صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


إذِ الأسلوبُ في المجموع واحِدْ ... وليس على كتابتها مُساعِدْ
وبلغتني وفاته بالمدينة النبوية في سنة ستّ وأربعين وسبع مائة
التهامي الشاعر
علي بن محمد بن فهد أبو الحسن التهامي الشاعر . وهو من الشعراء المحسنين المجيدين أصحاب الغوص . مولده ومنشؤه باليمن وطرأ على الشام وسافر منها إلى العراق والى الجبل ولقي الصاحب بن عبَّاد وقرأ عليه وانتحل مذهب الاعتزال وأقام ببغداذ وروى بها شعره ثمَّ عاد إلى الشام وتنقَّل في بلادها وتقلَّد الخطابة بالرّملة وتزوَّج بها . وكانت نفسه تحدّثه بمعالي الأمور وكان يكتم نَسَبَه فيقول تارةً إنَّه من الطالبيِّين وتارةً من بني أميَّة ولا يتظاهر بشيءٍ من الأَمرين . وكان متورِّعاً صَلِفَ النفس متقشِّفاً يطلب الشيء من وجهه ولا يريده إلاَّ من حِلِّه . نسخ شعر البحتري فلما بلغ أبياتاً فيها هجوٌ امتنع من كتبها وقال : لا أُسطِّر بخطِّي مثالبَ الناس . وكان قد وصل إلى الديار المصرية مستخفياً ومعه كتبٌ كثيرة من حسَّان بن مفرّج بن دغفل البدوي وهو متوجِّه إلى بني قُرَّة فظفروا به فقال : أنا من تميم ؛ فلمَّا انكشف حاله عُلم أنه التهامي الشاعر فاعتُقل بخزانة البنود بالقاهرة لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وأربع مائة . ثمَّ إنَّه قُتل سرًّا في سجنه تاسع جمادى الأولى من السنة المذكورة . وكان أصفر اللون . ورُئيَ بعد موته في المنام فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي . قيل له : بأيِّ الأَعمال ؟ قال : بقولي في مرثية ولدٍ لي صغير وهو :
جاورتُ أعدائي وجاور ربَّهُ ... شتَّانَ بين جوارِهِ وجواري
ومن شعره قوله :
قلتُ لخِلِّي وزهورُ الربى ... مبتسماتٌ وثغورُ المِلاحْ
أيُّهما أحلى تُرى منظراً ... فقال : لا أعلم كلٌّ أقاحْ
وكرَّر هذا النوع فقال :
أَلَمَّ وليلي بالكواكبِ أشيبُ ... خيالٌ على بُعد المدى يتأوَّبُ
أَلَمَّ وفي جفني وجفنِ مُهنَّدي ... غِراران : ذا نومٌ وذاك مُشَطَّبُ
وقال أيضاً :
ألمَّتْ بنا بعد الهُدُوِّ سعادُ ... بليلٍ لباسُ الجوِّ فيه حِدادُ
ألمَّتْ وفي جفني وجفن مُهنَّدي ... غِراران : ذا سيفٌ وذاك رقادُ
قلت : وهذا المعنى أولع به الأرَّجاني فقال :
وأين من المنام لَقَى همومٍ ... يبيتُ ونِضوهُ مُلقى الجِرانِ
يَشيمُ البرقَ وهو ضجيعُ عَضْبٍ ... ففي الجفنين منهُ يَمانِيانِ
وقال الأرَّجاني أيضاً :
وأرَّقني والمَشرِفيُّ مُضاجعي ... سنا بارقٍ أسرى فهيَّجَ أحزاني
ثلاثةُ أجفانٍ ففي طيِّ واحدٍ ... غِرارٌ وخالٍ من غِراريهما اثنانِ
وأُولع به قبله عبد الصمد الطبري فقال :
فبِتُّ على مراصدهمْ وحيداً ... كلا جفنيَّ رَأْرَأَهُ الغِرارُ
وقال عبد الصمد أيضاً :
بانوا بهيفاءَ يغزو سيفُ مُقلتها ... قلبَ المتيَّم في جيشٍ من الفتنِ
شمسٌ على غُصُنٍ هام الفؤادُ بها ... يا ويحَ قلبيَ من شمسٍ على غُصُنِ
وطالما غابَ عن جفني لِزَوْرتها ... وجفن سيفي غِرارُ النصل والوَسَنِ
وقال عبد الصمد أيضاً :
وربَّ بيضاءَ ريَّا الخِدر فاءَ لها ... رَيعان من تَرفٍ غَضٍّ ورَيعانِ
طرقتُها والسُّرى والعزمُ قد شهرا ... وَهْناً غِرارينِ من جفني وأجفاني
وقال التهامي في تلك المادة أيضاً :
وضاحكنَ نَوْرَ الأُقحوان فقال لي : ... خليليَّ أيُّ الأُقحوانين أعجبُ ؟
فقلتُ لهُ : لا فرقَ عندي وإِنَّما ... ثغورُ الغواني في المذاقَةِ أعذبُ
ومن شعر التهامي :
قالوا : قُتِلْتَ بصارمٍ من طرفِهِفيما زعمتَ وما نراهُ بِقانِ
فأجبتُ : خيرُ البِيض ما سفك الدّما ... فمضى ولم يتخضَّبِ الغَرْبانِ
ومنه :
لولاهُ لم يقضِ في أعدائهِ قَلَمٌ ... ومِخلبُ الليث لولا الليثُ كالظُّفُرِ
ما صَلَّ إلاَّ وصلَّتْ بِيضُ أنصُلِهِ ... في الهامِ أو أطّتِ الأرماحُ في الثُّغُرِ

(1/3042)


وغادرتْ في العدى طعناً يحفُّ بهِ ... ضربٌ كما حفَّتِ الأعكانُ بالسُّرَرِ
قلت : ومن هذه المادة قول الآخر :
خرقنا بأطراف القنا في ظهورهمْ ... عيوناً لها وقعُ السيوفِ حواجبُ
وقال التهامي في الثريَّا والمجرَّة :
وللمجرَّة فوق الأرض مُعْتَرَضٌ ... كأنَّها حَبَبٌ تطفو على نَهَرِ
وللثريَّا ركودٌ فوق أَرحُلِنا ... كأنَّها قطعةٌ من فروة النَّمِرِ
وقال :
يحكي جنى الأَقحوانِ الغضِّ مَبْسِمُها ... في اللونِ والريحِ والتفليجِ والأشَرِ
لو لم يكن أُقحواناً ثغرُ مبسمِها ... ما كان يزدادُ طِيباً ساعَةَ السَّحَرِ
وقال :
كأنَّ على الجوِّ فضفاضةً ... مساميرها فضةٌ أو ذهبْ
كأنَّ كواكبهُ أعينٌ ... تُراعي سنا الفجرِ أو ترتقبْ
فلمَّا بدا صفَّقتْ هيبةً ... تُسَتِّر أحداقها بالشُّهُبِ
وشقَّتْ غلائلَ ضوء الصباحِ ... فلا هو بادٍ ولا محتجبِ
وقال :
كأنَّ سنانَ الرمح سلكٌ لناظمٍ ... غَداة الوغى والدَّارِعون جواهرُ
تَرُدُّ أنابيبُ الرماح سواعداً ... ومن زَرَدِ الماذيِّ فيها أساورُ
وقال :
هو الطاعنُ النجلاءَ لا يبلغ امرؤٌ ... مداها ولو أنَّ الرماحَ مسابرُ
يلبّيه من آل المفرّج إن دعا ... أسودٌ لها بيضُ السيوفِ أظافرُ
تراهُ لقرعِ البِيضِ بالبِيضِ مُصغياً ... كأنَّ صليلَ الباتراتِ مزاهرُ
وحفَّتْ به الآمالُ من كلِّ جانبٍ ... كما حفَّ أرجاءَ العيونِ المحاجرُ
وله القصيدة الرائيَّة المشهورة التي رثى بها ابنه وقد سارت مسير الشمس وهي :
حكمُ المنيَّةِ في البريَّةِ جارِ ... ما هذه الدُّنيا بدار قرارِ
بينا يُرى الإنسانُ فيها مُخبراً ... حتَّى يُرى خبراً من الأَخبارِ
طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاءِ والأكدارِ
ومكلِّفُ الأيَّامِ ضدَّ طباعها ... متطلِّبٌ في الماءِ جَذوةَ نارِ
وإذا رجوتَ المستحيلَ فإنَّما ... تبني الرجاءَ على شفيرٍ هارِ
العيشُ نومٌ والمنيَّةُ يقظةٌ ... والمرءُ بينهما خيالٌ سارِ
فاقْضوا مآربكم عِجالاً إنَّما ... أعمارُكم سَفَرٌ من الأسفارِ
وتراكضوا خيلَ الشبابِ وبادروا ... أن تُسْتَرَدَّ فإنَّهنَّ عَوارِ
فالدهر يخدع بالمنى ويُغِصَّ إنْ ... هَنَّا ويهدم ما بنى ببَوارِ
ليس الزمانُ وإن حرصتَ مسالماً ... خُلُقُ الزمانِ عداوَةُ الأحرارِ
إنِّي وُتِرْتُ بصارمٍ ذي رَوْنَقٍ ... أعددتُه لطلابةِ الأوتارِ
أُثني عليه بأثرِهِ ولو أنَّهُ ... لو يُغْتَبَط أثنيتُ بالآثارِ
يا كوكباً ما كانَ أقصرَ عمرَهُ ... وكذا تكون كواكبُ الأسحارِ
وهلالَ أيَّامٍ مضى لم يستدرْ ... بدراً ولم يُمْهَلْ لوقتِ سِرارِ
عَجِلَ الخُسوفُ عليه قبل أوانِهِ ... فغطَّاهُ قبل مَظِنَّةِ الإبدارِ
واستُلَّ من لأقرانِهِ ولداتِهِ ... كالمُقلَةِ استُلَّتْ من الأشفارِ
فكأنَّ قلبي قبرُهُ وكأنَّهُ ... في طيِّهِ سِرٌ من الأسرارِ
إنْ تَحْتَقِرْ صغراً فربَّ مُفخَّمٍ ... يبدو ضئيلَ الشخص للنُّظَّارِ
إنَّ الكواكبَ في علوِّ محلِّها ... لَتُرى صِغاراً وهي غيرُ صغارِ
وَلَدُ المعزَّى بعضُهُ فإذا مضى ... بعضُ الفتى فالكلُّ في الآثارِ

(1/3043)


أبكيهِ ثمَّ أقولُ معتذراً لهُ : ... وُفِّقْتَ حينَ تركتَ ألأم دارِ
جاورتُ أعدائي وجاورَ ربَّهُ ... شتَّانَ بين جوارهِ وجواري
أشكو بعادك لي وأنت بموضعٍ ... لولا الرَّدى لسمعتَ فيه سِراري
ما الشرقُ نحو الغرب أبعدَ شُقَّةً ... من بُعد تلك الخمسةِ الأشبارِ
هيهاتَ قد علِقتكَ أسبابُ الرَّدى ... وأبادَ عمرَك قاصمُ الأعمارِ
ولقد جريتَ كما جريتُ لغايةٍ ... فبلغتَها وأبوكَ في المِضمارِ
فإذا نطقتُ فأنتَ أوَّلُ مَنطقي ... وإذا سكتُّ فأنت في إضماري
أُخفي من البُرَحاءِ ناراً مثلَ ما ... يُخفي من النارِ الزنادُ الواري
وأُخفِّضُ الزَّفَراتِ وهي صواعدٌ ... وأُكفكفُ العَبَراتِ وهي جَوارِ
وأكُفُّ نيرانَ الأسر ولربَّما ... غُلِبَ التصبُّرُ فارتمتْ بشَرارِ
وشهاب زَند الحزن إن طاوعتهُ ... وارٍ وإن عاصيتهُ متوارِ
ثوبُ الرئاءِ يشِفُّ عمَّا تحتهُ ... فإذا التحفتَ بهِ فإنَّكَ عارِ
قصُرَتْ جفوني أم تباعد بينها ... أمْ صُوِّرَتْ عيني بلا أشفارِ
جَفَتِ الكرى حتَّى كأنَّ غِرارهُ ... عند اغتماضِ الطرف حدُّ غِرارِ
ولوِ استعارتْ رقدةً لدحا بها ... ما بين أجفاني من التيَّارِ
أُحيي ليالي التِّمِّ وهي تُميتُني ... ويُميتهنَّ تبلُّجُ الأسحارِ
والصبحُ قد غمرَ النجومَ كأنَّهُ ... سيلٌ كما فطفا على النُوَّارِ
لو كنتَ تُمنعُ خاض دونك فتيةٌ ... منَّا بُحُرَ عواملٍ وشِفارِ
فدَحَوْا فُويقَ الأرضِ أرضاً من دمٍ ... ثمَّ انثنَوا فبنَوا سماء غُبارِ
قومٌ إِذا لبسوا الدروع حسبتَها ... سُحُباً مُزَرَّرةً على أقمارِ
وترى سيوفَ الدارعينَ كأنَّها ... خُلُجٌ تُمَدُّ بها أكفُّ بحارِ
لو أشرعوا أيمانهم من طولها ... طعنوا بها عِوَضَ القنا الخطَّارِ
شُوسٌ إِذا عدِموا الوغى انتجعوا لها ... في كلِّ آنٍ نُجعَةَ الأمطارِ
جنبوا الجيادَ إلى المطيِّ فراوحوا ... بين السروج هناك والأكوارِ
وكأنَّهم ملأوا عِيابَ دروعهمْ ... وغُمودَ أنصُلِهم سرابَ قفارِ
وكأنَّما صَنَعُ السوابغِ غَرَّهُ ... ماءُ الحديدِ فصاغَ ماءَ قَرارِ
زَرَداً وأحكم كلَّ مَوْصِلِ حلقةٍ ... بحَبابةٍ في موضع المسمارِ
فتدرَّعوا بمتون ماءٍ راكدٍ ... وتقنَّعوا بحَباب ماءٍ جارِ
أُسْدٌ ولكن يؤثرون بزادهمْ ... والأُسدُ ليس تدين بالإيثارِ
يتعطَّفونَ على المُجاورِ فيهمُ ... بالمُنْفِسات تعطُّفَ الآظارِ
يتزيَّنُ النادي بحُسن وجوههمْ ... كتزيُّنِ الهالات بالأقمارِ
من كلِّ مَن جعل الظُّبى أنصارَهُ ... وكَرُمْنَ فاستغنى عنِ الأنصارِ
والليثُ إن ساورْتَهُ لم يَتِّكِل ... إلاَّ على الأنيابِ والأظفارِ
وإذا هو اعتقل القناةَ حسبتَها ... صِلاًّ تأبَّطَهُ هِزَبْرٌ ضارِ
زَرَدُ الدِّلاصِ من الطِّعان برمحهِ ... مثل الأساور في يد الإسوارِ
ويجرُّ ثمَّ يجرُّ صعدَةَ رمحِهِ ... في الجحفلِ المتضايقِ الجرَّارِ
ما بين ثوبٍ بالدماء مُضَمَّخٍ ... خَلَقٍ ونقعٍ بالطِّراد مُثارِ

(1/3044)


والهُونُ في ظِلِّ الهُوَيْنا كامنٌ ... وجلالةُ الأخطارِ في الإخطارِ
تندى أسِرَّةُ وجههِ ويمينهُ ... في حالةِ الإعسارِ والإيسارِ
يحوي المعاليَ خالِباً أو غالباً ... أَبداً يُدارى دونها ويُداري
ويمدُّ نحو المكرُماتِ أناملاً ... للرزقِ في أثنائهنَّ مجارِ
قد لاحَ في ليل الشباب كواكبٌ ... إن أُمهلتْ آلتْ إلى الإسفارِ
وتلَهُّبُ الأحشاءِ شيَّبَ مَفْرقي ... هذا الضياءُ شُواظُ تلك النارِ
شابَ القَذالُ وكلُّ غصنٍ صائرٌ ... فَينانهُ الأحوى إلى الأزهارِ
والشبه منجذبٌ فلِمْ بيضُ الدُّمى ... عن بيضِ مفرقهِ ذواتُ نفارِ ؟
وتوَدُّ لو جعلتْ سوادَ قلوبها ... وسوادَ أعينها خِضابَ عِذاري
لا تنفر الظَّبيات منهُ فقد رأت ... كيف اختلافُ النبت في الأطوارِ
شيئان ينقشعان أوَّلَ وهلةٍ ... ظلُّ الشباب وصُحبةُ الأشرارِ
لا حبَّذا الشيبُ الوفيُّ وحبَّذا ... شرخُ الشبابِ الخائنِ الغدَّارِ
وَطَري من الدُّنيا الشباب ورَوقهُ ... فإذا انقضى فقد انقضتْ أوطاري
قَصُرَتْ مسافتُهُ وما حسناتُهُ ... عندي ولا آلاؤُهُ بقصارِ
نزداد همًّا كلَّما ازددنا غنًى ... فالفقر كلُّ الفقرِ في الإكثارِ
ما زاد فوق الزادِ خُلِّفَ ضائعاً ... في حادثٍ أو وارثٍ أو عارِ
إنِّي لأرحم حاسدِيَّ لحرِّ ما ... ضمَّت صدورهمُ من الأوغارِ
نظروا صنيع الله بي فعيونُهمْ ... في جنَّةٍ وقلوبهم في نارِ
لا ذنبَ لي قد رمتُ كتمَ فضائلي ... فكأنَّني بَرْقَعْتُ وجهَ نهارِ
وسترتها بتواضعي فتطلَّعَت ... أعناقها تعلو على الأستارِ
ومن الرجال مجاهلٌ ومعالمٌ ... ومن النجوم غوامضٌ ودراري
والناسُ مشتبهون في إيرادهمْ ... وتباينُ الأقوام في الإصدارِ
عَمْري لقد أوطأتُهم طُرُقَ العُلى ... فعمُوا ولم يطأوا على آثاري
لو أبصروا بعيونهم لاستبصروا ... لكنَّها عميتْ عن الإبصارِ
أَلا سعَوا سعيَ الكرام فأدركوا ... أو سلّموا لمواقع الأقدارِ
ذهبَ التكرُّمُ والوفاءُ من الوَرَى ... وتصرَّما إلاَّ من الأشعارِ
وفشتْ جنايات الثقات وغيرهمْ ... حتَّى اتَّهمنا رؤيةَ الأبصارِ
ولربَّما اعتضد الحليمُ بجاهلٍ ... لا خير في يُمنى بغير يسارِ
ورثى ابنه بقصيدة أخرى رائية أوَّلها :
أبا الفضل طال اللَّيلُ أم خانني صبري ... فخُيِّلَ لي أنَّ الكواكبَ لا تسري
وله فيه غير ذلك . ومن شعره :
أبرزنَ من تلك العيون أسِنَّةً ... وهززْن من تلك القيود رماحا
يا حبَّذا ذاك السلاحُ وحبَّذا ... وقتٌ يكون الحُسنُ فيه سلاحا
أهوى الفتى يُعلي جناحاً في العلى ... أبداً ويخفض للجليس جناحا
وأُحِبُّ ذا الوجهين وجهاً في الندى ... نَدِياً ووجهاً في اللقاء وَقاحا
ومنه :
يرمي الكتيبَةَ بالكتاب إليهمُ ... فيرون أحرفهُ الخميسَ كفاحا
مِن نِقْسِهِ دُهماً ومن ميماتهِ ... زَرَداً ومن أَلِفاتهِ أرماحا
ومنه :
خليليَّ هل من رقدةٍ أستعيرها ... لعلِّي بأحلام الكرى أستزيرها
ولو علمتْ بالطيف عاقتهُ دوننا ... لقد أفرطتْ بخلاً بما لا يضيرها
ومنه :
تهيمُ ببدرٍ والتَّنَقُّلُ والنوى ... على البدرِ محتومٌ فهل أنت صابرُ ؟

(1/3045)


