئاً " : أي ليس ينقص ذلك عز الله تعالى ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته " وسيجزي الله الشاكرين " : أي من أطاعه وعمل بأمره.
ثم قال: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً " : أي أن لمحمد صلى الله عليه وسلم أجلاً هو بالغه فإذا أذن الله عز وجل في ذلك كان " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين " أي من كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة نؤته منها ما قسم له من رزق ولا يعدوه فيها وليس له في الآخرة من حظ " ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها " ما وعد به مع ما يجزى عليه من رزقه في دنياه وذلك جزاء الشاكرين أي المتقين.
ثم قال: " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين " : أي وكأين من نبي أصابه القتل ومعه ربيون كثير: أي جماعة فما وهنوا لفقد نبيهم وما ضعفوا عن عدوهم وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله تعالى وعن دينهم وذلك الصبر والله يحب الصابرين " وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين " قال ابن هشام: واحد الربيين: ربي وقولهم: الرباب لولد عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس ولضبة لأنهم تجمعوا وتحالفوا من هذا يريدون الجماعات وواحدة الرباب: ربة وربابة وهي جماعات قداح أو عصي ونحوها فشبهوها بها قال أبو ذؤيب الهذلي
وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع
وهذا البيت في أبيات له وقال أمية بن أبي الصلت:
حول شياطينهم أبابيل ربيون شدوا سنوراً مدسورا
وهذا البيت في قصيدة له.
قال ابن هشام: والربابة أيضاً: الخرقة التي تلف فيها القداح.

(1/260)


قال ابن هشام: والسنور: الدروع والدسر هي المسامير التي في الحلق يقول الله عز وجل " وحملناه على ذات ألواح ودسر " .
قال الشاعر وهو أبو الأخزر الحماني من تميم:
دسراً بأطراف القنا المقوم
قال ابن إسحاق: أي فقولوا مثل ما قالوا واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم واستغفروه كما استغفروه وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم ولا ترتدوا على أعقابكم راجعين واسألوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم واستنصروه كما استنصروه على القوم الكافرين فكل هذا من قولهم قد كان وقد قتل نبيهم فلم يفعلوا كما فعلتم فآتاهم الله ثواب الدنيا بالظهور على عدوهم وحسن ثواب الآخرة وما وعد الله فيها والله يحب المحسنين.
" يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين " : أي عن عدوكم فتذهب دنياكم وآخرتكم " بل الله مولاكم وهو خير الناصرين " فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقاً في قلوبكم فاعتصموا به ولا تستنصروا بغيره ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدين عن دينه " سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب " : أي الذي به كنت أنصركم عليهم بما أشركوا بي ما لم أجعل لهم من حجة أي فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهور عليكم ما اعتصمتم بي واتبعتم أمري للمصيبة التي أصابتكم منهم بذنوب قدمتموها لأنفسكم خالفتم بها أمري للمعصية وعصيتم بها النبي صلى الله عليه وسلم. " ولقد صدقكم الله وعدوه إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين " أي وقد وفيت لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم إذ تحسونهم بالسيوف أي القتل بإذني وتسليطي أيديكم عليهم وكف أيديهم عنكم.
قال ابن هشام: الحس: الاستئصال: يقال: حسست الشيء: أي استأصلته بالسيف وغيره قال جرير:
تحسهم السيوف كما تسامى ... حريق النار في الأجم الحصيد
وهذا البيت في قصيدة له وقال رؤبة بن العجاج:
إذا شكونا سنة حسوسا
تأكل بعد الأخضر اليبيسا
وهذان البيتان في أرجوزة له.
قال ابن إسحاق: " حتى إذا فشلتم " : أي تخاذلتم " وتنازعتم في الأمر " أي اختلفتم في أمري أي تركتم أمر نبيكم وما عهد إليكم يعني الرماة " وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون " : أي الفتح لا شك فيه وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم " منكم من يريد الدنيا " : أي الذين أرادوا النهب في الدنيا وترك ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة " ومنكم من يريد الآخرة " : أي الذين جاهدوا في الله ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا رغبة فيها رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة أي الذين جاهدوا في الدين ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا ليختبركم وذلك ببعض ذنوبكم ولقد عفا الله عن عظيم ذلك أن لا يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم ولكني عدت بفضلي عليكم وكذلك " من الله على المؤمنين " أن عاقب ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدباً وموعظة فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم بما أصابوا من معصيته رحمة لهم وعائدة عليهم لما فيهم من الإيمان.

(1/261)


ثم أنبهم بالفرار عن نبيهم صلى الله عليه وسلم وهم يدعون لا يعطفون عليه لدعائه إياهم فقال: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم " : أي كرباً بعد كرب بقتل من قتل من إخوانكم وعلو عدوكم عليكم وبما وقع في أنفسكم من قول من قال: قتل نبيكم فكان ذلك مما تتابع عليكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من ظهوركم على عدوكم بعد أن رأيتموه بأعينكم ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم حتى فرجت ذلك الكرب عنكم " والله خبير بما تعلمون " وكان الذي فرج الله به عنهم ما كانوا فيه من الكرب والغم الذي أصابهم أن الله عز وجل رد عنهم كذبة الشيطان بقتل نبيهم صلى الله عليه وسلم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً بين أظهرهم هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم والمصيبة التي أصابتهم في إخوانهم حين صرف الله القتل عن نبيهم صلى الله عليه وسلم " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور " فأنزل الله النعاس أمنة منه على أهل اليقين به فهم نيام لا يخافون وأهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية تخوف القتل وذلك أنهم لا يرجون عاقبة فذكر الله عز وجل تلاومهم وحسرتهم على ما أصابهم ثم قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: " قل لو كنتم في بيوتكم " لم تحضروا هذا الموطن الذي أظهر الله فيه منكم ما أظهر من سرائركم " لبرز " لأخرج " الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " إلى موطن غيره يصرعون فيه حتى يبتلي به ما في صدورهم " وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور " : أي لا يخفي عليه ما في صدورهم مما استخفوا به منكم.
ثم قال " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعلون بصير " أ ي لا تكونوا كالمنافقين الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله والضرب في الأرض في طاعة الله عز وجل وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم " لقلة اليقين بربهم " والله يحيي ويميت " أي يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من ذلك من آجالهم بقدرته قال تعالى: " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون " : أي إن الموت لكائن لابد منه فموت في سبيل الله أو قتل خير لو علموا وأيقنوا مما يجمعون من الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد تخوف الموت والقتل لما جمعوا من زهرة الدنيا زهادة في الآخرة " ولئن متم أو قتلتم " أي ذلك كان " لإلى الله تحشرون " : أي أن إلى الله المرجع فلا تغرنكم الدنيا ولا تغتروا بها وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه من ثوابه آثر عندكم منها.

(1/262)


ثم قال تبارك وتعالى: " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك " أي لتركوك " فاعف عنهم " : أي فتجاوز عنهم " واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " فذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم لعفته لهم وصبره عليهم لضعفهم وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه عليهم في كل ما خالفوا عنه مما افترض عليهم من طاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم ثم قال تبارك وتعالى: " فاعف عنهم " : أي تجاوز عنهم " واستغفر لهم " ذنوبهم من قارف من أهل الإيمان منهم " وشاورهم في الأمر " : أي لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم وإن كنت غنياً عنهم تألفا لهم بذلك على دينهم " فإذا عزمت " أي على أمر جاءك مني وأمر من دينك في جهاد عدوك لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك فامض على ما أمرت به على خلاف من خالفك وموافقة من وافقك " وتوكل على الله " أي ارض به من العباد " إن الله يحب المتوكلين إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده " أي لئلا تترك أمري للناس وارفض أمر الناس إلى أمري وعلى الله لا على الناس فليتوكل المؤمنون.
ثم قال " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " : أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة ومن يفعل ذلك يأت يوم القيامة به ثم يجزى بكسبه غير مظلوم ولا معتد عليه " أفمن اتبع رضوان الله " على ما أحب الناس أو سخطوا " كمن باء بسخط من الله " لرضا الناس أو لسخطهم يقول: أفمن كان على طاعتي فثوابه الجنة ورضوان من الله كمن باء بسخط من الله واستوجب سخطه " ومأواه جهنم وبئس المصير " أسواء المثلان! فاعرفوا " هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون " لكل درجات مما عملوا في الجنة والنار: أي إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته.
ثم قال " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبله لفي ضلال مبين " أي لقد من الله عليكم يا أهل الإيمان إذ بعث فيكم رسولاً من أنفسكم يتلوا عليكم آياته فيما أحدثتم وفيما عملتم فيعلمكم الخير والشر لتعرفوا الخير فتعملوا به والشر فتتقوه ويخبركم برضاه عنكم إذا أطعتموه فتستكثروا من طاعته وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته ولتتخلصوا بذلك من نقمته وتدركوا بذلك ثوابه من جنته " وإن " كنتم " من قبل لفي ضلال مبين " : أي لفي عمياء من الجاهلية أي لا تعرفون حسنة ولا تستغفرون من سيئة صم على الخير بكم عن الحق عمي عن الهدى.
ثم ذكر المصيبة التي أصابتهم فقال: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير " أي إن تك أصابتكم مصيبة في إخوانكم بذنوبكم فقد أصبتم مثليها قبل من عدوكم في اليوم الذي كان قبله ببدر قتلاً وأسراً ونسيتم معصيتكم وخلافكم عما أمركم به نبيكم صلى الله عليه وسلم أنتم أحللتم ذلك بأنفسكم " إن الله على كل شيء قدير " أي إن الله على ما أراد بعباد من نقمة أو عفو قدير " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين " أي ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوكم فبإذني كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم بعد أن جاءكم نصري وصدقتكم وعدي ليميز بين المؤمنين والمنافقين " وليعلم الذين نافقوا " منكم: أي ليظهر ما فيهم " وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا " : يعني عبد الله بن أبي وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى عدوه من المشركين بأحد وقولهم: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم ولدفعنا عنكم ولكنا لا نظن أنه يكون قتال فأظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم يقول الله عز وجل: " هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم " أي يظهرون لك الإيمان وليس في قلوبهم " والله أعلم بما يكتمون " : أي ما يخفون " الذين قالوا لإخوانهم " الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم: " لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين " : أي أنه لا بد من الموت فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله حرصاً على البقاء في الدنيا وفراراً من الموت.

