صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


قدم مع والده في صباه إلى بغداد وسمع الحديث من أبي البركات هبة الله ابن البخاري وأبي القاسم هبة الله بن الحصين وأبي بكر ابن عبد الباقي البزاز كان والده وزير السلطان محمود فقتله الملاحدة سنة ست عشرة وخمس مائة ومدح أبو المحاسن المذكور المقتفي وابنه المستنجد وخدم في الديوان في زمانهما وعاد إلى أصبهان وخدم السلطان داود وتولى الطغراء له ثم تزهد وكتب مليحاً
توفي سنة سبع وثمانين وخمس مائة بأصبهان
من شعره :
يا نسيم الصبا تحمل إليها ... قصةً من أخي جوىً وسهاد
ناظري كاتبي وهدبي يراعي ... وجنتي كاغذي ودمعي مدادي
ابن حميدة شارح المقامات محمد بن علي بن أحمد أبو عبد الله النحوي الحلي يعرف بابن حميدة
نحوي بارع حاذق في الفن بصير به عارف باللغة له شعر شرح أبيات الجمل وشرح اللمع وكتاب التصريف لابن جنيّ وشرح المقامات
قال الشيخ شمس الدين : هو شاب فيما أظن توفي سنة خمسين وخمس مائة
قال ابن النجار : له كتاب في الفرق بين الضاد والظاء وكتاب الأدوات . أورد له ابن النجار في تاريخه قول ابن حميدة الحليّ :
سلام على تلك المعالم والربا ... وأهلاً بأرباب القباب ومرحبا
وسقياً لربات الحجال ضارجٍ ... ورعياً لأرباب الخدود بيثربا
أحنّ لذياك الجناب وإن غدا ... ربيبته عن روضتي مجنبا
وأصبو لربع العامرية كلما ... تذكرت من جرعائها لي ملعبا
فلا همّ إلا دون همي غدوه ... إذا جرت النكباء أو هبت الصبا
قلت : هو شعر متوسط . وقال ياقوت : له كتاب الروضة فيها مسائل نحو منثورة
أبو نصر الفقيه ابن نظام الملك محمد بن علي بن أحمد بن الحسن بن علي بن إسحق الطوسي أبو نصر ابن أبي الحسن ابن الوزير نظام الملك أبي علي من البيت المشهور بالوزارة
درس الفقه على أسعد الميهني وعلى غيره وبرع وتولى مدرسة والده ثم عزل ثم أعيد إليها وفوض إليه نظر أوقافها وكانت له الحرمة التامة والتاه العريض والقرب من الديوان إلى أن عزل واعتقل بالديوان مديدة ثم حج وعاد إلى بغداد وتوجه إلى دمشق وولي تدريس الزاوية الغربية من الجامع وأقام بها إلى أن توفي سنة إحدى وستين وخمس مائة
وسمع من أبي المنصور محمد بن عبد الملك بن خيرون وأبي الوقت عبد الأول السجزي وأبي زرعة . قال ابن النجار : وما أظنه روى لأنه مات شاباً
الأبري الحنفي محمد بن علي بن نصر الأبري الفقيه الحنفي
كان حسن المعرفة بالمذهب والخلاف والأصولين ويعرف الكلام على مذهب الاعتزال واستنابه قاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل في عقود الأنكحة والطلاق والديون وكان كيساً متودداً طيب الأخلاق
قال ابن النجار : ما علمت له رواية . توفي سنة تسع وعشرين وست مائة
الجاواني الحلوي شارح المقامات محمد بن علي بن عبد الله بن أحمد ابن حمدان أبو سعيد وأبو عبد الله الجاواني الحلوي العراقي
قدم بغداد صبياً وتفقه بها على الغزالي والكيا وبرع وتميز وقرأ المقامات على الحريري وكان إماماً مناظراً وشرح المقامات وله كتاب عيون الشعر والفرق بين الراء والغين ولهنظم
وتوفي سنة إحدى وستين وخمس مائة . أورد له ابن النجار :
دعاني من ملامكما دعاني ... فداعي الحب للبلوى دعاني
أجاب له الفؤاد ونوم عيني ... وسارا في الرفاق وودعاني
وأورد له العماد الكاتب :
أفديك بالعين الصحيحة فالمريضة لا تساوي
أني أقيكم بالمحا ... سن لا أقيكم بالمساوي
ابن الأقساسي محمد بن علي بن حمزة قطب الدين ابو يعلى المعروف بابن الأقساسي
ولد بالكوفة سنة سبع وتسعين وأربع مائة وتوفي سنة خمس وسبعين وخمس مائة كان نقيب العلويين بالكوفة قدم ببغداد وسمع الحديث ولما مات دفن في الشونيزية
من شعره :
ربّ قومٍ في خلائقهم ... غررٌ قد صيروا غررا
ستر الإثراء عيبهم ... سترى إن زال ما سترا
ومنه أيضاً :
وكنت إذا خاصمت خصماً كببته ... على الوجه حتى خاصمتني الدراهم
فلما تنازعنا الخصام تحكمت ... علي وقالت قم فإنك ظالم

(1/503)


ابن البراق المغربي محمد بن علي أبو القاسم الهمداني - بالميم الساكنة والدال المهملة - المعروف بابن البراق من أهل وادي آش
سكن مرسية وبلنسية وكتب بها الحديث وسمع من شيوخها ثم انصرف إلى بلده وتوفي هناك سنة ست وتسعين وخمس مائة
أورد له ابن الأبار في التحفة :
للفجر من خلل السحاب تشوف ... وعلى المذاكي عزةٌ وتشرف
فكأن موشيّ الدرانك سندسٌ ... وكأن منضود الأرائك رفرف
ولربما سجعت هناك حمائمٌ ... فحسبت أن بها قياناً تعزف
وقوله في لابس أصفر :
برح بي ذو محاسنٍ صرفت ... لواحظ الخلق عن سنا الفلق
تشتاقه أضلعي وإن رشقت ... أحناءها منه أسهم الحدق
يعطفه التيه في مصبغةٍ ... بثت هناك الشعاع في الأفق
كالشمس عند الأصيل قد لبست ... صفرتها تحت حمرة الشفق
وقوله في مليح لبس أطماراً قاله ارتجالاً :
عاينته ثني أطمارٍ يزان بها ... ما بين مستترٍ منها ومنكشف
كأنه قمرٌ دارت به سحبٌ ... فالبعض منكشف والبعض في سدف
ابن المرخي المغربي محمد بن علي بن محمد بن عبد العزيز اللخمي الكاتب من أهل إشبيلية ويعرف بابن المرخي بخاء معجمة بعد الراء
كان أبوه أبو الحكم كاتباً وأما جده أبو بكر فنظير ابن أبي الخصال في بلاغته وبيانه وبيته عريق في النباهة والكتابة
توفي سنة ست عشرة وست مائة . له كتاب في الخيل وكتاب حلية الأديب في اختصار الغريب المصنف
أورد له ابن الأبار يخاطب أستاذه المعروف باللص :
سأهجر العلم لا بغضاً ولا كسلا ... حتى يقال ارعوى عن حبه وسلا
ولا أمرّ ببيتٍ فيه مسكنه ... كي لا يمثل شوقي حيثما مثلا
إذا ظمئت وكان العذب ممتنعاً ... فلست عن غير ذاك العذب معتزلا
إذا طردت قصياً عن حياضكم ... فإن نفسي مما تكره النهلا
قد كان عندي زعيم القوم عالمهم ... فاليوم عندي زعيم القوم من جهلا
ما إن رأيت الذي يزداد معرفةً ... إلا يزيد انتقاصاً كلما كملا
وآية الصدق في قولي وتجربتي ... أن الجوّاد على العلات ما وألا
ابن حمادو الصنهاجي محمد بن علي بن حمادو - بالحاء المهملة وبعد الدال المهملة واو - الصنهاجي من أهل قلعة حماد
ولي قضاء الجزيرة الخضراء وقضاء سلا توفي سنة سبع وعشرين وست مائة
أورد له ابن الأبار :
أبا عبد الإله إليك أشكو ... لواعج بين جانحتي تذكو
بعدت عن الديار وساكنيها ... وفرق بيننا فلكٌ وفلك
ولم يعدل لعمر الله عندي ... فراق أحبةٍ ملكٌ وملك
وقال يهنئ باسترجاع بلاد إفريقية والظهور على يحيى بن إسحق :
فتوحٌ لها في كل يوم تلاحق ... كما استبقت يوم الرهان السوابق
تجيء وما بين الزمانين مهلةٌ ... كما نسق المعطوف بالواو ناسق
بشائر تعلوها تباشير مثلما ... تبلج صبحٌ أو تألق بارق
وراقت بلاد الله فهي نضارةً ... خمائل يندى زهرها وحدائق
كذا فليكن فتحٌ وإلا فإننا ... جميع فتوح العالمين مغالق
إذا أقرأ القرآن في غسق الدجى ... أبيّ بن كعب لم يغن مخارق
الطبيب الشريشي محمد بن علي بن رفاعة الشريشي الطبيب
قال ابن الأبار : كان أسمر اللون أبرص وهو القائل :
شريش ما هي إلا ... تصحيف شرٍ تبين
فارحل فديتك عنها ... إن كنت ممن تدين
فلم يسد قط فيها ... حرٌ ولا من تعين
ابن القبيطي محمد بن علي بن حمزة بن فارس الحراني ابو الفرج الكاتب المعروف بابن القبيطي

(1/504)


قال ابن النجار : أخو شيخنا حمزة سمع الكثير في صباه مع أخيه من أبي عبد الله الحسين وأبي محمد عبد الله بن علي بن أحمد الخياط وأبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن السلال الوراق وأبي بكر أحمد ابن علي بن عبد الواحد الدلال وأبي الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن الطرائفي وأبي الحسن أحمد بن عبد الله بن علي بن الأبنوسي وأبي القاسم علي بن عبد السيد بن محمد بن الصباغ وأبي القاسم هبة الله بن الحسين بن الحاسب وأبي سعد أحمد بن محمد البغدادي وأبي الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري وأبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ وأبي إسحق إبراهيم بن محمد بن نبهان الرقي وأبي حفص عمر بن ظفر المغازلي وخلق كثير سواهم
وعمر حتى حدث بالكثير وانتشرت عنه الرواية وانفرد بقطعة من مسموعاته
قال ابن النجار : قرأت عليه كثيراً وكان صدوقاً مرضي الأخلاق محمود الطريقة سليم الجانب طيب الأخلاق حلو المجالسة حفظة للحكايات والأشعار لا يمل جليسه منه مضى عمره في استقامة وحسن طريقة
مولده سنة ثمان وعشرين وخمس مائة ووفاته سنة تسع وست مائة
ابن البواب محمد بن علي ابن البواب أبو عبيد الله الموصلي
ذكره البلطي أنه كان معلماً . قال العماد الكاتب : وهو الآن يعيش وهو ابن ثمانين سنة له مفقطعات حسنة فمن ذلك ما أنشدنيه في والده :
لي أبٌ كل ما به يوصف النا ... س...فهو منه مبرا
فهو كالصل من بنات الأفاعي ... كلما زاد عمره زاد شرا
قال : وأنشدني له أيضاً :
أدرها لقد قام السفيه علي رجل ... وحكم جيش الجهل في عالم الفضل
الوزير الجواد محمد بن علي بن أبي منصور الصاحب جمال الدين أبو جعفر الأصبهاني الملقب بالجواد وزير صاحب الموصل أتابك زنكي بن آقسنقر
كان نبيلاً رئيساً دمث الأخلاق حسن المحاضرة محبوب الصورة سمحاً كريماً مدحه القيسراني بالقصيدة التي أولها :
سقى الله بالزوراء من جانب الغرب ... مهاً وردت عين الحياة من القلب
كان جده أبو منصور فهاداً للسلطان ملكشاه بن الب رسلان السلجوقي فتأدب ولده وسمت همته وخدم في مناصب علية وصاهر الأكابر فلما ولد له جمال الدين المذكور عني بتأديبه وتهذيبه ثم رتب في ديوان العرض للسلطان محمود بن ملكشاه فظهرت كفايته فلما تولى اتابك زنكي الموصل وما والاها استخدم جمال الدين المذكور وقربه واستصحبه معه إليها وولاه نصيبين فظهرت كفايته وأضاف إليه الرحبة فأبان عن كفاية وعفة فجعله مشرف مملكته وحكمه تحكيماً لا مزيد عليه
وكان الوزير يومئذٍ ضياء الدين الكفرتوثي فلما توفي سنة ست وثلاثين وخمس مائة تولى الوزارة بعده أبو الرضا ابن صدقة وجمال الدين المذكور فخف على قلب زنكي ولم يظهر جمال الدين في حياة زنكي مالاً ولا نعمة إلى أن توفي على قلعة جعبر فرتبه سيف الدين غازي ابن اتابك في وزارته فظهر جوده حينئذ بالعطايا وبالغ في الإنفاق حتى عرف بالجواد
وأثر آثاراً جميلة وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم من مكان بعيد وعمل الدرج من أسفل الجبل إلى أعلاه وبنى سور مدينة النبي صلى الله عليه و سلم وما كان خرب من المسجد وكان يحمل في كل سنة إلى مكة وإلى المدينة من الأموال وكسوة الفقراء والمنقطعين ما يقوم بهم مدة سنة كاملة وكان له ديوان مرتب باسم أرباب الرسوم والقصاد وتنوع في فعل الخير وواسى الناس زمن الغلاء وكان إقطاعه عشر مغل البلاد على جاري عادة وزراء السلجوقية وأباع يوماً بقياره وصرفه للمحاويج وله مكارم جمة كثيرة
وأقام على هذا الحال إلى أن توفي مخدومه غازي وقام بعده قطب الدين مودود فاستكثر إقطاعه وثقل عليه أمره فقبض عليه وحبسه ولم يزل مسجوناً حتى توفي في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمس مائة وصلي عليه وكان يوماً مشهوداً من بكاء الضعفاء والأرامل والأيتام وضجيجهم حول جنازته
ودفن بالموصل إلى بعض سنة ستين ثم نقل إلى مكة وطيف به حول الكعبة وطافوا به مراراً مدة مقامهم وكان يوم دخوله يوماً مشهوداً وكان معه شخص يذكر مآثره ويعدد محاسنه إذا وصلوا به إلى المزارات فلما انتهى إلى الكعبة وقف وأنشد :
يا كعبة الإسلام هذا الذي ... جاءك يسعى كعبة الجود

(1/505)


قصدت في العام وهذا الذي ... لم يخل يوماً غير مقصود
ثم حمل إلى المدينة صلوات الله على ساكنها وسلامه ودفن بالبقيع بعد أن أدخل المدينة وطيف به حول حجرة النبي صلى الله عليه و سلم وأنشد الشخص المذكور :
سرى نعشه فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله
يمر على الوادي فتثني رماله ... عليه وبالنادي فتثني أرامله
قال الشيخ شمس الدين : : خالفوا به السنة انتهى . قلت : سيأتي ذكر ولده الوزير جلال الدين علي بن محمد بن علي في مكانه في حرف العين
أبو الفتح النطنزي محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي الفتح الكاتب أبو الفتح النطنزي
كان من البلغاء أهل النظم والنثر سافر البلاد ولقي الأكابر وكان كثير المحفوظ يحب العلم والسنة ويكثر الصدقة والصيام ونادم الملوك والسلاطين وكانت له وجاهة عظيمة عندهم وكان تياهاً عليهم متواضعاً لأهل العلم سمع الكثير بأصبهان وخراسان وبغداد ولم يمتع بالرواية
توفي في حدود الخمسين والخمس مائة . أورد له ابن النجار قوله :
أقدم أستاذي على والدي وإن ... تضاعف لي من والدي البر واللطف
فهذا مربي النفس والنفس جوهرٌ ... وذاك مربي الجسم وهو لها صدف
وقوله :
أن تراني عريت بعد رياشٍ ... فجمال السيوف حين تشام
واختصار الخصور في البيض تمٌ ... وكذا صحة الجفون السقام
وقوله :
أيا طالب المذهب المجتبى ... تعلم من النحلة المذهبا
إذا أكلت أكلت طيباً ... وإن أطعمت أطعمت طيبا
وكن في دفاع الأذى ناظراً ... إليها إذا ركبت مركبا
وقوله :
يا طالباً للعلم كي يحظى به ... دنيا وديناً حظوةً تعليه
اسمعه ثم احفظه ثم اعمل به ... لله ثم انشره في أهليه
ومن شعره :
ولما تنكبنا الكثيب وأبلغت ... لنا السدة العلياء قلت لصاحبي
ألا فانشرح صدراً فلم يبق بيننا ... وبين المنى إلا إناخة راكب
محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن ياسر ابو بكر الأنصاري الجياني
قدم دمشق وله نيف وعشرون سنة ففتح مكتباً عند قنطرة سنان وتفقه على أبي الفتح نصر الله المصيصي ثم زامل الحافظ ابن عساكر إلى بغداد وسمع ودخل نيسابور ومرو
وتوفي سنة ثلاث وستين وخمس مائة
الجصاني صاحب الحماسة محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن حمدان بن الحسين أبو الغنائم الجصاني - بالجيم والصاد المهملة مشددة - الهيتي الأديب اللغوي نزيل الأنبار وينسب إلى جصين أحد ملوك الفرس كان صاحب قلعة عند الأنبار
صنف كتاب روضة الآداب في اللغة والمثلث الحمداني والحماسة وغير ذلك . توفي سنة سبعين وخمس مائة أو قبل ذلك
أبو الفضل ابن الطيب محمد بن علي بن الطيب ابو الفضل الوزير
ناب عن الوزير ابن عميد الدولة ابي سعد ابن عبد الرحيم وأبي علي ابن ماكولا كان فاضلاً أديباً
أورد له ابن النجار :
عكبرا أرضٌ بها اللذ ... ات من عيشٍ وطيب
فاسقني من حلب الكر ... م على صوت العروب
إنما الدنيا حديثٌ ... لصدوقٍ أو كذوب
فاستلب أيام لذا ... تك من أيدي الخطوب
ولد سنة ست وسبعين وثلاث مائة وتوفي سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة
أبو منصور القنائي محمد بن علي بن الطيب القنائي من ديرقنا - بالقاف والنون المشددة - ناحية بالنهروان أبو منصور الأديب
أورد له ابن النجار :
يحكي البدور وجوههن تبلجاً ... ولهن من هيف الغصون قدود
وثغورهن إذا ابتسمن كأنها ... لنحورهن قلائدٌ وعقود
أشجىً بوجدي والقلوب خليةٌ ... عني وأسهر والعيون رقود
رشيد الدين المازندراني الشيعي محمد بن علي بن شهراسوب - الثانية سين مهملة - أبو جعفر السروري المازندراني رشيد الدين الشيعي أحد شيوخ الشيعة
حفظ القرآن وله ثمان سنين وبلغ النهاية في أصول الشيعة كان يرحل إليه من البلاد ثم تقدم في علم القرآن والغريب والنحو ووعظ على المنبر أيام المقتفي ببغداد فأعجبه وخلع عليه

(1/506)