لهُ من سنا الفجرِ المُوَرَّدِ غُرَّةٌ ... ومن حَلَكِ الليل البهيمِ غَدائرُ
ومنه :
وكم رجلٍ أثوابه فوق قدرهِ ... وقد يُلْبَسُ السِّلْكُ الجمانَ الفرائدا
فلا يُعْجِبَنْ ذا البخلِ كثرةُ مالهِ ... فإنَّ الشَّغا نقصٌ وإن كان زائدا
النهري الحنبلي
علي بن محمد بن المبارك أبو الحسن النهري الفقيه الحنبلي البغداذي . قرأ على القاضي أبي يَعلى محمد بن الحسين بن الفرَّاء وبرع في المذهب والخلاف وكان قيِّماً بالفرائض . ودرَّس في حياة شيخه . وكان ظريفاً من ملاح البغادِدَة . سمع من شيخه ابن الفرَّاء ومن أحمد بن أبي الفضل المخبزي . قال محبُّ الدين بن النجَّار : وما أظنُّه روى شيئاً . توفِّي سنة تسع وثمانين وأربع مائة
كمال الدين بن الأعمى
علي بن محمد بن المبارَك الأديب كمال الدين بن الأعمى الشاعر صاحب المقامة التي في الفقراء المجرَّدين . روى عن ابن اللَّتِّي و غيره . وكان شيخاً كبيراً من بقايا شعراء الدولة الناصرية . انقطع في آخر عمره بالقليجيَّة . وكان مقرئاً بالتُربةِ الأشرفية . والأعمى والده الشيخ ظهير الدين الضرير النحوي الذي كان خطيب القدس . وتوفِّي سنة اثنتين وتسعين وست مائة . ومن شعره :
لا تَحْسَبَنْ ذاك العِذارَ بخدِّهِ ... شَعراً بدا لك في الهَوَى لمَّا بدا
لكنَّهُ ماءُ الشبابِ بخدِّهِ ... هبَّتْ عليه صَبا الصِّبا فتجعَّدا
خطيب الأنبار الحنفي ابن الأخضر
علي بن محمد بن محمد بن محمد بن يحيى بن شعيب بن حسن الشيباني أبو الحسن الأنباري بن الأخضر خطيب الأنبار . تفقَّه على مذهب أبي حنيفة ببغداذ وكان ثقة نبيلاً . وتوفِّي سنة ست وثمانين وأربع مائة . كان ابن الأخضر يقول : رأيت جدّ جدّي وأنا جدّ جدّ . وسمع ببغداذ في صباه من عُبيد الله بن محمد بن أحمد الفَرَضي وعبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مَهدي ومحمد بن أحمد بن رزق البزَّاز وعلي بن محمد بن عبد الله بن بشران وغيرهم . وحصَّل النسخ والأصول وعُمِّر طويلاً وحدَّث بجميع مرويَّاته . ومن شعره في المقتدي أمير المؤمنين :
يا أيُّها المولى الإما ... مُ ومَن تُناطُ به الأُمورُ
يا واحداً في المكرُما ... تِ فما يعادلُهُ نظيرُ
مثلي يُعانُ على الزما ... نِ فما بَقَى منِّي يسيرُ
الحصّار المغربي
علي بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن موسى أبو الحسن الفقيه الخزرجي الإشبيلي الفاسي المعروف بالحصَّار . كان إماماً فاضلاً كثير التصنيف في أُصول الفقه وصنَّف كتاباً في الناسخ والمنسوخ والبيان في تنقيح البرهان وأرجوزة في أصول الدين شرحها في أربع مجلدات وتقريب المدارك في رفع الموقوف ووصل المقطوع من حديث مالك اختصر فيه بعض كتاب التمهيد لابن عبد البرّ . وتوفِّي سنة إحدى عشرة وست مائة
ابن المعلِّم الحَمامي
علي بن محمد بن محمد بن النعمان المعروف بابن المعلِّم أبو القاسم البغداذي . هو ابن أبي عبد الله المفيد . كان والده من شيوخ الشيعة ورؤسائهم وتقدَّم ذكره في المحمّدين . وكان عليٌّ هذا يلعب بالحمام . توفِّي سنة إحدى وستين وأربع مائة
سِبط الطبري الشافعي
علي بن محمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن البيضاوي أبو القاسم البغداذي الشافعي سِبط القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري . كان شابًّا فاضلاً صالحاً . توفِّي سنة خمسين وأربع مائة
الديناري النحوي
علي بن محمد بن محمد بن الحسن أبو الحسن الديناري بن أبي الفتح النحوي كان علي ممَّن يُشار إليه في النحو والأَدب . درَّس النحو ببغداذ بعد وفاة أبي القاسم الرَّقِّي وتوفِّي ببلد النيل سنة ثلاث وسبعين وأربع مائة
الحِلِّي النحوي

(1/3046)


علي بن محمد بن محمد بن علي بن السَّكُون الحلِّيّ أبو الحسين ؛ من حِلِّة بني مزيد بأرض بابل . كلن عارفاً باللغة والنحو حسن الفهم جيد النقل حريصاً على تصحيح الكتب . لم يضع قطُّ في طِرسه إلاَّ ما وعاه قلبه وكان ينظم الشعر . قال ياقوت : وحكى لي عنه الفصيحُ بن علي الشاعر أنَّه كان نُصَيْرِيًّا . وله تصانيف . توفِّي في حدود سنة ست وست مائة . وقال محبُّ الدين بن النجَّار : قرأ النحو على ابن الخشَّاب واللغة على ابن العصَّار وقرأ الفقه على مذهب الشيعة وبرع فيه وكان يدرِّسه . وذكر لي الحسن بن معالي الحلِّيّ النحوي أنَّه كان متديِّناً كثير الصلاة بالليل وفيه سخاء ومروءة . سافر إلى مدينة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأقام بها وصار كاتباً لأميرها ثمَّ قدم الشام ومدح السلطان صلاح الدين . ومن شعره :
خُذا من لذيذ العيشِ ما رقَّ أو صفا ... ونفسَكما عن باعثِ الهمِّ فاصرِفا
ألمْ تعلما أنَّ الهمومَ قَواتلٌ ... وأحجَى الوَرَى من كان للنفس مُنصِفا
خليليَّ إنَّ العيشَ بيضاءُ طفلةٌ ... إِذا رشفَ الظمآنُ رِيقتَها اشتفى
من المُشرقاتِ الآنساتِ كأنَّها ... سَقِيَّةُ بَرْدِيٍّ توسَّطتِ الحَفا
الشيباني الكوفي
علي بن محمد بن محمد بن عُقبة بن همَّام أبو الحسن الشيباني الكوفي . قدم بغداذ وحدَّث عن الخضر بن أبان وغيره . قال الخطيب : كان ثقة أميناً . توفِّي سنة ثلاث وأربعين وثلاث مائة
البسطامي الشافعي
علي بن محمد بن الحسين أبو الحسين البسطامي . قرأ على القاضي أبي عبيد الله الصَّيْمَري وتولى القضاء بباب الطاق ونظر المارستان العَضُدي . وروى عن خاله بعض شعره . توفِّي سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة
ابن المغازلي الواسطي
علي بن محمد بن محمد بن الطيّب بن أبي يَعلى أبو الحسن الجُلاّبي ابن المغازلي الواسطي . سمع كثيراً وكتب بخطِّه وحصَّل الأُصول وخرَّج التخاريج وجمع مجموعات منها الذيل على تاريخ واسط لبَحْشَل ومشيخةٌ لنفسه . وكان كثير الغلط قليل الحفظ والمعرفة . نزل إلى دجلة يتوضَّأ فوقع في الماء وأُخرج من وقته ميتاً سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة
زعيم الرؤساء ابن جَهِير
علي بن محمد بن محمد بن جَهِير أبو القاسم بن أبي نصر الوزير زعيم الرؤساء أخو الوزير عميد الدولة . ولي النظر بديوان الزمام بعد وفاة محمد بن أحمد بن حُمَيلة صاحب الديوان . فنظر فيه أربع عشرة سنة إلى أن عزله المقتدي . ونظر بعد وفاة والده في الموصل وديار ربيعة ثمَّ ورد العراق في وزارة أخيه أبي المنصور ووزَرَ للمستظهر ثلاث سنين وخمسة أشهر وأيَّاماً . ونفذ سيف الدولة مَن أخذَه وأعاده إلى الحِلَّة فأقام إلى أن قُتل سيف الدولة فاستدعاه السلطان محمد ووزر له إلى أن توفي سنة ثمانٍ وخمس مائة . وكان معروفاً بالحِلم والرزانة وجودة الرأي والتدبير وحُسن التأتَّي
ابن النقيب الشهرستاني
علي بن محمد بن محمد بن النقيب الشهرستاني أبو الحسن . رُتّب نائب الحسبة ببغداذ عن القاضي أبي العباس الكَرْخي وكان مشدِّداً وكانت ولايته سنة سبع وثلاثين وخمس مائة . ومن شعره :
خفِّفي يا نفسُ عنِّي ... ويكِ كم هذا التَّجَنِّي
واتركي الجهل فقد ته ... وَينَ منه كلَّ فنِّ
ودعي الحرص مع الآ ... مال فيه والتَّمنِّي
عَجَباً والموتُ يأتي ... بَغتةً إذْ تطمئنِّي
مجد الدين بن المُطّلب الكاتب

(1/3047)


علي بن محمد بن محمد بن هبة الله بن محمد بن علي بن المُطّلب أبو المكارم ابن أبي جعفر بن أبي عبد الله بن الوزير أبي المعالي . قرأ الأَدب وبرع فيه وسمع من محمد بن عمر بن يوسف الأرموي وعبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف وأحمد بن علي بن علي بن السّمين وأبي المعمَّر الأنصاري . واقتنى كتباً ملاحاً بخطوط العلماء وصنَّف كتباً حساناً منها : كتاب الإيضاح في اختصار كتاب الإصلاح لابن السكيت رتَّبه على حروف المعجم واختصر كتاب الغريبين للهَرَوي . وسافر إلى الشام سنة إحدى وستين وخمس مائة . وتولَّى المناصب واتَّصل بالملوك وكتب لتقيّ الدين عمر ابن شاهِنشاه بن أيوب صاحب حماة . وكان قيِّماً بالنحو واللغة كاتباً بليغاً حسن الخط
ومن شعره :
تَحَلَّ لحاجتي واشدُدْ عُراها ... فقد أضحتْ بمنزلة الضياعِ
إِذا أرضعتها بلِبان أُخرى ... أضرَّ بها مشاركةُ الرضاعِ
ابن الأثير المؤرّخ
علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد العلاّمة عزّ الدين أبو الحسن بن الأثير أبي الكرم الشيباني الجَزَري الحافظ المؤرخ أخو مجد الدين وضياء الدين . ولد بالجزيرة العمريَّة سنة خمس وخمسين وخمس مائة . تحوَّل به وبأخويه والدهم إلى الموصل فسمعوا بها واشتغلوا وسمع بالموصل من الخطيب أبي الفضل ويحي الثَّقفي ومسلم بن علي السِّيحي وغيرهم . وسمع ببغداذ لما سار إليها رسولاً من عبد المنعم بن كُليب ويعيش بن صدقة الفقيه وعبد الوهاب بن سُكينة . وكان إماماً نسَّابةً مؤرّخاً أخباريًّا أديباً نبيلاً محتشماً وبيته مأوى الطلبة . أقبل آخر عمره على الحديث وسمع العالي والنازل حتَّى إنَّه سمع من أبي القاسم بن صَصْرَى وزين الأُمناء بدمشق . وصنَّف التاريخ المشهور المسمَّى ب : الكامل على الحوادث والسنين واختصر الأنساب للسمعاني وهذَّبه وأفاد فيه أشياء وهو في مقدار النصف أو أقل . وصنَّف كتاباً حافلاً في معرفة الصحابة وجمع فيه بين كتاب ابن مَنْدَه وكتاب أبي نُعيم وكتاب ابن عبد البرّ وكتاب أبي موسى في ذلك وزاد وأفاد وشرع في تاريخ الموصل . وحدَّث بدمشق وحلب وروى عن الدُّبَيْثي والقُوصي شهاب الدين والمجد بن أبي جرادة ووالده أبو القاسم في تاريخه . توفي في الخامس والعشرين من شعبان سنة ثلاثين وست مائة على قول القاضي سعد الدين الحارثي
ابن النَّضر
علي بن محمد بن محمد بن النَّضر أحد قضاة الصعيد . كان عالماً أديباً نحويًّا . روى عنه من شعره ابن بَرِّي النحوي وعلي بن هبة الله بن عبد الصمد الكاملي ومحمد بن إبراهيم المقرئ الكِيزاني ومحمد بن حسن بن يحيى الدَّاني الحافظ . وذكره ابن عرَّام في سيرة بني الكنز وأثنى عليه العماد الكاتب . قال أبو الحسن المذكور : أملقتُ سنةً وكنت أحفظ كتاب سيبويه وغيره عن ظهر قلب حتَّى قلت إنَّ حرفة الأَدب قد أدركتني فعزمتُ على أن أقول شعراً في والي عَيْذابَ فأقمت إلى السَّحَر فلم يساعدني القول وأجرى الله القلم فكتبت :
قالوا : تعطَّفْ قلوب الناس قلتُ لهمْ : ... أدنى من الناس عطفاً خالقُ الناسِ
ولو علمتُ بسعيي أو بمسألتي ... جدوى أتيتهمُ سعياً على الراسِ
لكنّ مثليَ في ساحات مثلهمُ ... كمَزجر الكلب يرعى غفلةَ الناسي
وكيف أبسط كفّي بالسؤال وقد ... قبضتُها عن بني الدنيا على الياس
تسليم أمري إلى الرحمن أمْثَلُ بي ... من استلاميَ كفَّ البَرِّ والقاسي
قال : فقنعت نفسي وما أقمت إلاَّ ثلاثة أيام وورد كتاب والي عَيْذب يولّيني فيه خِطَّة الصعيد وزادني إخميم ولقّبني قاضي القضاة . ومن شعره :
يا نفسُ صبراً واحتساباً إنّها ... غَمَرات أيامٍ تمرُّ وتنجلي
في الله هُلْكُكِ إن هلَكتِ حميدةً ... وعليه أجرك فاصبري وتوكّلي
لا تيأسي من روح ربِّك واحذري ... أن تستقري بالقُنوط فتُحذَلي
وله ديوان شعر . وبنو النضر بإسنا ولعلّه منهم
علاء الدين بن القلانسي

(1/3048)


علي بن محمد بن محمد القاضي علاء الدين أبو الحسن بن الصدر شرف الدين القلانسي التميمي الدمشقي الشافعي أخو القاضي جمال الدين - وقد تقدّم ذكره - ومحيي الدين . ولد سنة ثلاث وسبعين وست مائة وتوفي فجاءةً سنة ست وثلاثين وسبع مائة . تفقَّه وتأدَّب ورأس وتقدَّم وكان كيِّساً متواضعاً . خدم موقِّعاً مدة وأخذ نوبة قازان هو وبدر الدين بن فضل الله وابن شُقير وابن الأثير رهينة إلى البلاد أذْرَبيجان وبقي معتقلاً مدةً ثمَّ تنكَّر وخلص محتالاً وهرب فنودي عليه فاختفى بتبريز شهرين وسمى نفسه يوسف وتوصّل إلى البلاد في زيِّ فقير . وقدم فأكرمه نائب حلب وبعثه على البريد وسرًّ به أهله ووصل في جمادى الأولى سنة إحدى وسبع مائة ؛ وولي نظر ديوان الأمير سيف الدين تُنْكُز ونظر البيمارستان والتوقيع في الدَّست فلما مات أخوه جمال الدين أخذ وظائفه . نظر الظاهرية ودرّسها ودرّس العصرونية ووكالة بيت المال وقضاء العسكر مضافاً إلى ما بيده وتدريس الأمينية فأعطى ابن أخيه القاضيَ أمين الدين نظر الظاهرية وتدريس العصرونية وانفرد هو بالباقي . ثمَّ إن الأمير سيف الدين تُنْكُر تغيَّر عليه وصادره وأخذ منه جملةً ولم يترك معه إلاَّ تدريس الأمينية والظاهرية . وكان أخيراً يعاني التقعير في كلامه . وكان حسن الشكل والوجه رحمه الله تعالى
المسند الرفّاء
علي بن محمد بن محمد الشيخ المسند المقرئ المجوَّد الزاهد العابد أبو الحسن البغداذي الرفّاء . هو سبط الشيخ عبد الرحيم بن الزجّاج ؛ فسمَّعَه كثيراً . سمع جامع المسانيد من ابن أبي الدنيّة وجزء الأنصاري من عبد الله ابن ورد صاحب ابن الأخضر ومن البخاري على أبي الحسن الوُجوهي وبعض مسند الإمام أحمد من الشيخ عبد الصمد بن أحمد ومن جدّه . وأجاز له من واسط الشريف الدّاعي صاحب ابن الباقلاّني . وحدّث ب جامع المسانيد ثلاث مرات وأول ما سمع منه في سنة ثلاث وسبع مائة . فرّ من رؤية المنكرات ببغداذ إلى قرية برفطا واشترى أرضاً كان يستغل منها كفايته فلقَّن هناك خلقاً كتاب الله تعالى
مولده سنة اثنتين وستين وست مائة أو في التي تليها . أكثر عنه أبو الخير الذُّهلي وأهل بغداذ . وتوفي ببرفطا في وسط سنة أربعين وسبع مائة وحمل إلى مقبرة الإمام أحمد بن حنبل فدفن بها . وكان يعرف القراءات السبع
ابن الكازَروني
علي بن محمد بن محمود الشيخ الإمام المؤرّخ الأديب ظهير الدين الكازروني ثمَّ البغداذي المعدَّل . قال الشيخ شمس الدين : كتب إليَّ بمرويّاته عام سبع وتسعين . وكان مولده سنة إحدى عشرة وست مائة وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة سبع وتسعين وست مائة وسمع من الحافظ أبي عبد الله بن الدُّبَيْثي ومحمد بن عبد الرحمن اليوسفي وغيره . وله تاريخ وله شعر
الدبّاغ المالكي
علي بن محمد بن مسرور أبو الحسن الفقيه الدبّاغ المالكي القيرواني . كان إماماً عاقلاً كثير الحياء والورع والصيانة . توفي في حدود الستين والثلاث مائة
البندنيجي الصوفي
علي بن محمد بن ممدوح بن جامع الشيخ المعمَّر المسند أبو الحسن البندنيجي ثمَّ البغداذي . كان صوفياً بخانقان الشُّمَيْساطية . حدّث غير مرة ب صحيح مسلم عن أحمد بن عمر الباذبيني وبجامع الترمذي عن ابن الهَينيّ . وقد كتبوا له سماعاً سنة تسع وأربعين وأجاز له جماعة منهم : عبد الخالق النَّشْتَبري وعبد الله بن أبي السعادات ومحمد بن السبّاك . وظهر له سماع من محمد بن الهَنِيّ بعد موته سنة ثمانٍ وثلاثين . وكان يتعاسر على الطلبة ويطلب على الرواية . وتوفي سنة ست وثلاثين وسبع مائة وله ثلاث وتسعون سنة
بقي مدة بوّاب دار وكالة بغداذ . وسمع مسند ابن راهويه من العزّ أحمد بن يوسف الأكّاف بإجازته من ابن الخيِّر بن الطالقاني ؛ وقيل سمع من ابن الخيِّر . سمعتُ عليه صحيح مسلم بدار الحديث الأشرفية بدمشق في مدة آخرها سادس عشر شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مائة بقراءة ناصر الدين محمد بن طُغْريل وأجاز لي بخطّه سنة تسع وعشرين وسبع مائة بدمشق . وكان شيخاً طُوالاً ويجلس والقارورة مشدودة في وسطه للبول
زين الدين بن المنيِّر المالكي

(1/3049)


