صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الفصل السادس و الخمسون : في أن صناعة النظم و النثر إنما هي في الألفاظ لا في المعاني
إعلم أن صناعة الكلام نظما و نثرا إنما هي في الألفاظ لا في المعاني إنما المعاني تبع لها و هي أصل فالصانع الذي يحاول ملكة الكلام في النظم و النثر إنما يحاولها في الألفاظ بحفظ أمثالها من كلام العرب ليكثر استعماله و جريه على لسانه حتى تستقر له الملكة في لسان مضر و يتخلص من العجمة التي ربي عليها في جبله و يفرض نفسه مثل وليد نشأ في جبل العرب و يلقن لغتهم كما يلقنها الصبي حتى يصير كأنه واحد منهم في لسانهم و ذلك أنا قدمنا أن للسان ملكة من الملكات في النطق يحاول تحصيلها بتكرارها على اللسان حتى تحصل شأن الملكات و الذي في اللسان و النطق إنما هو الألفاظ و أما المعاني فهي في الضمائر وأيضا فالمعاني موجودة عند كل واحد و في طوع كل فكر منها ما يشاء و يرضى فلا يحتاج إلى تكلف صناعة في تأليفها و تأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه و هو بمثابة القوالب للمعاني فكما أن الأواني التى يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب و الفضة و الصدف و الزجاج و الخزف و الماء واحد في نفسه و تختلف الجودة في الأواني المملؤة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء كذلك جودة اللغة و بلاغتها في الاستعمال تختلف بإختلاف طبقات الكلام في تأليفه باعتبار تطبيقه على المقاصد و المعاني واحدة في نفسها و إنما الجاهل بتأليف الكلام و أساليبه على مقتضى ملكة اللسان إذا حاول العبارة عن مقصوده و لم يحسن بمثابة المقعد الذي يروم النهوض و لا يستطيعه لفقدان القدرة عليه و الله يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون

(1/794)


الفصل السابع و الخمسون : في أن حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ و جودتها بجودة المحفوظ
قد قدمنا أنه لا بد من كثرة الحفظ لمن يروم تعلم اللسان العربي و على قدر جودة المحفوظ و طبقته في جنسه و كثرته من قلته تكون جودة الملكة الحاصلة عنه للحافظ فمن كان محفوظه من أشعار العرب الإسلاميين شعر حبيب أو العتابي أو ابن المعتز أو ابن هانئ أو الشريف الرضي أو رسائل ابن المقفع أو سهل ابن هارون أو ابن الزيات أو البديع أو الصابئ تكون ملكته أجود و أعلى مقاما و رتبة في البلاغة ممن يحفظ شعر ابن سهل من المتأخرين أو ابن النبيه أو ترسل البيساني أو العماد الأصبهاني لنزول طبقة هؤلاء عن أولئك يظهر ذلك للبصير الناقد صاجب الذوق و على مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون جودة الاستعمال من بعده ثم إجادة الملكة من بعدهما فبارتقاء المحفوظ في طبقته من الكلام ترتقي الملكة الحاصلة لأن الطبع إنما ينسج على منوالها و تنمو قوى الملكة بتغذيتها و ذلك أن النفس و إن كانت في جبلتها واحدة بالنوع فهي تختلف في البشر بالقوة و الضعف في الإدراكات و اختلافها إنما هو باختلاف ما يرد عليها من الإدراكات و الملكات و الألوان التي تكيفها من خارج فبهذه يتم وجودها و تخرج من القوة إلى الفعل صورتها و الملكات التي تحصل لها إنما تحصل على التدريج كما قدمناه فالملكة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر و ملكة الكتابة بحفظ الأسجاع و الترسيل و العلمية بمخالطة العلوم و الإدراكات و الأبحاث و الأنظار و الفقهية بمخالطة الفقه و تنظير المسائل و تفريعها و تخريج الفروع على الأصول والتصوفية الربانية بالعبادات و الأذكار و تعطيل الحواس الظاهرة بالخلوة و الانفراد عن الخلق ما استطاع حتى تحصل له ملكة الرجوع إلى حسه الباطن و روحه و ينقلب ربانيا و كذا سائرها و للنفس في كل واحد منها لون تتكيف به و على حسب ما نشأت الملكة عليه من جودة أو رداءة تكون تلك الملكة في نفسها فملكة البلاغة العالية الطبقة في جنسها إنما تحصل بحفظ العالي في طبقته من الكلام و بهذا كان الفقهاء و أهل العلوم كلهم قاصرين في البلاغة و ما ذلك إلا لما سبق إلى محفوظهم و يمتلئ به من القوانين العلمية و العبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة و النازلة عن الطبقة لأن العبارات عن القوانين و العلوم لا حظ لها في البلاغة فإذا سبق ذلك المخفوظ إلى الفكر و كثر و تلونت به النفس جاءت الملكة الناشئة عنه في غاية القصور و انحرفت عباراته عن أساليب العرب في كلامهم و هكذا نجد شعر الفقهاء و النحاة و المتكلمين و النظار و غيرهم ممن لم يمتلئ من حفظ النقي الحر من كلام العرب أخبرني صاحبنا الفاضل أبو القاسم بن رضوان كاتب العلامة بالدولة المرينية قال : ذكرت يوما صاحبنا أبا العباس بن شعيب كاتب السلطان أبي الحسن و كان المقدم في البصر باللسان لعهده فأنشدته مطلع قصيدة ابن النحوي و لم أنسبها له و هو هذا :
( لم أذر حين وقفت بالأطلال ... ما الفرق بين جديدها و البالي )
فقال لي على البديهة : هذا شعر فقيه فقلت له : و من أين لك ذلك فقال : من قوله ما الفرق ؟ إذ هي من عبارات الفقهاء و ليست من أساليب كلام العرب فقلت له : لله أبوك إنه ابن النحوي و أما الكتاب و الشعراء فليسوا كذلك لتخيرهم في محفوظهم و مخالطتهم كلام العرب و أساليبهم في الترسل و انتقائهم لهم الجيد من الكلام ذاكرت يوما صاحبنا أبا عند الله بن الخطيب وزير الملوك بالأندلس من بني الأحمر و كان الصدر المقدم في الشعر و الكتابة فقلت له : أجد استصعابا علي في نظم الشعر متى رمته مع بصري به و حفظي للجيد من الكلام من القرآن و الحديث و فنون من كلام العرب و إن كان محفوظي قليلا و إنما أتيت و الله أعلم بحقيقة الحال من قبل ما حصل في حفظي من الأشعار العلمية و القوانين التألفية فإني حفظت قصيدتي الشاطبي الكبرى و الصغرى في القراءات في الرسم و استظهرتهما و تدارست كتابي ابن الحاجب في الفقه و الأصول و جمل الخونجى في المنطق و بعض كتاب التسهيل و كثيرا من قوانين التعليم في المجالس فامتلأ محفوظي من ذلك و خدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد من القرآن و الحديث و كلام العرب تعاق القريحة عن بلوغها فنظر إلي ساعة معجبا ثم قال : لله أنت و هل يقول هذا إلا مثلك ؟ و يظهر لك من هذا الفصل و ما تقرر فيه سر آخر و هو إعطاء السبب في أن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة و أذواقها من كلام الجاهلية في منثورهم و منظومهم فإنا نجد شعر حسان بن ثابت و عمر بن أ بي ربيعة و الحطيئة و جرير و الفرزدق و نصيب و غيلان ذي الرمة و الأحوص و بشار ثم كلام السلف من العرب في الدولة الأموية و صدرا من الدولة العباسية في خطبهم و ترسيلهم و محاوراتهم للملوك أرفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة و عنترة و ابن كلثوم و زهير و علقمة بن عبدة و طرفة بن العبد و من كلام الجاهلية في منثورهم و محاوراتهم و الطبع السليم و الذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة و السبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن و الحديث اللذين عجز البشر في الإتيان بمثليهما لكونها ولجت في قلوبهم و نشأت على أساليبها نفوسهم فنهضت طباعهم و ارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة و لا نشأ عليها فكان كلامهم في نظمهم و نثرهم أحسن ديباجة و أصفى رونقا من أولئك و أرصف مبنى و أعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة و تأمل ذلك يشهد لك به ذوقك إن كنت من أهل الذوق و البصر بالبلاغة و لقد سألت يوما شيخنا الشريف أبا القاسم قاضي غرناطة لعهدنا و كان شيخ هذه الصناعة أخذ بسبتة عن جماعة من مشيختها من تلاميذ الشلوبين و استبحر في علم اللسان و جاء من وراء الغاية فيه فسألته يوما ما بال العرب الإسلاميين أعلى طبقة في البلاغة من الجاهليين ؟ و لم يكن ليستنكر ذلك بذوقه فسكت طويلا ثم قال لي : و الله ما أدري فقلت : أعرض عليك شيئا ظهر لي في ذلك و لعله السبب فيه و ذكرت له هذا الذي كتبت فسكت معجبا ثم قال لي : يا فقيه هذا كلام من حقه أن يكتب بالذهب و كان من بعدها يؤثر محلي و يصيخ في مجالس التعليم إلى قولي و يشهد لي بالنباهة في العلوم و الله خلق الإنسان و علمه البيان

(1/796)


الفصل الثامن و الخمسون : في بيان المطبوع من الكلام و المصنوع و كيف جودة المصنوع أو قصوره
إعلم أن الكلام الذي هو العبارة و الخطاب إنما سره و روحه في إفادة المعنى و أما إذا كان مهملا فهو كالموات الذي لا عبرة به و كمال الإفادة هو البلاغة على ما عرفت من حدها عند أهل البيان لأنهم يقولون هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال و معرفة الشروط و الأحكام التي بها تطابق التراكيب اللفظية مقتضى الحال هو فن البلاغة و تلك الشروط و الأحكام للتراكيب في المطابقة اسقريت من لغة العرب و صارت كالقوانين فالتراكيب بوضعها تفيد الاسناد بين المسندين بشروط و أحكام هي جل قوانين العربية و أحوال هذه التراكيب من تقديم و تأخير و تعريف و تنكير و إضمار و إظهار و تقييد و إطلاق و غيرها يفيد الأحكام المكتنفة من خارج بالإسناد و بالمتخاطبين حال التخاطب بشروط و أحكام هي قوانين لفن يسمونه علم المعاني من فنون البلاغة فتندج قوانين العربية لذلك في قوانين علم المعاني لأن إفادتها الإسناد جزء من إفادتها للأحوال المكتنفة بالإسناد و ما قصر من هذه التراكيب عن إفادة مقتضى الحال لخلل في قوانين الإعراب أو قوانين المعاني كان قاصرا عن المطابقة لمقتضى الحال و لحق بالمهمل الذي هو في عداد الموات
ثم يتبع هذه الإفادة لمقتضى الحال التفنن في انتقال التركيب بين المعاني بأصناف الدلالات لأن التركيب يدل بالوضع على معنى ثم ينقل الذهن إلى لازمه أو ملزومه أو شبهه فيكون فيها مجازا : إما باستعارة أو كناية كما هو مقرر في موضعه و يحصل للفكر بذلك الانتقال لذة كما تحصل في الإفادة و أشد لأن في جميعها ظفر بالمدلول من دليله و الظفر من أسباب اللذة كما علمت ثم لهذه الانتقالات أيضا شروط و أحكام كالقوانين صيروها صناعة و سموها بالبيان و هي شقيقة علم المعانى المفيد لمقتضى الحال لأنها راجعة إلى معاني التراكيب و مدلولاتها و قوانين علم المعاني راجعة إلى أحوال التراكيب أنفسها من حيث الدلالة و اللفظ و المعنى متلازمان متضايقان كما علمت فإذا علم المعاني و علم البيان هما جزء البلاغة و بهما كمال الإفادة فهو مقصر عن البلاغة و يلتحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات العجم و أجدر به أن لا يكون عربيا لأن العربي هو الذي يطابق بإفادته مقتضى الحال فالبلاغة على هذا هي أصل الكلام العربي و سجيته و روحه و طبيعته
ثم اعلم أنهم إذا قالوا : الكلام المطبوع فإنهم يعنون به الكلام الذي كملت طييعته و سجيته من إفادة مدلوله المقصود منه لأنه عبارة و خطاب ليس المقصود منه النطق فقط بل المتكلم يقصد به أن يفيد سامعه ما في ضميره إفادة تامة و يدل به عليه دلالة وثيقة ثم يتبع تراكيب الكلام في هذه السجية التي له بالأصالة ضروب من التحسين و التزيين بعد كمال الإفادة و كأنها تعطيها رونق الفصاحة من تنميق الأسجاع و الموازنة بين حمل الكلام و تقسيمه بالأقسام المختلفة الأحكام و التورية باللفظ المشترك عن الخفي من معانيه و المطابقة بين المتضادات ليقع التجانس بين الألفاظ و المعاني فيحصل للكلام رونق و لذة في الأسماع و حلاوة و جمال كلها زائدة على الإفادة
و هذه الصنعة موجودة في الكلام المعجز في مواضيع متعددة مثل : { والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى } و مثل : { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى } إلى آخر التقسيم في الآية و كذا : { فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا } إلى آخر الآية و كذا : { هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } و أمثاله كثير و ذلك بعد كمال الإفادة في أصبل هذه التراكيب قبل وقوع هذا البديع فيها و كذا وقع في كلام الجاهلية منه لكن عفوا من غير قصد ولا تعمد و يقال إنه وقع في شعر زهير
و أما الإسلاميون فوقع لهم عفوا و قصدا و أتوا منه بالعجائب و أول من أحكم طريقته حبيب بن أوس و البحتري و مسلم بن الوليد فقد كانوا مولعين بالصنعه و يأتون منها بالعجب و قيل أن أول من ذهب إلى معاناتها بشاز بن برد و ابن هرمة و كانا آخر من يستشهد بشعره في اللسان العربي ثم اتبعهما عمرو بن كلثوم و العتابي و منصور النميري و مسلم بن الوليد و أبو نواس و جاء على آثارهم حبيب و البحتري ثم ظهر ابن المعتز فختم على البدء و الصناعة أجمع و لنذكر مثالا من المطبوع الخالي من الصناعة مثل قول قيس بن ذريح :
( و أخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس في السر خاليا )
و قول كثير :
( و إني و تهيامي بعزة بعدما ... تخليت عما بيننا و تخليت )
( لكالمرتجي ظل الغمامة كلها ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت )
فتأمل هذا المطبوع الفقيد الصنعة ي أحكام تأليفه و ثقافة تركيبه فلو جاءت فيه الصنعة من بعد هذا الأصل زادته حسنا
و أما المصنوع فكثير من لدن بشار ثم حبيب و طبقتهما ثم ابن المعتز خاتم الصنعة الذي جرى المتأخرون بعدهم في ميدانهم و نسجوا على منوالهم و قد تعددت أصناف هذه الصنعة عند أهلها و اختلفت اصطلاحاتهم في ألقابها و كثير منهم يجعلها مندرجة في البلاغة على أنها غير داخلة في الإفادة و أنها هي تعطى التحسين و الرونق و أما المتقدمون من أهل البديع فهي عندهم خارجة عن البلاغة و لذلك يذكرونها في الفنون الأدبية التي لا موضوع لها و هو رأي ابن رشيق قي كتاب العمدة له و أدباء الأندلس و ذكروا في استعمال هذه الصنعة شروطا منها أن تقع من غير تكلف و لا اكتراث في ما يقصد منها و أما العفو فلا كلام فيه لأنها إذا برئت من التكلف سلم الكلام من عيب الاستهجان لأن تكلفها و معاناتها يصير إلى الغفلة عن التراكيب الأصلية للكلام فتخل بالإفادة من أصلها و تذهب بالبلاغة رأسا و لا يبقى في الكلام إلا تلك التحسينات و هذا هو الغالب اليوم على أهل العصر و أصحاب الأذواق في البلاغة يسخرون من كلفهم بهذه الفنون و يعدون ذلك من القصور عن سواه و سمعت شيخنا الأستاذ أبا البركات البلفيقي و كان من أهل البصر في اللسان و القريحة في ذوقه يقول إن من أشهى ما تقترحه على نفسي أن أشاهد في بعض الأيام من ينتحل فنون هذا البديع في نظمه أو نثره و قد عوقب بأشد العقوبة و نودي عليه يحذر بذلك تلميذه أن يتعاطوا هذه الصنعة فيكلفون بها و يتناسون البلاغة ثم من شروط استعمالها عندهم الإقلال منها و أن تكون في بيتين أو ثلاثة من القصيد فتكفي في زينة الشعر و رونقه و الإكثار منها عيب قاله ابن رشيق و غيره و كان شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي منفق اللسان العربي بالأندلس لوقته يقول : هذه الفنون البديعية إذا وقعت للشاعر أو للكاتب فيقبح أن يستكثر منها لأنها من محسنات الكلام و مزيناته فهي بمثابة الخيلان في الوجه يحسن بالواحد و الإثنين منها و يقبح بتعدادها و على نسبة الكلام المنظوم هو الكلام المنثور في الجاهلية و الإسلام كان أولا مرسلا معتبر الموازنة بين جمله و تراكيبه شاهدة موازنته بفواصله من غير التزام سجع و لا اكتراث بصنعة حتى نبغ إبراهيم بن هلال الصابي كاتب بني بويه فتعاطى الصنعة و التقفيه و أتى بذلك بالعجب و عاب الناس عليه كلفه بذلك في المخاطبات السلطانية و إنما حمله عليه ما كان في ملوكه من العجمة و البعد عن صولة الخلافة المنفقة لسوق البلاغة ثم انتشرت الصناعة بعده في منثور المتأخرين و نسي عهد الترسيل و تشابهت السلطانيات و الإخوانيات و العربيات بالسوقيات و اختلط المرعى بالهمل و هذا كله يدلك على أن الكلام المصنوع بالمعاناة و التكليف قاصر عن الكلام المطبوع لقلة الإكتراث فيه بأصل البلاغة و الحاكم في ذلك الذوق و الله خلقكم و علمكم ما لم تكونوا تعلمون

(1/799)


الفصل التاسع و الخمسون : في ترفع أهل المراتب عن انتحال الشعر
اعلم أن الشعر كان ديوانا للعرب فيه علومهم و أخبارهم و حكمهم و كان رؤساء العرب منافسين فيه و كانوا يقفون بسوق عكاظ لإنشاده و عرض كل واحد منهم ديباجته على فحول الشأن و أهل البصر لتمييز حوله حتى انتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام موضع حجهم و بيت أبيهم إبراهيم كما فعل امرؤ القيس ابن حجر و النابغة الذبياني و زهير بن أبى سلمى و عنترة بن شداد و طرفة بن العبد و علقمة بن عبدة و الأعشى و غيرهم من أصحاب المعلقات السبع فإنه إنما كان يتوصل إلى تعليق الشعر بها من كان له قدرة على ذلك بقومه و عصبته و مكانه في مضر على ما قيل في سبب تسميتها بالمعلقات ثم انصرف العرب عن ذلك أول الإسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبؤة و الوحي و ما أدهشهم من أسلوب القرآن و نظمه فأخرسوا عن ذلك و سكتوا عن الخوض في النظم و النثر زمانا ثم استقر ذلك و أونس الرشد من الملة و لم ينزل الوحي في تحريم الشعر و حظره و سمعه النبي صلى الله عليه و سلم و أثاب عليه فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه و كان لعمر بن أبي ربيعة كبير قريش لذلك العهد مقامات فيه عالية و طبقة مرتفعة و كان كثيرا ما يعرض شعره على ابن عباس فيقف لاستماعه معجبا به ثم جاء من بعد ذلك الملك الفحل و الدولة العزيزة و تقرب إليهم العرب بأشعارهم يمتدحونهم بها و يجيزهم الخلفاء بأعظم الجوائز على نسبة الجودة في أشعارهم و مكانهم من قومهم و يحرصون على استهداء أشعارهم يطلعون منها على الآثار و الأخبار و اللغة و شرف اللسان و العرب يطالبون ولدهم بحفظها و لم يزل هذا الشأن أيام بني أمية و صدرا من دولة بني العباس و انظر ما نقله صاحب العقد في مسامرة الرشيد للأصمعي في باب الشعر و الشعراء تجد ما كان عليه الرشيد من المعرفة بذلك و الرسوخ فيه و العناية بانتحاله و التبصر بجيد الكلام و رديئه و كثرة مخفوظه منه ثم جاء خلق من بعدهم لم يكن اللسان لسانهم من أجل العجمة و تقصيرها باللسان و إنما تعلموه صناعة ثم مدحوا بأشعارهم أمراء العجم الذين ليس اللسان لهم طالبين معروفهم فقط لا سوى ذلك من الأغراض كما فعله حبيب و البحتري و المتنبئ و ابن هانئ و من بعدهم و هلم جرا فصار غرض الشعر في الأغلب إنما هو الكذب و الاستجداء لذهاب المنافع التي كانت فيه للأولين كما ذكرناه آنفا و أنف منه لذلك أهل الهمم و المراتب من المتأخرين و تغير الحال و أصبح تعاطيه هجنة في الرئاسة و مذمة لأهل المناصب الكبيرة و الله مقلب الليل و النهار

