صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


بسم الله الرحمن الرحيم ـ و صلى الله على سيدنا و مولانا محمد و على آله و صحبه و سلم ـ الكتاب الثالث في أخبار البربر و الامة الثانية من أهل المغرب و ذكر أوليتهم و أجيالهم و دولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد و نقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم
هذا الجيل من الآدميين هم سكان المغرب القديم ملؤا البسائط و الجبال من تلوله و أريافه و ضواحيه و أمصاره يتخذون البيوت من الحجارة و الطين و من الخوص و الشجر و من الشعر و الوبر و يظعن أهل العز منهم و الغلبة لانتجاع المراعي فيما قرب من الرحلة لا يجاوزون فيها الريف إلى الصحراء و القفار الأملس و مكاسبهم الشاء و البقر و الخيل في الغالب للركوب و النتاج و ربما كانت الإبل من مكاسب أهل النجعة منهم شأن العرب و معاش المستضعفين منهم بالفلح و دواجن السائمة و معاش المعتزين أهل الانتجاع و الأظعان في نتاج الإبل و ظلال الرماح و قطع السابلة و لباسهم و أكثر أثاثهم من الصوف يشتملون الصماء و بالأكسية المعلمة و يفرغون عليه البرانس الكحل و رؤسهم في الغالب حاسرة و ربما يتعاهدونها بالحلق و لغتهم من الرطانة الأعجمية متميزة بنوعها و هي التي اختصوا من أجلها بهذا الإسم
يقال : إن أفريقش بن قيس بن صيفي من ملوك التبابعة لما غزا المغرب و أفريقية و قتل الملك جرجيس و بنى المدن و الأمصار و باسمه زعموا سميت أفريقية لما رأى هذا الجيل من الأعاجم و سمع رطانتهم و وعى اختلافها و تنوعها تعجب من ذلك و قال : ما أكثر بربرتكم فسموا بالبربر و البربرة بلسان العرب هي اختلاط الأصوات غير مفهومة و منه يقال بربر الأسد إذا زأر بأصوات غير مفهومة
و أما شعوب هذا الجيل و بطونهم فإن علماء النسب متفقون على أنهم يجمعهم جذمان عظيمان و هما برنس و ماذغيس و يلقب ماذغيس بالأبتر فلذلك يقال لشعوبه البتر و يقال لشعوب برنس البرانس و هما معا إبنا برنس و بين النسابين خلاف هل هما لأب و احد ؟ فذكر ابن حزم عن أيوب بن أبي يزيد صاحب الحمار أنهما لأب واحد على ما حدثه عنه يوسف الوراق و قال سالم بن سليم المطماطي و صابى بن مسرور الكومي و كهلان بن أبي لوا و هم نسابة البربر : إن البرانس بتر و هم من نسل مازيغ بن كنعان و البتر بنو بر بن قيس بن عيلان و ربما نقل ذلك عن أيوب بن أبي يزيد إلا أن رواية ابن حزم أصح لأنه أوثق
( و أما ) شعوب البرانس فعند النسابين أنهم يجمعهم سبعة أجذام و هي ازداجة و مصمودة و أوربة و عجيسة و كتامة و صنهاجة و أوريغة و زاد سابق بن سليم و أصحابه : لمطة و هسكورة و كزولة و قال أبو محمد بن حزم : يقال إن صنهاج و لمط إنما هما إبنا امرأة يقال لها بصكي و لا يعرف لهما أب تزوجها أوريغ فولدت له هوار فلا يعرف لهما أكثر من أنهما أخوان لهوار من أمه قال : و زعم قوم من أوريغ أنه ابن خبوز بن المثنى بن السكاسك من كندة و ذلك باطل
و قال الكلبي : إن كتامة و صنهاجة ليستا من قبائل البربر و إنما هما من شعوب اليمانية تركهما أفريقش بن صيفي بأفريقية مع من نزل بها من الحامية هذه جماع مذاهب أهل التحقيق في شأنهم فمن ازداجة مسطاطه ومن مصمودة غمارة بنو غمار بن مصطاف بن مليل بن مصمود ومن أوريغة هوارة و ملك و مغد و قلدن فمن هوار بن أوريغ مليلة و بنو كهلان و من ملك بن أوريغ صطط و ورفل واسيل و مسراتة و يقال لجميعهم لهانة بنو لهان بن ملك و يقال إن مليلة منهم و من مغد بن أوريغ ماواس و زمور و كبا و مصراي ومن قلدن بن أوريغ ممصاتة و ورسطيف و بيانة و فل مليلة
( و أما شعوب البتر ) و هم بنو مادغيس الأبتر فيجمعهم أربعة أجذام أداسة و نفوسة و ضرية وبنو لوا الأكبر و كلهم بنو زحيك بن مادغيس فأما أداسة بنو أداس بن زحيك فبطونهم كلها في هوارة لأن أم أداس تزوجها بعد زحيك أوريغ ابن عمه برنس والد هوارة فكان أداس أخا لهوارة و دخل نسب بنيه كلهم في هوارة و هم سفارة و اندارة و هنزولة و ضرية و هداغة و أوطيطة و ترهتة هؤلاء كلهم بنو أداس بن زحيك بن باذغيس و هم اليوم في هوارة
و أما لو الأكبر فمنه بطنان عظيمان و هما نفزاوة بنو نفزا و ابن الأكبر و لواتة بنو لو الأصغر ابن لوا الأكبر فخلفه أبوه حملا فسمي به فمن لواته أكوزة و عتروزة و بنو فاصلة ابن لوا الأصغر و منهم مزاته بنو زاير بن لوا الأصغر و مغانة و جدانة بنو كطوف بن لوا الأصغر
و من لواتة سرداتة بنو نيطط بن لوا الأصفر و دخل نسب سرداتة في مغراوة قال أبو محمد بن حزم :
كان مغراوة تزوج أم سرداتة فسار سرداته أخا بني مغراوة لأمهم و اختلط نسبه بهم و من نفزاوة أيضا بطون كثيرة و هم و لهاصة و غساسة و زهلة و سوماتة و ورسيف و مرنيزة و زاتيمة و وركول و مرسينة و وردغروس و وردن كلهم بنو تطوفت من نفزاوة
و زاد ابن سابق و أصحابه مجر و مكلاتة و قال : و يقال إن مكلاتة ليس من البربر و أنه من حمير وقع إلى تطوفت صغيرا فتبناه و هو مكلا بن ريمان بن كلاع حاتم بن سعد بن حمير و لو لهاصة من نفزاوة بطون كثيرة من بيزغاش و دحية إبني ولهاص فمن بيزغاش بطون و رمجوسة و هم : رجال و طو وبورغيش و وانجذ و كرطيط و ما أنجول و سينتت بنو رفجوم بن بيزغاش بن ولهاص ابن تطوفت بن نغزاو
قال ابن سابق و أصحابه : و بنو بيزغاش من لواتة كلهم بجبال أوراس و من دحية و رترين و تريرو و رتبونت و مكرا و لقوس بنو دحية بن ولهاص بن تطوفت بن نغزاو و أما ضرية و هم بنو ضري بن زحيك بن مادغيس الأبتر فيجمعهم جذمان عظيمان : بنو تمصيت بن ضري و بنو يحيى بن ضري
و قال سابق و أصحابه أن بطون تمصيت كلها من فاتن بن تمصيت و أنهم اختصوا بنسب ضرية دون بطون يحيى فمن بطون تمصيت مطماطة و صطفورة و هم لحومية و للماية و مطغرة و مرينة و مغيلة و معزوزة و كشاتة و دونة و مديونة كلهم بنو فاتن بن تمصيت بن ضري و من بطون يحيى : زناتة كلهم و سمكان و ورصطف
فمن ورصطف : مكناسة و أوكتة و ورتناج بنو ورصطف بن يحيى فمن مكناسة و رثيفة و وربر و من معليت قنصارة و موالات و حرات و رفلابس و من ملزلولاين و لرتر و يصلتن و جرير و فرغان و من روتناج مكنسة و مطاسة و كرسطة و سردجة و هناطة و فولان بنو ورتناج بن صطف و من سمكان زواغة و زواوة بنو سمكان بن يحيى و عن ابن حزم بعد زواوة التي بالواو في كتامة و هو أظهر و يشهد له الوطن
فالغالب أن زواوة بنو سمكان بن يحيى و عن ابن حزم : بعد زواوة التي بالواو في بطون كتامة و التي تعد في سمكان هي التي بالزاي و هي قبيلة معروفة و من زواغة بنو ماجر و بنو واطيل و سمكين و سيأتي الكلام فيهم مستوفي عند ذكرهم إن شاء الله تعالى
هذا آخر الكلام في شعوب هذا الجيل مجملا و لا بد من تفصيل فيه عند تفصيل أخبارهم
و أما إلى من يرجع نسبهم من الأمم الماضية فقد اختلف النسابون في ذلك اختلافا كثيرا و بحثوا فيه طويلا فقال بعضهم : أنهم من ولد إبراهيم عليه السلام من نقشان إبنه و قد تقدم ذكره عند ذكر إبراهيم عليه السلام و قال آخرون :
البربر يمنيون و قالوا أوزاع من اليمن و قال المسعودي : من غسان و غيرهم تفرقوا عندما كان من سيل العرم و قيل : تخلفهم أبرهة ذو المنار بالمغرب و قيل من لخم و جذام كانت منازلهم بفلسطين و أخرجهم منها بعض ملوك فارس فلما وصلوا إلى مصر منعتهم ملوك مصر النزول فعبروا النيل و انتشروا في البلاد و قال أبو عمر بن عبد البر : ادعت طوائف من البربر أنهم من ولد النعمان بن حمير بن سبأ قال :
و رأيت في كتاب الاسفنداد الحكيم : أن النعمان بن حمير بن سبأ كان ملك زمانه في الفترة و أنه استدعى أبناءه و قال لهم : أريد أن أبعث منكم للمغرب من يعمره فراجعوه في ذلك و زعم عليهم و أنه بعث منهم لمت أبا لمتونة و مسفو أبا مسوفة و مرطا أبا هسكورة و أصناك أبا صنهاجة و لمط أبا لمطة و إيلان أبا هيلانه فنزل بعضهم بجبل درن و بعضهم بالسوس و بعضهم بدرعه
و نزل لمط عند كزول و تزوج إبنته و نزل جانا و هو أبو زناتة بوادي شلف و نزل بنو ورتجين و مغراو بأطراف أفريقية من جهة المغرب و نزل مقرونك بمقربة من طنجة
و الحكاية أنكرها أبو عمرو بن عبد البر و أبو محمد بن حزم و قال آخرون إنهم كلهم من قوم جالوت و قال علي بن عبد العزيز الجرجاني النسابة في كتاب الأنساب له : لا أعلم قولا يؤدي إلى الصحة إلا قول من قال إنهم من ولد جالوت و لم ينسب جالوت ممن هو و عند ابن قتيبة أنه و نور بن هربيل بن حديلان بن جالود بن رديلان بن حظي بن زياد بن زحيك بن مادغيس الأبتر و نقل عنه أيضا أنه جالوت بن هريال بن جالود بن دنيال بن قحطان بن فارس قال : و فارس مشهور و سفك أبو البربر كلهم قالوا : و البربر قبائل كثيرة و شعوب جمة و هي هوارة و زناتة و ضرية و مغيلة و زيحوحة و نفزة و كتامة و لواتة و غمارة و مصمودة و صدينه و يزدران و دنجين و صنهاجة و مجكسة و واركلان و غيرهم و ذكر آخرون منهم الطبري و غيره أن البربر أخلاط من كنعان و العماليق فلما قتل جالوت تفرقوا في البلاد و أغزى أفريقش المغرب و نقلهم من سواحل الشام و أسكنهم أفريقية و سماهم بربر و قيل إن البربر من ولد حام بن نوح بن بربر بن تملا بن مازيغ بن كنعان بن حام و قال الصولي : هم من ولد بربر من كسلاجيم بن مسراييم بن حام و قيل من العمالقة من بربر بن تملا بن مارب بن قاران بن عمر بن عملاق بن لاود بن إرم بن سام و على هذا القول فهم عمالقة و قال مالك بن المرحل : البربر قبائل شتى من حمير و مضر و القبط و العمالقة و كنعان و قريش تلاقوا بالشام و لغطوا فسماهم أفريقش البربر لكثرة كلامهم و سبب خروجهم عند المسعودي و الطبري و السهيلي :
أن أفريقش استجاشهم لفتح أفريقية و سماهم البربر و ينشدون من شعره :
( بربرت كنعان لما سقتها ... من أراضي الضنك للعيش الخصيب )
و قال ابن الكلبي : اختلف الناس فيمن أخرج البربر من الشام فقيل داود بالوحي قيل : يا داود أخرج البربر من الشآم فانهم جذام الأرض و قيل يوشع بن نون و قيل أفريقش و قيل بعض الملوك التبابعة و عند البكري أن بني إسرائيل أخرجوهم عند قتل جالوت و للمسعودي و البكري أنهم فروا بعد موت جالوت إلى المغرب و أرادوا مصر فأجلتهم القبط فسكنوا برقة و أفريقية و المغرب على حرب الإفرنج و الأفارقة و أجازوهم على صقلية و سردانية و ميورقة و الأندلس ثم اصطلحوا على أن المدن للإفرنجة و سكنوا القفار عصورا في الخيام و انتجاع الأمصار من الإسكندرية إلى البحر و إلى طنجة و السوس حتى جاء الاسلام و كان منهم من تهود و من تنصر و آخرون مجوسا يعبدون الشمس و القمر و الأصنام و لهم ملوك و رؤساء و كان بينهم و بين المسلمين حروب مذكورة و قال الصولي البكري أن الشيطان نزغ بين بني حام و بني سام فانجلى بنو حام إلى المغرب و نسلوا به و قال أيضا إن حام لما اسود بدعوة أبيه فر إلى المغرب حياء و اتبعه بنوه و هلك عن أربعمائة سنة و كان من ولده بربر بن كسلاجيم فنسل بنوه بالمغرب قال : و انضاف إلى البربر حيان من المغرب يمنيان عند خروجهم من مأرب كتامة و صنهاجة قال : و هوارة و لمطة و لواتة بنو حمير بن سبأ و قال هانىء بن بكور الضريسي و سابق بن سليمان المطماطي و كهلان بن أبي لؤي و أيوب بن أبي يزيد و غيرهم من نسابة البربر أن البربر فرقتان كما قدمناه و هما :
البرانس و البتر فالبتر من ولد بر بن قيس بن عيلان و البرانس بنو بربر سحو بن أبزج بن جمواح بن ويل بن شراط بن ناح بن دويم بن داح بن ماريغ بن كنعان بن حام و هذا هو الذي يعتمده نسابة البربر قال الطبري : خرج بربر بن قيس ينشد ضالة بأحياء البربر و هي جارية و تزوجها فولدت و عند غيره من نسابة البربر أنه خرج فارا من أخيه عمر بن قيس و في ذلك تقول تماضر و هي أخته :
( لتبكي كل باكية أخاها ... كما أبكي على بر بن قيس )
( تحمل عن عشيرته فأضحى ... و دون لقائه أنضاء عيس )
و مما ينسب إلى تماضر أيضا
( و شطت ببر داره عن بلادنا ... و طوح بر نفسه حيث يمما )
( و ازرت ببر لكنة أعجمية ... و ما كان بر في الحجاز بأعجما )
( كأنا وبرا لم نقف بجيادنا ... بنجد و لم نقسم نهابا و مغنما )
و أنشد علماء البربر لعبيدة بن قيس العقيلي :
( ألا أيها الساعي لفرقة بيتنا ... توقف هداك الله سبل الأطايب )
( فاقسم أنا و البرابر إخوة ... نمانا و هم جد كريم المناضب )
( أبونا أبوهم قيس عيلان في الورى ... و في حومة يشفى غليل المحارب )
( فنحن و هم ركن منيع و إخوة ... على رغم أعداء لئام المغاقب )
( فإن لبر ما بقي الناس ناصرا ... و بر لنا ركن منيع المناكب )
( تعد لمن عادى شواذق حمرا ... و بيضا تقص الهام يوم التضارب )
( و بر بن قيس عصبة مضرية ... و في الفرع من أحسابها و الذوائب )
( و قيس قوام الدين في كل بلدة ... و خير معد عند حفظ المناسب )
( و قيس لها المجد الذي يقتدي به ... و قيس لها سيف حديد المضارب )
و ينشد أيضا أبيات ليزيد بن خالد يمدح البربر :
( أيها السائل عنا أصلنا ... قيس عيلان بنو العز الأول )
( نحن ما نحن بنو بر القوى ... عرف المجد و في المجد دخل )
( و ابتنى المجد فاورى زنده ... و كفانا كل خطب ذي جلل )
( إن قيسا يعتزي بر لها ... و لبر يعتزي قيس الأجل )
( و لنا الفخر بقيس أنه ... جدنا الأكبر فكاك الكبل )
( إن قيسا قيس عيلان هم ... معدن الحق على الخير دلل )
( حسبك البربر قومي أنهم ... ملكوا الأرض بأطراف الأسل )
( و ببيض نضرب الهام بها ... هام من كان عن الحق نكل )
( أبلغوا البربر عني مدحا ... حيك من جوهر شعر منتحل )
و عند نسابة البربر و حكاه البكري و غيره أنه كان لمضر ولدان إلياس و عيلان أمهما الرباب بنت جبده بن عمر بن معد بن عدنان فولد عيلان بن مضر قيسا و دهمان أما دهمان فولده قليل و هم أهل بيت من قيس يقال لهم بنو أمامة و كانت لهم بنت تسمى البهاء بنت دهمان و أما قيس بن عيلان فولد له أربعة بنين و هم سعد و عمر و أمهما مزنة بنت أسد بن ربيعة بن نزار و بر و تماضر و أمهما تمريغ بنت مجدل و مجدل بن عمار بن مصمود و كانت قبائل البربر يومئذ يسكنون الشام و يجاورون العرب في المساكن و يشاركونهم في المياه و المراعي و يصهرون إليهم فتزوج بر من قيس بنت عمه و هي البهاء بنت دهمان و حسده إخوته في ذلك و كانت أمه تمريغ من دهاة النساء فخشيت منهم عليه و بعثت بذلك إلى أخوالها سرا و رحلت معهم بولدها و زوجته إلى أرض البربر و هم إذ ذاك ساكنون بفلسطين وأكناف الشام فولدت البهاء لبر بن قيس ولدين : علوان و مادغيس فمات علوان صغيرا و بقي مادغيس فكان يلقب الأبتر و هو أبو البتر من البربر و من ولده جميع زناتة
قالوا و تزوج مادغيس من بر و هو الأبتر باحال بنت واطاس بن محمد بن مجدل بن عمار فولدت له زحيك بن مادغيس و قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد في الأنساب : اختلف الناس في أنساب البربر اختلافا كثيرا و أنسب ما قيل فيهم أنهم من ولد قبط بن حام لما نزل مصر خرج ابنه يريد المغرب فسكنوا عند آخر عمالة مصر و ذلك ما وراء برقة إلى البحر الأخضر مع بحر الأندلس إلى منقطع الرمل متصلين بالسودان فمنهم لواتة بأرض طرابلس و نزل قوم بقربها و هم نفزة ثم امتدت بهم الطرق إلى القيروان و ما وراءها إلى تاهرت إلى طنجة و سجلماسة إلى السوس الأقصى و هم طوائف صنهاجة و كتامة و زكالة و ركلاوة و فطواكة من هسكورة و مزطاوة و ذكر بعض أهل الآثار أن الشيطان نزغ بين بني حام و بني سام فوقعت بينهم مناوشات كانت الدبرة فيها لسام و بنيه و خرج سام إلى المغرب و قدم مصر و تفرق بنوه و مضى على وجهه يؤم المغرب حتى بلغ السوس الأقصى و خرج بنوه في إثره يطلبونه فكل طائفة من ولده بلغت موضعا و انقطع عنهم خبره فأقاموا بذلك الموضع و تناسلوا فيه و وصلت إليهم طائفة فأقاموا معهم و تناسلوا هنالك
و كان عمر حام أربعمائة و ثلاثا و أربعين سنة فيما ذكره البكري و قال آخرون : كان عمره خمسمائة و إحدى و ثلاثين سنة و قال السهيلي فيمن هو يعرب بن قحطان
قال : و هو الذي أجلى سام إلى المغرب بعد أن كان الجرمي من ولد قرط بن يافث هذا آخر الخلاف في أنساب البربر
و أعلم الله هذه المذاهب كلها مرجوحة و بعيدة من الصواب فأما القول بأنهم من ولد إبراهيم فبعيد لأن داود الذي قتل جالوت و كان البربر معاصرين له ليس بينه و بين إسحق بن إبراهيم أخي نعشان الذي زعموا أنه أبو البربر إلا نحو عشرة آباء ذكرناهم أول الكتاب
و يبعد أن تشعب النسل فيهم هذا التشعب و أما القول بأنهم من ولد جالوت أو العماليق و أنهم نقلوا من ديار الشام و انتقلوا فقول ساقط
يكاد يكون من أحاديث خرافة إذ مثل هذه الأمة المشتملة على أمم و عوالم ملأت جانب الأرض لا تكون منتقلة من جانب آخر و قطر محصور و البربر معروفون في بلادهم و أقاليمهم متحيزون بشعارهم من الأمم منذ الأحقاب المتطاولة قبل الإسلام
فما الذي يحوجنا إلى التعليق بهذه الترهات في شأن أوليتهم و يحتاج إلى مثله في كل جيل و أمة من العجم و العرب و أفريقش الذي يزعمون أنه نقلهم قد ذكروا أنه وجدهم بها و أنه تعجب من كثرتهم و عجمتهم و قال : ما أكثر بربرتكم فكيف يكون هذا الذي نقلهم ؟ و ليس بينه و بين ذي المغار من يتشعبون فيه إلى مثل ذلك إن قالوا أنه الذي نقلهم ؟ و أما القول أيضا بأنهم من حمير من ولد النعمان أو من مضر من ولد قيس بن عيلان فمنكر من القول و قد أبطله إمام النسابين و العلماء أبو محمد بن حزم و قال في كتاب الجمهرة ادعت طوائف من البربر أنهم من اليمن و من حمير و بعضهم ينسب إلى بربر بن قيس و هذا كله باطل لا شك فيه
و ما علم النسابون لقيس بن عيلان إبنا إسمه بر أصلا و ما كان لحمير طريق إلى بلاد البربر إلا في تكاذيب مؤرخي اليمن
و أما ما ذهب إليه ابن قتيبة أنهم من ولد جالوت و أن جالوت من ولد قيس بن عيلان فأبعد عن الصواب فإن قيس عيلان من ولد معد
و قد قدمنا أن معدا كان معاصرا لبختنصر و أن أرمياء النبي خلص به إلى الشام حذرا عليه من بختنصر حين سلط على العرب و بختنصر هو الذي خرب بيت المقدس بعد بناء داود و سليمان إياه بأربعمائة و خمسين سنة و نحوها فيكون معد بعد داود بمثل هذا الأمد فكيف يكون ابنه قيس أبا لجالوت المعاصر لداود ؟ هذا في غاية البعد و أظنها غفلة من ابن قتيبة و وهما
و الحق الذي لا ينبغي التعديل إلا على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح كما تقدم في أنساب الخليفة و أن اسم أبيهم مازيغ و إخوتهم أركيش و فلسطين إخوانهم بنو كسلوحيم بن مصرايم بن حام و ملكهم جالوت سمة معروفة له
و كانت بين فلسطين هؤلاء و بين بني إسرائيل بالشام حروب مذكورة و كان بنو كنعان و واكريكيش شيعا لفلسطين فلا يقعن في وهمك غير هذا فهو الصحيح الذي لا يعدل عنه و لا خلاف بين نسابة العرب أن شعوب البربر الذي قدمنا ذكرهم كلهم من البربر إلا صنهاجة و كتامة فإن بين نسابة العرب خلافا و المشهور أنهم من اليمنية و أن أفريقش لما غزا أفريقية أنزلهم بها و أما نسابة البربر فيزعمون في بعض شعوبهم أنهم من العرب مثل لواتة يزعمون أنهم من حمير و مثل هوارة يزعمون أنهم من كندة من السكاسك و مثل زناتة تزعم نسابتهم أنهم من العمالقة فروا أمام بني إسرائيل و ربما يزعمون فيهم أنهم من بقايا التبابعة و مثل عمارة أيضا و زواوة و مكلاتة يزعم في هؤلاء كلهم نسابتهم أنهم من حمير حسبما نذكره عند تفصيل شعوبهم في كل فرقة منهم و هذه كلها مزاعم و الحق الذي شهد به المواطن و العجمة أنهم بمعزل عن العرب إلا ما تزعمه نسابة العرب في صنهاجة و كتامة
و عندي أنهم من إخوانهم و الله أعلم
و قد انتهى بنا الكلام إلى أنسابهم و أوليتهم فلنرجع إلى تفصيل شعوبهم و ذكرهم أمة بعد أمة و نقتصر على ذكره من كانت له منهم دولة ملك أو سالف شهرة أو تشعب نسل في العالم و عدد لهذا العهد و ما قبله من صنفي البرانس و البتر منهم و ترتيبهم شعبا شعبا حسبما تأدى إلينا من ذلك و اشتمل عليه محفوظنا و الله المستعان

