صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الخبر عن بني حمدون ملوك المسيلة و الزاب بدعوة العبيديين و مآل أمرهم
كان علي بن حمدون أبوهم من أهل الأندلس و هو علي بن حمدون بن سماك بن مسعود بن منصور و الجذامي يعرف بابن الأندلسي و اتصل بعبيد الله و أبي القاسم بالمشرق قبل شأن الدعوة و بعثوه من طرابلس إلى عبد الله الشيعي فأحسن اللقاء و الانصراف و لزمهم أيام اعتقالهم بسجماسة فلما استفحل ملكهم جذبوا أبا ضبيعة و رقوه إلى الرتب و لما رجع أبو القاسم من حركته إلى المغرب سنة خمس عشرة و ثلثمائة و اختط مدينة المسيلة استعمل علي بن حمدون على بنائها و سماها المحمدية و لما تم بناؤها عقد له على الزاب و أنزله بها و شحنها بالأقوات التي كانت ميرة للعساكر عند محاصرة المنصور لأبي يزيد صاحب الحمار بجبل كتامة و لم يزل واليا على الزاب و ربى إبنيه جعفرا و يحيى بدار أبي القاسم و كان جعفر سار إلى المعز و لما كانت فتنة أبي يزيد و أضرمت أفريقية نارا و فتنة و أهاب القائم بالأولياء من كل ناحية كتب إلى ابن حمدون أن يجند قبائل البربر و يوافيه فنهض إلى المهدية في عسكر ضخم بقسنطينة و هو يحتشد كل من مر به في طريقه حتى وصل إلى شق بنارية ثم قارب باجة و كان بها أيوب بن أبي يزيد في عسكر كبير من النكارية و البربر فزحف إليهم و تناور الفريقان ثم بيته أيوب فاستباح معسكره و تردى علي ابن حمدون من بعض الشواهق فهلك سنة أربع و ثلاثين و ثلثمائة و لما انقضت فتنة أبي يزيد عقد المنصور على المسيلة و الزاب لجعفر بن علي بن حمدون و أنزله بها و أخاه يحيى و استجدوا بها سلطانا و دولة و بنوا القصور و المنتزهات و استفحل بها ملكهم و قصدهم بها العلماء و الشعراء و كان فيمن قصدهم ابن هانيء شاعر الأندلس و أمداحه فيهم معروفة مذكورة و كان بين جعفر هذا و بين زيري بن مناد عداوة جرتها المنافسة و المساماة في الدولة فساء أثر زيري فيه عند صدمته للمغرب و فتكه بزناتة و سعوا به إلى الخليفة و ألقح له في جوانحه العداوة فكانت داعيته إلى زناتة و تولى محمد بن خزر أمير مغراوة ثم إن المعز لما اعتزم على الرحيل إلى القاهرة سنة إثنتين و ثلثمائة استقدم جعفرا فاستراب جعفر و مال بعسكره إلى زناتة قبل قدومه و انقطعت الرسائل بينه و بين صنهاجة و الخليفة المعز و شملت عليه زناتة قبل قدومه و اجتمعوا عليه و دعا إلى نقض طاعة المعز و الدعاء للحاكم المستنصر فوجدهم أقدم إجابة لها و ناهضهم زيري الحرب قبل استكمال التعبية فكانت عليه من أمراء زناتة فكبا بزيري فرسه فطاح فقصوا رأسه و بعثوا به مع جماعة من زناتة إلى الحاكم المستنصر فكرم الحاكم وفادتهم و نصب رأس زيري بسوق قرطبة و أسنى جوائز الوفد و رفع منزلة يحيى بن علي و أذن لجعفر في اللحاق بسدته و لما علمث زناتة أن يوسف بن زيري يطالبهم بدم أبيه أظهروا العذر به و رأى أن يتجنب مجابهتهم لضيق ذات يده و عجز رؤساؤهم عن الذب و الدفاع عنها و قبض الأيدي عن تناوله لدنو الفتنة و مراس العصبية فأوجس الخيفة في نفسه و ألطف الحيلة في الفرار رغبة بحيلته و شحن السفن بما معه من المال و المتاع و الرقيق و الحشم و ذخيرة السلطان و أجاز البحر ولحق بسدة الخلافة من قرطبة و أجاز معه عظماء الزناتيين معطين الصفقة على القيام بدعوته و الاحتطاب في جبل طاعته فكرم مثواه و أجمل وفادتهم و أحسن منصرفهم و انقلبوا لمحبته و التشيع له و مناغاة الادارسة للقيام في خدمته بالمغرب الأقصى و بث دعوته و تخلف عنهم أولاد علي بن حمدون بالحضرة و أقاموا بسدة الخلافة و نظموا في طبقات الوزارة و أجريت عليهم سنيات الأرزاق و التحقوا على حديث عهدهم بالقوم من أولياء الدولة ثم كان بعد ذلك شأن اعتقالهم على طريق التأديب لمرتكب من نازعهم خرقوا به حدود الآداب مع الخلافة فاستدعوا إلى القصر و اعتقلوا ثم أطلقوا لأيام قلائل لما انغمس الحكم في علة الفالج و ركدت ريح المروانية بالمغرب و احتاجت الدولة إلى رجالهم لسد الثغور و دفع العدو و استدعي يحيى بن هاشم من العدوة و كان واليا على قاس و المغرب و أدا له الحاجب المصفحي لجعفر بن على بن حمدون و جمعوا بين الانتفاع في مقارعة زناتة بالعدوة و الراحة مما يتوقع منه على الدولة عند من ولي الخلافة لما كانوا صاروا إليه من النكبة و طروق المحنة فعقدوا له و لأخيه يحيى على المغرب و خلعوا عليهما و أمكنوهما من مال و كسا فاخرة للخلع على ملوك العدوة فنهض جعفر إلى المغرب سنة خمس و ستين و ضبطه و اجتمع إليه ملوك زناتة من بني يفرن و مغراوة و سجلماسة و لما هلك الحكم و ولي هشام و قام بأمره المنصور بن أبي عامر اقتصر لأول قيامه على سبتة من بلاد العدوة فضبطها جند السلطان و رجال الدولة و قلدها أرباب السيوف و الأقلام من الأولياء و الحاشية و عدل في ضبطه على ما وراء ذلك على ملوك زناتة و نقدهم بالجوائز و الخلع و صار إلى إكرام وفودهم و إثبات من رغب الإثبات في ديوان السلطان منهم فجدوا في ولاية الدولة و بث الدعوة و فسد ما بين هذين الأميرين جعفر و أخيه و اقتطع يحيى مدينة البصرة لنفسه و ذهب بأكثر الرجال ثم كانت على جعفر النكبة التي نكبته بنو غواطة في غزاتة إياهم ثم استدعاه محمد بن أبي عامر لأول أمره لما رأى من الاستكانة إليه وشد أزره به و نقم عليه كراهته لما لقيه بالأندلس من الحكم ثم أصحبه و تخلى لأخيه عن عمل المغرب و أجاز البحر إلى ابن أبي عامر فحل منه بالمكان الأثير و لما زحف بلكين إلى المغرب سنة تسع و ستين زحفته المشهورة خرج محمد بن أبي عامر من قرطبة إلى الجزيرة لمدافعته بنفسه و أجاز جعفر بن علي إلى سبتة و عقد له على حرب بلكين و أمده بمائة حمل من المال و انضمت إليه ملوك زناتة و رجع عنهم بلكين كما نذكره و لما رجع إلى ابن أبي عامر فاغتاله في بعض ليالي معاقرتهم و أعد له رجالا في طريقه من سمره إلى داره فقتلوه سنة و لحق يحيى بن علي بمصر و نزل بدار العزيز و تلقاه بالمبرة و التكريم و طال به ثواؤه و استكفى به العظائم و لما استصرخ فلفول بن خزرون بالحاكم في استرجاع طرابلس من يد صنهاجة المتغلبين عليه دفع إليه العساكر و عقد عليها ليحيى بن علي و اعترضه بنو قرة من الهلاليين ببرقة ففلوه و فضوا جموعه و رجع إلى مصر و لم يزل بمصر إلى أن هلك هنالك و الله وارث الأرض و من عليها و هو خير للوارثين

(4/107)


الخبر عن القرامطة و استبداد أمرهم و ما استقر لهم من الدولة بالبحرين و أخبارها إلى حين انقراضها
هذه الدعوة لم يظهرها أحد من أهل نسب العلوية و لا الطالبيين و إنما قام بها دعاة المهدي من أهل البيت على اختلاف منهم في تعيين هذا المهدي كما نذكره و كان مدار دعوتهم على رجلين أحدهما يسمى الفرج بن عثمان القاشاني من دعاة المهدي و يسمى أيضا كرويه بن مهدويه و هو الذي انتهى إليه دعاتهم بسواد الكوفة ثم بالعراق و الشام و لم يتم لهؤلاء دولة و الآخر يسمى أبا سعيد الحسن بن بهرام الجنابي كانت دعوته بالبحرين و استقرت له هنالك دولة و لبنيه و انتسب بعض مزاعمهم إلى دعاة الإسماعيلية الذين كانوا بالقيروان كما نذكره و دعوى هؤلاء القرامطة في غاية الاضطراب مختلة العقائد و القواعد منافية للشرائع و الإسلام في الكثير من مزاعمهم و أول من قام بها بسواد الكوفة سنة ثمان و سبعين و مائتين رجل أظهر الزهد و التقشف و زعم أنه يدعو إلى المهدي و أن الصلوات المفروضة خمسون كل يوم و استجاب له جمع كثير و لقب قرمط و أصلها بالكاف و كان يأخذ من كل من يجيب دعوته دينارا للإمام و جعل عليهم نقباء و سماهم الحواريين و شغل الناس بذلك عن شؤنهم و حبسه عامل الناحية ففر من محبسه و لم يوقف له على خبر فازداد أتباعه فتنة فيه ثم زعم أنه الذي بشر به أحمد بن محمد بن الحنفية و أن أحمد نبي و فشا هذا المذهب في السواد و قرئ بينهم كتاب زعموا أنه جاءهم من داعيه المهدي نصه بعد البسملة يقول الفرج بن عثمان : الحمد لله بكلمته و تعالى باسمه المنجد لأوليائه بأوليائه قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها لتعلم عدد السنين و الحساب و الشهور و الأيام و باطنها أوليائي الذين عرفوا عبادي سبيلي اتقوني يا أولي الألباب و أنا الذي لا أسأل عما أفعل و أنا العليم الحكيم و أنا الذي أبلو عبادي و أستخبر خلقي فمن صبر على بلائي و محنتي و اختباري ألقيته في جنتي و أخلدته في نعمتي و من زال عن أمري و كذب رسلي أخلدته مهانا في عذابي و أتممت أجلي و أظهرت على ألسنة رسلي فأنا الذي لا يتكبر علي جبار إلا وضعته و لا عزيز إلا ذللته فليس الذي أصر على أمره و دام على جهالته و قال لن نبرح عليه عاكفين و به مؤمنين أولئك هم الكافرون ثم يركع و يقول في ركوعه مرتين سبحان ربي و رب العزة تعالى عما يصف الظالمون و في سجوده الله أعلى مرتين الله أعظم مرة و الصوم مشروع يوم المهرجان و النيروز و النبيذ حرام و الخمر حلال و الغسل من الجنابة كالوضوء و لا يوكل ذو ناب و لا ذو مخلب و من خالف و حارب وجب قتله و من لم يحارب أخذت منه الجزية انتهى إلى غير ذلك من دعاوي شنيعة متعارضة يهدم بعضها بعضا و شاهد عليهم بالكذب و الذي حملهم على ذلك إنما هو ما اشتهر بين الشيعة من أمر المهدي مستندين فيه إلى الأحاديث التي خرجها بعضهم و قد أريناك عللها في مقدمة الكتاب في باب الفاطمي فلهجوا به و بالدعوة إليه فمن الصادق فيمن يعينه و إن كان كاذبا في استحقاقه و منهم من بنى أمره على الكذب و الانتحال عساه يستولي بذلك على حظ من الدنيا ينال بها صففة و قد يقال إن ظهور هذا الرجل كان قبل مقتل صاحب الزنج و إنه سار على الأمان و قال له : إن ورائي مائة ألف سيف فناظرني لعلنا نتفق و نتعاون ثم اختلفا و انصرف قرمط عنه وكان يسمي نفسه القائم بالحق و زعم بعض الناس أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج ثم زحف إليه أحمد بن محمد الطائي صاحب الكوفة في العساكر فأوقع بهم و فتك بهم و تتابعت للعساكر في السواد في طلبهم و أبادوهم و فر هو إلى أحياء العرب فلم يجبه أحد منهم فاختفى في القفر في جب بناه و اتخذه لذلك و جعل عليه باب حديد و اتخذ بجانبه تنورا سحرا إن أرهقه الطلب فلا يفطن له ولما اختفى في الجب بعث أولاده في كاب بن دبرة بأنهم من و لد إسمعيل الإمام مستجيرون بهم ثم دعوا إلى دعوتهم أثناء ذلك و كانوا ثلاثة يحيى و حسين و علي فلم يجبهم أحد إلى ذلك إلا بنو القليص بن ضمضم بن علي بن جناب فبايعوا ليحيى على أنه يحيى ابن عبد الله بن محمد بن إسمعيل الإمام و كنوه أبا القاسم و لقبوه الشيخ ثم حول اسمه وادعى أنه محمد بن عبد الله و أنه كان يكتم هنا الاسم و أن ناقته التي يركبها مأمورة و من تبعها منصور فزحف إليه سبك مولى المعتضد في العساكر فهزمها وقتل فسار إليه محمد بن أحمد الطائي في العساكر فانهزمت القرامطة و جيء ببعضهم أسيرا فاحتضره المعتضد و قال : هل تزعمون أن روح الله و أنبيائه تحل فيكم فتعصمكم من الزلل وتوفقكم لصالح العمل فقال له : يا هذا أرأيت لو حلت روح إبليس فما ينفعك فاترك مالا يعنيك إن ما يعنيك فقال له : قل فيما يعنيني ! فقال له : قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبوكم العباس حي نم يطلب هذا الأمر و لا بايعه أحد ثم قبض أبو بكر واستخلف عمر و هو يرى العباس و لم يعهد إليه عمر و لا جعله من أهل الشورى و كانوا ستة و فيهم الأقرب و الأبعد و هذا إجماع منهم على دفع جدك عنها فبماذا تستحقون أنتم الخلافة ؟ فأمر المعتضد به فعذب وخلعت عظامه ثم قطع مرتين ثم قتل ثم زحف القرامطة إلى دمشق و عليها طفج مولى ابن طولون سنة تسعين و استصرخ بابن سيده بمصر فجاءت العساكر لإمداده فقاتلهم مرارا و قتل يحيى بن ذكرويه المسمى بالشيخ في خلق من أصحابه و اجتمع فأمهم على أخيه الحسين و تسمى أحمد أبا العباس و كانت في وجهه شامة يزعم أنها مقدسة فلقب صاحب الشامة المهدي أمير المؤمنين و أتاه ابن عمه عيسى بن مهدي و هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسمعيل الإمام و لقبه المدثر و عهد إليه وزعم أنه المذكور في القرآن و لقب غلاما من أهله المطوق ثم دعا الناس فأجابه كثير من أهل البوادي و سار إلى دمشق فحاصرها حتى صالحوه على مال و دفعوه له ثم سارا إلى حمص و حماة و المعرة و بعلبك فخطب له بها و استباحها جميعا ثم إلى سلمية و بها جماعة من بني هاشم فاستلحمهم حتى الصبيان بالمكاتب و البهائم ثم خرج المكتفي إليه و قدم عساكره فكبسهم و نجا فلهم إن حلب و انتهى المكتفي إلى الرقة و قد سار بدر مولى ابن طولون في اتباع القرامطة فهزمهم و أثخن فيهم و بعث المكتفي العساكر مع يحيى بن سليمان الكاتب و فيهم الحسين بن حمدان من بني تغلب و معهم بنو شيبان فواقعوا القرامطة سنة إحدى و تسعين فهزموهم و قتل منهم خلق من أصحاب القرمطي و نجا ابنه أبو القاسم ببعض ذخيرته و سار هو مستخفيا إلى ناحية الكوفة و معه المدثر و المطوق و غلام له و انتهوا إلى الرحبة فوشى بهم إلى العامل فقبض عليهم و بعث بهم إلى المكتفي بالرقة و رجع إلى بغداد فقطعهم بعد أن ضرب صاحب الشامة مائتي سوط و أما علي بن ذكرويه ففر بعد مقتل أخيه يحيى على دمشق إلى ناحية الفرات و اجتمع إليه فل من القرامطة فاستباح طبربة ثم لما اتبعهم الحسين بن حمدان فر إلى اليمن و اجتمع إليه دعاتهم هنالك و تغلب على كثير من مدنه و قصد صنعاء فهرب عنها ابن يعفر فاستباحها و تجافى عن صعدة لذمة العلوية بينه و بين بني الرسى و نازل بني زياد بن بيد و مات في نواحي اليمن و في خلال ذلك بعث أبوه ذكرويه إلى بني القليص بعد أن كانوا استكانوا و أقاموا بالسماوة فبعث إليهم من أصحابه عبد الله بن سعيد و يسمى أبا غانم فجاءهم بكتابه سنة ثلاث و تسعين بأنه أوحى إليه بأن صاحب الشامة و أخاه الشيخ مقبلان و أن إمامه يظهر من بعدهما و يملأ الأرض عدلا و يظهر و طاب أبو غانم على إحياء كلب فاجتمع إليه جماعة منهم و قصد الشام فاستباح بصرى و أذرعات و نازل دمشق وعاملها يومئذ أحمد بن كيغلع و هو غائب بمصر في محاربة الجليجي الثائر من شيعة بني طولون على عساكر المكتفي و قابله خلفاؤه فهزمهم و قتل بعضهم و سار إلى الأردن فقتل عاملها و نهب طبرية و بعث المكتفي الحسين بن حمدان في العساكر ففر أبو غانم إلى السماوة و غور مياهها و اتبعته العساكر إلى أن جهدهم العطش ثم رجع الحسين بهم إلى الرحبة و قيل إنهم تقبضوا على أبي غانم و قتلوه و افترق جمعهم وذلك سنة ثلاث و تسعين

(4/110)


ظهور ذكرويه و مقتله
ثم اجتمع القرامطة إلى ذكرويه و أخرجوه من الجب الذي كان مختفيا فيه منذ عشرين سنة و حضر عنده دعاتهم فاستخلف عليهم أحمد بن القاسم بن أحمد و عرفهم بما له عليهم من المنة و أن رشادهم في امتثال أمره و رمز لهم في ذلك بآيات من القرآن حرف تأويلها و سار و هو محتجب يدعونه السيد و لا يرونه و القاسم يباشر الأمور و يتولاها و بعث المكتفي عساكره فهزمهم القرامطة بالسواد و غنموا معسكرهم و ساروا لاعتراض الحاج و مروا بالصوان و حاصروا الواقصة فامتنعت عليهم و طموا الآبار و المياه في تلك النواحي و بعث المكتفي محمد بن إسحق بن كنداج الصهال و رجعوا و نهب القرامطة الحاج و قتلوهم بعد أن قاتلوهم ثلاثا على غير ماء فاستسلموا و غنم أموالهم و أموال التجار و أموال بني طولون كانوا نقلوها من مصر إلى مكة ثم من مكة إلى بغداد عندما أجمعوا النقل إليها ثم حاصر القرامطة بقية الحاج في حمص قيل فامتنعوا و جهز المكتفي العساكر مع و صيف بن صوارتكين و جماعة من القواد فساروا على طر يق خفان و أدركوا القرامطة فقاتلوهم يومين ثم هزموهم و ضرب ذكرويه على رأسه فانهشم و جيء به أسيرا و بخليفة القاسم و ابنه و كاتبه و زوجته و مات لخمس ليال فسيق شلوه إلى بغداد و صلب وبعث برأسه إلى خراسان من أجل الحاج الذين نهبهم من أهلها و نجا الفل من أصحابه إلى الشام فأوقع بهم الحسين بن حمدان و استلحمهم و تتبعوا بالقتل في نواحي الشام و العراق و ذلك سنة أربعين و تسعين و ثلثمائة