علي بن محمد بن منصور بن أبي القاسم بن مختار بن أبي بكر القاضي زيد الدين أبو الحسن بن القاضي أبي المعالي أخو القاضي العلاّمة ناصر الدين ابن المنيِّر . تقدم ذكر أخيه . وكان هذا زين الدين صدراً جليلاً محتشماً وافر الحُرمة مليح الصورة حسن البِزَّة كامل الفضيلة . ولي قضاء الثغر مدةً وأفتى وصنَّف ودرَّس قال الشيخ شمس الدين : روى لنا الأربعين السِّلفيَّة عن يوسف بن المَخيلي . وولد سنة تسع وعشرين وست مائة وتوفي سنة خمس وتسعين وست مائة يوم عيد الأضحى . وحدّث بمكة والثغر
الطبري الأشعري
علي بن محمد بن المهدي أبو الحسن الطبري المتكلّم الأشعري . حصب الشيخ أبا الحسن وتخرَّج به . وصنَّف التصانيف وتبحَّر في علم الكلام . وهو مصنِّف كتاب مشكل الأحاديث الواردة في الصفات . توفي في حدود الثمانين وثلاث مائة
محيي الدين القرميسيني الشافعي
علي بن محمد بن مهران بن علي بن مهران الإمام محيي الدين أبو الحسن القرميسيني ثمَّ الإسكندري الفقيه الشافعي . ولد سنة سبع وستين وخمس مائة وتوفي سنة إحدى وأربعين وست مائة . وأتقن المذهب وتأدب وقال الشعر وأفتى ودرَّس بالثغر وتخرَّج به جماعة وكان ديِّناً صيِّناً
الوزير ابن الفرات
علي بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات أبو الحسن بن أبي جعفر الكاتب من أهل هُمَيْنيا قرية بين بغداذ وواسط وقال الصولي : هو من قرية بابلا قريبة من صَريفين . تولّى أمر الدواوين أيّام المكتفي . ولما أفضت الخلافة إلى المقتدر أخيه ووزيره العباس بن الحسن بقي ابن الفرات على ولايته . فلما وقعت فتنة ابن المعتزّ وقتل العباس ولاّه المقتدر الوزارة سنة ست وتسعين ومائتين وفوَّض إليه الأمور كلَّها فسار بالعدل والإحسان والعفو عن الجُناة والإفضال . وكان أخوه أحمد أكبر سنًّا منه وأرفع طبقةً في الآداب والعلوم . وأبو الحسن هذا يتقدَّم أخاه في الحساب والخراج وله فيه مصنَّف . وكان له ثلاثة أولاد : أبو أحمد المُحَسِّن وأبو نصر الفضل والحسين . وعزل عن الوزارة سنة تسع وتسعين . وكانت وزارته ثلاث سنين وثمانية أشهر وثمانية عشر يوماً وأعيد إلى الوزارة ثانياً بعد عزل علي بن عيسى ؛ ثمَّ عزل . وكانت وزارته الثانية سنةً واحدة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوماً . وولي حامد بن العباس . ثمَّ إنه أعيد إلى الوزارة مرةً ثالثة . وولَّى المحسِّن ولده أمرَ الدواوين فبسط يده وصادر الناس وعذَّبهم حتَّى هلكوا . وجاهر الأكابر بالعداوة ؛ فعُزل أبوه . وكانت وزارته الثالثة عشرة أشهر وثمانية عشر يوماً . ووصل الشعراء في وزارته الثالثة بعشرين ألف درهم وأطلق لطلاب الحديث والآداب عشرين ألف درهم . وكان رجلٌ من أرباب الحوائج قد اشترى خبزاً وجبناً وأكله في الدهليز فبلغ الوزير فأمر بنصب مطبخ لمن يحضر من أرباب الحوائج ؛ ولم يزل طول أيامه . وما ردَّ أحداً قطُّ عن حاجة إلاَّ وعلّق أمله ؛ إما يقول : عاودني أو أعوِّضك أو تمهَّل قليلاً أو شيئاً من هذا . وكان يُجري على خمسة آلاف من الناس ؛ وأقلُّ جاري أحدهم خمسة دراهم ونصف قفيز دقيق إلى مائة دينار وعشرة أقفزة في كل شهر
ومن شعره ولم يوجد له غيرهما :
معذِّبتي هل لي إلى الوصل حيلةٌ ... وهل لي إلى استعطاف قلبكِ من وجهِ
فلا خيرَ في الدنيا وأنت بخيلةٌ ... ولا خيرَ في وصلٍ يكون على كَرْهِ
وأورد له هلال بن المُحسِّن في كتاب الوزراء :
خليليَّ قد أمسيتُ حيران موجَعا ... وقد بان شَرخٌ للشباب فودَّعا
ولا بدَّ أن أُعطي اللذاذة حقَّها ... وإن شاب رأسي في الهَوَى وتصلَّعا
إِذا كنتُ للأعمال غيرَ مُضيِّعٍ ... فما حقُّ نفسي أن أكون مضيَّعا
وكان كثير المواهب والصلات . وإنما في وزارته الثالثة سلّط ابنه المحسِّن على الناس وكان سبب هلاكهما على ما سيأتي في ترجمة المحسِّن . ولمَّا قبض عليه سُلِّما إلى نازوك فضرب عنق ابنه وأحضر إلى أبيه فلما رآه ارتاع . ثمَّ ضربت عنق أبيه وحمل رأساهما إلى المقتدر وغُرِّق جسداهما . ثمَّ بعد أيامٍ رمي برأسيهما في دجلة وذلك سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة
وقال أحمد بن إسحاق البهلول لما أمسك بن الفرات :

(1/3050)


قل لهذا الوزير قولَ مُحِقٍّ ... بَثَّهُ النُصحَ أيَّما إبثاثِ
قد تقلَّدتَها ثلاثاً ثلاثاً ... وطلاقُ البنات عند الثلاثِ
وفيهم يقول الصولي :
ذلَّل الدهرُ آل الفراتِ ... ورماهم بفُرقةٍ وشتاتِ
ليت آلَ الفراتِ عُدُّوا جميعاً ... قبلَ ما قد رأوه في الأمواتِ
فلَعَمري لراحةُ الموت خيرٌ ... من صغارٍ وذِلَّةٍ في الحياةِ
لم يزالوا للمُلك أنجُمَ عزٍّ ... وضياءٍ فأصبحت كاسفاتِ
ومما قيل فيهم :
يا أيها اللَحِزُ الضنينُ بمالهِ ... يحمي بتقطيبٍ قليلَ نوالهِ
أوَما رأيتَ ابن الفرات وقد أتى ... إدبارُهُ من بعد ما إقبالهِ
أيامَ تطرقُه السعادةُ بالمنى ... وينال ما يهواهُ من آمالهِ
فخلا من النُّعمى وأصبح يشتكي ... أقياده ألماً على أغلالِهِ
وكذا الزمانُ بأهلهِ متقلّبٌ ... فاسمح لما أعطيتَ قبل زوالهِ
روى ابن النجّار في ذيله بسنده إلى أبي النَّصر المفضَّل بن علي الأزدي كاتب المقتدر ومؤدّبه أنه حضر مجلس أبي الحسن بن الفرات وعن يمينه أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجرَّاح وعن يساره القاضي أبو عمر محمد بن يوسف وقد تأخَّر حامد بن العباس عن الحضور فقال الوزير : أتعلمون السبب في تأخر حامد ؟ فقالوا : لا . قال : ولكنَّني أعلم سبب ذلك ؛ انصرف البارحة مساءً وداره بعيدة فأبطأ على جاريته فلمَّا وصل استقبلته وقبَّلت جبينه وقالت : يا مولاي أقلقتني بتأخّرك فما الذي بطَّأ بك ؟ فقال : موافقة الوزير - أعزَّه الله - على الحساب . فقالت : يا مولاي حسابٌ في الدنيا وحساب في الآخرة حمل الله عنك . ثمَّ نزعت خفَّيه وقدَّمت نعليه وأفرغت عليه دست ثياب قد بخَّرتها وأخذت ثيابه عنه وقدَّمت إليه الطّهور . فلمَّا صلى المغرب وعشاء الآخرة قدَّمت إليه طبقاً تولَّت لغيبته ألوانه وقد وقفت مع الطبّاخة تحرِّياً لنظافتها وأخذت تلقمه وتأكل منه ثمَّ تولَّت غسل يديه وقدَّمت إليه الشراب وأصلحت عودها فشرب ثلاثة أرطال وشربت مثلها واغتبقا . فلمَّا أصبح دخل الحمام وخرج فسقته من الجلاّب بالثلج ما قطع خماره وقدَّمت إليه طبقاً من المحمَّضات ألواناً طيّبة وهو الآن يأكل . ثمَّ قال : غسل يده ولبس ثيابه . ثمَّ قال : ركب وتوجَّه إلينا . ثمَّ لم يزل ينزله الطريق إلى أن قال : هو في الدهليز . ثمَّ قال : يدخل حامد . فرفع الستر ودخل حامد . فلمَّا رأيناه ما تمالكنا أن ضحكنا . فلمَّا سلَّم وأخذ موضع جلوسه قال : ما الذي أضحككم عند مشاهدتي ؟ قلنا : صحّة حدس الوزير فإن شئت اقتصصناه . فقال : تفضَّلوا . فاقتصصنا ما جرى بأسره فتحيَّر ثمَّ قام على قدميه وحلف بالله - جلّت أسماؤه - لولا أنَّه يعلم أن الوزير أعف خلق الله لقدَّرت أنَّها هي حدَّثته ما جرى ؛ فما أخلَّ بشيءٍ منه . فضحك الجماعة فالتفت الوزير إلى علي بن عيسى فقال : يا أبا الحسن ما أنفع الأشياء للمخمور حتَّى ينجلي خماره ؟ فقال : والله ما عاقرتُ عليها ولا سكرت منها ولا أعرف داءها ولا دواءها فأعرض عنه والتفت إلى القاضي أبي عمر فقال : أيُّها القاضي أفتِنا فيما سألْنا عنه أبا الحسن - أعزَّه الله - فلم يجبنا . فقال القاضي : نعم أطال الله بقاء الوزير ؛ قال سبحانه وتعالى : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهُوا " وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " استعينوا على كلّ صناعة بأهلها " . ووجدنا المقدَّم في هذا الأمر والمُجْمَعَ على اختصاصه به أبا نواس الحسن بن هانئ ووجدناه يقول في هذا المعنى :
داوِ ماري من خُمارهِ ... بابنة الدنِّ وقارِهْ
من شرابٍ خُسْرَوِيٍّ ... ما تعنَّوا باعتصارِهْ
طبختهُ الشمس لمّا ... بخل العِلجُ بنارِهْ
فنرى - وبالله توفيقنا - أن من تناول منها شيئاً قطع به الخمار وكسر سَورته . فقال الوزير لأبي الحسن : أما كنتَ بهذا الجواب أولى للطف الكتّاب ودماثتهم ؟ ولكن أبى الله إلاَّ أن يدلَّ على فضل قاضي القضاة ولطف نفسه وحسن استخراجه وقوة حسِّه وكمال فتّوته
الشيخ علي بن نبهان

(1/3051)


علي بن محمد بن نبهان الشيخ علي بن الشيخ محمد شيخ بيت جِبْرين شيخ البلاد الحلبية . تقدّم ذكر والده في المحمدين . لما مات والده رضي الله عنه جلس هو مكانه وحجّ سنة ثمانٍ وأربعين أو سنة سبع وأربعين . وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين وسبع مائة في طاعون حلب في شهر ذي القعدة
اللبّان الدينَوَري
علي بن محمد بن نصر أبو الحسن اللبّان الدَّينَوَري نزيل غَزْنَة أحد الجوّالين في الحديث المعتنين في جمعه . منع من الحديث وكان ذلك في آخر عمره . وتوفي سنة ثمانٍ وستين وأربع مائة
ابن بسّام البغداذي
علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسّام أبو الحسن البغداذي العَبَرْتاني الأخباري أحد الشعراء البلغاء . وهو ابن أخت أحمد بن حمدون بن إسماعيل النديم . وله هجاء خبيث ؛ واستفرغ شعره في هجاء والده وهجاء جماعة من الوزراء كالقاسم بن عبيد الله وأبي جعفر بن الزيّات . وتوفي سنة اثنتين وثلاث مائة . وكان مع فصاحته وبيانه لا حظَّ له في التطويل إنما يحسن في المقاطيع . وهو من بيت كتابة . وله من التصانيف : أخبار عمر بن أبي ربيعة المخزومي وكتاب المعاقرين وكتاب مناقضات الشعراء وكتاب أخبار الأحوص وديوان رسائله . ومن شعره :
يا من هجوناهُ فغنّانا ... أنتَ وحقِّ الله أهجانا
وقال : كنت أتعشّق خادماً لخالي أحمد بن حمدون فقمتُ ليلةً لأدبَّ إليه فلما قربت منه لسعتني عقرب فصرخت فقال خالي : ما تصنع ها هنا ؟ فقلت : جئت لأبول فقال : صدقت في است غلامي . وقلت لوقتي :
ولقد سريتُ مع الظلامِ لموعدٍ ... حصَّلتُهُ من غادرٍ كذّابِ
فإذا على ظهر الطريق مُغِذَّةٌ ... سوداءُ قد عرفت أوان ذهابي
لا بارك الرحمنُ فيها عقرباً ... دبّابةً دبَّتْ إلى دبّابِ
فقال خالي : قبَّحك الله !
لو تركت المجون يوماً لتركته في هذا الحال
وقال ابن بسّام : كنت أتقلَّد البريد بقُمّ في أيام عبيد الله بن سليمان والعامل بها أبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد المعروف بأخي أبي صخرة فأهدى إليَّ في ليلة عيد الأضحى بقرةً للأضحيّة فاستقللتها ورددتها وكتبت إليه :
كم من يدٍ لي إليك سالفةٍ ... وأنت بالحقّ غيرُ معترفِ
نفسُك أهديتها لأذبحها ... فصنتُها عن مواقع التلفِ
وله من قصيدة يهجو فيها الكتّاب :
وعبدونَ يحكم في المسلمينَ ... ومن مثله تؤخذ الجاليَهْ
ودِهقانُ طيٍّ تولّى العراقَ ... وسقيَ الفرات وزُرْفانيَهْ
وحامدُ يا قوم لو أمرُهُ ... إليَّ لألزمتهُ الزاويَهْ
نعم ولأرجعتهُ صاغراً ... إلى بيعِ رمّانِ خُسراويَهْ
أيا ربُّ قد ركب الأرذلونَ ... ورجليَ من بينهم ماشيَهْ
فإن كنتَ حاملها مثلهمْ ... وإلا فأرجِلْ بني الزانيَهْ
وله في وزارة بني الفرات :
إِذا حكم النصارى في الفروجِ ... وباهوا بالنِّعال وبالسروجِ
فقل للأعور الدَّجّال : هذا ... أوانك إن عزمت على الخروج
علاء الدين بن نصر الله
علي بن محمد بن نصر الله هو الصاحب علاء الدين بن مُنتَجَب الدين الحلبي وزير صاحب حماة وزَرَ له إلى أن مات في الكهولة سنة أربع وسبعين وست مائة . كان من الرؤساء الأعيان ولزم خدمة الملك الناصر يوسف من حين حضوره إلى دمشق وكان من جلسائه وندمائه وكاتب جيشه . ولما انقضت الدولة الناصرية توجّه إلى مصر وأقام بها . وكان الظاهر يعرفه ؛ فرسم له أن لا يخرج من مصر فكتب الملك المنصور صاحب حماة إلى الظاهر يسأل تجهيزه إليه ليرتّبه وزير حماة فأرسل إليه ووصّاه به فأقام بحماة هو وأهله فأحسن المنصور صاحب حماة إليهم . وولي بعده صفي الدين نصر الله
ابن هارون الثعلبي المسند نور الدين

(1/3052)


علي بن محمد بن هارون بن محمد بن هارون بن علي بن حمد الثعلبي الدمشقي نزيل القاهرة الشيخ المقرئ المحدِّث الصالح المعمَّر المسند نور الدين أبو الحسن . كان قارئ العامّة . ولد سنة ست وعشرين وست مائة وتوفي سنة اثنتي عشرة وسبع مائة . سمع حضوراً في الرابعة و في الخامسة من ابن صبّاح وابن الزَّبيدي والناصح الحنبلي . وسمع من الفخر الإربلي و المُسلَّم المازني ومُكرَم بن أبي الصَّقر وعدّة ؛ وروى الكثير وتفرّد في وقته وأكثر عنه الطلبة والرحّالة . وكان خيِّراً ناسكاً متواضعاً طيِّب القراءة محبَّباً إلى العامّة . خرّج له العلاّمة تقي الدين قاضي القضاة السُّبكي مشيخةً . وسمع منه البرزالي وفتح الدين بن سيِّد الناس والشيخ شمس الدين . وهو آخر من سمع من ابن صبّاح
ثقة الدولة بن الأنباري
علي بن محمد بن يحيى أبو الحسن الدُّرَيني ثقة الدولة بن الأنباري . كان خصيصاً بالإمام المقتفي . بنى مدرسة للشافعية على شاطئ دجلة بباب الأزج وإلى جانبها رباطاً للصوفية وأوقف عليهما وقوفاً حسنة . سمع من النقيب طِراد بن محمد الزَّينبي والحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النِعالي وأبي الخطّاب نصر بن أحمد بن البَطِر . ولد سنة خمس وسبعين وأربع مائة وتوفي سنة تسع وأربعين وخمس مائة . وكان خيِّراً كثير الصدقة . وكان يخدم أبا نصر الإبَري وزوّجه ابنته شُهْدَة . ومن شعره :
ألا هل لأيام الصِّبا من يعيدُها ... فيطربَ صبٌّ بالغضا يستعيدُها
وهل عذبات الدَّوح من رمل حاجرٍ ... يميل إلى نَوحي مع الوُرق عودُها
سقى الله أيّامي بها كل مُزنةٍ ... تَصوبُ ثراها بالحيا وتجودُها
وردَّ ليالينا بجرعاءِ مالكٍ ... فقد طال ما ابيضَّت من العيش سودُها
الزيدي الكوفي
علي بن محمد بن يحيى بن عمر بن محمد بن عمر بن يحيى يتصل بالحسين ابن علي بن أبي طالب أبو القاسم الزيدي الحُسيني الكوفي . قدم بغداذ ومدح المقتفي لأمر الله والوزير ابن هُبَيْرة
ومن شعره لما نُكب العزيز عمّ العماد الكاتب :
بني حامدٍ إن جار دهرٌ أو اعتدى ... عليكمْ فكم للدهر عندكمُ وتْرُ
أجرتمْ عليهِ مَن أخافتْ صروفُهُ ... فأصبح يستقضيكمُ ولهُ العُذرُ
ومنه :
أجرني على الدهرِ فيما بقى ... بقيتَ فما قد مضى قد مضى
فلستُ أبالي بسُخط الزمان ... وأنتَ تراني بعين الرضى
ومنه :
خلعتُ في حبِّه عِذاري ... لِلُبسهِ خِلعةَ العِذار
كأنها إذْ بدت عليه ... خطّةُ ليلٍ على نهار
ومنه :
لله معسولُ الثنايا واضحٌ ... مجدولُ ما تحوي الغلائلُ أهيفُ
ظلمتْ محيّاه اللحاظُ بما جنتْ ... فيه فآلى أنّه لا يُنصف
أنكرتُ قلبي حين أنكر ودُّهُ ... وعرفتُ في حُبِّيه من لا أعرفُ
القاضي زكي الدين الشافعي
علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين أبو الحسن بن أبي المعالي بن أبي الفضل بن أبي الحسن بن أبي محمد زكيْ الدين القُرَشي كان قاضي دمشق هو وأبوه وجده ؛ وكان فقيهاً خيِّراً ديِّناً محمود السيرة . استعفى من القضاء وحجّ من بغداذ وعاد إليها فأدركه الموت بها سنة أربع وستين وخمس مائة وولد بدمشق سنة سبع وخمس مائة . وسمع بدمشق من هبة الله بن أحمد بن الأكفاني وعبد الكريم بن حمزة الحدّاد وطاهر بن سهل الإسفراييني وغيرهم وسمع ببغداذ . ولم يغمص في ولاية القضاء بشيء رحمه الله تعالى
واقف الشميساطية
علي بن محمد بن يحيى بن محمد أبو القاسم السُّلَمي الحُبيشي المعروف بالشُّميساطي واقف الخانقاه وقبره بها . روى عن أبيه وغيره . توفي سنة ثلاث وخمسين وأربع مائة ودفن بداره ووقفها على الصوفيّة ووقف علوَّها على الجامع نقلت من خطِّ علاء الدين الوادعي ما كتبه على حائط الخانقاه الشميساطية :
يا سالكاً طُرُقَ التصوّف والذي ... يبغي نزولَ خَوانكِ النسّاكِ
ما مثلُ منزلةِ الدُّوَيْرَةِ منزلٌ ... يا دارُ جادكِ وابلٌ وسقاكِ

(1/3053)


