صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

ولعلماء الشعر قصص في تفسير تسمية هذا الشاعر ب "تأبط شراً"، فزعم بعض منهم أنه "إنما سميّ تأبط شراً لأنه أخذ سيفاً وخرج، فقيل لأمه أين هو? قالت: لا أدري، تأبط شراً وخرج. وقيل أخذ سكيناً تحت أبطه وخرج إلى نادي قومه فوجأ بعضهم، فقيل تأبط شراً. وزعم بعض آخر أن أم تأبط شراً قالت له يوماً: إن الغلمان يجنون لأهلهم الكمأة فهلا فعلت كفعلهم، فأخذ جرابه ومضى فملأه أفاعي وأتى متأبطاً به، فألقاه بين يديها فخرجت الأفاعي منه تسعى فولت هاربة. فقال لها نساء الحيّ: ما الذي كان ابنك متأبطاً له? فقالت: تأبط شراً! وقيل: إنه رأى كبشاً في الصحراء فاحتمله تحت إبطه، فجعل يبول عليط طول طريقه، فلما قرب من الحي ثفل عليه الكبش، فرمى به، فإذا هو الغول. فقال له قومه: ما كنت متأبطاً يا ثابت? قال: الغول. قالوا: لقد تأبطت شراً، فسمي بذلك. وانه قال في ذلك: تأبط شراً ثم راح أو اغتدى يوائم غنماً أو يشف على ذحل
وقيل سميّ بهذا البيت. قال رجل لتأبط شراً: بمّ تغلب الرجال وأنت دميم ضئيل? قال: باسمي، إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل: أنا تأبط شراً، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت". وقيل إنما سميّ "تأبط شراً"، لأن أمه رأته وقد تأبط جفير سهام وأخذ قوساً، فقالت له: هذا تأبط شراً، أو تأبط سكيناً فأتى ناديهم فوجأ بعضهم، فسميّ به لذلك، وكان لا يفارقه سيفه. قتلته هذيل في رواية، وقالت أخته ترثيه: نعم الفتى غادرتم برخمان بثابت بن جابر بن سنان
وكانت تسمى "ريطة". وذكر أن أمه هي التي رثته. وقد ذكر في أشعار هذيل.

(1/6010)


وكان سبب قتله، اته خرج غازياً في نفر من قومه، إذ عرض لهم بيت من هذيل، بين صدى جبل، فأراد مهاجمته، فمنعه من كان معه من مباغتته، لخروج ضبع اعتافوا منه، فلم يبال بتشاؤمهم، فلما قارب البيت رآه غلام، فهرب إلى الجبل، فهجم تأبط شراً مع جماعته على البيت، فقتلوا شيخاً وعجوزاً، وحازوا جاريتين وإبلاً، ثم أبصر تأبط شراً بالغلام، فاتبعه، فرماه الغلام بسهم أصاب قلبه، وحمل على الغلام فقتله، ثم مات هو من السهم، وترك جثة، فاحتملته هذيل، وطرحته في غار يقال له غار"رخمان". فرثته أخته "ريطة" بقولها: نعم الفتى غادرتم برخمان ثابت بن جابر بن سفيان
قد يقتل القرِن ويَروي الندمان وفي بيت شعر ينسب إلى تأبط شراً، هو: ولست أبيت الدهرَ إلا على فتى أسلّبه أو أذعرالسرب أجمعا
معنى يفيد انه يغيرعلى القادم والآيب، يسلبه ويأخذ ما عنده، لا يبالي بشيء إلا بحصوله على غنيمة السلب، وهو ان قابل قافلة، فلم يتمكن منها، يكون قد رضي من فعله بما ألقاه من رعب وذعر في قلوب أصحابها، ويكون قد اشتفى بذلك منها. فهو رجلٍ منتقم، يريد أن يفرج عما ولد في قلبه من غلَ، بأية طريقة كانت، غلّ، ولد فيه، من سواد لونه، ومن ازدراء قومه له، ومن فقره وسوء حاله في هذه الحياة، وذلك فيما لو صح ان هذا الشعر هو من قوله.
ونسب قوم من الرواة إلى "تأبط شراً" قصيدة مطلعها: ولقد سريتُ على الظلام بمغشمٍ جلد من الفتيان غير مهبل
وهي قصيدة نسبها غيرهم إلى "أبي كبير" أو "تأبط شراً" على نظمها.
قال "الجاحظ" في كتابه "الحيوان":" وقال تأبط شراً-إن كان قالها-: شامس في القرّ حتى إذا ما ذكت الشعرى فبرد وظل
وله طعمان أرٌيُ وشريُ وكلا الطعمين قد ذاق كل"
مما يدل على انه في شك من أمر نسبة هذه القصيدة اليه.

(1/6011)


وأشعار "تأبط شراً" متناثرة في كتب الأدب. ولم يطبع له ديوان بعد. ومن شعره أبيات، يذكر فيها أن "عذّالة" لامته حتى أكثرت من لومه، فكادت تخرق جلده أي تخراق، وقد عبر عن ذلك بقوله:
يا من لعذّالة خذّالة نشبٍ خرقت باللوم جلدي أي تخراق
تقول:أهلكت مالاً لو ضننت به من ثوب عزّ ومن بزّ وأعلاق
سدّد خلالك من مال تجمعه حتى تلاقي ما كلّ امرئ لاق
عاذلتا انّ بعضَ اللوم معنفة وهل متاع وإن بقيتهُ باق
وهذه هي مشكلة أولئك الصعاليك، كانوا يخاطرون بحياتهم، للحصول على نال، فإذا حصلوا عليه، ونجوا من تعقب الناس لهم، أهلكوه. يتلفونه على ملذاتهم، أو على أصدقائهم. وإذا بهم في حاجة إلى مال، وفي عسر وضيق. ومن شعره قوله: لَتَقرعنَّ علي السنّ من ندمٍ إذا تذكرت يوماً بعض أخلاقي
وله شعر يصف فيه حاله، بقوله: قليل التشكي للمهم يُصيبه كثيرُ الهوى شتى النوى والمسالكِ
يظلّ بموماة ويمسي بغيرها جحيشاً ويَعروري ظهور المهالك
ويسبق وفد الريح من حيث يتنحى بمنخرق من شدة المتدارك
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل له كالئُ من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبه إلى سلة من حدِّ أخلق صائكِ
إذا هزّه في عظم قرنٍ تهللت نواجذ أفواه المنايا الضواحك
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك
وهي قصيدة مدح بها عمه "شمس بن مالك".
وقد شك "الجاحظ" في نسبة هذه القصيدة إلى "تأبط شراً"، إذ قال: "ومن هذا الباب قول تأبط شراً، أو قول قائل فيه في كلمة له". وتنسب أيضاً إلى "السليك بن السلكة" أحد غرابيب العرب.
وله قصيدة ذكر فيها أنه التقى بالغول، وصار جاراً للغيلان، وقد وصف حاله معها، حيث قال: وأدهم قد جبت جلبابهُ كما احتابت الكاعبُ الخيعلا
إلى أنسحدا الصبح اثناءه ومزق جلبابه الأليلا
على شيم نارٍ تنورتها فبت لها مدبراً مقبلا
فأصبحت والغول لي جارة فيا جارتا أنت ما أهولا
وطالبتُها بعضها فالتوت بوجه تهول فاستهولا

(1/6012)


وهي قصيدة ذكرها "ابن قتيبة"، وقد اكتفيت منها بالأبيات المتقدمة. وقد عمل "ابن جني" ديوان "تأبط شراً"، ونشرت بعض أشعاره وترجمت بلغات أعجمية.
وأما "السليك بن السلكة"، فهو من تميم. وأمه أمة سوداء، وكان يغير على القبائل، و لاسيما القبائل اليمانية وقبائل ربيعة. وكان من العارفين باقتفاء الأثر. ومن العالمين بالمسالك وبالطرق وبالأرض. يذكرون أنه كان إذا جاء الشتاء استودع بيض النعام ماء السماء ثم دفنه، فإذا كان الصيف، وأغار واحتاج إلى الماء، جاء إلى مواضع البيض، فاستخرج البيض منها وشرب ما فيه من ماء.
وقد نسب "سليك" على هذا النحو: "سليك بن يثربي بن سنان بن عمير ابن الحرث، وهو مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن سلكة، وهي أمه. ولذا قيل: "ابن السلكه" وقيل اسم والده: "عمرو بن يثربي"، ويقال "عمير"، وهو شاعر لص فتاك عدّاء. يقال: "أعدى من سليك"، ويقال له: "سليك المقانب". قال قرّان الأسدي، وقيل أنس ابن مدرك: لَخُطابُ ليلى يالَ برثن منكم على الهول، أمضى من سليك المقانب
وقال أهل الأخبار عنه، انه أحد أغربة العرب وهجنائهم وصعاليكم ورجيلاتهم، وكان له بأس ونجدة. وكان أدل الناس بالأرض وأجودهم عدواً على رجليه، وكان لا تعلق به الخيل. وتذكر قصة انه خرج رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر عليه، فيذهب بإبله، وبينما هو نائم، واذا برجل يجثم عليه، ويقول له: استأسر، فتمكن منه السليك، ووجده صعلوكاً فقيراً جاء مثله لعله يصيب شيئاً، فاتفق معه على أن يغزوا معاً، فلما سارا وجدا رجلاً صعلوكاً انضم اليهما، واتفقوا على الغزو، ولما كانوا في جوف "مراد"، وجدوا نعماً، فطلب "سليك" من رفيقيه الانتظار والتربص ريثما يذهب إلى الرعاء فيلهيهما، ثم يغيرا على النعم. فلما وصل إلى الرعاء، تودد اليهم، ثم قال لهم: ألا أغنيّكم? قالوا: بلى، فأخذ يغني: يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالوادي إلا عبيد وآم بين أذواد

(1/6013)


أتنظرانِ قليلاً ريث غفلتهم أم تعدوان فإن الريح للعادي
فلما سمعا ذلك أطردا الإبل فذهبا بها.
وذكر ان "بكر بن وائل" سارت للإغارة على "تميم". ورأته طلائعها، فأرادت القبض عليه، حتى لا يذهب اليهم فيخبرهم بزحفهم عليهم. ولكنه ركض مسرعاً، ففلت منهم، وأخبر قومه بغزوهم، فكذبوه. فقال في ذلك شعراً، وجاءت "بكر بن وائل" فأغارت عليهم.
وقد وصفه "عمرو بن معدي كرب" في شعر منه: وسيريَ حتى قال في القوم قائل: عليك أبا ثورٍ سُلَيٌك المقانب
ومرّ "سليك" في بعض غزواته ببيت من "خثعم"، أهله خلوف، فرأى فيهم امرأة بضة شابة، فتسّنمها ومضى، فأخبرت القوم، فركب "أنس بن مدرك الخثعمي" في أثره فقتله، وطولب بديته، فقال: واللهِ لا أديه ابن إفال، وقال: إني وقتلي سليكاً يوم أعقله كالثور بضرب لما عافت البقر
غضبتُ للمرء إذٌ نيكت حليلته وإذ يشدُ على وجعائها الثغر
وقد ورد البيتان على هذه الصورة: إني وقتلي سليكاً ثم أعقله كالثور يضرب لما عافت البقرُ
أنفت للمرءِ إذ نيكت حليلته وأن يشد على وجعائها الثغر
ومن بقية الشعراء الصعاليك، "حاجز" الأسدي، و "قيس بن الحدادية" الأزدي، و "أبو الطحمان" القيني، "وأبو خراش" الهذلي، وصخر الغي الهذلي، وأخوه الأعلم الهذلي، وعمرو ذو الكلب.

(1/6014)


فأما "قيس بن الحدادية"، فهو "قيس بن منقذ بن عبيد بن أصرم بن ضاظر بن حُبشية بن سلول"، وله مع "عامر بن الظرب" حديث. وصفه "المرزباني" ب"شاعر قديم كثير الشعر". وأمه من "بني حُداد" كنانة، وقوم يجعلونها من حداد محارب. وكان صعلوكاُ خليعاً، ساهم مع جماعة من أهله في قتل رجل من قبيلتهم، وعجز قومه من دفع ديته، فولوا هاربين، فنزلوا في "فراس بن غنم" ثم لم يلبثوا أن قتلوا منهم رجلاً، فهربوا، فنزلوا على "أسد بن كرز" من "بجيلة"، فأحسن اليهم وتحمل عنهم ما أصابوا في خزاعة وفي فراس. وقد نسب "قيس" إلى أمه الحُدادية، وهي حضرمية من محارب. وورد ان أمه من "محارب بن خصفة". و "حداد" من كنانة. ومن شعره: أنا الذي أطرده موالِيهٌ وكلهم بعد الصفاء قاليه
و لا نجد في بطون الكتب شعراً كثيراً لقيس بن الحدادية، بحيث تنطبق عليه جملة "كثير الشعر" التي أطلقها "المرزباني" على شعر هذا الشاعر، مما يبعث على الاحتمال بضياعه منذ عهد طويل.
وألف "قيس بن الحدادية"، عصابة ضمت "شذاذاً من العرب وفتّاكاً من قومه" وأخذ يغير على عشيرته بسبب خلعها له، وبقي شريداً متمرداً يغزو بصعاليكه، إلى أن قتل صعلوكاً.

