صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تاريخ ابن خلدون
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

جهة شرقيها بلاد الزنج ثم بلاد سفالة من ساحله الجنوبي بلاد الوقواق متصلة إلى آخر الجزء العاشر من هذا الاقليم عند مدخل هذا البحر من البحر المحيط.
وأما جزائر هذا البحر فكثيرة.
من أعظمها جزيرة سرنديب مدورة الشكل.
وبها الجبل المشهور يقال ليس في الارض أعلى منه وهي قبالة سفالة.
ثم جزيرة القمر وهي جزيرة مستطيلة تبدأ من قبالة أرض سفالة وتذهب إلى الشرق منحرفة بكثير إلى أن تقرب من سواحل أعالي الصين ويحتف بها في هذا البحر من جنوبيها جزائر الوقواق ومن شرقيها جزائر السيلان إلى جزائر أخر في هذا البحر كثيرة العدد وفيها أنواع الطيب والافاويه وفيها يقال معادن الذهب والزمرد وعامة أهلها على دين المجوسية وفيهم ملوك متعددون وبهذه الجزائر من أحوال العمران عجائب ذكرها أهل الجغرافيا
وعلى الضفة الشمالية من هذا البحر في الجزء السادس من هذا الاقليم بلاد اليمن كلها فمن وجهة بحر القلزم بلد زبيد والمهجم وتهامة اليمن وبعدها بلد صعدة مقر الامامة الزيدية وهي بعيدة عن البحر الجنوبي وعن البحر الشرقي وفيما بعد ذلك مدينة عدن وفي شماليها صنعاء وبعدهما إلى المشرق أرض الاحقاف وظفار وبعدها أرض حضر موت ثم بلاد الشحر ما بين البحر الجنوبي وبحر فارس.
وهذه القطعة من الجزء السادس هي التي انكشف عنها البحر من أجزاء هذا الاقليم الوسطى وينكشف بعدها قليل من الجزء التاسع وأكثر منه من العاشر فيه أعالي بلاد الصين ومن مدنه الشهيرة خانكو وقبالتها من جهة الشرق جزائر السيلان وقد تقدم ذكرها وهذا آخر الكلام في الاقليم الاول والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه وفضله ألا قليم الثاني * وهو متصل بالاول من جهة الشمال وقبالة المغرب منه في البحر المحيط جزيرتان من الجزائر الخالدات التي مر ذكرها وفي الجزء الاول والثاني منه في الجانب الاعلى منهما أرض قنورية وبعدها في جهة الشرق أعالي أرض غانة ثم مجالات زغاوة من السودان وفي الجانب الاسفل منهما صحراء نستر متصلة من الغرب إلى الشرق ذات مفاوز تسلك فيها التجار ما بين بلاد المغرب وبلاد السودان وفيها مجالات الملثمين من صنهاجة وهم شعوب كثيرة ما بين كزولة ولمتونة ومسراتة ولمطة ووريكة وعلى سمت هذه المفاوز شرقا أرض فزان ثم مجالات أركار من قبائل

(1/57)


البربر ذاهبة إلى أعالي الجزء الثالث على سمتها في الشرق وبعدها من هذا الجزء الثالث وهي جهة الشمال منه بقية أرض وذان وعلى سمتها شرقا أرض سنترية وتسمى الواحات الداخلة وفي الجزء الرابع من أعلاه بقية أرض الباحويين ثم يعترض في وسط هذا الجزء بلاد الصعيد حافات النيل الذاهب من مبدإه في الاقليم الاول إلى مصبه في البحر فيمر في هذا الجزء بين الجبلين الحاجزين وهما جبل الواحات من غربيه وجبل
المقطم من شرقيه وعليه من أعلاه بلد أسنا وأرمنت ويتصل كذلك حافاته إلى أسيوط وقوص ثم إلى صول ويفترق النيل هنالك على شعبين ينتهي الايمن منهما في هذا الجزء عند اللاهون والايسر عند دلاص وفيما بينهما أعالي ديار مصر وفي الشرق من جبل المقطم صحارى عيذاب ذاهبة في الجزء الخامس إلى أن تنتهي إلى بحر السويس وهو بحر القلزم الهابط من البحر الهندي في الجنوب إلى جهة الشمال وفي عدوته الشرقية من هذا الجزء أرض الحجاز من جبل يلملم إلى بلاد يثرب في وسط الحجاز مكة شرفها الله وفي ساحلها مدينة جدة تقابل بلد عيذاب في العدوة الغربية من هذا البحر وفي الجزء السادس من غربية بلاد نجد أعلاها في الجنوب وتبالة وجرش إلى عكاظ من الشمال وتحت نجد من هذا الجزء بقية أرض الحجاز وعلى سمتها في الشرق بلاد نجران وخيبر وتحتها أرض اليمامة وعلى سمت نجران في الشرق أرض سبا ومأرب ثم أرض الشحر وينتهي إلى بحر فارس وهو البحر الثاني الهابط من البحر الهندي إلى الشمال كما مر ويذهب في هذا الجزء بانحراف إلى الغرب فيمر ما بين شرقيه وجوفيه قطعة مثلثة عليها من أعلاه مدينة قلهات وهي ساحل الشحر ثم تحتها على ساحله بلاد عمان ثم بلاد البحرين وهجر منها في آخر الجزء وفي الجزء السابع في الاعلى من غربيه قطعة من بحر فارس تتصل بالقطعة الاخرى في السادس ويغمر بحر الهند جانبه الاعلى كله وعليه هنالك بلاد السند إلى بلاد مكران ويقابلها بلاد الطوبران وهي من السند أيضا فيتصل السند كله في الجانب الغربي من هذا الجزء وتحول المفاوز بينه وبين أرض الهند ويمر فيه نهره الاتي من ناحية بلاد الهند ويصب في البحر الهندي في الجنوب وأول بلاد الهند على ساحل البحر الهندي وفي سمتها شرقا بلاد بلهرا وتحتها في الجانب الاسفل أرض كابل وبعدها شرقا إلى البحر المحيط بلاد القنوج مابين

(1/58)


قشمير الداخلة وقشمير الخارجة عند آخر الاقليم وفي الجزء التاسع ثم في الجانب
الغربي منه بلاد الهند الاقصى ويتصل فيه إلى الجانب الشرقي فيتصل من أعلاه إلى العاشر وتبقى في أسفل ذلك الجانب قطعة من بلاد الصين فيها مدينة شيغون ثم تتصل بلاد الصين في الجزء العاشر كله إلى البحر المحيط والله ورسوله أعلم وبه سبحانه التوفيق وهو ولي الفضل والكرم الأقليم الثالث * وهو متصل بالثاني من جهة الشمال ففي الجزء الاول منه وعلى نحو الثلث من أعلاه جبل درن معترض فيه من غربيه عند البحر المحيط إلى الشرق عند آخره ويسكن هذا الجبل من البربر أمم لا يحصيهم إلا خالقهم حسبما ياتي ذكره وفي القطعة التي بين هذا الجبل والاقليم الثاني وعلى البحر المحيط منها رباط مماسة ويتصل به شرقا بلاد سوس ونول وعلى سمتها شرقا بلاد درعة ثم بلاد سجلماسة ثم قطعة من صحراء نستر المفازة التي ذكرناها في الاقليم الثاني وهذا الجبل مطل على هذه البلاد كلها في هذا الجزء وهو قليل الثنايا والمسالك في هذه الناحية الغربية إلى أن يسامت وادي ملوية فتكثر ثناياه ومسالكه إلى أن ينتهي وفي هذه الناحية منه امم المصامدة ثم هنتانة ثم تينملك ثم كدميوه ثم مشكورة وهم آخر المصامدة فيه ثم قبائل صنهاكة وهم صنهاجة وفي آخر هذا الجزء منه بعض قبائل زناتة ويتصل به هنالك من جوفيه جبل أوراس وهو جبل كتامة وبعد ذلك أمم أخرى من البرابرة نذكرهم في أماكنهم.
ثم إن جبل درن هذا من جهة غربيه مطل على بلاد المغرب الاقصى وهي في جوفيه ففي الناحية الجنوبية منها بلاد مراكش وأغمات وتدلا وعلى البحر المحيط منها رباط أسفى ومدينة سلا وفي الجوف عن بلاد مراكش بلاد فاس ومكناسة وتازا وقصر كتامة وهذه هي التي تسمى المغرب الاقصى في عرف أهلها وعلى ساحل البحر المحيط منها بلدان أصيلا والعرايش وفي سمت هذه البلاد شرقا بلاد المغرب الاوسط وقاعدتها تلمسان وفي سواحلها على البحر الرومي بلد هنين ووهران والجزائر لان هذا البحر الرومي يخرج من البحر المحيط من خليج طنجة في الناحية
الغربية من الاقليم الرابع ويذهب مشرقا فينتهي إلى بلاد الشام فإذا خرج من الخليج المتضايق غير بعيد انفسح جنوبا وشمالا فدخل في الاقليم الثالث والخامس

(1/59)


فلهذا كان على ساحله من هذا الاقليم الثالث الكثير من بلاده ثم يتصل ببلاد الجزائر من شرقيها بلاد بجاية في ساحل البحر ثم قسطنطينية في الشرق منها وفي آخر الجزء الاول وعلى مرحلة من هذا البحر في جنوبي هذه البلاد ومرتفعا إلى جنوب المغرب الاوسط بلد أشير ثم بلد المسيلة ثم الزاب وقاعدته بسكرة تحت جبل أوراس المتصل بدرن كما مر وذلك عند آخر هذا الجزء من جهة الشرق والجزء الثاني من هذا الاقليم على هيئة الجزء الاول ثم جبل درن على نحو الثلث من جنوبه ذاهبا فيه من غرب إلى شرق فيقسمه بقطعتين ويغمر البحر الرومي مسافة من شماله فالقطعة الجنوبية عن جبل درن غربيها كله مفاوز وفي الشرق منها بلد عذامس وفي سمتها شرقا ارض ودان التي بقيتها في الاقليم الثاني كما مر والقطعة الجوفية عن جبل درن ما بينه وبين البحر الرومي في الغرب منها جبل أوراس وتبسة والاوبس وعلى ساحل البحر بلد بونة ثم في سمت هذه البلاد شرقا بلاد أفريقية فعلى ساحل البحر مدينة تونس ثم السوسة ثم المهدية وفي جنوب هذه البلاد تحت جبل درن بلاد الجريد توزر وقفصة ونفزاوة وفيما بينها وبين السواحل مدينة القيروان وجبل وسلات وسبيطلة وعلى سمت هذه البلاد كلها شرقا بلد طرابلس على البحر الرومي وبإزائها في الجنوب جبل دمر ونقرة من قبائل هوارة متصلة بجبل درن وفي مقابلة غذامس التي مر ذكرها في آخر القطعة الجنوبية وآخر هذا الجزء في الشرق سويقة ابن مشكورة على البحر وفي جنوبها مجالات العرب في أرض ودان وفي الجزء الثالث من هذا الاقليم يمر أيضا فيه جبل درن إلا أنه ينعطف عند آخره إلى الشمال ويذهب على سمته إلى أن يدخل في البحر الرومي ويسمى هنالك طرف أوثان والبحر الرومي من شماليه يغمر طائفة
منه إلى أن يضايق ما بينه وبين جبل درن فالذي وراء الجبل في الجنوب وفي الغرب منه بقية أرض ودان ومجالات العرب فيها ثم زويلة ابن خطاب ثم رمال وقفار إلى آخر الجزء في الشرق وفيما بين الجبل والبحر في الغرب منه بلد سرت على البحر ثم خلاء وقفار تجول فيها العرب ثم أجد ابية ثم برقة عند منعطف الجبل ثم طلمسة على البحر هنالك ثم في شرق المنعطف من الجبل مجالات هيب ورواحة إلى آخر الجزء وفي الجزء الرابع من هذا الاقليم وفي الاعلى من غربيه صحارى برقيق وأسفل منها

(1/60)


بلاد هيب ورواحة ثم يدخل البحر الرومي في هذا الجزء فيغمر طائفة منه إلى الجنوب حتى يزاحم طرفه الاعلى ويبقى بينه وبين آخر الجزء قفار تجول فيها العرب وعلى سمتها شرقا بلاد الفيوم وهي على مصب أحد الشعبين من النيل الذي يمر على اللاهون من بلاد الصعيد في الجزء الرابع من الاقليم الثاني ويصب في بحيرة فيوم وعلى سمته شرقا أرض مصر ومدينتها الشهيرة على الشعب الثاني الذي يمر بدلاص من بلاد الصعيد عند آخر الجزء الثاني ويفترق هذا الشعب افتراقة ثانية من تحت مصر على شعبين آخرين من شطنوف وزفتي وينقسم الايمن منهما من قرمط بشعبين آخرين ويصب جميعها في البحر الرومي فعلى مصب الغربي من هذا الشعب بلد الاسكندرية وعلى مصب الوسط بلد رشيد وعلى مصب الشرقي بلد دمياط وبين مصر والقاهرة وبين هذه السواحل البحرية أسافل الديار المصرية كلها محشوة عمرانا وفلجا وفي الجزء الخامس من هذا الاقليم بلاد الشام وأكثرها على ما أصف وذلك لان بحر القلزم ينتهي من الجنوب وفي الغرب منه عند السويس لانه في ممره مبتدئ من البحر الهندي إلى الشمال ينعطف آخذا إلى جهة الغرب فتكون قطعة من انعطافه في هذا الجزء طويلة فينتهي في الطرف الغربي منه إلى السويس وعلى هذه القطعة بعد السويس فاران ثم جبل الطور ثم أيلة مدين ثم الحوراء في آخرها ومن هنالك ينعطف بساحله
إلى الجنوب في أرض الحجاز كما مر في الاقليم الثاني في الجزء الخامس منه وفي الناحية الشمالية من هذا الجزء قطعة من البحر الرومي غمرت كثيرا من غربيه عليها الفرما والعريش وقارب طرفها بلد القلزم فيضايق ما بينهما من هنالك وبقي شبه الباب مفضيا إلى أرض الشام وفي غربي هذا الباب فحص التيه أرض جرداء لا تنبت كانت مجالا لنبي إسرائيل بعد خروجهم من مصر وقبل دخولهم إلى الشام أربعين سنة كما قصه القرآن وفي هذه القطعة من البحر الرومي في هذا الجزء طائفة من جزيرة قبرص وبقيتها في الاقليم الرابع كما نذكره وعلى ساحل هذه القطعة عند الطرف المتضايق لبحر السويس بلد العريش وهو آخر الديار المصرية وعسقلان وبينهما طرف هذا البحر ثم تنحط هذه القطعة في انعطافها من هنالك إلى الاقليم الرابع عند طرابلس وغزة وهنالك ينتهي البحر الرومي في جهة الشرق وعلى هذه

(1/61)


القطعة أكثر سواحل الشام ففي شرقه غزة ثم عسقلان وبانحراف يسير عنها إلى الشمال بلد قيسارية ثم كذلك بلد عكاء ثم صور ثم صيداء ثم ينعطف البحر إلى الشمال في الاقليم الرابع ويقابل هذه البلاد الساحلية من هذه القطعة في هذا الجزء جبل عظيم يخرج من ساحل أيلة من بحر القلزم ويذهب في ناحية الشمال منحرفا إلى الشرق إلى أن يجاوز هذا الجزء ويسمى جبل اللكام وكأنه حاجز بين أرض مصر والشام ففي طرفه عند أيلة العقبة التي يمر عليها الحجاج من مصر إلى مكة ثم بعدها في ناحية الشمال مدفن الخليل عليه الصلاة والسلام عند جبل السراة يتصل من عند جبل اللكام المذكور من شمال العقبة ذاهبا على سمت الشرق ثم ينعطف قليلا وفي شرقه هنالك بلد الحجر وديار ثمود وتيماء ودومة الجندل وهي أسافل الحجاز وفوقها جبل رضوى وحصون خيبر في جهة الجنوب عنها وفيما بين جبل السراة وبحر القلزم صحراء تبوك وفي شمال جبل السراة مدينة القدس عند جبل اللكام ثم الاردن ثم
طبرية وفي شرقيها بلاد الغور إلى أذرعات وفي سمتها شرقا دومة الجندل آخر هذا الجزء وهي اخر الحجاز وعند منعطف جبل اللكام إلى الشمال من آخر هذا الجزء مدينة دمشق مقابلة صيدا وبيروت من القطعة البحرية وجبل اللكام يعترض بينها وبينها وعلى سمت دمشق في الشرق مدينة بعلبك ثم مدينة حمص في الجهة الشمالية آخر الجزء عند منقطع جبل اللكام وفي الشرق عن بعلبك وحمص بلد تدمر ومجالات البادية إلى آخر الجزء وفي الجزء السادس من أعلاه مجالات الاعراب تحت بلاد نجد واليمامة مابين جبل العرج والصمان إلى البحرين وهجر على بحر فارس وفي أسافل هذا هذا الجزء تحت المجالات بلد الحيرة والقادسية ومغايض الفرات.
وفيما بعدها شرقا مدينة البصرة وفي هذا الجزء ينتهي بحر فارس عند عبادان والابلة من أسافل الجزء من شماله ويصب فيه عند عبادان نهر دجلة بعد أن ينقسم بجداول كثيرة وتختلط به جداول أخرى من الفرات ثم تجتمع كلها عند عبادان وتصب في بحر فارس وهذه القطعة من البحر متسعة في أعلاه متضايقة في آخره في شرقيه وضيقة عند منتهاه مضايقة للحد الشمالي منه وعلى عدوتها الغربية منه أسافل البحرين وهجر والاحساء وفي غربها أخطب والصمان وبقية أرض اليمامة وعلى عدوته الشرقية سواحل فارس من

(1/62)


