صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تاريخ اليعقوبي
المؤلف : اليعقوبي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وكتب إلى قيس بن سعد بن عبادة، وهو على آذربيجان: أما بعد، فأقبل على خراجك بالحق، وأحسن إلى جندك بالإنصاف، وعلم من قبلك مما علمك الله، ثم أن عبد الله بن شبيل الأحمسي سألني الكتاب إليك فيه بوصايتك به خيراً، فقد رأيته وادعاً متواضعاً، فألن حجابك وافتح بابك، واعمد إلى الحق، فإن وافق الحق ما يحبو أسره، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب.
قال غياث: ولما أجمع علي القتال لمعاوية كتب أيضاً إلى قيس: أما بعد، فاستعمل عبد الله بن شبيل الأحمسي خليفة لك، وأقبل إلي، فإن المسلمين قد أجمع ملؤهم وانقادت جماعتهم، فعجل الإقبال، فأنا سأحضرن إلى المحلين عند غرة الهلال، إن شاء الله، وما تأخري إلا لك، قضى الله لنا ولك بالإحسان في أمرنا كله.
وكتب إلى سهل بن حنيف، وهو على المدينة: أما بعد، فقد بلغني أن رجالاً من أهل المدينة خرجوا إلى معاوية، فمن أدركته فامنعه، ومن فاتك فلا تأس عليه، فبعدا لهم، فسوف يلقون غياً، أما لو بعثرت القبور، واجتمعت الخصوم، لقد بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وقد جاءني رسولك يسألني الإذن، فاقبل، عفا الله عنا وعنك، ولا تذر خللاً، إن شاء الله تعالى.
وكتب علي إلى عمر بن مسلمة الأرحبي: أما بعد، فإن دهاقين عملك شكوا غلظتك، ونظرت في أمرهم فما رأيت خيراً، فلتكن منزلتك بين منزلتين: جلباب لين بطرف من الشدة في غير ظلم ولا نقص، فإنهم أحيونا صاغرين، فخذ ما لك عندهم وهم صاغرون، ولا تتخذ من دون الله ولياً، فقد قال الله عز وجل: لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا، وقال جل وعز في أهل الكتاب: لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، وقال تبارك وتعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم، وقرعهم بخراجهم. وقابل في ورائهم وإياك ودماءهم والسلام.
وكتب إلى قرظة بن كعب الأنصاري: أما بعد، فإن رجالاً من أهل الذمة من عملك ذكروا نهراً في أرضهم قد عفا وأدفن، وفيه لهم عمارة على المسلمين، فانظر أنت وهم، ثم أعمر وأصلح النهر، فلعمري لأن يعمروا أحب إلينا من أن يخرجوا، وأن يعجزوا أو يقصروا في واجب من صلاح البلاد والسلام. وكتب إلى المنذر بن الجارود، وهو على إصطخر: أما بعد، فإن صلاح أبيك غرني منك، فإذا أنت لا تدع انقياداً لهواك أزرى ذلك بك. بلغني أنك تدع عملك كثيراً، وتخرج لاهيا بمنبرها، تطلب الصيد وتلعب بالكلاب، وأقسم لئن كان حقا لنثيبنك فعلك، وجاهل أهلك خير منك، فأقبل إلي حين تنظر في كتابي والسلام.
فأقبل فعزله وأغرمه ثلاثين ألفاً، ثم تركها لصعصعة بن صوحان بعد أن أحلفه عليها، فحلف، وذلك أن علياً دخل على صعصعة يعوده، فلما رآه علي قال: إنك ما علمت حسن المونة خفيق المئونة. فقال صعصعة: وأنت والله، يا أمير المؤمنين، عليم وأبة في صدرك عظيم. فقال له علي: لا تجعلها أبهة على قومك إن عادك أمامك. قال: لا، يا أمير المؤمنين، ولكنه من من الله على أن عادني أهل البيت وابن عم رسول رب العالمين. قال غياث فقال له صعصعة: يا أمير المؤمنين! هذه ابنة الجارود تعصر عينيها كل يوم لحبسك أخاها المنذر، فأخرجه، وأنا أضمن ما عليه في أعطيات ربيعة. فقال له علي: ولم تضمنها، وزعم لنا أنه لم يأخذها، فليحلف ونخرجه. فقال له صعصعة: أراه والله سيحلف. قال: وأنا والله أظن ذلك. وقال علي: أما إنه نظار في عطفيه، مختال في برديه، نقال في شراكيه، فليحلف بعد، أو ليدع فحلف فخلى سبيله.
وكتب إلى زياد وكان عامله على فارس: أما بعد، فإن رسولي أخبرني بعجب زعم أنك قلت له فيما بينك وبينه: إن الأكراد هاجت بك، فكسرت عليك كثيراً من الخراج، وقلت له: لا تعلم بذلك أمير المؤمنين. يا زياد! وأقسم بالله إنك لكاذب، ولئن لم تبعث بخراجك لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، إلا أن تكون لما كسرت من الخراج محتملاً.
وكتب إلى كعب بن مالك: أما بعد، فاستخلف على عملك، واخرج في طائفة من أصحابك حتى تمر بأرض كورة السواد فتسأل عن عمالي وتنظر في سيرتهم فيما بين دجلة والعذيب، ثم ارجع إلى البهقباذات فتول معونتها، واعمل بطاعة الله فيما ولاك منها، واعلم أن كل عمل ابن آدم محفوظ عليه مجزي به، فاصنع خيراً صنع الله بنا وبك خيراً، وأعلمني الصدق فيما صنعت، والسلام.

(1/189)


قال: وقدم على علي أبو مريم القرشي المكي، كان صديقا له، فلما رآه قال: ما أقدمك يا أبا مريم؟ قال: والله ما جئت في حاجة، ولكن عهدي بك قديم، فأحببت أن أراك، ولو اجتمع أهل الأرض عليك لأقمتم على الطريق. فقال: يا أبا مريم، والله إني لصاحبك الذي تعلم، ولكن منيت بشرار خلق الله إلا من رحم الله، يدعونني فأبى عليهم ثم أجيبهم، فيتفرقون عني، والدنيا محنة الصالحين، جعلنا الله وإياك منهم، ولو لا ما سمعت من حبيبي أنه يقول لضاق ذرعي غير هذا الضيق، سمعته يقول: الجهد والبلاء أسرع إلى من أحب الله وأحبني من السيل إلى مجاريه. وكتب أبو الأسود الدئلي، وكان خليفة عبد الله بن عباس بالبصرة، إلى علي يعلمه أن عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم، فكتب إليه يأمره بردها، فامتنع، فكتب يقسم له بالله لتردنها، فلما ردها عبد الله بن عباس، أو رد أكثرها، كتب إليه علي: أما بعد، فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً، واجعل همك لما بعد الموت، والسلام. فكان ابن عباس يقول: ما اتعظت بكلام قط اتعاظي بكلام أمير المؤمنين.
وقال كميل بن زياد: وأخذ بيدي علي، فأخرجني إلى ناحية الجبانة، فلما أصحر تنفس الصعداء ثلاثا، ثم قال: يا كميل، إن القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. يا كميل! العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثلتهم في القلوب موجودة، ها إن هاهنا، وأشار إلى صدره، لعلما جما لو أصبت له حملة اللهم إلا أن أصيب لقنا غير مأفون يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا ويستظهر بحجج الله على أوليائه وبنعمه على خلقه، أو منقاداً لحملة الحق لا بصيرة في إحيائه، يقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً باللذة، سلس القيادة للشهوة، أو مغرماً بالجمع والادخار، ليسوا من رعاة الدين في شيء، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة، اللهم كلا! لا تخلو الأرض من قائم بحق إما ظاهر مشهور، وإما خائب مغمور، لئلا يبطل حجج الله عز وجل وبيناته أولئك الأقلون عددا، والأعظمون خطراً، هجم بهم العلم، حتى حقائق الأمور، وباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوعر المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، يا كميل أولئك أولياء الله من خلقه والدعاة إلى دينه، بهم يحفظ الله حججه، حتى يودعوها أمثالهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هاه شوقاً إلى رؤيتهم. وقال: لو أن حملة العلم حملوه لحقه لأحبهم الله وملائكته وأهل طاعته من خلقه، ولكنهم حملوه لطلب الدنيا، فمنعهم الله، وهانوا على الناس. وقال: قيمة كل امرئ ما يحسن.
وقال: أيها الناس لا ترجوا إلا ربكم، ولا تخشوا إلا ذنوبكم، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي من يعلم أن يعلم، واعلموا أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
وقال: من كان يريد العز بلا عشيرة، والنسل بلا كثرة، والغناء بلا مال، فليتحول من ذل المعصية إلى عز الطاعة. وقال: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مغرور بالستر عليه، وكم من مفتون بحسن القول فيه. وما ابتلي أحد بمثل الإملاء له، ألم تسمع قول الله عز وجل: " إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً " . وقال: من اشتاق إلى الجنة تسلى عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات.
وخطب فتلا قول الله عز وجل: " إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين " . ثم قال: إن هذا الأمر ينزل من السماء كقطر المطر إلى كل نفس بما كتب الله لها من نقصان في نفس أو أهل أو مال، فمن أصابه نقص في أهله وماله، ورأى عند أخيه عفوه، فلا يكونن ذلك عليه فتنة، فإن المرء المسلم ما لم يأت دنياه يخشع لها وتذله، إذا

(1/190)


ذكرت تغرى به ليألم. الناس كالياسر ألفاًلح الذي ينتظر أول فوزه من قداحه يوجب له المغنم، ويدفع عنه المغرم، كذلك المرء البريء من الخيانة والكذب يترقب كل يوم وليلة إحدى الحسنيين: إما داعي الله فما عند الله خير له، وإما فتحا من الله، فإذا هو ذو أهل ومال، ومعه حسبه ودينه. المال والبنون حزب الدنيا، والعمل الصالح حزب الآخرة، وقد يجمعهم الله لأقوام.
وقال: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، كان ممن حرمت غيبته، وكملت مروته، وظهر عدله، ووجب وصله.
وخرج يوماً فقال: يا طالب العلم! إن للعالم ثلاث علامات: العلم بالله، وبما يحب الله، وبما يكره الله: وللعامل ثلاث علامات: الصلاة، والزكاة، والورع. وللمتكلف من الرجال ثلاث علامات: ينازع من هو فوقه، ويقول بما لا يعلم، ويتعاطى ما لا ينال. وللظالم ثلاث علامات يظلم من هو فوقه بالمعصية، ومن هو دونه بالغلبة، ويظاهر الظلمة والإثم. وللمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان من يراه، ويحب أن يحمد في جميع أموره. وللحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب، ويتقرب إذا شهد، ويشمت بالمصيبة. وللمنافق ثلاث علامات: يخالف لسانه قلبه، وقوله فعله، وعلانيته سريرته. وللمسرف ثلاث علامات: يأكل ما ليس له، ويشرب ما ليس له، ويلبس ما ليس له. وللكسلان من الرجال ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط، ويفرط حتى يضيع، ويضيع حتى يأثم. وإنما هلك الذين قبلكم بالتكلف، فلا يتكلف رجل منكم أن يتكلم في دين الله بما لا يعرف، فإن الله عز وجل يعذر على الخطإ إن أجهدت رأيك.
وقال لعمر بن الخطاب: ثلاث إن حفظتهن وعملت بهن كفيتك ما سواهن، وإن تركتهن، فلا ينفعك شيء سواهن. قال: وما هن؟ فقال: الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب الله في الرضا والسخط، والقسم بالعدل بين الأحمر والأسود. فقال له عمر: أبلغت وأوجزت.
وسمع رجلاً يذم الدنيا، فقال: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مسجد أحباء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة فربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها، وقد أذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها، مثلت ببلاها البلا، وشوقت بسرورها السرور، راحت بفجيعة، وأبكرت بعافية ترغيباً وترهيباً وتحذيراً وتخويفاً، ذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا، وحدثتهم فصدقوا، فيا ذام الدنيا، المغتر بغرورها! متى استذمت إليك بل متى غرتك؟ أبمضاجع آبائك من البلى، أو بمنازل أمهاتك من الثرى؟ كم مرضت بيديك، وعللت بكفيك، من تبتغي له الشفاء وتستوصف له الأطباء، فلم ينفعه تطبيبك ولم يستعف له بعافيتك، مثلت به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك، غداة لا يغني عنك بكاؤك ولا ينفعك أحباؤك.
وخطب فقال: إن من أخوف ما أخاف عليكم خصلتين: اتباع الهوى، وطول الأمل. فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، له قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا، إن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي وجمالي وبهائي وعلوي وارتفاعي في مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت همه في الآخرة وغناءه في قلبه، وضمنت السموات والأرض رزقه، وأتته الدنيا وهي راغمة.
وقال: حصر بالبلاء من عرف الناس، ومن جهلهم عاش معهم. وقال: يأتي على الناس زمان لا يعز فيه إلا الماحل، ولا يستظرف إلا الفاجر، ولا يضعف إلا المنصف، يتخذون الفيء مغنماً، والصدقة مغرماً، والعبادة استطالة على الناس، وصلة الرحم منا، والعلم متجراً، فعند ذلك يكون سلطان النساء ومشورة الإماء وإمارة الصبيان.
وقال: لا تصلح الناس إمارة يعمل فيها المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ فيها الكتاب الأجل. وغزا فقال لرجل: لئن جزعت إن الرحم ليستحق ذاك، وإن صبرت كأني بها مأجوراً، وإلا صبرت كارهاً مأزوراً. وقيل لعلي: كم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مظلوم. وقيل له: كم مسافة الدنيا؟ فقال: مسير الشمس يوماً إلى الليل. وقال يوم الجمل: الموت طالب حثيث لا يعجزه المقيم، ولا يفوته الهارب، أقدموا ولا تنكلوا ليس عن الموت محيص، إنكم إن لم تقتلوا تموتوا، وإن أشرف الموت القتل، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش.

(1/191)


وقال له رجل: أوصني. فقال: أوصيك بتقوى الله، واجتناب الغضب، وترك الأماني، وأن تحافظ على ساعتين من النهار: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومن العصر إلى غروبها، ولا تفرح بما علمت، ولكن بما عملت فيها.
وأتي برجل جنى جناية، فرأى ناسا يعدون خلفه، فقال: لا مرحباً بوجوه لا ترى إلا عند كل سوء. وقال له الحارث بن حوط الراني: أظن طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا على باطل، فقال: يا حارث! إنه ملبوس عليك، وإن الحق والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه.
ورأى رجلاً يسأله عشية عرفة، فقال: ويحك تسأل في هذا اليوم غير الله! وروي عنه أنه قال: يا معشر الفتيان حصنوا أعراضكم بالأدب ودينكم بالعلم. وكان إذا انصرف من صلاته أقبل على الناس بوجهه فقال: كونوا مصابيح الهدى، ولا تكونوا أعلام ضلالة، واكرهوا المزاح بما يسخط الله، وليهن عليكم الذم فيما يرضى الله، علموا الناس الخير بعبر ألسنتكم، وكونوا دعاة لهم بفعلكم، والزموا الصدق والورع.
وقال: الصمت حلم، والسكوت سلامة، والكتمان سعادة. واجتمع عنده جماعة فتذاكروا المعروف، فقال: المعروف كنز من أفضل الكنوز، وزرع من أزكى الزروع، فلا يزهدنكم في المعروف كفر من كفره وجحد من جحده، فإن من يشكرك عليه ممن لم يصل إليه منه شيء أعظم مما ناله أهل منه، فلا تلتمس من غيرك ما أسديت إلى نفسك، إن المعروف لا يتم إلا بثلاث خصال: تصغيره، وستره، وتعجيله، فإذا صغرته فقد عظمته، وإذا سترته فقد أتممته، وإذا عجلته فقد هنأته.
وقدم عليه قوم من أهل الغرب فقال لهم: أ فيكم من قد شهر نفسه حتى لا يعرف إلا به؟ فقالوا: نعم! قال: وفيكم قوم بين ذلك يتصونون من السيئات ويعملون الحسنات؟ قالوا: نعم! قال أولئك خير أمه محمد، أولئك النمرقة الوسطى، بهم يرجع الغالي، وبهم يلحق المقصر.
وروي عنه أنه قال: ألهم البهائم كل شيء إلا أربع خصال: أن الله عز وجل خالقها ورازقها... وإتيان الذكر الأنثى، والفرار من الموت، وطلب الرزق.
وقال: ستة لا يسلم عليهم: اليهودي، والنصراني والمجوسي، والشاعر يقذف المحصنات، وقوم يتفكهون بسب الأمهات، وقوم على مائدة يشرب عليها الخمر.
وقال: الأئمة من قريش خيارهم على خيارهم، وشرارهم على شرارهم. وقضى على رجل بقضية فقال: يا أمير المؤمنين! قضيت علي بقضية هلك فيها مالي، وضاع فيها عيالي! فغضب حتى استبان الغضب في وجهه، ثم قال: يا قنبر! ناد في الناس الصلاة جامعة. فاجتمع الناس ورقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فذمتي رهينة، وأنا به زعيم، بجميع من صرحت له العبر إلا يهيج على التقوى زرع قوم، ولا يظمأ على التقوى سنخ أصل، وإن الخير كله فيمن عرف قدره، وكفى بالمرء جهلاً ألا يعرف قدره، إن من أبغض خلق الله إلى الله العبد وكله إلى نفسه جائراً عن قصد السبيل، مشغوفاً بكلام بدعة، قد قمس في أشباهه من الناس

(1/192)


