صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تاريخ الخلفاء
المؤلف : السيوطي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يقودهم وعمر المسجد النبوي ووسعه ورزق الفقهاء والضعفاء والفقراء وحرم عليهم سؤال الناس وفرض لهم ما يكفيهم وضبط الأمور أتم ضبط.
وقال ابن أبي عبلة رحم الله الوليد وأين مثل الوليد افتتح الهند والأندلس وبني مسجد دمشق وكان يعطيني قطع الفضة أقسمها على قراء مسجد بيت المقدس.
ولي الوليد الخلافة بعهد من أبيه في شوال سنة ست وثمانين ففي سنة سبع وثمانين شرع في بناء جامع دمشق وكتب بتوسيع المسجد النبوي وبنائه وفيها فتحت بيكند وبخارى وسردانية ومطمورة وقميقم وبحيرة الفرسان عنوة وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فوقف يوم النحر غلطاً وتألم لذلك.
وفي سنة ثمان وثمانين فتحت جرثومة وطوانة.
وفي سنة تسع وثمانين فتحت جزيرتا منورقة وميورقة.
وفي سنة إحدى وتسعين فتحت نسف وكش وشومان ومدائن وحصون من بحر أذربيجان.
وفي سنة اثنتين وتسعين فتح إقليم الأندلس بأسره ومدينة أرماييل وقتربون.
وفي سنة ثلاث وتسعين فتحت الديبل وغيرها ثم الكرح وبرهم وباجة والبيضاء وخوارزم وسمرقند والصغد.
وفي سنة أربع وتسعين فتحت كابل وفرغانة والشاش وسندرة وغيرها.
وفي سنة خمس وتسعين فتحت الموقان ومدينة الباب.
وفي سنة ست وتسعين فتحت طوس وغيرها وفيها مات الخليفة الوليد في نصف جمادى الآخرة وله إحدى وخمسون سنة.
قال الذهبي: أقام الجهاد في أيامه وفتحت فيها الفتوحات العظيمة كأيام عمر بن الخطاب.
قال عمر بن عبد العزيز لما وضعت الوليد في لحده إذا هو يركض في أكفانه يعني ضرب الأرض برجله.
ومن كلام الوليد لولا أن الله ذكر آل لوط في القرآن ما ظننت أن أحداً يفعل هذا.
مات في أيام الوليد من الأعلام عتبة بن عبد السلمي والمقدام بن معدي كرب وعبد الله بن بشر المازني وعبد الله بن أبي أوفى وأبو العالية وجابر بن زيد وأنس بن مالك وسهل بن سعد والسائب بن يزيد والسائب بن خلاد وخبيب بن عبد الله بن الزبير وبلال بن أبي الدرداء وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير شهيداً قتله الحجاج لعنه الله وإبراهيم النخعي ومطرف وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والعجاج الشاعر وآخرون.
سليمان بن عبد الملك
سليمان بن عبد الملك أبو أيوب كان من خيار ملوك بني أمية.
ولي الخلافة بعهد من أبيه بعد أخيه في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين روى قليلا عن أبيه وعبد الرحمن بن هبيرة روى عنه ابن عبد الواحد والزهري وكان فصيحاً مفوهاً مؤثراً للعدل محباً للغزو ومولده سنة ستين.
ومن محاسنه أن عمر بن عبد العزيز كان له كالوزير فكان يمتثل أوامره في الخير فعزل عمال الحجاج وأخرج من كان في سجن العراق وأحيا الصلاة لأول مواقيتها وكان بنو أمية أماتوها بالتأخير.
قال ابن سيرين: يرحم الله سليمان افتتح خلافته بإحيائه الصلاة لمواقيتها واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز.
وكان سليمان ينهى عن الغناء وكان من الأكلة المذكورين أكل في مجلس سبعين رمانة وخروفاً وست دجاجات ومكوك زبيب طائفي.
قال يحيى الغساني: نظر سليمان في المرآة فأعجبه شبابه وجماله فقال كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً وكان أبو بكر صديقاً وكان عمر فاروقاً وكان عثمان حيياً وكان معاوية حليماً وكان يزيد صبوراً وكان عبد الملك سائساً وكان الوليد جباراً وأنا الملك الشاب فما دار عليه الشهر حتى مات.
وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسع وتسعين وفتح في أيامه حرجان وحصن الحديد وسردانية وشقى وطبرستان ومدينة السقالبة.
مات في أيامه من الأعلام قيس بن أبي حازم ومحمود بن لبيد والحسن بن الحسين ابن علي وكريب مولى ابن عباس وعبد الرحمن بن الأسود النخعي وآخرون.

(1/92)


قال عبد الرحمن بن حسان الكناني: مات سليمان غازياً بدابق فلما مرض قال لرجاء بن حيوة من لهذا الأمر بعدي استخلف ابني قال ابنك غائب قال فابني الآخر قال صغير قال فمن ترى قال أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز قال أتخوف أخوتي لا يرضون قال تولى عمر ومن بعده يزيد بن عبد الملك وتكتب كتاباً وتختم عليه وتدعوهم إلى بيعته مختوماً قال لقد رأيت فدعا بقرطاس فكتب فيه العهد ودفعه إلى رجاء وقال أخرج إلى الناس فليبايعوا على ما فيه مختوماً فخرج فقال إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب قالوا ومن فيه قال هو مختوم لا تخبروا بمن فيه حتى يموت قالوا لا نبايع فرجع إليه فأخبره فقال انطلق إلى صاحب الشرط والحرس فأجمع الناس ومرهم بالبيعة فمن أبى فاضرب عنقه فبايعوا.
قال رجاء فبينما أنا راجع إذا هشام فقال لي يا رجاء قد علمت موقعك منا وأن أمير المؤمنين قد صنع شيئاً ما أدري ما هو وإني تخوفت أن يكون قد أزالها عني فإن يكن قد عدلها عني فأعلمني ما دام في الأمر نفس حتى أنظر فقلت سبحان الله يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه؟ لا يكون ذلك أبدا ثم لقيت عمر بن عبد العزيز فقال لي يا رجاء إنه قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرجل أتخوف أن يكون قد جعلها إلي ولست أقوم بهذا الشأن فأعلمني ما دام في الأمر نفس لعلي أتخلص منه ما دام حياً قلت: سبحان الله يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه ثم مات سليمان وفتح الكتاب فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز فتغيرت وجوه بني عبد الملك فلما سمعوا وبعده يزيد بن عبد الملك تراجعوا فأتوا عمر فسلموا عليه بالخلافة فعقر به فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه فدنوا به إلى المنبر وأصعدوه فجلس طويلا لا يتكلم فقال لهم رجاء ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه فبايعوه ومد يده إليهم ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أني لست بفارض ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم وإن هم أبوا فلست لكم بوال ثم نزل فأتاه صاحب المراكب فقال ما هذا قال مركب الخليفة قال لا حاجة لي فيه ائتوني بدابتي فأتوه بدابته وانطلق إلى منزله ثم دعا بدواة وكتب بيده إلى عمال الأمصار.
قال رجاء: كنت أظن أنه سيضعف فلما رأيت صنعه في الكتاب علمت أنه سيقوى.
يروى أن مروان بن عبد الملك وقع بينه وبين سليمان في خلافته كلام فقال له يا سليمان يا ابن اللخناء ففتح مروان فاه ليجيبه فأمسك عمر بن عبد العزيز بفيه وقال أنشدك الله إمامك وأخوك وله السن فسكت وقال قتلتني والله لقد زدت في جوفي أحر من النار فما أمسى حتى مات.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن زياد بن عثمان أنه دخل على سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب فقال: يا أمير المؤمنين إن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يقول من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب.
عمر بن عبد العزيز
رضي الله عنه
عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الصالح أبو حفص خامس الخلفاء الراشدين.
قال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز أخرجه أبو داود في سننه.
ولد عمر بحلوان قرية بمصر وأبوه أمير عليها سنة إحدى وقيل: ثلاث وستين وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وكان بوجه عمر شجة ضربته دابة في جبهته وهو غلام فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد أخرجه ابن عساكر.
وكان عمر بن الخطاب يقول: من ولدي رجل بوجهه شجه يملأ الأرض عدلا أخرج الترمذي في تاريخه فصدق ظن أبيه فيه.
وأخرج ابن سعد أن عمر بن الخطاب قال ليت شعري من ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جوراً.
وأخرج عن ابن عمر قال: كنا نتحدث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر فكان بلال بن عبد الله بن عمر بوجهه شامة وكانوا يرون أنه هو حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز.
روى عمر بن عبد العزيز عن أبيه وأنس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وابن قارظ ويوسف بن عبد الله بن سلام وعامر بن سعد وسعيد ابن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن والربيع بن سمرة وطائفة.

(1/93)


روى عنه: الزهري ومحمد بن المنكدر ويحيى بن سعيد الأنصاري ومسلمة ابن عبد الملك ورجاء بن حيوة وخلائق كثيرون.
جمع القرآن وهو صغير وبعثه أبوه إلى المدينة يتأدب بها فمكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم فلما توفي أبوه طلبه عبد الملك إلى دمشق وزوجه ابنته فاطمة.
وكان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضاً إلا أنه كان يبالغ في التنعم فكان الذي يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم والاختيال في المشية فلما ولي الوليد الخلافة أمر عمر على المدينة فوليها من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين وعزل فقدم الشام.
ثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد وأن يعهد إلى ولده فأطاعه كثير من الأشراف طوعاً وكرهاً فامتنع عمر بن عبد العزيز وقال لسليمان: في أعناقنا بيعة وصمم فطين عليه الوليد ثم شفع فيه بعد ثلاث فأدركوه وقد مالت عنقه فعرفها له سليمان فعهد إليه بالخلافة.
قال زيد بن أسلم عن أنس رضي الله عنه: ما صليت وراء إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة قال زيد بن أسلم فكان يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود له طرق عن أنس أخرجه البيهقي في سننه وغيره.
وسئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز فقال: هو نجيب بني أمية وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.
وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة.
وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن رياح بن عبيدة قال: خرج عمر ابن عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ متوكئ على يده فقلت في نفسي: إن هذا الشيخ جاف فلما صلى ودخل لحقته فقلت أصلح الله الأمير من الشيخ الذي كان يتكئ على يدك قال يا رياح رأيته قلت: نعم قال ما أحسبك إلا رجلا صالحاً ذاك أخي الخضر أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة وأني سأعدل فيها.
وأخرج أيضاً عن أبي هاشم أن رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس فقال لك: يا عمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين لأبي بكر وعمر فاستخلف له عمر بالله لرأيت هذا فخلف له فبكى عمر.
بويع بالخلافة بعهد من سليمان في صفر سنة تسع وتسعين كما تقدم فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر نحو خلاف الصديق رضي الله عنه عملا فيها الأرض عدلا ورد المظالم وسن السنن الحسنة ولما قرئ كتاب العهد باسمه عقر وقال: والله إن هذا الأمر ما سألته الله قط؟ وقدم إليه صاحب المراكب مركب الخليفة فأبى وقال ائتوني ببغلتي قال الحكم بن عمر: شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمتها قال: ابعث بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يريد واجعل أثمانها في مال الله تكفيني بغلتي هذه الشهباء.
وقال عمر بن ذر: لما رجع عمر من جنازة سليمان قال له مولاه ما لي أراك مغتماً؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليغتم ليس أحد من الأمة إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إلي فيه ولا طالبه مني.
وعن عمر بن مهاجر وغيره أن عمر لما استخلف قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ألا وإني لست بفارض ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع ولست بخير من أحدكم ولكني أثقلكم حملا وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وعن الزهري قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات فكتب إليه بالذي سأل وكتب إليه أنك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله في مثل زمانك ورجالك كنت عند الله خيراً من عمر.
وعن حماد أن عمر لما استخلف بكى فقال: يا أبا فلان أتخشى علي؟ قال: كيف حبك للدرهم؟ قال: لا أحبه قال لا تخف فإن الله سيعينك.

(1/94)


وعن مغيرة قال: جمع عمر حين استخلف بني مروان فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له فدك ينفق منها ويعول منها على صغير بني هاشم ويزوج منها أيمهم وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها؟ فأبى فكانت كذلك حياة أبي بكر ثم عمر ثم أقطعها مروان ثم صارت لعمر بن عبد العزيز فرأيت أمراً منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة ليس لي بحق وإن أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن الليث قال: لما ولي عمر بدأ بلحمته وأهل بيته فأخذ ما بأيديهم وسمى أموالهم مظالم.
وقال أسماء بن عبيد: دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا فمنعتناها ولي عيال وضيعة أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي لما يصلح عيالي؟ فقال عمر: أحبكم من كفانا مؤنته ثم قال له: أكثر ذكر الموت فإن كنت في ضيق من العيش وسعه عليك وإن كنت في سعة من العيش ضيقه عليك.
وقال فرات بن السائب: قال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك فإنه أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد قالت: لا بل اختارك عليه وعلى أضعافه فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين فلما مات عمر واستخلف يريد قال لفاطمة إن شئت رددته إليك قالت لا والله لا أطيب به نفساً في حياته وأرجع فيه بعد موته.
وقال عبد العزيز: كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا قد خربت فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمها به فعل فكتب إليه عمر إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم فإنه مرمتها والسلام.
وقال إبراهيم السكوني: قال عمر بن عبد العزيز: ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين على أهله.
وقال قيس بن جبير: مثل عمر في بني أمية مثل مؤمن آل فرعون.
وقال ميمون بن مهران: إن الله كان يتعاهد الناس بنبي بعد نبي وإن الله تعاهد الناس بعمر بن عبد العزيز.
وقال وهب بن منبه: إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز.
وقال محمد بن فضالة: مر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز براهب في الجزيرة فنزل إليه الراهب ولم ينزل لأحد قبله وقال أتدري لم نزلت إليك قال لا قال: لحق أبيك إنا نجده في أئمة العدل بموضع رجب من الأشهر الحرم ففسره أيوب بن سويد بثلاثة متوالية: ذي العقدة وذي الحجة والمحرم أبي بكر وعمر وعثمان ورجب منفرد منها عمر بن عبد العزيز.
وقال حسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر ابن عبد العزيز فقلت سبحان الله ذئب في غنم لا يضرها فقال الراعي إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس.
وقال مالك بن دينار لما ولي عمر عبد العزيز قالت رعاء الشاء: من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة عدله كف الذئاب عن شائناً.
وقال موسى بن أعين: كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد فبينما نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة فقلت ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك فحسبوه فوجدوه مات تلك الليلة.
وقال الوليد بن مسلم: بلغنا أن رجلا كان بخراسان قال: أتاني آت في المنام فقال: إذا قام أشج بني مروان فانطلق فبايعه فإنه إمام عدل فجعلت أسأل كلما قام خليفة حتى قام عمر بن عبد العزيز فأتاني ثلاث مرات في المنام فارتحلت إليه فبايعته.
وعن حبيب بن هند الأسلمي قال: قال لي سعيد بن المسيب: إنما الخلفاء ثلاثة: أبو بكر وعمر وعمر بن عبد العزيز قلت له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما فمن عمر قال إن عشت أدركته إن مت كان بعدك قلت ومات ابن المسيب قبل خلافة عمر.
وقال ابن عون: كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال: نهى عنه إمام الهدى يعني عمر بن عبد العزيز.
وقال الحسن: إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز وإلا فلا مهدي إلا عيسى ابن مريم.
وقال مالك بن دينار: الناس يقولون مالك زاهد إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها.
وقال يونس بن أبي شبيب: شهدت عمر بن عبد العزيز وإن حجزه إزاره لغائبه في عكنه ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت.