أعلاها وهو من عند آخر الجزء من الشرق على طرف قد امتد من هذا البحر مشرقا ووراءه إلى الجنوب في هذا البحر جبال القفص من كرمان وتحت هرمز بلاد فارس مثل سابور ودار أبجرد ونسا وإصطخر والشاهجان وشيراز وهي قاعدتها كلها وتحت بلاد فارس إلى الشمال عند طرف البحر بلاد خوذستان ومنها الاهواز وتستر وصدى وسابور والسوس ورام هرمز وغيرها وأرجان وهي حد ما بين فارس وخوذستان جبال الاكراد متصلة إلى نواحي أصبهان وبها مساكنهم ومجالاتهم وراءها في أرض فارس وتسمى الرسوم وفي الجزء السابع في الاعلى منه من المغرب بقية جبال القفص ويليها من الجنوب والشمال بلاد كرمان ومكران ومن مدنها الرودن والشيرجان وجيرفت ويزد شير
والبهرج وتحت أرض كرمان إلى الشمال بقية بلاد فارس إلى حدود أصبهان ومدينة أصبهان في طرف هذا الجزء ما بين غربه وشماله ثم في المشرق عن بلاد كرمان وبلاد فارس أرض سجستان وكوهستان في الجنوب وأرض كوهستان في الشمال غربا ويتوسط بين كرمان وفارس وبين سجستان وكوهستان وفي وسط هذا الجزء المفاوز العظمى القليلة المسالك لصعوبتها ومن مدن سجستان بست والطاق وأما كوهستان فهي من بلاد خراسان ومن مشاهير بلادها سرخس وقوهستان آخر الجزء وفي الجزء الثامن من غربه وجنوبه مجالات الجلح من أمم الترك متصلة بأرض سجستان من غربها وبأرض كابل الهند من جنوبها.
وفي الشمال عن هذه المجالات جبال الغور وبلادها وقاعدتها غزنة فرضة الهند وفي آخر الغور من الشمال بلاد أستراباذ ثم في الشمال غربا إلى آخر الجزء بلاد هرات أوسط خراسان وبها أسفراين وقاشان وبوشنج ومرو الروذ والطالقان والجوزجان وتنتهي خراسان هنالك إلى نهر جيحون وعلى هذا النهر من بلاد خراسان من غربيه مدينة بلخ وفي شرقيه مدينة ترمذ ومدينة بلخ كانت كرسي مملكة الترك وهذا النهر نهر جيحون مخرجه من بلاد وجار في حدود بدخشان مما يلي الهند ويخرج من جنوب هذا الجزء وعند آخره من الشرق فينعطف عن قرب مغربا إلى وسط الجزء ويسمى هنالك نهر خرناب ثم ينعطف إلى الشمال حتى يمر بخراسان ويذهب على سمته إلى أن يصب في بحيرة خوارزم في الاقليم الخامس كما نذكره ويمده عند انعطافه في وسط الجزء من الجنوب إلى الشمال خمسة أنهار عظيمة من بلاد الختل والوخش

(1/63)


من شرقيه وأنهار أخرى من جبال البتم من شرقيه أيضا وجوفي الجبل حتى يتسع ويعظم بما لا كفاء له ومن هذه الانهار الخمسة الممدة له نهر وخشاب يخرج من بلاد التبت وهي بين الجنوب والشرق من هذا الجزء فيمر مغربا بانحراف إلى الشمال إلى أن يخرج إلى الجزء التاسع قريبا من شمال هذا الجزء يعترضه في طريقه جبل عظيم
يمر من وسط الجنوب في هذا الجزء مشرقا بانحراف إلى الشمال إلى أن يخرج إلى الجزء التاسع قريبا من شمال هذا الجزء فيجوز بلاد التبت إلى القطعة الشرقية الجنوبية من هذا الجزء ويحول بين الترك وبين بلاد الختل وليس فيه إلا مسلك واحد في وسط الشرق من هذا الجزء جعل فيه الفضل بن يحيى سدا وبنى فيه بابا كسد ياجوج وماجوج فإذا خرج نهر وخشاب من بلاد التبت واعترضه هذا الجبل فيمر تحته في مدى بعيد إلى أن يمر في بلاد الوخش ويصب في نهر جيحون عند حدود بلخ ثم يمر هابطا إلى الترمذ في الشمال إلى بلاد الجوزجان وفي الشرق عن بلاد الغور فيما بينها وبين نهر جيحون بلاد الناسان من خراسان وفي العدوة الشرقية هنالك من النهر بلاد الختل وأكثرها جبال وبلاد الوخش ويحدها من جهة الشمال جبال البتم تخرج من طرف خراسان غربي نهر جيحون وتذهب مشرقة إلى أن يتصل طرفها بالجبل العظيم الذي خلفه بلاد التبت ويمر تحته نهر وخشاب كما قلناه فيتصل عند باب الفضل بن يحيى ويمر نهر جيحون بين هذه الجبال وأنهار أخرى تصب فيه منها نهر بلاد الوخش يصب فيه من الشرق تحت الترمذ إلى جهة الشمال ونهر بلخ يخرج من جبال البتم مبدإه عند الجوزجان ويصب فيه من غربيه وعلى هذا النهر من غربيه بلاد آمد من خراسان وفي شرقي النهر من هنالك أرض الصغد وأسر وشنة من بلاد الترك وفي شرقها أرض فرغانة أيضا إلى آخر الجزء شرقا وكل بلاد الترك تحوزها جبال البتم إلى شمالها وفي الجزء التاسع من غربه أرض التبت إلى وسط الجزء وفي جنوبيها بلاد الهند وفي شرقيها بلاد الصين إلى آخر الجزء وفي أسفل هذا الجزء شمالا عن بلاد التبت بلاد الخزلجية من بلاد الترك إلى آخر الجزء شرقا وشمالا ويتصل بها من غربيها أرض فرغانة أيضا إلى آخر الجزء شرقا ومن شرقيها أرض التغرغر من الترك إلى الجزء شرقا وشمالا.
وفي الجزء العاشر في الجنوب منه جميعا بقية الصين وأسافله وفي الشمال بقية

(1/64)


بلاد التغرغر ثم شرقا عنهم بلاد خرخير من الترك أيضا إلى آخر الجزء شرقا وفي الشمال من أرض خرخير بلاد كتمان من الترك وقبالتها في البحر المحيط جزيرة الياقوت في وسط جبل مستدير لا منفذ منه إليها ولا مسلك والصعود إلى أعلاه من خارجه صعب في الغاية وفي الجزيرة حيات قتالة وحصى من الياقوت كثيرة فيحتال أهل تلك الناحية بما يلهمهم الله إليه وأهل هذه البلاد في هذا الجزء التاسع والعاشر فيما وراء خراسان والجبال كلها مجالات للترك أمم لا تحصى وهم ظواعن رحالة أهل إبل وشاء وبقر وخيل للنتاج والركوب والاكل وطوائفهم كثيرة لا يحصيهم إلا خالقهم وفيهم مسلمون مما يلي بلاد النهر نهر جيحون ويغزون الكفار منهم الدائنين بالمجوسية فيبيعون رقيقهم لمن يليهم ويخرجون إلى بلاد خراسان والهند والعراق الأقليم الرابع * يتصل بالثالث من جهة الشمال.
والجزء الاول منه في غربيه قطعة من البحر المحيط مستطيلة من أوله جنوبا إلى آخره شمالا وعليها في الجنوب مدينة طنجة ومن هذه القطعة تحت طنجة من البحر المحيط إلى البحر الرومي في خليج متضايق بمقدار اثني عشر ميلا ما بين طريف والجزيرة الخضراء شمالا وقصر المجاز وسبتة جنوبا ويذهب مشرقا إلى أن ينتهي إلى وسط الجزء الخامس من هذا الاقليم وينفسح في ذهابه بتدريج إلى أن يغمر الاربعة الاجزاء وأكثر الخامس من هذا الاقليم الثالث والخامس كما سنذكره ويسمى هذا البحر البحر الشامي أيضا وفيه جزائر كثيرة أعظمها في جهة الغرب يابسة ثم ما يرقة ثم منرقة ثم سردانية ثم صقلية وهي أعظمها ثم بلونس ثم أقريطش ثم قبرص كما نذكرها كلها في أجزائها التي وقعت فيها ويخرج من هذا البحر الرومي عند آخر الجزء الثالث منه وفي الجزء الثالث من الاقليم الخامس خليج البنادقة يذهب إلى ناحية الشمال ثم ينعطف عند وسط الجزء من جوفه ويمر مغربا إلى أن ينتهي في الجزء الثاني من الخامس ويخرج منه أيضا في اخر الجزء الرابع شرقا من الاقليم الخامس خليج القسطنطينية يمر في الشمال
متضايقا في عرض رمية السهم إلى آخر الاقليم ثم يفضي إلى الجزء الرابع من الاقليم السادس وينعطف إلى بحر نيطش ذاهبا إلى الشرق في الجزء الخامس كله ونصف السادس من الاقليم السادس كما نذكر ذلك في أماكنه وعندما يخرج هذا البحر

(1/65)


الرومي من البحر المحيط في خليج طنجة وينفسح إلى الاقليم الثالث يبقى في الجنوب عن الخليج قطعة صغيرة من هذا الجزء فيها مدينة طنجة على مجمع البحرين وبعدها مدينة سبتة على البحر الرومي ثم قطاون ثم باديس ثم يغمر هذا البحر بقية هذا الجزء شرقا ويخرج إلى الثالث وأكثر العمارة في هذا الجزء في شماله وشمال الخليج منه وهي كلها بلاد الاندلس الغربية منها ما بين البحر المحيط والبحر الرومي أولها طريف عند مجمع البحرين وفي الشرق منها على ساحل البحر الرومي الجزيرة الخضراء ثم مالقة ثم المنقب ثم المرية وتحت هذه من لدن البحر المحيط غربا وعلى مقربة منه شريش ثم لبلة وقبالتها فيه جزيرة فادس وفي الشرق عن شريش ولبلة إشبيلية ثم أستجة وقرطبة ومديلة ثم غرناطة وجيان وأبدة ثم وادياش وبسطة وتحت هذه شنتمرية وشلب على البحر المحيط غربا وفي الشرق عنهما بطليوس وماردة ويابرة ثم غافق وبزجالة ثم قلعة رياح وتحت هذه أشبونة على البحر المحيط غربا وعلى نهر باجة وفي الشرق عنها شنترين وموزية على النهر المذكور ثم قنطرة السيف ويسامت اشبونة من جهة الشرق جبل الشارات يبدأ من المغرب هنالك ويذهب مشرقا مع اخر الجزء من شماليه فينتهي إلى مدينة سالم فيما بعد النصف منه وتحت هذا الجبل طلبيرة في الشرق من فورنة ثم طليطلة ثم وادي الحجارة ثم مدينة سالم وعند أول هذا الجبل فيما بينه وبين أشبونة بلد قلمرية وهذه غربي الاندلس.
وأما شرقي الاندلس فعلى ساحل البحر الرومي منها بعد المرية قرطاجنة ثم لفتة ثم دانية ثم بلنسية إلى طرطوشة آخر الجزء في الشرق وتحتها شمالا ليورقة وشقورة تثاخمان بسطة وقلعة رياح
من غرب الاندلس ثم مرسية شرقا ثم شاطبة تحت بلنسية شمالا ثم شقر ثم طرطوشة ثم طركونة آخر الجزء ثم تحت هذه شمالا أرض منجالة وريدة متاخمان لشقورة وطليطلة من الغرب ثم أفراغة شرقا تحت طرطوشة وشمالا عنها ثم في الشرق عن مدينة سالم قلعة أيوب ثم سرقسطة ثم لاردة آخر الجزء شرقا وشمالا.
والجزء الثاني من هذا الاقليم غمر الماء جميعه إلا قطعة من غربيه في الشمال فيها بقية جبل البرنات ومعناه جبل الثنايا والسالك يخرج إليه من آخر الجزء الاول من الاقليم الخامس يبدأ من الطرف المنتهي من البحر المحيط عند آخر ذلك الجزء جنوبا وشرقا ويمر في الجنوب

(1/66)


بانحراف إلى الشرق فيخرج في هذا الاقليم الرابع منحرفا عن الجزء الاول منه إلى هذا الجزء الثاني فيقع فيه قطعة منه تفضي ثناياها إلى البر المتصل وتسمى أرض غشكونية وفيه مدينة خريدة وقرقشونة وعلى ساحل البحر الرومي من هذه القطعة مدينة برسلونة ثم أربونة وفي هذا البحر الذي غمر الجزء جزائر كثيرة والكثير منها غير مسكون لصغرها ففي غربيه جزيرة سردانية وفي شرقيه جزيرة صقلية متسعة الاقطار يقال إن دورها سبعمائة ميل وبها مدن كثيرة من مشاهيرها سرقوسة وبلرم وطرابغة ومازر ومسيني وهذه الجزيرة تقابل أرض أفريقية وفيما بينهما جزيرة أعدوش ومالطة.
والجزء الثالث من هذا الاقليم مغمور أيضا بالبحر إلا ثلاث قطع من ناحية الشمال الغربية منها أرض قلورية والوسطى من أرض أبكيردة والشرقية من بلاد البنادقة.
والجزء الرابع من هذا الاقليم مغمور أيضا بالبحر كما مر وجزائره كثيرة وأكثرها غير مسكون كما في الثالث والمغمور منها جزيرة بلونس في الناحية الغربية الشمالية وجزيرة أقريطش مستطيلة من وسط الجزء إلى ما بين الجنوب والشرق منه.
والجزء الخامس من هذا الاقليم غمر البحر منه مثلثة كبيرة بين الجنوب والغرب ينتهي الضلع الغربي منها إلى آخر الجزء في الشمال وينتهي الضلع الجنوبي منها إلى
نحو الثلثين من الجزء ويبقى في الجانب الشرقي من الجزء قطعة نحو الثلث يمر الشمالي منها إلى الغرب منعطفا مع البحر كما قلناه وفي النصف الجنوبي منها أسافل الشام ويمر في وسطها جبل اللكام إلى أن ينتهي إلى آخر الشام في الشمال فينعطف من هنالك ذاهبا إلى القطر الشرقي الشمالي ويسمى بعد انعطافه جبل السلسلة ومن هنالك يخرج إلى الاقليم الخامس ويجوز من عند منعطفه قطعة من بلاد الجزيرة إلى جهة الشرق ويقوم من عند منعطفه من جهة المغرب جبال متصلة بعضها ببعض إلى أن ينتهي إلى طرف خارج من البحر الرومي متأخر إلى آخر الجزء من الشمال وبين هذه الجبال ثنايا تسمى الدروب وهي التي تفضي إلى بلاد الارمن وفي هذا الجزء قطعة منها بين هذه الجبال وبين جبل السلسلة فأما الجهة الجنوبية التي قدمنا أن فيها اسافل الشام وأن جبل اللكام معترض فيها بين البحر الرومي وآخر الجزء من الجنوب إلى الشمال فعلى ساحل البحر بلد أنطرطوس في أول الجزء من الجنوب متاخمة

(1/67)


لغزة وطرابلس على ساحله من الاقليم الثالث وفي شمال أنطرطوس جبلة ثم اللاذقية ثم إسكندرونة ثم سلوقية وبعدها شمالا بلاد الروم وأما جبل اللكام المعترض بين البحر وآخر الجزء بحافاته فيصاقبه من بلاد الشام من أعلى الجزء جنوبا من غربيه حصن الحواني وهو للحشيشة الاسماعيلية ويعرفون لهذا العهد بالفداوية ويسمى مصيات وهو قبالة أنطرطوس وقبالة هذا الحصن في شرق الجبل بلد سلمية في الشمال عن حمص وفي الشمال وفي مصيات بين الجبل والبحر بلد أنطاكية ويقابلها في شرق الجبل المعرة وفي شرقها المراغة وفي شمال أنطاكية المصيصة ثم أذنة ثم طرسوس آخر الشام ويحاذيها من غرب الجبل قنسرين ثم عين زربة وقبالة قنسرين في شرق الجبل حلب ويقابل عين زربة منبج آخر الشام.
وأما الدروب فعن يمينها ما بينها وبين البحر الرومي بلاد الروم التي هي لهذا العهد للتركمان وسلطانها ابن عثمان وفي ساحل البحر منها بلد أنطاكية والعلايا.
وأما بلاد الارمن التي بين
جبل الدروب وجبل السلسلة ففيها بلد مرعش وملطية والمعرة إلى آخر الجزء الشمالي ويخرج من الجزء الخامس في بلاد الارمن نهر جيحان ونهر سيحان في شرقيه فيمر بها جيحان جنوبا حتى يتجاوز الدروب ثم يمر بطرسوس ثم بالمصيصة ثم ينعطف هابطا إلى الشمال ومغربا حتى يصب في البحر الرومي جنوب سلوقية ويمر نهر سيحان مؤازيا لنهر جيحان فيحاذي المعرة ومرعش ويتجاوز جبال الدروب إلى أرض الشام ثم يمر بعين زربة ويجوز عن نهر جيحان ثم ينعطف إلى الشمال مغربا فيختلط بنهر جيحان عند المصيصة ومن غربها وأما بلاد الجزيرة التي يحيط بها منعطف جبل اللكام إلى جبل السلسلة ففي جنوبها بلد الرافضة والرقة ثم حران ثم سروج والرها ثم نصيبين ثم سميساط وآمد تحت جبل السلسلة وآخر الجزء من شماله وهو أيضا آخر الجزء من شرقيه ويمر في وسط هذه القطعة نهر الفرات ونهر دجلة يخرجان من الاقليم الخامس ويمران في بلاد الارمن جنوبا إلى أن يتجاوزا جبل السلسلة فيمر نهر الفرات من غربي سميساط وسروج وينحرف إلى الشرق فيمر بقرب الرافضة والرقة ويخرج إلى الجزء السادس ويمر دجلة في شرق آمد وينعطف قريبا إلى الشرق فيخرج قريبا إلى الجزء السادس وفي الجزء السادس من هذا الاقليم من غربيه بلاد الجزيرة وفي

(1/68)