عشواء، غارا بأغباش الفتنة قد لهج فيها بالصوم والصلاة، فهو فتنة على من تبعه، قد سماه أشباه الناس عالما، ولم يغن فيه يوماً، سالما بكر، فاستكثر مما قل منه، فهو خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن، وأكثر من غير طائل، جلس بين الناس قاضياً، ضامناً بتخليص ما التبس على غيره، إن قايس شيئاً بشيء لم يكذب نفسه، وإن التبس عليه شيء كتمه من نفسه لكيلا يقال لا يعلم، ولا مليء والله بإصدار ما ورد عليه، ولا هو أهل بما قرظ به من حسن، مفتاح عشوات، خباط جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعرض في العلم ببصيرة، يذرو الروايات ذرو الريح الهشيم، تصرخ منه الدماء، وتبكي منه المواريث، ويستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بمرضاته الفرج الحلال، فأين يتاه بكم، بل أين تذهبون عن أهل بيت نبيكم؟ أنا من سنخ أصلاب أصحاب السفينة، وكما نجا في هاتيك من نجا ينجو في هذه من ينجو، ويل رهين لمن تخلف عنهم، إني فيكم كالكهف لأهل الكهف، وإني فيكم باب حطة من دخل منه نجا، ومن تخلف عنه هلك، حجة من ذي الحجة في حجة الوداع، إني قد تركت بين أظهركم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وحكم بأحكام عجيبة، حتى أنه حرق قوما، ودخن على آخرين، وقطع بعض أصابع اليد في السرقة، وهدم حائطا على اثنين وجدهما على فسق، وكان يقول: استتروا ببيوتكم، والتوبة وراءكم، من أبدى صفحته للحق هلك، إن الله أدب هذه الأمة بالسوط والسيف، وليس لأحد عند الإمام هوادة.
وقدم عبد الرحمن بن ملجم المرادي الكوفة لعشر بقين من شعبان سنة أربعين، فلما بلغ علياً قدومه قال: وقد وافى؟ أما إنه ما بقي على غيره، هذا أو إنه، فنزل على الأشعث بن قيس الكندي، فأقام عنده شهراً يستحد سيفه، وكانوا ثلاثة نفر توجهوا، فواحد منهم إلى معاوية بالشام، وآخر إلى عمرو بن العاص بمصر، والآخر إلى علي، وهو ابن ملجم، فأما صاحب معاوية فضربه، فوقعت الضربة على أليته، وبادر فدخل داره، وأما صاحب عمرو بن العاص فإنه ضرب خارجة بن حذافة خليفة عمرو في الصبح، وكان عمرو تخلف لعلة، فقال الخارجي: أردت عمرا وأراد الله خارجة، وأما عبد الرحمن بن ملجم، فإنه وقف له عند المسجد، وخرج علي في الغلس، فتبعه إوز كن في الدار، فتعلقن بثوبه، فقال: صوائح تتبعها نوائح، وأدخل رأسه من باب خوخة المسجد، وضربه على رأسه، فسقط، وصاح: خذوه! فابتدره الناس، فجعل لا يقرب منه أحد إلا نفحة بسيفه، فبادر إليه قثم بن العباس، فاحتمله وضرب به الأرض، فصاح: يا علي نح عني كلبك، وأتي به إلى علي، فقال: ابن ملجم؟ قال: نعم! فقال: يا حسن شأنك بخصمك، فأشبع بطنه، واشدد وثاقه، فإن مت فألحقه بي أخاصمه عند ربي، وإن عشت فعفو أو قصاص. وأقام يومين ومات ليلة الجمعة أول ليلة من العشر الأواخر من شهر رمضان سنة أربعين، ومن شهور العجم في كانون الآخر، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وغسله الحسن ابنه بيده، وصلى عليه وكبر عليه سبعا، وقال: أما إنه لا يكبر على أحد بعده، ودفن بالكوفة في موضع يقال له الغري، وكانت خلافته أربع سنين وعشرة أشهر.
وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكرا: الحسن، والحسين، ومحسن، مات صغيرا، أمهم فاطمة بنت رسول الله، ومحمد الأكبر، أمه خولة بنت جعفر الحنفية، وعبيد الله، وأبو بكر، لا عقب لهما، أمهما ليلى بنت مسعود الحنظلية من بني تميم، والعباس وجعفر قتلا بالطف، وعثمان وعبد الله، أمهم أم البنين بنت حرام الكلابية، وعمرو، أمه أم حبيب بنت ربيعة البكرية، ومحمد الأصغر، لا عقب له، أمه أمامة بنت أبي العاص، وعثمان الأصغر ويحيى وأمهما أسماء بنت عميس الخثعمية، وكان له من البنات ثماني عشرة ابنة، منهن من فاطمة ثلاث، والباقيات لعدة نسوة، وأمهات أولاد شتى، وكان على شرطة معقل بن قيس الرياحي، وحاجبه قنبر مولاه.

(1/193)


ولما مات قام الحسن خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي، ثم قال: ألا إنه قد مضى في هذه الليلة رجل لم يدركه الأولون، ولن يرى مثله الآخرون، من كان يقاتل وجبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، والله لقد توفي في الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران، ورفع فيها عيسى بن مريم، وأنزل القرآن، ألا وإنه ما خلف صفراً ولا بيضاً إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله. فقام القعقاع بن زرارة على قبره، فقال: رضوان الله عليك، يا أمير المؤمنين، فو الله لقد كانت حياتك مفتاح خير، ولو أن الناس قبلوك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكنهم غمطوا النعمة، وآثروا الدنيا على الآخرة.
وأقام الحج للناس في خلافته في سنة ستة وثلاثون عبد الله بن العباس، وفي سنة سبع وثلاثون قثم بن العباس، وقيل عبد الله بن العباس، وفي سنة ثمان وثلاثون عبيد الله بن العباس، وفي سنة تسع وثلاثون شيبة بن عثمان. وكان أصحاب علي الذين يحملون عنه العلم: الحارث الأعور، أبو الطفيل عامر بن واثلة، حبة العرني، رشيد الهجري، حويزة بن مسهر، الأصبغ بن نباتة، ميثم التمار، الحسن بن علي.
خلافة الحسن بن علي
واجتمع الناس، فبايعوا الحسن بن علي، وخرج الحسن بن علي إلى المسجد الجامع، فخطب خطبة له طويلة، ودعا بعبد الرحمن بن ملجم فقال: عبد الرحمن! ما الذي أمرك به أبوك؟ قال: أمرني ألا أقتل غير قاتله، وأن أشبع بطنك، وأنعم وطاءك، فإن عاش اقتص أو أعفو، وإن مات ألحقتك به. فقال ابن ملجم: إن كان أبوك ليقول الحق ويقضي به في حال الغضب والرضا، فضربه الحسن بالسيف فالتقاه بيده فندرت، وقتله.
وأقام الحسن بن علي بعد أبيه شهرين، وقيل أربعة أشهر، ووجه بعبيد الله ابن العباس في اثني عشر ألفاً لقتال معاوية، ومعه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأمر عبيد الله أن يعمل بأمر قيس بن سعد ورأيه، فسار إلى ناحية الجزيرة، وأقبل معاوية لما انتهى إليه الخبر بقتل علي، فسار إلى الموصل بعد قتل علي بثمانية عشر يوماً، والتقى العسكران، فوجه معاوية إلى قيس بن سعد يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه، فأرسل إليه بالمال، وقال له: تخدعني عن ديني! فيقال: إنه أرسل إلى عبيد الله بن عباس وجعل له ألف ألف درهم، فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس على محاربته.
وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن من يتحدث أن قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ويوجه إلى عسكر قيس من يتحدث أن الحسن قد صالح معاوية، وأجابه.
ووجه معاوية إلى الحسن المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمن بن أم الحكم، وأتوه، وهو بالمدائن نازل في مضاربه، ثم خرجوا من عنده، وهم يقولون ويسمعون الناس: إن الله قد حقن بابن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدماء، وسكن به الفتنة وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر ولم يشكك الناس في صدقهم، فوثبوا بالحسن فانتهبوا مضاربه وما فيها، فركب الحسن فرسا له ومضى في مظلم ساباط، وقد كمن الجراح بن سنان الأسدي، فجرحه بمعول في فخذه، وقبض على لحية الجراح ثم لواها فدق عنقه.
وحمل الحسن إلى المدائن وقد نزف نزفا شديدا، واشتدت به العلة، فافترق عنه الناس، وقدم معاوية العراق، فغلب على الأمر، والحسن عليل شديد العلة، فلما رأى الحسن أن لا قوة به، وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له، صالح معاوية، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس! إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم باخرنا، وقد سالمت معاوية، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
أيام معاوية بن أبي سفيان
وملك معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وبويع بالكوفة في ذي القعدة سنة أربعين، وكانت الشمس في الحمل درجتين، والقمر في الثور خمس عشرة درجة، وزحل في العقرب تسعاً وعشرين درجة، والمشتري في الثور تسعاً وعشرين درجة وخمسين دقيقة، والمريخ في الثور ست عشرة درجة، والزهرة في الثور أربع درجات، وعطارد في الحوت ست عشرة درجة. وقدم الكوفة فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد ذلكم، فإنه لم تختلف أمه بعد نبيها إلا غلب باطلها حقها، إلا ما كان من هذه الأمة، فإن حقها غلب باطلها. ثم نزل.

(1/194)


وأحضر الناس لبيعته، وكان الرجل يحضر فيقول: والله يا معاوية! إني لأبايعك، وإني لكاره لك، فيقول: بايع، فإن الله قد جعل في المكروه خيراً كثيراً، ويأبى الآخر فيقول: أعوذ بالله من شر نفسك! وأتاه قيس بن سعد بن عبادة فقال: بايع قيس! قال: إن كنت لأكره مثل هذا اليوم، يا معاوية. فقال له: مه، رحمك الله! فقال: لقد حرصت أن أفرق بين روحك وجسدك قبل ذلك، فأبى الله، يا ابن أبي سفيان، إلا ما أحب.
قال: فلا يرد أمر الله. قال: فأقبل قيس على الناس بوجهه، فقال: يا معشر الناس! لقد اعتضتم الشر من الخير، واستبدلتم الذل من العز، والكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وابن عم رسول رب العالمين، وقد وليكم الطليق ابن الطليق يسومكم الخسف، ويسير فيكم بالعسف، فكيف نجهل ذلك أنفسكم، أم طبع الله على قلوبكم، وأنتم لا تعقلون؟ فجثا معاوية على ركبتيه ثم أخذ بيده وقال: أقسمت عليك! ثم صفق على كفه، ونادى الناس: بايع قيس! فقال، كذبتم، والله، ما بايعت، ولم يبايع لمعاوية أحد إلا أخذ عليه الأيمان، فكان أول من استحلف على بيعته، ودخل إليه سعد بن مالك فقال: السلام عليك أيها الملك. فغضب معاوية فقال: أ لا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك إن كنا أمرناك إنما أنت منتز.
وخرج فروة بن نوفل الأشجعي سنة أربعين، وكان معتزلا بشهرزور في جماعة من الخوارج، فلما بلغه قتل علي وغلبة معاوية أقبل في ألف وخمسمائة حتى صار بالنخيلة، فوجه إليه معاوية خيلا، فكشفهم، فأخذ معاوية أهل الكوفة بالخروج إليهم، فخرجوا خوفا منه، فلما لقوهم قال لهم فروة بن نوفل: دعونا فإن معاوية عدونا وعدوكم، فقاتلهم أهل الكوفة أشد قتال، حتى قتل فروة، وأفرخ روع معاوية.
ورجع معاوية إلى الشام سنة أحدى وأربعون، وبلغه أن طاغية الروم قد زحف في جموع كثيرة وخلق عظيم، فخاف أن يشغله عما يحتاج إلى تدبيره وإحكامه، فوجه إليه، فصالحه على مائة ألف دينار.
وكان معاوية أول من صالح الروم. وكان صلحه إياهم في أول سنة اثنتن وأربعون، فلما استقام الأمر لمعاوية أغزى أمراء الشام على الصوائف، فسبوا في بلاد الروم سنة بعد سنة، وقد ذكرنا أسماءهم في موضع الصوائف. وطلب صاحب الروم الصلح على أن يضعف المال، فلم يجبه. وولي عبد الله بن عامر بن كريز البصرة، فلما قدمها وجه عبد الرحمن ابن سمرة إلى خراسان، فغزا بلخ وكابل، ومعه عبد الله بن خازم السلمي، فافتتح بلخ بعد حرب شديدة، وصار إلى كابل، فأقام عليها ليالي، ثم أتاه بواب باب المدينة، فجعل له شيئاً حتى فتح الباب، وكانت الحرب في المدينة، ثم طلبوا الصلح، فصالحهم ابن سمرة، وانصرف وخلف ابن خازم بخراسان. وولى معاوية عبد الله بن دراج مولاه خراج العراق، وكتب إليه: احمل إلي من مالها ما أستعين به! فكتب إليه ابن دراج يعلمه أن الدهاقين أعلموه أنه كان لكسرى وآل كسرى صوافي يجتبون مالها لأنفسهم ولا تجري مجرى الخراج. فكتب إليه: أن أحص تلك الصوافي واستصفها، واضرب عليها المسنيات. فجمع الدهاقين، فسألهم، فقالوا: الديوان بحلوان. فبعث فأتي به، فاستخرج منه كل ما كان لكسرى وآل كسرى، وضرب عليه المسنيات، واستصفاه لمعاوية، فبلغت جبايته خمسين ألف ألف درهم من أرض الكوفة وسوادها.
وكتب إلى عبد الرحمن بن أبي بكرة بمثل ذلك في أرض البصرة، وأمرهم أن يحملوا إليه هدايا النيروز والمهرجان، فكان يحمل إليه في النيروز وغيره وفي المهرجان عشرة آلاف ألف.
وكان زياد بن عبيد عامل علي بن أبي طالب على فارس، فلما صار الأمر إلى معاوية كتب إليه يتوعده ويتهدده فقام زياد خطيباً فقال: إن ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق وبقية الأحزاب كتب يتوعدني ويتهددني، وبيني وبينه ابنا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعين ألفاً واضعي قبائع سيوفهم تحت أذقانهم لا يلتفت أحدهم حتى يموت، أما والله لئن وصل إلي ليجدنى

(1/195)


أحمز، ضرابا بالسيف. فوجه معاوية إليه المغيرة بن شعبة، فأقدمه ثم ادعاه، وألحقه بأبي سفيان، وولاه البصرة، وأحضر زياد شهودا أربعة، فشهد أحدهم أن علي بن أبي طالب أعلمه انهم كانوا جلوساً عند عمر بن الخطاب حين أتاه زياد برسالة أبي موسى الأشعري، فتكلم زياد بكلام أعجبه، فقال: أكنت قائلا للناس هذا على المنبر؟ قال: هم أهون علي منك، يا أمير المؤمنين، فقال أبو سفيان: والله لهو ابني، ولأنا وضعته في رحم أمه. قلت: فما يمنعك من ادعائه؟ قال: مخافة هذا العير الناهق.
وتقدم آخر فشهد على هذه الشهادة. قال زياد الهمداني: لما سأله زياد كيف قولك في علي؟ قال: مثل قولك حين ولاك فارس، وشهد لك أنك ابن أبي سفيان.
وتقدم أبو مريم السلولي فقال: ما أدري ما شهادة علي، ولكني كنت خماراً بالطائف، فمر بي أبو سفيان منصرفا من سفر له، فطعم وشرب، ثم قال: يا أبا مريم طالت الغربة، فهل من بغي؟ فقلت: ما أجد لك إلا أمه بني عجلان قال: فأتني بها على ما كان من طول ثدييها ونتن رفغها، فأتيته بها، فوقع عليها، ثم رجع إلي فقال لي: يا أبا مريم! لاستلت ماء ظهري استلالاً تثيب ابن الحبل في عينها. فقال له زياد: إنما أتينا بك شاهداً، ولم نأت بك شاتماً. قال: أقول الحق على ما كان، فأنفذ معاوية... قال ما قد بلغكم وشهد بما سمعتم، فإن كان ما قالوا حقا، فالحمد لله الذي حفظ مني ما ضيع الناس، ورفع مني ما وضعوا، وإن كان باطلاً، فمعاوية والشهود أعلم. وما كان عبيد إلا ولداً مبروراً مشكوراً. ونزل وولي المغيرة ابن شعبة الكوفة في جمادى... سنة اثنان وأربعون فأقام عليها حينا، ثم بدا له وولى عبد الله بن عامر بن كريز الكوفة، فلما بلغ أهل الكوفة الخبر خرج كثير من الناس إلى عبد الله بن عامر، فجعل المغيرة لا يسأل عن أحد إلا قيل له قد خرج إلى عبد الله بن عامر، حتى سأل عن كاتبه، فقيل له: قد لحق بعبد الله، فقال: يا غلام شد رحلي وقدم بغلي، فخرج حتى أتى دمشق، فدخل على معاوية، فلما رآه قال: ما أقدمك يا مغيرة، تركت العمل، وأخللت بالمصر وأهل العراق وهم أسرع شيء إلى الفتن؟ قال: يا أمير المؤمنين كبرت سني، وضعفت قوتي، وعجزت عن العمل، وقد بلغت من الدنيا حاجتي، والله ما آسى على شيء منها إلا على شيء واحد قدرت به قضاء حقك، ووددت أنه لا يفوتني أجلي وإن الله أحسن عليه معونتي. قال: وما هو؟ قال: كنت دعوت أشراف الكوفة إلى البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين بولاية العهد بعد أمير المؤمنين، فأجابوا إلى ذلك، ووجدتهم سراعا نحوه، فكرهت أن أحدث أمرا دون رأي أمير المؤمنين، فقدمت لأشافهه بذلك، وأستعفيه من العمل. فقال: سبحان الله يا أبا عبد الرحمن! إنما يزيد ابن أخيك، ومثلك إذا شرع في أمر لم يدعه حتى يحكمه، فنشدتك الله إلا رجعت فتممت هذا. فخرج من عنده، فلقي كاتبه، فقال: ارجع بنا إلى الكوفة، فو الله لقد وضعت رجل معاوية في غرز لا يخرجها منه إلا سفك الدماء. وانصرف إلى الكوفة.
وكتب معاوية إلى زياد، وهو بالبصرة، إن المغيرة قد دعا أهل الكوفة إلى البيعة ليزيد بولاية العهد بعدي، وليس المغيرة بأحق بابن أخيك منك، فإذا وصل إليك كتابي فادع الناس قبلك إلى مثل ما دعاهم إليه المغيرة، وخذ عليهم البيعة ليزيد. فلما بلغ زياداً وقرأ الكتاب دعا برجل من أصحابه يثق بفضله وفهمه، فقال: إني أريد أن آتمنك على ما لم آتمن عليه بطون الصحائف، ايت معاوية فقل له: يا أمير المؤمنين إن كتابك ورد علي بكذا، فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبغ، ويدمن الشراب، ويمشي على الدفوف، وبحضرتهم الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، ولكن تأمره، ويتخلق بأخلاق هؤلاء حولاً وحولين، فعسينا أن نموه على الناس. فلما صار الرسول إلى معاوية وأدى إليه الرسالة قال: ويلي على ابن عبيد! لقد بلغني أن الحادي حدا له أن الأمير بعدي زياد، والله لأردنه إلى أمه سمية، وإلى أبيه عبيد.
وقدم المغيرة الكوفة منصرفا من عند معاوية، وقد خرج شبيب بن بجرة الأشجعي الخارجي، فلما

(1/196)


