صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تاريخ الخلفاء
المؤلف : السيوطي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أترى مناماً ما بعيني أبصر ... القدس يفتح والنصارى تكسر
وقمامة قمت من الرجس الذي ... بزواله وزوالها يتطهر
ومليكهم في القيد مصفود ولم ... ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر
قد جاء نصر الله والفتح الذي ... وعد الرسول فسبحوا واستغفروا
يا يوسف الصديق أنت لفتحها ... فاروقها عمر الإمام الأطهر
ومن الغرائب أن ابن برجان ذكر في تفسير " ألم غلبت الروم " " الروم: 1 - 2 " أن بيت المقدس يبقى في يد الروم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ثم يغلبون ويفتح ويصير دار إسلام إلى آخر الأبد أخذاً من حساب الآية فكان كذلك.
قال أبو شامة: وهذا الذي ذكره ابن برجان من عجائب ما اتفق وقد مات ابن برجان قبل ذلك بدهر فإن وفاته سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
وفي سنة تسع وثمانين مات السلطان صلاح الدين رحمه الله فوصل إلى بغداد الرسول وفي صحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدين وفرسه ودينار واحد وستة وثلاثون درهماً لم يخلف من المال سواها واستقرت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز ودمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين علي وحلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي.
وفي سنة تسعين مات السلطان طغرلبك شاه بن أرسلان بن طغرلبك بن محمد بن ملك شاه وهو آخر ملوك السلجوقية.
قال الذهبي: وكان عددهم نيفاً وعشرين ملكاً أولهم طغرلبك الذي أعاد القائم إلى بغداد ومدة دولتهم مائة وستون سنة.
وفي سنة خمسمائة واثنتين وتسعين هبت ريح سوداء بمكة عمت الدنيا ووقع على الناس رمل أحمر ووقع من الركن اليماني قطعة.
وفيها عسكر خوارزم شاه فعدا جيحون في خمسين ألفاً وبعث إلى الخليفة يطلب السلطنة وإعادة دار السلطنة إلى ما كانت وأن يجيء إلى بغداد ويكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السلجوقية فهدم الخليفة دار السلطنة ورد رسوله بلا جواب ثم كفي شره كما تقدم.
وفي سنة ثلاث وتسعين أنقض كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل واهتزت الدور والأماكن فاستغاث الناس وأعلنوا بالدعاء وظنوا ذلك من إمارات القيامة.
وفي سنة خمس وتسعين مات الملك العزيز بمصر وأقيم ابنه المنصور بدله فوثب الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب وتملكها ثم أقام بها ابنه الملك الكامل.
وفي سنة ست وتسعين توقف النيل بمصر بحيث كسرها ولم يكمل ثلاثة عشر ذراعاً وكان الغلاء المفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميين وفشا أكل بني آدم واشتهر ورئي من ذلك العجب العجاب وتعدوا إلى حفر القبور وأكل الموتى وتمزق أهل مصر كل ممزق وكثر الموت من الجوع بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت أو من هو في السياق وهلك أهل القرى قاطبة بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار ويجد البيوت مفتحة وأهلها موتى.
وقد حكى الذهبي: في ذلك حكايات يقشعر الجلد من سماعها قال وصارت الطرق مزرعة بالموتى وصارت لحومها للطير ولا سباع وبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة واستمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان وتسعين.
وفي سنة سبع وتسعين جاءت زلزلة كبرى بمصر والشام والجزيرة فأخرجت أماكن كثيرة وقلاعاً وخسفت قرية من أعمال بصرى.
وفي سنة تسع وتسعين في سلخ المحرم ماجت النجوم وتطايرت تطاير الجراد ودام ذلك إلى الفجر وانزعج الخلق وضجوا إلى الله تعالى ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول صلى الله عليه وسلم.
وفي سنة ستمائة هجم الفرنج على النيل من رشيد ودخلوا بلد فوة فنهبوها واستباحوا ورجعوا. وفي سنة إحدى وستمائة تغلبت الفرنج على القسطنطينية وأخرجوا الروم منها وكانت بأيدي الروم من قبل الإسلام واستمرت بيد الفرنج إلى سنة ستين وستمائة فاستطلقها منهم الروم.
وفي سنة ست وستمائة كان ابتداء أمر التتار وسيأتي شرح حالهم.
وفي سنة خمس عشرة أخذت الفرنج من دمياط برج السلسلة.
قال أبو شامة: وهذا البرج كان قفل الديار المصرية وهو برج عال في وسط النيل ودمياط بحذائه من شرقية والجزيرة بحذائه من غربيه وفي ناحيته سلسلتان تمتد إحداهما على النيل إلى دمياط والأخرى على النيل إلى الجزيرة تمنعان عبور المراكب من البحر المالح.

(1/187)


وفي سنة ست عشر أخذت الفرنج دمياط بعد حروب ومحاصرات وضعف الملك الكامل عن مقاومتهم فبدعوا فيها وجعلوا الجامع كنيسة فابتنى الملك الكامل عن مدينة عند مفرق البحرين سموها المنصورة وبنى عليها سوراً ونزلها بجيشه.
وفي هذه السنة كاتبه قاضي القضاة ركن الدين الظاهر وكان الملك المعظم صاحب دمشق في نفسه منه فأرسل له بقجة فيها قباء وكلوته وأمره بلبسها بين الناس في مجلس حكمه فلم يمكنه الامتناع ثم قام ودخل داره ولزم بيته ومات بعد أشهر قهراً ورمى قطعاً من كبده وتأسف الناس لذلك واتفق أن الملك المعظم أرسل في عقب ذلك إلى الشرف بن عنين حين تزهد خمراً وبرداً وقال: سبح بهذا فكتب إليه يقول:
يا أيها الملك المعظم سنة ... أحدثتها تبقي على الآباد
تجري الملوك على طريقك بعدها ... خلع القضاة وتحفة الزهاد
وفي سنة ثمان عشرة استردت دمياط من الفرنج فلله الحمد.
وفي سنة إحدى وعشرين بنيت دار الحديث الكاملية بالقاهرة بين القصرين وجعل شيخها أبا الخطاب بن دحية وكانت الكعبة تكسي الديباج الأبيض من أيام المأمون إلى الآن فكساها الناصر ديباجاً أخضر ثم كساها ديباجاً أسود فاستمر إلى الآن.
وممن مات في أيام الناصر من الأعلام الحافظ أبو طاهر السلفي وأبو الحسن بن القصار اللغوي والكمال أبو البركات بن الأنباري والشيخ أحمد بن الرفاعي الزاهد وابن بشكوال ويونس والد يونس الشافعي وأبو بكر بن طاهر الأحدب النحوي وأبو الفضل والد الرافعي وابن ملكون النحوي وعبد الحق الإشبيلي صاحب الأحكام وأبو زيد السهيلي صاحب الروض الأنف والحافظ أبو موسى المديني وابن بري اللغوي والحافظ والعتابي والحافظ أبو بكر الحازمي والشرف ابن أبي عصرون وأبو القاسم البخاري والعتابي صاحب الجامع الكبير من كبار الحنفية والنجم الحبوشاني المشهور بالصلاح وأبو القاسم بن فيرة الشاطبي صاحب القصيدة وفخر الدين أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب بن الدهان الفرضي أول من وضع الفرائض على شكل المنبر والبرهان المرغيناني صاحب الهداية من الحنفية وقاضي خان صاحب الفتاوى منهم وعبد الرحيم بن حجون الزاهد بالصعيد وأبو الوليد ابن رشد صاحب العلوم الفلسفية وأبو بكر بن زهر الطبيب والجمال بن فضلان من الشافعية والقاضي الفاضل صاحب الإنشاء والترسل والشهاب الطوسي وأبو الفرج بن الجوزي والعماد الكاتب وابن عظيمة المقري والحافظ عبد الغني المقدسي صاحب العمدة والبركي الطاوسي صاحب الخلاف وتميم الحلي وأبو ذر الخشني النحوي والإمام فخر الدين الرازي وأبو السعادات ابن الأثير صاحب جامع الأصول ونهاية الغريب والعماد بن يونس صاحب شرح الوجيز والشرف صاحب التنبيه والحافظ أبو الحسن بن المفضل وأبو محمد بن حوط الله وأخوه أبو سليمان والحافظ عبد القادر الرهاوي والزاهد أبو الحسن بن الصباغ بقنا والوجيه ابن الدهان النحوي وتقي الدين بن المقترح وأبو اليمن الكندي النحوي والمعين الحاجري صاحب الكفاية من الشافعية والركن العميدي صاحب الطريقة في الخلاف وأبو البقاء العكبرى صاحب الإعراب وابن أبي أصيبعة الطبيب وعبد الرحيم بن السمعاني ونجم الدين الكبري وابن أبي الصيف اليمني وموفق الدين بن قدامة الحنبلي وفخر الدين بن عساكر وخلائق آخرون.
الظاهر بأمر الله أبو نصر
الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله.
ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وبايع له أبوه بولاية العهد واستخلف عند الموت والده وهو ابن اثنين وخمسون سنة فقيل له ألا تتفسح؟ قال: لقد يبس الزرع فقيل يبارك الله في عمرك قال: من فتح دكاناً بعد العصر إيش يكسب؟.
ثم إنه أحسن إلى الرعية وأبطل المكوس وأزال المظالم وفرق الأموال ذكر ذلك أبو شامة.
وقال ابن الأثير في الكامل: لما ولي الظاهر الخلافة أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين فلو قيل إنه ما ولي الخلافة بعد عمر ابن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقاً فإنه أعاد الأموال المغصوبة والأملاك المأخوذة في أيام أبيه وقبلها شيئاً كثيراً وأبطل المكوس في البلاد جميعها وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق وبإسقاط جميع ما جدده أبوه وكان ذلك كثيراً لا يحصى.

(1/188)


فمن ذلك أن قرية بعقوبا كان يحصل منها قديماً عشرة آلاف دينار فلما استخلف الناصر كان يؤخذ منها في السنة ثمانون ألف دينار فاستغاث أهلها فأعادها الظاهر إلى الخراج الأول.
ولما أعاد الخراج الأصلي على البلاد حضر خلق وذكروا أن أملاكهم قد يبست أكثر أشجارها وخربت فأمر أن لا يؤخذ إلا من كل شجرة سالمة.
ومن عدله أن صنجة الخزانة كانت راجحة نصف قيراط في المثقال يقبضون بها ويعطون بصنجة البلد فخرج خطه إلى الوزير وأوله " ويل للمطففين " " المطففين: 1 " الآيات وفيه: قد بلغنا أن الأمر كذا وكذا فتعاد صنجة الخزانة إلى ما يتعامل به الناس فكتبوا إليه أن هذا فيه تفاوتاً كثيراً وقد حسبنا في العام الماضي فكان خمسة وثلاثين ألف دينار فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول يبطل ولو أنه ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار.
ومن عدله أن صاحب الديوان قدم من واسط ومعه أزيد من مائة ألف دينار من ظلم فردها على أربابها وأخرج أهل الحبوس وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمن أعسر وفرق ليلة عيد النحر على العلماء والصلحاء مائة ألف دينار وقيل له هذا الذي تخرجه من الأموال لا تسمح نفس ببعضه فقال أنا فتحت الدكان بعد العصر فاتركوني أفعل الخير فكم بقيت أعيش؟.
ووجد في بيت من داره ألوف رقاع كلها مختومة فقيل له لم لا تفتحها قال لا حاجة لنا فيها كلها سعايات وهذا كله كلام ابن الأثير.
وقال سبط ابن الجوزي: لما دخل إلى الخزائن قال له خادم: كانت في أيام آبائك تمتلئ فقال ما جعلت الخزائن لتمتلئ بل تفرغ وتنفق في سبيل الله فإن الجمع شغل التجار؟.
وقال ابن واصل: أظهر العدل وأزال المكس وظهر للناس وكان أبوه لا يظهر إلا نادراً.
توفي رحمه الله في ثالث عشر رجب سنة ثلاث وعشرين فكانت خلافته تسعة أشهر وأياماً.
وقد روي الحديث عن والده بالإجازة وروي عنه أبو صالح نصر ابن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي.
ولما توفي اتفق خسوف القمر مرتين في السنة فجاء ابن الأثير نصر الله رسولا من صاحب الموصل برسالة في التعزية أولها ما لليل والنهار لا يعتذران وقد عظم حدثها وما للشمس والقمر لا ينكسفان وقد فقد ثالثهما:
فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة ... ووحدة من فيها لمصرع واحد
وهو سيدنا ومولانا الإمام الظاهر أمير المؤمنين الذي جعلت ولايته رحمه للعالمين إلى آخر الرسالة.
المستنصر بالله أبو جعفر
المستنصر بالله: أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله.
ولد في صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وأمه جارية تركية.
قال ابن النجار: وبويع بعد موت أبيه في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة فنشر العدل في الرعايا وبذل الإنصاف في القضايا وقرب أهل العلم والدين وبني المساجد والربط والمدارس والمارستانات وقام منار الدين وقمع المتمردة ونشر السنن وكف الفتن وحمل الناس على أقوم سنن وقام بأمر الجهاد أحسن قيام وجمع الجيوش لنصرة الإسلام وحفظ الثغور وافتتح الحصون.
وقال الموفق عبد اللطيف: بويع أبو جعفر فسار السيرة الجميلة وعمر طرق المعروف الدائرة وأقام شعار الدين ومنار الإسلام واجتمعت القلوب على محبته والألسن على مدحه ولم يجد أحد من المتعنتة فيه معاباً.
وكان جده الناصر يقربه ويسميه القاضي لهداه وعقله وإنكار ما يجده من المنكر.
وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري: كان المستنصر راغباً في فعل الخير مجتهداً في تكثير البر وله في ذلك آثار جميلة وأنشأ المدرسة المستنصرية ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم.

(1/189)


وقال ابن واصل: بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة ما بنى على وجه الأرض أحسن منها ولا أكثر منها وقوفاً وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة وعمل فيها مارستاناً ورتب فيها مطبخاً للفقهاء ومزملة للماء البارد ورتب لبيوت الفقهاء الحصر والبسط والزيت والورق والحبر وغير ذلك وللفقيه بعد ذلك في الشهر ديناراً ورتب لهم حماماً وهو أمر لم يسبق إلى مثله واستخدم عساكر عظيمة لم يستخدم مثلها أبوه ولا جده وكان ذا همة عالية وشجاعة وإقدام عظيم وقصدت التتار البلد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمة عظيمة وكان له أخ يقال له الخفاجي فيه شهامة زائدة وكان يقول لئن وليت لأعبرن بالعسكر نهر جيحون وآخذ البلاد من أيدي التتار واستأصلهم فلما مات المستنصر لم يرد الدويدار ولا الشرابي تقليد الخفاجي خوفاً منه وأقاما ابنه أبا أحمد للينه وضعف رأيه ليكون لهما الأمر ليقضي الله أمراً كان مفعولا من هلاك المسلمين في مدته وتغلب التتار فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الذهبي وقد بلغ ارتفاع وقوف المستنصرية في العام نيفاً وسبعين ألف مثقال وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس وعشرين وتمت في سنة إحدى وثلاثين ونقل إليها الكتب وهي مائة وستون حملا من الكتب النفيسة وعدد فقهائها مائتان وثمانية أربعون فقيهاً من المذاهب الأربعة وأربعة مدرسون وشيخ حديث وشيخ نحو وشيخ طب وشيج فرائض ورتب فيها الخبز والطبيخ والحلاوة والفاكهة وجعل فيها ثلاثين يتيماً ووقف عليها ما لا يعبر عنه كثرة ثم سرد الذهبي القرى والرباع الموقوفة عليها وقال: وفتحت يوم الخميس في رجب وحضر القضاة والمدرسون والأعيان وسائر الدولة وكان يوماً مشهوداً.
ومن الحوادث في أيام المستنصر في سنة ثمان وعشرين أمر الملك الأشرف صاحب دمشق ببناء دار الحديث الأشرفية وفرغت في سنة ثلاثين.
وفي سنة اثنتين وثلاثين أمر المستنصر بضرب الدراهم الفضية ليتعامل بها بدلا عن قراضة الذهب فجلس الوزير وأحضر الولاة والتجار والصيارفة وفرشت الأنطاع وأفرغ عليها الدراهم وقال الوزير: قد رسم مولانا أمير المؤمنين لمعاملتكم بهذا الدراهم عوضاً عن قراضة الذهب رفقاً بكم وإنقاذاً لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي فأعلنوا بالدعاء ثم أديرت بالعراق وسعرت كل عشرة بدينار فقال الموفق أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد:
لا عدمنا جميل رأيك فينا ... أنت باعدتنا عن التطفيف
ورسمت اللجين حتى ألفنا ... ه وما كان قبل بالمألوف
ليس للجمع كان منعك للصر ... ف ولكن للعدل والتعريف
وفي سنة خمس وثلاثين وستمائة ولي قضاء دمشق شمس الدين أحمد الجوني وهو أول قاض رتب مراكز الشهود بالبلد وكان قبل ذلك يذهب الناس إلى بيوت العدول يشهدونهم.
وفيها مات الإخوان السلطان الأشرف صاحب دمشق والكامل صاحب دمشق والكامل صاحب مصر بعده بشهرين وتسلطن بمصر ولد الكامل قلامة ولقب العادل ثم خلع وتملك أخوه الصالح أيوب نجم الدين.
وفي سنة سبع وثلاثين وستمائة ولي خطابة دمشق الشيخ عز الدين بن عبد السلام فخطب خطبة عرية من البدع وأزال الأعلام المذهبة وأقام هو عوضها سوداً بأبيض ولم يؤذن قدامه سوى مؤذن واحد.
وفيها قدم رسول الأمين الذي تملك اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني إلى الخليفة يطلب تقليد السلطنة باليمن بعد موت الملك المسعود ابن الملك الكامل وبقي الملك في بيته إلى سنة خمس وستين وثمانمائة.
وفي سنة تسع وثلاثين وستمائة بنى الصالح صاحب مصر المدرسة التي بين القصرين والقلعة التي بالروضة ثم أخرب غلمانه القلعة المذكورة سنة إحدى وخمسين وستمائة.
وفي سنة أربعين وستمائة توفي المستنصر يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة ورثاه الشعراء فمن ذلك قول صفي الدين عبد الله بن جميل.
ومن مناقب المستنصر أن الوجيه القيرواني مدحه بقصيدة يقول فيها:
لو كنت في يوم السقيفة حاضراً ... كنت المقدم والإمام الأورعا
فقال له قائل بحضرته: أخطأت قد كان حاضرا العباس جد أمير المؤمنين ولم يكن المقدم إلا أبو بكر فأقر ذلك المستنصر وخلع على قائل ذلك خلعة وأمر بنفي الوجيه فخرج إلى مصر حكاها الذهبي.