(1/803)


الفصل الستون : في أشعار العرب و أهل الأمصار لهذا العهد
اعلم أن الشعر لا يختص باللسان العربي فقط بل هو موجود في كل لغة سواء كانت عربية أو عجمية و قد كان في الفرس شعراء و في يونان كذلك و ذكر منهم أرسطو في كتاب المنطق أوميروس الشاعر و أثنى عليه و كان في حمير أيضا شعراء متقدمون و لما فسد لسان مضر و لغتهم التي ذونت مقاييسها و قوانين إعرابها و فسدت اللغات من بعد بحسب ما خالطها و مازجها من العجمة فكانت تحيل العرب بأنفسهم لغة خالفت لغة سلفهم من مضر في الإعراب جملة و في كثير من الموضوعات اللغوية و بناء الكلمات و كذلك الحضر أهل الأمصار نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر في الإعراب و أكثر الأوضاع و التصاريف وخالفت أيضا لغة الجيل من العرب لهذا العهد و اختلفت هي في نفسها بحسب اصطلاحات أهل الآفاق فلأهل الشرق و أمصاره لغة غير لغة أهل المغرب و أمصاره وتخالفهما أيضا لغة أهل الأندلس و أمصاره ثم لما كان الشعر موجودا بالطبع في أهل كل لسان لأن الموازين على نسبة واحدة في أعداد المتحركات و السواكن و تقابلها موجودة في طباع البشر فلم يهجر الشعر بفقدان لغة واحدة و هي لغة مضر الذين كانوا فحولة و فرسان ميدانه حسبما اشتهر بين أهل الخليقة بل كل جيل وأهل كل لغة من العرب المستعجمين و الحضر أهل الأمصار يتعاطون منه ما يطاوعهم في انتحاله و رصف بنائه على مهيع كلامهم فأما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيعرضون الشعر لهذا العهد في سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون و يأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر و أغراضه من النسيب و المدح و الرثاء و الهجاء و يستطردون في الخروج من فن إلى فن في الكلام و ربما هجموا على المقصود لأول كلامهم و أكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشاعر ثم بعد ذلك ينسبون فأهل أمصار المغرب من العرب يسمون هذه القصائد بالأصمعيات نسبة إلى الأصمعي راوية العرب في أشعارهم و أهل المشرق من العرب يسمون هذا النوع من الشعر بالبدوي والحورانى و القيسي و ربما يلحنون فيه ألحانا بسيطة لا على طريقة الصناعة الموسيقية ثم يغنون به و يسمون الغناء به باسم الحوراني نسبة إلى حوران من أطراف العراق و الشام و هي من منازل العرب البادية و مساكنهم إلى هذا العهد و لهم فن آخر كثير التداول في نظمهم يجيئون به معصبا على أربعة أجزاء يخالف آخرها الثلاثة في رويه و يلتزمون القافية الرابعة في كل بيت إلى آخر القصيدة شبيها بالمربع و المخمس الذي أحدثه المتأخرون من المولدين و لهؤلاء العرب في هذا الشعر بلاغة فائقة و فيهم الفحول و المتأخرون و الكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العهد و خصوصا علم اللسان يستنكر صاحبها هذه الفنون التي لهم إذا سمعها و يمج نظمهم إذا أنشد و يعتقد أن ذوقه إنما نبا عنها لاستهجانها و فقدان الإعراب منها و هذا إنما أتى من فقدان الملكة في لغتهم فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعة و ذوقه ببلاغتها إن كان سليما من الآفات في فطرته و نظره و إلا فالإعراب لا مدخل له في البلاغة إنما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود و لمقتضى الحال من الوجود فيه سواء كان الرفع دالا على الفاعل و النصب دالا على المفعول أو بالعكس و إنما يدل على ذلك قرائن الكلام كما هو في لغتهم هذه فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة فإذا عرف اصطلاح في ملكة و اشتهر صحة الدلالة و إذا طابقت تلك الدلالة المقصود و مقتضى الحال صحت البلاغة و لا عبرة بقوانين النحاة في ذلك و أساليب الشعر و فنونه موجودة في أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب في أواخر الكلم فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر و يتميز عندهم الفاعل من المفعول و المبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب
فمن أشعارهم على لسان الشريف بن هاشم يبكي الجارية بنت سرحان و يذكر ظعنها مع قومها إلى المغرب :
( قال الشريف ابن هاشم علي ... ترى كبدي حرى شكت من زفيرها )
( يغز للإعلام أين ما رأت خاطري ... يرد غلام البدو يلوي عصيرا )
( و ماذا شكاة الروح مما طرا لها ... عداة وزائع تلف الله خبيرها )
( يحس إن قطاع عامر ضميرها ... طوى و هند جافي ذكيرها )
( و عادت كما خوارة في يد غاسل ... على مثل شوك الطلح عقدوا يسيرها )
( تجابذوها اثنين و النزع بينهم ... على شوك لعه و البقايا جريرها )
( و باتت دموع العين ذارفات لشانها ... شبيه دوار السواني يديرها )
( تدارك منها النجم حذرا و زادها ... مرون يجي متراكبا من صبيرها )
( يصب من القيعان من جانب الصفا ... عيون و لجاز البرق في غزيرها )
( هاذا الغنى حتى تسابيت غزوة ... ناضت من بغداد حتى فقيرها )
( و نادى المنادي بالرحيل و شدوا ... و عرج عاريها على مستعيرها )
( و شد لها الأدهم دياب بن غانم ... على أيدين ماضي وليد مقرب ميرها )
( و قال لهم حسن بن سرحان غزبوا ... و سوقوا النجوع إن كان أنا هو غفيرها )
( و يركض و بيده شهامه بالتسامح ... و باليمين لا يجدوا في مغيرها )
( غدرني زيان السيح من عابس ... و ما كان يرضى زين حمير و ميرها )
( غدرني و هو زعما صديقي و صاحبي ... و أناليه ما من درقتي ما يديرها )
( و رجع يقول لهم بلال بن هاشم ... بحرالبلادالعطشى ما بخيرها )
( حرام علي باب بغداد و أرضها ... داخل و لا عائد ركيره من نعيرها )
( تصدف روحي عن بلاد بن هاشم ... على الشمس أوحول الغظامن هجيرها )
( و باتت نيران العذارى قوادح ... يلوذ و بجرجان يشدوا أسيرها )
ومن قولهم في رثاء أمير زناتة أبي سعدى اليفرني مقارعهم بأفريقية و أرض الزاب و رثاؤهم له على جهة التهكم :
( تقول فتاة الحي سعدى و هاضها ... لها في ظعون الباكرين عويل )
( أيا سائلي عن قبر الزناتي خليفه ... خذ النعت مني لا تكون هبيل )
( تراه يعالي وادي ران و فوقه ... من الربط عيساوي بناه طويل )
( أراه يميل النور من شارع النقا ... به الواد شرقا و اليراع دليل )
( أيا لهف كبدي على الزناتي خليفه ... قد كان لأعقاب الجياد سليل )
( قتيل فتى الهيجا دياب بن غانم ... جراحه كافواه المزاد تسيل )
( أيا جائزا مات الزناتي خليفه ... لاترحل إلا أن يريذ رحيل )
( ألا واش رحلنا ثلاثين مرة ... و عشرا و ستا في النهار قليل )
و من قولهم على لسان الشريف بن هاشم يذكر عتابا وقع بينه و بين ماضي بن مقرب :
( تبدى ماضي الجبار و قال لي ... أشكر ما نحنا عليك رضاش )
( أشكر أعد ما بقي ود بيننا ... و رانا عريب عربا لابسين نماش )
( نحن غدينا نصدفو ما قضى لنا ... كما صادفت طعم الزباد طشاش )
( أشكر أعد إلى يزيد ملامه ... ليحدو و من عمر بلاده عاش )
( إن كان نبت الشوك يلقح بأرضكم ... هنا العرب ما زدنا لهن صياش )
و من قولهم في ذكر رحلتهم إلى الغرب و غلبهم زناتة عليه :
( و أي جميل ضاع لي في الشريف بن هاشم ... و أي رجال ضاع قبلي جميلها )
( لقد كنت أنا وياه في زهو بيتنا ... عناني بحجة ماغباني دليلها )
( وعدت كأني شارب من مدامة ... من الخمر فهو ما قدر من يميلها )
( أو مثل شمطامات مظنون كبدها ... غريبا و هي مدوخه عن قبيلها )
( أتاها زمان السوء حتى تدوحت ... و هي بين عربا غافلا عن نزيلها )
( كذلك أنا مما لحاني من الوجى ... شاكي بكبد باديتها زعيلها )
( و أمرت قومي بالرحيل و بكروا ... و قووا و شداد الحوايا حميلها )
( قعدنا سبعة أيام محبوس نجعنا ... و البدو ماترفع عمود يقيلها )
( نظل على حداب الثنايا نوازي ... يظل الجرى فوق النضا و نصيلها )
و من شعر يلطان بن مظفر بن يحيى من الزواودة أحد بطون رياح و أهل الرياسة فيهم يقولها و هو معتقل بالمهدية في سجن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص أول ملوك أفريقية من الموحدين :
( يقول و في بوح الدجا بعد وهنة ... حرام على أجفان عيني منامها )
( يا من لقلب حالف الوجد و الأسى ... و روح هيامي طال ما في سقامها )
( حجازية بدوية عربية ... عداوية و لها بعيد مرامها )
( مولعة بالبدو لا تألف القرى ... سوى عانك الوعسا يؤتي خيامها )
( غيات و مشتاها بها كل شتوة ... ممحونة بيها و بيها صحيح غرامها )
( و مرباها عشب الأراضي من الحيا ... يواتي من الخورالخلايا جسامها )
( تشوق شوق العين مما تداركت ... عليها من السحب السواري عمامها )
( و ماذا بكت بالما و ماذا تناحطت ... عيون غرار المزن عذبا حمامها )
( كأن عروس البكر لاحت ثيابها ... عليها و من نور الأقاحي خزامها )
( فلاة و دهنا و اتساع و منة ... و مرعى سوى ما في مراعي نعامها )
( و مشروبها من مخض ألبان شولها ... غنيم و من لحم الجوازي طعامها )
( تفانت عن الأبواب و الموقف الذي ... يشيب الفتى مما يقاسي زحامها )
( سقى الله ذا الوادي المشجر بالحيا ... و بلا و يحيى ما بلي من رمامها )
( فكافأتها بالود مني و ليتني ... ظفرت بأيام مضت في ركامها )
( ليالي أقواس الصبا في سواعدي ... إذا قمت لم تحظ من أيدي سهامها )
( و فرسي عديد تحت سرجي مشاقة ... زمان الصبا سرجا و بيدي لجامها )
( و كم من رداح أسهرتني و لم أرى ... من الخلق أبهى من نظام ابتسامها )
( و كم غيرها من كاعب مرجحنة ... مطرزة الأجفان باهي و شامها )
( و صفقت من وجدي عليها طريجة ... بكفي و لم ينسى جداها ذمامها )
( و نار بخطب الوجد توهج في الحشا ... و توهج لا يطفا من الماء ضرامها )
( أيا من وعدتي الوعد هذا إلى متى ... فني العمر في دار عماني ظلامها )
( و لكن رأيت الشمس تكسف ساعة ... و يغمى عليها ثم يبدا غيامها )
( بنود و رايات من السعد أقبلت ... إلينا بعون الله يهفو علامها )
( أرى في الفلا بالعين أظعان عزوتي ... و رمحى على كتفي و سيري أمامها )
( يجرعا عتاق النوق من فوق شامس ... أحب بلاد الله عندي حشامها )
( إلى منزل بالجعفرية للوى ... مقيم بها مالذ عندي مقامها )
( ونلقى سراة من هلال بن عامر ... يزيل الصدا و الغل عني سلامها )
( بهم تضرب الأمثال شرقا و مغربا ... إذا قاتلوا قوما سريع انهزامها )
( عليهم و من هو في حماهم تحية ... مدى الدهر ما غنى يفينا حمامها )
( فدع ذا و لا تأسف على سالف مضى ... فذي الدنيا ما دامت لاحد دوامها )
و من أشعار المتأخرين منهم قول خالد بن حمزة بن عمر شيخ الكعوب من أولاد أبي الليل يعاتب أقتالهم أولاد مهلهل و يجيب شاعرهم شبل بن مسكيانة بن مهلمهل عن أبيات فخر عليهم فيها بقومه :
( يقول و ذا قول المصاب الذي نشا ... قوارع قيعان يعانى صعابها )
( يريح بها حادي المصاب إذا سعى ... فنونا من انشاد القوافي عذابها )
( محيرة مختارة من نشادها ... تحدى بها تام الوشا ملتها بها )
( مغربلة عن ناقد في غضونها ... محكمة القيعان دابي و دابها )
( و هيض بتذكاري لها يا ذوي الندى ... قوارع من شبل و هذي جوابها )
( اشبل جنينا من حباك طرائفا ... فراح يريح الموجعين الغنا بها )
( فخرت و لم تقصر و لا أنت عادم ... سوى قلت في جمهورها ما أعابها )
( لقولك في أم المتين بن حمزة ... وحامي حماها عاديا في حرابها )
( أما تعلم أنه قامها بعد ما لقي ... رصاص بني يحيى و غلاق دابها )
( شهابا من أهل الأمر يا شبل خارق ... و هل ريت من جا للوغى و اصطلى بها )
( سواها طفاها أضرمت بعد طفيه ... و أثنى طفاها جاسرا لا يهابها )
( و اضرمت بعد الطفيتين ألن صحت ... لفاس إلى بيت المنى يقتدى بها )
( و بان لوالي الأمر في ذا انشحابها ... فصار و هي عن كبر الاسنة تهابها )
( كما كان هو يطلب على ذا تجنبت ... رجال بني كعب الذي يتقى بها )
منها في العتاب :
( وليدا تعاتبتوا أنا أغنى لأنني ... غنيت بمعلاق الثنا و اغتصابها )
( علي ونا ندفع بها كل مبضع ... بأسياف ننتاش العدا من رقابها )
( فإن كانت الأملاك بغت عرايس ... علينا بأطراف القنا اختضابها )
( و لا بعدها الارهاف و ذبل ... و زرق كالسنة الحناش انسلابها )
( بني عمنا ما نرتضي الذل غلمه ... تسير السبايا و المطايا ركابها )
( و هي عالما بأن المنايا تنيلها ... بلا شك و الدنيا سريع انقلابنها )
و منها في وصف الظعائن :
( قطعنا قطوع البيد لا نختشي العدا ... فتوق بحوبات مخوف جنابها )
( ترى العين فيها قل لشبل عرائف ... وكل مهاة محتظيها ربابها )
( ترى أهلها غب الصباح أن يفلها ... بكل حلوب الجوف ما سد بابها )
( لها كل يوم في الأرامي قتائل ... ورا الفاجر الممزوج عفو رضابها )
و من قولهم في الأمثال الحكمية
( و طلبك في الممنوع منك سفاهة ... و صدك عمن صد عنك صواب )
( إذا رأيت أناسا يغلقوا عنك بابهم ... ظهور المطايا يفتح الله باب )
و من قول شبل يذكر انتساب الكعوب إلى برجم :
( لشيب و شبان من أولاد برجم ... جميع البرايا تشتكي من ضهادها )
و من قول خالد يعاتب إخوانه في موالاة شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين المستبد بحجابة السلطان بتونس على سلطانها مكفولة أبي إسحاق ابن السلطان أبي يحيى و ذلك فيما قرب من عصرنا :
( يقول بلا جهل فتى الجود خالد ... مقالة قوال و قال صواب )
( مقالة حبر ذات ذهن و لم يكن ... هريجا و لا فيما يقول ذهاب )
( تهجست معنا نابها لا لحاجة ... و لا هرج ينقاد منه معاب )
( و كنت بها كبدي و هي نعم صابة ... حزينة فكر و الحزين يصاب )
( تفوهت بادي شرحها عن مآرب ... جرت من رجال في القبيل قراب )
( بني كعب أدنى الأقربين لدمنا ... بني عم منهم شايب و شباب )
( جرى عند فتح الوطن منا لبعضهم ... مصافاة ود و اتساع جناب )
( و بعضهم ملنا له عن خصيمه ... كما يعلموا قولي بقيه صواب )
( و بعضهمو مرهوب من بعض ملكنا ... جزاعا و في جو الضمير كتاب )
( و بعضهمو جانا جريحا تسمحت ... خواطر منها للنزيل و هاب )
( و بعضهمو نظار فينا بسوة ... نقهناه حتى ماعنا به ساب )
( رجع ينتهي مما سفهناقبيحه ... مرارا و في بعض المرار يهاب )
( و بعضهمو شاكي من أوغاد قادر ... غلق عنه في أحكام السقائف باب )
( فصمناه عنه و اقتضي منه مورد ... على كره مولى البالقي و دياب )
( و نحن على دافي المدى نطلب العلا ... لهم ما حططنا للفجور نقاب )
( و حزنا حمى وطن بترشيش بعدما ... نفقنا عليها سبقا و رقاب )
( و مهد من الأملاك ما كان خارجا ... على أحكام والي أمرها له ناب )
( بردع قروم من قروم قبيلنا ... بني كعب لاواها الغريم و طاب )
( جرينا بهم عن كل تاليف في العدا ... و قمنا لهم عن كل قيد مناب )
( إلى أن عاد من لا كان فيهم بهمة ... ربيها و خيراته عليه نصاب )
( و ركبوا السبايا المثمنات من أهلها ... و لبسوا من أنواع الحرير ثياب )
( و ساقوا المطايا يالشرا لا نسوا له ... جماهير ما يغلو بها بجلاب )
( و كسبوا من أصناف السعايا ذخائر ... ضخام لحزات الزمان تصاب )
( و عادوا نظير البرمكيين قبل ذا ... و إلا هلالا في زمان دياب )
( و كانوا لنا درعا لكل مهمة ... إلى أن بان من نار العدو شهاب )
( و خلوا الدار في جنح الظلام و لا اتقوا ... ملامه و لا دار الكرام عتاب )
( كسوا الحيى جلباب البهيم لستره ... وهم لو دروا لبسوا قبيح جباب )
( كذلك منهم حانس ما دار النبا ... ذهل حلمي إن كان عقله غاب )
( يظن ظنونا ليس نحن بأهلها ... تمنى يكن له في السماح شعاب )
( خطا هو و من واتاه في سو ظنه ... بالاثبات من ظن القبايح عاب )
( فوا عزوتي إن الفتى بو محمد ... وهوب لآلاف بغير حساب )
( و برحت الأوغاد منه و يحسبوا ... بروحه ما يحيى بروح سحاب )
( جروا يطلبوا تحت السحاب شرائع ... لقوا كل ما يستاملوه سراب )
( و هو لو عطى ما كان للرأي عارف ... و لا كان في قلة عطاه صواب )
( و إن نحن ما نستاملوا عنه راحة ... و إنه باسهام التلاف مصاب )
( و إن ما وطا ترشيش يضياق وسعها ... عليه و يمشي بالفزوع لزاب )
( و إنه منها عن قريب مفاصل ... خنوج عناز هوالها و قباب )
( و عن فاتنات الطرف بيض غوانج ... ربوا خلف أستار و خلف حجاب )
( يتيه إذا تاهوا و يصبوا إذا صبوا ... بحسن قوانين و صوت رباب )
( يضلوه عن عدم اليمين و ربما ... يطارح حتى ما كأنه شاب )
( بهم حازله زمه و طوع أوامر ... و لذة مأكول و طيب شراب )
( حرام على ابن تافركين ما مضى ... من الود إلا ما بدل بحراب )
( و إن كان له عقل رجيح و فطنة ... يلجج في اليم الغريق غراب )
( و أما البدا لا بدها من فياعل ... كبار إلى أن تبقى الرجال كباب )
( و يحمي بها سوق علينا سلاعه ... و يحمار موصوف القنا و جعاب )
( و يمسي غلام طالب ريح ملكنا ... ندوما و لا يمسي صحيح بناب )
( أيا واكلين الخبز تبغوا أدامه ... غلطتوا أدمتوا في السموم لباب )
و من شعر علي بن عمر بن إبراهيم من رؤساء بني عامر لهذا العهد أحد بطون زغبة يعاتب بني عمه المتطاولين إلى رياسته :
( محبرة كالدر في يد صانع ... إذا كان في سلك الحرير نظام )
( أباحها منها فيه أسباب ما مضى ... و شاء تبارك و الضعون تسام )
( غدا منه لام الحي حيين و انشطت ... عصاها و لا صبنا عليه حكام )
( و لكن ضميري يوم بان بهم إلينا ... تبرم على شوك القتاد برام )
( و إلا كأبراص التهامي قوادح ... و بين عواج الكانفات ضرام )
( و إلا لكان القلب في يد قابض ... أتاهم بمنشار القطيع غشام )
( لما قلت سما من شقا البين زارني ... إذا كان ينادي بالفراق و خام )
( ألا يا ربوع كان بالأمس عامر ... بيحيى و حله و القطين لمام )
( و غيد تداني للخطا في ملاعب ... دجى الليل فيهم ساهر و نيام )
( و نعم يشوف الناظرين التحامها ... لنا ما بدا من مهرق و كظام )
( و عرود باسمها ليدعو لسربها ... و لإطلاق من شرب المها و نعام )
( و اليوم ما فيها سوى البوم حولها ... ينوح على اطلال لها و خيام )
( وقفنا بها طورا طويلا نسالها ... بعين سخينا و الدموع سجام )
( و لا صح لي منها سوى وحش خاطري ... و سقمي من أسباب إن عرفت أوهام )
( و من بعد ذا تدى لمنصور بو علي ... سلام و من بعد السلام سلام )
( و قولوا له يا بو الوفا كلح رأيكم ... دخلتم بحور غامقات دهام )
( زواخر ما تنقاس بالعود إنما ... لها سيلات على الفضا و أكام )
( و لا قمستمو فيها قياسا يدلكم ... و ليس البحور الطاميات تعام )
( و عانوا على هلكاتهم في ورودها ... من الناس عدمان العقول لئام )
( أيا عزوة ركبوا الضلالة و لا لهم ... قرار و لا دنيا لهن دوام )
( ألا غناهمو لو ترى كيف زايهم ... مثل سراب فلاه ما لهن تمام )
( خلو القنا يبغون في مرقب العلا ... مواضع ماهيا لهم بمقام )
( و حق النبي و البيت و أركانه العلى ... و من زارها في كل دهر و عام )
( لبر الليالي فيه إن طالت الحيا ... يذوقون من خمط الكساع مدام )
( و لا بزها تبقى البوادي عواكف ... بكل رديني مطرب و حسام )
( و كل مسافة كالسد إياه عابر ... عليها من أولاد الكرام غلام )
( و كل كميت يكتعص عض نابه ... يظل يصارع في العنان لجام )
( و تحمل بنا الأرض العقيمة مدة ... و تولدنا من كل ضيق كظام )
( بالأبطال و القود الهجان و بالقنا ... لها وقت و جنات البدور زحام )
( أتجحدني و أنا عقيد نقودها ... وفي سن رمحي للحروب علام )
( و نحن كاضراس الموافي بنجعكم ... حتى يقاضوا من ديون غرام )
( متى كان يوم القحط يا مير أبو علي ... يلقى سعايا صايرين قدام )
( كذلك بو حمو إلى اليسر ابعته ... و خلى الجياد العاليات تسام )
( و خل رجالا لا يرى الضيم جارهم ... و لا يجمعوا بدهى العدو زفام )
( ألا يقيموها و عقد بؤسهم ... و هم عذر عنه دائما و دوام )
( و كم ثار طعنها على البدو سابق ... ما بين صحاصيح و ما بين حسام )
( فتى ثار قطار الصوى يومنا على ... لنا أرض ترك الظاعنين زمام )
( و كم ذا يجيبوا أثرها من غنيمة ... حليف الثنا قشاع كل غيام )
( و إن جاء خافوه الملوك و وسعوا ... غدا طبعه يجدى عليه قيام )
( عليكم سلام الله من لسن فاهم ... ما غنت الورقا و ناح حمام )
و من شعر عرب نمر بنواحي حوران لإمرأة قتل زوجها فبعثت إلى أحلافه من قيس تغريهم بطلب ثأره تقول :
( تقول فتاة الحي أم سلامه ... بعين أراع الله من لا رثى لها )
( تبيت بطول الليل ما تألف الكرى ... موجعة كان الشقا في مجالها )
( على ما جرى في دارها و بو عيالها ... بلحظة عين البين غير حالها )
( فقدنا شهاب الدين يا قيس كلكم ... و نمتوا عن أخذ الثار ماذا مقالها )
( أنا قلت إذا ورد الكتاب يسرني ... و يبرد من نيران قلبي ذبالها )
( أيا حين تسريح الذوائب و اللحى ... و بيض العذارى ما حميتو جمالها )