علم أن قدم المغيرة هرب إلى معاوية فقال: أنا قاتل علي بن أبي طالب، وكان شبيب بن بجرة مع ابن ملجم في الليلة التي ضرب فيها علياً، فقال له معاوية: لا أراك ولا تراني. فرجع إلى الكوفة فقاتل المغيرة، فوجه إليه جيشا فقتله.
وخرج المستورد بن علفة التيمي من تيم الرباب سنة ثلاث وأربعون فوجه إليه المغيرة خيلاً، فقتل بأسفل ساباط، وقتل أصحابه جميعاً. وخرج بعده معاذ بن جوين الطائي أبو المستورد، فوجه إليه المغيرة خيلا عليها رجل من همدان، فقتلوه.
وخرجت عصابة من الموالي، أميرهم أبو علي من أهل الكوفة، وهو مولى لبني الحارث بن كعب، وكانت أول خارجة خرجت فيها الموالي، فبعث المغيرة إليهم رجلاً من بجيلة، فالتقوا ببادوريا، فناداهم البجلي: يا معشر الأعاجم! هذه العرب تقاتلنا على الدين، فما بالكم؟ فنادوه: يا جابر! إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد، فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحداً، وإن الله بعث نبينا للناس كافة، ولم يزوه عن أحد. فقاتلهم حتى قتلهم.
وكانت مصر والمغرب لعمرو بن العاص طعمة شرطها له يوم بايع، ونسخة الشرط: هذا ما أعطى معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص مصر، أعطاه أهلها، فهم له حياته، ولا تنقص طاعته شرطاً. فقال له وردان مولاه: فيه الشعر من بدنك، فجعل عمرو يقرأ الشرط، ولا يقف على ما وقف عليه وردان، فلما ختم الكتاب وشهد الشهود قال له وردان: وما عمرك أيها الشيخ إلا كظمء حمار، هلا شرطت لعقبك من بعدك؟ فاستقال معاوية، فلم يقله، فكان عمرو لا يحمل إليه من مالها شيئاً، يفرق الأعطيه في الناس، فما فضل من شيء أخذه لنفسه.
وولي عمرو بن العاص مصر عشر سنين، منها لعمر بن الخطاب أربع سنين، ولعثمان بن عفان أربع سنين إلا شهرين، ولمعاوية سنتين وثلاثة أشهر، وتوفي وله ثمان وتسعون سنة، وكان داهية العرب رأياً وحزماً وعقلاً ولساناً، وكان عمر بن الخطاب، إذا رأى رجلاً يكلم فلا يقيم كلامه يقول: سبحان من خلقك وخلق عمرو بن العاص.
وقال بعضهم: سمعت عمراً يقول: سلطان عادل خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم، وزلة الرجل عظم يجبر، وزلة اللسان لا تبقى ولا تذر، واستراح من لا عقل له. ولما حضرت عمراً الوفاة قال لابنه: لود أبوك أنه كان مات في غزاة ذات السلاسل. إني قد دخلت في أمور لا أدري ما حجتي عند الله فيها. ثم نظر إلى ماله فرأى كثرته، فقال: يا ليته كان بعرى، يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة، أصلحت لمعاوية دنياه، وأفسدت ديني، آثرت دنياي وتركت آخرتي، عمى على رشدي حتى حضرني أجلي، كأني بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي.
وتوفي عمرو ليلة الفطر سنة أربع وثلاثون، فأقر معاوية ابنه عبد الله بن عمرو، ثم استصفى مال عمرو، فكان أول من استصفى مال عامل، ولم يكن يموت لمعاوية عامل إلا شاطر ورثته ماله، فكان يكلم في ذلك، فيقول: هذه سنة سنها عمر بن الخطاب. ثم عزل معاوية عبد الله بن عمرو، وولى أخاه عتبة ابن أبي سفيان مصر.
وكتب معاوية إلى زياد بن أبي سفيان: إن قبلك رجلاً من أصحاب رسول الله فوله خراسان، وهو الحكم بن عمرو الغفاري، فولاه زياد خراسان، فقدمها سنة أربع وأربعون، فصار إلى هراة، ثم مضى منها إلى الجوزجان، فافتتحها، ونالتهم شدة حتى أكلوا دوابهم، وكان المهلب مع الحكم بن عمرو في ذلك الوقت، وقد عرف بلاء المهلب وبأسه، وتوفي الحكم بن عمرو، فولى زياد مكانه الربيع بن زياد الحارثي، وفتحت خوارزم في ذلك الوقت، وكان الذي افتتحها عبد الله بن عقيل الثقفي.
وحج معاوية سنة أربع وأربعون، وقدم معه من الشام بمنبر، فوضعه عند باب البيت الحرام، فكان أول من وضع المنبر في المسجد الحرام. ولما صار إلى المدينة أتاه جماعة من بني هاشم، وكلموه في أمورهم، فقال: أما ترضون يا بني هاشم أن نقر عليكم دماءكم، وقد قتلتم عثمان، حتى تقولوا ما تقولون؟ فو الله لا أنتم أجل دما من كذا وكذا، وأعظم في القول، فقال له ابن عباس: كل ما قلت لنا يا معاوية من شر بين دقتيك، أنت والله أولى بذلك منا، أنت قتلت عثمان، ثم قمت تغمص على الناس إنك تطلب بدمه فانكسر معاوية، فقال ابن عباس: والله ما رأيتك صدقت إلا فزعت وانكسرت. قال: فضحك معاوية، وقال: والله ما أحب إنكم لم تكونوا كلمتموني.

(1/197)


ثم كلمه الأنصار، فأغلظ لهم في القول، وقال لهم: ما فعلت نواضحكم قالوا: أفنيناها يوم بدر لما قتلنا أخاك وجدك وخالك، ولكنا نفعل ما أوصانا به رسول الله. قال: ما أوصاكم به؟ قالوا: أوصانا بالصبر. قال: فاصبروا. ثم أدلج معاوية إلى الشام، ولم يقض لهم حاجة.
وفي هذه السنة عمل معاوية المقصورة في المسجد وأخرج المنابر إلى المصلى في العيدين، وخطب الخطبة قبل الصلاة، وذلك أن الناس، إذا صلوا، انصرفوا لئلا يسمعوا لعن علي، فقدم معاوية الخطبة قبل الصلاة، ووهب فدكا لمروان بن الحكم ليغيظ بذلك آل رسول الله. واستعمل معاوية ابن أثال النصراني على خراج حمص، ولم يستعمل النصارى أحد من الخلفاء قبله فاعترضه خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بالسيف، فقتله، فحبسه معاوية أياماً، ثم أغرمه ديته، ولم يقده منه.
وكان ابن أثال قتل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، دس إليه شربة سم، فعيره المنذر بن الزبير بن العوام، وقال: تتكلم، وابن أثال بحمص يأمر وينهى؟ فلما قتله قال خالد بن عبد الرحمن: أما أنا فقد قتلت ابن أثال وهذا عمرو بن جرموز التميمي قاتل الزبير آمن السرب.
وكان عبد الرحمن بن العباس بن عبد المطلب قد قدم على معاوية إلى الشام، فجفاه معاوية، ولم يقض له حاجة، ودخل إليه يوماً، فقال له: يا ابن العباس كيف رأيت الله فعل بنا وبأبي الحسن؟ فقال: فعلا، والله، غير مختل عجلة إلى جنة لن تنالها، وأخرك إلى دنيا قد كان أمير المؤمنين نالها. قال: وإنك لتحكم على الله! قال: بما حكم الله به على نفسه، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الظالمون. قال معاوية: والله لو عاش أبو عمرو حتى يراني لرأى نقم ابن العم. فقال ابن عباس: أما والله لو رآك أيقن أنك خذلته حين كانت النصرة له ونصرته حين كانت النصرة لك. قال: وما دخولك بين العصا ولحائها؟ قال: ما دخلت إلا عليهما لا لهما، فدعني مما أكره أدعك من مثله، فلأن تحسن فأجازي أحب إلي من أن تسيء فأكافي، ثم نهض.
وفاة الحسن بن علي
وتوفي الحسن بن علي في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعون، ولما حضرته الوفاة قال لأخيه الحسين: يا أخي إن هذه آخر ثلاث مرار سقيت فيها السم، ولم أسقه مثل مرتي هذه، وأنا ميت من يومي، فإذا أنا مت فادفني مع رسول الله، فما أحد أولى بقربه مني، إلا أن تمنع من ذلك فلا تسفك فيه محجمة دم. ولما لف في أكفانه قال محمد بن الحنفية: رحمك الله أبا محمد، فو الله لئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك، ونعم الروح روح عمر به بدنك، ونعم البدن بدن ضمه كفنك، لم لا يكون كذلك، وأنت سليل الهدى، وحلف أهل التقوى، وخامس أصحاب الكساء، غذتك كف الحق، وربيت في حجر الإسلام، وأرضعتك ثديا الإيمان، فطب حيا وميتا، فعليك السلام ورحمة الله، وإن كانت أنفسنا غير قالية لحياتك، ولا شاكة في الخيار لك.
ثم أخرج نعشه يراد به قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فركب مروان بن الحكم، وسعيد ابن العاص، فمنعا من ذلك، حتى كادت تقع فتنة.
وقيل إن عائشة ركبت بغلة شهباء، وقالت: بيتي لا آذن فيه لأحد. فأتاها القاسم بن محمد بن أبي بكر، فقال لها: يا عمة ! ما غسلنا رءوسنا من يوم الجمل الأحمر، أ تريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء؟ فرجعت.
واجتمع مع الحسين بن علي جماعة وخلق من الناس، فقالوا له: دعنا وآل مروان، فو الله ما هم عندنا كأكله رأس. فقال: إن أخي أوصاني أن لا أريق فيه محجمة دم. فدفن الحسن في البقيع، وكانت سنة سبعاً وأربعين سنة، وتوفي الحسن بن علي وابن عباس عند معاوية، فدخل عليه لما أتاه نعي الحسن، فقال له: يا ابن عباس! إن حسنا مات. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون على عظم الخطب وجليل المصاب، أما والله يا معاوية لئن كان الحسن مات، فما ينسئ موته في أجلك، ولا يسد جسمه حفرتك، ولقد مضى إلى خير وبقيت على شر. قال: لا أحسبه قد خلف إلا صبية صغاراً. قال: كلنا كان صغيراً فكبر. قال: بخ بخ، يا ابن عباس، أصبحت سيد قومك. قال: أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن رسول الله، فلا.

(1/198)


وكان الحسن بن علي جواداً كريماً وأشبه برسول الله خلقاً وخلقاً وسأل الحسن: ما ذا سمعت من رسول الله؟ فقال: سمعته يقول لرجل: دع ما يريبك، فإن الشر ريبة والخير طمأنينة. وعقلت عنه أني بينا أنا أمشي معه إلى جنب جرن الضيقة، تناولت تمرة فأدخلتها في فمي. قال: فأدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعه في فمي، فاستخرجها، فألقاها، وقال: إن محمداً وآل محمد لا تحل لهم الصدقة. وعقلت عنه الصلوات الخمس.
وحج الحسن خمس عشرة حجة ماشياً، وخرج من ماله مرتين، وقاسم الله عز وجل ثلاث مرات، حتى كان يعطي نعلا ويمسك نعلا، ويعطي خفا ويمسك أخرى.
وقال معاوية للحسن: يا أبا محمد ثلاث خلال ما وجدت من يخبرني عنهن. قال: وما هن؟ قال: المروة والكرم والنجدة. قال: أما المروة فإصلاح الرجل أمر دينه، وحسن قيامه على ماله، ولين الكف، وإفشاء السلام والتحبب إلى الناس. والكرم العطية قبل السؤال، والتبرع بالمعروف، والإطعام في المحل، ثم النجدة الذب عن الجار والمحاماة في الكريهة والصبر عند الشدائد.
وقال جابر: سمعت الحسن يقول: مكارم الأخلاق عشر: صدق اللسان، وصدق البأس، وإعطاء السائل، وحسن الخلق، والمكافاة بالصنائع، وصلة الرحم، والتذمم على الجار، ومعرفة الحق للصاحب، وقرى الضيف، ورأسهن الحياء.
وقيل للحسن: من أحسن الناس عيشا؟ قال: من أشرك الناس في عيشه. وقيل: من شر الناس عيشاً؟ قال: من لا يعيش في عيشه أحد. وقال الحسن: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشد من المصيبة سوء الخلق، والعبادة انتظار الفرج.
ودعا الحسن بن علي بنيه وبني أخيه، فقال: يا بني وبني أخي! إنكم صغار قوم، وتوشكون أن تكونوا كبار قوم آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم يرويه أو يحفظه، فليكتبه وليجعله في بيته. وقال رجل للحسن: إني أخاف الموت! قال: ذاك إنك أخرت مالك، ولو قدمته لسرك أن تلحق به.
وقال معاوية: ما تكلم عندي أحد كان أحب إلي إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي، وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بين الحسن بن علي وبين عمرو بن عثمان بن عفان خصومة في أرض، فعرض الحسن ابن علي أمراً لم يرضه عمرو، فقال الحسن: ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط.
وقال له معاوية يوما: ما يجب لنا في سلطاننا؟ قال: ما قال سليمان بن داود. قال معاوية: وما قال سليمان بن داود؟ قال: قال لبعض أصحابه: أ تدري ما يجب على الملك في ملكه، وما لا يضره؟ إذا أدى الذي عليه منه، وإذا خاف الله في السر والعلانية، وعدل في الغضب والرضا، وقصد في الفقر والغنى، ولم يأخذ الأموال غصباً، ولم يأكلها إسرافاً وبذاراً لم يضره ما تمتع به من دنياه، إذا كان ذلك من خلته. وقال الحسن: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد حاجة لم يرده إلا بها وبميسور من القول. ومر الحسن يوماً وقاص يقص على باب مسجد رسول الله، فقال الحسن: ما أنت؟ فقال: أنا قاص يا ابن رسول الله. قال: كذبت، محمد القاص، قال الله عز وجل: فاقصص القصص. قال: فأنا مذكر. قال: كذبت، محمد المذكر، قال له عز وجل: فذكر إنما أنت مذكر قال: فما أنا؟ قال: المتكلف من الرجال.
وكان للحسن من الولد ثمانية ذكور، وهم: الحسن بن الحسن، وأمه خولة بنت منظور الفزارية، وزيد بن الحسن، وأمه أم بشير بنت أبي مسعود الأنصاري الخزرجي، وعمر والقاسم وأبو بكر وعبد الرحمن لأمهات أولاد شتى، وطلحة وعبيد الله.
ولما توفي الحسن وبلغ الشيعة ذلك اجتمعوا بالكوفة في دار سليمان بن صرد، وفيهم بنو جعدة بن هبيرة، فكتبوا إلى الحسين بن علي يعزونه على مصابه بالحسن: بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغنا وفاة الحسن بن علي يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً غفر الله ذنبه وتقبل حسناته، وألحقه بنبيه، وضاعف لك الأجر في المصاب به وجبر بك المصيبة من بعده

(1/199)


فعند الله نحتسبه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ما أعظم ما أصيب به هذه الأمة عامة، وأنت وهذه الشيعة خاصة، بهلاك ابن الوصي وابن بنت النبي، علم الهدى، ونور البلاد المرجو لإقامة الدين وإعادة سير الصالحين، فاصبر رحمك الله على ما أصابك، إن ذلك لمن عزم الأمور، فإن فيك خلفا ممن كان قبلك، وإن الله يؤتي رشده من يهدي بهديك، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، السائرة بسيرتك، المنتظرة لأمرك، شرح الله صدرك، ورفع ذكرك، وأعظم أجرك، وغفر ذنبك، ورد عليك حقك.
وبايع معاوية لابنه يزيد بولاية العهد، بعد وفاة الحسن بن علي، ولم يتخلف عن البيعة إلا أربعة نفر: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير. وقال عبد الله بن عمر: نبايع من يلعب بالقرود والكلاب، ويشرب الخمر، ويظهر الفسوق! ما حجتنا عند الله! وقال عبد الله بن الزبير: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد أفسد علينا ديننا.
وحج معاوية تلك السنة فتألف القوم، ولم يكرههم على البيعة، وأغزى معاوية يزيد ابنه الصائفة، ومعه سفيان بن عوف العامري، فسبقه سفيان بالدخول إلى بلاد الروم فنال المسلمين في بلاد الروم حمى وجدري، وكانت أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر تحت يزيد بن معاوية، وكان لها محباً، فلما بلغه ما نال الناس من الحمى والجدري قال:
ما إن أبالي بما لاقت جموعهم ... بالغذ قذونه من حمى ومن موم
إذا اتكأت على الأنماط في غرف ... بدير مران عندي أم كلثوم
فبلغ ذلك معاوية فقال: أقسم بالله لتدخلن أرض الروم فليصيبنك ما أصابهم، فأردف به ذلك الجيش، فغزا به حتى بلغ القسطنطينية.
ووجه معاوية عقبة بن نافع الفهري إلى إفريقية فافتتحها واختط قيروانها، وبناه، وكان موضع دغل وحلفاء تنزله الأسد، وكان ذلك سنة خمسين، ثم ولى معاوية دينارا أبا المهاجر، مولى الأنصار، مكان عقبة بن نافع الفهري، فأخذ عقبة بن نافع، فحبسه وقيده، فأقام في الحبس شهورا، ثم أطلقه، فلما صار إلى مصر رده عمرو بن العاص إلى المغرب.
وقيل ورد كتاب من معاوية على عمرو يأمره بذلك. فلما قدم عقبة إفريقية أخذ ديناراً فحبسه، وخرج على عقبة رجل من البربر يقال له ابن الكاهنة، ولم يزل عقبة على البلد أيام معاوية ويزيد بن معاوية.
وتوفي المغيرة بن شعبة سنة إحدى وخمسين، فولى معاوية الكوفة زياداً، وضمها إليه مع البصرة، فكان أول من جمع له المصران. وكتب زياد إلى معاوية: أني قد شغلت شمالي بالعراق ويميني فارغة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يوليني الموسم؟ فكتب إليه بولاية الحجاز، وقيل بولاية الموسم.
وكان عبد الله بن عمر يدخل فيقول: ارفعوا أيديكم فادعوا الله أن يكفيكم يمين زياد.
وروى بعضهم أن أبا بكرة أخاه أتاه، فخاطب صبيا له، وكان قد حلف ألا يكلمه مه كاع عن الشهادة على المغيرة، فقال: يا بني أبوك ركب في الإسلام عظيما، شتم أمه، وانتفى من أبيه، ثم هو الآن يريد أن يفعل ما هو أكبر من هذا، يمر بالمدينة، فيستأذن على أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإن أذنت فأعظم بها مصيبة على رسول الله، وعلى المسلمين، فإن لم تأذن له فأعظم بها فضيحة على أبيك. فتأخر عن الخروج.
وكان حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما من شيعة علي بن أبي طالب، إذا سمعوا المغيرة وغيره من أصحاب معاوية، وهم يلعنون علياً على المنبر، يقومون فيردون اللعن عليهم، ويتكلمون في ذلك. فلما قدم زياد الكوفة خطب خطبة له مشهورة لم يحمد الله فيها، ولم يصل على محمد وأرعد فيها وأبرق، وتوعد وتهدد، وأنكر كلام من تكلم، وحذرهم ورهبهم، وقال: قد سميت الكذبة، على المنبر، الصلعاء فإذا أوعدتكم أو وعدتكم، فلم أف لكم بوعدي ووعيدي، فلا طاعة لي عليكم.
وكانت بينه وبين حجر بن عدي مودة، فوجه إليه فأحضره، ثم قال له: يا حجر! أرأيت ما كنت عليه من المحبة والموالاة لعلي؟ قال: نعم! قال: فإن الله قد حول ذلك بغضة وعداوة، أورأيت ما كنت عليه من البغضة والعداوة لمعاوية؟ قال: نعم! قال: فإن الله قد حول ذلك محبة وموالاة، فلا أعلمنك ما ذكرت علياً بخير ولا أمير المؤمنين معاوية بشر.