الشرق منها بلاد العراق متصلة بها تنتهي في الشرق إلى قرب آخر الجزء ويعترض من آخر العراق هنالك جبل أصبهان هابطا من جنوب الجزء منحرفا إلى الغرب فإذا انتهى إلى وسط الجزء من آخره في الشمال يذهب مغربا إلى أن يخرج من الجزء السادس ويتصل على سمته بجبل السلسلة في الجزء الخامس فينقطع هذا الجزء السادس بقطعتين غربية وشرقية ففي الغربية من جنوبيها مخرج الفرات من الخامس وفي شماليها مخرج دجلة منه أما الفرات فأول ما يخرج إلى السادس يمر بقرقيسيا ويخرج من هنالك جدول إلى الشمال ينساب في أرض الجزيرة ويغوص في نواحيها ويمر من
قرقيسيا غير بعيد ثم ينعطف إلى الجنوب فيمر بقرب الخابور إلى غرب الرحبة ويخرج منه جداول من هنالك يمر جنوبا ويبقى صفين في غربيه ثم ينعطف شرقا وينقسم بشعوب فيمر بعضها بالكوفة وبعضها بقصر ابن هبيرة وبالجامعين وتخرج جميعا في جنوب الجزء إلى الاقليم الثالث فيغوص هنالك في شرق الحيرة والقادسية ويخرج الفرات من الرحبة مشرقا على سمته إلى هيت من شمالها يمر إلى الزاب والانبار من جنوبهما ثم يصب في دجلة عند بغداد.
وأما نهر دجلة فإذا دخل من الجزء الخامس إلى هذا الجزء يمر بجزيرة ابن عمر على شمالها ثم بالموصل كذلك وتكريت وينتهي إلى الحديثة فينعطف جنوبا وتبقى الحديثة في شرقه والزاب الكبير والصغير كذلك ويمر على سمته جنوبا وفي غرب القادسية إلى أن ينتهي إلى بغداد ويختلط بالفرات ثم يمر جنوبا على غرب جرجرايا إى أن يخرج من الجزء إلى الاقليم الثالث فتنتشر هنالك شعوبه وجداوله ثم يجتمع ويصب هنالك في بحر فارس عند عبادان وفيما بين نهر الدجلة والفرات قبل مجمعهما ببغداد هي بلاد الجزيرة ويختلط بنهر دجلة بعد مفارقته ببغداد نهر آخر يأتي من الجهة الشرقية الشمالية منه وينتهي إلى بلاد النهروان قبالة بغداد شرقا ثم ينعطف جنوبا ويختلط بدجلة قبل خروجه إلى الاقليم الثالث ويبقى ما بين هذا النهر وبين جبل العراق والاعاجم بلد جلولاء وفي شرقها عند الجبل بلد حلوان وصيمرة.
وأما القطعة الغربية من الجزء فيعترضها جبل يبدأ من جبل الاعاجم مشرقا إلى آخر الجزء ويسمى جبل شهرزور ويقسمها بقطعتين في الجنوب من هذه القطعة الصغرى بلد خونجان من الغرب والشمال عن أصبهان وتسمى هذه القطعة بلد الهلوس

(1/69)


وفي وسطها بلد نهاوند وفي شمالها بلد شهرزور غربا عند ملتقى الجبلين والدينور شرقا عند آخر الجزء وفي القطعة الصغرى الثانية طرف من بلاد أرمينية قاعدتها المراغة والذي يقابلها من جبل العراق يسمى باريا وهو مساكن للاكراد والزاب الكبير
والصغير الذي على دجلة من ورائه وفي آخر هذه القطعة من جهة الشرق بلاد أذربيجان ومنها تبريز والبيدقان وفي الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء قطعة من بحر نيطش وهو بحر الخزر وفي الجزء السابع من هذا الاقليم من غربه وجنوبه معظم بلاد الهلوس وفيها همذان وقزوين وبقيتها في الاقليم الثالث وفيها هنالك أصبهان ويحيط بها من الجنوب جبل يخرج من غربها ويمر بالاقليم الثالث ثم ينعطف من الجزء السادس إلى الاقليم الرابع ويتصل بجبل العراق في شرقيه الذي مر ذكره هنالك وإنه محيط ببلاد الهلوس في القطعة الشرقية ويهبط هذا الجبل المحيط بأصبهان من الاقليم الثالث إلى جهة الشمال ويخرج إلى هذا الجزء السابع فيحيط ببلاد الهلوس من شرقها وتحته هنالك قاشان ثم قم وينعطف في قرب النصف من طريقه مغربا بعض الشئ ثم يرجع مستديرا فيذهب مشرقا ومنحرفا إلى الشمال حتى يخرج إلى الاقليم الخامس ويشتمل على منعطفه واستدارته على بلد الري في شرقيه ويبدأ من منعطفه جبل آخر يمر غربا إلى آخر هذا الجزء ومن جنوبه من هنالك قزوين ومن جانبه الشمالي وجانب جبل الري المتصل معه ذاهبا إلى الشرق والشمال إلى وسط الجزء ثم إلى الاقليم الخامس بلاد طبرستان فيما بين هذه الجبال وبين قطعة من بحر طبرستان ويدخل من الاقليم الخامس في هذا الجزء في نحو النصف من غربه إلى شرقه ويعترض عند جبل الري وعند انعطافه إلى الغرب جبل متصل يمر على سمته مشرقا وبانحراف قليل إلى الجنوب حتى يدخل في الجزء الثامن من غربه ويبقى بين جبل الري وهذا الجبل من عند مبدإهما بلاد جرجان فيما بين الجبلين ومنها بسطام ووراء هذا الجبل قطعة من هذا الجزء فيها بقية المفازة التي بين فارس وخراسان وهي في شرقي قاشان وفي آخرها عند هذا الجبل بلد أستراباذ وحافات هذا الجبل من شرقية إلى آخر الجزء بلاد نيسابور من خراسان ففي جنوب الجبل وشرق المفازة بلد نيسابور ثم مرو الشاهجان آخر الجزء وفي شماله وشرقي جرجان بلد مهرجان وخازرون وطوس آخر الجزء شرقا

(1/70)


وكل هذا تحت الجبل وفي الشمال عنها بلاد نسا ويحيط بها عند زاوية الجزئين الشمال والشرق مفاوز معطلة.
وفي الجزء الثامن من هذا الاقليم وفي غربيه نهر جيحون ذاهبا من الجنوب إلى الشمال ففي عدوته الغربية رمم وآمل من بلاد خراسان والظاهرية والجرجانية من بلاد خوارزم ويحيط بالزاوية الغربية الجنوبية منه جبل أستراباذ المعترض في الجزء السابع قبله ويخرج في هذا الجزء من غربيه ويحيط بهذه الزاوية وفيها بقية بلاد هراة والجوزخان حتى يتصل بجبل البتم كما ذكرناه هنالك وفي شرقي نهر جيحون من هذا الجزء وفي الجنوب منه بلاد بخارى ثم بلاد الصغد وقاعدتها سمرقند ثم سردارا وأشنه ومنها خجندة آخر الجزء شرقا وفي الشمال عن سمرقند وسردار وأشنه أرض إيلاق (1) ثم في الشمال عن إيلاق أرض الشاش إلى آخر الجزء شرقا ويأخذ قطعة من الجزء التاسع في جنوب تلك القطعة بقية أرض فرغانة ويخرج من تلك القطعة التي في الجزء التاسع نهر الشاش يمر معترضا في الجزء الثامن إلى أن ينصب في نهر جيحون عند مخرجه من هذا الجزء الثامن في شماله إلى الاقليم الخامس ويختلط معه في أرض إيلاق نهر ياتي من الجزء التاسع من الاقليم الثالث من تخوم بلاد التبت ويختلط معه قبل مخرجه من الجزء التاسع نهر فرغانة وعلى سمت نهر الشاش جبل جبراغون يبدأ من الاقليم الخامس وينعطف شرقا ومنحرفا إلى الجنوب حتى يخرج إلى الجزء التاسع محيطا بأرض الشاش ثم ينعطف في الجزء التاسع فيحيط بالشاش وفرغانة هناك إلى جنوبه فيدخل في الاقليم الثالث وبين نهر الشاش وطرف هذا الجبل في وسط هذا الجزء بلاد فاراب وبينه وبين أرض بخارى وخوارزم مفاوز معطلة وفي زاوية هذا الجزء من الشمال والشرق أرض خجندة وفيها بلد إسبيجاب وطراز.
وفي الجزء التاسع من هذا الاقليم في غربيه بعد أرض فرغانة والشاش أرض الخزلجية في الجنوب وأرض الخليجة في الشمال وفي شرق الجزء كله أرض الكيماكية ويتصل في الجزء العاشر كله إلى جبل قوقيا آخر الجزء شرقا وعلى قطعة من البحر المحيط
هنالك وهو جبل يأجوج ومأجوج وهذه الامم كلها من شعوب الترك.
انتهى الأقليم الخامس * الجزء الاول منه أكثره مغمور بالماء إلا قليلا من جنوبه وشرقه لان البحر المحيط بهذه الجهة الغربية دخل في الاقليم الخامس والسادس
__________
(1) في المشترك اقليم ايلاق متصل باقليم الشاش لا فصل بينهما وهو بكسر الهمزة وسكون اليا بعدها.
ا ه (*)

(1/71)


والسابع عن الدائرة المحيطة بالاقليم فأما المنكشف من جنوبه فقطعة على شكل مثلث متصلة من هنالك بالاندلس وعليها بقيتها ويحيط بها البحر من جهتين كأنهما ضلعان محيطان بزاوية المثلث ففيها من بقية غرب الاندلس سعيور على البحر عند أول الجزء من الجنوب والغرب وسلمنكة شرقا عنها وفي جوفها سمورة وفي الشرق عن سلمنكة أيلة آخر الجنوب وأرض قستالية شرقا عنها وفيها مدينة شقونية وفي شمالها أرض ليون وبرغشت ثم وراءها في الشمال أرض جليقية إلى زاوية القطعة وفيها على البحر المحيط في آخر الضلع الغربي بلد شنتياقو ومعناه يعقوب وفيها من شرق بلاد الاندلس مدينة شطلية عند آخر الجزء في الجنوب وشرقا عن قستالية وفي شمالها وشرقها وشقة وبنبلونة على سمتها شرقا وشمالا وفي غرب بنبلونة قسطالة ثم ناجزة فيها بينها وبين برغشت ويعترض وسط هذه القطعة جبل عظيم محاذ للبحر وللضلع الشمالي الشرقي منه وعلى قرب ويتصل به وبطرف البحر عند بنبلونة في جهة الشرق الذي ذكرنا من قبل أن يتصل في الجنوب بالبحر الرومي في الاقليم الرابع ويصير حجرا على بلاد الاندلس من جهة الشرق وثناياه لها أبواب تفضي إلى بلاد غشكونية من أمم الفرنج فمنها من الاقليم الرابع برشلونة وأربونة على ساحل البحر الرومي وخريدة وفرقشونة وراءهما في الشمال ومنها من الاقليم الخامس طلوشة شمالا عن خريدة.
وأما المنكشف في هذا الجزء من جهة الشرق فقطعة على شكل مثلث مستطيل زاويته الحادة وراء البرنات شرقا وفيها على البحر المحيط على رأس القطعة التي يتصل بها جبل البرنات بلد
نيونة وفي اخر هذه القطعة في الناحية الشرقية الشمالية من الجزء أرض بنطو من الفرنج إلى آخر الجزء.
وفي الجزء الثاني من الناحية الغربية منه أرض غشكونية وفي شمالها أرض بنطو وبرغشت وقد ذكرناهما وفي شرق بلاد غشكونية في شمالها قطعة أرض من البحر الرومي دخلت في هذا الجزء كالضرس مائلة إلى الشرق قليلا وصارت بلاد غشكونية في غربها داخلة في جون من البحر وعلى رأس هذه القطعة شمالا بلاد جنوة وعلى سمتها في الشمال جبل نيت جون وفي شماله وعلى سمته أرض برغونة وفي الشرق عن طرف جنوة الخارج من البحر الرومي طرف آخر خارج منه يبقى بينهما جون داخل من البر في البحر في غربيه نيش وفي شرقيه مدينة رومة

(1/72)


العظمى كرسي ملك الافرنجة ومسكن البابا بطركهم الاعظم وفيها من المباني الضخمة والهياكل الهائلة والكنائس العادية ما هو معروف الاخبار ومن عجائبها النهر الجاري في وسطها من المشرق إلى المغرب مفروش قاعه ببلاط النحاس وفيها كنيسة بطرس وبولس من الحواريين وهما مدفونان بها وفي الشمال عن بلاد رومة بلاد أقرنصيصة إلى آخر الجزء وعلى هذا الطرف من البحر الذي في جنوبه رومة بلاد نابل في الجانب الشرقي منه متصلة ببلد قلورية من بلاد الفرنج وفي شمالها طرف من خليج البنادقة دخل في هذا الجزء من الجزء الثالث مغربا ومحاذيا للشمال من هذا الجزء وانتهى إلى نحو الثلث منه وعليه كثير من بلاد البنادقة دخل في هذا الجزء من جنوبه فيما بينه وبين البحر المحيط ومن شماله بلاد إنكلاية في الاقليم السادس.
وفي الجزء الثالث من هذا الاقليم في غربيه بلاد قلورية بين خليج البنادقة والبحر الرومي يحيط بها من شرقيه يصل من برها في الاقليم الرابع في البحر الرومي في جون بين طرفين خرجا من البحر على سمت الشمال إلى هذا الجزء في شرقي بلاد قلورية بلاد أنكيردة في جون بين خليج البنادقة والبحر الرومي ويدخل طرف من
هذا الجزء في الجون في الاقليم الرابع وفي البحر الرومي ويحيط به من شرقيه خليج البنادقة من البحر الرومي ذاهبا إلى سمت الشمال ثم ينعطف إلى الغرب محاذيا لآخر الجزء الشمالي ويخرج على سمته من الاقليم الرابع جبل عظيم يؤازيه ويذهب معه إلى الشمال ثم يغرب معه في الاقليم السادس إلى أن ينتهي قبالة خليج في شماليه في بلاد إنكلاية من أمم اللمانيين كما نذكر وعلى هذا الخليج وبينه وبين هذا الجبل ما داما ذاهبين إلى الشمال بلاد البنادقة فإذا ذاهبا إلى المغرب فبينهما بلاد حروايا ثم بلاد الالمانيين عند طرف الخليج.
وفي الجزء الرابع من هذا الاقليم قطعة من البحر الرومي خرجت إليه من الاقليم الرابع مضرسة كلها بقطع من البحر ويخرج منها إلى الشمال وبين كل ضرسين منها طرف من البحر في الجون بينهما وفي آخر الجزء شرقا قطع من البحر ويخرج منها إلى الشمال خليج القسطنطينية يخرج من هذا الطرف الجنوبي ويذهب على سمت الشمال إلى أن يدخل في الاقليم السادس وينعطف من هنالك عن قرب مشرقا إلى بحر نيطش في الجزء الخامس وبعض الرابع

(1/73)


قبله والسادس بعده من الاقليم السادس كما نذكر وبلد القسطنطينية في شرقي هذا الخليج عند آخر الجزء من الشمال وهي المدينة العظيمة التي كانت كرسي القياصرة وبها من آثار البناء والضخامة ما كثرت عنه الاحاديث والقطعة التي ما بين البحر الرومي وخليج القسطنطينية من هذا الجزء وفيها بلاد مقدونية التي كانت لليونانيين ومنها ابتداء ملكهم وفي شرقي هذا الخليج إلى آخر الجزء قطعة من أرض باطوس وأظنها لهذا العهد مجالات للتركمان وبها ملك ابن عثمان وقاعدته بها برصة وكانت من قبلهم للروم وغلبهم عليها الامم إلى أن صارت للتركمان.
وفي الجزء الخامس من هذا الاقليم من غربيه وجنوبيه أرض باطوس وفي الشمال عنها إلى آخر الجزء بلاد عمورية وفي شرقي عمورية نهر قباقب الذي يمد الفرات ويخرج من جبل هنالك
ويذهب في الجنوب حتى يخالط الفرات قبل وصوله من هذا الجزء إلى ممره في الاقليم الرابع وهنالك في غربيه آخر الجزء في مبدإ نهر سيحان ثم نهر جيحان غربيه الذاهبين على سمته وقد مر ذكرهما وفي شرقه هنالك مبدأ نهر دجلة الذاهب على سمته وفي مؤازرته حتى يخالطه عند بغداد وفي الزاوية التي بين الجنوب والشرق من هذا الجزء وراء الجبل الذي يبدأ منه نهر دجلة بلد ميافارقين ونهر قباقب الذي ذكرناه يقسم هذا الجزء بقطعتين إحداهما غربية جنوبية وفيها أرض باطوس كما قلناه وأسافلها إلى آخر الجزء شمالا ووراء الجبل الذي يبدأ منه نهر قباقب أرض عمورية كما قلناه والقطعة الثانية شرقية شمالية على الثالث في الجنوب منها مبدأ دجلة والفرات وفي الشمال بلاد البيلقان متصلة بأرض عمورية من وراء جبل قباقب وهي عريضة وفي اخرها عند مبدإ الفرات بلد حرشنة وفي الزاوية الشرقية الشمالية قطعة من بحر نيطش الذي يمده خليج القسطنطينية.
وفي الجزء السادس من هذا الاقليم في جنوبه وغربه بلاد أرمينية متصلة إلى أن يتجاوز وسط الجزء إلى جانب الشرق وفيها بلدان أردن في الجنوب والغرب وفي شمالها تفليس ودبيل وفي شرق أردن مدينة خلاط ثم بردعة في جنوبها بانحراف إلى الشرق مدينة أرمينية ومن هنالك مخرج بلاد أرمينية إلى الاقليم الرابع وفيها هنالك بلد المراغة في شرقي جبل الاكراد المسمى بأرمى وقد مر ذكره في الجزء السادس منه ويتاخم بلاد أرمينية في هذا الجزء وفي الاقليم

(1/74)


الرابع قبله من جهة الشرق فيها بلاد أدربيجان وآخرها في هذا الجزء شرقا بلاد اردبيل على قطعة من بحر طبرستان دخلت في الناحية الشرقية من الجزء السابع ويسمى بحر طبرستان وعليه من شماله في هذا الجزء قطعة من بلاد الخزر وهم التركمان ويبدا من عند آخر هذه القطعة البحرية في الشمال جبال يتصل بعضها ببعض على سمت الغرب إلى الجزء الخامس فتمر فيه منعطفة ومحيطة ببلد ميافارقين ويخرج إلى الاقليم
الرابع عند آمد ويتصل بجبل السلسلة في أسافل الشام ومن هنالك يتصل بجبل اللكام كما مر وبين هذه الجبال الشمالية في هذا الجزء ثنايا كالابواب تفضي من الجانبين ففي جنوبيها بلاد الابواب متصلة في الشرق إلى بحر طبرستان وعليه من هذه البلاد مدينة باب الابواب وتتصل بلاد الابواب في الغرب من ناحية جنوبيها ببلد أرمينية وبينهما في الشرق وبين بلاد أذربيجان الجنوبية بلاد الزاب متصلة إلى بحر طبرستان وفي شمال هذه الجبال قطعة من هذا الجزء في غربها مملكة السرير في الزاوية الغربية الشمالية منها وفي زاوية الجزء كله قطعة أيضا من بحر نيطش الذي يمده خليج القسطنطينية وقد مر ذكره ويحف بهذه القطعة من نيطش بلاد السرير وعليها منها بلد أطرابزيدة وتتصل بلاد السرير بين جبل الابواب والجهة الشمالية من الجزء إلى أن ينتهي شرقا إلى جبل حاجز بينها وبين أرض الخزر وعند آخرها مدينة صول ووراء هذا الجبل الحاجز قطعة من أرض الخزر تنتهي إلى الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء من بحر طبرستان وآخر الجزء شمالا.
والجزء السابع من هذا الاقليم غربيه كله مغمور ببحر طبرستان وخرج من جنوبه في الاقليم الرابع القطعة التي ذكرنا هنالك أن عليها بلاد طبرستان وجبال الديلم إلى قزوين وفي غربي تلك القطعة متصلة بها القطعة التي في الجزء السادس من الاقليم الرابع ويتصل بها من شمالها القطعة التي في الجزء السادس من شرقه أيضا وينكشف من هذا الجزء قطعة عند زاويته الشمالية الغربية يصب فيها نهر أثل في هذا البحر ويبقى من هذا الجزء في ناحية الشرق قطعة منكشفة من البحر هي مجالات للغز من أمم الترك يحيط بها جبل من جهة الجنوب داخل في الجزء الثامن ويذهب في الغرب إلى ما دون وسطه فينعطف إلى الشمال إلى أن يلاقي بحر طبرستان فيحتف به ذاهبا معه إلى بقيته في الاقليم السادس