وكان أبو القاسم المذكور مقدَّماً في علم الهيئة والهندسة وفاضلاً في فنون يعرفها رحمه الله تعالى
ضياء الدين الغرناطي
علي بن محمد بن يوسف بن عفيف ضياء الدين أبو الحسن الخَزْرَجي الغرناطي الصوفي الشاعر . ينتسب إلى سعد بن عبادة . وقال الشعر على طريق محيي الدين بن عربي . وله مدائح مُؤْنقة في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . وأضرَّ بأخَرَة وزَمن وعُمِّر . وروى عنه الدِّمياطي والبِرزالي وكان مقامه بالإسكندرية . توفي سنة ست وثمانين وست مائة
العُطاردي
علي بن محمد أبو الحسن العُطاردي البغداذي . شاعر مدح عضد الدولة وقاضي قضاة أبا محمد بن معروف وجماعة من الملوك والوزراء . وكان ماجناً مزّاحاً يعاشر الأحداث ويحضر مجلس قاضي المُردان ويعمل أشعار الهَتف . ومن شعره :
انْظُرْ إلى دجلةَ مستظرفاً ... سكونَها والقمرَ الساري
كأنّها من فضةٍ وَسْطَها ... ساقيةٌ من ذهبٍ جاري
ومنه :
كأنّما دجلةُ والجسرُ وما ... مُدَّ من السُّفْن له حتَّى وقَف
خيلٌ على مِذْوَدِها مربوطةٌ ... رافعةٌ رؤوسها من العَلَفْ
الشمشاطي
علي بن محمد الشِّمشاطي بالشين المعجمة مرْتين وبينهما ميم وبعد الألف طاء وهي من بلاد إرمينية من الثغور . كان معلِّم أبي تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان وأخيه ثمَّ نادمهما . وهو شاعر مصنِّف مفيد واسع الرواية . قال محمد بن إسحاق : وفيه تزيّد كذا كنت أعرفه قديماً وقيل إنه ترك كثيراً من أخلاقه عند علوّ سنّه وهو يحيا في عصرنا سنة سبع وسبعين وثلاث مائة . قال ياقوت : وكان رافضياً دجّالاً يأتي في كتبه بالأعاجيب من أحاديثهم
ومن تصانيفه : كتاب النُزَه والابتهاج وكتاب الأنوار في المُلح والتشبيهات والأوصاف وكتاب الديارات كتاب أخبار أبي تمام كتاب العلم كتاب المثلَّث الصحيح كتاب تفضيل أبي نواس على أبي تمّام
وقال أبو القاسم المنجِّم الرَّقّي يهجوه :
حفُّ خديكَ دلَّ يا شمشاطي ... أنَّهُ دائم لغير لِواطِ
وانبساطُ الغلامِ يُعلمُني أنّ ... كَ تحتَ الغلامِ فوقَ البساط
وشروطٍ صبرت كُرهاً عليها ... لا لها بلْ لِلَذَّة المشراطِ
قال الشمشاطي : كنا ليلةً عند أبي تغلبَ بن حمدان وعنده جماعة بعضهم يلعب بالنرد والسماء تهطل حتَّى مضى هزيع من الليل فقال أبو البركات لفتح بن نظيف : يا فتحُ كم قد مضى من الليل ؟ فقلت له : هذا نصف بيت شعر . فقال لبعض من في حضرته : أتِمَّه ؛ فقال : هذه قافية صعبة لا تطّرِد إلاَّ أن تجعل بدل الياء واواً . فعملتُ في الوقت :
يا فتح كم قد مضى من الليلِ ... قُلْ وتجنَّبْ مقالَ ذي المَيْلِ
فعارضُ النوم مُسْبِلٌ خُمُراً ... وعارضُ المُزن مسبلُ الذَّيْلِ
والليلُ في البدر كالنهار إِذا ... أضحت وهذا السَّحابُ كالليلِ
يسكبُ دمعاً على الثرى فترى ال ... ماءَ بكلّ الدروب كالسَّيْلِ
والنردُ تُلهي عن المنام إِذا ال ... فصوصُ جالت كجولة الخَيْلِ
إِذا لذيذُ الكَرى تدافعَ عن ... وقتِ رُقادٍ أضرَّ بالحَيْلِ
إنَّ أمير الهيجاء في مأزِقِ ال ... حربِ الهمامُ الجوادُ والقَيْلِ
من حزبُهُ السعدُ طالعٌ لهمُ ... وحربُهُ موقنون بالوَيْلِ
نجيبُ أمٍّ لم تَغْذُهُ سيِّئ ال ... قَسْمِ ولا أرضعته من غَيْلِ
يحملُ أعباءَ كلِّ مُعضلةٍ ... تجلُّ أن تُستقلَّ بالشَّيْلِ
أموالُهُ والطعامُ قد بُذِلا ... لآمِليهِ بالوزن والكَيْلِ
جاوزَ عَمْراً بأساً وقصَّر عن ... جود يديه الضَّحيان والسَّيل
لا زال في نعمةٍ مجدَّدةٍ ... يشربُ صفوَ الغبوقِ والقَيْلِ
وقال في رُمّانة :
يا حُسنَ رُمّانةٍ تقاسمها ... كلُّ أديبٍ بالظَّرفِ منعوتِ
كأنَّها قبل كسرها كُرَةٌ ... وبعد كسرٍ حبّاتُ ياقوتِ
الطاهري

(1/3054)


علي بن محمد الطاهري من ولَدِ الشاه بن مكيال . كان ظريفاً أديباً طيباً مفاكهاً في نهاية الظَّرف والنظافة يسلك مسلك أبي العَنْبَس الصَّيْمَري في تصانيفه
له من التصانيف : كتاب دعوة التجّار كتاب فخر المشط على المرآة كتاب حرب الجُبن مع الزيتون كتاب الرؤيا كتاب اللحم والسمك كتاب عجائب البحر كتاب قصيدة وخيار يا مكانس . ومن شعره
فؤادي عليلٌ وجسمي نحيلُ ... وليلي طويلٌ ونومي قليلُ
وقلبي عليلٌ ودائي دخيلُ ... وسُقمي دليلٌ على ما أقولُ
وطَرفي كليلٌ فما لي مَقيلُ ... وأمري جليلٌ فصبري جميلُ
أبو القاسم الإسكافي
علي بن محمد أبو القاسم الإسكافي النَيْسابوري . باشر التأديب والتدريس . ذكره الثعالبي وأثنى عليه . وكان أعلم الناس بطريق التدريج إلى التخريج وحرَّر مُدَيْدَةً في بعض الدواوين فخرج منقطع القرين . وقال فيه الهُزَيْمي :
سبقَ الناسَ بياناً فغدا ... وهو بالإجماعِ بِكرُ الفَلَكِ
أصبح المُلكُ به مُتَّسِقاً ... لسيل المُلك عبد الملك
هو عبد الملك بن نوح آخر ملوك بني سامان . وكتب في ديوان الرسائل لأبي عبد الله الحُسين بن العميد المعروف بكُله وهو والد أبي الفضل بن العميد . وكان الاسم للعميد والعمل لأبي القاسم ؛ فقال فيه بعض مُجّان الحَضْرة :
تَبَظْرم الشيخ كُلَهْ ... ولست أرضى ذاك لَهْ
كأنَّهُ لم يَرَ مَنْ ... أُقْعد عنهُ بَدَلَهْ
والله إن دام على ... هذا الجنونِ والبَلَهْ
فإنَّهُ أوَّلُ من ... يُنْتَف منه السَّبَلَهْ
وكان أبو القاسم يهجوه فقال فيه وكان يحضر الديوان في مِحَفَّة لأثر النِّقْرِس به :
يا ذا الذي ركب المِحَ ... فَّةَ جامعاً فيها جِهازَهْ
أتُرى الزمانَ يُعيشُني ... حتَّى يُرينها جِنازَه
فلم تطل الأيام حتَّى أدركت العميد منيَّتُه وبلغ أبو القاسم أمنيَّتَه وتولّى العمل برأسه . وكان من أكتب الناس في السلطانيات فإذا تعاطى الإخوانيات كان قصير الباع . وكان يقال : إِذا استعمل أبو القاسم نون الكبرياء تكلّم من السماء . ولما مات رثاه الهُزَيمي الأبيوردي فقال :
ألمْ تَرَ ديوانَ الرسائلِ عُطِّلت ... لفِقدانه أقومهُ ودفاتِرُهْ
كثغرٍ مضى حاميه ليس يَسُدُّه ... سواهُ وكالكسرِ الذي عزَّ جابرُهْ
ليبكِ عليه خطُّهُ وبيانهُ ... فذا مات واشيهِ وذا مات ساحرهْ
حُكي أن الحَميد أمره يوماً أن يكتب كتاباً إلى بعض الأطراف وركب متصيّداً واشتغل أبو القاسم بمجلس أنس عقده لأصحابه . ورجع الحميد من صيده وطلب الكتاب فأجاب داعيه وقد أخذ منه الشراب ومعه طومارٌ بياضٌ أوهم أنه مكتوب بما رسم به له وقعد بعيداً عنه فقرأ عليه كتاباً طويلاً بليغاً سديداً أنشأه عن ظهر قلب فارتضاه الحميد وهو يظنّ أنه قرأه من سواد ؛ فرجع إلى منزله وكتب ما أراد وختمه وسفَّرَه
ابن الخلاّل الكاتب
علي بن محمد أبو الحسن بن الخلاّل الأديب الناسخ صاحب الخط المليح والضبط الصحيح معروفٌ مشهور بذلك . توفي سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة
أبو الحسن الهروي
علي بن محمد أبو الحسن الهروي والد أبي سهل محمد بن علي الهروي الذي كان يكتب الصَّحاح ؛ تقدّم ذكره . وكان أبو الحسن هذا عالماً بالنحو إماماً في الأدب جيّد القياس صحيح القريحة حسن العناية بالأدب . وكان مقيماً بالديار المصرية . وله تصانيف منها : كتاب الذخائر في النحو أربع مجلدات وكتاب الأزْهِيَة في العوامل والحروف وهما كتابان جليلان
الأهوازي النحوي
علي بن محمد أبو الحسن الأهوازي النحوي الأديب . قال ياقوت : رأيت له كتاباً في علل العروض نحو عشر كريريس ضيّقة الخط جيداً في بابه غايةً ولا أعرف من حاله غير هذا
الخَيْطالُ بن السيِّد

(1/3055)


علي بن محمد بن السيِّد البَطَلْيوسي أبو الحسن ويُعرف بالخَيطال بالخاء المعجمة والياء آخر الحروف ساكنةً والطاء المهملة وبعد الألف لام . وهو أخو أبي محمد عبد الله بن السيد النحوي وقد تقدّم ذكره في مكانه . روى عن أبي بكر بن الغراب وأبي عبد الله محمد بن يونس وغيرهما . أخذ عنه أخوه أبو محمد كثيراً من كتب الأدب وغيرها وكان مقدَّماً في علم اللغة وحفظها وضبطها ومات معتقلاً بقلعة رَباح من قبل ابن عُكاشة قائدها سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مائة
الأخفش النحوي
علي بن محمد الأخفش النحوي قال ياقوت : لم أجد ذكره إلا على كتاب الفصيح بخط علي بن عبد الله بن أخي الشيبة العَلوي بما صورته : حَذَق عليَّ هذا الكتاب - وهو كتاب الفصيح - أبو القاسم سليمان بن المبارك الخاصَّةُ الشَرَفي - أدام الله أيّامه - من أوله إلى آخره قراءة فهمٍ وتصحيح . وقرأت أنا على عليّ بن عُميْرة - رحمه الله - في محلّة باب البصرة عند المسجد الجامع الكبير وقرأ هو على أبي بكر بن مِقْسمٍ النحوي عن أبي العباس ثعلب . وكتب : عليّ بن محمد الأخفش النحوي سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة عربيّة
الوزّان الحلبيّ النحويّ
علي بن محمد الوزّان النحوي أبو الحسن الحلبي سمع منه أبو القاسم علي بن المُحسِّن التَّنوخي . قال ياقوت : وأظنه كان في زمن سيف الدولة بن حمدان وله كتاب في العروض
الأسدي
علي بن محمد أبو الحسن الأسدي . قال محبّ الدين بن النجّار : قرأتُ في كتاب أبي الوفاء أحمد بن محمد بن الحُصين بخطه قال : أنشدنا الرئيس الأديب ذو البراعتين أبو الحسن علي بن محمد الأسدي لنفسه :
يا فاضحَ الغُصن الرطي ... بِ تنعُّماً من رَطبِهِ
ومُعيرَ قلبي بالغرا ... مِ تلهُّفاً من هجرِهِ
ألا عطفتَ على الغري ... بِ مُسلِّماً في حُبِّهِ
فَهَبِ الفتى هِبة الكرا ... مِ تعطُّفاً من وِزْرِهِ
الخبّازي المقرئ
علي بن محمد أبو الحسن النَّيْسابوري المقرئ المعروف بالخبّازي صاحب التصانيف . توفي سنة ثمانٍ وتسعين وثلاث مائة
العلوي
علي بن محمد العلوي أنشدني العلاّمة أثير الدين أبو حيّان قال : أنشدني المذكور لنفسه :
رأيتُ لسانَ المرء رائدَ عقلِهِ ... وعنوانَهُ فانظر بماذا يُعَنْوَنُ
فلا تعدُ إصلاحَ اللسانِ فإنَّهُ ... يخبِّر عمّا عندهُ ويُبَيِّنُ
ويعجبني زِيُّ الفتى وجمالُهُ ... فيسقطُ من عينيَّ ساعةَ يلحَنُ
السِّنبِسي
علي بن محمد السِّنبسي شاعر مدح المستظهر بالله بقصيدة أولها :
نادى الرحيلَ منادي الحيّ فابتكروا ... كادت لذاك حصاةُ القلبِ تنفطرُ
ثمَّ استقلّوا فلم أملك غداةَ نَأَوْا ... نُطقاً لديهم فكان المُخبرَ النَظَرُ
أُبدي الذي كانت الأسرارُ تُضمِرُهُ ... يومَ الرحيلِ بدمعٍ فيضُه دِرَرُ
المدائني
علي بن محمد أبو الحسن المدائني . مدح الإمامين المستظهر والمسترشد وعامة أرباب دولتيهما . ومن مديحه في المستظهر :
ليلُ ذي الوجدِ ألْيَلُ ... والمَصوناتُ أقتلُ
وكذا الراحُ راحةٌ ... وهوى الغيد أميلُ
والتصابي إليَّ أش ... هى وأحلى وأقبلُ
إنَّ جيرانَ عالجٍ ... حرَّموا ثمَّ حلَّلوا
والخيامُ التي ثووا ... أوحشوها ورحَّلوا
أبو الفتح البُسْتي
علي بن محمد أبو الفتح البُسْتي الكاتب الشاعر . له طريق معروف وأسلوب مشهور في التجنيس . سمع الكثير من أبي حاتم بن حِبّان . وتوفي سنة إحدى وأربع مائة . ومن شعره :
لم ترَ عيني مثلَهُ كاتباً ... لكل شيءٍ شَاءَ وشّاءا
يُبْدِعُ في الكُتْبِ وفي غيرها ... بدائعاً إن شَاءَ إنشاءا
ومنه :
ترحَّلتُ عنه لفرط الشقاءِ ... وخلّفت رُشدي ورأيي ورائي
فنائي قريبٌ إِذا غبتُ عنهُ ... وإمّا رجعتُ فناءٍ فنائي
ومنه :
العُمر ما عُمِّرّتَ في ... ظلِّ السرور مع الأحبَّهْ

(1/3056)


فمتى نأيتَ عن الأحبّ ... ةِ لم يساوِ العمرُ حبَّهْ
ومنه :
يقول لغلمانِهِ : أبشروا ... فإنّي إِذا رُمْتُ أمراً عدلتُ
ولا تَحْسَبُنّي ظلوماً فإنّي ... أشاطركُمْ إنْ فعلتُ انفعلتُ
ومنه :
قد مرّ أمسِ ولم يعبأ به أحَدٌ ... من التواءٍ وبؤسٍ مَرَّ أم رَغَدِ
وعنديَ اليومَ قوتٌ أسْتَعِفُّ به ... وإن بقيتُ غداً أصلحتُ أمرَ غَدِ
ومنه :
يا مُغْرَماً بوصالِ عيشٍ ناعمٍ ... ستُصَدُّ عنهُ طائعاً أو كارِها
إنَّ الحوادثَ تُزعج الآساد عن ... ساحاتها والطيرَ عن أوكارها
ومنه :
يا من عقدتُ به الرجاءَ فلم يكن ... لي منهُ إرفادٌ ولا إيناسُ
إن كان قد جرح المطامعُ عفّتي ... فوراء ذاك الجرح يأسٌ ياسو
ومنه :
وقالوا : رُضِ النفسَ الحرونَ وكُفَّها ... تُعَدَّلْ وألْزِمْها أداءَ الفرائض
وإن لم تَرُضْها أنت وحدك مُصلحاً ... وجَدْتَ لها من دهرها ألفَ رائضِ
ومنه :
يا أكثر الناسِ إحساناً إلى الناسِ ... وأكرمَ الناسِ إغضاءً على الناسي
نسيتُ وعدَك والنسيان مُغْتَفرٌ ... فاعذر فأول ناسٍ أولُ الناسِ
ومنه :
تَقِ الله واطلبْ هدى دينه ... وبعدهما فاطلبِ الفلسفهْ
ودع عنك قوماً يَعيبونها ... ففلسفةُ المرء فَكُّ السَّفَهْ
ومنه :
ولي أخٌ مُطرَّفٌ ... أصبح ظَرْفَ الظَّرْفِ
إن قلتُ : صِرْ في صِرْفي ... يَقُلْ لي : رِد في رِدْفي
ومنه :
وبي رغبةٌ فيك إمّا وفيتَ ... فهل راغبٌ أنتَ في أن تَفي ؟
فأرعى ذمامك ما دمتُ حيًّا ... فلا أستحيل ولا أنتفي
ومنه :
يا ناقهاً من مرضٍ مَسَّهُ ... يفديك من عاداك من ناقِهِ
كم قلتُ إذْ قيل به فَترةٌ : ... يا ربَّنا بالروح مِنَّا قِهِ
ومنه :
الآن نوِّلْنِيَ ما أبتغي ... إن كنتَ تنوي ليَ تنويلا
يا ليتَ شعري هل أرى حضرةً ... تُثْبِتُ تنفيلاً وتنفي لا
ومنه :
أما حان أن يشتفي المستهامُ ... بِزَورة وصلٍ وتأوي لَهُ
تُجمجم عن سُؤله هيبةً ... ويعلم قلبُك تأويلَهُ
ومنه :
أضاء ليل من أضاليلي ... وحان تعطيلُ أباطيلي
نادانيَ الشيبُ ولكنني ... أصمُّ عن قيل المنادي لي
وابْيَضَّ منديليَ من بعدها ... قد كنتُ مسوَدَّ المناديلِ
ومنه :
عجبتُ لوغدٍ قد جذبتُ بضَبْعِهِ ... فأصبح يلقاني بتيهٍ وبئسَ ما
يروم مُساماتي ومن دونها السَّما ... وكيف يباريني سمُوًّا وبي سَما
ومنه :
عدوُّكَ إمَّا مُعْلِنٌ أو مكاتِمٌ ... فكلٌّ بأن يُخْشى وأن يُتَّقى قَمِنْ
فكنْ حَذِراً ممن يكاتم أمرَهُ ... فليس الذي يرميك جهراً كَمَنْ كَمِنْ
ومنه :
إِذا تحدَّثتَ في قومٍ لتؤنسَهمْ ... بما تُحَدِّث من ماضٍ ومن آتِ
فلا تُعِدْ لحديثٍ إنَّ طبعَهُمُ ... موكَّلٌ بمعاداةِ المُعاداتِ
ومنه :
إنّي على ما بيَ من قوةٍ ... عند الخطوبِ الصعبة الوافيهْ
أجبنُ بل أرعدُ من خيفةٍ ... أيامَ ألقى فئة القافيهْ
ومنه :
إن هزَّ أقلامه يوماً ليُعلمها ... أنساك كلَّ كَمِيٍّ هزَّ عاملَهُ
وإن أقَرَّ على رَقٍّ أناملَهُ ... أقرَّ بالرِّقِّ كُتّابُ الأنامِ لَهُ
الشابُشتي

(1/3057)