(1/200)


ثم بلغه انهم يجتمعون، فيتكلمون ويدبرون عليه وعلى معاوية، ويذكرون مساويهما، ويحرضون الناس، فوجه صاحب شرطه إليهم، فأخذ جماعة منهم فقتلوا، وهرب عمرو بن الحمق الخزاعي إلى الموصل وعدة معه، وأخذ زياد حجر بن عدي الكندي وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه فأشخصهم إلى معاوية، فكتب فيهم انهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب، وزروا على الولاة، فخرجوا بذلك من الطاعة، وأنفذ شهادات قوم أولهم بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فلما صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال، أمر معاوية بإيقافهم هناك، ثم وجه إليهم من يضرب أعناقهم، فكلمه قوم في ستة منهم، فوقف عنهم، فقتل سبعة: حجر بن عدي الكندي وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة ابن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب التميمي، وكدام بن حيان العنزي، ولما أراد قتلهم قال حجر بن عدي: دعوني حتى أصلي، فصلى ركعتين خفيفتين ثم أقبل عليهم فقال: لو لا أن تظنوا بي خلاف ما بي لأحببت أن تكونا أطول مما هما، وإني لأول من رمي بسهم في هذا الموضع، وأول من هلك فيه. فقيل له: أجزعت؟ فقال: ولم لا أجزع، وأنا أرى سيفاً مشهوراً، وكفناً منشوراً، وقبراً محفوراً؟ ثم ضربت عنقه وأعناق القوم، وكفنوا ودفنوا، وكان ذلك في سنة اثنان وخمسين.
وقال معاوية للحسين بن علي: يا أبا عبد الله! علمت أنا قتلنا شيعة أبيك، فحنطناهم، وكفناهم، وصلينا عليهم، ودفناهم؟ فقال الحسين: حجرك، ورب الكعبة، لكنا والله إن قتلنا شيعتك ما كفناهم، ولا حنظناهم، ولا صلينا عليهم ولا دفناهم.
وقالت عائشة لمعاوية حين حج، ودخل إليها: يا معاوية! أقتلت حجرا وأصحابه، فأين عزب حلمك عنهم؟ أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السموات. قال: لم يحضرني رجل رشيد، يا أم المؤمنين.
وروي أن معاوية كان يقول: ما أعد نفسي حليما بعد قتلي حجرا وأصحاب حجر. وبلغ عبد الرحمن بن أم الحكم، وكان عامل معاوية على الموصل، مكان عمرو بن الحمق الخزاعي، ورفاعة بن شداد، فوجه في طلبهما، فخرجا هاربين، وعمرو بن الحمق شديد العلة، فلما كان في بعض الطريق لدغت عمراً حية، فقال: الله أكبر! قال لي رسول الله: يا عمرو ليشترك في قتلك الجن والإنس. ثم قال لرفاعة: امض لشأنك، فإني مأخوذ ومقتول. ولحقته رسل عبد الرحمن ابن أم الحكم، فأخذوه وضربت عنقه، ونصب رأسه على رمح، وطيف به، فكان أول رأس طيف به في الإسلام. وقد كان معاوية حبس امرأته بدمشق، فلما أتى رأسه بعث به، فوضع في حجرها، فقالت للرسول: أبلغ معاوية ما أقول: طالبه الله بدمه، وعجل له الويل من نقمه، فلقد أتى أمراً فريا، وقتل براً نقياً. وكان أول من حبس النساء بجرائر الرجال.
وخرج قريب وزحاف الخارجيان بالبصرة في جماعة من الخوارج، فاستعرضا الشرط، فقتلا منهم خلقا عظيما، وصارا إلى المسجد الجامع، فقتلا خلقاً من الناس، ومالوا إلى القبائل، ففعلوا مثل ذلك. وكان زياد بالكوفة وعامله على البصرة عبيد الله بن أبي بكرة، فحاربهم، فلما لم يكن له بهم طاقة كتب إلى زياد، فأقبل زياد حتى صار إلى البصرة، فصار إلى دار الإمارة، ثم قال: يا أهل البصرة ما هذا الذي قد اشتملتم عليه؟ إني أعطي الله عهداً لا يخرج على خارجي بعدها فأدع من حيه وقبيلته أحداً، فاكفوني بوائقكم. فقام خطباء البصرة، فتكلموا واعتذروا.
وكان معاوية أول من أقام الحرس والشرط والبوابين في الإسلام، وأرخى الستور واستكتب النصارى، ومشى بين يديه بالحراب، وأخذ الزكاة من الأعطيه، وجلس على السرير، والناس تحته، وجعل ديوان الخاتم وبنى وشيد البناء، وسخر الناس في بنائه، ولم يسخر أحد قبله، واستصفى أموال الناس، فأخذها لنفسه.
وكان سعيد بن المسيب يقول: فعل الله بمعاوية وفعل، فإنه أول من أعاد هذا الأمر ملكاً. وكان معاوية يقول: أنا أول الملوك. ورحل إليه عبد الله بن عمر يوماً، فقال: يا أبا عبد الله! كيف ترى بنياننا؟ قال: إن كان من مال الله فأنت من الخائنين، وإن كان من مالك فأنت من المسرفين. ودخل إليه عدي بن حاتم، فقال له: كيف زماننا هذا يا أبا طريف؟ قال: إن صدقناكم خفناكم، وإن

(1/201)


كذبناكم خفنا الله. قال: أقسمت عليك! قال: عدل زمانكم هذا جور زمان قد مضى، وجور زمانكم هذا عدل زمان ما يأتي. واستقر خراج العراق وما يضاف إليه مما كان في مملكة الفرس في أيام معاوية على ستمائة ألف ألف وخمسة وخمسين ألف ألف درهم.
وكان خراج السواد مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم، وخراج فارس سبعين ألف ألف، وخراج الأهواز وما يضاف إليها أربعين ألف ألف، وخراج اليمامة والبحرين خمسة عشر ألف ألف درهم، وخراج كور دجلة عشرة آلاف ألف درهم، وخراج نهاوند وماه الكوفة، وهو الدينور، وماه البصرة، وهو همذان، وما يضاف إلى ذلك من أرض الجبل أربعين ألف ألف درهم، وخراج الري وما يضاف إليها ثلاثين ألف ألف درهم، وخراج حلوان عشرين ألف ألف درهم، وخراج الموصل وما يضاف إليها ويتصل بها خمسة وأربعين ألف ألف درهم، وخراج آذربيجان ثلاثين ألف ألف درهم، بعد أن أخرج معاوية من كل بلد ما كانت ملوك فارس تستصفيه لأنفسها من الضياع العامرة وجعله صافية لنفسه، فأقطعه جماعة من أهل بيته.
وكان صاحب العراق يحمل إليه من مال صوافيه في هذه النواحي مائة ألف ألف درهم، فمنها كانت صلاته وجوائزه، واستقر خراج مصر في أيام معاوية على ثلاثة آلاف ألف دينار، وكان عمرو بن العاص يحمل منها إليه الشيء اليسير، فلما مات عمرو حمل المال إلى معاوية، فكان يفرق في الناس أعطياتهم، ويحمل إليه ألف ألف دينار، واستقر خراج فلسطين على أربعمائة وخمسين ألف دينار، واستقر خراج الأردن على مائة وثمانين ألف دينار، وخراج دمشق على أربعمائة ألف وخمسين ألف دينار، وخراج جند حمص على ثلاثمائة وخمسين ألف دينار، وخراج قنسرين والعواصم على أربعمائة ألف وخمسين ألف دينار، وخراج الجزيرة، وهي ديار مضر وديار ربيعة، على خمسة وخمسين ألف ألف درهم، وخراج اليمن على ألف ألف ومائتي ألف دينار، وقيل تسعمائة ألف دينار.
وكان معاوية قد ولي اليمن، لما استقامت له الأمور، فيروز الديلمي، ثم استعمل مكانه عثمان بن عفان الثقفي، ثم استعمل ابن بشير الأنصاري. وفعل معاوية بالشام والجزيرة واليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء ما كان للملوك من الضياع وتصييرها لنفسه خالصة وأقطعها أهل بيته وخاصته. وكان أول من كانت له الصوافي في جميع الدنيا، حتى بمكة والمدينة، فإنه كان فيهما شيء يحمل في كل سنة من أوساق التمر والحنطة.
وكان معاوية وجه إلى ثغر الهند ابن سوار بن همام، فشخص في أربعة آلاف حتى أتى مكران، فأقام بها شهوراً، ثم غزا القيقان، فقاتلهم، وصبر على قتالهم، فقتل ابن سوار وعامة ذلك الجيش، ورجع من بقي معه إلى مكران، فكتب معاوية إلى زياد أن يوجه رجلاً له حزم وجزالة. فوجه سنان بن سلمة الهذلي فأتى مكران، فلم يزل بها مقيما ثم صرفه زياد، وولى راشد بن عمرو الجديدي الأزدي، فغزا القيقان، فظفر وغنم، وغزا بعض بلاد السند، وفتح بلاد الهند، وكانت الهند يومئذ أهون شوكة من السند، فقتل راشد ببلاد السند. وأقام زياد على ولاية العراق اثنتي عشرة سنة، وكان لزياد دهاء ورجله وصولة، وكان أول من دون الدواوين ووضع النسخ للكتب، وأفرد كتاب الرسائل من العرب والموالي المتفصحين.
وكان زياد يقول: ينبغي أن يكون كتاب الخراج من رؤساء الأعاجم العالمين بأمور الخراج.
وكان زياد يقول: ملاك السلطان أربع خلال: العفاف عن المال، والقرب من المحسن، والشدة على المسيء، وصدق اللسان. وكان زياد أول من بسط الأرزاق على عماله ألف درهم ألف درهم، ولنفسه خمسة وعشرين ألف درهم.
وكان زياد يقول: ينبغي للوالي أن يكون أعلم بأهل عمله منهم بأنفسهم. فقام إليه رجل فقال: أصلح الله الأمير! تعرفني؟ فقال: نعم المعرفة الجامعة! أعرفك باسمك واسم أبيك، وكنيتك، وعريفك، وعشيرتك، وفصيلتك، ولقد بلغ من معرفتي بكم أني أرى البرد على أحدكم، ثم آخر عارية، فأعرفه.
واختصم إلى زياد رجلان فقال أحدهما: أصلح الله الأمير! إنه يدل بناحية ذكر أنها له من الأمير. قال: صدق! سأخبرك بما ينفعه من ذلك، ويضرك، إن وجب له الحق عليك أخذتك له أخذاً عنيفاً، وإن وجب عليه حكمت وأديت عنه.
وقال زياد وهو على المنبر: إن أعظم الناس كذباً أمير يقف على المنبر وتحته مائة ألف من الناس، فيكذبهم، وإني والله لا أعدكم أجراً إلا انجزته، ولا أعاقبكم حتى أتقدم عليكم.

(1/202)


وكان زياد يقول لأصحابه: ليس كل يصل إلي ولا كل من وصل إلى أمكنه الكلام، فاستشفعوا لمن وراءكم، فإني من ورائكم أمنع إن أردت أن أمنع.
وكان زياد يقول: أربعة أعمال لا يليها إلا المسن الذي قد عض على ناجذة: الثغر، والصائفة، والشرط، والقضاء. وينبغي أن يكون صاحب الشرط شديد الصولة، قليل الغفلة، وينبغي أن يكون صاحب الحرس مسناً، عفيفاً، مأموناً، لا يطعن عليه. وينبغي أن يكون في الكاتب خمس خلال: بعد غور، وحسن مداراة، وأحكام للعمل وألا يؤخر عمل اليوم لغد، والنصيحة لصاحبه. وينبغي للحاجب أن يكون عاقلا، فطنا، قد خدم الملوك قبل أن يتولى حجابتهم وتوفي زياد بالكوفة سنة أربع وخمسين.
وروي أنه كان أحضر قوماً بلغه انهم شيعة لعلي ليدعوهم إلى لعن علي والبراءة منه، أو يضرب أعناقهم، وكانوا سبعين رجلاً، فصعد المنبر، وجعل يتكلم بالوعيد والتهديد، فنام بعض القوم، وهو جالس، فقال له بعض أصحابه: تنام وقد أحضرت لتقتل؟ فقال: من عمود إلى عمود فرقان، لقد رأيت في نومتي هذه عجباً. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت رجلاً أسود دخل المسجد فضرب رأسه السقف، فقلت: من أنت يا هذا؟ فقال: أنا النقاد داق الرقبة. قلت: وأين تريد؟ قال: أدق عنق هذا الجبار الذي يتكلم على هذه الأعواد.
فبينا زياد يتكلم على المنبر إذ قبض على إصبعه، ثم صاح: يدي! وسقط عن المنبر مغشيا عليه، فأدخل القصر، وقد طعن في خنصرة اليمنى، فجعل لا يتغاذ، فأحضر الطبيب، فقال له: اقطع يدي! قال: أيها الأمير! أخبرني عن الوجع تجده في يدك، أو في قلبك؟ قال: والله إلا في قلبي. قال: فعش سويا.
فلما نزل به الموت كتب إلى معاوية أني كتبت إلى أمير المؤمنين، وأنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وقد استخلفت على عملي خالد ابن عبد الله بن خالد بن أسيد.
فلما توفي زياد ووضع نعشه ليصلي عليه تقدم عبيد الله ابنه فنحاه، وتقدم خالد بن عبد الله فصلى عليه، فلما فرغ من دفنه خرج عبيد الله من ساعته إلى معاوية، فلما قيل لمعاوية هذا عبيد الله قال: يا بني! ما منع أباك أن يستخلفك؟ أما لو فعل لفعلت. فقال: نشدتك الله، يا أمير المؤمنين، أن يقولها لي أحد بعدك ما منع أباه وعمه أن يستعملاه؟ فولاه خراسان، وصير إليه ثغرى الهند. وتوفي المنذر فولى مكانه سنان بن سلمة، فقاتل القيقان والبوقان، وظفر، ورزقه الله النصر عليهم. وصار عبيد الله بن زياد إلى خراسان، فبدأ ببخارى، وعليها ملكة يقال لها خاتون فقاتلهم حتى فتحها، ثم قطع نهر بلخ، وكان أول عربي قطع نهر بلخ، وحاربه القوم محاربة شديدة، وكان الظفر له، ثم انصرف من خراسان إلى معاوية فولاه البصرة سنة ست وخمسين، وقيل أول سنة سبع وخمسين.
وولى معاوية عبد الله بن زياد خراسان، فاستضعفه، فعزله، وولي عبد الرحمن بن زياد، فلم يحمده، فعزله، فقدم عبد الرحمن بمال عظيم، فقيل إنه قال: قدمت معي بمال يكفيني مائة سنة لكل يوم ألف درهم، فذهب ذلك المال، حتى نظر إليه في أيام الحجاج على حمار فقيل له: أين المال؟ فقال: لا يكفي إلا وجه الله، والحمار أيضاً ليس لي، إنما هو عارية.
وولى معاوية خراسان بعد عبد الرحمن بن زياد سعيد بن عثمان بن عفان، فقطع النهر، وصار إلى بخارى، فطلبت خاتون ملكة بخارى الصلح، فأجابها إلى ذلك، ثم رجعت عن الصلح، وطمعت في سعيد، فحاربهم سعيد، فظفر، وقتل مقتلة عظيمة. وسار إلى سمرقند، فحاصرها، فلم يكن له طاقة بها، فظفر بحصن فيه أبناء الملوك، فلما صاروا في يده طلب القوم الصلح، فحلف ألا يبرح حتى يدخل المدينة، ففتح له باب المدينة، فدخلها، ورمى القهندز بحجر، وكان معه قثم بن العباس بن عبد المطلب فتوفي بسمرقند. فلما بلغ عبد الله بن عباس موته قال: ما أبعد ما بين مولده ومقبرة، مولده بمكة، وقبره بسمرقند، فانصرف سعيد بن عثمان إلى معاوية، فولى معاوية مكانه أسلم بن زرعة.
وصار سعيد إلى المدينة، ومعه أسراء من أولاد ملوك السغد، فوثبوا عليه، وقتلوه، وقتل بعضهم بعضا، حتى لم يبق منهم أحد. وأقام أسلم بن زرعة شهورا، وكان عمال خراسان ينزلون هراة، ثم ولى معاوية خليد بن عبد الله الحنفي، فكان آخر ولاته على خراسان.