(1/190)


وممن مات في أيام المستنصر من الأعلام: الإمام أبو القاسم الرافعي والجمال المصري وابن معزوز النحوي وياقوت الحموي والسكاكي صاحب المفتاح والحافظ أبو الحسن بن القطان ويحيى بن معطي صاحب الألفية في النحو والموفق عبد اللطيف البغدادي والحافظ أبو بكر بن نقطة والحافظ عز الدين علي بن الأثير صاحب التاريخ والأنساب وأسد الغابة وابن عتبي الشاعر والسيف الآمدي وابن فضلان وعمر بن الفارض صاحب التائية والشهاب السهرودي صاحب عوارف المعارف والبهاء بن شداد وأبو العباس العوفي صاحب المولد النبوي والعلامة أبو الخطاب بن دحية وأخوه أبو عمرو والحافظ أبو الربيع بن سالم صاحب الإكتفاء في المغازي وابن الشواء الشاعر والحافظ زكي الدين البرزالي والجمال الحصري شيخ الحنفية والشمس الجوبي والحراني وأبو عبد الله الزيني وأبو البركات بن المستوفي والضياء بن الأثير صاحب المثل السائر وابن عربي صاحب الفصوص والكمال ابن يونس شارح التنبيه وخلائق آخرون.
المستعصم بالله أبو أحمد
المستعصم بالله: أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله آخر الخلفاء العراقيين.
ولد سنة تسع وستمائة وأمه أم ولد اسمها هاجر وبويع له بالخلافة عند موت أبيه وأجاز له على يد ابن النجار المؤيد الطوسي وأبو روح الهروي وجماعة وروى عنه بالإجازة جماعة: منهم النجم البادرائي والشرف الدمياطي وخرج له الدمياطي أربعين حديثاً رأيتها بخطة وكان كريماً حليماً سليم الباطن حسن الديانة.
قال الشيخ قطب الدين: كان متديناً متمسكاً بالسنة كأبيه وجده ولكنه لم يكن مثلهما في التيقظ والحزم وعلو الهمة وكان للمستنصر أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشجاعة والشهامة وكان يقول: إن ملكني الله الأمر لأعبرن بالجيوش نهر جيحون وأنتزع البلاد من التتار وأستأصلهم فلما توفي المستنصر لم ير الدويدار والشرابي والكبار تقليد الخفاجي الأمر وخافوا منه وآثروا المستعصم للينه والقيادة ليكون لهم الأمر فأقاموه ثم ركن المستعصم إلى زيره مؤيد الدين العلقمي الرافضي فأهلك الحرث والنسل ولعب بالخليفة كيف أراد وباطن التتار وناصحهم وأطعمهم في المجيء إلى العراق وأخذ بغداد وقطع الدولة العباسية ليقيم خليفة من آل علي وصار إذا جاء خبر منهم كتمه عن الخليفة ويطالع بأخبار الخليفة التتار إلى أن حصل ما حصل.
وفي سنة سبع وأربعين من أيامه أخذت الفرنج دمياط والسلطان الملك الصالح مريض فمات ليلة نصف شعبان فأخفت جاريته أم خليل المسماة شجرة الدر موته وأرسلت إلى ولده توران شاه الملك المعظم فحضر ثم لم يلبث أن قتل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة وثب عليه غلمان أبيه فقتلوه وأمروا عليهم جارية أبيهم شجرة الدر وحلف لها الأتراك ولنائبها عز الدين أيبك التركماني فشرعت شجرة الدر في الخلع للأمراء والأعطيات.
ثم استقل عز الدين بالسلطنة في ربيع الآخر ولقب الملك المعز ثم تنصل منها وحلف العسكر للملك الأشرف بن صلاح الدين يوسف بن المسعود بن الكامل وله ثمان سنين وبقي عز الدين أتابكه وخطب لهما وضربت السكة باسمهما.
وفي هذه السنة أعني سنة ثمان استردت دمياط من الفرنج.
وفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة ظهرت نار في أرض عدن وكان يطير شررها في الليل إلى البحر ويصعد منها دخان عظيم في النهار.
وفيها أبطل المعز اسم الملك الأشرف واستقل بالسلطنة.
وفي سنة أربع وخمسين ظهرت النار بالمدينة النبوية.
قال أبو شامة: جاءنا كتب من المدينة فيها لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة ظهر بالمدينة دوي عظيم ثم زلزلة عظيمة فكانت ساعة بعد ساعة إلى خامس الشهر فظهرت نار عظيمة في الحرة قريباً من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا وسالت أودية منها إلى وادي شطا سيل الماء وطلعنا نبصرها فإذا الجبال تسيل ناراً وسارت هكذا وهكذا بين نارين كأنها الجبال وطار منها شرر كالقصر إلى أن أبصر ضوءها من مكة ومن الفلاة جميعهما واجتمع الناس كلهم إلى قبر الشريف مستغفرين تائبين واستمرت هكذا أكثر من شهر.
قال الذهبي: أمر هذه النار متواتر وهي مما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال: " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى " وقد حكى غير واحد ممن كان ببصرى في الليل ورأى أعناق الإبل في ضوئها.

(1/191)


وفي سنة خمس وخمسين وستمائة مات المعز أيبك سلطان مصر قتلته زوجته شجرة الدر وسلطنوا بعده ولده الملك المنصور على هذا والتتار جائلون في البلاد وشرهم متزايد ونارهم تستعرة والخليفة والناس في غفلة عما يراد بهم والوزير العلقمي حريص على إزالة الدولة العباسية ونقلها إلى العلوية والرسل في السر بينه وبين التتار والمستعصم تائه في لذاته لا يطلع على الأمور ولا له غرض في المصلحة.
وكان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جداً وكان مع ذلك يصانع التتار ويهادنهم ويرضيهم فلما استخلف المستعصم كان خلياً من الرأي والتدبير فأشار عليه الوزير بقطع أكثر الجند وأن مصانعة التتار وإكرامهم يحصل به المقصود ففعل ذلك.
ثم إن الوزير كاتب التتار وأطعمهم في البلاد وسهل عليهم ذلك وطلب أن يكون نائبهم فوعدوه بذلك وتأهبوا لقصد بغداد.
شرح حال التتار ملخصاً
قال الموفق عبد اللطيف في خبر التتار: هو حديث يأكل الأحاديث وخبر يطوي الأخبار وتاريخ ينسي التواريخ ونازلة تصغر كل نازلة وفادحة تطبق الأرض وتملؤها ما بين الطول والعرض وهذه الأمة لغتهم مشوبة بلغة الهند لأنهم في جوارهم وبينهم وبين مكة أربعة أشهر وهم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه واسعو الصدور خفاف الأعجاز صغار الأطراف سمر الألوان وسريعو الحركة في الجسم والرأي تصل إليهم أخبار الأمم ولا تصل أخبارهم إلى الأمم وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم لأن الغريب لا يتشبه بهم وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم ونهضوا دفعة واحدة فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه ولا عسكر حتى يخالطوه فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل وتضيق طرق الهرب ونساؤهم يقاتلن كرجالهم والغالب على سلاحهم النشاب وأكلهم أي لحم وجد وليس في قتلهم استثناء ولا إبقاء ويقاتلون الرجال والنساء والأطفال وكان قصدهم إفناء النوع وإبادة العالم لا قصد الملك والمال.
وقال غيره: أرض التتار بأطراف بلاد الصين وهم سكان براري ومشهورون بالشر والغدر. وسبب ظهورهم أن إقليم الصين متسع دوره ستة أشهر وهو ست ممالك ولهم ملك حاكم على الممالك الست وهو القان الأكبر المقيم بطمغاج وهو كالخليفة للمسلمين.
وكان سلطان إحدى الممالك الست وهو دوش خان قد تزوج بعمة جنكزخان فحضر زائراً لعمته وقد مات زوجها وكان قد حضر مع جنكزخان كشلوخان فأعلمتهما أن الملك لم يخلف ولداً وأشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه فقام وانضم إليه خلق المغول ثم سير التقادم إلى القان الأكبر فاستشاط غيظاً وأمر بقطع أذناب الخيل التي أهديت وطردها وقتل الرسل لكون التتار لم يتقدم لهم سابقة بتملك إنما هم بادية الصين فلما سمع جنكزخان وصاحبه كشلوخان تحالفا على التعاضد وأظهرا الخلاف للقان وأتتهما أمم كثيرة من التتار وعلم القان قوتهم وشرهم فأرسل يؤانسهم ويظهر مع ذلك أنه ينذرهم ويهددهم فلم يغن ذلك شيئاً ثم قصدهم وقصدوه فوقع بينهم ملحمة عظيمة فكسروا القان الأعظم وملكوا بلاده واستفحل شرهم واستمر الملك بين جنكزخان وكشلوخان على المشاركة.
ثم سار إلى بلاد شاقون من نواحي الصين فملكاها فمات كشلوخان فقام مقامه ولده فاستضعفه جنكزخان فوثب عليه وظفر به واستقل جنكزخان ودانت له التتار وانقادت له واعتقدوا فيه الإلهية وبالغوا في طاعته.
ثم كان أول خروجهم في سنة ست وستمائة من بلادهم إلى نواحي الترك وفرغانة فأرسل خوارزم شاه محمد بن تكش صاحب خراسان الذي أباد الملوك وأخذ الممالك وعزم على قصد الخليفة فلم يتهيأ له كما تقدم فأمر أهل فرغانة والشاش وكاسان وتلك البلاد النزهة العامرة بالجلاء والجفلى إلى سمرقند وغيرها ثم خربها جميعاً خوفاً من التتار أن يملكوها لعلمه أنه لا طاقة له بهم.

(1/192)


ثم صارت التتار يتخطفون ويتنقلون إلى سنة خمس عشرة فأرسل فيها جنكزخان إلى السلطان خوارزم شاه رسلا وهدايا وقال الرسول: إن القان الأعظم يسلم عليك ويقول لك ليس يخفى علي عظم شأنك وما بلغت من سلطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات وأنت عندي مثل أعز أولادي وغير خاف عنك أنني تملكت الصين وأنت أخبر الناس ببلادي وأنها مثارات العساكر والخيول ومعادن الذهب والفضة وفيها كفاية عن غيرها فإن رأيت أن تعقد بيننا المودة وتأمر التجار بالسفر لتعلم المصلحتين فعلت فأجابه خوارزم شاه إلى ملتمسه وبشر جنكزخان بذلك واستمر الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجار.
وكان خال خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر ومعه عشرون ألف فارس فشرهت نفسه إلى أموال التجار وكاتب السلطان يقول إن هؤلاء القوم قد جاءوا بزي التجار وما قصدهم إلا التجسس فإن أذنت لي فيهم فأذن له بالاحتياط عليهم فقبض عليهم وأخذ أموالهم فوردت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول إنك أعطيت أمانك التجار فغدرت والغدر قبيح وهو من سلطان الإسلام أقبح فإن زعمت أن الذي فعله خالك بغير أمرك فسلمه إلينا وإلا سوف تشاهد مني ما تعرفني به فحصل عند خوارزم شاه من الرعب ما خامر عقله فتجلد وأمر بقتل الرسل فقتلوا.
فيا لها من حركة لما أهدرت من دماء المسلمين وأجرت بكل نقطة سيلا من الدم.
ثم سار جنكزخان إليه فانجفل خوارزم شاه عن جيحون إلى نيسابور ثم ساق إلى برج همذان رعباً من التتار فأحدق به العدو فقتلوا كل من معه ونجا هو بنفسه فخاض الماء إلى جزيرة ولحقته علة ذات الجنب فمات بها وحيداً فريداً وكفن في شاش فراش كان معه وذلك في سنة سبع عشرة وملكوا جميع مملكة خوارزم شاه.
قال سبط ابن الجوزي: كان أول ظهور التتار بما وراء النهر سنة خمس عشرة فأخذوا بخارى وسمرقند وقتلوا أهلها وحاصروا خوارزم شاه ثم بعد ذلك عبروا النهر وكان خوارزم شاه قد أباد الملوك من مدن خراسان فلم تجد التتار أحداً في وجههم فطاروا في البلاد قتلا وسبياً وساقوا إلى أن وصلوا همذان وقزوين في هذه السنة.
وقال ابن الأثير في كامله: حادثة التتار من الحوادث العظمى والمصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها وعمت الخلائق وخصت المسلمين فلو قال قائل إن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها.
ومن أعظم ما يذكرون فعل بختنصر ببني إسرائيل بالبيت المقدس وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟.
فهذه الحادثة التي استطار شرها وعم ضررها وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح فإن قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاد شاغرق ثم منها إلى بخارى وسمرقند فيملكونها ويبيدون أهلها ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها هلكاً وتخريباً وقتلا وإبادة وإلى الري وهمذان إلى حد العراق ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها ويخربونها ويستبيحونها في أقل من سنة أمر لم يسمع بمثله ثم ساروا من أذربيجان إلى دربند شروان فملكوا مدنها وعبروا من عندها إلى بلاد اللان واللكز فقتلوا وأسروا ثم قصدوا بلاد قفجاق وهم أكثر من الترك عدداً فقتلوا من وقف وهرب الباقون واستولى التتار عليها.
ومضت طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزة وأعمالها وسجستان وكرمان ففعلوا مثل هؤلاء بل أشد.
هذا لم يطرق الأسماع مثله فإن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة وإنما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحداً وإنما رضي بالطاعة وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأعمره في نحو سنة ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقها إلا وهو خائف يترقب وصولهم إليه.
ثم إنهم لم يحتاجوا إلى ميرة ومددهم يأتيهم فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل يأكلون لحومها ولا غير.
وأما خيلهم فإنها تحفر الأرض بحوافرها وتأكل عروق النبات ولا تعرف الشعير.
وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرمون شيئاً ويأكلون جميع الدواب وبني آدم ولا يعرفون نكاحاً بل المرأة يأتيها غير واحد.
ولما دخلت سنة ست وخمسين وصل التتار إلى بغداد وهم مائتا ألف ويقدمهم هلاكو فخرج إليهم عسكر الخليفة فهزم العسكر.

(1/193)


ودخلوا بغداد يوم عاشوراء فأشار الوزير لعنه الله على المستعصم بمصانعتهم وقال: أخرج إليهم أنا في تقرير الصلح فخرج وتوثق بنفسه منهم وورد إلى الخليفة وقال: إن الملك قد رغب في أن يزوج ابنته بابنك الأمير أبي بكر ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم في سلطنته ولا يريد إلا أن تكون الطاعة كما كان أجدادك مع سلاطين السلجوقية وينصرف عنك بجيوشه فليجيب مولانا إلى هذا فإن فيه حقن دماء المسلمين ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد والرأي أن تخرج إليه فخرج إليه في جمع من الأعيان فأنزل في خيمة.
ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد فخرجوا من بغداد فضربت أعناقهم وصار كذلك تخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم حتى قتل جميع من هناك من العلماء والأمراء والحجاب والكبار.
ثم مد الجسر وبذل السيف في بغداد واستمر القتال فيها نحو أربعين يوماً فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف نسمة ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة وقتل الخليفة رفساً.
قال الذهبي: وما أظنه دفن وقتل معه جماعة من أولاده وأعمامه وأسر بعضهم وكانت بلية لم يصب الإسلام بمثلها ولم يتم للوزير ما أراد وذاق من التتار الذل والهوان ولم تطل أيامه بعد ذلك وعملت الشعراء قصائد في مراثي بغداد وأهلها وتمثل بقول سبط التعاويذي:
بادت وأهلوها معاً فبيوتهم ... ببقاء مولانا الوزير خراب
وقال بعضهم:
يا عصبة الإسلام نوحي واندبي ... حزناً على ما تم للمستعصم
دست الوزارة كان قبل زمانه ... لابن الفرات فصار لابن العلقمي
وكان آخر خطبة ببغداد قال الخطيب في أولها: الحمد لله الذي هدم بالموت مشيد الأعمار وحكم بالفناء على أهل هذه الدار هذا والسيف قائم بها.
ولتقي الدين بن أبى اليسر قصيدة مشهورة في بغداد وهي هذه:
لسائل الدمع عن بغداد أخبار ... فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى والدار ديار
تاج الخلافة والربع الذي شرفت ... به المعالم قد عفاه إقفار
أضحى لعصف البلى في ربعه أثر ... وللدموع على الآثار آثار
يا نار قلبي من نار لحرب وغى ... شبت عليه ووافى الربع إعصار
علا الصليب على أعلى منابرها ... وقام بالأمر من يحويه زنار
وكم حريم سبته الترك غاصبة ... وكان من دون ذاك الستر أستار
وكم بدور على البدرية انخسفت ... ولم يعد لبدور منه إبدار
وكم ذخائر أضحت وهي شائعة ... من النهاب وقد حازته كفار
وكم حدود أقيمت من سيوفهم ... على الرقاب وحطت فيه أوزار
ناديت والسبي مهتوك تجربهم ... إلى السفاح من الأعداد دعار
ولما فرغ هلاكو من قتل الخليفة وأهل بغداد وأقام على العراق نوابه وكان ابن العلقمي حسن لهم أن يقيموا خليفة علوياً فلم يوافقوه واطرحوه وصار معهم في صورة بعض الغلمان ومات كمداً لا رحمه الله ولا عفا عنه.
ثم أرسل هلاكو إلى الناصر صاحب دمشق كتاباً صورته يعلم السلطان الملك الناصر طال بقاؤه أنه لما توجهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم فقتلناهم بسيف الله ثم خرج إلينا رؤوساء البلد ومقدموها فكان قصارى كلامهم سبباً لهلاك نفوس تستحق الإهلاك وأما ما كان من صاحب البلدة فإنه خرج إلى خدمتنا ودخل تحت عبوديتنا فسألناه عن أشياء كذبنا فيها فاستحق الإعدام وكان كذبه ظاهراً ووجدوا ما عملوا حاضراً أجب ملك البسيطة ولا تقولن: قلاعي المانعات ورجالي المقاتلات وقد بلغنا أن شذرة من العسكر التجأت إليك هاربة وإلى جنابك لائذة:
أين المفر ولا مفر لهارب ... ولنا البسيطان الثرى والماء
فساعة وقوفك على كتابنا تجعل قلاع الشام سماءها أرضاً وطولها عرضاً والسلام.
ثم أرسل له كتاباً ثانياً يقول فيه خدمة ملك ناصر طال عمره أما بعد فإنا فتحنا بغداد واستأصلنا ملكها وملكها وكان قد ظن وقد فتن الأموال ولم ينافس الرجال أن ملكه يبقى على ذلك الحال وقد علا ذكره ونمى قدره فخسف في الكمال بدره:

(1/194)


إذا تم أمر بدا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تم
ونحن في طلب الازدياد على ممر الآباد فلا تكن كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم وأبد ما في نفسك: إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان أجب دعوة ملك البسيطة تأمن شره وتنل بره واسع إليه بأموالك ورجالك ولا تعوق رسلنا والسلام.
ثم أرسل إليه كتاباً ثالثاً يقول فيه أما بعد فنحن جنود الله بنا ينتقم ممن عتا وتجبر وطغى وتكبر وبأمر الله ما ائتمر وإن عوتب تنمر وإن روجع استمر ونحن قد أهلكنا البلاد وأبدنا العباد وقتلنا النسوان والأولاد فيا أيها الباقون أنتم بمن مضى لاحقون ويا أيها الغافلون أنتم إليهم تساقون ونحن جيوش الهلكة لا جيوش الملكة مقصودنا الانتقام وملكنا لا يرام ونزيلنا لا يضام وعدلنا في ملكنا قد اشتهر ومن سيوفنا أين المفر:
أين المفر ولا مفر لهارب ... ولنا البسيطان الثرى والماء
ذلت لهيبتنا الأسود وأصبحت ... في قبضتي الأمراء والخلفاء
ونحن إليكم صائرون ولكم الهرب وعلينا الطلب:
ستعلم ليلى أي دين تداينت؟ ... وأي غريم بالتقاضي غريمها؟
دمرنا البلاد وأيتمنا الأولاد وأهلكنا العباد وأذقناهم العذاب وجعلنا عظيمهم صغيراً وأميرهم أسيراً وتحسبون أنكم منا ناجون أو متخلصون وعن قليل سوف تعلمون على ما تقدمون وقد أعذر من أنذر.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين والدنيا بلا خليفة.
وفيها نزل التتار على آمد وكان صاحب مصر المنصور علي بن المعز صبياً وأتابكه الأمير سيف الدين قطز المعزي مملوك أبيه وقدم الصاحب كمال الدين ابن العديم إليهم رسولا يطلب النجدة على التتار فجمع قطز الأمراء والأعيان فحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكان المشار إليه في الكلام فقال الشيخ عز الدين إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه وتتساووا في ذلك أنتم والعامة وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا ثم بعد أيام يسيرة قبض قطز على ابن أستاذه المنصور وقال هذا صبي والوقت صعب ولا بد من أن يقوم رجل شجاع ينتصب للجهاد وتسلطن قطز ولقب بالملك المظفر.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين والوقت أيضاً بلا خليفة.
وفيها قطع التتار الفرات ووصلوا إلى حلب وبذلوا السيف فيها ثم وصلوا إلى دمشق وخرج المصريون في شعبان متوجهين إلى الشام لقتال التتار فأقبل المظفر بالجيوش وشاليشه ركن الدين بيبرس البندقداري فالتقوا هم والتتار عند عين جالوت ووقع المصاف وذلك يوم الجمعة خامس عشر رمضان فهزم التتار شر هزيمة وانتصر المسلمون ولله الحمد وقتل من التتار مقتلة عظيمة وولوا الأدبار وطمع الناس فيهم يتخطفونهم وينهبونهم وجاء كتاب المظفر إلى دمشق بالنصر فطار الناس فرحاً ثم دخل المظفر إلى دمشق مؤيداً منصوراً وأحبه الخلق غاية المحبة وساق بيبرس وراء التتار إلى بلاد حلب وطردهم عن البلاد ووعده السلطان بحلب ثم رجع عن ذلك فتأثر بيبرس من ذلك وكان ذلك مبدأ الوحشة وكان المظفر عزم على التوجه إلى حلب لينظف آثار البلاد من التتار فبلغه أن بيبرس تنكر له وعمل عليه فصرف وجهه عن ذلك ورجع إلى مصر وقد أضمر الشر لبيبرس وأسر ذلك إلى بعض خواصه فأطلع على ذلك بيبرس فساروا إلى مصر وكل منهما محترس من صاحبه فاتفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتل المظفر فقتلوه في الطريق في ثالث عشر شهر ذي القعدة وتسلطن بيبرس ولقب بملك القاهرة ودخل مصر وأزال عن أهلها ما كان المظفر قد أحدثه عليهم من المظالم وأشار عليه الوزير زين الملة والدين ابن الزبير بأن يغير هذا اللقب وقال ما لقب به أحد فأفلح: لقب به القاهر بن المعتضد فخلع بعد قليل وسمل ولقب به القاهر ابن صاحب الموصل فسم فأبطل السلطان هذا اللقب وتلقب بالملك الظاهر.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين والوقت أيضاً بلا خليفة إلى رجب فأقيمت بمصر الخلافة وبويع المستنصر كما سنذكره وكان مدة انقطاع الخلافة ثلاث سنين ونصف.

(1/195)


وممن مات في أيام المستعصم من الأعلام: الحافظ تقي الدين الصريفيني والحافظ أبو القاسم بن الطيلسان وشمس الأئمة الكردي من كبار الحنفية والشيخ تقي الدين ابن الصلاح والعلم السخاوي والحافظ محب الدين بن النجار مؤرخ بغداد ومنتخب الدين شارح المفصل وابن يعيش النحوي وأبو الحجاب الأقصري الزاهد وأبو علي الشلوبيني النحوي وابن البيطار صاحب المفردات والعلامة جمال الدين بن الحاجب إمام المالكية وأبو الحسن بن الديباج النحوي والقفطي صاحب تاريخ النحاة وأفضل الدين الخونجي صاحب المنطق والأزدي والحافظ يوسف بن خليل والبهاء ابن بنت الحميري والجمال بن عمرون النحوي والرضي الصغاني اللغوي صاحب العباب وغيره والكمال عبد الواحد الزملكاني صاحب المعاني والبيان وإعجاز القرآن والشمس الخسرو شاهي والمجد ابن تيمية ويوسف سبط ابن الجوزي صاحب مرآة الزمان وابن باطيش من كبار الشافعية والنجم البادرائي وابن أبي الفضل المرسي صاحب التفسير وخلائق آخرون.
فصل: ومات في مدة انقطاع الخلافة من الأعلام: الزكي عبد العظيم المنذري والشيخ أبو الحسن الشاذلي شيخ الطائفة الشاذلية وشعبة المقرئ والفاسي شارح الشاطبية وسعد الدين بن العزي الشاعر والصرصري الشاعر وابن الأبار مؤرخ الأندلس وآخرون.
المستنصر بالله أحمد
المستنصر بالله: أحمد أبو القاسم بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أحمد.
قال الشيخ قطب الدين: كان محبوساً ببغداد فلما أخذت التتار بغداد أطلق فهرب وصار إلى عرب العراق فلما تسلطن الملك الظاهر بيبرس وفد عليه في رجب ومعه عشرة من بني مهارش فركب السلطان للقائه ومعه القضاة والدولة فشق القاهرة ثم أثبت نسبه على يد قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز ثم بويع له بالخلافة فأول من بايعه السلطان ثم قاضي القضاة تاج الدين ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام ثم الكبار على مراتبهم وذلك في الثالث عشر رجب ونقش اسمه على السكة وخطب له ولقب بلقب أخيه وفرح الناس وركب يوم الجمعة وعليه السواد إلى جامع القلعة وصعد المنبر وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس ودعا فيها للسلطان والمسلمين ثم صلى بالناس ثم رسم بعمل خلعة خليفة السلطان وبكتابة تقليد له ثم نصب خيمة بظاهر القاهرة وركب المستنصر بالله والسلطان يوم الاثنين رابع شعبان إلى الخيمة وحضر القضاة والأمراء والوزير فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده وطوقه ونصب منبر فصعد عليه فخر الدين ابن لقمان فقرأ التقليد ثم ركب السلطان بالخلعة ودخل من باب النصر وزينت القاهرة وحمل الصاحب التقليد على رأسه راكباً والأمراء مشاة.
ورتب السلطان للخليفة أتابكاً واستاداراً وشرابياً وخازنداراً وحاجباً وكاتباً وعين له خزانة وجملة مماليك ومائة فرس وثلاثين بغلاً وعشرة قطارات جمال إلى أمثال ذلك.
قال الذهبي: ولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا هذا والمقتفي.
وأما صاحب حلب الأمير شمس الدين أقوش فأنه أقام بحلب خليفة ولقبه الحاكم بأمر الله وخطب له ونقش اسمه على الدراهم.
ثم إن المستنصر هذا عزم على التوجه إلى العراق فخرج معه السلطان يشيعه إلى أن دخلوا دمشق ثم جهز السلطان الخليفة وأولاد صاحب الموصل وغرم عليه وعليهم من الذهب ألف ألف دينار وستين ألف درهم فسار الخليفة ومعه ملوك الشرق وصاحب سنجار فاجتمع به الخليفة الحلبي الحاكم ودان له ودخل تحت طاعته ثم سار ففتح الحديثة ثم هيت فجاءه عسكر من التتار فتصافوا له فقتل من المسلمين جماعة وعدم الخليفة المستنصر فقيل: قتل وهو والظاهر وقيل: سلم وهرب فأضمرته البلاد وذلك في الثالث من المحرم سنة ستين فكانت خلافته دون ستة أشهر وتولى بعد بسنة الحاكم الذي كان بويع بحلب في حياته.
الحاكم بأمر الله أبو العباس
الحاكم بأمر الله: أبو العباس أحمد بن أبي على الحسن بن أبي بكر بن الحسن بن علي القبي بضم القاف وتشديد الباء الموحدة ابن الخليفة المسترشد بالله بن المستظهر بالله.

(1/196)


كان اختفى وقت أخذ بغداد ونجا ثم خرج منها في صحبته جماعة فقصد حسين ابن فلاح أمير بني خفاجة فأقام عنده مدة ثم توصل مع العربي إلى دمشق وأقام عند الأمير عيسى بن مهنأ مدة فطالع به الناصر صاحب دمشق فأرسل يطلبه فبغته مجيء التتار فلما جاء الملك المظفر دمشق سير في طلبه الأمير قلج البغدادي فاجتمع به وبايعه بالخلافة وتوجه في خدمته جماعة من أمراء العرب فافتتح الحاكم غانة بهم والحديثة وهيت والأنبار وصاف التتار وانتصر عليهم ثم كاتبه علاء الدين طيبرس نائب دمشق يومئذ والملك الظاهر يستدعيه فقدم دمشق في صفر فبعثه إلى السلطان وكان المستنصر بالله قد سبقه بثلاثة أيام إلى القاهرة فما رأى أن يدخل إليها خوفاً من أن يمسك فرجع إلى حلب فبايعه صاحبها ورؤوساؤها منهم عبد الحليم بن تيمية وجمع خلقاً كثيراً وقصد غانة فلما رجع المستنصر وافاه بغانة فانقاد الحاكم له ودخل تحت طاعته فلما عدم المستنصر في الوقعة المذكورة في ترجمته قصد الحاكم الرحبة وجاء إلى عيسى بن مهنأ فكاتب الملك الظاهر بيبرس فيه فطلبه فقدم إلى القاهرة ومعه ولده وجماعة فأكرمه الملك الظاهر وبايعوه بالخلافة وامتدت أيامه وكانت خلافته نيفاً وأربعين سنة وأنزله الملك الظاهر بالبرج الكبير بالقلعة وخطب بجامع القلعة مرات.
قال الشيخ قطب الدين: في يوم الخميس ثامن المحرم سنة إحدى وستين جلس السلطان مجلساً عاماً وحضر الحاكم بأمر الله راكباً إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل وجلس مع السلطان وذلك بعد ثبوت نسبه فأقبل عليه السلطان وبايعه بإمرة المؤمنين ثم أقبل هو على السلطان وقلده الأمور ثم بايعه الناس على طبقاتهم فلما كان من الغد يوم الجمعة خطب خطبة ذكر فيها الجهاد والإمامة وتعرض إلى ما جرى من هتك حرمة الخلافة ثم قال: وهذا السلطان الملك الظاهر قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار وأول الخطبة: الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركناً وظهيراً ثم كتب بدعوته إلى الآفاق.
وفي هذه السنة وبعدها تواتر مجيء جماعة من التتار مسلمين مستأمنين فأعطوا أخباراً وأرزاقاً فكان ذلك مبدأ كفاية شرهم.
وفي سنة اثنتين وستين فرغت مدرسة الظاهرية بين القصرين وولى بها تدريس الشافعية التقى ابن رزين وتدريس الحديث الشرف الدمياطي.
وفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة.
وفي سنة ثلاث وستين انتصر سلطان المسلمين بالأندلس أبو عبد الله بن الأحمر على الفرنج واسترجع من أيديهم اثنتين وثلاثين بلداً: من جملتها إشبيلية ومرسية.
وفيها كثر الحريق بالقاهرة في عدة مواضع ووجد لفائف فيها النار والكبريت على الأسطحة. وفيها حفر السلطان بحر أشمون وعمل بنفسه والأمراء.
وفيها مات طاغية التتار هلاكو وملك بعده ابنه أبغا.
وفيها سلطن السلطان ولده الملك السعيد وعمره أربع سنين وركبه بأبهة الملك في قلعة الجبل وحمل الغاشية بنفسه بين يدي ولده من باب السر إلى باب السلسلة ثم عاد وركب إلى القاهرة والأمراء مشاة بين يديه.
وفيها جدد بالديار المصرية القضاة الأربعة من كل مذهب قاض وسبب ذلك توقف القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز عن تنفيذ كثير من الأحكام وتعطلت الأمور وأبقى للشافعي النظر في أموال الأيتام وأمور بيت المال ثم فعل ذلك بدمشق.
وفي رمضان منها حجب السلطان الخليفة ومنعه الناس لكون أصحابه كانوا يخرجون إلى البلد ويتكلمون في أمر الدولة.
وفي سنة خمس وستين وستمائة أمر السلطان بعمل الجامع بالحسنية وتم ذلك في سنة سبع وستين وقرر له خطيب حنفي.
وفي سنة أربع وسبعين وجه السلطان جيشاً إلى النوبة ودنقلة فانتصروا وأسر ملك النوبة وأرسل به إلى الملك الظاهر ووضعت الجزية على أهل دنقلة ولله الحمد.
قال الذهبي: وأول ما غزيت النوبة في سنة إحدى وثلاثين من الهجرة غزاها عبد الله بن أبي سرح في خمسة آلاف فارس ولم يفتحها فهادنهم ورجع ثم غزيت في زمن هشام ولم تفتح ثم في زمن المنصور ثم غزاها تكن الزنكي ثم كافور الأخشيدي ثم ناصر الدولة ابن حمدان ثم توران شاه أخوه السلطان صلاح الدين في سنة ثمانين وستين وخمسمائة ولم تفتح إلا في هذا العام وقال في ذلك ابن عبد الظاهر:
هذا هو الفتح لا شيء سمعت به ... في شاهد العين لا ما في الأسانيد

(1/197)


وفي سنة ست وسبعين مات الملك الظاهر بدمشق في محرم واستقل ابنه الملك السعيد محمد بالسلطنة وله ثمان عشرة سنة.
وفيها جمع التقي بن رزين بين قضاء مصر والقاهرة وكان قضاء مصر قبل ذلك مفرداً عن قضاء القاهرة ثم لم يفرد بعد ذلك قضاء مصر عن قضاء القاهرة.
وفي سنة ثمان وسبعين خلع الملك السعيد من السلطنة وسير إلى الكرك سلطاناً بها فمات من عامه وولوا مكانه بمصر أخاه بدر الدين سلامش وله سبع سنين ولقبوه بالملك العادل وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون وضرب السكة باسمه على وجه ودعي لهما في الخطبة ثم في رجب نزع سلامش من السلطنة بغير نزاع وتسلطن قلاوون ولقب بالملك المنصور.
وفي سنة تسع وسبعين يوم عرفة وقع بديار مصر برد كبار وصواعق.
وفي سنة ثمانين وصل عسكر التتار إلى الشام وحصل الرجيف فخرج السلطان لقتالهم ووقع المصاف وحصل مقتلة عظيمة ثم حصل النصر للمسلمين ولله الحمد.
وفي سنة ثمان وثمانين أخذ السلطان طرابلس بالسيف وكانت في أيدي النصارى من سنة ثلاث وخمسمائة إلى الآن وكان أول فتحها في زمن معاوية وأنشأ التاج ابن الأثير كتاباً بالبشارة بذلك إلى صاحب اليمن يقول فيه: كانت الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما فيهم إلا من هو مشغول بنفسه مكب على مجلس أنسه يرى السلامة غنيمة وإذا عن له وصف الحرب لم يسأل إلا عن طرق الهزيمة قد بلغ أمله من الرتبة وقنع بالسكة والخطبة أموال تنهب وممالك تذهب لا يبالون بما سلبوا وهم كما قيل:
إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا ... أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا
إلى أن أوجد الله من نصر دينه وأذل الكفر وشياطينه.
وذكر بعضهم أن معنى طرابلسس باللسان الرومي ثلاثة حصون مجتمعة.
وفي سنة تسع وثمانين مات السلطان قلاوون في ذي القعدة وتسلطن ابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل فأظهر أمر الخليفة وكان خاملاً في أيام أبيه حتى إن أباه لم يطلب منه تقليداً بالملك فخطب الخليفة بالناس يوم الجمعة وذكر في خطبته توليته للملك الأشرف أمر الإسلام.
ولما فرغ من الخطبة صلى بالناس قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ثم خطب الخليفة مرة خطبة أخرى جهادية وذكر بغداد وحرض على أخذها.
وفي سنة إحدى وتسعين سافر السلطان فحاصر قلعة الروم.
وفي سنة ثلاث وتسعين وستمائة قتل السلطان بتروجة وسلطنوا أخاه محمد بن المنصور ولقب الملك الناصر وله يومئذ تسع سنين ثم خلع في المحرم سنة أربع وتسعين وتسلطن كتبغا المنصوري وتسمى بالملك العادل.
وفي هذه السنة دخل في الإسلام قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاكو ملك التتار وفرح الناس بذلك وفشا الإسلام في جيشه.
وفي سنة ست وتسعين وستمائة كان السلطان بدمشق فوثب لاجين على السلطنة وحلف له الأمراء ولم يختلف عليه اثنان ولقب الملك المنصور وذلك في صفر وخلع عليه الخليفة الخلعة السوداء وكتب له تقليداً وسير العادل إلى صرخد نائباً بها ثم قتل لاجين في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وأعيد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون وكان منفياً بالكرك فقلده الخليفة فسير العادل إلى حماة نائباً بها فاستمر إلى أن مات سنة اثنتين وسبعمائة.
وفي سنة إحدى وسبعمائة توفي الخليفة الحاكم إلى رحمة الله ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى وصلى عليه العصر بسوق الخيل تحت القلعة وحضر جنازته رجال الدولة والأعيان كلهم مشاة ودفن بقرب السيدة نفيسة وهو أول من دفن منهم هناك واستمر مدفنهم إلى الآن وكان عهده بالخلافة لولده أبي الربيع سليمان.