(4/113)


خبر قرامطة البحرين و دولة بني الجنابي منها
و في سنة إحدى و ثمانين و مائتين جاء إلى القطيعي من البحرين رجل تسمى بيحيى بن المهدي و زعم أنه رسول من المهدي و أنه قد قرب خروجه و قصد من أهل القطيف علي بن المعلى بن أحمد الدبادي و كان متغاليا في التشيع فجمع الشيعة وأقرأهم كتاب المهدي و شنع الخبر في سائر قرى البحرين فأجابوا كلهم و فيهم أبو سعيد الجنابي و إسمه الحسن بن بهرام و كان من عظمائهم ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدة و رجع بكتاب المهدي يشكرهم على إجابتهم و يأمرهم أن يدفعوا ليحيى ستة دنانير و ثلاثين عن كل رجل تدفعوها ثم غاب و جاء بكتاب آخر يدفعوا إليه خمس أموالهم فدفعوا و قام يتردد في قبائل قيس ثم أظهر أبو سعيد الجنابي للدعوة بالبحرين سنة ثلاث و ثمانين و اجتمع إليه القرامطة و الأعراب وسار إلى القطيف طالبا البصرة و كان عليها أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي فأدار السور على البصرة و بعث المعتمد علي بن عمر الغنوي و كان على فارس فاقطعه اليمامة والبحرين و ضم إليه ألفين من المقاتلة و سيره إلى البصرة فاحتشد و خرج للقاء الجنابي و من معه و رجع عنه عند اللقاء بنوضبة فانهزم و أسره الجنابي و احتوى على معسكره و حرق الأسرى بالنار ثم من عليه و أطلقه فسار إلى الأبلة و منها إلى بغداد وسار أبو سعيد إلى هجر فملكها و أمنها و اضطربت البصرة للهزيمة و هم أهلها بالارتحال فمنعهم الواثقي و من كتاب ابن سعيد في خبر قرامطة البحرين ملخصا من كلام الطبري فلعله كما ذكره قال : كان ابتداء أمر القرامطة سنة ثمان و ثلثمائة فنقل الكلام و كان أبو سعيد يمهد لابنه الأكبر سعيد فلم به و ثار به أخوه الأصغر الظاهر سليمان فقتله و قام بأمرهم و بايعه العقدانية و جاءه كتاب عبيد الله المهدي بالولاية و في سنة ست و ثمانين و صل أبو القاسم القائم إلى مصر و استدعى أبا طاهر القرمطي و انتظره فأعجله مؤنس الخادم عن انتظاره و سار من قبل المقتدر فهزمه و رجع إلى المهدية ثم سار أبو الطاهر سنة سبع إلى البصرة فاستباحها و رجع واضطربت بغداد و أمر المقتدر بإصلاح ما تثلم من سورها ثم زحف إليها أبو الطاهر سنة إحدى عشرة فاستباحها و خرب الجامع و تركها خربة ثم خرج سنة إثنتي عشرة لاعتراض الحاج فأوقع بهم و هزم قواد السلطان الذين كانوا معهم و أسر أميرهم أبا النجاء بن حمدون و استصفى النساء و الصبيان و ترك الباقي بالبرية فهلكوا ثم خرج سنة أرج عشرة إلى العراق فعاث في السواد و دخل الكوفة و فعل فيها أشد من البصرة و في سنة أربع عشرة وقع بين العقدانية و أهل البحرين خلاف فخرج أبو الطاهر و بني مدينة الأحساء و سماها المؤمنية فلم تعرف إلا به و بنى قصره و أصحابه حوله و في سنة خمس عشرة استولى على عمان و هرب واليها في البحر إلى فارس وزحف سنة ست عشرة إلى الفرات و عاث في بلاده و بعث المقتدر عن يوسف بن أبي الساج من أذربيجان وولاه و اسط و بعثه لحربه فالتقوا بظاهر الكوفة و هزمه أبو طاهر و أسره و أرجف أهل بغداد وسار أبو طاهر إلى الأنبار و خرجت العساكر من بغداد لدفاعه مع مؤنس المظفر و هرون بن غريب الحال فلم يطيقوا دفاعه و توافقوا ثم تحاجزوا و عاد مؤنس إلى بغداد و سار هو إلى الرحبة و استباحها و دوخ بلاد الجزيرة بسراياه وسار إلى هشت و الكوفة و قاتل الرقة فامتنعت عليه وفرض الأتاوة على أعراب الجزيرة يحملونها إلى هجر و دخل في دعوته جماعة من بنى سليم بن منصور وبني عامر بن صعصعة و خرج إليه هرون بن غريب الحال فانصرف أبو طاهر إلى البرية و ظفر هرون بفريق منهم فقتلهم و عاد إلى بغداد و في سنة سبع عشرة هجم على مكة و قتل كثيرا من الحاج و من أهلها و نهب أموالهم جميعا و قلع باب البيت و الميزاب و قسم كسوة البيت في أصحابه و اقتلع الحجر الأسود و انصرف به و أراد أن يجعل الحج عنده وكتب إليه عبيد الله المهدي من القروان يوبخه على ذلك ويتهدده فكتب إليه بالعجز عن رده من الناس ووعد برد الحجر فرده سنة تسع وثلاثين بعد أن خاطبه منصور إسمعيل من القيروان في رده فردوه و قد كان الحكم المتغلب على الدولة ببغداد أيام المستكفي بذل لهم خمسين ألفا من الذهب على أن يردوه فأبوا و زعموا أنهم إنما حملوه بأمر إمامهم عبيد الله و إنما يردونه بأمره و أمر خليفته و أقام أبو طاهر بالبحرين و هو يتعاهد العراق و الشام بالغزو حتى ضربت له الأتاوة ببغداد و بدمشق على بني طفج ثم هلك أبو طاهر سنة إثنتين و ثلاثين لإحدى وثلاثين سنة من ملكه و مات عن عشرة من الولد كبيرهم سابور و ولى أخوه الأكبر أحمد بن الحسن و اختلف بعض العقدانية عليه و مالوا إلى ولاية سابور بن أبي طاهر و كاتبو القائم في ذلك فجاء جوابه بولاية الأخ أحمد و أن يكون الولد سابور ولي عهده فاستقر أحمد في الولاية عليهم كنوه أبا منصور و هو الذي رد الحجر الأسود إلى مكانه كما قلناه ثم قبض سابور على عمه أبي منصور فاعتقله بموافقة إخوته له على ذلك و ذلك سنة ثمان و خمسين ثم ثار بهم أخوه فأخرجه من الاعتقال و قتل سابور و نفى إخوته و أشياعهم إلى جزيرة أوال ثم هلك أبو منصور سنة تسع و خمسين يقال مسموما على يد شيعة سابور و ولي إبنه أبو علي الحسن بن أحمد و يلقب الأعصم و قيل الأغنم فطالت مدته و عظمت و قائعه و نفى جمعا كثيرا من و لد أبي طاهر يقال اجتمع منهم بجزيرة أوال نحو من ثلثمائة و حج هذا الأعصم بنفسه و لم يتعرض للحاج و لا أنكر الخطبة للمطيع

(4/114)


فتنة القرامطة مع المعز العلوي
ولما استولى جوهر قائد المعز لدين الله على مصر و جعفر بن فلاح الكتامي على دمشق طالب الحسن بالضريبة التي كانت له على دمشق فمنعوه و نابذوه وكتب له المعز وأغلظ عليه و دس لشيعة أبي طاهر و بنيه أن الأمر لولده و أطلع الحسن على ذلك فخلع المعز سنة إثنتين و ثلاثماية و خطب للمطيع العباسي في منابره و لبس السواد ثم زحف إلى دمشق و خرج جعفر بن فلاح لحربه فهزمه الأعصم و قتله و ملك دمشق و سار إلى مصر فحاصر جوهرا بها و ضيق عليه ثم غدر به العرب و اجفلوا فأجفل معهم و عاد إلى الشام و نزل الرملة وكتب إليه المعز سنة إحدى و ستين بالنفي والتوبيخ و عزله عن القرامطة و ولى بني أبي طاهر فخرجوا من أوال و نهبوا الأحساء في غيبته وكتب إليهم الطائع العباسي بالتزام الطاعة و أن يصالحوا ابن عمهم ويقيموا بجزيرة أوال و بعث من أحكم بينهم الصلح ثم سار الأعصم إلى الشام وتخطاها دون صور فقاتلوه و راء الخنادق و بذل جوهر المال للعرب فافترقوا عنه وانهزم و نهب معسكره و جاء المعز من أفريقية و دخل القاهرة سنة ثلاث و ستين وسرح العساكر إلى الشام فاستولوا عليه فنهض الأعصم إليهم فأوقع بهم و أثخن فيهم و انتزع ما ملكوه من الشام سار إلى مصر و بعث المعز لدين الله إبنه عبد الله فلقيهم على بلبيس و انهزم الأعصم و فشا القتل و الأسر في أصحابه فكانوا نحوا من ثلاثة آلاف و رجع الأعصم إلى الأحساء و استخلص المعز بني الجراح أمراء الشام من طيء حتى استرجع بهم ما غلب عليه القرامطة من الشام بعد حروب و حصار ثم مات المعز سنة خمس و ستين و طمع الأعصم في بلاد الشام و كان أفتكين التركي مولى معز الدولة بن بويه لما انتقض على أبيه بختيار وهزمه ببغداد سار أفتكين منهزما إلى دمشق و كانوا مضطرين فخرجوا إليه و ولوه عليهم و صالح المعز إلى أن توفي فنابذ العزيز و بعث إليه جوهر في العساكر فحاصره فكتب أفتكين إلى الأعصم واستدعاه فجاء إلى الشام سنة ست و ستين و خرج معه أفتكين و نازلوا الرملة فملكوها من يد جوهر و زحف إليهم العزيز و هزمهم و تقبض على أفتكين و لحق الأعصم بطبرية منهزما ثم ارتحل منها إلى الأحساء و أنكروا ما فعله الأعصم من البيعة لبني العباس و اتفقوا على إخراج الأمر عن و لد أبي سعيد الجنابي و قدموا رجلين منهم و هما جعفر و إسحق و سار بنو أبي سعيد إلى جزيرة أوال و كان بنو أبي طاهر قبلهم فقتلوا كل من دخل إليهم من و لد أحمد بن أبي سعيد و أشياعه ثم قام بأمر القرامطة جعفر و إسحق هذان و رجعوا إلى دعوة العلوية و محاربة بني بويه ورجعوا سنة أربع و ستين إلى الكوفة فملكوها و بعث صمصام الدولة بن بويه العساكر إليهم فهزمهم على الفرات و قتل منهم خلق و اتبعوهم إلى القادسية ثم اختلف جعفر و إسحق و طمع كل منهما في الرياسة على صاحبه و افترق أمرهم و تلاشت دعوتهم إلى أن استولى الأصغر بن أبي الحسن الثعلبي سنة ثمان و تسعين عليهم و ملك الأحساء من أيديهم و أذهب دولتهم و خطب للطائع و استقرت الدولة له و لبنيه

(4/116)


ذكر المتغلبين بالبحرين من العرب بعد القرامطة
كان بأعمال البحرين خلق من العرب و كان القرامطة يستنجدونهم على أعدائهم ويستعينون بهم في حروبهم و ربما يحاربونهم و يقاطعونهم في بعض الأوقات و كان أعظم قبائلهم هنالك بنو ثعلب و بنو عقيل و بنو سليم و أظهرهم في الكثرة و العزة بنو ثعلب و لما فشلت دولة القرامطة بالبحرين و استحكمت العداوة بينهم و بين بني بوبه بعد انقراض ملك بني الجنابي و عظم اختلافهم عند القائم بدعوة العباسية و كان خالصة للقرامطة و دعاه إلى إذهاب دولتهم فأجابه و داخل بني مكرم رؤساء عمان في مثل ذلك فأجابوه و استولى الأصغر على البحرين و أورثها بنيه و استولى بنو مكرم على عمان ثم غص بنو ثعلب بسليم و استعانوا عليهم ببني عقيل و طردوهم من البحرين فساروا إلى مصر و منها كان دخولهم إلى أفريقية كما يأتي ثم اختلف بنو ثعلب و بنو عقيل بعد مدة و طردهم بنو ثعلب إلى العراق فملكوا الكوفة و البلاد العراقية و امتد ملك الأصغر و طالت أيامه و تغلب على الجزيرة و الموصل و حارب بني عقيل سنة ثمان و ثلاثين و أربعمائة برأس عين من بلاد الجزيرة وغص بشأنه نصير الدولة بن مروان صاحب ميافارقين و ديار بكر فقام له و جمع له الملوك من كل ناحية فهزمه و اعتقله ثم أطلقه و مات و بقي الملك متوارثا في بنيه بالبحرين إلى أن ضعفوا و تلاشوا و انقرضت دولة بني عقيل بالجزيرة و غلبهم عليها و على تلك البلاد أولياء الدولة السلجوقية فتحولوا عنها إلى البحرين مواطنهم الأولى و وجدوا بني ثعلب قد أدركهم الهرم فغلبوا عليهم قال ابن سعيد : سألت أهل البحرين حين لقيتهم بالمدينة النبوية سنة إحدى و خمسين و ستمائة عن البحرين فقالوا : الملك فيها لبني عامر بن عوف بن عامر بن عقيل و بنو ثعلب من جملة رعاياهم و بنو عصفور منهم أصحاب الأحساء و ( لنذكر ) هنا نبذة في التعريف بكاتب القرامطة و أمصار البحرين و عمان لما أن ذلك من توابع أخبارهم
( الكاتب ) : كان كاتبهم أبو الفتح الحسين بن محمود و يعرف بكشاجم كان من أعلام الشعراء و ذكره الثعالبي في اليتيمة و الحصري في زهر الآداب و هو بغدادي المولد و أشهر بخدمة القرامطة فيما ذكره البيهقي و كتب لهم بعده إبنه أبو الفتح نصر و لقبه كشاجم مثل أبيه وكان كاتبا للأعصم
( البحرين ) : إقليم يسمى بإسم مدينته و يقال هجر باسم مدينة أخرى منه كان حضرية فخربها القرامطة و بنو الأحساء و صارت حاضرة و هذا الإقليم مسافة شهر على بحر فارس بين البصرة و عمان شرقيها في فارس و غربيها متصل باليمامة و شمالها البصرة و جنوبها بعمان كثيرة المياه ببطونها على القامة و القامتين كثيرة البقل و الفواكه مفرطة الحر منهالة الكثبان يغلب الرمل عليهم في منازلهم و هي من الإقليم الثاني و بعضها في الثالث كانت في الجاهلية لعبد القيس و بكر بن وائل من ربيعة و ملكها للفرس و عاملها من قبلهم المنذر بن ساوي التميمي ثم صارت رياستها صدر الإسلام لبني الجارودي و لم يكن ولاة بني العباس ينزلون هجر إلى أن ملكها أبو سعيد القرمطي بعد حصار ثلاث سنين و استباحها قتلا و إحراقا و تخريبا ثم بنى أبو طاهر مدينة الأحساء و توالت دولة القرامطة و غلب على البحرين بنو أبي الحسن بن ثعلب و بعدهم بنو عامر بن عقيل قال ابن سعيد و الملك الآن فيهم في بني عصفور
( الأحساء ) بناها أبو طاهر القرمطي في المائة الثالثة و سميت بذلك لما فيها من أحساء المياه في الرمال و مراعي الإبل و كانت للقرامطة بها دولة و جالوا فى أقطار الشام و العراق و مصر و الحجاز و ملكوا الشام و عمان
( دارين ) هي من بلاد البحرين ينسب إليها الطيب كما تنسب الرماح إلى الخط بجانبها فيقال مسك دارين و الرماح الخطية
( عمان ) و هي من ممالك جزيرة العرب المشتملة على اليمن و الحجاز و الشحر و حضرموت و عمان و هي خامسها إقليم سلطاني منفرد على بحر فارس من غربيه مسافة شهر شرقيها بحر فارس و جنوبيها بحر الهند و غربيها بلاد حضرموت و شماليها البحرين كثيرة النخل و الفواكه و بها مغاص اللؤلؤ سميت بعمان بن قحطان أول من نزلها بولاية أخيه يعرب و صارت بعد سيل العرم للأزد و جاء الإسلام و ملوكها بنو الجلندي و الخوارج بها كثيرة و كانت لهم حروب مع عمال بني بويه و قاعدتهم تروى و ملك عمان من البحر ملوك فارس غير مرة و هي في الإقليم الثاني و بها مياه و بساتين و أسواق و شجرها النخل و كانت بها في الإسلام دولة لبني شامة بن لؤي بن غالب و كثير من نسابة قريش يدفعونهم عن هذا النسب أولهم بها محمد بن القاسم الشامي بعثه المعتضد أعانه ففتحها و طرد الخوارج إلى تروى قاعدة الجبال و أقام الخطبة لبني العباس و توارث ذلك بنوه و أظهروا شعار السنة ثم اختلفوا سنة خمس و ثلثمائة و تحاربوا و لحق بعضهم بالقرامطة و أقاموا في فتنة إلى أن تغلب عليهم أبو طاهر القرمطي سنة سبع عشرة عند اقتلاعه الحجر و خطب بها لعبيد الله المهدي و ترددت ولاة القرامطة عليها من سنة سبع عشرة إلى سنة خمس و سبعين فترهب واليها منهم و زهد و ملكها أهل تروى الخوارج و قتلوا من كان بها من القرامطة و الروافض و بقيت في أيديهم و رياستها للأزد منهم ثم سار بنو مكرم من وجوه عمان إلى بغداد و استخدموا لبني بويه و أعانوهم بالمراكب من فارس فملكوا مدينة عمان و طردوا الخوارج إلى جبالهم و خطبوا لبني العباس ثم ضعفت دولة بني بويه ببغداد فاستبد بنو مكرم بعمان و توارثوا ملكها و كان منهم مؤيد الدولة أبو القاسم علي بن ناصر الدولة الحسين بن مكرم و كان ملكا جوادا ممدوحا قاله البيهقي و مدحه مهيار الديلمي و غيره و مات سنة ثمان و عشرين و أربعمائة بعد مدة طويلة في الملك و في سنة إثنتين و أربعين ضعف ملك بني مكرم و تغلب عليهم النساء و العبيد فزحف إليها الخوارج و ملكوها و قتلوا بقيتهم و انقطع منها رسم الملك و صار في حجار من مدر هذا الإقليم قلهاة هي عرصة عمان على بحر فارس من الإقليم الثاني و مما يلى الشحر و حجار في شماليها إلى البحرين بينهما سبع مراحل و هي في جبال منيعة فلم تحتج إلى سور و كان ملكها سنة ثمان و أربعين زكريا بن عبد الملك الأزدي من ذرية رياسة و كان الخوارج بتروى مدينة الشراة يدينون لهم و يرون أنهم من ولد الجلندي