علي بن محمد أبو الحسين الكاتب الشابُشتي بشينين معجمتين وبينهما ألف وبعدهما باء موحَّدة وبعد السين الثانية تاء ثالثة الحروف . كان أديباً فاضلاً تعلّق بخدمة العزيز بن المعزّ العُبَيدي صاحب مصر فولاه أمر خزانة كتبه وجعله دَفتر خُوان يقرأ له الكتب ويجالسه وينادمه . وكان حلو المحاورة لطيف المعاشرة له مصنَّفات حسنة منها : كتاب الديارات ذكر فيه كل دير بالعراق والشام ومصر وجمع الأشعار المقولة في كل دير وكتاب اليسر بعد العسر وكتاب مراتب الفقهاء وكتاب التوقيف والتخويف وله كتاب مراسلات . توفي بمصر سنة ثمانٍ وثمانين وثلاث مائة وقيل سنة تسعين وثلاث مائة وقيل سنة تسع وتسعين وقيل اسمه م بن إسحاق وكنيته أبو عبد الله وقد مرّ ذكره في المحمدين أيضاً أخصر من هذه الترجمة
علاء الدين بن الكلاّس
علي بن محمد علاء الدين الدَّواداري الكناني يعرف بابن الريِّس وابن الكلاّس . كان جندياً بدمشق رأيته بها غير مرة . كان فاضلاً أديباً ناظماً ناثراً له تعاليق ومجاميع يدل حسن اختياره فيها على فضله . توفي بحطّين وهي قرية من قرى صَفَد قبل الثلاثين وسبع مائة أو فيما بعدها والله أعلم . ومن شعره :
خليليّ ما أحلى الهَوَى وأمرَّهُ ... وأعلمَني بالحلو منه وبالمرِّ
بما بيننا من حرمةٍ هل رأيتما ... أرقَّ من الشكوى وأقسى من الهجرِ
ومنه :
سقطتْ نفوسُ بني الكرام فأصبحوا ... يتطلَّبون مكاسب الأنذالِ
ولقلّما طلب الزمان مساءتي ... إلاَّ صبرتُ وإن أضرَّ بحالي
نفسي تراودني وتأبى همّتي ... أن أستفيدَ غنًى بذلِّ سؤالي
ومنه :
تقدَّمتُ فضلاً من تأخَّر مدةً ... بَوادي الحيا طَلٌّ وعُقباه وابلُ
وقد جاء وِتْرٌ في الصلاة مؤخَّراً ... به خُتِمَتْ تلك الشفوع الأوائلُ
ومنه :
فكّرتُ في الأمر الذي أنا قاصدٌ ... تحصيلَهُ فوجدتهُ لا ينجحُ
وعلمتُ من نصف الطريق بأنَّ مَن ... أرجوه يقضي حاجتي لا يُفلحُ
ومنه يلغز في رغيف :
ومستدير الوجه كالتُّرسِ ... يجلسُ للناس على كُرْسي
يدخل منه البدرُ حمامَهُ ... وبعدها يخرج كالشمسِ
يواصل السلطانَ في دستهِ ... واللصَّ في هاوية الحبسِ
لو غاب عن عنترةٍ ليلةً ... وَهَتْ قوى عنترة العبسي
ومنه يلغز في القلم :
ما اسمٌ له في السماءِ فِعلٌ ... والأرضُ فيها له مكانُ
ينطق بينَ الأنامِ حقًّا ... بِصَمْتِه إذْ لهُ لسانُ
فاعجبْ له ناطقاً صموتاً ... له على الصمت تَرْجُمانُ
ومنه :
من مبلغٌ غبريلَ أنَّ رحيلهُ ... جلب السرورَ وأذهب الأحزانا
والناسُ من فرط الشماتة خلفهُ ... كسروا القدورَ وأوقدوا النيرانا
ومنه :
وأهيفَ يحكي البدرَ طلعةُ وجههِ ... وإن لم يكن في حُسن صورته البدرُ
خلوتُ به ليلاً يُدير مُدامةً ... وجنحُ الدجى دون الرقيب لنا سِتْرُ
فلما سرت كأسُ الحُميّا بعِطفِهِ ... ومالت به تيهاً ورنّحه السكرُ
هممتُ برشف الثغرِ منه فصدّني ... عِذارٌ له في منع تقبيله عُذْرُ
حَمى ثغرَه المعسولَ نملُ عِذارِه ... ومن عجَبٍ نملٌ يُصانُ به ثغرُ
الجَزَري

(1/3058)


علي بن محمد بن الجَزَري . قال الباخرزي في الدمية : وقع من بعض الجزائر إلى باخَرز فارتبط بها للتأديب وبقي بين كبرائها موفورَ النصيب . وبلغ من الغلوّ في التشيّع مبلغاً حقَّره حتَّى ادَّرع الليل وشمَّر الذيل وشدَّ الأقتاد وطوى البلاد وأقام في مجاورة قبر معاوية بالشام سنةً جرداء يطوف ببنيانه ويتبرَّك باستلام أركانه ووراء تملّقه ذلك أمر وخلل رماده وميض جمر . ولم يزل ينتهز الفرصة حتَّى خلا وجهه يوماً من الأيَّام وانفضَّ عنه بعض أُولئك الأقوام فنفض على القبر عِيابه وأسال فوقه مزرابه وألقى به جبينه وخلط بذي بطنه طينه " فخرج منها خائفاً يترقَّب قال : " ربِّ نجِّني من القوم الظالمين " . وفي هذا المعنى يقول :
رأيتُ بني الطوامثِ والزواني ... بمقتٍ ينظرون ليَّ شَزْراً
لأنِّي بالشآم أقمتُ حولاً ... على قبر ابن هندٍ كنتُ أَخرى
انتهى ما أورده الباخرزي . قلت : أنا رادًّا على هذا الأحمق :
أتحسب أنَّ ذا يرضي عليًّا ... عليكَ وقد خَرئتَ خُزيتَ شرَّا
وكيف يكون وجهُك حين تأتي ... غداً ويقال : هذا وجه خَرَّا
ولكن كان هذا نقصَ عقلٍ ... ودينٍ مَنْ تحرَّى ما تجرَّا
نور الدين الهمَذاني
علي بن محمد بن علي بن عبد القادر الشيخ الإمام نور الدين أبو الحسن ابن الإمام كمال الدين أبي عبد الله الهمَذاني . كتب لي في إجازته لي ولأخي إبراهيم ولأختي بواش بخطِّه في سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مائة بالقاهرة :
من بعد حمد الله ذي الإحسان ... ثمَّ الصلاة على الرضِي المنَّانِ
لهمُ أجزتُ جميع ما لي أن أُرَوِّ ... يَهُ على ما نصَّ أهلُ الشانِ
وأنا علي بنُ محمد بن عليٍّ ب ... ن الشيخِ عبد القادرِ الهمَذاني
وإلى تميمٍ نجلِ مُرٍّ نسبتي ... لأبي وأُمِّي قال ذا الجدَّانِ
ووُلدتُ عام اثني ثمانينَ التي ... بعد المِئينَ الستّ في رمضانِ
قلت : قوله المنَّان في وصف النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يجوز ؛ فإنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم يطلب الجزاء على إبلاغ رسالة ربِّه ولم يَمُنُّ على أحدٍ بذلك . كيف وقد قال الله تعالى : " ولا تَمْنُنْ تستكثِر " " بلِ الله يَمُنُّ عليكم أن هداكم للإيمان "
ابن الرسَّام الشافعي
علي بن محمد . هو الشيخ علاء الدين أبو الحسن المعروف بابن الرسَّام الشافعي وكيل بيت المال بصفد ومدرّسها . اشتغل أوَّل أمره على شيخنا الشيخ نجم الدين بن الكمال الخطيب بصفد ونزل إلى دمشق واختصّ بالشيخ صدر الدين بن الوكيل بدمشق وبمصر وقرأ عليه وعلى غيره وسمع بمصر ودمشق وصحب الأمير سيف الدين بَكْتَمر الحاجب وتوكَّل له . ولمَّا حضر إلى صفد جاء إليه وأخذ بها تدريس الجامع الظاهري ؛ ثمَّ فيما بعد أخذ وكالة بيت المال . وكان يكتب خطًّا جيِّداً إلى الغاية . والغريب أنه كان يكتب هذه الكتابة المليحة بيده اليسرى ولا يحسن يكتب باليمنى شيئاً . وكان قد حفظ التعجيز ويدري طرفاً جيّداً من العربية وعنده مشاركة في أُصول الدين والفقه . وكان يلثغ في الجيم فيجعلها كافاً يُشِمُّها شيناً معجمة . ولو أكل فستقة عرق لها من فرقه إلى قدمه . وكان متديّناً قليل الشرّ حسن الود والصحبة رحمه الله تعالى
وتوفي بصفد في طاعونها في العشر الأواخر من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مائة . وكان والده جنديًّا
الصاحب علاء الدين بن الحرَّاني

(1/3059)


علي بن محمد الصاحب علاء الدين بن الحرَّاني . أوَّل ما عرف من أمره أنَّه كان يكتب الدرجة عن فخر الدين أَقْجُبا الفارسي منشئ الدواوين بصفد . وكان يعرف إذْ ذاك بعلاء الدين بن المقابل ؛ لأنَّ أباه كان بها مقابل الاستيفاء . ثمَّ إنَّه خدم كاتباً للأمير عزّ الدين أيْدَمُر الشُّجاعي نائب قلعة صفد . وكان فيه كَيس ولطف عشرة وبيته مجمع الأصحاب والعشراء . ثمَّ إنَّ الشُّجاعي توجَّه إلى البيرة نائباً فلم يتوجَّه معه ؛ ثمَّ إنَّ الشُّجاعي حضر إلى القدس الشريف ناظر الحرمين وكان الصاحب علاء الدين عنده . ثمَّ إنَّه ترك ذلك جميعه وتجرَّد ولبس زِيَّ الفقراء وتوجَّه إلى اليمن بالكَجْكول والثوب العسلي ؛ وغاب مدَّة وجرت له أُمورٌ شاقَّة حكاها لي من الأمراض والوحدة والفقر . ثمَّ حضر إلى دمشق وتوجَّه إلى مصر في سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مائة ثمَّ إنَّه خدم كاتباً عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب ولمَّا مات خدم عند الأمير علاء الدين مُغْلَطاي الجمالي الوزير وظهرت منه عفَّة وكفاية . ولمَّا مات خدم عند الأمير سيف الدين طُغاي تَمُر صهر السلطان ولمَّا مات جهَّزه السلطان إلى الكرك ناظراً . ثمَّ إنه حضر وخدم الأمير سيف الدين قَوْصون فيما أظن مدةً يسيرة . ثمَّ إنَّ السلطان جهَّزه إلى دمشق وزيراً عوضاً عن الصاحب أمين الدين فأقام بها وباشرها مباشرة حسنة بعفَّة وصلف زائد . وجاء الفخري وجرى ما جرى وقام له بذلك المُهمّ ومنعه من أشياء كان يريد يأخذ فيها أموال الناس فقال : مهما أردت عندي ؛ وتوجَّه مع الفخري إلى مصر وطلب الإقالة فرتِّب له راتب وأقام مدةً في بيته . ثمَّ طُلب أيَّام الكامل وجهّز وزيراً إلى دمشق ثانياً فحضر إليها فاتَّفق له خروج يَلْبُغا على الكامل فقام له بذلك المُهمّ وتوجَّه لمصر وعمل تقديراً للشام وحضر به . ثمَّ عُزل وتوجَّه إلى القدس مقيماً به . ثمَّ حضر للحُوطة على موجود يلبغا فضبطه وتوجَّه للإقامة في القدس إلى أن توفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبع مائة بالقدس الشريف من فتقٍ كان به في عانته عظم وزاد به إلى أن عُلِّقَ في عنقه وكان قد أقبل على شأنه وانقطع بالقدس لسماع الحديث والعبادة رحمه الله تعالى
علي بن محمود
الزَّوزني الصوفي
علي بن محمود بن ماخُرَّة - بضم الخاء المعجمة وتشديد الراء وبعدها هاء وفي أوَّله ميم بعدها ألف - أبو الحسن الزَّوزني الصوفي . من كبار المشايخ . رحل وسمع وتوفِّي سنة إحدى وخمسين وأربع مائة . وإليه يُنسب الرباط المقابل لجامع المنصور ببغداذ . كان يقول : صحبتُ ألف شيخ وأحفظ من كل شيخ حكاية
ابن النجَّار
علي بن محمود بن الحسن بن هبة الله أبو الحسن البغداذي البزَّاز أخو الحافظ محبّ الدين بن النجَّار . قرأ الفرائض والحساب وبرع فيهما وصار أبرع أهل زمانه بقسمة التَّركات . وكان يعرف الجبر والمقابلة ويستخرج العويص من المسائل من غير أن يكتب بيده شيئاً وسأله أبو البقاء العُكْبَري عن مسائل عويصة فأجابه عنها من غير توقُّف فعجب منه وقال : ما رأيت مثل هذا الرجل وأمره بأن يضع خطَّه في الفتاوي . وكان يُفتي إلى أن توفي سنة إحدى عشرة وست مائة وولد سنة أربع وستين وخمس مائة . وكان كثير الصوم والصلاة والذِّكر وله أوراد بالليل والنهار . وولاّه أبو القاسم بن الدَّامَغاني النظر في أموال الأيتام فلمَّا عُزل القاضي قُبض عليه وأُهلك
علم الدين بن الصابوني
علي بن محمود بن أحمد بن علي بن أحمد علم الدين أبو الحسن بن العارف الزاهد أبي الفتح بن الصابوني المحمودي الجَوِّيثي الصوفي . ولد سنة ست وخمسين وخمس مائة بالجَوِّيث - وهي بالجيم والواو المشدَّدة وبعدهما ياء آخر الحروف وثاء مثلَّثة - وهي حاضر كبير بظاهر البصرة بينهما دجلة . سمع من جماعة وأجازه كثيرٌ وروى عنه جماعة وأمَّ السلطان الملك الأفضل علي بن يوسف وولي مشيخة جامع الفِيلَة وبالرباط الخاتوني وله عدَّة سفرات إلى الشام ومصر وحدَّث بمصر ودمشق وحلب . وتوفِّي سنة أربعين وست مائة
ابن حَكَم الحِمصي
علي بن محمود بن عيسى أبو الحسن الأَديب المعروف بابن حكم الحمصي . ومن شعره :

(1/3060)


عن البدر يوم البَين مِيطَ نِقابها ... ولِيثَ على غصنِ الأَراك ثيابُها
غريبَةُ أوصافٍ فأمَّا اقترابُها ... فأيَّةُ أوصابٍ وأمَّا اغترابُها
وقفتُ على أطلالها لتجيبَ إن ... سألتُ وما يُجدي عليَّ جوابُها
إِذا دِمْنَةٌ أقوتْ وخفَّ قطينُها ... وبانت سُلَيْماها ومانتْ ربابُها
فلا جَرَّتِ الأَرواحُ لطفاً ذيولَها ... بها لا ولا روَّى ثَراها ربابُها
وإنِّي لأهوى أن أُلمَّ بزينبٍ ... برامَةَ لولا عُربُها وعِرابُها
وليلةَ زارتنا عقيبَ ازوِرارِها ... كما انجاب عن شمس النهار ضبابُها
فبتنا وكلٌّ مُظْهِرٌ مُضْمَرَ الهَوَى ... ودأبي لها الإعتابُ والعتبُ دابُها
ويأبى نصابي أن أُلمَّ بريبةٍ ... وتلك إِذا يأبى الدنايا نصابُها
وما ريقُها إلاَّ سلافَةُ بابلٍ ... ومبسِمُها الوضَّاح إلاَّ حَبابُها
وغرَّد ديكٌ كان ميعادَ بَيْنِها ... فيا ليتها دامت ودام عتابُها
لئن نلتُ من شهد الزيارة مَذْقَةً ... لقد نال منِّي غبَّ ذلك صابُها
ولمَّا دعتنا للنوى غربةُ النوى ... وصاح بتفريق الفريق غُرابُها
أحببنا نداها ليتنا لم نُجب لها ... نداءً ولم توجَفْ بركبٍ رِكابُها
ودارت علينا للفراق مُدامةٌ ... فأصبح كلٌّ قد دهاه شرابُها
فلينا الفلا باليعمَلات سُرًى وقد ... تهادى بنا وهادها وهضابُها
طغى آلُها في ألِها وسرى بها ... غروراً ليشفى من صداها سَرابُها
وحامت على عاصي حماةٍ ظواميا ... فزاد بها غِبَّ الوُرود التهابُها
وبتنا بها في ليلة نابغيةٍ ... نساور رُقشاً ينفث السمَّ نابُها
إلى أن فرى سيفُ الصباح أديمَها ... وأجفل خوفاً بدرُها وشهابُها
رمينا بها صُورانَ وهي جوانحٌ ... تَلَفَّتُ صُوراً نحو حمصٍ رقابُها
ومنه :
أيجمعني وشمسَ الخمر شمسُ ال ... خمارِ بغفلَتَيْ واشٍ ودهرِ
فأخلُوَ بابنتَيْ كَرَمٍ وكَرْمٍ ... وأرشفَ ريقَتَيْ قدحٍ وثغرِ
المأرِبي
علي بن محمود بن زياد بن المأرِبي بالراء والباء ثانية الحروف اليمني الشاعر ابن الشاعر . وسيأتي ذكر والده في حرف الميم إن شاء الله تعالى . قال علي في انتقال ذي جِبْلَة من المنصور بن المفضَّل إلى الداعي محمد بن سبأ :
بذي جِبْلَةٍ إليك وإنَّها ... لتُظهر للشيخ الذي ليس تُضمرُ
عوائدُ للغيدِ الغواني وإنَّها ... من الشيخ نحو ابن الثلاثين تَنْفِرُ
مُدَرِّسُ القَيْمُرِيَّة الشافعي
علي بن محمود بن علي القاضي شمس الدين أبو الحسن الشهرَزُوري الكردي الشافعي مدرِّس القيمريَّة وأبو مدرِّسها الصلاح . وجدُّ مدرِّسها شمس الدين . كان شيخاً فقيهاً إماماً عارفاً بالمذهب موصوفاً بجودة النقل وحسن الديانة . بنى الأمير ناصر الدين مدرسته بالخُرَيْميّين . وفوَّض تدريسها إليه وإلى أولاده وأهل الأهليَّة من ذرِّيته . وناب في القضاء عن ابن خلِّكان وتكلَّم بحضرة السلطان عند الحوطة على الأملاك والبساتين فقال : الماء والكلأ والمرعى لله لا يُملك وكلّ من بيده ملك فهو له ؛ فبُهت له السلطان . وقد سمع ببغداذ من جماعة مع ابن العديم ولم يروِ . وتوفِّي سنة خمس وسبعين وست مائة
الشاعر المنجِّم اليشكُري
علي بن محمود بن حسن بن نبهان بن سَنَدٍ علاء الدين أبو الحسن اليشكُري ثمَّ الرَّبَعي البغداذي الأصل المصري المولد الشاعر المنجِّم . ولد سنة خمس وتسعين وست مائة . سمع بدمشق من ابن طَبَرْزَد والكندي . أخذ عنه الدِّمياطي وغيره ؛ وتورَّع كثير من الطلبة عن الأخذ عنه لكونه منجِّماً . وسمع منه البِرزالي وكانت له يد طولى في علم الفلك والتقاويم وعمل الأزياج . مع النظم الحسن وحسن الخط . توفي في سابع عشرين شهر رمضان
ومن شعره :

(1/3061)