(1/6015)


وأما "أبو الطمحان" القيني، فهو "حنظلة بن الشرقي" من بني كنانة بن القين، وكان فاسقاً، نازلاً بمكة على الزبير بن عبد المطلب، وكان ينزل عليه الخلعاء، وكان نديماً له في الجاهلية. اختلف فيه، فمنهم من قال إنه جاهلي، ومنهم من قال إنه أدرك الإسلام. وقد زعم بعضهم أنه عاش مائتي سنة، وأنه ندم على ما اقترفه من الذنوب كالزنا وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والسرقة، ورووا له شعراً تبرأ فيه من الذنوب. ذكر أنه قيل له: ما أدنى ذنوبك? قال: ليلة الدير، قيل له: وما ليلة الدير? قال: نزلت بديرانية، فأكلت عندها طفشيلاً بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ومضيت!? وكانت له ناقة يقال لها "المرقال"، وله إبل استقاها قوم نزلوا ضيوفاً عليه وشربوا من ألبانها ثم أخذوها معهم، فقال في ذلك شعراً منه: واني لأرجو ملحها في بطونكم وما بسطت من جلد أشعث أغبر
وذلك أنه جاورهم، فكان يسقيهم اللبن؛ فقال أرجو أن تشكروا لي ردّ لإبلي، على ما شربتم من ألبانها، وما بسطت من جلد أشعث أغبر، كأنه يقول: كنتم مهازيل فبسط ذلك من جلودكم.
وروي أنه كان من المعمرين، عاش على حدّ قول بعضهم مائتي سنة. فقال في ذلك: حنتني حانيات الدهر حتى كأني خاتل أدنو لصيد
قصير الخطوِ يحسب من رآني ولست مقيداً أني بقيد
ونسب "المرتضى" له قوله: واني من القوم الذين همُ همُ إذا مات منهم ميت قام صاحبه
نجوم سماء كلما غاب كوكب بدا كوكب تأوي اليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نَظَّم الجزع ثاقبه
و ما زال منهم حيث كان مسود تسير المنايا حيث سارت كتائبه

(1/6016)


وقد لاقى "ابو الطمحان" مصاعب عديدة، وكان لا يكاد يجد له مكاناً يستقر فيه، حتى تقع له حادثة توقعه في مشكلات عويصة وفي شدة ومحنة، فكان يتنقل من جار إلى جار، ثم يهم بالعودة إلى أهله لولا خوفه من أداء الدية التي عليه أن يدفعها، فيحجم عن الذهاب اليهم، حتى استقر أخيراً في"بني فزارة" في جوار رجل يقال له "مالك بن سعد" أحد "بني شمخ"، وكان كريماً، فآواه، واعطاه ابلاً لتكون دية جنايته وزاد عليها، وكان قد لمح له انه يريد العودة إلى أهله لولا هذه الدية، فلما وجد هذا السخاء من مالك، بقي عنده، وصار أحد عشيرته حتى هلك فيها، وهو طاعن في السن. فذكره "السجستاني" لذلك في المعمرين، وأعطاه مائتي سنة من عمر مديد ! ونسب إلى "أبي الطمحان" قوله: ان الزمان ولا تفنى عجائبه فيه تقطع أُلافٍ وأقران
أمست بنو القين أفراقاً موزّعة كأنهم من بقايا حي لقمان
وله شعر في مدح "مالك بن حمار" الشمخي، وكان شريفاً من أشراف العرب قتله "خفاف بن ندمة" السلمي، يقول فيه: سأمدح مالكاً في كل ركبٍ لقيتهم وأترك كل رذل
فما أنا والبكارة من مخاضٍ عظام جلة سدس وبزل
وقد عرفت كلابُكم ثيابي كأني منكم ونسيتُ أهلي
نمتكم من بني شمخٍ زناد لها ما شئت من فرعٍ وأصل
وله أيضاً: فكم فيهم من سيد و ابن سّيد وفيّ بعقد الجار حين يفارقه
يكاد الغمامُ الغرّ يزعب ان رأى وجوه بني لأم وينهل بارقه
وله في "بني نمير" قوله: مهلاُ نميرُ فانكم أمسيتم منّا بثغر ثنيّة لم تُسترِ
سُوداً كأنكم ذئائب خطيطة مُطر البلاد وحرمها لم يُمطر
يحبون ما بين أجا وبرقة عالجٍ حبو الضباب إلى أصول السخبر
وتركتم قصب الشُريف طوامياً تهوى ثنيته كعين الأعور
وله في الأتعاظ والاعتبار بدروس الغابرين، قوله: ألا ترى مأرباً ما كان أحصنه وما حواليه من سور وبنيان
ظلّ العبادي يسقي فوق قُلته ولم يهب ريب دهرٍ حق خوّان
حتى تناوله من بعد ما هجعوا يرقى اليه على أسباب كتّان

(1/6017)


ولما في حياة الصعالكة من غرابة وطرافة ومغامرات، تستلذ لسماعها الآذان، وضع الوضاعون عليهم أخباراً كثيرة وأشعار عديدة، تجد بعضها تحكي الأيام التي وضع الوضاعون فيها تلك الأشعار، من حيث الطعن في الأغنياء، و تفضيل الفقراء عليهم، وترجيح الفقير على الغني، لشعوره بشعور انساني حرم منه الغني الذي لم يكن يفكر الا بنفسه، كما ان في كثير من الشعر المصنوع طابع حياة المغامرات. وهو يختلف نصاً من مؤلف إلى مؤلف، مما يدل على تعدد الروايات، وانه أخذ من ألسنة متعددة، فتعدد بعددها.
الفصل الحادي والستون بعد المئة
شعراء القرى العربية
والقرى العربية فينظر "ابن سلام" خمس هن: مكة والمدينة والطائف واليمامة والبحرين. و"القرية" في تفسير علماء العربية المصر الجامع، وقيل كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قراراً وتقع على المدن وغيرها. وقد جاءت اللفظة في مواضع عديدة من القرآن. كما وردت فيه: "القريتين"، بمعنى مكة والطائف، و "أم القرى"، بمعنى "مكة"، و "أهل القرى"، و "القرى". ومكة و المدينة و الطائف قرى، أما "اليمامة" فمصر جامع، ضم قرى، و كذلك البحرين. ولم تدخل " الحيرة"، أو الأنبار، في القرى العربية لكونها خارج حدود جزيرة العرب في عرف العلماء.
وذكر "ابن سلام" ان أشعر أهل القرى الخمس، أهل قرية "المدينة"، أي يثرب. وقد أخرجت خمسة من الفحول: ثلاثة من الخزرج و اثنان من الأوس. فمن الخزرج من "بني النجار" حسان بن ثابت، ومن بني سلمة: "كعب بن مالك"، و من "بلحارث بن الخزرج" " عبد الله بن رواحة".
ومن الأوس: قيس بن الخطيم، من "بني ظفر"، و "أبو قيس ابن الأسلت" من "بني عمرو بن عوف".
وروي عن "أبي عبيدة" قوله: "اجتمعت العرب على ان شعر أهل المدر: يثرب، ثم عبد القيس، ثم ثقيف، وعلى ان أشعر أهل المدر: حسان بن ثابت، ثم قال: "حسان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر اليمن في الإسلام، وهو شاعر أهل القرى". وروي انه كان أشعر أهل الحضر.

(1/6018)


وفال ابن سلام في حديثه عن مكة: "وبمكة شعراء" ووصف أشعار قريش بأنها أشعار فيها لين، وهي سهلة سلسة إذا قيست بأشعار أهل البادية، يتغلب عليها طابع الحضارة، و كذلك شعر باقي القرى. و قال عن الطائف، وبها شعراء وليس بالكثير. وعلل ذلك بقوله: "وانما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء، نحو حرب الأوس و الخزرج، أو قوم يغيرون ويغار عليهم. و الذي قلل شعر قريش انه لم يكن بينهم ثائرة، و لم يحاربوا. وذلك الذي قلل شعر عمان و أهل الطائف". و قال عن "اليمامة": "ولا أعرف باليمامة شاعراً مشهوراً".
ولم تنفرد أشعار قريش و حدها باللين، و انما الليونة والسهولة في الشعر من طبائع الشعر الحضري أجمع. ففي طبيعة الحياة في الحاضرة سهولة غير موجودة في حياة البداوة، و راحة ودعة و استقرار، وهي أمور لا توجد في البادية، ثم فيها اجتماع و احتكاك بعالم خارجي، وميل إلى جمع المال والاستمتاع به، و الابتعاد عن الغزو و الحرب، وكراهة القتال و تعريض النفس للخطر، و النفس عزيزة غالية عند الحضر، وهي هينة رخيصة عند الأعراب، وما الذي يجعل الأعرابي يحرص على حياته حرص أهل الحواضر، و كل ما عنده جوع و فقر و طبيعة قاسيةتجعله لا يحصل على قوته الا بالاغارة على غيره لاستلاب ما عنده من رزق. فلا غرابة إذا ما غلظ شعره وخشن شعوره المتمثل في نظمه، ولأن شعر الحضري في مقابله.

(1/6019)


ولم يذكر "ابن سلام" السبب الذي جعل "اليمامة" فقيرة في الشعر، حيث يقول: "ولا أعرف باليمامة شاعراً مشهوراً"، ولا الأسباب التي حملته على القول بعدم و قوفه على شاعر شهير فيها، مع أن "الأعشى" منها، وهو شاعر شهير، والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، وهما شاعران مشهوران من "قيس ابن ثعلبة"، و "قيس ابن ثعلبة" من القبائل النازلة باليمامة، وقد ذكرها "ابن سلام" في طبقاته، كما ذكر "المتلمس"، في طبقاته، وهو شاعر معروف من شعراء اليمامة كذلك. و يظهر أنه نسي أسمائهم، لأنه كان يعلم أن الغلبة كانت لبني حنيفة على اليمامة عند ظهور الإسلام، و لم يحفظ الرواة -لسبب لا نعرفه- شعراً لشعراء من بني "حنيفة"، فعمم قوله على كل اليمامة، و الحكم بالتعميم شئ مألوف بين أهل الأخبار.
وقد ذهب "الجاحظ" ال ان "بني حنيفة" أهل اليمامة، كانوا أقل الناس شعراً، اذ يقول: "وبنو حنيفة مع كثرة عددهم، وشدة بأسهم، وكثرة وقائعهم، و حسد العرب لهم على دارهم و تخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكراً كلها، و مع ذلك لم نر قبيلة قط أقل شعراً منهم. و في اخوتهم عجل قصيد ورجز، وشعراء و زجّالون". وقد أنكر أن يكون ذلك بسبب مكان الخصب و انهم أهل المدر، أي حضر، و انما رجع ذلك إلى الطبع، و إلى "قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز، و البلاد و الأعراق مكانها".
ويلاحظ أن علماء اللغة، جعلوا "اليمامة" في جملة الأرضين التي لم يرجعوا إلى لغتها، فذكروا أنهم لم يأخذوا اللغة "لا من بني حنيفة و سكّان اليمامة، ولا من ثقيف و أهل الطائف، لمجاورتهم تجار اليمن المقيمين عندهم"، و ذلك في الإسلام بالطبع، لأن تدوين اللغة لم يبدأ به الا في هذا الحين. وهو رأي صحيح، لأن لغات أهل اليمامة

(1/6020)


متأثرة باللهجات العربية الجنوبية، كما كانت كتاباتهم بالمسند، بدليل عثور المستشرقين على كتابات عديدة في مواضع من اليمامة، مدّونة بهذا القلم، وبلغة عربية جنوبية بلهجات خاصة بعض التأثر، و لهذا فنحن نستطيع أن نقول ان كتابات اليمامة التي عثر عليها الآن والتي سيعثر عليها في المستقبل، تكون مجموعة فريدة مهمة من الكتابات و قد تكون جسراً بين العربيات الجنوبية القحة، وبين اللغات العربية الشمالية، وقد تكون هذه الخصائص اللغوية الفريدة هي التي جعلت "ابن سلام" يقول في طبقاته: "ولا أعرف باليمامة شاعراً مشهوراً"، اذ سمع أن شعراء اليمامة كانوا يقولون الشعر بلهجاتهم التي تختلف عن اللهجة التي نظم بها شعراء مجموعة "ال"، فأهمل لذلك شعرهم، أو أن شعرهم لكونه شعراً محلياً خاصاً، لم ينتشر خارج قبائل اليمامة، فلم يصل إلى علمه منه شيء، فقال لذلك قوله المذكور، و لم يعده من الشعر المألوف، الذي تعورف عليه بين علماء الشعر، ولما كان "الأعشى" و "المرقش" الأكبر، و المرقش الأصغر، و المتلمس، قد نظموا الشعر باللهجة المألوفة، ولكونهم من المتنقلة الذين تنقلوا بين العرب، وقضو أكثر أوقاتهم خارج اليمامة، لم يدخلهم لذلك في شعراء اليمامة، لا جهلاً منه بأصلهم، وانما لما بينته من أسباب.

(1/6021)


ولعل لكثرة وجود العبيد والموالي بها دخل في هذا الباب، فاليمامة أرض خصبة ذات مياه، استقر أهلها و أقاموا في القرى و زرعوا واعانوا بالموالي وبالعبيد و بأهل اليمن لاستغلال أرضهم، فصاروا من أصحاب الزراعة في جزيرة العرب، كما استغلوا معادنها، و استعانوا في استغلالها بالأعاجم، فذكر انه كان في معدن "شمام" ألف أو يزيد من المجوس، لهم بيت نار. ولعل "آل كرمان"، و "الأحمر" في الحرملية، هم من الأعاجم الذين كانوا قد ولجوا هذه المواضع للعمل بها قبل الإسلام، أضف إلى ذلك وجود عدد كبير آخر من الموالي في أكثر قرى اليمامة، شغلوا في الزراعة وفي استغلال المعادن وفي تصنيعها، و هي أمور يانف منها الأعرابي و يزدريها. و لهذا قيل لهم أهل "ريف"، و قد وصفهم صارت حنيفة أثلاثاً فثلثهم من العبيد و ثلث من مواليها
وذلك تعبيراً عن كثرة من كان في اليمامة من العبيد والموالي الذين لعبوا دوراً كبيراً في اقتصاد اليمامة، حيث شغلوا في الزراعة و في الرعي و في استغلال المعادن و الصناعة، وأنشاء القرى، حتى صارت أرضها بين قرى وأرض استغلت بزرعها سيحاً، أي على مياه الأمطار. وأما القرى التي أقيمت على الآبار و العيون و المياه الجارية و على حافات الأودية. و قد حفر الرقيق أكثر هذه الآبار، كما استغلت الآبار العادية، أي الآبار القديمة التي تنسب إلى ما قبل مجيء قبائل "ربيعة" إلى اليمامة. و نجد في الكتب التي وصفت اليمامة ذكراً لمواضع كثيرة، توفرت بها المياه، فصارت أرضين خصبة، موّنت اليمامة وغيرها بالحنطة و التمور والخضر.

(1/6022)


وكان جلّ أهل "اليمامة" عند ظهور الإسلام من "بكر بن وائل"، و بكر ابن وائل من "ربيعة"، فهم ليسوا من "مضر" اذن، الذين اخذ عنهم علماء العرية اللغة في الإسلام. فقوم الاعشى، وهم "بنو قيس بن ثعلبة" من بكر بن وائل، وبنو حنيفة، وهم قوم "مسيلمة" من"بني لجيم بن صعب ابن علي بن بكر بن وائل"، فألى ربيعة كانت الغلبة في هذا العهد، وأما بطون "تميم" التي كانت تقيم في مناطق من اليمامة، فلم تكن تكون الكثرة إلى جانب ربيعة، وتميم ومضر في عرف أهل الاخبار.
واليمامة اقليم مشهور عرف بعذوبة مياهه، و بخصبه وبكثرة قراه، وبأشتغال اهله بالزراعة، زراعة النخيل والاشجار المثمرة والحنطة، كما عرف بتربيته للإبل والبقر والغنم، ولذلك وفرت اللحوم به، وقد استقر أهله، وصاروا حضراً وأشباه حضر، ولعل لصلتهم بالمين ولنزوح أهلها القدماء من اليمن، وهم من اهل زرع وضرع، ثم توفر الماء والتربة الخصبة في اليمامة، جعلت كل هذه الامور اهلها حضراً على مستوى عال من الحياة بالنسبة إلى من كان يقيم في البوادي من القبائل، اعتمدوا في الدفاع عن انفسهم الحصون والبتل التي لا تزال آثار بعضها قائمة إلى هذا اليوم، فكانوا إذا بوغتوا بهجوم، اسرعوا إلى بتلهم وقصورهم، فتحصنوا بها، وهي من اهم ما يميز أهل الحضر عن اهل الوبر. ولهذا نجد مستوطنات اهل المدر، مكونة من أطم كما تسمى في "يثرب"، أو قصور كما تسمى في الحيرة وفي قرى عرب العراق، وبتل كما عرفت في اليمامة، وبفضل هذا النظام الدفاعي، حموا انفسهم من هجمات الاعراب عليهم.