(1/95)


وقال ولده عبد العزيز: سألني أبو جعفر المنصور كم كانت غلة أبيك حين أفضت الخلافة إليه قلت: أربعين ألف دينار قال فكم كانت حين توفي؟ قلت أربعمائة دينار ولو بقي لنقصت.
وقال مسلمة بن عبد الملك دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه فإذا عليه قميص وسخ فقلت لفاطمة بنت عبد الملك ألا تغسلون قميصه قالت: والله ما له قميص غيره.
قال أبو أمية الخصي غلام عمر: دخلت يوماً على مولاتي فغدتني عدساً فقلت كل يوم عدس قالت يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين.
قال ودخل عمر الحمام يوماً فأطلى فولي عانته بيده.
قال: ولما احتضر بعثني بدينار إلى أهل الدير وقال: إن بعتموني موضع قبري وإلا تحولت عنكم فأتيتهم فقالوا: لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلناه.
وقال عون بن المعمر: دخل عمر على امرأته فقال يا فاطمة عندك درهم أشتري به عنباً فقالت لا وقالت وأنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنباً قال هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غداً في جهنم.
وقالت فاطمة امرأته: ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه الله حتى قبضه.
وقال سهل بن صدقة: لما استخلف عمر سمع في منزله بكاء فسألوا عن ذلك فقالوا: إن عمر خير جواريه فقال: قد نزل بي أمر قد شغلني عنكم فمن أحب أن أعتقه أعتقته ومن أحب أن امسكه أمسكته وإن لم يكن مني إليها حاجة فبكين إياساً منه قالت فاطمة امرأته: كان إذ دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع.
وقال الوليد بن أبي السائب: ما رأيت أحداً قط أخوف من عمر.
وقال سعيد بن سويد: صلى عمر بالناس الجمعة وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك فلو لبست فنكس ملياً ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة وأفضل العفو عند القدرة.
وقال ميمون بن مهران سمعت عمر يقول: لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت فيكم العدل إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم فأخرج معه طمعاً من الدنيا فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا.
وقال إبراهيم بن ميسرة: قلت لطاوس: هو المهدي يعني عمر بن عبد العزيز قال هو مهدي وليس به إنه لم يستكمل العدل كله.
وقال عمر بن أسيد: والله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول اجعلوا هذا حيث ترون فما يبرح بماله كله قد أغنى عمر الناس.
وقالت جويرية: دخلنا على فاطمة ابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنها فأثنت على عمر بن عبد العزيز وقالت لو كان بقي لنا ما احتجنا بعد إلى أحد.
وقال عطاء بن أبي رباح حدثتني فاطمة امرأة عمر أنها دخلت عليه وهو في مصلاه تسيل دموعه على لحيته فقالت يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال يا فاطمة إني تقلدة من أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أسودها وأحمرها: فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري المجهود والمظلوم المقهور والغريب الأسير والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة فخشيت أن لا تثبت لي حجة فبكيت.
وقال الأوزاعي: إن عمر بن عبد العزيز كان جالساً في بيته وعنده أشراف بني أمية فقال أتحبون أن أولي كل رجل منكم جنداً فقال رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناء وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم فكيف أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم هيهات لكم هيهات فقالوا له لم أمالنا قرابة أمالنا حق قال ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سوءاً إلا رجلا من المسلمين حبسه عني طول شقته.
وقال حميد: أملي علي الحسن رسالة إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ ثم شكا الحاجة والعيال فأمر بعطائه.
وقال الأوزاعي: كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام ثم عاقبه كراهة أن يعجل في أول غضبه.
وقال جويرية بن أسماء: قال عمر بن العزيز: إن نفسي تواقة لم تعط من الدنيا شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه فلما أعطيت ما لا شيء فوقه من الدنيا تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه يعني الجنة.
وقال عمرو بن مهاجر: كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين.

(1/96)


وقال يوسف بن يعقوب الكاهلي: كان عمر يلبس الفروة الكبل وكان سراج بيته على ثلاث قصبات فوقهن طين.
وقال عطاء الخراساني: أمر عمر غلامه أن يسخن له ماء فانطلق فسخن قمقماً في مطبخ العامة فأمر عمر أن يأخذ بدرهم حطباً يضعه في المطبخ.
وقال عمر بن مهاجر: كان عمر يسرج عليه المشعة ما كان في حوائج المسلمين فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها ثم أسرج عليه سراجه.
وقال الحكم بن عمر: كان للخليفة ثلاثمائة حرسي وثلاثمائة شرطي فقال عمر للحرس إن لي عنكم بالقدر حاجزاً وبالأجل حارساً من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليلحق بأهله.
وقال عمرو بن مهاجر: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحاً فأهدى له رجل من أهل بيته تفاحاً فقال: ما أطيب ريحه وأحسنه أرفعه يا غلام للذي أتى به وأقرئ فلاناً السلام وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب فقلت: يا أمير المؤمنين ابن عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية فقال: ويحك إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية وهي لنا اليوم رشوة.
وقال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب أحداً في خلافته غير رجل تناول من معاوية فضربه ثلاثة أسواط.
وقال الأوزاعي لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجري عليهم من أرزاق الخاصة كلموه في ذلك فقال: لن يتسع مالي لكم وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد.
وقال أبو عمر: كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس.
وقال يحيى الغساني: لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقباً فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة فكتب إلى أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصحلهم الله قال يحيى ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقة ونقباً.
وقال رجاء بن حيوة: سمرت ليلة عند عمر فغشي السراج وإلى جانبه وصيف قلت: ألا أننهه قال: لا قلت: أفلا أقوم؟ قال ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه فقام إلى بطة الزيت وأصلح السراج ثم رجع وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.
وقال نعيم كاتبه: قال عمر: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة.
وقال مكحول: لو حلفت لصدقت ما رأيت أزهد ولا أخوف لله من عمر ابن عبد العزيز.
وقال سعيد بن أبي عروبة: كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله.
وقال عطاء: كان عمر بن عبد العزيز يجمع في كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة ثم يبكون حتى كان بين أيديهم جنازة.
وقال عبيد الله بن العيزار: خطبنا عمر بن عبد العزيز بالشام على منبر من طين فقال: أيها الناس أصلحوا أسراركم تصلح علانيتكم واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي لعرق له في الموت والسلام عليكم.
وقال وهيب بن الورد: اجتمع بنو مروان إلى باب عمر بن عبد العزيز فقالوا لابنه عبد الملك: قل لأبيك: إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا وإن أباك قد حرمنا ما في يديه فدخل على أبيه فأخبره فقال لهم إن أبي يقول لكم إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم.
وقال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: خذوا من الرأي ما يصدق من كان قبلكم ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم فإنهم خير منكم وأعلم.
وقال: قدم جرير فطال مقامه بباب عمر بن عبد العزيز ولم يلتفت إليه فكتب إلى عون بن عبد الله وكان خصيصاً بعمر:
يا أيها القارئ المرخي عمامته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أني لدي الباب كالمصفود في قرن
وقال جويرية بن أسماء: لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه بلال بن أبي بردة فهنأه وقال من كانت الخلافة شرفته فقد شرفتها ومن كانت زانته فقد زنتها وأنت كما قال مالك بن أسماء:
وتزيدين أطيب الطيب طيبا ... أن تمسيه أين مثلك أينا
وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا

(1/97)


قال جعونة: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل عمر يثني عليه فقال: يا أمير المؤمنين لو بقي كنت تعهد إليه؟ قال لا قال: ولم وأنت تثني عليه؟ قال أخاف أن يكون زين في عيني منه ما زين في عين الوالد من ولده.
وقال غسان عن رجل من الأزد: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني قال: أوصيك بتقوى الله وإيثاره تخف عنك المؤنة وتحسن لك من الله المعونة.
وقال أبو عمرو: دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز فقام لها ومشى إليها ثم أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها وما ترك لها حاجة إلا قضاها.
وقال الحجاج بن عنبسة: اجتمع بنو مروان فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا بالمزاح فدخلوا فتكلم رجل منهم فمزح فنظر إليه عمر فوصل له رجل كلامه بالمزاح فقال لهذا اجتمعتم؟ لأخس الحديث ولما يورث الضغائن؟ إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث.
وقال إياس بن معاوية بن قرة: ما شبهت عمر بن عبد العزيز إلا برجل صناع حسن الصنعة ليس له أداة يعمل بها يعني لا يجد من يعينه.
وقال عمر بن حفص: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملا من الخير.
وقال يحيى الغساني: كان عمر ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية ويقول: ضمنهم الحبس حتى يحدثوا توبة فآتى سليمان بحروري فقال له سليمان: هيه فقال الحروري: وماذا أقول يا فاسق بن الفاسق فقال سليمان: علي بعمر ابن عبد العزيز فلما جاء قال: اسمع مقالة هذا فأعادها الحروري فقال سليمان لعمر: ماذا ترى عليه؟ فسكت قال: عزمت عليك لتخبرني بماذا ترى عليه قال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك قال ليس الأمر كذلك فأمر به سليمان فضربت عنقه وخرج عمر فأدركه خالد صاحب الحرس فقال يا عمر كيف تقول لأمير المؤمنين ما أرى عليه إلا أن تشتمه كما شتمك؟ والله لقد كنت متوقعاً أن يأمرني بضرب عنقك قال ولو أمرك لفعلت؟ قال إي والله فلما أفضت الخلافة إلى عمر جاء خالد فقام مقام صاحب الحرس فقال عمر يا خالد ضع هذا السيف عنك وقال: اللهم إني قد وضعت لك خالداً فلا ترفعه أبداً ثم نظر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري وقال يا عمرو والله لتعلمن أنه ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام ولكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن ورأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد فرأيتك تحسن الصلاة وأنت رجل من الأنصار خذ هذا السيف فقد وليتك حرسي.
وقال شعيب: حدثت أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه فقال يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك فقال رأيت بدعة فلم تمتها أو سنة فلم تحيها فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيراً يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقاً يكثر فيه الدماء والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمه من دم أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيى فيه سنة؟.
وقال معمر: قال عمر بن عبد العزيز: قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع.
وقال أرطأة بن المنذر: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو اتخدت حرساً واحترزت في طعامك وشرابك فقال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئاً دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي.
وقال عدي بن الفضل سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب فقال اتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب فإنه إن كان لأحدكم رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأته.
وقال أزهر رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وعليه قميص مرقوع.
وقال عبد الله بن العلاء: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب في الجمع بخطبة واحدة يرددها ويفتتحها بسبع كلمات الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ثم يوصي بتقوى الله ويتكلم ثم يختم خطبته الأخيرة بهؤلاء الآيات " يا عبادي الذين أسرفوا " " الزمر: 53 " إلى تمامها.

(1/98)


وقال حاجب بن خليفة البرجمي: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه فهو دين تأخذ به وتنتهي إليه وما سن سواهما فإنا نرجئه.
أسند جميع ما قدمته أبو نعيم في الحلية.
وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد والناس يسلمون عليه ويقولون تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين فيرد عليهم ولا ينكر عليهم.
قلت: هذا أصل حسن للتهنئة بالعيد والعام والشهر.
وأخرج عن جعونة قال: ولى عمر بن عبد العزيز عمرو بن قيس السكوني الصائفة فقال: أقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم ولا تكن في أولهم فتقتل ولا في آخرهم فتفشل ولكن كن وسطاً حيث يرى مكانك ويسمع صوتك.
وأخرج عن السائب بن محمد قال: كتب الجراح بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فكتب إليه عمر أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فقد كذبت بل يصلحهم العدل والحق فأبسط ذلك فيهم والسلام.
وأخرج عن أمية بن زيد القرشي قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا أملى علي كتابه قال: اللهم إني أعوذ بك من شر لساني.
وأخرج عن صالح بن جبير قال: ربما كلمت عمر بن عبد العزيز في الشيء فيغضب فأذكر أن في الكتاب مكتوباً اتق غضبه الملك الشاب فأرفق به حتى يذهب غضبه فيقول لي بعد ذلك: لا يمنعك يا صالح ما ترى منا أن تراجعنا في الأمر إذا رأيته.
وأخرج عن عبد الحليم بن محمد المخزومي قال: قدم جرير بن عطية بن الخطفي علي عمر بن عبد العزيز فذهب ليقول فنهاه عمر فقال: إنما أذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذكره فقال:
إن الذي ابتعث النبي محمداً ... جعل الخلافة للأمير العادل
رد المظالم حقها بيقينها ... عن جورها وأقام ميل المائل
والله أنزل في القرآن فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل
إني لأرجو منك خيراً عاجلا ... والنفس مغرمة بحب العاجل
فقال له عمر: ما أجد لك في كتاب الله حقاً قال: بلى يا أمير المؤمنين إنني ابن سبيل فأمر له من خاصة ماله بخمسين ديناراً.
وفي الطويريات أن جرير بن عثمان الرحبي دخل مع أبيه على عمر بن عبد العزيز فسأله عمر عن حال ابنه ثم قال له علمه الفقه الأكبر قال وما الفقه الأكبر؟ قال القناعة وكف الأذى.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال صف لي العدل فقلت: بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أباً ولكبيرهم ابناً وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك وعاقب الناس على قدر ذنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتعد من العادين.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز كان يتوضأ مما مست النار حتى كان يتوضأ من السكر.
وأخرج عن وهيب أن عمر بن عبد العزيز قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه.
وقال الذهبي: أظهر غيلان القدر في خلافة عمر بن عبد العزيز فاستتابه فقال: لقد كان كنت ضالا فهديتني فقال عمر: اللهم إن كان صادقاً وإلا فاصلبه واقطع يديه ورجليه فنفذت فيه دعوته فأخذ في خلافة هشام بن عبد الملك وقطعت أربعته وصلب بدمشق في القدر.
وقال غيره كان بنو أمية يسبون علي بن أبي طالب في الخطبة فلما ولي عمر ابن عبد العزيز أبطله وكتب إلى نوابه بإبطاله وقرأ مكانه " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " " النحل: 90 " الآية فاستمرت قراءتها في الخطبة إلى الآن.
وقال القالي في أماليه: حدثنا أبو بكر بن الأنباري حدثنا أحمد بن عبيد قال: قال عمر بن عبد العزيز قبل خلافته:
أنه الفؤاد عن الصبا ... وعن انقياد للهوى
فلعمر ربك إن في ... شيب المفارق والجلا
لك واعظاً لو كنت تت ... عظ اتعاظ ذوي النهى
حتى متى لا ترعوي ... وإلى متى وإلى متى؟
ما بعد أن سميت كه ... لا واستلبت اسم الفتى
بلي الشباب وأنت إن ... عمرت رهن للبلى