أكرمتَني وأهنتَني متعمِّداً ... إنِّي بفلك ما حييتُ لَراضِ
فالماءُ قوتٌ للنفوسِ وإنَّهُ ... لَيُهانُ بعد العِزِّ في المرحاضِ
والشَّعرُ يُكرمه الأنامُ جميعُهم ... ويُهانُ بالأمواسِ والمِقراضِ
نجم الدين الدامَغاني الحكيم
علي بن محمود نجم الدين الأَسْطُرلابي الحكيم الدامَغاني . كان رأساً في علم الرياضي . تقرَّر في رَصَدِ مَراغة . ومات ببغداذ سنة ثمانين وست مائة
الأَفضل بن صاحب حماة
علي بن محمود . هو الأمير علي بن السلطان الملك المظفَّر تقي الدين بن الملك المنصور صاحب حماة . وكان علي هذا يلقَّب بالملك الأفضل وهو أخو السلطان الملك المنصور محمد ووالد الملك المؤيَّد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة وقد تقدَّم ذكر ولده هذا وذكر حفيده الأفضل محمد صاحب حماة . توفي علي المذكور بدمشق سنة اثنتين وتسعين وست مائة ووُضع في تابوت وصلُّوا عليه وتوجَّهوا به إلى حماة ودُفن عند آبائه . وحضر الحموي نائب السلطنة بدمشق الصلاة عليه وامتدحه السرَّاج الورَّاق بقصيدة وهي :
لي لا لدمعي وقفةٌ في المنزلِ ... عنها التجلُّدُ والسلُوُّ بمعزِلِ
ولأدمعي والغيثِ في عَرَصاتها ... شَوْطانِ للوسميِّ فيها والولِي
وعليَّ أن أُعطي المنازلَ حقَّها ... حفظاً لعهد الظاعن المتحمِّلِ
ومنها :
مَن للقلوب من العيون فإنَّها ... جارتْ ويا مَن للشجيِّ من الخلي
ولِطيبِ أيَّامٍ مضينَ كأنَّها ... في الحسن أيَّامُ الشبابِ المُقبلِ
والدارُ آنسةٌ بقربِ أوانسٍ ... يملأن حُسناً ناظرَ المتأمّلِ
فلها الملاحَةُ والصيانَةُ والجوى ... لي والمكارمُ للمليكِ الأفضلِ
ملكٌ إِذا انهلَّتْ سواكبُ كفِّهِ ... شاهدتَ سيلاً قد تحدَّر من علِ
ورأيتَ معنًى فاق معناً في الندى ... وطوى بنا الطائيّ بالحقِّ الجلي
من آل أيوبَ الذين سُيوفُهم ... ورماحهم شهبٌ بليلِ القسطَلِ
الَّلابسينَ من العُلى حُللاً غدت ... تمتاز منهم بالطرازِ الأوَّلِ
بمحمَّدٍ وعليٍّ ابتهجتْ لنا ال ... دنيا بحمدِ محمَّدٍ وعُلى علي
لله درُّ قُلاوُنٍ فلقد رأى ... ورعى لكم حقَّ الضيوف النُّزَّلِ
يا ثالثَ الملكين والتثليثُ مح ... مودٌ فما لك عنه من مُتَحَوَّلِ
الأمير علاء الدين بن مَعبد
علي بن محمود بن مَعبد الأمير علاء الدين البعلبكّي توفِّي سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة ودُفن بالمزَّة . وهو أخو الأمير بدر الدين محمد بن معبد . كان شكلاً طُوالاً جسيماً إلى الغاية بديناً إِذا نام له من يحرسه حتَّى إِذا انقطع شخيره أنبهه . وكان داهية خبيراً بالأُمور دَرِباً بالسياسة والأَحكام . تولَّى شدَّ الدواوين مدَّةً ثمَّ تولَّى ولاية الولاة بالصَّفقَةِ القبليَّة . وكان الأمير سيف الدين تُنْكُز يحبّه كثيراً ويقرّبه
القونَوي الحنفي الصوفي شيخ الشيوخ

(1/3062)


علي بن محمود بن حُمَيد العلاّمة البارع علاء الدين القونَوي الصوفي الحنفي المدرِّس بالقِلِيجيَّة بدمشق . إمامٌ ديِّنٌ متواضعٌ صيِّنٌ . سمع من الحجَّار والجَزَري وعدَّة ودار على المشايخ قليلاً وحُبِّب إليه الآثار . ولد سنة تسعين وست مائة وخُرِّجت له مشيخة ولازم الكلاّسة يُقرئ الطلبة في مذهب أبي حنيفة في : البَرْذَوي وابن الساعاتي وفي منهاج البيضاوي وفي مختصر ابن الحاجب وفي الحاجبيَّة وربَّما أقرأ في الحاوي الصغير للشافعية . ولمَّا توفي قاضي القضاة شرف الدين محمد بن أبي بكر المالكي تولَّى الشيخ علاء الدين مشيخة الشيوخ بالشام مكانه . وكان القاضي شرف الدين يأخذ من كل خانقاه في الشام عشرة دراهم في الشهر ونصيبين فأبطل ذلك ولو يتناوله ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في أوائل شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبع مائة رحمه الله تعالى . وكان يُعرِّب الكتب الواردة على ديوان الإنشاء باللغة العجمية . وتولَّى مشيخة الشيوخ بعد القاضي ناصر الدين كاتب السرّ بالشام متبرِّعاً
ابن الجمل الإسكندري
علي بن مختار بن نصر بن طُغان جمال الملك أبو الحسن العامري المحلّي المولد الإسكندراني المعروف بابن الجمل . هو أحد أولاد الدولة العُبيدية وسيأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى في حرف الميم في مكانه . وحدَّث علي هذا غير مرَّة عن السَّلفي وغيره وتوفِّي سنة ثمانٍ وثلاثين وست مائة
قاضي القضاة ابن مخلوف المالكي
علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النُّويري قاضي القضاة أبو الحسن المالكي حاكم الديار المصرية نيِّفاً وثلاثين سنة . حدَّث عن الشرف المُرسي وابن عبد السلام . وكان فيه مروءة واحتمال ورفق بالفقهاء وله دُربة بالقضايا والأَحكام . حكم بعد ابن شاس وولي بعده القاضي تقيّ الدين الإخْنائي . وتوفِّي سنة ثمان عشرة وسبع مائة وله خمس وثمانون سنة
النَّخَعي الكوفي
علي بن مُدرك النَّخَعي الكوفي . روى عن أبي زُرعة البَجَلي وإبراهيم النَّخَعي وهلال بن يَساف . وثَّقه غيرُ واحد وتوفِّي سنة عشرين ومائة وروى له الجماعة
السيد الأمير علي الحنفي
علي بن المرتضى بن علي بن محمد بن الدَّاعي بن زيد ينتهي إلى الحسن بن علي بن أبي طالب الأميرُ السيد أبو الحسن بن أبي الحسن بن أبي الحسن . نشأ بأصبهان والدُه وقدم بغداذ فولد له علي هذا . وقرأ الفقه لأبي حنيفة وبرع فيه وفي الخلاف وقرأ الأَدب وحصَّل منه طرفاً وسمع الحديث وولي التدريس بجامع السلطان وانتهت إليه الحنفية . وكان متديِّناً زاهداً في الولايات كريم النفس داره مجمع الفضلاء . وكان يكتب خطًّا مليحاً وله كتب كثيرة أصول بخطوط المشايخ . حدَّث باليسير . ولد سنة إحدى وعشرين وخمس مائة وتوفِّي سنة ثمانُ وثمانين وخمس مائة . ومن شعره :
صُنْ حاضرَ الوقتِ عن تضييعه ثقةً ... أنْ لا بقاءَ لمخلوقٍ على الدَّوْمِ
وهَبْكَ أنَّكَ باقٍ بعدهُ أبداً ... فلن يعودَ إلينا عينُ ذا اليومِ
ومنه :
لا تحزننَّ لذاهبٍ ... أبداً ولا تجزعْ لآتِ
واغنمْ لنفسك حظَّها ... في البينِ من قبلِ الفواتِ
ابن مُنقذ
علي بن مُرشد بن علي بن مُقلَّد بن نصر بن مُنقذ عزّ الدولة أبو الحسن الكِناني الشَّيزَري كان ذكيًّا شاعراً جنديًّا دخل بغداذ وسمع من قاضي المارستان وغيره . وكان أكبر إخوته وسيأتي ذكر جدّه قريباً إن شاء الله تعالى . ولد سنة سبع وثمانين وأربع مائة واستُشهد بعَسقلان سنة ست وأربعين وخمس مائة . وما كان له صبوة . ولا ميل إلى لهو . ومن شعره :
ما فهتُ مع مُتحدِّثٍ متشاغلاً ... إلاَّ رأيتكَ خاطراً في خاطري
فلو استطعتُ لزرتُ أرضكَ ماشياً ... بسوادِ قلبي أو بأسودِ ناظري
ومنه :
أقمتَ فكنتَ في بصري ميماً ... وغبتَ فكنتَ في ضمنِ الفؤادِ
وما شطَّتْ بنا دارٌ ولكنْ ... نُقِلْتَ من السَّوادِ إلى السَّوادِ
ومنه :
ودَّعتُ صبري وقلبي يوم فُرقتكم ... وما علمتُ بأنَّ الدَّمعَ يُدَّخرُ
وضلَّ قلبي عن صدري فعدتُ بلا ... قلبٍ فيا ويحَ ما آتي وما أذرُ

(1/3063)


ولو علمتُ ذَخَرْتُ الصبرَ مبتغياً ... إطفاءَ نارٍ بقلبي منك تستعرُ
ومنه :
ولمَّا أعارتني النوى منك نظرةً ... أحبَّ إلى قلبي من الباردِ العذبِ
تعقَّبها البينُ المُشِتُّ فليتنا ... بقينا على تأميلنا لذَّةَ القُربِ
ومنه :
ظننتُ وظنُّ الألمعيِّ مُصدَّقٌ ... بأنَّ سَقام المرءِ سجنُ حِمامِهِ
فإن لم يكن موتٌ مريحٌ فإنَّهُ ... عذابٌ تملُّ النفسُ طولُ مُقامِهِ
وكم يلبثُ المسجونُ في قبضةِ الأذى ... يجرِّب فيه الموتُ غَرْبَ حسامِهِ
الجازري القاضي
علي بن المُسَبِّح أبو الحسن الجازِري - بالجيم وبعد الألف زاي وراء - من أهل الجازِرة من عمل واسط . كان من قضاتها وكان شاعراً . قدم بغداذ ومدح الوزيرين : أبا علي بن صَدَقة وأبا الحسن علي بن طِراد الزَّيْنَبي . ومن شعره في ابن صدقة :
مدحتُ الوزيرَ بطنَّانةٍ ... كأنَّ المعانيَ فيها رياضُ
فأُبتُ بتوقيعه ظافراً ... وعنديَ أن ليس فيه اعتراضُ
فلم يُمتثل وحصلنا على ... سواد الوجوهِ وضاعَ البياضُ
ومنه :
ما أناديك من وراءِ حجابٍ ... فأذمّ البُعاد بالاقترابِ
أنت في ناظريَّ في موضعِ اللح ... ظِ ومن منطقي مكانَ الصوابِ
أبو القاسم البغداذي
علي بن مسَرَّة أبو القاسم البغداذي . ومن شعره :
زعمتْ إنَّما هوايَ مُحالٌ ... أتُراها ظنَّت نُحولي انتحالا
ولقد زارني الخيالُ فما صا ... دفَ منِّي الخيالُ إلاَّ خيالا
بتُّ أرعى فيها النجوم وباتتْ ... من وراءِ السُّجوفِ تنعمُ بالا
وشكوتُ الهَوَى إليها فقالت : ... حَضَرِيٌّ يُنَمِّقُ الأَقوالا
الموصلي الحنبلي
علي بن مسعود بن نفيس بن عبد الله الفقيه المحدِّث الصالح الزاهد المفيد نور الدين أبو الحسن المَوْصلي ثمَّ الحلبي نزيل دمشق . ولد سنة أربع وثلاثين وست مائة وتوفي رحمه الله في صفر سنة أربع وسبع مائة . سمع من أبي القاسم ابن رواحة وغيره بحلب ومن إبراهيم بن خليل . قال الشيخ شمس الدين : وحدَّثني أنه سمع من يوسف بن خليل ولم يظفر بذلك . وسمع بمصر من الكمال الضرير والرشيد وأصحاب البُصيري . وعُني بالحديث ودرَّبَ قراءته وكانت مفسّرة نافعة . وحصَّل الأُصول . ثمَّ ارتحل إلى دمشق فأكثر عن ابن عبد الدائم والكِرماني وابن أبي اليُسر والموجودين إلى أن مات وكان يجوع ويشتري الأَجزاء ويقنع بكسرة ؛ فيسوء خلقه مع التقوى والصلاح . قرأ كتباً كباراً مرَّات . وكان يتفقَّه للإمام أحمد بن حنبل وينقل من مذهبه
علي بن مُسلم
الطوسي البغداذي
علي بن مُسلم الطوسي ثمَّ البغداذي . روى عنه البخاري وأبو داود والنَّسائي . وتوفِّي سنة ثلاث وخمسين ومائتين
جمال الإسلام السلمي الشافعي الأشعري
علي بن المسلَّم بن محمد بن علي بن الفتح أبو الحسن السُلَمي الدمشقي الفقيه الشافعي الفَرَضي جمال الإسلام . تفقَّه على القاضي أبي المظفَّر المَرْوَزي وأعاد الدرس للفقيه نصر وبرع في الفقه . قال ابن عساكر : بلغني عن الغزالي أنَّه قال : خَلَّفتُ بالشام شابًّا إن عاش كان له شأن . حفظ كتاب تجريد التجريد لأبي حاتم القزويني . وكان حسن الخطّ موفَّقاً في الفتاوي وذكره ابن عساكر في طبقات الأشاعرة . وتوفِّي سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة
القاضي الحافظ
علي بن مُسْهِر أبو الحسن القُرِشي مولاهم الحافظ قاضي الموصل . وهو أخو عبد الرحمن قاضي جَبُّل . كان ثقة جمع الفقه والحديث وولي قضاء إرمينية فلمَّا قدمها اشتكى عينَه فقال قاضٍ كان قبله للكحَّال : اكحله بما يُذهِبُ عينه حتَّى أُعطيك مالاً ؛ فكحله فذهبت عينه فرجع إلى الكوفة أعمى . توفِّي سنة تسع وثمانين ومائة . وروى له الجماعة
القاضي الرَّقِّي
علي بن مُشْرِق القاضي الرَّقِّي . ذكره العماد الكاتب وقال فيه : شاعر بني الصوفي ؛ قصد شَيْزَر فلم يحظَ عند أهلها فقال :

(1/3064)


أَلا نادِ في شرقِ البلاد وغربها ... بصوتٍ له في الخافقين أغاريدُ
قضى الخيرُ والمعروفُ في أرض شَيْزَرٍ ... ومات بها من لؤمِ صاحبها الجودُ
وأعجبُ ما لله أولادُ مُنقذٍ ... قدورُهمُ بيضٌ وأعراضُهم سودُ
عليّ بن المُطَهَّر الدينوري بن مقلاص
علي بن المطهَّر بن مكّي بن مِقلاص أبو الحسن الدينوري الشافعي تفقَّه على أبي حامد الغزالي وسمع من النقيب طِراد بن محمد بن علي الزَّينبي وأبي الخطَّاب نصر بن البَطِر ومنصور بن بكر بن حِيد النيسابوري . وحدَّث باليسير وكان إمام الصلوات بالنظاميَّة . توفِّي سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة
علي بن المظَفَّر
ابن الخَلوقي الشافعي
علي بن المظفَّر بن بدر أبو الحسن الشافعي الضرير المعروف بابن الخَلوقي من أهل البَنْدَنِيجَيْن . سمع بالبصرة عبد الأعلى بن أحمد بن عبد الله بن مالك البَجَلي والحسين بن محمد بن بكر الورَّاق وعلي بن وصيف القطَّان وغيرهم وقرأ بالعسكر على أبي حامد العسكري وروى عنه أبو بكر الخطيب وغيره . وتوفِّي سنة تسع وعشرين وأربع مائة
السيد الدَّبوسي الشافعي
علي بن المظفَّر بن حمزة بن زيد بن حمزة بن محمد بن عبد الله بن محمد ينتهي إلى الحسين بن علي بن أبي طالب أبو القاسم بن أبي يَعلى العلوي من أهل دَبُوسِيَة بين سمرقند وبُخارى . كان من أئمَّة الشافعية كامل المعرفة بالفقه والأصول وله يدٌ في الأَدب وباعٌ ممتدٌّ في المناظرة والخلاف موصوفاً بالكرم والعفاف وحسن الخلق . سمع من محمد بن عبد العزيز القَنطري وأحمد بن علي الأبيوردي وأحمد بن محمد النُّصيري وغيرهم . وقدم بغداذ ودرَّس بالنظاميَّة إلى أن توفي سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة وإليه انتهت رئاسة الشافعية . ومن شعره :
أقولُ بنصحٍ يا ابنَ دُنياكَ لا تنمْ ... عن الخيرِ ما دامت فإنَّك عادِمُ
وإنَّ الذي يصنعِ العُرْف في غنًى ... إِذا ما علاه الفقرُ لا شكَّ نادمُ
فقدِّم صنيعاً عند يسركَ واغتنمْ ... فأنتَ عليه عند عُسرك قادمُ
ابن ابن رئيس الرؤساء
علي بن المظفَّر بن علي بن الحسن بن المُسلمة أبو القاسم بن أبي الفتح بن رئيس الرؤساء أخو أبي الحسن محمد . كان أديباً فاضلاً له نظمٌ ونثر ورسائل مدوَّنة . ولد سنة خمس وخمسين وأربع مائة وتوفِّي سنة ثلاث وتسعين وأربع مائة . ومن شعره...
علاء الدين الوَداعي
علي بن المظفَّر بن إبراهيم بن عمر بن زيد الأَديب البارع المقرئ المحدِّث المنشئ علاء الدين الكِندي الإسكندراني ثمَّ الدمشقي المعروف بالوَادعي كاتب ابن وَداعة . ولد سنة أربعين وست مائة تقريباً وتوفِّي سنة ست عشرة وسبع مائة
تلا بالسبع على علم الدين القاسم وشمس الدين بن أبي الفتح وطلب الحديث ونسخ الأَجزاء وسمع من عبد الله الخُشوعي وعبد العزيز الكَفَرْطابي والصدر البكري وعثمان بن خطيب القَرافَة وإبراهيم بن خليل والنقيب ابن أبي الجِنّ وابن عبد الدائم ومَن بعدهم . ونظر في العربية وحفظ كثيراً من أشعار العرب وكتب المنسوب فيما بعد وخدم مُوقِّعاً بالحصون مدَّةً وتحوَّل إلى دمشق وهو صاحب التذكرة الكنديَّة الموقوفة بالشميساطية في خمسين مجلداً بخطِّه فيها عدَّة فنون . قال الشيخ شمس الدين : كان يُخِلُّ بالصلوات فيما بلغني ؛ وتوفي ببستانه عند قبّة المُسَجَّف . قلت : وكان شيعيًّا ودخل ديوان الإنشاء بدمشق سنة إحدى عشرة وسبع مائة تقريباً . ومع فضائله لا راح في الديوان ولا جاء ولا استقلَّ بكتابة شيء كما جرى لبعض الناس ؛ حتَّى قلت :
لقد طالَ عهدُ الناسِ بابنِ فلانةٍ ... وما جاء في الديوان إلاَّ إلى وَرا
فقلت : كذا قاسَ الوَداعيُّ قبلَهُ ... ولا شكَّ فيه أنَّه كان أشعرا
أنشدني من لفظه لنفسه القاضي شهاب الدين بن فضل الله ما كتبه على ديوان الوداعي :
بعثتُ بديوان الوَداعيِّ مُسرعاً ... إليك وفي أثنائه المدحُ والذمُّ
حكى شجرَ الدِّفلَى رُواءً ومَخبراً ... فظاهرهُ شمٌّ وباطنه سمُّ

(1/3065)