(6/116)


الفصل الثاني في ذكر مواطن هؤلاء البربر بإفريقية و المغرب
اعلم أن لفظ المغرب في أصل وضعه إسم إضافي يدل على مكان من الأمكنة بإضافته إلى جهة المشرق و مشرق بالأضافة إلى جهة المغرب لأن العرف قد يخصص هذه الأسماء بجهات معينة و أقطار مخصوصة و عرف أهل الجغرافيا المعتنين بمعرفة هيئة الأرض و قسمتها بأقاليمها و معمورها و خرابها و جبالها و بحارها و مساكن أهلها مثل بطليموس و رجاوز و صاحب صقلية المنسوب له الكتاب المشهور بين الناس لهذا العهد في هيئة الارض و البلدان و أمثالهم : أن المغرب قطر واحد مميز بين الأقطار فحده من جهة المغرب بحر المحيط و هو عنصر الماء و سمي محيطا لإحاطته بما انكشف من الأرض كما قدمنا أول الكتاب
و يسمى أيضا بالبحر الأخضر لتلونه غالبا بالخضرة و يسمى بحر الظلمات لما أنه تقل فيه الأضواء من الأشعة المنعكسة على سطح الأرض من الشمس لبعده عن الأرض فيكون مظلما و لفقدان الأضواء تقل الحرارة المحللة للأبخرة فلا تزال السحب و الغيوم متكاثفة على سطحه منعقدة هناك متراكمة و تسمية الأعاجم : بحرا و قيانوس يعنون به و الله أعلم ما نعني نحن بالعنصر
و يسمونه أيضا بحر البلاية بتفخيم اللام الثانية و هو بحر كبير غير منحصر لا تبعد فيه السفن عن مرأى العين من السواحل للجهل بسموت الرياح هنالك و لنهايتها إذ لا غاية من العمران وراءه
و البحار المنحصرة إنما جرت فيها السفن بالرياح المعروفة الهوائية بكثرة تجاربهم فتبعث الريح من الأماكن و غاية مهبها في سمتها فكل ريح عندهم معروفة الغاية فإذا علة أن جريته بالريح المنبعثة من مكان كذا و ربما خرج من ريح إلى ريح بحسب مقصوده و جهته و هذا مفقود في البحر الكبير لأنه منحصر و منبعث الريح و إن كان معروفا فغايته غير معروفة لفقدان العمران وراءه فتضل السفن إذا جرت به و تذهب فتهلك و أيضا فإذا أوغل فيه فربما وقع في المتكاثف من الغيوم و الأبخرة كما قلناه فيهلك فلهذا كان راكبه على غرر و خطر فحد الغرب من جهة المغرب البحر المحيط كما قلناه و عليه كثير من مدنه مثل طنجة و سلا و أزمور و انفى و اسفى و هي من مدن الغرب و حواضره و عليه أيضا مسجد ماسة و بلدتا كاوصت و نول من بلاد السوس و هي كلها من مساكن البربر و حواضرهم و تنتهي المراكب إلى وراء ساحل نول و لا تجاوزه إلا على خطر كما قلناه و أما حده من جهة الشمال فالبحر الرومي و المتفرع من هذا البحر المحيط يخرج في خليج متضايق بين طنجة من بلاد المغرب و طريف من بلاد الأندلس و يسمى هذا الخليج الزقاق و عرضه ثمانية أميال فما فوقها و كانت عليه قنطرة ركبها ماء البحر
ثم يذهب هذا البحر الرومي في سمت الشرق إلى أن ينتهي إلى سواحل الشآم و ثغوره و ما إليها مثل :
أنطاكية و العلايا و طرسوس و المصيصة و طرابلس و صور و الإسكندرية
و لذلك سمي البحر الشامي و هو إذا خرج من الخليج ينفسخ في ذهابه عرضا و أكثر انفساخه إلى جهة الشمال ولا يزال أنفساخه ذلك متصاعدا إلى الشمال إلى أن ينتهي إلى غايته و طوله فيما يقال خمسة آلاف ميل أو ستة
و فيه جزائر ميورقة و مزقة و ياسة و صقلية و أقريطش و سردانية و قبرص
و أما عرضه من جهة الجنوب فإنه يخرج عن سمت واحد
ثم يختلف في ذهابه فتارة يبعد في الجنوب و تارة يرجع إلى الشمال
و اعتراض ذلك بعروض البلدان التي بساحله و ذلك أن عرض البلد هو ارتفاع قطبه الشمال على أفقه و هو أيضا بعدما بين سمت رؤس أهله و دائرة معدل النهار
و السبب في ذلك أن الأرض كرية الشكل و السماء من فوقها مثلها و أفق البلد هو فرق بين ما يرى و بين ما لا يرى من السماء و من الأرض و الفلك ذو قطبين إذا ارتفع أحدهما على رؤس معمور انخفض الآخر بقدره عنهم و العمارة في الأرض كلها هي إلى الجانب الشمال أكثر وليس في الجنوب عمران لما تقرر في موضعه فلهذا ارتفع القطب الشمالي على أهل العمران دون الجنوبي و المار على سطح الكرة كلما أبعد في جهة ظهر له من سطح الكرة و من السماء المقابل لها مالم يكن يظهر فيزيد بعد القطب على الأفق كما أبعد في الشمال و ينقص كلما رجع إلى الجنوب
فعرض سبتة و طنجة التي هي على زقاق هذا البحر و خليجه له و دقائق ثم يتصاعد البحر إلى الجنوب فيكون عرض تلمسان لد و نصف فتزيد في الجنوب فيكون عرض و هران لبد أبعد من فاس بيسير لأن عرض فاس لج و دقائق
و لهذا كان العمران في المغرب الأقصى أعرض في الشمال من عمران المغرب الأوسط بقدر ما بين فاس و سبتة و صار ذلك القطر كالجزيرة بين البحار لانعطاف البحر الرومي إلى الجنوب ثم يرجع البحر بعد وهران عن سمته ذلك فيكون عرض تونس و الجزائر ( له ) على مثل سمته الأول عند منبعثة من الزقاق ثم يزيد في الشمال فيكون عرض بجاية و تونس يوم على مثل سمت غرناطة و مريه و مالقة ثم يرجع إلى الجنوب فيكون عرض طرابلس و قابس له على مثل السمت الأول بطنجة و سبتة ثم يزيد في الجنوب فيكون عرض برقة لج على مثل سمت فاس و توزر فيكون عرض الإسكندرية لا على مثل مراكش و أغمات ثم يذهب في الشمال إلى القطافة إلى منتهى سمته بسواحل الشآم
و هكذا اختلافه في هذه العدوة الجنوبية و لسنا على علم من حاله في العدوة الشمالية و ينتهي بسواحل عرض هذا البحر في أنفساحه إلى سبعمائة ميل أو نحوها ما بين سواحل أفريقية و جنوة من العدوة الشمالية و البلاد الساحلية من المغرب الأقصى و الأوسط و أفريقية من لدن الخليج حيث منبعثه كلها عليه مثل طنجة و سبتة و بادس و غساسة و هنين و وهران و الجزائر و بجاية و بونة و تونس و سوسة و المهدية و صفاقس و قابس و طرابلس و سواحل برقة و الإسكندرية
هذا وصف هذا البحر الرومي الذي هو حد المغرب من جهة الشمال و أما حده من جهة القبلة و الجنوب فالجبال المتهيلة الماثلة حجزا بين بلاد السودان و بلاد البربر
و تعرف عند العرب الرحالة البادية بالعرق و هذا العرق سياج على المغرب من جهة الجنوب مبتديء من البحر المحيط و ذاهب في جهة الشرق على سمت واحد إلى أن يعترضه النيل الهابط من الجنوب إلى مصر فهنالك ينقطع و عرضه ثلاثة مراحل و أزيد و يعترضه في جهة المغرب الأوسط أرض محجرة تسمى عند العرب الحمادة من دوين مصاب إلى بلاد دريغ و وراءه من جهة الجنوب و بعض بلاد الجزيرة ذات نخيل و أنها معدودة في جملة بلاد المغرب مثل بلاد بودة و تمنطيت في قبلة المغرب الأقصى و تسابيت و تيكورارين في قبلة المغرب الأوسط و غذامس و فزان و ودان في قبلة طرابلس
كل واحد من هذه إقليم يشتمل على بلدان عامرة ذات قرى و نخيل و أنهار و ينتهي عدد كل واحد منها إلى المائة فأكثر
و إلى هذه العدوة الجنوبية من هذا العرق ينتهي في بعض السنين مجالات أهل الشآم من صنهاجة و متقلبهم الجائلون هناك إلى بلاد السودان و في العدوة الشمالية منه مجالات البادية من الأعراب الظواعن بالمغرب و كانت قبلهم مجالات للبربر كما نذكره بعد هذا حد المغرب من جهة الجنوب و من دون هذا العرق سياج آخر على المغرب مما يلي التلول منه و هي الجبال التي هي تخوم تلك التلول ممتدة من لدن البحر المحيط في القرب إلى برنيق من بلاد برقة و هنالك تنقطع هذه الجبال و يسمى مبدؤها من المغرب جبال درن و ما بين هذه الجبال المحيطة بالتلول و بين العرق الذي وصفناه آنفا بسائط و قفارا أكثر نباتها الشجر و فيما يلي التلول منها و يقاربها بلاد الجريد ذات نخل و أنهار
ففي أرض السوس قبلة مراكش ترودانت و القرى قوبان و غيرهما بلاد ذات نخل و أنهار و مزارع متعددة عامرة و في قبلة فاس سجلماسة و قراها بلد معروف و درعة أيضا و هي معروفة و في قبلة تلمسان قصور متعددة ذات نخل و أنهار و في قبلة تاهرت القصور أيضا بلاد متتالية على سطر من المشرق إلى المغرب أقرب ما إليها جبل راشد و هي ذات نخل و مزارع و أنهار
ثم قصور معينات تناهز المائة و أكثر قبلة الجزائر ذات نخل و أنهار ثم بلد واركلي قبلة بجاية بلد واحد مستجر العمران كثير النخل و في سمته إلى جهة التلول بلاد ريغ تناهز الثلثمائة منتظمة على حفافي واد ينحدر من المغرب إلى المشرق يناهز مائة من البلاد فأكثر قاعدتها بسكرة من كبار الأمصار بالمغرب و تشتمل كلها على النخل و الأنهار و الفدن و القرى و المزارع
ثم بلاد الجريد قبلة تونس و هي : نفطة و توزر و قفصة و بلاد نفزاوة و تسمى كلها بلاد قسطيلة مستجرة العمران مستحكمة الحضارة مشتملة على النخل و الأنهار ثم قابس قبلة سوسة حاضرة البحر أعظم أمصار أفريقية و كانت دار ملك لابن غانية كما نذكره بعد
و تشتمل على النخل و الأنهار و المزارع ثم فزان و ودان قبلة طرابلس قصور متعددة ذات نخل و أنهار و هي أول ما افتتح المسلمون من أرض أفريقية لما أغزاها عمر بن الخطاب و عمرو بن العاص ثم الواحات قبلة برقة ذكرها المسعودي في كتابة و ما وراء هذه كلها في جهة الجنوب فقفار و رمال لا تنبت زرعا و لا مرعى إلى أن تنتهي إلى العرق الذي ذكرناه
و من ورائه مجالات المتلثمين كما قلناه مفاوز معطشة إلى بلاد السودان و ما بين بلاد هذه و الجبال التي هي سياج التلول بسائط متلون مزاجها تارة بمزاج التلول و تارة بمزاج الصحراء بهوائها و مياهها و منابتها و فيها القيروان و جبل أوراس معترض وسطها و بلاد الحصنة حيث كانت طبنة ما بين الزاب و التل و فيها مغرة و المسيلة و فيها السرسو قبلة تلمسان حيث تاهرت فيها جبل ديرو و قبلة فاس معترض في تلك البسائط هذا حد المغرب من جهة القبلة و الجنوب
و أما من جهة الشرق فيختلف باختلاف الاصطلاحات فعرف أهل الجغرافيا أنه بحر أهل القلزم المنفجر من بحر اليمن هابط على سمت الشمال بانحراف يسير إلى المغرب حتى ينتهي إلى القلزم و السويس و يبقى بينهم من هنالك و بين سمته من البحر الرومي مسيرة يومين و ينقطع عند السويس و القلزم و بعده عن مصرفي جهة الشرق ثلاثة أيام هذا آخر المغرب عندهم و يدخل فيه إقليم مصر و برقة
و كان المغرب عندهم من جزيرة أحاطت بها البحار من ثلاث جهاتها كما تراه و أما العرف الجاري لهذا العهد بين سكان هذه الأقاليم فلا يدخل فيه إقليم مصر و لا برقة و إنما يختص بطرابلس و ما وراءها إلى جهة المغرب في هذا العرف لهذا العهد و هذا الذي كان في القديم ديار البربر و مواطنهم فأما المغرب الأقصى منه و هو ما بين وادي ملوية من جهة الشرق إلى أسفي حاضرة البحر المحيط و جبال درن من جهة الغرب فهي في الأغلب ديار المصامدة من أهل درن و برغواطة و غمارة و آخر بطوية مما يلي غساسة و معهم عوالم من صنهاجة و مضغرة و أوربة و غيرهم يحيط به البحر الكبير من غريبة و الرومي من شمالية و الجبال الصاعدة المتكاثفة مثل درن و جانب القبلة و جبال تازا من جهة الشرق لأن الجبال أكثر : ما هي و أكنف قرب البحار بما اقتضاه التكوين من ممانعة البحار بها فكانت جبال المغرب لذلك أكثر ساكنها من المصامدة في الأغلب و قيل من صنهاجة و بقيت البسائط من الغرب مثل أزغاو و تامستا و تادلاود كالة و اعتمرها الظواعن من البربر الطارئين عليه من جشم و رياح مفص المغرب بساكنه من الأمم لا يحصيهم إلا خالقهم و صار كله جزيرة و بلد واحد أحاطت به الجبال و البحار و قاعدته لهذا العهد فاس و هي دار ملكه و يمر فيه النهر العظيم المعروف بوادي أم ربيع و هو نهر عظيم يمتنع عبوره أيام الأمطار لاتساعه و يعظم مده إلي البحر فينتهي إلى سبعين ميلا أو ما يقاربها و مصبه في البحر الكبير عند أزبور و منبعه من جبال درن من فوهة كبيرة ينبع منها هذا النهر و يتساهل إلى بسيط المغرب و ينبع منها أيضا نهر آخر و ينحدر إلى القبلة و يمر ببلاد درعة ذات النخل المخصوصة بنبات النيلج و صناعة استخراجه من شجره و هي قصور ذات نخل موضوعة في سفح جبل درن من آخره و بها يسمى هذا النهر و يجاورها إلى أن يغوص في الرمل قبلة بلاد السوس
و أما نهر ملوية آخر المغرب الأقصى فهو نهر عظيم منبعه من فوهة في جبال قبلة تازى و يصب في البحر الرومي عند غساسة و عليه كانت ديار مكناسة المعروفة بهم في القديم و يسكنها لهذا العهد أمم أخرى من زناتة في قصور منتظمة إلى أعلى النهر يعرفون بوطاط و يجاورهم هنالك و في سائر نواحيه أمم من البربر أشهر من فيهم بطالسة أخوة مكناسة و ينبع مع هذا النهر من فوهته نهر كبير ينحدر ذاهبا إلى القبلة مشرقا بعض الشيء و يقطع العرق على سمته إلى أن ينتهي إلى البردة ثم بعدها إلى تمطيت و يسمى لهذا العهد كير و عليه قصورها ثم يمر إلى أن يصب في القفار و يروغ في قفارها و يغور في رمالها و هو موضع مقامه قصور ذات نخل تسمى وركن و في شرق بوده مما وراء العرق قصور تسايبت من قصور الصحراء و في شرقي تسابيت إلى ما يلي الجنوب قصور تيكورارين تنتهي إلى ثلثمائة أو أكثر في واد واحد فينحدر من المغرب إلى المشرق و فيها أمم من قبائل زناتة
و أما المغرب الأوسط فهو في الأغلب ديار زناتة كان لمغراوة و بني يفرن و كان معهم مديونة و مغيلة و كومية و مطغرة و مطماطة ثم صار من بعدهم لبني و ماتوا و بني يلومي
ثم صار لبني عبد الواد و توجين من بني مادين و قاعدته لهذا العهد تلمسان و هي دار ملكه و يجاوره من جهة المشرق بلاد صنهاجة من الجزائر و متيجة المرية و ما يليها إلى بجاية و قبائله كلهم لهذا العهد مغلوبون للعرب من زغبة و يمر في وادي شلف بني واطيل النهر الأعظم منبعه من بلد راشد في بلاد الصحراء و يدخل إلى التل من بلاد حصين لهذا العهد ثم يمر مغربا و يجتمع فيه سائر أودية المغرب الأوسط مثل مينا و غيره إلى أن يصب في البحر الرومي ما بين كلمتين و مستغانم و ينبع من فوهته نهر آخر يذهب مشرقا من جبل راشد و يمر بالزاب إلى أن يصب في سبخة ما بين توزر و نفزاوة معروفة هنالك و يسمى هذا النهر وادي شدي
و أما بلاد بجاية و قسنطينة فهي دار زواوة و كتامة و محيسة و هوارة و هي اليوم ديار للعرب إلا ممتنع الجبال و فيها بقاياهم و أما أفريقية كلها إلى طرابلس فبسائط فتح كانت ديارا لنفزاوة و بني يفرن و نفوسة و من لا يحصى من قبائل البربر و كانت قاعدتها القيروان و هي لهذا العهد مجالات للعرب من سليم و بني يفرن و هوارة و مغلوبون تحت أيديهم و قد تبدوا معهم و نسوا رطانة الأعاجم و تكلموا بلغات العرب و تحلوا بشعارهم في جميع أحوالهم و قاعدتها لهذا العهد تونس و هي دار ملكها و يمر فيها النهر الأعظم المعروف بوادي مجردة يجتمع فيه سائر الأودية بها و يصب في البحر الرومي على مرحلة من غربي تونس بموضع يعرف ببنزرت
و أما برقة فدرست معالمها و خربت أمصارها و انقرض أمرها و عادت مجالات للعرب بعد أن كانت دارا للواتة و هوارة و غيرهم من البربر و كانت بها الأمصار المستجرة مثل لبدة و زويلة و برقة و قصر حسان و أمثالها فعادت يبابا و مفاوز كان لم تكن و الله أعلم