(4/118)


الخبر عن الإسماعيلية أهل الحصون بالعراق و فارس و الشام و سائر أمورهم و مصايرها
هذا المذهب هو مذهب القرامطة و هم غلاة الرافضة و هو على ما رأيته من الاضطراب و الاختلاف و لم يزل متناقلا في أهله بأنحاء العراق و خراسان و فارس و الشام و اختلف بعضهم باختلاف الأعصار و الأمصار و كانوا يدعون أولا قرامطة ثم قيل لهم بالعراق باطنية ثم الإسماعيلية ثم النزارية لما حدث من عهد المستضيء العلوي لإبنه نزار و قتله شيعتهم بمصر و لم يبايعوا له و كان عنده ابن الصباح من هؤلاء الإسماعيلية و نفى الإمامة بعده عن أئمتهم بمصر فسموا أصحابه لذلك نزارية و كان هذا المذهب بعد موت ذكرويه و انحلال عقدتهم بقي منبثا في الأقطار و يتناوله أهله و يدعون إليه و يكتمونه و لذلك سمو الباطنية و فشت أذيتهم بالأمصار بما كانوا يعتقدونه من استباحة الدماء فكانوا يقاتلون الناس و يجتمع لذلك جموع منهم يكمنون في البيوت و يتوصلون إلى مقاصدهم من ذلك ثم عظمت أمورهم أيام السلطان ملك شاه عندما استمر الملك للعجم من الديلم و السلجوقية و عقل الخلفاء و عجزوا عن النظر في تحصين إمامتهم و كف الغوائل عنها فانتشروا في هذه العصور و ربما اجتمع منهم جماعة بساوة بأنحاء همذان فصلوا صلاة العيد بأنحائهم فحبسهم الشحنة ثم أطلقهم ثم استولوا بعد ذلك على الحصون و القلاع فأول قلعة غلبوا عليها قلعة عند فارس كان صاحبها على مذهبهم فأووا إليه و اجتمعوا عنده و صاروا يخطفون الناس من السابلة و عظم ضررهم بتلك النواحي ثم استولوا على قلعة أصفهان و إسمها شاه در كان السلطان شاه بناها و أنزل بها عامله فاتصل به أحمد بن غطاش كان أبوه من مقدمي الباطنية و عنه أخذ ابن الصباح و غيره منهم و كان أحمد هذا عظيما فيهم لمكان أبيه و رسوخه في العلم بينهم فعظموه لذلك و توجوه و جمعوا له مالا و قدموه عليهم و اتصل بصاحب القلعة فآثر مكانه و قلده الأمور حتى إذا توفي استولى أحمد بن غطاش على قلعة شاه در و أطلق أيدي أصحابه في نواحيها يخيفون السابلة من كل ناحية ثم استولوا على قلعة الموت من نواحي قزوين و هي من بنيان الديلم و معنى هذا الإسم عندهم تميل العقاب و يقال لتلك الناحية طالقان و كانت في ضمان الجعفري فاستناب بها علويا و كان بالري أبو مسلم صهر نظام الملك و اتصل به الحسن بن الصباح و كان بينهم عالما بالتعاليم و النجوم و السحر و كان من جملة تلامذة ابن غطاش صاحب قلعة أصفهان ثم اتهمه أبو مسلم بجماعة من دعاة المصريين عنده فهرب منه و جال في البلاد و انتهى إلى مصر فأكرمه المستنصر و أمره بدعاء الناس إلى إمامته و قال له الحسن من الإمام بعدك فأشار إلى إبنه نزار و عاد من مصر إلى الشام و الجزيرة و ديار بكر و بلاد للروم و رجع إلى خراسان بقلعة الموت فنزل على العلوي فأكرمه و اعتقد البركة فيه و أقام بها و هو يحاول إحكام أمره في تملكها فلما تم له من ذلك ما أراد أخرج العلوي منها و ملكها و اتصل الخبر بنظام الملك فبعث العسكر لحصارها فجهده الحصار و بعث جماعة من الباطنية فقتلوا نظام الملك و رجعت العساكر و استولوا أيضا على قلعة طبس و ما جاورها من قلاع قوهستان و هي زرون و قائد و كان رئيس قوهستان المنور من أعقاب بني سيجور أمراء خراسان للسامانية فطلبه عامل قوهستان و أراد اغتصاب أخته فاستدعى الإسماعيلية و ملكهم هذه القلاع و استولوا على قلعة خالنجان على خمسة فراسخ من أصفهان كانت لمؤيد الملك بن نظام الملك و انتقلت إلى جاولي سقاور من أمراء الغز و ولى عليها بعض الترك فاتصل به بعض الباطنية و خدمه و أهدى له حتى صارت مفاتيح القلعة في يده فدس لابن غطاش في قلعة شاه در فجاء في جمع من أصحابه ليلا و هرب التركي فملكها و قتل من كان بها و قوي بها على أهل أصفهان و فرض عليهم القطائع و من قلاعهم أسويا و ندبين الرمل و آمد ملكوها بعد ملك شاه غدرا و منها أزدهر ملكها أبو الفتوح ابن أخت الحسن بن الصباح و منها كردكوه و منها قلعة الناظر بخوزستان و قلعة الطنبور قرب أرجان ملكها أبو حمزة الإسكاف من أهل ارجان و قد كان سافر إلى مصر فأخذ بمذهبهم و رجع داعية لهم و منها قلعة ملاوخان بين فارس و خوزستان امتنع بها المفسدون نحوا من مائتي سنة لقطع الطريق حتى فتحها عضد الدولة بن بويه و قتل من بها فلما ملك ملك شاه أقطعها للأمير أنز فولى عليها من قبله و داخله الباطنية الذين من أرجان في بيعها منهم فأبى فقالوا نرسل إليك من يناظرك حتى نرى الحق في مذهبنا و بعثوا إليهم رجالا منهم فاعتقلوا مملوكه حتى سلم لهم مفاتيح القلعة و قبضوا على صاحبها و قويت شوكتهم و امتدت أيدي الناس إلى قتلهم و اعتقدوا جهادهم و ثاروا بهم في كل وجهة فقتلوهم و قتلتهم العامة بأصفهان و كانوا قد ظهروا بها عند محاصرة السلطان بركيارق أصفهان و بها أخوه محمد و أمه خاتون الجلالية و فشت فيها دعوتهم و كثر فيها الاغتيال من أتباعهم فثاروا بهم و قتلوهم و حفروا الأخاديد و أوقدوها بالنيران و جعلوا يأتون بالباطنية فيلقونهم فيها و تجرد جاولي سقاور و كان واليا بفارس للجهاد فيهم و تحيل عليهم بجماعة من أصحابه أظهروا الهروب إليهم فأوثقوا بهم و سار هو من بعد ذلك إلى همذان فأغزاهم ثم صار الباطنية من بعد ذلك إلى همذان لقتل أمراء السلجوقية غدرا فكان يقصد أحدهم أميرا من هؤلاء و قد استبطن خنجرا و استمات حملهم على ذلك السلطان بركيارق و استعان بهم على أمر أخيه فكان أحدهم يعرض نفسه بين يدي الأمير حتى يتمكن من طعنه فيطعنه و يهلك غالبا و يقتل الباطني لوقته فقتلوا منهم كذلك جماعة و لما ظهر بركيارق على أخيه محمد انتشروا في عسكره و استعانوا بطائفة منهم و تهددوا بالقتل على ذلك حتى ارتاب أمراء العسكر بأنفسهم و خافوا عاديتهم و لازموا حمل السلاح و شكوا إلى بركيارق بذلك و بما يلقونه منهم و من عسكر أخيه فيما يرمونهم به من الاتحاد بهؤلاء الباطنية فأذن في قتلهم و ركب و العسكر معه فتتبعوهم بالقتل حتى أن الأمير محمدا من أعقاب علاء الدولة بن كاكويه و كان صاحب مدينة يزد أتهم برأيهم فهرب و قتل و كتب إلى بغداد في أبي إبراهيم الاستراباذي و كان بركيارق بعثه رسولا فأخذ هنالك و قتل و استلحموا في كل جهة و استلحم المتهمون و انطلقت عليهم الأيدي في كل ناحية و ذلك سنة ست و ثمانين و لما استفحل أمر السلطان محمد بعد أخيه بركيارق زحف إلى قلعة شاه در التي بها أحمد بن غطاش لقربها من أصفهان سرير ملكه فجمع العساكر و الأمم و خرج في رجب من أول المائة السادسة و أحاط بجبل القلعة و دوره أربعة فراسخ و رتب الأمراء لقتالها نوبا و لما اشتد الأمر بهم سألوا فتوى الفقهاء في أمرهم و كتبوا ما نصه : ما يقول السادة الفقهاء أئمة للدين في قوم يؤمنون بالله و اليوم الاخر و كتبه و رسله و أن ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم حق و صدق و إنما يخالفون في الإمام هل يجوز للسلطان مساعدتهم و مراعاتهم و أن يقبل طاعتهم و يحرسهم من كل أذى أم لا ؟ فأجاب أكثر الفقهاء بجواز ذلك و توقف بعضهم و جمعوا للمناظرة فقال السمنجاني من كبار الشافعية : يجب قتالهم و لا يجوز إقرارهم بمكانهم و لا ينفعهم التلفظ بالشهادتين فإنهم لا يرون مخالفة إمامهم إذا خالف أحكام الشرع و بذلك تباح دماؤهم إجماعا و طالت المناظرة في ذلك ثم سألوا أن يأتيهم من العلماء من يناظرهم و عينوا أعيانا من أصفهان و قصدوا بذلك المطاولة و التعلل فبعثهم السلطان إليهم فعادوا من غير شيء فاشتد السلطان إليهم في حصارهم و استأمنوا على أن يعوضوا عن قلعتهم بقلعة خالنجان على سبعة فراسخ من أصفهان و أن يؤجلوا في الرحيل شهرا فأجابهم و أقاموا في تلك المدة يجمعون ما يقدرون عليه من الأطعمة و وثبوا على بعض الأمراء و سلم منهم فجدد السلطان حصارهم و طلبوا أن ينتقلوا إلى قلعة الناظر و طبس و يبعث السلطان معهم من يوصلهم و يقيم الباقون بضرس من القلعة إلى أن يصل الأولون ثم يبعث مع الآخرين من يوصلهم إلى ابن الصباح بقلعة الموت فأجابهم إلى ذلك و خرج الأولون إلى الناظر و طبس و خرب السلطان القلعة و تمسك ابن غطاش بالضرس الذي هو فيه و عزم على الاعتصام به و زحف إليه الناس عامة و هرب بعضهم إلى السلطان فدله على عورة المكان فصعدوا إليه و قتلوا من وجدوا فيه و كانوا ثمانين و أخذا ابن غطاش أسيرا فسلخ و حشي جلده تبنا و قتل ابنه و بعث برأسهما إلى بغداد و ألقت زوجه نفسها من الشاهق فهلكت

(4/121)


خبر الاسماعيلية بالشام
لما قتل أبو إبراهيم الاستراباذي ببغداد كما تقدم هرب بهرام ابن أخيه إلى الشام و أقام هنالك داعية متخفيا و استجاب له من الشام خلق و كان الناس يتبعونهم لكثرة ما اتصفوا به من القتل غدرا و كان أبو الغازي بن أرتق بحلب يتوصل بهم إلى غرضه في أعدائه و أشار أبو الغازي على ابن طغتكين الأتابك بدمشق بمثل ذلك فقبل رأيه و نقل إليه فأظهر حينئذ شخصه و أعلن بدعوته و أعانه الوزير أبو علي ظاهر بن سعد المزدغاني لمصلحتهم فيه فاستفحل أمره و كثر تابعوه و خاف من عامة دمشق فطلب من ابن طغتكين و وزيره أبي علي حصنا يأوي إليه فأعطوه قلعة بانياس سنة عشرين و خمسمائة و ترك بدمشق خليفة له يدعو الناس إلى مذهبة فكثروا و انتشروا و ملك هو عدة حصون في الجبال منها القدموس وغيره و كان بوادي التيم من أعمال بعلبك طوائف من المجوس و النصرانية و الدرزية و أميرهم يسمى الضحاك فسار بهرام لقتالهم سنة سنة إثنتين و عشرين و استحلف على بانياس إسمعيل من أصحابه و لقيهم الضحاك في ألف رجل و كبس عسكره فهزمهم و قتله و عاد فلهم إلى بانياس فأقام بأمرهم إسمعيل و جمع شملهم و بث دعاته في البلاد و عاضده المزدغاني وزير دمشق و انتصر لهذه الطائفة و أقام بدمشق خليفة لبهرام إسمه أبو الوفاء فقوي أمره و كثر أتباعه و استبد على صاحبها تاج الملوك بن طغتكين ثم أن المزدغاني راسل الفرنج أن يملكهم دمشق على أن يعطوه صور و تواعدوا ليوم عينوه و دس للإسماعيلية أن يكونوا ذلك اليوم على أهبة و نمي الخبر إلى إسمعيل فخاف أن يثور به الناس فأعطى بانياس للفرنج و انتقل إليهم و مات سنة أربع و عشرين و كان للإسماعيلية قلاع في تلك الجهات تتصل بعضها ببعض أعظمها قلعة مصيات فسار صلاح الدين لما ملك الشام سنة إثنتين و سبعين إليها و حاصر مصيات و ضيق حصارها و بعث سنان مقدم الإسماعيلية إلى خال صلاح الدين بحماة و هو شهاب الدين الحمادي أن يسأل صلاح الدين في الصلح معهم و يتهددونه على ذلك سرا فسار إلى صلاح الدين و أصلح أمرهم عنده و رحل عنهم

(4/124)


بقية الخبر عن قلاع الاسماعيلية بالعراق
و لم تزل قلاع هؤلاء الإسماعيلية بالعراق عشا لهذه الغواية و سفطا لهؤلاء الخباث منذ ثار بها أحمد بن غطاش و الحسن بن الصباح و كان لهذا الحسن مقالات في مذاهب الرافضة غريقة في الغلو داخلة من باب الكفر و تسميها الرافضة المقالات الجديدة و لا يدين بقبولها إلا الغلاة منهم و قد ذكرها الشهرستاني في كتاب الملل و النحل فعليك به إن أردت معرفتها و بقي الملوك يقصدونهم بالجهاد لما اشتهر عنهم من الضرر بالاغتيال و لما افترق أمر السلجوقية و استبد ايتغمس بالري و همذان سار إليهم سنة ثلاث و ستمائة إلى قلاعهم المجاورة لقزوين فحاصرها و فتح منها خمس قلاع و اعتزم على حصار قلعة الموت فعرض له ما شغله عن ذلك ثم زحف إليهم جلال الدين منكبرتي بن علاء الدين خوارزم شاه عندما رجع من الهند و ملك بلاد أذربيجان و أرمينية فقتلوا بعض أمرائه بمثل قتلهم فسار إلى بلادهم و دوخ نواحي الموت و قد مر ذكره و قلاعهم التي بخراسان خربها و استباحها قتلا و نهبا و كانوا منذ ظهر التتر قد شرهوا على الجهات فأوقع بهم جلال الدين هذه الواقعة سنة أربع و عشرين و ستمائة و كفحهم عما سموا إليه من ذلك و لما استفحل أمر التتر سار هولاكو أعوام الخمسين و الستمائة من بغداد و خرب قلاعهم و زحف الظاهر بعد ذلك إلى قلاعهم التي بالشام فخرب كثيرا منها و طوع ما بقي منها و صارت مصيات و غيرها في طاعته و انقرض أمرهم إلا مغتالين يستعملهم الملوك في قتل أعدائهم على البعد غدرا و يسمون الفداوية أي الذين يأخذون فدية أنفسهم على الإستماتة في مقاصد من يستعملهم و الله وارث الأرض و من عليها

(4/125)


الخبر عن دولة بني الأخيضر باليمامة من بني حسن
كان موسى الجون بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط لما اختفى أخواه محمد و إبراهيم طالبه أبو جعفر المنصور بإحضارهما فضمن له ذلك ثم اختفى و عثر عليه المنصور فضربه ألف سوط فلما قتل أخوه محمد المهدي بالمدينة اختفى موسى الجون إلى أن هلك و كان من عقبه إسماعيل و أخوه محمد الأخيضر إبنا يوسف بن إبراهيم بن موسى فخرج إسمعيل في أعراب الحجاز و تسمى السفاك سنة إحدى و خمسين و مائتين ثم قصد مكة فهرب عاملها جعفر بسباسات و انتهب منزله و منازل أصحاب السلطان و قتل جماعة من الجند و أهل مكة و أخذ ما كان حمل للإصلاح من المال و ما في الكعبة و خزائنها من الذهب و الفضة و أخذ كسوة الكعبة و أخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار ثم نهبها و أخرق بعضها بعضا و أقام في ذلك خمسين يوما ثم سار إلى المدينة فتوارى عاملها و حاصرها حتى مات أهلها جوعا و لم يصل أحد في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم و وصل عساكر المعتز إلى المدينة فأفرج عنها و رجع إلى مكة و حاصرها حتى جهدها الحصار و رحل بعد مقامة شهرين إلى جدة فاخذ أموال التجار و نهب ما في مراكبهم و رجع إلى مكة و قد وصل إليها محمد بن عيسى بن المنصور و عيسى بن محمد المخزومي بعثهما المعتز لقتاله فتواقعوا بعرفة و اقتتلوا و قتل من الحاج نحو ألف و سلبوا الناس و هربوا إلى مكة و بطل الموقف إلا إسماعيل و أصحابه و خطب لنفسه ثم رجع إلى جدة و استباحوها ثانية ثم هلك لسنة من خروجه بالجدري آخر سنة اثنتين و خمسين أيام حرب المستعين و المعتز و كان يتردد بالحجاز مند اثنتي و عشرين سنة و مات و لم يعقب و ولي مكانه أخوه محمد الأخيضر و كان أسن منه بعشرين سنة و نهض إلى اليمامة فملكها و اتخذ قلعة الحصرمية و كان له من الولد محمد و إبراهيم و عبد الله و يوسف و هلك فولي بعده ابنه يوسف و أشرك ابنه إسماعيل معه في الأمر مدة حياته ثم هلك و انفرد إسمعيل بملك اليمامة و كان له من الأخوة الحسن و صالح و محمد بنو يوسف فلما هلك إسماعيل ولي من بعده أخوه الحسن و بعده ابنه أحمد بن الحسن و لم يزل ملكها فيهم إلى أن غلب عليهم القرامطة و انقرض أمرهم و البقاء لله و كان بمدينة غانة من بلاد السودان بالمغرب مما يلي البحر المحيط ملك بني صالح ذكرهم صاحب كتاب زجار في الجغرافيا و لم نقف على نسب صالح هذا من خبر يعول عليه و قال بعض المؤرخين أنه صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله الملقب أبا الكرام بن موسى الجون و أنه خرج أيام المأمون بخراسان و حمل إليه و حبسه و ابنه محمد من بعده و لحق بنوه بالمغرب فكان لهم ملك في بلد غانة و لم يذكر ابن حزم في أعقاب موسى الجون صالحا هذا بهذا النسب و لعله صالح الذي ذكرناه آنفا في ولد يوسف بن محمد الأخيضر و الله أعلم

(4/126)