(1/75)


ثم ينعطف مع طرفه ويفارقه ويسمى هنالك جبل سياه ويذهب مغربا إلى الجزء
السادس من الاقليم السادس ثم يرجع جنوبا إلى الجزء السادس من الاقليم الخامس وهذا الطرف منه وهو الذي اعترض في هذا الجزء بين أرض السرير وأرض الخزر واتصلت بأرض الخزر في الجزء السادس والسابع حافات هذا الجبل المسمى جبل سياه كما سيأتي.
والجزء الثامن من هذا الاقليم الخامس كله مجالات للغز من أمم الترك وفي الجهة الجنوبية الغربية منه بحيرة خوارزم التي يصب فيها نهر جيحون دورها ثلاثمائة ميل ويصب فيها أنهار كثيرة من أرض هذه المجالات وفي الجهة الشمالية الشرقية منه بحيرة عرعون دورها أربعمائة ميل وماؤها حلو وفي الناحية الشمالية من هذا الجزء جبل مرغار ومعناه جبل الثلج لانه لا يذوب فيه وهو متصل بآخر الجزء وفي الجنوب عن بحيرة عرعون جبل من الحجر الصلد لا ينبت شيئا يسمى عرعون وبه سميت البحيرة وينجلب منه ومن جبل مرغار شمالي البحيرة أنهار لا تنحصر عدتها فتصب فيها من الجانبين.
وفي الجزء التاسع من هذا الاقليم بلاد أركس من أمم الترك في غرب بلاد الغز وشرق بلاد الكيماكية ويحف به من جهة الشرق آخر الجزء جبل قوقيا المحيط بيأجوج ومأجوج يعترض هنالك من الجنوب إلى الشمال حتى ينعطف أول دخوله من الجزء العاشر وقد كان دخل إليه من آخر الجزء العاشر من الاقليم الرابع قبله واحتف هنالك بالبحر المحيط إلى آخر الجزء في الشمال ثم انعطف مغربا في الجزء العاشر من الاقليم الرابع إلى ما دون نصفه وأحاط من اوله إلى هنا ببلاد الكيما كية ثم خرج إلى الجزء العاشر من الاقليم الخامس فذهب فيه مغربا إلى آخره وبقيت في جنوبيه من هذا الجزء قطعة مستطيلة إلى الغرب قبل آخر بلاد الكيماكية ثم خرج إلى الجزء التاسع في شرقيه وفي الاعلى منه وانعطف قريبا إلى الشمال وذهب على سمته إلى الجزء التاسع من الاقليم السادس وفيه السد هنالك كما نذكره وبقيت منه القطعة التي أحاط بها جبل قوقيا عند الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء مستطيلة إلى الجنوب وهي من بلاد يأجوج ومأجوج وفي الجزء العاشر من هذا الاقليم
أرض يأجوج متصلة فيه كله إلا قطعة من البحر غمرت طرفا في شرقيه من جنوبه إلى شماله إلا القطعة التي يفصلها إلى جهة الجنوب والغرب جبل قوقيا حين مر فيه وما

(1/76)


سوى ذلك فأرض يأجوج ومأجوج والله سبحانه وتعالى أعلم الأقليم السادس.
فالجزء الاول منه غمر البحر أكثر من نصفه واستدار شرقا مع الناحية الشمالية ثم ذهب مع الناحية الشرقية إلى الجنوب وانتهى قريبا من الناحية الجنوبية فانكشف قطعة من هذه الارض في هذا الجزء داخلة بين الطرفين وفي الزاوية الجنوبية الشرقية من البحر المحيط كالجون فيه وينفسح طولا وعرضا وهي كلها أرض بريطانية وفي بابها بين الطرفين وفي الزاوية الجنوبية الشرقية من هذا الجزء بلاد صاقس متصلة ببلاد بنطو التي مر ذكرها في الجزء الاول والثاني من الاقليم الخامس.
والجزء الثاني من هذا الاقليم دخل البحر المحيط من غربه وشماله فمن غربه قطعة مستطيلة أكبر من نصفه الشمالي من شرق أرض بريطانية في الجزء الاول واتصلت بها القطعة الاخرى في الشمال من غربه إلى شرقه وانفسحت في النصف الغربي منه بعض الشئ وفيه هنالك قطعة من جزيرة أنكلترا وهي جزيرة عظيمة مشتملة على مدن وبها ملك ضخم وبقيتها في الاقليم السابع وفي جنوب هذه القطعة وحزيرتها في النصف الغربي من هذا الجزء بلاد أرمندية وبلاد أفلادش متصلين بها ثم بلاد إفرنسية جنوبا وغربا من هذا الجزء وبلاد برغونية شرقا عنها وكلها لامم الافرنجة وبلاد اللمانيين في النصف الشرقي من الجزء فجنوبه بلاد أنكلاية ثم بلاد برغونية شمالا ثم أرض لهويكة وشطونية وعلى قطعة البحر المحيط في الزاوية الشمالية الشرقية أرض أفريرة وكلها لامم اللمانيين.
وفي الجزء الثالث من هذا الاقليم في الناحية الغربية بلاد مراتية في الجنوب وبلاد شطونية في الشمال وفي الناحية الشرقية بلاد أنكوية في الجنوب وبلاد بلونية في الشمال يعترض بينهما جبل بلواط
داخلا من الجزء الرابع ويمر مغربا بانحراف إلى الشمال إلى أن يقف في بلاد شطونية آخر النصف الغربي.
وفي الجزء الرابع في ناحية الجنوب أرض جثولية وتحتها في الشمال بلاد الروسية ويفصل بينهما جبل بلواط من أول الجزء غربا إلى أن يقف في النصف الشرقي وفي شرق أرض جثولية بلاد جرمانية وفي الزاوية الجنوبية الشرقية أرض القسطنطينية ومدينتها عند آخر الخليج الخارج من البحر الرومي وعند مدفعه في بحر نيطش فيقع قطيعة من بحر نيطش في أعالي الناحية الشرقية من هذا

(1/77)


الجزء ويمدها الخليج وبينهما في الزاوية بلد مسيناه وفي الجزء الخامس من الاقليم السادس ثم في الناحية الجنوبية عند بحر نيطش يتصل من الخليج في آخر الجزء الرابع ويخرج من سمته مشرقا فيمر في هذا الجزء كله وفي بعض السادس على طول ألف وثلاثمائة ميل من مبدإه في عرض ستمائة ميل ويبقى وراء هذا البحر في الناحية الجنوبية من هذا الجزء في غربها إلى شرقها بر مستطيل في غربه هرقلية على ساحل بحر نيطش متصلة بأرض البيلقان من الاقليم الخامس وفي شرقه بلاد اللانية وقاعدتها سوتلي على بحر نيطش وفي شمال بحر نيطش في هذا الجزء غربا أرض ترخان وشرقا بلاد الروسية وكلها على ساحل هذا البحر وبلاد الروسية محيطة ببلاد ترخان من شرقها في هذا الجزء من شمالها في الجزء الخامس من الاقليم السابع ومن غربها في الجزء الرابع من هذا الاقليم.
وفي الجزء السادس في غربيه بقية بحر نيطش وينحرف قليلا إلى الشمال ويبقى بينه هنالك وبين آخر الجزء شمالا بلاد قمانية وفي جنوبه منفسحا إلى الشمال بما انحرف هو كذلك بقية بلاد اللانية التي كانت آخر جنوبه في الجزء الخامس وفي الناحية الشرقية من هذا الجزء متصل أرض الخزر وفي شرقها أرض برطاس وفي الزاوية الشرقية الشمالية أرض بلغار وفي الزاوية الشرقية الجنوبية أرض بلجر يجوزها هناك قطعة من جبل سياكوه المنعطف مع بحر الخزر
في الجزء السابع بعده ويذهب بعد مفارقته مغربا فيجوز في هذه القطعة ويدخل إلى الجزء السادس من الاقليم الخامس فيتصل هنالك بجبل الابواب وعليه من هنالك ناحية بلاد الخزر.
وفي الجزء السابع من هذا الاقليم في الناحية الجنوبية ما جازه جبل سياه بعد مفارقته بحر طبرستان وهو قطعة من أرض الخزر إلى آخر الجزء غربا وفي شرقها القطعة من بحر طبرستان التي يجوزها هذا الجبل من شرقها وشمالها ووراء جبل سياه في الناحية الغربية الشمالية أرض برطاس وفي الناحية الشرقية من الجزء أرض شحرب ويخناك وهم أمم الترك.
وفي الجزء الثامن والناحية الجنوبية منه كلها أرض الجولخ من الترك في الناحية الشمالية غربا والارض المنتنة وشرق الارص التي يقال إن ياجوج وماجوج خرباها قبل بناء السد وفي هذه الارض المنتنة مبدأ نهر الاثل من أعظم أنهار العالم وممره في بلاد الترك ومصبه في بحر طبرستان في الاقليم

(1/78)


الخامس في الجزء السابع منه وهو كثيرا لانعطاف يخرج من جبل من الارض المنتنة من ثلاثة ينابيع تجتمع في نهر واحد ويمر على سمت الغرب إلى آخر السابع من هذا الاقليم فينعطف شمالا إلى الجزء السابع من الاقليم السابع فيمر في طرفه بين الجنوب والمغرب فيخرج في الجزء السادس من السابع ويذهب مغربا غير بعيد ثم ينعطف ثانية إلى الجنوب ويرجع إلى الجزء السادس من الاقليم السادس ويخرج منه جدول يذهب مغربا ويصب في بحر نيطش في ذلك الجزء ويمر هو في قطعة بين الشمال والشرق في بلاد بلغار فيخرج في الجزء السابع من الاقليم السادس ثم ينعطف ثالثة إلى الجنوب وينفذ في جبل سياه ويمر في بلاد الخزر ويخرج إلى الاقليم الخامس في الجزء السابع منه فيصب هنالك في بحر طبرستان في القطعة التي انكشفت من الجزء عند الزاوية الغربية الجنوبية.
والجزء التاسع من هذا الاقليم في الجانب الغربي منه بلاد خفشاخ من الترك وهم قفجاق وبلاد السركس منهم أيضا وفي الشرق منه
بلاد ياجوج يفصل بينهما جبل قوقيا المحيط وقد مر ذكره يبدأ من البحر المحيط في شرق الاقليم الرابع ويذهب معه إلى آخر الاقليم في الشمال ويفارقه مغربا وبانحراف إلى الشمال حتى يدخل في الجزء التاسع من الاقليم الخامس فيرجع إلى سمته الاول حتى يدخل في هذا الجزء التاسع من الاقليم من جنوبه إلى شماله بانحراف إلى المغرب وفي وسطه ههنا السد الذي بناه الاسكندر ثم يخرج على سمته إلى الاقليم السابع وفي الجزء التاسع منه فيمر فيه إلى الجنوب إلى أن يلقى البحر المحيط في شماله ثم ينعطف معه من هنالك مغربا إلى الاقليم السابع إلى الجزء الخامس منه فيتصل هنالك بقطعة من البحر المحيط في غربيه وفي وسط هذا الجزء التاسع هو السد الذي بناه الاسكندر كما قلناه والصحيح من خبره في القرآن وقد ذكر عبد الله بن خرداذبة في كتابه في الجغرافيا أن الواثق رأى في منامه كأن السد انفتح فانتبه فزعا وبعث سلاما الترجمان فوقف عليه وجاء بخبره ووصفه في حكاية طويلة ليست من مقاصد كتابنا هذا وفي الجزء العاشر من هذا الاقليم بلاد ماجوج متصلة فيه إلى آخره على قطعة من هنالك من البحر المحيط أحاطت به من شرقه وشماله مستطيلة في الشمال وعريضة بعض الشئ في الشرق

(1/79)


الاقليم السابع * والبحر المحيط قد غمر عامته من جهة الشمال إلى وسط الجزء الخامس حيث يتصل بجبل قوقيا المحيط بيإجوج ومأجوج.
فالجزء الاول والثاني مغموران بالماء إلا ما انكشف من جزيرة أنكلترا التي معظمها في الثاني وفي الاول منها طرف انعطف بانحراف إلى الشمال وبقيتها مع قطعة من البحر مستديرة عليه في الجزء الثاني من الاقليم السادس وهي مذكورة هناك والمجاز منها إلى البر في هذه القطعة سعة اثني عشر ميلا ووراء هذه الجزيرة في شمال الجزء الثاني جزيرة رسلاندة مستطيلة من الغرب إلى الشرق.
والجزء الثالث من هذا الاقليم مغمور
أكثره بالبحر إلا قطعة مستطيلة في جنوبه وتتسع في شرقها وفيها هنالك متصل أرض فلونية التي مر ذكرها في الثالث من الاقليم السادس وأنها في شماله وفي القطعة من البحر التي تغمر هذا الجزء ثم في الجانب الغربي منها مستديرة فسيحة وتتصل بالبر من باب في جنوبها يفضي إلى بلاد فلونية وفي شمالها جزيرة برعاقبة (وفي نسخة بوقاعة) مستطيلة مع الشمال من المغرب إلى المشرق.
والجزء الرابع من هذا الاقليم شماله كله مغمور بالبحر المحيط من المغرب إلى المشرق وجنوبه منكشف وفي غربه أرض قيمازك من الترك وفي شرقها بلادطست ثم أرض رسلان إلى آخر الجزء شرقا وهي دائمة الثلوج وعمرانها قليل ويتصل ببلاد الروسية في الاقليم السادس وفي الجزء الرابع والخامس منه وفي الجزء الخامس من هذا الاقليم في الناحية الغربية منه بلاد الروسية وينتهي في الشمال إلى قطعة من البحر المحيط التي يتصل بها جبل قوقيا كما ذكرناه من قبل وفي الناحية الشرقية منه متصل أرض القمانية التي على قطعة بحر نيطش من الجزء السادس من الاقليم السادس وينتهي إلى بحيرة طرمى من هذا الجزء وهي عذبة تنجلب إليها أنهار كثيرة من الجبال عن الجنوب والشمال وفي شمال الناحية الشرقية من هذا الجزء أرض التتارية من الترك (وفي نسخة التركمان) إلى آخره.
وفي الجزء السادس من الناحية الغربية الجنوبية متصل بلاد القمانية وفي وسط الناحية بحيرة عثور عذبة تنجلب إليها الانهار من الجبال في النواحي الشرقية وهي جامدة دائما لشدة البرد إلا قليلا في زمن الصيف وفى شرق بلاد القمانية بلاد

(1/80)


الروسية التي كان مبدأها في الاقليم السادس في الناحية الشرقية الشمالية من الجزء الخامس منه وفي الزاوية الجنوبية الشرقية من هذا الجزء بقية أرض بلغر التي كان مبدأها في الاقليم السادس وفي الناحية الشرقية الشمالية من الجزء السادس منه وفي وسط هذه القطعة من أرض بلغر منعطف نهر أثل القطعة الاولى إلى الجنوب
كما مرو في آخر هذا الجزء السادس من شماله جبل قوقيا متصل من غربه إلى شرقه وفي الجزء السابع من هذا الاقليم في غربه بقية أرض يخناك من أمم الترك وكان مبدأها من الناحية الشمالية الشرقية من الجزء السادس قبله وفي الناحية الجنوبية الغربية من هذا الجزء ويخرج إلى الاقليم السادس من فوقه وفي الناحية الشرقية بقية أرض سحرب ثم بقية الارض المنتنة إلى آخر الجزء شرقا وفي آخر الجزء من جهة الشمال جبل قوقيا المحيط متصلا من غربه إلى شرقه.
وفي الجزء الثامن من هذا الاقليم في الجنوبية الغربية منه متصل الارض المنتنة وفي شرقها الارض المحفورة وهي من العجائب خرق عظيم في الارض بعيد المهوى فسيح الافطار ممتنع الوصول إلى قعره يستدل على عمرانه بالدخان في النهار والنيران في الليل تضئ وتخفى وربما رئي فيها نهر يشقها من الجنوب إلى الشمال وفي الناحية الشرقية من هذا الجزء البلاد الخراب المتاخمة للسد وفي آخر الشمال منه جبل قوقيا متصلا من الشرق إلى الغرب وفي الجزء التاسع من هذا الاقليم في الجانب الغربي منه بلاد خفشاخ وهم قفجق يجوزها جبل قوقيا حين ينعطف من شماله عنه البحر المحيط ويذهب في وسطه إلى الجنوب بانحراف إلى الشرق فيخرج في الجزء التاسع من الاقليم السادس ويمر معترضا فيه وفي وسطه هنالك سد ياجوج وماجوج وقد ذكرناه وفي الناحية الشرقية من هذا الجزء أرض ياجوج وراء جبل قوقيا على البحر قليلة العرض مستطيلة أحاطت به من شرقه وشماله.
والجزء العاشر غمر البحر جميعه.
هذا آخر الكلام على الجغرافيا وأقاليمها السبعة وفي خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات للعالمين

(1/81)