(6/128)


الفصل الثالث في ذكر ما كان لهذا الجيل قديما و حديثا من الفضائل الإنسانية و الخصائص الشريفة الراقية بهم إلى مراقي العز و معارج السلطان و الملك
قد ذكرنا ما كان من أمر هذا الجيل من البربر و وفور عدده و كثرة قبائلهم و أجيالهم و ما سواه من مغالبة الملوك و مزاحمة الدول عدة آلاف من السنين من لدن حروبهم مع بني إسرائيل بالشام و خروجهم عنه إلى أفريقية و المغرب و ما كان منهم لأول الفتح في محاربة الطوالع من المسلمين أولا ثم في مشايعتهم و مظاهرتهم على عدوهم ثانيا من المقامات الحميدة و الآثار الجميلة و ما كان لوهيا الكاهنة و قومها بجبل أوراس من الملك و العز و الكثرة قبل الإسلام و بعده حتى تغلب عليهم العرب و ما كان لمكناسة من مشايعة المسلمين أولا ثم ردتهم ثانيا و تحيزهم إلى المغرب الأقصى و فرارهم أمام عقبة بن نافع ثم غلبهم بعد ذلك طوالع هشام بأرض المغرب
قال ابن أبي زيد : إن البربر ارتدوا بأفريقية المغرب إثنتي عشرة مرة و زحفوا في كلها للمسلمين و لم يثبت إسلامهم إلا في أيام موسى بن نصير و قيل بعدها و تقدم ذكر ما كان لهم في الصحراء و القفر من البلاد و ما شيدوا من الحصون و الآطام و الأمصار من سجلماسة و قصور توات و تجورارين و فيجيج و مصاب و واركل و بلاد ريفة و الزاب و نفزاوة و الحمة و غذامس ثم ما كان لهم من الأيام و الوقائع و الدول و الممالك ثم ما كان بينهم و بين طوالع العرب من بني هلال في المائة الخامسة بأفريقية و ما كان لهم مع دولة آل حماد بالقلعة و مع لمتونة بتلمسان و تاهرت من الموالاة و الانحراف و ما استولى عليه بنو يادين آخرا بإسهام الموحدين و أقطاعهم من بلاد المغرب و ما كان لبني مرين في الاجلاب على عير عبد المؤمن من الآثار و ما تشهد أخباره كلها بأنه جيل عزيز على الأيام و أنهم قوم مرهوب جانبهم شديد بأسهم كثير جمعهم مظاهرون لأمم العالم و أجياله من العرب و الفرس و يونان و الروم
و لكنهم لما أصابهم الفناء و تلاشت عصابتهم بما حصل لهم من ترف الملك و الدول التي تكررت فيهم قلت جموعهم و فنيت عصابتهم و عشائرهم و أصبحوا خولا للدول و عبيدا للجباية و استنكف كثير من الناس عن النسب فيهم لأجل ذلك و إلا فقد كانت أوربة أميرهم كسيلة عند الفتح كما سمعت و زناتة أيضا حتى أسر أميرهم و زمار بن مولات و حمل إلى المدينة إلى عثمان بن عفان و من بعد ذلك هوارة و صنهاجة و بعدهم كتامة و ما أقاموا من الدولة التي ملكوا بها المغرب و المشرق و زاحموا بني العباس في ديارهم و غير ذلك منهم كثير و أما تخلقهم بالفضائل الإنسانية و تنافسهم في الخلال الحميدة و ما جبلوا عليه من الخلق الكريم مرقاة الشرف و الرفعة بين الأمم و مراعاة المدح و الثناء من الخلق من عز الجوار و حماية النزيل و رعي الأذمة و الوسائل و الوفاء بالقول و العهد و الصبر على المكارم و الثبات في الشدائد و حسن الملكة و الإغضاء عن العيوب و التجافي عن الانتقام و رحمة المسكين و بر الكبير و توفير أهل العلم و حمل الكل و كسب المعدوم و قرى الضيف و الإعانة على النوائب و علو الهمة و إباية الضيم و مشاقة الدول و مقارعة الخطوب و غلاب الملك و بيع النفوس من الله في نصر دينه فلهم في ذلك آثار نقلها الخلف عن السلف لو كانت مسطورة لحفظ منها ما يكون إسوة لمتبعيه من الأمم و حسبك ما اكتسبوه من حميدها و اتصفوا به من شريفها أن قادتهم إلى مراقي العز و أوفت بهم على ثنايا الملك حتى علت على الأيدي أيديهم و مضت في الخلق بالقبض و البسط أحكامهم و كان مشاهيرهم بذلك من أهل الطبقة الأولى بلكين بن زيري الصنهاجي عامل أفريقية للعبيدين و محمد بن خزر و الخير إبنه و عروبة بن يوسف الكتامي القائم بدعوة عبد الله الشيعي و يوسف بن تاشفين ملك لمتونة بالمغرب و عبد المؤمن بن علي شيخ الموحدين و صاحب الإمام المهدي و كان عظماؤهم من أهل الطبقة الثانية السابقون إلى الراية بين دولهم و المعاهدون لملكهم بالمغرب الأقصى و الأوسط كبيرهم يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين و يغمراسن بن زياد سلطان بني عبد الواد و محمد بن عبد القوي و وزمار كبير بني توجين و ثابت بن منديل أمير مغراوة أهل شلف و وزمار بن ابراهيم زعيم بني راشد المتعارضين في أزمانهم المتناغين في تأثيل عزهم و التمهيد لقومهم على شاكلته بقوة جمعه فكانوا من أرسخهم في تلك الخلال قدما و أطولهم فيها يدا و أكثرهم لها جمعا طارت عنهم في ذلك قبل المالك و بعده أخبار عني بنقلها الأثبات من البربر و غيرهم و بلغت في الصحة و الشهرة منتهى التواتر و أما إقامتهم لمراسم الشريعة و أخذهم بأحكام الملة و نصرهم لدين الله فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين كتاب الله لصبيانهم و الاستفتاء في فروض أعيانهم و اقتفاء الأئمة للصلوات في بواديهم و تدارس القرآن بين أحيائهم و تحكيم حملة الفقه في نوازلهم و قضاياهم و صاغيتهم إلى أهل الخير و الدين من أهل مصرهم للبركة في آثارهم و سؤال الاعداد عن صالحيهم و إغشائهم البحر أفضل المرابطة و الجهاد و بيعهم النفوس من الله في سبيله و جهاد عدوه ما يدل على رسوخ إيمانهم و صحة معتقداتهم و متين ديانتهم التي كانت ملاكا لعزهم و مقادا إلى سلطانهم و ملكهم
و كان المبرز منهم في هذا المنتحل يوسف بن تاشفين و عبد المؤمن بن علي و بنوهم ثم يعقوب بن عبد الحق من بعدهم و بنوه فقد كان لهم في الاهتمام بالعلم و الجهاد و تشييد المدارس و اختطاط الزوايا و الربط و سد الثغور و بذل النفس في ذات الله و إنفاق الأموال في سبيل الخيرات ثم مخالطة أهل العلم و ترفيع مكانهم في مجالستهم و مفاوضتهم في الاقتداء بالشريعة و الانقياد لإشاراتهم في الوقائع و الأحكام و مطالعة سير الأنبياء و أخبار الأولياء و قراءتها بين أيديهم من دواوين ملكهم و مجالس أحكامهم و قصور عزهم
و التعرض بالمعاقل لسماع شكوى المتظلمين و إنصاف الرعايا من العمال و الضرب على يد أهل الجور و اتخاذ المساجد بصحن دورهم و شدة خلافهم و ملكهم يعمرونها بالصلوات و التسبيحات و القراء المرتبين لتلاوة كتاب الله أحزابا بالعشي و الإشراق على الأيام و تحصين ثغور المسلمين بالبنيان المشيد و الكتائب المجهزة و إنفاق الأموال العريضة شهدت لهم بذلك آثار تخلفوها بعدهم
و أما وقوع الخوارق فيهم و ظهور الكاملين في النوع الإنساني من أشخاصهم فقد كان فيهم من الالولياء المحدثين أهل النفوس القدسية و العلوم الموهوبة و من حملة العلم عن التابعين و من بعدهم من الأئمة و الكهان المفطورين على المطلع للأسرار المغيبة
و من الغرائب التي خرقت العادة و أوضحت أدلة القدرة ما يدل على عظيم عناية الله بذلك الجيل و كرامته لهم بما آتاهم من جماع الخير و آثرهم به من مذاهب الكمال وجمع لهم من متفرق خواص الإنسان ينقل ذلك في أخبار توهم عجائب فكان من مشاهير حملة العلم فيهم سعيد بن واسول جد بني مدرار ملوك سجلماسة أدرك التابعين وأخذ عن عكرمة مولى العباس ذكره عريب بن حميد في تاريخه و منهم أبو يزيد مخلد بن كيداد اليفرني صاحب الحمار الخارج على الشيعة سنة إثنتين و ثلثمائة الدائن بدين الخارجية أخذ العلم بتوزر عن مشيختها و رأس في الفتيا و قرأ مذاهب الإضافية من الخوارج و صدق فيه ثم لقي عمارا الأعمى الصفري النكار فتلقن عنه من مذاهبهم ما انسلخ من آية السعادة بانتحاله و هو مع ذلك من الشهرة في هذا الجيل بحيث لا يغفل
و منهم منذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة من ظواعن و لهاصة ثم من سوماتة منهم مولده عام عشرة و ثلثمائة و وفاته عام ثلاثة و ثمانين و ثلثمائة كان من البتر من ولد مادغيس هلك على عهد عبد الرحمن الناصر و منهم أيضا أبو محمد بن أبي زيد علم الملة و هو من نفزة أيضا و منهم علماء بالنسب و التاريخ و غير ذلك من فنون العلوم
و من مشاهير زناتة أيضا موسى بن صالح الغمري معروف عند كافتهم معرفة وضوح و شهرة و قد ذكرناه عند ذكر غمرة من شعوب زناتة و هو و إن لم توقفنا الأخبار الصحيحة على الجلي من أمره في دينه فهو من محاسن هذا الجيل الشاهدة بوجود الخواص الإنسانية فيهم من ولاية وكهانة و علم و سحر كل نوع من آثار الخليفة
و لقد تحدث أهل هذا الجيل فيما يتحدثون به أن أخت يعلى بن محمد اليفرني جاءت بولد من غير أب سموه كلمام و يذكر له أخبار في الشجاعة خرقت العوائد و دلت على أنه موهبة من الله استأثره بها لم يشاركه فيها غيره من أهل جلدته و ربما ضاقت حوامل الخواص منهم عن ملتقط هذه الكائنة و يجهلون ما يتسع لها و لأمثالها من نطاق القدرة و ينقلون أن حملها كان أثر استحمامها في عين حامية هنالك غب ما صدر عنها بعض السباع كانت ترد فيها على الناس و يردون عليها و يرون أنها علقت من فضل ولوغه و يسمون ذلك المولود ابن الأسد لظهور خلعة الشجاعة فيه و كثير من أمثال هذه الأخبار التي لو انصرفت إليها عناية الناقلين لملأت الدواوين و لم يزل هذا دأبهم و حالهم إلى أن مهدوا من الدول و أثلوا من الملك ما نحن في سبيل ذكره

(6/135)