وكان بهي المنظر حسن الوجه والشيبة صدوق اللهجة مليح المحاورة واسع العلم كثير الخشوع والعبادة والتهجد لا يكون إلا على وضوء
أثنى عليه ابن أبي طي في تاريخه ثناء كثير . توفي سنة ثمان وثمانين وخمس مائة
ومن تصانيف المازندراني كتاب في النحو سماه الفصول جمع فيه أمهات المسائل وكتاب المكنون المحزون في عيون الفنون كتاب أسباب نزول القرآن كتاب متشابه القرآن كتاب الأعلام والطرائق في الحدود والحقائق كتاب مناقب آل أبي طالب كتاب المثالب كتاب المائدة والفائدة جمع فيه أشياء من النوادر والفوائد
عاش تسعاً وتسعين سنة وشهرين ونصفاً وتوفي بحلب في التاريخ المذكور
ابن الدهان الحاسب محمد بن علي بن شعيب فخر الدين أبو شجاع ابن الدهان الفرضي الأديب الحاسب
وهو أول من وضع الفرائض على شكل المنبر وجمع تاريخاً جيداً وصنف غريب الحديث في عدة مجلدات وكانت له يد طولى في علم النجوم
توفي سنة تسعين وخمس مائة . ومن نظمه في ابن الدهان المعروف بالناصح أبي محمد سعيد بن المبارك النحوي وكان مخلاً بإحدى عينيه :
لا يبعد الدهان أن ابنه ... أدهن منه بطريقين
من عجب الدهر فحدث بهبفرد عينٍ وبوجهين
وكتب إلى تاج الدين الكندي :
يا زيد زادك ربي من مواهبه ... نعماء يعجز عن إدراكها الأمل
لا غير الله حالاً قد حباك به ... ما دار بين النحاة الحال والبدل
النحو أنت أحق العالمين به ... لأن باسمك فيه يضرب المثل
ولما جاءت دولة بني أيوب تردد بين أولاد اتابك وصلاح الدين عدة نوب وسفر بينهم في إصلاح الحال
ابن المعلم محمد بن علي بن فارس نجم الدين ابو الغنائم ابن المعلم الواسطي الهرثي والهرث من قرى واسط
انتهت إليه رياسة الشعر في زمانه وطال عمره ولد سنة إحدى وخمس مائة وتوفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة
قال ابن الدبيثي : سمعت عليه أكثر شعره . وكان بينه وبين ابن التعاويذي الشاعر تنافس وهجاه ابن التعاويذي وكان ابن الجوزي يوماً على المنبر فقيل لابن المعلم : هذا ابن الجوزي على المنبر يتكلم فشق الناس وجلس ولم يعلم به أحد فقال ابن الجوزي مستشهداً على بعض إشاراته : ولقد أحسن ابن المعلم حيث يقول :
يزداد في مسمعي تكرار ذكركم ... طيباً ويحسن في قلبي مكرره
وكان يستشهد بشعره كثيراً في تصانيفه وعلى المنبر في وعظه وشعره ينفع الوعاظ لأن الغالب عليه ذكر الصبابة والغرام والشوق والارتياح فلهذا خف على الأسماع وراج على القلوب وطربت له النفوس
ووقف هو والأبله العراقي وابن التعاويذي على القصيدة التي نظمها ابن صردر وأولها :
أكذا يجازى ود كل قرين ... أم هذه شيم الظباء العين
نظم الأبله على وزنها وابن التعاويذي أيضاً وابن المعلم وكان الذي قاله ابن المعلم :
ما وقفة الحادي على يبرين ... وهو الخلي من الظباء العين
إلا ليمنحني جوىً ويزيدني ... مرضاً على مرضي ولا يبرين
منها :
قسماً بما ضمت عليه شفاههم ... من قرقفٍ في لؤلؤ مكنون
أن شارف الحادي الغوير لأقضين ... نحبي ومن لي أن تبر يميني
ولقد مررت على العقيق بزفرةٍ ... أمسى الأراك بها بغير غصون
فبكى الحمام وما يجن صبابتي ... وشكا المطي وما تحن حنيني
قلت : لو كان لي حكم في أول هذه القصيدة لقلت :
ما وقفة الحادي على يبرين ... إلا ليمرضني وما يبريني
ليحصل له الجناس الذي أراده في بيت واحد ومن شعر ابن المعلم :
أجيراننا أن الدموع التي جرت ... رخاصاً على أيدي النوى لغوالي
أقيموا على الوادي ولو عمر ساعةٍ ... كلوث إزارٍ أو كحل عقال
وجودوا على صدق الفراق بنظرة ... تعلل قلبي منكم بمحال
ومنه :
تنبهي يا عذبات الرند ... كم ذا الكرى هب نسيم نجد
مر على الروض وجاء سحراً ... يسحب ثوبي أرجٍ وبرد
حتى إذا عانقت منها نفحةً ... عاد سموماً والغرام يعدي

(1/507)


واعجباً مني أستشفي الصبا ... وما تزيد النار غير وقد
أعلل القلب ببان رامةٍ ... وما ينوب غصنٌ عن قد
وأسأل الربع ومن لي لو وعى ... رجع الكلام أو سخا برد
تعلة وقوفنا بطللٍ ... وضلة سؤالنا لصلد
وأقتضي النوح حمامات اللوى ... هيهات ما عند اللوى ما عندي
قد كنت استبكي الحمام لو شفا ... وكنت أستشفي الصبا لو تجدي
منها :
ما فصمت أيدي النوى عرى الهوى ... عني ولا حلت عقود الود
وأنتِ يا عيني وعدت بالبكا ... هذا الفراق فانعمي بالوعد
ومنه قوله :
دع التجلد وامدد للغرام يداً ... من غالب الشوق أمسى وهو مغلوب
ما خلت أن الهوى يقضى علي به ... والحب كالحين للإنسان مجلوب
ولم أخل أن سر الوجد يفضحه ... من الحمائم تغريدٌ وتطريب
حتى صدحن وهل سرٌ يصان ولل ... أنفاس والدمع تصعيدٌ وتصويب
فما بدا البارق العلوي معترضاً ... إلا انثنيت وعندي منه ألهوب
كأنما هو من جنبيّ مخترطٌ ... للومض أو هو في جنبيّ مقروب
ومنه قوله :
كلفي فيكم قديمٌ عهده ... ما صباباتي بكم مستكسبه
أين ورق الجزع من لي أن أرى ... عجمه إن لم أشاهد عربه
ونعم ذا بان حزوى فاسألوا ... إن شككتم في عذابي عذبه
عن جفوني النوم من بعده ... وإلى جسمي الضنا من قربه
وصلوا طيفاً إذا لم تصلوا ... مستهاماً قد قطعتم سببه
فإلى أن تحسنوا صنعاً بنا ... قد أساء الحب فينا أدبه
اعشق اللوم لحبي ذكركم ... يا لمرٍ في الهوى ما أعذبه
فاكشفوا لي سر ما ألقى بكم ... فلقد أشكل ما بي واشتبه
ابن القصاب الوزير محمد بن علي بن أحمد بن المبارك الوزير مؤيد الدين أبو الفضل ابن القصاب البغدادي
كان ذا رأي وشهامة وحزم وغور بعيد وهمة عالية كان أديباً شاعراً ولي كتابة الإنشاء مدة ثم ناب في وزارة الخلافة وسار بعسكر الخليفة وفتح همذان وأصبهان وحاصر الري ومتن وصارت له هيبة في النفوس فلما عاد ولي الوزارة ثم خرج بالجيوش إلى همذان فتوفي بظاهرها وقرأ العربية على أبي السعادات ابن الشجري وكانت وفاته سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة
ومن شعره قوله في ولد يرثيه :
وإذا ذكرتك والذي فعل البلى ... بجمال وجهك جاء ما لا يدفع
قال يوماً : أحسن ما قيل في الرأي قول ابن حيوس :
ولو شيب ماء البحر بالدم لاغتدى ... يفصل بين الماء بالرأي والدم
فقال أبو بكر المبارك بن المبارك بن سعيد الواسطي النحوي : قوله لو شيب يجعل نفسه بالمرصاد لهذا ولو قال : لو أراد لفعل كذا لكان أحسن ثم قوله بين الماء والدم هما جنسان مختلفان فقال شيخ الشيوخ عبد الرحيم : صدقت وإنما القول قول المتنبي :
قاضٍ إذا اشتبه الأمران عنّ له ... رأيٌ يفرق بين الماء واللبن
فقال أبو بكر : هذا أحسن ولكن قال بين الماء واللبن وأنا أفصل بين الماء واللبن بأن أغمس فيه البردي ثم أعصره فلا يشرب إلا الماء ثم نظمت بيتين لم يلحق المتنبي غبارهما وهما :
ولو وقعت في لجة البحر قطرةٌ ... من المزن يوماً ثم لو شاء مازها
ولو ملك الدنيا فأضحى ملوكها ... عبيداً له في الشرق والغرب مازها
القاضي محيي الدين ابن الزكي محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي قاضي قضاة الشام محيي الدين أبو المعالي ابن قاضي القضاة زكي الدين أبي الحسن ابن قاضي القضاة المنتخب أبي المعالي ابن قاضي القضاة الزكي أبي المفضل القرشي الدمشقي الشافعي
ولد سنة خمسين وخمس مائة وقرأ المذهب على جماعة وسمع والده وجماعة وهو من بيت القضاء والحشمة والأصالة والعلم وكان حسن اللفظ والخط

(1/508)


شهد فتح القدس مع السلطان صلاح الدين وكان له يومئذ ثلاث وثلاثون سنة واسمه على قبة النسر في التثمين بخط كوفي أبيض وخطب أول جمعة في القدس تلك الخطبة البليغة ولم يكن استعد لها بل خرج إليه وقد أذن المؤذنون على السدة رسالة السلطان أن يخطب ويصلي بالناس وهذا مقام صعب وقد ذكرها ابن خلكان في تاريخه
وجرت له قضية مع الإسماعيلية بسبب قتل شخص منهم فلذلك فتح له باب سر إلى الجامع من داره التي بباب البريد لأجل صلاة الجمعة
وكان ينهى عن الاشتغال بكتب المنطق والجدل وقطع مجلدات في مجلسه من ذلك
وكان قد تظاهر بترك النيابة عن القاضي ابن أبي عصرون فأرسل إليه السلطان صلاح الدين مجد الدين ابن النحاس والد العماد عبد الله الراوي وأمره أن يضرب علي علامته في مجلس حكمه فلزم بيته حياء واستناب ابن أبي عصرون الخطيب ضياع الدين الدولعي وأرسل إليه الخليفة بالنيابة مع البدر يونس الفارقي فرده وشتمه فأرسل إلى جمال الدين ابن الحرستاني فناب عنه ثم توفي ابن أبي عصرون وولي محيي الدين القضاء وعظمت رتبته عند صلاح الدين وسار إلى مصر رسولاً من الملك العادل إلى العزيز ومكاتبات القاضي الفاضل إليه مجلدة كبيرة
ولما فتح السلطان مدينة حلب سنة تسع وسبعين وخمس مائة أنشده القاضي محيي الدين قصيدة بائيةً أجاد فيها ومنها :
وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشرٌ بفتوح القدس في رجب
فكان فتوح القدس كما قال لثلاث بقين من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة فقيل لمحيي الدين : من أين لك ذلك ؟ فقال : أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى : " ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين "
ووفاته في سابع شعبان سنة ثمان وتسعين وخمس مائة
أبو المفاخر النوقاني الشافعي محمد بن علي بن نصر بن أبي سعيد النوقاني أبو المفاخر الفقيه الشافعي
درس الفقه بنيسابور على محمد بن يحيى وأقام عنده حتى حصل قطعة صالحة من المذهب والأصول والخلاف وقدم بغداد واستوطنها إلى أن مات
وحضر عنده الفقهاء وعلقوا عنه طريقته في الخلاف وجدلاً ألفه وولي مدرسة أم الإمام الناصر
وكان عالماً كاملاً نبيلاً له اليد الباسطة في المذهب والخلاف وله يد في التفسير والمنطق وعقد مجالس الوعظ قديماً
قال ابن النجار : وأكثر الفقهاء والمدرسين ببغداد من الشافعية والحنابلة تلاميذه وكان مع ذلك صالحاً ديناً حافظاً لأوقاته لا يضيع منها ساعة في غير أشغال أو اشتغال أو مطالعة أو نسخ وكان فيه مروءة وسخاء وبذل لما في يده حدث ببغداد بكتاب الأربعين لشيخه محمد بن يحيى
توفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة
قاضي أسيوط أبو البركات محمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن القاضي أبو البركات الأنصاري الموصلي الشافعي
ولي القضاء بأسيوط زيادةً على عشرين سنة وبحماة مدة ثمان سنين أيام نور الدين وجمع كتاباً سماه عيون الأخبار وغرر الحكايات والأشعار وجمع أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً في أربعين مدينة وخرج معجم النساء
وفي سنة ست مائة كانت وفاته
نظام الدين ابن الخروف محمد بن علي بن يوسف نظام الدين ابن الخروف القيسي القرطبي الشاعر مات في سنة أربع وست مائة متردياً في جب بحلب
كتب إلى القاضي بهاء الدين ابن شداد يطلب منه فروة :
طلبت مخافة الأنوا ... ء من نعماك جلد أبي
حلبت الدهر أشطره ... وفي حلبٍ صفا حلبي
وبعضهم يقول فيه : علي بن محمد بن علي وسيأتي ذكره في مكانه
قاضي أربل الكفرعزي محمد بن علي بن محمد بن الجارود أبو عبد الله الماراني - بالنون بعد الألف - الكفرعزي قاضي أربل
كان عالماً متصوناً جاوز الثمانين ووفاته سنة تسع وعشرين وست مائة . من شعره...
الصاحب كمال الدين ابن مهاجر محمد بن علي بن مهاجر الصاحب كمال الدين أبو الكرم الموصلي
قدم دمشق وسكنها وسمع وروى . قال نجم الدين ابن السائق : سكن في دار ابن البانياسي وشرع في الصدقات وشراء الأملاك ليوقفها وكان اتفق مع والدي على عمل رصيف عقبة الكتان وقال : تجيء غداً وتأخذ دراهم لعملها فلما أصبح بعث إليه الأشرف جرزة بنفسج وقال : هذه بركة السنة فأخذها وشمها فكانت القاضية وأصبح ميتاً فورثه السلطان وأعطوا من تركته ألف درهم فاشتروا له تربة في سوق الصالحية

(1/509)


قال الشيخ شمس الدين : فلما كان بعد ذلك بنى الصاحب تقي الدين توبة بن علي بن مهاجر التكريتي في حيطان التربة خمس دكاكين وادعى أنه ابن عمه
قال أبو المظفر ابن الجوزي : بلغ قيمة ما خلف الصاحب كمال الدين ثلاث مائة ألف دينار وأراني الملك الأشرف سبحةً فيها مائة حبة مثل بياض الحمام يعني من التركة
وكانت وفاته في سنة أربع وثلاثين وست مائة
سبط الشاطبي محمد بن علي بن شجاع محيي الدين ابو عبد الله القرشي سبط الشيخ الشاطبي صاحب القصيدة
كان عنده أدب وله فضل ونظم ونثر حسن الأخلاق طيب العشرة ووالده الحاج كمال الدين الضرير كان من الصلحاء الفضلاء
توةفي محيي الدين بالقاهرة سنة ست وسبعين وست مائة ودفن بالقرافة الصغرى ومولده سنة أربع عشرة وست مائة
الشيخ محيي الدين ابن عربي محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الشيخ محيي الدين أبو بكر الطائي الحاتمي الأندلسي المعروف بابن عربي صاحب المصنفات في التصوف وغيره
ولد في شهر رمضان سنة ستين وخمس مائة بمرسية . ذكر أنه سمع بمرسية من ابن بشكوال وبإشبيلية وبمكة كتاب الترمذي وسمع بدمشق وبغداد
وسكن الروم يقال : أنه ركبه صاحب الروم يوماً فقال : هذا بدعوة الأسود فسئل عن ذلك فقال : خدمت بمكة بعض الصلحاء فقال يوماً : الله يذل لك أعز خلقه أو كما قال . وقيل : إن صاحب الروم أمر له بدار تساوي مائة ألف درهم على ما قيل فلما كان يوماً قال له بعض السؤال : شيء لله !
فقال : ما لي غير هذه الدار خذها لك !
قال ابن مسدى في جملة ترجمته : كان ظاهري المذهب في العبادات باطني النظر في الاعتقادات وكتب لبعض الولاة ثم حج ولم يرجع إلى بلده وروى عن السلفي بالإجازة العامة وبرع في علم التصوف وله فيه مصنفات كثيرة ولقي جماعة من العلماء والمتعبدين وأخذوا عنه
قال الشيخ شمس الدين : قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام : هذا شيخ سوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجاً هكذا حدثني شيخنا ابن تيمية الحراني به عن جماعة حدثوه عن شيخنا ابن دقيق العيد أنه سمع الشيخ عز الدين يقول ذلك وحدثني بذلك المقاتلي ونقلته من خط أبي الفتح ابن سيد الناس أنه سمعه من ابن دقيق العيد انتهى
قلت : وقفت على كتابه الذي سماه الفتوحات المكية لأنه صنفه بمكة وهو في عشرين مجلدة بخطه فرأيت أثناءه دقائق وغرائب وعجائب ليست توجد في كلام غيره وكأن المنقول والمعقول ممثلان بين عينيه في صورة محصورة يشاهدها متى أراد أتى بالحديث أو الأمر ونزله على ما يريده وهذه قدرة ونهاية إطلاع وتوقد ذهن وغاية حفظ وذكر ومن وقف على هذا الكتاب علم قدره وهو من أجلّ مصنفاته
وأخبرني الشيخ فتح الدين إجازة ومن خطه نقل قال : سمعت شيخنا الإمام أبا الفتح القشيري يقول : سألت الشيخ عز الدين ابن عبد السلام عن الشيخ أبي بكر ابن العربي فقال فقال : شيخ سوء كذاب مقبوح يقول بقدم العالم ولا يرى تحريم الفرج فسألته عن كذبه فقال : كان ينكر تزويج الإنس بالجن ويقول : الجن روح لطيف والإنس جسم كثيف لا يجتمعان ثم زعم أنه تزوج امرأة من الجن وأقامت معه مدة ثم ضربته بعظم جمل فشجته وأرانا شجة بوجهه وبرئت
وسمعته يقول : خرج ابن العربي وابن سراقة من هذا الباب على هذه الهيئة انتهى . وقد ذكر فيه في المجلدة الأولى عقيدته فرأيتها من أولها إلى آخرها عقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري ليس فيها يخالف رأيه وكان الذي طلبها مني بصفد وأنا بالقاهرة فنقلتها أعني العقيدة لا غير في كراسة وكتبت عليها :
ليس في هذه العقيدة شيءٌ ... يقتضيه التكذيب والبهتان
لا ولا ما قد خالف العقل والنقل الذي قد أتى به القرآن
وعليها للأشعري مدارٌ ... ولها في مقاله إمكان
وعلى ما ادعاه يتجه البحث ويأتي الدليل والبرهان
بخلاف الشناع عنه ولكن ... ليس يخلو من حاسدٍ إنسان

(1/510)