وكان شاهداً بديوان الجامع الأموي وولي مشيخة النفيسيَّة وكان شيخاً وله ذُؤابةٌ بيضاء إلى أن مات . ونقلت من خطّه :
يا عائباً منِّي بقاءَ ذؤابتي ... مهلاً فقد أفرطتَ في تعييبِها
قد واصَلَتْني في زمانِ شبيبتي ... فعلامَ أقطعها أوانَ مشيبِها
وإِنَّما عُرف بالوَداعي لأنَّه كان كاتباً لابن وَداعة ولذلك قال :
ولقد خدمتُ الصاحبَ اب ... نَ وَداعةٍ دهراً طويلا
فلقيتُ منه ما التقى ... أنَسٌ وقد خدمَ الرسولا
أنشدني الشيخ شمس الدين قال : أنشدني المذكور من لفظه لنفسه :
من زارَ بابكَ لم تبرح جوارحُهُ ... تروي محاسنَ ما أوليتَ من مِنَنِ
فالعينُ عن قُرَّةٍ والكفُّ عن صِلَةٍ ... والقلبُ عن جابرٍ والأُذنُ عن حَسَنِ
وملكتُ ديوانه بخطّه وجميع ما أورده هنا من خطّه . قال :
تَراه إِذا أنت حيَّيْتَهُ ... ثقيلاً بطرحته الباردَهْ
كمثلِ الدجاجة منشورةَ ال ... جناح على بيضها قاعدَهْ
وقال :
وزائرٍ مبتسمٍ ... يقولُ لمَّا جا : أنا
فقال أيري مُنشداً ... أهلاً بتينٍ جاءنا
وقال في مليح بقباء حرير أسود
لله ما أرشقه من كاتبٍ ... ليس له سوى دموعي مُهرقُ
يميسُ رقصاً في قباءٍ أسودٍ ... فقلتُ : هذا أَلِفٌ مُحقَّقُ
وقال :
وذي دلالٍ أحورٍ أجحرٍ ... أصبح في عقد الهَوَى شَرطي
طافَ على القوم بكاساته ... وقال : ساقي قلتُ : في وَسطي
وقال في مليح يلقَّب بالحامِض :
وقريبٍ من القلوبِ بعيدٍ ... عن محبِّيه بالقِلَى والصدودِ
لقَّبُوه بحامضٍ وهو حلوٌ ... قولَ مَن لم يَصل إلى العُنقودِ
وقال في مليح ينتف :
تعشقتُ ظبياً ناعسَ الطَّرفِ ناعماً ... إلى أن تبدَّى الشَّعرُ والعشقُ ألوانُ
وقالوا : أفِق من حبِّه فهو ناتفٌ ... فقلتُ : عكستم إنَّما هو فتَّانُ
وقال وقد هبَّت ريح عظيمة يوم جرى ساعٍ من حمص
ثارَ الهواءُ عجاجا ... في يوم ساعي الحنايا
كأنَّه راح يأتي ... بريح حمصٍ هدايا
وقال :
ولم أرِدِ الوادي ولا عدتُ صادراً ... مع الرَّكْبِ إلاَّ قلتُ : يا حاديَ النُّوقِ
فديتُكَ عرِّجْ بي وعرِّسْ هنيهةً ... لعلِّي أبلُّ الشوقَ من آبل السُّوقِ
وقال :
سقياً لكرم مُدامةٍ ... أنشتْ لنا النَّشَواتِ ليلا
خلعتْ علينا سكرةً ... بدويَّةً كُمًّا وذيلا
وقال :
موسويُّ الغرام يهوى بسَمْعَيْ ... هِ ويشكو من رؤية العين ضُرَّا
يتوكَّا على قضيبٍ رطيبٍ ... ولهُ عنده مآربُ أخرى
وقال :
أَشكو إلى الحمن بوَّابكمْ ... وما أرى من طول تعميرهِ
ملازمُ البابِ مقيمٍ بهِ ... كأنَّهُ بعضُ مساميرهِ
وقال :
ويومٍ لنا بالنَّيْرَبَيْنِ رقيقةٌ ... حواشيه خالٍ من رقيبٍ يَشينُهُ
وقفنا فسلَّمنا على الدَّوحِ غُدوةً ... فردَّتْ علينا بالرؤوسِ غصونُهُ
وقال في مليح فحَّام :
يا عائبَ الفحَّامِ جهلاً أنَّه ... أضحى لواصف حسنه فحَّاما
وإذا غُبارُ الفحم برقَعَهُ غدا ... كالبدر دار به الغَمامُ لِثاما
وقال :
ذُكِرْتَ شوقاً وعندي ما يصدِّقُهُ ... قلبٌ تُقلِّبه الذكرى وتُقلقُهُ
هذا على قُربِ دارَيْنا ولا عجبٌ ... فالطَّرفُ للطَّرفِ جارٌ ليس يرمُقُهُ
قلتُ : أخذ المعنى من الأوَّل وهو أحسن سبكاً وألطف حبكاً وهو :
لئن تفرَّقنا ولم نجتمع ... وعاقتِ الأَقدارُ عن وقتِها
فهذه العينان مع قربها ... لا تنظر الأخرى إلى أختِها
وقال :
لو رآنا العَذولُ يومَ التقينا ... بعد طول الصدود والهجرانِ

(1/3066)


لرأى العشقَ كلَّه قد تلاقى ... هو والحسنُ كلُّه في مكانِ
وقال :
لا أرى لَقْطَ عارضيه قبيحاً ... يا عذولاً عن حبِّه ظلَّ يَنْهَى
وجهه روضةٌ وليس عجيباً ... أنَّه يُلتقطُ البنفسجُ مِنْها
وقال :
أحببتهُ رشأً عَلَتْهُ شُقرةٌ ... من أجلها ذهبُ العِذارُ مُفَضَّضُ
قل للعواذل فيه : هل أنكرتمُ ... أنَّ البنفسج منه زهرٌ أبيضُ ؟
وقال :
أتيتُ إلى البلقاء أبغي لقاءكم ... فلم أرَكم فازداد شوقي وأشجاني
فقلت ليَ الأَقوامُ : مَن أنتَ راصدٌ ... لرؤياه ؟ قلتُ : الشمسُ قالوا : بحسبان
وقال وظرَّف :
لنا صاحبٌ قد هذَّب الطبعُ شِعرَهُ ... فأصبح عاصيه على فيه طيِّعا
إِذا خمَّس الناسُ القصيدَ لحُسنهِ ... فحُقَّ لشعرٍ قالَه أن يُسبَّعا
وقال في بَيْطار :
وبَيْطارٍ يفوق البدرَ حسناً ... يقول إِذا رأى وجهَ الهلالِ
إِذا افتخرتْ سماءٌ أنت فيها ... فكم في الأَرضِ مثلك من نعالي
وقال في قباقبي :
إنَّ هذا القباقِبيَّ سَباني ... حسنُ نقشِ العذار في وجنتيهِ
يا نديميَّ في المدامة إنِّي ... أشتهي أن أدُقَّ يوماً عليهِ
وقال :
الغربُ خيرٌ وعند ساكنهِ ... أمانةٌ أوجبتْ تقدُّمَهُ
فالشرقُ من نيِّريه عندهُمُ ... يُودِعُ دينارَهُ ودرهمَهُ
وقال أيضاً :
حوى كلٌّ من الأُفقين فضلاً ... يُقِرُّ به الغبيُّ مع النَّبيهِ
فهذا مَطلعُ الأنوار منه ... وهذا منبعُ الأنوار فيه
قلت : الوداعيّ أخذ معناه الأول وبعض الثاني من قول القاضي الفاضل رحمه الله تعالى : وتلك الجهة ؛ وإن كانت غربيَّة فإنَّها مستودَع الأنوار وكنز دينار الشمس ومصب أنهار الأنهار . وقال الوداعي :
قل للذي بالرفضِ أتْ ... هَمَني أضلَّ اللهُ قصدَهْ
أنا رافضيٌّ ألعنُ ال ... شيخين والدَهُ وجَدَّهْ
وقال :
خلعَ الخريفُ ثيابَهُ لبشيرِهِ ... إنَّ الشتاء له من الطُّرَّاقِ
وانظرْ إليه فرحةً بقدومِهِ ... قد خلَّقَ الآفاقَ بالأَوراقِ
وقال :
قم بنا نلحقُ من حَ ... ثَّ إلى مصر قَلوصَهْ
لا تقل فيها غلاءٌ ... فالتواقيعُ رخيصَهْ
وقال :
قالوا : حبيبُك قد دامت ملاحتهُ ... وما أتاه عِذارٌ إنَّ ذا عَجَبُ
فقلتُ : خدَّاه تِبرٌ والعذارُ صدا ... وقد زعمتُمْ بأنْ لا يصدأُ الذهبُ
وكتب إلى بعض أصدقائه بمصر :
روِّ بمصرٍ وبسكَّانها ... شوقي وجدِّدْ عهديَ البالي
وصفْ ليَ القُرط وشنّف به ... سَمْعي وما العاطلُ كالحالي
واروِ لنا يا سعدُ عن نِيلها ... حديثَ صفوانَ بن عسَّالِ
فهو مرادي لا يزيدٌ ولا ... ثوراً وإنْ رقَّا وراقا لي
وقال :
يا جنَّةً كوثرُها ... رُضابُها المروَّقُ
وفوقَ غصنِ خدِّها ... عِذارُها مطوَّقُ
وقال أيضاً :
فَدَيْتُ مَن مبسِمُهُ ... زهرٌ لغُصْنِ قدِّهِ
وصُدْغُهُ مطوَّقٌ ... في روضةٍ من خدِّهِ
وقال :
خضَّبنُ بالوَسْمَةِ مِن ... بعد المشيب مفرقي
كالغصن كان مُزهراً ... ثمَّ اكتسى بالورقِ
وقال في مليح سمين كثير الشعر :
تعشَّقتُ فلاحاً بنَيْرَبِ جِلِّقٍ ... ففي حُسنه لا في الرياضِ تفرُّجي
وقالوا : اسْلُ فهو عَبْلٌ ومُشْعِرٌ ... وما هو إلاَّ من جبال البنفسجِ
وقال :
ألا خلِّ الملامَةَ في هواه ... كبيراً رِدفهُ مِلءَ الإزارِ
فلي أيرٌ به كِبَرٌ وكِبْرٌ ... فليس يقومُ إلاَّ للكبارِ
وقال :
رمتني سود عينيهِ ... فأصْمَتْني ولم تبطي
وما في ذاك من بِدْعٍ ... سهامُ الليل ما تخطي
وقال :

(1/3067)


أَيُّها الجنديُّ كم تج ... بُنُ عن ملقى الخصومِ
إنَّ أكل الخبز بال ... جُبْنِ مضرٌّ بالجُسومِ
وقال :
قد أقبلَ النبيُ في جيوشٍ ... ورَنْكُهُ حالكُ السوادِ
وسلَّ أوراقَه سيوفاً ... ليقتلَ المَحْلَ في البلادِ
وقال :
أرى الكُتَّابَ والحُسَّابَ فيهم ... لصوصٌ يسرقون الناسَ طُرَّا
فقومٌ يسرقون اللفظ جهراً ... وقومٌ يسرقون المال سِرَّا
وقال :
عجباً لمن قتلَ الحسينَ وأهلُهُ ... حرَّى الجوانحِ يومَ عاشوراءِ
أعطاهمُ الدُّنيا أبوهُ وجدُّه ... وعليه قد بخلوا بشربة ماءِ
وقال :
سمعتُ بأنَّ الكحلَ للعين قوَّةٌ ... فكحَّلْتُ في عاشورَ مقلةَ ناظري
لتقوى على سحِّ الدموع على الذي ... أذاقوه دون الماء حَرَّ البواترِ
وقال على لسان شخص يشتكي النِّقرِس :
أعاذكَ الرحمنُ من نِقْرِسٍ ... ومِن أذى طاعونه الضَّاربِ
كأنَّما الرِّجلان من وَقْدِهِ ... لابسةٌ نعلَ أبي طالبِ
وقال :
يا من لها كَرْمُ شَعْرٍ ... في الثغر منه شَمُولُ
عُنقودُ صُدغِك حلوٌ ... وما إليه وُصولُ
وقال وقد قرَّر عليه الديوان سياقة بغلين :
أعِدْ نظراً في حالنا إنَّ حالنا ... من الضعف للعميان حاشاك بارْزهْ
وكيف لنا يوماً ببغلين طاقةٌ ... وقدرتُنا عن بَغْلَطاقَيْن عاجِزهْ
وقال في الساعي ولم يصل إلى الليل :
لامَ الوَرَى ساعيَ الحنايا ... وكيف يدري من ليس يَجْري
إن لم يكن جاءنا بشمسٍ ... فإنَّه جاءنا ببدرِ
وقال :
ولا تسألوني عن ليالٍ سهرتُها ... أراعي نجوم الأُفْق فيها إلى الفجرِ
حديثيَ عالٍ في السَّماءِ لأنَّني ... أخذتُ الأَحاديثَ الطوال عن الزُّهْري
وقال :
يا لائمي في هواها ... أفرطتَ بالحبِّ جهلا
ما يعلمُ الشوقَ إلاَّ ... ولا الصبابةَ إلاَّ
وقال :
يجدِّدُ عاشوراءُ حزني وحسرتي ... على سيِّدِ الشبَّانِ في جنَّة الخُلْدِ
ولستُ أراه غيرَ يوم قيامةٍ ... لما فيه من طولٍ يُضاف إلى مدِّ
وقال :
كم رُمْتُ أنْ أدعَ الصبابة والصِّبا ... فثنى الغرامُ العامريُّ زِمامي
بذوائبٍ ذابت عليها مُهجتي ... ومناطقٍ نَطَقَتْ بفرط سَقامي
وقال :
امرؤ القيس بن حُجر جَدُّنا ... كان من أعجب أملاك الزمانِ
ضلَّ لمَّا ظلَّ يبغي ملكهمْ ... وهدى الناسَ إلى طُرْقِ المعاني
وقال :
ما آلةُ الخطِّ إلاَّ ... كآلةِ الحرثِ فِعلا
ما دخلتْ دارَ قومٍ ... إلاَّ وصاروا أذِلا
وقال :
براغيثُ فيها كثرةٌ فكأنَّما ... علينا من الآكامِ يحتفرونها
يقولون لي : صِفْها فقلتُ : أعِيذكم ... قوارصُ تأتيني وتحتقرونها
وقال :
أَيُّها النفسُ ثقي من خالقي ... بدوام الرزق ما احتجتِ إليهِ
يرزق الكلب ولا يرزقني ... أين تكريمي وتفضيلي عليه ؟
وقال :
لم تصقلِ الأنواءُ أو ... راقَ الخريف من الولوعِ
إلاَّ لتُذهِبَ كلَّ ما ... كتبتْه في فصل الربيعِ
وقال :
وعاذلٍ عارَضَهُ ... عارِضُهُ في خدِّهِ
فقال : لستُ عارضاً ... بل أنا غيم وَردهِ
وقال :
لم لا تجيبُ إلى الكا ... سِ والحَمامُ ينادي
والنبتُ قد نام سُكراً ... من شرب الخمر الغوادي
وقال :
تأمَّل إلى الزهر في دوحه ... ومن زاره من ملاح الفنونِ
تظنُّ الوجوهَ التي تحته ... تَساقطن من فوقه من عيونِ
وقال :
شرب النَّكريشُ خنقاً ... فغدا غيرَ مُفيقِ
فعلمنا أنه ممّ ... ن يرى شرب العتيقِ
وقال وقد أُهدي إليه مشط :

(1/3068)


كيف أُؤدِّي شكرَ مولى لم يزل ... لي بالرفيع واللطيف مُتحِفا
أهدت إليَّ كفُّه هديةً ... أُعيذها بقلبها مُصَحِّفا
وقال :
لي من الطرف كاتبٌ يكتب الشو ... ق إليكم إِذا الفؤادُ أمَلَّهْ
سلسل الدمعَ في صحيفة خدي ... هل رأيتم مُسَلْسَلاتِ بن مُقْلَهْ
وقال :
ومُبَخَّلٍ لا يوقد ال ... مصباحَ عمداً في ذراهُ
كي لا يريه ظِلَّهُ ... فيظنَّه ضيفاً أتاهُ
وقال :
دقَّتْهُ بالخُفِّ إلى أن عَمِي ... وعام في السَّلْحِ إلى الذَّقنِ
وقال تهديداً لها كلّما ... تلكّأتْ : هذا لها مني
وقال :
يومٌ يقول بشكله : ... قوموا اعبدوا الله الأحدْ
قُزَحٌ كمحرابٍ بدا ... والبرقُ قِنديل وَقَدْ
والرعدُ فيه مًسَبِّحٌ ... حبّاتُ سُبْحَتِه بَرَدْ
وقال :
كلّما جئناه كي نُرْ ... وى ونَروي عنه جودا
حدثتْنا راحتاهُ ... عن عطاء ابن يزيدا
وقال :
وفدُه يروون عنه ... خبرَ الجودِ......
عن عطاءِ ابن يزيدٍ ... وعطاءِ ابن يسارِ
وقال :
لما تبدَّى نبات عارِضه ... مستقطراً ماءَ وردةِ الخدِّ
ناديتُ : من أين ذا السوادُ أتى ؟ ... فقال : ذا من حُراقة الوردِ
وقال :
إن الحشيشَ حَضْرَةٌ ... أنيقةٌ ومُسْكِرُ
في الكفِّ روضٌ أخضرٌ ... والعينِ خمرٌ أحمرُ
وقال :
سئل الوردُ عندما استقطروه : ... لِمَ ذا عذَّبوكَ بالنيرانِ
قال : ما لي جنايةٌ غير أني ... جئتُ بعضَ السنينَ في رمضانِ
وقال :
طُبْشِيَّةٌ لم تزلْ مكارشةً ... زوجاً لها عادياً وبطّاشا
كم لَقَّ جوكانُ رجلها كُرةً ... من رأسه فاغتدى لها باشا
وكتب عن نائب البيرة سيف الدين طوغان مطالعةً إلى السلطان الملك الناصر يبشِّره بموت قازان :
قد مات قازانُ بلا مِريَةٍ ... ولم يَمُتْ في الحِجج الماضيهْ
بل شنَّعوا عن موته فانثنى ... حيًّا ولكن هذه القاضيهْ
فجاء الجواب بخطِّ شهاب الدين محمود ومن جملة إنشائه :
مات من الرعب وإن لم تكن ... بموته أسيافُنا راضيهْ
وإن يَفُتْها فأخوه إِذا ... رأى ظُباها كانتِ القاضيهْ
ابن معبد البغداذي
علي بن معبَد البغداذي . سكن مصر وروى عنه النَّسائي وعن رجل عنه . قال العِجليّ : ثقة صاحب سنّة ولي أبوه طرابلس الغرب
الإمام اللغوي
علي بن المُغيرة أبو الحسن الأثرم صاحب اللغة كان صاحب كتبٍ مصحَّحة قد لقي بها العلماء وضبطها ؛ ولم يكن له حفظ . لقي أبا عُبيدة والأصمعي وأخذ عنهما . مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين . له كتاب النوادر كتاب غريب الحديث . وكان إسماعيل بن صُبيح الكاتب قد أقدم أبا عبيدة من البصرة إلى بغداذ أيام الرشيد وأحضر الأثرم وهو يومئذٍ ورّاق وجعله في دارٍ من دوره وأغلق عليه الباب ودفع إليه كتب أبي عبيدة وأمره بنسخها . قال أبو مِسْحل عبد الوهاب : فكنتُ أنا وجماعة من أصحابنا نصير إلى الأثرم فيدفع إلينا الكتاب والورق الأبيض من عنده ويسألنا نسخَه وتعجيله ويوافقنا على الوقت الذي نردُّه إليه ؛ وكان الأثرم يقرأ على أبي عبيدة وكان أبو عبيدة من أضنِّ الناس بكتبه ولو علم ما فعله الأثرم لمنعه . ومن شعره
كبرتُ وجاء الشيبُ والضعفُ والبلى ... وكلُّ امرئٍ يَبلى إِذا عاش ما عشتُ
أقولُ وقد جاوزتُ تسعين حِجّةً : ... كأنْ لم أكن فيها وليداً وقد كنتُ
وأنكرتُ لمّا أن مضى جُلُّ قوّتي ... وتزدادُ ضعفاً قوتي كلما زِدْتُ
كأني إِذا أسرعتُ في المشي واقفٌ ... لقرب خُطًى ما مسَّها قِصَرٌ وقتُ
وصرتُ أخاف الشيء كان يخافني ... أُعَدُّ من الموتى لضعفي وما مُتُّ

(1/3069)