(1/99)


وكفى بذلك زاجراً ... للمرء عن غي كفى
فائدة: قال الثعالبي في لطائف المعارف: كان عمر بن الخطاب أصلع وعثمان وعلي ومروان بن الحكم وعمر بن عبد العزيز ثم انقطع الصلع عن الخلفاء.
فائدة: قال الزبير بن بكار قال الشاعر في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز:
بنت الخليفة والخليفة جدها ... أخت الخلائف والخليفة زوجها
قال: فلم تكن امرأة تستحق هذا النسب إلى يومنا هذا غيرها.
قلت: ولا يقال في غيرها هذا إلى يومنا هذا.
ذكر مرضه ووفاته
قال أيوب: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو أتيت المدينة فإن مت دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله لأن يعذبني الله بكل عذاب إلا النار أحب إلي من أن يعلم الله مني أني أراني لذلك الموضع أهلا.
وقال وليد بن هشام: قيل لعمر في مرضه: ألا تتداوى؟ فقال لقد علمت الساعة التي سقيت فيها ولو كان شفائي أن أمسح شحمة أذني أو أوتى بطيب فأرفعه إلى أنفي ما فعلت.
وقال عبيد بن حسان: لما احتضر عمر بن العزيز قال: اخرجوا عني فقعد مسلمة وفاطمة على الباب فسمعوه يقول مرحباً بهذه الوجوه ليست بوجوه إنس ولا جان ثم قال " تلك الدار الآخرة " " القصص: 83 " الآية ثم هدأ الصوت فدخلوا فوجدوه قد قبض رضي الله عنه.
وقال هشام: لما جاء نعي عمر بن عبد العزيز قال الحسن البصري: مات خير الناس.
وقال خالد الربعي: إنا نجد في التوراة أن السماوات والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحاً.
وقال يوسف بن ماهك: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا كتاب رق من السماء فيه بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار.
وقال قتادة: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ولي العهد من بعده: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر إلى يزيد بن عبد الملك سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إلا هو أما بعد فإني كتبت وأنا دنف من وجعي وقد علمت أني مسؤول عما وليت يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئاً فإن رضي عني فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطويل وإن سخط علي فيا ويح نفسي إلى ما أصبر أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النار برحمته وأن يمن علي برضوانه والجنة فعليك بتقوى الله الرعية الرعية فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلا والسلام أسند هذا كله أبو نعيم في الحلية.
توفي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بدير سمعان بكسر السين من أعمال حمص لعشر بقين وقيل لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة وله حينئذ تسع وثلاثون سنة وستة أشهر وكانت وفاته بالسم كانت بنو أمية قد تبرموا به لكونه شدد عليهم وانتزع من أيديهم كثيراً مما غصبوه وكان قد أهمل التحرز فسقوه السم.
قال مجاهد: قال لي عمر بن عبد العزيز ما يقول الناس في؟ قلت: يقولون مسحور قال: ما أنا بمسحور وإني لأعلم الساعة التي سقيت فيها ثم دعا غلاماً له: فقال له: ويحك ما حملك على أن تسقيني السم؟ قال: ألف دينار أعطيتها وعلى أن أعتق قال: هاتها قال: فجاء بها فألقاها في بيت المال وقال اذهب حيث لا يراك أحد.
مات في أيامه من الأعلام: أبو أمامة سعد بن سهل بن حنيف وخارجة ابن زيد بن ثابت وسالم بن أبي الجعد وبسر بن سعيد وأبو عثمان النهدي وأبو الضحى وشهر بن حوشب الشامي وحنش بن عبد الله الصنعاني ومسلم ابن يسار البصري وعيسى بن طلحة بن عبد الله القرشي التيمي أحد أشراف قريش وعقلائها وعلمائها.
يزيد بن عبد الملك بن مروان
يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو خالد الأموي الدمشقي.
ولد سنة إحدى وسبعين وولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان كما تقدم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما ولي يزيد قال: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز فأتى بأربعين شيخاً فشهدوا له ما على الخلفاء حساب ولا عذاب.
وقال ابن الماجشون: لما مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد والله ما عمر بأحوج إلى الله مني فأقام أربعين يوماً يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز ثم عدل عن ذلك.

(1/100)


وقال سليم بن بشير: كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين احتضر: سلام عليك أما بعد فإني لا أراني إلا لما بي فالله الله في أمة محمد فإنك تدع الدنيا لمن لا يحمدك وتقضي إلى من لا يعذرك والسلام.
وفي سنة اثنتين خرج يزيد بن المهلب على الخلافة فوجه إليه مسلمة بن عبد الملك ابن مروان فهزم يزيد وقتل وذلك بالعقير موضع بقرب كربلاء.
قال الكلبي: نشأت وهم يقولون: ضحى بنو أمية يوم كربلاء بالدين ويوم العقير بالكرم.
مات يزيد في أواخر شعبان سنة خمس ومائة.
وممن مات في خلافته من الأعلام: الضحاك بن مزاحم وعدي بن أرطاة وأبو المتوكل الناجي وعطاء بن يسار ومجاهد ويحيى بن وثاب مقرئ الكوفة وخالد بن معدان والشعبي عالم العراق وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت وأبو قلابة الجرمي وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري وآخرون.
هشام بن عبد الملك
هشام بن عبد الملك أبو الوليد ولد سنة نيف وسبعين واستخلف بعهد من أخيه يزيد.
قال مصعب الزبيري: رأى عبد الملك في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات فسأل سعيد بن المسيب فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة فكان آخرهم هشام.
وكان هشام حازماً عاقلا كان لا يدخل بيت ماله مالا حتى يشهد أربعون قسامة: لقد أخذ من حقه ولقد أعطى لكل ذي حق حقه.
وقال الأصمعي: أسمع رجل مرة هشاماً كلاماً فقال له يا هذا ليس لك أن تسمع خليفتك.
قال: وغضب مرة على رجل فقال والله لقد هممت أن أضربك سوطاً.
وقال سحبل بن محمد ما رأيت أحداً من الخلفاء أكره إليه الدماء ولا أشد عليه من هشام.
وعن هشام أنه قال: ما بقي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته إلا شيئاً واحداً أخاً أرفع مؤنة التحفظ فيما بيني وبينه.
وقال الشافعي لما بنى هشام الرصافة بقنسرين أحب أن يخلو يوماً لا يأتيه فيه غم فما انتصف النهار حتى أتته ريشة بدم من بعض الثغور فأوصلت إليه فقال ولا يوماً واحداً.
وقيل: إن هذا البيت له ولم يحفظ له سواه:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
مات في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة.
وفي سنة سبع من أيامه فتحت قيصرية الروم بالسيف وفي سنة ثمان فتحت خنجرة على يد البطال الشجاع المشهور وفي سنة اثنتي عشرة فتحت خرشنة في ناحية ملطية.
وممن مات في أيامه من الأعلام: سالم بن عبد الله بن عمر وطاوس وسليمان ابن يسار وعكرمة مولى ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وكثير عزة الشاعر ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وأبو الطفيل عامر بن واثلة الصحابي آخرهم موتاً وجرير والفرزدق وعطية العوفي ومعاوية بن قرة ومكحول وعطاء بن أبي رباح وأبو جعفر الباقر ووهب بن منبه وسكينة بنت الحسين والأعرج وقتادة ونافع مولى ابن عمر وابن عامر مقرئ الشام وابن كثير مقرئ مكة وثابت البناني ومالك بن دينار وابن محيصن المقرئ وابن شهاب الزهري وخلائق آخرون.
ومن أخبار هشام: أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: أراد هشام ابن عبد الملك أن يوليني خراج مصر فأبيت فغضب حتى اختلج وجهه وكان في عينيه الحول فنظر إلي نظر منكر وقال لتلين طائعاً أو لتلين كارهاً فأسكت عن الكلام حتى سكن غضبه فقلت يا أمير المؤمنين أتكلم؟ قال نعم قلت: إن الله قال في كتابه العزيز " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها " " الأحزاب: 72 " الآية فوالله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أبين ولا أكرههن إذ كرهن وما أنا بحقيق أن تغضب على إذ أبيت وتكرهني إذا كرهت فضحك وأعفاني.

(1/101)


وأخرج عن خالد بن صفوان قال: وفدت على هشام بن عبد الملك فقال: هات يا ابن صفوان قلت: إن ملكاً من الملوك خرج متنزهاً إلى الخورنق وكان ذا علم مع الكثرة والغلبة فنظر وقال لجلسائه لمن هذا قالوا للملك قال فهل رأيتم أحداً أعطي مثل ما أعطيت؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة فقال إنك قد سألت عن أمر أفتأذن لي بالجواب قال: نعم قال: أرأيت ما أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثاً وهو زائل عنك إلى غيرك كما صار إليك؟ قال كذا هو قال: فتعجب بشيء يسير لا تكون فيه إلا قليلا وتنقل عنه طويلا فيكون عليك حساباً قال: ويحك فأين المهرب؟ وأين المطلب؟ وأخذته قشعريرة قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة الله بما ساءك وسرك وإما أن تنخلع من ملكك وتضع تاجك وتلقى عنك أطمارك وتعبد ربك قال إني مفكر الليل وأوافيك السحر فلما كان السحر قرع عليه بابه فقال إني اخترت هذا الجبل وفلوات الأرض وقد لبست علي أمساحي فإن كنت لي رفيقاً لا تخالف فلزما الجبل حتى ماتا وفيه يقول عدي بن زيد العبادي:
أيها الشامت المعير بالده ... ر أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأي ... ام بل أنت جاهل ومغرور
من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أبوسا ... سان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال ... روم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجل ... ة تجبى إليه والخابور
شاده مرمراً وجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوماً وللهدي تذكير
سره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرض والدير
فارعوي قلبه وقال وما غب ... طة حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأم ... ة وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق ج ... ف فألوت به الصبا والدبور
قال: فبكى هشام حتى اخضلت لحيته وأمر بابنتيه وطي فرشه ولزم قصره فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا ما أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذته فقال: إليكم عني فإني عاهدت الله أن لا أخلو بملك إلا ذكرته الله تعالى.
الوليد بن يزيد بن عبد الملك
الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة الفاسق أبو العباس.
ولد سنة تسعين فلما احتضر أبوه لم يمكنه أن يستخلفه لأنه صبي فعقد لأخيه هشام وجعل هذا ولي العهد من بعد هشام فتسلم الأمر عند موت هشام في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة وكان فاسقاً شريباً للخمر منتهكاً حرمات الله أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة فمقته الناس لفسقه وخرجوا عليه فقتل في جمادى الآخر سنة ست وعشرين.
وعنه أنه لما حوصر قال: ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع عنكم المؤن؟ ألم أعط فقراءكم؟ فقالوا: ما ننقم عليك في أنفسنا لكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله.
ولما قتل وقطع رأسه وجيء به يزيد الناقص نصبه على رمح فنظر إليه أخوه سليمان بن يزيد فقال: بعداً له أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجناً فاساقاً ولقد راودني على نفسي.
وقال المعافى الجريري: جمعت شيئاً من أخبار الوليد ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من خرقه وسخافته وما صرح به من الإلحاد في القرآن والكفر بالله.
وقال الذهبي: لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة بل اشتهر بالخمر والتلوط فخرجوا عليه لذلك.
وذكر الوليد مرة عند المهدي فقال رجل كان زنديقاً المهدي مه خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق.
وقال مروان بن أبي حفصة: كان الوليد من أجمل الناس وأشدهم وأشعرهم.

(1/102)


وقيل أبو الزناد: كان الزهري يقدح أبداً عند هشام في الوليد ويعيبه ويقول ما يحل لك إلا خلعه فما يستطيع هشام ولو بقي الزهري إلى أن يملك الوليد لفتك به وقال الضحاك بن عثمان: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده فقال الوليد:
كفرت يداً من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن بالفضل والمن
رأيتك تبني جاهداً في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
أراك على الباقين تجني ضغينة ... فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني
كأني بهم يوماً وأكثر قيلهم ... ألا ليت أنا حين يا ليت لا تغني
وقال حماد الراوية كنت يوماً عند الوليد فدخل عليه منجمان فقالا نظرنا فيما أمرتنا فوجدناك تملك سبع سنين قال حماد فأردت أن أخدعه فقلت كذباً ونحن أعلم بالآثار وضروب العلم وقد نظرنا في هذا فوجدناك تملك أربعين سنة فأطرق ثم قال: لا ما قالا يكسرني ولا ما قلت يغرني والله لأجبين المال من حله جباية من يعيش الأبد ولأصرفنه في حقه صرف من يموت الغد.
وقد ورد في مسند أحمد حديث " ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشد على هذه الأمة من فرعون لقومه " .
وقال ابن فضل في الله المسالك: الوليد بن يزيد الجبار العنيد لقباً ما عداه ولقما سلكه فما هداه فرعون ذلك العصر الذاهب والدهر المملوء بالمعائب يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار ويرديهم العار وبئس الورد المورود والمورد المردى في ذلك الموقف المشهود رشق المصحف بالسهام وفسق ولم يخف الآثام.
وأخرج الصولي عن سعيد بن سليم قال: أنشد ابن ميادة الوليد بن يزيد شعره الذي يقول فيه:
فضلتم قريشاً غير آل محمد ... وغير بني مروان أهل الفضائل
فقال له الوليد: أراك قد قدمت علينا آل محمد فقال ابن ميادة: ما أراه يجوز غير ذلك وابن ميادة هذا هو القائل في الوليد أيضاً من قصيدة طويلة:
هممت بقول صادق أن أقوله ... وإني على رغم العداة لقائله
رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً ... شديداً بأعباء الخلافة كاهله
يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد
يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد بن عبد الملك لقب بالناقص لكونه نقص الجند من أعطياتهم وثب على الخلافة وقتل ابن عمه الوليد وتملك.
وأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد وأم فيروز بنت شيرويه بن كسرى وأم شيرويه بنت خاقان ملك الترك وأم أم فيروز بنت قيصر عظيم الروم فلهذا قال يزيد يفتخر:
أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدي وجدي خاقان
قال الثعالبي: أعرق الناس في الملك والخلافة من طرفيه.
ولما قتل يزيد الوليد قام خطيباً فقال أما بعد إني والله ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا طمعاً ولا حرصاً على الدنيا ولا رغبة في الملك وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي ولكن خرجت غضباً لله ولدينه وداعياً إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حين درست معالم الهدى وطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبار المستحل الحرمة والراكب البدعة فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم وأشفقت أن يدعو كثيراً من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه فاستخرت الله في أمري ودعوت من أجابني من أهلي وأهل ولايتي فأراح الله منه البلاد والعباد ولاية من الله ولا حول ولا قوة إلا بالله أيها الناس إن لكم عندي إن وليت أموركم أن لا أضع لبنة على لبنة ولا حجراً على حجر ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغره وأقسم بين مصالحه ما تقوون به فإن فضل فضل رددته إلى البلد الذي يليه حتى تستقيم المعيشة وتكونوا فيه سواء فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم وإن ملت فلا بيعة لي عليكم وإن رأيتم أحداً أقوى مني عليها فأردتم بيعته فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته وأستغفر الله لي ولكم.
وقال عثمان بن أبي العاتكة: أول من خرج بالسلاح في العيدين يزيد بن الوليد خرج يومئذ بين من صفين من الخيل عليهم السلاح من باب الحصن إلى المصلى.
وعن أبي عثمان الليثي قال يزيد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزد في الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل المسكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا.