(1/198)


وممن مات في أيام الحاكم من الأعلام: الشيخ عز الدين بن عبد السلام والعلم اللورقي وأبو القاسم القباري الزاهد والزين خالد النابلسي والحافظ أبو بكر بن سدي والإمام أبو شامة والتاج ابن بنت الأعز وأبو الحسن ابن عدلان ومجد الدين بن دقيق العيد وأبو الحسن بن عصفور النحوي والكمال سلار الإربلي وعبد الرحيم بن يونس صاحب التعجيز والقرطبي صاحب التفسير والتذكرة والشيخ جمال الدين بن مالك وولده بدر الدين والنصير الطوسي رأس الفلاسفة وخاصة التتار والتاج ابن السباعي خازن المستنصرية والبرهان ابن جماعة والنجم الكاتبي المنطقي والشيخ محي الدين النووي والصدر سليمان إمام الحنفية والتاج ابن ميسر المؤرخ والكواشي المفسر والتقي بن رزين وابن خلكان صاحب وفيات الأعيان وابن إياز النحوي وعبد الحليم بن تيمية وابن جعوان وناصر الدين بن المنير والنجم ابن البارزي والبرهان النسفي صاحب التصانيف في الخلاف والكلام والرضي الشاطبي اللغوي والجمال الشريشي والنفيسي شيخ الأطباء وأبو الحسين ابن أبي الربيع النحوي والأصبهاني شارح المحصول والعفيف التلمساني الشاعر المنسوب إلى الإلحاد والتاج وابن الفركاح والزين ابن المرحل والشمس الجوني والعز الفاروقي والمحب الطبري والتقي ابن بنت الأعز والرضي القسطنطيني والبهاء ابن النحاس النحوي وياقوت المستعصمي صاحب الخط المنسوب وخلائق آخرون.
المستكفي بالله أبو الربيع
المستكفي بالله: أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله.
ولد في نصف المحرم سنة أربع وثمانين وستمائة واشتغل بالعلم قليلاً وبويع بالخلافة بعهد من أبيه في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة وخطب له على المنابر في البلاد المصرية والشامية وسارت البشارة بذلك إلى جميع الأقطار والممالك الإسلامية وكانوا يكنون بالكبش فنقلهم السلطان إلى القلعة وأفرد لهم داراً.
وفي سنة اثنتين هجم التتار على الشام فخرج السلطان ومعه الخليفة لقتالهم فكان النصر عليهم وقتل من التتار مقتلة عظيمة وهرب الباقون.
وفيها زلزلت مصر والشام زلزلة عظيمة هلك فيها خلق تحت الهدم.
وفي سنة أربع أنشأ الأمير بيبرس الجاشنكير المنصوري الوظائف والدروس بجامع الحاكم وجدده بعد خرابه من الزلزلة وجعل القضاة الأربعة مدرسي الفقه وشيخ الحديث سعد الدين الحارثي وشيخ النحو أبا حيان.
وفي سنة ثمان خرج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قاصداً للحج فخرج من مصر في شهر رمضان المعظم وخرج معه جماعة من الأمراء لتوديعه فردهم فلما اجتاز بالكرك عدل إليها فنصب له الجسر فلما توسطه انكسر به فسلم من قدامه وقفز به الفرس فنجا وسقط من وراءه فكانوا خمسين فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادي تحته وأقام السلطان بالكرك ثم كتب كتاباً إلى الديار المصرية يتضمن عزل نفسه عن المملكة فأثبت ذلك القضاة بمصر ثم نفذ على القضاة الشام وبويع الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بالسلطنة في الثالث والعشرين من شهر شوال ولقب الملك المظفر وقلده الخليفة وألبسه الخلعة السوداء والعمامة المدورة ونفذ التقليد إلى الشام في كيس أطلس أسود فقرئ هناك وأوله إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم عاد الملك الناصر في رجب سنة تسع يطلب عوده إلى الملك ومالأه على ذلك جماعة من الأمراء فدخل دمشق في شعبان ثم دخل مصر يوم عيد الفطر وصعد القلعة وكان المظفر بيبرس فر في جماعة من أصحابه قبل قدومه بأيام ثم أمسك وقتل من عامه وقال العلاء الوداعي في عود الناصر إلى الملك:
الملك الناصر قد أقبلت ... دولته مشرقة الشمس
عاد إلى كرسيه مثل ما ... عاد سليمان إلى الكرسي
وفي هذه السنة تكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض وأنهم قد التزموا للديون بسبعمائة ألف دينار كل سنة زيادة على الجالية فقام الشيخ تقي الدين ابن تيمية في إبطال ذلك قياماً عظيماً وبطل ولله الحمد.

(1/199)


وفيها أظهر ملك التتار خوبند الرفض في بلاده وأمر الخطباء أن لا يذكروا في الخطبة إلا علي بن أبي طالب وولديه وأهل البيت واستمر ذلك إلى أن مات سنة ست عشرة وولي ابنه أبو سعيد فأمر بالعدل وأقام السنة والترضي عن الشيخين ثم عثمان ثم علي في الخطبة وسكن كثير من الفتن ولله الحمد وكان هذا من خير ملوك التتار وأحسنهم طريقة واستمر إلى أن مات سنة ست وثلاثين ولم يقم لهم بعده قائمة بل تفرقوا شذر مذر.
وفي سنة عشرة زاد النيل زيادة كثيرة لم يسمع بمثلها وغرق منها بلاد كثيرة وناس كثيرون. وفي سنة أربع وعشرين زاد النيل أيضاً كذلك ومكث على أرض ثلاثة أشهر ونصفاً وكان ضرره أكثر من نفعه.
وفي سنة ثمان وعشرين عمرت سقوف المسجد الحرام بمكة والأبواب وظاهره مما يلي باب بني شيبة.
وفي سنة ثلاثين أقيمت الجمعة بإيوان الشافعية من المدرسة الصالحية بين القصرين وذلك أول ما أقيمت بها.
وفيها فرغ من الجامع الذي أنشأه قوصون خارج باب زويلة وخطب به وحضره السلطان والأعيان وباشر الخطابة يومئذ قاضي القضاة جلال الدين القزويني ثم استقر في خطابته فخر الدين بن شكر.
وفي سنة ثلاث وثلاثين أمر السلطان بالمنع من رمي البندق وأن لا تباع قسيه ومنع المنجمين.
وفيها عمل السلطان للكعبة باباً من الآبنوس عليه صفائح فضة زنتها خمسة وثلاثون ألفاً وثلاثمائة وكسر وقلع الباب العتيق فأخذه بنو شيبة بصفائحه وكان عليه اسم صاحب اليمن.
وفي سنة ست وثلاثين وقع بين الخليفة والسلطان أمر فقبض على الخليفة واعتقله بالبرج ومنعه من الاجتماع بالناس ثم نفاه في ذي الحجة سنة سبع إلى قوص هو وأولاده وأهله ورتب لهم ما يكفيهم وهم قريب من مائة نفس فإنا لله وإنا إليه راجعون واستمر المستكفي بقوص إلى أن مات بها في شعبان سنة أربعين وسبعمائة ودفن بها وله بضع وخمسون سنة.
قال ابن حجر في الدرر الكامنة: كان فاضلاً جواداً حسن الخط جداً شجاعاً يعرف بلعب الأكرة ورمي البندق وكان يجالس العلماء والأدباء وله عليهم إفضال ومعهم مشاركة وكان بطول مدته يخطب له على المنابر حتى في زمن حبسه ومدة إقامته بقوص وكان بينه وبين السلطان أولاً محبة زائدة وكان يخرج مع السلطان إلى السرحات ويلعب معه الكرة وكانا كالأخوين.
والسبب في الوقيعة بينهما أنه رفع إليه قصة عليها خط الخليفة بأن يحضر السلطان بمجلس الشرع الشريف فغضب من ذلك وآل الأمر إلى أن نفاه إلى قوص ورتب له على واصل المكارم أكثره مما كان له بمصر.
وقال ابن فضل الله في ترجمته من المسالك: كان حسن الجملة لين الحملة.
وممن مات في أيام المستكفي من الأعلام: قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد والشيخ زين الدين الفارقي شيخ الشافعية وشيخ دار الحديث وليها بعد وفاة النووي إلى الآن ووليها بعده صدر الدين بن الوكيل والشرف الفزاري والصدر بن الزرير بن الحاسب والحافظ شرف الدين الدمياطي والضياء الطوسي شارح الحاوي والشمس في زمانه والحافظ سعد الدين الحارثي والفخر التوزي محدث مكة والرشيد بن المعلم من كبار الحنفية والأربوي والصدر ابن الوكيل شيخ الشافعية والكمال ابن الشريشي والتاج التبريزي والفخر ابن بنت أبي سعد والشمس بن أبي العز شيخ الحنفية والرضي الطبري إمام مكة والصفي أبو الثناء ومحمود الأرموي والشيخ نور الدين البكري والعلاء ابن العطار تلميذ الإمام النووي والشمس الأصبهاني صاحب التفسير وشرح مختصر ابن الحاجب وشرح التجريد وغير ذلك والتقى الصائغ المقرئ خاتمة مشايخ القراء والشهاب محمود شيخ صناعة الإنشاء والجمال بن مطهر شيخ الشيعة والكمال بن قاضي شهبة والنجم القمولي صاحب الجواهر والبحر: والكمال بن الزملكاني والشيخ تقي الدين بن تيمية وابن جبارة شارح الشاطبية والنجم البالسي شارح التنبيه والبرهان الفزاري شيخ الشافعية والعلاء القونوي شارح الحاوي والفخر التركماني من الحنفية شارح الجامع الكبير والملك المؤيد صاحب حماة الذي له تصانيف كثيرة منها نظم الحاوي والشيخ ياقوت العرشي تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي والبرهان الجعبري والبدر بن جماعة والتاج ابن الفاكهاني والفتح بن سيد الناس والقطب الحلبي والزين الكناني والقاضي محي الدين بن فضل الله والركن بن القويع والزين بن المرحل والشرف ابن البارزي والجلال القزويني وآخرون.

(1/200)


؟الواثق بالله إبراهيم
الواثق بالله: إبراهيم ابن ولي العهد المستمسك بالله أبي عبد الله محمد بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد كان جده الحاكم عهد إلى أبنه محمد ولقبه المستمسك فمات في حياته فعهد إلى ابنه إبراهيم هذا ظناً أنه يصلح للخلافة فرآه غير صالح لها لما هو فيه من الانهماك في اللعب ومعاشرة الأرذال فعدل عنه وعهد إلى المستكفي ابنه أعني ابن الحاكم وهو عم إبراهيم فكان إبراهيم هو السبب في الوقيعة بين الخليفة المستكفي والسلطان بعد أن كانا كالأخوين لما كان يحمله إليه من النميمة به حتى جرى ما جرى.
فلما مات المستكفي بقوص عهد إلى ابنه أحمد فلم يلتفت السلطان إلى ذلك وبايع إبراهيم هذا ولقب بالواثق إلى أن حضرت السلطان الوفاة فندم على ما صدر منه وعزل إبراهيم هذا وبايع ولي العهد أحمد ولقب الحاكم وذلك في أول المحرم سنة اثنتين وأربعين.
قال ابن حجر: راجع الناس السلطان في أمر إبراهيم هذا ووسموه بسوء السيرة فلم يلتفت إلى ذلك ولم يزل بالناس حتى بايعوه وكان العامة يلقبونه المستعطي بالله.
وقال ابن فضل الله في المسالك في ترجمة الواثق: عهد إليه جده ظناً أن يكون صالحاً أو يجيب لداعي الخلافة صائحاً فما نشأ إلا في تهتك ولا دان إلا بعد تنسك أغري بالقاذورات وفعل ما لم تدع إليه الضرورات وعاشر السفلة والأرذال وهان عليه من عرضه ما هو باذل وزين له سوء عمله فرآه حسناً وعمي عليه فلم ير مسيئاً إلا محسناً وغواه اللعب بالحمام وشرى الكباش للنطاح والديوك للنقار والمنافسة في المعز الزرائبية الطوال الآذان وأشياء من هذا ومثله مما يسقط المروءة ويثلم الوقار وانضم هذا إلى سوء معاملة ومشترى سلع لا يوفي أثمانها واستئجار دور لا يقوم بأجرها وتحيل على درهم يملأ به كفه وسحت يجمع به فمه وحرام يطعم منه ويطعم حرمه حتى كان عرضه للهوان وأكلة لأهل الأوان.
فلما توفي المستكفي والسلطان عليه في حدة غضبه وتياره المتحامل عليه في شدة غلبه طلب هذا الواثق المغتر والمائق إلا أنه غير المضطر وكان ممن يمشي إلى السلطان في عمه بالنميمة ويعقد مكائده على رأسه عقدة التميمة فحضر إليه وأحضر معه عهد جده فتمسك السلطان بمبايعته بشبهته وصرف وجه الخلافة إلى جهته وكان قد تقدم نقض ذلك العهد ونسخ ذلك العقد وقام قاضي القضاة أبو عمر بن جماعة في صرف رأي السلطان عن إقامة الخطبة باسم الواثق فلم يفعل واتفق الرأيان على ترك الخطبة للاثنين واكتفي فيها بمجرد اسم السلطان فرحل بموت المستكفي اسم الخلافة عن المنابر كأنه ما علا ذروتها وخلا الدعاء للخلفاء من المحاريب كأنه ما قرع بابها ومروتها فكأنما كان آخر للخلفاء بني العباس وشعارها عليه لباس الحداد وأغمدوا تلك السيوف الحداد ثم لم يزل الأمر على هذا حتى حضرت السلطان الوفاة وقرع الموت صفاه فكان مما أوصى به رد الأمر إلى أهله وإمضاء عهد المستكفي لابنه وقال: الآن حصحص الحق وحنا على مخالفيه ورق وعزل إبراهيم وهزل وكان قد رعى البهم وستر اللؤم بثياب أهل الكرم وتسمن وشحمة ورم وتسمى بالواثق وأين هو من صاحب هذا الاسم؟ الذي طال ما سرى رعبه في القلوب وأقضت هيبته مضاجع الجنوب وهيهات لا تعد من النسر التماثيل ولا الناموسة وإن طال خرطومها كالفيل وإنما سوق الزمان قد ينفق ما كسد والهر يحكي اتنفاخاً صورة الأسد وقد عاد الآن يعض يديه ومن يهن يسهل الهوان عليه هذا آخر كلام ابن فضل الله.
الحاكم بأمر الله أبو العباس

(1/201)


الحاكم بأمر الله: أبو العباس أحمد بن المستكفي كان أبوه لما مات بقوص عهد إليه بالخلافة فقدم الملك الناصر عليه إبراهيم ابن عمه لما كان في نفسه من المستكفي وكانت سيرة إبراهيم قبيحة وكان القاضي عز الدين بن جماعة قد جهد كل الجهد في صرف السلطان عنه فلم يفعل فلما حضرته الوفاة أوصى الأمراء برد الأمر إلى ولي عهد المستكفي ولده أحمد فلما تسلطن المنصور أبو بكر بن الناصر عقد مجلساً يوم الخميس حادي عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وطلب الخليفة إبراهيم وولي العهد أحمد والقضاة وقال: من يستحق الخلافة شرعاً؟ فقال ابن جماعة: إن الخليفة المستكفي المتوفى بمدينة قوص أوصى بالخلافة من بعده لولده أحمد وأشهد عليه أربعين عدلاً بمدينة قوص وثبت ذلك عندي بعد ثبوته عند نائبي بمدينة قوص فخلع السلطان حينئذ إبراهيم وبايع أحمد وبايعه القضاة ولقب الحاكم بأمر الله لقب جده.
وقال ابن فضل الله في المسالك في ترجمته: هو إمام عصرنا وغمام مصرنا قام على غيظ العدى وغرق بفيض الندى وصارت له الأمور إلى مصائرها وسيقت إليه بصائرها فأحيا رسوم الخلافة ورسم بما لا يستطيع أحد خلافه وسلك مناهج آبائه وقد طمست وأحياها بمباهج أبنائه وقد درست وجمع شمل بني أبيه وقد طال بهم الشتات وأطال عذرهم وقد اختلف السبات ورفع اسمه على ذرى المنابر وقد عبر مدة لا يطلع إلا في آفاقه تلك النجوم ولا يسبح إلا في سبحه تلك الغيوم والسجوم طلب بعد موت السلطان وأنفذ حكم وصيته في تمام مبايعته والتزام متابعته وكان أبوه قد أحكم له بالعقد المتقدم عقدها وحفظ له عنده ذوي الأمانة عهدها ثم تسلطن الملك المنصور أبو بكر بن السلطان وعمر له من تحت الملك الأوطان.