(1/203)


وأراد سعد بن أبي وقاص أن يعمل له، فامتنع عليه، ولزم منزله، وكان يسكن قصرا له خارج المدينة على عشرة أميال فلم يزل نازلا به حتى توفي، وكانت وفاته سنة خمس وخمسين، وحمل على أيدي الرجال من قصره إلى المدينة، حتى دفن بالبقيع.
وتوفي أيام معاوية أربع من أزواج رسول الله: حفصة بنت عمر، توفيت سنة خمس وأربعين، وصلى عليها مروان بن الحكم، وهو عامل المدينة، وصفية بنت حيي بن أخطب توفيت سنة خمسين، وخولة بنت الحارث توفيت سنة ست وخمسين، وعائشة بنت أبي بكر توفيت سنة ثمان وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وكان خليفة لمروان على المدينة، فقال بعض من حضر: صلى عليها أعدى الناس لها. وتوفي أبو هريرة سنة تسع وخمسين.
وكان لمعاوية حلم ودهاء، وجود بالمال على المداراة من رجل يبخل على طعامه. وقال سعيد بن العاص: سمعت معاوية يوماً يقول: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. قيل: وكيف، يا أمير المؤمنين؟ قال: كانوا إذا مدوها خليتها، وإذا خلوها مددتها. وكان إذا بلغه عن رجل ما يكره قطع لسانه بالإعطاء، وربما احتال عليه فبعث به في الحروب، وقدمه، وكان أكثر فعله المكر والحيلة.
وحج بالناس، في جميع سني ولايته، حجتين سنة أربع وأربعين وسنة خمسين، وأراد أن يحمل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنال المنبر زلزلة، حتى ظن أنه آخر الدنيا، فتركه ثم زاد فيه خمس مراق من أسفله، واعتمر عمرة رجب في سنة ست وخمسين. وكان أول من كسا الكعبة الديباج، واشترى لها العبيد.
وكان يغلب عليه عمرو بن العاص، ويزيد بن الحر العبسي، والضحاك بن قيس الفهري وكان الضحاك على شرطته، وعلى حرسه أبو مخارق مولى حمير، وحاجبه رباح، مولاه. وكان معاوية جهم الوجه جاحظ العين، وافر اللحية، عريض الصدر، عظيم الأليتين، قصير الساقين والفخذين، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر، وتوفي مستهل رجب، ويقال للنصف من رجب سنة ستين، وهو ابن سبع وسبعين سنة، ويقال ثمانين سنة، وقد كان ضعف ونحل، وسقطت ثنيتاه.
قال صالح بن عمرو: ورأيت معاوية على المنبر معتما بعمامة سوداء، قد سدلها على فيه، وهو يقول: معشر الناس! كبرت سني، وضعفت قوتي، وأصبت في أحسني، فرحم الله من دعا لي! ثم بكى، فبكى معه الناس. وخرج الضحاك بن قيس، لما مات معاوية، فوضع أكفانه على المنبر، ثم قال: إن معاوية كان ناب العرب وحبلها، وقد مات، وهذه أكفانه، ونحن مدرجوه فيها، وموردوه قبره، ثم هو آخر اللقاء.
وصلى عليه الضحاك بن قيس الفهري لغيبة يزيد في ذلك الوقت، ودفن بدمشق، وخلف من الذكور أربعة: يزيد وعبد الله ومحمداً، وعبد الرحمن. وأقام الحج في أيامه سنة واحد وأربعون واثنان وأربعون عتبة بن أبي سفيان، وفي سنة ثلاث وأربعون مروان ابن الحكم، وفي سنة أربع وأربعون معاوية بن أبي سفيان، وفي سنة خمس وأربعون مروان بن الحكم، وفي سنة ست وأربعون عتبة بن أبي سفيان، وفي سنة سبع وأربعون عتبة بن أبي سفيان وفي سنة ثمان وأربعون مروان بن الحكم، وفي سنة تسع وأربعون سعيد بن العاص، وفي سنة خمسين معاوية بن أبي سفيان، وفي سنة وحد وخمسين يزيد بن معاوية، وفي سنة اثنان وخمسين سعيد بن العاص، وفي سنة ثلاث وخمسون سعيد بن العاص أيضاً، وفي سنة أربع وخمسون مروان بن

(1/204)


الحكم، وفي سنة خمس وخمسون مروان ابن الحكم أيضاً، وفي سنة ست وخمسون الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وفي سنة سبع وخمسون الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان أيضاً، وفي سنة ثمان وخمسون الوليد بن عتبة أيضاً، وفي سنة تسع وخمسون عثمان بن محمد بن أبي سفيان. وغزا بالناس في ولايته سنة واحد وأربعون، وجه حبيب بن مسلمة، فصالح صاحب الروم، وكره أن يشغله. وسنة ثلاث وأربعون غزا بسر بن أبي أرطأة أرض الروم ومشتاة بها. سنة أربع وأربعون غزا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد حتى بلغ قلونية. سنة خمس وأربعون عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وشتا بأرض الروم وبلغ أنطاكية سنة ست وأربعون مالك بن عبد الله الخثعمي، وقيل مالك بن هبيرة السكوني، وشتا بأرض الروم سنة سبع وأربعون مالك بن هبيرة السكوني وشتا بأرض الروم سنة ثمان وأربعون عبد الرحمن العتبي وبلغ أنطاكية السوداء. سنة تسع وأربعون فضالة بن عبيد، ففتح الله على يده، وسبى سبياً كثيراً. سنة خمسين غزا بسر بن أبي أرطأة، وشتا سفيان بن عوف. سنة واحد وخمسين غزا محمد بن عبد الرحمن، وشتا فضالة بن عبيد الأنصاري. سنة اثنان وخمسين سفيان بن عوف، فتوفي، فاستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاري. سنة ثلاث وخمسين محمد بن مالك، وقيل فتحت طرسوس في هذه السنة، فتحها جنادة بن أبي أمية الأزدي. سنة خمس وخمسين مالك بن عبد الله الخثعمي، وشتا بأرض الروم سنة ست وخمسين يزيد بن معاوية، فبلغ القسطنطينية، وشتا مسعود بن أبي مسعود، وكان على البر يزيد بن شجرة، وعلى البحر عياض بن الحارث، كل هذا يقال سنة سبع وخمسين عبد الله بن قيس. سنة ثمان وخمسين مالك بن عبد الله الخثعمي، ويقال عمرو بن يزيد الجهني، وقيل يزيد بن شجرة في البحر. سنة تسع وخمسين عمرو بن مرة الجهني في البر، لم يكن عامئذ غزوة بحر. وكان الفقهاء في أيام معاوية عبد الله بن عباس، عبد الله بن عمر بن الخطاب، المسور بن مخرمة الزهري، السائب بن يزيد، عبد الرحمن بن حاطب، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، سعيد بن المسيب، عروة بن الزبير، عطاء ابن يسار، القاسم بن محمد بن أبي بكر، عبيدة بن قيس السلماني، الربيع ابن خشيم الثوري، زر بن حبيش، الحارث بن قيس الجعفي، عمرو بن عتبة بن فرقد، الأحنف بن قيس، الحارث بن عمير الزبيدي، سويد بن غفلة الجعفي، عمرو بن ميمون الأودي، مطرف بن عبد الله بن الشخير شقيق بن سلمة، عمرو بن شرحبيل، عبد الله بن يزيد الخطمي، الحارث الأعور الهمداني، مسروق بن الأجدع، علقمة بن قيس الخثعمي، شريح بن الحارث الكندي، زيد بن وهب الهمداني.
أيام يزيد بن معاوية
وملك يزيد بن معاوية، وأمه ميسون بنت بحدل الكلبي، في مستهل رجب سنة ستون، وكانت الشمس يومئذ في الثور درجة وعشرين دقيقة، والقمر في العقرب... درجات وثلاثين دقيقة، وزحل في السرطان إحدى عشرة درجة، والمشتري في الجدي تسع عشرة درجة، والمريخ في الجوزاء اثنتين وعشرين درجة وثلاثين دقيقة، والزهرة في الجوزاء ثماني درجات وخمسين دقيقة، وعطارد في الثور عشرين درجة وثلاثين دقيقة، وكان غائباً فلما قدم دمشق كتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وهو عامل المدينة: إذا أتاك كتابي هذا، فأحضر الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث لي برؤوسهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم، وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، والسلام. فورد الكتاب على الوليد ليلاً، فوجه إلى الحسين وإلى عبد الله بن الزبير، فأخبرهما الخبر، فقالا: نصبح ونأتيك مع الناس. فقال له مروان: إنهما والله إن خرجا لم ترهما، فخذهما بأن يبايعا، وإلا فاضرب أعناقهما. فقال: والله ما كنت لأقطع أرحامهما! فخرجا من عنده وتنحيا من تحت ليلتهما، فخرج الحسين إلى مكة، فأقام بها أياماً، وكتب أهل العراق إليه، ووجهوا بالرسل على أثر الرسل، فكان آخر كتاب ورد عليه منهم كتاب هانئ بن أبي هانئ، وسعيد بن عبد الله الخثعمي: بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين، أما بعد فحي هلا، فإن الناس ينتظرونك، لا إمام لهم غيرك، فالعجل ثم العجل والسلام.

(1/205)


فوجه إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وكتب إليهم، وأعلمهم أنه أثر كتابه فلما قدم مسلم الكوفة اجتمعوا إليه، فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه، وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء. وأقبل الحسين من مكة يريد العراق، وكان يزيد قد ولى عبيد الله بن زياد العراق، وكتب إليه: قد بلغني أن أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم، وأنه قد خرج من مكة متوجها نحوهم، وقد بلي به بلدك من بين البلدان، وأيامك من بين الأيام، فإن قتلته، وإلا رجعت إلى نسبك وإلى أبيك عبيد، فاحذر أن يفوتك.
مقتل الحسين بن علي
وقدم عبيد الله بن زياد الكوفة، وبها مسلم بن عقيل قد نزل على هانئ بن عروة، وهانئ شديد العلة، وكان صديقا لابن زياد، فلما قدم ابن زياد الكوفة أخبر بعلة هانئ، فأتاه ليعوده، فقال هانئ لمسلم بن عقيل وأصحابه، وهم جماعة: إذا جلس ابن زياد عندي وتمكن، فإني سأقول اسقوني، فاخرجوا فاقتلوه، فأدخلهم البيت وجلس في الرواق.
وأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فلما تمكن قال هانئ بن عروة: اسقوني! فلم يخرجوا، فقال: اسقوني، ما يؤخركم؟ ثم قال: اسقوني، ولو كانت فيه نفسي، ففهم ابن زياد، فقام فخرج من عنده، ووجه بالشرط يطلبون مسلماً، وخرج وأصحابه، وهو لا يشك في وفاء القوم، وصحة نياتهم، فقاتل عبيد الله، فأخذوه، فقتله عبيد الله، وجر برجله في السوق وقتل هانئ ابن عروة لنزول مسلم منزله وإعانته إياه.
وسار الحسين يريد العراق، فلما بلغ القطقطانة أتاه الخبر بقتل مسلم بن عقيل، ووجه عبيد الله بن زياد، لما بلغه قربه من الكوفة، بالحر بن يزيد، فمنعه من أن يعدل، ثم بعث إليه بعمر بن سعد بن أبي وقاص في جيش، فلقي الحسين بموضع على الفرات يقال له كربلاء وكان الحسين في اثنين وستين، أو اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته وأصحابه، وعمر بن سعد في أربعة آلاف، فمنعوه الماء، وحالوا بينه وبين الفرات، فناشدهم الله عز وجل، فأبوا إلا قتاله أو يستسلم، فمضوا به إلى عبيد الله بن زياد فيرى رأيه فيه، وينفذ فيه حكم يزيد، فروي عن علي بن الحسين أنه قال: إني لجالس في العشية التي قتل أبي الحسين ابن علي في صبيحتها، وعمتي زينب تمرضني، إذ دخل أبي، وهو يقول:
يا دهر أف لك من خليل ... كم لك في الإشراق والأصيل
من طالب وصاحب قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل ... وكل حي سألك السبيل
ففهمت ما قال: وعرفت ما أراد، وخنقتني عبرتي، ورددت دمعي، وعرفت أن البلاء قد نزل بنا، فأما عمتي زينب، فإنها لما سمعت ما سمعت، والنساء من شأنهن الرقة والجزع، لم تملك إن وثبت تجر ثوبها حاسرة، وهي تقول: ووا ثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة اليوم! ماتت فاطمة وعلي والحسن بن علي أخي، فنظر إليها فردد غصته، ثم قال: يا أختي اتقي الله، فإن الموت نازل لا محالة! فلطمت وجهها، وشقت جيبها، وخرت مغشياً عليها، وصاحت: واويلاه! وواثكلاه! فتقدم إليها، فصب على وجهها الماء، وقال لها: يا أختاه، تعزي بعزاء الله، فإن لي ولكل مسلم أسوة برسول الله، ثم قال: إني أقسم عليك، فأبرى قسمي، لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي، فإني لمريض مدنف، وخرج إلى أصحابه.
فلما كان من الغد خرج فكلم القوم، وعظم عليهم حقه، وذكرهم الله عز وجل ورسوله، وسألهم أن يخلوا بينه وبين الرجوع، فأبوا إلا قتاله، أو أخذه حتى يأتوا به عبيد الله بن زياد، فجعل يكلم القوم بعد القوم والرجل بعد الرجل، فيقولون: ما ندري ما تقول، فأقبل على أصحابه فقال: إن القوم ليسوا يقصدون غيري، وقد قضيتم ما عليكم فانصرفوا، فأنتم في حل. فقالوا: لا والله، يا ابن رسول الله، حتى تكون أنفسنا قبل نفسك، فجزاهم الخير. وخرج زهير بن القين على فرس له فنادى: يا أهل الكوفة! نذار لكم من عذاب الله! نذار عباد الله! ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ولد سمية، فإن لم تنصروهم، فلا تقاتلوهم. أيها الناس! إنه ما أصبح على ظهر الأرض ابن بنت نبي إلا الحسين، فلا يعين أحد على قتله ولو بكلمة إلا نغصه الله الدنيا، وعذبه أشد عذاب الآخرة.

(1/206)


ثم تقدموا رجلاً رجلاً، حتى بقي وحده ما معه أحد من أهله، ولا ولده، ولا أقاربه، فإنه لواقف على فرسه إذ أتي بمولود قد ولد له في تلك الساعة، فأذن في أذنه، وجعل يحنكه، إذ أتاه سهم، فوقع في حلق الصبي، فذبحه، فنزع الحسين السهم من حلقه، وجعل يلطخه بدمه يقول: والله لأنت أكرم على الله من الناقة، ولمحمد أكرم على الله من صالح! ثم أتى فوضعه مع ولده وبني أخيه، ثم حمل عليهم، فقتل منهم خلقاً عظيماً، وأتاه سهم فوقع في لبته، فخرج من قفاه، فسقط، وبادر القوم فاحتزوا رأسه، وبعثوا به إلى عبيد الله بن زياد، وانتهبوا مضاربه، وابتزوا حرمه، وحملوهن إلى الكوفة، فلما دخلن إليها خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا؟ وأخرج عيال الحسين وولده إلى الشام، ونصب رأسه على رمح، وكان مقتله لعشر ليال خلون من المحرم سنة واحد وستون، واختلفوا في اليوم، فقالوا: يوم السبت، وقالوا: يوم الإثنين، وقالوا: يوم الجمعة، وكان من شهور العجم في تشرين الأول.
قال الخوارزمي: وكانت الشمس يومئذ في الميزان سبع عشرة درجة وعشرين دقيقة، والقمر في الدلو عشرين درجة وعشرين دقيقة، وزحل في السرطان تسعاً وعشرين درجة وعشرين دقيقة، والمشتري في الجدي اثنتي عشرة درجة وأربعين دقيقة، والزهرة في السنبلة خمس درجات وخمسين دقيقة، وعطارد في الميزان خمس درجات وأربعين دقيقة، والرأس في الجوزاء درجة وخمساً وأربعين دقيقة.
ووضع الرأس بين يدي يزيد، فجعل يزيد يقرع ثناياه بالقصب وكان أول صارخة صرخت في المدينة أم سلمة زوج رسول الله، كان دفع إليها قارورة فيها تربة، وقال لها: إن جبريل أعلمني أن أمتي تقتل الحسين وأعطاني هذه التربة، وقال لي: إذا صارت دما عبيطا فاعلمي أن الحسين قد قتل، وكانت عندها، فلما حضر ذلك الوقت جعلت تنظر إلى القارورة في كل ساعة، فلما رأتها قد صارت دما صاحت: وا حسيناه! وابن رسول الله! وتصارخت النساء من كل ناحية، حتى ارتفعت المدينة بالرجة التي ما سمع بمثلها قط.
وكانت سن الحسين يوم قتل ستاً وخمسين سنة، وذلك أنه ولد في سنة أربعة من الهجرة.
وقيل للحسين: ما سمعت من رسول الله؟ قال: سمعته يقول: إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها، وعقلت عنه أنه يكبر فأكبر خلفه، فإذا سمع تكبيري أعاد التكبير حتى يكبر سبعاً، وعلمني: قل هو الله أحد، وعلمني الصلوات الخمس، وسمعته يقول: من يطع الله يرفعه، ومن يعص الله يضعه، ومن يخلص نيته لله يزينه، ومن يثق بما عند الله يغنه، ومن يتعزز على الله يذله. ئ قال بعضهم: سمعت الحسين يقول: الصدق عز، والكذب عجز، والسر أمانة والجوار قرابة، والمعونة صداقة، والعمل تجربة، والخلق الحسن عبادة، والصمت زين، والشح فقر والسخاء غنى، والرفق لب.
ووقف الحسين بن علي بالحسن البصري، والحسن لا يعرفه، فقال له الحسين: يا شيخ هل ترضى لنفسك يوم بعثك؟ قال: لا! قال: فتحدث نفسك بترك ما لا ترضاه لنفسك من نفسك يوم بعثك؟ قال: نعم بلا حقيقة. قال: فمن أغش لنفسه منك يوم بعثك، وأنت لا تحدث نفسك بترك ما لا ترضاه لنفسك بحقيقة؟ ثم مضى الحسين، فقال الحسن البصري: من هذا؟ فقيل له: الحسين بن علي. فقال: سهلتم علي.
وكان للحسين من الولد: علي الأكبر، لا بقية له، قتل بالطف، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وعلي الأصغر، وأمه حرار بنت يزدجرد، وكان الحسين سماها غزالة.
وقيل لعلي بن الحسين: ما أقل ولد أبيك! قال: العجب كيف ولدت له، إنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يفرغ للنساء؟ وأقام عبد الله بن الزبير بمكة خالعاً يزيد، ودعا إلى نفسه، وأخرج عامل يزيد. ووجه إليه يزيد ابن عضاة الأشعري، وكتب إليه يعطيه الأمان، ويعلمه أنه كان حلف ألا يقبل بيعته إلا وهو في جامعة حديد، حتى يبايع ثم يطلقه. وكان مروان بن الحكم عامل المدينة، فكره ابن الزبير أن يجيب إلى ذلك، وداخله الهلع عندما بلغه من قتل الحسين، فوجه إليه مع بعض ثقاته بشعر يقول فيه:
فخذها فليست للعزيز بخطه ... وفيها مقال لامرئ متذلل

(1/207)