(1/263)


ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم يرغب المؤمنين في الجهاد ويهون عليهم القتل: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون " : أي لا تظنن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً أي قد أحييتهم فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها مسرورين بما آتاهم الله من فضله على جهادهم عنه ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم: أي ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليهم من جهادهم ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم قد أذهب الله عنهم الخوف والحزن يقول الله تعالى: " يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين " لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب.
قال ابن إسحاق: وحدثني إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله تعالى: فأنا أبلغهم عنكم فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الآيات: ولا تحسبن.......... " .
قال ابن إسحاق: وحدثني الحارث بن الفضيل عن محمود بن لبيد الأنصاري عن ابن عباس أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً.
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن هؤلاء الآيات " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " فقال: أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظلل العرش فيطلع الله عز وجل عليهم اطلاعة فيقول: عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟ قال: فيقولون ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا قال: ثم يطلع الله عليهم اطلاعة فيقول: يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا قال: ثم يطلع عليهم اطلاعة فيقول: يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا إلا أنا نحب أن ترد أرواحنا في أجسادنا ثم نرد إلى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل مرة أخرى.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أبشرك يا جابر؟ قال: قلت: بلى يا نبي الله قال: إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله عز وجل ثم قال له: ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟ قال: أي رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى.
قال ابن إسحاق: وحدثني عمرو بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من نهار وأن له الدينا وما فيها إلا الشهيد فإنه يحب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل في سبيل الله فيقتل مرة أخرى.

(1/264)


قال ابن إسحاق: ثم قال تعالى " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح " : أي الجراح وهم المؤمنون الذين ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم أحد إلى حمراء الأسد على ما بهم من ألم الجراح " للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " والناس الذين قالوا لهم ما قالوا النفر من عبد القيس الذين قال لهم أبو سفيان ما قال؟ قالوا إن أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم يقول الله عز وجل: " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم " لما صرف الله عنهم من لقاء عدوهم " إنما ذلكم الشيطان " أي لأولئك الرهط وما ألقى الشيطان على أفواههم " يخوف أولياءه " : أي يرهبكم بأوليائه " فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " أي المنافقين " إنهم لن يضروا الله شيئاً يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً ولهم عذاب أليم ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " : أي المنافقين " وما كان الله ليطلعكم على الغيب " : أي فيما يريد أن يبتليكم به لتحذروا ما يدخل عليكم فيه " ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء " أي يعلمه ذلك " فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا " : أي ترجعوا وتتوبوا " فلكم أجر عظيم " .
ذكر من استشهد بأحد من المهاجرين
قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش ثم من بني هاشم بن عبد مناف: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم رضي الله عنه قتله وحشي غلام جبير بن مطعم.
ومن بني أمية بن عبد شمس: عبد الله بن جحش حليف لهم من بني أسد بن خزيمة.
من بني عبد الدار بن قصي: مصعب بن عمير قتله ابن قمئة الليثي.
ومن بني مخزوم بن يقظة: شماس بن عثمان أربعة نفر.
ومن الأنصار ثم من بني عبد الأشهل: عمرو بن معاذ بن النعمان والحارث بن أنس بن رافع وعمارة بن زياد بن السكن.
قال ابن هشام: السكن: ابن رافع بن امرىء القيس ويقال: السكن.
قال ابن إسحاق: وسلمة بن ثابت بن وقش وعمرو بن ثابت بن وقش رجلان.
قال ابن إسحاق: وقد زعم لي عاصم بن عمر بن قتادة: أن أباهما ثابتاً قتل يومئذ ورفاعة بن وقش وحسيل بن جابر أبو حذيفة وهو اليمان أصابه المسلمون في المعركة ولا يدرون فتصدق حذيفة بديته على من أصابه وصيفي بن قيظي وحباب بن قيظي وعباد بن سهل والحارث بن أوس بن معاذ اثنا عشر رجلاً.
ومن أهل راتج: إياس بن أوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن زعوراء بن جشم بن عبد الأشهل وعبيد بن التيهان.
قال ابن هشام: ويقال: عتيك بن التيهان.
وحبيب بن يزيد بن تيم ثلاثة نفر.
ومن بني ظفر: يزيد بن خاطب بن أمية بن رافع رجل.
ومن بني عمرو بن عوف ثم من بني ضبيعة بن زيد: أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد وحنظلة بن أبي عامر بن صيفي بن نعمان بن مالك بن أمة وهو غسيل الملائكة قتله شداد بن الأسود بن شعوب الليثي رجلان.
قال ابن هشام: قيس: ابن زيد بن ضبيعة ومالك: ابن أمة بن ضبيعة.
قال ابن إسحاق: ومن بني عبيد بن زيد: أنيس بن قتادة رجل.
ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف: أبو حية وهو أخو سعد بن خيثمة لأمه.
قال ابن هشام: أبو حية: ابن عمرو بن ثابت.
قال ابن إسحاق: وعبد الله بن جبير بن النعمان وهو أمير الرماة رجلان.
ومن بني السلم بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس: خيثمة أبو سعد بن خيثمة رجل.
ومن حلفائهم من بني العجلان: عبد الله بن سلمة رجل.
ومن بني معاوية بن مالك: سبيع بن حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة رجل.
قال ابن هشام: ويقال: سويبق بن الحارث بن حاطب بن هيشة.
قال ابن إسحاق: ومن بني النجار: ثم من بني سواد بن مالك بن غنى: عمرو بن قيس وابنه قيس بن عمرو.
قال ابن هشام: عمرو بن قيس: ابن زيد بن سواد.
قال ابن إسحاق: وثابت بن عمرو بن زيد وعامر بن مخلد أربعة نفر.

(1/265)


ومن بني مبذول: أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو بن ثقف بن مالك بن مبذول وعمرو بن مطرف بن علقمة بن عمرو رجلان.
ومن بني عمرو بن مالك: أوس بن ثابت بن المنذر رجل.
قال ابن هشام: أوس بن ثابت أخو حسان بن ثابت.
قال ابن إسحاق: ومن بني عدي بن النجار: أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار رجل.
قال ابن هشام: أنس بن النضر عم أنس بن مالك: خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن بني مازن بن النجار: قيس بن مخلد وكيسان عبد لهم رجلان.
ومن بني دينار بن النجار: سليم بن الحارث ونعمان بن عبد عمرو رجلان.
ومن بني الحارث بن الخزرج: خارجة بن زيد بن أبي زهير وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير ودفنا في قبر واحد وأوس بن الأرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب ثلاثة نفر.
ومن بني الأبجر وهم بنو خدرة: مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر وهو أبو أبي سعيد الخدري.
قال ابن هشام: اسم أبي سعيد الخدري: سنان ويقال: سعد.
قال ابن إسحاق: وسعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الأبجر وعتبة بن ربيع بن رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر ثلاثة نفر.
ومن بني ساعدة بن كعب بن الخزرج: ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة وثقف بن فروة بن البدي رجلان.
ومن بني طريف رهط سعد بن عبادة: عبد الله بن عمرو بن وهب بن ثعلبة بن وقش بن ثعلبة بن طريف وضمرة حليف لهم من بني جهينة رجلان.
ومن بني عوف بن الخزرج ثم من بني سالم ثم من بني مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم: نوفل بن عبد الله وعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان ونعمان بن مالك بن ثعلبة بن فهر بن غنم بن سالم والمجذر بن ذياد حليف لهم من بلي وعبادة بن الحسحاس.
دفن النعمان بن مالك والمجذر وعبادة في قبر واحد خمسة نفر.
ومن بني الحبلى: رفاعة بن عمرو رجل.
ومن بني سلمة ثم من بني حرام: عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام دفنا في قبر واحد وخلاد بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام وأبو أيمن مولى عمرو بن الجموح أربعة نفر.
ومن بني سواد بن غنم: سليم بن عمرو بن حديدة ومولاه عنترة وسهل بن قيس بن أبي كعب بن القين ثلاثة نفر.
ومن بني زريق بن عامر: ذكوان بن عبد قيس وعبيد بن المعلى بن لوذان رجلان.
قال ابن هشام: عبيد بن المعلى من بني حبيب.
قال ابن إسحاق: فجميع من استشهد من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار خمسة وستون رجلاً.
قال ابن هشام: وممن لم يذكر ابن إسحاق من السبعين الشهداء الذين ذكرنا من الأوس ثم من بني معاوية بن مالك: مالك بن نميلة حليف لهم من مزينة.
ومن بني خطمة واسم خطمة: عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس الحارث بن عدي بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة.
ومن الخزرج ثم من بني سواد بن مالك: مالك بن إياس.
ومن بني عمرو بن مالك بن النجار: إياس بن عدي.
ومن بني سالم بن عوف: عمرو بن إياس.
ذكر من قتل من المشركين يوم أحد
قال ابن إسحاق: وقتل من المشركين يوم أحد من قريش ثم من بني عبد الدار بن قصي من أصحاب اللواء: طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة: عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار قتله علي بن أبي طالب وأبو سعيد بن أبي طلحة قتله سعد بن أبي وقاص.
قال ابن هشام: ويقال: قتله علي بن أبي طالب.
قال ابن إسحاق: وعثمان بن أبي طلحة قتله حمزة بن عبد المطلب ومسافع بن طلحة والجلاس بن طلحة قتلهما عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وكلاب بن طلحة والحارث بن طلحة قتلهما قزمان حليف لبني ظفر.
قال ابن هشام: ويقال: قتل كلاباً عبد الرحمن بن عوف.
قال ابن إسحاق: وأرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قتله حمزة بن عبد المطلب وأبو زيد بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قتله قزمان وصؤاب: غلام له حبشي قتله قزمان.
قال ابن هشام: ويقال: قتله علي بن أبي طالب ويقال: سعد ابن أبي وقاص ويقال: أبو دجانة.
قال ابن إسحاق: والقاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قتله قزمان أحد عشر رجلاً.