ولم أكن وقفت على شيء من كلامه ثم إني وقفت على فصوص الحكم التي له فرأيت فيها أشياء منكرة الظاهر لا توافق الشرع وما فيه شك أنه يحصل له ولأمثاله حالات عند معانات الرياضات في الخلوات يحتاجون إلى العبارة عنها فيأتون بما تقصر الألفاظ عن تلك المعاني التي لمحوها في تلك الحالات فنسأل الله العصمة من الوقوع فيما خالف الشرع قال الشيخ شمس الدين : وله توسع في الكلام وذكاء وقوة خاطر وحافظة وتدقيق في التصوف وتواليف جمة في العرفان ولولا شطحه في كلامه وشعره - لعل ذلك وقع منه حال سكره وغيبته - فيرجى له الخير انتهى
قال الشيخ قطب الدين اليونيني في ذيله على المرآة : وكان يقول : اعرف الاسم الأعظم واعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكسب وكانت وفاته بدمشق في دار القاضي محيي الدين وغسله الجمال ابن عبد الخالق ومحيي الدين وكان العماد ابن النحاس يصب عليه وحمل إلى قاسيون ودفن بتربة القاضي محيي الدين في الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وست مائة انتهى
مولده سنة ستين وخمس مائة بمرسية من الأندلس
ومن تصانيفه : الفتوحات المكية عشرون مجلدة والتدبيرات الإلهية وفصوص الحكم وعمل ابن سودكين عليها شيئاً سماه نقش الفصوص وهو من تلك المادة والإسراء إلى المقام الأسرى نظماً ونثراً وخلع النعلين والأجوبة المسكتة عن سؤالات الحكيم الترمذي ومنزل المنازل الفهوانية وتاج الرسائل ومنهاج الوسائل وكتاب العظمة وكتاب السبعة وهو كتاب الشأن والحروف الثلاثة التي انعطفت أواخرها على أوائلها والتجليات ومفاتيح الغيب وكتاب الحق ونسخة الحق ومراتب علوم الوهب والإعلام بإشارات أهل الإلهام والعبادات والخلوة والمدخل إلى معرفة الأسماء كنه ما لا بد للمريد منه والنقباء وحلية الأبدال والشروط فيما يلزم أهل طريق الله تعالى من الشروط وأسرار الخلوة وعقيدة أهل السنة والمقنع في إيضاح السهل الممتنع وإشارات القرآن وكتاب الهو والأحدية والإتحاد العشقي والجلالة والأزل والقسم وعنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب والتنزلات الموصلية والشواهد ومناصحة النفس واليقين وتاج التراجم والقطب والإمامين رسالة الانتصار والحجب والأنفاس العلوية في المكاتبة وترجمان النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم والموعظة الحسنة والمبشرات وخطبة ترتيب العالم والجلال والجمال ومشكاة الأنوار فيما روي عن الله من الأخبار وشرح الألفاظ التي اصطلحت عليها الصوفية ومحاضرات الأبرار ومسامرات الأخيار خمس مجلدات
وحكي لي أنه ذكر للشيخ تقي الدين ابن تيمية أن في دمشق إنساناً - أظنه قيل لحام - يرد كلام ابن عربي بالتأويل إلى ظاهر الشرع ويوجه خطأه فطلبه فلم يحضر إليه فلما كان في بعض الأيام قدر الله الجمع بينهما فقيل له : هذا فلان فقال له : بلغني عنك كذا وكذا ؟ فقال : هو ما بلغك فقال : كيف نعمل في قوله خضت لجة بحر الأنبياء وقوف على ساحله ؟ فقال : ما في ذا شيء يعني أنهم واقفون لإنقاذ من يغرق فيه من أممهم فقال له : هذا بعيد فقال : وإلا الذي تفهمه أنت ما هو المقصود أو كما قيل
وقال الشيخ محيي الدين ابن العربي : رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في النوم فقلت : يا رسول الله ايما أفضل الملك أو النبي ؟ فقال : الملك فقلت يا رسول الله اريد على هذا دليلاً إذا ذكرته عنك أصدق فيه فقال : ما جاء عن الله تعالى أنه قال : من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه
وعلى الجملة فكان رجلاً عظيماً والذي نفهمه من كلامه حسن بسن والذي يشكل علينا نكل علمه إلى الله تعالى وما كلفنا اتباعه ولا العمل بكل ما قاله
وقد عظمه الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني رحمه الله تعالى في مصنفه الذي عمله في الكلام على الملك والنبي والشهيد والصديق وهو مشهور فقال في الفصل الثاني في فضل الصديقية : وقال الشيخ محيي الدين ابن العربي البحر الزاخر في المعارف الإلهية وذكر من كلامه جملة ثم قال آخر الفصل : إنما نقلت كلامه وكلام ما جرى مجراه من أهل الطريق لأنهم أعرف بحقائق هذه المقامات وأبصر بها لدخولهم فيها وتحققهم بها ذوقاً والمخبر عن الشيء ذوقاً مخبر عن عين اليقين فاسأل به خبيراً انتهى
ومن شعره :
إذا حلّ ذكركم خاطري ... فرشت خدودي مكان التراب
وأقعدني الذلّ في بابكم ... قعود الأسارى لضرب الرقاب

(1/511)


ومن شعره أورده ابن أنجب في كتاب لطائف المعاني :
نفسي الفداء لبيضٍ خردٍ عربٍ ... لعبن بي عند لثم الركن والحجر
ما استدل إذا ما تهت خلفهم ... إلا بريحهم من طيب الأثر
غازلت من غزلي منهن واحدةً ... حسناء ليس لها أختٌ من البشر
إن أسفرت عن محياها أرتك سناً ... مثل الغزالة إشراقاً بلا عثر
للشمس غرتها لليل طرتها ... شمسٌ وليلٌ معاً من أحسن الصور
فنحن في الليل من ضوء النهار به ... ونحن في الظهر في ليلٍ من الشعر
قال ابن النجار : اجتمعت به بدمشق في رحلتي إليها وكتبت عنه من شعره ونعم الشيخ هو ذكر لي أنه دخل بغداد سنة إحدى وست مائة فأقام بها اثني عشر يوماً ثم دخلها ثانياً حاجاً من مكة مع الركب سنة ثمان وست مائة . وأورد له :
أنا حائر ما بين علمٍ وشهوةٍ ... ليتصلا ما بين ضدين من وصل
ومن لم يكن يستنشق الريح لم يكن ... يرى الفضل للمسك الفتيق على الزبل
أبو العشائر ابن التلولي محمد بن علي بن محمد ابن التلولي اللبان أبو العشائر من أهل قطفتا
حفظ القرآن وقرأ بالروايات وتمهذب لابن حنبل وسمع الحديث من جماعة وقرأ الأدب على العشاب وصحب ابن العطار صاحب المخزن
توفي في محبس ابن عباد ناظر واسط سنة إحدى عشرة وست مائة
أبو منصور القزويني المقرئ محمد بن علي بن منصور بن عبد الملك ابن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الفراء القزويني أبو منصور ابن أبي الحسن
قرأ القرآن بالروايات على أبي بكر محمد بن علي بن موسى الخياط وغيره وسمع الحديث من أبيه ومن أبي طالب محمد بن غيلان وأبي إسحق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي وأبي محمد الحسن الجوهري وأبي الطيب طاهر الطبري وأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي وغيرهم وروى عنه أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي وأبو بكر المبارك بن كامل الخفاف قال ابن النجار : وشيخنا يحيى بن بوش . وتوفي سنة ست عشرة وخمس مائة
ابو الحسن الدقيقي محمد بن علي ابو الحسن الدقيقي أخذ عن علي ابن عيسى الرماني وغيره مولده سنة أربع وثمانين وثلاث مائة وله من الكتب المرشد في النحو المسموع من كلام العرب في الغريب
العمراني المكي محمد بن علي بن أحمد بن هرون العمراني المكي أبو علي الأديب
توفي سنة نيف وعشرين وخمس مائة قاله أبو محمد محمود بن أرسلان في تاريخ خوارزم وقال : هو شيخ لطيف العبارة خفيف الحركة حاضر الجواب أخذ الأدب عن سليمان بن محمد الدادي
قال : وسمعت ابنة حجة الإسلام ابا الحسين علي بن محمد يقول : هجا شبل الدولة ابو مقاتل عطية البكري والدي فقال :
رأيت الفتى المكي أسود حالكاً ... طويلاً نحيفاً يابس الكف والبدن
فشبهته والثوب يغشاه أبيضاً ... بمحراك تنورٍ تلطخ باللبن
فأجابه والدي :
أيا شبل لا تهج السواد فإنني ... رأيت سواد العين أكرم في البدن
ولا تهجوني بالنحول فإنني ... كبازٍ وإن الدب يوصف بالسمن
ابن الجبان اللغوي محمد بن علي بن عمر بن الجبان ابو منصور اللغوي من أهل الري
سكن بأصبهان وكان إماماً في اللغة وله مصنفات حسنة في الأدب وهو من أصحاب أبي علي يالفارسي النحوي قدم بغداد سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة وروى بها كتاب انتهاز الفرص في تبيين المقلوب من كلام العرب من تصنيفه قرأه عليه عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي ورواه عنه وقرئ عليه مسند الروياني وتكلموا فيه من قبل مذهبه كذا قاله ابن النجار قلت : لعله كان معتزلياً
قال ياقوت : له كتاب أبنية الأفعال وكتاب الشامل في اللغة كبير كتاب شرح الفصيح حسن
وكان ينخرط في سلك ندماء الصاحب ابن عباد ثم استوحش من خدمته وتمادت به أحوال شتى حتى علق غلاماً من الديلم يقال له البركاني واتفق للغلام أنه أحرم بالحج ولم يجد هو بداً من موافقته ومرافقته حتى بلغا الميقات فلما أخذ في التلبية قال : لبيك اللهم لبيك والبركاني ساقني إليك وكان يواصل إنشاد هذين البيتين :
مليح الدلّ والغنج ... لك سلطانٌ على المهج

(1/512)


إن بيتاً أنت ساكنه ... غير محتاج إلى سرج
ثم ابتلي بفراقه فقال :
يا وحشتي لفراقكم ... أترى يدوم علي هذا
الموت والأجل المتا ... ح وكل معضلةٍ ولا ذا
الدوري الواعظ محمد بن علي بن نصر بن البل الدوري ابو المظفر الواعظ
ولد بالدور من نواحي دجيل ودخل بغداد في صباه واستوطنها وسمع الحديث الكثير وقرأ الفقه والأدب وسلك طريق الوعظ وحفظ المجالس وتكلم على رؤوس الناس ولم يزل إلى أن علت سنه وتعصب له الناس وصار يتكلم في التعازي المتعلقة بدار الخلافة والأكابر وأذن له في الجلوس بباب التربة الجهنية عند قبر معروف كل سبت
وكانت بينه وبين أبي الفرج ابن الجوزي منافرات ومناقرات
ولم يزل كذلك إلى أن جرت لولده مخاصمة مع غلمان أم الناصر فمنع من الجلوس وأمر بلزوم بيته . . ولم يزل كذلك حتى مات سنة إحدى عشرة وست مائة ومولده سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة
وأورد له ابن النجار :
يتوب على يدي قومٌ عصاة ... أخافتهم من الباري ذنوب
وقلبي مظلم من طول ما قد ... جنى فأنا على يد من أتوب ؟
كأني شمعةٌ ما بين قومٍ ... تضيء لهم ويحرقها اللهيب
كأني مخيط يكسو أناساً ... وجسمي من ملابسهم سليب
مهذب الدين ابن الخيمي محمد بن علي بن علي بن علي - ثلاثة - ابن المفضل بن القامغار - بالقاف وبعد الألف ميم بعدها غين معجمة بعدها ألف بعدها راء - الأديب الكامل مهذب الدين ابن الخيمي الحلي العراقي الشاعر شيخ معمر فاضل
قال ابن النجار : كتبت عنه بالقاهرة وله مصنفات كثيرة سمع وروى وتوفي سنة اثنتين وأربعين وست مائة
من شعره :
أأصنام هذا الجيل طراً أكلكم ... يعوق أما فيكم يغوث ولا ود
لقد طال تردادي إليكم فلم أجد ... سوى رب شأن في الغنى شأنه الرد
ودعوى كرامٍ يستحيل قبولها ... ويقبل إذ حد الحسام لها حد
ومنه :
جننت فعوذني بكتبك أن لي ... شياطين شوقٍ لا تفارق مضجعي
إذا استرقت أسرار وجدي تمرداً ... بعثت عليها في الدجى شهب أدمعي
ومنه :
قالت وقد رأت المشيب : تجاف عن ... مسي بشيبك فالمشيب أخو البرص
إني لأكرهه إذا عاينته ... يقظى وألقى دون رؤيته الغصص
وأظنه كفني وقطن لفائفي ... حملته غاسلتي وجاءت في قفص
ومن تصانيفه : كتاب حرف في علم القرآن أمثال القرآن كتاب الكلاب استواء الحاكم والقاضي رد على الوزير المغربي المقايسة لزوم الخمس الملخص الديواني في الأدب والحساب المقصورة المطاول في الرد على المعري في مواضع سها فيها ستة اسطرلاب الشعر شرح التحيات الأربعين والأساميات الديوان المعمور في مدح الصاحب الجمع بين الأخوات والمحافظة عليهن وهن مسيئات صفات القبلة مجملة مفصلة رسالة من أهل الإخلاص والمودة إلى الناكثين من أهل الغدر والردة
ولد في الثامن والعشرين من شوال سنة تسع وأربعين وخمس مائة بالحلة المزيدية وتوفي يوم الأربعاء العشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وست مائة بالقاهرة ودفن من الغد بالقرافة الصغرى
قال ابن خلكان : وحضرت الصلاة عليه وكان إماماً في اللغة وراوية للشعر والأدب وكان اجتماعنا بالقاهرة في مجالس عديدة وأنشدني كثيراً من شعره وشعر غيره انتهى
قلت : ومن شعره الأبيات المشهورة وهو ما كتبه لولده وقد عصر :
عصروك أمثال اللصو ... ص ومكنوا منك الإهانه
فإذا رجعت فخنهم ... إن السلامة في الخيانه
وافعل كفعل بني سنا ... ء الملك في مال الخزانه
يقال أن هذه الأبيات لما شاعت أمسك بنو سناء الملك وصودروا بسبب هذه الأبيات
وقال قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان رحمه الله تعالى : أنشدني مهذب الدين ابو طالب ابن الخيمي وأخبرني أنه كان بدمشق وقد رسم السلطان بحلق لحية شخص له وجاهة بين الناس فحلق بعضها وحصلت فيه شفاعة فعفي عنه في الباقي فعمل فيه ولم يصرح باسمه بل رمزه وستره وهو :
زرت ابن آدم لما قيل قد حلقوا ... جميع لحيته من بعد ما ضربا

(1/513)


فلم أر النصف محلوقاً فعدت له ... مهنئاً بالذي منها له وهبا
فقام ينشدني والدمع يخنقه ... بيتين ما نظما ميناً ولا كذبا
" إذا أتتك لحلق الذقن طائفةٌ ... فاخلع ثيابك منها ممعناً هربا
وإن أتوك وقالوا أنها نصف ... فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا
ابن الشيخ علي الحريري محمد بن علي هو ابن الشيخ علي الحريري رجل صالح دين خير ومن محاسنه أنه كان ينكر على أصحاب والده ويأمرهم باتباع الشريعة ولما مات أبوه طلبوا منه الجلوس في المشيخة فشرط عليهم شروطاً لم يقدر أصحابه على اشتراطها فتركهم وانعزل عنهم
وتوفي بدمشق في سنة إحدى وخمسين وست مائة ودفن عند الشيخ رسلان عاش سبعاً وأربعين سنة
أبو الفتح الأنصاري المقرئ محمد بن علي بن موسى شمس الدين ابو الفتح الأنصاري لم يشتهر إلا بكنيته
كان فاضلاً عارفاً بالقرآن تفرد بذلك في وقته وكان يقرئ بتربة أم الصالح بدمشق
توفي سابع عشر صفر سنة سبع وخمسين وست مائة وانتفع الناس به
نجيب الدين السمرقندي الطبيب محمد بن علي بن عمر السمرقندي نجيب الدين
قال ابن أبي أصيبعة : طبيب فاضل بارع له كتب جليلة وتصانيف مشهورة قتل مع جملة من الناس الذين قتلوا بهراة لما دخلها التتار وكان معاصراً لفخر الدين الرازي ولنجيب الدين السمرقندي من الكتب كتاب أغذية المرضى قسمه على حسب ما يحتاج إليه في التغذية لكل واحد من سائر الأمراض كتاب الأسباب والعلامات جمع لنفسه ونقله من القانون لأبي علي ابن سينا ومن المعالجات البقراطية وكامل الصناعة كتاب الأقراباذين الكبير وكتاب الأقراباذين الصغير انتهى كلامه ولم يذكر وفاته
الحاكمي الخوارزمي محمد بن علي بن أحمد الحاكمي الخوارزمي ابو عبد الله
مات في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة فقيه خطيب واعظ شاعر كاتب أديب أريب صنف كتاب فتح منقشلاغ ومدح فيه الملك المظفر أتسز خوارزمشاه ووصف أخلاقه ومحاسنه
ومن شعره :
أيحسب الناس أن المجد مجان ... وهل يملك بالمجان مرجان
ما أعوز المجد مجاناً بلا ثمنٍ ... المجد علقٌ وللأعلاق أثمان
المجد أبعد شأواً أن يفوز به ... بغير وكدٍ وكد النفس إنسان
بأين عدوك تسلم من غوائله ... بالبعد لا تحرق الأشياء نيران
ولا يغرنك إطراقٌ يريك به ... تناوماً فضجيج الحقد يقظان
ولا تفه بكلام لست تأمنه ... فربما كان للحيطان آذان
واجز الكريم إذا أسدى إليك يداً ... وإن الجزاء على الإحسان إحسان
الصاحب فخر الدين ابن حنا محمد بن علي بن محمد بن سليم المصري الشافعي هو الوزير فخر الدين ابو عبد الله ابن الصاحب بهاء الدين ابن القاضي السديد ابن حنا
سمع من أبي الحسن ابن المقير وحدث ودرس بمدرسة والده وعمر رباطاً كبيراً بالقرافة ووقف عليه ما لم يقم بالفقراء وكان ديناً فاضلاً محباً للخير وهو والد الصاحب تاج الدين وقد مر ذكره وشيعه خلق كثير روى عنه الدمياطي وكانت وفاته سنة ثمان وست مائة
وله نظم من خط شمس الدين الجزري : ومن نظم الصاحب فخر الدين ما أنشدنا شيخنا شرف الدين الدمياطي قال : أنشدنا المذكور لنفسه :
من يسمع العذل في من وجهها قمرٌ ... فذاك عندي ممن لبه فقدا
لو شاهدت عذلي ما تحت برقعها ... من الجمال لماتوا كلهم شهدا
روحي الفداء لمن عشاقها قتلت ... فكم أسيرٍ لها ما يفتدى أبدا
من علم الغصن لولا قدها ميساً ... وعلم الظبي لولا جيدها غيدا
وأنشدنا له :
أنا مرسلٌ للعاشقين جميعهم ... من مات منهم وافياً من أمتي
فله الشهادة كلها ولي الهنا ... إذ كان ممن قد غدا في زمرتي
قلت : ولما مات رثاه البوصيري قيل أنه كتبها على قبره هي :
نم هنيئاً محمد بن عليٍ ... لجميلٍ قدمت بين يديكا
كنت عوناً لنا على الدهر حتى ... حسدتنا يد المنون عليكا
أنت أحسنت في الحياة إلينا ... أحسن الله في الممات إليكا