(1/805)


الموشحات و الأزجال للأندلس
و أما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم و تهذبت مناحيه و فنونه و بلغ التنميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنا منه سموه بالموشح ينظمونه أسماطا أسماطا و أغصانا أغصانا يكثرون من أعاريضا المختلفة و يسمون المتعدد منها بيتا واحدا و يلتزمون عند قوافي تلك الأغصان و أوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة و أكثر ما تنتهى عندهم إلى سبعة أبيات و يشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض و المذاهب و ينسبون فيها و يمدحون كما يفعل في القصائد و تجاروا في ذلك إلى الغاية و استظرفة الناس جملة الخاصة والكافة لسهولة تناوله و قرب طريقه و كان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافرالفريري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني و أخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد و لم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر و كسدت موشحاتهما فكان أول من برع في هذا الشأن عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية و قد ذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع أبا بكر بن زهير يقول : كل الوشاحين عيال على عبادة القزاز فيما أتفق له من قوله :
( بدر تم ... شمس ضحا غصن نقا مسك شم )
( ما أتم ... ما أوضحا ما أورقا ما أنم )
( لا جرم ... من لمحا قد عشقا قد حرم )
و زعموا أنة لم يسبقه وشاح من معاصريه الذين كانوا في زمن الطوائف و ذكر غير واحد من المشايخ أن أهل هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الوشاحين اجتمعوا في مجلس بأشبيلية و كان كل واحد منهم اصطنع موشحة و تأنق فيها فتقدم الأعمى الطليطلي للإنشاد فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله :
( ضاحك عن جمان ... سافرعن در ضاق عنه الزمان و حواه صدري )
صرف ابن بقي موشحته و تبعه الباقون و ذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع ابن زهر يقول : ما حسدت قط وشاحا على قول إلا ابن بقي حين وقع له :
( أما ترى أحمد ... في مجده العالي لا يلحق أطلعه الغرب فأرنا مثله يا مشرق )
و كان في عصرهما من الموشحين المطبوعين أبو بكر الأبيض و كان في عصرهما أيضا الحكيم أبو بكر بن باجة صاحب التلاحين المعروفة و من الحكايات المشهورة أنه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت صاحب سرقسطة فألقى على بعض قيناته موشحته التي أولها :
( جرر الذيل أيما جر ... وصل الشكر منك بالشكر )
فطرب الممدوح لذلك لما ختمها بقوله :
( عقد الله راية النصر ... لأمير العلا أبي بكر )
فلما طرق ذلك التلحين سمع ابن تيفلويت صاح : و اطرباه : و شق ثيابه و قال : ما أحسن ما بدأت و ختمت و حلف بالأيمان المغلظة لا يمشي ابن باجة إلى داره إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله و مشى عليه و ذكر أبو الخطاب بن زهر أنه جرى في مجلس أبي بكر ابن زهير ذكر أبي بكر الأبيض الوشاح المتقدم الذكر فغص منه نعض الحاضرين فقال كيف تغص ممن يقول :
( ما لذي شراب راح على رياض الأقاح ... لولا هضيم الوشاح إذا أسا في الصباح )
( أو في الأصيل أضحى يقول : ... ما للشمول لطمت خدي ؟ )
( و للشمال هبت فمال ... غصن اعتدال ضمه بردي )
( مما أباد القلوبا يمشي لنا مستريبا ... يا لحظة رد نوبا و يا لماه الشنيبا )
( برد غليل صب عليل ... لا يستحيل فيه عن عهدي )
( و لا يزال في كل حال ... يرجو الوصال و هو في الصد )
و اشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبى الفضل بن شرف قال الحسن بن دويدة : رأيت حاتم بن سعيد على هذا الافتتاح :
( شمس قاربت بدرا راح ... و نديم )
و ابن بهرودس الذي له :
( يا ليلة الوصل و السعود ... بالله عودي )
و ا بن مؤهل الذي له :
( ما العيد في حلة و طاق ... و شم و طيب و إنما العيد في التلاقي مع الحبيب )
و أبو إسحاق الرويني قال ابن سعيد : سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول : إنه دخل على ابن زهير و قد أسن و عليه زي البادية إذ كان يسكن بحصن سبتة فلم يعرفة فجلس حيث انتهى به المجلس و جرت المحاضرة فانشد لنفسه موشحة وقع فيها :
( كحل الدجى يجري من مقلة ... الفجر على الصباح )
( و معصم النهر في حلل ... خضر من البطاح )
فتحرك ابن زهير و قال أنت تقول هذا ؟ قال : اختبر ! قال : و من تكون فعرفة فقال ارتفع فوالله ما عرفتك قال ابن سعيد و سابق الحلبة الذي أدرك هؤلاء أبو بكر بن زهير و قد شرقت موشحاته و غربت قال : و سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول قيل لابن زهير لو قيل لك ما أبدع و أرفع ما وقع لك في التوشيح قال كنت أقول :
( ما للموله من سكره لا يفيق ... يا له سكران من غير خمر ما للكئيب المشوق يندب الأوطان )
( هل تستعاد ... أيامنا بالخليج و ليالينا )
( أو نستفاد ... من النسيم الأريج مسك دارينا )
( أو هل يكاد ... حسن المكان البهيج أن يحيينا ؟ )
( روض أظله ... دوح عليه أنيق مورق الأفنان و الماء يجري و عائم و غريق من جنى الريحان )
و اشتهر بعده ابن حيون الذي له من الزجل المشهور قوله :
( يفوق سهمه كل حين ... بما شئت من يد و عين )
و ينشد في القصيد :
( خلقت مليح علمت رامي ... فليس تخل ساع من قتال )
( و تعمل بذي العينين متاعي ... ما تعمل يدي بالنبال )
و اشتهر معهما يومئذ بغرناطة المهر بن الفرس قال ابن سعيد و لما سمع ابن زهر قوله :
( لله ما كان من يوم بهيج ... بنهر حمص على تلك المروج )
( ثم انعطفنا على فم الخليج ... نفض في حانه مسك الختام )
( عن عسجد زانه صافي المدام ... و رداء الأصيل ضمه كف الظلام )
قال ابن زهر : أين كنا نحن عن هذا الرداء و كان معه في بلده مطرف أخبر ابن سعيد عن والده أن مطرفا هذا دخل على ابن الفرس فقام له و أكرمه فقال : لا تفغل ! فقال ابن الفرس : كيف لا أقوم لمن يقول :
( قلوب تصاب بألحاظ تصيب ... فقل كيف تبقى بلا وجد )
و بعد هذا ابن خزمون بمرسية ذكر ابن الرائس أن يحيى الخزرجي دخل عليه في مجلسه فأنشده موشحة لنفسه فقال له ابن حزمون : لا يكون الموشح بموشح حتى يكون عاريا غن التكلف قال على مثل ماذا ؟ قال على مثل قولي :
( يا هاجري هل إلى الوصال ... منك سبيل )
( أو هل ترى عن هواك سالي ... قلب العليل )
و أبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة قال ابن سعيد كان والدي يعجب بقوله :
( إن سيل الصباح في الشرق ... عاد بحرا في أجمع الأفق )
( فتداعت نوادب الورق )
( أتراها خافت من الغرق ... فبكت سحرة على الورق )
و اشتهر بأشبيلية لذلك العهد أبو الحسن بن الفضل قال ابن سعيد عن والده سمعت سهل ابن مالك يقول : له يا ابن الفضل لك على الوشاحين الفضل بقولك :
( واحسرتا لزمان مضى ... عشية بأن الهوى و انقضى )
( و أفردت بالرغم لا بالرضى ... و بت على جمرات الغضى )
( أعانق بالفكر تلك الطلول ... و ألثم بالوهم تلك الرسوم )
قال و سمعت أبا بكر بن الصابوني ينشد الأستاذ أبا الحسن الدباج موشحاته غير ما مرة فما شنمعتة يقول له لله درك إلا في قوله :
( قسما بالهوى لذي حجر ... ما لليل المشوق من فجر )
( جمد الصبح ليس يطرد ما لليلي فيما أظن غد إصح ياليل إنك الأبد )
( أو قفصت قوادم النسر ... فنجوم السماء لا تسري )
و من محاسن موشحات ابن الصابوني قوله :
( ما حال صب ذي ضنى و اكتئاب ... أمرضة يا ويلتاه الطبيب )
( عامله محبوبه باجتناب ... ثم اقتدى فيه الكرى بالحبيب )
( جفا جفوني النوم لكنني ... لم أبكه ألا لفقد الخيال )
( و ذا الوصال اليوم قد غرني ... منه كما شاء و شاء الوصال )
( فلست باللائم من صدني ... بصورة الحق و لا بالمحال )
و اشتهر ببر أهل العدوة ابن خلف الجزائري صاحب الموشحة المشهورة :
( يد الاصباح قدحت زناد الأنوار في مجامز الزهر )
و ابن خرز البجائي و له من موشحة :
( ثغر الزمان موافق ... حباك منه بابتسام )
و من محاسن الموشحات للمتأخرين موشحة ابن سهل شاعر أشبيلية و سبتة من بعدها فمنها قوله :
( هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ... قلب صب حله عن مكنس )
( فهو في نار و خفق مثل ما ... لعبت ريح الصبا بالقبس )
و قد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب شاعر الأندلس و المغرب لعصره و قد مر ذكره فقال :
( جادك الغيث إذا الغيث همى ... يا زمان الوصل بالأندلس )
( لم يكن وصلك إلا حلما ... في الكرى أو خلسة المختلس )
( إذ يقود الدهر أشتات المنى ... ينقل الخطو على ما يرسم )
( زمرا بين فرادى و ثنا ... مثل ما يدعو الوفود الموسم )
( و الحيا قد جلل الروض سنى ... فثغور الزهر فيه تبسم )
( و روى النعمان عن ماء السما ... كيف يروي مالك عن أنس )
( فكساه الحسن ثوبا معلما ... يزذهي منه بأبهى ملبس )
( في ليال كتمت سر الهوى ... بالدجى لو لا شموس الغرر )
( مال نجم الكأس فيها و هوى ... مستقيم السير سعد الأثر )
( وطر ما فيه من غيب سوى ... أنه مر كلمح البصر )
( حين لذ النوم منا أو كما ... هجم الصبح هجوم الحرس )
( غارت الشهب بنا أو ربما ... أثرت فينا عيون النرجس )
( أي شيء لامرئ قد خلصا ... فيكون الروض قد مكن فيه )
( تنهب الأزهار فيه الفرصا ... أمنت من مكره ما تتقيه )
( فإذا الماء يناجي و الحصا ... و خلا كل خليل بأخيه )
( تبصر الورد غيورا برما ... يكتسي من غيظيه ما يكتسي )
( و ترى الآس لبيبا فهما ... يسرق الدمع بأذني فرس )
( يا أهيل الحي من وادي الغضا ... و بقلبي مسكن أنتم به )
( ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا ... لا أبالي شرقه من غربه )
( فأعيدوا عهد أنس قد مضى ... تنقذوا عانيكم من كربه )
( و اتقوا الله احيوا مغرما ... يتلاشى نفسا في نفس )
( حبس القلب عليكم كرما ... أفترضون خراب الحبس )
( و بقلبي منكم مقترب ... بأحاديث المنى و هو بعيد )
( قمر أطلع منه المغرب ... شقوة المغرى به و هو سعيد )
( قد تساوي محسن أو مذنب ... في هواه بين وعد و وعيد )
( ساحر المقلة معسول اللمى ... جال في النفس مجال النفس )
( سدد السهم فأصمى إذ رمى ... بفؤادي نبلة المفترس )
( إن يكن جار و خاب الأمل ... و فؤاد الصب بالشوق يذوب )
( فهو للنفس حبيب أول ... ليس في الحب لمحبوب ذنوب )
( أمره معتمل ممتثل ... في ضلوع قد براها و قلوب )
( حكم اللحظ بها فاحتكما ... لم يراقب في ضعاف الأنفس )
( ينصف المظلوم ممن ظلما ... و يجازي البر منها و المسي )
( ما لقلبي كلما هبت صبا ... عادة عيد من الشوق جديد ؟ )
( كان في اللوح له مكتتبا ... قوله إن عذابي لشديد )
( جلب الهم له و الوصبا ... فهو للأشجان في جهد جهيد )
( لاعج في أضلعي قد أضرما ... فهي نار في هشيم اليبس )
( لم يدع من مهجتي إلا الدما ... كبقاء ألصبح بعد الغلس )
( سلمي يا نفس في حكم القضا ... و اعتبري الوقت برجعى و متاب )
( و اتركي ذكرى زمان قد مضى ... بين عتبى قد تقضت و عتاب )
( و اصرفي القول إلى المولى الرضى ... ملهم التوفيق في أم الكتاب )
( الكريم المنتهى و المنتمى ... أسد السرج و بدر المجلس )
( ينزل النصر عليه مثلما ... ينزل الوحي يروح القدس )
و أما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات و من أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة ابن سناء الملك التي اشتهرت شرقا و غربا و أولها :
( حبيبي ارفع حجاب النور ... عن العذار )
( تنظر المسك على كافور ... في جلنار )
( كللي يا سحب تيجان الربى ... بالحلى و اجعلي )
( سوارها منعطف الجدول )
و لما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس و أخذ به الجمهور لسلاسته و تنميق كلامه و ترصيع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله و نظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيها إعرابا و استحدثوا فنا سموه يالزجل و التزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد فجاءوا فيه بالغرائب و اتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة
و أول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية أبو بكر بن قزمان و إن كانت قيلت قبله بالأندلس لكن لم يظهر حلاها و لا انسبكت معانيها و اشتهرت رشاقتها إلا في زمانه و كان لعهد الملثمين و هو إمام الزجالين على الإطلاق قال ابن سعيد : و رأيت أزجاله مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب قال : و سمعت أبا الحسن بن جحدر الأشبيلي إمام الزجالين في عصرنا يقول :
ما وقع لأحد من أئمة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة و قد خرج إلى منتزه مع بعض أصحابه فجلسوا تحت عريش و أمامهم تمثال أسد من رخام يصب الماء من فيه على صفائح من الحجر متدرجة فقال :
( و عريش قد قام على دكان ... بحال رواق )
( و أسد قد ابتلع ثعبان ... من غلظ ساق )
( و فتح فمه بحال إنسان ... بيه الفراق )
( و انطلق من ثم على الصفاح ... و ألقى الصياح )
و كان ابن قزمان مع أنه قرطبي الدار كثيرا ما يتردد إلى إشبيلية و نيتاب نهرها فاتفق أن اجتمع ذات يوم جماعة من أعلام هذا الشأن و قد ركبوا في النهر للنزهة و معهم غلام جميل الصورة من سروات أهل البلد و بيوتهم و كانوا مجتمعين في زورق للصيد فنظموا في وصف الحال و بدأ منهم عيسى البليدي فقال :
( يطمع بالخلاص قلبي و قد فاتو ... و قد ضمني عشقو لشهماتو )
( تراه قد حصل مسكين محلاتو ... يغلق و كذاك أمر عظيم صاباتو )
( توحش الجفون الكحل إن غابو ... وذيك الجفون الكحل أبلاتو )
ثم قال أبو عمرو بن الزاهر الأشبيلي :
( نشب و الهوى من لج فيه ينشب ... ترى ايش دعاه يشقى و يتعذب )
( مع العشق قام في بالوان يلعب ... و خلق كثير من ذا اللعب ماتوا )
ثم قال أبو الحسن المقري الداني :
( نهار مليح يعجبن أوصافو ... شراب و ملاح من حولي قد طافوا )
( و المقلين يقول من فوق صفصافو ... و البوري أخرى فقلاتو )
ثم قال أبو بكر بن مرتين :
( الحق تريد حديث بقالي عاد ... في الواد النزيه و البوري و الصياد )
( لسنا حيتان ذيك الذي يصطاد ... قلوب الورى هي في شبيكاتو )
ثم قال أبو بكر بن قزقان :
( إذا شمر كمامو يرميها ... ترى البوري يرشق لذاك الجيها )
( و ليس مرادو أن يقع فيها ... إلا أن يقبل بدياتو )
و كان في عصرهم يشرق الأندلس محلف الأسود و له محاسن من الزجل منها قوله :
( قد كنت منشوب و اختشيت النشب ... و ردني ذا العشق لأمر صعب )
( حتى تنظر الخد الشريق البهي ... تنتهي في الخمر إلما تنتهي )
( يا طالب الكيميا في عيني هي ... تنظر بها الفضة و ترجع ذهب )
و جاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغليس وقعت له العجائب في هذه الطريقة فمن قوله في زجله المشهور :
( و رذاذ دق ينزل ... و شعاع الشمس يضرب )
( فترى الواحد يفضض ... و ترى الآخر يذهب )
( و النبات يشرب و يسكر ... و الغصون ترقص و تطرب )
( و تريد تجي إلينا ... ثم تستحي و تهرب )
و من محاسن أزجاله قوله :
( لاح الضيا و النجوم حيارى ... فقم بنا ننزع الكسل )
( شربت ممزوج من قراعا ... أحلى هي عندي من العسل )
( يا من يلمني كما تقلد ... قلدك الله بما تقول )
( يقول بان الذنوب تولد ... و أنه يفسد العقول )
( لارض الحجاز موريكن لك أرشد ... ايش ما ساقك معي في ذا الفضول )
( مر أنت للحج و الزيارا ... و دعني في الشرب منهمل )
( من ليس لو قدره و لا استطاع ... النية أبلغ من العمل )
و ظهر بعد هؤلاء بأشبيلية ابن جحدر الذي فضل على الزجالين في فتح ميورقة بالزجل الذي أوله هذا :
( من عاند التوحيد بالسيف يمحق ... أنا بري ممن يعاند الحق )
قال ابن سعيد لقيتة و لقيت تلميذة المعمع صاحب الزجل المشهور الذي أوله :
( يا ليتني ان رأيت حبيبي ... أفتل اذنو بالرسيلا )
( ليش أخذ عنق الغزيل ... و سرق فم الحجيلا )
ثم جاء من بعدهم أبو الحسن سهل بن مالك إمام الأدب ثم من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد الله بن الخطيب إمام النظم و النثر في الملة الإسلامية غير مدافع فمن محاسنه في هذه الطريقة :
( امزج الأكواس و املالي تجدد ... ما خلق المال إلا أن يبدد )
و من قوله على طريقة الصوفية و ينحو منحى الششتري منهم :
( بين طلوع و بين نزول ... اختلطت الغزول )
( و مضى من لم يكن ... و بقي من لم يزول )
و من محاسنه أيضا قوله في ذلك المعنى :
( البعد عنك يا بني أعظم مصايبي ... و حين حصل لي قربك سببت قاربي )
و كان لعصر الوزير ابن الخطيب بالأندلس محمد بن عبد العظيم من أهل وادي آش و كان إماما في هذه الطريقة و له من زجل يعارض به مدغليس في قوله :
( لاح الضياء و النجوم حيارى ) بقوله :
( حل المجون يا أهل الشطارا ... مذ حلت الشمس في الحمل )
( تجددوا كل يوم خلاعا ... لا تجعلوا بينها ثمل )
( إليها يتخلعوا في شنبل ... على خضورة ذاك النبات )
( و حل بغداد و اجتياز النيل ... أحسن عندي من ذيك الجهات )
( و طاقتها أصلح من أربعين ميل ... ان مرت الريح عليه و جات )
( لم تلتق الغبار امارا ... و لا بمقدار ما يكتحل )
( و كيف ولاش فيه موضع رقاعا ... إلا و نسرح فيه النحل )