(1/266)


ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي: عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد قتله علي بن أبي طالب رجل.
ومن بني زهرة بن كلاب: أبو الحكم بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف لهم قتله علي بن أبي طالب وسباع بن عبد العزى واسم عبد العزى: عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بن ملكان بن أفصى حليف لهم من خزاعة قتله حمزة بن عبد المطلب رجلان.
ومن بني مخزوم بن يقظة هشام بن أبي أمية بن المغيرة قتله قزمان والوليد بن العاص بن هشام بن المغيرة قتله قزمان: وأبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة قتله علي بن أبي طالب وخالد بن الأعلم حليف لهم قتله قزمان أربعة نفر.
ومن بني جمح بن عمرو: عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح وهو أبو عزة قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبراً وأبي بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده رجلان.
ومن بني عامر بن لؤي: عبيدة بن جابر وشيبة بن مالك بن المضرب قتلهما قزمان رجلان.
قال ابن هشام: ويقال: قتل عبيدة بن جابر عبد الله بن مسعود.
قال ابن إسحاق: فجميع من قتل الله تبارك وتعالى يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون رجلاً.
ذكر ما قيل من الشعر يوم أحد
قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الشعر في يوم أحد قول هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم قال ابن هشام: عائذ: ابن عمران بن مخزوم
ما بال هم عميد بات يطرقني ... بالود من هند إذ تعدو عواديها
باتت تعاتبني هند وتعذلني ... والحرب قد شغلت عني مواليها
مهلاً فلا تعذليني إن من خلقي ... ما قد علمت وما إن لست أخفيها
مساعف لبني كعب بما كلفوا ... حمال عبء وأثقال أعانيها
وقد حملت سلاحي فوق مشترف ... ساط سبوح إذا تجري يباريها
كأنه إذ جرى عير بفدفدة ... مكدم لاحق بالعون يحميها
من آل أعوج يرتاح الندي له ... كجذع شعراء مستعل مراقيها
أعددته ورقاق الحد منتخلاً ... ومارنا لخطوب قد ألاقيها
هذا وبيضاء مثل النهي محكمة ... نيطت علي فما تبدو مساويها
سقنا كنانة من أطراف ذي يمن ... عرض البلاد على ما كان يزجيها
قالت كنانة: أنى تذهبون بنا؟ ... قلنا: النخيل فأموها ومن فيها
نحن الفوارس يوم الجر من أحد ... هابت معد فقلنا نحن نأتيها
هابوا ضراباً وطعناً صادقاً خذماً ... مما يرون وقد ضمت قواصيها
ثمت رحنا كأنا عارض برد ... وقام هام بني النجار يبكيها
كأن هامهم عند الوغى فلق ... من قيض ربد نفته عن أداحيها
أو حنظل ذعذعته الريح في غصن ... بال تعاوره منها سوافيها
قد نبذل المال سحاً لا حساب له ... ونطعن الخيل شزراً في مآقيها
وليلة يصطلي بالفرث جازرها ... يختص بالنقرى المثرين داعيها
وليلة من جمادى ذات أندية ... جرباً جمادية قد بت أسريها
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... من القريس ولا تسري أفاعيها
أوقدت فيها لذي الضراء جاحمة ... كالبرق ذاكية الأركان أحميها
أورثني ذاكم عمرو ووالده ... من قبله كان بالمثنى يغاليها
كانوا يبارون أنواء النجوم فما ... دنت عن السورة العليا مساعيها
قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت فقال:
سقتم كنانة جهلاً من سفاهتكم ... إلى الرسول فجند الله مخزيها
أوردتموها حياض الموت ضاحية ... فالنار موعدها والقتل لاقيها
جمعتموها أحابيشاً بلا حسب ... أئمة الكفر غرتكم طواغيها
ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت ... أهل القليب ومن ألقينه فيها
كم من أسير فككناه بلا ثمن ... وجز ناصية كنا مواليها
قال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك:

(1/267)


قال ابن هشام: وبيت هبيرة بن أبي وهب الذي يقول فيه
وليلة يصطلي بالفرث جازرها ... يختص بالنقرى المثرين داعيها
يروى لجنوب أخت عمرو ذي الكلب الهذلي في أبيات لها في غير يوم أحد.
قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يجيب هبيرة بن أبي وهب أيضاً:
ألا هل أتى غسان عنا ودونهم ... من الأرض خرق سيره متنعنع
صحار وأعلام كأن قتامها ... من البعد نقع هامد متقطع
تظل به البزل العراميس رزحاً ... ويخلو به غيث السنين فيمرع
به جيف الحسرى يلوح صليبها ... كما لاح كتان التجار الموضع
به العين والآرام يمشين خلفة ... وبيض نعام قيضه يتقلع
مجالدنا عن ديننا كل فخمة ... مذربة فيها القوانس تلمع
وكل صموت في الصوان كأنها ... إذا لبست تهي من الماء مترع
ولكن ببدر سائلوا من لقيتم ... من الناس والأنباء بالغيب تنفع
وإنا بأرض الخوف لو كان أهلها ... سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا
إذا جاء منا راكب كان قوله ... أعدوا لما يزجي ابن حرب ويجمع
فمهما يهم الناس مما يكيدنا ... فنحن له من سائر الناس أوسع
فلو غيرنا كانت جميعاً تكيده البرية قد أعطوا يداً وتوزعوا
نجالد لا تبقى علينا قبيلة ... من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا
ولما ابتنوا بالعرض قال سراتنا ... علام إذا لم تمنع العرض نزرع؟
وفينا رسول الله نتبع أمره ... إذا قال فينا القول لا نتطلع
تدلى عليه الروح من عند ربه ... ينزل من جو السماء ويرفع
نشاوره فيما نريد وقصرنا ... إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع
وقال رسول الله لما بدوا لنا ... ذروا عنكم هول المنيات واطمعوا
وكونوا كمن يشري الحياة تقرباً ... إلى ملك يحيا لديه ويرجع
ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا ... على الله إن الأمر لله أجمع
فسرنا إليهم جهرة في رحالهم ... ضحياً علينا البيض لا نتخشع
بملمومة فيها السنور والقنا ... إذا ضربوا أقدامها لا تورع
فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن نصية ... ثلاث مئين إن كثرنا وأربع
نغاورهم تجري المنية بيننا ... نشارعهم حوض المنايا ونشرع
تهادى قسي النبع فينا وفيهم ... وما هو إلا اليثربي المقطع
ومنجوفة حرمية صاعدية ... يذر عليها السم ساعة تصنع
تصوب بأبدان الرجال وتارة ... تمر بأغراض البصار تقعقع
وخيل تراها بالفضاء كأنها ... جراد صباً في قرة يتريع
فلما تلاقينا ودارت بنا الرحى ... وليس لأمر حمه الله مدفع
ضربناهم حتى تركنا سراتهم ... كأنهم بالقاع خشب مصرع
لدن غدوة حتى استفقنا عشية ... كأن ذكاناً حر نار تلفع
وراحوا سراعاً موجفين كأنهم ... جهام هراقت ماءه الريح مقلع
ورحنا وأخرانا بطاء كأننا ... أسود على لحم ببيشة ظلع
فنلنا ونال القوم منا وربما ... فعلنا ولكن ما لدى الله أوسع
ودارت رحانا واستدارت رحاهم ... وقد جعلوا كل من الشر يشبع
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... على كل من يحمي الذمار ويمنع
جلاد على ريب الحوادث لا نرى ... على هالك عيناً لنا الدهر تدمع
بنو الحرب لا نعيا بشيء نقوله ... ولا نحن مما جرت الحرب نجزع
بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش ... ولا نحن من أظفارها نتوجع

(1/268)


وكنا شهاباً يتقي الناس حره ... ويفرج عنه من يليه ويسفع
فخرت على ابن الزبعري وقد سرى ... لكم طلب من آخر الليل متبع
فسل عنك في عليا معد وغيرها ... من الناس من أخزى مقاماً وأشنع
ومن هو لم تترك له الحرب مفخراً ... ومن خده يوم الكريهة أضرع
شددنا بحول الله والنصر شدة ... عليكم وأطراف الأسنة شرع
تكر القنا فيكم كأن فروعها ... عزالى مزاد ماؤها يتهزع
عمدنا إلى أهل اللواء ومن يطر ... بذكر اللواء فهو في الحمد أسرع
فخانوا وقد أعطوا يداً وتخاذلوا ... أبى الله إلا أمره وهو أصنع
قال ابن هشام: وكان كعب بن مالك قد قال:
مجالدنا عن جذمنا كل فخمة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيصلح أن تقول: مجالدنا عن ديننا؟ فقال كعب: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهو أحسن فقال كعب: مجالدنا عن ديننا.
قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعري في يوم أحد:
يا غراب البين أسمعت فقل ... إنما تنطق شيئاً قد فعل
إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل
والعطيات خساس بينهم ... وسواء قبر مثر ومقل
كل عيش ونعيم زائل ... وبنات الدهر يلعبن بكل
أبلغن حسان عني آية ... فقريض الشعر يشفي ذا الغلل
كم ترى بالجر من جمجمة ... وأكف قد أترت ورجل
وسرابيل حسان سريت ... عن كماة أهلكوا في المنتزل
كم قتلنا من كريم سيد ... ماجد الجدين مقدام بطل
صادق النجدة قرم بارع ... غير ملتاث لدى وقع الأسل
فسل المهراس من ساكنه؟ ... بين أقحاف وهام كالحجل
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشل
ثم خفوا عند ذاكم رقصاً ... رقص الحفان يعلو في الجبل
فقتلنا الضعف من أشرافهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لا ألوم النفس إلا أننا ... لو كررنا لفعلنا المفتعل
بسيوف الهند تعلو هامهم ... عللاً تعلوهم بعد نهل
فأجابه حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال:
ذهبت يابن الزبعري وقعة ... كان منا الفضل فيها لو عدل
ولقد نلتم ونلنا منكم ... وكذاك الحرب أحياناً دول
نضع الأسياف في أكتافكم ... حيث نهوي عللاً بعد نهل
نخرج الأضياح من أستاهكم ... كسلاح النيب يأكلن العصل
إذ تولون على أعقابكم ... هرباً في الشعب أشباه الرسل
إذ شددنا شدة صادقة ... فأجأناكم إلى سفح الحبل
بخناطيل كأشداف الملا ... من يلاقوه من الناس يهل
ضاق عنا الشعب إذ نجزعه ... وملأنا الفرط منه والرجل
برجال لستم أمثالهم ... أيدوا جبريل نصراً فنزل
وعلونا يوم بدر بالتقى ... طاعة الله وتصديق الرسل
وقتلنا كل رأس منهم ... وقتلنا كل جحجاح رفل
وتركنا في قريش عورة ... يوم بدر وأحاديث المثل
ورسول الله حقاً شاهد ... يوم بدر والتنابيل الهبل
في قريش من جموع جمعوا ... مثل ما يجمع في الخصب الهمل
نحن لا أمثالكم ولد استها ... نحضر الناس إذا البأس نزل
قال ابن هشام: وأنشدني أبو زيد الأنصاري: وأحاديث المثل والبيت الذي قبله وقوله: " في قريش من جموع جمعوا " عن غير ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يبكي حمزة بن عبد المطلب وقتلى أحد من المسلمين:
نشجت وهل لك من منشج ... وكنت متى تذكر تلجج