(1/514)


وقال أبو الحسين الجزار يعزي الصاحب بهاء الدين فيه لما مات :
بكت الصحابة عند فقد محمدٍ ... أسفاً فكان أشدهم حزناً علي
ولحسرة المتألمين حقيقةً ... في الرزء غير تجمل المتجمل
ابن المصري تاج الدين محمد بن علي بن يوسف بن شاهنشاه تاج الدين ابن المصري
كان فاضلاً صنف تاريخاً للقضاة وتوفي بمصر في المحرم سنة سبع وسبعين وست مائة ودفن بسفح المقطم
وجيه الدين ابن سويد محمد بن علي بن أبي طالب بن سويد الرئيس وجيه الدين التكريتي التاجر
كان نافذ الكلمة وافر الحرمة كثير الأموال والتجارات واسع الجاه كان من خواص الملك الناصر يده مبسوطة في دولته لما توجه في الجفل إلى مصر من التتار غرم ألف ألف درهم ولما تملك الملك الظاهر قربه وأدناه وأوصى إليه وجعله ناظر أوقافه لا يتعرض أحد إلى متاجره وكتبه عند الملوك حتى ملوك الفرنج نافذة وكل من ينسب إليه مرعي الجانب ولما مات ولده التاج محمد سنة ست وخمسين مشى الملك الناصر في جنازته ثم ركب إلى الجبل
وحج ولده نصير الدين عبد الله عام حج الملك الظاهر فحضر عنده يوم عرفة مسلماً فحين وطئ البساط قال له السلطان وبالغ في إكرامه وسأله عن حوائجه فقال له : يكون معنا أمير يعينه السلطان فقال : من اخترت أرسلته في خدمتك فطلب منه جمال الدين ابن نهار فقال له : هذا المولى نصير الدين قد اختارك على جميع من معي فتخدمه مثلما تخدمني وتروح معه إلى الشام
وكان وجيه الدين فيه بر ومكارم ورقة حاشية ولد سنة تسع وست مائة وتوفي سنة سبعين وست مائة ودفن بتربته بقاسيون
وسمع من المؤتمن ابن قميرة ولم يرو بل روى عنه الدمياطي . من شعره في مليح عروس كردي :
لما جلوا ذا الصبي كالبدر في هالو ... سبى المواشط وقالوا فيه ما قالوا
صبي وكردي وكرديه من أشكالوا ... لولا نبات عذارو لالتبس حالو
وكان أقارب ذلك الصبي أمراء القميرية وكان ابن سويد قد أنشد البيتين للملك الناصر وكان إذا حضروا يقول له على سبيل البسط : يا وجيه لولا يوهمه أنه ينشد البيتين فيضع الوجيه إصبعه على فمه يعني اسكت عني خوفاً من الأكراد
أمين الدين المحلي النحوي محمد بن علي بن موسى بن عبد الرحمن الشيخ أمين الدين ابو بكر الأنصاري المحلي النحوي أحد أئمة العربية بالقاهرة
تصدر لإقراء النحو وانتفع به الناس له تصانيف حسنة منها أرجوزة في العروض وغير ذلك وله شعر حسن
توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وست مائة عن ثلاث وسبعين سنة . ومن نظمه ما كتبه في مرضه لبعض الأكابر :
يا ذا الذي عم الورى نفعه ... ومن له الإحسان والفضل
العبد في منزله مدنفاً ... وقد جفاه الصحب والأهل
فروجه البقل ويا ويح من ... فروجه في المرض البقل
ومن نظمه أيضاً ما كتبه إلى مريض :
إن جئت نلت ببابك التشريفا ... وإن انقطعت فأوثر التخفيفا
ووحق حبي فيك قدماً أننيعوفيتأكره أن أراك ضعيفا
ومن نظمه ما أنشدنيه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي قال : أنشدني الشيخ تقي الدين محمد بن عبد الخالق الصائغ المقرئ قال : أنشدني لنفسه أمين الدين المحلي :
عليك بأرباب الصدور فإن من ... يجالس أرباب الصدور تصدرا
وإياك أن ترضى صحابة ساقطٍ ... فتنحط قدراً من علاك وتحقرا
فرفع ابو من ثم خفض مزملٍ ... يحقق قولي مغرياً ومحذرا
ابن ميسر المصري محمد بن علي بن يوسف بن ميسر تاج الدين ابو عبد الله المصري المؤرخ
صنف تاريخ القضاة وله تاريخ كبير ذيل به على تاريخ المسبحي . توفي سنة سبع وسبعين وست مائة
المحدث جمال الدين ابن الصابوني محمد بن علي بن محمود بن أحمد الحافظ المحدث ابو حامد ابن الشيخ علم الدين ابن الصابوني المحمودي شيخ دار الحديث النورية
ولد سنة اربع وست مائة وتوفي سنة ثمانين وست مائة سمع من الحرستاني وابن ملاعب وابن البناء وأبي القاسم العطار وابن أبي لقمة وعني بالحديث وكتب وقرأ وصار له فهم ومعرفة وسمع من ابن البن وابن صصرى وهذه الطبقة بدمشق

(1/515)


وكان صحيح النقل مليح الخط حسن الأخلاق صنف مجلداً سماه تكملة إكمال الإكمال ذيل به على إكمال ابن نقطة فأجاد وأفاد
وهو من رفاق ابن الحاجب والسيف بن المجد وابن الدخميسي وابن الجوهري وطال عمره وعلت روايته وروى الكثير بمصر ودمشق روى عنه الدمياطي وابن العطار والدواداري والبرزالي والبرهان الذهبي وابن رافع جمال الدين وقاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى وكان له إجازة من المؤيد الطوسي وابن طبرزد وحصل له تغير قبل موته بسنة أو أكثر واعتراه غفلة وساء حفظه وأجاز للشيخ شمس الدين مروياته ودفن بسفح قاسيون
شمس الدين المزي العابر محمد بن علي بن علوان الشيخ شمس الدين المزي مفسر الرؤيا كان ضريراً كثير التلاوة وكان إليه المنتهى في تعبير الرؤيا يضرب به المثل في وقته
توفي سنة ثمانين وست مائة
صدر الدين ابن القباقبي محمد بن علي الأنصاري الصدر شمس الدين ابن القباقبي
كان من شيوخ الكتاب وهو والد مجد الدين يوسف أظنه كتب الدرج بصفد والله أعلم . توفي سنة اثنتين وثمانين وست مائة
ابن شداد الحلبي الكاتب محمد بن علي بن إبراهيم بن علي بن شداد الصدر المنشئ عز الدين ابو عبد الله الأنصاري الحلبي الكاتب
ولد سنة ثلاث عشرة وكان أديباً فاضلاً وصنف تاريخاً لحلب وسيره إلى الملك الظاهر وكان من خواص الناصر ذهب في الرسلية إلى هولاكو وإلى غيره وسكن الديار المصرية بعد أخذ حلب وكان ذا مكانة عند الظاهر والمنصور وله توصل ومداخلة وفيه مروءة ومسارعة لقضاء الحوائج وروى شيئاً وسمع منه المصريون
وتوفي سنة اربع وثمانين وست مائة
صلاح الدين مدرس القيمرية محمد بن علي بن محمود صلاح الدين أبو عبد الله الشهرزوري الشافعي مدرس القيمرية بدمشق وناظرها الشرعي
كان شاباً نبيهاً حسن الشكل كريم الأخلاق لين الكلام ولي تدريسها بعد والده القاضي شمس الدين علي
توفي سنة إحدى وثمانين وست مائة ودفن إلى جانب والده بتربة الشيخ تقي الدين ابن الضلاح ولم يكمل له أربعون سنة
رضي الدين الشاطبي اللغوي محمد بن علي بن يوسف بن محمد بن يوسف العلامة رضي الدين ابو عبد الله الأنصاري الشاطبي اللغوي
ولد ببلنسية سنة إحدى وست مائة وروى عن ابن المقير وابن الجميزي وكان عالي الإسناد في القرآن لأنه قرأ لورش على المعمر محمد بن أحمد بن مسعود الشاطبي الأزدي صاحب ابن هذيل
وكان رضي الدين إمام عصره في اللغة تصدر بالقاهرة وأخذ الناس عنه روى عنه الشيخ أثير الدين ابو حيان وسعد الدين الحارثي وجمال الدين المزي وابن منير والظاهري ابو عمرو
توفي سنة اربع وثمانين وست مائة . وكان يجتمع بالصاحب زين الدين ابن الزبير ويجتمع بالصاحب المذكور جماعة الشعراء من عصره مثل أبي الحسين والوراق وابن النقيب وتلك الحلبة
أخبرني الشيخ أثير الدين من لفظه قال : فكان الصاحب يرجحه عليهم ويرفعه فوقهم في المجلس ويقول : أنت عالم وهؤلاء شعراء انتهى
ولما مات الشيخ رضي الدين رثاه السراج الوراق بقصيدة أولها :
سقى أرضاً بها قبر الرضي ... حيا الوسمي يردف بالولي
منها :
فقد ترك الغريب غريب دارٍ ... وأذكره بفقد الأضمعي
وأحكم محكمٌ بلجام حزنٍ ... لفقد الفارس البطل الكمي
ولما اعتل قالوا اعتل أيضاً ... لشكواه صحاح الجوهري
وجازى كل عينٍ قد بكته ... كتاب العين بالدمع الروي
لشيخ السبع أبين ما رواه ... وصال كصولة السبع الجري
فحزن الشاطبية ليس يخفى ... من العنوان عن فهم الغبي
وفي علم الحديث له اجتهادٌ ... به يتلو اجتهاد البيهقي
وفي الأنساب لا يخفى عليه ... دعاوي من صحيح أو دعي
لو أدرك عصره الكلبي ولى ... وهرول خوف ليثٍ هبرزي
وكان الشاطبي أزرق العينين فقال ناصر الدين ابن النقيب فيه :
يقولون قد حرف الشاطبي ... فقلت وتصحيفه أكتر
ومن لم يقيد رواياته ... بخط الشيوخ فما يذكر
ومن أخذ العلم عن نفسه ... فإن سواه به أخبر
وقالوا دعاويه لا تنقضي ... وجد مساويه لا يحصر

(1/516)


فقلت اصفعوا الأزرق المدعي ... ولو أنه خلف الأحمر
ابن العابد الكاتب محمد بن علي بن العابد الكاتب قال الشيخ أثير الدين مشافهة : هذا من غرناطة وهو والد الكاتب أبي القاسم ابن العابد
له يلغز في ساحر من إنشاد أثير الدين :
ما اسمٌ لحسناء تسمت به ... مما بعينيها لقتل العباد
ونصفه الثاني مرادي الذي ... أختاره منها ونعم المراد
الرندي محمد بن علي الرندي بالراء المضمومة والنون
أخبرني الشيخ أثير الدين من لفظه قال : قدم علينا القاهرة ومدح بها بعض قضاتها وتشفع عنده ببعض اصحابه وكان قد نظم فيه أشعاراً وموشحات فردها عليه وكتب له بعد الشفاعة بأرطال من الخبز قليلة في ورقة فلم يقبلها وكان قد شكا إليه عائلة كبيرة فقال : إذا كان هذا رئيسهم ففارق القاهرة ولا أدري أين ذهب
وأنشدني أثير الدين للمذكور :
شكري لعليائكم كالروض للسحب ... وقد غذتها بدر غيث منسكب
إذ لحت في آل شكرٍ بدر هالتها ... تمد بحر الندى بالعلم والأدب
ببيت عزٍ شهيرٍ لا يلم به ... خرمٌ ولا وتدٌ ينفك عن سبب
مديد سبقٍ طويلٍ في دوائره ... وكاملٍ وافرٍس يغني عن الخبب
قلت : شعر منحط
ابن الملاق الحنفي محمد بن علي بن محمد بن الملاق - بالتخفيف في اللام - القاضي بدر الدين الرقي الفقيه الحنفي
سمع من بكبرس الخليفتي " الأربعين الودعانية " وسمع منه الدواداري وأجاز للدماشقة
مولده سنة تسع عشرة توفي سنة سبع وتسعين وست مائة
نائب الدواداري في الشد محمد بن علي الأمير شهاب الدين العقيلي نائب الدواداري في شد الشام
قتل في أواخر سنة سبع وتسعين وست مائة وكان قد شاخ وأسن وسمر قاتله
المسند شمس الدين ابن الواسطي محمد بن علي بن أحمد بن فضل المسند المبارك شمس الدين ابو عبد الله أخو الإمام القدوة تقي الدين ابن الواسطي
ولد سنة خمس عشرة وست مائة تقريباً وحضر علي الشيخ الموفق وموسى بن عبد القادر وابن راجح وسمع من ابن أبي لقمة والقزويني وابن البن وابن صصرى والبهاء وابن صباح والكاشغري وابن غسان والزبيدي وعمر بن شافع وطائفة خرج له الشيخ شمس الدين عوالي في جزء ضخم وخرج له النابلسي مشيخة في جزئين وسمع منه المزي والبرزالي وابن سيد الناس والمقاتلي وابن المهندس ونجم الدين القحفازي وشمس الدين ابن المهيني . وتوفي سنة سبع مائة
الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد محمد بن علي بن وهب بن مطيع الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد القشيري المنفلوطي المصري المالكي الشافعي أحد الأعلام وقاضي القضاة
ولد سنة خمس وعشرين بناحية ينبع وتوفي يوم الجمعة حادي عشر صفر سنة اثنتين وسبع مائة
سمع من ابن المقير وابن الجميزي وابن رواج والسبط وعدة وسمع من ابن عبد الدائم والزين خالد بدمشق وخرج لنفسه أربعين تساعية ولم يحدث عن ابن المقير وابن رواج لأنه داخله شك في كيفية التحمل عنهما
وله التصانيف البديعة كالإلمام والإمام شرحه ولم يكمل ولو كمل لم يكن للإسلام مثله وكان يجيء في خمسة وعشرين مجلداً وله علوم الحديث والذي أملاه على ابن الثير في شرح عمدة الأحكام فاضل العصر الذي يعرفه وهو إملاء وشرح مقدمة المطرز في أصول الفقه وألف الأربعين في الرواية عن رب العالمين وشرح بعض مختصر ابن الحاجب وكان إماماً متفنناً محدثاً مجوداً فقيهاً مدققاً أصولياً أديباً نحوياً شاعراً ناثراً ذكياً غواصاً على المعاني مجتهداً وافر العقل كثير السكينة بخيلاً بالكلام تام الورع شديد التدين مديم السهر مكباً على المطالعة والجمع قل أن ترى العيون مثله وكان سمحاً جواداً عديم الدعاوي له اليد الطولى في الفروع والأصول وبصر بعلل المنقول والمعقول قد قهره الوسواس في أمر المياه والنجاسات وله في ذلك حكايات ووقائع عجيبة وكان كثير التسري والتمتع وله عدة أولاد ذكور بأسماء الصحابة العشرة
تفقه بأبيه وبالشيخ عز الدين ابن عبد السلام وبطائفة واشتهر اسمه في حياته وحياة مشايخه وتخرج به أئمة

(1/517)


وكان لا يسلك المراء في بحثه بل يتكلم بسكينة كلمات يسيرة فلا يراد ولا يراجع وكان عارفاً بمذهبي مالك والشافعي كان مالكياً أولاً ثم صار شافعياً قال : وافق اجتهادي اجتهاد الشافعي إلا في مسألتين أحديهما أن الابن لا يزوج أمه والأخرى... وحسبك بمن يتنزل ذهنه على ذهن الشافعي
وكان لا ينام الليل إلا قليلاً يقطعه بمطالعة وذكر وتهجد أوقاته كلها معمورة
ولما طلع إلى السلطان حسام الدين لاجين قام له وخطا عن مرتبته وعزل نفسه عن القضاء مرات ثم يسأل ويعاد إليه وكان شفوقاً على المشتغلين كثير البر لهم
وقال قطب الدين : أتيته بجزء سمعه من ابن رواج والطبقة بخطه فقال : حتى أنظر ثم عاد إليه فقال : هو خطي ولكن ما أحقق سماعي له ولا أذكره
وحكى قطب الدين السنباطي قال : قال الشيخ تقي الدين لكاتب الشمال سنين لم يكتب علي شيئاً قلت : أخبرني ذلك الإمام العلامة قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن السبكي قال : حكى لي ذلك السنباطي فاجتمعت به وقلت له : قال فلان عن فلان عن مولانا كذا وكذا ؟ فقال : أظن ذلك أو كذلك يكون المسلم أو كما قال
روى عنه الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس وقطب الدين ابن منير وقاضي القضاة علاء الدين القونوي وقاضي القضاة علم الدين الإخنائي وآخرون وحدث للشيخ شمس الدين إملاء
وشعره في غاية الحسن في الانسجام والعذوبة وصحة المقاصد وغوص المعاني وجزالة الألفاظ ولطف التركيب
أخبرني الشيخ الإمام شهاب الدين أبو الثناء محمود فقال : ما رأيت في أهل الأدب مثله وناهيك بمن يقول شهاب الدين محمود في حقه هذا
وقال لي الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس وكان به خصيصاً : كان الشيخ تقي الدين ممتعاً إذا فتح له باب انقضت تلك الليلة في تلك المادة حتى في شعر المتأخرين والعصريين انتهى
قلت : :
فهو الذي بجح الزمان بذكره ... وتزينت بحديثه الأخبار
قال القاضي شهاب الدين محمود : قال لي الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد يوماً قول أبي الطيب :
لو كان صادف رأس عازر سيفه ... في يوم معركةٍ لأعيى عيسى
في هذا شيء غير إساءة الأدب . فأفكرت ساعة ثم قلت : نعم كون الموت ما يتفاوت إن كان بالسيف أو غيره فالإحياء من الموت سبيل واحدة . فقال : أحسنت يا فقيه أو كما قال وهذه المؤاخذة لا تصدر إلا من أديب كبير كالجاحظ أو غيره
وأما ما كان يقع من الشيخ أثير الدين في حقه فله سبب أخبرني به الشيخ فتح الدين قال : كان الشيخ تقي الدين قد نزل عن تدريس مدرسة لولده - نسيت أنا المدرسة واسم ابنه - فلما حضر الشيخ أثير الدين درس قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز قرأ آية يفسرها درس ذلك اليوم وهي قوله تعالى " قد خسر الذين قتلوا أولادهم " فبرز أبو حيان من الحلقة وقال : يا مولانا قاضي القضاة قدموا أولادهم قدموا أولادهم يكرر ذلك فقال قاضي القضاة : ما معنى هذا ؟ قال : ابن دقيق العيد نزل لولده فلان عن تدريس المدرسة الفلانية فنقل المجلس إلى الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد فقال : أما أبو حيان ففيه دعابة أهل الأندلس ومجونهم وأما أنت يا قاضي القضاة فيبدل القرآن في حضرتك وما تنكر هذا الأمر فما كان إلا عن قليل حتى عزل ابن بنت الأعز من القضاء بابن دقيق العيد فكان إذا خلا شيء من الوظائف التي تليق بالشيخ أثير الدين ابي حيان يقول الناس : هذه لأبي حيان يخرجها الشيخ تقي الدين لغيره فهذا هو السبب الموجب لحط أبي حيان وشناعه عليه وأهل العصر لا يرجع إلى جرحهم بعضهم بعضاً لمثل هذه الواقعة وأمثالها
إن العرانين تلقاها محسدةً ... ولا ترى للئام الناس حسادا