(1/202)


قال ابن فضل الله: وقد كتبت له صورة المبايعة وهي: بسم الله الرحمن الرحيم " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " " الفتح: 10 " إلى قوله " عظيماً " هذه بيعة رضوان وبيعة إحسان وجمعية رضى يشهدها الجماعة ويشهد عليها الرحمن بيعة يلزم طائرها العنق ويحوم بسائرها ويحمل أنباءها البراري والبحار مشحونة الطرق بيعة يصلح الله بها الأمة ويمنح بسببها النعمة ويتجارى الرفاق ويسري الهناء في الآفاق وتتزاحم لزهر الكواكب على حوض المجرة الدقاق بيعة سعيدة ميمونة شريفة بها السلامة في الدين والدنيا مضمونة بيعة صحيحة شرعية ملحوظة مرعية بيعة تسابق إليها كل نية وتطاوع كل طوية ويجتمع عليها شتات البرية بيعة يستهل بها الغمام ويتهلل بها البدر التمام بيعة متفق عليها الإجماع والاجتماع ولبسط الأيدي إليها انعقد عليها الإجماع فاعتقد صحتها من سمع لله وأطاع وبذل في تمامها كل امرئ ما استطاع حصل عليها اتفاق الأبصار والأسماع ووصل بها الحق إلى مستحقه وأقره الخصم وانقطع النزاع يضمنها كتاب مرقوم يشهده المقربون وتلقاه الأئمة الأقربون " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله " " الاعراف: 43 " ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس وإلينا ولله الحمد وإلى بني العباس أجمع على هذه البيعة أرباب العقد والحل وأصحاب الكلام فيما قل وجل وولاة الأمور والحكام وأرباب المناصب والأحكام حملة العلم والأعلام وحماة السيوف والأقلام وأكابر بني عبد مناف ومن انخفض قدره وأناف وسروات قريش ووجوه بني هاشم والبقية الطاهرة من بني العباس وخاصة الأئمة وعامة الناس بيعة ترى بالحرمين خيامها وتخفق بالمأزمين أعلامها وتتعرف بعرفات بركاتها وتعرف بمنى ويؤمن عليها يوم الحج الأكبر وتؤم ما بين الركن والمقام والحجر ولا يبتغى به إلا وجه الله الكريم بيعة لا يحل عقدها ولا ينبذ عهدها ولازمة جازمة دائبة دائمة تامة عامة شاملة كاملة صحيحة صريحة متعبة مريحة ولا من يوصف بعلم ولا قضاء ولا من يرجع إليه في اتفاق ولا إمضاء ولا إمام مسجد ولا خطيب ولا ذو الفتوى يسأل فيجيب ولا من لزم المساجد ولا من تضمهم أجنحة المحاريب ولا من يجتهد في رأي فيخطئ أو يصيب ولا محدث بحديث ولا متكلم في قديم حديث ولا معروف بدين وصلاح ولا فرسان حرب وكفاح ولا راشق بسهام ولا طاعن برماح ولا ضارب بصفاح ولا ساع بقدم ولا طائر بجناح ولا مخالط للناس ولا قاعدة في عزلة ولا جمع كثرة ولا قلة ولا من يستقل بالجوزاء لؤلؤة ولا من يعلو فوق الفرقدين ثواؤه ولا باد ولا حاضر ولا مقيم ولا سائر ولا أول ولا آخر ولا مسر في باطن ولا معلن ظاهر ولا عرب ولا عجم ولا راعي إبل ولا غنم ولا صاحب أناة ولا بدار ولا ساكن في حضر وبادية بدار ولا صاحب عمد ولا جدار ولا ملجج في البحارة الذاخرة والبراري والقفار ولا من يعتلي صهوات الخيل ولا من يسبل على العجاجة الذيل ولا من تطلع عليه شمس النهار ونجوم الليل ولا من تظله السماء وتقله الأرض ولا من تدل عليه الأسماء على اختلافها وترفع درجات بعضها على بعض حتى آمن بهذه البيعة وأمن عليها وأمن بها ومن الله عليه وهداه إليها وأقر بها وصدق وغض لها بصره خاشعاً لها وأطرق ومد إليها يده بالمبايعة ومعتقده بالمتابعة ورضي بها وارتضاها وأجاز حكمها على نفسه وأمضاها ودخل تحت طاعتها وعمل بمقتضاها وقضى بينهم بالحق وقيل: الحمد لله رب العالمين.

(1/203)


وإنه لما استأثر الله بعبده سليمان أبي الربيع الإمام المستكفي بالله أمير المؤمنين كرم الله مثواه وعوضه عن دار السلام بدار السلام ونقله مزكي يديه عن شهادة الإسلام بشهادة الإسلام حيث آثره بقربه ومهد لجنبه وأقدمه على ما قدمه من مرجو عمله وكسبه وخار له في جواره فريقاً وأنزله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا الله أكبر ليومه لولا مخلفه كانت تضيق الأرض بما رحبت وتجزى كل نفس بما كسبت وتنبأ كل سريرة ما ادخرت وما جنت لقد اضطرم سعير إلا أنه في الجوانح لقد اضطرب منبر وسرير لولا خلفه الصالح لقد اضطر مأمور وأمير لولا الفكر بعده في عاقبة المصالح ولم يكن النسب العباسي ولا في البيت المسترشدي ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء وجدود ولا من تلده أخرى الليالي وهي عاقر غير ولود من تسلم إليه أمه محمد عقد نياتها وسرطوياتها إلا واحد وأين ذاك الواحد؟ هو والله من انحصر فيه استحقاق ميراث آبائه الأطهار وتراث أجداده الأخيار ولا شيء هو إلا ما اشتمل عليه رداء الليل والنهار وهو ولد المنتقل إلى ربه وولد الإمام الذاهب لصلبه المجمع على أنه في الأيام فرد هذا الأنام وهكذا في الوجود الإمام وأنه الحائز لما زرت عليه جيوب المشارق والمغارب والفائز بملك ما بين المشارق والمغارب الراقي في صفح السماء هذه الذروة المنيفة الباقي بعد الأئمة الماضين ونعم الخليفة المجتمع فيه شروط الإمامة المتضع لله وهو ابن بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة الذي يفضح السحاب نائله والذي لا يعزه عادله ولا يغره عاذله والذي ما ارتقى صهوة المنبر بحضرة سلطان زمانه إلا قال بأمره وقام قائمه ولا قعد على سرير الخلافة إلا وعرف أنه ما خاب مستكفيه ولا غاب حاكمه نائب الله في أرضه والقائم مقام رسوله صلى الله عليه وسلم وخليفته وابن عمه وتابع عمله الصالح ووارث علمه سيدنا ومولانا عبد الله ووليه أبو العباس الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أيد الله ببقائه الدين وطوق بسيفه الملحدين وكبت تحت لوائه المعتدين وكتب له النصر إلى يوم الدين وكب بجهاده على الأذقان طوائف المفسدين وأعاذ به الأرض ممن لا يدين بدين وأعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون وعليه كانوا يعملون ونصر أنصاره وقدر اقتداره وأسكن في القلوب سكينته ووقاره ومكن له في الوجود وجمع له أقطاره ولما انتقل إلى الله ذلك السيد ولقي أسلافه ونقل إلى سرير الجنة عن سرير الخلافة وخلا العصر من إمام يمسك ما بقي من نهاره وخليفة يغالب مزيد الليل بأنواره ووارث نبي بمثله ومثل آبائه استغنى الوجود بعد ابن عمه خاتم الأنبياء عن نبي يقتفي على آثاره ومضى ولم يعهد فلم يبق إذ لم يوجد النص إلا الإجماع وعليه كانت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا نزاع اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كل طرف به معقود وعقد بيعة عليها الله والملائكة شهود وجمع الناس له وذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود فحضر من لم يعبأ بعده بمن تخلف ولم ير بائعه وقد مد يده طامعاً لمزيدها وقد تكلف وأجمعوا على رأي واحد استخاروا الله فيه فخار وأخذ يمين يمد لها الأيمان ويشهد بها الإيمان ويعطى عليها المواثيق وتعرض أمانتها على كل فريق حتى تقلد كل من حضر في عنقه هذه الأمانة وحط على المصحف الكريم يده وحلف بالله وأتم أيمانه ولم يقطع ولا استثنى ولا تردد ومن قطع عن غير قصد أعاد وجدد وقد نوى كل من حلف أن النية في يمينه نية من عقدت له هذه البيعة ونية من حلف له وتذمم بالوفاء له في ذمته وتكلفه على عادة أيمان البيعة وشروطها وأحكامها المرددة وأقسامها المؤكدة بأن يبذل لهذا الإمام المفترض الطاعة الطاعة ولا يفارق الجمهور ولا يفر عن الجماعة الجماعة وغير ذلك مما تضمنته نسخ الأيمان المكتتب فيها أسماء من حلف عليها مما هو مكتوب بخطوط من يكتب منهم وخطوط العدول الثقات عمن لم يكتبوا وأذنوا أن يكتب عنهم حسبما يشهد به بعضهم على بعض ويتصادق عليه أهل السماء والأرض بيعة تم بمشيئة الله تمامها وعم بالصوب المغدق غمامها وقالوا: الحمد لله أذهب عنا الحزن ووهب لنا الحسن ثم الحمد لله الكافي عبده الوافي لمن يضعف على كل موهبة حمده ثم الحمد لله على

(1/204)


نعمه يرغب أمير المؤمنين في ازديادها ويرهب إلا أن يقاتل أعداء الله بإمدادها ويدأب بها من ارتقى منابر ممالكه بما بان من مبانيه أضدادها ونحمده والحمد لله ثم الحمد لله كلمة لا يمل من تردادها ولا يحل بما تفوق السهام من سدادها ولا يبطل إلا على ما يوجب تكثير أعدادها وتكبير أقدار أهل ودادها وتصغير التحقير لا التحبيب لأندادها.نعمه يرغب أمير المؤمنين في ازديادها ويرهب إلا أن يقاتل أعداء الله بإمدادها ويدأب بها من ارتقى منابر ممالكه بما بان من مبانيه أضدادها ونحمده والحمد لله ثم الحمد لله كلمة لا يمل من تردادها ولا يحل بما تفوق السهام من سدادها ولا يبطل إلا على ما يوجب تكثير أعدادها وتكبير أقدار أهل ودادها وتصغير التحقير لا التحبيب لأندادها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقايس دماء الشهداء وإمداد مدادها وتنافس طرر الشباب وغرر السحاب على استمدادها وتتجانس رقومها المدبحة وما تلبسه الدولة العباسية من شعارها والليالي من دثارها والأعداء من حدادها.
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى جماعة أهله ومن خلف من أبنائها وسلف من أجدادها ورضي الله عن الصحابة أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

(1/205)


وبعد فإن أمير المؤمنين لما أكسبه الله ميراث النبوة ما كان لجده ووهبه من الملك السليماني ما لا ينبغي لأحد من بعده وعلمه منطق الطير مما يتحمله حمائم البطائق من بدائع البيان وسخر له من البريد على متن الخيل ما سخره من الريح لسليمان وآتاه الله من خاتم الأنبياء ما امتد به أبوه سليمان وتصرف وأعطاه من الفخار به ما أطاعه كل مخلوق ولم يتخلف وجعل له من لباس بني العباس ما يقضي له سواده بسودد الأجداد وينفض على ظل الهدب ما فضل به عن سويداء القلب وسواد البصر من السواد ويمد ظله على الأرض وكل مكان دار ملك وكل مدينة بغداد وهو في ليله السجاد وفي نهاره العسكري وفي كرمه جعفر وهو الجواد يديم الابتهال إلى الله تعالى في توفيقه والابتهاج بما يغص كل عدو بريقه ويبدأ يوم هذه المبايعة بما هو الأهم من مصالح الإسلام ومصالح الأعمال فيما تتحلى به الأيام ويقدم التقوى أمامه ويقرر عليها أحكامه ويتبع الشرع الشريف ويقف عنده ويوقف الناس ومن لا يحمل أمره طائعاً على العين يحمله غصباً على الرأس ويعجل أمير المؤمنين بما استقر به النفوس ويرد به كيد الشيطان وإنه يؤوس ويأخذ بقلوب الرعايا وهو غني عن هذا ولكنه يسوس وأمير المؤمنين يشهد الله عليه وخلقه بأنه أقر ولي كل أمر من ولاة أمور الإسلام على حاله واستمر به في مقيله تحت كنف ظلاله على اختلاف طبقات ولاة الأمور وطرقات الممالك والثغور براً وبحراً سهلاً ووعراً شرقاً وغرباً بعداً وقرباً وكل جليل وحقير وقليل وكثير وصغير وكبير ومالك ومملوك وأمير وجندي يبرق له سيف شهير ورمح ظهير ومن مع هؤلاء من وزراء وقضاة وكتاب ومن له تدقيق في إنشاء وتحقيق في حساب ومن يتحدث في بريد وخراج ومن يحتاج إليه ومن لا يحتاج ومن في التدريس والمدارس والربط والزوايا والخوانق ومن له أعظم التعلقات وأدنى العلائق وسائر أرباب المراتب وأصحاب الرواتب ومن له من مال الله رزق مقسوم وحق مجهول أو معلوم واستمر كل امرئ على ما هو عليه حتى يستخير الله ويتبين له ما بين يديه ومن ازداد تأهيله زاد تفضيله وإلا فأمير المؤمنين لا يريد إلا وجه الله ولا يحابي أحداً في دين الله ولا يحابي في حق فإن المحاباة في الحق مداجاة على المسلمين وكل ما هو مستمر إلى الآن مستقر على حكم الله مما فهمه الله له وفهمه سليمان لا يغير أمير المؤمنين في ذلك ولا في بعضه تغييراً شكراً لله على نعمه وهكذا يجازي من شكر ولا يكدر على أحد مورداً نزه الله نعمه الصافية به عن الكدر ولا يتأول في ذلك متؤول إلا من جحد النعمة وكفر ولا يتعلل متعلل فإن أمير المؤمنين نعوذ بالله ونعيذ أيامه الغرر من الغير وأمر أمير المؤمنين أعلى الله أمره أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق وأن يضرب باسمهما النقود وتسير بإلاطلاق ويوشح بالدعاء لهما عطف الليل والنهار ويصرح منه بما يشرق وجه الدرهم والدينار وقد أسمع أمير المؤمنين في هذا المجمع المشهود ما يتناقله كل خطيب ويتداوله كل بعيد وقريب ومختصره أن الله أمر بأوامر ونهى عن نواه وهو رقيب وسيفرغ الألباء لها السجايا ويفرغ الخطباء لها شعوب الوصايا وتتكلم بها المزايا ويخرج من المشايخ الخبايا من الزوايا ويسمر بها السمار ويترنم بها الحادي والملاح ويرق شجوها بالليل المقمر ويرقم على جبين الصباح وتعظ بها مكة بطحاءها ويحيا بحدائها قفاه ويلقنها كل أب فهمه ابنه ويسأل كل ابن نجيب أباه وهو لكم أيها الناس من أمير المؤمنين من سدد عليكم بينة وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل الله من الحكمة والموعظة الحسنة ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة ولولا قيام الرعايا ما قبل الله أعمالها ولا أمسك بها البحر ودحا الأرض وأرسى جبالها ولا اتفقت الآراء على من يستحق وجاءت إليه الخلافة تجر أذيالها وأخذها دون بني أبيه ولم تكن تصلح إلا له ولم يكن يصلح إلا لها وقد كفاكم أمير المؤمنين السؤال بما فتح الله لكم من أبواب الأرزاق وأسباب الارتزاق وأجراكم على وفاقكم وعلمكم مكارم الأخلاق وأجراكم على عوائدكم ولم يمسك خشية إنفاق ولم يبق لكم على أمير المؤمنين إلا أن يسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويعمل بما يسعد به من يحيى أطال الله بقاء أمير المؤمنين من بعده ويزيد على ما تقدم ويقيم فروض الحج والجهاد وينيم

(1/206)


الرعايا بعدله الشامل في مهاد وأمير المؤمنين يقيم على عادة آبائه موسم الحج في كل عام ويشمل بره سكان الحرمين الشريفين وسدنة بيت الله الحرام ويجهر السبيل على ضالة ويرجو أن يعود على حاله الأول في سالف الأيام ويتدفق في هذين المسجدين بحره الزاخر ويرسل إلى ثالثهما في البيت المقدس ساكب الغمام ويقيم بعدله قبور الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أينما كانوا وأكثرهم في الشام والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها وقويم سننها وستزيد في أيام أمير المؤمنين لمن يضم إليه وفيما يتسلم من بلاد الكفار ويسلم منهم على يديه وأما الجهاد فكفى باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بمأموره المقلد عنه جميع ما وراء سريره وأمير المؤمنين قد وكل منه خلد الله ملكه وسلطانه عيناً لا تنام وقلد سيفاً لو أغفت بوارقه ليلة واحدة عن الأعداء سلت خياله عليهم الأحلام وسيؤكد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدى وقد قدم الوصية بأن يوالي غزو العدو المخذول براً وبحراً ولا يكف عمن ظفر به منهم قتلاً ولا أسراً ولا يفك إغلالاً ولا إصراً ولا ينفك يرسل عليهم في البر من الخيل عقباناً وفي البحر غرباناً تحمل كل منهما من كل فارس صقراً ويحمي الممالك ممن يتخرق أطرافها بإقدام ويتحول أكنافها بأقدام وينظر في مصالح القلاع والحصون والثغور وما يحتاج إليه من آلات القتال وأمهات الممالك التي هي مرابط البنود ومرابض الأسود والأمراء والعساكر والجنود وترتيبهم في الميمنة والميسرة والجناح الممدود ويتفقد أحوالهم بالعرض بما لهم من خيل تعقد ما بين السماء والأرض وما لهم من زرد موضون وبيض مسها ذهب ذائب فكانت كأنها بيض مكنون وسيوف وقوابض ورماح بسبب دوامها من الدماء خواضب وسهام تواصل القسي وتفارقها فتحن حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب.ا بعدله الشامل في مهاد وأمير المؤمنين يقيم على عادة آبائه موسم الحج في كل عام ويشمل بره سكان الحرمين الشريفين وسدنة بيت الله الحرام ويجهر السبيل على ضالة ويرجو أن يعود على حاله الأول في سالف الأيام ويتدفق في هذين المسجدين بحره الزاخر ويرسل إلى ثالثهما في البيت المقدس ساكب الغمام ويقيم بعدله قبور الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أينما كانوا وأكثرهم في الشام والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها وقويم سننها وستزيد في أيام أمير المؤمنين لمن يضم إليه وفيما يتسلم من بلاد الكفار ويسلم منهم على يديه وأما الجهاد فكفى باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بمأموره المقلد عنه جميع ما وراء سريره وأمير المؤمنين قد وكل منه خلد الله ملكه وسلطانه عيناً لا تنام وقلد سيفاً لو أغفت بوارقه ليلة واحدة عن الأعداء سلت خياله عليهم الأحلام وسيؤكد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدى وقد قدم الوصية بأن يوالي غزو العدو المخذول براً وبحراً ولا يكف عمن ظفر به منهم قتلاً ولا أسراً ولا يفك إغلالاً ولا إصراً ولا ينفك يرسل عليهم في البر من الخيل عقباناً وفي البحر غرباناً تحمل كل منهما من كل فارس صقراً ويحمي الممالك ممن يتخرق أطرافها بإقدام ويتحول أكنافها بأقدام وينظر في مصالح القلاع والحصون والثغور وما يحتاج إليه من آلات القتال وأمهات الممالك التي هي مرابط البنود ومرابض الأسود والأمراء والعساكر والجنود وترتيبهم في الميمنة والميسرة والجناح الممدود ويتفقد أحوالهم بالعرض بما لهم من خيل تعقد ما بين السماء والأرض وما لهم من زرد موضون وبيض مسها ذهب ذائب فكانت كأنها بيض مكنون وسيوف وقوابض ورماح بسبب دوامها من الدماء خواضب وسهام تواصل القسي وتفارقها فتحن حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب.