(1/269)


تذكر قوم أتاني لهم ... أحاديث في الزمن الأعوج
فقلبك من ذكرهم خافق ... من الشوق والحزن المنضج
وقتلاهم في جنان النعيم ... كرام المداخل والمخرج
بما صبروا تحت ظل اللواء ... لواء الرسول بذي الأضوج
غداة أجابت بأسيافها ... جميعاً بنو الأوس والخزرج
وأشياع أحمد إذ شايعوا ... على الحق ذي النور والمنهج
فما برحوا يضربون الكماة ... ويمضون في القسطل المرهج
كذلك حتى دعاهم مليك ... إلى جنة دوحة المولج
فكلهم مات حر البلاء ... على ملة الله لم يحرج
كحمزة لما وفى صادقاً ... بذي هبة صارم سلجج
فلاقاه عبد بني نوفل ... يبربر كالجمل الأدعج
فأوجره حربة كالشهاب ... تلهب في اللهب الموهج
ونعمان أوفى بميثاقه ... وحنظلة الخير لم يحنج
عن الحق حتى غدت روحه ... إلى منزل فاخر الزبرج
أولئك لا من ثوى منكم ... من النار في الدرك المرتج
فأجابه ضرار بن الخطاب الفهري فقال:
أيجزع كعب لأشياعه ... ويبكي من الزمن الأعوج
عجيج المذكي رأى إلفه ... تروح في صادر محنج
فراح الروايا وغادرنه ... يعجعج قسراً ولم يحدج
فقولاً لكعب يثني البكا ... وللنيء من لحمه ينضج
لمصرع إخوانه في مكر ... من الخيل ذي قسطل مرهج
فيا ليت عمراً وأشياعه ... وعتبة في جمعنا السورج
فيشفوا النفوس بأوتارها ... بقتلى أصيبت من الخزرج
وقتلى من الأوس في معرك ... أصيبوا جميعاً بذي الأضوج
ومقتل حمزة تحت اللواء ... بمطرد مارن مخلج
وحيث انثنى مصعب ثاوياً ... بضربة ذي هبة سلجج
بأحد وأسيافنا فيهم ... تلهب كاللهب الموهج
غداة لقيناكم في الحديد ... كأسد البراح فلم تعنج
بكل مجلحة كالعقاب ... وأجرد ذي ميعة مسرج
فدسناهم ثم حتى انثنوا ... سوى زاهق النفس أو محرج
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لضرار وقول كعب: ذي النور والمنهج عن أبي زيد الأنصاري.
قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعري في يوم أحد يبكي القتلى:
ألا ذرفت من مقلتيك دموع ... وقد بان من حبل الشباب قطوع
وشط بمن تهوى المزار وفرقت ... نوى الحي دار بالحبيب فجوع
وليس لما ولى على ذي حرارة ... وإن طال تذراف الدموع رجوع
فذر ذا ولكن هل أتى أم مالك ... أحاديث قومي والحديث يشيع
ومجنبنا جرداً إلى أهل يثرب ... عناجيج منها متلد ونزيع
عشية سرنا في لهام يقودنا ... ضرور الأعادي للصديق نفوع
نشد علينا كل زغف كأنها ... غدير بضوج الواديين نقييع
فلما رأونا خالطتهم مهابة ... وعاينهم أمر هناك فظيع
وودوا لو أن الأرض ينشق ظهرها ... بهم وصبور القوم ثم جزوع
وقد عريت بيض كأن وميضها ... حريق ترقى في الأباء سريع
بأيماننا نعلو بها كل هامة ... ومنها سمام للعدو ذريع
فغادرن قتلى الأوس غاصبة بهم ... ضباع وطير يعتفين وقوع
وجمع بني النجار في كل تلعة ... بأبدانهم من وقعهن نجيع
ولولا علو الشعب غادرن أحمداً ... ولكن علا والسمهري شروع
كما غادرت في الكر حمزة ثاوياً ... وفي صدره ماضي الشباة وقيع
ونعمان قد غادرن تحت لوائه ... على لحمه طير يجفن وقوع
بأحد وأرماح الكماة يردنهم ... كما غال أشطان الدلاء نزوع
فأجابه حسان بن ثابت فقال:

(1/270)


أشاقك من أم الوليد ربوع ... بلاقع ما من أهلن جميع
عفاهن صيفي الرياح وواكف ... من الدلو رجاف السحاب هموع
فلم يبق إلا موقد النار حوله ... رواكد أمثال الحمام كنوع
فدع ذكر دار بددت بين أهلها ... نوى لمتينات الحبال قطوع
وقل إن يكن يوم بأحد يعده ... سفيه فإن الحق سوف يشيع
فقد صابرت فيه بنو الأوس كلهم ... وكان لهم ذكر هناك رفيع
وحامى بنو النجار فيه وصابروا ... وما كان منهم في اللقاء جزوع
أمام رسول الله لا يخذلونه ... لهم ناصر من ربهم وشفيع
وفوا إذ كفرتم يا سخين بربكم ... ولا يستوي عبد وفى ومضيع
بأيديهم بيض إذا حمش الوغى ... فلا بد أن يردى لهن صريع
كما غادرت في النقع عتبة ثاوياً ... وسعداً صريعاً والوشيج شروع
وقد غادرت تحت العناجة مسنداً ... أبياً وقد بل القميص نجيع
يكف رسول الله حيث تنصبت ... على القوم مما قد يثرن نقوع
أولئك قوم سادة من فروعكم ... وفي كل قوم سادة وفروع
بهن نعز الله حتى يعزنا ... وإن كان أمر يا سخين فظيع
فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم ... قتيل ثوى لله وهو مطيع
فإن جنان الخلد منزلة له ... وأمر الذي يقضي الأمور سريع
وقتلاكم في النار أفضل رزقهم ... حميم معاً في جوفها وضريع
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسان وابن الزبعري وقوله: " ماضي الشباة وطير يجفن " عن غير ابن إسحاق.
وقال ابن إسحاق: وقال عمرو بن العاصي في يوم أحد:
خرجنا من الفيفا عليهم كأننا ... مع الصبح من رضوى الحبيك المنطق
تمنت بنو النجار جهلاً لقاءنا ... لدى جنب سلع والأماني تصدق
فما راعهم بالشر إلا فجاءة ... كراديس خيل في الأزقة تمرق
أرادوا لكيما يستبيحوا قبابنا ... ودون القباب اليوم ضرب محرق
وكانت قباباً أومنت قبل ما ترى ... إذ رامها قوم أبيحوا وأحنقوا
كأن رءوس الخزرجيين غدوة ... وأيمانهم بالمشرفية بروق
فأجابه كعب بن مالك فيما ذكر ابن هشام فقال:
ألا أبلغا فهراً على نأي دارها ... وعندهم من علمنا اليوم مصدق
بأنا غداة السفح من بطن يثرب ... صبرنا ورايات المنية تخفق
صبرنا لهم والصبر منا سجية ... إذا طارت الأبرام نسمو ونرتق
على عادة تلكم جرينا بصبرنا ... وقدماً لدى الغايات نجري فنسبق
لنا حومة لا تستطاع يقودها ... نبي أتى بالحق عف مصدق
ألا هل أتى أفناء فهر بن مالك ... مقطع أطراف وهام مفلق
قال ابن إسحاق: وقال ضرار بن الخطاب:
إني وجدك لولا مقدمى فرسي ... إذ جالت الخيل بين الجزع والقاع
ما زال منكم بجنب الجزع من أحد ... أصوات هام تزاقى أمرها شاعي
وفارس قد أصاب السيف مفرقه ... أفلاق هامته كفروة الراعي
إني وجدك لا أنفك منتطقاً ... بصارم مثل لون الملح قطاع
على رحالة ملواح مثابرة ... نحو الصريخ إذا ما ثوب الداعي
وما انتميت إلى خور ولا كشف ... ولا لئام غداة البأس أوراع
بل ضاربين حبيك البيض إذ لحقوا ... شم العرانين عند الموت لذاع
شم بهاليل مسترخ حمائلهم ... يسعون للموت سعياً غير دعداع
وقال ضرار بن الخطاب أيضاً:
لما أتت من بني كعب مزينة ... والخزرجية فيها البيض تأتلق
وجردوا مشرفيات مهندة ... وراية كجناح النسر تختفق
فقلت يوم بأيام ومعركة ... تنبي لما خلفها ما هزهز الورق

(1/271)