(1/518)


وما خلص ابن بنت الأعز من ضرب العنق إلا ابن دقيق العيد لأن الوزير شمس الدين ابن السلعوس لما عمل على ابن بنت الأعز وعزله وسعى في عمل محاضر بكفره وأخذ خط الجماعة على المحاضر ولم يبق إلا خط ابن دقيق العيد أرسل إليه المحاضر مع نقباء وقال : يا مولانا الساعة تضع خطك على هذه المحاضر فأخذها وشرع يتأملها واحداً بعد واحد والنقباء يتواتر ورودهم بالحث والطلب والإزعاج وأن الوزير في انتظار ذلك والسلطان قد حث في الطلب وهو لا ينزعج وكلما فرغ محضراً دفعه إلى الآخر فقال : ما أكتب فيها شيئاً قال الشيخ فتح الدين : فقلت له : يا سيدي لأجل السلطان والوزير فقال : أنا ما أدخل في إراقة دم مسلم قال : فقلت له : كنت تكتب خطك بذلك وبما يخلص فيه فقال : يا فقيه ما عقلي عقلك هم ما يدخلون إلى السلطان ويقولون قد كتب فلان بما يخالف خطوط الباقين وإنما يقولون قد كتب الجماعة وهذا خط ابن دقيق العيد فأكون أنا السبب الأفوى في قتله قال : فأبطل إبطاله وأطفأ من شواظ نارهم
وما أراه إلا أنه ممن بعثه الله تعالى على رأس كل مائة ليجدد لهذه الأمة دينهم فإن الله بعث على رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز وعلى رأس الثانية الشافعي وعلى رأس المائة الثالثة ابن سريج وعلى راس المائة الرابعة أبا حامد الإسفراييني وعلى رأس المائة الخامسة ابا حامد الغزالي وعلى رأس المائة السادسة الإمام فخر الدين الرازي وعلى رأس المائة السابعة الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد : وأخبرني فتح الدين أنه ما كان يعجبه قول من يقول " قاضي القضاة الشافعي " فإذا قلنا " قاضي القضاة الشافعية " قال : إنه هذا
وكتب الشيخ تقي الدين إلى قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن الخليل الخويي شافعاً ومتشوقاً : يخدم المجلس لا زال حافظاً لأحكام الجود محفوظاً بضمان الله في ضمن السعود محروس العزم من دواعي الهوى والعز من دواعي الحسود مقابل وجه الرأي بمرآة الحق مولي جناب الباطل جانب الصدود ولا برح يمطر على العفاة سحائب كرمه ويروي الرواة من بحار علوم بمد من قلمه ويجلو ابكار الأفكار مقلدة بما نظم السحر من حلي كلمه ويبرز خفيات المعاني منقادة بأيد ذهنه وأيدي حكمه ويسمو إلى غايات المعالي حتى يقال اين سمو النجم من هممه ويسبغ من جمال فضله وجميله ما يبصره الجاهل على عماه ويسمعه الحاسد على صممه وينهى من ولائه ما يشهد به ضميره الكريم ومن ثنائه ما هو أطيب من ودائع الروض في طي النسيم ومن دعائه ما يقوم منه بوظيفة لا تهمل وبشيعه برجاء يطمع معه بكرم الله أن يقبل ويقبل ويجري منه على عادة إذا انقضى منها ماض تبعه الفعل في الحال والعزم في المستقبل غير خاف أنه لكل أجل كتاب ولكل مقصود أسباب ولم يزل يهم بالكتابة والأيام تدافع ويعزم على المخاطبة فتدفع في صدر عزمه الموانع حتى طلع الوقت فجر حظه واستناب منافثة قلمه عن مشافهة لفظه وقال لخدمته هذه ردي مورداً غير آسن وتهنى محاسن لا تشبهها المحاسن وتوطني المحلة المسعودة فكما يسعد الناس كذلك تسعد الأماكن
وشاهدي من ذلك السيد صدراً بشره بالنجح ضامن وشهاباً ما زلنا نعد السيارة سبعاً حتى عززت لنا منه بثامن وكان السبب في ذلك أن القاضي نجم الدين بمحلة منف لما قدم القاهرة أقام بحيث تقيم وحاضرنا محاضرة الرجل الكريم ونافث منافثة لا لغو فيها ولا تأثيم ولازم الدروس ملازمة لولا أنها محبوبة لقلنا ملازمة غريم وتلك حقوق له مرعية ومعرفة أنسابها مراضعة العلوم الشرعية وقصد هذه الخدمة إلى المجلس فكان ذلك من واجب حقه وذكر ثناء عليه فقلنا رأيت الحق لمستحقه وسيدنا حرسه الله تعالى أهل لتقليد المنن ومحل لأن يظن به كل حسن والعلم بمروءته لا يقبل تشكيك المشكك وابوته تقتضي أن يرتقي من بعروة وده يستمسك والله تعالى يرفع شأنه ويعلى برهانه ويكتب له يوم إحسانه إحسانه ويطوي على المعارف اليقينية جنانه ويطلق بكل صالحة يده ولسانه بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى
قلت : ما أعرف بعد القاضي افاضل من كتب الإنشاء مثل ا لقاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر وما له مثل هذه المكاتبة علم ذلك من علمه أو جهله من جهله
أنشدني من لفظه الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس قال : أنشدني شيخنا تقي الدين ابن دقي قالعيد لنفسه :
الحمد لله كم أسعى بعزمي في ... نيل العلى وقضاء الله ينكسه

(1/519)


كأنني البدر أبغي الشرق والفلك ال ... أعلى يعارض مسعاه فيعكسه
قلت : هو مثل قول الأرجاني :
سعيي إليكم في الحقيقة والذي ... تجدون عنكم فهو سعي الدهر بي
أنحوكم ويرد وجهي القهقرى ... دهري فسيري مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى له ... والسير رأي العين نحو المغرب
وأنشدني بالسند المذكور له أيضاً :
أأحباب قلبي والذين بذكرهم ... وترداده طول الزمان تعلقي
لئن غاب عن عيني بديع جمالكم ... وجار على الأبدان حكم التفرق
فما ضرنا بعد المسافة بيننا ... سرائرنا تسري إليكم فنلتقي
وبالسند المذكور له أيضاً :
قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثل ما يرتضي
فقلت لما لم يكن ذا تقىً ... تعارض المانع والمقتضي
وبالسند المذكور إجازة له يمدح رسول الله صلى الله عليه و سلم :
يا سائراً نحو الحجاز مشمراً ... اجهد فديتك في المسير وفي السرى
وإذا سهرت الليل في طلب العلى ... فحذار ثم حذار من خدع الكرى
فالقصد حيث النور يشرق ساطعاً ... والطرف حيث ترى الثرى متعطرا
قف بالمنازل والمناهل من لدن ... وادي قباء إلى حمى أم القرى
وتوخ آثار النبي فضع بها ... متشرفاً خديك في عفر البرى
وإذا رأيت مهابط الوحي التي ... نشرت على الآفاق نوراً أنورا
فاعلم بأنك ما رأيت شبيهها ... مذ كنت في ماضي الزمان ولا ترى
فتردد المختار بين بعيدها ... وقريبها متبدياً متحضرا
واستودعت من سره ما كاد أن ... يبدي لنا معنى الكمال مصورا
سرٌ فهمنا كنهه لم يشتبه ... فنشك فيه ولم نهم فيفسرا
ولقد أقول إذا الكواكب اشرقت ... وترفعت في منهتى شرف الذرى
لا تفخراً زهرٌ فإن محمداً ... أعلى علىًص منها وأشرف جوهرا
نلنا به ما قد رأينا من على ... مع ما نؤمل في القيامة أن نرى
فسعادة أزلية سبقت وما ... هو ثابتٌ أزلاً فلن يتغيرا
وسيادة بارى الأنام بها ولا ... سيما إذا قدموا عليه المحشرا
ومواهبٌ يأتي لها التأميل مس ... تقصىً فيرجع عندها مستقصرا
ومهابة ملأ القلوب بهاؤها ... واستنزلت كبر الملوك مصغرا
ولربما كفت القتال فلو غدت ... لليث نال بها الفريسة مخدرا
وبديع لطف شمائلٍ من دونها ... ماء الغمامة والنسيم إذا سرى
مع سطوة لله في يوم الوغى ... تعنو لشدة بأسها أسد الشرى
لا ينكر المعروف من أخلاقه ... وإذا استبيح حمى الإله تنكرا
شوقي لقرب جنابه وصحابه ... شوقٌ يجل يسيره أن يذكرا
أفنى كنوز الصبر من إشرافه ... وجرى على الأحشاء منه ما جرى
أن لاح صبحٌ كان وجداً مقلقاً ... أو جن ليلٌ كان هماً مسهرا
أرجو وصال أحبتي فكأنما ... أرجو المحال وجوده المتعذرا
وأسير نحو مقامهم حتى إذا ... شارفت رؤيته رجعت القهقرى
حذفت ممن أثنائها ومن آخرها ابياتاً خوف الإطالة . وبالسند المذكور له إجازة :
تهيم نفسي طرباً كلما ... أستلمح البرق الحجازيا
ويستخف الوجد عقلي وقد ... لبست أثواب الحجى زيا
يا هل أقضى حاجتي من منى ... وأنحر البزل المهاريا
وأرتوي من زمزم فهي لي ... الذ من ريق المهى ريا
وبالسند المذكور له أيضاً :
تمنيت أن الشيب عاجل لمتي ... وقرب مني صباي مزاره
لآخذ من عصر الشباب نشاطه ... وآخذ من عصر المشيب وقاره
وبالسند المذكور له أيضاً :
عطيته إذا أعطى سرورٌ ... فإن سلب الذي أعطى أثابا
فأي النعمتين أعد فضلاً ... وأحمد عند عقباها إيابا

(1/520)


أنعمته التي كانت سروراً ... أم الأخرى التي جلت ثوابا
وبالسند المذكور من أبيات :
لم يبق لي أملٌ سواك فإن يفت ... ودعت أيام الحياة وداعا
لا أستلذ لغير وجهك منظراً ... وسوى حديثك لا اريد سماعا
وأنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن نباتة قال : أنشدني الشيخ تقي الدين لنفسه :
أتعبت نفسك بين ذلة كادحٍ ... طلب الحياة وبين حرص مؤمل
وأضعت نفسك لا خلاعة ماجنٍ ... حصلت فيه ولا وقار مبجل
وتركت حظ النفس في الدنيا وفي ال ... أخرى ورحت عن الجميع بمعزل
وبالسند المذكور له أيضاً :
لعمري لقد قاسيت بالفقر شدةً ... وقعت بها في حيرةٍ وشتات
فإن بحت بالشكوى هتكت مروءتي ... وإن لم ابح بالصبر خفت مماتي
فأعظم به من نازلٍ بملمةٍ ... يزيل حيائي أو يزيل حياتي
وبالسند المذكور له أيضاً دوبيت :
الجسم تذيبه حقوق الخدمه ... والنفس هلاكها علو الهمه
والعمر بذاك ينقضي في تعبٍ ... والراحة ماتت فعليها الرحمه
ومن العجيب أن هذين البيتين الدوبيت حفظهما تاج الدين أحمد أخو الشيخ تقي الدين وكان فارضاً وعاقداً بالحسينية فاتفق أنه قال في وقت الهاجرة بسمجد الجواري بالحسينية فرأى والدهما الشيخ مجد الدين رحمه الله تعالى وهو نائم فسلم عليه وسأله عن حاله فقال : يا سيدي بخير فقال : كيف محمد أخوك ؟ قال : بخير الساعة كنت عنده وأنشدني دوبيت وأنشده للشيخ فقال : سلم عليه وقل له :
الروح إلى محلها قد تاقت ... والنفس لها مع جسمها قد عاقت
والقلب معذبٌ على جمعهم ... والصبر قضى وحيلتي قد ضاقت
فانتبه تاج الدين وقد حفظ الدوبيت المذكور . ونقلت من خط الشيخ تقي الدين ما أثبته لنفسه :
أفكر في حالي وقرب منيتي ... وسيري حثيثاً في مصيري إلى القبر
فينشئ لي فكري سحائب للأسى ... تسح هموماً دونها وابل القطر
إلى الله أشكو من وجودي فإنني ... تعبت به مذ كنت في مبدأ العمر
تروح وتغدو للمنايا فجائعٌ ... تكدره والموت خاتمة الأمر
ونقلت منه له أيضاً :
سحاب فكري لا يزال هامياً ... وليل همي لا أراه راحلا
قد أتعبتني همتي وفطنتي ... فليتني كنت مهيناً جاهلا
وأنشدني الشيخ فتح الدين إجازة قال : أنشدني لنفسه :
كم ليلةٍ فيك وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح
قد كلت العيس فجد الهوى ... واتسع الكرب فضاق الفسيح
وكادت الأنفس مما بها ... تزهق والأرواح منها تطيح
واختلف الأصحاب ماذا الذي ... يزيل من شكواهم أو يزيح
فقيل تعريسهم ساعةً ... وقلت بل ذكراك وهو الصحيح
قلت : ما أعرف لأحد من المتقدمين ولا من المتأخرين حسن هذا المخلص
وأخبرني الشيخ فتح الدين أن الشيخ تقي الدين كان مغرىً بالكيمياء معتقداً صحتها قال : لأنه أتفق له في مدينة قوص لما كانوا بها من صنعها بحضوره وحكى لي الواقعة بطوله ومن شعر الشيخ تقي الدين قدس الله روحه :
يا معرضاً عني ولست بمعرضٍ ... بل ناقضاً عهدي ولست بناقض
أتعبتني فخلائقٌ لك لم يفد ... فيها وقد جمحت رياضة رائض
أرضيت أن تختار رفضي مذهباً ... فيشنع الأعداء أنك رافضي
ومنه :
قد جرحتنا يد أيامنا ... وليس غير الله من آس
فلا ترج الخلق في حاجةٍ ... ليسوا بأهلٍ لسوى الياس
ولا تزد شكوى إليهم فلا ... معنى لشكواك إلى قاس
وأن تخالط منهم معشراً ... هويت في الدين على الراس
يأكل بعضٌ لحم بعضٍ ولا ... يحسب في الغيبة من بأس
لا ورعٌ في الدين يحميهم ... عنها ولا حشمة جلاس
لا يعدم الآتي إلى بابهم ... من ذلة الكلب سوى الخاسي

(1/521)


فاهرب من الناس إلى ربهم ... لا خير في الخلطة بالناس
ومن شعره أيضاً :
وقائلةٍ : مات الكرام فمن لنا ... إذا عضنا الدهر الشديد بنابه
فقلت لها : من كان غاية قصده ... سؤالاً لمخلوقٍ فليس بنابه
لئن مات من يرجى فمعطيهم الذي ... يرجونه باقٍ فلوذي بنابه
ومنه :
ومستبعد قلب المحب وطرفه ... بسلطان حسنٍ لا ينازع في الحكم
متين التقى عف الضمير عن الخنا ... رقيق حواشي الظرف والحسن والفهم
يناولني مسواكه فأظنه ... تحيل في رشفي الرضاب بلا إثم
ومنه :
إذا كنت في نجدٍ وطيب نسيمها ... تذكرت أهلي باللوى فمحجر
وإن كنت فيهم ذبت شوقاً ولوعةً ... إلى ساكني نجدٍ وعيل تصبري
وقد طال ما بين الفريقين قصتي ... فمن لي بنجدٍ بين أهلي ومعشري
ومنه ما نظمه في بعض الوزراء :
مقبلٌ مدبرٌ بعيد قريب ... محسن مذنب عدو حبيب
عجبٌ من عجائب البر والبح ... ر ونوع فرد وشكل غريب
ومنه وقيل أنه نظمه في ابن الجوزي :
دققت في الفطنة حتى لقد ... أبديت ما يسحر أو يسبي
وصرت في أعلى مقاماتها ... حيث يراك الناس كالشهب
وسار ما سيرت من جوهر ال ... حكمة في الشرق وفي الغرب
ثم تنازلت إلى حيث لا ... ينزل ذو فهم ولا لب
تثبت ما تجحده فطرة ال ... عقل ولا تشعر بالخطب
أنت دلالة على أنه ... يحال بين المرء والقلب
قال كمال الدين جعفر الأدفوي : حكى القاضي شهاب الدين ابن الكويك التاجر الكارمي رحمه الله قال : اجتمعت به مرة فرأيته في ضرورة فقلت : يا سيدنا ما تكتب ورقة لصاحب اليمن أكتبها وأنا أقضي فيها الشغل فكتب ورقة لطيفة فيها :
تجادل أرباب الفضائل إذ رأوا ... بضاعتهم موكوسة الحظ في الثمن
وقالوا عرضناها فلم نلف طالباً ... ولا من له في مثلها نظرٌ حسن
ولم يبق إلا رفضها واطراحها ... فقلت لهم لا تعجلوا السوق باليمن
وأرسلها إليه فأرسل له مائتي دينار واستمر يرسلها إلى أن مات صاحب اليمن
وقال كمال الدين ايضاً : قال لي عبد اللطيف ابن القفصي : هجوته مرة فبلغه فلقيته في الكاملية فقال : بلغني أنك هجوتني أنشدني فأنشدته بليقة أولها :
قاضي القضاة أعزل نفسه ... لما ظهر للناس نحسه
إلى آخرها فقال : هجوت جيداً . وقال : قال لي صاحبنا الفقيه الفاضل الأديب الثقة مجير الدين عمر اللمطي قال : كنت مرة بمصر وطلعت إلى القاهرة فقالوا لي : الشيخ طلبك مرات فجئت إليه فقال : أين كنت ؟ قلت : بمصر في حاجة قال : طلبتك سمعت إنساناً ينشد خارج الكاملية :
بكيت قالوا عاشق ... سكت قالوا قد سلا
صليت قالوا زوكر ... ما أكثر فضول الناس
وقال : حكى لي صاحبنا فتح الدين محمد بن كمال الدين أحمد بن عيسى القيوبي : قال : دخلت مرة عليه وفي يده ورقة ينظر فيها زماناً ثم ناولني ورقة وقال : اكتب من هذه نسخة فأخذتها فوجدت فيها بليقة أولها :
كيف أقدر أتوب ... ورأس ايري مثقوب
وقال : قال لي شيخنا تاج الدين محمد بن أحمد الدشناوي : سمعته ينشد هذه البليقة التي أولها :
جلد العميرة بالزجاج ولا الزواج
ويقول : بالزجاج يا فقيه . وقال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي : حكى لي القاضي سراج الدين يونس بن عبد المجيد الأرمنتي قاضي قوص قال : جئت إليه مرة وأردت الدخول فمنعني الحاجب وجاء الجلال العسلوجي فأدخله وغيره فتألمت وأخذت ورقة وكتبت فيها :
قل للتقي الذي رعيته ... راضون عن علمه وعن عمله
انظر إلى بابك... ... يلوح من خلله
باطنه رحمةٌ وظاهره ... يأتي إليك العذاب من قبله