الفصل الرابع في ذكر أخبارهم على الجملة من قبل الفتح الإسلامي و من بعده الى ولاية بني الأغلب
هؤلاء البربر جيل و شعوب وقبائل أكثر من أن تحصى حسبما هو معروف في تاريخ الفتح بأفريقية و المغرب و في أخبار ردتهم و حروبهم فيها نقل ابن أبي الرقيق أن موسى ابن نصير لما فتح سقوما كتب إلى الوليد بن عبد الملك أنه صار لك من سبي سقوما مائة ألف رأس فكتب إليه الوليد بن عبد الملك و يحك إني أظنها من بعض كذباتك فإن كنت صادقا فهذا محشر الأمة و لم تزل بلاد المغرب إلى طرابلس بل و إلى الإسكندرية عامرة بهذا الجيل ما بين البحر الرومي و بلاد السودان منذ أزمنة لا يعرف أولها و لا ما قبلها و كان دينهم دين المجوسية شأن الأعاجم كلهم بالمشرق و المغرب إلا في بعض الأحايين يدينون بدين من غلب عليهم من الأمم فإن الأمم أهل الدول العظيمة كانوا يتغلبون عليهم فقد غزتهم ملوك اليمن من قرارهم مرارا على ما ذكر مؤرخوهم فاستكانوا لغلبهم و دانوا بدينهم
ذكر ابن الكلبي أن حمير أبا لقبائل اليمانية ملك المغرب مائة سنة و أنه الذي ابتني مدائنه مثل أفريقية و صقلية و اتفق المؤرخون على غزو أفريقش بن صيفي من التبايعة إلى المغرب كما ذكرنا في أخبار الروم و اختطوا بسبب البحر و ما يليه من الأرياف مدنا عظيمة الخطة وثيقة المباني شهيرة الذكر باقية المعالم و الآثار لهذا لعهد مثل :
سبيطلة و جلولاء و مزناق و طاقة و زانة و غيرها من المدن التي خربها المسلمون من العرب لأول الفتح عند استيلائهم عليها و قد كانوا دانوا العهد هم بما تعبدوهم به من دين النصرانية و أعطوهم المهادنة و أدوا إليهم الجباية طواعية
و كن للبربر في الضواحي وراء ملك الأمصار المرهوبة الحامية ما شاء من قوة و عدة و عدد و ملوك و رؤساء و أقيال و أمراؤها لا يرامون بذل و لا ينالهم الروم و الإفرنج في ضواحيهم تلك بمسخطة الإساءة و قد صبحهم الإسلام و هم في مملكة قد استولوا على رومة
و كانوا يؤدون الجباية لهرقل ملك القسطنطينية كما كان المقوقس صاحب الإسكندرية و برقة و مصر يؤدون الجباية له و كما كن صاحب طرابلس و لبدة و صبرة و صاحب صقلية و صاحب الأندلس من الغوط لما كان الروم غلبوا على هؤلاء الأمم أجمع و عنهم كلهم أخذوا دين النصرانية فكان الفرنجة هم الذين ولوا أمر أفريقية و لم يكن للروم فيها شيء من ولاية و إنما كان كل من كان منهم بها جندا للإفرنج و من حشودهم و ما يسمع في كتب الفتح من ذكر الروم في فتح أفريقية فمن باب التغليب لأن العرب يومئذ لم يكونوا يعرفون الفرنج و ما قاتلوا في الشام إلا الروم فظنوا أنهم هم الغالبون على أمم النصرانية فإن هرقل هو ملك النصرانية كلها فغلبوا إسم الروم على جميع أمم النصرانية
و نقلت الأخبار عن العرب كما هي فجرجير المقتول عند الفتح من الفرنج و ليس من الروم و كذا الأمة الذين كانوا بأفريقية غالبين على البربر و نازلين بمدنها و حصونها إنما كانوا من الفرنجة و كذلك ربما كان بعض هؤلاء البربر دانوا بدين اليهودية أخذوه عن بني إسرائيل عند استفحال ملكهم لقرب الشام و سلطانه منهم كما كان جراءة أهل جبل أوراس قبيلة الكاهنة مقتولة العرب لأول الفتح و كما كانت نفوسة من برابر أفريقية قندلاوة و مدينونة و بهلولة و غياتة و بنو بازاز من برابرة المغرب الأقصى حتى محا إدريس الأكبر الناجم بالمغرب من بني حسن بن الحسن جميع ما كان في نواحيه من بقايا الأديان و الملل فكان البربر بأفريقية و المغرب قبل الإسلام تحت ملك الفرنج و على دين النصرانية الذي اجتمعوا عليه مع الروم كما ذكرناه حتى إذا كان الفتح و زحف المسلمون إلى أفريقية زمان عمر رضي الله عنه سنة تسع و عشرين و غلبهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح من بني عامر بن لؤي فجمع لهم جرير ملك الفرنجة يومئذ بأفريقية من كان بأمصارها من الفرنج و الروم و من بضواحيها من جموع البربر و ملوكهم
و كان ملك ما بين طرابلس و طنجة و كانت دار ملكه سبيطلة فلقوا المسلمين في زهاء مائة و عشرين ألفا و المسلمون يومئذ في عشرين ألفا فكان من هزيمة العرب لهم و فتحهم لسبيطلة و تخريبهم إياها و قتلهم جرجير ملكهم و ما نفلهم الله من أموالهم و بناتهم التي اختصت منهم إبنته بقاتله عبد الله بن الزبير لعهد المسلمين له بذلك بعد الهزيمة و خلوصه بخبر الفتح إلى الخليفة و الملأ من المسلمين بالمدينة ما هو كله مذكور مشهور ثم أزرىء الفرنجة و من معهم من الروم بعد الهزيمة و خلوصه بخبر الفتح إلى حصون أفريقية و انساح المسلمون في البسائط بالغارات و وقع بينهم و بين البربر أهل الضواحي زحوف و قتل و سبي حتى لقد حصل في أسرهم يومئذ من ملوكهم و زمار بن صقلاب جد بني خزر و هو يومئذ أمير مغراوة و سائر زناتة و رفعوه إلى عثمان بن عفان فأسلم على يده و من عليه و أطلقه و عقد له على قومه
و يقال إنما وصله وافدا و صن المسلمين عليهم ولاذ الفرنج بالسلم و شرطوا لابن أبي سرح ثلثمائة قنطار من الذهب على أن يرحل عنهم بالعرب و يخرج بهم من بلادهم ففعل و رجع المسلمون إلى المشرق و شغلوا بما كان من الفتن الإسلامية
ثم كان الاجتماع و الاتفاق على معاوية بن أبي سفيان و بعث معاوية بن خديج السكوني من مصر لافتتاح أفريقية سنة خمس و أربعين و بعث ملك الروم من القسطنطينية عساكره لمدافعتهم في البحر فلم تغن شيئا و هزمهم العرب ساحل أجم و حاصروا جلولاء و فتحوها و قفل معاوية بن خديج إلى مصر فولى معاوية بن أبي سفيان على أفريقية بعده عقبة بن نافع فاختط القيروان و افترق أمر الفرنجة و صاروا إلى الحصون و بقي البربر بضواحيهم إلى أن ولي يزيد بن معاوية و ولى على أفريقية أبا المهاجر مولى و كانت رياسة البربر يومئذ في أوربة لكسيلة بن لمزم و هو رأس البرانس و مرادفه سكرديد بن رومي بن مازرت من أوربة و كان على دين النصرانية فأسلما الأول الفتح ثم ارتدا عند ولاية أبي المهاجر و اجتمع إليهما البرانس و زحف إليهم حتى نزل عيون تلمسان فهزمهم و ظفر بكسيلة فأسلم و استبقاه ثم جاء عقبة بعد أبي المهاجر فنكبه غيظا على صحابته لأبي المهاجر ثم استفتح حصون الفرنجة مثل ماغانة و لميس و لقيه ملوك البربر بالزاب وتاهرت فغضهم جمعا بعد جمع و دخل المغرب الأقصى و أطاعته غمارة و أميرهم يومئذ بليان ثم جاز إلى وليلى ثم جبال درن و قتل المصامدة و كانت بينهم و بينه حروب و حاصروه بجبال درن و نهضت إليهم جموع زناتة و كانوا خالصة للمسلمين منذ إسلام مغراوة فأفرجت المصامدة عن عقبة و أثخن فيهم حتى حملهم على طاعة الإسلام و دوخ بلادهم ثم أجاز إلى بلاد السوس لقتال من بها من صنهاجة أهل اللثام و هو يومئذ على دين المجوسية ولم يدينوا بالنصرانية فأثخن فيهم و انتهى إلى تارودانت و هزم جموع البربر و قاتل مسوفة من وراء السوس و ساسهم و قفل راجعا و كسيلة أثناء هذا كله في اعتقاله بجمعه معه في عسكره سائر غزواته فلما قفل من السوس سرح العساكر إلى القيروان حتى بقي في خف من الجنود و تراسل كسيلة و قومه فأرسلوا له شهودا و انتهزوا الفرصة فيه و قتلوه و من معه و ملك كسيلة أفريقية خمس سنين و نزل القيروان و أعطى الأمان لمن بقي بها ممن تخلف من العرب أهل الذراري و الأثقال و عظم سلطانه على البربر
و زحف قيس بن زهير البلوي في ولاية عبد الملك للثأر بدم عقبة سنة سبع و ستين و جمع له كسيلة سائر البربر و لقيه بجيش من نواحي القيروان فاشتد القتال بين الفريقين ثم انهزم البربر و قتل كسيلة و من لا يحصى منهم و أتبعهم العرب إلى محنة ثم إلى ملوية و في هذه الواقعة ذل البربر و فنيت فرسانهم و رجالهم و خضت شوكتهم و اضمحل أمر الفرنجة فلم يعد و خاف البربر من زهير و من العرب خوفا شديدا فلجؤا إلى القلاع و الحصون
ثم ترك زهير بعدها و قفل إلى المشرق فاستشهد ببرقة كما ذكرناه و اضطرمت أفريقية نارا و افترق أمر البربر و تعدد سلطانهم في رؤسائهم و كان من أعظمهم شأنا يومئذ الكاهنة دهيا بنت ماتية بن تيفان ملكة جبل أوراس و قومها من جراوة ملوك البتر و زعمائهم فبعث عبد الملك إلى حسان بن النعمان الغساني عامله على مصر أن يخرج إلى جهاد أفريقية و بعث إليه بالمدد فزحف إليها سنة تسع وسبعين و دخل القيروان و غزا قرطاجنة و افتتحها عنوة و ذهب من كان بقي بها من الإفرنجة إلى صقلية و إلى الأندلس
ثم سأل عن أعظم ملوك البربر فدلوه على الكاهنة و قومها جراوة فمضى إليها حتى نزل وادي مسكيانة و زحف إليه فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزم المسلمون و قتل منهم خلق كثير و أسر خالد بن يزيد القيسي و لم تزل الكاهنة و البربر في اتباع حسان و العرب حتى أخرجوهم من عمل قابس و لحق حسان بعمل طرابلس و لقيه كتاب عبد الملك بالمقام فأقام و بنى قصوره و تعرف لهذا العهد به ثم رجعت الكاهنة إلى مكانها و اتخذت عهدا عند أسيرها خالد بالرضاع مع إبنتها و أقامت في سلطان أفريقية و البربر خمس سنين ثم بعث عبد الملك إلى حسان بالمدد فرجع إلى أفريقية سنة أربع و سبعين و خرجت الكاهنة جميع المدن و الضياع وكانت من طرابلس إلى طنجة ظلا و احدا في قرى متصلة
و شق ذلك على البربر فاستأمنوا لحسان فأمنهم و وجد السبيل إلى تفريق أمرها و زحف إليها و هي في جموعها من البربر فانهزموا و قتلت الكاهنة بمكان السر المعروف بها لهذا العهد بجبل أوراس و استأمن إليه البربر على الإسلام و الطاعة و على أن يكون منهم إثنا عشر ألفا مجاهدين معه فأجابوا و أسلموا و حسن إسلامهم و عقد للأكبر من ولد الكاهنة على قومهم من جراوة و على جبل أوراس فقالوا : لزمنا الطاعة له سبقناها إليها و بايعناه عليها و أشارت عليهم بذلك لإثارة من علم كانت لديها بذلك من شياطينها و انصرف حسان إلى القيروان فدون الدواوين و صالح من التقى بيده إلى البربر على الخراج و كتب الخراج على عجم أفريقية و من أقام معهم على النصرانية من البربر و البرانس و اختلفت أيدي البربر فيما بينهم على أفريقية و المغرب فخلت أكثر البلاد و قدم موسى بن نصير إلى القيروان واليا على أفريقية ورأى ما فيها من الخلاف و كان ينقل العجم من الأقاصي إلى الأداني و أثخن في البربر
و دوخ المغرب و أدى إليه البربر الطاعة و ولي على طنجة طارق بن زياد و أنزل معه سبعة و عشرين ألفا من العرب و اثني عشر ألفا من البربر و أمرهم أن يعلموا البربر القرآن و الفقه ثم أسلم بقية البربر على يد إسمعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر سنة إحدى و مائة
و ذكر أبو محمد بن أبي زيد : إن البربر ارتدوا إثنتي عشرة مرة من طرابلس إلى طنجة ولم يستقر إسلامهم حتى أجاز طارق و موسى بن نصير إلى الأندلس بعد أن دوخ المغرب و أجاز معه كثير من رجالات البربر أمرائهم برسم الجهاد فاستقروا و رسخت فيهم لدن الفتح فحينئذ استقر الإسلام بالمغرب و أذعن البربر لحكمه و رسخت فيهم كلمة الإسلام و تناسوا الردة ثم نبضت فيهم عروق الخارجية فدانوا بها و لقنوها من العرب الناقلة ممن سمعها بالعراق و تعددت طوائفهم و تشعبت طرقها من الإباضية و الصفرية كما ذكرنا في أخبار الخوارج
و فشت هذه البدعة و عقدها رؤس النفاق من العرب و جرت إليهم الفتنة من البربر ذريعة إلى الانتزاء على الأمر فاختلوا في كل جهة ودعوا إلى قائدهم طغام البربر تتلون عليهم مذاهب كفرها و يلبسون الحق بالباطل فيها إلى أن رسخت فيهم عروق من غرائسها
ثم تطاول البربر إلى الفتك بأمراء العرب فقتلوا يزيد بن أبي مسلم سنة إثنتين و مائة لما نقموا عليه في بعض الفعلات ثم انتقض البربر بعد ذلك سنة إثنتين و عشرين و مائة في ولاية عبد الله بن الحجاب أيام هشام بن عبد الملك لما أوطأ عساكره بلاد السوس و أثخن في البربر و سبى و غنم و انتهى إلى مسوفة فقتل و سبى و داخل البربر منه رعب و بلغه أن البربر أحسوا بأنهم فيء للمسلمين فانتقضوا عليه
و ثار ميسرة المطغتي بطنجة على عمرو بن عبد الله فقتله و بايع لعبد الأعلى بن جريح الأفريقي رومي الأصل و مولى العرب كان مقدم الصفرية من الخوارج في انتحال مذهبهم فقام بأمرهم مدة و بايع ميسرة لنفسه بالخلافة داعيا إلى نحلته من الخارجية على مذهب الصفرية ثم ساءت سيرته فنقم عليه البربر ما جاء به فقتلوه و قدموا على أنفسهم خالد بن حميد الزناتي
قال ابن عبد الحكم هو من هتورة إحدى بطون زناتة فقام بأمرهم و زحف إلى العرب و سرح إليهم عبد الله بن الحجاب العساكر في مقدمته و معهم خالد بن أبي حبيب فالتقوا بوادي شلف و انهزم العرب و قتل خالد بن أبي حبيب و من معه و سميت وقعة الأسراب و انتقضت البلاد و مرج أمر الناس و بلغ الخبر هشام بن عبد الملك فعزل ابن حجاب و ولى كلثوم بن عياض القشيري سنة ثلاث و عشرين و سرحه في إثني عشر ألفا من أهل الشام و كتب إلى ثغور مصر و برقة و طرابلس أن يمدوه فخرج إلى أفريقية و المغرب حتى بلغ وادي طنجة و هو وادي سبس فزحف إليه خالد ابن حميد الزناتي فيمن معه من البربر و كانوا خلقا لا يحصى و لقوا كلثوم بن عياض من بعد أن هزموا مقدمته فاشتد القتال بينهم و قتل كلثوم و أضرمت العساكر فمضى أهل الشآم إلى الأندلس مع فلح بن بشر القشيري و مضى أهل مصر و أفريقية إلى القيروان
و بلغ الخبر إلى هشام بن عبد الملك فبعث حنظلة بن سفيان الكلبي فقدم القيروان سنة أربع و عشرين و أربعمائة و هوارة يومئذ خوارج على الدولة منهم عكاشة بن أيوب و عبد الواحد بن يزيد في قومهما فثارت هوارة و من تبعهم من البربر فهزمهم حنظلة بن المعز بظاهر القيروان بعد قتال شديد و قتل عبد الواحد الهواري و أخذ عكاشة أسيرا و أحصيت القتلى في هذه الوقيعة فكانوا مائة و ثمانين ألفا و كتب بذلك حنظلة إلى هشام و سمعها الليث بن سعد فقال :
ما غزوة كنت أحب أن أشهدها بعد غزوة بدر أحب إلي من غزوة القرن و الأصنام
ثم خفت صوت الخلافة بالمشرق و التاث أمرها لما كان من بني أمية من الفتنة و ما كان من أمر الشيعة و الخوارج مع مروان و أقضى الأمر إلى الإدالة ببني العباس من بني أمية و أجاز البحر عبد الرحمن بن حبيب من الأندلس إلى أفريقية فملكها و غلب حنظلة عليها سنة ست و عشرين و مائة فعادت هيف إلى أديانها و استشرى داء البربر و أعضل أمر الخارجية و رؤسها فانتقضوا من أطراف البقاع و تواثبوا على الأمر بكل ما كان داعين إلى بدعتهم و تولى كبر ذلك يومئذ صنهاجة و تغلب أميرهم ثابت بن وزيدون و قومه على باجة و ثار معه عبد الله بن سكرديد من أمرائهم فيمن تبعه
و ثار بطرابلس عبد الجبار و الحرث من هوارة و كانا يدينان برأي الإباضية فقتلوا عامل طرابلس بكر بن عيسى القيسي لما خرج إليهم يدعوهم إلى الصلح و بقي الأمر على ذلك مدة و ثار إسمعيل بن زياد في قتل البربر و أثخن فيهم و زحف إلى تلمسان سنة خمس و ثلاثين و مائة فظفر بها و دوخ المغرب و أذل من كان فيه من البربر ثم كانت بعد ذلك فتنة و ربجومة و سائر قبائل نفزاوة سنة أربعين و مائة و ذلك لما انحرف عبد الرحمن بن حبيب عن طاعة أبي جعفر و قتله أخواه إلياس و عبد الوارث فولي مكانه ابنه حبيب و طالبهما بثأر أبيه فقتل إلياس و لحق عبد الوارث بوربجومة فأجاره أميرهم عاصم بن جميل و تبعه على شأنه يزيد بن سكوم أمير ولهاصه و اجتمعت لهم كلمة نفزاوة و دعوا لأبي جعفر المنصور و زحفوا إلى القيروان و دخلوها عنوة و فر حبيب بن قابس فأتبعه عاصم في نفزاوة و قبائلهم
و ولي على القيروان عبد الملك بن أبي الجعد النغزي ثم انهزم حبيب إلى أوراس و اتبعه عاصم فاعترضه عبد الملك بن أبي الجعد و جموع نفزاوة الذين كانوا بالقيروان و قتلوه و استولت و ربجومة على القيروان و سائر أفريقية و قتلوا من كان بها من قريش و ربطوا دوابهم بالمسجد الجامع و اشتد البلاء على أهل القيروان و أنكرت ذلك من فعل و ربجومة و من إليهم من نفزاوة برابرة طرابلس الإباضية من هوارة و زناتة فخرجوا و اجتمعوا إلى أبي الخطاب عليها و اجتمع إليه سائر البربر الذين كانوا هنالك من زناتة و هوراة و زحف بهم إلى القيروان فقتل عبد الملك بن أبي الجعد و سائر و ربجومة و نفزاوة و استولى على القيروان سنة إحدى و أربعين و مائة ثم ولي على القيروان عبد الرحمن بن رستم و هو من أبناء رستم أمير فارس بالقادسية كان من موالي العرب و من رؤس هذه البدعة
و رجع أبو الخطاب إلى طرابلس و اضطرم المغرب نارا و انتزى خوارج البربر على الجهات فملكوها و اجتمعت الصفرية من مكناسة بناحية المغرب منه أربعين و مائة و قدموا عليهم عيسى بن يزيد الأسود و أسسوا مدينة سجلماسة و نزلوها و قدم محمد بن الأشعث واليا على أفريقية من أبي جعفر المنصور فزحف إليه أبو الخطاب و لقيه بسرت فهزموا ابن الأشعث و قتل البربر ببلاد ريفا و فر عبد الرحمن بن رستم من القيروان إلى تاهرت بالمغرب الأوسط و اجتمعت إليه طوائف البربر الإباضية من لماية و رجالة و نفزاوة فنزل بها و اختط مدينتها سنة أربع و أربعين و مائة و ضبط ابن الأشعث أفريقية و خافه البربر
ثم انتقل بنو يفرن من زناتة و مغيلة من البربر بنواحي تلمسان و قدموا على أنفسهم أبا قرة من بني يفرن و يقال أنه من مغيلة و هو الأصح في شأنه و بويع له بالخلافة سنة ثمان و أربعين و مائة
و زحف إليه الأغلب بن سود التميمي عامل طبنة فلما قرب منه هرب أبو قرة فنزل الأغلب الزاب ثم اعتزم على تلسمان ثم طنجة و رجع إليه الجند فرجع ثم انتقض البربر من بعد ذلك أيام عمرو بن حفص من ولد قبيصة ابن أبي صفرة أخي المهلب
و كان تغلب هوارة منذ سنة إحدى و خمسين و مائة و اجتمعوا بطرابلس و قدموا عليهم أبا حاتم يعقوب بن حبيب بن مرين بن تطوفت من أمراء مغيلة و يسمى أبا قادم
و زحفت إليهم جنود عمر بن حفص فهزموها و ملكوا طرابلس و زحفوا إلى القيروان فحاصروها ثم زحف البرابرة من الجانب الآخر بجنود عمر بطبنة في إثني عشر معسكرا و كان منهم أبو قرة في أربعين ألفا من الصفرية و عبد الرحمن بن رستم في ستة آلاف من الإباضية و المسور بن هانيء في عشرة آلاف كذلك و جرير بن مسعود فيمن تبعه من مديونة و عبد الملك ابن سكرديد الصنهاجي في ألفين منهم من الصفرية
و اشتد الحصار على عمر بن حفص فأعمل الحيلة في الخلاف بين جماعتهم و كان بنو يفرن من زناتة أكثر البرابرة يومئذ جمعا و أشدهم قوة فصالح أبو قرة زعيمهم على أربعين ألفا و أعطى إبنه في اتمام ذلك أربعة آلاف و افترقوا و ارتحلوا عن طبنة ثم بعث بعثا إلى ابن رستم فهزمه و دخل تاهرت مفلولا و زحف عمر بن حفص إلى أبي حاتم و البربر الإياضية الذين معه و نهضوا إليه فخالفهم إلى القيروان و شحنها بالأقوات و الرجال
ثم لقي أبا حاتم و البربر و هزموه و رجع إلى القيروان و حاصروه و كانوا في ثلثمائة و خمسين ألفا الخيل منها خمسة و ثلاثون ألفا و كانوا كلهم إباضية و طال الحصار و قتل عمر بن حفص في بعض أيامه سنة أربع و خمسين و مائة و صالح أهل القيروان أبا حاتم على ما أحب و ارتحل و قدم يزيد بن قبيصة بن المهلب سنة أربع و خمسين و مائة واليا على أفريقية فزحف إليه أبو حاتم بعد أن خالف عليه عمر بن عثمان الفهري و افترق أمرهم فلقيه يزيد بن حاتم بطرابلس فقتل أبو حاتم و انهزم البربر و لحق عبد الرحمن بن حبيب بن عبد الرحمن من أصحاب أبي حاتم بكتامة و بعث المخارق بن غفار الطائي فحاصره ثمانية أشهر ثم غلب عليه فقتله و من كان معه من البربر و هربوا إلى كل ناحية و كانت حروبهم مع الجند من لدن قتل عمر بن حفص بطبنه إلى انقضاء ثلثمائة و خمسة و سبعين حربا
و قدم يزيد أفريقية فزال فسادها و رتب القيروان و لم تزل البلاد هادئة و انتقض ورفجومة سنة سبع و خمسين و مائة و ولوا عليهم رجلا منهم إسمه أبو زرجونة فسرح إليه يزيد من عشيرة ابن محراة المهلبي فهزموه و استأذنه إبنه المهلب و كان على الزاب وطبنة وكتامة في الزحف إلى ورفجومة فأذن له و أمده بالعلاء بن سعيد ابن مراون المهلبي من عشيرتهم أيضا فأوقع بهم و قتلهم أبرح قتل و انتقض نفزاوة من بعد ذلك في سلطنة إبنه داود من بعد مهلكه سنة إحدى و ستين و مائة و ولوا عليهم صالح بن نصير النفزي و دعوا إلى رأيهم رأي الإباضية فسرح إليهم ابن عمه سليمان بن الصمة في عشرة آلاف فهزمهم و قتل البربر أبرح قتل
ثم تحيز إلى صالح بن نصير و لم يشهد الأولى من البربر الإباضية و اجتمعوا بشقبنارية فهزمهم إليها سليمان ثانية وانصرف إلى القيروان
و ركدت ريح الخوارج من البربر من أفريقية و تداعت بدعتهم إلى الاضمحلال و رغب عبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت سنة إحدى و سبعين و مائة في موادعة صاحب القيروان روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب فوادعه و انحصدت شوكة البربر و استكانوا للغلب و أطاعوا للدين فضرب الإسلام بجرانه و ألقت الدولةالضريبة على البربر بكلكلها و تقلد إبراهيم بن الأغلب التميمي أمر أفريقية و المغرب من قبل الرشيد هرون سنة خمس و ثمانين و مائة فاضطلع بأمر هذه الولاية و أحسن السيرة و قوم القتاد و رأب الصدع و جمع الكلمة و رضيت و استقل بولايتها غير منازع و لا متشوه و توارثها بنوه خالفا عن سالف
و كانت لهم بأفريقية و المغرب الدولة التي ذكرناها من قبل إلى أن انقرض أمر العرب بأفريقية على زيادة الله عاقبتهم الفار إلى المشرق أمام كتامة سنة ست و تسعين و مائتين كما نذكره
و خرج كتامة على بني الأغلب بدعوة الرافضية قام فيهم أبو عبد الله المحتسب الشيعي داعية عبيد الله المهدي فكان ذلك آخر عهد بالملك و الدولة بأفريقية و استقل كتامة بالأمر من يومئذ ثم من بعدهم من برابرة المغرب و ذهبت ريح العرب و دولتهم من المغرب و أفريقية فلم يكن لهم بعد دولة إلى هذا العهد
و صار الملك للبربر و قبائلهم يتداولونه طائفة بعد أخرى و جيلا بعد آخر تارة يدعون إلى الأمويين الخلفاء بالأندلس و تارة إلى الهاشمين من بني العباس و بني الحسن
ثم استقلوا بالدعوة لأنفسهم آخرا حسبما نذكر ذلك كله مفصلا عندما يعرض لنا من ذكر دول زناتة و البربر الذين نحن في سياقة أخبارهم