(1/207)


وهذه جملة أراد أمير المؤمنين بها إطابة قلوبكم وإطالة ذيل التطويل على مطلوبكم ودماءكم وأموالكم وأعراضكم في حماية إلا ما أباح الشرع المطهر ومزيد الإحسان إليكم على مقدار ما يخفى منكم ويظهر وأما جزئيات الأمور فقد علمتم أن من بعد عن أمير المؤمنين غني عن مثل هذه الذكرى وأنتم على تفاوت مقاديركم وديعة أمير المؤمنين وكلكم سواء في الحق عند أمير المؤمنين وله عليكم أداء النصيحة وإبداء الطاعة بسريره صحيحة فقد دخل كل منكم في كنف أمير المؤمنين وتحت رقه ولزمه حكم بيعته وألزم طائره في عنقه وسيعلم كل منكم في الوفاء بما أصبح به عليماً ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤته أجراً عظيماً.
هذا قول أمير المؤمنين وقال: وهو يعمل في ذلك كله بما تحمد عاقبته من الأعمال وعلى هذا عهد إليه وبه يعهد وما سوى هذا فجور لا يشهد به عليه ولا يشهد وأمير المؤمنين يستغفر الله على كل حال ويستعيذ به من الإهمال ويسأل أن يمده لما يحب من الآمال ولا يمد له حبل الإمهال.
ويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر الله به من العدل والإحسان والحمد لله وهو من خلق أحمد وقد آتاه الله ملك سليمان والله يمتع أمير المؤمنين بما وهبه ويملكه أقطار الأرض ويورثه بعد العمر الطويل عقبه ولا يزال على سدة العلياء قعوده ولدست الخلافة به أبهة الجلالة كأنه ما مات منصوره ولا أودى مهديه ولا رشيده.
وقال ابن حجر في الدرر: كان أولاً لقب المستنصر ثم لقب الحاكم.
ذكر الشيخ زين الدين العراقي أنه سمع الحديث على بعض المتأخرين وأنه حدث.
مات في الطاعون في نصف سنة ثلاث وخمسين.
ومن الحوادث في أيامه في عام ولايته خلع السلطان المنصور لفساده وشربه الخمور حتى قيل: أنه جامع زوجات أبيه ونفي إلى قوص وقتل بها فكان ذلك من الله مجازاة لما فعله والده مع الخليفة وهذه عادة الله مع من يتعرض لأحد من آل العباس بأذى وتسلطن أخوه الملك الأشرف كجك ثم خلع من عامه وولي أخوه أحمد ولقب بالناصر وعقد المبايعة بينه وبين الخليفة الشيخ تقي الدين السبكي قاضي الشام وكان قد حضر معه مصر.
وفي سنة ثلاث وأربعين خلع الناصر أحمد وولي أخوه إسماعيل ولقب بالصالح.
وفي سنة ست وأربعين مات الصالح فقلد الخليفة أخاه شعبان ولقب بالكامل.
وفي سنة سبع وأربعين قتل الكامل وولي أخوه أمير حاج ولقب بالمظفر.
وفي سنة ثمان وأربعين خلع المظفر وولي أخوه حسن ولقب بالناصر.
وفي سنه تسع وأربعين كان الطاعون العام الذي لم يسمع بمثله.
وفي سنة اثنتين وخمسين خلع الناصر وولي أخوه صالح ولقب الملك الصالح وهو الثامن ممن تسلطن من أولاد الناصر محمد بن قلاوون وجعل شيخو أتابكه قال في ذيل المسالك هو أول من سمي بمصر الأمير الكبير.
وممن مات في أيام الحاكم من الأعلام: الحافظ أبو الحجاج المزي والتاج عبد الباقي اليمني والشمس ابن عبد الهادي وأبو حيان وابن الوردي وابن اللبان وابن عدلان والذهبي وابن فضل الله وابن قيم الجوزية والفخر المصري شيخ الشافعية بالشام والتاج المراكشي وآخرون.
المعتضد بالله أبو الفتح
المعتضد بالله: أبو الفتح أبو بكر بن المستكفي بالله.
بويع بالخلافة بعد موت أخيه في سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بعهد منه وكان خيراً متواضعاً محباً لأهل العلم مات في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة.
ومن الحوادث في أيامه: في سنة أربع وخمسين قال ابن كثير وغيره: كان بطرابلس بنت تسمى نفيسة زوجت بثلاث أزواج ولا يقدرون عليها يظنون أن بها رتقاً فلما بلغت خمس عشرة سنة غار ثدياها ثم جعل يخرج من محل الفرج شيء قليلاً قليلاً إلى أن برز منه ذكر قدر إصبع وأنثيان وكتب بذلك في محاضر.
وفي سنة خمس وخمسين خلع الملك الصالح وأعيد الناصر حسن.
وفي سنة ست وخمسين رسم بضرب فلوس جدد على قدر الدينار ووزنه وجعل كل أربعة وعشرين فلساً بدرهم وكان قبل ذلك الفلوس العتق كل رطل ونصف بدرهم ومن هنا يعرف مقدار الدراهم النقرة التي جعلها شيخو وصرغتمش لأرباب الوظائف في مدرستيهما فمرادهما بالدرهم ثلثا رطل من الفلوس.
وفي سنة اثنتين وستين قتل الناصر حسن وولي محمد ابن أخيه المظفر ولقب بالمنصور.

(1/208)


وممن مات في أيام المعتضد من الأعلام: الشيخ تقي الدين السبكي والسمين صاحب الإعراب والقوام الإتقاني والبهاء ابن عقيل والصلاح العلائي والجمال ابن هشام والحافظ مغلطاي وأبو أمامة ابن النقاش وآخرون.
المتوكل على الله أبو عبد الله
المتوكل على الله: أبو عبد الله محمد بن المعتضد والد خلفاء العصر.
ولي الخلافة بعهد أبيه بعد موته في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة وامتدت أيامه خمساً وأربعين سنة بما تخللها من خلع وحبس كما سنذكره وأعقب أولاداً كثيرة يقال إنه جاء له مائة ولد ما بين مولود وسقط ومات عن عدة ذكوراً وإناث وولي الخلافة منهم خمسة ولا نظير لذلك: المستعين العباس والمعتضد داود والمستكفي سليمان والقائم حمزة والمستنجد يوسف وبقى من أولاده الآن واحد يسمى موسى وما أشبهه بإبراهيم بن المستكفي والموجود الآن من العباسيين كلهم من ذرية المتوكل هذا أكثر الله عددهم وزاد مددهم.
ومن الحوادث في أيامه: في سنة أربع وستين خلع المنصور محمد وولي شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون ولقب الأشرف.
وفي سنة ثلاث وسبعين أحدثت العلامة الخضراء على عمائم الشرفاء ليتميزوا بها بأمر السلطان وهذا أول ما أحدث.
وقال في ذلك أبو عبد الله بن جابر الأعمى النحوي صاحب شرح الألفية المشهورة بالأعمى والبصير:
جعلوا لأبناء الرسول علامة ... إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في كريم وجوههم ... يغني الشريف عن الطراز الأخضر
وفي هذه السنة كان ابتداء خروج الطاغية تمرلنك الذي أخرب البلاد وأباد العباد واستمر يعثو في الأرض بالفساد إلى أن هلك إلى لعنة الله في سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة وفيه قيل شعر:
لقد فعلوا فعل التتار ولو رأوا ... فعال تمرلنك إذا كان أعظما
وطائره في جلق كان أشأما
وكان أصله من أبناء الفلاحين ونشأ يسرق ويقطع الطريق ثم انضم إلى خدمة صاحب خيل السلطان ثم قرر مكانه بعد موته وما زال يترقى إلى أن وصل إلى ما وصل قيل لبعضهم: في أي سنة كان ابتداء خروج تمرلنك قال في سنة عذاب يعني بحساب الجمل ثلاثاً وسبعين وسبعمائة.
وفي سنة خمس وسبعين ابتدئت قراءة البخاري في رمضان بالقلعة بحضرة السلطان ورتب الحافظ زين الدين العراقي قارئاً ثم أشرك معه الشهاب العرياني يوماً بيوم وفي سنة سبع وسبعين غلا البيض بدمشق فبيعت الواحدة بثلاث دراهم من حساب ستين بدينار.
وفي سنة ثمان وسبعين قتل الأشرف شعبان وتسلطن ابنه علي ولقب المنصور وذلك أن الأشرف سافر إلى الحج ومعه الخليفة والقضاة والأمراء فخامر عليه الأمراء وفر راجعاً إلى القاهرة ورجع الخليفة ومن رجع وأرادوا أن يسلطنوا الخليفة فامتنع فسلطنوا ابن الأشرف واختفى الأشرف إلى أن ظفروا به فخنقوه في ذي القعدة.
وفيها خسف الشمس والقمر جميعاً وطلع القمر خاسفاً في شعبان في ليلة أربع عشرة وكسفت الشمس يوم الثامن والعشرين منه.
وفي سنة تسع وسبعين في رابع ربيع الأول طلب أيبك البدري أتابك العساكر زكرياء ابن إبراهيم بن المستمسك الخليفة الحاكم فخلع عليه واستقر خليفة بغير مبايعة ولا إجماع ولقب المستعصم بالله ورسم بخروج المتوكل إلى قوص لأمور حقدها عليه وقعت منه عند قتل الأشرف فخرج وعاد من الغد إلى بيته ثم عاد إلى الخلافة في العشرين من الشهر وعزل المستعصم فكانت مدة خلافته خمسة عشر يوماً.
والمتوكل هو سادس الخلفاء الذين سكنوا مصر وأقيموا بعد انقطاع الخلافة مدة فحصل له هذا الخلع توفية بالقاعدة.
وفي سنة اثنتين وثمانين ورد كتاب من حلب يتضمن أن إماماً قام يصلي وأن شخصاً عبث به في صلاته فلم يقطع الإمام الصلاة حتى فرغ وحين سلم انقلب وجه العابث وجه خنزير وهرب إلى غابة هناك فعجب الناس من هذا الأمر وكتب بذلك محضر.
وفي صفر سنة ثلاث وثمانين مات المنصور وتسلطن أخوه حاجي بن الأشرف ولقب الصالح.
وفي رمضان سنة أربع وثمانين خلع الصالح وتسلطن برقوق ولقب الظاهر وهو أول من تسلطن من الجراكسة.

(1/209)


وفي رجب سنة خمس وثمانين قبض برقوق على الخليفة المتوكل وخلعه وحبسه بقلعة الجبل وبويع بالخلافة محمد بن إبراهيم بن المستمسك بن الحاكم ولقب الواثق بالله فاستمر في الخلافة إلى أن مات يوم الأربعاء سابع عشري شوال سنة ثمان وثمانين فكلم الناس برقوقاً في إعادة المتوكل إلى الخلافة فلم يقبل وأحضر أخا محمد زكرياء الذي كان ولي تلك الأيام اليسيرة فبايعه ولقب المستعصم بالله واستمر إلى سنة إحدى وتسعين فندم برقوق على ما فعل بالمتوكل وأخرج المتوكل من الحبس وأعاده إلى الخلافة وخلع زكرياء واستمر زكرياء بداره إلى أن مات مخلوعاً واستمر المتوكل في الخلافة إلى أن مات.
وفي جمادى الآخرة من السنة أعيد الصالح حاجي إلى السلطنة وغير لقبه المنصور وحبس برقوق بالكرك.
وفي هذه السنة في شعبان أحدث المؤذنون عقب الأذان الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أول ما أحدث وكان الآمر به المحتسب نجم الدين الطنبذي.
وفي صفر سنة اثنتين وتسعين أخرج برقوق من الحبس وعاد إلى ملكه فاستمر إلى أن مات في شوال سنة إحدى وثمانمائة فأقيم مكانه في السلطنة ابنه فرج ولقب الناصر فاستمر إلى سادس ربيع الأول سنة ثمان وثمانمائة فخلع من الملك وأقيم أخوه عبد العزيز ولقب المنصور ثم خلع في رابع جمادى الآخر من السنة وأعيد الناصر فرج.
وفي هذه السنة مات الخليفة المتوكل ليلة الثلاثاء ثامن عشري رجب سنة ثمان وثمانمائة.
وممن مات في أيام المتوكل من الأعلام: الشمس ابن مفلح عالم الحنابلة والصلاح الصفدي والشهاب ابن النقيب والمحب ناظر الجيش والشريف الحسيني الحافظ والقطب التختاني وقاضي القضاة عز الدين بن جماعة والتاج ابن السبكي وأخوه الشيخ بهاء الدين والجمال الأسنوي وابن الصائغ الحنفي والجمال ابن نباته والعفيف اليافعي والجمال الشريشي والشرف ابن قاضي الجبل والسراج الهندي وابن أبي حجلة والحافظ تقي الدين بن رافع والحافظ عماد الدين بن كثير والعتابي النحوي والبهاء أبو البقاء السبكي والشمس بن خطيب يبرود والعماد الحسباني والبدر بن حبيب والضياء القرمي والشهاب الأذرعي والشيخ أكمل الدين والشيخ سعد الدين التفتازاني والبدر الزركشي والسراج ابن الملقن والسراج البلقيني والحافظ زين الدين العراقي.
الواثق بالله عمر
الواثق بالله: عمر بن إبراهيم بن ولي العهد المستمسك بن الحاكم.
بويع بالخلافة بعد خلع المتوكل في شهر رجب سنة خمس وثمانين واستمر إلى أن مات يوم الأربعاء تاسع عشر شوال سنة ثمان وثمانين.
؟المستعصم بالله زكرياء
المستعصم بالله: زكريا بن إبراهيم بن المستمسك.
بويع بالخلافة بعد موت أخيه الواثق ثم خلع منها سنة إحدى وتسعين وثمانمائة واستمر بداره مخلوعاً إلى أن مات وأعيد المتوكل كما تقدم.
المستعين بالله أبو الفضل
المستعين بالله: أبو الفضل العباس بن المتوكل أمه أم ولد تركية اسمها باي خاتون.
بويع بالخلافة بعهد من أبيه في رجب سنة ثمان وثمانمائة والسلطان يومئذ الملك الناصر فرج فلما خرج الناصر لقتال شيخ المحمودي فلما انكسر وهزم وقتل بويع الخليفة بالسلطنة مضافة للخلافة وذلك في المحرم سنة خمس عشرة ولم يفعل ذلك إلا بعد شدة وتصميم وتوثق من الأمراء بالأيمان وعاد إلى مصر والأمراء في خدمته وتصرف بالولاية والعزل وضربت السكة باسمه ولم يغير لقبه وعمل شيخ الإسلام ابن حجر فيه قصيدته المشهورة وهي هذه:
الملك فينا ثابت الأساس ... بالمستعين العادل العباسي
رجعت مكانة آل عم المصطفى ... لمحلها من بعد طول تناس
ثاني ربيع الآخر الميمون في ... يوم الثلاثا حف بالأعراس
بقدوم مهدي الأنام أمينهم ... مأمون غيب طاهر الأنفاس
ذو البيت طاف به الرجال فهل يرى ... من قاصد متردد في الياس
فرع نما من هاشم في روضة ... زاكي المنابت طيب الأغراس
بالمرتضى والمجتبى والمشتري ... للحمد والحالي به والكاسي
من أسرة أسروا الخطوب وطهروا ... مما يغيرهم من الأدناس

(1/210)


أسد إذا حضروا الوغى وإذا خلوا ... كانوا بمجلسهم كظبي كناس
مثل الكواكب نوره ما بينهم ... كالبدر أشرق في دجى الأغلاس
وبكفه عند العلامة آية ... قلم يضيء إضاءة المقباس
فلبشره للوافدين مباسم ... تدعى وللأجلال بالعباس
فالحمد لله لمعز لدينه ... من بعد ما قد كان في إبلاس
بالسادة الأمراء أركان العلى ... من بين مدرك ثأره ومواس
نهضوا بأعباء المناقب وارتقوا ... في منصب العليا الأشم الراسي
تركوا العدى صرعى بمعترك الردى ... فالله يحرسهم من الوسواس
وإمامهم بجلاله متقدم ... تقديم بسم الله في القرطاس
لولا نظام الملك في تدبيره ... لم يستقم في الملك حال الناس
كم من أمير قبله خطب العلى ... وبجهده رجعته بإفلاس
حتى إذا جاء المعالي كفؤها ... خضعت له من بعد فرط شماس
طاعت له أيدي الملوك وأذعنت ... من نيل مصر أصابع المقياس
فهو الذي قد رد عنا البؤس في ... دهر به لولاه كل الباس
وأزال ظلماً عم كل معمم ... من سائر الأنواع والأجناس
بالخاذل المدعو ضد فعاله ... بالناصر المنتناقص الأساس
كم نعمة لله كانت عنده ... فكأنها في غربة وتناس
ما زال سر الشر بين ضلوعه ... كالنار أو صحبته للأرماس
كم سن سيئة عليه أثامها ... حتى القيامة ماله من آس
منكراً بنى أركانه لكنها ... للغدر قد بنيت بغير أساس
كل امرئ ينسى ويذكر تارة ... لكنه للشر ليس بناس
أملى له رب الورى حتى إذا ... أخذوه لم يفلته مر الكاس
وأدالنا منه المليك بمالك ... أيامه صدرت بغير قياس
فاستبشرت أم القرى والأرض من ... شرق وغرب كالعذيب وفاس
آيات مجد لا يحاول حجدها ... في الناس غير الجاهل الخناس
ومناقب العباس لم تجمع سوى ... لحفيده ملك الورى العباس
لا تنكروا للمستعين رئاسة ... في الملك من بعد الجحود الناسي
فبنو أمية قد أتى من بعدهم ... في سالف الدنيا بنو العباس
وأتى أشج بني أمية ناشراً ... للعدل من بعد المبير الخاسي
مولاي عبدك قد أتى لك راجيا ... منك القبول فلا يرى من باس
لولا المهابة طولت أمداحه ... لكنها جاءته بالقسطاس
فأدم رب الناس عزك دائماً ... بالحق محروساً برب الناس
وبقيت تستمع المديح لخادم ... لولاك كان من الهموم يقاسي
عبد صفا وداً وزمزم حادياً ... وسعى على العينين قبل الراس
أمداحه في آل بيت محمد ... بين الورى مسكية الأنفاس
ولما وصل المستعين إلى مصر سكن القلعة وسكن شيخ الإسطبل وفوض إليه المستعين تدبير المملكة بالديار المصرية ولقب نظام الملك فكانت الأمراء إذا فرغوا من الخدمة بالقصر نزلوا في خدمة الشيخ إلى الإسطبل فأعيدت الخدمة عنده ويقع عنده الإبرام والنقض ثم يتوجه داوداره إلى المستعين فيعلم على المناشير والتواقيع ثم إنه تقدم إليه بأن لا يمكن الخليفة من كتابة العلامة إلا بعد عرضها عليه فاستوحش الخليفة وضاق صدره وكثر قلقه.
فلما كان في شعبان سأل شيخ الخليفة أن يفوض إليه السلطنة على العادة فأجاب بشرط أن ينزل من القلعة إلى بيته فلم يوافق شيخ على ذلك وتغلب على السلطنة وتلقب بالمؤيد وصرح بخلع المستعين.