(1/522)


ثم دخلت وجعلت الورقة في الدواة وظننت أنه ما رأى وقمت فقال : اجلس ما في هذه الورقة ؟ قلت : يقرأها سيدنا قال : اقرأها أنت وكررت عليه وهو يرد علي فقرأتها فقال : ما حملك على هذا ؟ فحكيت له فقال : وقف عليها أحد ؟ فقلت : لا قال : قطعها . قال : وأخبرني برهان الدين إبراهيم المصري الحنفي الطبيب وكان قد استوطن قوص سنين قال : كنت أباشر وقفاً فأخذه مني شمس الدين محمد بن أخي الشيخ ولاه لآخر فعز علي ونظمت أبياتاً في الشيخ فبلغته فأنا أمشي مرة خلفه وإذا به قد التفت إلي وقال : يا فقيه بلغني أنك هجوتني فسكت فقال : أنشدني وألح علي فأنشدته الأبيات وهي :
وليت فولى الزهد عنك بأسره ... وبان لنا غير الذي كنت تظهر
ركنت إلى الدنيا وعاشرت أهلها ... ولو كان عن جبرٍ لقد كنت تعذر
فسكت زماناً وقال : ما حملك على هذا ؟ فقلت : أنا رجل فقير وأنا أباشر وقفاً أخذه مني فلان فقال : ما علمت هذا أنت على حالك فباشرت الوقف مدة وخطر لي الحج فجئت إليه استأذنه فدخلت خلفه فالتفت إلي فقال : أمعك هجو آخر ؟ فقلت : لا ولكنني قصدت الحج وجئت أستأذن سيدي فقال : مع السلامة ما يغير عليك . وأنشدني إجازة الشيخ ناصر الدين شافع قال : من نظم الشيخ تقي الدين قوله :
تجاوزت حد الأكثرين إلى العلى ... وسافرت واستبقيتهم في المفاوز
وخضت بحاراًص ليس يعرف قدرها ... وألقيت نفسي في فسيح المفاوز
ولججت في الأفكار ثم تراجع اختياري إلى استحسان دين العجائز
قلت : ولقد وقفت له على جواب طويل كتبه في درج إلى الأمير سيف الدين منكوتمر نائب السلطنة لحسام الدين لاجين وكان عند استاذه الجزء الذي لا يتجزأ وقد كتب فيه بعد البسملة : ورد على العبد الفقير محمد بن علي مخاطبة الأمير الكبير سيف الدين ووقف عليها وعجب منها الأمرين ثم أنه يذكر كل فصل ويجيبه عنه إلى أن قال في آخر ذلك : فكتب الأمير إلي كتاباً يكتب إلى من ليس عنده من الدين شيء ولو كان الأمير عرف مني ارتكاب الكبائر الموبقات ما زاد على مافعل وعلى الجملة فإن الله تعالى أمر نبيه بالمباهلة والملاعنة في الدين فقال لأهل الكتاب " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " فنتمثل أمر الله لرسوله ونقول : اللهم يا شديد البطش يا جبار يا قهار يا حكيم يا قوي يا عزيز يا قوي يا عزيز يا قوي يا عزيز قد نسبت إلى أكل الحرام من مال المدارس الغائبة وإلى أمور أنت عالم بسرها فإن كان ذلك في علمك صحيحاً فاجعل لعنتك ولعنة ملائكتك والناس أجمعين علي وإن لم يكن صحيحاً فاجعلها على من افترى علي بها وإن كان الولد قد فعل ما قيل من أخذ البراطيل فاجعلها عليه وإن لم يكن فاجعلها على من افترى عليه فهذا إنصاف وامتثال لما أمر الله به ورسوله وربك بالمرصاد والشكوى إلى الله الحكم العدل
قيل أنه لم يلبث بعد ذلك إلا أسبوعاً أو قريباً منه حتى قتل السلطان أستاذه وقتل هو أيضاً
الوزير سعد الدين الساوجي محمد بن علي الوزير الكبير سعد الدين الساوجي العجمي
قتله خربندا وقتل معه الوزير مبارك شاه والملك ناصر الدين يحيى بن إبراهيم صاحب سنجار وصاحب الديوان المانشتري كانت قتلتهم ببغداد وممن قتل أيضاً تاج الدين الآوي الشيعي كبير الأشراف وذبح ابناه قبله وكان جباراً ظالماً فرافعوه وأخذ للساوجي أموال عظيمة ويقال أنه غرم على الجامع الذي عمره ببغداد ألف ألف درهم قيل أنه صلى ركعتين وودع أهله وثبت للقتل وخلع فرجية على قاتله فباس يده واستجعل منه في حل ثم طير رأسه سنة إحدى عشرة وسبع مائة محمد بن علي العلامة الغرناطي المالكي المقرئ بالمدينة . توفي سنة خمس عشرة وسبع مائة
شمس الدين الدهان محمد بن علي بن عمر المازني الدهان الشيخ شمس الدين الدمشقي الشاعر
كان يعمل صناعة الدهان ويعرف مقامات الحريري وينظم الشعر الرقيق ويدري الموسيقى فيعمل الشعر ويلحنه فيغني به المغنون وكان يلعب بالقانون
توفي سنة إحدى وعشرين وسبع مائة
أنشدني من لفظه المولى القاضي شهاب الدين كاتب السر ابن القاضي محيي الدين ابن فضل الله إلى الشمس المذكور يضمن بيت أبي تمام :
رأيتك أيها الدهان تبغي ... مزيداً في التودد بالمساعي

(1/523)


فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك كرم الطباع
وكان قد ربى مملوكاً اشتراه وأحبه وهذبه ورخجه فمات فأسف عليه أسفاً كثيراً ورثاه بشعر كثير غنى به ونقله المغنون وتداوله الناس من ذلك أنشدني من لفظه جمال الدين الخطيب الصوفي يوسف لنفسه ما نظمه في موت مملوك الدهان :
لئن مات يا دهان مملوكك الذي ... بلغت به في الفسق ما كنت ترتجي
فمثله بالأصباغ وجهاً وقامةً ... وخصراً وردفاً ثم عاينه واصلج
وقال شمس الدين الدهان موشحة : يا بأبي غصن بانةٍ حملا بدر دجى بالجمال قد كملا أهيف فريد حسنٍ ما ماس أو سفرا إلا أغار القضيب والقمرا يبدي لنا بابتسامه دررا في شهدٍ لذّ طعمه وحلا كأن أنفاسه نسيم طلا قرقف مورد الخد فاتر المقل يفوق ظبي الكناس بالحمل وينثني كالقضيب في الميل من حمل ردفٍ مثل الكثيب علا نيط بخصرٍ كأضلعي نحلا مخطف ظبيٌ من الترك يقنص الأسدا مقرطقٌ قد أذابني كمدا حاز بديع الجمال فانفردا واهاً له لو أجار أو عدلا لمستهامٍ بهجره نحلا مدنف غزال سربٍ جماله شرك ستر اصطباري عليه منهتك لكل قلبٍ هواه منتهك علم قلبي الولع والغزلا طرف له بالفتور قد كحلا أوطف لله يومٌ به الزمان وفى إذ من بالوصل بعد طول جفا حتى إذا ما اطمأن وانعطفا أسفر عنه اللثام ثم جلا ورداً بغير اللحاظ منه فلا يقطف فظلت من فرط شدة الترح إذ زارني والرقيب لم يلح ألثم أقدامه من الفرح وقلت إذ عن صدوده عدلا أهلاً بمن زار بعد جفوةٍ وقلا أسعف ومن شعر شمس الدين الدهان وهو مما غني به :
ما يج الورد في خديك ريحان ... إلا ووجهك في التحقيق بستان
ولا تعطف منك العطف من صلفٍ ... إلا وريقك خمرٌ وهو نشوان
لله فتنة ذاك الطرف منك لقد ... سبى المحبين لحظٌ منه فتان
لو لم يكن سلب العشاق نومهم ... ما راح من غير سهدٍٍ وهو وسنان
ومنه أيضاً وهو مما غني به :
عند قلبي منك وجدٌ لا يحد ... وغرامٌُ هزله في القول جد
واشتياقٌ ناره لا تنطفي ... وله بين شغاف القلب وقد
أيها البدر الذي تيمني ... منه وجهٌ يخجل البدر وخد
وسباني جوهر من ثغره ... فوقه من ريقه خمرٌ وشهد
ومنه أيضاً وهو مما غني به :
دلائل الوجد لا تخفى على الفطن ... والحب أقصاه ما أفضى إلى الفتن
كم ذا التستر والأشواق تعرب عن ... سر الهوى بلسان المدمع الهتن
دع التكتم فالكتمان نار جوىً ... بين الجوانح تذكيها يد المحن
ونح فليس بعارٍ أن تنوح فما ... في ساحة الحي إلا كل ذي شجن
ومنه أيضاً وهو مما غني به :
ألا حبذا الوادي وروض البنفسج ... وطيب شذاً من عرفه المتأرج
وأغصان بانٍ في نواحيه ميدٌ ... وكل قويم القد غير معوج
وأنهار ماءٍ في صفاءٍ ورقةٍ ... تسيل بها ما بين روض مدبج
فإن جعدته خطرة من نسيمه ... فيا حسن مرأى متنه المتموج
قلت : شعر مقبول بل هو متوسط لا ينحط ولا يرتفع
محيي الدين ابن المارستاني محمد بن علي بن عبد القوي بن عبد الباقي محيي الدين التنوخي المعري ثم الدمشقي بن المارستاني الحنفي نزيل بالقاهرة
ولد سنة سبع وأربعين وسمع من عثمان بن علي وإبراهيم بن خليل وفرج الخادم وعبد الله بن الخشوعي وعدة وخرج له الدمياطي مشيخة وسمعها منه قديماً وكان مديماً للاشتغال ورعاًً زهداًً مفسراً متواضعاً من كبار الحنفية أعاد بالمنصورية والناصرية والظاهرية والصالحية حمل عنه الطلبة من سماعاته جزء الذهلي علي ابن خطيب القرافة سنة اثنتين وخمسين
وتوفي سنة أربع وعشرين وسبع مائة
ابن الموازيني محمد بن علي بن الحسين بن سالم الشيخ المقرئ الصالح الحاج بقية المسندين شمس الدين ابو جعفر السلمي المرداسي الدمشقي ابن الموازيني

(1/524)


ولد سنة خمس عشرة تقريباًص وسماعه سنة اثنتين وست مائة وبعدها غذ كان عند الملقن سمع أبا القاسم ابن صصرى والبهاء عبد الرحمن وتفرد بالرواية عنهما وسمع من إسماعيل بن ظفر وأبي سليمان بن الحافظ والشيخ ضياء وورث من أبيه ثروة وعقاراً وجاور مدة وأنفق في البر والقرب ثم أعطى ملكه لابنته وبقى لنفسه كل يوم درهمين ولبس العسلي وتزهد وحدث بالحرم وانحطم بالهرم وثقل سمعه وضعف بصره وحدث عنه ابن الخباز وباقي الطلبة
وتوفي سنة ثمان وسبع مائة
الشمس كمال الدين الزملكاني محمد بن علي بن عبد الواحد الشيخ الإمام العلامة المفتي قاضي القضاة ذو الفنون جمال الإسلام كمال الدين أبو المعالي ابن الزملكاني الأنصاري السماكي الدمشقي كبير الشافعية في عصرة والفضلاء في دهره كأنما عناه الغزي بقوله :
لم يبرح الفقه روضاً فاق فيك له ... سحابةٌ ورده منها وعبهره
ذو الدرس سهل المعاني في جزالته ... يكاد يحفظه من لا يكرره
أما الجدال فميدانٌ فوارسه ... تقر أنك دون الناس عنتره
ولد في شوال سنة سبع وستين وسمع من أبي الغنائم ابن علان والفخر علي وابن الواسطي وابن القواس ويوسف بن المجاور وعدة وطلب الحديث في وقت وقرأ الحديث وكان فصيحاً متسرعاً
قال الشيخ شمس الدين : له خبرة بالمتون وكان بصيراً بالمذهب وأصوله قوي العربية قد أتقنها ذكاء ودربها ذكياً صحيح الذهن صائب الفكر فقيه النفس تفقه على الشيخ تاج الدين وأفتى وله نيف وعشرون سنة وكان يضرب بذكائه المثل وقرأ العربية فيما أظن على الشيخ بدر الدين ابن مالك وقرأ على قاضي القضاة شهاب الدين الخويي وشمس الدين الأيكي وصفي الدين الهندي أول قدومه البلاد أما لما عاد الشيخ صفي الدين وأقام بدمشق لم يقرأ عليه وقرأ على قاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكي
حكى لي الشيخ نجم الدين الصفدي رحمه الله تعالى قال : قلت له : فرطت في المنطق فقال : كان بدمشق أيام طلبي له شخص يعرف بالأفشنجي وكت قد تميزت ودرست - أو قال : وأفتيت - فكنت أتردد إليه على كره مني والعلم في نفسه صعب وعبارة الأفشنجي فيها عجمة فإذا أردت منه زيادة بيان أو قلت له : ما ظهر قال : جاء وأدار وجهه عني فأنفت من تلك الحالة وبطلت الاشتغال أو كما قال . قلت : أغناه ذهنه الثاقب وفكره الصائب على أنه كان يعرف منه ما يحتاج إليه في أصول الفقه من معرفة التصور والتصديق ودلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة الالتزام والضرب من الشكل المنتج والكاذب ومواد البرهان والمقدم والتالي وقياس الخلف وغير ذلك مما يدخل في الأصولين معرفة جيدة يتسلط بها على باقي الفن أما أنه كان يطلب منه أن يشغل في مختلطات كشف الأسرار للخونجي فلا وحفظ التنبيه فيما أظن والمنتخب في أصول الفقه والمحصل في أصول الدين وغير ذلك
وأما الخط وحسن وضعه :
فلا تسأل عن الروض النضير ... ولا عن طلعة القمر المنير
فإنه كتب على الشيخ نجم الدين ابن البصيص أحسن منه ومن بدر الدين حسن ابن المحدث وخطه وهو أحسن . وقيل لي أنه كان يكتب الكوفي طبقة
وكان شكله حسناً ومنظره رائعاً وتجمله في بزته وهيئته غاية وشيبته منورة بنور الإسلام يكاد الورد يلقط من وجنتيه وعقيدته صحيحة متمكنة أشعرية وفضائله عديدة وفواضله ربوعها مشيدة فإنه كان كريم النفس عالي الهمة حشمته وافرة وعبارته حلوة فصيحة ممتعة من رآه أحبه قريب من القلب خفيف على النفس
صنف أشياء منها ورساله في الرد عليه في مسألة الزيارة ورسالة سماها رابع أربعة نظماً ونثراً وشرح قطعة جيدة من المنهاج
وتخرج به الأصحاب وانتفع به الطلبة ودرس بالشامية البرانية والظاهرية والرواحية وولي نظر ديوان الأفرم ونظر الخزانة ووكالة بيت المال وكتب في ديوان الإنشاء مدة ووقع في الدست فيما أظن وله الإنشاء الجيد ونثره خير من نظمه وله التواقيع المليحة والإنشاءات الجيدة

(1/525)


ونقل إلى قضاء القضاة بحلب ومدارسها فأقام بها مدة أكثر من سنتين واشتغلوا عليه بها وما رأى الناس بعد دروسه في دمشق مثلها ثم إن السلطان طلبه من حلب ليوليه قضاء دمشق لما نقل قاضي القضاة جلال الدين القزويني إلى قضاء الديار المصرية ففرح الناس بذلك فمرض في الطريق وأدركه الأجل في بلبيس في سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبع مائة فحمله ولده تقي الدين عبد الرحمن إلى القاهرة ودفنه بالقرافة عند الشافعي وله ستون سنة قيل أنه سمّ في الطريق وعند الله تجتمع الخصوم
وحكى لي القاضي شهاب الدين ابن فضل الله عن ولده تقي الدين أن والده الشيخ كمال الدين قال له : يا ولدي والله أنا ميت وما أتولى لا مصر ولا دمشق وما بقى بعد حلب ولاية أخرى لأنه في الوقت الفلاني حضر إلى الجامع فلان الصالح فترددت إليه وخدمته وطلبت منه التسليك فأمرني بالصوم مدة ثم أمرني بصيام ثلاثة أيام - أظنه قال - افطر فيها على الماء واللبان الذكر وكان آخر ليلة من الثلاث ليلة النصف من شعبان فقال لي : الليلة تجيء إلى الجامع تتفرج أو تخلو بنفسك فقلت : أخلو بنفسي فقال : جيد ولا تزال تصلي إلى أن أجيء إليك قال : فخلوت بنفسي أصلي كما وقفني ساعة جيدة فلما كنت في الصلاة إذا به قد أقبل فلم أبطل الصلاة ثم أنني خيل لي قبة عظيمة بين السماء والأرض وظاهرها معارج ومراقي والناس يصعدون فيها من الأرض إلى السماء فصعدت معهم فكنت أرى على كل مرقاة مكتوباً نظرالخزانة وعلى أخرى وأخرى وأخرى وكالة بيت المال التوقيع المدرسة الفلانية قضاء حلب فلما وصلت إلى هذه المرقاة استفقت من تلك الحالة ورجعت إلى حسي وبت ليلتي فلما اجتمعت بالشيخ قال : كيف كانت ليلتك ؟ جئت إليك وما قصرت لأنك ما اشتغلت بي والقبة التي رايتها هي الدنيا والمراقي هي المراتب والوظائف والأرزاق وهذا الذي رأيتها كله تناله والله يا عبد الرحمن وكل شيء رأيته قد نلته وكان آخر الكل قضاء حلب وقد قرب الأجل أو كما قال
وكان الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى كثير التخيل شديد الاحتراز يتوهم أشياء بعيدة ويبني عليها وتعب بذلك وعودي وحسد وعمل عليه ولطف الله به
ولقد رأيته في الظاهرية وفي يده القائمة من الحساب وهو يساوق المباشرين على المصروف فيسبقهم إلى الجمع وعقد الجملة ويبقى ساعة ينتظرهم إلى أن يفرغوا فيقول : كم جاء معكم ؟ فيقولون : كذا وكذا فيقول : لا ؟ فيعيدون الجمع إلى أن يصح . وعلى الجملة فكان غريب المجموع
خرج له الشيخ صلاح الدين ابن العلائي عوالي وأربعين وقرأها الشيخ شمس الدين عليه . ومن نظمه قصيدة نظمها يذكر فيها الكعبة المعظمة ويمدح النبي صلى الله عليه و سلم أولها :
أهواك يا ربة الأستار أهواك ... وإن تباعد عن مغناي مغناك
وأعمل العيس والأشواق ترشدني ... عسى يشاهد معناكي معناك
تهوى بها البيد لا تخشى الضلال وقد ... هدت ببرق الثنايا الغر مضناك
تشوقها نسمات الصبح ساريةً ... تسوقها نحو رؤياكي برياك
يا ربة الحرم العالي الأمين لمن ... وافاه من أين هذا الأمن لولاك
أن شبهوا الخال بالمسك الذكي فهذا الخال من دونه المحكي والحاكي
أفدي بأسود قلبي نور أسوده ... من لي بتقبيله من بعد يمناك
إني قصدتك لا ألوي على بشرٍ ... ترمي النوى بي سراعاً نحو مرماك
وقد حططت رحالي في حماك عسى ... تحط أثقال أوزاري بلقياك
كما حططت بباب المصطفى أملي ... وقلت للنفس بالمأمول بشراك
محمدٌ خير خلق الله كلهم ... وفاتح الخير ماحي كل إشراك
سما بأخمصه فوق السماء فكم ... أوطا أسافلها من علو أفلاك
ونال مرتبةً ما نالها أحدٌ ... من أنبياء ذوي فضلٍ وأملاك
يا صاحب الجاه عند الله خالقه ... ما رد جاهك إلا كل أفاك
أنت الوجيه على رغم العدى أبداً ... أنت الشفيع لفتاكٍ ونساك
يا فرقة الزيغ لا لقيت صالحةً ... ولا شفى الله يوماً قلب مرضاك