(6/139)


البرابرة البتر ـ الخبر عن البرابرة البتر و شعوبهم و نبدأ منهم أولا بذكر نفوسة و تصاريف أحوالهم
كان مادغيس الأبتر جد البرابرة البتر و كان ابنه زحيك و منه تشعبت بطونهم فكان له من الولد فيما يذكر نسابة البربر أربعة نفوس و أداس و ضراولوا فأما أداس فصار في هوارة لما يقال إن هوارة خلف أباه زحيك على أمه قبل فصاله فانتسب إليه و اختلط بولده و اندرجت بطون أداس في هورة كما ذكرناه
و أما ضراولوا فسنأتي بذكر بطونهم واحدا واحدا
و أما نفوس فهم بطن واحد تنسب إليه نفوسة كلها و كانوا من أوسع قبائل البربر فيهم شعوب كثيرة مثل بني زمور و بني مكسور و ماطوسة
و كانت مواطن جمهورهم بجهات طرابلس و ما إليها و هناك الجبل المعروف بهم و هم على ثلاثة مراحل من قبلة طرابلس يسكنه اليوم بقاياهم و كانت مدينة صبرة قبل الفتح في مواطنهم و تعزى إليهم و هي كانت باكورة الفتح لأول الإسلام و خرب المغرب بعد استيلائهم عليها فلم يبق منهم إلا الأطلال و رسوم خافية و كان من رجالاتهم إسمعيل بن زياد المتغلب على قابس سنة إثنتين و ثلاثين و مائة لأول الدولة العباسية و منهم لهذا العهد أوزاع متفرقون في الأقطار بعمالات مصر و المغرب و الله وارث الأرض و من عليها و أمالوا فمن ولده نفزاوة و لواتة كما نذكر

(6/149)


الخبر عن نفزاوة و بطونهم و تصاريف أحوالهم
و هم بنو تطوفت بن نفزاو بن لوا الأكبر بن زحيك و بطونهم كثيرة مثل غساسة و مرنيسة و زهيلة و سوماتة و زاتيمة و ولهاصة و مجره و ورسيف و من بطونهم مكلاتة
و يقال إن مكلاتة من عرب اليمن وقع إلى تطوفت صغيرا فتبناه و ليس من البربر
و لمكلاتة بطون متعددة مثل بني ورياغل و كزناية و بني يصلتن و بني ديمان و رمحوق و بني يزناسن و يقال إن غساسة منهم هكذا عند نسابة البربر مثل سابق المطماطي و غيره و من بطون ولهاصة و رتدين بن داحية بن ولهاصة و ورفجومة بن نيرغاس بن ولهاص
و من بطن ورفجومة زكو له رجالة لذكاك بن ورفجوم إلى بطون أخرى كثيرة
و كان ورفجومة هؤلاء أوسم بطون نفزاوة و أشدهم بأسا و قوة و لما انحرف عبد الرحمن بن حبيب عن طاعة أبي جعفر المنصور و قتله أخواه عبد الوارث و إلياس و طالبهما ابنه حبيب بالثأر فلحق عبد الوارث بورفجومة و نزل على أميرهم عاصم بن جميل بأوراس و كان كاهنا فأجاره و قام بدعوة أبي جعفر المنصور و اجتمعت إليه نفزاوة و كان من رجالاتهم عبد الملك صلى الله عليه و سلم أبي الجعد و يزيد بن سكوم و كانوا يدينون بدين الإباضية من الخوارج و زحفوا إلى القيروان سنة أربعين و مائة و فر عنها حبيب بن عبد الرحمن و دخلها عبد الملك بن أبي الجعد و قتل حبيبا و استولت نفزاوة على القيروان و قتلوا من كان بها من قريش و سائر العرب و ربطوا دوابهم بالمسجد و عظمت حوادثهم
و نكر ذلك عليهم الاباضية من برابرة طرابلس و تولى كبرها زناتة و هوارة فاجتمعوا إلى الخطاب بن السمح و رجالات العرب و استولوا على طرابلس ثم على القيروان سنة إحدى و أربعين و مائة و قتلوا عبد الملك بن أبي الجعد و أثخنوا في قومه من نفزاوة و ورفجومة و رجعوا إلى طرابلس بعد أن استعمل أبو الخطاب على القيروان عبد الرحمن بن رستم
و اضطرم المغرب نارا و عظمت فتنة ورفجومة هؤلاء إلى أن قدم محمد بن الأشعث سنة ست و أربعين و مائة من قبل المنصور فأثخن في البربر و أطفأ نار هذه الفتنة كما قدمناه و لما اختط عمر بن حفص مدينة طبنة سنة إحدى و خمسين و مائة أنزل ورفجومة هؤلاء بها بما كانوا شيعا له و عظم غناؤهم فيها عندما حاصره بها ابن رستم و بنو يفرن
ثم انتقضوا بعد مهلك عمر على يزيد بن حاتم عند قدومه على أفريقية سنة سبع و خمسين و مائة و ولوا عليهم أبا زرجونة منهم و سرح إليهم يزيد العساكر مع ابنه و قومه فأثخنوا فيهم ثم انتقضت نفزاوة على أبيه داود و دعوا إلى دين الاباضية و ولوا عليهم صالح بن نصر منهم فرجعت العساكر إليهم متراسلة و قتلوهم أبرح قتل
و عليها كان ركود ريح الخوارج بأفريقية و أذعار البربر و افترق بنو ورفجوم بعد ذلك و انقرض أمرهم و صاروا أوزاعا في القبائل وكان رجالة منهم بطنا متسعا و كان منهم رجالات مذكورون في أول العبيديين و بني أمية بالأندلس منهم الرجالي أحد الكتاب بقرطبة و بقي منهم لهذا العهد فرق بمرماجنه و هناك قرية ببسيطها تنسب إليهم
و أما سائر ولهاصة من ورفجومة و غيرهم فهم لهذا العهد أوزاع لذلك أشهرهم قبيلة بساحل تلمسان اندرجوا في كومية و عدوا منهم بالنسب و الخلط
و كان منهم في أواسط هذه المائة الثامنة ابن عبد المكلف استقل برياستهم و تملك بدعوة السلطان بعد استيلاء عبد الواد على تلمسان و نواحيها و تغلب على سلطانهم لذلك العهد كما نذكره عثمان بن عبد الرحمن و سجنه بالمطبق بتلمسان ثم قتله و من أشهر قبائل ولهاصة أيضا قبيلة أخرى ببسيط بونة يركبون الخيل و يأخذون بمذاهب العرب في زيهم و لغتهم و سائر شعارهم كما هو شأن هوراة
و هم في عداد القبائل الغارمة و رياستهم في بني عريف منهم و هي لهذا العهد في ولد حازم بن شداد بن حزام بن نصر بن مالك بن عريف و كانت قبلهم لعسكر بن بطنان منهم هذه أخبار ولهاصة فيما علمناه
و أما نهاية بطون نفزاوة فمنهم زاتيمة و بقية منهم لهذا العهد بساحل برشك و منهم غساسة و بقية منهم لهذا العهد بساحل بوطة حيث القرية التي هناك حاضرة البحر و مرسى لأساطيل المغرب و هي مشهورة باسمهم و أما زهيلة فبقيتهم لهذا العهد بنواحي بادس مندرجون في غمارة و كان منهم لعهد مشيختنا أبو يعقوب البادسي أكبر الأولياء و آخرهم بالمغرب و أما مرنيسة فلا يعلم لهم موطن و من أعقابهم أوزاع بين أحياء العرب بأفريقية و أما سوماتة فمنهم بقية فمن نواحي القيروان كان منهم منذر بن سعيد القاضي بقرطبة لعهد الناصر و الله أعلم
و أما بقايا بطون نفزاوة فلا يعرف لهم لهذا العهد حي و لا موطن إلا القرى الظاهرة المقدرة السير المنسوبة إليهم ببلاد قسطيلة و بها معاهدون من الفرنجة أوطنوهم على الجزية و اعتقاد الذمة عند عهد الفتح و أعقابهم بها لهذا العهد وقد نزل معهم كثير من بني سليم من الشريد و زغبة و أوطنوها و تملكوا بها القفار و الضياع
و كان أمر هذه القرى راجعا إلى عامل توزر أيام استبداد الخلافة فلما تقلص ظل الدولة عنهم و حدثت العصبة في الأمصار استبدت كل قرية بأمرها و صار مقدم توزر يحاول دخولهم في إيالته فمنهم من يعطيه ذلك و منهم من يأباه حتى أظلتهم دولة مولانا السلطان أبي العباس و أدرجوا كلهم في طاعته و اندرجوا في حبله و الله ولي الأمور لا رب غيره

(6/150)


الخبر عن لواتة من البرابرة البتر و تصاريف أحوالهم
و هو بطن عظيم متسع من بطون البربر البتر ينتسبون إلى لوا الأصغر بن لوا الأكبر بن زحيك و لوا الأصغر هو نفزا و كما قلناه و لوا إسم أبيهم و البربر إذا أرادوا العموم في الجمع زادوا الألف و التاء فصار لوات فلما عربته العرب حملوه على الإفراد و ألحقوا به هاء الجمع و ذكر ابن حزم أن نسابة البربر يزعمون أن سدراتة و لواتة و مزاتة من القبط و ليس ذلك بصحيح
و ابن حزم لم يطلع على كتب علماء البربر في ذلك و في لواتة بطون كثيرة و فيهم قبائل كثيرة مثل سدراتة بن نيطط بن لوا و مثل عزوزة بن ما صلت بن لوا و عد سابق و أصحابه في بني ماصلت بطونا أخرى غير عزوزة و هم :
أكورة و جرمانة و نقاعة مثل بني زائد بن لوا و أكثر بطونهم مزاتة و نسابة البربر يعدون في مزاتة بطونا كثيرة مثل : ملايان و مرنه و محيحه و دكمه و حمره و مدونه
و كان لواتة هؤلاء ظواعن في مواطنهم بنواحي برقة كما ذكر المسعودي و كان لهم في فتنة أبي يزيد آثار
و كان منهم بجبل أوراس أمة عظمية ظاهروا أبا يزيد مع بني كملان على أمره و لم يزالوا بأوراس لهذا العهد مع من به من قبائل هوراة و كتامة و يدهم العالية عليهم تناهز خيالتهم ألفا و تجاوز رجالاتهم العدة و تستكفي بهم الدولة في جباية من تحت أيديهم بجبل أوراس من القبائل الغارمة فيحسنون الغناء و الكفاية
و كانت البعوث مضروبة عليهم ينفرون بها في معسكر السلطان
فلما تقلص ظل الدولة عنهم صار بنو سعادة منهم في أقطاع أولاد محمد من الزواودة فاستعملوهم في مثل ما كانت الدولة تستعملهم فيه فأصاروهم خولا للجباية و عسكرا للاستنفار و أصبحوا من جملة رعاياهم و قد كان بقي جانب منهم لم تستوفه الإقطاعات و هم بنو زنجان و بنو باديس فاستضافهم منصور بن مزني إلى عمله
فلما استبد مزني عن الدولة و استقلوا بالزاب صاروا يبعدونهم بالجبلية بعض السنين و يعسكرون عليهم لذلك بأفاريق الأعراب و هم لهذا العهد معتصمون بجبلهم لا يجاوزونه إلى البسيط خوفا من عادية الأعراب
و لبني باديس منهم أتاوات على بلد نقاوس المحيطة في فسيح الجبل بما تغلبوا على ضواحيها فاذا انحدر الأعراب إلى مشاتيهم اقتضوا منها أتاواتهم و خفارتهم و إذا أقبلوا إلى مصايفهم رجع لواتة إلى معاقلهم الممتنعة على الأعراب و كان من لواتة هؤلاء أمة عظيمة بضواحي تاهرت إلى ناحية القبلة و كانوا ظواعن هنالك على وادي ميناس ما بين جبل يعود من جهة الشرق و إلى وارصلف من جهة الغرب يقال إن بعض أمراء القيروان نقلهم معه في غزوة و أنزلهم هنالك و كان كبيرهم أورغ بن علي بن هشام قائدا لعبد الله الشيعي
و لما انتقض حميد بن مصل صاحب تاهرت على المنصور ثالث خلفاء الشيعة ظاهروه على خلافه و جاوروه في مذاهب ضلاله إلى أن غلبه المنصور و أجاز حميد إلى الأندلس سنة ست و ثلاثين و مائة و زحف المنصور يريد لواتة فهربوا أمامه إلى الرمال و هرب عنهم و نزل إلى وادي ميناس ثم انصرف إلى القيروان
و ذكر ابن الرقيق أن المنصور وقف هنالك على أثر من آثار الأقدمين بالقصور التي على الجبال الثلاثة مبنية بالحجر المنحوت يبدو للناظر على البعد كأنها أسنمة قبور و رأى كتابا في حجر فسره له أبو سليمان السردغوس : خالف أهل هذا البلد على الملك فأخرجني إليهم ففتح لي عليهم و بنيت هذا البناء لأذكر به و هكذا ذكر ابن الرقيق و كان بنو وجديجي من قبائل زناتة بمواطنهم من منداس جيرانا للواتة هؤلاء و التخم بينهما وادي ميناس و تاهرت
و حدثت بينهما فتنة بسبب امرأة أنكحها بنو وجديجي في لواتة فعيروا بالقفر فكتبت بذلك إلى قومها و رئيسهم يومئذ غسان فتذامروا و استمدوا من وراءهم من زناتة فأمدوهم بعلي بن محمد اليفرني
و زحفت مطماطة من الجانب الآخر في مظاهرتهم و عليهم غزانة أميرهم و زحفوا جميعا إلى لواتة فكانت بينهم وقائع و حروب هلك في بعضها علاق و أزاحو عن الجانب الغربي السرسو و ألجؤهم إلى الجبل الذي في قبلة تاهرت المسمى لهذا العهد كركيرة و كان به قوم من مغراوة فغدروا بهم و تظاهروا جميعا عليهم إلى أن أخرجوهم عن آخر مواطنهم في جهة الشرق بجبل يعود فنزلوا من وراء الجبل المسمى لهذا العهد دارك
و انتشرت عمائرها بتلوله و ما وراءه إلى الجبال المطلة على متيجة و هم لهذا العهد في عداد القبائل الغارمة و جبل دارك في أقطاع ولد يعقوب بن موسى مشيخة العطاف من ورغة و لواتة أيضا بطون بالجبل المعروفة بهم قبلة قابس و صفاقس و منهم بنو مكي رؤساء قابس لهذا العهد و منهم أيضا بواحات مصر فيما ذكره المسعودي أمة عظيمة بالجيزة التي بينها و بين مصر و كان لما قرب من هذه القصور شيخهم هنالك بدر بن سالم و انتقض على الترك و سرحوا إليه العساكر فاستلحموا كثيرا من قومه و فر إلى ناحية برقة و هو الآن في جوار العرب بها و من زناتة هؤلاء أحياء بنواحي تادلا قرب مراكش من الغرب الأقصى و لهم هنالك كثرة
و يزعم كثير من الناس أنهم بنواحي جابر من عرب جشم و اختلطوا بهم و صاروا في عدادهم و منهم أوزاع مفترقون بمصر و قرى الصعيد شاوية و فلاحين و منهم أيضا بضواحي بجاية قبيلة يعرفون بلواتة ينزلون بسيط تاكرارت من أعمالها و يعتمرونها فدنا لمزارعهم و مسارح لأنعامهم و مشيختهم لهذا العهد في ولد راجح بن صواب منهم و عليهم للسلطان جباية مفروضة و بعث مضروب هؤلاء المعروفون من بطون لواتة و لهم شعوب أخرى كثيرة اندرجوا في البطون و توزعوا بين القبائل و الله وارث الأرض ومن عليها

(6/152)