وكان ابن الزبير شديد العزة، فلم يفعل، وأجاب ابن عضاة بجواب غليظ، فقال ابن عضاة: إن الحسين بن علي كان أجل قدراً في الإسلام وأهله من قبل، وقد رأيت حاله، فقال له ابن الزبير: إن الحسين بن علي خرج إلى من لا يعرف حقه، وإن المسلمين قد اجتمعوا علي. فقال له: فهذا ابن عباس، وابن عمر لم يبايعك، وانصرف.
وأخذ ابن الزبير عبد الله بن عباس بالبيعة له، فامتنع عليه، فبلغ يزيد بن معاوية أن عبد الله بن عباس قد امتنع على ابن الزبير، فسره ذلك، وكتب إلى ابن عباس: أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته، وعرض عليك الدخول في طاعته لتكون على الباطل ظهيرا وفي المأثم شريكا، وإنك امتنعت عليه، واعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا، وطاعة لله فيما عرفك من حقنا، فجزاك الله من ذي رحم بأحسن ما يجزى به الواصلين لأرحامهم، فإني ما آنس من الأشياء فلست بناس برك، وحسن جزائك، وتعجيل صلتك بالذي أنت مني أهله في الشرف والطاعة والقرابة بالرسول، وانظر، رحمك الله، فيمن قبلك من قومك، ومن يطرؤ عليك من الآفاق ممن يسحره الملحد بلسانه وزخرف قوله، فأعلمهم حسن رأيك في طاعتي والتمسك ببيعتي، فإنهم لك أطوع، ومنك أسمع منهم للمحل الملحد، والسلام.
فكتب إليه عبد الله بن عباس: من عبد الله بن عباس إلى يزيد بن معاوية. أما بعد، فقد بلغني كتابك بذكر دعاء ابن الزبير إياي إلى نفسه وامتناعي عليه في الذي دعاني إليه من بيعته، فإن يك ذلك كما بلغك، فلست حمدك أردت، ولا ودك، ولكن الله بالذي أنوي عليم. وزعمت أنك لست بناس ودي فلعمري ما تؤتينا مما في يديك من حقنا إلا القليل، وإنك لتحبس عنا منه العريض الطويل، وسألتني أن أحث الناس عليك وأخذ لهم عن ابن الزبير، فلا، ولا سروراً، ولا حبوراً، وأنت قتلت الحسين بن علي، بفيك الكثكث ولك الأثلب، إنك إن تمنك نفسك ذلك لعازب الرأي، وإنك لأنت المفند المهور. لا تحسبني، لا أبا لك، نسيت قتلك حسينا وفتيان بني عبد المطلب، مصابيح الدجى، ونجوم الأعلام، غادرهم جنودك مصرعين في صعيد، مرملين بالتراب، مسلوبين بالعراء، لا مكفنين، تسفي عليهم الرياح، وتعاورهم الذئاب، وتنشى بهم عرج الضباع، حتى أتاح الله لهم أقواماً لم يشتركوا في دمائهم، فأجنوهم في أكفانهم، وبي والله وبهم عززت وجلست مجلسك الذي جلست، يا يزيد.
وما آنس من الأشياء، فلست بناس تسليطك عليهم الدعي العاهر، ابن العاهر، البعيد رحما، اللئيم أبا وأما الذي في ادعاء أبيك إياه ما اكتسب أبوك به إلا العار والخزي والمذلة في الآخرة والأولى، وفي الممات والمحيا، إن نبي الله قال: الولد للفراش، وللعاهر الحجر. فألحقه بأبيه كما يلحق بالعفيف النقي ولده الرشيد، وقد أمات أبوك السنة جهلاً وأحيا البدع والأحداث المضلة عمداً.
وما آنس من الأشياء، فلست بناس إطرادك الحسين بن علي من حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرم الله، ودسك إليه الرجال تغتاله، فأشخصته من حرم الله إلى الكوفة، فخرج منها خائفا يترقب، وقد كان أعز أهل البطحاء بالبطحاء قديماً، وأعز أهلها بها حديثاً، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوأ بها مقاما واستحل بها قتالاً، ولكن كره أن يكون هو الذي يستحل حرمة البيت وحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبر من ذلك ما لم تكبر حيث دسست إليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم وما لم يكبر ابن الزبير حيث الحد بالبيت الحرام وعرضه للعائر وأراقل العالم، وأنت؟ لأنت المستحل فيما أظن بل لا شك فيه إنك للمحرف العريف، فإنك حلف نسوة، صاحب ملأه، فلما رأى سوء رأيك شخص إلى العراق، ولم يبتغك ضرابا، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
ثم إنك الكاتب إلى ابن مرجانة أن يستقبل حسينا بالرجال، وأمرته بمعاجلته، وترك مطاولته، والإلحاح عليه، حتى يقتله ومن معه من بني عبد المطلب، أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجاس، وطهرهم تطهيراً، فنحن أولئك لسنا كأبائك الأجلاف قاه الأكباد الحمير.

(1/208)


ثم طلب الحسين بن علي إليه الموادعة، وسألهم الرجعة، فاغتنمتم قلة أنصاره، واستئصال أهل بيته، فعدوتم عليهم، فقتلوهم كأنما قتلوا أهل بيت من الترك والكفر، فلا شيء عندي أعجب من طلبك ودي ونصري، وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت آخذ ثاري، فإن يشأ الله لا يطل لديك دمي ولا تسبقني بثأري، وإن سبقتني به في الدنيا، فقبلنا ما قتل النبيون وآل النبيين وكان الله الموعد، وكفى به للمظلومين ناصراً، ومن الظالمين منتقماً. فلا يعجبنك أن ظفرت بنا اليوم، فو الله لنظفرن بك يوماً.
فأما ما ذكرت من وفائي، وما زعمت من حقي، فإن يك ذلك كذلك، فقد والله بايعت أباك، وإني لأعلم أن ابني عمي وجميع بني أبي أحق بهذا الأمر من أبيك، ولكنكم، معاشر قريش، كاثرتمونا، فاستأثرتم علينا سلطاننا، ودفعتمونا عن حقنا، فبعدا على من يجترئ على ظلمنا، واستغوى السفهاء علينا، وتولى الأمر دوننا. فبعدا لهم كما بعدت ثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، ومكذبو المرسلين.
ألا ومن أعجب الأعاجيب، وما عشت أراك الدهر العجيب، حملك بنات عبد المطلب وغلمة صغاراً من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوب، ترى الناس أنك قهرتنا، وأنك تأمر علينا، ولعمري لئن كنت تصبح وتمسي آمنا لجرح يدي، إني لأرجو أن يعظم جراحك بلساني ونقضي وإبرامي، فلا يستقر بك الجدل، ولا يمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلاً، حتى يأخذك أخذاً أليماً، فيخرجك الله من الدنيا ذميماً أثيماً، فعش لا أبا لك، فقد والله أرداك عند الله ما اقترفت. والسلام على من أطاع الله.
وولى يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان المدينة، فأتاه ابن مينا، عامل صوافي معاوية، فأعلمه أنه أراد حمل ما كان يحمله في كل سنة من تلك الصوافي من الحنطة والتمر، وأن أهل المدينة منعوه من ذلك، فأرسل عثمان إلى جماعة منهم، فكلمهم بكلام غليظ، فوثبوا به وبمن كان معه بالمدينة من بني أمية، وأخرجوهم من المدينة واتبعوهم يرجمونهم بالحجارة، فلما انتهى الخبر إلى يزيد بن معاوية وجه إلى مسلم بن عقبة، فأقدمه من فلسطين، وهو مريض، فأدخله منزله، ثم قص عليه القصة، فقال: يا أمير المؤمنين! وجهني إليهم فو الله لأدعن أسفلها أعلاها، يعني مدينة الرسول، فوجهه في خمسة آلاف إلى المدينة، فأوقع بأهلها وقعة الحرة، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديدا، وخندقوا على المدينة، فرام ناحية من نواحي الخندق، فتعذر ذلك عليه، فخدع مروان بعضهم، فدخل ومعه مائة فارس، فاتبعه الخيل حتى دخلت المدينة، فلم يبق بها كثير أحد إلا قتل، وأباح حرم رسول الله، حتى ولدت الأبكار لا يعرف من أولدهن، ثم أخذ الناس على أن يبايعوا على انهم عبيد يزيد بن معاوية، فكان الرجل من قريش يؤتى به، فيقال: بايع آية إنك عبد قن ليزيد، فيقول: لا! فيضرب عنقه، فأتاه علي بن الحسين فقال: علام يريد يزيد أن أبايعك؟ قال: على أنك أخ وابن عم. فقال: وإن أردت أن أبايعك على أني عبد قن، فعلت فقال: ما أحشمك هذا، فلما أن رأى الناس إجابة علي بن الحسين قالوا: هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على ما يريد، فبايعوه على ما أراد، وكان ذلك سنة اثنان وستون.
وكان جيش مسلم خمسة آلاف رجل: من فلسطين ألف رجل عليهم روح ابن زنباع الجذامي، ومن الأردن ألف رجل عليهم حبيش بن دلجة القيني، ومن دمشق ألف رجل عليهم عبد الله بن مسعدة الفزاري، ومن أهل حمص ألف رجل عليهم الحصين بن نمير السكوني، ومن قنسرين ألف رجل عليهم زفر بن الحارث الكلابي. وكان المدبر لأمر أهل المدينة والرئيس في محاربة أهل الشام عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري.
وخرج مسلم بن عقبة من المدينة يريد مكة لمحاربة ابن الزبير، فلما صار بثنية المشلل احتضر، واستخلف الحصين بن نمير، وقال له: يا برذعة الحمار! لو لا حبيش بن دلجة القيني لما وليتك، فإذا قدمت مكة، فلا يكون عملك إلا الوقاف ثم الثقاف، ثم الانصراف، ثم قال: اللهم إن عذبتني بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية وقتل أهل الحرة، فإني إذا لشقي. ثم خرجت نفسه فدفن بثنية المشلل، وجاءت أم ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة، فنبشته وصلبته على المشلل، وجاء الناس فرجموه، وبلغ الخبر الحصين بن نمير فرجع فدفنه، وقتل جماعة من أهل ذلك الموضع، وقيل لم يدع منهم أحداً.

(1/209)


وقدم الحصين بن نمير مكة فناوش ابن الزبير الحرب في الحرم، ورماه بالنيران حتى أحرق الكعبة. وكان عبد الله بن عمير الليثي قاضي ابن الزبير، إذا تواقف الفريقان قام على الكعبة، فنادى بأعلى صوته: يا أهل الشام! هذا حرم الله الذي كان مأمناً في الجاهلية يأمن فيه الطير والصيد، فاتقوا الله، يا أهل الشام! فيصيح الشاميون: الطاعة الطاعة! الكرة الكرة! الرواح قبل المساء! فلم يزل على ذلك حتى أحرقت الكعبة، فقال أصحاب ابن الزبير: نطفئ النار، فمنعهم، وأراد أن يغضب الناس للكعبة، فقال بعض أهل الشام إن الحرمة والطاعة اجتمعتا، فغلبت الطاعة الحرمة. وكان حريق الكعبة في سنة ثلاث وستون.
وولى يزيد سلم بن زياد خراسان، وبعث معه بعده من الأشراف، أحدهم طلحة الطلحات، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، والمهلب ابن أبي صفرة، وعمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعبد الله بن خازم السلمي فصار إلى خراسان، فأقام بنيسابور، ثم صار إلى خوارزم، ففتحها.
ثم صار إلى بخارى، وملكتها خاتون، فلما رأت كثرة جمعه هالها ذلك، وكتبت إلى طرخون ملك السغد: أني متزوجتك، فأقبل إلي لتملك بخارى، فأقبل إليها في مائة ألف وعشرين ألفاً، فوجه سلم المهلب بن أبي صفرة طليعة له لما بلغه إقبال طرخون، فخرج وتبعه الناس، فلما أشرفوا على عسكر طرخون زحف أصحاب طرخون إليهم، والتحم القتال، ورشقهم المسلمون بالنبل، فقتل طرخون وانهزم أصحابه، فقتل منهم بشر كثير، فبلغت سهام المسلمين يومئذ للفارس ألفين وأربعمائة، وللراجل ألفاً ومائتين، ولم يزل ابن زياد بخراسان حتى توفي يزيد، وكان يكتم موته حتى ذاع في الناس، فانصرف سلم من خراسان، فاستخلف عليها ابن خازم السلمي، وذلك أنه خاف أن يثب به، فداراه وبلغه اختلاط الناس، فأعطاه عهده ومضى.
وأقام ابن خازم بخراسان فعمل العجائب، ولم يكن يرد عليه، وسار سليمان إلى هراة، ووثب أوس بن ثعلبة بالطالقان، فلم يزل يحاربهما ويحارب الترك، وهو في كل ذلك منصور عليهم. وتوفي يزيد بن معاوية في صفر سنة أربع وستون بموضع يقال له حوارين وحمل إلى دمشق، فدفن بها، وصلى عليه معاوية بن يزيد. وكان له من الولد الذكور أربعة: معاوية، وخالد، وأبو سفيان، وعبد الله، وكان الغالب عليه حسان بن بحدل الكلبي، وروح بن زنباع الجذامي، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن رياح، وكان على شرطة عبد الله بن عامر الهمداني، وعلى حرسه سعيد مولى كلب، وحاجبه صفوان مولاه.
وكتب مروان بن الحكم إلى الحصين بن نمير، وهو في محاربة ابن الزبير: لا يهولنك ما حدث، وامض لشأنك. وبلغ الخبر ابن الزبير وذاع في العسكر، فانكسرت شوكة القوم، وأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير: نلتقي الليلة على الأمان، فالتقيا، فقال له الحصين بن نمير: إن يزيد قد مات، وابنه صبي، فهل لك أن أحملك إلى الشام، فليس بالشام أحد، فأبايع لك، فليس يختلف عليك اثنان؟ فقال ابن الزبير، رافعا صوته: لا والله الذي لا إله إلا هو، أو تقتل بأهل الحرة أمثالهم من أهل الشام فقال له الحصين: من زعم أنك داهية فهو أحمق. أقول لك ما لك سراً، وتقول لي ما عليك علانية؟ ثم انصرف. وكان سعيد بن المسيب يسمى سني يزيد بن معاوية بالشؤم: في السنة الأولى قتل الحسين بن علي وأهل بيت رسول الله، والثانية استبيح حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهكت حرمة المدينة، والثالثة سفكت الدماء في حرم الله وحرقت الكعبة.
وأقام الحج في ولاية يزيد بن معاوية سنة ستون عمرو بن سعيد بن العاص، وفي سنة واحد وستون الوليد بن عتبة، وفي سنة اثنان وستون الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وغزا في الناس في ولايته سنة واحد وستون، غزا مالك بن عبد الله الخثعمي الصائفة، وهي غزاة سورية.
أيام معاوية بن يزيد بن معاوية

(1/210)


ثم ملك معاوية بن يزيد بن معاوية، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، أربعين يوماً، وقيل: بل أربعة أشهر، وكان له مذهب جميل، فخطب الناس، فقال: أما بعد حمد الله والثناء عليه، أيها الناس فإنا بلينا بكم وبليتم بنا فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا، ألا وإن جدي معاوية ابن أبي سفيان نازع الأمر من كان أولى به منه في القرابة برسول الله، وأحق في الإسلام، سابق المسلمين، وأول المؤمنين، وابن عم رسول رب العالمين، وأبا بقية خاتم المرسلين، فركب منكم ما تعلمون، وركبتم منه ما لا تنكرون، حتى أتته منيته وصار رهنا بعمله، ثم قلد أبي وكان غير خليق للخير، فركب هواه، واستحسن خطأه، وعظم رجاؤه، فأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل، فقلت منعته، وانقطعت مدته، وصار أحفرته رهناً بذنبه، وأسيراً بجرمه. ثم بكى، وقال: إن أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه، وقد قتل عترة الرسول، وأباح الحرمة وحرق الكعبة، وما أنا المتقلد أموركم، ولا المتحمل تبعاتكم، فشأنكم أمركم، فو الله لئن كانت الدنيا مغنماً لقد نلنا منها حظاً، وإن تكن شراً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها. فقال له مروان بن الحكم: سنها فينا عمرية! قال: ما كنت أتقلدكم حيا وميتا، ومتى صار يزيد بن معاوية مثل عمر، ومن لي برجل مثل رجال عمر. وتوفي وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وصلى عليه خالد بن يزيد بن معاوية، وقيل بل عثمان بن محمد بن أبي سفيان، ودفن بدمشق، وكان بها ينزل.
أيام مروان بن الحكم
وعبد الله بن الزبير وأيام من أيام عبد الملك وكان عبد الله بن الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر، قد تغلب على مكة، وتسمى بأمير المؤمنين، ومال إليه أكثر النواحي، وكان ابتداء أمره في أيام يزيد بن معاوية، على ما اقتصصنا من خبره، ومحاربته للحصين بن نمير، فلما توفي يزيد بن معاوية مال الناس من البلدان جميعاً إلى ابن الزبير، وكان بمصر عبد الرحمن بن جحدم الفهري عاملاً لابن الزبير، وأهل مصر في طاعته، وبفلسطين ناتل بن قيس الجذامي، وبدمشق الضحاك بن قيس الفهري، وبحمص النعمان بن بشير الأنصاري، وبقنسرين والعواصم زفر بن الحارث الكلابي، وبالكوفة عبد الله بن مطيع، وبالبصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وبخراسان عبد الله بن خازم السلمي، ولم تبق ناحية إلا مالت إلى ابن الزبير خلا الأردن، ورئيسها يومئذ حسان بن بحدل الكلبي.
وأخرج ابن الزبير بني أمية من المدينة، وأخذ مروان بالخروج، فأتى عبد الملك ابنه، وهو عليل مجدر، فقال له: يا بني إن ابن الزبير قد أخرجني! قال: فما يمنعك أن تخرجني معك؟ قال: كيف أخرجك وأنت على هذا الحال؟ قال: لفني في القطن، فإن هذا رأي لم يتعقبه ابن الزبير. فخرج وأخرج عبد الملك، وتعقب ابن الزبير الرأي، فعلم أنه قد أخطأ، فوجه يردهم ففاتوه.
وقدم مروان، وقد مات معاوية بن يزيد، وأمر الشام مضطرب، فدعا إلى نفسه، واجتمع الناس بالجابية من أرض دمشق، فتناظروا في ابن الزبير وفيما تقدم لبني أمية عندهم، وتناظروا في خالد بن يزيد بن معاوية، وفي عمرو بن سعيد بن العاص بعده، وكان روح بن زنباع الجذامي يميل مع مروان، فقام خطيباً، فقال: يا أهل الشام! هذا مروان بن الحكم شيخ قريش، والطالب بدم عثمان، والمقاتل لعلي بن أبي طالب يوم الجمل، ويوم صفين، فبايعوا الكبير، واستنيبوا للصغير، ثم لعمرو بن سعيد.
فبايعوا لمروان بن الحكم، ثم لخالد بن يزيد، ثم لعمرو بن سعيد. فلما عقدوا البيعة جمعوا من كان في ناحيتهم، ثم تناظروا في أي بلد يقصدون، فقالوا: نقصد دمشق، فإنها دار الملك، ومنزل الخلفاء، وقد تغلب بها الضحاك بن قيس. فقصدوا دمشق، فلقوا الضحاك بمرج راهط، وكان مع الضحاك من أهل دمشق وفتينهم جماعة، وقد أمده النعمان بن بشير عامل حمص بشر حبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص، وأمده زفر بن الحارث الكلابي بقيس بن طريف بن حسان الهلالي، والتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل الضحاك بن قيس وخلق من أصحابه، وهرب من بقي من جيشه.
وبلغ الخبر النعمان بن بشير، وهو بحمص، فخرج هارباً، ومعه امرأته الكنانية وثقله وولده، فتبعه قوم من حمير وباهلة، فقتلوه في البرية، واحتزوا رأسه. ووجهوا به إلى مروان بن الحكم.