و هذه الطريقة الزجلية لهذا العهد هي فن العامة بالأندلس من الشعر و فيها نظمهم حتى أنهم لينظمون بها في سائر البحور الخمسة عشر لكن بلغتهم العامية و يسمونه الشعر الزجلي مثل قول شاعرهم :
( دهر لي نعشق جفونك و سنين ... و أنت لا شفقة و لا قلب يلين )
( حتى ترى قلبي من أجلك كيف رجع ... صنعة السكة بين الحدادين )
( الدموع ترشرش و النار تلتهب ... و المطارق من شمال و من يمين )
( خلق الله النصارى للغزو ... و أنت تغزو قلوب العاشقين )
و كان من المجيدين لهذه الطريقة لأول هذه المائة الأديب أبو عبد الله اللوشي و له فيها قصيدة يمدح فيها السلطان ابن الأحمر :
( طل الصباح قم يا نديمي نشربو ... و نضحكو من بعدما نطربو )
( سبيكة الفجر أحكت شفق ... في ميلق الليل فقم قلبو )
( ترى عيارها خالص أبيض نقي ... فضة هو لكن الشفق ذهبو )
( فتنتفق سكتوا عند البشر ... نور الجفون من نورها يكسبو )
( فهو النهار يا صاحبي للمعاش ... عيش الغني فيه بالله ما أطيبو )
( والليل أيضا للقبل و العناق ... على سرير الوصل يتقلبو )
( جاد الزمان من بعدما كان بخيل ... ولش ليفلت من يديه عقربو )
( كما جرع مرو فما قد مضى ... يشرب بيننو و ياكل طيبو )
( قال الرقيب يا أدبا إيش ذا ... في الشرب و العشق ترى ننجبو )
( و تعجبوا عذالي من ذا الخبر ... فقلت يا قوم من ذا تتعجبوا )
( نعشق مليح الا رقيق الطباع ... علاش تكفروا بالله أو تكتبوا )
( ليش يربح الحسن إلا شاعر أديب ... يفض بكرو و يدع ثيبو )
( أما الكاس فحرام نعم هو حرام ... على الذي ما يدري كيف يشربو )
( و يد الذي يحسن حسابه و لم ... يقدر يحسن الفاظ أن يجلبوا )
( و أهل العقل و الفكر و المجون ... يغفر ذنوبهم لهذا إن أذنبوا )
( ظبي بهي فيها يطفي الجمر ... و قلبي في جمر الغضى يلهبو )
( غزال بهي ينظر قلوب الأسود ... و بالوهم قبل النظر يذهبوا )
( ثم يحييهم إذا ابتسم يضحكوا ... و يفرحوا من بعدما يندبوا )
( فميم كالخاتم و ثغر نقي ... خطيب الأمة للقبل يخطبو )
( جوهر و مرجان أي عقد يا فلان ... قد صففه الناظم و لم يثقبو )
( و شارب أخضر يريد لاش يريد ... من شبهه بالمسك قد عيبو )
( يسبل دلال مثل جناح الغراب ... ليالي هجري منه يستغربوا )
( على بدن أبيض بلون الحليب ... ما قط راعي للغنم يحلبوا )
( و زوج هندات ما علمت قبلها ... ديك الصلايا ريت ما أصلبو )
( تحت العكاكن منها خصر رقيق ... من رقتو يخفي إذا تطلبوا )
( أرق هو من ديني فيما تقول ... جديد عتبك حق ما أكذبو )
( أي دين بقا لي معاك و أي عقل ... من يتبعك من ذا و ذا تسلبوا )
( تحمل ارداف ثقال كالرقيب ... جين ينظر العاشق و حين يرقبو )
( ان لم ينفس عدر أو ينقشع ... في طرف ديسا و البشر تطلبو )
( يصير إليك المكان حين تجي ... و حين تغيب ترجع في عيني تبو )
( محاسنك مثل خصال الأمير ... أو الرمل من هو الذي يحسبو )
( عماد الأمصار و فصيح العرب ... من فصاحة لفظه يتقربو )
( بحمل العلم انفرد و العمل ... و مع بديع الشعر ما أكتبو )
( ففي الصدور بالرمح ما أطعنه ... و في الرقاب بالسيف ما أضربو )
( من السماء يحسد في أربع صفات ... فمن يعد قلبي أو يحسبو )
( الشمس نورو و القمر همتو ... الغيث جودو و النجوم منصبو )
( يركب جواد الجود و يطلق عنان ... الاغنيا و الجند حين يركبوا )
( من خلعتو يلبس كل يوم بطيب ... منه بنات المعالي تطيبوا )
( نعمتو تظهر على كل من يجيه ... قاصد و وارد قط ما خيبوا )
( قد أظهر الحق و كان في حجاب ... لاش يقدر الباطل بعدما يحجبو )
( و قد بنى بالسر ركن التقى ... من بعد ما كان الزمان خربو )
( تخاف حين تلقاه كما ترتجيه ... فمع سماحة وجهو ما أسيبو )
( يلقى الحروب ضاحكا و هي عابسة ... غلاب هو لا شي في الدنيا يغلبو )
( إذا جبد سيفه ما بين الردود ... فليس شيء يغني من يضربو )
( و هو سمي المصطفى و الاله ... للسلطنة اختار و استنخبو )
( تراه خليفة أمير المؤمنين ... يقود جيوشو و يزين موكبو )
( لذي الإمارة تخضع الرؤوس ... نعم و في تقبيل يديه يرغبوا )
( ببيته بقى بدور الزمان ... يطلعوا في المجد و لا يغربوا )
( و في المعالي و الشرف يبعدوا ... و في التواضع و الحيا يقربوا )
( و الله يبقيهم ما دار الفلك ... و أشرقت شمسه و لاح كوكبو )
( و ما يغني ذا القصيد في عروض ... يا شمس خدر مالها مغربو )
ثم استحدث أهل الأمصار بالمغرب فنا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة موشح نظموا فيه بلغتهم الحضرية أيضا و سموه عروض البلد و كان أول من حدثه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير فنظم قطعة بطريقة الموشح و لم يخرج فيها عن مذاهب الإعراب إلا قليلا مطلعها :
( اني بشاطي النهر نوح الحمام ... على الغصن في البستان قريب الصباح )
( السحر يمحو مداد الظلام ... و ماء الندى يجري بثغر الاقاح )
( جرت الرياض و الطل فيها افتراق ... كثير الجواهر في نحور الجوار )
( مع النواعير ينهرق انهراق ... يحاكي ثعابين حلقت بالثمار )
( بالغصون خلخال على كل ساق ... و دار الجميع بالروض دور السوار )
( الندى تخرق جيوب الكمام ... و يحمل نسيم المسك عنها رياح )
( الصبا يطلى بمسك الغمام ... و جر النسيم ذيلو عليها و فاح )
( و يطير الحمام بين الورق في القضيب ... قد ابتلت ارياشو بقطر الندى )
( تنوح مثل ذاك المستهام الغريب ... قد التف من توبو الجديد في ردا )
( و لكن بما أحمر و ساقو خضيب ... ينظم سلوك جوهر و يتقلدا )
( جلس بين الأغصان جلسة المستهام ... جناحا توسد و التوى في جناح )
( و صار يشتكي ما في الفؤاد من غرام ... منها ضم منقاره لصدره و صاح )
( قلت يا حمام احرمت عيني الهجوع ... أراك ما تزال تبكي بدمع سفوح )
( قال لي بكيت حتى صفت لي الدموع ... بلا دمع نبقى طول حياتي ننوح )
( على فرخ طار لي لم يكن لو رجوع ... ألفت البكا و الحزن من عهد نوح )
( كذا هو الوفا و كذا هو الزمام ... انظر جفون صارت بحال الجراح )
( و أنتم من بكى منكم إذا تم عام ... يقول عناني ذا البكا و النواح )
( قلت يا حمام لو خضت بحر الضنى ... كنت تبكي و ترثي لي بدمع هتون )
( و لو كان بقلبك ما بقلبي أنا ... ما كان يصير تحتك فروع الغصون )
( اليوم نقاسي الهجر كم من سنا ... حتى لا سبيل جمله تراني العيون )
( و مما كسا جسمي النحول و السقام ... أخفاني نحولي عن عيون اللواح )
( لو جتنى المنايا كان يموت في المقام ... و من مات بعد يا قوم لقد استراح )
( قال لي لو رقدت لاوراق الرياض ... من خوفي عليه ودا النفوس للفؤاد )
( و تخضبت من دمعي و ذاك البياض ... طوق العهد في عنقي ليوم التناد )
( أما طرف منقاري حديثو استفاض ... بأطراف البلد و الجسم صار في الرماد )
فاستحسنه أهل فاس و ولعوا به و نظموا على طريقته و تركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم و كثر سماعه بينهم و استفحل فيه كثير منهم و نوعةه أصنافا إلى المزدوج و الكازي و الملعبة و الغزل و اختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها و ملاحظاتهم فيها فمن المزدوج ما قاله ابن شجاع من فصولهم و هو من أهل تازا :
( المال زينة الدنيا و عز النفوس ... يبهي وجوها ليس هي باهيا )
( فها كل من هو كثير الفلوس ... ولوه الكلام و الرتبة العاليا )
( يكبر من كثر مالو و لو كان صغير ... و يصغر عزيز القوم اذ يفتقر )
( من ذا ينطبق صدري و من ذا تغير ... و كاد ينفقع لولا الرجوع للقدر )
( حتى يلتجي من هو في قومو كبير ... لمن لا أصل عندو و لا لو خطر )
( لذا ينبغي يحزن على ذي العكوس ... و يصبغ عليه ثوب فراش صافيا )
( اللي صارت الاذناب أمام الرؤوس ... و صار يستفيد الواد من الساقيا )
( ضعف الناس على ذا و فسد ذا الزمان ... ما يدروا على من يكثروا ذا العتاب )
( اللي صار فلان يصبح بو فلان ... و لو رأيت كيف يرد الجواب )
( عشنا و السلام حتى رأينا عيان ... أنفاس السلاطين في جلود الكلاب )
( كبار النفوس جدا ضعاف الاسوس ... هم ناحيا و المجد في ناحيا )
( يرو أنهم و الناس يروهم تيوس ... و جوه البلد و العمدة الراسيا )
و من مذاهبهم قول ابن شجاع منهم في بعض مزدوجاته :
( تعب من تبع ذا الزمان ... اهمل يا فلان لا يلعب الحسن فيك )
( ما منهم مليح عاهد إلا و خان ... قليل من عليه تحبس و يحبس عليك )
( يهبوا على العشاق و يتمنعوا ... و يستعمدوا تقطيع قلوب الرجال )
( و ان واصلوا من حينهم يقطعوا ... و ان عاهدوا خانوا على كل حال )
( مليح كان هويتو وشت قلبي معو ... و صيرت من خدي لقدمو نعال )
( و مهدت لو من وسط قلبي مكان ... و قلت لقلبي اكرم لمن حل فيك )
( و هون عليك ما يعتريك من هوان ... فلا بد من هول الهوى يعتريك )
( حكمتوا علي و ارتضيت بو أمير ... فلو كان يرى حالي اذا يبصرو )
( يرجع مثل در حولي بوجه الغدير ... مرديه و يتعطس بحال انحرو )
( و تعلمت من ساعا بسبق الضمير ... و يفهم مرادو قبل أن يذكرو )
( و يحتل في مطلو لوان كان ... عصر في الربيع أو في الليالي يريك )
( و يمشي بسوق كان و لو باصبهان ... وايش ما يقل يحتاج لو يجيك )
حتى أتى على آخرها
و كان منهم علي بن المؤذن بتلمسان و كان لهذه العصور القريبة من فحولهم بزرهون من ضواحي مكناسة رجل يعرف بالكفيف أبدع في مذاهب هذا الفن و من أحسن ما علق له بمحفوظي قوله في رحلة السلطان أبي الحسن و بنى مرين إلى أفريقية يصف هزيمتهم بالقيروان و يعزيهم عنها و يؤنسهم بما وقع لغيرهم بعد أن عيبهم على غزاتهم إلى إفريقية في ملعبة من فنون هذه الطريقة يقول في مفتتحها و هو من أبدع مذاهب البلاغة في الأشعار بالمقصد في مطلع الكلام و افتتاحه و يسمى براعة الإستهلال :
( سبحان مالك خواطر الامرا ... و نواصيها في كل حين و زمان )
( ان طعناه أعظم لنا نصرا ... و ان عصيناه عاقب بكل هوان )
إلى أن يقول في السؤال عن جيوش المغرب بعد التخلص :
( كن مرعى قل و لا تكن راعي ... فالراعي عن رعيته مسؤول )
( و استفتح بالصلاة على الداعي ... للإسلام و الرضا السني المكمول )
( على الخلفاء الراشدين و الاتباع ... و اذكر بعدهم اذا تحب و قول )
( أحجاجا تخللوا الصحرا ... ودوا سرح البلاد مع السكان )
( عسكر فاس المنيرة الغرا ... وين سارت بوعزايم السلطان )
( أحجاج بالنبي الذي زرتم ... و قطعتم لو كلاكل البيدا )
( عن جيش الغرب حين يسألكم ... المتلوف في افريقيا السودا )
( و من كان بالعطايا يزودكم ... و يدع برية الحجاز رغدا )
( قام قل للسد صادف الجزرا ... و يعجز شوط بعدما يخفان )
( و يزف كر دوم تهب في الغبرا ... أي ما زاد غزالهم سبحان )
( لو كان ما بين تونس الغربا ... و بلاد الغرب سد السكندر )
( مبنى من شرقها إلى غربا ... طبقا بحديد أو ثانيا بصفر )
( لا بد الطير أن تجيب نبا ... أو يأتي الريح عنهم بفرد خبر )
( ما أعوصها من أمور و ما شرا ... لو تقرا كل يوم على الديوان )
( لجرت بالدم و انصدع حجرا ... و هوت الخراب و خافت الغزلان )
( أدرلي بعقلك الفحاص ... و تفكر لي بخاطرك جمعا )
( ان كان تعلم حمام و لا رقاص ... عن السلطان شهر و قبله سبعا )
( تظهر عند المهيمن القصاص ... و علامات تنشر على الصمعا )
( الا قوم عاريين فلا سترا ... مجهولين لا مكان و لا امكان )
( ما يدروا كيف يصوروا كسرا ... و كيف دخلوا مدينة القيروان )
( امولاي أبو الحسن خطينا الباب ... قضية سيرنا إلى تونس )
( فقنا كنا على الجريد و الزاب ... واش لك في اعراب افريقيا القوبس )
( ما بلغك من عمر فتى الخطاب ... الفاروق فاتح القرى المولس )
( ملك الشام و الحجاز و تاج كسرى ... و فتح من افريقيا و كان )
( رد ولدت لو كره ذكرى ... و نقل فيها تفرق الاخوان )
( هذا الفاروق مردي الاعوان ... صرح في افريقيا بذا التصريح )
( و بقت حمى إلى زمن عثمان ... و فتحها ابن الزبير عن تصحيح )
( لمن دخلت غنائمها الديوان ... مات عثمان و انقلب علينا الريح )
( و افترق الناس على ثلاثة أمرا ... و بقي ما هو للسكوت عنوان )
( اذا كان ذا في مدة البرارا ... اش نعمل في أواخر الازمان )
( و أصحاب الحضر في مكناساتا ... و في تاريخ كأنا و كيوانا )
( تذكر في صحتها أبياتا ... شق و سطيح و ابن مرانا )
( ان مرين إذا تكف براياتا ... لجدا و تونس قد سقط بنيانا )
( قد ذكرنا ما قال سيد الوزرا ... عيسى بن الحسن الرفيع الشان )
( قال لي رأيت و أنا بذا أدري ... لكن إذا جاء القدر عميت الأعيان )
( و يقول لك ما دهى المرينيا ... من حضرة فاس إلى عرب دياب )
( أراد المولى بموت ابن يحيى ... سلطان تونس و صاحب الأبواب )
ثم أخذ في ترحيل السلطان و جيوشه إلى آخر رحلته و منتهى أمره مع أعراب إفريقية و أتى فيها بكل غريبة من الإيداع و أما أهل تونس فاستحدثوا فن الملعبة أيضا على لغتهم الحضرية إلا أن أكثره رديء و لم يعلق بمحفوظي منة شيء لرداءته
الموشحات و الأزجال في المشرق
و كان لعامة بغداد أيضا فن من الشعر يسمونه المواليا و تحته فنون كثيرة يسمون منها القوما و كان و كان و منه مفرد و منه في بيتين و يسمونه دوبيت على الإختلافات المعتبرة عندهم في كل واحد منها و غالبها مزدوجة من أربعة أغصان و تبعهم في ذلك أهل مصر القاهرة و أتوا فيها بالغرائب و تبحروا فيها في أساليب البلاغة بمقتضى لغتهم الحضرية فجاؤوا بالعجائب و رأيت في ديوان الصفي الحلي من كلامه أن المواليا من بحر البسيط و هو ذو أربعة أغصان و أربع قواف و يسمى صوتا و بيتين و أنه من مخترعات أهل واسط و أن كان و كان فهو قافية واحدة و أوزان مختلفة في أشطاره : الشطر الأول من البيت أطول من الشطر الثاني و لا تكون قافيته إلا مردفة بحرف العلة و أنه من مخترعات البغداديين و أنشد فيه لنا :
بغمز الحواجب حديث تفسير و منو أوبو و أم الأخرس تعرف بلغة الخرسان انتهى كلام الصفي و من أعجب ما علق بحفظى منه قول شاعرهم :
( هذي جراحي طريا ... و الدما تنضح )
( و قاتلي يا أخيا ... في الفلا يمرح )
( قالوا و ناخذ بثارك ... قلت ذا أقبح )
( إلى جرحتي يداويني ... يكون أصلح )
و لغيره :
( طرقت باب الخبا قالت من الطارق ... فقلت مفتون لا ناهب ولا سارق )
( تبسمت لاح لي من ثغرها بارق ... رجعت حيران من بحر أدمعي غارق )
و لغيره :
( عهدي بها و هي لا تأمن علي البين ... و ان شكوت الهوى قالت فديتك العين )
( لمن يعاين لها غيري غلام الزين ... ذكرتها العهد قالت لك على دين )
و لغيره في وصف الحشيش :
( دي خمر صرف التي عهدي بها باقي ... تغني عن الخمر و الخمار و الساقي )
( قحبا و من قحبها تعمل على احراقي ... خبيتها في الحشى طلت من احداقي )
و لغيره :
( يا من و صالو لأطفال المحبة بح ... كم توجع القلب بالهجران أوه أح )
( أودعت قلبي حوحو و التصبر بح ... كل الورى كخ في عيني و شخصك دح )
و لغيره :
( ناديتها و مسيبي قد طواني طي ... جودي علي بقبلة في الهوى يا مي )
( قالت و قد كوت داخل فؤادي كي ... ما ظن ذا القطن يغشى فم من هو حي )
و لغيره :
( راني ابتسم سبقت سحب أدمعي برقه ... ماط اللثام تبدي بدر في شرقه )
( اسبل دجى الشعرتاه القلب في طرقه ... رجع هدانا بخيط الصبح من فرقه )
و لغيره :
( يا حادي العيس ازجر بالمطايا زجر ... وقف على منزل أحبابي قبيل الفجر )
( و صيح في حيهم يا من يريد الأجر ... ينهض يصلي على ميت قتيل الهجر )
و لغيره :
( عيني التي كنت ارعاكم بها باتت ... ترعى النجوم و بالتسهيد اقتاتت )
( و أسهم البين صابتني و لا فاتت ... و سلوتي عظم الله أجركم ماتت )
و لغيره :
( هويت في قنطرتكم يا ملاح الحكر ... غزال يبلى الأسود الضاريا بالفكر )
( غصن اذا ما انثنى يسبي البنات البكر ... وان تهلل فما للبدر عندو ذكر )
و من الذي يسمونه دوبيت :
( قد اقسم من أحبه بالباري ... أن يبعث طيفه مع الاسحار )
( يا نار أشواقي به فاتقدي ... ليلا فعساه يهتدي بالنار )
و اعلم أن الأذواق كلها في معرفة البلاغة إنما تحصل لمن خالط تلك اللغة و كثر استعماله لها و مخاطبته بين أجيالها حتى يحصل ملكتها كما قلناه في اللغة العربية فلا يشعر الأندلس بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب و لا المغربي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس و المشرق و لا المشرقي بالبلاغة التي في شعر الأندلس و المغرب لأن اللسان الحضري و تراكيبه مختلفة فيهم و كل واحد منهم مدرك لبلاغة لغته و ذائق لمحاسن الشعر من أهل جلدته و في خلق السماوات والأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم آيات للعالمين و قد كدنا نخرج عن الغرض
و جاء مصليا خلفه منهم ابن رافع رأس شعراء المأمون ابن ذي النون صاحب طليطلة قالوا و قد أحسن في ابتدائه في موشحته التي طارت له حيث يقول :
( العود قد ترنم بأبدع تلحين ... و سقت المذانب رياض البساتين )
و في انتهائه حيث يقول :
( تخطر و لا تسلم عساك المأمون ... مروع الكتائب يحيى بن ذي النون )
ثم جاءت الحلبة التي كانت في دولة الملثمين فظهرت لهم البدائع و سابق فرسان حلبتهم الأعمى الطليطلي ثم يحيى بن بقي و للطليطلي من الموشوحات المهذبة قوله :
( كيف السبيل إلى ... صبري و في العالم أشجان )
( و الركب وسط الفلا ... بالخرد النواعم قد بان )