الخبر عن بني فاتن من ضريسة إحدى بطون البرابرة البتر و تصاريف أحوالهم
و هم بطون مضغرة و لماية و صدينة و كومية و مديونة و مغيلة و مطماطة و ملزوزة و مكناسة و دونة و كلهم من ولد فاتن بن ممصيب بن حريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر و لهم ظهور من البرابر و أخبار نسردها بطنا بطنا إلى آخرها
مضغرة : و هم من أوفر هذه الشعوب و كانوا خصاصين آهلين و كان جمهورهم بالمغرب منذ عهد الإسلام نشبوا في نشر الردة و ضرو بها و كان لهم فيها مقامات و لما استوسق الإسلام في البربر أجازوا إلى فتح الأندلس و أجازت منهم أمم و استقروا هنالك و لما سرى دين الخارجية أجازوا إلى فتح الأندلس و أجازت منهم أمم و استقروا هنالك
و لما سرى دين الخارجية في البربر أخذ مضغرة هؤلاء برأي الصفرية و كان شيخهم ميسرة و يعرف بالجفير مقدما فيه
و لما ولى عبيد الله بن الحبحاب على أفريقية من قبل هشام بن عبد الملك و أمره أن يمضي إليها من مصر فقدمها سنة أربع عشرة و مائة و استعمل عمر بن عبد الله المرادي على طنجة و المغرب الأقصى و ابنه اسمعيل على السوس و ما وراءه و اتصل أمر ولائهم و ساءت سيرتهم في البربر و نقموا عليهم أحوالهم و ما كانوا يطالبونهم به من الوصائف البربريات و الأردية العسلية الألوان و أنواع طرف المغرب فكانوا يتغالبون في جمعهم ذلك و انتحالة حتى كانت الصرمة من الغنم تهلك بالذبح لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها و لا يوجد فيها مع ذلك إلا الواحد و ما قرب منه
فكثر عيثهم بذلك في أموال البربر و جورهم عليهم و امتعض لذلك ميسرة الحسن زعيم مضغرة الحسن و حمل البرابرة على الفتك بعمر بن عبد الله عامل طنجة فقتلوه سنة خمس و عشرين و مائة و ولى ميسرة مكانه عبد الأعلى بن خديم الأفريقي الرومي الأصل كان من موالي العرب و أهل خارجيتهم و كان يرى رأي الصفرية فولاه ميسرة على طنجة و تقدم إلى السوس فقتله عامله إسمعيل بن عبد الله و اضطرم المغرب نارا و انتقض أمره على خلفاء المشرق فلم يراجع طاعتهم بعد
و زحف بعض الحجاب إليه من القيروان في العساكر على مقدمة خالد بن أبي حبيب الفهري فلقيهم ميسرة في جموع البرابرة فهزم المقدمة و استلحمهم و قتل خالد
و تسامح البربر بالأندلس بهذا الخبر فثاروا يعاملهم عقبة بن الحجاج السلولي و عزلوه و ولوا عبد الملك بن قطن الفهري و بلغ الخبر بذلك إلى هشام بن عبد الملك فسرح كلثوم بن عياض المري في إثني عشر ألفا من جنود الشام و ولاه على أفريقية و أدال به من عبيد الله بن الحبحاب ( القسم الثاني المجلد السادس ) و زحف كلثوم إلى البرابرة سنة ثلاث و عشرين و مائة حتى انتهت مقدمته إلى اسبو من أعمال طنجة فلقيه البرابرة هنالك مع ميسرة و قد فحصوا عن أوساط رؤسهم و نادوا بشعار الخارجية فهزموا مقدمته ثم هزموه و قتلوه
و كان كيدهم في لقائهم إياه و ملؤا الشنان بالحجارة و ربطوها بأذناب الخيل تنادي بها فتقعقع الحجارة في شنانها و سربت بمصاف العساكر من العرب فنفرت خيولهم و اختل مصافهم و انجرب عليهم الهزيمة فافترقوا و ذهب بلج مع الطلائع من أهل الشام إلى سبتة كما ذكرناه في أخبارهم و رجع إلى القيروان أهل مصر و أفريقية و ظهرت الخوارج في كل جهة و اقتطع المغرب عن طاعة الخلفاء إلى أن هلك ميسرة و قام برياسة مضغرة من بعده يحيى بن حارث منهم و كان خلفا لمحمد بن خرز و مغراوة ثم كان من بعد ذلك ظهور إدريس بالمغرب فقدم بها البرابرة و تولى كبرها أوربة منهم كما ذكرناه و كان على مضغرة يومئذ شيخهم بهلول بن عبد الواحد فانحرف مالك عن إدريس إلى الطاعة هرون الرشيد بمداخله إبراهيم بن الأغلب عامل القيروان فصالحه إدريس و أنبأه بالسلم
ثم ركد ريح مضغرة من بعد ذلك و افترق جمعهم وجرت الدول عليهم أذيالها و اندرجوا في عمال البربر الغارمين لهذا العهد بتلول المغرب و صحرائه
فمنهم ما بين فاس و تلمسان أمم يتصلون بكومية و يدخلون حلفهم و اندرجوا من لدن الدعوة الموحدية منهم و رياستهم لولد خليفة كان شيخهم على عهد الموحدين و بنى لهم حصنا بمواطنهم على ساحل البحر سمى تاونت و لما انصرفت دولة بني عبد المؤمن و استولى بنو مرين على المغرب قام هرون بن موسى بن خليفة بدعوة يعقوب بن عبد الحق سلطانهم و تغلب على ندرومة و زحف إليه يغمراسن بن زيان فاسترجع ندرومة من يده و غلبه على تاونت ثم زحف يعقوب بن عبد الحق إليهم و أخذها من أيديهم و شحنها بالأقوات و استعمل هرون و رجع إلى المغرب فحدث هرون نفسه بالاستبداد فدعا لنفسه معتصما بذلك الحصن خمس سنين
ثم صاهره يغمراسن و استنزله على صلح سنة إثنتين و سبعين و ستمائة و لحق هرون بيعقوب بن عبد الحق ثم أجاز إلى الجهاد بإذنه و استشهد هنالك و قام بأمر مضغرة من بعده أخوه تاشفين إلى أن هلك سنة ثلاث و سبعمائة و اتصلت رياستهم على عقبه لهذا العهد
و من قبائل مضغرة أمة بجبل قبلة فاس معروف بهم و منهم أيضا قبائل كثيرون بنواحي سجلماسة و أكثر أهلها منهم و ربما حدثت بها عصبية من جراهم
و من قبائل مضغرة أيضا بصحراء المغرب كثيرون نزلوا بقصورها و اغترسوا شجرة النخل على طريقة العرب فمنهم بتوات قبلة سجلماسة إلى تمنطيت آخر عملها قوم كثيرون موطنون مع غيرهم من أصناف البربر
و منهم في قبلة تلمسان و على ستة مراحل منها و هي قصور متقاربة بعضها من بعض ائتلف منها مصر كبير مستبحر بالعمران البدوي معدود في آحاد الأمصار بالصحراء ضاح من ظل الملك و الدول لبعده في القفر و رياسته في بني سيد الملك منهم و في شرقيها و على مراحل منها قرى أخرى متتابعة على سمتها متصاعدة قليلا إلى الجوف آخرها على مرحلة من قبلة جبل راشد
و هي في مجالات بني عامر من زغبة و أوطانهم من القفر و قد تملكوها لحظ أبنائهم و قضاء حاجاتهم حتى نسبت إليهم في الشهرة و في جهة الشرق على هذه القصور و على خمس مراحل منها دامعة متوغلة في القفر تعرف بقليعة
الآن يعتمرها رهط من مضغرة هؤلاء و ينتهي إليها ظواعن عن الملثمين من أهل الصحراء بعض السنين إذا لفحهم الهجير يستبردون في تلوها لتوغلها في ناحيتهم و من مضغرة هؤلاء أوزاع في أعمال المغرب الأوسط و أفريقية و لله الخلق جميعا
لماية و هم بطون كما ذكرناه أخوه مضغرة و لهم بطون كثير عد منها سابق و أصحابه بنو زكرمار و مزيزة و مليزة بنو مدينين كلهم من لماية و كانوا ظواعن بأفريقية و المغرب و كان جمهورهم بالمغرب الأوسط موطنين بسحومة مما يلي الصحراء
و لما سرى دين الخارجية في البربر أخذوا برأي الاباضية و دانوا به و انتحلوه و انتحله جيرانهم من مواطنهم تلك من لواتة و هوارة و كانوا بأرض السرسو قبلة منداس و زواغة و كانوا في ناحية الغرب عنهم و كانت مطماطة و مكناسة و زناتة جميعا في ناحية الجوف و الشرق فكانوا جميعا على دين الخارجية و على رأي الاباضية منهم و كان عبد الرحمن بن رستم من مسلمة الفتح و هو من ولد رستم أمير الفرس بالقادسية و قدم إلى أفريقية مع طوالع الفتح فكان بها و أخذ بدين الخارجية و الاباضية منهم و كان صنيعة للمتة و حليفا لهم
و لما تحزب الاباضية بناحية طرابلس منكرين على ورفجومة فعلهم في القيروان كما مر و اجتمعوا إلى ابن الخطاب عبد الأعلى بن السمح المغافري إمام الاباضية فملكوا طرابلس ثم ملكوا القيروان و قتل واليها من ورفجومة عبد الملك بن أبي الجعد و أثخنوا في ورفجومة و سائر مغراوة سنة إحدى و أربعين و مائة و رجع أبو الخطاب و الاباضية الذين معه من زناتة و هوارة و غيرهم بعد أن استخلف على القيروان عبد الرحمن بن رستم
و بلغ الخبر بفتنة ورفجومة هذه و اضطراب الخوارج من البربر بأفريقية و المغرب و تسلقهم على الكرسي للإمارة بالقيروان إلى المنصور أبي جعفر فسرح محمد بن الأشعث الخزاعي في العساكر إلى أفريقية و قلده حرب الخوارج بها فقدمها سنة أربع و أربعين و مائة و لقيهم أبو الخطاب في جموعه قريبا من طرابلس فأوقع به ابن الأشعث و بقومه و قتل أبو الخطاب و طار الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن رستم بمكان إمارته في القيروان فاحتمل أهله و ولده و لحق باباضية المغرب الأوسط من البرابرة الذين ذكرناهم و نزل على لماية لقديم حلف بينه و بينهم فاجتمعوا إليه و بايعوا له بالخلافة و ائتمروا في بناء مدينة ينصبون بها كرسي لإمارتهم فشرعوا في بناء مدينة تاهرت في سفح جبل كزول السياح على تلول منداس و اختطوها على وادي ميناس النابعة منه عيون بالقبلة و تمر بها و بالبطحاء إلى أن تصب في وادي شلف فأسها عبد الرحمن بن رستم و اختطها سنة أربع و أربعين و مائة فتمدنت و اتسعت خطتها إلى أن هلك عبد الرحمن و ولي إبنه عبد الوهاب من بعده و كان رأس الاباضية
و زحف سنة ست و سبعين و مائة مع هوارة إلى طرابلس و بها عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب من قبل أبيه فحاصره في جموع الاباضية من البربر إلى أن هلك إبراهيم بن الأغلب و استقدم عبد الله بن الأغلب لإمارته بالقيروان فصالح عبد الوهاب على أن تكون الصباحية لهم و انصرف إلى مقوسة و لحق عبد الله بالقيروان و ولى عبد الوهاب إبنه ميمونا و كان رأس الاباضية و الصفرية و الواصلية و انصرف إلى مقوسة و الصفرية و الواصلة و كان يسلم عليه بالخلافة و كان أتباعه من الواصلية و حدهم ثلاثين ألفا ظواعن ساكنين بالخيام و لم يزل الملك في بني رستم هؤلاء بتاهرت و حازتهم جيرانهم من مغراوة و بني يفرن على الدخول في طاعة الأدارسة لما ملكوا تلمسان و أخذت بها زناتة من لدن ثلاث و سبعين و مائة فامتنعوا عليهم سائر أيامهم إلى أن كان استيلاء أبي عبد الله الشيعي على أفريقية و المغرب سنة ست و سبعين و مائة فغلبهم على مدينة تاهرت و أبتزهم ملكهم بها
و بث دعوة عبد الله في أقطار المغربين فانقرض أمرهم بظهور هذه الدولة و عهد عروبة بن يوسف الكتامي فاتح المغرب للشيعة على تاهرت لأبي حميد دواس بن صولان الهيصي فغدا إلى المغرب سنة ثمان و تسعين و مائة فأمحى في مؤامرتها الاباضية من لماية و ازداجة و لواتة و مكناسة و مطماطة و حملهم على دين الرافضة و شيخ بها دين الخارجية حتى استحكم في عقائدهم ثم وليها أيام اسمعيل المنصور ابن صلاص بن حبوس
ثم نزع إلى دعوة الأموية وراء البحر و لحق بالخير بن محمد بن خزر صاحب دعوتهم في زناتة و استعمل المنصور بعده على تاهرت ميسورا الحصني مولاه و أحمد بن الزجالي من صنائعه فزحف إليها حميد و الخير و انهزم ميسور و اقتحموا تاهرت عنده و تعصبوا على أحمد الزجالي و ميسور إلى أن أطلقوهما بعد حين
و لم تزل تاهرت هذه بعد لأعمال الشيعة و صنهاجة سائر أيامهم و تغلب عليها زناتة مرارا و نازلها عسكر بني أمية راجعة في أثر زيري بن عطية أمير المغرب من مغراوة أيام أجاز المظفر بن أبي عامر من العدوة إلى حربه و لم يزل الشأن هذا إلى أن انقرض أمر تلك الدول و صار أمر المغرب إلى لمتونة ثم صار إلى دولة الموحدين من بعدهم و ملكوا المغربين و خرج عليهم بنو غانية بناحية قابس و لم يزل يجيء منهم جلب على ثغور الموحدين و شن الغارات على بسائط أفريقية و المغرب الأوسط و تكرر دخوله إليها عنوة مرة بعد أخرى إلى أن احتمل سكانها و خلا جوها و عفا رسمها لما يناهز عشرون من المائة السابعة و الأرض لله
و أما قبائل لماية فانقرضوا و هلكوا بهلاك مصرهم الذي اختطوه و حازوه و ملكوه سنة الله في عباده و بقيت فرق منهم أوزاعا في القبائل و منهم جربة الذين سميت بهم الجزيرة البحرية تجاه ساحل قابس وهم بها لهذا العهد و قد كان النصرانية من أهل صقلية ملكوها على من بها من المسلمين و هي قبائل لماية و كتامة مثل : جربة و سدويكس و وضعوا عليهم الجزية و شيدوا على ساحل البحر بها معقلا كافيا لإمارتهم سموه القشتيل و طال تمرس العساكر به من حضرة الدولة الحفصية بتونس حتى كان افتتاحها أعوام ثمان و ثلاثين من المائة الثامنة في دولة مولانا السلطان أبي بكر و على يد مخلوف بن الكماد من صنائعه و استقرت بها الدعوة الإسلامية إلى هذه العهد إلا أن القبائل الذين بها من البربر لم يزالوا يدينون لدين الخارجية و يتدارسون مذاهبهم مجلدات تشتمل على تآليف لأئمتهم في قواعد ديانتهم و أصول عقائدهم و فروع مذاهبهم يتناقلونها و يعكفون على دراستها و قراءتها و الله خلقكم و ما تعملون
مطماطة : و هم إخوة مضغرة و لماية من ولد فاتن بن تمصيت الذين مر ذكرهم و هم شعوب كثيرة و عن سابق المطماطي و أصحابه من النسابة أن اسم مطماط مصكاب و مطماط لقب له و أن شعوبهم من لوا بن مطماط و أنه كان له ولد آخر اسمه و رنشيط ولم يذكروا له عقبا قالوا : و كان للوا أربعة من الولد : و رماس و مبلاغر و وريكول و يليص و لم يعقب يليص و أعقب الثلاثة الباقون و منهم افترقت شعوب مطماطة كلها فأما ورماس فمنه مصمود و يونس و يفرين و أما وريكول فكان له من الولد كلدام و سيده و قيدر و لم يعقب سيده و لا قيدر و كان لكدام عصفراص و سليايان فمن سليايان وريغني و وصدى و قسطايان و عمرو و يقال لهؤلاء الخمسة بنو وصطلودة سموا بأمهم و كان لعصفراص زهاص و نهراص فمن عصفراص و رهل و حامد و سكوم و يقال لهم بنو تليكشان سموا بأمهم و كان من زهاص بلست و بصلاتين فمن بلست و رسقلاسن و سكر و محمد و مكريل و دكوال
و من يصلاسن بان يولى و سمساسن و مسامر و ملوسن و يحمد و نافع و عبد الله و عردابين و أما يلاغف بن ولوا بن مطماط فكان له من الولد دحيا و تاينة فمن تاينة ماحرسكن و ريغ و عجلان و مقام و قرة وكان لدحيا و رتجى و محديل فمن ورتجى مغرين و بور و رسيكم و ممجيس و من محديل ماكور و أشكول و كفلان و مذكور و فطارة و أبورة هذه شعوب مطماطة كما ذكر نسابة البربر سابق و أصحابه و هم مفرقون في المواطن فمنهم من نواحي فاس من قبلتها في جبل هنالك معروف بهم ما بين فاس و صفروى و منهم بجهات قابس و البلد المختط على العين الحامية من جهة غربها منسوب إليهم و لهذا العهد يقال حمة مطماطة و يأتي ذكرها في الدولة الحفصية و ممالك أفريقية و بقاياهم أوزاع من القبائل و كانت مواطن جمهورهم بتلول منداس عند جبل وانشريس و جبل كزول من نواحي تاهرت و كان لهم بتلك المواطن عزم بدولة صنهاجة و استفحال وصولة و في فتنة حماد بن بلكين مع باديس المنصور مقامات و آثار و كان كبيرهم يومئذ عزانة و كانت له مع البرابرة المجاورين له من لواتة و غيرهم حروب و أيام
و لما هلك عزانة قام بأمره في مطماطة ابنه زيري فمكث فيهم أياما ثم غلبت صنهاجة على أمره فأجاز البحر إلى العدوة ونزل على المنصور بن أبي عامر فاصطنعه ونظمه في طبقة الأمراء من البربر الذين كانوا في جملته و استظهروا على أمره فكان من أوجه رجالهم عنده و أعظمهم قدرا لديه إلى أن هلك و أجراه إبنه المظفر من بعده و أخوه عبد الرحمن الناصر على سنن ابيهما في ترفيع مكانه و اخلاص ولايته و كان عند ثورة محمد بن هشام بن عبد الجبار غائبا مع أبي عامر في أعراب النعمان مع من كان معه من أمراء البربر و عرفائهم فلما رأوا انتقاض أمره و سوء تدبيره لحقوا بمحمد بن هشام المهدي فكانوا معه إلى أن كانت الفتنة البربرية بالأندلس إلى أن هلك هنالك و لا أدري أي السنين كان مهلكه و أجاز إلى الأندلس أيضا من فصالهم بهلا بهلا من أبي لواي يصلاص و نزل على الناصر و هو من أهل العلم بآنساب البربر و كان من مشاهيرهم أيضا النسابة سابق بن سليمان بن حراث بن مولات بن دوياسر و هو كبير نسابة البربر ممن علمناه
و كان منهم أيضا عبد الله بن إدريس كاتب الخراج لعبيد الله المهدي في آخرين يطول ذكرهم
و هذا ما تلقيناه من أخبار مطماطة و أما موطن منداس فزعم بعض الأخباريين من البربر و وقفت على كتابه في ذلك أنه سم بمنداس بن مغر بن أوريغ بن لهرر بن المساو و هو هوارة و كأنه و الله أعلم يشير إلى أداس بن زحيك الذي يقال إنه ربيب هوار كما يأتي في ذكرهم إلا أنه اختلط عليه الأمر و كان لمنداس من الولد شراوة و كلتوم و تبكم
قال : و لما استفحل أمر مطماطة و كان شيخهم لهذا العهد إهاص ابن عصفراص فأخرج منداس من الوطن و غلبه على أمره و اعتمر بنوه موطن منداس و لم يزالوا به كلامه و لقيه هؤلاء القوم لهذا العهد بجبل أوتبتيش لحقوا به لما غلبهم بنو توجين من زناتة على منداس و صاروا في عداد قبائل الغارمة و الله وارث الأرض و من عليها
مغيلة : و هم إخوة مطماطة و لماية كما قلناه و إخوتهم ملزوزة معدودون منهم و كذلك دونة و كشاتة و لهم افتراق في الوطن و كان منهم جمهوران : أحدهما بالمغرب الأوسط عند مصب شلف في البحر من صوادر ما دونه المصر لهذا العهد و من ساحلهم أجاز عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس و نزل بالمنكب فكان منهم أبو قرة المغيلي الدائن بدين الصفرية من الخوارج ملك أربعين سنة و كانت بينه و بين أمراء العرب بالقيروان لأول دولة بني العباس حروب و نازل طبنة و قد قيل إن أبا قرة هذا من بني مطماطة و هذا عندي صحيح فلذلك أخرت ذكر أخباره إلى أخبار بني يفرن من زناتة
وكان منهم أيضا أبو حسان ثار بإفريقية لأول الإسلام و أبو حاتم يعقوب بن لبيب بن مرين بن يطوفت من مازور الثائر مع أبي قرة سنة خمسين و مائة و تغلب على القيروان فيما ذكر خالد بن خراش و خليفة بن خياط من علمائهم و ذكروا من رؤسائهم أيضا موسى بن خليد و مليح بن علوان و حسان بن زروال الداخل مع عبد الرحمن و كان منهم أيضا دلول بن حماد أميرا في سلطان يعلى بن محمد اليفرني و هو الذي اختط بلد ايكري على اثني عشر ميلا من البحر و هي لهذا العهد خراب لم يبق منها إلا الأطلال ماثلة و لم يبق من مغيلة بذلك الوطن جمع و لا حي و كان جمهورهم الآخر بالمغرب الأقصى و هم الذين تولوا مع أوربة و صدينة القيام بدعوة إدريس بن عبد الله لما لحق بالمغرب و أجازه و حملوا قبائل البربر على طاعته و الدخول في أمره و لم يزالوا على ذلك إلى أن اضمحلت دولة الأدارسة و بقاياهم لهذا العهد بمواطنهم ما بين فاس و صفرون و مكناسة و الله وارث الأرض و من عليها
مديونة : و هم من إخوة مغيلة و مطماطة من ولد فاس كما قلناه و كانت مواطن جمهورهم بنواحي تلمسان ما بين جبل بني راشد لهذا العهد إلى الجبل المعروف بهم قبلة وجدة يتقلبون بظواعنهم في ضواحيه و جهاته و كان بنو يلومي و بنو يفرن من قبلهم يجاورونهم من ناحية المشرق و مكناسة من ناحية المغرب و كومية و ولهاصة من جهة الساحل
و كان من رجالاتهم المذكورين جرير بن مسعود كان أميرا عليهم و كان مع أبي حاتم و أبي قرة فتنتهم و أجاز إلى الأندلس في طوالع الفتح كثير منهم فكان لهم هنالك اسفحال و خرج هلال بن أبزيا منهم يشتد به على عبد الرحمن الداخل متبعا شقيا المكناسي في خروجه ثم راجع الطاعة فقتله و كتب له على قومه فكان بشرق الأندلس و شنتمرية ثم خلفه بها من قومه نابتة بن عامر و لما تغلب بنو توجين و بنو راشد من زناتة على ضواحي المغرب الأوسط و كان مديونة هؤلاء قد قل عددهم و فل حدهم فداخلتهم زناتة على الضواحي من مواطنهم و تملكوها و صارت مديونة إلى الحصون من بلاده بجبل ما ساله و جبل وجده المعروف بهم و ضربت عليهم المغارم و تمرست بهم الأيام فلم يبق منهم هنالك إلا صبابة محترفون بالفلح و منهم أيضا أوزاع في القبائل مندرجون فيهم و بنواحي فاس ما بينها و بين صفرون قبيلة منهم مجاورة لمغيلة و الله يرث الأرض و من عليها
كومية و هم المعروفون قديما بصطفورة أخوة مطاية و مضغرة و هم من ولد فاتن كما قدمنا و لهم ثلاث بطون منها تفرغت شعوبهم و قبائلهم و هي ندرومة و مغارة و بنو يلول فمن ندرومة مفوطة و حرسة و مردة و مصمانة و مراتة و من بني يلول مسيقة و رتيوة و هشبة و هيوارة و والغة و من مغارة ملتيلة و بنو حباسة و كان منهم النسابة المشهور ماني بن مصدور بن مريس بن نقوط هذا هو المعروف في كتبهم و كانت مواطن كومية بالمغرب الأوسط لسيف البحر من ناحية أرشكول و تلمسان و كان لهم كثرة موفورة و شوكة مرهوبة و صاروا من أعظم قبائل الموحدين لما ظاهروا المصامدة على أمر المهدي و كلمة توحيده
و ربما كانوا رهط عبد المؤمن صاحبه و خليفته فإنه كان من بني عابد أحد بيوتاتهم و هم عبد المؤمن بن علي بن مخلوف بن يعلي بن مروان بن نصر بن علي بن عامر بن المير بن موسى بن عبد الله بن يحيى بن وريغ بن صطفور و هكذا نسبه مؤرخو دولة الموحدين إلى صطفور ثم يقولون صطفور بن نفور بن مطماط بن هودج بن قيس عيلان بن مضر
و يذكر بعضهم أن في خط أبي عبد الواحد المخلوع ابن يوسف بن عبد المؤمن فأما انتسابهم في قيس عيلان فقد ذكرنا أنه غير صحيح و في أسماء هذا العمود من نسب عبد المؤمن ما يدل على أنه مصنوع إذ هذه الأسماء ليست من أسماء البربر و إنما هي كما تراه كلها عربية و القوم كانوا من البرابرة معروفون بينهم و انتساب صطفور إلى مطماط تخليط أيضا فإنهما أخوان عند نسابة البربر أجمع و عبد المؤمن بلا شك منهم و الله أعلم بما سوى ذلك
و كان عبد المؤمن هذا من بيوتاتهم و أشرافهم و موطنهم بتاكرارت و هو حصن في الجبل المطل على هنين من ناحية الشرق و لما نجح عبد المؤمن منهم وثب و ارتحل في طلب العلم فنزل بتلمسان و أخذ عن مشيختها مثل ابن صاحب الصلاة و عبد السلام البرنسي و كان فقيها صالحا و هو ضجيع الشيخ أبي مدين في تربته و لما هلك عبد السلام هذا و لم يحذق تلميذه بعد في فنونه و كان شيخ عصره في الفقه و الكلام تعطش التلميذ بعده إلى القراءة و بلغهم خبر الفقيه محمد بن تومرت المهدي ووصل إلى بجاية و كان يعرف إذ ذاك بالفقيه السوسي و نسبته إلى السوس و لم يكن لقب المهدي وضع عليه بعده
و كان في ارتحاله من المشرق إلى المغرب قد أخذ نفسه مع تغيير المنكر الذي شأنه و طريقته نشر العلم و تبين الفتاوى و تدريس الفقه و الكلام و كان له في طريقته الأشعرية إمامة و قدم راسخة و هو الذي أدخلها إلى المغرب كما ذكرناه و تشوق طلبة العلم بتلمسان إلى الأخذ عنه و تفاوضوا في ذلك و ندب بعضهم بعضا إلى الرحلة إليه لاستجلابه و أن يكون له السبق باتحاف القطر بعلومه فانتدب لها عبد المؤمن بن علي مكانه من صغر السن بنشاطه للسفر لبداوته فارتحل إلى بجاية للقائه و ترغيبه في نزوله تلمسان فلقيه بملالة و قد استحكمت بينه و بين العزيز النفرة و بنو و رياكل متعصبون على إجارته منهم و منعه من إذايته و الوصول إليه فألقى إليه عبد المؤمن ما عنده من الترغيب و أدى إليه رسالة طلبة العلم بتلمسان فوعاها و شأنه غير شأنهم
و عكف عبد المؤمن عن التعليم و الأخذ عنه ظعنه و مقامه و ارتحل إلى المغرب في صحابته و صدق في العلم و آثره الإمام بمزيد الخصوصية و القرب بما خصه الله به من الفهم و الوعي للتعليم حتى كأنه خالصة لإمام و كنز صحابته و كان يؤمله لخلافته لما ظهر عليه من الشواهد المدونة بذلك و لما اجتازوا في طريقهم إلى المغرب بالثعالبة من موطن العرب الذين ذكرناهم قبل في نواحي المدينة قربوا إليه حمارا فارها يتخذه له عطية لمركوبه فكان يؤثر به عبد المؤمن و يقول لأصحابه : إركبوه الحمار يركبكم الخيول المسومة و لما بويع له بهرغة سنة خمس عشرة و خمسمائة و اتفقت على دعوته كلمة المصامدة و حاربوا لمتونة نازلوا مراكش
و كانت بينهم في بعض أيام منازلتها حرب شديدة هلك فيها من الموحدين الألف فقيل للإمام إن الموحدين قد هلكوا فقال لهم : ما فعل عبد المؤمن ؟ قالوا هو على جواده الأدهم قد أحسن البلاء فقال ما بقي عبد المؤمن فلم يهلك أحد و لما احتضر الإمام سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة عهد بخلافته في أمره لعبد المؤمن و استراب من العصبية بين المصامدة فكتم موت المهدي و أرجأ أمره حتى صرح الشيخ أبوحفص أمير هنتانة و كبير المصامدة لمصاهرته و أمضى عهد الإمام فيه فقام بالأمر و استبد بشياخة الموحدين و خلافة المسلمين و نهض سنة سبع و ثلاثين و خمسمائة إلى فتح المغرب فدانت له غمارة ثم ارتحل منها إلى الريف ثم إلى بطوية ثم إلى مطالة ثم إلى بني يزناسين ثم إلى مديونة ثم إلى كومية و جيرانهم ولهاصة و كانوا يلونهم في الكثرة فاشتد عضده بقومه و دخلوا في أمره و شايعوه على تمكين سلطانه بين الموحدين و خلافته و لما رجع إلى المغرب و افتتح أمصاره و استولى على مراكش استدعى قومه للرحلة إليها و العسكرة عليه بحب جمهورهم إلى المغرب و استوطن مراكش لحمل سرير الخلافة و القيام بأمر الدعوة و الذب عن ثغورهم و المدافعة فاعتضد بهم عبد المؤمن و بنوه سائر الدولة و كانوا بمكانتهم فاتحة الكتاب و تدراكه الجماعة و تقدموا في الفتوح و العساكر و أكلتهم الأقطار في تجهيز الكتائب تدويخ الممالك فانقرضوا و بقي بمواطنهم الأولى بقايا منهم : بنو عابدوهم في عداد القبائل الغارقة قد انقلب زمانهم فأمهلهم فحملوا المغرم و ألفوا نهوضهم بالتكاليف و نظموا مع جيرانهم ولهاصة في سوم الخسف و الذل و اقتضاء الخراج بالنكال و العذاب و الله مبدل الأمر و مالك الملك سبحانه