(1/6023)


ولطابع الاستقرار الغالب على أهل اليمامة أثر في شعر شعراء اليمامة. يظهر في اساليب شعرائها السهلة وفي البحور التي نظمو بها شعرهم، وهم يقربون بذلك من شعراء عرب العراق أو الشعراء الذين تأثروا بالشعر العراقي، كما يظهر هذا الطابع في المعاني التي تطرقوا اليها، وسبب قربهم في المعاني والصياغة من اهل العراق، هو تشابه الحياة بين عرب الحيرة مثلاً وبين اهل اليمامة، فأهل الحيرة حضر أو اشباه حضر، واهل اليمامة حضر مثلهم أو اشباه حضر، لهم زراعة، ولهم حرف قد احترفوها منذ امد طويل، ثم ان النصرانية كانت قد انتشرت بين عرب العراق، وقد انتشرت بين اهل اليمامة كذلك، وجذورها وان لم تكن عميقة راسخة في المحيطين، لكنها كانت قد تأثرت بعقلية أهلهما على كل حال.
ومن شعراء اليمامة "المرقش" الاكبر، وهو "ربيعة بن سعد بن مالك"، ويقال: بل هو عمرو بن سعد بن مالك، وقيل "عوف بن سعد بن مالك" من "بني قيس بن ثعلبة" من قبائل اليمامة المعروفة، وكان ابوه سيد قومه في حرب البسوس، وهو خال " عمرو بن قميثة"، وله صهر مع طرفة والاعشى ميمون. ذكر انه انما عرف بالمرقش بهذا البيت: الدار قفر والرسوم كما رقش في ظهر الاديم قلم

(1/6024)


وبعد "المرقش" الأكبر من الشعراء العشاق، وله قصة عن حبه لابنة عمه، عن زواجها اثناء غيابه، ثم بحثه عنها، ونزوله كهفاً أسفل "نجران"، ثم احتياله في الصول اليها، ووفاته بعد ذلك. وهي قصة نجد لها مثيلاً في قصص وحكايات الامم الاخرى. وقيل ان صاحبته " اسماء بنت عوف بن مالك"، كان ابوها زوجها رجلاً من مراد، والمرقش غائب، فلما رجع اخبر بذلك، فخرج يريدها ومعه عسيف له من "غفيلة"، فلما صار في بعض الطريق مرض، حتى ما يحمل اليه معروضاً، فتركه الغفيلي هناك في غار، وانصرف إلى اهله، فخبرهم انه مات، فأخذوه وضربوه حتى اقر، فقتلوه، ويقال ان اسماء وقفت على امره، فبعثت اليه فحمل اليها، وقد اكلت السباع أنفه. فقال: يا راكباً أما عرضت فبلغن أنس بن عمرو حيث كان وحرملا
وقد وصف في هذه الابيات ما لاقاه في سفره، وهروب الغفيلي منه، وذهاب السباع بأنفه. ويقال انه كتبها على خشب الرحل بالحميرية، وكان يكتب بها، فقرأها لقومه، فلذلك ظربوا الغفيلي حتى اقر. وفي اكل السباع أنفه يقول: من مبلغ الفتيان ان مرقشاً أضحى على الاصحاب عبثاً مثقلاً
ذهب السباع بأنفه فتركنه ينهشن منه في القفار مجدلا
ونسب له قوله: ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
اخوك الذي احرجتك ملمة من الدهر لم يبرح لها الهر واجما
وليس اخوك بالذي ان تشعبت عليك امور ظل يلحاك دائماً
وقد تعرض "المعري" لكلمة "المرقش": هل بالديار ان تجيب صمم? لو كان حياً ناطقاً كلم
ماذا علينا ان غزا ملك من آل جفنة ظالم مرغم
وهذا خروج عما ذهب اليه الخليل".
وتعرض بعد ذلك له، بأن تصور نفسه وهو يقول له وقد زاره في اطباق العذاب" ان قوماً من اهل الإسلام كانوا يستزرون بقصيدتك الميمية التي اولها:
هل بالديار أن تجيب صمم لو كان حياً ناطقاً كلم

(1/6025)


وانها عندي من المفردات. وكان بعض الادباء يرى أنها والميمية التي قالها المرقش الاصغر ناقصتان عن القصائد المفضليات، ولقد وهم صاحب هذه المقالة. وبعض الناس يروي الشعر لك: تخيرت من نعمان أراكه لهند، ولكن من يبلغه هندا?
خليلي جوراً بارك الله فيكما وإن تكن هندا لأرضكما قصدا
وقولا لها: ليس الضلال أجارنا ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
ولم اجدها في ديوانك فهل ما حكي صحيح عنك? فيقول: لقد قلت اشياء كثيرة، منها ما نقل اليكم، ومنها ما لم ينقل. وقد يجوز أن أكون قلت هذه الابيات ولكني سرفتها لطول الابد ولعلك تنكر انها في هند، وان صاحبتي أسماء، فلا تنفر من ذلك، فقد ينتقل المشيب من الاسم إلى الاسم، ويكون في بعض عمره مستهتراً بشخص من الناس، ثم ينصرف إلى شخص اخر، ألا تسمع إلى قولي: سفه تذكره خويلة بعدما حالت ذر نجران دون لقائها
ومن القصيدة الميمية المنسوبة اليه بقوله: النشر مسك والوجوه دنا نير، واطراف الاكف عنم.
وقوله: ليس على طول الحياة نَدَم ومن وراء المرء ما يعلم
ولم يبق من شعر المرقش الأكبر الا "12" قطعة، وفي بعض شعره اضطراب، والقطعة "54" من الأصمعيات من بحر عروض لم يهتد المتأخرون إلى تحديده. ونجد بحر الخفيف عنده.

(1/6026)


وأما المرقش الأصغر، فهو "عمرو بن حرملة"، وقيل: "ربيعة بن سفيان"، و قيل "عمرو بن سفيان" و هو من بني سعد بن مالك بن ضبيعة، أحد عشاق العرب المشهورين. وورد في رواية أنه أخو المرقش الأكبر، و يقال انه ابن أخيه. و قد أشتهر بقصة غرامه بفاطمة بنت المنذر الثالث ملك الحيرة وكانت لها خادمة تجمع بينهما، يقال لها "هند بنت عجلان"، و كان للمرقش ابن عمّ يقال له "جناب بن عوف بن مالك" لا يؤثر عليه أحداً، وكان لا يكتمه شيئاً من أمره، فألح عليه أن يخلفه ليلة عند صاحبته، فأمتنع عليه زماناً، ثم انه أجابه إلى ذلك، فعلمه كيف يصنع إذا دخل عليها، فلما دنا منها أنكرت عليه مسّه، فنحته عنها، وقالت: لعن الله سراً عند المُعيدي، وجاءت الوليدة فأخرجته، فأتى المرقش فأخبره، فعضَّ على ابهامه فقطعها أسفاً وهام على وجهه حياءً. وخلد القصة في شعر.
وكان هرب من المنذر وأتى الشام، فقال: أبلغ المنذر المنقبَ عني غير مستعتب ولا مستعين
لاتَ هنا وليتني طرف الز ج و أهلي بالشأم ذات القرون
وصاحبته بنت عجلان، أمة كانت لبنت "عمرو بن هند"، وفيها يقول: يا بنت عجلان ما أصبرني على خطوب كنحتٍ بالقدوم
ومن شعره المشهور هذا البيت: ومن يلق خيراً يحمد الناس أمرهُ ومن يغوِ لا يعدم على الغي لائما
ويعد المرقش الأصغر أشعر من عمه، ويغلب على شعره الغزل، وهو أكثر صقلاً، وأقرب مطابقة لأسلوب المتأخرين.
ومن شعراء اليمامة: "المتلمس"، وهو "جرير عبد المسيح"، وقيل "جرير بن عبد العزى"، وقيل غير ذلك، وهو من بني ضبيعة، وأخواله "بنو يشكر". وهو خال "طرفة"، لقّب بالمتلمس لبيت قاله، هو: فهذا أوان العرض حيّا ذبابه زنابيره و الأزرقُ المتلمس
وقيل ان اسم ابيه "عبد العزى"، وهو من أسماء الوثنيين، ويظهر انه تنصر فسمي نفسه عبد المسيح.

(1/6027)


وكان ينادم "عمرو بن هند" ملك الحيرة هو وطرفة بن العبد، فبلغه انهما هجواه، فكتب لهما عامله بالبحرين كتابين، أولهما انه أمر فيهما بجوائز وكتب اليه يأمره بقتلهما، فاستراب "المتلمس" من الكتابين و عرض كتابه على غلام من أهل الحيرة، فقرأه فاذا فيه أمر بقطع يديه و رجليه، ودفنه حياً، فمزقه، ورماه في نهر الحيرة، وقال لطرفة: ادفع اليه صحيفتك يقرأها، فأبى و ذهب إلى البحرين فقتله عامل "عمرو بن هند". وهرب المتلمس إلى بصرى واستقر هناك إلى ان مات بها. وضرب المثل بصحيفة المتلمس.
والمتلمس" من "ضبيعة أضجم"، وقد نسبت إلى "الحارث الأضجم"، وكان قديم السؤدد فيهم، كانت تجبى اليه أتاواتهم.
وقد ذكر "العيني" أن البيت المنسوب إلى "المتلمس"، وهو البيت الذي ضرب به المثل، فقيل صحيفة المتلمس، و نصه: ألقي الصحيفة كي يخفف رحله و الزاد حتى نعله ألقاها
ليس من نظم المتلمس، و لم يقع في ديوان شعره، و انما هو لأبي مروان النحوي، قاله في قصة المتلمس حين فرّ من عمرو بن هند. وكان قد هجا عمرو بن هند، و هجاه أيضاً طرفة بن العبد، فقتل طرفة و فرّ المتلمس. وبعد البيت المذكور: ومضى يظن يريد عمرو خلفه خوفاً وفارق أرضه و قلاها
ويحتمل على رأي "بروكلمن" أن تكون قصة الصحيفة مختلفة، وكذلك القصيدة التي ورد فيها ذلك البيت.
قال الشريف "المرتضى": "ويقال ان صاحب المتلمس و طرفة في هذه القصة هو النعمان بن المنذر، وذلك أشبه بقول طرفة: أبا منذر كانت غروراً صحيفتي ولم أعطكم في الطوع مالي و لا عرضي
أبا منذرٍ أفنيتَ فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض
وأبو منذر هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح طرفة النعمان، فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصة مع النعمان".

(1/6028)


وفي شعر المتلمس ما يتعلق بأخبار القبائل، وفيه هجاء لعمرو بن هند. وهو من الشعراء المقلين. "قال أبو عبيدة: و اتفقوا على ان أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن الحمام المريّ". وذكر انه أخذ يهجو "عمرو بن هند" من منفاه، ويحرض قوم طرفة على الطلب بدمه. فمن جملة ما قاله قصيدته: ان العراق و أهله كانوا الهوى فاذا نأى بي ودهم فليبعد
ولما تهدده "عمرو"، وحلف ان وجده بالعراق ليقتلنه و ان لا يطعمه حب العراق، قال المتلمس: آليت حب العرق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السوس
لم تدر بصرى بما آليت من قسمٍ ولا دمشق إذا ديس الكراديس
وبقي ببصرى حتى هلك بها، وكان له ابن يقال له: عبد المدّان، أدرك الإسلام، وكان شاعراً، هلك ببصرى و لا عقب له.
وكان طرفة بن العبد وخاله المتلمس وفدا على "عمرو بن هند"، فنزلا منه خاصة ونادماه، ثم انهما هجواه بعد ذلك، فكتب لهما كتابين إلى البحرين و قال لهما: اني قد كتبت لكما بصلة، فاشخصا لتقبضاها. فخرجا من عنده، والكتابان في أيديهما، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق منكشفاً يقضي حاجته، وهو مع ذلك يأكل ويتفلى، فقال أحدهما لصاحبه: هل رأيت أعجب من هذا الشيخ ? فسمع الشيخ مقالته فقال: ما ترى من عجبي ? أخرج خبيثاً، وأدخل طيباً، وأقتل عدواً، وان أعجب مني لمن يحمل حتفه وهو لا يدري. فأوجس المتلمس في نفسه خيفة وارتاب بكتابه. ولقيه غلام من الحيرة فقال: أتقرأ يا غلام ? قال نعم. ففض خاتم كتابه ودفعه إلى الغلام فقرأه عليه، فاذا فيه: إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه واصلبه حياً. فأقبل على طرفة فقال: تعلم و الله، لقد كتب فيك بمثل هذا. فلم يلتفت إلى قول المتلمس، وألقى المتلمس كتابه في نهر الحيرة وهرب إلى الشام، وأخذ يهجو عمرو بن هند.

(1/6029)


ورويت القصة بشكل آخر خال من التزويق والتنميق نوعاً ما. ذكرت ان " المتلمس وطرفة بن العبد هجوا عمرو بن هند، فبلغه ذلك، فلم يظهر لهما شيئاً، ثم مدحاه فكتب لكل منهما كتاباً إلى عامله بالحيرة " ?"، وأوهم انه كتب لهما فيه بصلة. فلما وصلا الحيرة، قال المتلمس لطرفة: انا هجوناه، ولعله اطلع على ذلك، ولو أراد أن يصلنا لأعطانا ! فهلم ندفع الكتابين إلى من يقرأهما، فان كان خيراً و الا ندرنا. فامتنع طرفة، ونظر المتلمس إلى غلام قد خرج من المكتب فقال: أتحسن القراءة ? قال نعم. فأعطاه الكتاب ففتحه، فاذا فيه قتله. ففر المتلمس إلى الشام وهجا عمراً هجاءً قذعاً. و اتى طرفة إلى عامل الحيرة بالكتاب فقتله". وقد حلت الحيرة في هذه القصة في محل البحرين، وصار العامل القاتل عامل الحيرة، وخلت من ذكر الشيخ.
وطرفة هو القائل في قصيدة له: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وكان النبي إذا استراث الخبر يتمثل بعجز هذا البيت من هذه القصيدة.
ومن الشعر المنسوب اليه، قوله: قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير على الفساد
وحفظ المال خير من بُغاة وجولٍ في البلاد بغير زاد
وقوله: ولايقيم على ذل يُراد به الا الأذلان: غير الحي، والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته=وذا يشج فلا يرثى له أحد وقوله: ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت الاّ مثل قاطع كفّه بكفٍ له أخرى فأصبح أجذما
وذكر أن النبي كتب لعيينة بن حصن كتاباً، فقال: يا محمد أتراني حاملا ً إلى قومي كتاباً لا علم لي بما فيه. و قد أشير إلى "صحيفة المتلمس" في شعر الفرزدق، و في شعراء آخرين.
و نسب إلى "المتلمس" قوله: وأعلمُ علم حقٍ غير ظنٍ وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بُغاة وضربٍ في البلاد بغير زاد
واصلاح القليل يزيد فيه ولا يبقى الكثير مع الفساد
وله شعر في الأقارب ذكره له الجاحظ في كتاب الحيوان.