(1/817)


خاتمة
و لذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب الأول الذي هو طبيعة العمران و ما يعرض فيه و قد استوفينا من مسائله ما حسيناه كفاية له و لعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح و علم مبين يغوف من مسائله على أكثر مما كتبنا فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله و إنما عليه تعيين موضع العلم و تنويع فصوله و ما يتكلم فيه و المتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكمل و الله يعلم و أنتم لا تعلمون
قال مؤلف الكتاب عفى الله عنه : أتممت هذا الجزء الأول المشتمل على المقدمة بالوضع و التأليف قبل التنقيح و التهذيب في مدة خمسة أشهر آخرها منتصف عام تسعة و سبعين و سبعمائة ثم نقحته بعد ذلك و هذبته و الحقت به تواريخ الأمم كما ذكرت في أوله و شرطته و ما العلم إلا من عند الله العزيز الحكيم

(1/840)


الكتاب الثاني و يشتمل : أخبار العرب و أجيالهم و دولهم منذ مبدأ الخليقة إلى هذا العهد
و فيه ذكر معاصيرهم من الأمم المشاهير مثل السريانيين و النبط و الكلدانيين و الفرس و القبط و بني إسرائيل و بني يونان و الروم و الإلمام بأخبار دولهم و يتقدم الكلام في ذلك مقدمتان :
إحداهما في أمم العالم و أنسابهم على الجملة
الثانية في كيفية أوضاع الانساب في هذا الكتاب

(2/3)