وأسهر من برد الفراش ولينه ... وإن كنتُ بين القوم في مجلسٍ نمتُ
ابن المنجِّم
علي بن مُفرِّج الأمير نشءُ الملك المعروف بابن المنجِّم أبو الحسن المعرِّي الأصل المصريُّ الدار والوفاة . ومن شعره :
وظبيٍ فوق وجنته ضِرامٌ ... وفي قلبي له أثرُ الحريقِ
وقد دبَّ العِذارُ به فلمّا ... أحسَّ النارَ عاجَ عن الطريقِ
ومالَ بها إليَّ فقلتُ : كلاّ ... فَبِرُّك بي أشدُّ من العُقوقِ
فخمرٌ لم تخالط قطُّ كفّي ... ولا عقلي ولا سكنتْ عُروقي
فقال : لقد شربتَ فقلت : كلاّ ... متى ذا ؟ قال : حين رشفتَ ريقي
نقلت من خطِّ شهاب الدين القوصي في معجمه قال : أنشدني رشيد الدين عمر بن مظفر الفُوّي قال : أنشدني ابن المنجّم لنفسه في النفيس القُطْرُسي وقد أنشد مرثيةً لبعض بني عثمان في وسط العزاء بمصر يتهكَّم عليه :
حسبُكَ يا قُطْرُسيُّ مَرْثيةً ... سارتْ مسير النجوم في الفَلَكِ
أضحكتَ من ختمة العزاء بها ... أضعافَ ما نيحَ قلبها وبُكي
وأبلغُ الناسِ في العزاء فتى ... بدَّل فيه البكاءَ بالضَّحِكِ
قال : وأنشدني ابن المنجم في ابن رجاء العاقد وقد ولاّه الحاكم العقود بمصر :
يا ابن رجاءٍ غير أنَّ نقطته ... من فوقُ والراءُ منه في الوسطِ
ما حاكمُ المسلمين فيك وإنْ ... ولاّك أمرَ العقود ذا غَلَطِ
أنت لَعَمري عينُ الخبير بأنْ ... تجمع بين الرأسينِ في نمطِ
قال : وأنشدني ابن المنجم لنفسه في ابن أبي حُصينة الأحدب وقد جلس في وسط الحلقة :
إنْ حلَّ وَسْطَ الحَلقةِ الأحدبُ ... وأظلمتْ منه فلا تَعجبوا
كأنّما الحلقةُ عينٌ وقد ... حلَّ بها فهو بها كوكبُ
قال : وأنشدني ابن المنجّم لنفسه في ابن الأصبهاني عند توليته وهو أعمى دار الزكاة :
إن يَكُنِ ابنُ الأصبهانيِّ من ... بعد العمى في الخدمةِ استُنهِضا
فالثورُ في الدولاب لا يَحسُن اس ... تعمالهُ إلاَّ إِذا غُمِّضا
وقال : وأنشدني ابن المنجّم لنفسه يهجو مظفَّراً الأعمى :
قالوا : يقودُ أبو الع ... زِّ قلتُ : هذا عنادُ
أعمى يقودُ وعهدي ... بكل أعمى يُقادُ
الحافظ بن الأنجب المالكيّ
علي بن المفضَّل بن علي بن أبي الغَيث مُفَرِّج بن حاتم بن الحسن بن جعفر العلاّمة الحافظ شرف الدين أبو الحسن ابن القاضي الأنجب أبي المكارم اللخمي المقدسي الأصل الإسكندراني المالكي القاضي . كان إماماً محدّثاً له تصانيف مفيدة في الحديث وغيره وكان ورعاً خيِّراً حسن الأخلاق كثير الإغضاء . توفي سنة إحدى عشرة وست مائة
الحمويّ التاجر
علي بن مقاتل ؛ هو علاء الدين التاجر الحموي صاحب الأزجال المشهورة . له المعاني الجيدة ولكنه عاميُّ النظم قليلاً . رأيته بحماة سنة تسع وثلاثين وسبع مائة وبعد ذلك بدمشق وسألته بحماة عن مولده فقال في سنة أربع وستين وست مائة . وأنشدني كثيراً من شعره ومن أزجاله ونقلت من خطِّه له :
ومليحٍ عمَّه الحُسْ ... نُ بخالٍ مثلِ حظِّي
وقع البحثُ عليه ... بينه وبين لفظي
قال : هذا خال خدِّي ... قلت : بل ابنُ أختِ لحظي
ونقلتُ منه له :
يا مُرْقِصاً يا مُطرباً غنَّى لنا ... أنعِمْ لإخوانِ الصفا بِتَلاقِ
فلقد رميتَ مقاتلَ الفرسانِ بي ... نَ يديكَ عند مصارع العشّاقِ
ونقلت منه والثاني تصحيف الأول :
شفائي وجنّاتي حبيبٌ بِسرْبهِ ... لَعوبٌ بمَرْجٍ تُفرجُ الباسَ شيمتُهْ
سقاني وحيّاني حَييتُ بشربةٍ ... لغوتُ بمَزْحٍ تُفرح الناسَ سيمَتُهْ
ونقلتُ منه له :
خدودٌ وأصداغٌ وقدٌّ ومقلةٌ ... وثغرٌ وأرياقٌ ولحنٌ ومُعرِبُ
وُرودٌ وسَوسانٌ وبانٌ ونرجسٌ ... وكأسٌ وجريالٌ وجَنْكٌ ومُطربُ
ونقلتُ منه له :

(1/3070)


فُضُّوا كتابي واعذروا فأناملي ... منها اليراعُ إِذا ذُكرتم يسقُطُ
والقلبُ يخفِقُ لاضطراب مفاصلي ... والخطُّ يُشْكِلُ والمدامعُ تنقُطُ
ونقلتُ منه له :
لا تُنكروا حمرةَ خطِّي وقد ... فارقتُ من أحباب قلبي جموعْ
فإنني لما كتبتُ الذي ... أرسلتُه رمَّلْتُه بالدموعْ
ونقلت منه له :
إنَّ الخراسانيَّ لمّا حوى ... حلاوةَ الإيمانِ من خوفِهِ
فضَّله الله على نِدِّهِ ... أما ترى قلبين في جوفِهِ
ونقلتُ منه له :
أسهرتْني مليحةٌ أسهرتْني ... طولَ ليلٍ ظلامهُ الطرفَ يُعْشي
والثُريّا كأنها راحة تل ... طِم خدَّ المِرّيخ والجوُّ مغشي
والسُّهى خيفةَ الفراق من السُّق ... م مُسَجًّى على بُنيّات نَعشِ
ونقلت منه له :
ربَّ كانونَ في الكوانين أمسى ... وبه حفلةٌ من النيرانِ
كصديقٍ له ثلاثُ وجوهٍ ... كلُّ وجهٍ منها بألف لسانِ
ونقلت منه له دوبيت كل كلمتين قلب نفسهما :
الخِلُّ خَللا . مِنْ نَمّ . عانق بقناع . ... قانِع بعناق . ألف لا . عاد وداع
ما دام . معانق ناعم . عاش مشاع ... ألمى يملى . ما أمّ . عاطى وأطاع
ونقلت منه له مواليّا :
على وفاكي وفاكي كم ذهب من عَين ... وفي شفاكي شفاكي للذي بُو عَين
ما أحلى وماكي وماكي نبع أعيذب عين ... وقد حَماكي حِماكي أن تراكي عين
ونقلت منه له :
كلَّمت من لو بقلبي ألف تَكْليمَهْ ... بسيف لحظو الذي ما فيه تَثْليمَهْ
وقلت بعد الوفا تبخل بتسليمَهْ ... أرخصتَ دمعي وما تغلى بتعليمَهْ
ونقلت منه له :
قال الذي من يراه الطرف : ما يسْني ... أنا الذي إن نظرت البدر ما يسْني
والغصن يا خجلتو إن قام ما يسْني ... وعاشقي إن هجرتُو شهر ما يسني
وأنشدني من لفظه لنفسه زجلاً :
جآ الرسول من حبّي أهلابمجيتو وألف سهلاقلت قل لي نعم أو لا
قال وكم من نعم أولى
جآ البشير من عند حبّيلي بشير بقرب قربيسرَّني وسرَّ قلبي
وملا سمعي وأَمْلَى
جاني في عقيب رسوليمن هو مأمولي وسوليوقال اقطعتك وصولي
فاختلى بي وتملَّى
ذا الغزال الإنسي الأغيَدكم رعى قلوب وأزيَدفي الجوارح ما يُرى أصيَد
من شَرَك أجفانو أصلى
لحظو سيف في الجفن يجرححليتو الصُّدغ المسرَّحما رأت عينيه أملح
من ذاك السيف المحلَّى
حبّي شطرنجي يفتنبالنفوس يلعب ويفتنبيذق أوصافو المفرزن
قَط بيت منو ما يخلى
يوم لعب معي في الأبياتصار يموِّه لي بشاماتويغالطني بنقلات
وإن دخل للبيت ما يملى
قلت لُو العب نقلة نقلةعلى ايش ماشيت بجملةقال على دينار وقُبلة
قلت لُو من فمك أحلى
قلت لُو هَبْ لي يا ذا الألمىعنقَه في الجيد المسمَّىقال بروحك قلت مهما
سمتني في الجيد ما يغلى
كل ما تسمع من أقواللا أنا قلت ولا هو قالإنَّما معنَى في الأَزجال
مثل هذا ما يِخْلَى
البحراني العُيوني
علي بن المقرَّب بن منصور بن المقرَّب بن الحسن بن عزّ بن ضَبّار بن عبد الله بن علي أبو عبد الله الرَّبعي البحراني العُيوني من أهل العُيون بأرض البحرين ؛ ذكر أنه من ربيعة الفرس . ولد سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة وتوفي سنة إحدى وثلاثين وست مائة . ومن شعره :
ألا رحلت نُعمٌ وأقفر نَعمانُ ... فَنُحْ بأسًى إن عزَّ صبرٌ وسُلوانُ
شُرَيكيَّةٌ مُرِّيَّةٌ حَلَّ أهلُها ... بحيث تلاقى بطنُ مَرٍّ ومَرّانُ
وعهدي بها إذْ ذاك والشملُ جامع ... وصفو التداني لم يكدِّرْه هجرانُ
نروح ونغدو لا نرى الغدرَ شيمةً ... ولا بيننا في الوصل مَطْلٌ ولِيّانُ
علي بن مُقَلَّد
البوّاب

(1/3071)


علي بن مُقَلَّد بن عبد الله بن كرامة بن المغار أبو الحسن البوّاب البغداذي المعروف بالأطهري . كان صاحب الأطهر أبي محمد الحسن بن المُرتضى علي بن الحسين الموسوي . وكان بوّاباً لباب المراتب موصوفاً بالخير والأمانة . سمع وروى وتوفي سنة ثلاث وسبعين وأربع مائة
النديم البغداذي المغنّي
علي بن مُقلَّد أبو الحسن النديم كان من مشايخ المغنين وأعيانهم . كانت له معرفة بالغناء والألحان وله كتاب في الأغاني ونظم وقد نادم المستظهر والمسترشد . توفي في سنة سبع عشرة وخمس مائة . ومن شعره :
يا مليحَ الشمائلِ ... يا قضيب الغلائلِ
لك في اللحظِ أسهمٌ ... قد أصابت مَقاتلي
أنت عن كل ما تُسَ ... رُّ به النفسُ شاغلي
لو يذوقُ الذي أذو ... قُ من الوجدِ عاذلي
لبكى من صبابتي ... ورثى من بلابلي
سديد الملك بن منقذ صاحب شَيْزَر
علي بن مُقلَّد بن نصر بن مُنقذ بن محمد الأمير سديد الملك أبو الحسن الكِناني صاحب شَيْزَر . أديب شاعر قدم دمشق مرات واشترى حصن شيزر من الروم . وكان أخا محمود بن صالح صاحب حلب من الرِّضاعة . وكان جواداً ممدَّحاً ؛ مدحه ابن الخيّاط والخَفاجي وغيرهما . وهو أول من ملك شيزر من بني مُنقذ . ولم يزل حصن شيزر وبلاده في يده إلى أن جاءت الزلزلة سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة فهدمتها وقتلت كل من فيها من بني مُنقذ وغيرهم تحت الرَّدم . وشغرت فجاء نور الدين الشهيد في بقية السنة وأخذها . وجاءت زلزلة أخرى في ثاني عشر شوال سنة خمس وستين وخمس مائة بحلب وأخربت بلاداً كثيرة . وقد خرج من بيته جماعة فضلاء ؛ وأسامة بن منقذ هو حفيده . وتوفي سنة خمس وسبعين وأربع مائة رحمه الله تعالى . ومن شعره :
أسطو عليه وقلبي لو تمكَّن من ... كفَّيَّ غلَّهما غيظاً إلى عُنُقي
وأستعيرُ إِذا عاتبتُه حَنَقاً ... وأين ذُلُّ الهَوَى من عِزَّةِ الحَنَقِ
ومنه :
ماذا النجيعُ بوجنتيكَ وليس من ... شرط الأنوف على الخدودِ رُعافُ
ألحاظنا جَرَحتْك حين تعرَّضتْ ... لك أم أديمُك جوهرٌ شفّافُ
ومنه :
إِذا ذكرتُ أياديكَ التي سَلَفَتْ ... معْ سوء فعلي وزلاّتي ومُجْتَرَمي
أكاد أقتل نفسي ثمَّ يمنعني ... علمي بأنّكَ مجبولٌ على الكَرَمِ
ومنه :
لا تَعْجَلوا بالهجر إنَّ النوى ... تحمل عنكم مِنَّةَ الهَجرِ
وظاهرونا بوفاءٍ فقد ... أغناكمُ البَيْنُ عن العُذْرِ
ومنه :
كيف السُلُوُّ وحبُّ من هو قاتلي ... أدنى إليَّ من الوريد الأقربِ
إني لأُعْمِلُ فكرتي في سَلْوَةٍ ... عنه فيظهر فيَّ ذُلُّ المُذْنبِ
ومنه
من كان يرضى بِذُلٍّ في ولايته ... من خوف عزلٍ فإني لست بالراضي
قالوا : فتركبُ أحياناً فقلتُ لهم : ... تحتَ الصليب ولا في موكب القاضي
ومنه :
بكرتْ تنظرُ شيبي ... وثيابي يومَ عيدِ
ثمَّ قالت لي بهُزءٍ : ... يا خليقاً في جديدِ
لا تُغالطني فما تص ... لح إلاَّ للصدودِ
ومنه :
أحبابَنا لو لقيتم في مُقامكمُ ... من الصَّبابة ما لاقيتُ في ظَعَني
لأصبح البحرُ من أنفاسكم يَبَساً ... كالبَرِّ من أدمعي ينشقُّ بالسُّفُنِ
قلت : شعرٌ جيد فيه غَوْصٌ وتخيُّلٌ صحيح : وقد مدحه أحمد بن محمد الخيّاط الدمشقي الشاعر بقصيدة أولها :
يقيني يقيني حادثاتِ النوائبِ ... وحزميَ حزمي في ظهور النجائِبِ
منها في المديح :
من القومِ لو أنَّ الليالي تقلَّدتْ ... بإحسانهم لم تحتفِل بالكواكبِ
إِذا أظلمتْ سُبْلُ السُّراة إلى العُلى ... سَرَوا فاستضاءوا بينها بالمَناسبِ
حاجب العرب

(1/3072)


علي بن مقلَّد علاء الدين صاحب العرب بدمشق . كان أسمر طُوالاً يتحنَّك بعمامته ويتقلَّد بسيفه زِيَّ العرب . قدَّمه الأمير سيف الدين تُنْكُز رحمه الله تعالى وأهَّله لهذه الوظيفة وصار عنده مكيناً . حكى لي من لفظه قال : توجَّهتُ إلى الرَّحْبَة في شغل فعدتُ وقد حصل لي ثمانية عشر ألف درهم - أو قال خمسة عشر ألف درهم - من العربان . وكان يسأل عنه ناصرَ الدين دوادارَه ويقول له : إن هذا ابن مقلَّد ما يعجبني حاله وربما إنّه يشرب ؛ فيقول : ما أظنُّ ذلك ولا يقدر يفعل ذلك . وحاجَّه فيه مرّاتٍ ؛ فلما كانت واقعة حمزة التُّركماني ودخوله إلى تُنْكُز ورميه لناصر الدين الدوادار وجماعته خرج لوالي دمشق وقال : أريد تكبس ابن مقلّد . فكبسه في تلك الليلة وعنده جماعة نسوة وحُرَفاؤهنّ فلما أصبح دخل حمزة إليه وعرَّفه الصورة فأحضر الدوادار وأنكر عليه ووبَّخَهُ وعنَّفه وكان سبب الإيقاع به . وأحضر ابن مقلّد قدّامه وقتله بالمقارع قتلاً عظيماً مُبرَّحاً وكحله وقطع لسانه لأنه تكلم بما لا يليق وأُحضر لسانه إليه على ورقة . فأقام في اعتقال القلعة مُدَيْدة ومات في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة رحمه الله وسامحه بعدما سُلب نعمةً عظيمة
الدوري البغداذي
علي بن مكّي بن محمد بن هُبَيْرة أبو الحسن الدُّوري بن أبي جعفر ابن أخي الوزير أبي المظفر يحيى كان أديباً فاضلاً بليغاً له النظم والنثر وله رسالة في الصيد رواها عنه عبد الرحمن بن عمر بن الغزال الواعظ . ومن شعره :
هذا الربيعُ يُسدِّي من زخارفِهِ ... وَشْياً يكاد على الألحاظ يلتهبُ
كأنّما هو أيّامُ الوزير غَدَتْ ... مُحَلَّياتٍ بما يُعطي وما يهَبُ
ومنه يصف فهدين :
يتعاوران من الغبار مُلاءةً ... بيضاءَ مُحْدَثَةً هما نَسَجاها
تُطوى إِذا وطئا مكاناً جاسِياً ... وإذا السنابكُ أسهلتْ نَشَراها
ابن الصيرفي الكاتب
علي بن مُنجب بن سليمان أبو القاسم الصَّيرفي . كان أحد كتاب المصريِّين وبلغائهم . كان أبوه صيرفيًّا واشتهى هو الكتابة فمهر فيها وكتب خطًّا مليحاً واشتهر ذكره وخطّه معروف . توفي بعد الخمسين وخمس مائة أيام الصالح بن رُزِّيك . واشتغل بكتابة الجيش والخراج مدَّةً ثمَّ إنَّ الأفضل بن أمير الجيوش استخدمه في ديوان المكاتبات ورفع من قدره وشهره وأراد عزل الشيخ ابن أسامة وإفراد ابن الصيرفي بالمنصب فمات الأفضل قبل ذلك . ولابن الصيرفي من التصانيف : كتاب الإشارة في من نال رُتَب الوزارة كتاب عُمدة المحادثة كتاب عقائل الفضائل كتاب استنزال الرحمة كتاب منائح القرائح كتاب ردّ المظالم كتاب لمح المُلَح كتاب في الشكر . واختار ديوان مِهيار اختياراً جيداً واختار شعر أبي العلاء المعري وديوان ابن السرَّاج وغير ذلك . ورسائله في أربع مجلدات . ومن شعره :
هذي مناقبُ قد أغناهُ أيسرُها ... عن الذي شرَعَتْ آباؤه الأُوَلُ
قد جاوزت مطلِعَ الجوزاء وارتفعتْ ... بحيث ينحطّ عنها الحُوت والحَمَلُ
ومنه :
لا يبلغُ الغايةَ القصوى بهمَّته ... إلاَّ أخو الحربِ والجُردِ السَّلاهيبِ
يطوي حشاه إِذا ما الليل عانقهُ ... على وشيجٍ من الخطيِّ مخضوبِ
ومنه :
لما غدوتَ مليكَ الأرض أفضلَ مَن ... جلَّتْ مفاخرهُ عن كلِّ إطراءِ
تغايرتْ أدواتُ النطقِ فيكَ على ... ما يصنع الناسُ من نظمٍ وإنشاءِ
وهذان البيتان لابن الصيرفي غيَّر قافيتهما إلى ثمانية وعشرين قافية على عدد حروف المعجم . ونقلتُ أنا من خطه ما صورته : تضمَّن كتاب الوزراء لابن عَبدوس أن فتًى حديث السنّ قدم على عمرو بن مسعدة متوسِّلاً إليه بالبلاغة فامتحنه بأن رمى إليه كتاب صاحب البريد في بعض النواحي يخبر فيه أن بقرةً ولدت غلاماً . وقال له : اكتب في هذا المعنى فكتب : الحمد لله خالق الأَنام في بطون الأنعام ؛ فلمَّا رأى ذلك عمرو غار على صناعته ومحلّه فجذبه من يده وأحسن إليه وردَّه إلى بلده
وما علمتُ أحداً كمّل الباب وتمَّممه ؛ فعمدت إلى هذا الابتداء فأنشأت عليه ما يقرأ على الناس وهو :

(1/3073)