(1/6030)


والمسيب بن علس، واسمه "زهير بن علس"، وانما لقب بالمسيب بقوله: فان سرّكم الا تؤوب لقاحكم غزاراً فقولوا للمسيب يلحق
و "المسيببن علس بن مالك بن عمرو بن قمامة"، هو من "جُماعة"، وهم من "بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار"، ويكنى "أبا الفضة"، وهو خال الأعشى، وكان الأعشى راويته. واسمه: "زهير بن علس". وانما سمي "المسيب" لبيت قاله، هو: فان سرّكم ألا تؤوب لقاحكمغزاراً فقولوا للمسيب يلحق وهو جاهلي لم يدرك الإسلام، من شعراء بكر بن وائل المعدودين. وكان امتدح بعض الأعاجم، فأعطاه، ثم أتى عدواً له من الأعاجم يسأله، فسمّه فمات، ولا عقب له.
وقد ذكر "الهمداني" ان الأعشى يحتذى في شعره على مثال "المسيب"، وكان الاعشى راويته.
وله قصيدة قالها في "القعقاع بن معبد بن زرارة"، فيها: فلأهدين مع الرياح قصيدة مني مغلغلة إلى القعقاع
أنت الذي زعمت معد أنه أهل التكرم والندى والباع
وقد أورد "الهمداني" له قصيدة زعم أنه قالها في مدح "زيد بن مرب"، أو في مدح ابن ابنه "زيد بن قيس بن زيد" أولها: كلفت بليلي خدين الشباب وعالجت منها زماناً خبالا
لها العين والجيد من مغزل تلاعب في القفرات الغزالا
وقد ذكر "الجاحظ" شعراً قال انه لغيلان بن سلمة الثقفي، هو: في الآل يخفضها ويرفعها ريعُ كأن متونه السحلُ
عقلاً ورقماً ثم أردفه كِلَلُ على ألوانها الخملُ
كدم الزعاف على مآزرها وكأنهن ضوامراً اجلُ
وعقب عليه بقوله: "وهذا الشعر عندنا للمسيب بن علس".
وقد نشر ديوان "المسيب بن علس" في سلسلة نشريات "كب" Gibb بلندن سنة "1928م".
ومن شعراء اليمامة: "ذو الكف الأشل"، واسمه "عمرو بن عبد الله بن حنيفة" من بني قيس بن ثعلبة، يكنى أبا جلان، فارس شاعر جاهلي، توعدته "بنو حنيفة" فقال فيها شعراً.

(1/6031)


و"الفند"، هو "شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمان بن مالك بن صعب" الزمّاني من شعراء الجاهلية. وله قصيدة في حرب البسوس. وهو من "بني حنيفة". وكان أحد فرسان ربيعة المشهورين، شهد حرب بكر وتغلب، أي حرب البسوس، فكتب بنو بكر بن وائل إلى بني حنيفة يستنصرونهم، فأمدوهم بالفند الزماني في سبعين رجلاً، وكتبوا اليهم انا قد بعثنا اليكم ألف رجل.
ومن الشعر المنسوب اليه، قوله: كففنا عن بني هند وقلنا: القومُ اخوانُ
عسى الأيام ترجعهم جميعاً كالذي كانوا
فلما صرح الشرّ وأضحى وهو عريان
شددنا شدة الليث عدا والليث غضبان
بضرب فيه تفجيع وتوهين وارنان
وطعن كفم الزق وهي والزق ملان
وقد وردت هذه الأبيات في "الخزانة" بشيء من الاختلاف.
و"عمرو بن عبد العُزى بن سحيم بن مرّ بن الدئل" الحنفي، من بني حنيفة، وهو شاعر جاهلي، كذلك كان "عمرو بن الذارع" الحنفي من الشعراء الجاهليين.
ومن شعراء اليمامة أيضاً "موسى بن جابر بن أرقم بن سلمة بن عُبيد" الحنفي اليمامي. وكان جاهلياً نصرانياً، يلقب ب"أزيرق" اليمامة. ويعرف ب "ابن ليلى"، وهي أمه. وهو شاعر كثير الشعر، وعرف ايضاً ب "ابن الفريعة". وورد أنه كان من الشعراء الاسلاميين.
ومن شعراء اليمامة: "مجاعة بن مرارة بن سلمى بن زيد بن عبيد بن ثعلبة ابن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة" الحنفي اليمامي، وكان من رؤساء حنيفة، وأسلم ووفد، وأعطاه الرسول أرضا ً باليمامة يقال لها "العورة"، وكتب له كتاباً بذلك، وكان بليغاً حكيماً، وكان ممن أسر يوم اليمامة، فأشير على "خالد" باستبقائه فأبقاه، وكان قد أنضم إلى "مسيلمة".

(1/6032)


ومن شعراء اليمامة "ثمامة بن اثال"، وكان من ساداتها، ولما أسلم قطع الميرة عن أهل مكة، وكانوا قد عتبوا عليه لدخوله في الإسلام، حتى شق عليهم ذلك، فكتبوا إلى الرسول: انك تأمر بصلة الرحم، وكان قد ثبت على الإسلام، ولم يرتد مع مسيلمة. وتوفي سنة "12" للهجرة. وذكر من شعره قوله" دعانا إلى ترك الديانة والهدى مسيلمة الكذاب إذا جاء يسجع
فيا عجباً من معشر قد تتابعوا له في سبيل الغي والغي أشنع
وأشير إلى شاعرة من شاعرات"بني عجل" اسمها "حسينة"، وكان "عمرو بن الحارث بن أقيش" العكلي، قد أسرها، في يوم العذاب في الجاهلية، وهو يوم اغارت فيه"بنو عبد مناة بن أد بن طابخة" على عجل وحنيفة بأرض جو اليمامة، ففادها أخوها "أبجر بن جابر بن بجير بن شريط" العجلي بمائة من الابل و خمسة أفراس.
واذا تجوزنا فأدخلنا "الحيرة" في جملة هذه القرى، وجب اعتبار "عديّ ابن زيد" العبادي ممثلها الأول، اذ لم يبلغ أحد مبلغه في الشعر من بين رجال هذه المدينة. فهو المقدم على جميع شعراء الحيرة التي كان يجزلون العطاء لمن يمدحهم ويكيل لهم بالثناء، لا لمجرد حب الاستماع إلى المدح والثناء والاطراء، بل لما لشعر المديح ولشعر الهجاء من أثر كبير في حياة ذلك اليوم، فالشعر هو من أهم وسائل الاعلام في ذلك الوقت، وللدعاية والاعلام وجلب الناس نحو الممدوح أهمية كبيرة بالنسبة إلى رجال الحكم والسياسة في كل زمان ومكان، ان كذباً وان صدقاً، فالسياسي يريد تحقيق سياسته، بأية وسيلة كانت، حتى ان كانت بالكذب والغش والتزوير، فالشعر من وسائل الخدمة السياسية التي استعان ملوك الحيرة في بسط نفوذهم في جزيرة العرب.

(1/6033)


و"عدي بن زيد" العبادي هو ابن الحيرة، فهو لسان هذه المدينة، أما بقية الشعراء، فقد كانوا يأتون هذه المدينة، لنيل صلة أو لقضاء أمر، ثم يعودون إلى ديارهم، و منهم من كان يطيل المقام بها، فيتأثر بثقافتها وبمحيطها حسب قابلياته وسرعة استجابته للمؤثرات الخارجية. ويظهر انه كان لأهل الحيرة و لعرب العراق عامة ذوق خاص في الشعر، ولهم حب لتنويع البحور، والتزام البحور السهلة المؤثرة، وميل إلى التنوع في الوزن، والتعبير أحياناً عن بعض أفكاراً مستمدة من البداوة، والظهور بلون محدد من التراث المحلي.
يقول "غرونباوم": "وليس من الغريب أن نجد التفنن في الأوزان الشعرية في العراق أغنى مما كان عليه في أي مكان آخر، وذلك لأن أجيالاً كثيرة هي التي عاشت في المدينة وفي البلاط، ونزعت بطبيعة وضعها إلى التحسن في تلك الفنون، ولكن الغريب المدهش حقاً ان نرى أبا دؤاد يعرض علينا أغنى تنوعٍ عروضي في الشعر العربي القديم، لأن شعره جاء على اثني عشر بحراً. واذا عدينا أمر التنويع في الاوزان، وجدنا هذه المدرسة قد أكثرت من بحر الرمل، و لا يستعمل هذا البحر في الشعر القديم الا أبو دؤاد في ثلاث قصائد، وطرفة في ثلاث قصائد، وعدي في سبع قصائد، والمثقب في واحدة، والاعشى في اثنتين. ولا يستثنى من هذا الحكم أيضاً الا امرؤ القيس، القصيدة 18. وأقول ان هذه الحقيقة تقوي الرواية التي تقول انه كان راوية لأبي دؤاد".

(1/6034)


وقد لفت نظره وجود هذا البحر: بحر الرمل في العراق، ونموه بالحيرة بصورة خاصة، وعلل ذلك بقوله: "ان الرمل استعير من الوزن البهلويالثماني مقاطع كما صوّره "بنفينيسته" "المجلة الآسيوية 221: 2، 1930"، وانه عدل على نحو يلائم العروض العربي. والحق أن ليس من عقبة داخلية تقف دون القول بوجود أثر فارسي في النسق الشعري العربي، في المناطق المجاورة للدولة الفارسية والتابعة لها، ولأؤيد هذه النظرية احيل القارئ على بحر المتقارب، فقد أثبت "بنفينيسته" انه مشتق من البحر الفهلوي Hendekasyllabic ذي الأحد عشر مقطعاً اثباتاً يكاد لا يقبل الشك".
ولاحظ "غرونباوم" أن الخاصية العروضية الثانية لمدرسة الحيرة هي نزوعها إلى بحر الخفيف، وعند أبي دؤاد منه خمس عشرة قصيدة، وعند عدي سبع، وعند الأعشى خمس، ولم يستعمل هذا البحر عند الشعراء المعاصرين الا على نحو عارض. و لكننا نجد بحر الخفيف في شعر " عمرو بن قميئة"، وفي شعر للمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، وفي شعر لعبيد، وفي شعر ينسب لعامر ابن الطفيل، و معلقة الحارث بن حلزة.
ويعتبر "شوارتز" بحري الرمل والخفيف نوعاً من الايقاع الفارسي، انتقل إلى العربية. أما تأثير الشعر الساساني في الأعشى فيشهد به قطعة "بهلفية" طبعها "بنفينيسته" وترجمتها، وقطعة أبي دؤاد 14، و 18، وما فيهما من اشارة إلى البيزرة، تدلان على أثر الحضارة الساسانية في العراق.

(1/6035)


وقد تعرض "بروكلمن" لموضوع تأثر الشعر الجاهلي بمؤثرات أجنبية، فأنكر ذلك، اذ قال: "وأما ما زعمه بعض العلماء من أن مؤثرات أجنبية أثرت في فن الشعر القديم، فليس هناك ما يؤيده، نعم يريد بورداخ أن يرجع النسيب العربي إلى شعر القصور اليونانية بالاسكندرية، لأن أكثر النسيب العربي يقال في عشق النساء المتزوجات، كما هو الحال عند شعراء ملوك الاسكندرية، ويتصور انتقال هذه الصناعة إلى العرب عن طريق شعراء الملوك في الشام والعراق. ولكن مثل هذه الابيات الغزلية، التي تشبه النسيب في مطلع القصائد وان لم تبلغ بعد نمواً كاملاً، يعرفها أيضاً شعر التكرية في أوائل القصائد المطولة وفي أواخرها.
ولا شك أنه من قبيل المصادفة والاتفاق أن يبدوا في قصيدة للمسيب بن علس، يتكرر فيها ست مرات هذا الخطاب: ولأنت، صدى ورنين لأسلوب الأنشودة القديم الذي يتميز به أكنوستوس تيوس. كما وضح ذلك الأستاذ نوردن.
ونرى في الشعر العراقي وفي شعر سواحل الخليج، أي العربية الشرقية، ذكراً للبحر وللسفين. وفي شعر طرفة قوله: كأن حدوج المالكية غدوة خلايا سفين بالنواصف من دَدِ
عدولية أو من سفين ابن يامن يجورُ بها الملاح طوراً ويهتدي
يشق حَباب الماء حيزومها بها كما قسم الترب المفايل باليد
وصف للبحر ولسفن رجل يظهر انه كان يهودياً صاحب سفن، ولا نجد هذا الوصف أو الالتفاتة إلى البحر في شعر الشعراء القاطنين البوادي، أو الذين لم يروا النهرين الكبيرين في العراق أو ساحل الخليج. فهذا الوصف هو من خصائص البلاد التي تكون على سواحل البحار.

(1/6036)


وليس وجود السهولة في الشعر العراقي مثل شعر "عدي بن زيد"، أو في شعر أهل القرى، بأمر غريب. أو حياة أهل المدر، هي ليونة وسهولة في حد ذاتها بالنسبة إلى حياة البوادي والبراري، حيث الخشونة والغلظة في الحياة، ومن ثم صار الأعرابي غليظاً فظاً خشناً، يتكلم بعنجهية لا يفهمها أهل المدر والاستقرار، فيتصورونها فظاظة منه وغلظة، وانسان على هذا النحو من الطبع أو التطبع، لا بد وأن يكون شعره خشناً مثله، فالشعر تعبير عن احساس نفسي، و عن انعكاس لثقافة المرء ولتربيته الناتجة عن محيطه، ولهذا نجد شعر شعراء القرى يختلف عن شعر أهل البوادي، بالفاظه و بأسلوب نظمه وبمعانيه وبروحه الحضرية.
وقد وصف شعر"عدي" بالليونة، ونسبوا ذلك إلى سكنه الحضر. "وأما عدي بن زيد فلقربه من الريف وسكناه الحيرة في حيز النعمان بن المنذر لانت ألفاظه فحمل عليه كثير، و الا فهو مقل". وقالوا عنه "وعدي من الشعراء مثل سُهيل في النجوم: يعارضها، ولا يجري معها. هؤلاء أشعارهم كثيرة في ذاتها، قليلة في أيدي الناس، ذهبت بذهاب الرواة الذين يحملونها". وقيل عن شعره: "والعرب لا تروي شعره، لأن ألفاظه ليست بنجدية، وكان نصرانياً من عباد الحيرة، قد قرأ الكتب". وقد أرادوا بالك تب، الكتب المقدسة التوراة والأناجيل والكتب النصرانية الأخرى. ولم يشيروا إلى لغتها، والأغلب أنها كانت بالارمية التي كانت شائعة في العراق و بين نصارى المشرق، ولكني لا استبعد احتمال وجود بعض منها باللغة العربية، لأن غالبية أهل الحيرة كانت تتكلم بعض الكتب لهم بالعربية، للوقوف عليها.