(1/103)


وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي رحمه الله يقول لما ولي يزيد بن الوليد دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه وقرب أصحاب غيلان.
ولم يمتنع يزيد بالخلافة بل مات من عامه في سابع ذي الحجة فكانت خلافته ستة أشهر ناقصة وكان عمره خمساً وثلاثين سنة وقيل ستاً وأربعين سنة ويقال إنه مات بالطاعون.
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك أبو إسحاق بويع بالخلافة بعد موت أخيه يزيد الناقص فقيل إنه عهد إليه وقيل لا.
قال برد بن سنان: حضرت يزيد بن الوليد وقد احتضر فأتاه قطن فقال: أنا رسول من وراء بابك يسألونك بحق الله لما وليت أمرهم أخاك إبراهيم فغضب فقال أنا أولى بإبراهيم ثم قال: يا أبا العلاء إلى من ترى أعهد؟ قلت أمر نهيتك عن الدخول فيه فلا أشير عليك في آخره قال وأغمي عليه حتى حسبته قد مات فقعد قطن فافتعل كتاباً بالعهد على لسان يزيد ودعا ناساً فاستشهدهم عليه ولا والله ما عهد يزيد شيئاً.
ومكث إبراهيم في الخلافة سبعين ليلة ثم خلع خرج عليه مروان بن محمد وبويع فهرب إبراهيم ثم جاء وخلع نفسه من الأمر وسلمه إلى مروان وبايع طائعاً.
وعاش إبراهيم بعد ذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين فقتل فيمن قتل من بني أمية في وقعة السفاح.
وفي تاريخ ابن عساكر سمع إبراهيم من الزهري وحكى عن عمه هشام وحكى عنه ابنه يعقوب وأمه أم ولد وهو أخو مروان الحمار لأمه.
وكان خلعه يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومائة.
وقال المدائني لم يتم لإبراهيم أمر كان قوم يسلمون عليه بالخلافة وقوم يسلمون عليه بالإمرة وأبى قوم أن يبايعوا له وقال بعض شعرائهم:
نبايع إبراهيم في كل جمعة ... إلا أن أمراً أنت واليه ضائع
وقال غيره كان نقش خاتم إبراهيم إبراهيم يثق بالله.
مروان الحمار
مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية أبو عبد الملك بن محمد بن مروان ابن الحكم ويلقب بالجعدي نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم وبالحمار لأنه كان لا يجف له لبد في محاربة الخارجين عليه.
كان يصل السير بالسير ويصبر على مكاره الحرب ويقال في المثل: فلان أصبر من حمار في الحروب فلذلك لقب به وقيل لأن العرب تسمي كل مائة سنة حماراً فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بالحمار لذلك.
ولد مروان بالجزيرة وأبوه متوليها سنة اثنتين وسبعين وأمه أم ولد.
وولي قبل الخلافة ولايات جليلة وافتتح قونية سنة خمس ومائة.
وكان مشهوراً بالفروسية والإقدام والرجلة والدهاء والعسف فلما قتل الوليد وبلغه ذلك وهو على أرمينية دعا إلى بيعة من رضي المسلمون فبايعوه فلما بلغه موت يزيد أنفق الخزائن وسار فحارب إبراهيم فهزمه وبويع مروان وذلك في نصف صفر سنة سبع وعشرين واستوثق له الأمر فأول ما فعل أمر بنبش يزيد الناقص فأخرجه من قبره وصلبه لكونه قتل الوليد.
ثم أنه لم يتهن بالخلافة لكثرة من خرج عليه منكل جانب إلى سنة اثنتين وثلاثين فخرج عليه بنو العباس وعليهم عبد الله بن علي عم السفاح فسار لحربهم فالتقى الجمعان بقرب الموصل فانكسر مروان فرجع إلى الشام فتبعه عبد الله ففر مروان إلى مصر فتبعه صالح أخو عبد الله فالتقيا بقرية بوصير فقتل مروان بها في ذي الحجة من السنة.
مات في أيامه من الأعلام: السدي الكبير ومالك بن دينار الزاهد وعاصم بن أبي النجود المقري ويزيد بن أبي حبيب وشيبة بن نصاح المقري ومحمد بن المنكدر وأبو جعفر يزيد بن القعقاع مقرئ المدينة وأبو أيوب السختياني وأبو الزناد وهمام بن منبه وواصل بن عطاء المعتزلي.
وأخرج الصولي عن محمد بن صالح قال لما قتل مروان الحمار قطع رأسه ووجه به إلى عبد الله بن علي فنظر إليه وغفل فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضعه فقال عبد الله بن علي لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ذلك.
السفاح أول خلفاء بني العباس
السفاح أول خلفاء بني العباس أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم.
ولد سنة ثمان ومائة وقيل: سنة أربع بالحميمة من ناحية البلقاء ونشأ بها وبويع بالكوفة وأمه ريطة الحارثية.
حدث عن أخيه إبراهيم بن محمد الإمام وروى عنه عمه عيسى بن علي وكان أصغر من أخيه المنصور.

(1/104)


أخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يقال له السفاح فيكون إعطاؤه المال حثياً " .
وقال عبيد الله العيشي قال أبي: سمعت الأشياخ يقولون: والله لقد أفضت الخلافة إلى بني العباس وما في الأرض أحد أكثر قارئاً للقرآن ولا أفضل عابداً ولا ناسكاً منهم.
قال ابن جرير الطبري: كان بدء أمر بني العباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم العباس عمه أن الخلافة تؤول إلى ولده فلم يزل ولده يتوقعون ذلك.
وعن رشدين بن كريب أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية خرج إلى الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال يا ابن عم إن عندي علماً أريد أن أنبذه إليك فلا تطلعن عليه أحداً إن هذا الأمر الذي ترتجيه الناس فيكم قال: قد علمته فلا يسمعنه منك أحد.
وروى المدائني عن جماعة أن الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية ورأس المائة وفتق بإفريقية فعند ذلك تدعو لنا دعاة ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر بعث محمد الإمام رجلا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم ولا يسمى أحداً ثم وجه أبا مسلم الخراساني وغيره وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه ثم لم ينشب أن مات محمد فعهد إلى أبنه إبراهيم فبلغ خبره مروان فسجنه ثم قتله فعهد إلى أخيه عبد الله وهو السفاح فاجتمع إليه شيعتهم وبويع بالخلافة بالكوفة في ثالث ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة وصلى بالناس الجمعة وقال في الخطبة الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فكرمه وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه ثم ذكر قرابتهم في آيات القرآن إلى أن قال فلما قبض الله نبيه قام بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب ومروان فجاروا واستأثروا فأملى الله لهم حيناً حتى آسفوه فانتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض وختم بنا كما افتتح بنا وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا لم تفتروا عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدت في أعطياتكم مائة مائة فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والتأثر المبير.
وكان عيسى بن علي إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول: إن أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم شديدة قلوبهم.
ولما بلغ مروان مبايعة السفاح خرج لقتاله فانكسر كما تقدم ثم قتل وقتل في مبايعة السفاح من بني أمية وجندهم ما لا يحصى من الخلائق وتوطدت له الممالك إلى أقصى المغرب.
قال الذهبي بدولته تفرقت الجماعة وخرج عن الطاعة ما بين تاهرت وطبنة إلى بلاد السودان وجميع مملكة الأندلس وخرج بهذه البلاد من تغلب عليها واستمر ذلك.
مات السفاح بالجدري في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة وكان قد عهد إلى أخيه أبي جعفر وكان في سنة أربع وثلاثين قد انتقل إلا الأنبار وصيرها دار الخلافة.
ومن أخبار السفاح قال الصولي: من كلامه إذا عظمت القدرة قلت الشهوة وقل تبرع إلا معه حق مضاع وقال: إن من أدنياء الناس ووضعائهم من عد البخل حزماً والحلم ذلا وقال إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة والصبر حسن إلا على ما أوقع الدين وأوهن السلطان والأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.
قال الصولي: وكان السفاح أسخى الناس ما وعد عدة فأخرها عن وقتها ولا قام من مجلسه حتى يقضيه وقال له عبد الله بن حسن مرة سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها قط فأمر بها فأحضرت وأمر بحملها معه إلى منزله.
قال: وكان نقش خاتمه الله ثقة عبد الله وبه يؤمن وقل ما يروى له من الشعر.

(1/105)


وقال سعيد بن مسلم الباهلي: دخل عبد الله بن حسن على السفاح مرة والمجلس غاص ببني هاشم والشيعة ووجوه الناس ومعه مصحف فقال يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف قال له إن علياً جدك كان خيراً مني وأعدل ولي هذا الأمر أفأعطي جديك الحسن والحسين وكانا خيراً منك شيئاً وكان الواجب أن أعطيك مثله فإن كنت فعلت فقد أنصفتك وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك فانصرف ولم يحر جواباً وعجب الناس من جواب السفاح.
قال المؤرخون: في دولة بني العباس افترقت كلمة الإسلام وسقط اسم العرب من الديوان وأدخل الأتراك في الديوان واستولت الديلم ثم الأتراك وصارت لهم دولة عظيمة وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام وصار بكل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف ويملكهم بالقهر.
وكان السفاح سريعاً إلى سفك الدماء فأتبعه في ذلك عماله بالمشرق والمغرب وكان مع ذلك جواداً بالمال.
مات في أيامه من الأعلام: زيد بن أسلم وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وربيعة الرأي فقيه أهل المدينة وعبد الملك بن عمير ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي وعبد الحميد الكاتب المشهور قتل بيوصير مع مروان ومنصور ابن المعتمر وهمام بن منبه.
المنصور أبو جعفر عبد الله
المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأمه سلامة البربرية أم ولد ولد سنة خمس وتسعين وأدرك جده ولم يرو عنه وروى عن أبيه وعن عطاء بن يسار وعنه ولده المهدي وبويع بالخلافة بعهد من أخيه وكان فحل بني العباس هيبة وشجاعة وحزماً ورأياً وجبروتاً جماعاً للمال تاركاً اللهو واللعب كامل العقل جيد المشاركة في العلم والأدب فقيه النفس قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه وهو الذي ضرب أبا حنيفة رحمه الله على القضاء ثم سجنه فمات بعد أيام وقيل إنه قتله بالسم لكونه أفتى بالخروج عليه وكان فصيحاً بليغاً مفوهاً خليقاً للإمارة وكان غاية في الحرص والبخل فلقب أبا الدوانيق لمحاسبته العمال والصناع على الدوانيق والحبات.
أخرج الخطيب عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي.
قال الذهبي: منكر منقطع.
وأخرج الخطيب وابن عساكر وغيرهما من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي.
قال الذهبي: إسناده صالح.
وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن محمد بن جابر عن الأعمش عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول منا القائم ومنا المنصور ومنا السفاح ومنا المهدي فأما القائم فتأتيه الخلافة ولم يهرق فيها محجمة من دم وأما المنصور فلا ترد له راية وأما السفاح فهو يسفح المال والدم وأما المهدي فيملؤها عدلا كما ملئت ظلماً.
وعن المنصور قال رأيت كأني في الحرم وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة وبابها مفتوح فنادى مناد أين عبد الله فقام أخي أبو العباس حتى صار على الدرجة فأدخل فما لبث أن خرج ومعه قناة عليها لواء أسود قدر أربعة أذرع ثم نودي أين عبد الله فقمت على الدرجة فأصعدت وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وبلال فعقد لي وأوصاني بأمته وعمني بعمامة فكان كورها ثلاثة وعشرين وقال خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة.
تولى المنصور الخلافة في أول سنة سبع وثلاثين ومائة فأول ما فعل أن قتل أبا مسلم الخراساني صاحب دعوتهم وممهد مملكتهم.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائة كان دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان الأموي إلى الأندلس واستولى عليها وامتدت أيامه وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة وكان عبد الرحمن هذا من أهل العلم والعدل وأمه بربرية.
قال أبو المظفر الأبيوردي: فكانوا يقولون: ملك الدنيا ابنا بربريتين: المنصور وعبد الرحمن بن معاوية.
وفي سنة أربعين شرع في بناء مدينة بغداد.
وفي سنة إحدى وأربعين كان ظهور الراوندية القائلين بالتناسخ قتلهم المنصور وفيها فتحت طبرستان.

(1/106)


قال الذهبي في سنة ثلاث وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج بمكة ومالك الموطأ بالمدينة والأوزاعي بالشام وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن وسفيان الثوري بالكوفة وصنف ابن إسحاق المغازي وصنف أبو حنيفة رحمه الله الفقه والرأي ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب وكثر تدوين العلم وتبويبه ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.
وفي سنة خمس وأربعين كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبد الله ابن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين وكانوا قبل شيئاً واحداً وآذى المنصور خلقاً من العلماء ممن خرج معهما أو أمر بالخروج قتلا وضرباً وغير ذلك منهم أبو حنيفة وعبد الحميد بن جعفر وابن عجلان وممن أفتى بجواز الخروج مع محمد على المنصور مالك بن أنس رحمه الله وقيل له: إن في أعناقنا بيعة للمنصور فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين.
وفي سنة ست وأربعين كانت غزوة قبرس.
وفي سنة سبع وأربعين خلع المنصور عمه عيسى بن موسى من ولاية العهد وكان السفاح عهد إليه من بعد المنصور وكان عيسى هو الذي حارب له الأخوين فظفر بهما فكافأه بأن خلعه مكرهاً وعهد إلى ولده المهدي.
وفي سنة ثمان وأربعين توطدت الممالك كلها للمنصور وعظمت هيبته في النفوس ودانت له الأمصار ولم يبق خارجاً عنه سوى جزيرة الأندلس فقط فإنها غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني لكنه لم يتلقب بأمير المؤمنين بل بالأمير فقط وكذلك بنوه.
وفي سنة تسع وأربعين فرغ من بناء بغداد.
وفي سنة خمسين خرجت الجيوش الخراسانية عن الطاعة مع الأمير أستاذ سيس واستولى على أكثر مدن خراسان وعظم الخطب واستفحل الشر واشتد على المنصور الأمر وبلغ ضريبة الجيش الخراساني ثلاثمائة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل فعمل معهم أجشم المروزي مصافاً فقتل أجشم واستبيح عسكره فتجهز لحربهم خازم بن خزيمة في جيش عرمرم يسد الفضاء فالتقى الجمعان وصبر الفريقان وكانت وقعة مشهورة يقال: قتل فيها سبعون ألفاً وانهزم أستاذ سيس فالتجأ إلى جبل وأمر الأمير خازم في العام الآتي بالأسرى فضربت أعناقهم وكانوا أربعة عشر ألفاً ثم حاصروا أستاذ سيس مدة ثم سلم نفسه فقيدوه وأطلقوا أجناده وكان عددهم ثلاثين ألفاً انتهى.
وفي سنة إحدى وخمسين بني الرصافة وشيدها.
وفي سنة ثلاث وخمسين ألزم المنصور رعيته بلبس القلانس الطوال فكانوا يعلمونها بالقصب والورق ويلبسونها السواد فقال أبو دلامة:
وكنا نرجي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس
تراها على هام الرجال كأنها ... دنان يهود جللت بالبرانس
وفي سنة ثمان وخمسين أمر المنصور نائب مكة بحبس سفيان الثوري وعباد بن كثير فحبسا وتخوف الناس أن يقتلهما المنصور إذا ورد الحج فلم يوصله الله مكة سالماً بل قدم مريضاً ومات وكفاهما الله شره وكانت وفاته بالبطن في ذي الحجة ودفن بين الحجون وبين بئر ميمون وقال سلم الخاسر:
قفل الحجيج وخلفوا ابن محمد ... رهناً بمكة في الضريح الملحد
شهدوا المناسك كلها وإمامهم ... تحت الصفائح محرماً لم يشهد
ومن أخبار المنصور أخرج ابن عساكر بسنده أن أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة فبينما هو يدخل منزلا من المنازل قبض عليه صاحب الرصد فقال: زن درهمين قبل أن تدخل قال: خل عني فإني رجل من بني هاشم قال: زن درهمين فقال: خل عني فإني من بني عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: زن درهمين قال: خل عني فإني رجل قارئ لكتاب الله قال: زن درهمين قال: خل عني فإني رجل عالم بالفقه والفرائض قال: زن درهمين فلما أعياه أمره وزن الدرهمين فرجع ولزم جمع المال والتدنق فيه حتى لقب بأبي الدوانيق.