(1/211)


وبايع بالخلافة أخاه داود ونقل المستعين من القصر إلى دار من دور القلعة ومعه أهله ووكل به من يمنعه من الاجتماع بالناس فبلغ ذلك نوروز نائب الشام فجمع القضاة والعلماء واستفتاهم عما صنعه المؤيد من خلع الخليفة وحصره فأفتوا بأن ذلك لا يجوز فأجمع على قتال المؤيد فخرج إليه المؤيد في سنة سبع عشرة وثمانمائة وسير المستعين إلى الإسكندرية فاعتقل بها إلى أن تولى ططر فأطلقه وأذن له في المجيء إلى القاهرة فاختار سكنى الإسكندرية لأنه استطابها وحصل له مال كثير من التجارة فاستمر إلى أن مات بها شهيداً بالطاعون في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين.
ومن الحوادث الغريبة في أيامه في سنة اثنتي عشرة كثر النيل في أول يوم من مسرى وبلغت الزيادة اثنتين وعشرين ذراعاً.
وفي سنة أربع عشرة أرسل غياث الدين أعظم شاه بن إسكندر شاه ملك الهند يطلب التقليد من الخليفة وأرسل إليه مالاً وللسلطان هدية.
وممن مات في خلافته من الأعلام: الموفق الناشري شاعر اليمن ونصر الله البغدادي عالم الحنابلة والشمس المعيد نحوي مكة والشهاب الحسباني والشهاب الناشري فقيه اليمن وابن الهائم صاحب الفرائض والحساب وابن العفيف شاعر اليمن والمحب ابن الشحنة عالم الحنفية والد قاضي العسكر.
المعتضد بالله أبو الفتح
المعتضد بالله: أبو الفتح داود بن المتوكل أمه أم ولد تركية اسمها كزل.
بويع بالخلافة بعد خلع أخيه سنة خمس عشرة والسلطان حينئذ المؤيد فاستمر إلى أن مات في محرم سنة أربع وعشرين فقلد السلطنة ابنه أحمد ولقب المظفر وجعل نظامه ططر ثم قبض عليه ططر في شعبان فقلده الخليفة السلطنة ولقب الظاهر ثم مات ططر من عامه في ذي الحجة فقلد ابنه محمداً ولقب الصالح وجعل نظامه برسباي.
ثم وثب برسباي على الصالح فخلعه وقلده الخليفة في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين فاستمر إلى أن مات في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين فقلد ابنه يوسف ولقب العزيز وجعل جقمق نظامه فوثب جقمق على العزيز وقبض عليه في ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين فقلده الخليفة ولقب الظاهر فمات الخليفة في أيامه.
وكان المعتضد من سروات الخلفاء نبيلاً ذكياً فطناً يجالس العلماء والفضلاء ويستفيد منهم ويشاركهم فيما هم فيه سمحاً إلى الغاية.
مات في يوم الأحد رابع ربيع الأول سنة خمس وأربعين وقد قارب السبعين قال ابن حجر وأخبرتني ابنة أخيه أنه عاش ثلاثاً وستين.
ومن الحوادث الغريبة في أيامه سنة ست عشرة تولى الحبسة صدر الدين ابن الآدمي مضافة للقضاة وهو أول من جمع بين القضاء والحسبة.
وفي سنة تسع عشرة وليها منكلى بغا وهو أول من ولي الحسبة من الأتراك في الدنيا.
وفيها ظهر بمصر شخص يدعي أنه يصعد إلى السماء ويشاهد الباري تعالى ويكلمه واعتقده جمع العوام فعقد له مجلس واستتيب فلم يتب فعلق المالكي الحكم بقتله على شهادة اثنين بأنه حاضر العقل فشهد جماعة من أهل الطب أنه مختل العقل فقيد في البيمارستان.
وفي سنة إحدى وعشرين ولدت ببلبيس جاموسة مولوداً برأسين وعنقين وأربعة أيدي وسلسلتي ظهر ودبر واحد ورجلين اثنين لا غير وفرج واحد أنثى والذنب المفروق باثنين فكانت من بديع صنع الله.
وفي سنة اثنتين وعشرين وقع زلزلة عظيمة بارزنكان وهلك بسببها عالم كثير.
وفيها تمت المدرسة المؤيدية وجعل شيخها الشمس ابن المديري وحضر السلطان درسه وباشر ولد السلطان إبراهيم فرش سجادة الشيخ بيده.
وفي سنة ثلاث وعشرين ذبح جمل بغزة فأضاء لحمه كما يضيء الشمع ورمى منه قطعة لكلب فلم يأكلها.
وفي سنة أربع وعشرين استمرت زيادة النيل إلى آخر هاتور وغرق بذلك زرع كثير.
وفي سنة خمس وعشرين ولدت فاطمة بنت القاضي جلال الدين البلقيني ولداً خنثى له ذكر وفرج وله يدان زائدتان في كفه وفي رأسه قرنان كقرني الثور ومات بعد ساعة.
وفيها زلزلت القاهرة زلزلة لطيفة.
وفيها كثر النيل في ثامن عشري أبيب.

(1/212)


وممن مات في أيامه من الأعلام: الشهاب ابن حجة فقيه الشام والبرهان بن رفاعة الأديب والزين أبو بكر المراغي فقيه المدينة ومحدثها والحسام الأبيوردي والجمال ابن ظهيرة حافظ مكة والمجد الشيرازي صاحب القاموس وخلف النحريري من كبار المالكية والشمس ابن القباني من كبار الحنفية وأبو هريرة بن النقاش والوانوغي والأستاذ عز الدين بن جماعة وابن هشام العجمي والصلاح الأقفهسي والشهاب العزي أحد أئمة الشافعية والجلال البلقيني والبرهان البيجوري والولي العراقي والشمس ابن المديري والشرف القباني والعلاء بن المعلى والبدر بن الدماميني والتقي الحصني شارح أبي شجاع والهروي والسراج قارئ الهداية والنجم ابن حجي والبدر البشتكي والشمس البرماوي والشمس الشطنوفي والتقي الفاسي والزين القمني والنظام يحيى السيرافي وقراء يعقوب الرومي والشرف ابن مفلح الحنبلي والشمس ابن القشيري وابن الجزري شيخ القراءات وابن خطيب الدهشة والشهاب الإبشيطي والزين التفهني والبدر القدسي والشرف بن المقري عالم اليمن صاحب عنوان الشرف والتقي ابن حجة الشاعر والجلال المرشدي نحوي مكة والهمام الشيرازي تلميذ الشريف والجمال ابن الخياط عالم اليمن والبوصيري المحدث والشهاب ابن الحمرة والعلاء البخاري والشمس البساطي والجمال الكازروني عالم طيبة والمحب البغدادي الحنبلي والشمس ابن عمار وآخرون.
المستكفي بالله أبو الربيع
المستكفي بالله: أبو الربيع سليمان بن المتوكل.
ولي الخلافة بعهد من أخيه وهو شقيقه وكتب له والدي رحمه الله نسخة العهد هذه صورتها: هذا ما أشهد به على نفسه الشريفة حرسها الله تعالى وحماها وصانها من الأكدار ورعاها سيدنا ومولانا ذو المواقف الشريفة الطاهرة الزكية الإمامية الأعظمية العباسية النبوية المعتضدية أمير المؤمنين وابن عم سيد المرسلين ووارث الخلفاء الراشدين المعتضد بالله تعالى أبو الفتح داود أعز الله به الدين وأمتع ببقائه الإسلام والمسلمين إنه عهد إلى شقيقه المقر العالي المولوي الأصيلي العريقي الحسيبي النسيبي الملكي سيدي أبي الربيع سليمان المستكفي بالله عظم الله شأنه بالخلافة المعظمة وجعله خليفة بعده ونصبه إماماً على المسلمين عهداً شرعياً معتبراً مرضياً نصيحة للمسلمين ووفاء بما يجب عليه من مراعاة مصالح الموحدين واقتداء بسنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين وذلك لما علم من دينه وخيره وعدالته وكفايته وأهليته واستحقاقه بحكم أنه اختبر حاله وعلم طويته وأن الذي يدين الله به أنه أتقى ثقة ممن رآه وأنه لا يعلم صدر منه ما ينافي استحقاقه لذلك وأنه إن ترك الأمر هملاً من غير تفويض للمشار إليه أدخل إذ ذاك المشقة على أهل الحل والعقد في اختيار من ينصبونه للإمامة ويرتضونه لهذا الشأن فبادر إلى هذا العهد شفقة عليهم وقصداً لبراءة ذمتهم ووصول الأمر إلى من هو أهله لعلمه أن العهد كان غير محوج إلى رضا سائر أهله وواجب على من سمعه وتحمل ذلك منه أن يعمل به ويأمر بطاعته عند الحاجة إليه ويدعو الناس إلى الانقياد له فسجل ذلك عليه من حضره حسب إذنه الشريف وسطر عن أمره قبل ذلك سيدي المستكفي أبو الربيع سليمان المسمى فيه عظم الله شأنه قبولاً شرعياً وكان من صلحاء الخلفاء صالحاً ديناً عابداً كثير التعبد والصلاة والتلاوة كثير الصمت منعزلاً عن الناس حسن السيرة.
وقال في حقه أخوه المعتضد: لم أر على أخي سليمان منذ نشأ كبيرة.
وكان الملك الظاهر يعتقده ويعرف له حقه وكان والدي إماماً له وكان عنده بمكان رفيع خصيصاً به محترماً عنده جداً وأما نحن فلم ننشأ إلا في بيته وفضله وآله خير آل ديناً وعبادة وخيراً وما أظن أنه وجد على ظهر الأرض خليفة بعد آل عمر بن عبد العزيز أعبد من آل بيت هذا الخليفة.
مات في يوم الجمعة سلخ ذي الحجة سنة أربع وخمسين وله ثلاث وستون سنة ولم يعش والدي بعده إلا أربعين يوماً ومشى السلطان في جنازته إلى تربته وحمل نعشه بنفسه.
مات في أيامه من الأعلام: التقي المقريزي والشيخ عبادة وابن كميل الشاعر والوفائي والقاياتي وشيخ الإسلام ابن حجر.
القائم بأمر الله أبو البقاء
القائم بأمر الله: أبو البقاء حمزة بن المتوكل.

(1/213)


بويع بالخلافة بعد أخيه ولم يكن عهد إليه ولا إلى غيره وكان شهماً صارماً أقام أبهة الخلافة قليلاً وعنده جبروت بخلاف سائر أخوته ومات في أيامه الملك الظاهر جقمق في أول سنة سبع وخمسين فقلد ابنه عثمان ولقب المنصور فمكث شهراً ونصفاً ثم وثب إينال على المنصور فقبض عليه فقلده الخليفة في ربيع الأول ولقب الأشرف ثم وقع بين الخليفة والأشرف بسبب ركوب الجند عليه فخلعه من الخلافة في جمادى سنة تسع وخمسين وسيره إلى الإسكندرية واعتقله بها إلى أن مات بها في سنة ثلاث وستين ودفن عند شقيقه المستعين.
والعجب أن هذين الأخوين الشقيقين خلعا من الخلافة واعتقل كل منهما بالإسكندرية ودفنا معاً. مات في أيام القائم من الأعلام: والدي والعلاء القلقشندي.
المستنجد بالله خليفة العصر أبو المحاسن
المستنجد بالله خليفة العصر: أبو المحاسن يوسف بن المتوكل على الله ولي الخلافة بعد خلع أخيه والسلطان يومئذ الأشرف إينال فمات في سنة خمس وستين فقلد ابنه أحمد ولقب المؤيد ثم وثب خشقدم على المؤيد فقبضه في رمضان من عامه فقلده ولقب الظاهر واستمر إلى أن مات في ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين فقلد بلباي ولقب الظاهر فوثب عليه الجند بعد شهرين وقبضوه فقلد تمربغا ولقب الظاهر فوثبوا عليه أيضاً بعد شهرين فقلد سلطان العصر قايتباي ولقب الأشرف فاستقر له الملك وسار في المملكة بشهامة وصرامة ما سار بها قبله ملك من عهد الناصر محمد بن قلاوون بحيث إنه سافر من مصر إلى الفرات في طائفة يسيرة جداً من الجند ليس فيهم أحد من المقدمين الألوف.
ومن سيرته الجميلة: أنه لم يول بمصر صاحب وظيفة دينية كالقضاة والمشايخ والمدرسين إلا أصلح الموجودين لها بعد طول تروية وتمهلة بحيث تستمر الوظيفة شاغرة الأشهر العديدة ولم يول قاضياً ولا شيخاً بمال قط.
وكان الظاهر خشقد أول من قلد قدم النائب الشام حاتم لموافقة كانت بينه وبين العسكر في سلطنته فأمر الظاهر حين بلغه قدومه بطلوع الخليفة والقضاة الأربعة والعسكر إلى القلعة وأرسل إلى نائب الشام يأمره بالانصراف فانصرف بعد شروط شرطها وعاد القضاة والعسكر إلى منازلهم واستمر الخليفة ساكناً بالقلعة ولم يمكنه الظاهر من عوده إلى سكنه المعتاد فاستمر بها إلى أن مات يوم السبت رابع عشري المحرم سنة أربع وثمانين وثمانمائة بعد تمرضه نحو عامين بالفالج وصلي عليه بالقلعة ثم أنزل مدفن الخلفاء بجوار المشهد النفيسي وقد بلغ التسعين أو جاوزها.
المتوكل على الله أبو العز
المتوكل على الله: أبو العز عبد العزيز بن يعقوب بن المتوكل على الله.
ولد سنة تسع عشرة وثمانمائة وأمه بنت جندي اسمها حاج ملك ولم يل والده بالخلافة ونشأ معظماً مشاراً إليه محبوباً للخاصة والعامة بخصاله الجميلة ومناقبه الحميدة وتواضعه وحسن سمعته وبشاشته لكل أحد وكثرة أدبه وله اشتغال بالعلم قرأ على والدي وغيره وزوجه عمه المستكفي بابنته فأولدها ولداً صالحاً فهو ابن هاشمي بين هاشميين ولما طال مرض عمه المستنجد عهد إليه بالخلافة فلما مات بويع بها يوم الاثنين سادس عشر المحرم بحضرة السلطان والقضاة والأعيان وكان أراد أولاً التلقيب بالمستعين بالله ثم وقع التردد بين المستعين والمتوكل واستقر الأمر على المتوكل ثم ركب من القلعة إلى منزله المعتاد والقضاة والمباشرون والأعيان بين يديه وكان يوماً مشهوداً ثم عاد من آخر يومه إلى القلعة حيث كان المستنجد ساكناً بها.
ففي هذه السنة سافر السلطان الملك الأشرف قايتباي إلى الحجاز برسم الحج وذلك أمر لم يعهد الملك أكثر من مائة سنة فبدأ بزيارة المدينة الشريفة وفرق بها ستة آلاف دينار ثم قدم مكة وفرق بها خمسة آلاف دينار وقرر بمدرسته التي أنشأها بمكة شيخاً وصوفية وحج وعاد وزينت البلد لقدومه أياماً.
وفي سنة خمس وثمانين خرج عسكر من مصر عليهم الدوادار يشبك إلى جهة العراق فالتقوا مع عسكر يعقوب شاه بن حسن بقرب الرها فكسر المصريون وقتل منهم من قتل وأسر الباقون وأسر الدوادار وضرب عنقه وذلك في النصف الثاني من رمضان والعجب أن الدوادار هذا بينه وبين قاضي الحنفية شمس الدين الأمشاطي بمصر وقعة كبيرة وكل منهما يود زوال الآخر فكان قتل الدوادار بشاطئ الفرات وموت الأمشاطي بمصر في يوم واحد.