(1/6037)


قال "ابو عبيدة" "ان العرب لا تروي شعر ابي دؤاد وعدي بن زيد، لأن الفاظهم ليست بنجدية، فلا بد أن يكون أساس الشعر عندهم على صميم العربية من لسان مضر، وما عدا ذلك فهو مما تبعث عليه فطرة صاحبه، ولكن العرب لا يبالون به ولا يروونه، وعلى هذا مشى المتأخرون في الاحتجاج بالشعر العربي، فالعلماء لا يرون شعر عدي بن زيد حجة. لانه كان يسكن بالحيرة ويدخل الأرياف، فثقل لسانه ؛ وهذا الاعتبار يحدد لنا منشأ الشعر". ولكننا لو تصفحنا شعر الشواهد، نجد أن فيه شعراً من شعر عدي، استشهد به في القواعد، وقد ذكر "الجاحظ" أن "أبا اياس" النصري، و كان أنسب الناس، كان يقول: "كانوا يقولون: أشعر العرب أبو دوُاد الايادي، وعدي بن زيد العبادي".
والواقع ان شعر "عدي" أقرب الينا من شعر أهل البادية، و أسهل فهماً، وفيه معان حضرية لا نعثر عليها في شعر شعراء أهل الوبر، و نجد في شعره ألفاظاً معربة، و استشهد بها "الجواليقي" في كتابه المعرب، وذلك دليل على تأثره بمحيطه و ببلدته التي كانت عربية نبطية فارسية، تلعب بها تيارات ثقافية متبانية ن وهو يخالف شعراء البوادي، في ابتعاده عن الأعاريض الطويلة، وميله إلى الأعاريض القصيرة، ثم في أسلوب خمرياته الشبيهة بخمريات الأعشى وحسان بن ثابت، ثم يخالف شعراء نجد في أفكار الزهد والتصوف التي ترد في شعره، والتي لا ترد و لا تخطر على بال الشاعر الأعرابي.

(1/6038)


وعدى بن زيد العبادي، هو "عدي بن زيد بن حماد بن ايوب"، وقيل: "عدي بن زيد بن حمار"حماز" بن زيد بن أيوب بن مجروف "محروف" ابن عامر بن عصبة "عصية" بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم"، وقيل عدي بن زيد بن أيوب بن حمار"حماد" "جمار"، أحد بني "امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم". وكان كاتباً لكسرى على ما يجتبى من الغور ن وكان سبب ملك النعمان بن المنذر. وكان كسرى مكرماً له محباً، و كان عدي أنبل أهل الحيرة و أجودهم منزلة ولو أراد أن يملكه كسرى على الحيرة ملكه، و لكن كان يحب الصيد و اللهو، ولم يكن راغباً في ملك العرب. و عرف ب "أبي سوّادة".
وجدّ عدي أول من سمي من العرب بأيوب، وجده "جمار" "حمار" " حماد" "حماز" أول من كتب من العرب، لأنه نزل الحيرة فتعلم الكتابة منها. وذكره الجمحي في الطبقةالرابعة من شعراء الجاهلية، وقال هم أربعة رهط، فحول شعراء، موضعهم من الأوائل، وانما أخل بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة، طرفة و عبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة، وعدي بن زيد. وذكر ان "حمازاً"، كان أول من تعلم الكتابة "من بني ايوب" وكتب للنعمان الأكبر.
وكان لعدي بن زيد عدو من أهل الحيرة يقال له: "عدي بن أوس" من "بني مرينا"، سبق ان تحدثت عنه، اوغر صدر "النعمان" على عدي حتى حبسه بالصنّين، سجن بظاهر الكوفة، فقال عدي بن زيد شعره كله أو أكثره في الحبس حتى مات به. وكان موته من جملة اسباب القضاء على حكم النعمان.
وقد ذكر عنه علماء الشعر، انه كان نصرانياً هو أهله، وليس معدوداً من الفحول، وعيب عليه اشياء. "وكان الاصمعي وأبو عبيدة يقولان: عدي بن زيد في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم، يعارضها ولا يجري معها، وكذلك عندهم أمية بن أبي الصلت. ومثلهما عندهم من الاسلاميين الكميت والطرماح". وقيل عنه انه"كان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شئ كثير جداً، وعلماؤنا لا يرون شعره حجة، وله أربع قصائد غرر احداهن:

(1/6039)


أرواح مودع أم بكور لك? لإاعمد لأي حال تصير
والثانية: أتعرف رسم الدار من ام معبد نعم، فرماك الشوق قبل التجلد
والثالثة: لم ار مثل الفتيان في غبن ال أيام ينسون ما عواقبها
والرابعة: طال ليلي أراقب التنويرا أراقب الليل بالصباح بصيرا
ومن شعره: عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه فأن القرين بالمقارن مقتدى
يقال ان رسول الله قال: كلمة نبي ألقيت على لسان شاعر: إن القرين بالمقارن مقتدي.
ومن الاخباريين من نسب القصيدة التي مطلعها: طال ليلي أراقب التنويرا أرقب الليل بالصياح بصيرا
إلى "سوادة بن عدي"، غير ان معظمهم يرى انها لعدي.
وذكر "ابو العلاء" المعري، انه شاهد بعض الوراقين ببغداد، يسأل عن قافية "عدي بن زيد" العبادي، التي اولها: بكر العاذلات في غلس الصب ح يعاتبنه أما تستفيق
وأن "ابن حاجب النعمان"، وهو أبو الحسين عبد العزيز بن ابراهيم، سأل عن هذه القصيدة وطلبت في نسخ من ديوان عدي، فلم توجد، ثم سمع بعد ذلك ان رجلاً من أهل استرباذ، يقرأ هذه القافية في ديوان "العبادي"، ولم تكن في النسخة التي في دار العلم. وقد اورد المعري قصائد من شعره في رسالة الغفران، وأشار إلى بعض ما نحل عليه، والى بعض ما نسب اليه، ونسب إلى غيره.
وقال الاصمعي: كان عدي لا يحسن أن ينعت الخيل، وأخذ عليه قوله في صفة الفرس: فارهاً متتابعاً. وقال: لا يقال للفرس "فاره" انما يقال جواد وعتيق، ويقال للكودن والبغل والحمار: فاره" ووصف الخمر بالخضرة، ولم يعلم احد وصفها بذلك.
وفي شعر" عدي بن زيد"، زهد الرهبان وتصوف المتصوفين، فيه تذكير بالآخرة وتزهيد في الدنيا، ووعظ بمصير محزن يلحق المغرورين العتاة المتجبرين كالمصير الذي لحق الملوك الطغاة و الأقوام الخالية، ولا سيما في القصيدة التي يقول فيها: أين كسرى كسرى الملوك أنوشَر وان ? أم أين قبله سابور?
وبنو الأصفر الكرام ملوك الر وم ? لم يبق منهم مذكوراً

(1/6040)


وأخو الحُضرإذ بناه وإذ دجلة تجبى اليه والخابور
شاده مرمراً وجلله كلساً فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فبان الملك عنه فبابه مهجور
وتبين رب الخورنق إذ أشرف يوماً معرضاً والسدير
فارعوى قلبه وقال=فما غبطة حي إلى الممات يصير ثم بعد الفلاح=والملك والنعمة وارتهم هناك القبور ثم صاروا كأنهم ورق جف=فألوت به الصبا والزبور وورد أن "هشام بن عبد الملك" كان في مجلس فخم، فحدثه "خالد ابن صفوان" بحديث ملك الحيرة الذي اغتر بهذه الدنيا، ثم انشده قصيدة عدي ابن زيد"، التي منها: ايها الشامت المعير بالدهر أأنت المبرأ الموفور?
أم لديك العهد الوثيق من الأ يام، بل أنت جاهل مغرور
حتى أتم انشادها عليه، فبكى وتأثر. وورد في رواية أخرى أن قائل هذا الشعر هو: أحد بني تميم"عدي بن سالم" المري العدوي. وقد ذكر ذلك "السهيلي"، لكنه عاد بعد ذكره الشعر، فقال: "والذي ذكره عدي بن زيد في هذا الشعر هو النعمان بن أمرئ القيس جد النعمان بن المنذر. وأول هذا الشعر: أرواح مودع أم بكور فانظر لأي ذاك تصير
قاله عدي وهو في سجن النعمان بن المنذر وفيه قتل". وروي أن "يونس النحوي" كان يقول: "لو تمنيت أن اقول شعراً ما تمنيت إلا هذا". أي القصيدة المذكورة.
وفي شعره الذي قيل انه قاله للنعمان بن المنذر، وكان قد نزل معه في ظل شجرة مونقة ليلهو النعمان هناك، مثال على الحث على الزهد والابتعاد عن الدنيا والاقناع بنبذها والترهب في هذه الحياة. تحدث فيه على لسان الشجرة، مخاطباً الملك، قائلاً له بعد أن أرى ما عليه من الانس والحبور: ايها الملك? ابيت اللعن، أتدري ما تقول الشجرة? قال: وما الذي تقول? قال: تقول: من رآنا فليحدث نفسه انه موف على قرن زوال
وصروف الدهر لايبقى لها ولما تأتي به صم الجبال
رب ركب قد أناخو حولنا يمزجون الخمر بالماء الزلال
إلى أن يقول: ثم اضحوا عصف الدهر بهم وكذاك الدهر حالاً بعد حال

(1/6041)


قالوا: فتنغص النعمان ونزع ملكه، وخلعه عنه، وترهب إلى غير ذلك من اشعار له، فيها هذا المعنى من الترغيب في الزهد والابعاد عن لذائذ الدنيا.
و "حكي عن النعمان بن المنذر، أنه خرج متصيداً ومعه عدي بن زيد العبادي فمر بآرام- وهي القبور، فقال عدي: أبيت أتدري ما تقول هذه الآرام? قال: لا. قال: إنها تقول: ايها الراكب المخفو ن على الارض تمرون
لكما كنتم فكنا=وكما كنا تكونون والشعر المنسوب إلى "عدي" الذي أدى على حد قول علماء الاخبار إلى اعراض "النعمان" السائح عن ملكه، وهروبه إلى البراري ليعيش فيها عيشة الرهبان، هو شعر لايمكن أن يكون من شعر "عدي"، لأن شاعرنا لم يكن كبير السن آنذاك حتى يصدر منه مثل هذا الشعر، كما أنه لم يكن على اتصال وثيق بذلك الملك في العهد. ولعلّه من الشعر المصنوع، الذي وضع عليه. وهو شئ كثير. ولو قالوا انه نظمه، وهو في سجنه حكاية عن قصة قديمة، لكان كلامهم هذا أقرب إلى العقل وأسهل للتصديق، لأنه كان قد كبر في العمر، وفي موقف يمكن أن يصدر منه مثل هذا الشعر.
وهو شعر سلس جميل ذو معان عميقة لطيفة، تتحدث عن تجارب رجل خبر الأيام، وعاش في نعيم ورفاه، حتى وصل مركزاً عالياً في بلده، واذا به يجد طريقه إلى المقابر، فيقبر بها وكأنه لم يكن شيئاً مذكوراً، فمن رأي الثاوين فيها، ومن نظر إلى القبور، فليحدث نفسه، أنه سيكون مثلهم، وانه موف على قرن زوال، و صروف الدهر لا يبقى لها، ولا تدوم حال على حال. وقد صار أسلوبه هذا نموذجاً لمن مال إلى الزهد والتصوف في الإسلام، وربما كان الشاعر "أبو العتاهية" ممن تأثر بهذا الشعر المنسوب إلى "عدي".

(1/6042)


ولعل الأحداث التي وقعت له، والأيام التي قضاها في سجنه، حتى جاءته منيته، وهو فيه، قد أثرت في نفسيته فجعلته، يكثر من الزهد في هذه الحياة، ومن وعظ الإنسان، بأن يغتر ويتجبر ويتكبر، فالسعادة لا تدوم لأحد، والملك لا يخلد لملك أو مالك، والحياة مهما كانت سعيدة ناعمة، فإنها قصيرة تمر مرّ البرق خاطفة، فعلى المتجبر أن يتعلم العبر من حياة الماضين ومن الأمم العظيمة، ومن الجبابرة، من أمثال: الأكاسرة وملوك الروم، وصاحب الحضر، ومن حياة من أشاد القصور، وإذا به يتركها لغيره، ثم يدفن في حفرة ضيقة، فيخاطب النعمان صاحبه والشامتين به، والحساد الذين وشوا به حتى أصابه ما أصابه، ويقول لهم جميعاً، وهو قابع في سجنه: أيها الشامت المعيرُ بالده ر أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأي ام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنونَ خلدن أم من ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى: كسرى الملوك أنو شر وان أين قبله سابور?
إلى أن ينتهي منها، بقوله: ثم صاروا كأنهم ورق جَ فُّ فألوت به الصبا والدبور
وهي قصيدة نظمت بالبحر الخفيف.
وقال "الجاحظ": "وقال عدي بن زيد العبادي، وهو أحد من قد حُمل على شعره الحَمٌل الكثير، ولأهل الحيرة بشعره عناية، وقال أبو زيد النحوي: كفى زاجراً للمرء أيام عمره تروحُ له بالواعظات وتغتدي
فنفسك فاحفظها من الغي والردى متى تغوها تغو الذي بك يقتدي
فإن كانت النعماء عندك لامرئ فمثلاً بها فاجز المطالب أو زد
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه فإن القرين بالمقارن مقتدي
ستدرك من ذي الجهل حقَّك كله بحملك في رفقٍ ولما تشدّد
وظلم ذوي القربى أشدّ عداوة على المرء من وقع الحسام المهنّدِ
وفي كثرة الأيدي عن تالظلم زاجر إذا خطرت أيدي الرجال بمشهدِ
وورد ان "عمر بن الخطاب" تمثل بشعرعدي: كدمى العاج في المحاريب أو كال بيض في الروض زهره مستنير

(1/6043)


ومن شعراء الحيرة "ابن بقيلة"، وله شعر ذكر فيه حال الحيرة بعد فتح المسلمين لها، إذ يقول:
أيعد المُنذِرين أرى سَواماً تروح بالخورنق والسدير
وبعد فوارس النعمان أرعى قلوصاً بين مرّة والحفير
فصرنا بعد هَلك أبي قبيس كجرب المعز في اليوم المطير
تقسّمنا القبائل من معد علانيةً كأيسار الجزور
وكنا لا يرامُ لنا حريم فنحن كضرّة الضرع الفخور
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى وخرج من قريظة والنضير
كذاك الدهر دولته سجال فيوم من مساءة أو سرور
فهو يتأسف على ما وقع للحيرة، من تسلط قبائل "معد" عليها، ومن دخولهم في حكمهم، بعد أن كانوا يحكمون تلك القبائل، ويجبون الجبايات، ويظهر من ذكر "قريظة" والنضير في هذا الشعر، ان حكم الحيرة قد بلغ أرض هاتين القبيلتين، وذلك إن صح بالطبع ان هذا الشعر هو من شعره، وانه أصيل غير مصنوع.
وهو "عبد المسيح بن بقيلة" الغساني، أو "عبد المسيح بن عمرو بن قيس ابن حيان بن بقيلة"، وبُقيلة اسمه "ثعلبة"، وقيل: "الحارث". وقد حشر في جملة المعمرين الذين عاشوا ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام، فلم يسلم، وكان نصرانياً. وله حديث مع خالد، حين طلب من أهل الحيرة إرسال رجل من عقلائهم ليكلمه في أمر المدينة، فلما جاء اليه قال له: أنعم صباحاً أيها الملك. فقال خالد " قد أغنانا الله عن تحيتك هذه، ثم سأله أسئلة أخرى، ثم قال له. أعرب أنتم أم نبيط ? قال: عرب استنبطنا، ونبيط استعربنا، في حديث منمق، يرويه أهل الأخبار، وكأنهم مع خالد وابن بقيلة يسجلون حديثهما بالكلم والحرف.
وقد تطرق "الجاحظ" إلى خبر التقاء "عبد المسيح" بخالد بن الوليد، وروى حديثه معه. وذكر "المرتضي" أنه لما بنى قصره المعروف بقصر ابن بقيلة قال: لقد بنيت للحدثان حصناً لو أن المرءَ تنفعه الحصون
طويل الرأس أقعس مشمخراً لأنواع الرياح به حنين