(1/107)


وأخرج عن الربيع بن يونس الحاجب قال: سمعت المنصور يقول الخلفاء أربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والملوك أربعة: معاوية وعبد الملك وهشام وأنا.
وأخرج عن مالك بن أنس قال: دخلت على أبي جعفر المنصور فقال من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: أبو بكر وعمر قال: أصبت وذلك رأي أمير المؤمنين.
وأخرج عن إسماعيل الفهري قال: سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر عرفة يقول في خطبته: أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه ورشده وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه وقد جعلني الله عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً " " المائدة: 3 " أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ويفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل فإنه سميع مجيب.
وأخرجه الصولي وزاد في أوله أن سبب هذه الخطبة أن الناس بخلوه وزاد في آخره: فقال بعض الناس أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربه.
وأخرج عن الأصمعي وغيره أن المنصور صعد المنبر فقال: الحمد لله أحمده واستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أذكر من أنت في ذكره فقال: مرحباً مرحباً لقد ذكرت جليلا وخوفت عظيماً وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم والموعظة منا بدت ومن عندنا خرجت وأنت يا قائلها فأحلف بالله ما الله أردت بها وإنما أردت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر فاهون بها من قائلها واهتبلها من الله ويلك إني قد غفرتها وإياكم معشر الناس وأمثالها وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فعاد إلى خطبته فكأنما يقرؤها من قرطاس.
وأخرج من طرق أن المنصور قال لابنه المهدي: يا أبا عبد الله الخليفة لا يصلحه إلا التقوى والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة والرعية لا يصلحها إلا العدل وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه.
وقال: لا تبر من أمراً حتى تفكر فيه فإن فكرة العاقل مرآته تريه قبيحه وحسنه.
وقال: أي بني استدم النعمة بالشكر والمقدرة بالعفو والطاعة بالتألف والنصر بالتواضع والرحمة للناس.
وأخرج عن مبارك بن فضالة قال: كنا عند المنصور فدعا برجل ودعا بالسيف فقال المبارك يا أمير المؤمنين سمعت الحسن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة قام مناد من عند الله ينادي ليقم الذين أجرهم على الله فلا يقوم إلا من عفا فقال المنصور خلوا سبيله.
وأخرج عن الأصمعي قال: أتى المنصور برجل يعاقبه فقال يا أمير المؤمنين الانتقام عدل والتجاوز فضل ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين فعفا عنه.
وأخرج عن الأصمعي قال: لقى المنصور أعرابياً بالشام فقال: أحمد الله يا أعرابي الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت قال: إن الله لا يجمع علينا حشفاً وسوء كيل ولايتكم والطاعون.
وأخرج عن محمد بن منصور البغدادي قال: قام بعض الزهاد بين يدي المنصور فقال إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده فأفحم المنصور وأمر له بمال فقال لو احتجت إلى مالك ما وعظتك.
وأخرج عن عبد السلام بن حرب أن المنصور بعث إلى عمرو بن عبيد فجاءه فأمر له بمال فأبى أن يقبله فقال المنصور: والله لتقبلنه فقال: والله لا أقبله فقال له المهدي: قد حلف أمير المؤمنين فقال أمير المؤمنين أقوى على كفارة اليمين من عمك فقال له المنصور: سل حاجتك؟ قال: أسألك أن لا تدعوني حتى آتيك ولا تعطيني حتى أسألك فقال: علمت أني جعلت هذا ولي عهدي فقال: يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول.

(1/108)


وأخرج عن عبد الله بن صالح قال: كتب المنصور إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر فادفعها إلى القائد فكتب إليه سوار: إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر فلست أخرجها من يده إلا ببينة فكتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد فكتب إليه سوار والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجتها من يد التاجر إلا بحق فلما جاءه الكتاب قال ملأتها والله عدلا وصار قضاتي تردني إلى الحق.
وأخرج من وجه آخر أن المنصور وشيء إليه بسوار فاستقدمه فعطس المنصور فلم يشمته سوار فقال ما يمنعك من التشميت؟ قال: لأنك لم تحمد الله فقال: قد حمدت الله في نفسي قال شمتك في نفسي قال: ارجع إلى عملك فإنك إذ لم تحابيني لم تحاب غيري.
وأخرج عن نمير المدني قال: قدم المنصور المدينة ومحمد بن عمران الطلحي على قضائه وأنا كاتبه فاستعدى الجمالون على المنصور في شيء فأمرني أن أكتب إليه بالحضور وإنصافهم فاستعفيت فلم يعفني فكتبت الكتاب ثم ختمته وقال والله لا يمضي به غيرك فمضيت به إلى الربيع فدخل عليه ثم خرج فقال للناس: إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد دعيت إلى مجلس الحكم فلا يقومن معي أحد ثم جاء هو والربيع فلم يقم له القاضي بل حل رداءه واحتبى به ثم دعا بالخصوم فادعوا فقضى لهم على الخليفة فلما فرغ قال له المنصور جزاك الله عن دينك أحسن الجزاء قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار.
وأخرج عن محمد بن حفص العجلي قال: ولد لأبي دلامة ابنة فغدا على المنصور فأخبره وأنشد:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قول لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم ... إلى السماء فأنتم أكرم الناس
ثم أخرج أبو دلامة خريطة فقال المنصور ما هذه قال: اجعل فيها ما تأمر لي به فقال أملؤها له دراهم فوسعت ألفي درهم.
وأخرج عن محمد بن سلام الجمحي قال: قيل للمنصور: هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله قال: بقيت خصلة أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث يقول المستملي من ذكرت رحمك الله قال فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر فقال لستم بهم إنما هم الدنسة ثيابهم المشققة أرجلهم الطويلة شعورهم برد الآفاق ونقله الحديث.
وأخرج عن عبد الصمد بن علي أنه قال للمنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو قال لأن بني مروان لم تبل رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة واليوم خلفاء فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة.
وأخرج عن يونس بن حبيب قال: كتب زياد بن عبد الله الحارثي إلى المنصور يسأله الزيادة في عطائه وأرزاقه وأبلغ في كتابه فوقع المنصور في القصة إن الغني والبلاغة إذا اجتمعنا في رجل أبطرتاه وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك فاكتف بالبلاغة.
وأخرج عن محمد بن سلام قال: رأت جارية المنصور قميصه مرقوعاً فقالت: خليفة وقميصه مرقوع فقال ويحك أما سمعت قول ابن هرمة:
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
وقال العسكري في الأوائل: كان المنصور في ولد العباس كعبد الملك في بني أمية في بخله رأى بعضهم عليه قميصاً مرقوعاً فقال: سبحان من ابتلى أبا جعفر بالفقر في ملكه وحدا به سلم الحادي فطرب حتى كاد يسقط من الراحلة فأجازه بنصف درهم فقال لقد حدوت بهشام فأجازني بعشرة آلاف فقال ما كان له أن يعطيك ذلك من بيت المال يا ربيع وكل به من يقبضها منه فما زالوا به حتى تركه على أن يحدو به ذهاباً وإياباً بغير شيء.
وفي كتاب الأوائل للعسكري: كان ابن هرمة شديد الرغبة في الخمر فدخل على المنصور فأنشده:
له لحظات من خفا في سريرة ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
فأم الذي أمنت آمنة الردى ... وأم الذي حاولت بالثكل ثاكل
فأعجب به المنصور وقال ما حاجتك؟ قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة أن لا يحدني إذا وجدني سكران فقال: لا أعطل حداً من حدود الله قال: تحتال لي فكتب إلى عامله من أتاك بابن هرمة سكران فأجلده مائة واجلد ابن هرمة ثمانين.
فكان العون إذا مر به وهو سكران يقول: من يشتري مائة بثمانين؟ ويتركه ويمضي.

(1/109)


قال: وأعطاه المنصور في هذه المرة عشرة آلاف درهم وقال له: يا إبراهيم احتفظ بها فليس لك عندنا مثلها فقال: إني ألقاك على الصراط بها بختمة الجهبذ.
ومن شعر المنصور وشعره قليل:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا
ولا تمهل الأعداء يوماً بقدرة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي: كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة فأدخلني منزله فقدم إلي طعاماً لا لحم فيه ثم قال: يا جارية عندك حلواء؟ قالت: لا قال: ولا التمر؟ قالت لا فاستلقى وقرأ " عسى ربكم أن يهلك عدوكم " الآية فلما ولي الخلافة وفدت إليه فقال: كيف سلطاني من سلطان بني أمية؟ قلت: ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئاً إلا رأيته في سلطانك فقال إنا لا نجد الأعوان قلت: قال عمر بن عبد العزيز: إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها فإن كان براً أتوه ببرهم وإن كان فاجراً أتوه بفجورهم فأطرق.
ومن كلام المنصور: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثة خلال: إفشاء السر والتعرض للحرم والقدح في الملك أسنده الصولي.
وقال: إذا مد عدوك إليك يده فاقطعها إن أمكنك وإلا فقبلها أسنده أيضاً.
وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: مما يؤثر من ذكاء المنصور أنه دخل المدينة فقال للربيع: أطلب لي رجلا يعرفني دور الناس فجاءه رجل فجعل يعرفه الدور إلا أنه لا يبتدئ به حتى يسأله المنصور فلما فارقه أمر له بألف درهم فطالب الرجل الربيع بها فقال: ما قال لي شيئاً وسيركب فذكره فركب مرة أخرى فجعل يعرفه ولا يرى موضعاً للكلام فلما أراد أن يفارقه قال الرجل مبتدئاً وهذه يا أمير المؤمنين دار عاتكة التي يقول فيها الأخوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى بك الفؤاد موكل
فأنكر المنصور ابتداءه فأمر القصيدة على قلبه فإذا فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فضحك وقال ويلك يا ربيع أعطه ألف درهم.
وأسند الصولي عن إسحاق الموصلي قال: لم يكن المنصور يظهر لندمائه بشرب ولا غناء بل يجلس وبينه وبين الندماء ستارة وبينهم وبينها عشرون ذراعاً وبينهما وبينه كذلك وأول من ظهر للندماء من خلفاء بني العباس المهدي.
وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: قال المنصور لقثم بن العباس ابن عبد الله بن العباس وكان عامله على اليمامة والبحرين: ما القثم؟ ومن أي شيء أخذ فقال لا أدري فقال اسمك اسم هاشمي لا تعرفه أنت والله جاهل قال: فإن رأي أمير المؤمنين أن يفيدنيه قال: القثم الذي ينزل بعد الأكل ويقثم الأشياء: يأخذها ويثلمها.
روي أن المنصور ألح عليه ذباب فطلب مقاتل بن سليمان فسأله لم خلق الله الذباب قال ليذل به الجبارين.
وقال محمد بن علي الخراساني: المنصور أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية بالعربية ككتاب كليلة ودمنة وإقليدس وهو أول من استعمل مواليه على الأعمال وقدمهم على العرب وكثر ذلك بعده حتى زالت رئاسة العرب وقيادتها وهو أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد علي وكان قبل ذلك أمرهم واحداً.

(1/110)


أحاديث من رواية المنصور: قال الصولي: كان المنصور أعلم الناس بالحديث والأنساب مشهوراً بطلبه قال ابن عساكر في تاريخ دمشق حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي حدثنا أبو محمد الجوهري حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن الشخير حدثنا أحمد بن إسحاق أبو بكر الملحمي حدثنا أبو عقيل أنس بن سلم الأنطرطوشي حدثني محمد بن إبراهيم السلمي عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يتختم في يمينه " وقال الصولي: حدثنا محمد بن زكريا اللؤلؤي حدثنا جهم بن السباق الرياحي حدثني بشر بن المفضل سمعت الرشيد يقول: سمعت المهدي يقول سمعت المنصور يقول حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تأخر عنها هلك " وقال الصولي: حدثنا محمد بن موسى حدثنا سليمان بن أبي شيخ حدثنا أبو سفيان الحميري سمعت المهدي يقول حدثني أبي عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أمرنا أميراً وفرضنا له فرضاً فما أصاب من شيء فهو غلول " وقال الصولي: حدثنا جبلة بن محمد حدثنا أبي عن يحيى بن حمزة الحضرمي عن أبيه قال ولأني المهدي القضاء فقال: اصلب في الحكم فإن أبي حدثني عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول الله وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً يقدر أن ينصره فلم يفعل " وقال الصولي: حدثنا محمد بن العباس ابن الفرج حدثني أبي عن الأصمعي حدثني جعفر بن سليمان عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " وقال الصولي: حدثنا أبو إسحاق محمد بن هارون بن عيسى حدثنا الحسن بن عبيد الله الحصبي حدثنا إبراهيم ابن سعيد حدثني المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: لا تسافروا في محاق الشهر ولا إذا كان القمر في العقرب.
مات في أيام المنصور من الأعلام: ابن المقفع وسهيل بن أبي صالح والعلاء ابن عبد الرحمن وخالد بن يزيد المصري الفقيه وداود بن أبي هند وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج وعطاء بن أبي مسلم الخراساني ويونس بن عبيد وسليمان الأحول وموسى بن عقبة صاحب المغازي وعمرو بن عبيد المعتزلي ويحيى بن سعيد الأنصاري والكلبي وأبو إسحاق وجعفر بن محمد الصادق والأعمش شبل بن عباد مقرئ مكة ومحمد بن عجلان المعدني الفقيه ومحمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن جريج وأبو حنيفة وحجاج بن أرطأة وحماد الراوية ورؤبة الشاعر والجريري وسليمان التميمي وعاصم الأحول وابن شبرمة الضبي ومقاتل بن حبان ومقاتل بن سليمان وهاشم بن عروة وأبو عمرو بن العلاء وأشعب الطماع وحمزة بن حبيب الزيات والأوزاعي وخلائق آخرون.
المهدي
أبو عبد الله محمد بن المنصور
المهدي: أبو عبد الله محمد بن المنصور ولد بأيذج سنة سبع وعشرين ومائة وقيل: سنة ست وعشرين وأمه أم موسى بنت منصور الحميرية.
وكان جواداً ممدحاً مليح الشكل محبباً إلى الرعية حسن الاعتقاد تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقاً كثيراً وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين روي الحديث عن أبيه وعن مبارك بن فضالة حدث عنه يحيى بن حمزة وجعفر بن سليمان الضبعي ومحمد بن عبد الله الرقاشي وأبو سفيان سعيد بن يحيى الحميري قال الذهبي وما علمت قيل فيه جرحاً ولا تعديلا.
وأخرج ابن عدي من حديث عثمان مرفوعاً " المهدي من ولد العباس عمي " تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم وكان يضع الحديث وأورد الذهبي هنا حديث ابن مسعود مرفوعاً " المهدي بواطئ أسمه واسمي واسم أبيه اسم أبي " أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.