(1/211)


وهرب زفر بن الحارث الكلابي والخيل تتبعه حتى أتى قرقيسيا وبها عياض الحرشي من مذحج فأغلق أبوابها دونه. فلم يزل يخدعه حتى دخلها.
ووجه مروان حبيش بن دلجة القيني إلى الحجاز لمحاربة ابن الزبير، فسار حتى أتى المدينة، وعليها جابر بن الأسود بن عوف الزهري عامل ابن الزبير، وكتب ابن الزبير إلى الحارث بن عبد الله عامله على البصرة أن يوجه إليهم بجيش، فلقوا حبيشا فقتلوه وقتلوا عامة أصحابه فلم يفلت منهم إلا الشريد فكان فيمن أفلت منهم: يوسف بن الحكم الثقفي، وابنه الحجاج بن يوسف. ثم خرج مروان يريد مصر، فلما سار إلى فلسطين وجد ناتل بن قيس الجذامي متغلباً على البلد، وأخرج روح بن زنباع، فحاربه، فلما لم يكن لناتل قوة على محاربة مروان هرب، فلحق بابن الزبير، وسار مروان يريد مصر حتى دخلها، فصالحه أهلها، وأعطوه الطاعة، وأخرج ابن جحدم الفهري، عامل ابن الزبير، وقيل اغتاله فقتله، وقتل أكيدر بن حمام اللخمي، واستعمل عليها ابنه عبد العزيز بن مروان وانصرف.
وقام سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وخرجا في جماعة معهما من الشيعة بالعراق، بموضع يقال له عين الوردة، يطلبون بدم الحسين بن علي، ويعملون بما أمر الله به بني إسرائيل، إذ قال: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم، فتاب عليكم، إنه هو التواب الرحيم، واتبعهم خلق من الناس، فوجه إليهم مروان عبيد الله بن زياد، وقال: إن غلبت على العراق فأنت أميرها، فلقي سليمان بن صرد، فلم يزل يحاربه حتى قتله، وقيل لم يقتل سليمان في أيام مروان، ولكنه قتل في أيام عبد الملك.
ولما صار مروان إلى الصنبرة من أرض الأردن، منصرفا من مصر، بلغه أن حسان بن بحدل قد بايع عمرو بن سعيد، فأحضره فقال له: قد بلغني أنك بايعت عمرو بن سعيد، فأنكر ذلك، فقال له: بايع لعبد الملك، فبايع لعبد الملك، ثم بعده لعبد العزيز بن مروان، ولم يبرح مروان من الصنبرة حتى توفي.
وكان سبب وفاته أنه تزوج أم خالد بن يزيد بن معاوية، فدخل إليه يوماً فأفحش له في القول، ثم أعاد عليه في يوم آخر مثل ذلك، فدخل خالد إلى أمه مغضبا، فخبرها، فقالت: والله لا يشرب البارد بعدها! فصيرت له سما في لبن، فلما دخل سقته إياه. وقال بعضهم: بل وضعت على وجهه وسادة حتى قتلته. وقال قوم: إنه توفي بدمشق ودفن بها.
وكانت ولاية مروان تسعة أشهر، فتوفي في شهر رمضان سنة خمس وستون، وهو ابن إحدى وستين سنة، وكان صاحب شرطته يحيى بن قيس الغساني، وحاجبه أبو سهل الأسود، وصلى عليه عبد الملك ابنه، وخلف من الولد اثني عشر ذكرا وهم: عبد الملك وعبد العزيز، ومعاوية، وبشر، وعمر، وأبان، وعبد الله، وعبيد الله، وأيوب، وداود، وعثمان، ومحمد.
وخلف أهل الشام عبد الملك، فأقبل مسرعاً إلى دمشق خوفاً من وثوب عمرو بن سعيد، واجتمع الناس عليه، فقال لهم: إني أخاف أن يكون في أنفسكم مني شيء فقام جماعة من شيعة مروان، فقالوا: والله لتقومن إلى المنبر، أو لنضربن عنقك! فصعد المنبر وبايعوه.
وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي أقبل في جماعة عليهم السلاح، يريدون نصر الحسين بن علي، فأخذه عبيد الله بن زياد، فحبسه، وضربه بالقضيب، حتى شتر عينه، فكتب فيه عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية وكتب يزيد إلى عبيد الله: إن خل سبيله، فخلى سبيله، ونفاه، فخرج المختار إلى الحجاز، فكان مع ابن الزبير، فلما لم ير ابن الزبير يستعمله شخص إلى العراق، فوافى وقد خرج سليمان بن صرد الخزاعي يطلب بدم الحسين، فلما صار إلى الكوفة اجتمعت إليه الشيعة، فقال لهم: إن محمد بن علي بن أبي طالب بعثني إليكم أميرا، وأمرني بقتل المحلين، وأطلب بدماء أهل بيته المظلومين، وإني والله قاتل ابن مرجانة، والمنتقم لآل رسول الله ممن ظلمهم. فصدقه طائفة من الشيعة، وقالت طائفة: نخرج إلى محمد بن علي فنسأله، فخرجوا إليه، فسألوه، فقال: ما أحب إلينا من طلب بثأرنا، وأخذ لنا بحقنا، وقتل عدونا، فانصرفوا إلى المختار، فبايعوه وعاقدوه، واجتمعت طائفة.

(1/212)


وكان ابن مطيع عامل ابن الزبير على الكوفة، فجعل يطلب الشيعة ويخيفهم، فواعد المختار أصحابه، ثم خرجوا بعد المغرب، وصاحب الجيش إبراهيم ابن مالك بن الحارث الأشتر، ونادى: يا لثارات الحسين بن علي! وكان ذلك سنة ست وستون، والتحم القتال بينهم وبين عبد الله بن مطيع، وكانت أشد حرب وأصعبها.
ثم صار ابن مطيع إلى القصر ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوا لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع المختار إلى ابن مطيع مائة ألف، وقال له: تحمل بها وأنفذ لوجهك. وسرح المختار عماله إلى النواحي، فأخرجوا من كان فيها، وأقاموا بها.
وكان عامل المختار على الموصل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، فزحف إليه عبيد الله بن زياد، بعد قتله سليمان بن صرد، فحاربه عبد الرحمن، وكتب إلى المختار بخبره، فوجه إليه يزيد بن أنس، ثم وجه إبراهيم بن مالك بن الحارث الأشتر، فلقي عبيد الله بن زياد فقتله، وقتل الحصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، وحرق أبدانهما بالنار، وأقام واليا على الموصل وأرمينية وآذربيجان من قبل المختار وهو على العراق وال، ووجه برأس عبيد الله بن زياد إلى علي بن الحسين إلى المدينة مع رجل من قومه، وقال له: قف بباب علي بن الحسين، فإذا رأيت أبوابه قد فتحت ودخل الناس، فذاك الوقت الذي يوضع فيه طعامه، فأدخل إليه. فجاء الرسول إلى باب علي بن الحسين، فلما فتحت أبوابه، ودخل الناس للطعام، نادى بأعلى صوته: يا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومهبط الملائكة، ومنزل الوحي! أنا رسول المختار بن أبي عبيد معي رأس عبيد الله بن زياد، فلم تبق في شيء من دور بني هاشم امرأة إلا صرخت، ودخل الرسول، فأخرج الرأس، فلما رآه علي بن الحسين قال: أبعده الله إلى النار. وروى بعضهم أن علي بن الحسين لم ير ضاحكا يوماً قط، منذ قتل أبوه، إلا في ذلك اليوم، وإنه كان له إبل تحمل ألفاًكهة من الشام، فلما أتي برأس عبيد الله بن زياد أمر بتلك ألفاًكهة، ففرقت في أهل المدينة وامتشطت نساء آل رسول الله، واختضبن، وما امتشطت امرأة ولا اختضبت منذ قتل الحسين بن علي وتتبع المختار قتلة الحسين فقتل منهم خلقا عظيما، حتى لم يبق منهم كثير أحد، وقتل عمر بن سعد وغيره، وحرق بالنار، وعذب بأصناف العذاب.
وهدم ابن الزبير الكعبة في جمادى الآخرة سنة أربع وستون، حتى ألصقها بالأرض، وذلك أن الحصين بن نمير لما أراد ابن الزبير هدمها امتنع، وامتنع الناس من الهدم، فعلا عبد الله بن الزبير على البيت، فهدم، فلما رآه الناس يهدم هدموا، فلما ألصقها بالأرض خرج ابن عباس من مكة إعظاما للمقام بها، وقد هدمت الكعبة، وقال له: اضرب حوالي الكعبة الخشب لا تبق الناس بغير قبله.
وروى ابن الزبير عن خالته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: قال لي رسول الله: يا عائشة إن بدا لقومك أن يهدموا الكعبة ثم يبنوها، فلا يرفعوها عن الأرض، وليصيروا لها بابين. فلما بلغ ابن الزبير بالهدم إلى القواعد أدخل الحجر في البناء حتى رفعها، وجعل لها بابين باباً شرقياً وباباً غربياً وصير على كل باب مصراعين، وكان على بابها الأول مصراع واحد، وجعل طول البابين إحدى عشرة ذراعاً، وكان ارتفاعها في السماء ثماني عشرة ذراعاً، فجعلها ابن الزبير تسعا وعشرين ذراعاً، ولم يرفعها عن الأرض بل جعلها مستوية مع وجه الأرض. وكان قد أخذ الحجر الأسود فجعله عنده في بيته، فلما بلغ البناء إلى موضع الحجر أمر فحفر له في الحجارة على قدره، ثم أمر ابنه عباداً أن يأتي، وهو في صلاة الظهر، فيضعه في موضعه، والناس في الصلاة لا يعلمون، فإذا فرغ من وضعه كبر، فجاء عباد بن عبد الله بن الزبير بالحجر، وأبوه يصلي بالناس الظهر في يوم شديد الحر، فشق الصفوف حتى صار إلى الموضع، ثم وضعه، وطول ابن الزبير الصلاة حتى وقف عليه، فلما رأت قريش ذلك غضبت وقالت: والله ما هكذا فعل رسول الله، ولقد حكمته قريش، فجعل لكل قبيلة نصيباً.
وكان الركن لما أصابه الحريق تصدع بثلاث قطع، فشده ابن الزبير بالفضة، ولما فرغ من البناء خلق داخل الكعبة وخارجها، فكان أول من خلقها وكساها القباطي، واعتمر من التنعيم، ومشى.

(1/213)


ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم، إذا حجوا، بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضج الناس، وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا! فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال: لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع قدمه عليها، لما صعد إلى السماء، تقوم لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية.
وتحامل عبد الله بن الزبير على بني هاشم تحاملاً شديداً، وأظهر لهم العداوة والبغضاء، حتى بلغ ذلك منه أن ترك الصلاة على محمد في خطبته، فقيل له: لم تركت الصلاة على النبي؟ فقال: إن له أهل سوء يشرئبون لذكره ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به.
وأخذ ابن الزبير محمد بن الحنفية، وعبد الله بن عباس، وأربعة وعشرين رجلاً من بني هاشم ليبايعوا له، فامتنعوا، فحبسهم في حجرة زمزم، وحلف بالله الذي لا إله إلا هو ليبايعن أو ليحرقنهم بالنار، فكتب محمد بن الحنفية إلى المختار بن أبي عبيد: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن علي ومن قبله من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المختار بن أبي عبيد ومن قبله من المسلمين، أما بعد فإن عبد الله بن الزبير أخذنا، فحبسنا في حجرة زمزم، وحلف بالله الذي لا إله إلا هو لنبايعنه، أو ليضرمنها علينا بالنار، فيا غوثاً! فوجه إليهم المختار بن أبي عبيد بأبي عبد الله الجدلي في أربعة آلاف راكب، فقدم مكة، فكسر الحجرة، وقال لمحمد بن علي: دعني وابن الزبير! قال: لا أستحل من قطع رحمه ما استحل مني.
وبلغ محمد بن علي بن أبي طالب أن ابن الزبير قام خطيبا فنال من علي بن أبي طالب، فدخل المسجد الحرام، فوضع رحلا، ثم قام عليه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد، ثم قال: شاهت الوجوه، يا معشر قريش، أيقال هذا بين أظهركم وأنتم تسمعون ويذكر علي فلا تغضبون؟ ألا إن علياً كان سهما صائبا من مرامي الله أعداءه، يضرب وجوههم، ويهوعهم مأكلهم، ويأخذ بحناجرهم. ألا وأنا على سنن ونهج من حاله، وليس علينا في مقادير الأمور حيلة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
فبلغ قوله عبد الله بن الزبير، فقال: هذا عذرة بني الفواطم، فما بال ابن أمه بني حنيفة؟ وبلغ محمداً قوله، فقال: يا معاشر قريش وما ميزني من بني الفواطم؟ أليست فاطمة ابنة رسول الله حليلة أبي وأم إخوتي؟ أ وليست فاطمة بنت أسد بن هاشم جدتي وأم أبي؟ أليست فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم جدة أبي وأم جدتي؟ أما والله لو لا خديجة بنت خويلد لما تركت في أسد عظماً إلا هشمته، فإني بتلك التي فيها المعاب صبير.
ولما لم يكن بابن الزبير قوة على بني هاشم، وعجز عما دبره فيهم، أخرجهم عن مكة، وأخرج محمد بن الحنفية إلى ناحية رضوى، وأخرج عبد الله بن عباس إلى الطائف إخراجاً قبيحاً، وكتب محمد بن الحنفية إلى عبد الله بن عباس: أما بعد، فقد بلغني أن عبد الله بن الزبير سيرك إلى الطائف، فرفع الله بك أجرا، واحتط عنك وزرا، يا ابن عم، إنما يبتلي الصالحون، وتعد الكرامة للأخيار ولو لم تؤجر إلا فيما نحب وتحب قل الأجر، فاصبر فإن الله قد وعد الصابرين خيراً، والسلام.
وروى بعضهم أن محمد بن الحنفية صار أيضا إلى الطائف، فلم يزل بها، وتوفي ابن عباس بها في سنة ثمان وستون، وهو ابن إحدى وسبعين سنة، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، ودفن عبد الله بن عباس بالطائف في مسجد جامعها، وضرب عليه فسطاط، ولما دفن أتى طائر أبيض فدخل معه قبره، فقال بعض الناس: علمه، وقال آخرون: عمله الصالح.
قال عبد الله بن عباس: أردفني رسول الله، ثم قال لي: يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ قلت: بلى! يا رسول الله. قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، اذكر الله في الرخاء

(1/214)


يذكرك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما هو كائن، ولو جهد الخلق على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لم يقدروا عليه، ولو جهدوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، فعليك بالصدق في اليقين، إن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.
وكان لعبد الله بن العباس من الولد خمسة ذكور: علي بن عبد الله، وهو أصغرهم سناً، إلا أنه تقدم لشرفه ونبله، والعباس كان أكبر ولده، وكان يلقب بالأعنق، ومحمد، والفضل، وعبد الرحمن.
وفي هذه السنة وقفت أربعة ألوية بعرفات: محمد بن الحنفية في أصحابه، وابن الزبير في أصحابه، ونجدة بن عامر الحروري، ولواء بني أمية، وقال المساور بن هند بن قيس: وتشعبوا شعباً، فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين.
ووجه عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير إلى العراق، فقدمها سنة ثمان وستون، فقاتله المختار، وكانت بينهم وقعات مذكورة، وكان المختار شديد العلة من بطن به، فأقام يحارب مصعبا أربعة أشهر، ثم جعل أصحابه يتسللون منه حتى بقي في نفر يسير، فصار إلى الكوفة، فنزل القصر، وكان يخرج في كل يوم، فيحاربهم في سوق الكوفة أشد محاربة، ثم يرجع إلى القصر. وكان عبيد الله بن علي بن أبي طالب مع مصعب بن الزبير، فجعل مصعب يقول: يا أيها الناس، المختار كذاب، وإنما يغركم بأنه يطلب بدم آل محمد، وهذا ولي الثأر، يعني عبيد الله بن علي، يزعم أنه مبطل فيما يقول.
ثم خرج المختار يوماً، فلم يزل يقاتلهم أشد قتال يكون، حتى قتل، ودخل أصحابه إلى القصر فتحصنوا، وهم سبعة آلاف رجل، فأعطاهم مصعب الأمان، وكتب لهم كتابا بأغلظ العهود، وأشد المواثيق، فخرجوا على ذلك، فقد مهم رجلاً رجلاً فضرب أعناقهم، فكانت إحدى الغدرات المذكورة المشهورة في الإسلام. وأخذ أسماء بنت النعمان بن بشير امرأة المختار، فقال لها: ما تقولين في المختار بن أبي عبيد؟ قالت: أقول إنه كان تقياً، نقياً صواماً. قال: يا عدوة الله أنت ممن يزكيه! فأمر بها فضرب عنقها، وكانت أول امرأة ضرب عنقها صبراً، فقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
إن من أعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول
قتلوها بغير جرم أتته ... إن لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
فلما قتل مصعب بن الزبير المختار، واستقامت له أمور العراق، حسده عبد الله بن الزبير على ذلك، فوجه حمزة ابنه إلى البصرة، وكتب إلى مصعب أن يصرف أمر البصرة إلى حمزة ففعل ذلك، فكان حمزة من أضعف الناس، وأقلهم علما بالأمر، ثم اجتبى خراج البصرة، ونفذ إلى أبيه إلى مكة.
ووفد مصعب على أخيه عبد الله فجفاه حتى كان ليدخل فيسلم فلا يرفعه، فلما قدم على عبد الله ابنه حمزة رد مصعب إلى العراق، وقتل عبد الله بن الزبير أخاه عمرو بن الزبير لعداوة كانت بينه وبينه، ولمبايعته لمروان بن الحكم، وقيل: إنه كان على شرطة عمرو بن سعيد، فوجه به عمرو لمحاربة أخيه فقتله.
وولى ابن الزبير المهلب بن أبي صفرة خراسان، وكان مع مصعب، فقدم البصرة، وقد حصرت الخوارج أهلها، وغلبت على جميع سوادها وكورها، فلم يبق في أيدي أهلها إلا المدينة، فلما

(1/215)