المقدمة الثالثة في المعتدل من الاقاليم والمنحرف وتاثير الهواء في الوان البشر والكثير في احوالهم
قد بينا أن المعمور من هذا المنكشف من الارض إنما هو وسطه لافراط الحر في الجنوب منه والبرد في الشمال.
ولما كان الجانبان من الشمال والجنوب متضادين من الحر والبرد وجب أن تتدرج الكيفية من كليهما إلى الوسط فيكون معتدلا فالاقليم الرابع أعدل العمران والذي حافاته من الثالث والخامس أقرب إلى الاعتدال والذي يليهما والثاني والسادس بعيدان من الاعتدال والاول والسابع أبعد بكثير فلهذا كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس والاقوات والفواكه بل والحيوانات وجميع ما يتكون في هذه الاقاليم الثلاثة المتوسطة مخصوصة بالاعتدال وسكانها من البشر أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا وأديانا حتى النبؤات فإنما توجد في الاكثر فيها ولم نقف على خبر بعثة في الاقاليم الجنوبية ولا الشمالية وذلك أن الانبياء والرسل إنما يختص بهم أكمل النوع في خلقهم وأخلاقهم.
قال تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس وذلك ليتم القبول بما يأتيهم به الانبياء من عند الله وأهل هذه الاقليم أكمل لوجود الاعتدال لهم فتجدهم على غاية من التوسط في مساكنهم وملابسهم وأقواتهم وصنائهم يتخذون البيوت المنجدة بالحجارة المنمقة بالصناعة ويتناغون في استجادة الآلات والمواعين ويذهبون في ذلك إلى الغاية وتوجد لديهم المعادن الطبيعية من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والقصدير ويتصرفون في معاملاتهم بالنقدين العزيزين ويبعدون عن الانحراف في عامة احوالهم وهؤلاء أهل المغرب والشام والحجاز واليمن والعراقين والهند والسند والصين وكذلك الاندلس ومن قرب منها من الفرنجة والجلالقة والروم واليونانيين ومن كان مع هؤلاء أو قريبا منهم في هذه الاقاليم المعتدلة ولهذا كان العراق والشام أعدل هذه كلها لانها وسط من جميع الجهات وأما الاقاليم البعيدة من الاعتدال مثل الاول والثاني والسادس والسابع فأهلها أبعد من الاعتدال في جميع أحوالهم فبناؤهم بالطين

(1/82)


والقصب وأقواتهم من الذرة والعشب وملابسهم من أوراق الشجر يخصفونها عليهم أو الجلود وأكثرهم عرايا من اللباس وفواكه بلادهم وأدمها غريبة التكوين مائلة إلى الانحراف ومعاملاتهم بغير الحجرين الشريفين من نحاس أو حديد أو جلود يقدرونها للمعاملات وأخلاقهم مع ذلك قريبة من خلق الحيوانات العجم حتى لينقل عن الكثير من السودان أهل الاقليم الاول أنهم يسكنون الكهوف والغياض وياكلون العشب وأنهم متوحشون غير مستأنسين يأكل بعضهم بعضا وكذا الصقالبة والسبب في ذلك أنهم لبعدهم عن الاعتدال يقرب عرض أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الحيوانات العجم ويبعدون عن الانسانية بمقدار ذلك وكذلك أحوالهم في الديانة أيضا فلا يعرفون نبؤة ولا يدينون بشريعة إلا من قرب منهم من جوانب الاعتدال وهو في الاقل النادر مثل الحبشة المجاورين لليمن الدائنين بالنصرانية فيما قبل الاسلام وما بعده لهذا العهد ومثل أهل مالي وكوكوو التكرور المجاورين لارض المغرب الدائنين بالاسلام لهذا العهد يقال إنهم دانوا به في المائة السابعة ومثل من دان بالنصرانية من أمم الصقالبة والافرنجة والترك من الشمال ومن سوى هؤلاء من أهل تلك الاقاليم المنحرفة جنوبا وشمالا فالدين مجهول عندهم والعلم مفقود بينهم وجميع أحوالهم بعيدة من أحوال الاناسي قريبة من أحوال البهائم ويخلق ما لا تعلمون.
ولا يعترض على هذا القول بوجود اليمن وحضرموت والاحقاف وبلاد الحجاز واليمامة وما يليها من جزيرة العرب في الاقليم الاول والثاني فإن جزيرة العرب كلها أحاطت بها البحار من الجهات الثلاث كما ذكرنا فكان لرطوبتها أثر في رطوبة هوائها فنقص ذلك من اليبس والانحراف الذي يقتضيه الحر وصار فيها بعض الاعتدال بسبب رطوبة البحر.
وقد توهم بعض النسابين ممن لا علم لديه بطبائع الكائنات أن السودان هم ولد حام بن نوح اختصوا بلون السواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه وفيما جعل الله من الرق في عقبه وينقلون في ذلك حكاية
من خرافات القصاص ودعاء نوح على ابنه حام قد وقع في التوراة وليس فيه ذكر السواد وإنما دعا عليه بأن يكون ولده عبيدا لولد إخوته لاغير وفي القول بنسبة السواد إلى حام غفلة عن طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء وفيما يتكون فيه

(1/83)


من الحيوانات وذلك أن هذا اللون شمل أهل الاقليم الاول والثاني من مزاج هوائهم للحرارة المتضاعفة بالجنوب فإن الشمس تسامت رؤوسهم مرتين في كل سنة قريبة إحداهما من الاخرى فتطول المسامتة عامة الفصول فيكثر الضوء لاجلها ويلح القيظ الشديد عليهم وتسود جلودهم لافراط الحر ونظير هذين الاقليمين مما يقابلهما من الشمال الاقليم السابع والسادس شمل سكانهما أيضا البياض من مزاج هوائهم للبرد المفرط بالشمال إذ الشمس لا تزال بأفقهم في دائرة مرأى العين أو ما قرب منها ولا ترتفع إلى المسامتة ولا ما قرب منها فيضعف الحر فيها ويشند البرد عامة الفصول فتبيض ألوان أهلها وتنتهي إلى الزعورة ويتبع ذلك ما يقتضيه مزاج البرد المفرط من زرقة العيون وبرش الجلود وصهوبة الشعور وتوسطت بينهما الاقاليم الثلاثة الخامس والرابع والثالث فكان لها في الاعتدال الذي هو مزاج المتوسط حظ وافر والرابع ابلغها في الاعتدال غاية لنهايته في التوسط كما قدمناه فكان لاهله من الاعتدال في خلقهم وخلقهم ما اقتبضاه مزاج أهويتهم وتبعه من جانبيه الثالث والخامس وإن لم يبلغا غاية التوسط لميل هذا قليلا إلى الجنوب الحار وهذا قليلا إلى الشمال البارد إلا أنهما لم ينتهيا إلى الانحراف وكانت الاقاليم الاربعة منحرفة وأهلها كذلك في خلقهم وخلقهم فالاول والثاني للحر والسواد والسابع للبرد والبياض ويسمى سكان الجنوب من الاقليمين الاول والثاني باسم الحبشة والزنج والسودان أسماء مترادفة على الامم المتغيرة بالسواد وإن كان اسم الحبشة مختصا منهم بمن تجاه مكة واليمن والزنج بمن تجاه بحر الهند وليست هذه الاسماء لهم من أجل انتسابهم
إلى آدمى أسود لاحام ولاغيره وقد نجد من السودان أهل الجنوب من يسكن الربع المعتدل أو السابع المنحرف إلى البياض فتبيض ألوان أعقابهم على التدريج مع الايام وبالعكس فيمن يسكن من أهل الشمال أو الرابع بالجنوب فتسود ألوان أعقابهم وفي ذلك دليل على أن اللون تابع لمزاج الهواء قال ابن سينا في أرجوزته في الطب بالزنج حر غير الاجسادا * حتى كسا جلودها سوادا والصقلب اكتسب البياضا * حتى غدت جلودها بصاضا

(1/84)


وأما أهل الشمال فلم يسموا باعتبار ألوانهم لان البياض كان لونا لاهل تلك اللغة الواضعة للاسماء فلم يكن فيه غرابة تحمل على اعتباره في التسمية لموافقته واعتياده ووجدنا سكانه من الترك والصقالبة والطغر غر والخزر واللان والكثير من الافرنجة وياجوج وماجوج أسماء متفرقة وأجيالا متعددة مسمين بأسماء متنوعة وأما أهل الاقاليم الثلاثة المتوسطة أهل الاعتدال في خلقهم وخلقهم وسيرهم وكافة الاحوال الطبيعية للاعتمار لديهم من المعاش والمساكن والصنائع والعلوم والرئاسات والملك فكانت فيهم النبؤات والملك والدول والشرائع والعلوم والبلدان والامصار والمباني والفراسة والصنائع الفائقة وسائر الاحوال المعتدلة وأهل هذه الاقاليم التي وقفنا على أخبارهم مثل العرب والروم وفارس وبني اسرائيل واليونان وأهل السند والهند والصين.
ولما رأى النسابون اختلاف هذه الامم بسماتها وشعارها حسبوا ذلك لاجل الانساب فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ولد حام وارتابوا في ألوانهم فتكلفوا نقل تلك الحكاية الواهية وجعلوا أهل الشمال كلهم أو أكثرهم من ولد يافث وأكثر الامم المعتدلة وأهل الوسط المنتحلين للعلوم و الصنائع والملل والشرائع والسياسة والملك من ولد سام وهذا الزعم وإن صادف الحق في انتساب
هؤلاء فليس ذلك بقياس مطرد إنما هو اخبار عن الواقع لا أن تسمية أهل الجنوب بالسودان والحبشان من أجل انتسابهم إلى حام الاسود.
وما أداهم إلى هذا الغلط إلا اعتقادهم أن التمييز بين الامم إنما يقع بالانساب فقط وليس كذلك فإن التمييز للجيل أو الامة يكون بالنسب في بعضهم كما للعرب وبني إسرائيل والفرس ويكون بالجهة والسمة كما للزنج والحبشة والصقالبة والسودان ويكون بالعوائد والشعار والنسب كما للعرب.
ويكون بغير ذلك من أحوال الامم وخواصهم ومميزاتهم فتعميم القول في أهل جهة معينة من جنوب أو شمال بأنهم من ولد فلان المعروف لما شملهم من نحلة أو لون أو سمة وجدت لذلك الاب إنما هو من الاغاليط التي اوقع فيها الغفلة عن طبائع الاكوان والجهات وإن هذه كلها تتبدل في الاعقاب ولا يجب استمرارها سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا والله ورسوله أعلم بغيبه وأحكم وهو المولى المنعم الرؤوف الرحيم

(1/85)


المقدمة الرابعة في اثر الهواء في اخلاق البشر قد رأينا من خلق السودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع موصوفين بالحمق في كل قطر والسبب الصحيح في ذلك أنه تقرر في موضعه من الحكمة أن طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه وطبيعة الحزن بالعكس وهو انقباضه وتكاثفه.
وتقرر أن الحرارة مفشية للهواء والبخار مخلخلة له زائدة في كميته ولهذا يجد المنتشي من الفرح والسرور ما لا يعبر عنه وذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة الغريزية التي تبعثها سورة الخمر في الروح من مزاجه فيتفشى الروح وتجئ طبيعة الفرح وكذلك نجد المتنعمين بالحمامات إذا تنفسوا في هوائها واتصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت
لذلك حدث لهم فرح وربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور.
ولما كان السودان ساكنين في الاقليم الحار واستولى الحر على أمزجتهم وفي أصل تكوينهم كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانهم وإقليمهم فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الاقليم الرابع أشد حرا فتكون أكثر تفشيا فتكون أسرع فرحا وسرورا وأكثر انبساطا ويجئ الطيش على أثر هذه وكذلك يلحق بهم قليلا أهل البلاد البحرية لما كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته كانت حصتهم من توابع الحرارة في الفرح والخفة موجودة أكثر من بلاد التلول والجبال الباردة وقد نجد يسيرا من ذلك في أهل البلاد الجزيرية من الاقليم الثالث لتوفر الحرارة فيها وفي هوائها لانها عريقة في الجنوب عن الارياف والتلول واعتبر ذلك أيضا باهل مصر فإنها مثل عرض البلاد الجزيرية أو قريبا منها كيف غلب الفرح عليهم والخفة والغفلة عن العواقب حتى انهم لا يدخرون أقوات سنتهم ولا شهرهم وعامة مأكلهم من أسواقهم.
ولما كانت فاس من بلاد المغرب بالعكس منها في التوغل في التلول الباردة كيف ترى أهلها مطرقين إطراق الحزن وكيف أفرطوا في نظر العواقب حتى إن الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبوب

(1/86)


الحنطة ويباكر الاسواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يرزأ شيئا من مدخره وتتبع ذلك في الاقاليم والبلدان تجد في الاخلاق أثرا من كيفيات الهواء والله الخلاق العليم وقد تعرض المسعودي للبحث عن السبب في خفة السودان وطيشهم وكثرة الطرب فيهم وحاول تعليله فلم يأت بشئ أكثر من أنه نقل عن جالينوس ويعقوب بن إسحاق الكندي أن ذلك لضعف ادمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم وهذا كلام لا محصل له ولا برهان فيه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم المقدمة الخامسة في اختلاف احوال العمران في الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك
من الآثار في ابدان البشر واخلاقهم إعلم أن هذه الاقاليم المعتدلة ليس كلها يوجد بها الخصب ولا كل سكانها في رغد من العيش بل فيها ما يوجد لاهله خصب العيش من الحبوب والادم والحنطة والفواكه لزكاء المنابت واعتدال الطينة ووفور العمران وفيها الارض الحرة التي لا تنبت زرعا ولا عشبا بالجملة فسكانها في شظف من العيش مثل أهل الحجاز وجنوب اليمن ومثل الملثمين من صنهاجة الساكنين بصحراء المغرب وأطراف الرمال فيما بين البربر والسودان فإن هؤلاء يفقدون الحبوب والادم جملة وإنما أغذيتهم وأقواتهم الالبان واللحوم ومثل العرب أيضا الجائلين في القفار فإنهم وإن كانوا يأخذون الحبوب والادم من التلول إلا أن ذلك في الاحايين وتحت ربقة من حاميتها وعلى الاقلال لقلة وجدهم فلا يتوصلون منه إلى سد الخلة أو دونها فضلا عن الرغد والخصب وتجدهم يقتصرون في غالب أحوالهم على الالبان وتعوضهم من الحنطة احسن معاض وتجد مع ذلك هؤلاء الفاقدين للحبوب والادم من أهل القفار أحسن حالا في جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش فألوانهم أصفى وأبدانهم أنقى وأشكالهم أتم وأحسن وأخلاقهم أبعد من الانحراف وأذهانهم اثقب في المعارف والادراكات هذا أمر تشهد له التجربة في كل جيل منهم فكثير ما بين العرب والبربر فيما وصفناه وبين الملثمين وأهل التلول يعرف ذلك من خبره

(1/87)


والسبب في ذلك والله أعلم أن كثرة الاغذية وكثرة الاخلاط الفاسدة العفنة ورطوباتها تولد في الجسم فضلات رديئة تنشأ عنها بعد إقطارها في غير نسبة ويتبع ذلك انكساف الالوان وقبح الاشكال من كثرة اللحم كما قلناه وتغطي الرطوبات على الاذهان والافكار بما يصعد إلى الدماغ من أبخرتها الردية فتجئ البلادة والغفلة والانحراف عن الاعتدال بالجملة واعتبر ذلك في حيوان القفر ومواطن
الجدب من الغزال والنعام والمها والزرافة والحمر الوحشية والبقر مع أمثالها من حيوان التلول والارياف والمراعي الخصبة كيف تجد بينها بونا بعيدا في صفاء أديمها وحسن رونقها وأشكالها وتناسب أعضائها وحدة مداركها فالغزال أخو المعز والزرافة أخو البعير والحمار والبقر أخو الحمار والبقر والبون بينها ما رأيت وماذاك إلا لاجل أن الخصب في التلول فعل في أبدان هذه من الفضلات الردية والاخلاط الفاسدة ما ظهر عليها أثره والجوع لحيوان القفر حسن في خلقها وأشكالها ما شاء واعتبر ذلك في الآدميين أيضا فإنا نجد أهل الاقاليم المخصبة العيش الكثيرة الزرع والضرع والادم والفواكه يتصف أهلها غالبا بالبلادة في أذهانهم والخشونة في أجسامهم وهذا شان البربر المنغمسين في الادم والحنطة مع المتقشفين في عيشهم المقتصرين على الشعير أو الذرة مثل المصامدة منهم وأهل غمارة والسوس فتجد هؤلاء أحسن حالا في عقولهم وجسومهم وكذا أهل بلاد المغرب على الجملة المنغمسين في الادم والبر مع أهل الاندلس المفقود بأرضهم السمن جملة وغالب عيشهم الذرة فتجد لاهل الاندلس من ذكاء العقول وخفة الاجسام وقبول التعليم ما لا يوجد لغيرهم وكذا أهل الضواحي من المغرب بالجملة مع أهل الحضر والامصار فإن الامصار وإن كانوا مكثرين مثلهم من الادم ومخصبين في العيش إلا أن استعمالهم إياها بعد العلاج بالطبخ والتلطيف بما يخلطون معها فيذهب لذلك غلظها ويرق قوامها وعامة ما كلهم لحوم الضأن والدجاج ولا يغبطون السمن من بين الادم لتفاهته فتقل الرطوبات لذلك في أغذيتهم ويخف ما تؤديه إلى أجسامهم من الفضلات الردية فلذلك تجد جسوم أهل الامصار ألطف من جسوم البادية المخشنين في العيش وكذلك تجد المعودين بالجوع من أهل البادية لا فضلات في جسومهم غليظة ولا لطيفة.
واعلم

(1/88)