المقدمة الأولى في أمم العالم و اختلاف أجيالهم و الكلام على الجملة في أنسابهم
اعلم أن الله سبحانه و تعالى اعتمر هذا العالم بخلقه و كرم بني آدم باستخلافهم في أرضه و بثهم في نواحيها لتمام حكمته و خالف بين أممهم و أجيالهم إظهارا لآياته فيتعارفون بالأنساب و يختلفون باللغات و الألوان و يتمايزون بالسير و المذاهب و الأخلاق و يفترقون بالنحل و الأديان و الأقاليم و الجهات فمنهم العرب و الفرس و الروم و بنو إسرائيل و البربر و منهم الصقالبة و الحبش و الزنج و منهم أهل الهند و أهل بابل و أهل الصين و أهل اليمن و أهل مصر و أهل المغرب و منهم المسلمون و النصارى و اليهود و الصائبة و المجوس و منهم أهل الوبر و هم أصحاب الخيام و الحلل و أهل المدر و هم أصحاب المجاشر و القرى و الأطم و منهم البدو الظواهر و الحضر الأهلون و منهم العرب أهل البيان و الفصاحة و العجم و أهل الرطانة بالعبرانية و الفارسية و الإغريقية و اللطينية و البربرية خالف أجناسهم و أحوالهم و ألسنتهم و ألوانهم ليتم أمر الله في اعتمار أرضه بما يتوزعونه من وظائف الرزق و حاجات المعاش بحسب خصوصياتهم و نحلهم فتظهر آثار القدرة و عجائب الصنعة و آيات الوحدانية إن في ذلك لآيات للعالمين
و اعلم أن الامتياز بالنسب أضعف المميزات لهذه الأجيال و الأمم لخفائه و اندارسه بدروس الزمان و ذهابه و لهذا كان الاختلاف كثيرا ما يقع في نسب الجيل الواحد أو الأمة الواحدة إذا اتصلت مع الأيام و تشعبت بطونها على الأحقاب كما وقع في نسب كثير من أهل العالم مثل اليونانيين و الفرس و البربر و قحطات من العرب فإذا اختلفت الأنساب و اختلفت فيها المذاهب و تباينت الدعاوى استظهر كل ناسب على صحة ما ادعاه بشواهد الأحوال و المتعارف من المقارنات في الزمان و المكان وما يرجع إلى ذلك من خصائص القبائل و سمات الشعوب و الفرق التي تكون فيهم منتقلة متعاقبة في بينهم
و سئل مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع نسبة إلى آدم فكره ذلك و قال من أين يعلم ذلك ؟ فقيل له فإلى إسمعيل فأنكر ذلك و قال من يخبره به ؟ و على هذا درج كثير من علماء السلف و كره أيضا أن يرفع في أنساب الأنبياء مثل أن يقال إبراهيم بن فلان بن فلان و قال من يخبره به و كان بعضهم إذا تلا قوله تعالى : { و الذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله } قال : كذبت النسابون و احتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه و سلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال من ههنا كذب النسابون و احتجوا أيضا بما ثبت فيه أنه علم لا ينفع و جهالة لا تضر إلى غير ذلك من الاستدلالات
و ذهب كثير من أئمة المحدثين و الفقهاء مثل ابن إسحق و الطبري و البخاري إلى جواز الرفع في الأنساب و لم يكرهوه محتجين بعمل السلف فقد كان أبو بكر رضي الله عنه أنسب قريش لقريش و مضر بل لسائر و العرب و كذا ابن عباس و جبير بن مطعم و عقيل بن أبي طالب و كان من بعدهم ابن شهاب و الزهري و ابن سيرين و كثير من التابعين قالوا و تدعو الحاجة إليه في كثير من المسائل الشرعية مثل تعصيب الوراثة و ولاية النكاح و العاقلة في الديانات و العلم بنسب النبي صلى الله عليه و سلم و أنه القرشي الهاشمي الذي كان بمكة و هاجر إلى المدينة فان هذا من فروض الإيمان و لا يعذر الجاهل به و كذا الخلافة عند من يشترط النسب فيها و كذا من يفرق في الحرية و الاسترقاق بين العرب و العجم فهذا كله يدعو إلى معرفة الأنساب و يؤكد فضل هذا العلم و شرفه فلا ينبغي أن يكون ممنوعا
و أما [ حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه و سلم لما بلغ نسبه إلى عدنان قال من ههنا كذب النسابون ] يعني من عدنان فقد أنكر السهيلي روايته من طريق ابن عباس مرفوعا و قال الأصح أنه موقوف على ابن مسعود و خرج السهيلي [ عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن البري بن أعراق الثري ] قال و فسرت أم سلمة زيدا بأنه الهميسع و البري بأنه نبت أو نابت و أعراق الثري بأنه اسمعيل و اسمعيل هو ابن ابراهيم و ابراهيم لم تأكله النار كما لا تأكل الثرى ورد السهيلي تفسير أم سلمة و هو الصحيح و قال إنما معناه معنى قوله صلى الله عليه و سلم [ كلكم بنو آدم و آدم من تراب ] لا يريد أن الهميسع و من دونه ابن لاسمعيل لصلبه و عضد ذلك باتفاق الأخبار على بعد المدة بين عدنان و اسمعيل التي تستحيل في العادة أن يكون فيما بينهما أربعة آباء أو سبعة أو عشرة أو عشرون لأن المدة أطول من هذا كله كما نذكره في نسب عدنان فلم يبق في الحديث متمسك لأحد من الفريقين و أما ما رووه من أن النسب علم لا ينفع و جهالة لا تضر فقد ضعف الأئمة رفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم مثل الجرجاني و أبي محمد بن حزم و أبي عمر بن عبد البر
و ألحق في الباب أن كل واحد من المذهبيين ليس على إطلاقه فإن الأنساب القريبة التي يمكن التوصل إلى معرفتها لا يضر الاشتغال بها لدعوى الحاجة إليها في الأمور الشرعية من التعصيب و الولاية و العاقلة و فرض الإيمان بمعرفة النبي صلى الله عليه و سلم و نسب الخلافة و التفرقة بين العرب و العجم في الحرية و الاسترقاق عند من يشترط ذلك كما مر كله و في الأمور العادية أيضا تثبت به اللحمة الطبيعة التي يكون بهذا المدافعة و المطالبة و منفعة ذلك في إقامة الملك و الدين ظاهرة و قد كان صلى الله عليه و سلم و أصحابه ينسبون إلى مضر و يتساءلون عن ذلك و روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ تعلموا من أنسابكن ما تصلون به أرحامكم ] و هذا كله ظاهر في النسب القريب و أما الأنساب البعيدة العسرة المدرك التي لا يوقف عليها إلا بالشواهد و المقارنات لبعد الزمان و طول الأحقاب أو لا يوقف عليها رأسا لدروس الأجيال فهذا قد ينبغي أن يكون له وجه في الكراهة كما ذهب إليه من ذهب من أهل العلم مثل مالك و غيره لأنه شغل الإنسان بما لا يعنيه و هذا وجه قوله صلى الله عليه و سلم فيما بعد عدنان من ههنا كذب النسابون لأنها أحقاب متطاولة و معالم دراسة لا تثلج الصدور باليقين في شيء منها أن عملها لا ينفع و جهلها لا يضر كما نقل و الله الهادي إلى الصواب
و لنأخذ الآن في الكلام في أنساب العالم على الجملة و نترك تفصيل كل واحد منها إلى مكانه فنقول : إن النسابين كلهم اتفقوا على أن الأب الأول للخليفة هو آدم عليه السلام كما وقع في التنزيل إلا ما يذكره ضعفاء الإخباريين من أن الجن و الطم أمتان كانتا فيما زعموا من قبل آدم و هو ضعيف متروك و ليس لدينا من أخبار آدم و ذريته إلا ما وقع في المصحف الكريم و هو معروف بين الأئمة و اتفقوا على أن فيهم أنبياء مثل شيث و إدريس و ملوك في تلك الأجيال معدودون و طوائف مشهورون بالنحل مثل الكلدانيين و معناه الموحدون و مثل السريانيين و هم المشركون و زعموا أن أمم الصابئة منهم و أنهم من و لد صابئ بن لمك بن أخنوخ و كان نحلتهم في الكواكب و القيام لها كلها و استنزال روحانيتها و أن من حزبهم الكلدانيين أي الموحدين و قد ألف أبو إسحق الصابي الكاتب مقالة في أنسابهم و نحلتهم و ذكر أخبارهم أيضا داهر مؤرخ السريانيين و البابا الصابي الحراني و ذكروا استيلاءهم على العالم و جملا من نواميسهم و قد اندرسوا و انقطع أثرهم و قد يقال أن السريانيين من أهل تلك الأجيال و كذلك النمرود و الازدهاق و هو المسمى بالضحاك من ملوك الفرس و ليس ذلك بصحيح عند المحققين
و اتفقوا على أن الطوفان الذي كان في زمن و بدعوته ذهب بعمران الأرض أجمع بما كان من خراب المعمور و مهلك الذين ركبوا معه في السفينة و لم يعقبوا فصار أهل الأرض كلهم من نسله و عاد أبا ثانيا للخليفة و هو نوح بن لامك و يقال لمك بن متوشلخ بفتح اللام و سكونها ابن خنوخ و يقال أخنوخ و يقال أشنخ و يقال أخنخ و هو إدريس النبي فيما قاله ابن إسحاق ابن بيرد و يقال بيرد بن مهلائيل و يقال ماهلايل بن قاين و يقال قنين بن أنوش و يقال يانش بن شيث بن آدم و معنى شيث عطية الله هكذا نسبه ابن إسحق و غيره من الأئمة و كذا وقع في التوراة نسبه وليس فيه اختلاف بين الأئمة و نقل ابن إسحق أن خنوخ الواقع اسمه في هذا النسب هو إدريس النبي صلوات الله عليه و هو خلاف ما عليه الأكثر من النسابين فإن إدريس النبي صلوات الله عليه و هو خلاف ما عليه الأكثر من النسابين فإن إدريس عندهم ليس بجد لنوح و لا في عمود نسبه و قد زعم الحكماء الأقدمون أيضا أن إدريس هو هرمس المشهور بالإمامة في الحكمة عندهم و كذلك يقال : أن الصائبة من ولد صابئ بن لامك و هو أخو نوح عليه السلام و قيل أن صابئ متوشلخ جده
و اعلم أن الخلاف الذي في ضبط هذه الأسماء إنما عرض في مخارج الحروف فإن هذه الأسماء إنما أخذها العرب من أهل التوراة و مخارج الحروف في لغتهم غير مخارجها في لغة العرب فإذا وقع الحرف متواسطا بين حرفين من لغة العرب فترده العرب تارة إلى هذا و تارة إلى هذا و كذلك إشباع الحركات قد تحذفه العرب إذا نقلت كلام العجم فمن ههنا اختلف الضبط في هذه الأسماء
و اعلم أن الفرس و الهند لا يعرفون الطوفان و بعض الفرس يقولون كان ببابل فقط و اعلم أن آدم هوكيوميرث و هو نهاية نسبهم فيما يزعمون و أن أفريدون الملك في آبائهم هو نوح و أنه بعث لازدهاق و هو الضحاك فلبسه الملك و قبله كما يذكر بعد في أخبارهم و قد تترجح صحة هذا الأنساب من التوراة و كذلك قصص الأنبياء الأقدمين إذ أخذت عن مسلمي يهودا و من نسخ صحيحة من التوراة يغلب على الظن صحتها و قد وقعت العناية في التوراة بنسب موسى عليه السلام و اسرائيل و شعوب الأسباط و نسب ما بينهم و بين آدم صلوات الله عليه و النسب و القصص أمر لا يدخله النسخ فلم يبق الاتحري النسخ الصحيحة و النقل المعتبر و أما ما يقال من أن علمائهم بدلوا مواضع من التوراة بحسب أغراضهم في ديانتهم فقد قال ابن عباس على ما نقل عنه البخاري في صحيحه : أن ذلك بعيد و قال معاذ الله أن تعمد أمة الأمم إلى كتابها المنزل على نبيها فتبدله أو ما في معناه و قال و إنما بدلوه و حرفوه بالتأويل و يشهد لذلك قوله تعالى : { و عندهم التوراة فيها حكم الله } و لو بدلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراة التي فيها حكم الله و ما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف و التبديل فيها إليهم فإنما المعني به التأويل اللهم إلا أن يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة و عدم الضبط و تحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة لا سيما و ملكهم قد ذهب و جماعتهم انتشرت في الآفاق و استوى الضابط منهم وغير الضابط و العالم و الجاهل و لم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذهاب الملك فتطرق من أجل ذلك إلى صحف التوراة في الغالب تبديل و تحريف غير متعمد من علمائهم و أحبارهم و يمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذ تحرى القاصد لذلك بالبحث عنه
ثم اتفق النسابون و نقلت المفسرين على أن ولد نوح الذي تفرعت الأمم منهم ثلاثة : سام و حام ويافث و قد وقع ذكرهم في التوراة و أن يافث أكبرهم و حام الأصغر و سام الأوسط و خرج الطبري في الباب أحاديث مرفوعة بمثل ذلك و أن سام أبو العرب و يافث أبو الروم و حام أبو الحبش و الزنج و في بعضها السودان و في بعضها سام أبو العرب و فارس و الروم و يافث أبو الترك و الصقالبة و يأجوج و مأجوج و حام أبو القبط و السودان و البربر و مثله عن ابن المسيب و وهب بن منبه و هذه الأحاديث و إن صحت فإنما الأنساب فيها مجملة و لا بد من نقل ما ذكره المحققون في تفريغ أنساب الأمم من هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا و كذلك نقل الطبري أنه كان لنوح ولد اسمه كنعان و هو الذي هلك في الطوفان قال و تسمية العرب يام و آخر مات قبل الطوفان اسمه عابر و قال هشام كان له ولد اسمه بوناطر فمن ولد العرب على اختلافهم و إبراهيم و بنوه صلوات الله عليهم باتفاق النسابين
و الخلاف بينهم إنما هو في تفاريع ذلك أو في نسب غير العرب إلى سام
فالذي نقله ابن إسحاق : أن سام بن نوح كان له من الولد خمسة و هم : أرفخشد و لاوذ و إرم و أشوذ و غليم و كذا وقع ذكر هذه الخمسة في التوراة و أن بني أشوذ هم أهل الموصل و بني غليم أهل خوزستان و منها الأهواز و لم يذكر في التوراة ولد لاوذ و قال ابن إسحق : و كان للاوذ أربعة من الولد : و هم طسم و عمليق و جرجان و فارس قال : و من العماليق أمة جاسم فمنهم بنو لف و بنو هزان و بنو مطر و بنو الأزرق و منهم بديل و راحل و ظفار و منهم الكنعانيون و برابرة الشام و فراعنة مصر و عن غير ابن إسحاق أن عبد بن ضخم و أميم من ولد لاوذ قال ابن إسحق : و كانت طسم و العماليق و أميم و جاسم يتكلمون بالعربية و فارس يجاورونهم إلى المشرق و يتكلمون بالفارسية
قال و ولد إرم : عوص و كاثر و عبيل و من ولد عوص عاد و منزلهم بالرمال و الأحقاف إلى حضرموت و من ولد كاثرثمود و جديس و منزل ثمود بالحجر بين الشام و الحجاز
و قال هشام بن الكلبي : عبيل بن عوص أخو عاد و قال ابن حزم عن قدماء النسابين : أن لاوذ هو ابن إرم بن سام أخو عاص و كاثر و قال : فعلى هذا يكون جديس و ثمود أخوين و طسم و عملاق أخوين أبناء عم لحام و كلهم بنو عم عاد قال : و يذكرون أن عبد بن ضخم بن إرم و أن أميم بن لاوذ بن إرم قال الطبري : و فهم الله لسان العربية عادا و ثمود و عبيل و طسم و جديس و أميم و عمليق و هم العرب العاربة و ربما يقال : إن من العرب العاربة يقطن أيضا و يسمون أيضا العرب البائدة و لم يبق على وجه الأرض منهم أحد قال : و كان يقال عاد إرم فلما هلكوا قيل ثمود إرم ثم هلكوا فقيل لسائر ولد إرم أرمان و هم النبط و قال هشام بن محمد الكلبي : إن النبط بنو نبيط بن ماش بن إرم و السريان بنو سريان بن نبط و ذكر أيضا أن فارس من ولد أشوذ بن سام و قال فيه فارس بن طبراش بن أشوذ وقيل أنهم من أميم بن لاوذ و قيل ابن غليم و في التوراة : ذكر ملك الأهواز و اسمه كردلا عمرو من بني غليم و الأهواز متصلة ببلاد فارس فلعل هذا القائل ظن أن أهل أهواز هم فارس و الصحيح أنهم من ولد يافث كما يذكر و قال أيضا إن البربر من ولد عمليق بن لاوذ و أنهم بنو تميلة من مأرب بن قاران بن عمر بن عمليق و الصحيح أنهم من كنعان بن حام كما يذكر و ذكر في التوراة ولد إرم أربعة عوص و كاثر و ماش و يقال مشح و الرابع حول و لم يقع عند بني إسرائيل في تفسير هذا شيء إلا أن الجرامقة من ولد كاثر و قد قيل إن الكرد و الديلم من العرب و هو قول مرغوب عنه و قال ابن سعيد كان لأشوذ أربعة من الولد إيران و نبيط و جرموق و باسل فمن إيران الفرس و الكرد و الخزر و من نبيط النبط و السريان و من جرموق الجرامقة و أهل الموصل و من باسل الديلم و أهل الجبل قال الطبري : و من ولد أرفخشد العبرانيون و بنو عابر بن شالخ بن أرفخشد و هكذا نسبه في التوراة و في غيره أن شالخ بن قينن بن أرفخشذ و إنما لم يذكر قينن في التوراة لأنه كان ساحرا و ادعى الألوهية
و عند بعضهم أن النمروذ من ولد أرفخشذ و هو ضعيف و في التوراة أن عابر ولد اثنين من الولد هما فالغ و يقطن و عند المحققين من النسابة أن يقطن هو قحطان عربته العرب هكذا و من فالغ إبراهيم عليه السلام و شعوبه و يأتي ذكرهم و من يقطن شعوب كثيرة ففي التوراة ذكر ثلاثة من الولد له و هم : المرذاذ و معربه و مضاض و هم جرهم و إرم و هم حضور و سالف و هم أهل السلفات و سبا وهم أهل اليمن من حمير و التبابعة و كهلان و هدرماوت و هم حضرموت هؤلاء خمسة و ثمانية أخرى ننقل أسماءهم و هي عبرانية و لم نقف على تفسير شيء منها و لا يعلم من أي البطون هم و هم : بباراح و أوزال و دفلا و عوثال و أفيمايل و أيوفير و حويلا ويوفاف و عند النسابين أن جرهم من ولد يقطن فلا أدري من أيهم و قال هشام بن الكلبي : إن الهند و السن من نوفير بن يقطن و الله أعلم
و أما يافث فمن ولده الترك و الصين و الصقالبة و يأجوج و مأجوج باتفاق من النسابين و في آخرين خلاف كما يذكر و كان له من الولد على ما وقع في التوراة سبعة و هم كومر و ياوان و ماذاي و ماغوغ و قطوبال و ماشخ و طيراش و عدهم ابن إسحق هكذا و حذف ماذاي و لم يذكر كومر و توغرما و أشبان و ريغاث هكذا في نص التوراة و وقع في الإسرائيليات أن توغرما هم الخزر و أن أشبان هم الصقالبة و أن ريغاث هم الإفرنج و يقال لهم برنسوس و الخزر هم التركمان و شعوب الترك كلهم من بني كومر و لم يذكروا من أي الثلاثة هم و الظاهر أنه ممن توغرما و نسبهم ابن سعيد إلى الترك ابن عامور بن سويل بن يافث و الظاهر أنه غلط و أن عامور هو كومر صحف عليه و هم أجناس كثيرة منهم الطغرغر و هم التتر و الخطا و كانوا بأرض طغماج و الخزلقية و الغز الذي كان منهم السلجوقية و الهياطلة الذي كان منهم الخلج و يقال للهياطلة الصغد أيضا و من أجناس الترك الغور و الخزر و القفجاق و يقال الخفشاخ و منهم يمك و العلان و يقال الأز و منهم الشركس و أزكش و من ماغوغ عند الإسرائيليين يأجوج و مأجوج و قال ابن إسحق : إنهم من كومر و من ماذاي الديلم و يسمون في اللسان العبراني ماهان و منهم أيضا همذان و جعلهم بعض الإسرائيليين من بني همذان بن يافث و عد همذان ثامنا للسبعة المذكورين من ولده
و أما ياوان فعند الإسرائليلين أنه كان له من الولد أربعة و هم : داود بن و اليشا و كيتم و ترشيش و إن كيتم من هؤلاء الأربعة هو أبو الروم و الباقي يونان و أن ترشيش أهل طرسوس
و أما قطوبال فهم أهل الصين من المشرق و الليمان من المغرب و يقال أن أهل أفريقية قبل البربر منهم و أن الإفرنج أيضا منهم و يقال أيضا أن أهل الأندلس قديما منهم و أما ماشخ فكان ولده عند الإسرائيليين بخراسان و قد انقضوا لهذا العهد فيما يظهر و عند بعض النسابين أن الأشبان منهم
و أما طيراش فهم الفرس عند الإسرائليين و ربما قال غيرهم إنهم من كومر و أن الخزر و الترك من طيرش و أن الصقالبة و برجان و الأشبان من ياوان و أن يأجوج و مأجوج من كومر و هي كلها مزاعم بعيدة عن الصواب و قال اهروشيوش مؤرخ الروم أن القوط و اللطين من ماغوغ و هذا آخر الكلام في أنساب يافث
و أما حام فمن ولده : السودان و الهند و القبط و كنعان باتفاق و في آخرين خلاف نذكره و كان له على ما وقع في التوارة أربعة من الولد و هم مصر و يقول بعضهم مصرايم و كنعان و كوش و قوط فمن ولد مصر عن الاسرائيليين فتروسيم و كسلوحيم و وقع في التوراة فلشنين منهما معا و لم يتعين من أحدهما و بنو فلشين الذين كان منهم جالوت و من ولد مصر عندهم كفتورع و يقولون هم أهل دمياط و وقع الانقلوس ابن أخت قيطش الذي خرب القدس في الجلوة الكبرى على اليهود قال إن كفتورع هو قبطقاي و يظهر من هذه الصيغة أنهم القبط لما بين الاسمين من الشبه و من ولد مصر عناميم و كان لهم نواحي إسكندرية و هم أيضا بفتوحيم و لوديم و لهابيم و لم يقع إلينا تفسير هذه الأسماء و أما كنعان بن حام فذكر من ولده في التوراة أحد عشر منهم صيدون و لهم ناحية صيدا و إيموري و كرساش و كانوا بالشام و انتقلوا عندما غلبهم عليه يوشع إلى أفريقية فأقاموا بها و من كنعان أيضا يبوسا و كانوا ببيت المقدس و هربوا أمام داود عليه السلام حين غلبهم عليه إلى أفريقية و المغرب و أقاموا بها و الظاهر أن البربر من هؤلاء المنتقلين أولا و آخرا إلا أن المحققين من نسابتهم على أنهم من ولد مازيغ بن كنعان فلعل مازيغ ينتسب إلى هؤلاء و من كنعان أيضا حيث الذين كان ملكهم عوج بن عناق و منهم عرفان و أروادى و خوي و لهم نابلس و سبا و لهم طرابلس و ضمارى و لهم حمص و حما و لهم أنطاكية و كانت تسمى حما باسمهم و أما كوش بن حام فذكر له في التوراة خمسة من الولد و هم سفنا و سبا و جويلا و رعما و سفخا و من ولد رعماشا و هم السند و دادان و هم الهند و فيها أن النمروذ من ولد كوش و لم يعنيه و في تفاسيرها أن جويلا زويلة و هم أهل برقة و أما أهل اليمن من ولد سبا و أما قوط فعند أكثر الإسرائيلين أن القبط منهم و نقل الطبري عن ابن إسحق أن الهند و السند و الحبشة من بني السودان من ولد كوش و أن النوبة و فزان و زغاوة و الزنج منهم من كنعان و قال ابن سعيد أجناس السودان كلهم من ولد حام و نسب ثلاثة منهم إلى ثلاثة سماهم من ولده غير هؤلاء الحبشة إلى حبش و النوبة إلى نوابة أو نوى و الزنج إلى زنج و لم يسم أحدا من آباء الأجناس الباقية و هؤلاء الثلاثة الذين ذكروا لم يعرفوا من ولد حام فلعلهم من أعقابهم أو لعلها أسماء أجناس و قال هشام بن محمد الكلبي إن النمروذ هو ابن كوش بن كنعان و قال أهروشيوش مؤرخ الروم : إن سبا و أهل إفريقية يعني البربر من جويلا بن كوش و يسمى يضول و هذا و الله أعلم غلط لأنه مر أن يضول في التوراة من ولد يافث و لذلك ذكر أن حبشة المغرب من دادان ابن رعما من ولد مصر بن حام بنو قبط بن لاب بن مصر الكلام في بني حام
و هذا آخر الكلام في أنساب أمم العالم على الجملة و الخلاف الذي في تفاصيلها يذكر في أماكنه و الله ولي العون و التوفيق

(2/3)


المقدمة الثانية في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول و غيرهم
اعلم أن الأنساب تتشعب دائما و ذلك أن الرجل قد يكون له من الولد ثلاثة أو أربعة أو أكثر و يكون لكل واحد منهم كذلك و كل واحد منهم فرع ناشئ عن أصل أو فرع أو عن فرع فرع فصارت بمثابة الأغصان للشجرة تكون قائمة على ساق واحدة هي أصلها و الفروع عن جانبها و لكل واحد من الفروع فروع أخرى إلى أن تنتهي إلى الغاية فلذلك اخترنا بعد الكلام على الأنساب للأمة و شعوبها أن نضع ذلك على شكل شجرة نجعل أصلها و عمود نسبها باسم الأعظم من أولئك الشعوب و من له التقدم عليهم فيجعل عمود نسبة أصلالها و تفرع الشعوب الأخرى عن جانبه من كل جهة كأنها فروع لتلك الشجرة حتى تتصل تلك الأنساب عمودا و فروعا بأصلها الجامع لها ظاهرة للعيان في صفحة واحدة فترسم في الخيال دفعة و يكون ذلك أعون على تصور الأنساب و تشعبها فإن الصور الحسية أقرب إلى الارتسام في الخيال من المعاني المتعلقة ثم لما كانت هذه الأمم كلها لها دول و سلطان اعتمدنا بالقصد الأول ذكر الملوك منهم في تلك الشجرات متصلة أنسابهم إلى الجد الذي يجمعهم بعد أن نرسم على كل واحد منهم رتبته في تعاقبهم واحدا بعد واحد بحروف أ ب ج د فالألف للأول و الباء للثاني و الجيم للثالث و الدال للرابع و الهاء للخامس و هلم جرا و نهاية الأجداد لأهل تلك الدولة في الآخر منهم و يكون للأول غصون و فروع في كل جهة عنه فإذا نظرت في الشجرة علمت أنساب الملوك في كل دولة و ترتبهم بتلك الحروف واحدا بعد واحد و الله أعلم بالصواب

(2/16)


القول في أجيال العرب و أوليتها و اختلاف طبقاتها و تعاقبها و أنساب كل طبقة منها
اعلم أن العرب منهم الأمة الراحلة الناجعة أهل الخيام لسكانهم و الخيل لركوبهم و الأنعام لكسبهم يقومون عليها و يقتاتون من ألبانها و يتخذون الدفء و الأثاث من أوبارها و أشعارها و يحملون أثقالها على ظهورها يتنازلون حللا متفرقة و يبتغون الرزق في غالب أحوالهم من القنص و يختطف الناس من السبل و يتقلبون دائما في المجالات فرارا من حمارة القيظ تارة و صبارة البرد أخرى و انتجاعا لمراعي غنمهم و ارتيادا لمصالح إبلهم الكفيلة بمعاشهم و حمل أثقالهم و دفئهم و منافعهم فاختصوا لذلك بسكن الإقليم الثالث ما بين البحر المحيط من المغرب إلى أقصى اليمن و حدود الهند من المشرق فعمروا اليمن و الحجاز و نجدا و تهامة و ما وراء ذلك مما دخلوا إليه في الماء الخامسة كما ذكروه من مصر وصحاري برقة و تلولها و قسطنطينة و أفريقية و زاغا و المغرب الأقصى و السوس لاختصاص هذه البلاد بالرمال و القفار المحيطة بالأرياف و التلول و الأرياف الآهلة بمن سواهم من الأمم في فصل الربيع و زخرف الأرض لرعي الكلأ و العشب في منابتها و التنقل في نواحيها إلى فصل الصيف لمدة الأقوات في سنتهم من حبوبها و ربما يلحق أهل العمران أثناء ذلك معرات من أضرارهم بإفساد السابلة و رعي الزرع مخضرا و انتهابه قائما و حصيدا إلا ما حاطته الدولة و ذادت عنه الحامية في الممالك التي للسلطان عليهم فيها ثم ينحدرون في فصل الخريف إلى القفار لرعي شجرها ونتاج إبلهم في رمالها و ما أحاط به عملهم من مصالحها و فرارا بأنفسهم و ظعائنها من أذى البرد إلى دفء مشاتيها فلا يزالون في كل عام مترددين بين الريف و الصحراء ما بين الإقليم الثالث و الرابع صاعدين و منحدرين على ممر الأيام شعارهم لبس المخيط في الغالب و لبس العمائم تيجانا على رؤوسهم يرسلون من أطرافها عذبات يتلثم قوم منهم بفضلها و هم عرب المشرق و قوم يلفون منها الليث و الاخدع قبل لبسها ثم يتلثمون بما تحت أذقانهم من فضلها و هم عرب المغرب حاكوا بها عمائم زناتة من أمم البربر قبلهم و كذلك لقنوا منهم في حمل السلاح اعتقال الرماح الخطية و هجروا تنكب القسى و كان المعروف لأولهم و من بالمشرق لهذا العهد منهم استعمال الأمرين
ثم إن العرب لم يزالوا موسومين بين الأمم بالبيان في الكلام و الفصاحة في المنطق و الذلاقة في اللسان و لذلك سموا بهذا الاسم فإنه مشتق من الابانة لقولهم أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه و منه قوله صلى الله عليه و سلم : [ الثيب تعرب عن نفسها ] و البيان سمتهم بين الأمم منذ كانوا و انظر قصة كسرى لما طلب من خليفته على العرب النعمان بن المنذر منذ كانوا و انظر قصة كسرى لما طلب من خليفته على العرب النعمان بن المنذر أن يوفد عليه من كبرائهم و خطبائهم من رضي لذلك فاختار منهم وفد أوفده عليه و كان من خبره و استغراب ما جاؤوا به من البيان ما هو معروف
فهذه كلها شعائرهم و سماتهم و أغلبه عليهم اتخاذ الإبل و القيام على نتاجها و طلب الانتجاع بها الارتياد مراعيها و مفاحص توليدها بما كان معاشهم منها فالعرب أهل هذه الشعار من أجيال الآدميين كما أن الشاوية أهل القيام على الشاة و البقر لما كان معاشهم فيها فلهذا لا يختصون بنسب واحد بعينه إلا بالعرض و لذلك كان النسب في بعضهم مجهولا عند الأكثر و في بعضهم خفيا على الجمهور و ربما تكون هذه السمات و الشعائر في أهل نسب آخر فيدعون باسم العرب إلا أنهم في الغالب يكونون أقرب إلى الأولين من غيرهم و هذا الانتقال لا يكون إلا في أزمنة متطاولة و أحقاب متداولة و لذلك يعرض في الأنساب ما يعرض من الجهل و الخفاء
و اعلم أن حيل العرب بعد الطوفان و عصر نوح عليه السلام كان في عاد الأولى و ثمود و العمالقة و طسم و جديس و أميم و جرهم و حضرموت و من ينتمي إليهم من العرب العاربة من أبناء سام بن نوح ثم لما انقرضت تلك العصور و ذهب أولئك الأمم و أبادهم الله بما شاء من قدرته و صار هذا الجيل في آخرين ممن قرب من نسبهم من حمير و كهلان و أعقابهم من التبابعة و من إليهم من العرب المستعربة من أبناء عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام ثم لما تطاولت تلك العصور و تعاقبت و كان بنو فالغ بن عابر أعالم من بين ولده و اختص الله بالنبوة منهم إبراهيم بن تارخ و هو آزر بن ناحور بن ساروخ بن أرغو بن فالغ و كان من شأنه مع نمروذ ما قصه القرآن ثم كان من هجرته إلى الحجاز ما هو مذكور و تخلف ابنه إسمعيل مع أمه هاجر بالحجر قربانا لله و مرت بها رفقة من جرهم في تلك المفازة فخالطوها و نشأ إسمعيل بينهم و ربي في أحيائهم و تعلم لغتهم العربية بعد أن كان أبوه أعجميا ثم كان بناء البيت كما قصه ثم عظم نسله و كثر و صار بالجيل آخر من ربيعة و مضر و من إليهم من إياد وعك و شعوب نزار و عدنان و سائر ولد إسمعيل و هم العرب التابعة للعرب ثم انقرض أولئك الشعوب في أحقاب طويلة و انقرض ما كان لهم من الدولة في الإسلام و خالطوا العجم بما كان لهم من التغلب عليهم ففسدت لغة أعقابهم في آماد متطاولة و بقي خلفهم أحياء بادين في القفار و الرمال و الخلاء من الأرض تارة و العمران تارة و قبائل بالمشرق و المغرب و الحجاز و اليمن و بلاد الصعيد و النوبة و الحبشة و بلاد الشام و العراق و البحرين و بلاد فارس و السند و كرمان و خراسان أمم لا يأخذها الحصر و الضبط قد كاثروا أمم الأرض لهذا العهد شرقا و غربا و اعتزوا عليهم فهم اليوم أكثر أهل العالم و أملك لأمرهم من جميع الأمم و لما كانت لغتهم مستعجمة على اللسان المضري الذي نزل به القرآن و هو لسان سلفهم سميناهم لذلك العرب المستعجمة فهذه أجيال العرب منذ مبدأ الخليفة و لهذا العهد في أربع طبقات متعاقبة كان لكل طبقة منها عصور و أجيال و دول و أحياء وقعت العناية بها دون من سواهم من الأمم لكثرة أجيالهم و اتساع النطاق من ملكهم فلنذكر لكل طبقة أحوال جيلها و بعض أيامهم و دولهم و من كان عهدهم من ملوك الأمم و دولهم ليتبين لك بذلك مراتب الأجيال في الخليقة كيف تعاقبت و الله سبحانه و تعالى و لي العون