(1/111)


ولما شب المهدي أمره أبوه على طبرستان وما والاها وتأدب وجالس العلماء وتميز ثم إن أباه عهد إليه فلما مات بويع بالخلافة ووصل الخبر إليه ببغداد فخطب الناس فقال: إن أمير المؤمنين عبد دعي فأجاب وأمر فأطاع واغرورقت عيناه فقال قد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند فراق الأحبة ولقد فارقت عظيماً وقلدت جسيماً فعند الله أحتسب أمير المؤمنين وبه أستعين على خلافة المسلمين أيها الناس أسروا مثل ما تعلنون من طاعتنا نهبكم العافية وتحمدوا العاقبة واخفضوا جناح الطاعة لمن نشر معدلته فيكم وطوى الإصر عنكم وأهال عليكم السلامة من حيث رآه الله مقدما ذلك والله لأفننين عمري بين عقوبتكم والإحسان إليكم.
قال نفطويه: لما حصلت الخزائن في يد المهدي أخذ في رد المظالم فأخرج أكثر الذخائر ففرقها وبر أهله ومواليه.
وقال غيره: أول من هنأ المهدي بالخلافة وعزاه بأبيه أبو دلامة فقال:
عيناي واحدة ترى مسرورة ... بأميرها جذلى وأخرى تذرف
تبكي وتضحك تارة ويسوؤها ... ما أنكرت ويسرها ما تعرف
فيسوءها موت الخليفة محرماً ... ويسرها أن قام هذا الأرأف
ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى ... شعراً أسرحه وآخر ينتف
هلك الخليفة يا لدين محمد ... وأتاكم من بعد من يخلف
أهدى لهذا الله فضل خلافة ... ولذاك جنات النعيم تزخرف
وفي سنة تسع وخمسين بايع المهدي بولاية العهد لموسى الهادي ثم من بعده لهارون الرشيد ولديه.
وفي سنة ستين فتحت أربد من الهند عنوة وفيها حج المهدي فأنهى إليه حجبة الكعبة أنهم يخافون هدمها لكثرة ما عليها من الأستار فأمر بها فجردت واقتصر على كسوة المهدي وحمل إلى المهدي الثلج إلى مكة قال الذهبي لم يتهيأ ذلك لملك قط.
وفي سنة إحدى وستين أمر المهدي بعمارة طريق مكة وبنى بها قصوراً وعمل البرك وأمر بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام وقصر المنابر وصيرها على مقدار منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي سنة ثلاث وستين وما بعدها كثرت الفتوح بالروم.
وفي سنة ست وستين تحول المهدي إلى قصره المسمى بعيساباذ وأمر فأقيم له البريد من المدينة النبوية ومن اليمن ومكة إلى الحضرة بغالا وإبلا قال الذهبي: وهو أول من عمل البريد من الحجاز إلى العراق.
وفيها وفيما بعدها جد المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة.
وفي سنة سبع وستين أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام وأدخل في ذلك دوراً كثيرة.
وفي سنة تسع وستين مات المهدي ساق خلف صيد فاقتحم الصيد خربة وتبعه الفرس فدق ظهره في بابها فمات لوقته وذلك لثمان بقين من المحرم وقيل إنه مات مسموماً وقال سلم الخاسر يرثيه:
وباكية على المهدي عبرى ... كأن بها وما جنت جنونا
وقد خمشت محاسنها وأبدت ... غدائرها وأظهرت القرونا
لئن بلى الخليفة بعد عز ... لقد أبقى مساعي ما بلينا
سلام الله عدة كل يوم ... على المهدي حين ثوى رهينا
تركنا الدين والدنيا جميعاً ... بحيث ثوى أمير المؤمنينا
ومن أخبار المهدي قال الصولي لما عقد المهدي العهد لولده موسى قال مروان بن أبي حفصة:
عقدت لموسى بالرصافة بيعة ... شد الإله بها عرى الإسلام
موسى الذي عرفت قريش فضله ... ولها فضيلتها على الأقوام
بمحمد بعد النبي محمد ... حيي الحلال ومات كل حرام
مهدي أمته الذي أمست به ... للذل آمنه وللإعدام
موسى ولي عهد الخلافة بعده ... جفت بذاك مواقع الأقلام
وقال آخر:
يا بن الخليفة إن أمة أحمد ... تاقت إليك بطاعة أهواؤها
ولتملأن الأرض عدلا كالذي ... كانت تحدث أمة علماؤها
حتى تمنى لو ترى أمواتها ... من عدل حكمك ما ترى أحياؤها
فعلى أبيك اليوم بهجة ملكها ... وغدا عليك إزارها ورداؤها

(1/112)


وأسند الصولي أن امرأة اعترضت المهدي فقال يا عصبة رسول الله صلى الله عليه وسلم انظر في حاجتي فقال المهدي: ما سمعتها من أحد قط أقضوا حاجتها وأعطوها عشرة آلاف درهم.
وقال قريش الختلي: رفع صالح بن عبد القدوس البصري إلى المهدي في الزندقة فأراد قتله فقال أتوب إلى الله وأنشده لنفسه:
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يواري في ثرى رمسه
فصرفه فلما قرب من الخروج رده فقال: ألم تقل والشيخ لا يترك أخلاقه قال: بلى قال فكذلك أنت لا تدع أخلاقك حتى تموت ثم أمر بقتله.
وقال زهير قدم على المهدي بعشرة محدثين: منهم فرج بن فضالة وغياث ابن إبراهيم وكان المهدي يحب الحمام فلما أدخل غياث قيل له حدث أمير المؤمنين فحدثه عن فلان عن أبي هريرة مرفوعاً لا سبق إلا في حافر أو نصل وزاد فيه أو جناح فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم فلما قام قال أشهد أن قفاك قفا كذاب وإنما استجلبت ذلك ثم أمر بالحمام فذبحت.
وروي أن شريكاً دخل على المهدي فقال له لا بد من ثلاث إما أن تلي القضاء أو تؤدب ولدي وتحدثهم أو تأكل عندي أكلة ففكر ساعة ثم قال الأكلة أخف علي فأمر المهدي بعمل ألوان من المخ المعقود بالسكر وغير ذلك فأكل فقال الطباخ لا يفلح بعدها قال حدثهم بعد ذلك وعلمهم العلم وولى القضاء لهم.
وأخرج البغوي في الجعديات عن حمدان الأصبهاني قال كنت عند شريك فأتاه ابن المهدي فاستند وسأل عن حديث فلم يلتفت شريك ثم أعاد فعاد فقال كأنك تستخف بأولاد الخلفاء قال لا ولكن العلم أزيد عند أهله من أن يضيعوه فجثا على ركبتيه ثم سأله فقال شريك هكذا يطلب العلم ومن شعر المهدي ما أنشده الصولي:
ما يكف الناس عنا ... ما يمل الناس منا
إنما همتهم أن ... ينبشوا ما قد دفنا
لو سكنا بطن أرض ... فلكانوا حيث كنا
وهم إن كاشفونا ... في الهوى يوماً مجنا
وأسند الصولي عن محمد بن عمارة قال: كان للمهدي جارية شغف بها وهي كذلك إلا أنها تتحاماه كثيراً فدس إليها من عرف ما في نفسها فقالت أخاف أن يملني ويدعني فأموت فقال المهدي في ذلك:
ظفرت بالقلب مني ... غادة مثل الهلال
كلما صح لها ود ... ي جاءت باعتلال
لا لحب الهجر مني ... والتنائي عن وصال
بل لإبقاء على حب ... ي لها خوف الملال
وله في نديمه عمر بن بزيع:
رب تمم لي نعيمي ... بأبى حفص نديمي
إنما لذة عيشي ... في غناء وكروم
وجوار عطرات ... وسماع ونعيم
قلت: شعر المهدي أرق وألطف من شعر أبيه وأولاده بكثير.
وأسند الصولي عن ابن أبي كريمة قال: دخل المهدي إلى حجرة جارية على غفلة فوجدها وقد نزعت ثيابها وأرادت لبس غيرها فلما رأته غطت بيدها فقصرت كفها عنه فضحك وقال:
نظرت في القصر عيني ... نظرة وافق حيني
ثم خرج فرأى بشاراً فأخبره وقال أجز فقال بشار:
سترته إذ رأتني ... دونه بالراحتين
فبدا لي منه فضل ... تحت طي العكنتين
وأسند عن إسحاق الموصلي قال: كان المهدي في أول أمره يحتجب عن الندماء تشبيهاً بالمنصور نحواً من سنة ثم ظهر لهم فأشير عليه أن يحتجب فقال إنما اللذة مع مشاهدتهم.
وأسند عن مهدي بن سابق قال: صاح رجل بالمهدي وهو في موكبه:
قل للخليفة: حاتم لك خائن ... فخف الإله وأعفنا من حاتم
إن العفيف إذا استعان بخائن ... كان العفيف شريكه في المأتم
فقال المهدي: يعزل كل عامل لنا يدعى حاتماً.
وأسند عن أبي عبيدة قال كان المهدي يصلي بنا الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها فأقيمت الصلاة يوماً فقال أعرابي لست على طهر وقد رغبت في الصلاة خلفك فأمر هؤلاء بانتظاري فقال: انتظروه ودخل المحراب فوقف إلى أن قبل قد جاء الرجل فكبر فعجب الناس من سماحة أخلاقه.

(1/113)


وأسند عن إبراهيم بن نافع أن قوماً من أهل البصرة تنازعوا إليه في نهر من أنهار البصرة فقال: إن الأرض لله في أيدينا للمسلمين فما لم يقع له ابتياع منها يعود ثمنه على كافتهم وفي مصلحتهم فلا سبيل لأحد عليه فقال القوم: هذا النهر لنا بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه قال: " من أحيا أرضاً ميتة فهي له " وهذه موات فوثب المهدي عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حتى ألصق خده بالتراب وقال: سمعت لما قال وأطعت ثم عاد وقال بقي أن تكون هذه الأرض مواتاً حتى لا أعرض فيها وكيف تكون مواتاً والماء المحيط بها من جوانبها فإن أقاموا البينة على هذا سلمت.
وأسند عن الأصمعي قال: سمعت المهدي على منبر البصرة يقول إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته فقال " إن الله وملائكته يصلون على النبي " الآية " الأحزاب 56 " آثره بها من بين الرسل إذ خصكم بها من بين الأمم.
قلت: وهو أول من قال ذلك في الخطبة وقد استسنها الخطباء إلى اليوم.
ولما مات قال أبو العتاهية وقد علقت المسوح على قباب حرمه:
رحن في الموشي وأصبحن ... عليهم المسوح
كل نطاح من الدهر ... له يوم نطوح
لست بالباقي ولو عم ... رت ما عمر نوح
نح على نفسك يا م ... سكين إن كنت تنوح
ذكر أحاديث من رواية المهدي: قال الصولي: حدثني احمد بن محمد ابن صالح التمار حدثنا يحيى بن محمد القرشي حدثنا أحمد بن هشام حدثنا أحمد ابن عبد الرحمن بن مسلم المدائني وهو ثقة صدوق قال سمعت المهدي يخطب فقال: حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن أبي النضرة عن أبي سعيد الخدري قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة من العصر إلى مغيربان الشمس حفظها من حفظها ونسيها من نسيها فقال " إلا إن الدنيا حلوة خضرة " الحديث بطوله.
وقال الصولي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم القزاز حدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن حبيب بن الشهيد حدثني أبو يعقوب بن حفص الخطابي سمعت المهدي يقول حدثني أبي عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه أن وفداً من العجم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أحفوا لحاهم وأعفوا شواربهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " خالفوهم أعفوا لحاكم وأحفوا شواربكم " وإحفاء الشارب أخذ ما سقط على الشفة منه ووضع المهدي يده على أعلى شفته.
وقال منصور بن مزاحم ومحمد بن يحيى بن حمزة عن يحيى بن حمزة قال: صلى بنا المهدي المغرب فجهر بسم الله الرحمن الرحيم فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذا قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهر بسم الله الرحمن الرحيم فقلت للمهدي: نأثره عنك؟ قال: نعم قال الذهبي: هذا إسناد متصل لكن ما علمت أحدا احتج بالمهدي ولا بأبيه في الأحكام تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم وقال ابن عدي: كان يضع الحديث.
قلت: لم ينفرد به بل وجدت له متابعاً مات في أيام المهدي من الأعلام شعبة وابن أبي ذئب وسفيان الثوري وإبراهيم بن ادهم الزاهد وداود الطائي الزاهد وبشار بن برد أول شعراء المحدثين وحماد بن سلمة وإبراهيم بن طهمان والخليل بن أحمد صاحب العروض.
الهادي أبو محمد موسى بن المهدي
الهادي أبو محمد موسى بن المهدي بن المنصور وأمه أم ولد بربرية اسمها الخيزران ولد بالري سنة سبع وأربعين ومائة وبويع بالخلافة بعد أبيه بعهد منه قال الخطيب: ولم يل الخلافة قبله أحد في سنة فأقام فيها سنة وأشهراً وكان أبوه أوصاه بقتل الزنادقة فجد في أمرهم وقتل منهم خلقاً كثيراً وكان يسمى موسى أطبق لأن شفته العليا كانت تقلص فكان أبوه وكل به في صغره خادماً كلما رآه مفتوح الفم قال موسى: أطبق فيفيق على نفسه ويضم شفتيه فشهر بذلك. قال الذهبي: وكان يتناول المسكر ويلعب ويركب حماراً فارهاً ولا يقيم أبهة الخلافة وكان مع ذلك فصيحاً قادراً على الكلام أديباً تعلوه هيبة وله سطوة وشهامة.
وقال غيره: كان جباراً وهو أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة والأعمدة والقسي الموترة فاتبعه عماله به في ذلك وكثر السلاح في عصره.