(1/6044)


وروى "المرتضى" "أن بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها يختط ديراً، فلما احتفر موضع الأساس، وأمعن في الاحتفار أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجلُ على سرير من رخام، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح ابن بقيلة: حلبتُ الدهر أشطرهُ حياتي ونلت من المنى بلغ المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني فلم أحفل بمعضلة كئود
كدت أنال في الشرف الثريا ولكن لا سبيل إلى الخلود"
ومن شعره في الناس وفي تهافتهم والتفافهم حول الغني قوله: والناس أبناء عَلاّت فمن علموا ان قد أقل فمجفوُ ومهجور
وهم بنون لأم إن رأوا نشباً فذاك بالغيب محفوظ ومخفور
وهذا يشبه قول أوس بن حجر: بني أم ذيِ المالِ الكثير يرونه وان كان عبداً سيد الأمر جحفلا
وهم لمقل المالِ أولاد علة وإن كان محضاً في العُمومة مخولا
ومن شعراء "تنوخ" "عمرو بن عبد الجن بن عائذ الله بن أسعد بن سعد ابن كثير بن غالب"، وكان فارساً في الجاهلية، و"بنو عبد الجن " أسرة معروفة، كان لها بقية في الكوفة. ومن شعره: أما والدماء المائرات تخالها على قنة العُزّى وبالنسر عندما
ثم: وما سبح الرحمان في كل ليلة أبيل الأبيلين المسيح بن مريما
وأدخلوا في هذه الطبقة "جذيمة" الأبرش، و"لجيم بن صعب بن علي بن بكر ابن وائل"، وهو القائل: من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية
وجذيمة الأبرش، هو "جذيمة بن مالك بن فهم بن عمرو" ملك الحيرة، والأبرش لقب له، ويقال له الوضاح، وهو خال "عمرو بن عدي"، وكان ينادم عدياً، وكان له نديمان هما: مالك، وعقيل، بقيا معه أربعين سنة، ثم قتلهما وندم، ويضرب بهما المثل لطول ما نادماه. وقد قتلت الزباء جذيمة. وقد شاء أهل الأخبار عدّه شاعراً من الشعراء وأوردوا له شعراً، كما سبق أن تحدثت عنه في أثناء حديثي عن مملكة الحيرة، وعن اسطورة صلته بالزباء. ولو جعلناه شاعراً: لوجب علينا تقديمه على كل الشعراء الجاهليين.

(1/6045)


وقصة شعره اسطورة من أساطير أهل الأخبار، فلو كان له شعر، لوجب أن يكون بعربية أخرى، هي العربية التي دوّن بها شاهد قبر "امرئ القيس" ملك الحيرة، الذي توفي سنة "328" للميلاد أي بعد "جذيمة" بأمد، وشعره هو من شعر تبابعة اليمن وآدم والجن من صنع الرواة وأهل الأخبار.
وترى في شعر الأعشى، وأمية بن أبي الصلت، و"عدي بن زيد"، وكلهم من شعراء القرى، قصصاً، لا تجده في الشعر المنسوب إلى غيرهم من الشعراء. قصصاً نصرانياً وقصصاً يرد عند اليهود، وقصصاً من قصص الأساطير والخرافات، أو مما يتعلق بالأشخاص، كالذي ينسب إلى الأعشى من سرده حكاية السموأل وقصره في قصيدته التي يقول فيها: كن كالسموأل اذ طاف الهمام به في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير غدار
وقد وصف فيها السموأل وحصنه، وقصة وفائه، وما كان قد جرى من حوار بينه وبين الملك الغساني المطالب بأدرع الكندي، وترى من قراءتك لها ان النظم نمط غير مألوف في شعر غيره من الشعراء، الأبيات فيها مكملة لما قبلها متصلة بعضها ببعض، بحيث لا يمكن أن تفصل بينها، وإلا أختل المعنى، وظهر فراغ فيه. وهو شيء غير مألوف عند غيره. فالبيت على حد قول علماء الشعر شعر مستقل قائم بنفسه، لا يؤثر حذفه أو تقديمه أو تأخيره على المعنى و لا على ارتباط الأبيات بعضها ببعض، أما في هذه القصيدة، فكل بيت فيها تابع لسابقه، متصل معناه بمعناه، لأنه جزء منه، فلا يمكن حذف شيء من القصيدة دون ان يؤثر في معناها.
ونجد في شعره قصصاً عن سد مأرب، وعن تهدمه وإغراقه من كان يسكن عنده بالماء، ذكر ذلك ليكون عبرة وأسوة للمؤتسي، وهو قصص بني على حادث تهدم ذلك السد.

(1/6046)


وفي شعر الأعشى قصص إرم وطسم وجديس، وأهل جوّ، ووبار. وهو قصص رصعه الأخباريون بشعر نسبوه إلى "هُزيلة" امرأة من "جديس"، والى "عميرة بنت غفار الجديسية"، في قصص عن الملوك القدماء، وكيف انهم كانوا يدخلون على العذارى قبل ادخالهم على أزواجهم، في قصص ينسب إلى ملوك آخرين، مثل ملوك اليمن. وهو قصص نجد له مشابه عند الأمم الأخرى.
ومن شعراء "غسان": "الشيظم بن الحارث" الغساني، وهو من الأسرة الحاكمة، كان قد قتل رجلاً من قومه، وكان المقتول ذا أسرة، فخافهم فلحق بالحيرة، فكان يتكفف الناس نهاره ويأوى إلى خربة من خراب الحيرة، فبينا هو ذات يوم في تطوافه إذ سمع قائلاً يقول: لحا الله صعلوكاً إذا نال مذقة توسد احدى ساعديه فهوّما
مقيماً بدار الهون غير مناكرٍ إذا ضيمَ أغضى جفنه ثم برشما
يلوذ بأرذاء المثلريب طامعاً يرى المنع والتعبيس من حيث يمما
يضنُ بنفسٍ كدَّرَ البؤس عَيشها وجودُ بها لو صانها كان أحزما
فذاك الذي إن عاش عاش بذلةٍ وإن مات لم يشهد له الناس مأتما
بأرضك فاعرك جلد جنبك إنني رأيت غريب القوم لحماً مُوضما
فكأنه نبهه من رقدة، فتحايل إلى صاحب خيل المنذر، وتقرب اليه، وأظهر له أنه رجل من أهل "خيبر"، أقبل إلى هذه البلدة بتجارة فأصاب بها، وله بصر بسياسة الخيل، فضمه إلى بعض أصحابه، حتى إذا وافق غرة من القوم، ركب فرساً جواداً من خيل المنذر وخرج من الحيرة يتعسف الأرض، حتى نزل بحي من بهراء فأخبرهم بشأنه، فأعطوه زاداً ورمحاً وسيفاً، وخرج حتى أتى الشام فصادف الملك متبدياً، وكان إذا تبدى لا يُحجب أحد عنه، فأتى قبة الملك فقام قريباً منه، وأنشأ يقول: يا صاحب الخيل الجياد المقربه وصاحب الكتيبة المكوكبه
والقبّة المنيعة المحجبه وواهب المُضمرة المُرببه
والكاعب البهكنه المؤتبه والمائة المُدفأة المُنتخبه
والضارب الكبش فويق الرقبه تحت عجاج الكَبَّة المُكتّبه

(1/6047)


هذا مقام من رأي مُطَّلَبه=لديك إذ عَمّى الضلال مذهبه وخال أنّ حتفه قد كربه فأذن له الملك، فدخل عليه، وقص قصته، ثم بعث إلى أولياء المقتول فأرضاهم عن صاحبهم.
وفي شعر شعراء القرى، ميزة امتازوا بها عن شعر شعراء أهل البوادي، هي ان أبيات القصيدة عندهم ليست على نحو أبيات اقصيدة عند بقية الشعراء من استقلال الأبيات بنفسها، وقيامها بذاتها بحيث يمكن رفع الأبيات من مواضعها وتقديمها أو تأخيرها، أو حذفها، دون أن يؤثر ذلك على وحدة القصيدة أو المعنى. ففي شعر "الأعشى" مثلاً، ترابط بين الأبيات واتصال بين البيت المتقدم والبيت الذي يليه، بحيث لا يمكن أحدهما ورفعه، دون أن يؤثر حذفه على المعنى، كذلك يتعذر علينا في بعض شعره نقل البيت عن موضعه، وقد يأتي الأعشى بالفعل في بيت ثم يأتي بفاعله أو بمفعوله في البيت للتالي، أو يأتي بفعل الشرط في بيت ويأتي بخبره بعد بيت أو بيتين. ويرد التضمين في شعره، كما نجد "الاستدارة" فيه كذلك، والاستدارة توالي مجموعة متلاحمة من الأبيات تجري على نظام متسق، يقوم فيه كل بيت بنفسه في معناه، ولكن المعنى التام لا يتم إلا بالبيت الأخير منها. وهو أسلوب يثير السامع ويشوقه، ويجعله يتتبع الكلام حتى يبلغ منتهاه.
وأشعر شعراء "البحرين" الذين ذكرهم "ابن سلام": المثقب العبدي، والممزق العبدي، والمفضل بن معشر.
و"المثقب العبدي" واسمه "عائذ بن محصن بن ثعلبى"، من "بني عبد القيس"، من شعراء الجاهلية، وإنما سمي مثقباً لقوله: ظهرن بكلّة وسدلن أخرى وثقبن الوصاوص للعيون
وذكر "ابن قتيبة" ان اسمه "محصن بن ثعلبة"، وقيل اسمه شأس بن عائذ ابن محصن، وقيل اسمه نهار بن شأس، وكان يكنى أبا وائلة. وهو من شعراء البحرين.
"وكان أبو عمرو بن العلاء يستجيد هذه القصيدة له، ويقول: لو كان الشعر مثلها لوجب على الناس أن يتعلموه، وفيها يقول: أفاطم قبل بينك متعيني ومنعك ما سألتكِ أن تبيني

(1/6048)


ولا تَعِدي مواعد كاذبات تمرّ بها رياح الصيف دوني
فإني لو تعاند في شمالي عنادك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني كذلك اجتوي من يجتويني
فإما أن تكونّ أخي بحقٍ فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرّحني واتخذني عدوّاً أتقيك وتتقيني
فما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشرّ الذي هو يبتغيني?
وتحدث عنه "ابن قتيبة"، فقال: "وهو قديم جاهلي، كان في زمن عمرو بن هند، واياه عنى بقوله: إلى عمرو ومن عمروٍ أتتني أخي الفعلات والحِلٌمِ الرزين
وله يقول: غلبتَ ملوكَ الناس بالحزم والنهى وأنت الفتى في سورة المجد ترتقي
وأنجب به من آل نصرٍ سميدعٍ أغرّ كلون الهندوانيّ رونق"
ويرى "بروكلمن"، ان "ابن قتيبة" انما أخذ رأيه المذكور من البيت المتقدم المذكور في المفضليات، ولكن الأصمعي يعارض ذلك، فقد مدح المثقبر أبا قابوس النعمان بن المنذر.
وللمثقب العبدي ديوان مطبوع، كما يوجد له شرح. ومن شعره: لا تقولن إذا ما لم ترد أن تتم الوعد في شيء نعم
حسن قول نعم من بعد لا وقبيح قول لا بعد نعم
إن قلت نعم فاصبر لها بنجاح القول إن الخلف ذم
واعلم بأن الذمّ نقص للفتى ومتى لا تتقي الذمَّ تذم
اكرم الجار وراعٍ حقه إن عرفان الفتى الحق كرم
لا تراني راتعاً في مجلسٍ في لحوم الناس كالسبع الضرم
إن شرّ الناس من يكشر لي حين يلقاني وإن غبت شتم
وكلام سيء قد وقرت عنه أذنايَ وما بي من صمم
فتعديتُ خشاة أن يرى جاهل أني كما كان زعم
ولبعض الصفح والإعراض عن ذي الخنى أبقى وان كان ظلم
وأما "الممزق" العبدي، فاسمه "شأس بن نهار بن أسود"، وانما سمي "الممزق" ببيت قاله: فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أُمزّق

(1/6049)


وهو ابن أخي المثقب العبدي، وكان معاصراً لأبي قابوس النعمان بن المنذر. قال عنه "ابن قتيبة": "وهو جاهلي قديم، قال البيت المذكور في قصيدة قالها لبعض ملوك الحيرة. وذكر انه قالها للملك عمرو بن هند، حين همّ بغزو عبد القيس، فلما بلغته القصيدة انصرف عن عزمه. وقيل انه عرف بالممزق ببيته: فمن مبلغ النعمان ان ابن أخته على العين يعتاد الصفا ويمزق
وقد نسبه "السيوطي" على هذه الصورة: "شأس بن نهار بن الأسود بن جبريل بن عباس بن حي بن عوف بن سود بن عذرة بن منبه بن بكرة" العبدي، ثم البكري. ومن شعره: أحقاً أبيت اللعن إن ابن فرتنا على غير إجرامٍ بريقي مُشرقي
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل وإلا فأدركني ولمّا أمزق
فأنت عميد الناس مهما تقل نقل ومهما تضع من باطلٍ لا يحقق
أكلفتني أدواء قومٍ تركتهم فألا تداركني من البحر أغرق
فإن يعمنوا أشئم خلافاًعليهم وإن يتهموا مستحقبي الحرب أعقبي
ومما ينسب اليه: هل للفتى من بنات الدهرِ من واقِ أم هل له من حمام الموت من واقِ
وقوله: هون عليك و لا تولع باشفاقِ فإنما مالنا للوارث الباقي
ونجده يذكر في شعره صراخ الديك، ولا نجد للديك ذكراً عند الأعراب، لأنهم لا يربون الدجاج، وتربية الدجاج من خصائص الحضر. تراه يقول: وقد تخذت رجلاي في جنب غرزها نسيفاً كأفحوص القطاة المطرق
أنيخت بجوٍّ يصرخ الديك عندها وباتت بقاعٍ كادئ النبت سملق
وذكر "المرتضى" أن من شعره قوله: ألا مَنٌ لعينٍ قد نآها حميمها وأرّقني بعد المنام همومها
فباتت لها نفسان شتى همومها فنفسُ تعزيها ونفس تلومها
وذكر أن من العلماء من ينسبه لمعقر بن حمار البارقي.
ومن شعراء "عبد القيس": "سويد" و "يزيد" ابنا "خذاق". قال عنهما "ابن قتيبة": "وهما قديمان، كانا في زمن عمرو بن هند. ويزيد القائل: نعمانُ إنك غادرُ خدعُ يخفي ضميرك غير ما تُبدي
فاذا بدا لك نحت أثلثنا فعليكما إن كنت ذا جدّ
وهززت سيفك كي تحاربنا فانظر بسيفك من به تردي