الخبرعن دولة السيمانيين من بني الحسن بمكة ثم بعدها باليمن و مبادي أمورهم و تصاريف أحوالهم
مكة هذه أشهر من أن نعرف بها أو نصفها إلا أنه لما انقرض سكانها من قريش بعد المائة الثانية بالفتن الواقعة بالحجاز من العلوية مرة بعد أخرى فأقفرت من قريش و لم يبق بها إلا أتباع بني حسن أخلاط من الناس و معظمهم موال سود من الحبشة و الديلم و لم يزل العمال عليها من قبل بني العباس و شيعتهم و الخطبة لهم إلى أن اشتغلوا بالفتن أيام المستعين و المعتز و ما بعدهما فحدثت الرياسة فيها لبني سليمان بن داود بن حسن المثنى بن الحسن السبط و كان كبيرهم أخر المائة الثانية محمد بن سليمان و ليس هو سليمان بن داود لأن ذلك ذكره ابن حزم أنه قام بالمدينة أيام المأمون و بين العصرين نحو من مائة سنة سنة إحدى و ثلثمائة أيام المقتدر و خلع طاعة العباسية و خطب في الموسم فقال : الحمد لله الذي أعاد الحق إلى نظامه و أبرز زهر الإيمان من أكمامه و كمل دعوة خير الرسل بأسباطه لا بني أعمامه صلى الله عليه و على آله الطاهرين و كف عنا ببركته أسباب المعتدين و جعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين ثم أنشد :
( لأطلبن بسيفي * ما كان للحق دينا * و أسطون بقوم * بغوا و جاروا علينا ... يعدون كل بلاد * من العراق علينا )
و كان يلقب بالزبيدي نسبة إلى نحلته من مذاهب الإمامية و بقي ركب العراق يتعاهد مكة إلى أن اعترضه أبو طاهر القرمطي سنة اثنتي عشرة و أسر أبا الهيجاء بن حمدان والد سيف الدولة و جماعة معه و قتل الحجاج و ترك النساء و الصبيان بالقفر فهلكوا و انقطع الحاج من العراق بسبب القرامطة ثم أنفذ المقتدر سنة سبع عشرة منصور الديلي من مواليه فوافاه يوم التروية بمكة أبو طاهر القرمطي فنهب الحاج و قتلهم حتى في الكعبة و الحرم و امتلأ زمزم بالقتل و الحجاج يصيحون : كيف يقتل جيران الله ؟ فيقول : ليس بجار من خالف أوامر الله و نواهيه و يتلو : { إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله } الآية و كان يخطب لعبيد الله المهدي صاحب أفريقية ثم قلع الحجر الأسود و حمله إلى الأحساء و قلع باب البيت و حمله و طلع رجل يقلع الميزاب فسقط و مات فقال : اتركوه فإنه محروس حتى يأتي صاحبه يعني المهدي فكتب إليه ما نصه : و العجب من كتبك إلينا ممتنا علينا بما ارتكبته و اجترمته باسمنا من حرم الله و جيرانه بالأماكن التي لم تزل الجاهلية تحرم إراقة الدماء فيها و إهانة أهلها ثم تعديت ذلك و قلعت الحجر الذي هو يمين الله في الأرض يصافح بها عباده و حملته إلى أرضك و رجوت أن نشكرك فلعنك الله ثم لعنك و السلام على من سلم المسلمون من لسانه و يده و فعل في يومه ما عمل فيه حساب غده انتهى فانحرفت القرامطة عن طاعة العبيديين لذلك ثم قتل المقتدر على يد مؤنس سنة عشرين و ثلثمائة و ولي أخوه القاهر و حج بالناس أميره تلك السنة و انقطع الحج من العراق بعدها إلى أن كاتب أبو علي يحيى الفاطمي سنة سبع و عشرين من العراق أبا طاهر القرمطي أن يطلق السبيل للحجاج على مكس يأخذه منهم و كان أبو طاهر بعظمه لدينه و يؤمله فأجابه إلى ذلك و أخذ المكس من الحجاج و لم يعهد مثله في الإسلام و خطب فى هذه السنة بمكة للراضي بن المقتدر و في سنة تسع و عشرين لأخيه المقتفي من بعده و لم يصل ركب العراق في هذه السنين من القرامطة ثم ولي المستكفي بن المكتفي سنة ثلاث و ثلاثين على يد توروز أمير الأمراء ببغداد فخرج الحاج في هذه السنة لمهادنة القرامطة بعد أبي طاهر ثم خطب للمطيع بن المقتدر بمكة مع معز الدولة سنة أربع و ثلاثين عندما استولى معز الدولة ببغداد و قلع عين المستكفي و اعتقله ثم تعطل الحاج بسبب القرامطة و ردوا الحجر الأسود سنة تسع و ثلاثين بأمر المنصور العلوي صاحب أفريقية و خطابه في ذلك لأمرهم أحمد بن أبي سعيد ثم جاء الحاج إلى مكة سنة اثنتين و أربعين مع أمير من العراق و أمير من مصر فوقعت الحرب بينهما على الخطبة لابن بوبه ملك العراق أو ابن الأخشيد صاحب مصر فانهزم المصريون و خطب لابن بويه و اتصل ورود الحاج من يومئذ فلما كانت سنة ثمان و أربعين و جاء الحاج من بغداد و مصر كان أمير الحاج من العراق و محمد بن عبيد الله فأجابه إلى ذلك ثم جاء إلى المنبر مستعدا و أمر بالخطبة لابن بويه فوجم الآخر و تمت عليه الحيلة و عاقبه أميره كافور و يقال قتله و وقع ابن بويه لمحمد بن عبيد الله باتصال إمارته على الحاج و لما كانت سنة ست و خمسين وصل بركب العراق أبو أحمد الموسوي نقيب الطالبيين و هو والد الشريف الرضي ليحج بالناس و نهب بنو سليم حاج مصر و قتل أميرهم و في سنة ست و خمسين حج بالناس أبو أحمد المذكور و خطب بمكة لبختيار بعد موت أبيه معز الدولة و الخليفة يومئذ المطيع و اتصل حج أبي أحمد بركب العراق و في سنة ثلاث و خمسين خطب للقرمطي بمكة فلما قتل أحمد وقعت الفتنة بين أبي الحسن القرمطي و خلع طاعة العبيديين و خطب للمطيع و بعث إليه بالرايات السود و نهض إلى دمشق فقتل جعفر بن فلاح قائد العلويين و خطب للمطيع ثم وقعت الفتنة بين أبي الحسن و بين جعفر و حصلت بينهم دماء و بعث المعز العلوي من أصلح بينهم و جعل دية القتلى الفاضلة في مال المعز و هلك بمصر أبو الحسن فولي أخوه عيسى ثم ولي بعده أبو الفتوح الحسن بن جعفر سنة أربع و ثمانين ثم جاءت عساكر عضد الدولة ففر الحسن بن جعفر إلى المدينة و لما مات العزيز بالرملة و عاد بنو أبي طاهر و بنو أحمد بن أبي سعيد إلى الفتنة فجاء من قبل الطائع أمير علوي إلى مكة و أقام له بها خطبة و في سنة سبع و ستين بعث العزيز من مصر باديس بن زيري الصنهاجي و هو آخو بلكين صاحب أفريقية أميرا على الحاج فاستولى على الحرمين و أقام له الخطبة و شغل عضد الدولة في العراق بفتنة بختيار ابن عمه فبطل ركب العراق ثم عاد في السنة بعدها و خطب لعضده الدولة أبو أحمد الموسوي و انقطعت بعدها خطبة العباسين عن مكة و عادت لخلفاء مصر العبيديين إلى حين من الدهر و عظم شأن أبي الفتوح و اتصلت إمارته في مكة و كتب إليه القادر سنة ست و تسعين في الإذن لحاج العراق فأجابه على أن الخطبة للحاكم صاحب مصر و بعث الحاكم إلى ابن الجراح أمير طيء باعتراضهم و كان على الحاج الشريف الرضي و أخوه المرتضى فلاطفهم ابن الجراح و خلى سبيلهم على أن لا يعودوا ثم اعترض حاج العراق سنة أربع و تسعين الأصيغر الثعلبي عندما ملك الجزيرة فوعظه قارئان كانا في الركب ثم اعترضهم في السنة بعدها أعراب خفاجة و نهبوهم و سار في طلبهم علي بن يزيد أمير بني أسد فأوقع بهم سنة اثنتين و أربعمائة ثم عادوا إلى مثل ذلك من السنة بعدها فعاد علي بن يزيد و أوقع بهم و سماله بذلك ذكر و كان سببا لملكه و ملك قومه ثم كتب الحاكم سنة اثنتين و أربعين إلى عماله بالبراءة من أبي بكر و عمر و نكر ذلك أبو الفتوح أمير مكة و انتقض له و حمل الوزير أبو القاسم المغربي على طلب الأمر لنفسه و كان الحاكم قتل أباه و أعمامه فخطب أبو الفتوح لنفسه و تلقب الراشد بالله و سار إلى مدينة الرملة لاستدعاء ابن الجراح أمير طيء لمغاضبة بينه و بين الحاكم ثم سرب الحاكم أمواله في بني الجراح فانتقضوا على أبي الفتوح و أسلموه و فر الوزير المغربي إلى ديار بكر من أرض الموصل و معه ابن سبابة و فر التهامي إلى الري و كان معه و قطع الحاكم الميرة عن الحرمين ثم راجع أبو الفتوح الطاعة فعفى عنه الحاكم و أعاده إلى إمارته بمكة و لم يحج من العراق في هذه السنين أحد و في سنة اثنتي عشرة حج بأهل العراق أبو الحسن محمد بن الحسن الأفساسي فقيه الطالبيين و اعترضهم بنو نبهان من طيء و أميرهم حسان بن عدي و قاتلوهم فهزموهم و قتل أميرهم حسان و خطب في هذه السنة للظاهر بن الحاكم بمكة و لما كان الموسم سنة ثلاث عشرة و أربعمائة ضرب رجل من قوم مصر الحجر الأسود بدبوس فصدعه و ثلمه و هو يقول : كم تعبد كم تقبل فتبادر إليه الناس فقتلوه و ثار أهل العراق بأهل مصر فنهبوهم و فتكوا فيهم ثم حج بركب العراق سنة أربع عشرة النقيب بن الأفساسي و خشي من العرب فعاد إلى دمشق الشام و حج في السنة التي بعدها و بطل حج العراق و لما بويع القائم العباسي سنة اثنتين و عشرين رام أن يجهز الحاج فلم يقدر لاستيلاء العرب و انحلال أمر بني بويه ثم خطب بمكة للمستنصر بن الظاهر ثم توفي الأمير أبو الفتوح الحسن بن جعفر بن محمد ابن سليمان رئيس مكة و بني سلمان سنة ثلاثين و أربعمائة لأربعين سنة من إمارته و ولي بعده إمارة مكة ابنه شكر و جرت له مع أهل المدينة خطوب ملك في أثنائها المدينة و جمع بين الحرمين و عليه انقرض دولة بني سليمان سنة ثلاثين بمكة و جاءت دولة الهواشم كما يذكر و شكر هذا هو الذي يزعم بنو هلال بن عامر أنه تزوج الجازية بنت سرحان من أمراء الأثبج منهم و هو خبر مشهور بينهم في أقاصيصهم و حكايات يتناقلونها و يطرزونها بأشعار من جنس لغتهم و يسمونه الشريف بن هاشم و قال ابن حزم غلب جعفر بن أبي هاشم على مكة أيام الأخشيديين و ولي بنوه من بعده عيسى بن جعفر و أبو الفتوح و ابنه شكر بن أبي الفتوح و قد انقرض لأن شكرا لم يولد له و صار أمر مكة إلى عبد كان له انتهى كلام ابن حزم و ليس أبو هاشم الذي نسب جعفر إليه أبا الهواشم الذي يأتي ذكرهم لأن هذا كان أيام الأخشيديين و ذلك أيام المستضيء العبيدي و بينهما نحو من مائة سنة

(4/128)


الخبرعن دولة الهواشم بمكة من بني الحسن و تصاريف أحوالهم إلى انقراضها
هؤلاء الهواشم من ولد أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون و نسبه معروف و قد مر و كانت بين هؤلاء الهواشم و بين السليمانيين فتن متصلة و لما مات شكر ذهبت الرياسة من بنى سليمان لأنه لم يعقب و تقدم فيهم طراد بن أحمد و لم يكن من بيت الإمارة و إنما كانوا يؤملونه لإقدامه و شجاعته و كان رئيس الهواشم يومئذ محمد بن جعفر بن محمد و هو أبو هاشم المذكور و قد ساد في الهواشم و عظم ذكره فاقتتلوا سنة أربع و خمسين بعد موت شكر فهزم الهواشم بني سليمان و طردوهم عن الحجاز فساروا إلى اليمن و كان لهم بها ملك كما يذكر و استقل بإمارة مكة الأمير محمد بن جعفر و خطب للمستنصر العبيدي ثم ابتدأ الحاج من العراق سنة ست و خمسين بنظر السلطان ألب أرسلان ابن داود ملك السلجوقية حين استولى على بغداد و الخلافة طلب منه القائم ذلك فبذل المال و أخذ رهائن العرب و حج بالناس أبو الغنائم نور الدين المهدي الزيني نقيب الطالبيين ثم جاور في السنة بعدها و استمال الأمير محمد بن جعفر عن طاعة العبيديين فخطب لبني العباس سنة ثمان و خمسين و انقطعت ميرة مصر عن مكة فعذله أهله على ما فعل فرد الخطبة للعبيديين ثم خاطبه القائم و عاتبه و بذل له أموالا فخطب له سنة اثنتين و ستين بالموسم فقط و كتب إلى المستنصر بمصر معتذرا ثم بعث القائم أبا الغنائم الزيني سنة ثلاث و ستين أميرا على الركب العراقي و معه عسكر ضخم و لأمير مكة من عند ألب أرسلان ثلاثون دينارا و توقيعا بعشرة آلاف دينار و اجتمعوا بالموسم و خطب الأمير محمد بن جعفر و قال : الحمد لله الذي هدانا إلى أهل بيته بالرأي المصيب و عوض بيته بلبسة الشباب بعد لبسة المشيب و أمال قلوبنا إلى الطاعة و متابعة إمام الجماعة فانحرف المستنصر عن الهواشم و مال إلى السليمانيين و كتب إلى علي بن محمد الصبيحي صاحب دعوتهم باليمن أن يعينهم على استرجاع ملكهم و ينهض معهم إلى مكة فنهض و انتهى إلى المهجم و كان سعيد بن نجاح الأحوال موثور بني الصبيحي قد جاء من الهند و دخل صنعاء فثار بها و اتبع الصبيحي في سبعين رجلا و هو في خمسة آلاف فبيته بالمهجم و قتله ثم جمع محمد بن جعفر أجنادا من الترك و زحف بها إلى المدينة فأخرج منها بني حسن و ملكها و جمع بين الحرمين ثم مات القائم العباسي و انقطع ما كان يصل إلى مكة فقطع محمد بن جعفر الخطبة للعباسيين ثم جاء الزيني من قابل بالأموال فأعادها ثم بعث المقتدي سنة سبعين منبرا إلى مكة صنيعا استجيد خشبه و نقش عليه بالذهب اسمه و بعث على الحاج ختلع التركي و هو أول تركي تأمر على الحاج و كان واليا بالكوفة وقهر العرب مع جماعته فبعثه المقتدي أميرا على الحاج فوقعت الفتنة بين الشيعة و أهل السنة و كسر المنبر و أحرق و تم الحج ثم عاودوا الفتنة سنة ثلاث و سبعين و قطعت الخطبة للمستنصر و أعيدت للمقتدي و اتصلت إمارة ختلع على الحاج و بعده خمار تكين إلى أن مات ملك شاه و وزيره نظام الملك فانقطعت الخطبة للعباسيين و بطل الحاج من العراق باختلاف السلجوقية و تغلب العرب و مات المقتدي خليفة بغداد و بويع ابنه المستظهر و مات المستنصر خليفة مصر و بويع ابنه المستعلي من إمارته و هو الذي أظهر الخطبة العباسية بمكة و بها ابتدىء أمره و كان يسقطها بعض الأحيان و ولي بعده ابنه قاسم فكثر اضطرابه و مهد بنو مزيد أصحاب الحلة طريق الحاج من العراق فاتصل حجهم و حج سنة اثنتي عشرة و خمسمائة نظر الخادم من قبل المسترشد بركب العراق و أوصل الخلع و الأموال إلى مكة ثم توفي قاسم بن محمد سنة ثمان عشرة و خمسمائة لثلاثين سنة من إمارته و كانت في اضطراب و تغلب و ولي بعده ابنه أبو قليبة بمكة فافتتح بالخطبة العباسية و أحسن الثناء عليه بالعدل و وصل نظر الخادم أميرا على الركب و معه الأموال و الخلع ثم مات أبو قليبة سنة سبع و عشرين لعشر سنين من إمارته و الخطبة للعباسيين و إمارة الحاج لنظر الخادم ثم كانت واقعة المسترشد مع السلطان مسعود و مقتله و تعطل ركب الحاج ثم حج نظر الخادم في السنة بعدها ثم بعثت أسماء الصبيحية صاحبة اليمن لأمر مكة قاسم بن أبي قليبة فتوعدته على قطع خطبة الحافظ و ماتت فكفاه الله شرها و انقطع الركب العراقي في هذه السنين للفتن و الغلاء ثم حج سنة أربع وأربعين نظر الخادم و مات في طريقه فولي مولاه قيماز و اعترضه رهط من الأعراب فنهب الركب و اتصل حج قيماز و الخطبة لبني العباس إلى سنة خمس و خمسين قبله و بويع المستنجد فخطب له كما كان لأبيه المقتفي ثم قتل قاسم بن أبي قليبة سنة ست و ستين و بعث المستضيء بالركب طاتغكين التركي و انقضت دولة العبيديين بمصر و وليها صلاح الدين بن أيوب و استولى على مكة و اليمن و خطب له بالحرمين ثم مات المستضيء سنة خمس و سبعين و بويع ابنه الناصر و خطب له بالحرمين و حجت أمه بنفسها سنة خمس و ثلاثين و كانت له آثار عظيمة و رجعت فانهت إلى الناصر بن عيسى بن قاسم ما اطلعت عليه من أحواله فعزله عن إمارة مكة و ولى أخاه مكثر بن قاسم و كان جليل القدر و مات سنة تسع و ثمانين السنة التي مات فيها صلاح الدين و ضعف أمر الهواشم و كان أبو عزيز بن قتادة يناسبهم من جهة النساء فورث أمرهم و ملك مكة من أيديهم و انقرضت دولتهم و البقاء لله

(4/132)