قد عودوا كل يوم أن تكون لهم ... ريح القتال وأسلاب الذين لقوا
خيرت نفسي على ما كان من وجل ... منها وأيقنت أن المجد مستبق
أكرهت مهري حتى خاض غمرتهم ... وبله من نجيع عانك علق
فظل مهري وسربالي جسيدهما ... نفخ العروق رشاش الطعن والورق
أيقنت أني مقيم في ديارهم ... حتى يفارق ما في جوفه الحدق
لا تجزعوا يا بني مخزوم إن لكم ... مثل المغيرة فيكم ما به زهق
صبراً فدى لكم أمي وما ولدت ... تعاوروا الضرب حتى يدبر الشفق
وقال عمرو بن العاصي:
لما رأيت الحرب ينزو شرها بالرضف نزواً
وتناولت شهباء تلحو الناس بالضراء لحواً
أيقنت أن الموت حق ... والحياة تكون لغواً
حملت أثوابي على ... عتد يبذ الخيل رهواً
سلس إذا نكبن في البيداء يعلو الطرف علواً
وإذا تنزل ماؤه ... من عطفه يزداد زهواً
زبد كيعفور الصريمة راعه الرامون دحواً
شنج نساه ضابط ... للخيل إرخاء وعدواً
ففدى لهم أمي غدا ... ة الروع إذ يمشون قطواً
سيراً إلى كبش الكتيبة إذ جلته الشمس جلواً
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لعمرو.
قال ابن إسحاق: فأجابهما كعب بن مالك فقال:
أبلغ قريشاً وخير القول أصدقه ... والصدق عند ذوي الألباب مقبول
أن قد قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللواء ففيما يكثر القيل
ويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النصر ميكال وجبريل
إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا ... والقتل في الحق عند الله تفضيل
وإن تروا أمرنا في رأيكم سفهاً ... فرأي من خالف الإسلام تضليل
فلا تمنوا لقاح الحرب واقتعدوا ... إن أخا الحرب أصدى اللون مشغول
إن لكم عندنا ضرباً تراح له ... عرج الضباع له خذم رعابيل
إنا بنو الحرب نمريها وننتجها ... وعندنا لذوي الأضغان تنكيل
إن ينج منها ابن حرب بعد ما بلغت ... منه التراقي وأمر الله مفعول
فقد أفادت له حلماً وموعظة ... لمن يكون له لب ومعقول
ولو هبطتم ببطن السيل كافحكم ... ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل
تلقاكم عصب حول النبي لهم ... مما يعدون للهيجا سرابيل
من جذم غسان مسترخ حمائلهم ... لا جبناء ولا ميل معازيل
يمشون تحت عمايات القتال كما ... تمشي المصاعبة الأدم المراسيل
أو مثل مشي أسود الظل ألثقها ... يوم رذاذ من الجوزاء مشمول
في كل سابغة كالنهي محكمة ... قيامها فلج كالسيف بهلول
ترد حد قرام النبل خاسئة ... ويرجع السيف عنها وهو مفلول
ولو قذفتم بسلع عن ظهوركم ... وللحياة ودفع الموت تأجيل
ما زال في القوم وتر منكم أبداً ... تعفو السلام عليه وهو مطلول
عبد وحر كريم موثق قنصاً ... شطر المدينة مأسور ومقتول
كنا نؤمل أخراكم فأعجلكم ... منا فوارس لا عزل ولا ميل
إذا جنى فيهم الجاني فقد علموا ... حقاً بأن الذي قد جر محمول
ما نحن لا نحن من إثم مجاهرة ... ولا ملوم ولا في الغرم مخذول
وقال حسان بن ثابت يذكر عدة أصحاب اللواء يوم أحد: قال ابن هشام: هذه أحسن ما قيل
منع النوم بالعشاء الهموم ... وخيال إذا تغور النجوم
من حبيب أضاف قلبك منه ... سقم فهو داخل مكتوم
يا لقومي هل يقتل المرء مثلي ... واهن البطش والعظام سؤوم

(1/272)


لو يدب الحولي من ولد الذر ... عليها لأندبتها الكلوم
شأنها العطر والفراش ويعلو ... ها لجين ولؤلؤ منظوم
لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم
إن خالي خطيب جابية الجو ... لان عند النعمان حين يقوم
وأنا الصقر عند باب ابن سلمى ... يوم نعمان في الكبول سقيم
وأبي وواقد أطلقا لي ... يوم راحا وكبلهم مخطوم
ورهنت اليدين عنهم جميعاً ... كل كف جزء لها مقسوم
وسطت نسبتي الذوائب منهم ... كل دار فيها أب لي عظيم
وأبي في سميحة القائل الفا ... صل يوم التقت عليه الخصوم
تلك أفعالنا وفعل الزبعري ... خامل في صديقه مذموم
رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم
لا تسبنني فلست بسبي ... إن سبي من الرجال الكريم
ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم
ولي البأس منكم إذ رحلتم ... أسرة من بني قصي صميم
تسعة تحمل اللواء وطارت ... في رعاع من القنا مخزوم
وأقاموا حتى أبيحوا جميعاً ... في مقام وكلهم مذموم
بدم عانك وكان حفاظاً ... أن يقيموا إن الكريم كريم
وأقاموا حتى أزيروا شعوباً ... والقنا في نحورهم محطوم
وقريش تفر منا لواذاً ... أن يقيموا وخف منها الحلوم
لم تطق حمله العواتق منهم ... إنما يحمل اللواء النجوم
قال ابن هشام: قال حسان هذه القصيدة:
منع النوم بالعشاء الهموم
ليلاً فدعا قومه فقال لهم: خشيت أن يدركني أجلي قبل أن أصبح فلا ترووها عني.
قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة للحجاج بن علاط السلمي يمدح أبا الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ويذكر قتله طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار صاحب لواء المشتركين يوم أحد:
لله أي مذبب عن حرمة ... أعني ابن فاطمة المعم المخولا
سبقت يداك له بعاجل طعنة ... تركت كطليحة للجبين مجدلا
وشددت شدة باسل فكشفتهم ... بالجر إذ يهوون أخول أخولا
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكي حمزة بن عبد المطلب ومن أصيب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد:
يا مي قومي فاندبن ... بسحيرة شجو النوائح
كالحاملات الوقر بالثقل الملحات الدوالح
المعولات الحامشا ... ت وجوه حرات صحائح
وكأن سيل دموعها الأنصاب تخضب بالذبائح
ينقضن أشعاراً لهن ... هناك بادية المسائح
وكأنها أذناب خيل بالضحى شمس روامح
من بين مشزور ومجزور يذعذع بالبوارح
يبكين شجواً مسلبا ... ت كدحتهن الكوادح
ولقد أصاب قلوبها ... مجل له جلب قوارح
إذ أقصد الحدثان من ... كنا نرجي إذ نشايح
أصحاب أحد غالهم ... دهر ألم له جوارح
من كان فارسنا وحا ... مينا إذا بعث المسالح
يا حمز لا والله لا ... أنساك ما صر اللقائح
لمناخ أيتام وأضياف وأرملة تلامح
ولما ينوب الدهر في ... حرب لحرب وهي لاقح
يا فارساً يا مدرها ... يا حمز قد كنت المصامح
عنا شديدات الخطو ... ب إذا ينوب لهن فادح
ذكرتني أسد الرسو ... ل وذاك مدرهنا المنافح
عنا وكان يعد إذ ... عد الشريفون الجحاجح
يعلو القماقم جهرة ... سبط اليدين أغر واضح
لا طائش رعش ولا ... ذو علة بالحمل آنح
بحر فليس يغب جا ... راً منه سيب أو منادح

(1/273)


أودي شباب أولي الحفا ... ئظ والثقيلون المراجح
المطعمون إذا المشا ... تي ما يصففهن ناضح
لحم الجلاد وفوقه ... من شحمه شطب شرائح
ليدافعوا عن جارهم ... ما رام ذو الضغن المكاشح
لهفي لشبان رزئناهم كأنهم المصابح
شم بطارقة غطا ... رفة خضارمة مسامح
المشترون الحمد بالأموال إن الحمد رابح
والجامزون بلجمهم ... يوماً إذا ما صاح صائح
من كان يرمى بالنوا ... قر من زمان غير صالح
ما إن تزال ركابه ... يرسمن في غبر صحاصح
راحت تبارى وهو في ... ركب صدورهم رواشح
حتى تئوب له المعا ... لي ليس من فوز السفائح
يا حمز قد أوحدتني ... كالعود شذ به الكوافح
أشكو إليك وفوقك الترب المكور والصفائح
من جندل نلقيه فو ... قك إذ أجاد الضرح ضارح
في واسع يحشونه ... بالترب سوته المماسح
فعزاؤنا أنا نقو ... ل وقولنا برح بوارح
من كان أمسى وهو عما أوقع الحدثان جانح
فليأتنا فلتبك عيناه لهلكانا النوافح
القائلين الفاعلين ... ذوي السماحة والممادح
من لا يزال ندى يديه له طوال الدهر مائح
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان وبيته: " المطعمون إذا المشاتي " وبيته: " الجامزون بلجمهم " وبيته: " من كان يرمى بالنواقر " عن غير ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضاً يبكي حمزة بن عبد المطلب:
أتعرف الدار عفا رسمها ... بعدك صوب المسبل الهاطل
بين السراديح فأدمانة ... فمدفع الروحاء في حائل
ساءلتها عن ذاك فاستعجمت ... لم تدر ما مرجوعة السائل؟
دع عنك داراً قد عفا رسمها ... وابك على حمزة ذي النائل
المالئ الشيزى إذا أعصفت ... غبراء في ذي الشبم الماحل
والتارك القرن لدى لبدة ... يعثر في ذي الخرص الذابل
واللابس الخيل إذ أجحمت ... كالليث في غابته الباسل
أبيض في الذروة من هاشم ... لم يمر دون الحق بالباطل
مال شهيداً بين أسيافكم ... شلت يدا وحشي من قاتل
أي امرىء غادر في ألة ... مطرورة مارنة العامل
أظلمت الأرض لفقدانه ... واسود نور القمر الناصل
صلى عليه الله في جنة ... عالية مكرمة الداخل
كنا نرى حمزة حرزاً لنا ... في كل أمر نابنا نازل
وكان في الإسلام ذا تدرأ ... يكفيك فقد القاعد الخاذل
لا تفرحي يا هند واستحلبي ... دمعاً وأذري عبرة الثاكل
وابكي على عتبة إذ قطه ... بالسيف تحت الرهج الجائل
إذا خر في مشيخة منكم ... من كل عات قلته جاهل
أرداهم حمزة في أسرة ... يمسون تحت الحلق الفاضل
غداة جبريل وزير له ... نعم وزير الفارس الحامل
وقال كعب بن مالك يبكي حمزة بن عبد المطلب:
طرقت همومك فالرقاد مسهد ... وجزعت أن سلخ الشباب الأغيد
ودعت فؤادك للهوى ضمرية ... فهواك غوري وصحوك منجد
فدع التمادي في الغواية سادراً ... قد كنت في طلب الغواية تفند
ولقد أنى لك أن تناهى طائعاً ... أو تستفيق إذا نهاك المرشد
ولقد هددت لفقد حمزة هدة ... ظلت بنات الجوف منها ترعد
ولو أنه فجعت حراء بمثله ... لرأيت راسي صخرها يتبدد
قرم تمكن في ذؤابة هاشم ... حيث النبوة والندى والسودد
والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت ... ريح يكاد الماء منها يجمد
والتارك القرن الكمي مجدلاً ... يوم الكريهة والقنا يتقصد