(6/155)


الخبر عن زواوة و زواغة من بطون ضرسة من البرابر البتر و الالمام ببعض أحوالهم
هؤلاء البطون من بطون البرابرة البتر من ولد سمكان بن يحيى بن ضري بن زحيك ابن مادغيس الأبتر و أقرب ما يليهم من البرابر زناتة لأن أباهم أجانا هو أخو سمكان ابن أبيه فلذلك كانوا ذوي قربى لهم
زواوة فأما زواوة فهم من بطونهم و قد يقال إن زواوة من قبائل كتامة ذكر ذلك ابن حزم و نسابة البربر إنما يدونهم من ولد سمكان كما قلناه و الصحيح عندي ما ذكره ابن حزم و يشهد له الموطن و نحلة الشيع مع كتامة لعبد الله و عد نسابة البربر و لهم بطون كثيرة :
بنو مجسطة و بنو مليكش و بنو كوفي و مشداله و بنو زريقف و بنو كوزيت و كرسفينة و وزلجة و خوجة و زكلاوه و بنو مرانه و يقال إن بني مليكش من صنهاجة و الله أعلم
و من قبائل المشهور لهذا العهد بنو بحرو و بنو مابكلات و بنو مترون و بنو ماني و بنو بوعردان و بنو تورغ و بنو يوسف و بنو عبسي و بنو بو شعيب و بنو صدقة و بنو غبرين و بنو كشطولة و مواطن زواوة بنواحي بجاية ما بين مواطن كتامة و صنهاجة أوطنوا عنها جبالا شاهقة متوعرة تنذعر منها الأبصار و يضل في غمرها السالك مثل بني غبرين بجبل زيري و فيه شعراء من شجر الزان يشهد بها لهذا العهد
و مثل بني فرلوسن و بنى سرا و جبلهم ما بين بجاية و تدلس و هو أعظم معاقلهم و أمنع حصونهم فلهم به الاعتزار على الدول و الخيار عليها في إعطاء المغرم مع أن كلهم لهذا العهد قد امتنع لساهمه و اعتز على السلطان في أبناء طاعته و قانون مزاجه
و كانت لهم في دولة صنهاجة مقامات مذكورة في السلم و الحرب بما كانوا أولياء لكتامة و ظهر أولهم على أمرهم من أول الدولة وقتل بادس بن المنصور في إحدى وقائعه بهم و شيخهم زيري بن أجانا لاتهامه أباه في أمر حماد ثم و اختط بنو حماد بعد ذلك بجاية و تمرسوا بهم فانقادوا و أذعنوا لهم إلى آخر الدولة و اتصل أذعانهم إلى هذا العهد إلا تمريضا يحملهم عليه الموثقون بمنعة جبالهم و كانت رياسة بني يراثن منهم في بني عبد الصمد من بيوتاتهم و كاتب عبد ثعلب السلطان أبو الحسن على المغرب الأوسط شيخه عليهم من بني عبد الصمد هؤلاء اسمها شمسي و كان لها عشرة من الولد فاستفحل شأنها بهم و ملكت عليهم أمرهم
و لما تقبض السلطان أبو الحسن على إبنه يعقوب المكنى بأبي عبد الرحمن عندما فر من معسكره بمتيجة سنة ثمان أو سبع و ثلاثين و سرح في أثره الخيالة فرجعوه و اعتقله ثم قتله من بعد ذلك حسبما يذكر في أخبارهم لحق حينئذ بني يراثن هؤلاء خازن من مطبخه فموه عليهم باسمه و شبه بتمثاله و دعا إلى الخروج على ابنه بزعمه فشمرت شمس هذه عزائمها في إجازته و حملت قومها على طاعته و سرب السلطان أبو الحسن أمواله في مومها و هما على السلامة فأبته ثم نمي إليها الخبر بمكره و تمويهه فنبذت إليه عهده و خرج عنها إلى بلاد العرب كما نذكر بعض ذلك في أخبارهم
و قدمت على السلطان أبي الحسن في وفد من قومها و بعض بنيها فاستبلغ السلطان من تكرمها و أحسن صلتها و أجاز الوفد و رجعت بهم إلى موطنها ولم تزل الرياسة في هذا البيت

(6/168)


زواغة
و أما زواغة فلم يتأد إلينا من أخبارهم و تصاريف أحوالهم ما نعمل فيه الأقلام و لهم ثلاثة بطون و هي : دمر بن زواغ و بنو واطيل بن زحيك بن زواغ و بنو ماخر بن تيغون من زواغة و من دمر بنو سمكان و هم أوزاع في القبائل و منهم بنواحي طرابلس مفترقون في براريها و لهم هنالك الجبل المعروف بدمر و في جهات قسنطينة أيضا رهط من زواغة و كذلك بجبال شلف بنو واطيل منهم و بنواحي فاس آخرون و لله الخلق و الأمر

(6/170)


الخبر عن مكناسة و سائر بطون بني ورصطف و ما كان لمكناسة من الدول بالمغرب و أولية ذلك و تصاريفه
كان لورصطف بن يحيى و هو أخو أجانا بن يحيى و سمكان بن يحيى ثلاثة من البطون و هم : مكناسة و ورتناجية و أوكته و يقال مكنه و بنو ورتناجة أربعة بطون سدرجة و مكسة و بطالسة و كرنيطه
و زاد سابق و أصحابه في بطونهم هناطة و فولالة و كذلك عدوا في بطون مكنه : بني درطين و بني فولالين و بني يزين و بني جرين و بني بوعال و لمكناسة عندهم أيضا بطون كثيرة منها : صولات و بوحاب و بنو ورفلاس و بنو وردنوس و قيصارة و نبعة و ورقطنة و بطون ورصطف كلهم مندرجون في بطون مكناسة و كانت مواطنهم على وادي ملوية من لدن أعلاه سجلماسة إلى مصبه في البحر و ما بين ذلك من نواحي تازا و تسول و كانت رياستهم جميعا في بني ابايرون و إسمه مجدول بن تاقرسي بن فراديس بن ونيف بن مكناس و أجاز منهم إلى العدوة عضد الفتح أمم و كانت لهم بالأندلس رياسة و كثرة و خرج منهم على عبد الرحمن الداخل شيعا بن عبد الواحد سنة إحدى و خمسين و اعتصم بشنتمرية و دعا لنفسه منتسبا إلى الحسن بن علي و تسمى عبد الله ابن محمد و تلقب بالفاطمي و كانت بينه و بين عبد الرحمن حروب إلى أن غلبه و مما أثر ضلالته و كان من رجالتهم لعهد دولة الشيعة مصاله بن حبوس بن منازل إتصل بعبيد الله الشيعي و كان من أعظم قواده و أوليائه و ولاه تاهرت و افتتح له المغرب و فاس و سجلماسة
و لما هلك أقام أخاه يصلتين بن حبوس مقامه في ولاية تاهرت و المغرب ثم هلك و أقام إبنه حميدا مقامه فانحرف عن الشيعة و دعا لعبد الرحمن الناصر و اجتمع مع بني خزر أمراء جراوة على ولاية المروانية ثم أجاز إلى الأندلس و ولي الولايات أيام الناصر و ابنه الحكم و ولي في بعضها تلمسان بدعوتهم ثم هلك و أقام ابنه لرصل بن حميد و أخوه يباطن بن يصلتين و على ابن عمه من ماله في ظل الدولة الأموية إلى أن أجاز المظفر بن أبي عامر إلى المغرب فولي يصل بن حميد سجلماسة كما نذكره ثم أن رياسة مكناسة بالعدوة انقسمت في بني أبي نزول و انقسمت مسايل مكناسة بانقسامها و صارت رياسة مكناسة في مواطن سجلماسة و ما إليها من بني واسول بن مصلان بن أبي نزول و رياسة مكناسة بجهات تازا و توسول و ملوية و مليلة لبني أبي العافية بن أبي نائل بن أبي الضحاك بن أبي نزول و لكل واحد من هذين الفريقين في الإسلام دولة و سلطان صاروا به في عداد الملوك كما نذكره

(6/170)