الخبرعن بني قتادة أمراء مكة بعد الهواشم ثم عن بني أبي نمير منهم أمرائها لهذا العهد
كان من ولد موسى الجون الذي مر ذكره في بني حسن عبد الله أبي الكرام و كان له على ما نقل نسابتهم ثلاثة من الولد سلمان و زيد و أحمد و منه تشعبت ولده فأما زيد فولده اليوم بالصحراء بنر الحسنية و أما أحمد فولده بالدهناء و أما سليمان فكان من ولده مطاعن بن عبد الكريم بن يوسف بن عيسى بن سليمان و كان لمطاعن إدريس و ثعلب بالثعالبة بالحجاز فكان لإدريس ولدان قتادة النابغة و صرخة فأما صرخة فولده شيع يعرفون بالشكرة و أما قتادة النابغة فكان يكنى أبا عزيز و كان من ولده علي الأكبر و شقيقه حسن فمن ولد حسن إدريس و أحمد و محمد و جمان و إمارة ينبع في أعقابهم و منهم لهذا العهد أميران يتداولان إمارتها من ولد إدريس بن حسن بن إدريس و أما أبو عزيز قتادة النابغة فمن ولده موالي عز أمراء مكة لهذا العهد و كان بنو حسن بن الحسن كلهم موطنين بنهر العلقمية من وادي ينبع لعهد إمارة الهواشم بمكة و كانوا ظواعن بادية و لما نشأ فيهم قتادة هذا جمع قومه ذوي مطاعن و أركبهم و استبد بإمارتهم و كان بوادي ينبع بنو خراب من ولد عبد الله بن حسن بن الحسن و بنو عيسى بن سليمان بن موسى الجون فحاربهم بنو مطاعن هؤلاء و أميرهم أبو عزيز قتادة و أخرجهم و ملك ينبع و الصفراء و استكثر من الجند و المماليك و كان على عهد المستنصر العباسي في أواسط المائة السادسة و كان الأمراء يومئذ بمكة الهواشم من ولد جعفر بن هاشم بن الحسن بن محمد بن موسى بن أبي الكرام عبد الله و قد مر ذكرهم و كان أخرجهم مكثر بن عيسى بن قاسم الذي بنى القلعة على جبل أبي قبيس و مات سنة تسع و ثمانين و خمسماثة فسار قتادة إلى مكة و انتزعها من أيديهم و ملكها و خطب للناصر العباسي و أقام في إمارتها نحوا من أربعين سنة و استفحل ملكه و اتسع إلى نواحي اليمن و كان لقبه أبا عزيز و في سنة ثلاث و ستمائة حج بالركب وجه السبع التركي من مماليك الناصر و فر من طريقه إلى مصر فنهب الركب و في سنة ثمان و ستمائة وثب شخص من حاج العراق على شريف من قرابة قتادة فقتله فاتهم الشرفاء به أمراء الركب فثاروا بهم و قتلوا منهم خلقا ثم بعث إليهم بالأموال من بغداد و بعث قتادة بعض أولاده يستعتب فأعتب و في سنة خمس عشرة خطب بمكة للعادل بن أيوب بعد الناصر الخليفة و للكامل بن العادل بعدهما و في سنة ست عشرة كان خروج التتر و كان قتادة عادلا و أمن الناس في أيامه و لم يعد قط على أحد من الخلفاء و لا من الملوك و كان يقول أنا أحق بالخلافة و كانت الأموال و الخلع تحمل إليه و استدعاه الناصر في بعض السنين فكتب إليه
( ولي كف ضرغام أذل ببسطها ... و أشري بها عز الورى و أبيع )
( تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها ... و في بطنها للمجد بين ربيع )
( أأجعلها تحت الرجا ثم ابتغي ... خلاصا لها إني إذا لوضيع )
( وما أنا إلا المسك في كل بقعة ... يضوع و أما عندكم فيضيع ) واتسعت دولته فملك ملك مكة و الينبع و أطراف اليمن و بعض أعمال المدينة و بلاد نجد و كان يستكثر من المماليك و توفي سنة سبع عشرة و ستمائة و يقال سمه ابنه حسن و يقال داخل ابنه حسن جاريته فأدخلته ليلا فخنق أباه ثم قتلها و ملك مكة و امتعض لذلك ابنه راجح بن أبي عزيز قتادة و شكاه إلى أمير حاج أقباش التركي عند و صوله فأشكاه و وعده بالإنصاف منه فأغلق حسن أبواب مكة و خرج بعض أصحابه إلى الأمير أقباش فلقوه عند باب المعلى فقتلوه و علقوه بالمسعى ثم جاء المسعود بن الكامل سنة عشرين من اليمن إلى مكة فحج و قاتله حسن ببطن المسعى فغلبه المسعود و ملك مكة و نصب رايته و أزال راية أمير الركب و كتب الخليفة من بغداد يعاتب أباه على ذلك و على ما فعله في مكة و التخلف فكتب إليه أبوه : برئت يا أقسى من ظهر العادل إن لم أقطع يمينك فقد نبذت وراء ظهرك دنياك و دينك و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم فغرم ديات الشرفاء و أصابه شلل في يده و مض حسن بن قتادة إلى بغداد صريخا بعد أن بقي طريدا بالشام و الجزيرة و العراق ثم جاء إلى بغداد دخيلا و هم الترك بقتله بأقباش أمير الركب فمنعوا منه و مات ببغداد سنة اثنتين و عشرين و دفن بمشهد الكاظم ثم مات المسعود بن الكامل بمكة سنة ست و عشرين و دفن بالمعلى و بقي على مكة قائده فخر الدين بن الشيخ و على اليمن أمير الجيوش عمر بن علي بن رسول و قصد راجح بن قتادة مكة سنة تسع و عشرين مع عساكر عمر بن رسول فملكها سنة ثلاثين من يد فخر الدين بن الشيخ و لحق فخر الدين بمصر ثم جاءت عساكر مصر سنة اثنتين و ثلاثين مع الأمير جبريل و ملكوا مكة و هرب راجح إلى اليمن ثم جاء عمر بن رسول معه بنفسه فهربت عساكر مصر و ملك راجح مكة و خطب لعمر بن رسول بعد المستنصر و ما ملك التتر العراق سنه أربع و ثلاثين و عظم أمرهم و انتهوا إلى إربل أبطل المستنصر الحج من أمر الجهاد و أفتاه العلماء بذلك ثم جهز المعتصم الحاج مع أمه سنة ثلاث و أربعين و شيعها إلى الكوفة و لما حجت ضرب تركي في الموسم شريفا و كتب راجح فيه إلى الخليفة فقطعت يده و بطل الحج بعد ذلك ثم قوي أمر الموطيء إمام الزيدية باليمن و اعتزم على قطع الخطبة لبني العباس فضاق به المظفر بن عمر بن رسول و كاتب المعتصم يحرضه على تجهيز الحاج بسبب ذلك ثم قوي أمر الموطيء إمام الزيدية باليمن و سار جماز بن حسن بن قتادة سنة إحدى و خمسين إلى الناصر بن العزيز بن الظاهر بن أيوب بدمشق مستجيشا على أبي سعيد على أن يقطع ذكر صاحب اليمن من مكة فجهز له عسكرا و سار إلى مكة فقتل أبا سعيد في الحرم و نقض عهد الناصر و خطب لصاحب اليمن قال ابن سعيد و في سنة ثلاث و خمسين بلغني و أنا بالمغرب أن راجح بن قتادة جاء إلى مكة و هو شيخ كبير السن و كان يسكن اليدين على نحو اليمن فوصل إلى مكة و أخرج منها جماز بن أبي عزيز فلحق بالينبع قال : و في سنة اثنتين و ستين وصل الخبر إلى المغرب بأن أمر مكة دائر بين أبي نمي بن أبي سعيد الذي قتل جماز به على إمارة مكة و بين غالب بن راجح الذي أخرجه أبوه جماز إلى الينبع ثم استبد أبو نمي على أمر مكة و نفى قتلة أبيه أبي سعيد إلى الينبع و هم إدريس و جماز و محمد و قد كان إدريس منهم والى أمر مكة قليلا فانطلقوا إلى الينبع و ملكوه و أعقابهم أمراوه لهذا العهد و أقام أبو نمي أميرا بمكة نحوا من خمسين سنة و هلك على رأس المائة السابعة أو بعدها بسنتين و خلف ثلاثين ولدا

(4/134)


إمارة بني أبي نمي بمكة
و لما هلك أبو نمي قام من بعده بأمر مكة ابناه رميثة و حميضة و نازعهما عطيفة و أبو الليث فاعتقلاهما و وافق ذلك وصول بيبرس الجاشنكير كافل الملك الناصر بمصر لأول ولايته فأطلقهما و ولاهما و بعث برميثة و حميضة إلى مصر ثم ردهما السلطان إلى إمارتهما بمكة مع عسكره و بعث إليه بعطيفة و أبي الغيث ثم طال تنازعهم و تعاقبهم في إمارة مكة مرة بعد أخرى و هلك أبوالغيث في بعض حروبهم ببطن مر ثم تنازع حميضة و رميثة و سار رميثة إلى الملك الناصر سنة خمس عشرة و استمد بأمرائه و عساكره و هب حميضة بعد أن استصفى أموال أهل مكة ثم رجع بعد رجوع العساكر إلى مكة ثم اصطلحوا و توافقوا ثم خالف عطيفة سنة ثمان عشرة و وصل إلى السلطان و جاء بالعسكر فملك مكة و تقبض على رميثة فسجن أياما ثم أطلق سنة عشرين عند مقدم السلطان من حجه و أقام بمصر و بقي حميضة مشردا إلى أن استأمن السلطان فأمنه و كان معه جماعة من المماليك فروا إليه من مصر انتقاضه فشعروا بطاعته فخافوا على أنفسهم أن يحضروا معه فقتلوه و جاؤا إلى السلطان يعتقدون ذلك وسيلة عنده فأقاد رميثة منهم بأخيه فقتل المباشر للقتل و عفا عن الباقين و أطلق رميثة إلى مكة مشاركا لأخيه عطيفة في إمارتها ثم هلك عطيفة سنة و أقام أخوه رميثة بعده مستقلا بإمارة مكة إلى أن كبر و هرم ثم هلك و كان ابناه ثقبة و عجلان قد اقتسما معه إمارة مكة برضاه ثم أراد الرجوع عن ذلك فلم يجيباه إلى شيء مما أراد و استمرا على ولايتهما معه ثم تنازعا و خرج ثقبة و بقي عجلان بمكة ثم غلبه عليها ثقبة ثم اجتمعا بمصر سنة ست و خمسين فولي صاحب الأمر بمصر عجلان منهما و فر ثقبة إلى بلاد الحجاز فأقام هنالك و عاقبه إلى مكة مرارا و جاء عجلان سنة اثنتين و ستين بالمدد من عسكر القاهرة فكبسه ثقبه و قتل أخاه و بعضا من العسكر و لم يزل عجلان على إمارته سالكا سبيل العدل و الإنصاف في الرعية متجافيا عن الظلم عما كان عليه قومه من التعرض للتجار و المجاورين و سعى في أيام إمارته في قطع ما كان لعبيدهم على الحاج من المكس و ثبت لهم في ديوان السلطان عليها عطاء يتعاهدهم أيام الموسم و كانت من حسنات سلطان مصر و سعى هذا الأمير عجلان جزاه الله خيرا و أقام على ذلك إلى أن هلك سنة سبع و سبعين و ولي ابنه أحمد بعده و قد كان فوض إليه في حياته و قاسمه في أمره فقام أحمد بأمر مكة و جرى على سنن أبيه في إثبات مراسم العهد و إحياء معالمه حتى شاع عنه ذلك في الآفاق كل ألسنة الحاج و المجاورين و ولاه صاحب مصر لعهده الملك الظاهر أبو سعيد برقوق على ما كان أبوه و سير إليه بالخلع و التفويض على عادتهم في ذلك و كان في محبس أحمد جماعة من قرابته منهم أخوه محمد و محمد بن أخيه ثقبة و عنان ابن عمه مغامس في آخرين فلما مات أحمد هربوا من محبسهم و لحقوا بهم فردوهم و أجلوا محمد بن عجلان منهم إلا عنانا فإنه لحق بمصر مستجيشا على محمد و كبيش فأنجده السلطان و بعثه مع أمير الركب ليطالع أحوالهم و استصحب معه جماعة من الباطنية فتكوا بمحمد عند لقائه المحمل الذي عليه كسوة الكعبة بشارة الخليفة و تقبيله الخف الذي يحمله على العادة في ذلك و تركوه صريعا في مكانه و دخلوا إلى مكة فولي أمير الحاج عنان بن مغامس و لحق كبيش و شيعته بجدة فلما انقضى الموسم و رجع الحاج جاء كبيش و أصحابه و حاصروا مكة و كان بينهم و بين عنان حروب قتل كبيش في بعضها ثم لحق علي بن عجلان و أخوه حسن بالملك الظاهر صاحب مصر فرأى أن يحسم المادة بولايته فولاه سنة تسع و ثمانين مشاركا لعنان بن مغامس في الإمارة و سار مع أمير الركب فلما وصلوا لكومرد بكروا إلى مكة على العادة و خرج عنان للقائهم ثم نكص من بعض الطريق هاربا و دخل على مكة و استقل بإمارتها و لما انفض الموسم و رجع الحاج جاء عنان و معه بنو عمه مبارك و جماعة الشرفاء فحاصروا مكة على علي و نازعوه الإمارة ثم أفرجوا ثم رجعوا و حالهم على ذلك متصل لهذا العهد و وفدوا على السلطان بمصر سنة أربع و تسعين فأفرد عليا بالإمارة و أفاض عليه العطاء و أكثف له الجند و المستخدمين و أبقى عنان بن مغامس عنده و أجرى عليه الرزق و نظمه في أهل دولته ثم نمي إلى السلطان أنه يروم الفرار إلى الحجاز لينازع أمير مكة علي بن عجلان فقبض عليه و حبسه و قبض علي بن عجلان على الأشراف الذين كانوا هنالك شيعة له ثم من عليهم و أطلقهم فعادوا إلى منازعته و الفتنة معه لهذا العهد و الله متولي الأمور لا رب غيره

(4/137)


الخبر عن بني مهنى أمراء المدينة النبوية من بني الحسين و ذكر أوليتهم و مفتتح إمارتهم
كانت المدينة بلد الأنصار من الأوس و الخزرج كما هو معروف ثم افترقوا على أقطار الأرض في الفتوحات و انقرضوا و لم يبق بها أحد إلا بقايا من الطالبيين قال ابن الحصين في ذيله على الطبري : دخلت المائة الرابعة و الخطبة بالمدينة للمقتدر قال : و ترددت ولاية بني العباس عليها و الرياسة فيها بين بني حسين و بني جعفر إلى أن أخرجهم بنو حسين فسكنوا بين مكة و المدينة ثم أجلاهم بنو حرب من زبيد إلى القرى و الحصون و أجازوهم إلى الصعيد فهم هنالك إلى اليوم و بقي بنو حسين بالمدينة إلى أن جاءهم ظاهر بن مسلم من مصر فملكوه عليهم و في الخبر عن وصول ظاهر هذا أن مسلما أباه اسمه محمد بن عبيد الله بن ظاهر بن يحيى المحدث بن الحسن بن جعفر و يسمى عند الشيعة حجة الله بن عبيد الله بن الحسين الأصغر بن زين العابدين و كان مسلم هذا صديقا لكافور المتغلب على الأخشيدية بمصر و كان يدبر أمره و لم يكن بمصر لعصره أوجه منه و لما ملك العبيديون مصر و جاء المعز لدين الله و نزل بالقاهرة التي اختطها و ذلك سنة خمس و ستين و ثلثمائة خطب يومئذ من مسلم هذا كريمته لبعض بنيه فرده مسلم فسخطه المعز و نكبه و استصفى أمواله و أقام في اعتقاله إلى أن هلك و يقال فر من محبسه فهلك في مفره و لحق ابنه ظاهر بن محمد بعد ذلك بالمدينة فقدمه بنو حسين على أنفسهم و استقل بإمارتها سنين ثم مات سنة إحدى و ثمانين و ثلثمائة و ولي مكانه ابنه الحسن و في كتاب العتبي مؤرخ دولة ابن سبكتكين أن الذي ولي بعده هو صهره و ابن عمه داود بن القاسم بن عبيد الله بن ظاهر و كنيته أبو علي و استقل بها دون ابنه الحسن إلى أن هلك و ولي بعده ابنه هاني ثم ابنه مهنى و لحق الحسن بمحمود بن سبكتكين فأقام عنده بخراسان و هذا غلط لأن المسبحي مؤرخ العبيديين ذكر وفاة ظاهر بن مسلم في سنتها كما قلناه و ولاية الحسن ابنه و قال في سنة ثلاث و ثمانين و عامل المدينة الحسن بن ظاهر و يلقب مهنى و المسبحي أقعد بأخبار المدينة و مصر من العتبي إلا أن أمراء المدينة لهذا العهد ينتسبون إلى داود و يقولون : جاء من العراق فلعلهم لقنوا ذلك عمن لا يعرفه و مؤرخ حماة متى ينسب أحدا من أوليهم إنما ينسبه إلى أبي داود و الله أعلم و قال أبو سعيد : و في سنة تسعين و ثلثمائة ملكها أبو الفتوح حسن بن جعفر أمير مكة من بني سليمان بأمر الحاكم العبيدي و أزال عنها إمارة بني مهنى من بني الحسين و حاول نقل الجسد النبوي إلى مصر ليلا فأصابتهم ريح عاصفة أظلم لها الجو و كادت تقتلع البناء من أصله فردهم أبو الفتوح عن ذلك و رجع إلى مكة و عاد بنو مهنى إلى المدينة و ذكر مؤرخ حماة من أمرائهم منصور بن عمارة و لم ينسبه و قال مات سنة سبع و تسعين و أربعمائة و ولي بعده ابنه قال : و هم من ولد مهنى و ذكر منهم أيضا القاسم بن مهنى بن حسين بن مهنى بن داود و كنيته أبو قليتة و أنه حضر مع صلاح الدين بن أيوب غزاة أنطاكية و فتحها سنة أربع و ثماني و خمسمائة و قال الزنجازي مؤرخ الحجار فيما ذكر عنه ابن سعيد حين ذكر ملوك المدينة من ولد الحسين فقال : و أحقهم بالذكر لجلالة قدره قاسم بن جماز بن قاسم بن مهنى ولاه المستضيء فأقام خمسا و عشرين سنة و مات سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة و ولي ابنه سالم بن قاسم و كان شاعرا و هو الذي كانت بينه و بين أبي عزيز قتادة صاحب مكة وقعة المصارع ببدر سنة إحدى و ستمائة زحف أبو عزيز من مكة و حاصره بالمدينة و اشتد في حصاره ثم ارتحل و جاء المدد إلى سالم من بني لام إحدى بطون همذان فأدرك أبا عزيز ببدر و اقتتلوا و هلك من الفريقين خلق و انهزم أبو عزيز إلى مكة و في سنة إحدى و ستمائة جاء المعظم عيسى بن العادل فجدد المصانع و البرك و كان معه سالم ابن قاسم أمير المدينة جاء يشكو من قتادة فرجع معه و مات في الطريق قبل وصوله إلى المدينة و ولي بعده ابنه شيخة و كان سالم قد استخدم عسكرا من التركمان فمضى بهم جماز بن شيخة إلى قتادة و غلبه و فر إلى الينبع و تحصن بها و في سنة سبع و أربعين قتل صاحب المدينة شيخة و ولي ابنه عيسى ثم قبض عليه أخوه جماز سنة تسع و أربعين و ملك مكانه قال ابن سعيد : و في سنة تسع و خمسين كان بالمدينة أبو الحسن بن شيخة بن سالم و قال غيره : كان بالمدينة سنة ثلاث و خمسين أبو مالك منيف بن شيخة و مات سنة سبع و خمسين و ولي أخوه جماز و طال عمره و مات سنة أربع و سبعمائة و ولي ابنه منصور و لحق أخوه مقبل بالشام و وفد على بيبرس بمصر فأقطعه نصف أقطاع منصور ثم أقبل إلى المدينة على حين غفلة من أخيه منصور و بها ابنه أبو كبيشة فملكها عليه و لحق أبو كبيشة بأحياء العرب ثم استجاشهم و رجع إلى المدينة سنة تسع فقتل عمه مقبلا و جاء منصور إلى محل إمارته و كان لمقبل ابن اسمه ماجد فأقطع بعض أقطاع أبيه فأقام مع العرب يجلب على المدينة و يخالف منصورا عمه إليها متى خرج عنها و وقع بين منصور و بين قتادة صاحب الينبع حرب سنة إحدى عشرة من أجله ثم جاء ماجد بن مقبل بالمدينة سنة سبع عشرة لقتال عمه منصور و استنجد منصور بالسلطان فبعث إليه العساكر و حاصر ماجد بن مقبل بالمدينة ثم قاتلهم و انهزم و بقي منصور على إمارته و توفي سنة خمس و عشرين و ولى ابنه كبيش بن منصور على إمارته و طالت أيامه و نازعه ودي بن جماز و حاصره و ولي بعده طفيل و قبض عليه جماز سنة إحدى و خمسين و ولي عطية ثم توفي عطية سنة ثلاث و ثمانين و ولي بعده طفيل و قبض عليه فامتنع و ولي جماز بن هبة بن جماز بن منصور و ملوك الترك بمصر يختارون لولايتها من هذين البيتين لا يعدلون عنهما إلى سواهما و وليتها اليوم لجماز بن هبة بن جماز و ابن عمه عطية بن محمد بن عطية ينازعه لما بينهما من المنازعة و المنافسة قديما و حديثا شأن العجليين في التثور و هما جميعا على مذهب الإمامية من الرافضة ويقولن بالأئمة الاثني عشر وبما يناسب ذلك من الاعتقادات الإمامية و الله يخلق ما يشاء و يختار هذا آخر الخبر عن أمراء المدينة و لم أقف على أكثر منه و الله المقدر لجميع الأمور سبحانه لا إله إلا هو