(1/6050)


وله شعر في الموت وفي ذم الدنيا، قال عنه "أبو عمرو بن العلاء" إنه "أول شعرٍ قيل في ذم الدنيا" وكان يزيد قد هجا "النعمان بن المنذر" فبعث اليهم النعمان كتيبته "الدوسر" فاستباحتهم، فقال أخوه سويد: ضربت دوسرُ فينا ضربة أثبتت أوتاد مُلك فاستقر
فجزاك الله من ذي نعمة=وجزاه الله من عبد كفر ومن شعره قوله في "عمرو بن هند": أبى القلبُ أن يأتي السدير وأهلهُ وإن قيل عيشُ بالسدير غزير
به البق و الحُمّى وأسد خفية وعمرو بن هند يعتدى و يجورُ
وهو القائل أيضاً: جزى الله قابوسَ بن هند بفعله بنا و أخاه غدرة و أثاما
بما فجرا يوم العُطيف وفرّقا أحلافاً وحياً حراما
لعلّ لَبُون الملوك تمنع درها ويبعث صرف الدهر قوماً نياما
وإلا تغاديني المنية أغشكم على عُدواء الدهر جيشاً لهاما
وكانت عبد القيس و تميم على اتصال بملوك المناذرة الذين كان نفوذهم يمتد إلى البحرين و اليمامة في بعض الاحايين، فكانت جيوش الحيرة في نزاع مستمر مع هذه القبائل التي كانت تنفر مندفع الإتاوة ومن الخضوع لآل لخم. ونجد أخبار هذا النزاع في شعر شعرائها، وهي أخبار لا نجدها في كتب التاريخ المالوفة، التي لم تحفل بالشعر، فضاع عليها قسط كبير من تأريخ الحيرة، حصلنا عليه لحسن حظنا من كتب الشعر و الأدب التي دونت أخبار الشعراء و دونت المناسبات التي قيل فيها ذلك الشعر.
الفصل الثاني والستون بعد المئة
شعراء قريش
ويزعم أهل الأخبار أن العرب كانت تقر لقريش بالتقدم في كل شيء عليها إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقر لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرت لها الشعراء بالشعر أيضاً ولم تنازعها. وذُكر أن قريشاً كانت أقل العرب شعراً في الجاهلية، فاضطرها ذلك إلى أن تكون أكثر العرب انتحالاً للشعر في الإسلام. ويؤيد هذا الرأي أننا نجد أكثر من ذكر الرواة أسماءهم وأشعارهم من الشعراء الجاهليين إنما هم من غير قريش.

(1/6051)


وذكر أهل ألخبار ان المنافسة التي كانت بين قريش والأوس والخزرج، أهل يثرب، دفعت أهل مكة على صنع الأشعار لتتغلب بها على الأنصار. "يروي الناس لأبي سفيان بن الحارث قولاً يقوله لحسان: أبوك أبو سُوء وخالك مثله ولست بخير من أبيك وختلكا
وأن أحق الناس ان لا تلومه على اللوم من ألقى أباه كذلكا
أخبرنا أبو خليفة، أخبرنا محمد بن سلام، قال: وأخبرني أهل العلم من أهل المدينة ان قدامة بن موسى بن عمر بن قدامة بن مطعون الجمحي قالها ونحلها أبا سفيان. وقريش تزيد في أشعارها تريد بذلك الأنصار والرد على حسان". وهناك أخبار أخرى في هذا المعنى تفيد نحل الشعر وضمه إلى شعراء مكة، لتتباهى به على يثرب.
ولانجد بين الشعراء البارزين من أصحاب المعلقات شاعراً واحداً هو من قريش. كذلك لا نجد من بين شعراء الطبقات المتقدمة من فحول الشعراء الذين قدمهم علماء الشعر على غيرهم شاعراً هو من أهل مكىة. وهذا هو تفسير قول أهل الأخبار المتقدم، الدال على تأخر قريش بالنسبة إلى بقية العرب في قول الشعر، أما لو أخذنا قولهم المذكور، وصرفناه على أهل القرى، فإننا نجدمكة متقدمة فيه، لأنها انجبت عدداً لا بأس به من الشعراء بالقياس إلى الطائف، التي اشتهرت بشعر شاعرها "أمية بن أبي الصلت"، ولكنها لا تداني مكة في عدد من ظهر بها من الشعراء، وبالقياس إلى "نجران" والى قرى اليمامة. أما بالنسبة إلى يثرب، فقد برز بيثرب شعراء، هم أكثر عدداً وشعرة من شعراء مكة.
وقد وصف "ابن سلام" شعر قريش بقوله: "وأشعار قريش أشعار فيها لينُ يشكل بعض الأشكال". وذلك حين تحدث عن شعر "أبي طالب" وعن شعر "الزبير بن عبد المطلب"، وعما وضع الناس من شعر عليهما.

(1/6052)


ويذكر أهل الأخبار، ان قريشاً كانت في الجاهلية دون غيرها من العرب، تعاقب شعراءها إذا هجا بعضهم بعضاً، كما كانت ترمي من يروي المثالب ويقع في أعراض الناس بالحمق، فتسقط منزلته بين الناس، ولهذا قلّلا فيها شعر الهجاء. ويذكرون ان أهل مكة لما أصبحوا يوماً وعلى باب الندوة مكتوب: ألهي قُصياً عن المجد الأساطيرُ ورشوة مثل ما ترشى السفاسير
وأكلها اللحمَ بحثاً لا خليط له وقولها رحلت عير أتت عير
أنكر الناس ذلك، وقالوا ما قالها إلا "ابن الزبعري"، وأجمع على ذلك رأيهم، فمشوا إلى "بني سهم"، وكان مما تنكر قريش ةتعاقب عليه أن يهجو بعضها بعضاً، فقالوا لبني سهم: ادفعوه الينا نحكم فيه بحكمنا. قالوا: وما الحكم فيه ? قالوا قطع لسانه، قالوا: فشأنكم. واعلموا والله انه لا يهجونا رجل منكم إلا فعلنا به مثل ذلك. وكان "الزبير بن عبد المطلب" يومئذ غائباً نحو اليمن، فخاف بنو قصي أن يقول شيئاً من هجاء، فيؤتى اليه مثل ما أتى إلى ابن الزبعري، وكانوا أهل تناصف، فأجمعوا على تخليته فخلوه.
وقد أحصى "جرجي زيدان" عدد الشعراء الجاهليين بنحو "120" شاعراً على اختلاف القبائل والبطون. وقد وجد أن عشرة شعراء منهم هم من قريش. معظمهم ان لم نقل كلهم ممن عاش عند ظهور الإسلام، وقد اشتهر بالشعر وعرف به لموقفه المعادي من الإسلام، ولاضطراره على مهاجاة النبي والمسلمين دفاعاً عن عقيدته، ولهذا كان معظم شعره في هجاء المسلمين، وفي الرّد عليهم وفي الفخر بقومه وتعديد مآثرهم ومناقبهم والدفاع عنهم.

(1/6053)


قال "ابن سلام": "وبمكة شعراء، فأبرعهم شعراً عبد الله بن الزبعري ابن قيس بن عدي بن ربيعة بن سعد بن سهم، وأبو طالب بن عبد المطلب، شاعر، وأبو سفيان بن الحارث، شاعر، ومسافر بن أبي عمرو بن أمية، شاعر، وضرار بن الخطاب، شاعر، وأبو عزة الجمحي، شاعر، واسمه عمر بن عبد الله، وعبد الله بن حذافة السهمي الممزق، وهُبيرة بن أبي وهب ابن عامر بن عائذ بن عمران بن مخزوم".
ونجد في كتب السيرة والأخبار شعراً لعبد المطلب، من جملته قوله: لاهم ان العبد يمنع رحله فامنع حلالَك
لا يغلبنِ صليبهم ومحالهم غدوا محالك
إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدا لك
ومن شعراء قريش "أبو لبيد بن عبدة بن جابر"، وكان أحد فرسانها في الجاهلية.
و"أبو طالب"، عم النبي. وقد أدخلناه في عداد الشعراء، لوجود شعر ينسب اليه، ورد أكثره في سيرة "ابن اسحاق"، ولوجود ديوان مطبوع نسب اليه، واسمه "عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي"، وقيل اسمه "عمران"، وقيل اسمه كنيته. قال عنه "ابن سلام ": "وكان أبو طالب شاعراً جيد الكلام، وأبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة للأرامل"
ولد قبل النبي بخمس وثلاثين سنة، ولما مات "عبد المطلب " وصي بالنبي اليه، فكلفه، وسافر به إلى الشام، وهو شاب، ولما بُعث الرسول كان لا زال حياً، وقد اختلفت في اسلامه، وتوفي في السنة العاشرة من المبعث.
وقد ذكر "ابن هشام" قصيدة لأبي طالب، قال انه قالها في "المطعم بن عدي" يعرض به، ويعم من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش منها قوله: ألا قل لعمرو والوليد ومطعم ألا ليت حظي من حياطتكم بكر
من الخور حبحاب كثير رغاؤه يرش على الساقين من بوله قطر

(1/6054)


وأورد "ابن هشام" له قصيدة أخرى، ذكر انه قالها في مدح قريش، لما رأى "أبو طالب" من قومه ما سره في جهدهم معه وحدبهم عليه. فقال: إذا اجتمعت يوماً قريش لمفخر فعبد مناف سرها وصميمها
فإن حصلت أشراف عبد منافها ففي هاشم أشرافها وقديمها
ونسبت له قصيدة ذُكر انه قالها لما خشي "أبو طالب" دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، تعوذ بها بحرم مكة وبمكانة منه، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على غير ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره انه غير مسلم الرسول ولا تاركه أبداً حتى يهلك دونه. إذ يقول: ولما رأيت القوم لا ودّ فيهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المُزايل
وهي قصيدة طويلة، قال "ابن هشام" في آخرها: "هذا ما صح لي من هذه القصيدة وبعض أهل العلم ينكر أكثرها". ويظهر انها وردت بصورة أطول في سيرة "ابن اسحاق"، إلا ان "ابن هشام" طرح منها ما شك في أصله وما لم يثبت عنده انه من شعر "أبي طالب"، واكتفى بهذا القدر الذي دوّنه في سيرته.
وفي جملة ما جاء في القصيدة المذكورة قوله: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وقد ذهب "ابن سلام" إلى أن الرواة زادوا في قصيدة أبي طالب وطولوها فأبعدوا آخرها عن أولها. وتعرض لها "الرافعي" فقال: "وقد يزيدون في القصيدة ويبعدون بآخرها متى وجدوا لذلك باعثاً، كقصيدة أبي طالب التي قالها في النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مشهورة أولها: خليليّ ما أذني لأولِ عاذل بصغواء في حق و لا عند باطل
قال ابن سلام: زاد الناس في قصيدة أبي طالب وطولت بحيث لا يدري أين منتهاها، وقد سألني الأصمعي عنها فقلت صحيحة، فقال: أتدري أين منتهاها قلت لا، قلنا: وإنما طُولّت هذه القصيدة معارضة للطوال المعروفة بالمعلقات حتى لا يكون من شعر الجاهلية ما هو خير مما قاله عم النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن في أصلها أبياتاً هاشمية تفي بكثير من الطوال".

(1/6055)


وقد تعرض "ابن سلام"- كما قلت - لهذه القصيدة فقال: "وقد زيد فيها وطولت. رأيت في كتاب كتبه يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مائة سنة: وقد علمت أن قد زاد الناس فيها، فلا أدري أين منتهاها. وسألني الأصمعي عنها، فقلت صحيحة. قال: أتدري أين منتهاها? قلت لا أدري".
ونسب أهل الأخبار لأبي طالب شعراً زعموا أنه قاله لأبي لهب يحرضه فيه على نصرته ونصرة الرسول، فيه: ان امرءاً أأبو عتيبة عمه لفي روضة ما ان يسام المظالما
ونسبوا له قصيدة"دالية" ذكروا انه نظمها لما مزقت "ااصحيفة": صحيفة قريش، التي كتبوها في مقاطعة "بني هاشم"، أولها: ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا على نايهم والله بالناس أرود
فيخبرهم ان الصحيفة مزقت وان كل ما لم يرضه الله مفسد
تراوحها افك وسحر مجمع ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد
وقد أورد "الزبيري" منها هذه الأبيات: جزى الله رهطاً من لؤي تتابعوا على ملأ يهدي لحزم ويرشد
قعوداً لدى جنب الحطيم كأنهم مقاولةُ، بل هم أعز وأمجد
هُمُ رجَعوا سهلَ بن بيضاء راضياً فسرّ أبو بكر بها ومحمد
ألم يأتكم ان الصحيفة مُزقت وإن كان ما لم يرضه الله يفسد
أعان عليها كل صقرٍ كأنه شهاب بكفي قابس يتوقد
جريُ على حل الأمور كأنه إذا ما مشى في رفرف الدرع أجود
وهي من الشعر المصنوع.
ونسبوا له قوله: ودعوتني وزعمتّ انك صادقُ ولقد صدقت وكنتَ قبل أمينا
ولقد علمتُلا بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
وقوله: ألا أبلغا عني على ذات بيننا لؤياً وخُصّاً من لؤي بني كعب
ألم تعلموا انا وجدنا محمداً نبياً كموسى خطّ في أول الكتب
وان عليه في العباد موّدة وخيّر فيمن خصه الله بالحب

(1/6056)


ولأبي طالب شعر، رثى به "أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم"، وكان قد خرج تاجراً إلى الشام، فمات في موضع يقال له: "سرو سحيم". وكان "أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله" من "أزواد الركب " في قريش، وهم ثلاثة: هو و"مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس"، و "زمعة بن الأسود بن عبد المطلب"، وكانوا إذا سافروا لم يتزود معهم أحد. وله شعر في رثاء "مسافر".
وفي الديوان المطبوع شعر يمكن أن يكون صحيحاً، و لكن أكثره شعر منحول، و لا سيما القصيدة "اللامية" الطويلة. فإن القسم الأكبر منها، لا يمكن أن يكون من الشعر الأصيل. و يرى "بروكلمن" أن سبب الوضع، هو رغبة من وضعه على تزيين سيرة الرسول بمكة، وفي أوائل عهد النبوة، بكثير من الأشعار، بعد أن كثرت الأشعار في سيرته بالمدينة. كما أن للشيعة يداً في وضع هذا الشعر على لسان "أبي طالب" لاظهاره بمظهر المعاون للنبي المؤيد له، المؤمن بدعوته في قلبه و لسانه، تأييداً للإمام "علي"، الذي هو ابن "أبي طالب".
ونسب إلى "الجاحظ" له قوله: أمن أجل حبلٍ لا أباك علوته بمنسأة قد جاء حبل وأحبل
ويروى لعلي بن أبي طالب شعر كثير. ولا يوجد شك في ان علياً كان مطبوعاً على قول الشعر، وانه كان ذا شاعرية، وله مواهب تؤهله لنظمه، كما كان من الحفّاظ للشعر، وقد أورد له أهل الأخبار والأدب شعراً ذكروه في المواضع المناسبة، كما جمع بعض الأدباء شعره في ديوان، فهو صاحب شعر، نظم في المناسبات، غير انه لم يكن شاعراً بمعنى انه اتخذ الشعر صناعة له، وانما كان يقوله في المناسبة، ثم ان المنسوب اليه، شعراً كثيراً، هو موضوع. صنع و حمل عليه. وأكثر ما جاء في الديوان الذي يحمل اسمه هو من هذا القبيل.