الخبر عن دولة بني واسول ملوك سجلماسة و أعمالها من مكناسة
كان أهل مواطن سجلماسة من مكناسة يدينون لأول الإسلام بدين الصفرية من الخوارج لقنوه عن أثمتهم و رؤوسهم من العرب لما لحقوا من المغرب و أسروا على الامتناع و ماجت أقطار المغرب لفتنة ميسرة فلما اجتمع على هذا المذهب زهاء أربعين من رجالاتهم نقضوا طاعة الخلفاء و ولوا عليهم عيسى بن يزيد الأسود من موالي العرب و رؤوس الخوارج و اختطوا مدينة سجلماسة لأربعين و مائة من الهجرة و دخل سائر مكناسة من أهل تلك الناحية في دينهم ثم سخطوا أميرهم عيسى و نقموا عليه كثيرا من أحواله فشدوه كتافا و وضعوه على قنة جبل إلى أن هلك سنة خمس و خمسين و مائة و اجتمعوا بعده على كبيرهم أبي القاسم سمكو بن واسول بن مصلان بن أبي نزول كان أبوه سمقو من حملة العلم ارتحل إلى المدينة فأدرك التابعين و أخذ عن عكرمة مولى ابن عباس ذكره عريب بن حميد في تاريخه و كان صاحب ماشية و هو الذي بايع لعيسى بن يزيد و حمل قومه على طاعته فبايعوه من بعده
و قاموا بأمره إلى أن هلك سنة سبع و ستين و مائة لمنتهى عشر سنين من ولايته و كان أباضيا صفريا و خطب في عمله للمنصور و المهدي من بني العباس و لما هلك و لوا عليهم ابنه إلياس و كان يدعى بالوزير ثم انتقضوا عليه سنة أربع و تسعين و مائة فخلعوه و ولوا مكانه أخاه إليسع بن أبي القاسم و كنيته أبو منصور فلم يزل أميرا عليهم و بنى سور سجلماسة لأربع و ثلاثين سنة من ولايته و كان أباضيا صفريا و على عهده استفحل ملكهم بسجلماسة و هو الذي أتم بناءها و تشييدها و اختط بها المصانع و القصور و انتقل إليها آخر المائة الثانية و دوخ بلاد الصحراء و أخذ الخمس من معادن درعة و أصهر لعبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت بابنه مدرار في إبنته أروى فأنكحه إياها
و لما هلك سنة ثمان و مائتين ولي بعده إبنه مدرار و لقبه المنتصر و طال أمر ولايته و كان له ولدان إسم كل واحد منهما ميمون أحدهما لأروى بنت عبد الرحمن بن رستم و قيل إن إسمه أيضا عبد الرحمن و الآخر لبغي و تنازع في الاستبداد على أبيه و دامت الحرب بينهما ثلاث سنين و كانت لأبيهما مدرار صاغية إلى ابن أروى فمال معه حتى غلب أخاه فأخذه و أخرجه عن سجلماسة و لم يلبث أن خلع أباه و استبد بأمره ثم ساءت سيرته في قومه و مدينته فخلعوه و صار الى درعة و أعادوا مدرارا الى أمره ثم حدث نفسه بإعادة إبنه ميمون ابن الرستمية إلى إمارته بصاغية إليه فخلعوه و رجعوا إبنه ميمونا بن التقي و كان يعرف بالأمير
و مات مدرار إثر ذلك سنة ثلاث و خمسين و مائتين لخمس و أربعين من ملكه وأقام إبنه ميمون في استبداده إلى أن هلك سنة ثلاث و ستين و مائتين و ولي إبنه محمد و كان أباضيا و توفي سنة سبعين و مائتين فولي إليسع بن المنتصر و قام بأمره و لحق عبيد الله الشيعي و إبنه و أبو القاسم بسلجماسة لعهده و أعد المعتضد إليه في شأنهما و كان على طاعته فاستراب بهما و حبسهما إلى أن غلب الشيعي بني الأغلب و ملك رقادة فزحف إليه لاستخراج عبيد الله و إبنه من محبسه و خرج إليه إليسع في قومه مكناسة فهزمه أبو عبيد الله الشيعي و اقتحم عليه سجلماسة و قتله سنة ست و تسعين و مائتين و استخرج عبيد الله و إبنه من محبسهما و بايع لهما و ولى عبيد الله المهدي على سجلماسة إبراهيم بن غالب المراسي من رجالات كتامة و انصرف إلى أفريقية
ثم انتقض أمراء سجلماسة على واليهم إبراهيم فقتلوه و من كان معه من كتامة سنة ثمان و تسعين و مائتين و بايعوا الفتح بن ميمون الأمير ابن مدرار و لقبه واسول و ميمون ليس هو ابن المتقي الذي تقدم ذكره و كان أباضيا و هلك قريبا من ولايته لرأس المائة الثالثة فولي أخوه أحمد و استقام أمره إلى أن زحف مصالة بن حبوس في جموع كتامة و مكناسة إلى المغرب سنة تسع و ثلثمائة فدوخ المغرب و أخذهم بدعوة صاحبه عبيد الله المهدي و افتتح سجلماسة و تقبض على صاحبها أحمد بن ميمون بن مدرار و ولى عليها ابن عمه المعتز بن محمد بن ساور بن مدرار فلم يلبث أن استبد و بلغها المعتز و هلك سنة إحدى و عشرين و ثلثمائة قبيل ملك المهدي و ولي من بعده إبنه أبو المنتصر محمد بن المعتز فمكث عشرا
ثم هلك و ولي من بعده إبنه المنتصر سمكو شهرين و كانت جدته تدبر أمره لصغره ثم ثار على ابن عمه محمد بن الفتح بن ميمون الأمير و تغلب عليه و شغب عليه بنو عبيد الله لفتنة ابن أبي العافية و تاهرت ثم نقلته إلى أبي يزيد بعدهما فدعا محمد ابن الفتح لنفسه مموها بالدعوة لبني العباس و أخذ بمذاهب أهل السنة و رفض الخارجية و لقب الشاكر بالله و اتخذ السكة بإسمه و لقبه
و كانت تسمى الدراهم الشاكرية كذا ذكره ابن حزم و قال فيه :
و كان في غاية العدل حتى إذا فزع له بنو عبيد و حمت الفتنة زحف جوهر الكاتب أيام المعز لدين الله في جموع كتامة و صنهاجة و أوليائهم إلى المغرب سنة سبع و أربعين و ثلثمائة فغلب على سجلماسة و ملكها
و فر محمد بن لفتح إلى حصن تاسكرات على أميال من سجلماسة و أقام به
ثم دخل سجلماسة متنكرا فعرفه رجل من مضغرة و أنذر به فتقبض عليه جوهر و قاده أسيرا إلى القيروان مع أحمد بن بكر صاحب فاس كما نذكره و قفل إلى القيروان فلما انتقض المغرب على الشيعة و فشت بدعة الأمية و أخذ زناتة بطاعة الحكم المنتصر ثار بسلجماسة قائم من ولد الشاكر و باهي المنتصر بالله ثم وثب عليه أخوه أبو محمد سنة إثنتين و خمسين و ثلثمائة فقتله و قام بالأمر مكانه و تلقب المعتز بالله
و أقام على ذلك مدة و أمر مكناسة يومئذ قد تداعى إلى الانحلال و أمر زناتة قد استفحل بالمغرب عليهم إلى أن زحف حرزون بن فلفول من ملوك مغراوة إلى سجلماسة سنة ست و ستين و ثلثمائة و أبرز إليه أبو محمد المعتز فهزمه حرزون و قتله و استولى على بلده و ذخيرته و بعث برأسه إلى قرطبة مع كتاب الفتح و كان ذلك لأول حجابة المنصور بن أبي عامر فنسب إليه و احتسب له لحدا بقبة و عقد لحرزون على سجلماسة فأقام دعوة هشام بأنحائها فكانت أول دعوة أقيمت لهم بالأمصار في المغرب الأقصى و انقرض أمر بني مدرار و مكناسة من المغرب أجمع و أدال منهم بمغراوة و بني يفرن حسبما يأتي ذكرهم في دولتهم و الأمر لله وحده و له البقاء سبحانه و تعالى

(6/171)


الخبر عن دولة بني أبي العافية ملوك تسول من مكناسة و أولية أمرهم و تصاريف أحوالهم
كان مكناسة الظواعن من أهل مواطن ملوية و كرسيف و مليلة و ما إليها من التلول بنواحي تازا و تسول و الكل يرجعون في رياستهم إلى بني أبي باسل بن أبي الضحاك ابن أبي نزول و هم الذين اختطوا بلد كرسيف و رباط تازا و لم يزالوا على ذلك من أول الفتح
و كانت رياستهم في المائة الثالثة لمصالة بن حبوس و موسى بن أبي العافية ابن أبي باسل و استفحل أمرهم في أيامه و عظم سلطانهم و تغلبوا على قبائل البربر بأنحاء تازا إلى الكائي و كانت بينهم و بين الأدراسة ملوك المغرب لذلك العهد فتن و حروب و كانوا يقتلونهم على كثير من ضواحيها لما كان نزل بدولتهم من الهرم و لما استولى عبيد الله على المغرب و استفحل أمره كانوا من أعظم أوليائه و شيعه و كان مصالة بن حبوس من أكبر قواده لانحياشه إليه و ولاه على مدينة تاهرت و المغرب الأوسط
و لما زحف مصالة إلى المغرب الأقصى سنة خمس و ثلثمائة و استولى على فاس و على سجلماسة و فرغ من شأن المغرب و استنزل يحيى بن إدريس من إمارته بفاس إلى طاعة عبيد الله و أبقاه أميرا على فاس عقد حينئذ لابن عمه موسى بن أبي العافية أمير مكناسة على سائر ضواحي المغرب و أمصاره مضافة إلى عمله من قبل تسول و تازا و كرسيف و قفل مصالة إلى القيروان و قام موسى بن أبي العافية بأمر المغرب و ناقضه يحيى بن إدريس صاحب فاس لما يظعن له من المظاهرة عليه
فلما عاود مصالة غرق المغرب سنة تسع و ثلثمائة أنزل ابن أبي العافية يحيى بن إدريس فقبض عليه و استصفاه و طرده عن عمله فلحق ببني عمه بالبصرة و الريف و ولى مصالة على فاس ريحان الكتامي و قفل إلى القيروان فهلك و عظم ملك ابن أبي العافية بالمغرب ثم ثار بفاس سنة ثلاث عشرة و ثلثمائة الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس و كان مقداما شجاعا و يلقب بالحجام لطعنه في المحاجم دخل فاس على حين غفلة من أهلها و قتل ريحان واليها و اجتمع الناس على بيعته ثم خرج لقتاله ابن أبي العافية فتزاحفوا بفحص أداز مادبين تازا و فاس و يعرف لهذا العهد بوادي المطاحن و اشتدت الحرب بينهم و هلك منهال بن موسى بن أبي العافية في الفتن بمكناسة
ثم كانت العاقبة لهم و انفض عسكر الحسن و رجع مفلولا إلى فاس فغدر به عامله على عدوة القرويين حامد بن حمدان الهمداني و استمكن من عاقله و استحث ابن أبي العافية للقدوم و أمكنه من البلد و زحف إلى عدوة الأندلس فملكها و قتل عاملها عبد الله بن ثعلة بن محارب بن محمود و ولى مكانه أخاه محمدا و طالب حامدا بصاحبه الحسن فدس إليه حامد بالفرار تجافيا عن دعاء أهل البيت و تدلى الحسن من السور فسقط و انكسر ساقه و مات مستخفيا بعدوة الأندلس لثلاث ليال منها
و حذر حامد من سطوة أبي العافية فلحق بالمهدية و استولى ابن أبي العافية على فاس و المغرب أجمع و أجلى الأدارسة عنهم و ألجأهم إلى حصنهم بقلعة حجر النسر مما يلي البصرة و حاصرهم بها مرارا ثم جمر عليهم العساكر و خلف فيهم قائده أبا الفتح فحاصرهم و نهض إلى تلمسان سنة تسع عشرة و ثلثمائة بعد أن استخلف على المغرب الأقصى إبنه مدين و أنزله بعدوة القرويين و استعمل على عدوة الأندلس طوال بن أبي يزيد و عزل به محمد بن ثعلبة و زحف إلى تلسمان فملكها و غلب عليها صاحب الحسن بن أبي العيش بن عسى بن إدريس بن محمد بن سليمان من عقب سليمان بن عبد الله أخي إدريس الأكبر الداخل إلى المغرب بعده فغلب موسى ابن أبي العافية الحسن على تلمسان و أزعجه عنها إلى مليلة من جزائر ملوية و جع إلى فاس و قد كان الخليفة الناصر لما فشت دعوته بالمغرب خاطبه بالمقاربة و الوعد فسارع إلى إجابته و نقض طاعة الشيعة و خطب للناصر على منابر عمله فسرح إليه عبد الله المهدي قائده ابن أخي مصالة و هو حميد بن يصلت المكناسي قائد تاهرت فزحف في العساكر إلى حرمه سنة إحدى و عشرين و ثلثمائة و لقيه موسى بن أبي العافية بفحص مسون فتزاحفوا أياما ثم لقيه حميد فهزمه و لحق ابن أبي العافية بتسول فامتنع بها و أفرج قائده أبو الفتح عن حصن الأدارسة فاتبعوه وهزموه و نهبوا معسكره
ثم نهض حميد إلى فاس ففر عنها أعزل بن موسى إلى إبنه و استعمل عليها حامد بن حمدان كان في جملته و قفل حميد إلى أفريقية و قد دوخ المغرب ثم انتقض أهل المغرب على الشيعة بعد مهلك عبيد الله و ثار أحمد بن بكر بن عبد الرحمن بن سهل الجزامي على حامد بن حمدان فقتله و بعث برأسه إلى ابن أبي العافية فأرسله إلى الناصر بقرطبة و استولى على المغرب و زحف ميسور الخصي قائد أبي القاسم الشيعي إلى المغرب سنة ثلاث و عشرين و ثلثمائة وخام ابن أبي العافية عن لقائه و اعتصم بحصن الكأي و نهض ميسور إلى فاس فحاصرها و استنزل أحمد بن بكر عاملها ثم تقبض عليه و أشخصه إلى المهدية و بدر أهل فاس بغدره فامتنعوا و قدموا على أنفسهم حسن بن قاسم اللواتي و حاصرهم ميسور مدة حتى رغبوا إلى السلم و اشترطوا على أنفسهم الطاعة و الأتاوة فتقبل ميسور و رضي و أقر حسن بن قاسم على ولايته بفاس و انحل إلى حرب ابن أبي العافية فكانت بينهما حروب إلى أن غلبه ميسور فتقبض على ابنه الغوري و غربه إلى المهدية و أجلى موسى بن أبي العافية عن أعمال المغرب إلى نواحي ملوية و وطاط و ما من بلاد الصحراء و قفل إلى القيروان
و لما مر بارشكول خرج إليه صاحبها ملاطفا له التحف و هو إدريس بن إبراهيم من ولد سليمان بن عبد الله أخي إدريس الأكبر فتقبض عليه و اصطلم نعمته و ولى مكانه أبا العيش بن عيسى منهم و أغذ السير إلى القيروان سنة أربع و عشرين و ثلثمائة و رجع موسى بن أبي العافية من الصحراء إلى أعماله بالمغرب فملكها و ولى على الأندلس أبا يوسف بن محارب الأزدي و هو الذي مدن عدوة الأندلس و كانت حصونا و احتل موسى بن أبي العافية قلعة كوماط و خاطب الناصر فبعث إليه مددا من أسطوله و زحف إلى تلمسان ففر عنها أبو العيش و اعتصم بارشكول فنازله و غلبه عليها سنة خمس و عشرين و ثلثمائة و لحق أبو العيش بنكور و اعتصم بالقلعة التي بناها هنالك لنفسه
ثم زحف ابن أبي العافية إلى مدينة نكور فحاصرها مدة ثم تغلب عليها و قتل صاحب عبد البديع بن صالح و خرب مدينتهم ثم سرح ابنه مدين في العساكر فحاصر أبا العباس بالقلعة حتى عقد له السلم عليها و استفحل أمر ابن أبي العافية في المغرب الأقصى و اتصل عمله بعمل محمد بن خزر ملك مغراوة و صاحب المغرب الأوسط و بثوا دعوة الأموية في أعمالها و بعث ابنه مدين بأمره في قومه و عقد له الناصر على أعمال ابنه بالمغرب و اتصلت يده بيده الخير بن محمد كما كان بين آبائهما
ثم فسد بينهما و تزاحفا للحرب و بعث الناصر قاضيه مقدر بن سعد لمشارفة أحوالهما و إصلاح ما بينهما فتم ذلك كما أراده و لحق به سنة خمس و ثلاثين و ثلثمائة أخوه البوري فارا من عسكر المنصور مع أحمد بن بكر الجذامي عامل فاس بعد أن لحقا بأبي يزيد فسار أحمد بن أبي بكر إلى فاس و أقام بها متنكرا إلى أن وثب بعاملها حسن بن قاسم اللواتي و تخلى له عن العمل و صار البوري إلى أخيه مدين و اقتسم أعمال ابنه معه و مع ابنه الآخر منقذ فكانوا ثلاث الأثافي و أثار الثوري إلى الناصر سنة خمس و أربعين و ثلثمائة فعقد الناصر لابنه منصور على عمله و كانت وفاته و هو محاصر لأخيه مدين بفاس و أجاز أبناه أبو العيش و منصور إلى الناصر فأجزل لهما الكرامة على سنن أبيهما
ثم هلك مدين فعقد الناصر لأخيه أبي منقذ على عمله سنة ثم غلب مغراوة على فاس و أعمالها و استفحل أمرهم بالمغرب و أزاحوا مكناسة عن ضواحيه و أعماله و ساروا إلى مواطنهم و أجاز اسمعيل بن الثوري و محمد بن عبد الله بن مرين إلى الأندلس فنزلوه بها إلى أن جازوا مع واضح أيام المنصور كما مر عندما نقض زيري ابن عطية طاغيتهم سنة ست و ثمانين و ثلثمائة فملك واضح المغرب و رجعهم إلى أعمالهم و تغلب بلكين بن زيري على المغرب على الأوسط و غلب عليه ملوكه بني خزر من مغراوة فاتصلت يد مكناسة و لم يزالوا في طاعة بني زيري و مظاهرتهم و هلك إسمعيل بن الثوري في حروب حماد مع باديس بشلف سنة خمس و أربعمائة و توارث ملكهم في أعقاب موسى إلى أن ظهرت دولة المرابطين و غلب يوسف بن تاشفين على أعمال المغرب فزحف إليهم القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن ابراهيم بن موسى بن أبي العافية فاستدعى أهل فاس و صريخ زناتة بعد مهلك معنصرة المغراوي فلقي عساكر المرابطين بوادي صفر فهزمهم و زحف إليه يوسف ابن تاشفين من مكانه فحاصر قلعة فازاز فهزم القاسم بن محمد و جموع مكناسة و زناتة و دخل فاس عنوة كما ذكرناه في أخباره
ثم زحف إلى أعمال مكناسة فاقتحم الحصن و قتل القاسم و في بعض تواريخ المغرب أن مهلك إبراهيم بن موسى كان سنة خمس و أربعمائة
و ولي ابنه عبد الله أبو عبد الرحمن و هلك سنة ثلاثين و أربعمائة و ولي ابنه محمد و هلك سنة ست و أربعين و أربعمائة و ولي إبنه القاسم و هلك سول عند اقتحام لمتونة عليه سنة ثلاث و ستين و أربعمائة و انفض ملك مكناسة من المغرب بانقراض ملك مغراوة و الأمر لله وحده
و هي من قبائل مكناسة لهذا العهد بهذه المواطن أفاريق في جبال تازا بعدما شرست بهم الدول و أناخت بساحتهم الأمم و هم موصوفون بوفور الجباية و قوة الشكيمة ولهم عناء في مظاهرة الدولة و حقوق عند الحشد و العسكرة و فيهم ميدان من الحمالية و من مكناسة غير هؤلاء أو زاع في القبائل لهذا العهد مفرقون في نواحي أفريقية و المغرب الأوسط { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز } و هذا آخر الكلام في بني ورصطيف فلنرجع إلى من بقي علينا من البربر و هم زناتة و الله ولي العون و به المستعان

(6/176)