أن أثر هذا الخصب في البدن وأحواله يظهر حتى في حال الدين والعبادة فنجد
المتقشفين من أهل البادية أو الحاضرة ممن يأخذ نفسه بالجوع والتجا في عن الملاذ أحسن دينا وإقبالا على العبادة من أهل الترف والخصب بل نجد أهل الدين قليلين في المدن والامصار لما يعمها من القساوة والغفلة المتصلة بالاكثار من اللحمان والادم ولباب البر ويختص وجود العباد والزهاد لذلك بالمتقشفين في غذائهم من أهل البوادي وكذلك نجد هؤلاء المخصبين في العيش المنغمسين في طيباته من أهل البادية ومن أهل الحواضر والامصار إذا نزلت بهم السنون وأخذتهم المجاعات يسرع إليهم الهلاك أكثر من غيرهم مثل برابرة المغرب وأهل مدينة فاس ومصر فيما يبلغنا لا مثل العرب أهل القفر والصحراء ولا مثل أهل بلاد النخل الذين غالب عيشهم التمر ولا مثل أهل أفريقية لهذا العهد الذين غالب عيشهم الشعير والريت وأهل الاندلس الذين غالب عيشهم الذرة والزيت فإن هؤلاء وإن أخذتهم السنون والمجاعات فلا تنال منهم ما تنال من أولئك ولا يكثر فيهم الهلاك بالجوع بل ولا يندر والسبب في ذلك والله أعلم أن المنغمسين في الخصب المتعودين للادم والسمن خصوصا تكتسب من ذلك أمعاؤهم رطوبة فوق رطوبتها الاصلية المزاجية حتى تجاوز حدها فإذا خولف بها العادة بقلة الاقوات وفقدان الادم واستعمال الخشن غير المألوف من الغذاء أسرع إلى المعا اليبس والانكماش وهو ضعيف في الغاية فيسرع إليه المرض ويهلك صاحبه دفعة لانه من المقاتل فالهالكون في المجاعات إنما قتلهم الشبع المعتاد السابق لا الجوع الحادث اللاحق.
وأما المتعودون لقلة الادم والسمن فلا تزال رطوبتهم الاصلية واقفة عند حدها من غير زيادة وهي قابلة لجميع الاغذية الطبيعية فلا يقع في معاهم بتبدل الاغذية يبس ولا انحراف فيسلمون في الغالب من الهلاك الذي يعرض لغيرهم بالخصب وكثرة الادم في المآكل وأصل هذا كله أن تعلم أن الاغذية وائتلافها أو تركها إنما هو بالعادة فمن عود نفسه غذاء ولاءمه تناوله كان له مألوفا وصار الخروج عنه والتبدل به داء
ما لم يخرج عن غرض الغذاء بالجملة كالسموم واليتوع (1) وما أفرط في الانحراف
__________
(1) قال في القاموس اليتوع كصور أو تنور نبات له لبن دار مسهل محرق مقطع والمشهور منه سبعة (*)

(1/89)


فأما ما وجد فيه التغذي والملاءمة فيصير غذاء مألوفا بالعادة فإذا أخذ الانسان نفسه باستعمال اللبن والبقل عوضا عن الحنطة حتى صار له ديدنا فقد حصل له ذلك غذاء واستغنى به عن الحنطة والحبوب من غير شك وكذا من عود نفسه الصبر على الجوع والاستغناء عن الطعام كما ينقل عن أهل الرياضيات فإنا نسمع عنهم في ذلك أخبارا غريبة يكاد ينكرها من لا يعرفها والسبب في ذلك العادة فإن النفس إذا ألفت شيئا صار من جبلتها وطبيعتها لانها كثيرة التلون فإذا حصل لها اعتياد الجوع بالتدريج والرياضة فقد حصل ذلك عادة طبيعية لها وما يتوهمه الاطباء من أن الجوع مهلك فليس على ما يتوهمونه إلا إذا حملت النفس عليه دفعة وقطع عنها الغذاء بالكلية فإنه حينئذ ينحسم المعاء ويناله المعرض الذي يخشى معه الهلاك وأما إذا كان ذلك القدر تدريجا ورياضة بإقلال الغذاء شيئا فشيئا كما يفعله المتصوفة فهو بمعزل عن الهلاك وهذا التدريج ضروري حتى في الرجوع عن هذه الرياضة فإنه إذا رجع به إلى الغذاء الاول دفعة خيف عليه الهلاك وإنما يرجع به كما بدأ في الرياضة بالتدريج ولقد شاهدنا من يصبر على الجوع أربعين يوما وصالا وأكثر.
وحضر أشياخنا بمجلس السلطان أبي الحسن وقد رفع إليه امرأتان من أهل الجزيرة الخضراء ورندة حبستا أنفسهما عن الاكل جملة منذ سنين وشاع أمرهما ووقع اختبارهما فصح شأنهما واتصل على ذلك حالهما إلى أن ماتتا ورأينا كثيرا من أصحابنا أيضا من يقتصر على حليب شاة من المعز يلتقم ثديها في بعض النهار أو عند الافطار ويكون ذلك غذاءه واستدام على ذلك خمس عشرة سنة وغيرهم كثير ولا يستنكر ذلك.
واعلم أن الجوع أصلح للبدن من إكثار الاغذية بكل وجه لمن
قدر عليه أو على الاقلال منها وإن له أثرا في الاجسام والعقول في صفائها وصلاحهما كما قلناه واعتبر ذلك بآثار الاغذية التي تحصل عنها في الجسوم فقد رأينا المتغذين بلحوم الحيوانات الفاخرة العظيمة الجثمان تنشأ أجيالهم كذلك وهذا مشاهد في أهل البادية مع أهل الحاضرة وكذا المتغذون بألبان الابل ولحومها أيضا مع ما يؤثر في
__________
الشبرم واللاعية والعرطنشيا والماهودانة والمازربون والفلجلشت والعشر وكل اليتوعات إذا استعملت في غير وجهها هلكت.
اه (*)

(1/90)


أخلاقهم من الصبر والاحتمال والقدرة على حمل الاثقال الموجود ذلك للابل وتنشأ أمعاؤهم أيضا على نسبة أمعاء الابل في الصحة والغلظ فلا يطرقها الوهن ولا ينالها من مدار الاغذية ما ينال غيرهم فيشربون اليتوعات لاستطلاق بطونهم غير محجوبة كالحنظل قبل طبخه والدرياس والقربيون ولا ينال أمعاءهم منها ضرر وهي لو تناولها أهل الحضر الرقيقة أمعاؤهم بما نشأت عليه من لطيف الاغذية لكان الهلاك أسرع إليهم من طرفة العين لما فيها من السمية ومن تأثير الاغذية في الابدان ما ذكره أهل الفلاحة وشاهده أهل التجربة أن الدجاج إذا غذيت بالحبوب المطبوخة في بعر الابل واتخذ بيضها ثم حضنت عليه جاء الدجاج منها أعظم ما يكون وقد يستغنون عن تغذيتها وطبخ الحبوب بطرح ذلك البعر مع البيض المحضن فيجئ دجاجها في غاية العظم وأمثال ذلك كثيرة فإذا رأينا هذه الآثار من الاغذية في الابد ان فلا شك أن للجوع أيضا آثارا في الابدان لان الضدين على نسبة واحدة في التأثير وعدمه فيكون تأثير الجوع في نقاء الابدان من الزيادات الفاسدة والرطوبات المختلطة المخلة بالجسم والعقل كما كان الغذاء مؤثرا في وجود ذلك الجسم والله محيط بعلمه المقدمة السادسة
في اصناف المدركين من البشر بالفطرة أو الرياضة ويتقدمه الكلام في الوحي والرؤيا إعلم أن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصا فضلهم بخطابه وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينهم وبين عباده يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على هدايتهم ويأخذون بحجزانهم عن النار ويدلونهم على طريق النجاة وكان فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والاخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بوساطتهم ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم قال صلى الله عليه وسلم ألا وأني لا أعلم إلا ما علمني الله واعلم أن خبرهم في ذلك من خاصيته وضرورته الصدق لما يتبين لك عند بيان حقيقة النبؤة وعلامة هذا الصنف

(1/91)


من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشي أو إغماء في رأي العين وليست منهما في شئ وإنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني بإدراكهم المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلية ثم يتنزل إلى المدارك البشرية إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه أو يتمثل له صورة شخض يخاطبه بما جاء به من عند الله ثم تنجلي عنه تلك الحال وقد وعى ما القي إليه قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الوحي أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ويدركه أثناء ذلك من الشدة والغط ما لا يعبر عنه ففي الحديث كان مما يعالج من التنزيل شدة وقالت عائشة كل ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا وقال تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ولاجل هذه الغاية في تنزل الوحي كان المشركون يرمون الانبياء بالجنون ويقولون له رئي أو تابع من الجن وإنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الاحوال ومن
يضلل الله فما له من هاد.
ومن علاماتهم أيضا أنه يوجد لهم قبل الوحي خلق الخير والزكاء ومجانبة المذمومات والرجس أجمع وهذا هو معنى العصمة وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات والمنافرة لها وكأنها منافية لجبلته وفي الصحيح أنه حمل الحجارة وهو غلام مع عمه العباس لبناء الكعبة فجعلها في إزاره فانكشف فسقط مغشيا عليه حتى استتر بإزاره ودعي إلى مجتمع وليمة فيها عرس ولعب فأصابه غشي النوم إلى أن طلعت الشمس ولم يحضر شيئا من شأنهم بل نزهه الله عن ذلك كله حتى إنه بجبلته يتنزه عن المطعومات المستكرهة فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يقرب البصل والثوم فقيل له في ذلك فقال إني أناجي من لا تناجون وانظر لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها بحال الوحي أول ما فجأته وأرادت اختباره فقالت اجعلني بينك وبين ثوبك فلما فعل ذلك ذهب عنه فقالت إنه ملك وليس بشيطان ومعناه أنه لا يقرب النساء وكذلك سألته عن أحب الثياب إليه أن يأتيه فيها فقال البياض والخضرة فقالت إنه الملك يعني أن البياض والخضرة من الوان الخير والملائكة والسواد من ألوان الشر والشياطين وأمثال ذلك.

(1/92)


ومن علاماتهم أيضا دعاؤهم إلى الدين والعبادة من الصلاة والصدقة والعفاف وقد استدلت خديجة على صدقه صلى الله عليه وسلم بذلك وكذلك أبو بكر ولم يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله وخلقه وفي الصحيح أن هرقل حين جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الاسلام أحضر من وجد ببلده من قريش وفيهم أبو سفيان ليسألهم عن حاله فكان فيما سأل أن قال بم يأمركم فقال أبو سفيان بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف إلى آخر ما سأل فأجابه فقال إن يكن ما تقول حقا فهو نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين والعفاف الذي أشار إليه هرقل (1) هو العصمة فانظر كيف أخذ من العصمة والدعاء إلى الدين والعبادة دليلا على صحة نبؤته ولم
يحتج إلى معجزة فدل على أن ذلك من علامات النبؤة.
ومن علاماتهم أيضا أن يكونوا ذوي حسب في قومهم وفي الصحيح ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه وفي رواية أخرى في ثروة من قومه استدركه الحاكم على الصحيحين وفي مسألة هرقل لابي سفيان كما هو في الصحيح قال كيف هو فيكم فقال أبو سفيان هو فينا ذو حسب فقال هرقل والرسل تبعث في أحساب قومها ومعناه أن تكون له عصبة وشوكة تمنعه عن أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه ويتم مراد الله من إكمال دينه وملته.
ومن علاماتهم أيضا وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم وهي أفعال يعجز البشر عن مثلها فسميت بذلك معجزة وليست من جنس مقدور العباد وإنما تقع في غير محل قدرتهم وللناس في كيفية وقوعها ودلالتها على تصديق الانبياء خلاف فالمتكلمون بناء على القول بالفاعل المختار قائلون بأنها واقعة بقدرة الله لا بفعل النبي وإن كانت أفعال العباد عند المعتزلة صادرة عنهم إلا أن المعجزة لا تكون من جنس أفعالهم وليس للنبي فيها عند سائر المتكلمين إلا التحدي بها بإذن الله وهو أن يستدل بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعها على صدقه في مدعاه فإذا وقعت تنزلت منزلة القول الصريح من الله بأنه صادق وتكون دلالتها حينئذ على الصدق قطعية فالمعجزة الدالة بمجموع الخارق والتحدي ولذلك كان التحدي جزأ منها وعبارة المتكلمين صفة نفسها وهو واحد لانه معنى الذاتي عندهم والتحدي هو الفارق بينها وبين الكرامة
__________
(1) قوله الذي اشار إليه هرقل الظاهر أبو سفيان (*)

(1/93)


والسحر إذ لا حاجة فيهما إلى التصديق فلا وجود للتحدي إلا إن وجد اتفاقا وإن وقع التحدي في الكرامة عند من يجيزها وكانت لها دلالة فإنما هي على الولاية وهي غير النبؤة ومن هنا منع الاستاذ أبو إسحق وغيره وقوع الخوارق كرامة فرارا من الالتباس بالنبؤة عند التحدي بالولاية وقد أريناك المغايرة بينهما وإنه يتحدى
يغير ما يتحدى به النبي فلا لبس على أن النقل عن الاستاذ في ذلك ليس صريحا وربما حمل على إنكار لان تقع خوارق الانبياء لهم بناء على اختصاص كل من الفريقين بخوارقه.
وأما المعتزلة فالمانع من وقوع الكرامة عندهم أن الخوارق ليست من أفعال العباد وأفعالهم معتادة فلا فرق وأما وقوعها على يد الكاذب تلبيسا فهو محال أما عند الاشعرية فلان صفة نفس المعجزة التصديق والهداية فلو وقعت بخلاف ذلك انقلب الدليل شبهة والهداية ضلالة والتصديق كذبا واستحالت الحقائق وانقلبت صفات النفس وما يلزم من فرض وقوعه المحال لا يكون ممكنا وأما عند المعتزلة فلان وقوع الدليل شبهة والهداية ضلالة قبيح فلا يقع من الله.
وأما الحكماء فالخارق عندهم من فعل النبي ولو كان في غير محل القدرة بناء على مذهبهم في الايجاب الذاتي ووقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقف على الاسباب والشروط الحادثة مستندة أخيرا إلى الواجب الفاعل بالذات لا بالاختيار وإن النفس النبوية عندهم لها خواص ذاتية منها صدور هذه الخوارق بقدرته وطاعة العناصر له في التكوين والنبي عندهم مجبول على التصريف في الاكوان مهما توجه إليها واستجمع لها بما جعل الله له من ذلك والخارق عندهم يقع للنبي سواء كان للتحدي أم لم يكن وهو شاهد بصدقه من حيث دلالته على تصرف النبي في الاكوان الذي هو من خواص النفس النبوية لا بأنه يتنزل منزلة القول الصريح بالتصديق فلذلك لا تكون دلالتها عندهم قطعية كما هي عند المتكلمين ولا يكون التحدي جزأ من المعجزة ولم يصح فارقا لها عن السحر والكرامة وفارقها عندهم عن السحر أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر فلا يلم الشر بخوارقه والساحر على الضد فأفعاله كلها شر وفي مقاصد الشر وفارقها عن الكرامة أن خوارق النبي مخصوصة كالصعود إلى السماء والنفوذ في الاجسام الكثيفة وإحياء الموتى وتكليم الملائكة والطيران

(1/94)


في الهواء وخوارق الولي دون ذلك كتكثير القليل والحديث عن بعض المستقبل وأمثاله مما هو قاصر عن تصريف الانبياء ويأتي النبي بجميع خوارقه ولا يقدر هو على مثل خوارق الانبياء وقد قرر ذلك المتصوفة فيما كتبوه في طريقتهم ولقنوه عمن أخبرهم وإذا تقرر ذلك فاعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ما من نبي من الانبياء إلا وأتي من الآيات ما مثله امن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إلي فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهو كونها نفس لوحي كان الصدق لها أكثر لوضوحها فكثر المصدق المؤمن وهو التابع ولامة ولنذكر الان تفسير حقيقة النبؤة على ما شرحه كثير من المحققين ثم نذكر حقيقة الكهانة ثم الرؤيا ثم شان العرافين وغير ذلك من مدارك الغيب فنقول إعلم.
أرشدنا الله وإياك أنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والاحكام وربط الاسباب بالمسببات واتصال الاكوان بالاكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثماني وأولا عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعدا من الارض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلا بعضها ببعض وكل واحد منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا وهابطا ويستحيل بعض الاوقات والصاعد
منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الافلاك وهو ألطف من الكل على طبقات اتصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط وبها

(1/95)


يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها وما بعد ذلك من وجود الذوات التي لها هذه الآثار فيها ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لان يصير أول افق الذي بعده واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج الكوين إلى الانسان صاحب الفكر والروية ترتفع إليه من عالم القدرة الذي اجتمع فيه الحس والادراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل وكان ذلك أول أفق من الانسان بعده وهذا غاية شهودنا ثم إنا نجد في العوالم على اختلافها آثارا متنوعة ففي عالم الحس آثار من حركات الافلاك والعناصر وفي عالم التكوين آثار من حركة النمو والادراك تشهد كلها بأن لها مؤثرا مباينا للاجسام فهو روحاني ويتصل بالمكونات لوجود اتصال هذا العالم في وجودها ولذلك هو النفس المدركة والمحركة ولا بد فوقها من وجود آخر يعطيها قوى الادراك والحركة ويتصل بها أيضا ويكون ذاته إدراكا صرفا وتعقلا محضا وهو عالم الملائكة فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية ليصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الاوقات في لمحة من اللمحات وذلك بعد أن تكمل ذاتها الروحانية بالفعل كما نذكره بعد ويكون لها اتصال بالافق الذي بعدها شأن الموجودات المرتبة كما قدمناه فلها في الاتصال جهتا العلو والسفل وهي متصلة بالبدن من أسفل منها وتكتسب
به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على التعقل بالفعل ومتصلة من جهة الاعلى منها بأفق الملائكة ومكتسبة به المدارك العلمية والغيبية فإن عالم الحوادث موجود في تعقلاتهم من غير زمان وهذا على ما قدمناه من الترتيب المحكم في الوجود باتصال ذواته وقواه بعضها ببعض ثم إن هذه النفس الانسانية غائبة عن العيان وآثارها ظاهرة في البدن فكأنه وجميع أجزائه مجتمعة ومفترقة آلات للنفس ولقواها اما الفاعلية فالبطش باليد والمشي بالرجل والكلام باللسان والحركة الكلية

(1/96)