(2/16)


برنامج بما تضمنه الكتاب من الدول في هذه الطبقات الأربع على ترتيبها و الدول المعاصرين من العجم في كل طبقة منها
فنبدأ أولا بذكر الطبقة الأولى و هم العرب العاربة و نذكر أنسابهم و مواطنهم و ما كان لهم من الملك و الدولة ثم الطبقة الثانية و هم العرب المستعربة من بني حمير بن سبا و نذكر أنسابهم و ما كان لهم من الملك باليمن في التبابعة و أعقابهم ثم نرجع إلى ذكر معاصرهم من العجم و هم ملوك بابل من السريانيين ثم ملوك الموصل و نينوى من الجرامقة ثم القيط و ملوكهم بمصر ثم بني إسرائيل و دولهم ببيت المقدس قبل تخريب بختنصر و بعده و بالصابئة ثم الفرس و دولهم الأولى و الثانية ثم يونان و دولهم الإسكندر و قومه ثم الروم و دولهم في القياصرة و غيرهم
ثم نرجع إلى ذكر الطبقة الثالثة و هم العرب التابعة للعرب من قضاعة و قحطان و عدنان و شعبيها العظيمين ربيعة و مضر فنبدأ بقضاعة و أنسابهم و ما كان لهم من الملك البدوي في آل النعمان بالحيرة و العراق و من زاحمهم فيها من ملوك كندة بني حجر آكل المرار ثم ما كان لهم أيضا من الملك البدوي بالشام في بني جفنة بالبلقاء و الأوس و الخزرج بالمدينة النبوية ثم عدنان و أنسابهم و ما كان لهم من الملك بمكة في قريش ثم ما شرفهم الله به و جيل الآدميين أجمع من النبوة و ذكر الهجرة و السير النبوية ثم نذكر ما أكرمهم الله به من الخلافة و الملك فنترجم للخلفاء الأربعة و ما كان على عصرهم من الردة و الفتوحات و الفتن ثم نذكر خلفاء الإسلام من بني أمية و ما كان لعهدهم من أمر الخوارج ثم نذكر خلفاء الشيعة و ما كان لهم من الدول في الإسلام فالأولى الدولة العظيمة لبني العباس التي انتشرت في أكثر ممالك الإسلام ثم دول العلوية المزاحمين لها بعد صدر منها دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى ثم دولة العبيدية من الإسماعيلية بالقيروان و مصر ثم القرامطة بالبحرين ثم دعاة طبرستان و الديلم ثم ما كان من هؤلاء العلوية بالحجاز ثم نذكر بني أمية المنازعين لبني العباس بالأندلس و ما كان لهم من الدولة هنالك و الطوائف من بعدهم ثم نرجع إلى ذكر المستبدين بالدعوة العباسية بالمغرب و النواحي و هم بنو الأغلب بأفريقية و بنو حمدان بالشام و بنو المقلد بالموصل و بنو صالح بن كلاب بحلب و بنو مروان بديار بكر و بنو أسد بالحلة و بنو زياد باليمين و بنو هود بالأندلس
ثم نرجع إلى القائمين بالدعوة العبيدية بالنواحي و هم الصليحيون باليمن و بنو أبي الحسن الكلبي بصقلية و صنهاجة بالمغرب ثم نرجع إلى المستبدين بالدعوة العباسية من العجم في النواحي و هم بنو طولون بمصر و من بعدهم بنو طغج و بنو الصفار بفارس و سجستان و بنو سامان فيما وراء النهر و بنو سبكتكين في غزنة و خراسان و غورية في غزنة و الهند و بنو حسنويه من الكرد في خراسان ثم نرجع إلى ذكر المستبدين على الخلفاء ببغداذ من العجم و هم أهل الدولتين العظيمتين القائمتين بملك الإسلام من بعد العرب و هم بنو بويه من الديلم و السلجوقية من الترك ثم نرجع إلى ملوك السلجوقية المستبدين بالنواحي و هم بنو طغتكين بالشام و بنو قطلمش ببلاد الروم و بنو خوارزم شاه ببلاد العجم ما وراء النهر و بنو سقمان بخلاط و أرمينية و بنو أرتق بماردين و بنو زنكي بالشام و بنو أيوب بمصر و الشام ثم الترك الذي ورثوا ملكهم هنالك و بنو رسول باليمن ثم نرجع إلى ذكر التتر من الترك القائمين على دولة الإسلام و الماحين للخلافة العباسية ثم ما كان من دخلوهم في دين الإسلام و قيامهم بالملك بالنواحي و هم بنو هولاكو بالعراق و بنو ذوشيخان بالشمال و بنو أرتنا ببلاد الروم و من بعد بني هولاكو بنو الشبخ حسن ببغداذ و توريز و بنو المظفر بأصبهان و شيراز و كرمان و بعد بني أرتنا ملوك بني عثمان من التركمان ببلاد الروم و ما وراءها
ثم نرجع إلى الطبقة الرابعة من المغرب و هم المستعجمة و من له ملك بدوي منهم بالمغرب و المشرق ثم نخرج بعد ذكر ذلك إلى ذكر البرير و دولهم بالمغرب لأنهم كانوا من شرط كتابنا و هنالك نذكر برنامج دولهم و الله سبحانه أعلم

(2/19)