(1/214)


وفي سنة ست وثمانين زلزلت الأرض يوم الأحد بعد العصر سابع عشر المحرم زلزلة صعبة ماجت منها الأرض والجبال والأبنية موجاً ودامت لحظة لطيفة ثم سكنت فالحمد لله على سكونها وسقط بسببها شرافة من المدرسة الصالحية على قاضي القضاة الحنفي شرف الدين بن عيد فمات فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي هذه السنة في ربيع الأول قدم إلى مصر من الهند رجل يسمى خاكي زعم أن عمره مائتان وخمسون سنة فاجتمعت به فإذا هو رجل قوي لحيته كلها سوداء لا يجوز العقل أن عمره سبعون سنة فضلاً عن أكثر من ذلك ولم يأت بحجة على ما يدعيه والذي أقطع به أنه كذاب ومما سمعته منه أنه قال: إنه حج وعمره ثمان عشرة سنة ثم رجع إلى الهند فسمع بذهاب التتار إلى بغداد ليأخذوها وإنه قدم إلى مصر زمن السلطان حسن قبل أن يبني مدرسته ولم يذكر شيئاً يستوضح به على قوله.
وفيها ورد الخبر بموت السلطان محمد بن عثمان ملك الروم وأن ولديه اقتتلا على الملك فغلب أحدهما واستقر في المملكة وقدم الآخر إلى مصر فأكرمه السلطان غاية الإكرام وأنزله ثم توجه من الشام إلى الحجاز برسم الحج.
وفي شوال قدمت كتب من المدينة الشريفة تتضمن أن في ليلة الثالث عشر رمضان نزلت صاعقة من السماء على المئذنة فأحرقتها وأحرقت سقوف المسجد الشريف وما فيه من خزائن وكتب ولم يبق سوى الجدران وكان أمراً مهولاً.
مات يوم الأربعاء سلخ المحرم سنة ثلاث وتسعمائة وعهد بالخلافة لابنه يعقوب ولقبه المستمسك بالله.
وهذا آخر ما تيسر في هذا التاريخ وقد اعتمدت في الحوادث على تاريخ الذهبي وانتهى إلى سنة سبعمائة ثم على تاريخ ابن كثير وانتهى إلى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ثم على المسالك وذيله إلى سنة ثلاث وسبعين ثم على أنباء الغمر لابن حجر إلى سنة خمسين وثمانمائة.
وأما غير الحوادث فطالعت عليه تاريخ بغداد للخطيب عشر مجلدات وتاريخ دمشق لابن عساكر سبعة وخمسين مجلداً والأوراق للصولي سبع مجلدات والطيوريات ثلاث مجلدات والحلية لأبي نعيم تسع مجلدات والمجالسة للدينوري والكامل للمبرد مجلدين وأمالي ثعلب مجلد وغير ذلك.
وقد عمل بعض الأقدمين أرجوزة في أسماء الخلفاء ووفياتهم انتهى فيها إلى أيام المعتمد وقد عملت قصيدة أحسن منها ورأيت أن أختم بها هذا الكتاب وهي هذه:
الحمد لله حمداً لا نفاد له ... وإنما الحمد حقاً رأس من شكرا
ثم الصلاة على الهادي النبي ومن ... سادت بنسبته الأشراف والكبرا
إن الأمين رسول الله مبعثه ... لأربعين مضت فيما رووا عمرا
وكان هجرته فيها لطيبته ... بعد الثلاثة أعواماً تلي عشرا
ومات في إحدى بعد عشرتها ... فيا مصيبة أهل الأرض حين سرى
وقام من بعده الصديق مجتهدا ... وفي ثلاثة عشر بعده قبرا
وهو الذي جمع القرآن في صحف ... وأول الناس من سمى المصحف الزبرا
وقام من بعده الفاروق ثمت في ... عشرين بعد ثلاث غيبوا عمرا
وهو الذي اتخذ الديوان وافترض ال ... عطاء قيل وبيت المال والدررا
سن التراويح والتاريخ وافتتح ال ... فتوح جماً وزاد الحد من سكرا
وهو المسمى أمير المؤمنين ولم ... يدع من قبله شخص من الأمرا
وقام عثمان حتى جاء مقتله ... بعد الثلاثين في ست وقد حصرا
وهو الذي زاد في التأذين أوله ... في جمعة وبه رزق الأذان جرى
وأول الناس ولى صحب شرطته ... حمى الحمى أقطع الإقطاع إذ كثرا
وبعد قام علي ثم مقتله ... لأربعين فمن أرداه قد خسرا
ثم ابنه السبط نصف العام ثم أتى ... بنو أمية يبغون الوغى زمرا
فسلم الأمر في إحدى لرغبته ... عن دار دنيا بلا ضير ولا ضررا
وكان أول ذي ملك معاوية ... في النصف من عام ستين الحمام عرا

(1/215)


وهو الذي اتخذ الخصيان من خدم ... كذا البريد ولم يسبقه من أمرا
واستحلف الناس لما أن يبايعهم ... والعهد قبل وفاة لابنه ابتكرا
ثم اليزيد ابنه أخبث به ولداً ... في أربع بعدها ستون قد قبرا
وابن الزبير وفي سبعين مقتله ... بعد الثلاث وكم بالبيت قد حصرا
وفي ثمانين مع ست تليه قضى ... عبد المليك له الأمر الذي اشتهرا
ضرب الدنانير في الإسلام معلمة ... وكسوة الكعبة الديباج مؤتجرا
وهو الذي منع الناس التراجع في ... وجه الخليفة مهما قال أو أمرا
وأول الناس هذا الاسم سميه ... وأول الناس في الإسلام قد غدرا
ثم الوليد ابنه قبل ما رجب ... في الست من بعد تسعين انقضى عمرا
وهو الذي منع الناس النداء له ... باسم وكانت تنادي باسمها الأمرا
وقام بعد سليمان الخيار وفي ... تسع وتسعين جاء الموت في صفرا
وبعده عمر ذاك النجيب وفي ... إحدى تلي مائة قد ألحدوا عمرا
وهو الذي أمر الزهري خوف ذها ... ب العلم أن يجمع الأخبار والأثرا
ثم اليزيد وفي خمس قضى وتلا ... هشام في الخمس والعشرين قد سطرا
ثم الوليد وبعد العام مقتله ... من بعده ما جاء بالفسق الذي اشتهرا
ثم اليزيد وفي ذا العام مات وقد ... أقام ست شهور مثل ما أثرا
وبعده قام إبراهيم ثم مضى ... بالخلع سبعين يوماً قد أقام ترى
وبعده قام مروان الحمار وفي ... اثنتين بعد ثلاثين الدماء جرى
وقام بعده السفاح ثم قضى ... بعد الثلاثين في ست وقد جدرا
وقام من بعده المنصور ثمت في ... خمسين بعد ثمان محرماً قبرا
وهو الذي خص أعمالا مواليه ... وأهمل العرب حتى أمرهم دثرا
ثم ابنه وهو المهدي مات لدى ... تسع وستين مسموماً كما ذكرا
ثم ابنه وهو الهادي وموتته ... في عام سبعين لما هم أن غدرا
ثم الرشيد وفي تسعين تالية ... ثلاثة مات في الغزو الرفيع ذرا
ثم الأمين وفي تسعين تالية ... ثمانيا جاءه قتل كما قدرا
وقام من بعده المأمون ثمت في ... ثمان عشرة كان الموت فاعتبرا
وقام معتصم من بعده وقضى ... في عام سبع وعشرين الذي أثرا
وهو الذي أدخل الأتراك منفردا ... ديوانه واقتناهم جالباً وشراً
ثم ابنه الواثق المالي الورى رعباً ... وفي الثلاثين مع اثنتين قد غبرا
وذو المتوكل ما أزكاه من خلف ... ومظهر السنة الغراء إذ نصرا
في عام سبع يليها أربعون قضى ... قتلا حباه ابنه المدعو منتصرا
فلم يقم بعده إلا اليسير كما ... قد سنه الله فيمن بعضه غدرا
ولمستعين وفي عام اثنتين تلى ... خمسين خلع وقتل جاءه زمرا
وهو الذي أحدث الأكمام واسعة ... وفي القلانس عن طول أتى قصرا
وقام من بعده المعتر ثمت في ... خمس وخمسين حقاً قتله أثرا
والمهتدي الصالح الميمون مقتله ... من بعد عام وقفى قبله عمرا
وقام من بعده بالأمر معتمد ... في عام تسع وسبعين الحمام عرا
وذاك أول ذي أمر له حجروا ... وأول الناس موكولا به قهرا
وقام من بعده بالأمر معتضد ... وفي ثمانين مع تسع مضت قبرا

(1/216)


ثم ابنه المكتفي بالله أحمد في ... خمس وتسعين سبحان الذي قدرا
في عام عشرين في شوال بعد مئي ... ثلاث مقتل المدعو مقتدرا
وبعده القاهر الجبار نخلعه ... في اثنتين وعشرين وقد سمرا
وقام بعده الراضي ومات لدى ... تسع وعشرين وانسب عنده أجرا
والمتقي ومضى بالخلع منسملا ... من بعد أربعة الأعوام في صفرا
وقام بالأمر مستكفيهم وقفا ... من بعد عام لأمر المتقي أثرا
ثم المطيع وفي ستين يتبعها ... ثلاثة في أخير العام قد عبرا
ثم ابنه الطائع المقهور مخلعه ... عام الثمانين مع إحدى كما أثرا
ثم الإمام أبو العباس قادرهم ... في اثنين بعد عشرين مضت قبرا
ثم ابنه قائم بالله مات لدى ... سبع وستين من شعبان قد سطرا
والمقتدي مات في سبع بأولها ... بعد الثمانين جد الملك واقتدرا
وقام من بعده مستظهر وقضى ... في سادس القرن اثنتين تلي عشرا
وقام من بعده مسترشد ولدى ... تسع وعشرين فيه القتل حل عرا
ثم ابنه الراشد المقهور مخلعه ... من بعد عام فلا عين ولا أثرا
والمقتفي مات من بعد التمكن في ... خمس وخمسين وانقادت له النصرا
وقام من بعده المستنجد وقضى ... من بعد ستين في ست وقد شعرا
والمستضيء بأمر الله مات لدى ... خمس وسبعين بالإحسان قد بهرا
وقام من بعده بالأمر ناصرهم ... ومات اثنتين مع عشرين إذ كبرا
وقام من بعده بالأمر ظاهرهم ... تسعاً شهوراً فأقلل مدة قصرا
وقام من بعده مستنصر وقضى ... لأربعين وكم يرثيه من شعرا
وقام من بعده مستعصم ولدى ... ست وخمسين كان الفتنة الكبرا
جاء التتار فأردوه وبلدته ... فيلعن الله والمخلوقة التترا
مرت ثلاث سنين بعده ويلي ... نصف ودهر الورى من قائم شغرا
وقام من بعد ذا مستنصر وثوى ... في آخر العام قتلا منهم وسرى
أقام ست شهور ثم راح لدى ... مهل ستين لم يبلغ به وطرا
وقام من بعده في مصر حاكمهم ... على وهى لا كمن من قبله غبرا
ومات في عام إحدى بعد سبع مئي ... وقام من بعده مستكفيهم وجرى
في أربعين قضى إذ قام واثقهم ... ففي اثنتين مضى خلعاً من الأمرا
وقام حاكمهم من بعده وقضى ... عام الثلاث مع الخمسين معتبرا
وقام من بعده بالأمر معتضد ... وفي الثلاثة والستين قد عبرا
وذو المتوكل يتلوه أقام إلى ... بعد الثمانين في خمس وقد حصرا
وبايعوا واثقاً بالله ثمت في ... عام الثمان قضى وسمه عمرا
وبايعوا بعده بالله معتصماً ... لعام إحدى وتسعين أزيل ورا
وذو التوكل ردوه أقام إلى ... ذا القرن عام ثمان منه قد قبرا
في عهده زيد من بعد الأذان على ... خير النبيين تسليم كما أمرا
وأحدث السمة الخضراء للشرفا ... يا حسنها من سمات بوركت خضرا
أولاده منهم خمس مبجلة ... جاءوا الخلافة إذ كانت لهم قدرا
فالمستعين وآل الأمر أن خلعوا ... في شهر شعبان في خمس تلي عشرا
وقام من بعده بالأمر معتضد ... لأربعين تليها الخمسة احتضرا

(1/217)


وقام بالأمر مستكفيهم وقضى ... في عام الأربع والخمسين مصطبرا
وقام قائمهم من بعد ثمت في ... تسع وخمسين بعد الخلع قد حصرا
وقام من بعده مستنجد دهرا ... خليفة العصر رقاه الإله ذرى
وليس يعرف في الأعصار قبلهم ... خمس ولو أخوة بل أربع أمرا
ولا شقيقان إلا غير خامسهم ... كذا الرشيد مع الهادي كما ذكرا
كذا سليمان من بعد الوليد كذا ... نجلا الوليد يزيد والذي أثرا
وما تكرر في بغداد من لقب ... ولا تلا ابن أخ عم خلا نفر
اثنان فالمقتفي عن راشد وكذا ... مستنصر بعد مقتول التتار عرا
أولئك القوم أرباب الخلافة خذ ... سبعين من غير نقص عدها حصرا
من الصحابة سبع كالنجوم ومن ... بني أمية اثنان تلي عشرا
ولم أعد أبا عبد المليك فذا ... باغ كما قاله من أرخ السيرا
وعدة من بني العباس شامخة ... إحدى وخمسون لا قلت لهم نصرا
تبقى الخلافة فيهم كي يسلمها ال ... مهدي منهم إلى عيسى كما أثرا
وبعد نظمي هذا النظم في مدد ... قضى خليفتنا المذكور مصطبرا
في عام الأربع في شهر المحرم من ... بعد الثمانين يوم السبت قد قبرا
وبويع ابن أخيه بعده ودعى ... بذي التوكل كالجد الذي شهرا
ولم يسم إمام في الأولى سبقوا ... عبد العزيز سواه فاسمه ابتكرا
فالله يبقيه ذا عز ويحفظه ... ويجعل الملك في أعقابه زمرا
ومات عام ثلاث بعد تسع مئي ... سلخ المحرم عن عهد لمن سطرا
لنجله البر يعقوب الشريف وقد ... لقب مستمسكاً بالله في صفرا
فصل في الدولة الأموية القائمة بالأندلس
أولهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام به عبد الملك بن مروان بويع بالخلافة لما دخل الأندلس هارباً وذلك في سنة ثمان وثلاثين ومائة وكان من أهل العلم والعدل مات سنة سبعين ومائة في ربيع الآخر.
وقام بعده ابنه هشام أبو الوليد ومات في شهر صفر سنة ثمانين ومائة.
وقام بعده ابنه الحكم أبو المظفر الملقب بالمرتضى ومات في ذي الحجة سنة ست ومائتين.
وقام بعده ابنه عبد الرحمن وهو أول من فخم الملك بالأندلس من الأموية وكساه أبهة الخلافة والجلالة وفي أيامه أحدث بالأندلس لبس المطرز وضرب الدراهم ولم يكن بها دار ضرب منذ فتحها العرب وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم أهل المشرق وكان شبيهاً بالوليد بن عبد الملك في جبروتيته بالمأمون العباسي في طلب الكتب الفلسفية وهو أول من أدخل الفلسفة الأندلس ومات سنة تسع وثلاثين ومائتين.
وقام بعده ابنه محمد مات في صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
وقام ابنه المنذر ومات في صفر سنة خمس وسبعين.
وقام أخوه عبد الله وهو أصلح خلفاء الأندلس علماً وديناً مات في ربيع الأول سنة ثلاثمائة.
وقام حفيده عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر وهو أول من تسمى بالأندلس بالخلافة وبأمير المؤمنين وذلك لما وهت الدولة العباسية في أيام المقتدر وكان الذين قبله إنما يتسمون بالأمير فقط مات في رمضان سنة خمسين وثلاثمائة.
وقام ابنه الحكم المستنصر ومات في صفر سنة ست وستين.
وقام ابنه هشام المؤيد ثم خلع وحبس سنة تسع وتسعين.
وقام محمد بن هشام بن عبد الحبار بن الناصر عبد الرحمن ولقب المهدي سنة عشر شهراً ثم خرج عليه ابن أخيه هشام بن سليمان بن الناصر عبد الرحمن وبويع وتلقب بالرشيد فحاربه عمه وقتله واتفق الناس على خلع عمه فاختفى ثم قتل وبايعوا ابن أخي هشام المقتول سليمان بن الحكم المستنصر ولقب بالمستعين ثم قاتلوه وأسر سنة ست وأربعمائة.
وقام عبد الرحمن بن عبد الملك بن الناصر ولقب المرتضى وقتل في آخر العام ثم وهت الدولة الأموية.

(1/218)


وقامت الدولة العلوية الحسنية فولى الناصر علي بن حمود في المحرم سنة سبع وأربعمائة ثم قتل في ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة.
وقام أخوه المأمون القاسم وخلع سنة إحدى عشرة.
وقام ابن أخيه يحيى بن الناصر علي بن حمود ولقب المستعلي وقتل بعد سنة وسبعة أشهر.
ثم عادت الدولة الأموية فولى المستظهر عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار ثم قتل بعد خمسين يوماً.
وقام محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر عبد الرحمن ولقب المستكفي وخلع بعد سنة وأربعة أشهر.
وقام هشام بن محمد بن عبد الملك بن الناصر عبد الرحمن ولقب المعتمد فأقام مدة ثم خلع وسجن إلى أن مات في صفر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وماتت بموته الدولة الأموية بالأندلس.
فصل في الدولة الخبيثة العبيدية
أول من قام منهم بالمغرب المهدي عبيد الله سنة ست وتسعين ومائتين ومات في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
وقام ابنه القائم بأمر الله محمد ومات سنة ثلاث وثلاثين.
وقام ابنه المنصور إسماعيل ومات سنة إحدى وأربعين.
وقام ابنه المعز لدين الله معد ودخل القاهرة سنة اثنتين وستين ومات سنة خمس وستين.
وقام ابنه العزيز نزار ومات سنة ست وثمانين.
وقام ابنه الحاكم بأمر الله منصور وقتل في سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
وقام ابنه الظاهر لإعزاز دين الله علي ومات سنة ثمان وعشرين.
وقام ابنه المستنصر معد ومات سنة سبع وثمانين فأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر.
قال الذهبي: ولا أعلم أحداً في الإسلام لا خليفة ولا سلطاناً أقام هذه المدة.
وقام بعده ابنه المستعلي بالله أحمد ومات سنة خمس وتسعين.
وأقيم بعده ابنه الآمر بأحكام الله منصور طفل له خمس سنين وقتل في سنة أربع وعشرين وخمسمائة عن غير عقب.
وقام بعده ابن عمه الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر ومات سنة أربع وأربعين.
وقام ابنه الظافر بالله إسماعيل وقتل سنة تسع وأربعين.
وقام ابنه الفائز بنصر الله عيسى ومات سنة خمس وخمسين.
وقام العاضد لدين الله عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله وخلع سنة سبع وستين ومات بها وأقيمت الدعوة العباسية بمصر وانقرضت الدولة العبيدية.
قال الذهبي: فكانوا أربعة عشر متخلفاً لا مستخلفاً.
فصل في دولة بني طباطبا العلوية الحسنية
قام منهم بالخلافة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم طباطبا في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين ومائة وقام باليمن في هذا العصر الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن طباطبا ودعي له بإمرة المؤمنين ومات في ذي الحجة سنة ثمان وتسعين ومائتين.
وقام ابنه المرتضى محمد ومات سنة عشر وثلاثمائة.
وقام أخوه الناصر أحمد ومات في صفر سنة ثلاث وعشرين.
وقام ابنه المنتخب الحسين ومات سنة تسع وعشرين.
وقام أخوه المختار القاسم وقتل في شهر شوال سنة أربع وأربعين.
وقام أخوه الهادي محمد ثم الرشيد العباس ثم انقرضت دولتهم.
فصل في دولة الطبرستانية
تداولها ستة رجال: ثلاثة من بني الحسن ثم ثلاثة من بني الحسين: هشام الداعي إلى الحق الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد الجواد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة خمسين ومائتين بالري والديلم ثم قام أخوه القائم بالحق محمد وقتل سنة ثمان وثمانين فقام حفيده المهدي الحسن بن زيد بن القائم بالحق وقام بعده الناصر الأطروش وهو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ولم يزل قائماً بالأمر إلى أن قبض سنة 304 ثم قام بعده بالأمر ابنه الإمام محمد الهادي ثم اعتزل الأمر فقام به أخوه الناصر أحمد ثم قام من بعده الثائر لدين الله جعفر بن محمد بن الحسن بن عمر الأشرف وهو الذي ملك طبرستان بأسرها ومات بها سنة 345 وانقرضت دولته.
فائدة: قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني حدثنا خلف ابن الوليد حدثنا المبارك بن فضالة عن علي بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن العرباض بن الهيثم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما كان منذ كانت الدنيا رأس مائة سنة إلا كان عند رأس المائة أمر.
قلت: كان عند رأس المائة الأولى من هذه الملة فتنة الحجاج وما أدراك ما الحجاج؟.

(1/219)