(1/114)


مات في ربيع الآخر سنة سبعين ومائة واختلف في سبب موته فقيل إنه دفع نديماً له من جرف على أصول قصب قد قطع فتعلق النديم به فوقع فدخلت قصبة في منخره فماتا جميعاً وقيل أصابته قرحة في جوفه وقيل سمته أمه الخيزران لما عزم على قتل الرشيد ليعهد إلى ولده وقيل كانت أمه حاكمة مستبدة بالأمور الكبار وكانت المواكب تغدو إلى بابها فزجرهم عن ذلك وكلمها بكلام وقح وقال: لئن وقف ببابك أمير لأضربن عنقه أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو سبحة فقامت ما تعقل من الغضب فقيل إنه بعث إليها بطعام مسموم فأطعمت منه كلباً فانتثر فعملت على قتله لما وعك بأن غموا وجهه ببساط جلسوا على جوانبه وخلف سبعة بنين. ومن شعر الهادي في أخيه هارون لما امتنع من خلع نفسه:
نصحت لهارون فرد نصيحتي ... وكل امرئ لا يقبل النصح نادم
وأدعوه للأمر المؤلف بيننا ... فيبعد عنه وهو في ذاك ظالم
ولولا انتظاري منه يوماً إلى غد ... لعاد إلى ما قلته وهو راغم
ومن أخبار الهادي أخرج الخطيب عن الفضل قال: غضب الهادي على رجل فكلم فيه فرضى فذهب يعتذر فقال له الهادي إن الرضا قد كفاك مؤنة الاعتذار وأخرج عن عبد الله بن مصعب قال: دخل مروان بن أبي حفصة على الهادي فأنشده مديحاً له حتى إذا بلغ قوله:
تشابه يوماً بأسه ونواله ... فما أحد يدري لأيهما الفضل
فقال له الهادي: أيما أحب إليك ثلاثون ألف معجلة أو مائة ألف تدور في الديوان؟ قال: تعجل الثلاثون ألفاً وتدور المائة ألف قال: بل تعجلان لك جميعاً فحمل له ذلك.
وقال الصولي: لا تعرف امرأة ولدت خليفتين إلا الخيزران أم الهادي والرشيد وولادة بنت العباس العبسية زوج عبد الملك بن مروان ولدت الوليد وسليمان وشاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد بن كسرى ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد الناقص وإبراهيم وولياً الخلافة.
قلت: يزاد على ذلك بأي خاتون سرية المتوكل الأخير ولدت العباس وحمزة وولياً الخلافة وكزل سريته أيضاً ولدت داود وسليمان وولياها.
ثم قال الصولي: لا يعرف خليفة ركب البريد إلا الهادي من جرجان إلى بغداد قال: وكان نقش خاتمه الله ثقة موسى وبه يؤمن.
قال الصولي: ولسلم الخاسر في الهادي يمدحه
موسى المطر ... غيث بكر
ثم انهمر ... ألوى المرر
كم اعتسر ... وكم قدر
ثم غفر ... عدل السير
باقي الأثر ... خير وشر
نفع وضر ... خير البشر
فرع مضر ... بدر بدر
لمن نظر ... هو الوزر
لمن حضر والمف ... تخر لمن غبر
قال: وهذا على جزء جزء مستفعلن مستفعلن وهو أول من عمله ولم نسمع لمن قبله شعراً على جزء جزء.
وأسند الصولي: عن سعيد بن سلم قال: إني لأرجو أن يغفر الله للهادي بشيء رأيته منه حضرته يوماً وأبو الخطاب السعدي ينشده قصيدة في مدحه إلى أن قال:
يا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر
فقال له الهادي: إلا من ويلك قال سعيد: ولم يكن استثنى في شعره فقلت: يا أمير المؤمنين إنما يعني من أهل هذا الزمان ففكر الشاعر فقال:
إلا النبي رسول الله إن له ... فضلا وأنت بذاك الفضل تفتخر
فقال: الآن أصبت وأحسنت وأمر له بخمسين ألف درهم.
وقال المدائني: عزى الهادي رجلاً في ابن له فقال: سرك وهو فتنة وبلية ويحزنك وهو ثواب ورحمة.
وقال الصولي: قال سلم الخاسر في الهادي جامعاً بين العزاء والهناء:
لقد قام موسى بالخلافة والهدى ... ومات أمير المؤمنين محمد
فمات الذي غم البرية فقده ... وقام الذي يكفيك من يتفقد
وقال مروان بن أبي حفصة كذلك:
لقد أصبحت تختال في كل بلدة ... بقبر أمير المؤمنين المقابر
ولو لم تسكن بابنه بعد موته ... لما برحت تبكي عليه المنابر
ولو لم يقم موسى عليها لرجعت ... حنيناً كما حن الصفايا العشائر

(1/115)


حديث من رواية الهادي: قال الصولي: حدثني محمد بن زكريا هو الغلابي حدثني محمد بن عبد الرحمن المكي حدثنا قسورة بن السكن الفهري حدثنا المطلب بن عكاشة المري قال قدمنا على الهادي شهوداً على رجل شتم قريشاً وتخطى إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فجلس لنا مجلساً احضر فيه فقهاء زمانه واحضر الرجل فشهدنا عليه فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه فقال سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه محمد عن أبيه على عن أبيه عبد الله بن عباس قال: من أراد هوان قريش أهانه الله وأنت يا عدو الله لم ترض بأن أردت ذلك من قريش حتى تخطيت إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اضربوا عنقه أخرجه الخطيب من طريق الصولي والحديث هكذا في هذه الرواية موقوف وقد ورد مرفوعاً من وجه آخر.
مات في أيام الهادي من الأعلام نافع قارئ أهل المدينة وغيره.
الرشيد هارون أبو جعفر
الرشيد هارون أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة قال الصولي: هذه الليلة ولد له فيها عبد الله المأمون ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر حدث عن أبيه وعن جده ومبارك بن فضالة وروى عنه ابنه المأمون وغيره وكان من أمير الخلفاء واجل ملوك الدنيا وكان كثير الغزو والحج كما قال فيه أبو المعالي الكلابي:
فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدو على طمر ... وفي ارض الترفه فوق كور
مولده بالري حين كان أبوه أميراً عليها وعلى خراسان في سنة ثمان وأربعين ومائة وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهى أم الهادي وفيها يقول مروان ابن أبي حفصة :
يا خيزران هناك ثم هناك ... أمسى يسوس العالمين ابناك
وكان أبيض طويلاً جميلا مليحاً فصيحاً له نظر في العلم والأدب.
وكان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.
وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص.
وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه سيما إذا وعظ وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة وله شعر.
دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ باحترامه فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك ثم وعظه فأبكاه.
وكان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض.
قال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة فمر هارون فقال فضيل: الناس يكرهون هذا وما في الأرض أعز علي منه لو مات لرأيت أموراً عظاماً.
قال أبو معاوية الضرير: ما ذكرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي وحدثه بحديثه صلى الله عليه وآله وسلم " ووددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحي فأقتل " فبكى حتى انتحب.
وحدثته يوماً حديثاً احتج آدم وموسى وعنده رجل من وجوه قريش فقال القرشي: فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النطع والسيف زنديق يطعن في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال أبو معاوية: فما زلت اسكنه وأقول يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة حتى سكن.
وعن أبي معاوية أيضاً قال أكلت مع الرشيد يوماً ثم صب على يدي رجل لا أعرفه ثم قال الرشيد تدري من يصب عليك قلت لا قال أنا إجلالا للعلم وقال منصور بن عمار: ما رأيت اغزر دمعاً عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر.
وقال عبيد الله القواريري: لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة حدثنا ليث عن مجاهد " وتقطعت بهم الأسباب " " البقرة: 166 " قال الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكي ويشهق.
ومن محاسنه انه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء وأمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك.

(1/116)


قال نفطويه: كان الرشيد يقتفي آثار جده أبي جعفر إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه أعطى مرة سفيان بن عيينة مائة ألف وأجاز إسحاق الموصلي مرة بمائتي ألف وأجاز مروان بن أبي حفصة مرة على قصيدة خمسة آلاف دينار وخلعة وفرساً من مراكبه وعشرة من رقيق الروم.
وقال الأصمعي قال لي الرشيد: يا أصمعي ما أغفلك عنا وأجفاك لنا قلت: يا أمير المؤمنين ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك فسكت فلما تفرق الناس قال ما لاقتني قلت:
كفاك كف ما تليق درهماً ... جوداً وأخرى تعطي بالسيف الدما
فقال: أحسنت وهكذا فكن وقرنا في الملا وعلمنا في الخلا وأمر لي بخمسة آلاف دينار وفي مروج المسعودي قال رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما فقال له يحيى بن خالد البرمكي كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز فتركه.
وقال الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره وزراؤه البرامكة وقاضيه أبو يوسف رحمه الله وشاعره مروان بن أبي حفصة ونديمه العباس بن محمد عم أبيه وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس وأعظمهم ومغنيه إبراهيم الموصلي وزوجته زبيدة.
وقال غيره: كانت أيام الرشيد كلها خير كأنها من حسنها أعراس.
وقال الذهبي: أخبار الرشيد يطول شرحها ومحاسنه جمة وله أخبار في اللهو واللذات المحظورة والغناء سامحه الله.
مات في أيامه من الأعلام مالك بن أنس والليث بن سعد وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة والقاسم بن معن ومسلم بن خالد الزنجي ونوح الجامع والحافظ أبو عوانة اليشكري وإبراهيم بن سعد الزهري وأبو إسحاق الفزاري وإبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي وأسد الكوفي من كبار أصحاب أبي حنيفة وإسماعيل بن عياش وبشر بن المفضل وجرير ابن عبد الحميد وزياد البكائي وسليم المقرئ صاحب حمزة وسيبويه إمام العربية وضيغم الزاهد وعبد الله العمري الزاهد وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس الكوفي وعبد العزيز بن أبي حازم والدراوردي والكسائي شيخ القراء والنحاة ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة كلاهما في يوم وعلي بن مسهر وغنجار وعيسى بن يونس السبيعي والفضيل ابن عياض وابن السماك الواعظ ومروان بن أبي حفصة الشاعر والمعافي ابن عمران الموصلي ومعتمر بن سليمان والمفضل بن فضالة قاضي مصر وموسى بن ربيعة أبو الحكم المصري أحد الأولياء والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني وهشيم ويحيى بن أبي زائدة ويزيد بن زريع ويونس ابن حبيب النحوي ويعقوب بن عبد الرحمن قارئ المدينة وصعصعة ابن سلام عالم الأندلس أحد أصحاب مالك وعبد الرحمن بن القاسم اكبر أصحاب مالك والعباس بن الحنف الشاعر المشهور وأبو بكر ابن عياش المقرئ ويوسف بن الماجشون وخلائق آخرون كبار.
ومن الحوادث في أيامه في سنة خمس وسبعين افترى عبد الله بن مصعب الزبيري على يحيى بن عبد الله بن حسن العلوي انه طلب إليه أن يخرج معه على الرشيد فباهله يحيى بحضرة الرشيد وشبك يده في يده وقال: قل اللهم إن كنت تعلم أن يحيى لم يدعني إلى الخلاف والخروج على أمير المؤمنين هذا فكلني إلى حولي وقوتي واسحتني بعذاب من عندك آمين رب العالمين فتلجلج الزبير وقالها ثم قال يحيى مثل ذلك وقاما فمات الزبيري ليومه.
وفي سنة ست وسبعين فتحت مدينة دبسة على يد الأمير عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح العباسي.
وفي سنة تسع وسبعين اعتمر الرشيد في رمضان ودام على إحرامه إلى أن حج ومشى من مكة إلى عرفات.
وفي سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى وسقط منها رأس منارة الإسكندرية.
وفي سنة إحدى وثمانين فتح حصن الصفصاف عنوة وهو الفاتح له.
وفي سنة ثلاث وثمانين خرج الخزر على أرمينية فأوقعوا بأهل الإسلام وسفكوا وسبوا أزيد من مائة ألف نسمة وجرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله مثله.
وفي سنة سبع وثمانين أتاه كتاب من ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة ريني ملكة الروم.

(1/117)


وصورة الكتاب من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من أموالها أحمالا وذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضباً حتى تمكن أحد أن ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه وتفرق جلساؤه من الخوف واستعجم الرأي على الوزير فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه ثم سار ليومه فلم يزل حتى نازل مدينة هرقل وكانت غزوة مشهورة وفتحاً مبيناً فطلب نقفور الموادعة والتزم بخراج يحمله كل سنة فأجيب فلما رجع الرشيد إلى الرقة نقض الكلب العهد لإياسه من كرة الرشيد في البرد فلم يجترئ أحد أن يبلغ الرشيد نقضه بل قال عبد الله بن يوسف التيمي:
نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه ... غنم أتاك به الإله كبير
وقال أبو العتاهية أبياتاً وعرضت على الرشيد فقال: أوقد فعلها فكر راجعاً في مشقة شديدة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى بلغ مراده وحاز جهاده.
وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
ألا نادت هرقل بالخراب ... من الملك الموفق للصواب
غداً هارون يرعد بالمنايا ... ويبرق بالمذكرة القضاب
ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب
وفي سنة تسع وثمانين فادى الروم حتى لم يبق بممالكهم في الأسر مسلم.
وفي سنة تسعين فتح هرقل وبث جيوشه بأرض الروم فافتتح شراحيل ابن معن بن زائدة حصن الصقالبة وافتتح يزيد بن مخلد ملقونية وسار حميد ابن معيوف إلى قبرس فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفاً.
وفي سنة اثنتين وتسعين توجه الرشيد نحو خراسان فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال: يا صباح لا أحسبك تراني بعدها فقلت: بل يردك الله سالماً ثم قال: ولا أحسبك تدري ما أجد فقلت: لا والله فقال: تعال حتى أريك وانحرف عن الطريق وأومأ إلى الخواص فتنحوا ثم قال: أمانة الله يا صباح أن تكتم علي وكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالي بطنه فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم ولكل واحد من ولدي علي رقيب فمسرور رقيب المأمون وجبريل بن يختيشوع رقيب الأمين ونسيت الثالث ما منهم أحد إلا ويحصي أنفاسي ويعد أيامي ويستطيل دهري فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون فيجيئون به أعجف ليزيد في علتي ثم دعا ببرذون فجاءوا به كما وصف فنظر إلى ثم ركبه وودعني وسار إلى جرجان ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث وتسعين وهو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن مات.
وكان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس وسبعين ولقبه الأمين وله يومئذ خمس سنين لحرص أمه زبيدة على ذلك قال الذهبي: فكان هذا أول وهن جرى في دولة الإسلام من حيث الإمامة ثم بايع لابنه عبد الله من بعد الأمين في سنة اثنتين وثمانين ولقبه المأمون وولاه ممالك خراسان بأسرها ثم بايع لابنه القاسم من بعد الأخوين في سنة ست وثمانين ولقبه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور وهو صبي فلما قسم الدنيا بين هؤلاء الثلاثة قال بعض العقلاء: لقد ألقى بأسهم بينهم وغائلة ذلك تضر بالرعية وقالت الشعراء في البيعة المدائح ثم إنه علق نسخة البيعة في البيت العتيق وفى ذلك يقول إبراهيم الموصلي:
خير الأمور مغبة ... وأحق أمر بالتمام
أمر قضى أحكامه ال ... رحمن في البيت الحرام
وقال عبد الملك بن صالح في ذلك:
حب الخليفة حب لا يدين له ... عاصي الإله وشار يلقح الفتنا
الله قلد هاروناً سياسته ... لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا
وقلد الأرض هارون لرأفته ... بن أميناً ومأموناً ومؤتمنا
قال بعضهم: وقد زوى الرشيد الخلافة عن ولده المعتصم لكونه أمياً فساقها الله إليه وجعل الخلفاء بعده كلهم من ذريته ولم يجعل من نسل غيره من أولاد الرشيد خليفة وقال سلم الخاسر في العهد للأمين:

(1/118)


قل للمنازل بالكثيب الأعفر ... أسقيت غادية السحاب الممطر
قد بايع الثقلان مهدي الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر
قد وفق الله الخليفة إذ بنى ... بيت الخلافة للهجان الأزهر
فهو الخليفة عن أبيه وجده ... شهدا عليه بمنظر وبمخبر
فحشت زبيده فاه جوهراً باعه بعشرين ألف دينار.
فصل في
نبذ من أخبار الرشيد
عفا الله عنه
أخرج السلفي في الطيوريات بسنده عن ابن المبارك قال: لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي فراودها عن نفسها فقالت: لا أصلح لك إن أباك قد طاف بي فشغف بها فأرسل إلى أبي يوسف فسأله أعندك في هذا شيء فقال يا أمير المؤمنين أو كلما ادعت أمة شيئاً ينبغي أن تصدق لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة قال ابن المبارك: لم أدر ممن أعجب من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها قال اهتك حرمة أبيك وقض شهوتك وصيره في رقبتي.
واخرج أيضاً عن عبد الله بن يوسف قال: قال الرشيد لأبي يوسف: إني اشتريت جارية وأريد أن أطأها الآن قبل الاستبراء فهل عندك حيلة قال نعم تهبها لبعض ولدك ثم تتزوجها.
وأخرج عن إسحاق بن راهوية قال: دعا الرشيد أبا يوسف ليلا فأفتاه بأمر له بمائة ألف درهم فقال أبو يوسف إن رأى أمير المؤمنين أمر بتعجيلها قبل الصبح فقال: عجلوها فقال بعض من عنده إن الخازن في بيته والأبواب مغلقة فقال أبو يوسف: فقد كانت الأبواب مغلقة حين دعاني ففتحت.
وأسند الصولي: عن يعقوب بن جعفر قال خرج الرشيد في السنة التي ولى الخلافة فيها حتى غزا أطراف الروم وانصرف في شعبان فحج بالناس آخر السنة وفرق بالحرمين مالا كثيراً وكان رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال له: إن هذا الأمر صائر إليك في هذا الشهر فاغز وحج ووسع على أهل الحرمين ففعل هذا كله.
واسند عن معاوية بن صالح عن أبيه قال: أول شعر قاله الرشيد انه حج سنة ولي الخلافة فدخل داراً فإذا في صدر بيت منها بيت شعر قد كتب على حائط:
ألا يا أمير المؤمنين أما ترى ... فديتك هجران الحبيب كبيرا
فدعا بدواة وكتب تحته بخطه:
بلى والهدايا المشعرات وما مشى ... بمكة مرفوع الأظل حسيرا
واخرج عن سعيد بن مسلم قال: كان فهم الرشيد فهم العلماء أنشده العماني في صفة فرس:
كأن أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلماً محرفا
فقال الرشيد: دع كأن وقل تخال إذنيه حتى يستوي الشعر.
وأخرج عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: حلف الرشيد أن لا يدخل إلى جارية له أياماً وكان يحبها فمضت الأيام ولم تسترضيه فقال:
صد عني إذ رآني مفتتن ... وأطال الصبر لما أن فطن
كان مملوكي فأضحى مالكي ... إن هذا من أعاجيب الزمن
ثم أحضر أبا العتاهية فقال أجزهما فقال:
عزة الحب أرته ذلتي ... في هواه وله وجه حسن
فلهذا صرت مملوكاً له ... ولهذا شاع ما بي وعلن
واخرج ابن عساكر عن ابن علية قال: اخذ هارون الرشيد زنديقاً فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي قال له أريح العباد منك قال فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها ما فيها حرف نطق به قال فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً.؟

(1/119)


وأخرج الصولي عن إسحاق الهاشمي قال كنا عند الرشيد فقال: بلغني أن العامة يظنون في بغض علي بن أبي طالب ووالله ما أحب أحداً حبي له ولكن هؤلاء أشد الناس بغضاً لنا وطعناً علينا وسعياً في فساد ملكنا بعد أخذنا بثأرهم ومساهمتنا إياهم ما حويناه حتى إنهم لأميل إلى بني أمية منهم إلينا فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل والسابقون إلى الفضل ولقد حدثني أبي المهدي عن أبيه المنصور عن محمد بن علي عن أبيه عن ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في الحسن والحسين " من احبهما فقد احبني ومن أبغضهما فقد ابغضني " وسمعه يقول " فاطمة سيدة نساء العالمين غير مريم ابنة عمران وآسية بنة مزاحم " .
روي أن ابن السماك دخل على الرشيد يوماً فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنأك الله تعالى فلما شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتري خروجها قال: بجميع ملكي قال إن ملكاً قيمته شربة ماء وبوله لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديداً.
وقال ابن الجوزي: قال الرشيد لشيبان: غطني قال: لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف فقال الرشيد فسر لي هذا قال: من يقول لك: أنت مسؤول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم صلى الله عليه وسلم فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.
وفي كتاب الأوراق للصولي بسنده لما ولي الرشيد الخلافة استوزر يحيى ابن خالد قال إبراهيم الموصلي:
ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها
تلبست الدنيا جمالا بملكه ... فهارون واليها ويحيى وزيرها
فأعطاه مائة ألف درهم وأعطاه يحيى خمسين ألفاً.
ولداود بن رزين الواسطي فيه:
بهارون لاح النور في كل بلدة ... وقام به في عدل سيرته النهج
إمام بذات الله أصبح شغله ... فأكثر ما يعنى به الغزو والحج
تضيق عيون الخلق عن نور وجهه ... إذا ما بدا للناس منظره البلج
تفسحت الآمال في جود كفه ... فأعطى الذي يرجوه فوق الذي يرجو
وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله: ما أعلم أن الملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رجل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله قال وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين قال ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية فسمعه على ابن طاهر ابن عوف ولا أعلم لهما ثالثاً.
ولمنصور النمري فيه:
جعل القرآن إمامه ودليله ... لما تخيره القرآن ذماما
وله فيه قصيدة:
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع
ويقال: إنه أجازه عليها بمائة ألف.
وقال الحسين بن فهم: كان الرشيد يقول: من أحب ما مدحت به إلي:
أبو أمين ومأمون ومؤتمن ... أكرم به والداً براً وما ولدا
وقال إسحاق الموصلي دخلت على الرشيد فأنشدته:
وآمره بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئاً أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرماً ... ومالي كما تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل
فقال: لا كيف إن شاء الله يا فضل أعطه مائة ألف درهم لله در أبيات يأتينا بها ما أجود أصولها وأحسن فصولها فقلت: يا أمير المؤمنين كلامك أحسن من شعري فقال: يا فضل أعطه مائة ألف أخرى.
وفي الطيوريات بسنده إلى إسحاق الموصلي قال: قال أبو العتاهية لأبى النواس البيت الذي مدحت به الرشيد لوددت أني كنت سبقتك به إليه:
قد كنت خفتك ثم أمنني ... من أن أخافك خوفك الله

(1/120)


وقال محمد بن على الخرساني: الرشيد أول خليفة لعب بالصوالجة والكرة ورمى النشاب في البرجاس وأول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس.
وقال الصولي هو أول من جعل للمغنين مراتب وطبقات.
ومن شعر الرشيد يرثى جاريته هيلانة أورده الصولي:
قاسيت أوجاعاً وأحزانا ... لما استخص الموت هيلانا
فارقت عيشي حين فارقتها ... فما أبالي كيف ما كانا
كانت هي الدنيا فلما ثوت ... في قبرها فارقت دنيانا
قد كثر الناس ولكنني ... لست أرى بعدك إنسانا
والله لا أنساك ما حركت ... ريح بأعلى نجد أغصانا
وله أيضاً أنشده الصولي:
يا ربة المنزل بالفرك ... وربة السلطان والملك
ترفقي بالله في قتلنا ... لسنا من الدليم والترك
مات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان ودفن بها في ثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وله خمس وأربعون سنة وصلى عليه ابنه صالح.
قال الصولي: خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار ومن الأثاث والجواهر والورق والدواب ما قيمته ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار.
وقال غيره: غلط جبريل بن بختيشوع على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته فهم أن يفصل أعضاءه فقال أنظرني إلى غد فإنك تصبح في عافية فمات ذلك اليوم وقيل إن الرشيد رأى مناماً أنه يموت بطوس فبكى وقال احفروا لي قبراً فحفر له ثم حمل في قبة على جمل وسيق به حتى نظر إلى القبر فقال يا ابن آدم تصير إلى هذا وأمر قوماً فنزلوا فختموا فيه ختمة وهو في محفة على شفير القبر ولما مات بويع لولده الأمين في العسكر وهو حينئذ ببغداد فأتاه الخبر فصلى الناس الجمعة وخطب ونعى الرشيد إلى الناس وبايعوه وأخذ رجاء الخادم البرد والقضيب والخاتم وسار على البريد في اثني عشر يوماً من مرو حتى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة فدفع ذلك إلى الأمين ولأبي الشيص يرثي الرشيد:
غربت في الشرق شمس ... فلها عيني تدمع
ما رأينا قط شمساً ... غربت من حيث تطلع
وقال أبو النواس جامع بين العزاء والهناء:
جرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في مأتم وفي عرس
القلب يبكي والعين ضاحكة ... فنحن في وحشة وفي أنس
يضحكنا القائم الأمين ويب ... كينا وفاة الإمام بالأمس
بدران بدر أضحى ببغداد في ال ... خلد وبدر بطوس في الرمس
ومما رواه الرشيد من الحديث قال الصولي: حدثنا عبد الرحمن بن خلف حدثني جدي الحصين بن سليمان الضبي سمعت الرشيد يخطب فقال في خطبته حدثني مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اتقوا الله ولو بشق تمرة " حدثني محمد بن علي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " نظفوا أفواهكم فإنها طريق القرآن " .
الأمين محمد أبو عبد الله

(1/121)


الأمين محمد أبو عبد الله بن الرشيد كان ولي عهد أبيه فولي الخلافة بعده وكان من أحسن الشباب صورة أبيض طويلا جميلا ذا قوة مفرطة وبطش وشجاعة ومعرفة يقال إنه قتل مرة أسداً بيده وله فصاحة وبلاغة وأدب وفضيلة لكن كان سيئ التدبير كثير التبذير ضعيف الرأي أرعن لا يصلح للإمارة فأول ما بويع بالخلافة أمر ثاني يوم ببناء ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة ثم في سنة أربع وتسعين عزل أخاه القاسم عما كان الرشيد ولاه ووقعت الوحشة بينه وبين أخية المأمون وقيل إن الفضل بن الربيع علم أن الخلافة إذا أفضت إلى المأمون لم يبق عليه فأغرى الأمين به وحثه على خلعه وأن يولي العهد لابنه موسى ولما بلغ المأمون عزل أخيه القاسم قطع البريد عن الأمين وأسقط اسمه من الطرز والضرب ثم إن الأمين أرسل إليه يطلب منه أن يقدم موسى على نفسه ويذكر أنه قد سماه الناطق بالحق فرد المأمون ذلك وأباه وخامر الرسول معه وبايعه بالخلافة سراً ثم كان يكتب إليه بالأخبار ويناصحه من العراق ولما رجع وأخبر الأمين بامتناع المأمون أسقط اسمه من ولاية العهد وطلب الكتاب الذي كتبه الرشيد وجعله بالكعبة فأحضره ومزقه وقويت الوحشة ونصح الأمين أولو الرأي وقال له خزيمة بن حازم يا أمير المؤمنين لن ينصحك من كذبك ولن يغشك من صدقك ولا تجزئ القواد على الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا ببيعتك وعهدك فإن الغادر مغلول والناكث مخذول فلم ينتصح وأخذ يستميل القواد بالعطاء وبايع بولاية العهد لابنه موسى ولقبه الناطق بالحق وهو إذ ذاك طفل رضيع فقال بعض الشعراء في ذلك:
أضاع الخلافة غش الوزير ... وفسق الأمير وجهل المشير
لواط الخليفة أعجوبة ... وأعجب منه حلاق الوزير
فهذا يدوس وهذا يداس ... كذاك لعمري خلاف الأمور
فلو يستعفان هذا بذاك ... لكانا بعرضة أمر ستير
وأعجب من ذا وذا أننا ... نبايع للطفل فينا الصغير
ومن ليس يحسن غسل استه ... ولم يخل من بوله حجر ظير
وما ذاك إلا بفضل وبكر ... يريدان طمس الكتاب المنير
وما ذان لولا انقلاب الزما ... ن في العير هذان أو في النفير
ولما تيقن المأمون خلعه وتسمى بإمام المؤمنين وكوتب بذلك وولى الأمين علي بن عيسى بن ماهان بلاد الجبال همذان ونهاوند وقم وأصبهان في سنة خمس وتسعين فخرج علي بن عيسى من بغداد في نصف جمادى الآخرة ومعه الجيش لقتال المأمون في أربعين ألفاً في هيئة لم ير مثلها وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه فأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين في أقل من أربعة آلاف فكانت الغلبة له وذبح علي وهزم جيشه وحملت رأسه إلى المأمون فطيف بها في خراسان وسلم على المأمون بالخلافة وجاء الخبر الأمين وهو يتصيد السمك فقال للذي أخبره ويلك دعني فإن كوثراً صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئاً بعد وقال عبد الله بن صالح الجرمي: لما قتل علي أرجف الناس ببغداد إرجافاً شديداً وندم الأمين على خلعه أخاه وطمع الأمراء فيه وشغبوا جندهم لطلب الأرزاق من الأمين واستمر القتال بينه وبين أخيه وبقي أمر الأمين كل يوم في الأدبار لانهماكه في اللعب والجهل وأمر المأمون في ازدياد إلى أن بايعه أهل الحرمين وأكثر البلاد بالعراق وفسد الحال على الأمين جداً وتلف أمر العسكر ونفذت خزائنه وساءت حال الناس بسبب ذلك وعظم الشر وكثر الخراب والهدم من القتال ورمي المجانيق والنفط حتى درست محاسن بغداد وعملت فيها المراثي ومن جملة ما قيل في بغداد:
بكيت دماً على بغداد لما ... فقدت غضارة العيش الأنيق
أصابتها من الحساد عين ... فأفنت أهلها بالمنجنيق
ودام حصار بغداد خمسة عشر شهراً ولحق غالب العباسيين وأركان الدولة بجند المأمون ولم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلا غوغاء بغداد والحراشفة إلى أن استهلت سنة ثمان وتسعين فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسيف قسراً فخرج الأمين وأهله من القصر إلى مدينة المنصور وتفرق عامة جنده وغلمانه وقل عليهم القوت والماء.

(1/122)