بالبدن متدافعا وأما المدركة وإن كانت قوى الادراك مرتبة ومرتقية إلى القوة العليا منها ومن المفكرة التي يعبر عنها بالناطقية فقوى الحس الظاهرة بآلاته من السمع والبصر وسائرها يرتقي إلى الباطن وأوله الحس المشترك وهو قوة تدرك المحسوسات مبصرة ومسموعة وملموسة وغيرها في حالة واحدة وبذلك فارقت قوة الحس الظاهر لان المحسوسات لا تزدحم عليها في الوقت الواحد ثم يؤديه الحس المشترك إلى الخيال وهي قوة تمثل الشئ المحسوس في النفس كما هو مجرد عن المواد الخارجة فقط وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن الاول من الدماغ مقدمه للاولى ومؤخره للثانية ثم يرتقي الخيال إلى الواهمة والحافظة فالواهمة لادراك المعاني المتعلقة بالشخصيات كعداوة زيد وصداقة عمرو ورحمة الاب وافتراس الذئب والحافظة لا يداع المدركات كلها متخيلة وهي لها كالخزانة تحفظها لوقت الحاجة إليها وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن المؤخر من الدماغ أوله للاولى ومؤخره للاخرى ثم ترتقي جميعها إلى قوة الفكر وآلته البطن الاوسط من الدماغ وهي القوة التي يقع بها حركة الرؤية والتوجه نحو التعقل فتحرك النفس بها دائما لما ركب فيها من النزوع للتخلص من درك القوة والاستعداد الذي للبشرية وتخرج إلى الفعل في تعقلها متشبهة بالملا الاعلى الروحاني وتصير في أول مراتب الروحانيات في
إدراكها بغير الآلات الجسمانية فهي متحركة دائما ومتوجهة نحو ذلك وقد تنسلخ بالكلية من البشرية وروحانيتها إلى الملكية من الافق الاعلى من غير اكتساب بل بما جعل الله فيها من الجبلة والفطرة الاولى في ذلك والنفوس البشرية على ثلاثة اصناف صنف عاجز بالطبع عن الوصول فينقطع بالحركة إلى الجهة السفلى نحو المدارك الحسية والخيالية وتركيب المعاني من الحافظة والواهمة على قوانين محصورة وترتيب خاص يستفيدون به العلوم التصورية والتصديقية التي للفكر في البدن وكلها خيالي منحصر نطاقه إذ هو من جهة مبدإه ينتهي إلى الاوليات ولا يتجاوزها وإن فسد فسد ما بعدها وهذا هو في الاغلب نطاق الادراك البشري الجسماني وإليه تنتهي مدارك العلماء وفيه ترسخ أقدامهم وصنف متوجه بتلك الحركة الفكرية نحو العقل الروحاني والادراك الذي لا يفتقر إلى الآلات البدنية بما جعل فيه من الاستعداد

(1/97)


لذلك فيتسع نطاق إدراكه عن الاوليات التي هي نطاق الادراك الاول البشري ويسرح في فضاء المشاهدات الباطنية وهي وجدان كلها نطاق لها من مبدإها ولا من منتهاها وهذه مدارك العلماء الاولياء أهل العلوم الدينية والمعارف الربانية وهي الحاصلة بعد الموت لاهل السعادة في البرزخ وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة من الافق الاعلى ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل ويحصل له شهود الملا الاعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب الالهي في تلك اللمحة وهؤلاء الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم جعل الله لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة وهي حالة الوحي فطرة فطرهم الله عليها وجبلة صورهم فيها ونزههم عن موانع البدن وعوائقه مادا موا ملابسين لها بالبشرية بما ركب في غرائزهم من القصد والاستقامة التي يحاذون بها تلك الوجهة وركز في طبائعهم رغبة في العبادة تكشف بتلك الوجهة وتسيغ نحوها فهم يتوجهون إلى ذلك
الافق بذلك النوع من الانسلاخ متى شاءوا بتلك الفطرة التي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة فلذا توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم وتلقوا في ذلك الملا الاعلى ما يتلقونه عاجوا به على المدارك البشرية منزلا في قواها لحكمة التبليغ للعباد فتارة يسمع أحدهم دويا كأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الذي ألقي إليه فلا ينقضي الدوي إلا وقد وعاه وفهمه وتارة يتمثل له الملك.
الذي يلقي إليه رجلا فيكلمه ويعي ما يقوله والتلقي من الملك والرجوع إلى المدارك البشرية وفهمه ما ألقي عليه كله كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر لانه ليس في زمان بل كلها تقع جميعا فيظهر كأنها سريعة ولذلك سميت وحيا لان الوحي في اللغة الاسراع واعلم أن الاولى وهي حالة الدوي هي رتبة الانبياء غير المرسلين على ما حققوه والثانية وهي حالة تمثل الملك رجلا يخاطب هي رتبة الانبياء المرسلين ولذلك كانت أكمل من الاولى وهذا معنى الحديث الذي فسر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي لما سأله الحارث بن هشام وقال كيف يأتيك الوحي فقال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك فيكلمني فأعي ما يقول وإنما كانت الاولى أشد لانها مبدأ الخروج في ذلك الاتصال من القوة إلى الفعل

(1/98)


فيعسر بعض العسر ولذلك لما عاج فيها على المدارك البشرية اختصت بالسمع وصعب ما سواه وعند ما يتكرر الوحي ويكثر التلقي يسهل ذلك الاتصال فعند ما يعرج إلى المدرك البشرية يأتي على جميعها وخصوصا الاوضح منها وهو إدراك البصر وفي العبارة عن الوعي في الاولى بصيغة الماضي وفي الثانية بصيغة المضارع لطيفة من البلاغة وهي أن الكلام جاء مجئ التمثيل لحالتي الوحي فمثل الحالة الاولى بالدوي الذي هو في المتعارف غير كلام وأخبر أن الفهم والوعي يتبعه غب انقضائه فناسب عند تصوير انقضائه وانفصاله العبارة عن الوعي بالماضي المطابق للانقضاء
والانقطاع ومثل الملك في الحالة الثانية برجل يخاطب ويتكلم والكلام يساوقه الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضي للتجدد.
واعلم أن في حالة الوحي كلها صعوبة على الجملة وشدة قد أشار إليها القرآن قال تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا وقالت عائشة كان مما يعاني من التنزيل شدة وقالت كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.
ولذلك كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو معروف وسبب ذلك أن الوحي كما قررنا مفارقة البشرية إلى المدارك الملكية وتلقي كلام النفس فيحدث عنه شدة من مفارقة الذات ذاتها وانسلاخها عنها من أفقها إلى ذلك الافق الاخر وهذا هو معنى الغط الذي عبر به في مبدإ الوحي في قوله فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ وكذا ثانية وثالثة كما في الحديث وقد يفضي الاعتياد بالتدريج فيه شيئا فشيئا إلى بعض السهولة بالقياس إلى ما قبله ولذلك كان تنزل نجوم القرآن وسوره وآيه حين كان بمكة أقصر منها وهو بالمدينة وانظر إلى ما نقل في نزول سورة براءة في غزوة تبوك وأنها نزلت كلها أو أكثرها عليه وهو يسير على ناقته بعد أن كان بمكة ينزل عليه بعض السورة من قصار المفصل في وقت وينزل الباقي في حين آخر وكذلك كان آخر ما نزل بالمدينة آية الدين وهي ماهي في الطول بعد أن كانت الاية تنزل بمكة مثل آيات الرحمن والذاريات والمدثر والضحى والفلق وأمثالها واعتبر من ذلك علامة تميز بها بين المكي والمدني من السور والايات والله المرشد إلى الصواب.
هذا محصل أمر النبؤة وأما الكهانة فهي أيضا

(1/99)


من خواص النفس الانسانية وذلك أنه قد تقدم لنا في جميع ما مر أن للنفس الانسانية استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها وأنه يحصل من ذلك لمحة للبشر في صنف الانبياء بما فطروا عليه من ذلك وتقرر أنه يحصل لهم من
غير اكتساب ولا استعانة بشئ من المدارك ولا من التصورات ولا من الافعال البدنية كلاما أو حركة ولا بأمر من الامور إنما هو انسلاخ من البشرية إلى الملكية بالفطرة في لحظة أقرب من لمح البصر وإذا كان كذلك وكان ذلك الاستعداد موجودا في الطبيعة البشرية فيعطى التقسيم العقلي وإن هنا صنفا آخر من البشر ناقصا عن رتبة الصنف الاول نقصان الضد عن ضده الكامل لان عدم الاستعانة في ذلك الادراك ضد الاستعانة فيه وشتان ما بينهما فإذا أعطي تقسيم الوجود إلى هنا صنفا آخر من البشر مفطورا على أن تتحرك قوته العقلية حركتها الفكرية بالارادة عندما يبعثها النزوع لذلك وهي ناقصة عنه بالجبلة عندما يعوقها العجز عن ذلك تشبث بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة كالاجسام الشفافة وعظام الحيوانات وسجع الكلام وما سنح من طير أو حيوان فيستديم ذلك الاحساس أو التخيل مستعينا به في ذلك الانسلاخ الذي يقصده ويكون كالمشيع له وهذه القوة التي فيهم مبدأ لذلك الادراك هي الكهانة ولكون هذه النفوس مفطورة على النقص والقصور عن الكمال كان إدراكها في الجزئيات أكثر من الكليات ولذلك تكون المخيلة فيهم في غاية القوة لانها آلة الجزئيات فتنفذ فيها نفوذا تاما في نوم أو يقظة وتكون عندها حاضرة عتيدة تحضرها المخيلة وتكون لها كالمرآة تنظر فيها دائما ولا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات لان وحيه من وحي الشيطان وأرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين بالكلام الذي فيه السجع والموازنة ليشتغل به عن الحواس ويقوى بعض الشئ على ذلك الاتصال الناقص فيهجس في قلبه عن تلك الحركة والذي يشيعها من ذلك الاجنبي ما يقذفه على لسانه فربما صدق ووافق الحق وربما كذب لانه يتمم نقصه بأمر أجنبي عن ذاته المدركة ومباين لها غير ملائم فيعرض له الصدق والكذب جميعا ولا يكون موثوقا به وربما يفزع إلى الظنون والتخمينات حرصا على الظفر بالادراك بزعمه وتمويها على السائلين وأصحاب هذا السجع هم

(1/100)


المخصوصون باسم الكهان لانهم أرفع سائر أصنافهم وقد قال صلى الله عليه وسلم في مثله هذا من سجع الكهان فجعل السجع مختصا بهم بمقتضى الاضافة وقد قال لابن صياد حين سأله كاشفا عن حاله بالاخبار كيف يأتيك هذا الامر قال يأتيني صادقا وكاذبا فقال خلط عليك الامر يعني أن النبؤة خاصتها الصدق فلا يعتريها الكذب بحال لانها اتصال من ذات النبي بالملا الاعلى من غير مشيع ولا استعانة بأجنبي والكهانة لما احتاج صاحبها بسبب عجزه إلى الاستعانة بالتصورات الاجنبية كانت داخلة في إدراكه والتبست بالادراك الذي توجه إليه فصار مختلطا بها وطرقه الكذب من هذه الجهة فامتنع أن تكون نبؤة وإنما قلنا إن أرفع مراتب الكهانة حالة السجع لان معنى السجع أخف من سائر المغيبات من المرئيات والمسموعات وتدل خفة المعنى على قرب ذلك الاتصال والادراك والبعد فيه عن العجز بعض الشئ وقد زعم بعض الناس أن هذه الكهانة قد انقطعت منذ زمن النبؤة بما وقع من شأن رجم الشياطين بالشهب بين يدي البعثة وأن ذلك كان لمنعهم من خير السماء كما وقع في القرآن والكهان إنما يتعرفون أخبار السماء من الشياطين فبطلت الكهانة من يومئذ ولا يقوم من ذلك دليل لان علوم الكهان كما تكون من الشياطين تكون من نفوسهم أيضا كما قررناه وأيضا فالاية إنما دلت على منع الشياطين من نوع واحد من أخبار السماء وهو ما يتعلق بخبر البعثة ولم يمنعوا مما سوى ذلك وأيضا فإنما كان ذلك الانقطاع بين يدي النبؤة فقط ولعلها عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليه وهذا هو الظاهر لان هذه المدارك كلها تخمد في زمن النبؤة كما تخمد الكواكب والسرج عند وجود الشمس لان النبؤة هي النور الاعظم الذي يخفى معه كل نور ويذهب.
وقد زعم بعض الحكماء أنها إنما توجد بين يدي النبؤة ثم تنقطع وهكذا كل نبؤة وقعت لان وجود النبؤة لابد له من وضع فلكي يقتضيه وفي تمام
ذلك الوضع تمام تلك النبؤة التي دل عليها ونقص ذلك الوضع عن التمام يقتضي وجود طبيعة من ذلك النوع الذي يقتضيه ناقصة وهو معنى الكاهن على ما قررناه فقبل أن يتم ذلك الوضع الكامل يقع الوضع الناقص ويقتضي وجود الكاهن إما واحدا أو متعددا فإذا تم ذلك الوضع تم وجود النبي بكماله وانقضت الاوجاع

(1/101)


الدالة على مثل تلك الطبيعة فلا يوجد منها شئ بعد وهذا بناء على أن بعض الوضع الفلكي يقتضي بعض أثره وهو غير مسلم فلعل الوضع إنما يقتضي ذلك الاثر بهيئته الخالصة ولو نقص بعض أجزائها فلا يقتضي شيئا لا إنه يقتضي ذلك الاثر ناقصا كما قالوه ثم إن هؤلاء الكهان إذا عاصروا زمن النبؤة فإنهم عارفون بصدق النبي ودلالة معجزته لان لهم بعض الوجدان من أمر النبؤة كما لكل إنسان من أمر اليوم ومعقوبية تلك النسبة موجودة للكاهن بأشد مما للنائم ولا يصدهم عن ذلك ويوقعهم في التكذيب إلا قوة المطامع في أنها نبؤة لهم فيقعون في العناد كما وقع لامية بن أبي الصلت فإنه كان يطمع أن يتنبأ وكذا وقع لابن صياد ولمسيلمة وغيرهم فإذا غلب الايمان وانقطعت تلك الاماني آمنوا أحسن إيمان كما وقع لطليحة الاسدي وسواد بن قارب وكان لهما في الفتوحات الاسلامية من الاثار الشاهدة بحسن الايمان.
وأما الرؤيا فحقيقتها مطالعة النفس الناصقة في ذاتها الروحانية لمحة من صور الواقعات فإنها عندما تكون روحانية تكون صور الواقعات فيها موجودة بالفعل كما هو شأن الذوات الروحانية كلها وتصير روحانية بأن تتجرد عن المواد الجسمانية والمدارك البدنية وقد يقع لها ذلك لمحة بسبب النوم كما نذكر فتقتبس بها علم ما تتشوف إليه من الامور المستقبلة وتعود به إلى مداركها فإن كان ذلك الاقتباس ضعيفا وغير جلي بالمحاكاة والمثال في الخيال لتخلصه فيحتاج من أجل هذه المحاكاة إلى التعبير وقد يكون الاقتباس قويا يستغنى فيه عن المحاكاة فلا يحتاج إلى تعبير
لخلوصه من المثال والخيال والسبب في وقوع هذه اللمحة للنفس أنها ذات روحانية بالقوة مستكملة بالبدن ومداركه حتى تصير ذاتها تعقلا محضا ويكمل وجودهما بالفعل فتكون حينئذ ذاتا روحانية مدركة بغير شئ من الالات البدنية إلا أن نوعها في الروحانيات دون نوع الملائكة أهل الافق الاعلى على الذين لم يستكملوا ذواتهم بشئ من مدارك البدن ولا غيره فهذا الاستعداد حاصل لها مادامت في البدن ومنه خاص كالذي للاولياء ومنه عام للبشر على العموم وهو أمر الرؤيا.
وأما الذي للانبياء فهو استعداد بالانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة التي هي أعلى الروحانيات ويخرج هذا الاستعداد فيهم متكررا في حالات الوحي وهو عندما

(1/102)


يعرج على المدارك البدنية ويقع فيها ما يقع من الادراك شبيها بحال النوم شبها بينا وإن كان حال النوم أدون منه بكثير فلاجل هذا الشبه عبر الشارع عن الرؤيا بأنها جزء من ستة وأربعين جزأ من النبؤة وفي رواية ثلاثة وأربعين وفي رواية سبعين وليس العدد في جميعها مقصودا بالذات وإنما المراد الكثرة في تفاوت هذه المراتب بدليل ذكر السبعين في بعض طرقه وهو للتكثير عند العرب وما ذهب إليه بعضهم في رواية ستة وأربعين من أن الوحي كان في مبدإه بالرؤيا ستة أشهر وهي نصف سنة ومدة النبؤة كلها بمكة والمدينة ثلاث وعشرون سنة فنصف السنة منها جزء من ستة وأربعين فكلام بعيد من التحقيق لانه إنما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ومن أين لنا أن هذه المدة وقعت لغيره من الانبياء مع أن ذلك إنما يعطي نسبة زمن الرؤيا من زمن النبؤة ولا يعطى حقيقتها من حقيقة النبؤة وإذا تبين لك هذا مما ذكرناه أولا علمت أن معنى هذا الجزء نسبة الاستعداد الاول الشامل للبشر إلى الاستعداد القريب الخاص بصنف الانبياء الفطري لهم صلوات الله عليهم إذ هو الاستعداد البعيد وإن كان عاما في البشر ومعه عوائق وموانع كثيرة من
حصوله بالفعل ومن أعظم تلك الموانع الحواس الظاهرة ففطر الله البشر على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم الذي هو جبلي لهم فتتعرض النفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوف إليه في عالم الحق فتدرك في بعض الاحيان منه لمحة يكون فيها الظفر بالمطلوب ولذلك جعلها الشارع من المبشرات فقال لم يبق من النبؤة إلا المبشرات قالوا وما المبشرات يا رسول الله قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له واما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم فعلى ما أصفه لك وذلك أن النفس الناطقة إنما إدراكها وأفعالها بالروح الحيواني الجسماني وهو بخار لطيف مركزه بالتجويف الايسر من القلب على ما في كتب التشريح لجالينوس وغيره وينبعث مع الدم في الشريانات والعروق فيعطي الحس والحركة وسائر الافعال البدنية ويرتفع لطيفه إلى الدماغ فيعدل من برده وتتم أفعال القوى التي في بطونه فالنفس الناطقة إنما تدرك وتعقل بهذا الروح البخاري وهي متعلقة به لما اقتضته حكمة التكوين في أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف ولما لطف هذا الروح الحيواني من بين المواد البدنية

(1/103)