قدم عليهم المهلب فزع إليه أشراف الناس ووجوههم، وأتاه الأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود، ومالك بن مسمع، فيمن معهم من العشائر، فقالوا: يا أبا سعيد! أنت شيخ الناس، وسيف العراق، وقد ترى ما فيه أهل مصرك من هذه الخوارج المارقة، والإقامة على منع بلدك، والذب عن حريمك أولى لك من خراسان. فقال: نعم! أقيم على محاربة هؤلاء، على أن لي جميع ما أغلبهم عليه، وانتزعه من أيديهم من خراج أو غيره. فأجابته العشائر إلى ذلك خلا مالك بن مسمع، فإنه امتنع عليه، وكانت في مالك أبهة شديدة وكبر معروف، فوثب الأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود على مالك بن مسمع، فقالا له: رأيت الذي تمنعه أبا سعيد، أهو شيء في يدك أو في يد عدوك؟ قال: في يد عدوي. قالا: فو الله ما أنصفته إن تسأله أن يحمي دمك وحرمتك، ثم تمنعه ما أنت مغلوب عليه، فهو يجعل لك ما سألت، وقم بمحاربة القوم! قال: لا أقوى على ذلك. فقالا: فهذا الظلم والعجز. ثم جعلوا جميعاً للمهلب ما سأل، فأقام على محاربة الخوارج، ورئيسهم يومئذ نافع بن الأزرق، وبه سموا الأزارقة، حتى أجلاهم عن البصرة.
وسار عبد الملك إلى مصعب بن الزبير في سنة واحد وسبعون، فلقيه بموضع يقال له دير الجاثليق، على فرسخين من الأنبار، فكانت بينهم وقعات وحروب، وجادة عبد الملك القتال، وخذل مصعبا أكثر أصحابه، وكان أكثر من خذله منهم ربيعة، ثم حملوا عليه، وهو جالس على سريره، فقتلوه، وحز رأسه عبيد الله ابن زياد بن ظبيان، وأتى به عبد الملك، فلما وضعه بين يديه خر ساجداً.
قال عبيد الله: فهممت أن أضرب عنقه، فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد.
وقال بعضهم: دخلت على عبد الملك بن مروان، وبين يديه رأس مصعب بن الزبير، فقلت: يا أمير المؤمنين! لقد رأيت في هذا الموضع عجبا! قال: وما رأيت؟ قلت: رأيت رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد الله بن زياد! ورأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ورأيت رأس المختار بن أبي عبيد بين يدي مصعب بن الزبير، ورأيت رأس مصعب بن الزبير بين يديك. قال: فخرج من ذلك البيت، وأمر بهدمه. وكان قتل مصعب بن الزبير في ذي القعدة سنة اثنان وسبعون.
وقال المضاء بن علوان، كاتب مصعب بن الزبير: دعاني عبد الملك بعد ما قتل مصعباً، فقال لي: علمت أنه لم يبق من أصحاب مصعب وخاصته أحد إلا كتب إلي يطلب الأمان والجوائز والصلات والأقطاعات؟ قلت: قد علمت، يا أمير المؤمنين، إنه لم يبق من أصحابك أحد إلا وقد كتب إلى مصعب بمثل ذلك، وهذه كتبهم عندي. قال: فجئني بها، فجئته بإضبارة عظيمة، فلما رآها قال: ما حاجتي أن أنظر فيها، فأفسد صنائعي، وأفسد قلوبهم علي. يا غلام! أحرقها بالنار، فأحرقت.
ولما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير ندب الناس للخروج إلى عبد الله بن الزبير، فقام إليه الحجاج بن يوسف فقال: ابعثني إليه، يا أمير المؤمنين، فإني رأيت في المنام كأني ذبحته، وجلست على صدره، وسلخته. فقال: أنت له، فوجهه في عشرين ألفاً من أهل الشام وغيرهم، وقدم الحجاج بن يوسف، فقاتلهم قتالاً شديداً، وتحصن بالبيت، فوضع عليه المجانيق، فجعلت الصواعق تأخذهم، ويقول: يا أهل الشام! لا تهولنكم هذه، فإنما هي صواعق تهامة، فلم يزل يرميه بالمنجنيق، حتى هدم البيت فكتب إليه عبد الملك بن مروان، وهو في محاربته: أوصيك يا حجاج بما أوصى به البكري زيداً، والسلام. فقام الحجاج خطيباً فقال: أيكم يدري ما أوصى به البكري زيداً، وله عشرة آلاف درهم؟ فقام رجل من القوم فقال: أنا أدري ما أوصى به البكري، فدعا ببدرة، فدفعت إليه فقال:
أقول لزيد لا تترتر فإنهم ... يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
فإن وضعوا حرباً فضعها وإن أبوا ... فشب وقود النار بالحطب الجزل
فإن عضت الحرب الضروس بنابها ... فعرضه حد الحرب مثلك أو مثلي
ورأى ابن الزبير من أصحابه تثاقلا عنه، وكان يجري لهم نصف صاع من تمر، فقال: أكلتم تمري، وعصيتم أمري! وكان شديد البخل.

(1/216)


ولما علم ابن الزبير أنه لا طاقة له بالحرب دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر، فقال: كيف أصبحت يا أمه؟ قالت: إن في الموت لراحة، وما أحب أن أموت إلا بعد خلتين: إما أن قتلت فأحتسبك، أو ظفرت فقرت عيني. قال: يا أمه! إن هؤلاء قد أعطوني الأمان، فما ذا تقولين؟ قالت: يا بني أنت أعلم بنفسك، إن كنت على حق وإليه تدعو، فلا تمكن عبيد بني أمية منك يتلاعبون بك، وإن كنت على غير الحق، فشأنك وما تريد. قال: يا أمه! إن الله ليعلم أني ما أردت إلا الحق، ولا طلبت غيره، ولا سعيت في ريبة قط، اللهم إني لا أقول ذلك تزكية لنفسي، ولكن لأطيب نفس أمي. ثم قال: يا أمه! إني أخاف إن قتلني هؤلاء القوم أن يمثلوا بي. قالت: يا بني، إن الشاة لا تألم للسلخ إذا ذبحت. قال: الحمد لله الذي وفقك، وربط على قلبك! وخرج، فخطب الناس، فقال: أيها الناس! إن الموت قد أظلكم سحابة وأحدق بكم ربابه، فغضوا أبصاركم عن الأبارقة، وليشغل كل امرئ قرنه، ولا يلهينكم التساؤل، ولا يقولن قائل أين أمير المؤمنين؟ إلا من سأل عني فإني في الرعيل الأول. ثم نزل فقاتل حتى قتل.
وكان قتله في سنة ثلاث وسبعون، وله إحدى وسبعون سنة، وصلب بالتنعيم، فأقام ثلاثة وقيل سبعة أيام، ثم جاءت أمه أسماء بنت أبي بكر، وهي عجوز عمياء، حتى وقفت على الحجاج، فقالت: أما آن لهذا الراكب أن ينزل بعد؟ أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن في بني ثقيف مبيراً وكذاباً، فأما المبير فأنت، وأما الكذاب فالمختار بن أبي عبيد، فقال: من هذه؟ فقيل: أم ابن الزبير فأمر به، فأنزل.
وروى بعضهم أن الحجاج خطبها، فقالت: وهو يخطب عمياء بنت المائة؟ فقال: ما أردت إلا مسالفة رسول الله.
ومر عبد الله بن عمر على عبد الله بن الزبير، وهو مصلوب، فقال: يرحمك الله، أبا خبيب، لو لا ثلاث كن فيك لقلت أنت أنت: إلحادك في الحرم، ومسارعتك إلى الفتنة، وبخل بكفك، وما زلت أتخوف عليك هذا المركب وما صرت إليه، مذ كنت أراك ترمق بغلات شهبا كن لابن حرب، فيعجبنك، إلا أنه كان أسوس لدنياه منك.
وأقام الحج للناس في هذه السنين في سنة ثلاث وستون عبد الله بن الزبير، وفي سنة ألابع وستون ابن الزبير، وقيل يحيىبن صفوان الجمحي، وفي سنة خمس وستون وسنة ست وستون وسنة سبع وستون ابن الزبير، وفي سنة ثمان وستون وقفت أربعة ألوية بعرفات: لواء مع محمد بن الحنفية وأصحابه، ولواء مع ابن الزبير، ولواء مع نجدة بن عامر الحروري، ولواء مع بني أمية، وفي سنة تسع وستون وسنة سبعون وسنة واحد وسبعون ابن الزبير.
؟؟؟أيام عبد الملك بن مروان
وملك عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة ابن أبي العاص بن أمية، جداه جميعاً طريداً رسول الله، وكانت البيعة له بالشام في اليوم الذي توفي فيه مروان، وذلك في شهر رمضان سنة 56، وكانت الشمس يومئذ في الثور سبع عشرة درجة وعشرين دقيقة، والقمر في الحمل خمساً وعشرين دقيقة، وزحل في السنبلة ثماني عشرة درجة وخمسين دقيقة راجعا، والمشتري في الجوزاء اثنتين وعشرين درجة وعشر دقائق، والمريخ في الحمل تسع عشرة درجة وعشر دقائق، والزهرة في السرطان درجتين وعشرين دقيقة، وعطارد في الجوزاء ثلاث درجات، والرأس في الحوت عشرين درجة وعشر دقائق.
وقد ذكرنا خبر بيعته في أيام ابن الزبير، وما كانت عليه البلدان من الاضطراب، وتغلب من تغلب على كل بلد، وخبر سليمان بن صرد الخزاعي، وإبراهيم بن مالك بن الحارث الأشتر، وقتله عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير، وغير ذلك مما دخل في نسق أيام ابن الزبير.
وكان قوم قد قالوا: إنما تحق الخلافة لمن كان الحرمان في يده، ولمن أقام الحج للناس، فلذلك أدخلنا خبر مروان وأياما من أيام عبد الملك في خبر ابن الزبير.
واستقامت الشام لعبد الملك بن مروان خلا فلسطين، فإن ناتل بن قيس كان بها، فلما أراد عبد الملك النهوض أتاه الخبر بأن طاغية الروم قد أناخ على المصيصة فكره أن يتشاغل بمحاربته مع اضطراب البلدان، فوجه إليه، فصالحه، وحمل أموالاً كثيرة إليه، حتى انصرف.

(1/217)


وكان عبد الملك لما أحكم أمر الشام، ووجه روح بن زنباع الجذامي إلى فلسطين شخص عن دمشق، حتى صار إلى بطنان يريد قرقيسيا لمحاربة زفر بن الحارث، وأمر ابن الزبير على حاله، فلما صار إلى بطنان من أرض قنسرين أتاه الخبر بأن عمرو بن سعيد بن العاص قد وثب بدمشق، ودعا إلى نفسه، وتسمى بالخلافة، وأخرج عبد الرحمن بن عثمان الثقفي خليفة عبد الملك بدمشق، وكانت أم عبد الرحمن أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب، وحوى الخزائن وبيوت الأموال، فعلم عبد الملك أنه قد أخطأ في خروجه عن دمشق، فانكفا راجعا إلى دمشق، فتحصن عمرو بن سعيد، ونصب له الحرب، وجرت بينهم السفراء، حتى اصطلحا وتعاقدا، وكتبا بينهما كتابا بالعهود والمواثيق والأيمان على أن لعمرو بن سعيد الخلافة بعد عبد الملك ودخل عبد الملك دمشق وانحاز مع عمرو بن سعيد أصحابه، فكانوا يركبون معه إذا ركب إلى عبد الملك، ثم دبر عبد الملك على قتل عمرو، ورأى أن الملك لا يصلح له إلا بذلك، فدخل إليه عمرو عشية، وقد أعد له جماعة من أهله ومواليه ومن كان عنده ممن سواهم، فلما استوى لعمرو مجلسه قال له: يا أبا أمية! إني كنت حلفت في الوقت الذي كان فيه من أمرك ما كان، إني متى ظفرت بك وضعت في عنقك جامعة، وجمعت يديك إليها. فقال: يا أمير المؤمنين! نشدتك بالله أن تذكر شيئاً قد مضى. فتكلم من بحضرته، فقالوا: وما عليك أن تبر قسم أمير المؤمنين؟ فأخرج عبد الملك جامعة من فضة، فوضعها في عنقه، وجعل يقول:
أدنيته مني ليسكن روعه ... فأصول صولة حازم مستمكن
وجمع يديه إلى عنقه، فلما شد المسمار جذبه إليه، فسقط لوجهه، فانكسرت ثنيتاه، فقال: نشدتك الله، يا أمير المؤمنين، أن يدعوك عظم مني كسرته إلى أن تركب مني أكثر من ذلك، أو تخرجني إلى الناس فيروني على هذه الصورة! وإنما أراد أن يستفزه فيخرجه، وكان على الباب من شيعة عمرو بن سعيد نيف وثلاثون ألفاً منهم عنبسة بن سعيد، فقال له: أمكراً أبا أمية، وأنت في الأنشوطة؟ وليس بأول مكر، إني والله لو علمت أن الأمر يستقيم، ونحن جميعاً باقيان، لا فتديتك بدم النواظر، ولكني أعلم أنه ما اجتمع فحلان في إبل إلا غلب أحدهما.
وقتله وفرق جمعه، وطرح رأسه إلى أصحابه، ونفى أخاه عنبسة إلى العراق، وكان ذلك سنة سبعون.
وكان عبد الله بن خازم السلمي متغلبا على خراسان منذ استخلفه سلم بن زياد في أيام يزيد بن معاوية، ثم صار في طاعة ابن الزبير على ما بيناه من خبره، فلما استقامت أمور عبد الملك كتب إليه: أما بعد فأهد لنا طاعتك نضعك موضعك، ونقرك على عملك وعقبك ما أغنوا عنا وعن المسلمين. وبعث بالكتاب مع عتبة النميري، وبعث معه برأس مصعب بن الزبير، وأعد عبد الله الرأس، ولفه في ثوبين، وطرح عليه مسكاً كثيراً ودفنه، وقال لعتبة النميري: كل الكتاب، فقال: أكلا جميلا، فأحرقه بالنار، ثم أسقاه إياه، وكتب إلى عبد الملك: أما بعد، فإني لم أكن لألقى الله ببيعتين: بيعة رضوان مع ابن حواري رسول الله انتزعها، وبيعة نكث مع ابن طريدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبسها.
وكان أهل خراسان مبغضي عبد الله بن خازم لسوء سيرته فيهم، فوثب به جماعة، منهم: بكير بن وساج، ووكيع بن عمير، فقتلوه، وبعث برأسه إلى عبد الملك بن مروان، فلما ورد عليه الخبر، وأتاه الرأس، بعث أمية ابن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية على خراسان، فقدم خراسان، وقد وثب موسى بن عبد الله بن خازم السلمي، وأرسل طرخون ملك السغد، فأجابه إلى أن يمده، ووثب بكير بن وساج الثقفي بمرو في جماعة وغلب على مرو، فحاربهما أمية، وبدأ بمرو، فحارب بكير بن وساج، فتحصن منه، ثم أعطاه الأمان، فخرج إليه، ثم بلغ أمية أن بكيرا يدبر على أن يثب به، فقدمه فضرب عنقه، ووجه أمية بابنه عبد الله على هراة وسجستان، فلقي رتبيل بن أمية فقتله.

(1/218)


وأقر عبد الملك المهلب بن أبي صفرة على قتال الخوارج الذين بكرمان، فجادهم المهلب القتال، حتى قتل رئيسهم نافع بن الأزرق الذي سموا به الأزارقة، وأقام بكرمان، ثم ولاه عبد الملك خراسان مكان أمية، ورد عبد الملك أخاه عبد العزيز إلى مصر والمغرب، وولى أخاه بشراً العراق، وولى أخاه محمداً الموصل، ونقل إليها الأزد وربيعة من البصرة، وغزا أرمينية، وقد خالف أهل البلد، فقتل وسبى، ثم كاتب الأشراف من أهل البلد والذين يقال لهم الأحرار وأعطاهم الأمان ووعدهم أن يفرض لهم في الشرف، فاجتمعوا لذلك في الكنائس في عمل خلاط، وأمر بجمع الحطب حول الكنائس، وأغلق أبوابها عليهم، ثم ضرب تلك الكنائس بالنار، فحرقهم جميعاً. وأقام محمد ابن مروان بأرمينية حتى مات.
وأعاد الحجاج بنيان الكعبة، وجعل لها بابا واحدا على ما كانت عليه قبل أن يبنيها ابن الزبير، ونقص منها ما كان ابن الزبير زاده مما يلي الحجر، وهو ستة أذرع، وكبسها بالردم الذي خرج منها، ورفع بابها على ما كان عليه، ونقص من طوله حتى صيره على ما هو عليه اليوم وفرغ من بنائها في سنة أربع وسبعون، وختم أعناق قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليذلهم بذلك، منهم: جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي، وجماعة معهم، وكانت الخواتيم رصاصاً.
وكان نجدة بن عامر الحنفي الحروري قد خرج في أيام ابن الزبير بناحية اليمامة ثم صار إلى الطائف فوجد ابنة لعمرو بن عثمان بن عفان قد وقعت في السبي، فاشتراها من ماله بمائة ألف درهم، وبعث بها إلى عبد الملك، ثم سار إلى البحرين ووجه مصعب بن الزبير بخيل بعد خيل وجيش بعد جيش، فهزمهم.
وظهرت من نجده أمور أنكرتها الخوارج. وكان قد أقام خمس سنين وعماله بالبحرين واليمامة وعمان وهجر وطوائف من أرض العرض، فلما نقمت الخوارج ما نقمت من دفع عشرة آلاف إلى مالك بن مسمع، وبعثه بابنه عمرو بن عثمان إلى عبد الملك خلعوه، وأقاموا أبا فديك، فوجه إليه عبد الملك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فهزمه أبو فديك، وفضخه وأخذ أثقاله وحرمه، ثم وجه إليه عمر بن عبيد الله بن معمر، فلقي أبا فديك بالبحرين، ومع عمر أهل الكوفة، فقتل أبا فديك واستنقذ منه حرم أمية بن عبد الله.
وولى عبد الملك الحجاج في هذه السنة العراق، وكتب إليه كتاباً بخطه: أما بعد، يا حجاج فقد وليتك العراقين صدقة، فإذا قدمت الكوفة فطأها وطأة يتضاءل منها أهل البصرة، وإياك وهوينا الحجاز، فإن القائل هناك يقول ألفاً ولا يقطع بهن حرفاً، وقد رميت العرض الأقصى، فارمه بنفسك، وأرد ما أردته بك، والسلام.
فلما قدم الكوفة صعد المنبر متلثماً بعمامته متنكباً قوسه وكنانته، فجلس على المنبر ملياً لا يتكلم، حتى هموا أن يحصبوه، ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق والمراق، ومساوئ الأخلاق، إن أمير المؤمنين نثل كنانته، فعجمها عودا عودا، فوجدني أمرها عوداً واصعبها كسراً، فرماكم بي، وإنه قلدني عليكم سوطا وسيفا، فسقط السوط وبقي السيف وتكلم بكلام كثير فيه توعد وتهدد، ثم نزل وهو يقول:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
ولما استقامت الأمور لعبد الملك وصلحت البلدان، ولم تبق ناحية تحتاج إلى صلاحها والاهتمام بها، خرج حاجا سنة خمس وسبعون فبدأ بالمدينة وأحرم من ذي الحليفة، ودخل وهو يلبي، ودخل المسجد وهو يلبي، وخطب في أربعة أيام في كل يوم خطبة، وصلى المغرب عشية عرفة قبل أن يصير إلى جمع، وكان فيما خطب به في بعض أيامه، أن قال: لقد قمت في هذا الأمر، وما أدري أحداً أقوى عليه مني، ولا أولى به، ولو وجدت ذلك لوليته. إن ابن الزبير لم يصلح أن يكون سائساً، وكان يعطي مال الله كأنه يعطي ميراث أبيه، وإن عمرو بن سعيد أراد الفتنة، وأن يستحل الحرمة ويذهب الدين، وما أراد صلاحا للمسلمين، فصرعه الله مصرعه، وإني محتمل لكم كل أمر إلا نصب راية، وإن الجامعة التي وضعتها في عنق عمرو عندي، وإني أقسم بالله لا أضعها في عنق أحد فأنزعها منه إلا صعداً.

(1/219)