(1/274)


وتراه يرفل في الحديد كأنه ... ذو لبدة شثن البراثن أربد
عم النبي محمد وصفيه ... ورد الحمام فطاب ذاك المورد
وأتى المنية معلماً في أسرة ... نصروا النبي ومنهم المستشهد
ولقد إخال بذاك هنداً بشرت ... لتميت داخل غصة لا تبرد
مما صبحنا بالعقنقل قومها ... يوماً تغيب فيه عنها الأسعد
وببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد
حتى رأيت لدى النبي سراتهم ... قسمين: يقتل من نشاء ويطرد
فأقام بالعطن المعطن منهم ... سبعون: عتبة منهم والأسود
وابن المغيرة قد ضربنا ضربة ... فوق الوريد لها رشاش مزبد
وأمية الجمحي قوم ميله ... عضب بأيدي المؤمنين مهند
فأتاك فل المشركين كأنهم ... والخيل تثفنهم نعام شرد
شتان من هو في جهنم ثاوياً ... أبداً ومن هو في الجنان مخلد
وقال كعب أيضاً يبكي حمزة:
صفية قومي ولا تعجزي ... وبكي النساء على حمزة
ولا تسأمي أن تطيلي البكا ... على أسد الله في الهزة
فقد كان عزاً لأيتامنا ... وليث الملاحم في البزة
يريد بذاك رضا أحمد ... ورضوان ذي العرش والعزة
وقال كعب أيضاً في أحد:
إنك عمر أبيك الكريم أن تسألي عنك من يجتدينا
فإن تسألي ثم لا تكذبي ... يخبرك من قد سألت اليقينا
بأنا ليالي ذات العظا ... م كنا ثمالاً لمن يعترينا
تلوذ البجود بأذرائنا ... من الضر في أزمات السنينا
بجدوى فضول أولى وجدنا ... وبالصبر والبذل في المعدمينا
وأبقت لنا جلمات الحرو ... ب ممن نوازي لدن أن برينا
معاطن تهوي إليها الحقو ... ق يحسبها من رآها الفتينا
تخيس فيها عتاق الجما ... ل صحماً دواجن حمراً وجونا
ودفاع رجل كموج الفرا ... ت يقدم جأواء جولاً طحونا
ترى لونها مثل لون النجو ... م رجراجة تبرق الناظرينا
فإن كنت عن شأننا جاهلاً ... فسل عنه ذا العلم ممن يلينا
بنا كيف نفعل إن قلصت ... عواناً ضروساً عضوضاً حجونا
ألسنا نشد عليها العصا ... ب حتى تدر وحتى تلينا
ويوم له وهج دائم ... شديد التهاول حامي الأرينا
طويل شديد أوار القتا ... ل تنفي قواحزه المقرفينا
تخال الكماة بأعراضه ... ثمالاً على لذة منزفينا
تعاور أيمانهم بينهم ... كئوس المنايا بحد الظبينا
شهدنا ككنا أولي بأسه ... وتحت العماية والمعلمينا
بخرس الحسيس حسان رواء ... وبصرية قد أجمن الجفونا
فما ينفللن وما ينحنين ... وما ينتهين إذا ما نهينا
كبرق الخريف بأيدي الكماة ... يفجعن بالظل هاماً سكونا
وعلمنا الضرب آباؤنا ... وسوف نعلم أيضاً بنينا
جلاد الكماة وبذل التلا ... د عن جل أحسابنا ما بقينا
إذا مر قرن كفى نسله ... وأورثه بعده آخرينا
نشب وتهلك آباؤنا ... وبينا نربي بنينا فنينا
سألت بك ابن الزبعري فلم ... أنبأك في القوم إلا هجينا
خبيثاً تطيف بك المنديات ... مقيماً على اللؤم حيناً فحينا
تبجست تهجو رسول المليك قاتلك الله جلفاً لعينا
بقول الخنا ثم ترمي به ... نقي الثياب تقياً أمينا

(1/275)


قال ابن هشام: أنشدني بيته: " بنا كيف نفعل " والبيت الذي يليه والبيت الثالث منه وصدر الرابع منه وقوله " نشب وتهلك آباؤنا " والبيت الذي يليه والبيت الثالث منه أبو زيد الأنصاري.
قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك أيضاً في يوم أحد:
سائل قريشاً غداة السفح من أحد ... ماذا لقينا وما لاقوا من الهرب
كنا الأسود وكانوا النمر إذ زحفوا ... ما إن نراقب من آل ولا نسب
فكم تركنا بها من سيد بطل ... حامي الذمار كريم الجد والحسب
فينا الرسول شهاب ثم يتبعه ... نور مضيء له فضل على الشهب
الحق منطقه والعدل سيرته ... فمن يجبه إليه ينج من تبب
نجد المقدم ماضي الهم معتزم ... حين القلوب على رجف من الرعب
يمضي ويذمرنا عن غير معصية ... كأنه البدر لم يطبع على الكذب
بدا لنا فاتبعناه نصدقه ... وكذبوه فكنا أسعد العرب
جالوا وجلنا فما فاءوا ... ونحن نثفنهم لم نأل في الطلب
ليسا سواء وشتى بين أمرهما ... حزب الإله وأهل الشرك والنصب
قال ابن هشام: أنشدني من قوله: " يمضي ويذمرنا " إلى آخرها أبو زيد الأنصاري.
قال ابن إسحاق: وقال عبد الله ابن رواحة يبكي حمزة بن عبد المطلب: قال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك:
بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يعني البكاء ولا العويل
على أسد الإله غداة قالوا ... أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعاً ... هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدت ... وأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك في جنان ... مخالطها نعيم لا يزول
ألا يا هاشم الأخيار صبراً ... فكل فعالكم حسن جميل
رسول الله مصطبر كريم ... بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغ عني لؤياً ... فبعد اليوم دائلة تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا ... وقائعنا بها يشفى الغليل
نسيتم ضربنا بقليب بدر ... غداة أتاكم الموت العجيل
غداة ثوى أبو جهل صريعاً ... عليه الطير حائمة تجول
وعتبة ابنه خرا جميعاً ... وشيبة عضه السيف الصقيل
ومتركنا أمية مجلعباً ... وفي حيزومه لدن نبيل
وهام بني ربيعة سائلوها ... ففي أسيافنا منها فلول
ألا يا هند فابكي لا تملي ... فأنت الواله العبري الهبول
ألا يا هند لا تبدي شماتاً ... بحمزة إن عزكم ذليل
قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك:
أبلغ قريشا على نأيها ... أتفخر منا بما لم تلي
فخرتم بقتلى أصابتهم ... فواضل من نعم المفضل
فحلوا جناناً وأبقوا لكم ... أسوداً تحامي عن الأشبل
تقاتل عن دينها وسطها ... نبي عن الحق لم ينكل
رمته معد بعور الكلام ... ونبل العداوة لا تأتلي
قال ابن هشام: أنشدني قوله: " لم تلي " وقوله: " من نعم " المفضل أبو زيد الأنصاري.
قال ابن إسحاق: وقال ضرار بن الخطاب في يوم أحد:
ما بال عينك قد أزرى بها السهد ... كأنما جال في أجفانها الرمد
أمن فراق حبيب كنت تألفه ... قد حال من دونه الأعداء والبعد
أم ذاك من شغب قوم لا جداء بهم ... إذ الحروب تلظت نارها تقد
ما ينتهون عن الغي الذي ركبوا ... وما لهم من لؤي ويحهم عضد
وقد نشدناهم بالله قاطبة ... فما تردهم الأرحام والنشد
حتى إذا ما أبوا إلا محاربة ... واستحصدت بيننا الأضعان والحقد

(1/276)


سرنا إليهم بجيش في جوانبه ... قوانس البيض والمحبوكة السرد
والجرد ترفل بالأبطال شازبة ... كأنها حدأ في سيرها تؤد
جيش يقودهم صخر ويرأسهم ... كأنه ليث غاب هاصر حرد
فأبرز الحين قوماً من منازلهم ... فكان منا ومنهم ملتقى أحد
فغودرت منهم قتلى مجدلة ... كالمعز أصرده بالصردح البرد
قتلى كرام بنو النجار وسطهم ... ومصعب من قنانا حوله قصد
وحمزة القرم مصروع تطيف به ... ثكلى وقد حز منه الأنف والكبد
كأنه حين يكبو في جديته ... تحت العجاج وفيه ثعلب جسد
حوار ناب وقد ولى صحابته ... كما تولى النعام الهارب الشرد
مجلحين ولا يلوون قد ملئوا ... رعباً فنجتهم العوصاء والكؤد
تبكي عليه نساء لا بعول لها ... من كل سالبة أثوابها قدد
وقد تركناهم للطير ملحمة ... وللضباع إلى أجسادهم تفد
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لضرار .
قال ابن إسحاق: وقال أبو زعنة بن عبد الله بن عمرو بن عتبة أخو بني جشم بن الخزرج يوم أحد:
أنا أبو زعنة يعدو بي الهزم ... لم تمنع المخزاة إلا بالألم
يحمي الذمار خزرجي من جشم
وقال ابن إسحاق: وقال علي بن أبي طالب - قال ابن هشام: قالها رجل من المسلمين يوم أحد غير علي فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالشعر ولم أر أحداً منهم يعرفها لعلي.
لا هم إن الحارث بن الصمه ... كان وفياً وبنا ذا ذمه
أقبل في مهامة مهمه ... كليلة ظلماء مدلهمه
بين سيوف ورماح جمه ... يبغي رسول الله فيما ثمه
قال ابن هشام: قوله: " كليلة " عن غير ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: وقال عكرمة بن أبي جهل في يوم أحد:
كلهم يزجره أرحب هلا ... ولن يروه اليوم إلا مقبلا
يحمل رمحاً ورئيساً جحفلا
وقال الأعشى بن زرارة بن النباش التميمي: قال ابن هشام: ثم أحد بني أسد بن عمرو بن تميم يبكي قتلى بني عبد الدار يوم أحد:
حيي من حي علي نأيهم ... بنو أبي طلحة لا تصرف
يمر ساقيهم عليهم بها ... وكل ساق لهم يعرف
لا جارهم يشكو ولا ضيفهم ... من دونه باب لهم يصرف
وقال عبد الله بن الزبعرى يوم أحد:
قتلنا ابن جحش فاغتبطنا بقتله ... وحمزة في فرسانه وابن قوقل
وأفلتنا منهم رجال فأسرعوا ... فليتهم عاجوا ولم نتعجل
أقاموا لنا حتى تعض سيوفنا ... سراتهم وكلنا غير عزل
وحتى يكون القتل فينا وفيهم ... ويلقوا صبوحاً شره غير منجلي
قال ابن هشام: وقوله: " وكلنا " قوله: " ويلقوا " صبوحاً عن غير ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي أخاها حمزة بن عبد المطلب:
أسائلة أصحاب أحد مخافة ... بنات أبي من أعجم وخبير
فقال الخبير إن حمزة قد ثوى ... وزير رسول الله خير وزير
دعاه إله الحق ذو العرش دعوة ... إلى جنة يحيا بها وسرور
فذلك ما كنا نرجي ونرتجي ... لحمزة يوم الحشر خير مصير
فوالله لا أنساك ما هبت الصبا ... بكاء وحزناً محضري ومسيري
على أسد الله الذي كان مدرها ... يذود عن الإسلام كل كفور
فيا ليت شلوى عند ذاك وأعظمي ... لدى أضبع تعتادني ونسور
أقول وقد أعلى النعي عشيرتي ... جزى الله خيراً من أخ ونصير
قال ابن هشام: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر قولها:
بكاء وحزناً محضري ومسيري
قال ابن إسحاق: وقالت نعم امرأة شماس بن عثمان تبكي شماساً وقد أصيب يوم أحد:
يا عين جودي بفيض غير إبساس ... على كريم من الفتيان إباس
صعب البديهة ميمون نقيبته ... حمال ألوية ركاب أفراس