صار محلا لاثار الذات المباينة له في جسمانيته وهي النفس الناطقة وصارت آثارها حاصلة في البدن بواسطته وقد كنا قدمنا أن إدراكها على نوعين إدراك بالظاهر وهو الحواس الخمس وإدراك بالباطن وهو القوى الدماغية وأن هذا الادراك كله صارف لها عن إدراكها ما فوقها من ذواتها الروحانية التي هي مستعدة له بالفطرة ولما كانت الحواس الظاهرة جسمانية كانت معرضة للوسن والفشل بما يدركها من التعب والكلال وتغشى الروح بكثرة التصرف فخلق الله لها طلب الاستجمام لتجرد الادراك على الصورة الكاملة وإنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيواني من الحواس الظاهرة كلها ورجوعه إلى الحس الباطن ويعين على ذلك ما يغشى البدن من البرد بالليل فتطلب الحرارة الغريزية أعماق البدن وتذهب من ظاهره إلى باطنه فتكون
مشيعة مركبها وهو الروح الحيواني إلى الباطن ولذلك كان النوم للبشر في الغالب إنما هو بالليل فإذا انخنس الروح عن الحواس الظاهرة ورجع إلى القوى الباطنة وخفت عن النفس شواغل الحس وموانعه ورجعت إلى الصورة التي في الحافظة تمثل منها بالتركيب والتحليل صور خيالية وأكثر ما تكون معتادة لانها منتزعة من المدركات المتعاهدة قريبا ثم ينزلها الحس المشترك الذي هو جامع الحواس الظاهرة فيدركها على أنحاء الحواس الخمس الظاهرة وربما التفتت النفس لفتة إلى ذاتها الروحانية مع منازعتها القوى الباطنية فتدرك بإدراكها الروحاني لانها مفطورة عليه وتقتبس من صور الاشياء التي صارت متعلقة في ذاتها حينئذ ثم يأخذ الخيال تلك الصور المدركة فيمثلها بالحقيقة أو المحاكاة في القوالب المعهودة والمحاكاة من هذه هي المحتاجة للتعبير وتصرفها بالتركيب والتحليل في صور الحافظة قبل أن تدرك من تلك اللمحة ما تدركه هي أضغاث أحلام في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرؤيا ثلاث رؤيا من الله ورؤيا من الملك ورؤيا من الشيطان وهذا التفصيل مطابق لما ذكرناه فالجلي من الله والمحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك وأضغاث الاحلام من الشيطان لانها كلها باطل والشيطان ينبوع الباطل هذه حقيقة الرؤيا وما يسببها ويشيعها من النوم وهي خواص للنفس الانسانية موجودة في البشر على العموم لا يخلو عنها أحد منهم بل كل واحد من الانساني رأى في نومه ما صدر

(1/104)


له في يقظته مرارا غير واحدة وحصل له على القطع أن النفس مدركة للغيب في النوم ولا بد وإذا جاز ذلك في عالم النوم فلا يمتنع في غيره من الاحوال لان الذات المدركة واحدة وخواصها عامة في كل حال والله الهادي إلى الحق بمنه وفضله فصل * ووقوع ما يقع للبشر من ذلك غالبا إنما هو من غير قصد ولا قدرة عليه وإنما تكون النفس متشوفة لذلك الشئ فيقع لها بتلك اللمحة في النوم لانها تقصد
إلى ذلك فتراه وقد وقع في كتاب الغاية وغيره من كتب أهل الرياضيات ذكر اسماء تذكر عند النوم فتكون عنها الرؤيا فيما يتشوف إليه ويسمونها الحالومية وذكر منها مسلمة في كتاب الغاية حالومة سماها حالومة الطباع التام وهو أن يقال عند النوم بعد فراغ السر وصحة التوجه هذه الكلمات الاعجمية وهي تماغس بعد ان يسواد وغداس نوفنا غادس ويذكر حاجته فإنه يرى الكشف عما يسأل عنه في النوم * وحكي إن رجلا فعل ذلك بعد رياضة ليال في مأكله وذكره فتمثل له شخص يقول له أنا طباعك التام فسأله وأخبره عما كان يتشوف إليه وقد وقع لي أنا بهذه الاسماء مراء عجيبة واطلعت بها على أمور كنت أتشوف عليها من أحوالي وليس ذلك بدليل على أن القصد للرؤيا يحدثها وإنما هذه الحالومات تحدث استعدادا في النفس لوقوع الرؤيا فإذا قوي الاستعداد كان أقرب إلى حصول ما يستعد له وللشخص أن يفعل من الاستعداد ما أحب ولا يكون دليلا على إيقاع المستعد له فالقدرة على الاستعداد غير القدرة على الشئ فاعلم ذلك وتدبره فيما تجد من أمثاله والله الحكيم الخبير فصل * ثم إنا نجد في النوع الانساني أشخاصا يخبرون بالكائنات قبل وقوعها بطبيعة فيهم يتميز بها صنفهم عن سائر الناس ولا يرجعون في ذلك إلى صناعة ولا يستدلون عليه بأثر من النجوم ولا من غيرها إنما نجد مداركهم في ذلك بمقتضى فطرتهم التي فطروا عليها وذلك مثل العرافين والناظرين في الاجسام الشفافة كالمرايا وطساس الماء والناظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وعظامها وأهل الزجر في الطير والسباع وأهل الطرق بالحصى والحبوب من الحنطة والنوى وهذه كلها موجودة في عالم الانسان لا يسع أحدا جحدها ولا إنكارها وكذلك المجانين يلقى على ألسنتهم

(1/105)


كلمات من الغيب فيخبرون بها وكذلك النائم والميت لاول موته أو نومه يتكلم
بالغيب وكذلك أهل الرياضيات من المتصوفة لهم مدارك في الغيب على سبيل الكرامة معروفة.
ونحن الان نتكلم عن هذه الادراكات كلها ونبتدئ منها بالكهانة ثم نأتي عليها واحدة واحدة إلى آخرها ونقدم على ذلك مقدمة في أن النفس الانسانية كيف تستعد لادراك الغيب في جميع الاصناف التي ذكرناها وذلك أنها ذات روحانية موجودة بالقوة إلى الفعل بالبدن وأحواله وهذا أمر مدرك لكل أحد وكل ما بالقوة فله مادة وصورة.
وصورة هذه النفس التي بها يتم وجودها هو عين الادراك والتعقل فهي توجد أولا بالقوة مستعدة للادراك وقبول الصور الكلية والجزئية ثم يتم نشؤها ووجودها بالفعل بمصاحبة البدن وما يعودها بورود مدركاتها المحسوسة عليها وما تنتزع من تلك الادراكات من المعاني الكلية فتتعقل الصور مرة بعد أخرى حتى يحصل لها الادراك والتعقل بالفعل فتتم ذاتها وتبقى النفس كالهيولى والصور متعاقبة عليها بالادراك واحدة بعد واحدة ولذلك نجد الصبي في أول نشأته لا يقدر على الادراك الذي لها من ذاتها لا بنوم ولا بكشف ولا بغيرهما وذلك ان صورتها التي هي عين ذاتها وهي الادراك والتعقل لم تتم بعد بل لم يتم لها انتزاع الكليات ثم إذا تمت ذاتها بالفعل حصل لها مادامت مع البدن نوعان من الادراك إدراك بالات الجسم تؤديه إليها المدارك البدنية وإدراك بذاتها من غير واسطة وهي محجوبة عنه بالانغماس في البدن والحواس وبشواغلها لان الحواس أبدا جاذبة لها إلى الظاهر بما فطرت عليه أولا من الادراك الجسماني وربما تنغمس من الظاهر إلى الباطن فيرتفع حجاب البدن لحظة إما بالخاصية التي هي للانسان على الاطلاق مثل النوم أو بالخاصية الموجودة لبعض البشر مثل الكهانة والطرق أو بالرياضة مثل أهل الكشف من الصوفية فتلتفت حينئذ إلى الذوات التي فوقها من الملا لما بين أفقها وأفقهم من الاتصال في الوجود كما قررنا قبل وتلك الذوات روحانية وهي إدراك محض وعقول بالفعل وفيها صور الموجودات وحقائقها كما مر فيتجلى
فيها شئ من تلك الصور وتقتبس منها علوما وربما دفعت تلك الصور المدركة إلى الخيال فيصرفه في القوالب المعتادة ثم يراجع الحس بما أدركت إما مجردا أو في

(1/106)


قوالبه فتخبر به.
هذا هو شرح استعداد النفس لهذا الادراك الغيبي.
ولنرجع إلى ما وعدنا به من بيان أصنافه.
فأما الناظرون في الاجسام الشفافة من المرايا وطساس المياه وقلوب الحيوان وأكبادها وعظامها وأهل الطرق بالحصى والنوى فكلهم من قبيل الكهان إلا أنهم أضعف رتبة فيه في أصل خلقهم لان الكاهن لا يحتاج في رفع حجاب الحس إلى كثير معاناة وهؤلاء يعانونه بانحصار المدارك الحسية كلها في نوع واحد منها وأشرفها البصر فيعكف على المرئي البسيط حتى يبدو له مدركه الذي يخبر به عنه وربما يظن أن مشاهدة هؤلاء لما يرونه هو في سطح المرآة وليس كذلك بل لا يزالون ينظرون في سطح المرآة إلى أن يغيب عن البصر ويبدو فيما بينهم وبين سطح المرآة حجاب كأنه غمام يتمثل فيه صور هي مداركهم فيشيرون إليهم المقصود لما يتوجهون إلى معرفته من نفي أو إثبات فيخبرون بذلك على نحو ما ادركوه وأما المرآة وما يدرك فيها من الصور فلا يدركونه في تلك الحال وإنما ينشأ لهم بها هذا النوع الاخر من الادراك وهو نفساني ليس من إدراك البصر بل يتشكل به المدرك النفساني للحس كما هو معروف ومثل ذلك ما يعرض للناظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وللناظرين في الماء والطساس وأمثال ذلك.
وقد شاهدنا من هؤلاء من يشغل الحس بالبخور فقط ثم بالعزائم للاستعداد ثم يخبر كما أدرك ويزعمون أنهم يرون الصور متشخصة في الهواء تحكي لهم أحوال ما يتوجهون إلى إدراكه بالمثال والاشارة وغيبة هؤلاء عن الحس أخف من الاولين والعالم أبو الغرائب.
وأما الزجر وهو ما يحدث من بعض الناس من التكلم بالغيب عند سنوح طائر أو حيوان والفكر فيه بعد مغيبه وهي قوة في النفس تبعث على الحرص
والفكر فيما زجر فيه من مرئي أو مسموع وتكون قوته المخيلة كما قدمناه قوية فيبعثها في البحث مستعينا بما رآه أو سمعه فيؤديه ذلك إلى إدراك ما كما تفعله القوة المتخيلة في النوم وعند ركود الحواس تتوسط بين المحسوس المرئي في يقظته وتجمعه مع ما عقلته فيكون عنها الرؤيا.
وأما المجانين فنفوسهم الناطقة ضعيفة التعلق بالبدن لفساد أمزجتهم غالبا وضعف الروح الحيواني فيها فتكون نفسه غير مستغرقة في الحواس ولا منغمسة فيها بما شغلها في نفسها من ألم النقص ومرضه وربما زاحمها على

(1/107)


التعلق به روحانية أخرى شيطانية تتشبث به وتضعف هذه عن ممانعتها فيكون عنه التخبط فإذا أصابه ذلك التخبط إما لفساد مزاجه من فساد في ذاتها أو لمزاحمة من النفوس الشيطانية في تعلقه غاب عن حسه جملة فأدرك لمحة من عالم نفسه وانطبع فيها بعض الصور وصرفها الخيال وربما نطق عن لسانه في تلك الحال من غير إرادة النطق وإدراك هؤلاء كلهم مشوب فيه الحق بالباطل لانه لا يحصل لهم الاتصال وإن فقدوا الحس إلا بعد الاستعانة بالتصورات الاجنبية كما قررناه ومن ذلك يجئ الكذب في هذه المدارك وأما العرافون فهم المتعلقون بهذا الادراك وليس لهم ذلك الاتصال فيسلطون الفكر على الامر الذي يتوجهون إليه ويأخذون فيه بالظن والتخمين بناء على ما يتوهمونه من مبادئ ذلك الاتصال والادراك ويدعون بذلك معرفة الغيب وليس منه على الحقيقة هذا تحصيل هذه الامور وقد تكلم عليها المسعودي في مروج الذهب فما صادف تحقيقا ولا إصابة ويظهر من كلام الرجل أنه كان بعيدا عن الرسوخ في المعارف فينقل ما سمع من أهله ومن غير أهله وهذه الادراكات التي ذكرناها موجودة كلها في نوع البشر فقد كان العرب يفزعون إلى الكهان في تعرف الحوادث ويتنافرون إليهم في الخصومات ليعرفوهم بالحق فيها من إدراك غيبهم وفي كتب أهل الادب كثير من ذلك واشتهر منهم في الجاهلية شق بن أنمار
بن نزار وسطيح بن مازن بن غسان وكان يدرج كما يدرج الثوب ولا عظم فيه إلا الجمجمة ومن مشهور الحكايات عنهما تأويل رؤيا ربيعة بن مضر وما أخبراه به ملك الحبشة لليمن وملك مضر من بعدهم وظهور النبؤة المحمدية في قريش ورؤيا الموبذان التي أولها سطيح لما بعث إليه بها كسرى عبد المسيح فأخبره بشأن النبؤة وخراب ملك فارس وهذه كلها مشهورة وكذلك العرافون كان في العرب منهم كثير وذكروهم في أشعارهم قال فقلت لعراف اليمامة داوني * فإنك إن داويتني لطبيب وقال الاخر جعلت لعراف اليمامة حكمه * وعراف نجد إن هما شفياني فقالا شفاك الله والله ما لنا * بما حملت منك الضلوع يدان

(1/108)


وعراف اليمامة هو رباح بن عجلة وعراف نجد الابلق الاسدي.
ومن هذه المدارك الغيبية ما يصدر لبعض الناس عند مفارقة اليقظة والتباسه بالنوم من الكلام على الشئ الذي يتشوف إليه بما يعطيه غيب ذلك الامر كما يريد ولا يقع ذلك إلا في مبادئ النوم عند مفارقة اليقظة وذهاب الاختبار في الكلام فيتكلم كأنه مجبول على النطق وغايته أن يسمعه ويفهمه وكذلك يصدر عن المقتولين عند مفارقة رؤوسهم وأوساط أبدانهم كلام بمثل ذلك.
ولقد بلغنا عن بعض الجبابرة الظالمين أنهم قتلوا من سجونهم أشخاصا ليتعرفوا من كلامهم عند القتل عوقب أمورهم في أنفسهم فأعلموهم بما يستشبع.
وذكر مسلمة في كتاب الغاية له في مثل ذلك أن آدميا إذا جعل في دن مملوء بدهن السمسم ومكث فيه أربعين يوما يغذى بالتين والجوز حتى يذهب لحمه ولا يبقى منه إلا العروق وشؤون رأسه فيخرج من ذلك الدهن فحين يجف عليه الهواء يجيب عن كل شئ يسال عنه من عواقب الامور الخاصة
والعامة وهذا فعل من مناكير أفعال السحرة لكن يفهم منه عجائب العالم الانساني ومن الناس من يحاول حصول هذا المدرك الغيبي بالرياضة فيحاولون بالمجاهدة موتا صناعيا بإماتة جميع القوى البدنية ثم محو آثارها التي تلونت بها النفس ثم تغذيتها بالذكر لتزداد قوة في نشئها ويحصل ذلك بجمع الفكر وكثرة الجوع ومن المعلوم على القطع أنه إذا نزل الموت بالبدن ذهب الحس وحجابه واطلعت النفس على المغيبات ومن هؤلاء أهل الرياضة السحرية يرتاضون بذلك ليحصل لهم الاطلاع على المغيبات والتصرفات في العوالم وأكثر هؤلاء في الاقاليم المنحرفة جنوبا وشمالا خصوصا بلاد الهند ويسمون هنالك الحوكية ولهم كتب في كيفية هذه الرياضة كثيرة والاخبار عنهم في ذلك غريبة.
وأما المتصوفة فرياضتهم دينية وعرية عن هذه المقاصد المذمومة وإنما يقصدون جمع الهمة والاقبال على الله بالكلية ليحصل لهم أذواق أهل العرفان والتوحيد ويزيدون في رياضتهم إلى الجمع والجوع التغذية بالذكر فبها تتم وجهتهم في هذه الرياضة لانه إذا نشأت النفس على الذكر كانت أقرب إلى العرفان بالله وإذا عريت عن الذكر كانت شيطانية وحصول ما يحصل من معرفة الغيب والتصرف لهؤلاء المتصوفة إنما هو بالعرض ولا يكون مقصودا من أول

(1/109)


الامر لانه إذا قصد ذلك كانت الوجهة فيه لغير الله وإنما هي لقصد التصرف والاطلاع على الغيب وأخسر بها صفقة فإنها في الحقيقة شرك قال بعضهم من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني فهم يقصدون بوجهتهم المعبود لا لشئ سواه وإذا حصل في أثناء ذلك ما يحصل فبالعرض وغير مقصود لهم وكثير منهم يفر منه إذا عرض له ولا يحفل به وإنما يريد الله لذاته لا لغيره وحصول ذلك لهم معروف ويسمون ما يقع لهم من الغيب والحديث على الخواطر فراسة وكشفا وما يقع لهم من التصرف كرامة وليس شئ من ذلك بنكير في حقهم وقد ذهب إلى إنكاره الاستاذ
أبو إسحق الاسفرايني وأبو محمد بن أبي زيد المالكي في آخرين فرارا من التباس المعجزة بغيرها والمعول عليه عند المتكلمين حصول التفرقة بالتحدي فهو كاف.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن فيكم محدثين وإن منهم عمر وقد وقع للصحابة من ذلك وقائع معروفة تشهد بذلك في مثل قول عمر رضي الله عنه يا سارية الجبل وهو سارية بن زنيم كان قائدا على بعض جيوش المسلمين بالعراق أيام الفتوحات وتورط مع المشتركين في معترك وهم بالانهزام وكان بقربه جبل يتحيز إليه فرفع لعمر ذلك وهو يخطب على المنبر بالمدينة فناداه يا سارية الجبل وسمعه سارية وهو بمكانه ورأى شخصه هنالك والقصة معروفة ووقع مثله أيضا لابي بكر في وصيته عائشة ابنته رضي الله عنهما في شأن ما نحلها من أوسق التمر من حديقته ثم نبهها على جذاذه لتحوزه عن الورثة فقال في سياق كلامه وإنما هما أخواك وأختاك فقالت إنما هي أسماء فمن الاخرى فقال إن ذا بطن بنت خارجة أراها جارية فكانت جارية وقع في الموطإ في باب ما لا يجوز من النحل ومثل هذه الوقائع كثيرة لهم ولمن بعدهم من الصالحين وأهل الاقتداء إلا أن أهل التصوف يقولون إنه يقل في زمن النبؤة إذ لا يبقى للمريد حالة بحضرة النبي حتى إنهم يقولون إن المريد إذا جاء للمدينة النبوية يسلب حاله مادام فيها حتى يفارقها والله يرزقنا الهداية ويرشدنا إلى الحق.
ومن هؤلاء المريدين من المتصوفة قوم بها ليل معتوهون أشبه بالمجانين من العقلاء وهم مع ذلك قد صحت لهم مقامات الولاية وأحوال الصديقين وعلم ذلك من

(1/110)