(4/139)


الخبر عن دولة بني الرسى أئمة الزيدية بصعدة و ذكر أوليتهم و مصاير أحوالهم
قد ذكرنا فيما تقدم خبر محمد بن إبراهيم الملقب أبوه طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن الدعي و ظهوره أيام المأمون و قيام أبي السرايا ببيعته و شأنه كله و لما هلك و هلك أبو السرايا و انقرض أمرهم طلب المأمون أخاه القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا ففر إلى السند و لم يزل به إلى أن هلك سنة خمس و أربعين و مائتين و رجع ابنه الحسن إلى اليمن و كان من عقبه الأئمة بصعدة من بلاد اليمن و كان من عقبه أقاموا للزيدية بها دولة اتصلت آخر الأيام و صعدة جبل في الشرق عن صنعاء و فيه حصون كثيرة أشهرها صعدة و حمص تلا و جبل مطابة و تعرف كلها ببني الرسي وأول من خرج بها منهم يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي دعا لنفسه بصعدة و تسمى بالهادي و بويع بها سنة ثمان و ثمانين في حياة أبيه الحسين و جمع الجموع من شيعتهم و غيرها و حارب إبراهيم بن يعفر و كان أسعد بن يعفر السادس من أعقابه التبابعة لصنعاء و كملا فغلبه على صنعاء و نجران فملكها و ضرب السكة ثم انتزعها بنو يعفر منه و رجع إلى صعدة و توفي سنة ثمان و تسعين لعشر سنين من ولايته هكذا قال ابن الحارث قال : و له مصنفات في الحلال و الحرام و قال غيره كان مجتهدا في الأحكام الشرعية و له في الفقه آراء غريبة و تواليف بين الشيعة معروفة قال الصولي : و ولي بعده ابنه محمد المرتضى و اضطرب الناس عليه و هلك سنة عشرين و ثلثمائة لست و عشرين سنة من ولايته و ولي بعده أخوه الناصر أحمد واستقام ملكه و اطرد في بنيه بعده فولي بعده ابنه حسين المنتخب ومات سنة أربع و عشرين و ولي بعده أخوه القاسم المختار إلى أن قتله أبو القاسم الضحاك الهمداني سنة أربع و أربعين و قال الصولي : من بني الناصر الرشيد و المنتخب و مات سنة أربع و عشرين و قال ابن حزم : لما ذكر ولد أبي القاسم الرسي فقال : و منهم القائمون بصعدة من أرض اليمن أولهم يحيى الهادي له رأي في الفقه و قد رأيته و لم يبعد فيه عن الجماعة كل البعد كان لأبيه أحمد الناصر بنون ولي منهم صعدة بعده جعفر الرشيد و بعده أخوه القاسم المختار ثم الحسن المنتخب و محمد المهدي قال : و كان اليماني القائم بماردة سنة ثلاث و أربعين و ثلثمائة يذكر أنه عبد الله بن أحمد الناصر أخو الرشيد و المختار و المنتخب و المهدي و قال ابن الحاجب : و لم تزل إمامتهبم بصعدة مطردة إلى أن وقع الخلاف بينهم و جاء السليمانيون من مكة عندما أخرجهم الهواشم فغلبوا عليهم بصعدة و انقرضت دولتهم بها في المائة السادسة قال ابن سعيد و كان من بني سليمان حين خرجوا من مكة إلى اليمن أحمد بن حمزة بن سليمان فاستدعاهم أهل زبيد لينصرهم على علي بن مهدي الخارجي حين حاصرهم و بها فاتك بن محمد من بني نجاح فأجابهم على أن يقتلوا فاتكا فقتلوه سنة ثلاث و خمسمائة و ملكوا عليهم أحمد بن حمزة فلم يطق مقاومة علي بن مهدي ففر عن زبيد و ملكها ابن مهدي قال : و كان عيسى بن حمزة أخو أحمد في عشرة باليمن و منهم غانم بن يحيى ثم ذهب ملك بني سلمان من جميع التهائم و الجبال و اليمن على يد بني مهدى ثم ملكهم بنو أيوب و قهروهم و استقر ملكهم آخرا في المنصور عبد الله بن أحمد بن حمزة قال ابن العديم أخذ الملك بصعدة عن أبيه و اشتدت يده مع الناصر العباسي و كان يناظره و يبعث دعاته إلى الديلم و جيلان حتى خطب له هنالك و صار له فيها ولاة و أنفق الناصر عليه أموالا في العرب باليمن و لم يظفر به قال ابن الأثير : جمع المنصور عبد الله بن حمزة أيام الزيدية بصعدة سنة اثنتين و خمسمائة و زحف إلى اليمن فخاف منه المعز بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب ثم زحف إليه المعز فهزمه ثم جمع ثانية سنة اثنتي عشرة و ستمائة جموعا من همذان و خولان و ارتجت له المجن و خاف المسعود بن الكامل و هو يومئذ صاحب اليمن و معه الكرد و الترك و أشار أمير الجيوش عمر بن رسول بمعاجلته قبل أن يملك الحصون ثم اختلف أصحاب المنصور و لقيه المسعود فهزمه و توفي المنصور سنة ثلاثين و ستمائة عن عمر مديد و ترك ابنا اسمه أحمد ولاه الزيدية و لم يخطبوا له بالإمامة يتنظرون علو سنه و استكمال شروطه و لما كانت سنة خمس و أربعين بايع قوم من الزيدية لأحمد الموطىء من بقية الرسي و هو أحمد بن الحسين من بني الهادي لأنهم لما أخرجهم بنو سليمان من كرسي إمامتهم بصعدة آووا إلى جبل قطابة بشرقي صعدة فلم يزالوا هنالك و في كل عصر منهم إمام شائع بأن الأمر إليهم إلى أن بايع الزيدية الموطىء و كان فقيها أديبا عالما بمذهبهم قواما صواما بويع سنة خمس و أربعين و ستمائة و أهم نور الدين عمر بن رسول شأنه فحاصره بحصن تلا سنة و امتنع عليه فأفرج عنه و حمل العساكر من الحصون المجاورة لحصاره ثم قتل عمر بن رسول و شغل ابنه المظفر بحصن الدملوة فتمكن الموطىء و ملك عشرين حصنا و زحف إلى صعدة فغلب السليمانيين عليها و قد كانوا بايعوا لأحمد ابن إمامهم عبد الله المنصور و لقبوه المتوكل عندما بويع للموطىء بالإمامة في تلا لأنهم كانوا ينتظرون استكمال سنه فلما بويع الموطىء بايعوه و لما غلبهم على صعدة نزل أحمد المتوكل إمامهم و بايع له و أمنه و ذلك سنة تسع وأربعين ثم حج سنة خمسين و بقي أمر الزيدية بصعدة في عقب الموطىء هذا و سمعت بصعدة أن الإمام بصعدة كان قبل الثمانين و السبعمائة علي بن محمد في أعقابهم و توفي قبل الثمانين و السبعمائة علي بن محمد من أعقابهم و ولي ابنه صلاح و بايعه الزيدية و كان بعضهم يقول ليس هو بإمام لعدم شروط الإمامة فيقول : هو أنا لكم ما شئتم إمام أو سلطان ثم مات صلاح آخر سنة ثلاث و تسعين و قام بعده ابنه نجاح و امتنع الزيدية من بيعته فقال : أنا محتسب لله هذا ما بلغنا عنهم بمصر أيام المقام فيها و الله وارث الأرض و من عليها

(4/142)


الخبر عن نسب الطالبيين و ذكر المشاهير من أعقابهم
و أما نسب هؤلاء الطالبيين فأكثرها راجع إلى الحسن و الحسين ابني علي بن أبي طالب و من فاطمة رضي الله عنها و هما سبطا الرسول صلى الله عليه و سلم و إلى أخيهما محمد بن الحنفية و إن كان لعلي رضي الله عنه غيرهم من الولد إلا أن الذين طلبوا الحق في الخلافة و تعصبت لهم الشيعة و دعوا لهم في الجهات إنما هم الثلاثة لا غيرهم فأما الحسن فمن ولده الحسن المثنى و زيد و منهما العقب المشهود له في الدعوة و الإمامة و من ولد حسن المثنى عبد الله الكامل و حسن المثلث و إبراهيم العمر و عباس و داود فأما عبد الله الكامل و بنوه فقد مر ذكرهم و أنسابهم عند ذكر ابنه محمد المهدي و أخبارهم مع أبي جعفر المنصور و كان منهم الملوك الأدارسة بالمغرب الأقصى بنو إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل و من عقبهم بنو حمود ملوك الأندلس الدائلون بها من بني أمية آخر دولتهم و منهم بنو حمود بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس و سيأتي ذكر أخبارهم و منهم بنو سليمان بن عبد الله الكامل كان من عقبه ملوك اليمامة بنو محمد الأخيضر بن يوسف بن إبراهيم بن موسى الجون و منهم بنو صالح بن موسى بن عبد الله الساقي و يلقب بأبي الكرام بن موسى الجون و هم الذين كانوا ملوكا بغانة من بلاد السودان بالمغرب الأقصى و عقبهم هنالك معروفون و من عقبه أيضا الهواشم بنو أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد الأكبر بن موسى الثاني بن عبد الله أبي الكرام كانوا أمراء مكة لعهد العبيديين و قد مر ذكرهم و من أعقابهم بنو قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن سليمان بن موسى الجون و ملكوا مكة بعد الهواشم على يد قتادة أبيهم هذا فمنهم بنو نمى بن سعد بن علي بن قتادة أمراء مكة لعهدنا و من عقب داود بن حسن المثنى السليمانيون الذين كانوا بمكة و هم بنو سليمان بن داود و غلبهم عليها الهواشم آخرا و صاروا إلى اليمن فقامت الزيدية بدعوتهم كما مر في أخبارهم و من عقب حسن المثلث بن حسن المثنى حسين بن علي بن حسن المثلث الخارج على الهادي و قد مر ذكره و من عقب إبراهيم العمر بن حسن المثنى بن طباطبا و اسمه إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم كان منهم محمد بن طباطبا أبو الأئمة بصعدة الذين غلبهم عليها بنو سليمان بن داود بن حسن المثنى حين جاؤوا من مكة ثم غلبهم بنو الرسي عليها و رجعوا إلى إمامهم بصعدة و هم بها لهذا العهد و منهم بنو سليمان بن داود بن حسن المثنى و ابنه محمد بن سليمان القائم بالمدينة أيام المأمون قال ابن حزم : و عقبه بالمدينة لأبي جعفر المنصور و لا عقب لزيد إلا منه و كان من عقبه محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن زيد قام بالمدينة أيام المعتمد و جاهر بالمنكرات و القتل إلى أن تعطلت الجماعات و من عقبه أيضا القائم بطبرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد و أخوه محمد القائم من بعده و قد مر خبرهما و منهم الداعي الصغير بالري و طبرستان و هو الحسن بن القاسم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد الطحاني بن القاسم بن الحسن ابن زيد و كانت بين هذا الداعي الصغير و بين الأطروش حروب و قتل هذا الداعي سنة تسع عشرة و ثلثمائة و من عقبه أيضا القاسم بن علي بن إسماعيل أحد قواد الحسن بن زيد و هم غيروا نعم أهل تلك الآفاق و أذهبوا بمهجتهم و كانوا سببا لتورد الديلم ببلاد الإسلام لما يستجيشونهم و خرج معهم و مع الأطروش الحسني ماكان بن كالي ملك الديلم و كان مرداويح و بنو بويه من بعض رجاله و كان لهم من عشيرهم قواد و رجال تسموا باسم الديلم من أجل مرباهم بينهم و الله يخلق ما يشاء وأما الحسين و هو القتيل بالطعن أيام يزيد بن معاوية فمن ولده علي بن زين العابدين بن زيد الشهيد و محمد الباقر و عبد الله الأرقط و عمر و الحسن الأعرج فمن ولد الأرقط الحسين الكويكي ابن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الأرقط كان من قواد الحسن الأطروش بن الحسن بن علي القائم بن علي بن عمر قام بأرض الطالقان أيام المعتصم ثم هرب من سفك الدماء و استتر إلى أن مات و كان معتزليا و مهنهم الأطروش أسلم على يديه الديلم و هو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر و كان فاضلا حسن المذهب عدلا ولي طبرستان و قتل سنة أربع و ثلثمائة و قام بعده أخوه محمد و مات و قام الحسين ابن أخيه محمد بن على و قتل بها سنة ست عشرة و ثلثمائة قتله جيوش نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن نوح بن أسد الساماني صاحب خراسان و من ولد الحسين الهمرج بن زين العابدين بن عبد الله العقيقي بن الحسين كان من ولده الحسين بن محمد بن جعفر بن عبد الله العقيقي قتله الحسن بن زيد صاحب طبرستان و منهم جعفر بن عبيد الله بن الحسين الأعرج كان شيعته يسمونه حجة الله و كان من عقبه الملقب بمسلم الذي دبر أمر مصر أيام كافور و هو محمد بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى المحدث بن الحسين بن يعفر حجة الله و ابنه طاهر بن مسلم و من عقب طاهر هذا أمراء المدينة لهذا العهد بنو جماز بن هبة بن جماز بن منصور بن جماز بن شيخة بن هاشم بن القاسم بن مهنى و مهنى بن مهنى بن داود بن القاسم أخي مسلم و عمر و طاهر و زعم ابن سعيد أن بني جماز بن شيخة أمراء المدينة هؤلاء من ولد عيسى بن زيد الشهيد و فيه نظر و من ولد الحسين الحسن الأعرج و زيد هو القائم بالكوفة على هشام بن عبد الملك سنة إحدى و عشرين و مائة و قتل و خرج ابنه يحيى سنة خمس و عشرين بخراسان و قتل و قد انتمى صاحب الزنج في بعض أوقاته إليه و أخوه عيسى بن زيد الذي حارب المنصور أول خلافته من ولد الحسين الذي كان من عقبه يحى بن عمر بن يحيى القائم بالكوفة أيام المستعين و كان حسن المذهب في الصحابة و إليه ينسب العمريون الذين استولوا على الكوفة أيام الديلم من قبل السلطان ببغداد و علي بن زيد بن الحسين بن زيد قام بالكوفة ثم هرب إلى صاحب الزنج بالبصرة فقتله و أخذ جارية له كان سباها من البصرة و من ولد محمد الباقر بن زين العابدين عبد الله الأفطح و جعفر الصادق فكانت لعبد الله الأفطح شيعة يدعون إمامته : منهم زرارة بن أعين الكوفي ثم قام بالمدينة و سأله عن مسائل من الفقه فألفاه جاهلا فرجع عن القول بإمامته فانقطعت الأفطحية و زعم ابن حزم أن بني عبيد ملوك مصر ينسبون إليه و ليس ذلك بصحيح و من ولد جعفر الصادق إسماعيل الإمام و موسى الكاظم و محمد الديباجة فأما محمد الديباجة فخرج بمكة أيام المأمون و بايع له أهل الحجاز بالخلافة و حمله المعتصم لما حج و جاء به إلى المأمون فعفا عنه و مات سنة ثلاث و مائتين و أما إسماعيل الإمام و موسى الكاظم فعليهما وعلى بنيهما مدار اختلاف الشيعة و كان الكاظم على زي الأعراب مائلا إلى السواد و كان الرشيد يؤثره و يتجافى عن السعاية فيه كما مر ثم حبسه و من عقبه بقية الأئمة الاثني عشر عند الإمامية من لدن علي بن أبي طالب الوصي و وفاته سنة خمس و ثلاثين ثم ابنه الحسن و وفاته سنة خمس و أربعين ثم أخوه الحسين و مقتله سنة إحدى و ستين ثم ابنه زين العابدين و وفاته ثم ابنه محمد الباقر و وفاته سنة إحدى و ثمانين و مائة ثم ابنه جعفر الصادق و وفاته سنة ثلاث و أربعين و مائة ثم ابنه موسى الكاظم و وفاته سنة ثلاث و ثمانين و مائة و هو سابع الأئمة عندهم ثم ابنه علي الرضا و وفاته سنة ثلاث و مائتين ثم ابنه محمد المقتفي و وفاته سنة عشرين و مائتين ثم ابنه علي الهادي و وفاته سنة أربع و خمسين و مائتين ثم ابنه حسن العسكري و وفاته سنة ستين و مائتين ثم ابنه محمد المهدي و هو الثاني عشر و هو عندهم حي منتظر و أخبارهم معروفة و من عقب موسى الكاظم من غير الأئمة ابنه إبراهيم المرتضى ولاه محمد بن طباطبا و أبو السرايا على اليمن فذهب إليها و لم يزل بها أيام المأمون يسفك الدماء حتى لقبه الناس بالجزار و أظهر الإمامة عندما عهد المأمون لأخيه الرضا ثم أتهم المأمون بقتله فجاهر و طلب لنفسه ثم عقد المأمون على حرب الفاطميين باليمن لمحمد بن زياد بن أبي سفيان لما بينهم من البغضاء فأوقع بهم مرارا و قتل شيعتهم و فرق جماعتهم و من عقبه موسى بن إبراهيم جد الشريف الرضي و المرتضى و اسم كل منهما علي بن الحسين بن محمد بن موسى بن إبراهيم و من عقب موسى الكاظم ابنه زيد ولاه أبو السرايا على الأهواز فسار إلى البصرة و ملكها و أحرق دور العباسيين بها فسمي زيد النار و من عقبه زيد الجنة بن محمد بن زيد بن الحسن بن زيد النار من أفاضل هذا البيت و صلحائهم حمل إلى بغداد في محنة الفاطميين أيام المتوكل و دفع إلى ابن أبي داود يمتحنه فشهد له و أطلقه و من عقب موسى الكاظم ابنه إسماعيل ولاه أبو السرايا على فارس و من عقب جعفر الصادق من غير الأئمة محمد و علي ابنا الحسين بن جعفر قاما بالمدينة سنة إحدى و سبعين و مائتين و سفكا الدماء و انتهبا الأموال و استلحما آل جعفر بن أبي طالب و أقامت المدينة شهرا لا تقام فها جمعة و لا جماعة و من عقب إسماعيل الإمام العبيديون خلائف القيران و مصر بنو عبيد الله الجهدي بن محمد بن جعفر بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل و قد مر ذكرهم و ما للناس من الخلاف في نسبهم و هو مطروح كله و هذا أصح ما فيه و قال ابن حزم : إنهم من بني حسن البغيض و هو عم المهدي و عنده أنها دعوى منهم وأما محمد بن الحنفية فكان من ولده عبد الله بن عباس و أخوه علي بن محمد و ابنه الحسن بن علي بن محمد و كل ادعت الشيعة إمامته و خرج باليمن على المأمون ولد علي من غير هؤلاء عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب و من ولد جعفر بن أبي طالب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القائم بفارس و بويع بالكوفة و أراد بعض شيعة العباسية تحويل الدعوة إليه فمنع أبو مسلم من ذلك و كانت له شيعة ينتظرونه و ساقوا الخلافة إليه من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية بالوصية و كان فاسقا و كان معاوية ابنه نظير أبيه في الشر انتهى الكلام فى أنساب الطالبيين و أخبارهم فلنرجع الآن إلى أخبار بني أمية بالأندلس المنازعين للدعوة العباسية ثم نرجع إلى دول القائمين بالدعوة العباسية المستبدين عليهم من العرب و الترك و اليمن و الجزيرة و الشام و العراق و المغرب و الله المستعان