(1/526)


ولا حظيت بجاه المصطفى أبداً ... ومن أعانك في الدنيا ووالاك
يا أفضل الرسل يا مولى الأنام ويا ... خير الخلائق من إنسٍ وأملاك
ها قد قصدتك اشكو بعض ما صنعت ... بي الذنوب وهذا ملجأ الشاكي
قد قيدتني ذنوبٌ عن بلوغ مدىً ... قصدي إلى الفوز منها من غير إمساك
عليك من ربك الله الصلاة كما ... منا عليك السلام الطيب الزاكي
تمت ولم أقف له على نظم هو خير من هذه القصيدة لمقصدها الصالح وقد أشبع فيها حركة الكاف في خطاب المؤنث حتى نشأت ياء في موضعين وهو جائز
وعمل على هذه القصيدة فيما أظن أو على قصيدة ميمية مدح بها النبي صلى الله عليه و سلم أو عليهما كراريس وسماها عجالة الراكب
ومن شعر كمال الدين الزملكاني :
يا سائق الظعن قف بي هذه الكثب ... عساي أقضي بها ما للهوى يجب
وارفق قليلاً لكي تروي الثرى سحبٌ ... من ناظري بمزنٍ منه تنسكب
فثم حيٌ حياتي في خيامهم ... فالموت أن بعدوا والعيش أن قربوا
لي فيهم قمرٌ القلب منزله ... لكن طرفي له بالبعد يرتقب
لدن القوام رشيق القد ذو هيفٍ ... تغار من لينه الأغصان والقضب
حلو المقبل معسولٌ مراشفه ... يجول فيها رضاب طعمه الضرب
لا غروان راح نشواناًً ففي فمه ... خمرٌٌ ودرٌ ثناياه لها حبب
زلائمٍ لامني في البعد عنه وفي ... قلبي من الشوق نيران لها لهب
فقلت أن صروف الدهر تصرفني ... عما أروم فما لي في النوى سبب
ومذ رماني زماني بالبعاد ولم ... يرحم خضوعي ولما يبق لي نشب
ولما توجه إلى قضاء حلب نزل في مكان يعرف بالفردوس وكان معه شمس الدين الخياط الشاعر الدمشقي فأنشده لنفسه وأنشدني من لفظه غير مرة :
يا حاكم الحكام يا من به ... قد شرقت رتبته الفاخره
ومن سقى الشهباء مذ حلها ... بحار علمٍ وندىً زاخره
نزلت في الفردوس فأبشر به ... دارك في الدنيا وفي الآخره
ونظم فيه جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن نباتة لما توفي إلى رحمة الله تعالى قصيدة طنانة يرثيه بها أنشدنيها من لفظه أولها :
بلغا القاصدين أن الليالي ... قبضت جملة العلى بالكمال
وقفا في مدارس العقل والنقل ونوحا معي على الأطلال
سائلاها عسى يجيب صداها ... أين ولى مجيب أهل السؤال
أين ولى بحر العلوم وأبقى ... بين أجفاننا الدموع لآلي
أين ذاك الذهن الذي قد ورثنا ... عنه ما في الحشا من الاشتغال
أين تلك الأقلام يوم انتصارٍ ... كعوالي الرماح يوم النزال
ينقل الناس عن حديث هداها ... طرق العلم عن متون العوالي
وتفيد الجنا من اللفظ حلواً ... حين كانت نوعاً من العسال
قلت : هي من قصائده الغر وكلها نتقى وليس هذا موضع إثباتها
كنت قد اختلفت أنا والمولى شرف الدين حسين ابن ريان الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في قول الحريري :
فلم يزل يبتزه دهره ... ما فيه من بطشٍ وعود صليب
فذهب هو في إعراب قوله " ما فيه " إلى أنه في موضع نصب على أنه مفعول ثان وذهبت أنا إلى أنه بدل اشتمال من الهاء التي في قوله " يبتزه " فكتب شرف الدين فتيا من صفد وجهزها إلى الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني رحمه الله تعالى ونقلتها من خطه وهي : ما تقول السادة علماء الدهر وفضلاء هذا العصر لا برحوا لطالب العلم الشريف قبله وموطن السؤال ومحله في رجلين تجادلا في مسأله نحوية وهي في بيت من المقامات الحريرية : وهو :
فلم يزل يبتزه دهره ... ما فيه من بطش وعود صليب

(1/527)


ذهبا إلى معنى يبتزه يسلبه وكل منهما وافق في هذا مذهب خصمه مذهبه وموطن سؤالهما الغريب إعراب قوله " ما فيه من بطش وعود صليب " لم يختلفا في نصبه بل خلفهما فيما انتصب به فذهب أحدهما إلى أنه بدل اشتمال من الهاء المنصوبة في يبتزه وله على ذلك استدلال وذهب الآخر إلى أنه مفعول ثان ليبتزه وجعل المفعول الهاء واختلفا في ذلك وقاصديكم جاءا وقد سألا الإجابة عن هذه المسألة فقد اضطرا في ذلك إلى المسألة : فكتب الشيخ كمال الدين رحمه الله الجواب ونقلته من خطه وهو : الله يهدي إلى الحق كل من المختلفين المذكورين قد نهج نهج صواب وأتى بحكمة وفصل خطاب ولكل من القولين مساغ في النظر الصحيح ولكن النظر إنما هو في الترجيح وجعل ذلك مفعولاً أقوى توجيهاً في الإعراب وأدق بحثاًً عند ذوي الألباب أما من جهة الصناعة العربية فلأن المفعول متعلق بالفعل بذاته التي بوقوع الفعل عليه معنية والبدل مبين بكون الأول معه مطرحاً في النية وهذا الفعل بهذا المعنى متعد إلى مفعولين و " ما فيه من بطش " هو أحد ذينك الاثنين لئلا يفوت متعلق الفعل المستقل والبدل بيان يرجع إلى توكيد بتأسيس المعنى مخل وأما من جهة المعنى فلأن المقام مقام تشك وأخذ بالقلوب وتمكين هذا المعنى أقوى إذا ذكر ما سلب منه مع بيان أنه المسلوب . فذكر المسلوب منه مقصود كذكر ما سلب وفي ذلك من تمكين المعنى ما لا يخفى على ذوي الأرب ووراء هذا بسط لا تحتمله هذه العجالة والله تعالى أعلم كتبه محمد بن علي
قلت : لا أعلم أحداً يأتي بهذا الجواب غيره لمعرفته بدقائق النحو وبغوامض علمي المعنى والبيان ودربته بصناعة الإنشاء وأما صورة الخط الذي نقلت منه هذه الفتيا فما كانت إلا قطعة روض تدبجت أو هوامش عذار على طرس الخد تخرجت رحمه الله تعالى وأكرم مثواه وجعل الجنة منقلبه وعقباه
ابن العديسة المحدث محمد بن علي بن العديسة الشيخ شهاب الدين قارئ الحديث . توفي سنة ست وثلاثين وسبع مائة
وأظن مجير الدين الخياط فيه يقول :
في الدهر شيء عجيب ... مرآه يقذي اللواحظ
ابن الرزيز خطيب ... وابن العديسة واعظ
علم الدين الدميري محمد بن علي بن عبد الرحمن هو علم الدين ابن بهاء الدين ابن الإمام محيي الدين عرف بابن الدميري
مولده سنة خمس وسبعين وست مائة بدار الزعفران بزقاق القناديل بمصر . توفي... أجاز لي رحمه الله
تاج الدين طوير الليل البارنباري الشافعي محمد بن علي الإمام الفاضل الفقيه النحوي الأصولي تاج الدين البارنباري الشافعي
أخبرني من لفظه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي قال : قرأ المذكور على الشيخ حسن الراشدي القراآت السبع بالفاضلية وقرأ المعقول على الشيخ شمس الدين الأصبهاني وحفظ التعجيز وكان يستحضره إلى آخر وقت ويعرفه جيداً وحفظ الجزولية واستمر على حفظ القرآن إلى أن مات سنة سبع عشرة وسبع مائة
وكان جيد المناظرة متوقد الذهن في الفقه والأصولين والعربية والمنطق وكان عديم التكلف في ملبسه ولم يكن بيده غير فقاهات المدارس وكان يلقب بطوير الليل
بدر الدين ابن غانم محمد بن علي بن محمد بن غانم الشيخ بدر الدين ابن الشيخ علاء الدين
كان من جملة كتاب الإنشاء بدمشق وكان متشدداً لا يكتب إلا شيئاً يوافق الشرع وإن كان غير ذلك لم يكتبه طلب الاعفاء من كتابة الإنشاء وسأل أن يكون نظير معلومه على الجامع الأموي للأشغال فأجيب إلى ذلك
كان يدرس بالقليجية الشافعية وكان قليل الكلام ملازم الصمت منجمعاً عن الناس منقبضاً لا يتكلم فيما لا يعنيه مكباً على الاشتغال يكرر على محفوظاته الليل والنهار يحب الكتب ويجمعها خلف لما مات ألفي مجلدة وكان معه عدة وظائف يباشرها بما يقارب الألف درهم في كل شهر
توفي في شهر جمادى الأولى سنة أربعين وسبع مائة
بهاء الدين ابن إمام الشمهد محمد بن علي بن سعيد المعروف بابن إمام المشهد
مولده في ذي الحجة سنة ست وتسعين وست مائة قرأ القرآن الكريم وأتقنه بالروايات السبع واشتغل بالعربية على الشيخ مجد الدين التونسي والشيخ نجم الدين القحفازي وقرأ الفقه على الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين وكتب الخط المليح الظريف

(1/528)


وتوجه إلى حلب ثم إلى طرابلس وأقام بها مدة و...ثم عاد إلى دمشق وأقام بها مدة ثم توجه إلى مصر وحضر بين يدي السلطان الملك الناصر على الأهرام وولاه تدريس المدرسة الأمينية بدمشق وحضر إليها على البريد
وهو مجموع متناسب الحسن أخلاقه حسنة وشكالته تامة مليحة ووجاهته رائعة المنظر
جمع كتاب الأحكام وجوده في ست مجلدات وتناولته منه وأجازني رواية ما له تسميعه بديوان الإنشاء بدمشق في المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة وتلا بالسبع على الكفري وسمع بمصر والإسكندرية وحلب وأمّ بدار الحديث ثم بمسجد الكنيسة ودرس بالقوصية
الشيخ محمد الغزي محمد بن علي بن محمد شمس الدين أبو عبد الله المصري مولداً الغزي منشأ
سألته عن مولده فقال : في سنة خمس وثمانين وست مائة اقام بغزة مدة وبدمشق مدة وبمصر وبصفد وحماة وحلب وخالط الناس وعاشر فيه خفة روح وكيس وظرف وينظم الشعر الجيد ويكتب الخط المنسوب ويعرف النجامة والأسطرلاب والرمل
أنشدني غير مرة بدمشق وصفد وبالقاهرة وحماة جملة كثيرة من شعره ونادم الملك الأفضل صاحب حماة فيما أظن وقربه وأدناه وحنا عليه ورتب له الدراهم والخبز واللحم
ومن شعره نقلته من خطه وأنشدنيه من لفظه :
بأبي غزالٌٌ غزل هدب جفونه ... يكسو الضنى صباً أذيب بصده
يروي حديث السقم جسم محبه ... عن جفنه عن خصره عن عهده
وأنشدني ما نقلته من خطه له :
ما رأى الناس قبل قامة حبي ... وعذاريه حول محمر خد
غصناً أنبت البنفسج والآ ... س سياجاً على حديقة ورد
وأنشدني له من لفظه ونقلته من خطه :
ونيلٍ كم أنال منىً وأمناً ... وكم أهدى إلى سرٍ مسره
تخال مراكباً تختال فيه ... نجوماً سائراتٍ في مجره
وأنشدني من لفظه ومن خطه نقلت موالياً :
عاينت من ذنب هجرو بالوفا مغفور ... في النهر يسبح وحظو بالبها موفور
شبهت من فوق جسمو شعرو المضفور ... ألف من المسك في صفحه من الكافور
وأنشدني من لفظه ومن خطه نقلت :
باكر إلى رشف خمره تنعش المحرور ... مع من تحب وقلبك منشرح مسرور
أما ترى الليل شمر ذيلو المجرور ... والورد بالطل فتح جيبو المزرور
وأنشدني أيضاً ومن خطه نقلت :
حبي الذي خالقو بالحسن قد مدوا ... حتى سما وتجاوز في الصفه حدو
رمان نهدو عقد في غصن من قدو ... وما انطفا جلنارو الغض في خدو
وأنشدني أيضاً ومن خطه نقلت :
وهيفاء وطفاء فتانةٍ ... يلذ التهتك والوجد فيها
إذا سكر الناس من خمرةٍ ... فسكري ما زال من خمر فيها
وأنشدني أيضاً ومن خطه نقلت :
انظر إلى تخييل أخياطها ... في كاسها يا أحسن الناس
لو لم تكن شمساً لما أظهرت ... أشعةً في أفق الكاس
وأنشدني أيضاً ومن خطه نقلت :
أتشكى مع البعاد إليكم ... برقيق العتاب فرط اشتياقي
فكأني الورقاء من فرقة الإلف تلهث بالسجع في الأوراق
شمس الدين السروجي محمد بن علي بن ايبك السروجي الشيخ الإمام شمس الدين
سألته عن مولده فقال : في ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مائة بالديار المصرية : عرض القرآن وهو ابن تسع سنين وارتحل إلى دمشق وحلب وغيرها من بلاد الشام مرات وأخذ عن الشيخ فتح الدين والشيخ أثير الدين ومن عاصره من أشياخ العلم وصار من الحفاظ أتقن المتون وأسماء الرجال وطبقات الناس والوقائع والحوادث وضبط الوفيات والمواليد ومال إلى الأدب وحفظ من الشعر القديم والمحدث جملة وكتب الأجزاء والطباق وحصل ما يرويه عن أهل عصره في البلاد التي ارتحل إليها ولم أر بعد الشيخ فتح الدين رحمه الله تعالى من يقرأ أسرع منه ولا أفصح
وسألته عن أشياء من تراجم الناس ووفياتهم وأعصارهم وتصانيفهم فوجدته حفظة مستحضراً لا يغيب عنه ما حصله وهذا الذي رأيته منه في هذه السن القريبة كثير على من علت سنه من كبار العلماء ومع ذلك فله ذوق الأدباء وفهم الشعراء وخفة روح الظرفاء
توفي رحمه الله تعالى بحلب ليلة ثامن من شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وسبع مائة ودفن ثاني يوم بكرة الجمعة

(1/529)


وكان قد خرج لنفسه تسعين حديثاًص متباينة الأسناد قال الشيخ شمس الدين : سمعناها منه ثم كملها مائة
أمين الدين الأنفي محمد بن علي بن الحسن المحدث الفاضل أمين الدين الأنفي الدمشقي المالكي
ولد سنة ثلاث عشرة وسبع مائة في شوال وحفظ القرآن والفقه وطلب الحديث وقرأ ونسخ كثيراً من الأجزاء والكتب سمع البندنيجي والشمس نقيب السبع وبنت صصرى ونسخ جملة من تواليفي وقرأ علي أشياء من شعري ومن مصنفاتي وهو حسن الشكل جميل الود حلو العبارة
القاضي فخر الدين المصري الشافعي محمد بن علي بن عبد الكريم أبو الفضائل الشيخ الإمام الفاضل العلامة ذو الفنون أعجوبة الزمان القاضي فخر الدين أبو عبد الله المصري الشافعي الأشعري
سألته عن مولده فقال : سنة إحدى وتسعين وست مائة بظاهر القاهرة في الحبانية ووفاته بدمشق في داره بالعادلية الصغيرة بعد مرضة طويلة عوفي في أثنائها ثم انتكس توفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وسبع مائة وصلي عليه الظهر بالجامع الأموي ودفن في مقابر الباب الصغير وكانت جنازته حفلة
خرج من الديار المصرية أول سنة اثنتين وسبع مائة وأقام بدمشق وقرأ القرآن على جماعة منهم الشيخ موسى العجمي وقرأ العربية والفقه أولاً على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة ثم قرأ الفقه على الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين وقرأ بقية العلوم على الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني وهو أكثرهم إفادة له وكان معجباً به وبذهنه الوقاد وحفظه المنقاد يشير إليه في المحافل والدروس وينوه بقدره ويثني عليه وقرأ على الشيخ صدر الدين وبحث على الشيخ مجد الدين التونسي وعلى الشيخ نجم الدين القحفازي كتاب المقرب في النحو وحفظ الجزولية وبحث منها جانباً على الشيخ نجم الدين الصفدي وقرأ الجست على النعمان والمنطق على جماعة أشهرهم الشيخ رضي الدين المنطقي وعلى الشيخ علاء الدين القونوي بمصر وحفظ التنبيه والمنتخب في أصول الفقه وحفظ مختصر ابن الحاجب في مدة تسعة عشر يوماًص وهذا أمر عجيب إلى الغاية فإن ألفاظ المختصر غلقة عقدة ما يرتسم معناها في الذهن ليساعد على الحفظ وحفظ المحصل في أصول الدين وهو قريب من ألفاظ المختصر وحفظ المنتقى في الأحكام وشرع في حفظ أشياء لم تكمل مثل مطلع النيرين والمنهاج للشيخ محيي الدين وتصريف ابن الحاجب وكان يحفظ من المنتقى في أيام عديدة كراسة في كل يوم والكراسة قطع البلدي تضمن خمس مائة سطر
وفي سنة خمس عشرة وسبع مائة ولي تدريس العادلية الصغيرة وفيها أذن له بالإفتاء وكان له من العمر ثلاث وعشرون سنة
ولما توفي شيخه الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين جلس بعده بالجامع الأموي في حلقة الأشغال في المذهب وتأدب مع شيخه فأخلى مكانه وجلس دونه وعلق دروساًص من التفسير والحديث والفقه مفيدة وأقدم من سمع عليه الحديث هدية بنت عسكر وأحمد ابن مشرف
وحج إلى سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة سبع مرات جاور في الأولى بمكة بعض سنة عشرين وجاور في الثانية سنة أربعين بمكة والمدينة . ولما حضر من الحجاز كتبت له توقيعاً بإعادة تدريس الدولعية ونظرها إليه وهذه نسخته :

(1/530)