(1/277)


أقول لما أتى الناعي له جزعاً ... أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي
وقلت لما خلت منه مجالسه ... لا يبعد الله عنا قرب شماس
فأجابها أخوها وهو أبو الحكم بن سعيد بن يربوع يعزيها فقال:
إقنى حياءك في ستر وفي كرم ... فإنما كان شماس من الناس
لا تقتلي النفس إذ حانت منيته ... في طاعة الله يوم الروع والباس
قد كان حمزة ليث الله فاصطبري ... فذاق يومئذ من كأس شماس
وقالت هند بنت عتبة حين انصرف المشركون عن أحد:
رجعت وفي نفسي بلابل جمة ... وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي
من أصحاب بدر من قريش وغيرهم ... بني هاشم منهم ومن أهل يثرب
ولكنني قد نلت شيئاً ولم يكن ... كما كنت أرجو في مسيري ومركبي
قال ابن هشام: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر قولها:
وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي
وبعضهم ينكرها لهند والله أعلم.
ذكر يوم الرجيع في سنة ثلاث
قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة.
قال ابن هشام: عضل والقارة من الهون بن خزيمة بن مدركة.
قال ابن هشام: ويقال الهون بضم الهاء.
قال ابن إسحاق: فقالوا يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم نفراً ستة من أصحابه وهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب وخالد بن البكير الليثي حليف بني عدي بن كعب وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس وخبيب بن عدي أخو بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد بن الدثنة بن معاوية أخو بني بياضة بن عمرو بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غصب بن جشم بن الخزرج وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي فخرج مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدأة غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلاً فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئاً من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم.
فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهداً ولا عقداً أبداً فقال عاصم بن ثابت:
ما علتي وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل
تزل عن صفحتها المعابل ... الموت حق والحياة باطل
وكل ما حم الإله نازل ... بالمرء والمرء إليه آئل
إن لم أقاتلكم فأمي هابل
قال ابن هشام: هابل: ثاكل.
وقال عاصم بن ثابت أيضاً:
أبو سليمان وريش المعقد ... وضالة مثل الجحيم الموقد
إذا النواجي افترشت لم أرعد ... ومجنأ من جلد ثور أجرد
ومؤمن بما على محمد
وقال عاصم بن ثابت أيضاً:
أبو سليمان ومثلي رامي ... وكان قومي معشراً كراما
وكان عاصم بن ثابت يكنى: أبا سليمان ثم قاتل القوم حتى قتل وقتل صاحباه.
فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فمنعه الدبر فلما حالت بينه وبينهم قالوا: دعوه يمسي فتذهب عنه فنأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصماً فذهب به وقد كان عاصم قد أعطى الله عهداً أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً تنجساً فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً في حياته فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته.

(1/278)


وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره رحمه الله بالظهران وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة: قال ابن هشام: فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة.
قال ابن إسحاق: فابتاع خبيباً حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل وكان أبو إهاب أخا الحارث بن عامر لأمه فقتله بأبيه.
قال ابن هشام: الحارث بن عامر خال أبي إهاب وأبو إهاب أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم ويقال: أحد بني عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم من بني تميم.
قال ابن إسحاق: وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف وبعث به صفوان بن أمية مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم وأخرجوه من الحرم ليقتلوه واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت في الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ثم قتله نسطاس يرحمه الله.
وأما خبيب بن عدي فحدثني عبد الله بن أبي نجيح أنه حدث عن ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب وكانت قد أسلمت قالت: كان خبيب عندي حبس في بيتي فلقد اطلعت عليه يوماً وإن في يده لقطفاً من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه وما أعلم في أرض الله عنباً يؤكل.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي نجيح جميعاً أنها قالت: قال لي حين حضره القتل: ابعثي إلي بحديدة أتطهر بها للقتل قالت: فأعطيت غلاماً من الحي الموسى فقلت: ادخل بها على هذا الرجل البيت قالت: فوالله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه فقلت: ماذا صنعت! أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام فيكون رجلاً برجل فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلي ثم خلى سبيله.
قال ابن هشام: ويقال: إن الغلام ابنها.
قال ابن إسحاق: قال عاصم: ثم خرجوا بخبيب حتى إذا جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا قالوا: دونك فاركع فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعاً من القتل لاستكثرت من الصلاة قال: فكان خبيب بن عدي أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين. قال: ثم رفعوه على خشبة فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا ثم قال: اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً ثم قتلوه رحمه الله.
فكان معاوية بن أبي سفيان يقول: حضرته يومئذ فيمن حضره مع أبي سفيان فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فرقاً من دعوة خبيب وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه.
قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عقبة بن الحارث قال سمعته يقول: ما أنا والله قتلت خبيباً لأني كنت أصغر من ذلك ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي على بعض الشام فكانت تصيبه غشية وهو بين ظهري القوم فذكر ذلك لعمر بن الخطاب وقيل: إن الرجل مصاب فسأله عمر في قدمة قدمها عليه فقال: يا سعيد ما هذا الذي يصيبك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قتل وسمعت دعوته فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس قط إلا غشي علي فزادته عند عمر خيراً.
قال ابن هشام: أقام خبيب في أيديهم حتى انقضت الأشهر الحرم ثم قتلوه.
قال: قال ابن إسحاق: وكان مما نزل من القرآن في تلك السرية كما حدثني مولى لآل زيد بن ثابت عن عكرمة مولى ابن عباس أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

(1/279)


قال: قال ابن عباس: لما أصيبت السرية التي كان فيها مرثد وعاصم بالرجيع قال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المفتونين الذي هلكوا هكذا لا هم قعدوا في أهليهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم فأنزل الله تعالى في ذلك من قول المنافقين وما أصاب أولئك النفر من الخير بالذي أصابهم فقال سبحانه " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا " أي لما يظهر من الإسلام بلسانه " ويشهد الله على ما في قلبه " وهو مخالف لما يقول بلسانه " وهو ألد الخصام " : أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك.
قال ابن هشام: الألد: الذي يشغب فتشتد خصومته وجمعه: لد وفي كتاب الله عز وجل " وتنذر به قوماً لداً " وقال المهلهل بن ربيعة التغلبي واسمه امرؤ القيس ويقال: عدي بن ربيعة:
إن تحت الأحجار حداً وليناً ... وخصيماً ألد ذا معلاق
ويروى " ذا مغلاق " فيما قال ابن هشام وهذا البيت في قصيدة له وهو الألندد.
قال الطرماح بن حكيم الطائي يصف الحرباء:
يوفي على جذم الجذول كأنه ... خصم أبر على الخصوم ألندد
وهذا البيت في قصيدة له.
قال ابن إسحاق: قال تعالى: " وإذا تولى " أي خرج من عندك " سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد " أي لا يحب عمله ولا يرضاه " وإذ قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد " : أي قد شروا أنفسهم من الله بالجهاد وفي سبيله والقيام بحقه حتى هلكوا على ذلك يعني تلك السرية.
قال ابن هشام: يشري نفسه: يبيع نفسه وشروا: باعوا قال يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري:
وشريت برداً ليتني ... من بعد برد كنت هامه
برد: غلام له باعه وهذا البيت في قصيدة له وشرى أيضاً: اشترى.
قال الشاعر:
فقلت لها لا تجزعي أم مالك ... على ابنيك إن عبد لئيم شراهما
قال ابن إسحاق: وكان مما قيل في ذلك من الشعر قول خبيب بن عدي حين بلغه أن القوم قد اجتمعوا لصلبه.
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له:
لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وكلهم مبدي العداوة جاهد ... علي لأني في وثاق بمصيع
وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي ... فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد خيروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إني لميت ... ولكن حذاري جحم نار ملفع
فوالله ما أرجو إذا مت مسلماً ... على أي جنب كان في الله مصرعي
فلست بمبد للعدو تخشعاً ... ولا جزعاً إني إلى الله مرجعي
وقال حسان بن ثابت يبكي خبيباً:
ما بال عينك لا ترقا مدامعها ... سحاً على الصدر مثل اللؤلؤ القلق
على خبيب فتى الفتيان قد علموا ... لا فشل حين تلقاه ولا نزق
فاذهب خبيب جزاك الله طيبة ... وجنة الخلد عند الحور في الرفق
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... حين الملائكة الأبرار في الأفق
فيم قتلتم شهيد الله في رجل ... طاغ قد أوعث في البلدان والرفق
قال ابن هشام: ويروى: الطرق وتركنا ما بقي منها لأنه أقذع فيها.
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضاً يبكي خبيباً:
يا عين جودي بدمع منك منسكب ... وابكي خبيباً مع الفتيان لم يؤب
صقراً توسط في الأنصار منصبه ... سمح السجية محضاً غير مؤتشب
قد هاج عيني على علات عبرتها ... إذ قيل نص إلى جذع من الخشب
يا أيها الراكب الغادي لطيته ... أبلغ لديك وعيداً ليس بالكذب
بني كهيبة أن الحرب قد لقحت ... محلوبها الصاب إذ تمري لمحتلب