(4/144)


الخبر عن دولة بني أمية بالأندلس من هذه الطبقة المنازعين للدعوة العباسية و بداية أمرهم و أخبار ملوك الطوائف من بعدهم
كان هذا القطر الأندلسي من العدوة الشمالية عن عدوة البحر الرومي و بالجانب الغربي منها يسمى عند العرب أندلوش و تسكنه أمم من إفرنجة المغرب أشدهم و أكثرهم الجلالقة و كان القوط قد تملكوه و غلبوا على أمره لمئين من السنين قبل الإسلام بعد حروب كانت لهم مع اللطينيين حاصروا فيها رومة ثم عقدوا معهم السلم على أن تنصرف القوط إلى الأندلس فساروا إليها و ملكوها و لما أخذ الروم و اللطينيون لبسلة النصرانية حملوا من و راءهم بالمغرب من أهل إفرنجة و القوط عليها فدانوا بها و كان ملوك القوط ينزلون طليطلة و كانت دار ملكهم و ربما انتقلوا ما بينها و بين قرطبة و ماردة و أشبيلية و أقاموا كذلك نحو أربعمائة سنة إلى أن جاء الله بالإسلام و الفتح و كان ملكهم لذلك العهد يسمى لزريق و هو سمة لملوكهم كجرجير سمة ملوك صقلية و نسب القوط و خبر دولتهم قد تقدم و كانت له حظوة وراء البحر فى هذه العدوة الجنوبية حظوها من فرضة المجاز بطنجة و من زقاق البحر إلى بلاد البرير و استعبدوهم و كان ملك البرابرة بذلك القطر الذي هو اليوم جبال غمارة يسمى بليان و كان يدين بطاعتهم و بملتهم و موسى بن نصير أمير العرب إذ ذاك عامل على أفريقية من قبل الوليد بن عبد الملك و منزله بالقيروان و كان قد أغزى لذلك العهد عساكر المسلمين بلاد المغرب الأقصى و دوخ أقطاره و أوغل في جبال طنجة هذه حتى وصل خليج الزقاق و استزل بليان لطاعة الإسلام و خلف مولاه طارق بن زياد الليثي واليا بطنجة و كان بليان ينقم على لزريق ملك القوط لعهده بالأندلس لفعله بابنته في داره كما زعموا على عادتهم في بنات بطارقتهم فغضب لذلك و أجاز إلى لزريق فأخذ ابنته منه ثم لحق بطارق فكشف للعرب عورة القوط و دلهم على غرة فيهم أمكنت طارقا الفرصة فانتهزها لوقته و أجاز البحر سنة اثنتين و تسعين من الهجرة بإذن أميره موسى بن نصير في نحو ثلثمائة من العرب و انتهب معهم من البربر زهاء عشرة آلاف فصيرهم عسكرا و نزل بهم جبل الفتح فسمى جبل طارق به و الآخر على طريف بن مالك النخعي و نزل بمكان مدينة طريف فسمي به و أداروا الأسوار على أنفسهم للتحصين و بلغ الخبر لزريق فنهض إليهم يجر أمم الأعاجم و أهل ملة النصرانية في زهاء أربعين ألفا فالتقوا بفحص شريش فهزمه إليه و نفلهم أموال أهل الكفر و رقابهم و كتب طارق إلى موسى بن نصير بالفتح و بالغنائم فحركته الغيرة و كتب إلى طارق يتوعده بأنه يتوغل بغير إذنه و يأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به و استخلف على القيروان ولده عبد الله و خرج معه حسين بن أبي عبد الله المهدي الفهري و نهض من القيروان سنة ثلاث و تسعين من الهجرة في عسكر ضخم من وجوه العرب و الموالي و عرفاء البربر و وافى خليج الزقاق ما بين طنجة و الجزيرة الضراء فأجاز إلى الأندلس و تلقاه طارق و انقاد و اتبع و تمم موسى الفتح و توغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق و أربونة في الجوف و صنم قادس في الغرب و دوخ أقطارها و جمع غنائمها و جمع أن يأتي المشرق على القسطنطينية و بتجاوز إلى الشام و دروب الأندلس و يخوض ما بينها من بلاد الأعاجم أمم النصرانية مجاهدا فيهم مستلحما لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة و نمي الخبر إلى الوليد فاشتد قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب و رأى أن ما هم به موسى غرر بالمسلمين فبعث إليه بالتوبيخ و الانصراف و أسر إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع هو و يكتب له بذلك عهده ففت ذلك في عزم موسى و قفل عن الأندلس بعد أن أنزل الرابطة و الحامية بثغورها و استعمل ابنه عبد العزيز لغزوها و جهاد أعدائها و أنزله بقرطبة فاتخذها دار إمارة و احتل موسى بالقيروان سنة خمس و تسعين و ارتحل إلى الشرق سنة ست بعدها بما كان معه من الغنائم و الذخائر و الأموال على العجل و الظهر يقال : كان من جملتها ثلاثون ألف فارس من السبي و ولى على أفريقية ابنه عبد الله و قدم على سليمان فسخطه و نكبه و سارت عساكر الأندلس بابنه عبد العزيز بإغراء سليمان فقتلوه لسنتين من ولايته و كان خيرا فاضلا و افتتح في ولايته مدائن كثيرة و ولي من بعده أيوب بن حبيب اللخمي و هو ابن أخت موسى بن نصير فتولى عليها ستة أشهر ثم تتابعت ولاة العرب على الأندلس فتارة من قبل الخليفة و تارة من قبل عامله على القيروان و أثخنوا في أمم الكفر و افتتحوا برشلونة من جهة الشرق و حصون بشتالة و بسائطها من جهة الجوف و انقرضت أمم القوط وأرز الجلالقة و من بقي من أمم العجم إلى جبال قشتالة و أربونة و أفواه الدروب فتحصنوا بها و أجازت عساكر المسلمين ما وراء برشلونة من دروب الجزيرة حتى احتلوا بسائط وراءها و توغلوا في بلاد الفرنجة و عصف ريح الإسلام بأم الكفر من كل جهة و ربما كان بين جنود الأندلس من العرب اختلاف و تنازع أوجب للعدو بعض الكرة فرجع الفرنج ما كانوا غلبوهم عليه و كان محمد بن يزيد عامل أفريقية لسليمان بن عبد الملك لما بلغه ملك عبد العزيز بن موسى بن نصير بعث إلى الأندلس الحرب بن عبد الرحمن بن عثمان فقدم الأندلس و عزل أيوب بن حبيب و ولي سنتين و ثمانية أشهر ثم بعث عمر بن عبد العزيز على الأندلس السنخم بن مالك الخولاني على رأس المائة من الهجرة و أمره أن يخمس أرض الأندلس فخمسها و بنى قنطرة قرطبة و استشهد غازيا بأرض الفرنجة سنة اثنتين و مائة فقدم أهل الأندلس عليهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي إلى أن قدم عنبسة بن شحيم الكلبي من قبل يزيد بن مسلم عامل أفريقية و كان أولهم يحيى بن سلمة الكلبي أنفذه حنظلة بن صفوان الكلبي والي أفريقية لما استدعى منه أهل الأندلس واليا بعد مقتل عنبسة فقدمها آخر سنة سبع و أقام في ولايتها سنتين و نصفا و لم يغز ثم قدم إليها عثمان بن أبي واليا من قبل عبيدة بن عبد الرحمن السلمي صاحب أفريقية و عزله لخمسة أشهر بحذيفة بن الأحوص العتبي فوافاها سنة عشر و عزل قريبا يقال لسنة من ولايته و اختلف هل تقدمه عثمان أم هو تقدم عثمان ثم ولي بعده الهيثم بن عبيد الكلابي من قبل عبيدة بن عبد الرحمن أيضا قدم في المحرم سنة إحدى عشرة و غزا أرض مقرشة فافتتحها و أقام عشرة أشهر و توفي سنة ثلاث عشرة لسنتين من ولايته و قدم بعده محمد بن عبيد الله بن الحجاب صاحب أفريقية فدخلها سنة ثلاث عشرة و غزا إفرنجة و كانت له فيهم وقائع و أجب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة فوق سنتين و قال الواقدي : أربع سنين و كان ظلوما جائرا في حكومته و غزا أرض البشكنس سنة خمس عشرة و مائة و أوقع بهم و غنم ثم عزل في رمضان سنة ست عشرة و ولي عتبة بن الحاج السلولي من قبل عبيد الله بن الحجاب فقدم سنة سبع عشرة و أقام خمس سنين محمود السيرة مجاهدا مظفرا حتى بلغ سكنى المسلمين أرمونة و صار مساكنهم على نهر ودونة ثم قام عليه عبد الملك بن قطن الفهري سنة إحدى و عشرين فخلعه و قتله و يقال أخرجه من الأندلس و ولى مكانه إلى أن دخل بلخ بن بشر بأهل الشام سنة أربع و عشرين كما مر فغلب عليه و ولي الأندلس سنة أو نحوها و قال الرازي : ثار أهل الأندلس بعقبة بن الحجاج أميرهم في صفر من سنة ثلاث و عشرين في خلافة هشام بن عبد الملك و ولوا عليهم عبد الملك بن قطن ولايته الثانية فكانت ولاية عقبة ستة أعوام و أربعة أشهر و توفي بسرقوسة في صفر سنة ثلاث و عشرين و استقام الأمر لعبد الملك ثم دخل بلخ بن بشر من أهل الشام ناجيا من وقعة كلثوم بن عياض مع البربر فثار على عبد الملك و قتله و انحاز الفهريون إلى جانب فامتنعوا عليه و كاشفوه و اجتمع عليهم من نكر فعلته بابن قطن و قام بأمرهم قطن و أمية ابنا عبد الملك بن قطن و التقوا فكانت الدبرة على الفهريين و هلك بلخ من الجراح التي أصابته في حربهم و ذلك سنة أربع و عشرين لسنة أو نحوها من إمارته ثم ولي ثعلبة بن سلامة الجذامي غلب على إمارة الأندلس بعد مهلك بلخ و انحاز عنه الفهريون فلم يطيعوه و ولي سنين أظهر فيها العدل و دانت له الأندلس عشرة أشهر إلى أن ثار به العصبة اليمانية فعسر أمره و هاجت الفتنة و قدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي من قبل حنظلة بن صفوان عامل أفريقية و ركب إليها البحر من تونس سنة خمس و عشرين فدانت له أهل الأندلس و أقبل إليه ثعلبة و ابن أبي سعد و ابنا عبد الملك فلقيهم و أحسن إليهم و استقام أمره و كان شجاعا كريما ذا رأي و حزم و كثر أهل الشام عنده ولم تحملهم قرطبة ففرقهم في البلاد و أنزل أهل دمشق البيرة لشبهها بها و سماها دمشق و أنزل أهل حمص أشبيلية و سماها حمص لشبهها بها و أهل قنسرين حسان و سماها قنسرين و أهل الأردن ريه و هي مالقة و سماها الأردن و أهل فلسطين شدونة و هي شريش و سماها فلسطين و أهل مصر تدمير و سماها مصر و قفل ثعلبة إلى الشرق و لحق بمروان بن محمد و حضر حروبه و كان أبو الخطاب أعرابيا عصبيا أفرط عند ولايته في التعصب لقومه من اليمانية و تحامل على المصرية و أسخط قيسا و أمر في بعض الأيام بالضميل بن حاكم كبير القيسية و كان من طوالع بلخ و هو الضميل بن حاكم بن شمر بن ذي الجوشن و رأس على الحصرية فأمر به يوما فأقيم من مجلسه و تقنع فقال له بعض الحجاب و هو خارج من القصر : أقم عمامتك يا أبا الجوشن فقال : إن كان لي قوم فسيقيمونها فسار الضميل بن حاكم زعيمهم يومئذ و ألب عليه قومه و استعان بالمنحرفين عنه من اليمنية فخلع أبا الخطاب سنة ثمان و عشرين لأربع سنين و تسعة أشهر من ولايته و قدم مكانه ثوابة بن سلامة الجذامي و هاجت الحرب المشهورة و خاطبوا بذلك عبد الرحمن بن حبيب صاحب أفريقية فكتب إلى ثوابة بعهده على الأندلس منسلخ رجب سنة تسع و عشرين فضبط الأندلس و قام بأمره الضميل و اجتمع عليه الفريقان و هلك لسنتين من ولايته و وقع الخلاف بأفريقية و تلاشت أمور بني أمية بالمشرق و شغلوا عن قاصية المغرب بكثرة الخوارج و عظم أمر المسودة فبقي أهل الأندلس فوض و نصبوا للأحكام خاصة عبد الرحمن بن كثير ثم اتفق جند الأندلس على اقتسام الإمارة بين المضرية و اليمنية و ادالتها بين الجندين سنة لكل دولة و قدم المضرية على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن الفهري سنة تسع و عشرين و استقر سنة ولايته بقرطبة دار الإمارة ثم وافقتهم اليمنية لميعاد ادالتهم واثقين بمكان عهدهم و تراضيهم و اتفاقهم فبيتهم يوسف بمكان نزلهم من شقندة من قرى قرطبة من الضميل بن حاتم و القيسية و المضرية فاستلحموهم و استبد يوسف بما وراء البحرين عدوة الأندلس و غلب اليمنية على أمرهم فاستكانوا للغلبة و تربصوا بالدوائر إلى أن جاء عبد الرحمن الداخل فكان يوسف بن عبد الرحمن قد ولى الضميل بن حاتم سرقسطه فلما ظهر أمر المسودة بالمشرق ثار الحباب بن رواحة الزهري بالأندلس داعيا لهم و حاصر الضميل بسرقسطة و استمد يوسف فلم يمده رجاء هلاكه بما كان يغص به و أمدته القيسية فأخرج عنه الحباب و فارق الضميل سرقسطة فملكها الحباب و ولى يوسف الضميل على طليطلة إلى أن كان من أمر عبد الرحمن الداخل ما نذكره

(4/149)