رسم بالأمر العالي لا زال يرتفع به العلم الشريف إلى فخره ويعيده إلى خير حبر تقتبس الفوائد من نوره وتغترف من بحره ويجمل الزمان بولائه من هو علم عصره وفخر مصره أن يعاد المجلس العالي الفخري إلى كذا وكذا وضعاً للشيء في محله ورفعاً للوبل على طله ودفعاً لسيف النظر إلى يدٍ هي مألف هزه وسله ومنعاً لشعب مكة أن ينزل غير أهله إذ هو لأصحاب الشافعي رضي الله عنه حجة ولبحر مذهبه الزاخر لجة ولأهل فضله الذين يقطعون مفاوزه بالسرى صبح وبالمسير محجة طالما ناظر الأقران فعدلهم وجادل الخصوم في حومة البحث فجد لهم وجد لهم كم قطع الشبهات بحجج لا يعرفها وأتى بوجه ما رأى الرؤياني أحلى منه في أحلام الطيف ودخل باب علم فتحه القفال لطالب نهاية المطلب التبري وارتوى من معين ورد عين حياته الخضري وتمسك بفروع صح سبكها فقال ابن الحداد هذا هو الذهب المصري وأوضح المغالط بما نسف به جبال النسفي وروى أقوال اصحاب المذهب بحافظة يتمناها الحافظ السلفي كم جاور بين زمزم والمقام وألقى عصا سفره لما رحل عنها الحجيج وأقام وكم طاب له القرار بطيبه وعطر بالأذخر والجليل ردنه وجيبه وكم استروح بظل نخلها والسمرات وتملى بمشاهدة الحجرة الشريفة وغيره يسفح على قرب تربها العبرات وكم كتب له بالوصال وصول وبث شكواه فلم يكن بينه وبين الرسول رسول لا جرم أنه عاد وقد زاد وقارا وآب بعدما غاب ليلاً فتوضح شيبه نهاراً فليباشر ما فوض إليه جرياً على ما عهد ما افادته وألف من رياسته لهذه العصابة وسيادته وعرف من زيادة يومه على أمسه فكان كنيل بلاده ولا يتعجب من زيادته حتى يحيى بدرسه ما درس ويثمر عود الفروع فهو الذي أنبته بهذه المدرسة وغرس مجتهداًص في نظر وقفها معتمداًً على تتبع ورقات حسابها وصفحها عاملاً بشروط الواقف فيما شرط قابضاً ما قبضه وباسطاً ما بسط وتقوى الله تعالى جنة يرتع فيها خاطره ويسرح في رياضها الناضرة ناظره ومثله لا ينبه عليها ولا يومأ له بالإشارات إليها فلا ينزع مالبسه من حلاها ولا يسر في مهمة مهم إلا بسناها والله يديم فوائده لأهل العلم الشريف ويجدد له سعداً يشكر التالد منه والطريف والخط الكريم أعلاه حجة بمقتضاه
عماد الدين الدمياطي محمد بن علي بن حرمي الشيخ الفرضي الإمام المحدث عماد الدين ابو عبد الله الدمياطي نزيل بالقاهرة
ولد سنة خمس وسبعين وست مائة وسمع من الدمياطي والأبرقوهي وبنت الأسعردي وطائفة وبدمشق من الموازيني وابن مشرف وسمع بقراءتي كثيراً على الشيخ أثير الدين من ذلك المقامات الحريرية وهو حلو المحادثة كثير المحاسن له خصوصية زائدة عن الحد بقاضي القضاة عز الدين ابن جماعة ولي مشيخة الكاملية
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في طاعون مصر في سابع جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبع مائة
ابن خروف الحنبلي محمد بن علي بن أبي القاسم المقرئ الكبير بقية السلف ابو عبد الله الموصلي الحنبلي ابن خروف ويعرف بابن الوراق
مولده سنة أربعين وست مائة وتوفي رحمه الله تعالى بالموصل في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مائة
ارتحل إلى بغداد في طلب العلم سنة اثنتين وستين فتلا بعدة كتب على الشيخ عبد الصمد وسمع من جماعة وقرأ كتباً كباراً وقرأ تفسير الكواشي على المصنف وجامع أبي عيسى ابن العجمي
قال الشيخ شمس الدين : قدم علينا وسمعنا منه
الحراني الحنبلي محمد بن عماد بن محمد بن الحسين بن عبد الله بن أبي يعلى ابو عبد الله الجزري الحراني الحنبلي التاجر
سمع وروى عالم فقيه كثير المحفوظ حسن الإنصات صالح طال عمره وسكن بالإسكندرية ورحل الناس إليه
توفي سنة اثنتين وثلاثين وست مائة
ابن عمار الأندلسي محمد بن عمار المهري بالراء - الأندلسي الشاعر المشهور هو ذو الوزارتين كان هو وابن زيدون فرسي رهان في الأدب
اشتمل عليه المعتمد ووزره ثم جعله نائباًص على مرسية فعصى عليه بها فلم يزل يحتال عليه إلى أن وقع في يده فذبحه صبراً بيده سنة سبع وسبعين وأربع مائة ومولده سنة اثنتين وعشرين ولما قتله المعتمد رثاه عبد الجليل بن وهبون المرسي بأبيات منها :
عجباً له أبكيه ملء مدامعي ... وأقول لا شلت يمين القاتل

(1/531)


قال صاحب القلائد الفتح بن خاقان : لقد رأيت عظمي ساقي ابن عمار وقد أخرجا بعد سنين من حفر يحفر بجانب القصر وأساودهما بهما ملتفة ولباتهما مشتفة ما فغرت أفواههما ولا حل التواؤهما فرمق الناس العبر وصدق المكذب الخبر يعني بالأساود القيود
وسبب تغير المعتمد على ابن عمار أنه هجا الرميكية وهي اعتماد حظية المعتمد اختارها لنفسه واختار لها اللقب ليناسب لقبه وقال ابن عمار من أبيات :
تخيرتها من بنات الهجان ... رميكيةً لا تساوي عقالا
فجاءت بكل قصير الذراع ... لئيم النجارين عماً وخالا
وقيل أن هذا الهجو وضع على لسانه لإغراء المعتمد به
ومن شعر ابن عمار القصيدة المشهورة الطنانة التي أولها :
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السرى
والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استرد الليل منا العنبرا
ومن مدحها في المعتمد :
ملكٌ إذا ازدحم الملوك بموردٍ ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا
أندى على الأكباد من قطر الندى ... وألذ في الأجفان من سنة الكرى
قداح زند المجد لا ينفك من ... نار الوغى إلا إلى نار القرى
يختار أن يهب الخريدة كاعباً ... والطرف أجرد والحسام مجوهرا
لا خلق أقرأ من شفار سيوفه ... إن أنت شبهت المواكب أسطرا
ماضٍ وصدر الرمح يكهم والظبى ... تنبو وأيدي الخيل تعثر بالبرى
أيقنت أني من ذراه بجنة ... لما سقاني من نداه الكوثرا
وعلمت حقاً أن ربعي مخصبٌ ... لما سألت به الغمام الممطرا
أثمرت رمحك من رؤوس كماتهم ... لما رأيت الغصن يعشق مثمرا
منها :
نمقتها وشياً بذكرك مذهباً ... وفتقتها مسكاً بحمدك أذفرا
فلئن وجدت نسيم حمدي عاطراً ... فلقد وجدت نسيم برك أعطرا
وقال أيضاً يمدح المعتمد ويذكر فتح ابنه قرمونة :
نوالٌ كما اخضر العذار وفتكةٌ ... كما خجلت من دونه صفحة الخد
جنيت ثمار الصبر طيبة الجنى ... ولا شجرٌ غير المثقفة الملد
وقلدت أجياد الشرى رائق الحلى ... ولا دررٌ غير المطهمة الجرد
بكل فتىًً عاري الأشاجع لابسٍ ... إلى غمرات الموت محكمة السرد
منها في ذكر ابنه :
ببدرٍ ولكن من مطالعه الوغى ... وليثٍ ولكن من براثنه الهندي
وربّ ظلامٍ سار فيه إلى العدى ... ولا نجم إلا ما تطلع من غمد
أطل على قرمونةٍ متبلجاً ... مع الصبح حتى قلت كانا على وعد
فأرملها بالسيف ثم أرعاها ... من النار أثواب الحداد على الفقد
فيا حسن ذاك السيف في راحة الهدى ... ويا برد تلك النار في كبد المجد
هنيئاً ببكرٍ في الفتوح افترعتها ... وما قبضت غير المنية في النقد
وقال من قطعة :
وعاطلةٍ من ليالي الحرو ... ب اطلعت رأيك فيها قمر
فإن يجنك الفتح ذاك الأصيل ... فمن غرس تدبير ذاك السحر
منها :
فعاقر سيفك حتى انحنى ... وعربد رمحك حتى انكسر
وكم نبت في حربهم عن على ... وناب عن النهروان النهر
وقال في فارسين تطاعنا فسبق أحدهما الآخر :
روى ليضرب فابتدهت بطعنةٍ ... أن الرماح بديهة الفرسان
ومن شعره :
عليّ وإلا ما بكاء الغمائم ... وفيّ وإلا فيم نوح الحمائم
منها يصف وطنه :
كساها الحيا برد الشباب فإنها ... بلادٌ بها عق الشباب تمائمي
ذكرت بها عهد الصبى فكأنما ... قدحت بنار الشوق بين الحيازم
ليالي لا ألوي على رشد لائمٍ ... عناني ولا أثنيه عن غيّ هائم
أنال سهادي من عيون نواعسٍ ... وأجني عذابي من غصون نواعم
وليلٍ لنا بالسد بين معاطفٍ ... من النهر تنساب اسياب الأراقم

(1/532)


بحيث اتخذنا الروض جاراً تزورنا ... هداباه في أيدي الرياح النواسم
تبلغنا أنفاسه فتردها ... بأعطر أنفاساً وأذكى لناسم
تسير إلينا ثم عنا كأنها ... حواسد تمشي بيننا بالنمائم
وبتنا ولا واشٍ يحس كأننا ... حللنا مكان السر من صدر كاتم
وقيل أن سبب اشتهار ابن حاج هو أن الوزير ابا بكر ابن عمار كان كثير الوفادة على ملوك الأندلس لا يستقر ببلد وكان كثير التطلب لما يصدر عن أرباب المهن من الأدب الحسن فبلغه خبر ابن حاج قبل اشتهاره فمر على حانوته وهو آخذ في صناعة صباغه والنيل على يده وقد غشاها فأخرج زنده ويده بيضاء من غير سوء وأراد أن يعلم سرعة خاطره فأشار إلى يده وقال :
كم بين زندٍ وزند
فقال ابن حاج :
ما بين وصلٍ وصد
فعجب من بادرته وجذب بصبغه وبالغ في الإحسان إليه . ودخل ابن عمار إلى سرقسطة فبلغه خبر يحيى القصاب السرقسطي فمر عليه وبين يديه لحم جزور فأشار ابن عمار إلى اللحم وقال :
لحم سباط الخرفان مهزول
فقال :
يقول يا مشترين مه زولوا
فأعجبه ذلك وأحسن إليه
وينسب إلى ابن عمار وقيل لغيره :
غنى أبو الفضل فقلنا له ... سبحان مخليك من الفضل
غناؤه حدٌ على شربها ... فاشرب فأنت اليوم في حلّ
ومن شعر ابن عمار رحمه الله تعالى :
سل الركب إن أعطاك حاجتك الركب ... من الكاعب الحسناء تمنعها كعب
أحبك وداً من يخافك طاعةً ... وأعجب شيءٍ خيفةٌ معها حب
ومنه :
إني لممن إن دعاك لنصرتي ... يوماً بساطاً حجةٍ وجلاد
أذكيت دونك للعدى حدق القنا ... وخصمت عنك بألسن الأغماد
ابن عمران
قاضي المدينة محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عيد الله التيمي ابو سليمان قاضي المدينة الذي حكم بين المنصور والجمالين من الطبقة الخامسة من أهل المدينة
أمه أسماء بنت سلمة بن عمر بن أبي سلمة وأمها حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب وأمها أسماء بنت بن زيد بن الخطاب
قضى لبني أمية ثم للمنصور على المدينة كان مهيباً صليباً قليل الحديث اتفقوا على صدقه وثقته وديانته وورعه ونزاهته كان له من الولد عبد الله وعبد العزيز لما بلغ موته سنة أربع وخمسين بعد المائة ابا جعفر قال : اليوم استوت قريش
الأنصاري الكوفي محمد بن عمران بن أبي ليلى الإمام الأنصاري الكوفي
روى عنه البخاري في كتاب الأدب وابن أبي الدنيا وغيره وروى عنه الترمذي
توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين
الأصبهاني الشاعر محمد بن عمران الأصبهاني الشاعر
هو القائل :
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما ارى حتى يلين قليلا
إذا لم أجد يوماً إلى الإذن سلماً ... وجدت إلى ترك المزار سبيلا
أورده ابن المرزبان في معجم الشعراء . له
أبو جعفر النحوي المؤدب محمد بن عمران بن زياد الضبي ابو جعفر النحوي الكوفي
كان الغالب عليه الأخبار والأدب وكان ثقة فيما ينقل شيخاً حلواً وكان قبل أن يؤدب المعتز يعلم الصبيان فلما اتصل بالمعتز جعله على القضاة والفقهاء فاجتمعوا إليه يوماً فنعس ثم لما فتح عينيه قال : تهجوا !
فضحكوا
وحفظ عبد الله بن المعتز سورة النازعات وقال له : إذا سألك أمير المؤمنين في أي سورة أنت فقل له : في السورة التي تلي عبس فسأله ابوه ذلك فقال : من علمك هذا ؟ قال معلمي فأمر لع بعشرة آلاف درهم
توفي سنة خمس وخمسين ومائتين
المرزبان الكاتب محمد بن عمران بن موسى بن عبيد ابو عبيد الله المرزبان الكاتب البغدادي العلامة
حدث عن أبي القاسم البغوي وابن دريد ونفطويه وغيرهم وكان أخبارياً راوية للآداب صنف في أخبار الشعراء وفي الغزل غير أن كتبه أكثرها لم تكن معه مما سمعه بل بالإجازة فيقول أخبرنا ولا يبين وكان يضع المحبرة وقنينة النبيذ فلا يزال يكتب ويشرب وكان معتزلياً صنف في أخبار المعتزلة
وتوفي سنة أربع وثمانين وثلاث مائة . وكان ثقة قال ابن الخطيب : وليس حاله عندنا الكذب وأكثر ما عيب عليه المذهب وروايته بالإجازة ولم يبينها

(1/533)


وقال العتيقي : كان معتزلياً ثقة . قال القفطي : نسبة تصانيفه تصانيف الجاحظ كان عضد الدولة مع عظمته يجتاز ببابه ويقف حتى يخرج إليه وكانت داره مجمع الفضلاء
وله كتاب أخبار الشعراء المحدثين خاصة كبير إلى الغاية يكون في عشرة آلاف ورقة وأخبار النحاة ثلاثة آلاف ورقة وأخبار المتكلمين ألف ورقة وأخبار المتيمين ثلاثة آلاف ورقة وأخبار الغناء والأصوات ثلاثة آلاف ورقة كتاب المفيد وهو عدة فصول وكتاب الشعراء الجاهليين وكتاب معجم الشعراء وكتاب الموشح وصف فيه ما أنكره العلماء على بعض الشعراء من العيوب كتاب الشعر وهو جامع لفضائله كتاب أشعار النساء المقتبس في أخبار النحاة البصريين المرشد في أخبار المتكلمين أهل العدل والتوحيد كتاب أشعار الجن الرياض أخبار المتيمين كتاب الرائق أخبار المغنين كتاب الأزمنة كتاب الأنوار والثمار كتاب أخبار البرامكة كتاب المفضل في البيان والعربية والكتابة كتاب التهاني كتاب التسليم والزيارة كتاب التعازي كتاب المراثي كتاب المعلى في فضائل القرآن كتاب تلقيح العقول كتاب المشرف في حكم النبي صلى الله عليه و سلم وآدابه كتاب أخبار من تمثل بالأشعار كتاب الشبان والشيب كتاب المتوج في العدول وحسن السيرة كتاب المدبج في الولائم والدعوات والشراب كتاب الفرج القريب كتاب الهدايا كتاب المزخرف في الإخوان والأصحاب كتاب أخبار أبي مسلم الخراساني كتاب الدعاء كتاب الأوائل كتاب المستظرف في الحمقى كتاب أخبار الأولاد والزوجات والأهل كتاب أخبار الزهاد كتاب ذم الدنيا كتاب المنير في التوبة والعمل الصالح كتاب المواعظ وذكر الموت كتاب أخبار المحتضرين كتاب الحجاب كتاب الخاتم كتاب أخبار أبي حنيفة وأصحابه كتاب شعراء الشيعة أخبار شعبة بن الحجاج كتاب شعر حاتم وأخباره أخبار عبد الصمد بن المعذل أخبار ملوك كندة أخبار ابي تمام أخبار محمد بن حمزة العلوي كتاب أعيان الشعر في المديح والفخر والهجو أخبار الأجواد وله كتب غير ذلك بدأها ولم يتمها
قال ابو حيان التوحيدي : حضرنا مع أبي عبيد الله المرزباني عزاء وجلس إلى جانبه رجل خراساني يرجع إلى مال كثير عليه قباء مبطن له رايحة منكرة فقام المرزباني من جنبه وجلس ناحية وقام بقيامه من ذلك الجانب خلق كثير فقيل له : أيها الشيخ ما حملك على ذلك ؟ فذكر قصته وشرح حاله وأنشأ يقول :
هل لك في مالي وأهلي معاً ... وجلّ ما يملك جيرانيه
تأخذه نافلةً جملةً ... أحسبك المحسن في شأنيه
فاذهب إلى أبعد ما ينتوى ... لا ردك الله ولا ماليه
ابن عمر
ابن علي بن أبي طالب محمد بن عمر بن علي بن ابي طالب رضي الله عنه من سادات بني هاشم
روى عنه الأربعة . توفي سنة أربعين ومائة أو ما دونها
الواقدي محمد بن عمر بن واقد السلمي مولاهم المعروف بالواقدي الإمام أبو عبد الله المدني
روى عن محمد بن عجلان وابن جريج وثور بن يزيد وأسامة ابن زيد ومعمر بن راشد وابن أبي ذئب وهشام بن الغاز وأبي بكر ابن أبي سبرة وسفيان الثوري ومالك وأبي معشر وخلائق وكتب ما لا يوصف كثرة . ولد سنة تسع وعشرين ومائة وهو مع عظمته في العلم ضعيف
قال ابن حنبل : لم ندفع أمر الواقدي حتى روى عن معمر عن الزهري عن نبهان عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه و سلم : أفعمياوان أنتما فجاء بشيء لا حيلة فيه وهذا لم يروه غير يونس
ولي القضاء أربع سنين ببغداد للمأمون وكان عالماً بالمغازي والسيرة والفتوح والأحكام واختلاف الناس . توفي ببغداد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع ومائتين
وروى عنه ابن ماجه وكان يقلب الأسانيد ويأتي بمتن واحد . وله ترجمة طويلة في تاريخ ابن عساكر وحاصل الأمر أنه مجمع على ضعفه وأجود الروايات عنه رواية ابن سعد في الطبقات . كان يقول : ما من أحد إلا وكتبه أكثر من حفظه وحفظي أكثر من كتبي

(1/534)