الطبقة الأولى من العرب و هم العرب العاربة و ذكر نسبهم و الإلمام بملكهم و دولهم على الجملة
هذه الأمة أقدم الأمم من بعد قوم نوح و أعظمهم قدرة و أشدهم قوة و آثارا في الأرض و أول أجيال العرب من الخليقة فيما سمعناه لأن أخبار القرون الماضية في قبلهم يمتنع اطلاعنا عليها التطاول الأحقاب و دروسها إلا ما يقصه علينا الكتاب و يؤثر عن الأنبياء بوحي الله إليهم و ما سوى ذلك من الأخبار الأزلية فمنقطع الإسناد و لذلك كان المعتمد عند الإثبات في أخبارهم ما تنطق به آية القرآن في قصص بالأنبياء الأقدمين أو ما ينقله زعماء المفسرين في تفسيرها من أخبارهم و ذكر دولهم و حروبهم ينقلون ذلك عن السلف من التابعين الذين أخذوا عن الصحابة أو سمعوه ممن هاجر إلى الإسلام من أحبار اليهود و علمائهم أهل التوراة أقدم الصحف المنزلة فيما علمناه و ما سوى ذلك من حطام المفسرين و أساطير القصص و كتب بدء الخليقة فلا نعول على شيء منه و إن وجد لمشاهير العلماء تأليف مثل كتاب الياقوتية للطبري و البدء للكسائي فإنما نحوا فيها منحى القصاص و جروا على أساليبهم و لم يلتزموا فيها الصحة و لا ضمنوا لنا الوثوق بها فلا ينبغي التعويل عليها و تترك و شأنها و أخبار هذا الجيل من العرب و إن لم يقع لها ذكر في التوراة إلا أن بني إسرائيل من بين أهل الكتاب أقرب إليهم عصرا و أوعى لأخبارهم فلذلك يعتمد نقل المهاجرة منهم لأخبار هذا الجيل ثم إن هذه الأمم على ما نقل كان لهم ملوك و دول
فملوك جزيرة العرب و هي الأرض التي أحاط بها بحر الهند من جنوبها و خليج الحبشة من غربها و خليج فارس من شرقها و فيها اليمن و الحجاز و الشحر و حضرموت و امتد ملكهم فيها إلى الشام و مصر في شعوب منهم على ما يذكر و يقال : إنهم انتقلوا إلى جزيرة العرب من بابل لما زاحمهم فيها بنو حام فسكنوا جزيرة العرب بادية مخيمين ثم كان لكل فرقة منهم ملوك و آطام و قصور حسبما نذكره إلى أن غلب عليهم بنو يعرب بن قحطان و هؤلاء العرب العاربة شعوب كثيرة و هم عاد و ثمود و طسم و جديس و أميم و عبيل و عبد ضخم و جرهم و حضرمون و حضورا و السلفات
و سمي أهل هذا الجبل العرب العاربة إما بمعنى الرساخة في العروبية كما يقال : ليل أليل و صوم صائم أو بمعنى الفاعلة للعروبية و المبتدعة لها بما كانت أول أجيالها و قد تسمى البائدة أيضا بمعنى الهالكة لأنه لم يبق على وجه الأرض أحد من نسلهم فأما عاد و هم بنو عاد بن عوص بن إرم بن سام فكانت مواطنهم الأولى بأحقاف الرمل بين اليمن و عمان إلى حضرموت و الشحر و كان أبوهم عاد فيما يقال أول من ملك من العرب و طال عمره و كثر ولده و في التواريخ ولد له أربعة آلاف ولد ذكر لصلبه و تزوج ألف امرأة و عاش ألف سنة و مائتي سنة و قال البيهقي : إنه عاش ثلثمائة سنة و ملك بعده بنوه الثلاثة شديد و بعده شداد و بعده إرم و ذكر المسعودي : إن الذي ملك من بعد عاد و شداد منهم هو الذي سار في الممالك و استولى على كثير من بلاد ملك من بعد عاد و شداد منهم هو الذي سار في الممالك و استولى على كثير من بلاد الشام و الهند و العراق و قال الزمخشري : إن شداد هو الذي بنى مدينة إرم صحارى عدن و شيدها بصخور الذهب و أساطين الياقوت و الزبرجد يحاكي بها الجنة لما سمع وصفها طغيانا منه و عتوا و يقال : إن باني إرم هذه هو إرم بن عاد و ذكر ابن سعيد عن البيهقي : أن باني ارم هو ارم بن شداد بن عاد الأكبر و الصحيح أنه ليس هناك مدينة اسمها إرم و إنما هذا من خرافات القصاص و إنما ينقله ضعفاء المفسرين و إرم المذكورة في قوله تعالى : { إرم ذات العماد } القبيلة لا البلد
و ذكر المسعودي أن ملك عوص كان ثلثمائة و أن الذي ملك من بعده ابنه عاد بن عوص و أن جيرون بن سعد بن عاد كان من ملوكهم و أنه الذي اختط مدينة دمشق و مصرها و جمع عمد الرخام و المرمر إليها و سماها إرم و من أبواب مدينة دمشق إلى هذا العهد باب جيرون و ذكره الشعراء في معاهدها قال الشاعر :
( النخل فالقصر فالحماء بينهما ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون )
و هذا البيت في الصوت الأول من كتاب الأغاني و ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق جيرون و يزيد أخوان هما ابنا سعد بن لقمان بن عاد و بهما عرف باب جيرون و نهر يزيد و الصحيح أن باب جيرون إنما سمي باسم مولى من موالي سليمان عليه السلام في دولة بني إسرائيل جيرون كان ظاهرا في دولتهم
و ذكر ابن سعيد في أخبار القبط : أن شداد بن بداد بن هداد بن شداد بن عاد حارب بعضها من القبط و غلب على أسافل مصر و نزل الإسكندرية و بنى بها حينئذ مدينة مذكورة في التوراة يقال لها أون ثم هلك في حروبهم و جمع القبط إخوتهم من البربر و السودان و أخرجوا العرب من ملك مصر
ثم لما اتصل ملك عاد و عظم طغيانهم و عتوهم انتحلوا عبادة الصنام والأوثان من الحجارة و الخشب و يقال : إن ذلك لانتحالهم دين الصابئة فبعث الله إليهم أخاهم هودا و هو فيما ذكر المسعودي و الطبري هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد و في كتاب البدء لابن حبيب رباح بن حرب بن عاد و بعضهم يقول هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ فوعظهم و كان ملوكهم لعهده : الخلجان و لقمان بن عاد بن عاديا بن صدا بن عادفا آمن به لقمان و قومه و كفر الخلجان و امتنع هود بعشيرته من عاد و حبس الله عنهم المطر ثلاث سنين و بعثوا الوفود من قومهم إلى مكة يستسقون لهم كان في الوفد على ما قاله الطبري نعيم بن هزال بن هزيل بن عبيل بن صدا بن عاد و قيل ابن عنز منهم و حلقمة بن الخسري و مرثد بن سعد بن عنز و كان ممن آمن بهود و اتبعه و كان بمكة من عاد هؤلاء : معاوية بن بكر و قومه و كانت هزيلة أخت معاوية عند نعيم بن هزال و ولدت له عبيدا و عمرا و عامرا فلما وصل الوفد إلى مكة مروا بمعاوية بن بكر و ابنه بكر و نزل الوفد عليه ثم تبعهم لقمان بن عاد و أقاموا عند معاوية و قومه شهرا لما بينهم من الخؤلة و مكثوا يشربون و تغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية بن بكر و ابنه بكر ثم غنتاهم شعرا تذكرهم بأمرهم فانبعثوا و مضوا إلى الاستقساء و تخلف عنهم لقمان بن عاد و مرثد بن سعد فدعوا في استسقائهم و تضرعوا و أنشأ الله السحب و نودي بهم أن اختاروا فاختاروا سوداء من السحب و أنذروا بعذابها فمضت إلى قومهم و هلكوا كما قصه القرآن
و في خبر الطبري أن الوفد لما رجعوا إلى معاوية بن بكر لقيهم خبر مهلك قومهم هنالك و أن هودا بساحل البحر و أن الخلجان ملكهم قد هلك بالريح فيمن هلك و أن الريح كانت تدخل تحت الرجل فتحمله حتى تقطعوا في الجبال و تقلع الشجر و ترفع البيوت حتى هلكوا أجمعون انتهى كلام الطبري
ثم ملك لقمان و رهطه من قوم عاد و اتصل لهم الملك فيما يقال ألف سنة أو يزيد و انتقل ملكه إلى ولده لقمان و ذكر البخاري في تاريخه أن الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا هو هدد بن بدد بن الخلجان بن عاد بن رقيم بن عابر بن عاد الأكبر و أن المدينة بساحل برقة و لم يزل ملكهم متصلا إلى أن غلبهم عليه يعرب بن قحطان و اعتصموا بجبال حضرموت إلى أن انقرضوا و قال صاحب زجار أن ملكهم عاد بن رقيم بن عابر بن عاد الأكبر هو الذي حارب يعرب بن قحطان و كان كافرا يعبد القمر و أنه كان على عهد نوح و هذا بعيد لأن بعثة هود كانت عند استفحال دولتهم أو عند مبتدئها و غلب يعرب كان عند انقراضها و كذلك هدد الذي ذكر البخاري أنه ملك برقة إنما هو حافد الخلجان الذي اعتصم آخرهم بجبل حضرموت و خبر
البخاري مقدم
و قال علي بن العزيز الجرجاني : و كان من ملوك عاد يعمر بن شداد و عبد أبهر بن معد يكرب بن شمد بن شداد بن عاد و حناد بن مياد بن شمد بن شداد و ملوك آخرون أبادهم الله و البقاء لله وحده فأما عبيل و هم إخوان عاد بن عوص فيما قاله الكلبي و إخوان عوص بن إرم فيما قاله الطبري و كانت ديارهم بالحجفة بين مكة و المدينة و أهلكهم السيل و كان الذي اختط يثرب منهم هكذا قال المسعودي و قال هو يثرب بن ابائلة بن مهلهل بن عبيل و قال السهيلي إن الذي اختط يثرب من العماليق و هو يثرب بن مهلايل بن عوص بن عمليق و أما عبد ضخم بن إرم فقال الطبري كانوا يسكنون الطائف و هلكوا فيمن هلك من ذلك الجيل و قال غيره إنهم أول من كتب بالخط العربي
و أما ثمود بنو ثمود بن إرم فكانت ديارهم بالحجر و وادي القرى فيما بين الحجاز و الشام و كانوا ينحتون بيوتهم في الجبال و يقال لأن أعمارهم كان تطول فيأتي البلاء و الخراب على بيوتهم فنحتوها لذلك في الصخر و هي لهذا العهد و قد مر بها النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك و نهى عن دخولها كما في الصحيح و فيه إشارة إلى أنها بيوت ثمود أهل ذلك الجيل و يشهد ذلك ببطلان ما يذهب إليه القصاص و وقع مثله للمسعودي من أن أهل تلك الأجيال كانت أجسامهم مفرطة في الطول و العظم و هذه البيوت المشاهدة المنسوبة إليهم بكلام الصادق صلوات الله عليه و يشهد بأنهم في طولهم و عظم حجراتهم مثلنا سواء فلا أقدم من عاد و أجيالهم فيما بلغنا
و يقال إن أول ملوكهم كان عابر بن إرم بن ثمود ملك عليهم مائتي سنة ثم كان من بعده جندع بن الدبيل بن إرم بن ثمود و يقال ملك نحوا من ثلثمائة سنة و في أيامه كانت بعثة صالح عليه السلام و هو صالح بن عبيل بن أسف بن شالخ بن عبيل بن كاثر بن ثمود و كانوا أهل كفر و بغي و عبادة أوثان فدعاهم صالح إلى الدين و التوحيد قال الطبري : فلما جاءهم بذلك كفروا و طلبوا الآيات فخرج بهم إلى هضبة من الأرض فتمخضت عن الناقة و نهاهم أن يعترضوا لها بعقر أو هلكة و أخبرهم مع ذلك أنهم عاقروها و لا بد و رأس عليهم قدار بن سالف و كان صالح وصف لهم عاقر الناقة بصفة قدار هذا و لما طال النذير عليهم من صالح سئموه و هموا بقتله و كان يأوي إلى مسجد خارج ملائهم فكمن له رهط منهم تحت صخرة في طريقه ليقتلوه فانطبقت عليهم و هلكوا و حنقوا ومضوا إلى الناقة و رماها قدار بسهم في ضرعها و قتلها و لجأ فصيلها إلى الجبل فلم يدركوه و أقبل صالح و قد تخوف عليهم العذاب فلما رآه الفصيل أقبل إليه و رغا ثلاث رغاآت فأنذرهم صالح ثلاثا و في صبح الرابعة صعقوا بصيحة من السماء تقطعت بها قلوبهم فأصبحوا جاثمين و هلك جميعهم حيث كانوا من الأرض إلا رجلا كان في الحرم منعه الله من العذاب قيل من هو يا رسول الله ؟ قال : أبو رغال و يقال إن صالحا أقام عشرين سنة ينذرهم و توفي ابن ثمان و خمسين سنة و في الصحيح [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مر في غزوة تبوك بقرى ثمود فنهى عن استعمال مياههم و قال : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا و أنتم باكون أن يصيبكم ما أصابهم ] كلام الطبري
و قال الجرجاني : كان من ملوكهم دوبان بن يمنع ملك الإسكندرية و موهب بن مرة بن رحيب و كان عظيم الملك و أخوه هوبيل بن مرة كذلك و فيما ذكره المفسرون أنهم أول من نحت الجبال و الصخور و أنهم بنو ألفا و سبعمائة مدينة و في هذا ما فيه ثم ذهبوا بما كسبوا و درجوا في الغابرين و هلكوا و يقال إن من بقاياهم أهل الرس الذين كان نبيهم حنظلة بن صفوان و ليس ذلك بصحيح و أهل الرس هم حضور و يأتي ذكرهم في بني فالغ بن عابر و كذلك يزعم بعض النسابة أن ثقيفا من بقايا ثمود هؤلاء و هو مردود و كان الحجاج بن يوسف إذا سمع ذلك يقول كذبوا و قال و الله جل من قائل يقول و ثمود فما أبقى أي أهلكهم فما أبقى أحدا منهم و أهل التوراة لا يعرفون شيئا من أخبار عاد و لا ثمود لأنهم لم يقع لهم ذكر في التوراة و لا لهود و لا لصالح عليهما السلام بل و لا لأحد من العرب العاربة لأن سياق الأخبار في التوراة عن أولئك الأمم إنما هو لمن كان في عمود النسب ما بين موسى و آدم صلوات الله عليهم و ليس لأحد من آباء هؤلاء الأجيال ذكر في عمود ذلك النسب فلم يذكروا فيها
و أما جديس و طسم فعند ابن الكلبي أن جديسا لإرم بن سام و ديارهم اليمامة و هم إخوان لثمود بن كاثر و لذلك ذكرهم بعدهم و أن طسما للاوذ بن سام و ديارهم بالبحرين و عند الطبري أنهما معا للاوذ و ديارهم باليمامة و لهذين الاثنين خبر مشهور ينبغي سياقه عند ذكرهم قال الطبري عن هشام بن محمد الكلبي بسنده إلى ابن اسحق و غيره من علماء العرب : أن طسما و جديسا كانوا من ساكني اليمامة و هي إذ ذاك من أخصب البلاد و أعمرها و أكثرها خيرا و ثمارا و حدائق و قصورا و كان ملك طسم غشوما لا ينهاه شيء عن هواه و يقال له : عملوق و كان مضرا لجديس مستذلا لهم حتى كانت البكر من جديس لا تهدى إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها و كان السبب في ذلك أن امرأة منهم كان اسمها هزيلة طلقها زوجها و أخذ ولده منها فأمر عملوق ببيعها و أخذ زوجها الخمس من ثمنها فقالت شعرا تتظلم منه فأمر أن لا تزوج منهم امرأة حتى يفترعها فقاقوا كذلك حتى تزوجت الشموس و هي عفيرة ابنة غفار بن جديس أخت الأسود فافتضها عملوق فقال الأسود بن غفار لرؤساء جديس : قد ترون ما نحن فيه من الذل و العار الذي ينبغي للكلاب أن تعافه فأطيعوني أدعوكم إلى عز الدهر فقالوا و ما ذاك قال : أصنع للملك و قومه دعوة فإذا جاؤوا يعني طسما نهضنا إليهم بأسيافنا فنقتلهم فأجمعوا على ذلك و دفنوا سيوفهم في الرمل و دعوا عملوقا و قومه فلما حضروا قتلوهم فأفنوهم و قتل الأسود عملوقا و أفلت رباح بن مرة بن طسم فأتى حسان بن تبع مستغيثا فنهض حسان في حمير لإغاثته حتى كان من اليمامة على ثلاث مراحل قال لهم رباح إن لي أختا مزوجة في جديس اسمها اليمامة ليس على وجه الأرض أبصر منها و إنها لتبصر الراكب على ثلاث مراحل و أخاف أن تنظر القوم فأمر كل رجل أن يقع شجرة فيجعلها في يديه و يسير كأنه خلفها ففعلوا و بصرت بهم اليمامة فقالت لجديس : لقد سارت إليكم حمير و إني أرى رجلا من وراء شجرة بيده كتف يتعرقها أو نعل يخصفها فاستبعدوا ذلك و لم يحفلوا به و صبحهم حسان و جنوده من حمير فأبادهم و خرب حصونهم و بلادهم و هرب الأسود بن غفار إلى جبلي طيء فأقام بهما و دعا تبع باليمامة أخت رباح التي أبصرتهم فقلع عينها و يقال إنه وجد بها عروقا سودا زعمت أن ذلك من اكتحالها بالإثمد و كانت تلك البلد تسمى جو فسميت باليمامة اسم تلك المرأة
قال أبو الفرج الأصبهاني : و كانت طيء تسكن الجرف من أرض اليمن و هي اليوم محلة مراد و همدان و سيدهم يومئذ سامة بن لؤي بن الغوث بن طيء و كان الوادي مسبعة و هم قليل عددهم و كان يجتاز بهم بعير في زمن الخريف و يذهب في زمن الخريف و يذهب ثم يجيء من قابل و لا يعرفون مقره و كان الأزد قد خرجت أيام سيل العرم و استوحشت طيء فظغنوا على أثرهم و قالوا لسامة هذا البعير إنما يأتي من الريف و الخصب لأن في بعره النوى فلما جاءهم زمن الخريف أتبعوه يسيرون لسيره حتى هبط عن الجبلين و هجموا على النخل في الشعاب و على المواشي و إذا هم بالأسود بن غفار في بعض تلك الشعاب فهالهم خلقه و تخوفوه و نزلوا ناحية و نفضوا الطريق فلم يروا أحدا فأمر سامة ابنه الغوث بقتل الأسود فجاء إليه فعجب من صغر خلقه و قال : من أين أقبلتم ؟ قال : من اليمن و أخبره خبر البعير ثم رماه فقتله و أقامت طيء بالجبلين بعده
و ذكر الطبري عن غير ابن اسحق أن تبع الذي أوقع بجديس هو والد حسان هذا و هو ثبان أسعد أبو كرب بن ملكي كرب و يأتي ذكره في ملوك اليمن إن شاء الله تعالى انتهى كلام الطبري
و قال غيره إن حسان بن تبع لما سار بحمير إلى طسم بعث على مقدمته إليه عبد كلال بن منوب بن حجر بن ذي رعين من أقيال حمير فسلك بهم رباح بن مرة الرمل و كانت الزرقاء أخت رباح ناكحا في طسم و تسمى عنزة و اليمامة و كانت تبصر على البعد فأنذرتهم فلم يقبلوا و صبح عبد بن كلال جديسا إلى آخر القصة و بقيت اليمامة بعد طسم يبابا لا يأكل ثمرها إلا عوافي الطير و السباع حتى نزلها بنو حنيفة و كانوا بعثوا رائدهم عبيد بن ثعلبة الحنفي يرتاد لهم في البلاد فلما أكل من ذلك الثمر قال إن هذا الطعام ! و حجر بعصاه على موضع قصبة اليمامة فسميت حجرا و استوطنها بنو حنيفة و بها صبحهم الإسلام كما يأتي في أخبارهم إن شاء الله تعالى و أما العمالقة فهم بنو عمليق بن لاوذ و بهم بضرب المثل في الطول و الجثمان قال الطبري : عمليق أبو العمالقة كلهم أمم تفرقت في البلاد فكان أهل المشرق و أهل عمان و البحرين و أهل الحجاز منهم و كانت الفراعنة بمصر منهم و كانت الجبابرة بالشام الذين يقال لهم الكنعانيون منهم و كان الذين بالبحرين و عمان و المدينة يسمون جاسم و كان بالمدينة من جاسم هؤلاء بنو لف و بنو سعد بن هزال و بنو مطر و بنو الأرزق و كان بنجد منهم بديل و راحل و غفار بالحجاز منهم إلى تيما بنو الأرقم و يسكنون مع ذلك نجدا و كان ملكهم يسمى الأرقم قال : و كان بالطائف بنو عبد ضخم بن عاد الأول انتهى
و قال ابن سعيد فيما نقله عن كتب التواريخ التي اطلع عليها في خزانة الكتب بدار الخلافة من بغداد قال : كانت موطن العمالقة تهامة من أرض الحجاز فنزلوها أيام خروجهم من العراق أمام النمادرة من بني حام و لم يزالوا كذلك إلى أن جاء إسمعيل صلوات الله عليه و آمن به من آمن منهم و تطرد لهم الملك إلى أن كان منهم السميدع بن لاوذ بن عمليق و في أيامه خرجت العمالقة من الحرم أخرجتهم جرهم من قبائل قحطان فتفرقوا و نزل بمكان المدينة منهم بنو عبيل بن مهلايل بن عوص بن عمليق فعرفت به و نزل أرض أيلة ابن هومر بن عمليق و اتصل ملكها في ولده و كان السميدع سمة لمن ملك منهم إلى أن كان آخرهم السميدع بن هومر الذي قتله يوشع لما زحف بنو إسرائيل إلى الشام بعد موسى صلوات الله عليه فكان معظم حروبهم مع هؤلاء العمالقة هنالك فغلبه يوشع و أسره و ملك أريحا قاعدة الشام و هي قرب بيت المقدس و مكانها معروف لهذا العهد ثم بعث من بني إسرائيل بعثا إلى الحجاز فملكوه و انتزعوا من أيدي العمالقة ملوكه و نزعوا يثرب و بلادها و خبير و من بقاياهم يهود قريظة و بنو النضير و بنو قينقاع و سائر يهود الحجاز على ما نذكره ثم كان لهم ملك بعد ذلك في دولة الروم و ملكوا أذينة بن السميدع على مشارف الشام و الجزيرة من ثغورهم و أنزلوهم في التخوم ما بينهم و بين فارس و هذا الملك أذينة ابن السميدع هو الذي ذكره الشارع في قوله :
( أزال أذينة عن ملكه ... و أخرج عن أهله ذا يزن )
و كان من بعده حسان بن أذينة و من بعده طرف بن حسان بن بدياه نسبة إلى أمه و بعده عمرو بن مطرف و كان بينه و بين جذيمة الأبرش حروب و قتله جذيمة و استولى على ملكهم و كان آخرا من العمالقة كما نذكر ذلك في موضعه
و من هؤلاء العمالقة فيما يزعمون عمالقة مصر و أن بعض ملوك القبط استنصر بملك العمالقة بالشام لعهده و اسمه الوليد بن دومغ و يقال ثوران بن أراشة بن فادان بن عمرو بن عملاق فجاء معه ملك مصر و استعبد القبط قال الجرجاني و من ثم ملك العماليق مصر و يقال أن منهم فرعون إبراهيم و هو سنان بن الأشل بن عبيد بن عولج بن عمليق و فرعون يوسف أيضا منهم و هو الريان بن الوليد بن فوران و فرعون موسى كذلك و هو الوليد بن مصعب بن أبي أهوان بن الهلوان و يقال أنه قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن فاران و كان الذي ملك مصر بعد الريان بن الوليد طاشم بن معدان كلام الجرجاني و قال غيره : الريان فرعون يوسف و هو الذي تسميه القبط نقراوش و أن وزيره كان أطفير و هو العزيز و أنه آمن بيوسف و أن أرض الفيوم كانت مغايض للماء فدبرها يوسف بالوحي و الحكمة حتى صارت أعز الديار المصرية و ملك بعده ابنه دارم بن الريان و بعده ابنه معدانوس فاستعبد بني إسرائيل قال الكلبي : و يذكر القبط أنه فرعون موسى و ذكر أهل الأثر أنه الوليد بن مصعب و أنه كان نجارا من غير بيت الملك فاستولى إلى أن ولي حرس السلطان ثم غلب عليه ثم استبد بعده و عليه انقرض أمر العمالقة و لما غرق في اتباع موسى صلوات الله عليه رجع الملك إلى القبط فولوا من بيت ملكهم دلوكة العجوز كما نذكره في أخبارهم إن شاء الله تعالى و أما بنو إسرائيل فليس عندهم ذكر لعمالقة الحجاز و عندهم أن عمالقة الشام من ولد عملاق بن أليفاذ ـ بتفخيم الفاء ـ ابن عيصو أو عيصاب أو العيص بن إسحق بن إبراهيم عليه السلام و فراعنة مصر منهم على الرأيين و أما الكنعانيون الذين ذكر الطبري أنهم العمالقة فهم عند الإسرائيلين من كنعان ابن حام و كانوا قد انتشروا ببلاد الشام و ملكوها و كان معهم فيها بنو عيصو المذكورون و يقال لهم بنو يدوم و من أيديهم جميعا ابتزها بنو اسرائيل عند المجي أيام يوشع بن نون و لذلك تزعم زناتة المغرب أنهم من هؤلاء العمالقة و ليس بصحيح و أما أميم فهم إخوان عملاق بن لاوذ قال السهيلي : يقال بفتح الهمزة و كسر الميم و بضم الهمزة و فتح الميم و هو أكثر و وجدت بخط بعض المشاهير أميم بتشديد الميم و يذكر أنهم أول من بنى البنيان و اتخذ البيوت و الأطام من الحجارة و سقفوا بالخشب و كان ديارهم فيما يقال أرض فارس و لذلك زعم بعض نسابة الفرس أنهم من أميم و أن كيومرث الذين ينسبون إليه هو ابن أميم بن لاوذ و ليس بصحيح و كان من شعوبهم و بار بن أميم نزلوا رمل عالج بين اليمامة و الشحر و سالت عليهم الريح فهلكوا
و أما العرب البايدة من بني أرفخشذ بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ فهم جرهم و عبادة أوثان و بعث إليهم نبي منهم إسمه شعيب بن ذي مهرع فكذبوه و هلكوا كما هلك غيرهم من الأمم و أما جرهم فكانت ديارهم باليمن و كانوا يتكلمون بالعبرانية و قال البيهقي : إن يعرب بن قحطان لما غلب عادا على اليمن و ملكه من أيديهم ولى إخوته على الأقاليم و ولى جرهم على الحجاز و ولى بلاد عاد الأولى و هي الشحر عاد بن قحطان فعرفت به و ولى جرهم على الحجاز و ولى بلاد عاد الأولى و هي الشحر عاد بن قحطان فعرفت به و ولى عمان يقطن بن قحطان انتهى كلام البيهقي و قيل إنما نزلت جرهم الحجاز ثم بني قطور بن كركر بن عملاق لقحط أصاب اليمن فلم يزالوا بمكة إلى أن كان شأن إسمعيل عليه السلام و نبوته فآمنوا به و قاموا بأمره و ورثوا ولاية البيت عنه حتى غلبتهم عليه خزاعة و كنانة فخرجت جرهم من مكة و رجعوا إلى ديارهم باليمن إلى أن هلكوا
و أما حضرموت فمعدودون في العرب العاربة لقرب أزمانهم و ليسوا من العرب البايدة لأنهم باقون في الأجيال المتأخرة إلا أن يقال أن جمهورهم قد ذهب من بعد عصورهم الأولى و اندرجوا في كندة و صاروا من عدادهم فهم بهذا الاعتبار قد هلكوا و بادوا و الله أعلم و قال علي بن عبد العزيز إنه كان فيهم ملوك التبابعة في علو الصيت و نهاية الذكر قال و ذكر جماعة من العلماء أن أول من انبسط ملكه منهم و ارتفع ذكره عمرو الأشنب بن ربيعة بن يرام بن حضرموت ثم خلفه ابنه نمر الأزج فملك مائة سنة و قاتل العمالقة ثم ملك كريب ذوكراب ثم نمر الأزج مائة و ثلاثا و ثلاثين سنة و هلك إخوته في ملكه ثم ملك مرثد ذو مروان بن كريب مائة و أربعين سنة و كان يسكن مأرب ثم تحول إلى حضرموت ثم ملك علقمة ذو قيعان ابن مرثد ذي مروان بحضرموت ثلاث سنة ثم ملك ذو عيل بن ذي قيعان عشر سنين و سكن صنعاء و غزا الصين فقتل ملكها و أخذ سيفه ذا النور ثم ملك ذو عيل بن ذي عيل بحضرموت عشر سنين و لما شخص سنان ذو ألم لغزو الصين تحول ذو عيل إلى صنعاء و اشتدت وطأته و كان أول من غزا الروم من ملوك اليمن و أول من أدخل و الديباج إلى اليمن ثم ملك بدعات بن ذي عيل بحضرموت أربع سنين ثم ملك بدعيل بن بدعات و بني حصونا و خلف آثارا ثم ملك بديع ذو عيل ثم ملك حماد بن بدعيل بحضرموت فأنشأ حصنه المعقرب و غزا فارس في عهد سابور ذي الأكتاف و خرب و سبى و دام ملكه ثمانين سنة و كان أول من اتخذ الحجاب من ملوكهم ثم ملك يشرح ذو الملك بن ودب بن ذي حماد بن عاد من بلاد حضرموت مائة سنة و كان أول من رتب الرواتب و أقام الحرس و الروابط ثم ملك منعم بن ذي الملك دثار بن جذيمة بن منعم ثم يشرح بن جذيمة بن منعم ثم نمر بن بشرح ثم ساجن المسمى ابن نمر و في أيامه تغلبت الحبشة على اليمن
هذه قبائل هذا الجيل من العرب العاربة و ما كانوا عليه من الكثرة و الملك إلى أن انقرضوا و أزال الله من أمرهم بالقحطانية كما نحن ذاكروه و لم نغفل منهم إلا من لم يصلنا ذمره من خيره و الله وارث الأرض و من عليها
و أما جرهم فقال له ابن سعيد : إنهم أمتان أمة على عهد عاد و أمة من ولد جرهم بن قحطان و لما ملك يعرب بن قحطان اليمن ملك أخوه جرهم الحجاز ثم ملك من بعده ابنه عبد يا ليل ثم بعده ابنه عبد المدان بن جرهم ثم ابنه نفيلة بن عبد المدان ثم ابنة عبد المسيح بن نفيلة ثم ابنه مضاض بن عبد المسيح ثم ابنه الحرس ثم ملك من بعده جرهم بن عبد يا ليل ثم بعده ابنه عمرو بن الحرث ثم أخوه يشير بن الحرث ثم مضاض بن عمرو بن مضاض قال و هذه الأمة الثانية هم الذين بعث إليهم إسمعيل عليه السلام و تزوج فيهم انتهى
و أما بنو سبا بن يقطن فلم يبيدوا و كان لهم بعد تلك الأجيال البائدة أجيال باليمن منهم حمير و كهلان و ملوك التبابعة و هم أهل الطبقة الثانية و في مسند الإمام أحمد : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم قيل هو فروة بن مسيك المرادي عن سبا أرجل هو أو امرأة أم أرض ؟ فقال به رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة و الشام أربعة فأما اليمانيون فمذ حج و كندة و الأزد و الأشعر و أنمار و حمير و أما الشاميون فلخم و جذام و عاملة و غسان و ثبت أن أباهم قحطان كان يتكلم بالعربية و لقنها عن الأجيال قبله فكانت لغة بينه و لذلك سموا العرب المستعربة و لم يكن في آباء قحطان من لدن نوح عليه السلام إليه من يتكلم بالعربية و كذلك كان أخوه فالغ و بنوه إنما يتكلمون بالعجمية إلى أن جاء اسمعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما فتعلم العربية من جرهم فكانت لغة نبيه و هم أهل الطبقة الثالثة المسلمون بالعرب التابعة للعرب فلنذكر هذا النسب لينتظم أجياله مع الأجيال السابقة و اللاحقة و نستوفي أنساب الأمم منها

(2/21)