مسير عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس و تجديده الدولة بها
لما نزل ما نزل ببني أمية بالمشرق و غلبهم بنو العباس على الخلافة و أزالوهم عن كرسيها و قتل عبد الله بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفائهم سنة اثنتين و ثلاثين و مائة و تتبع بنو مروان بالقتل فطلبوا من بعدها بطن الأرض و كان ممن أفلت منهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك و كان قومه يتحينون له ملكا بالمغرب و يرون فيه علامات لذلك يؤثرونها عن مسلمة بن عبد الملك و كان هو قد سمعها منه مشافهة فكان يحدث نفسه بذلك فخلص إلى المغرب و نزل على أخواله نفرة من برابرة طرابلس و شعر به عبد الرحمن بن حبيب و كان قتل ابني الوليد بن عبد الملك لما دخلا أفريقية من قبله فلحق عبد الرحمن بمغيلة و يقال بمكناسة و يقال : نزل على قوم من زناتة فأحسنوا قبوله و اطمأن فيهم ثم لحق بمليلة و بعث بدرا مولاه إلى من بالأندلس من موالي المروانيين و أشياعهم فاجتمع بهم و بثوا له بالأندلس دعوة و نشروا له ذكرا و وافق ذلك ما قدمناه من الفتنة بين اليمنية و المضرية فاجتمعت اليمنية على أمره و رجع إليه بدر مولاه بالخبر فأجاز البحر سنة ثمان و ثلاثين في خلافة أبي جعفر المنصور و نزل بساحل السند و أتاه قوم من أهل أشبيلية فبايعوه ثم انتقل إلى كورة رحب فبايعه عاملها عيسى بن مسور ثم رجع إلى شدونة فبايعه عتاب بن علقمة اللخمي ثم أتى مورور فبايعه ابن الصباح و نهز إلى قرطبة و اجتمعت عليه اليمنية و نمي خبره إلى والي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري و كان غازيا بجليقة فانفض عسكره و سار إلى قرطبة و أشار عليه وزيره الضميل بن حاتم بالتلطف له و المكر به فلم يتم له مراده و ارتحل عبد الرحمن من المنكب فاحتل بمالقة فبايعه جندها ثم برندة فبايعه جندها ثم بشريش كذلك ثم بأشبيلية فتوافت عليه الأمداد و الأمصار و تسايلت المضرية إليه حتى إذا لم يبق مع يوسف بن عبد الرحمن غير الفهرية و القيسية لمكان الضميل منه زحف إليه حينئذ عبد الرحمن بن معاوية و ناجزهم الحرب بظاهر قرطبة فانكشف و رجع إلى غرناطة فتحصن بها و أتبعه الأمير عبد الرحمن فنازله ثم رغب إليه يوسف في الصلح فعقد له على أن يسكن قرطبة و أقفله معه ثم نقض يوسف عهده و خرج سنة إحدى و أربعين و لحق بطليطلة و اجتمع إليه زهاء عشرين ألفا من البربر و قدم الأمير عبد الرحمن للقائه عبد الملك بن عمر المرواني كان وفد عليه من المشرق و كان أبوه عمر بن مروان بن الحكم في كفالة أخيه عبد العزيز بمصر فلما هلك سنة خمس عشرة بقي عبد الملك بمصر فلما دخلت المسودة أرض مصر خرج عبد الملك يوم الأندلس في عشرة رجال من بيته مشهورين بالبأس و النجدة حتى نزل على عبد الرحمن سنة إحدى و أربعين فعقد له على أشبيلية و لإبنه عمر بن عبد الملك على مورور و سار يوسف إليهما و خرجا إليه فلقياه و تناجز الفريقان فكانت الدبرة على يوسف و أبعد الغر و اغتاله بعض أصحابه بناحية طليطلة و احتز رأسه و تقدم به إلى الأمير عبد الرحمن فاستقام أمره و استقر بقرطبة و بنى القصر و المسجد الجامع أنفق ثمانين ألف دينار و مات قبل تمامه و بنى مساجد و وفد عليه جماعة من أهل بيته من المشرق و كان يدعو للمنصور ثم قطعها لما تم له الملك بالأندلس و مهد أمرها و خلد لبني مروان السلطان بها و جدد ما طمس لهم بالمشرق من معالم الخلافة و آثارها و استلحم الثوار في نواحيها و قطع دعوة العباسيين من منابرها و سد المذاهب منهم دونها و هلك سنة اثنتين و سبعين و مائة و كان يعرف بعبد الرحمن الداخل لأن أول داخل من ملوك بني مروان هو و كان أبو جعفر المنصور يسميه صقر بني أمية لما رأى ما فعل بالأندلس و ما ركب إليها من الأخطار و أنه صمد إليها من أنأى ديار المشرق من غير عصابة و لا قوة و لا أنصار فغلب على أهلها و على أميرهم و تناول الملك من أيديهم بقوة شكيمة و أمضاء عزم ثم تحلى و أطيع و أورثه عقبه و كان عبد الرحمن هذا يلقب بالأمير و عليه جرى بنوه من بعده فلم يدع أحد منهم بأمير المؤمنين إذ بايع الخلافة بمقر الإسلام و مبتدأ العرب حتى كان عبد الرحمن الناصر و هو الثامن منهم على ما نذكره فتسمى بأمير المؤمنين و توارث ذلك بنوه واحدا بعد واحد و كان لبني عبد الرحمن الداخل بهذه العدوة الأندلسية ملك ضخم و دولة ممتعة اتصلت إلى ما بعد المائة الرابعة كما نذكر و عندما شغل المسلمون بعبد الرحمن و تمهيد أمره قوي أمر الخلافة و استفحل سلطانه و تجهز فرويلة بن الأدفونش ملكهم سار إلى ثغور البلاد فأخرج المسلمين منها و ملكها من أيديهم و رد مديزلك و بريعال و سمورة و سلمنقة و قشتالة و سقونية و صارت للجلالقة حتى افتتحها المنصور بن أبي عامر رئيس الدولة كما نذكر في أخباره ثم استعادوها بعده من بلاد الأندلس و استولوا على جميعها و كان عبد الرحمن عندما تمهد له الأمر بالأندلس و دعا للسفاح ثم خلعه و استبد بأمره كما ذكرناه وجد هشام بن عبد ربه الفهري مخالفا بطليطلة على يوسف من قبله و بقي على خلافه ثم أغزاه عبد الرحمن سنة تسع و أربعين بدرا مولاه و تمام بن علقمة فحاصراه و معه حيوة بن الوليد الحصبي و حمزة بن عبد الله بن عمر حتى غلباه و جاء بهم إلى قرطبة فصلبوا و سار من أفريقية سنة تسع و أربعين العلاء بن مغيث اليحصبي و نزل باجة من بلاد الأندلس داعيا لأبي جعفر المنصور و اجتمع إليه خلق فسار عبد الرحمن إليه و لقيه بنواحي أشبيلية فقاتله أياما ثم انهزم العلاء و قتل في سبعة آلاف من أصحابه و بعث عبد الرحمن برؤوس كثيرة منهم إلى القيروان و مكة فألقيت في أسواقها سرا و معها اللواء الأسود و كاتب المنصور للعلاء ثم ثار سعيد اليحصبي المعروف بالمطري بمدينة لبلة طالبا بثأر من قتل من اليمنية مع العلاء و ملك أشبيلية و سار إليه عبد الرحمن فامتنع ببعض الحصون فحاصره و كان عتاب بن علقمة اللخمي بمدينة شدونة فأمد المطري و بعث عبد الرحمن بدرا مولاه فحال دون المدد و دون المطري ثم طال عليه الحصار و قتل في بعض أيامه و ولي مكانه بالقلعة خليفة بن مروان ثم استأمن من بالقلعة إلى عبد الرحمن و أسلموا إليه الحصن فخربه و قتل عبد الرحمن خليفة و من معه ثم سار إلى غياث فحاصره بشدونة حتى استأمنوا فأمنهم و عاد إلى قرطبة فخرج عليه عبد الرحمن بن خراشة الأسدي بكورة جيان و بعث إليه العساكر فافترق جمعه و استأمن فأمنه ثم خرج عليه سنة خمس غياث بن المستبد الأسدي فجمع عامل باجة العساكر و سار إليه فهزمه و قتله و بعث برأسه إلى عبد الرحمن بقرطبة و في هذه السنة شرع عبد الرحمن في بناء السور على قرطبة ثم ثار رجل بشرق الأندلس من بربر مكناسة يعرف بشقنا بن عبد الواحد كان يعلم الصبيان و ادعى أنه من ولد الحسين الشهيد و تسمى بعبد الله بن محمد و سكن شنة برية و اجتمع إليه خلق من البربر فسار إليه عبد الرحمن فهرب في الجبال و اعتصم بها فرجع و ولى على طليطلة حبيب بن عبد الملك فولى حبيب شنة برية سليمان بن عثمان بن مروان بن عثمان بن أبان بن عثمان بن عفان فسار إليه سليمان و قتله و غلب على ناحية فورية فسار إليه عبد الرحمن سنة اثنتين و خمسين و مائة و أعياه أمره و صار ينتقل في البلاد و يهزم العساكر و كان سكن بحصن شيطران من جبال بلنسية فسار إليه عبد الرحمن سنة ست و خمسين و استخلف على قرطبة ابنه سلمان فأتاه الخبر بعصيان أهل أشبيلية و ثورة عبد الغفار و حيوة بن قلاقس مع اليمانية فرجع عن شقنا و هاله أمر أشبيلية و قدم عبد الملك بن عمر لقتالهم فساروا إليه و لقيهم مستميتا فهزمهم و أثخن فيهم و لحق بعبد الرحمن فشكرها له و جزاه خيرا و وصله بالصهر و ولاه الوزارة و نجا عبد الغفار و حيوة بن قلاقس إلى أشبيلية فسار عبد الرحمن سنة سبع و خمسين إليها فقتلهم و قتل خلقا ممن كان معهم و استراب من يومئذ بالعرب فرجع إلى اصطناع القبائل من سواهم و اتخاذ الموالي و لما كانت سنة إحدى و ستين غدر بشقنا رجلان من أصحابه و جاء برأسه إلى عبد الرحمن ثم سار عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالقلعي من أفريقية إلى الأندلس مظهرا للدعوة العباسية و نزل بتدمير و اجتمع إليه البربر و كان سليمان بن يقظان عاملا على برشلونة فكتب إليه يدعوه إلى أمره فلم يجبه فسار إليه في البربر و لقيه سليمان فهزمهم و عاد إلى تدمير و زحف إليه عبد الرحمن من قرطبة فاعتصم بجبل بلنسية فبذل عبد الرحمن فيه الأموال فاغتاله رجل من أصحابه البربر و حمل رأسه إلى عبد الرحمن و ذلك سنة اثنتين و ستين و رجع عبد الرحمن إلى قرطبة ثم خرج دحية الغساني في بعض حصون البيرة فبعث إليه شهيد بن عيسر فقتله و خالف البربر و عليهم بحرة بن البرانس فبعث بدرا مولاه فقتله و فرق جموعهم و فر القائد السلمي من قرطبة إلى طليطلة و عصى بها فبعث حبيب بن عبد الملك و حاصره فهلك فى الحصار و زحف عبد الرحمن سنة أربع و ستين إلى سرقسطة و بها سليمان بن يقظان و الحسين بن عاصي و قد حاصرهما ثعلبة بن عبيد من قواده فامتنعت عليه و قبض سليمان على ثعلبة و بعث إلى ملك الفرنج فجاء و قد تنفس عنه الحصار فدفع إليه ثعلبة ثم غلب الحسين على سلمان و قتله و انفرد فحاصره عبد الرحمن حتى صالحه و سار إلى بلاد الفرنج و البشكنس و من وراءهم من الملوك و رجع إلى وطنه و غدر الحسين بسرقسطة فسار إليه عامله ابن علقمة فأسر أصحابه ثم سار إليه عبد الرحمن سنة ست و ستين و ملكها عنوة و قتل الحسين و قتل أهل سرقسطة ثم خرج سنة ثمان و ستين أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن فلقيه بقسطلونة و هزمه و أثخن في أصحابه ثم لقيه ثانية سنة تسع و ستين فهزمه ثم هلك سنة سبعين في أعمال طليطلة و قام مكانه أخوه قاسم و غزاه عبد الرحمن فحاصره فجاء بغير أمان فقتله ثم توفي عبد الرحمن سنة اثنتين و سبعين و مائة لثلاثة و ثلاثين سنة من إمارته

(4/154)


وفاة عبد الرحمن الداخل و ولاية ابنه هشام
و لما هلك عبد الرحمن كان ابنه الأكبر سليمان واليا على طليطلة و كان ابنه هشام على ماردة و كان قد عهد له بالأمر و كان ابنه عبد الله المسكين حاضرا بقرطبة فأخذ البيعة لأخيه هشام و بعث إليه بالخبر فسار إلى قرطبة و قام بالدولة و غص بذلك أخوه سليمان فأظهر الخلاف بطليطلة و لحق به أخوه عبد الله و بعث هشام في أثره فلم يلحق و سار هشام في العساكر فحاصرهم بطليطلة و خالفه سليمان إلى قرطبة فلم يظفر بشيء منها و بعث هشام بن عبد الملك في أثره فقصد ماردة فحاربه عامله و هزمه الله بغير أمان و دخل في طاعته فأكرمه ثم بعث سنة أربع و سبعين ابنه معاوية لحصار أخيه سليمان بتدمير فدوخ نواحيها و هرب سليمان إلى جبال بلنسية فاعتصم بها و رجع معاوية إلى أبيه بقرطبة ثم طلب سليمان العبور إلى عدوة البربر بأهله و ولده فأجازه هشام و أعطاه ستين ألف دينار صلحا على تركة أبيه و أقام بعدوة المغرب و سار معه أخوه عبد الله ثم خرج على هشام سعيد بن الحسين بن يحيى الأنصاري بطرسوسة من شرق الأندلس و كان قد التجأ إليها حين قتل أبوه و دعي إلى اليمانية فملكها و أخرج عاملها يوسف العبسي فعارضه موسى بن فرقوق في المضرية بدعوة هشام و خرج أيضا مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة و ملك مدينة سرقسطة و واشقة و كان هشام في شغل بأمر أخويه فلما فرغ منهما بعث أبا عثمان عبيد الله بن عثمان بالعساكر إلى مطروح فحاصره بسرقسطة أياما ثم أفرج عنه و نزل بطرسوسة قريبا و أقام بتحيفة ثم غدر بمطروح بعض أصحابه و جاء برأسه إلى أبي عثمان فبعث به إلى هشام و سار إلى سرقسطة فملكها ثم دخل إلى دار الحرب غازيا و قصد ألبة و القلاع فلقي العدو و ظفر بهم و فتح الله عليه و ذلك سنة خمس و سبعين و بعث هشام العساكر مع يوسف بن نحية إن جليقة فلقي ملكها ابن مند و هزمه و أثخن في العدو و في هذه السنة دخل أهل طليطلة في طاعة الأمير هشام بعد منصرف أخويه عنهم فقبلهم و أمنهم و بعث عليها ابنه الحكم واليا فضبطها و أقام بها و في سنة ست و سبعين و مائة بعث هشام وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث لغزاة العدو فبلغ ألبة و القلاع و أثخن في نواحيها ثم بعثه في العساكر إلى أربونة و جرندة فأثخن فيهما و وطىء أرض سلطانية و توغل في بلادهم و رجع بالغنائم التي لا تحصى و استمد الطاغية بالبشكنس و جيرانه من الملوك فهزمهم عبد الملك ثم بعث بالعساكر مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى بلاد جليقة فأثخنوا في بلاد العدو و غنموا و رجعوا و في هذه السنة هاجت فتنة بتاكدنا و هي بلاد رندة من الأندلس و خلع البربر هنالك الطاعة فبعث إليهم هشام بن عبد القادر بن أبان بن عبد الله مولى معاوية بن أبي سفيان فأبادهم و خرب بلادهم و فر من بقي منهم فدخلوا في القبائل و بقيت تاكدنا قفراء خالية سبع سنين و في سنة تسع و سبعين بعث هشام الحاجب عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث في العساكر إلى جليقة فانتهى إلى ميورقة فجمع ملك الجلالقة و استمد بالملوك ثم خام عن اللقاء و رجع أدراجه و أتبعه عبد الملك و توغل في بلادهم و كان هشام قد بعث الجيوش من ناحية أخرى فالتقوا بعبد الملك و أثخنوا في البلاد و اعترضهم عسكر الإفرنج فنالوا منهم بعض الشيء ثم خرجوا ظافرين سالمين

(4/159)


وفاة هشام و ولاية ابنه الحكم
ثم توفي هشام بن عبد الرحمن سنة ثمانين و مائة لسبع سنين من إمارته و قيل ثمان سنين و كان من أهل الخير و الصلاح و كان كثير الغزو و الجهاد و هو الذي أكمل بناء الجامع بقرطبة الذي كان أبوه شرع فيه و أخرج المصرف لآخذي الصدقة على الكتاب و السنة و لما مات ولي ابنه الحكم بعده فاستكثر من المماليك و ارتباط الخيل واستفحل ملكه و باشر الأمور بنفسه و لأول ولايته أجاز ابنه عبد الله البلنسي من عدوة المغرب فملك بلنسية ثم أخوه سليمان من طنجة فحاربهما الحكم سنة ثم ظفر بعمه سليمان فقتله سنة أربع و ثمانين و أقام عبد الله ببلنسية و كف عن الفتنة و أرسل الحكم في الصلح على يد يحيى بن يحيى الفقيه و غيره فصالحه سنة ست و ثمانين و في خلال الفتنة مع عميه سليمان و عبد الله اغتنم الفرنج الفرصة و اجتمعوا و قصدوا برشلونة فملكوها سنة خمس و ثمانين و تأخرت عساكر المسلمين إلى ما دونها و بعث الحكم العساكر إلى برشلونة مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الجلالقة فأثخن فيها و خالفهم العدو إلى المضايق فرجع إلى التعبية و ظفر بهم و رجع إلى بلاد الإسلام ظافرا و في سنة إحدى و ثمانين ثارالبهلول بن مرزوق بناحية الثغر و ملك سرقسطة و فيها جاء عبد الله البلنسي عم الحكم كما ذكرناه و في هذه السنة خالف عبيدة بن عمير بطليطلة و كان القائد عمرو بن يوسف من قواد الحكم بطلبيرة فكتب إلى هشام بحصارهم فحاصرهم ثم استمال بني مخشي من أهل طليلطلة فقتلوا عبيدة و بعثوا برأسه إلى عمروس فبعث به إلى الحكم و أنزل بني مخشي عنده فقتلهم البربر بطلبيرة بثأر كاتب لهم و قتل عمروس و الباقين و استقامت تلك الناحية و استعمل عمروس ابنه يوسف على مدينة طليطلة و لحق بالفرنج سنة تسع و ثمانين بعض أهل الحرابة و أطمعوا الفرنج في ملك طليطلة فزحفوا إليها و ملكوها و أسروا أميرها يوسف و حبسوه بصخرة قيسر و سار عمروس من فوره إلى سرقسطة ليحميها من العدو و بعث العساكر مع ابن عمه فلقي العدو و هزمهم و سار إلى صخرة قيسر و قد وهن الفرنج من الهزيمة فافتتحها و بعث عمروس نائبه و خلص يوسف و عظم صيته

(4/160)


وقعة الربض
كان الحكم في صدر ولايته قد انهمك في لذاته و اجتمع أهل العلم و الورع بقرطبة مثل يحيى بن يحيى الليثي و طالوت الفقيه و غيرهما فثاروا به و امتنع فخلعوه و بايعوا محمد بن القاسم من عمومة هشام و كان بالربض الغربي من قرطبة محلة متصلة بقصره و حصروه سنة تسعين و مائة و قاتلهم فغلبهم و افترقوا و هدم دورهم و مساجدهم و لحقوا بفاس من أرض العدوة و لحقوا بالإسكندرية و نزل بها منهم جمع و ثاروا بها فزحف إليهم عبد الله بن طاهر صاحب مصروافتتحها و أجازهم إلى جزيرة أقريطش كما مر و كان مقدمهم أبا حفص عمر البلوطي فلم يزل رئيسا عليهم و ولده من بعده إلى أن ملكها الفرنج من أيديهم

(4/161)


وقعة الحفرة بطليطلة
كان أهل طليطلة يكثرون الخلاف و نفوسهم قوية لحصانة بلدهم فكانت طاعتهم ملتانة فأعيا الحكم أمرهم و استقدم عمروس بن يوسف من الثغر و كان أصله من أهل مدينة وشقة من المولدين و كان عاملا عليها فداخله في التدبير على أهل طليطلة و كتب له بولايتها فأنسوا به و اطمأنوا إليه ثم داخلهم في الخلع و أشار عليهم ببناء مدينة يعتزل فيها مع أصحاب السلطان فوافقوه و أمضى رأيه في ذلك ثم بعث صاحب الأعلى إلى الحكم يستنجده على العدو فبعث العساكر مع ابنه عبد الرحمن و الوزراء و مروا بطليطلة و لم يعرض عبد الرحمن لدخولها ثم رجع العدو و كفى الله شره فاعتزم عبد الرحمن على العود إلى قرطبة فأشار عمروس عند ذلك على أهل طليطلة بالخروج إلى عبد الرحمن فخرج إليه الوجوه و أكرمهم و دس خادم الحكم كتابه إلى عمروس بالحيلة على أهل طليطلة فأشار عليهم عمروس بأن يدخلوا عبد الرحمن البلد و أنزله بداره و اتخذ صنيعا للناس و استعد له على موعد لذلك فكان يدخلهم من باب و يخرجهم من آخر خشية الزحام فيدخلون إلى حفرة في القصر و تضرب رقابهم عليها إلى أن قتل معظمهم و فطن الباقون فنفروا و حسنت طاعتهم من بعد ذلك إلى أيام الفتنة كما نذكر ثم عصى أصبغ بن عبد الله بماردة و أخرج عامل الحكم فسار إليه الحكم و حاصره و جاءه الخبر بعصيان أهل قرطبة فرجع و قتلهم ثم استنزل أصبغ من بعد ذلك و أنزله قرطبة و في سنة اثنتين و تسعين جمع لزريق بن قار له ملك الفرنج و سار لحصار طرسوسة فبعث الحكم ابنه عبد الرحمن في العساكر فهزمه و فتح الله على المسلمين ثم عاود أهل ماردة الخلاف عن الحكم سنة أربع و تسعين فسار إليهم و قاتلهم ثلاث سنين و كثر عيث الفرنج في الثغور فسار إليهم سنة ست و تسعين فافتتح الحصون و خرب النواحي و أثخن في القتل و السبي و النهب و عاد إلى قرطبة ظافرا و في سنة مائتين بعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج فسار فيها و خربها و نهبها و هدم عدة من حصونها و أقبل إليه ملك الجلالقة في جموع عظيمة و تنازلوا على نهر و اقتتلوا عليه أياما و نال المسلمون منهم أعظم النيل و أقاموا على ذلك ثلاث عشرة ليلة ثم كثرت الأمطار و مد النهر و قفل المسلمون ظافرين

(4/162)