(1/280)


فيها أسود بني النجار تقدمهم ... شهب الأسنة في معصوصب لجب
قال ابن هشام: وهذه القصيدة مثل التي قبلها وبعض أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسان وقد تركنا أشياء قالها حسان في أمر خبيب لما ذكرت.
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضاً:
لو كان في الدار قرم ماجد بطل ... ألوى من القوم صقر خاله أنس
إذن وجدت خبيباً مجلساً فسحاً ... ولم يشد عليك السجن والحرس
ولم تسقك إلى التنعيم زعنفة ... من القبائل منهم من نفت عدس
دلوك غدراً وهم فيها أولو خلف ... وأنت ضيم لها في الدار محتبس
قال ابن هشام: أنس: الأصم السلمي: خال مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وقوله: " من نفث عدس " يعني حجير بن أبي إهاب ويقال الأعشى بن زرارة بن النباش الأسدي وكان حليفاً لبني نوفل بن عبد مناف.
قال ابن إسحاق: وكان الذين أجلبوا على خبيب في قتله حين قتل من قريش: عكرمة بن أبي جهل وسعيد بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود والأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة وعبيدة بن حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي حليف بني أمية بن عبد شمس وأمية بن أبي عتبة وبنو الحضرمي.
وقال حسان أيضاً يهجو هذيلاً فيما صنعوا بخبيب بن عدي:
أبلغ بني عمرو بأن أخاهم ... شراه امرؤ قد كان للغدر لازما
شراه زهير بن الأغر وجامع ... وكانا جميعاً يركبان المحارما
أجرتم فلما أن أجرتم غدرتم ... وكنتم بأكناف الرجيع لهاذما
فليت خبيباً لم تخنه أمانة ... وليت خبيباً كان بالقوم عالما
قال ابن هشام: زهير بن الأغر وجامع: الهذليان اللذان باع خبيباً.
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضاً:
إن سرك الغدر صرفاً لا مزاج له ... فأت الرجيع فسل عن دار لحيان
قوم تواصوا بأكل الجار بينهم ... فالكلب والقرد والإنسان مثلان
لو ينطق التيس يوماً قام يخطبهم ... وكان ذا شرف فيهم وذا شان
قال ابن هشام: وأنشدني أبو زيد الأنصاري قوله:
لو ينطق التيس يوماً قال يخطبهم ... وكان ذا شرف فيهم وذا شان
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضاً يهجو هذيلاً:
سالت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلت هذيل بما سالت ولم تصب
سالوا رسولهم ما ليس معطيهم ... حتى الممات وكانوا سبة العرب
ولن ترى لهذيل داعياً أبداً ... يدعو لمكرمة عن منزل الحرب
لقد أرادوا خلال الفحش ويحهم ... وأن يحلوا حراماً كان في الكتب
وقال حسان بن ثابت أيضاً يهجو هذيلاً:
لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك ... أحاديث كانت في خبيب وعاصم
أحاديث لحيان صلوا بقبيحها ... ولحيان جرامون شر الجرائم
أناس هم من قومهم في صميمهم ... بمنزلة الزمعان دبر القوادم
هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت ... أمانتهم ذا عفة ومكارم
رسول رسول الله غدراً ولم تكن ... هذيل توقى منكرات المحارم
فسوف يرون النصر يوماً عليهم ... بقتل الذي تحميه دون الحرائم
أبابيل دبر شمس دون لحمه ... حمت لحم شهاد عظام الملاحم
لعل هذيلاً أن يروا بمصابه ... مصارع قتلى أو مقاماً لمأتم
ونوقع فيهم وقعة ذات صولة ... يوافي بها الركبان أهل المواسم
بأمر رسول الله إن رسوله ... رأى رأي ذي حزم بلحيان عالم
قبيلة ليس الوفاء يهمهم ... وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم
إذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم ... بمجرى مسيل الماء بين المخارم
محلهم دار البوار ورأيهم ... إذا نابهم أمر كرأي البهائم
وقال حسان بن ثابت يهجو هذيلاً:
لحى الله لحياناً فليست دماؤهم ... لنا من قتيلى غدرة بوفاء
همو قتلوا يوم الرجيع ابن حرة ... أخا ثقة في وده وصفاء

(1/281)


فلو قتلوا يوم الرجيع بأسرهم ... بذي الدبر ما كانوا له بكفاء
قتيل حمته الدبر بين بيوتهم ... لدى أهل كفر ظاهر وجفاء
فقد قتلت لحيان أكرم منهم ... وباعوا خبيباً ويلهم بلفاء
فأف للحيان على كل حالة ... على ذكرهم في الذكر كل عفاء
قبيلة باللؤم والغدر تغتري ... فلم تمس يخفى لؤمها بخفاء
فلو قتلوا لم توف منه دماؤهم ... بلى إن قتل القاتليه شفائي
فإلا أمت أذعر هذيلاً بغارة ... كغادي الجهام المغتدي بإفاء
بأمر رسول الله والأمر أمره ... يبيت للحيان الخنا بفناء
يصبح قوماً بالرجيع كأنهم ... جداء شتاء بتن غير دفاء
وقال حسان بن ثابت أيضاً يهجو هذيلاً:
فلا والله ما تدري هذيل ... أصاف ماء زمزم أم مشوب
ولا لهم إذا اعتمروا وحجوا ... من الحجرين والمسعى نصيب
ولكن الرجيع لهم محل ... به اللؤم المبين والعيوب
كأنهم لدى الكفات أصلاً ... تيوس بالحجاز لها نبيب
هم غروا بذمتهم خبيباً ... فبئس العهد عهدهم الكذوب
قال ابن هشام: آخرها بيتاً عن أبي زيد الأنصاري.
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكي خبيباً وأصحابه:
صلى الإله على الذين تتابعوا ... يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا
رأس السرية مرثد وأميرهم ... وابن البكير إمامهم وخبيب
وابن لطارق وابن دثنة منهم ... وافاه ثم حمامه المكتوب
والعاصم المقتول عند رجيعهم ... كسب المعالي إنه لكسوب
منع المقادة أن ينالوا ظهره ... حتى يجالد إنه لنجيب
قال ابن هشام: ويروى: حتى يجدل إنه لنجيب.
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان.
حديث بئر معونة في صفر سنة أربع
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة وولي تلك الحجة المشركون والمحرم ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد.
وكان من حديثهم كما حدثني أبي إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام وقال: يا محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل نجد قال أبو براء: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين منهم: الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق في رجال مسمين من خيار المسلمين فساروا حتى نزلوا ببئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم كلا البلدين منها قريب وهي إلى حرة بني سليم أقرب.
فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقداً وجواراً فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم من عصية ورعل وذكوان فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم يرحمهم الله إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيداً رحمه الله.
وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف.

(1/282)


قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح.
قال ابن إسحاق: فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا: والله إن لهذه الطير لشأناً فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو وما كنت لتخبرني عنه الرجال ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذوا عمرو بن أمية أسيراً فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه.
فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر.
قال ابن هشام: ثم من بني كلاب وذكر أبو عمرو المدني أنهما من بني سليم.
قال ابن إسحاق: حتى نزلا معه في ظل هو فيه وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد قتلت قتيلين لأدينهما! ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً فبلغ أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم بسببه وجواره وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة.
قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة عن أبيه: أن عمر بن الطفيل كان يقول من رجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض بني جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر قال وكان جبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر ثم أسلم قال فكان يقول: إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلاً منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول: فزت والله! فقلت في نفسي: ما فاز! ألست قد قتلت الرجل! قال: حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا: للشهادة فقلت: فاز لعمرو الله.
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يحرض بني براء على عامر بن الطفيل:
بني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... فما أحدثت في الحدثان بعدي
أبوك أبو الحروب أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد
قال ابن هشام: حكم بن سعد: من القين بن جسر وأم البنين: بنت عمرو بن ربيعة بن عامر بن صعصة وهي أم أبي براء.
قال ابن إسحاق: فحمل ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه فأشواه ووقع عن فرسه فقال: هذا عمل أبي براء إن أمت فدمي لعمي فلا يتبعن به وإن أعش فسأرى رأيي فيما أتى إلي.
وقال أنس بن عباس السلمي وكان خال طعيمة بن عدي بن نوفل وقتل يومئذ نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي:
تركت ابن ورقاء الخزاعي ثاوياً ... بمعترك تسفي عليه الأعاصر
ذكرت أبا الريان لما رأيته ... وأيقنت أني عند ذلك ثائر
وأبو الريان: طعيمة بن عدي.
وقال عبد الله بن رواحة يبكي نافع بن بديل بن ورقاء:
رحم الله نافع بن بديل ... رحمة المبتغي ثواب الجهاد
صابر صادق وفي إذا ما ... أكثر القوم قال قول السداد
وقال حسان بن ثابت يبكي قتلى بئر معونة ويخص المنذر بن عمرو:
على قتلي معونة فاستهلي ... بدمع العين سحاً غير نزر
على خيل الرسول غداة لاقوا ... مناياهم ولاقتهم بقدر
أصابهم الفناء بعقد قوم ... تخون عقد حبلهم بغدر
فيا لهفي لمنذر إذ تولى ... وأعنق في منيته بصبر
وكائن قد أصيب غداة ذاكم ... من أبيض ماجد من سر عمرو
قال ابن هشام: أنشدني آخرها بيتاً أبو زيد الأنصاري.

(1/283)