(1/6057)


ونظراً إلى ما لعلي بن أبي طالب من مكانة في نفوس المسلمين، ولوجود شيعة له، فقد اهتم الناس بأمر ديوانه، وشرحوه شروحاً عديدة، وترجموه إلى لغات مختلفة، وطبع جملة طبعات، بحيث نستطيع ان نقول دون مبالغة، ان ديوان "علي" نال من المكانة والتقدير ما لم ينله أي ديوان آخر، ليس لما فيه من شعر أو من بلاغة، بل لحرمة ولمكانة صاحبه ففي هذا الديوان غث كثير، و فيه ما لا يمكن ارجاعه إلى "علي" أبداً. قال "أبو عثمان" المزني: "لم يصح عندنا ان علياً تكلم من الشعر إلا هذين البيتين": تلكم قريش تمنّاني لتقتلني فلا وربك ما بروّا وما ظفروا
فأن هلكتُ فرهنُ ذمتي لهم بذات رَوقين لا يعفو لها أثر
ونسبوا لعلي قصيدة في الايام السبعة منها: أرى الأحد المبارك يوم سعد لغرس العود يصلح والبناء
وفي الإثنين للتعليم أمن وبالبركات يعرف و الرخاء
وإن رمت الحجامة في الثلاثا فذال اليوم إهراق الدماء
وأن أحببت أن تيقى دواء=فنعم اليوم يوم الأربعاء وي يوم الخميس طلاب رزق لأدراك الفوائد والغناء
ويوم الجمعة التزويج فيه ولذات الرجال مع النساء
و يوم السبت إن سافرت فيه وقيت من المكاره والعناء
وقد رويت القصيدة بروايات أخرى.
ونسبوا "لورقة بن نوفل" شعراً، وزعموا أنه قاله حين رآهم يعذبون بلالاً على إسلامه. منه: لقد نصحت لأقوام و قلت لهم أنا النذير فلا يغرركم أحد
لا تعبدن إلاهاً غير خالقكم فإن دعيتم فقولوا دونه حدد
سبحان ذي العرش لا شيء يعادله رب البريّةفرد واحد صمد

(1/6058)


وورقة، هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزى بن قصي، يجتمع مع النبي في جدّ جدّه. ذكر أنه كره عبادة الأوثان وطلب الدين في الآفاق و قرأ الكتب، و أنه كان حنيفاً على ملة إبراهيم، و ذكر أنه كان نصرانياً قد تتبع الكتب و علم من علم الناس، ومات في فترة الوحي قبل نزول الفرائض والاحكام، وروي بعضهم أنه آمن بالرسول و جعله من الصحابة، وشدد الإنكار على من أنكر صحبته، وجمع الأخبار الشاهدة له بأنه في الجنة. و هكذا نجد الروايات تجمع على تجمع على نبذه عبادة الاوثان، ثم تختلف في أنه كان حنيفاً على ملة الأحناف، أو نصرانياً. أما زعم إيمانه بالرسول، وما رووه من الشعر الموضوع المصنوع، الذي وضع على لسان غيره أيضاً، بزعم اثبات نبوة الرسول. وفي أكثره ركة.
وقد نسب بعضه مثل قوله: لقد نصحت لأقوام وقلت لهم أنا النذير فلا يغرركم أحد
إلى غيره. فقيل إنه لأمية بن أبي الصلت، وقيل انه لزيد بن عمرو بن نفيل. غير أن "السهيلي"، و "أبا الربيع" الكلاعي، والبغدادي يرون أنه له ومن الشعر المنسوب اليه قوله: ارفع ضعيفك لا يَحُر بك ضعفه يوماً فتدركه العواقب قد نمى
يجزيك أو يثني عليك وإن من أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
وقد نسبا أيضاً لزهير بن جناب.

(1/6059)


ولزيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد الأحناف شعر، وهو من المتألهين الذين حاربوا عن مكة طلباً للعلم و المعرفة و الدين، ذهب إلى بلاد الشام. وهناك احتك بالنصارى، فتعلم منهم أمور الدين. و لعله تعلم السريانية و الرومية بها ونظر في كتب النصرانية، لما يذكره أهل الأخبار من تعلمه للغتين. وفارق شأن بقية الأحناف قومه، وعاب الأصنام والاوثان، ونسب أهل الأخبار اليه انه كان يسند ظهره إلى الكعبة ثم يقول: يا معشر قريش، والذي نفسي بيده ما أصبح منكم أحد على دين ابراهيم غيري. وكان مثل بقية الأحناف أمثال ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث، وعبيد بن جحش وغيرهم، قد خالفوا قريشاً، وقالوا: انكم تعبدون ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام وعابوا عليهم ما هم عليه من التقرب إلى الحجارة. وقد أورد من ترجم حياته شيئاً من شعره، واستشهدوا ببعضه في الشواهد.
ومن شعر "زيد بن عمرو بن نفيل" في الأصنام قوله: تركتُ اللات و العُزى جميعاً كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العُزى أدين و لا ابتغيها ولا صنمي بني غنم أزور
و لا هبلاً أزور وكان ربّاً لنا في الدهر إذ حلمي صغير
و"سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل"، المعروف ب "أبي الأعور"، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، و أحد الصحابة الذين أسلموا قديماً، ما الشعراء وهو ابن "زيد بن عمرو" المذكور. وكان اسلامه قديماً و قبل عمر، وكان إسلام "عمر" عنده في بيته، لأنه كان زوج أخته فاطمة، وقد توفي سنة خمسين، أو احدى و خمسين، وقيل اثنتين وخمسين ز ومن شعره قوله: تلك عرساي تنطقان على عمدٍ لي اليوم قول زورٍ وهتر
سالتني الطلاق ان رأتا ما لي قليلاً قد جئتماني بنكرِ
فلعلي أن يكثر المال عندي ويعرى من المغارم ظهري
وترى أعبدُ لنا وأواقٍ و مناصيف من خوادم عشر
ونجر الأذيال في نعمة زو لٍ تقولان ضع عصاك لدهر
وَيّ كأن من لم يكن له نشبُ يُحبب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ
ويجنب سرّ النجيّ ولكن أخا المال محضر كل سرّ

(1/6060)


وكان "نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب" شاعراً، وكان هو وأخوه "منبه" من بدر. وقد رثاهما "الأعشى بن نباش بن زرارة" التميمي، حليف بني عبد الدار. وكان مدّاحاً لنبيه بن الحجاج.
وقد أورد "الزبيري" له شعراً منه قوله: تلك عرساي تنطقان بهجر وتقولان قول زورٍ وهتر
تسألان الطلاق إذ رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكر
فلعلي أن يكثر المال عندي وتخلى من المغانم ظهري
وترى أعبد لنا وأواق ومناصيف من ولائد عشر
وقال "الزبيري" إن له أشعاراً كثيرة. وقد رأينا أن هذا الشعر الذي نسب لنبيه، قد نسب أيضاً لزيد. وقد نسب صاحب "الخزانة" الشعر لزيد، ثم عاد فنسبه لنبيه.
وكان " أبو العاصي" المعروف ب"الامين" من حكماء وشعراء قريش، ومما نسب اليه من شعر قوله: أبلغ لديك بني أمية آية نصحاً مبينا
انا خلقنا مصلحين وما خلقنا مفسدينا
إني أعادي معشراً كانوا لنا حصناً حصينا
خلقوا مع الجوزاء إذ خلقوا ووالدهم أبونا
وهو العاصي بن وائل، وكان من اشراف قريش، وفيه يقول ابن الزبعري: أصاب ابن سلمى خُلة من صديقه ولولا ابن سلمى لم يكن لك راتقُ
فآوى وحيّا إذ أتاه بخلة وأعرض عنه الأقربون الأصادق
فإما أصب يوماً من الدهر نُصرةً أتتك وإني بابن سلمى لصادق
وإلا تكن إلا لساني فإنه بحسن الذي أسديت عني لناطق

(1/6061)


ثمال يعيشُ المقترون بفضله=وسيب ربيع ليس فيه صواعق وعبد الله بن الزبعري بن قيس بن عدي بن ربيعة بن سعيد بن سهم القرشي السهمي، من "أشعر قريش"، وكان شديداً على المسلمين، ثم أسلم في الفتح. وذكر أنه لما فتح رسول الله مكة، هرب إلى "نجران"، ثم أسلم ومدح النبي، فأمر له بحلة. وكان يهاجي حسان بن ثابت وكعب بن مالك. وذكر أنه"كان من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه و سلم، و على أصحابه بلسانه ونسه. وكان من أشعر الناس وأبلغهم. يقولون غنه أشعر قريش قاطبة. قال الزبير: كذلك يقول رواة قريش انه كان أشعرهم في الجاهلية. وأما ما سقط الينا من شعره و شعر ضرار بن الخطاب، فضرار عندي أشعر منه، و أقل سقطاً.
كان " ابن الزبعري" من المؤذين للرسول، قام يوماً فأخذ فرثاً ودماً فلطخ به وجه النبي، فانفتل النبي من صلاته، ثم أتى "أبا طالب" عمه فقال: يا عم ألا ترى إلى ما فعل بي ? فأخذ "أبو طالب" فرثاً ودماً فلطخ به وجوه القوم الذين كان "ابن الزبعي" بينهم. وبقي على عدواته هذه للرسول و في هجائه له و للمسلمين إلى عام الفتح، فأسلم.
وقد أشرت إلى ما ذكره "ابن سلام" من أمر البيتين اللذين وجدا مكتوبين على باب الندوة، وهما: ألهي قصيّاً عن المجد الأساطير ورشوة مثل ما ترشى السفاسير
وأكلها اللحم بحتاً لا خليط له وقولها رحلت عيرُ أتت عيرُ
وما كان من إجماع أهل مكة على انهما من قول "ابن الزبعري" ليس غير. وذلك مما أهلج أولاد قصي خاصة، فمشوا إلى "بني سهم" رهط "ابن الزبعري" طالبين منهم تسليمه لهم ليحكموا فيه حكمهم.
وفي البيتين، هجاء مرّ لقصي ولآل قصي، الذين ألهتهم الأساطير عن المجد، وكانوا يرشون ويرتشون مثل ما ترشى السفاسير، وهم السماسرة أولئك الذين يأكلون اللحم، ولا يعرفون إلا كلام: رحلت عيرُ، أتت عيرُ. كلام التجار. فلا يفهمون قولاً غير هذا القول.

(1/6062)


ومن شعر "ابن الزبعري" قصيدته وفي وقعة أُحد، ومطلعها: يا غراب البين أسمعت فقل إنما تنطق شيئاً قد فُعل
قال وهو مشرك، فلما أسلم قال: يا رسول المليك إن لساني ما فتقتُ إذ أنا بورُ
وقد أشار في القصيدة في يوم أُحد، إلى انتصاف أهل مكة من المسلمين بقوله: ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
حين ألقت بقباء بركها وعدلنا ميل بدر فاعتدل
وقصيدته في "أُحد" من القصائد الجيدة، وقد دوّنها "ابن هشام" في جملة ما دوّن من الشعر الذي قيل في هذه المعركة. وقد ردّ عليه "حسان بن ثابت" بقصيدة دوّنها "ابن هشام" بعدها.
وله شعر في مدح النبي، فيه: منع الرقاد بلابلُ وهموم و الليل معتلجُ الرواق بهيم
مما أتاني ان أحمد لامني فيه فبت كأنني محموم
يا خير من حملت على أوصالها عيرانة سرح اليدين رسوم
إني لمعتذر اليك من الذي أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطة سهمُ وتأمرني بها مخزوم
فاغفر فدى لك والدي كلاهما ذنبي فإنك راحم مرحوم
وعيك من أثر المليك علامةُ نور أضاء و خاتم مختوم
مضت العداوة فانقضت أسبابها ودعت أواصر بيننا وحلوم
وهي ابيات نظمها معتذراً فيها عما كان منه من هجاء الرسول و المسلمين، ومن وقوفه مع المشركين في مواقفهم المعروفة، بعد أن سمع بما حل بغيره ممنهجا الرسول من قتل.

(1/6063)


ويذكر أهل الأخبار أن "عبد الله بن الزبعري" و "ضرار بن الخطاب" الفهري، قدما المدينة أيام "عمر بن الخطاب"، فأتيا "أبا أحمد بن جحش" الأسدي، وكان مكفوفاً، وكان مألفاً يُجتمع اليه ويتحدث عنه، ويقول الشعر، فقال له: أتيناك لنرسل إلى حسان بن ثابت فنناشده و نذاكره، فإنه كان يقول في الإسلام ويقول في الكفر، فأرسل اليه، فجاء فقال: أبا الوليد أخواك تطرّبا إليك: ابن الزبعري وضرار يُذاكرانك و يناشدانك. قال: نعم إن شئتما بدأت و ان شئتما فابدأ. قال: نبدأ. فأنشداه حتى إذا صار كالمرجل يفور قعدا على رواحلهما. فخرج حسان حتى لقي عمر بن الخطاب، وتمثل ببيت ذكره ابن حُعدبة لا أذكره. فقال عمر: وما ذاك ? فأخبره خبرهما. فقال: لا جرم و الله لا يفوتانك. فأرسل في أثرهما فرُدّا. وقال لحسان أنشد. فأنشد حسان حاجته. قال له: اكتفيت ? قال نعم. قال شأنكما الآن، ان شئتما فارحلا و ان شئتما فأقيما".
ومن شعره قوله: ألا لله قوم و لدت أخت بني سهم
هشام و أبو عبد مناف مدره الخصم
وذو الرمحين أشبالُ على القوة والحزم
فإن أحلف وبيت الله لا أحلف على إثم
لما أن اخوةُ بين قصور الروم والروم
بأزكى من بني ريطة أو أوزن في حلم
وكان "الزبير بن عبد المطلب" من فرسان قريش ومن شعرائها، وقد روى "ابن كثير" له شعراً، ذكر انه قاله فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها، هو: عجبت لما تصوبت العقاب إلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت لها كشيش وأحياناً يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى التأسيس شدت تهيبنا البناء وقد تهاب
فلما ان خشينا الرجز جاءت عقاب تتلئب لها انصباب
فضمتها اليها ثم خلت لنا البنيان ليس له حجاب
فقمنا حاشدين إلى بناء لنا منه القواعد والتراب
غداة نرفع التأسيس منه وليس على مساوينا ثياب
أعز به المليك بني لؤي فليس لأصله منهم ذهاب
وقد حشدت هناك بنو عدي ومرة قد تقدمها كلاب
فبوأنا المليك بذاك عزاً وعند الله يلتمس الثواب

(1/6064)


وقد وردت هذه الابيات في سيرة "ابن هشام"، أخذت من سيرة "ابن اسحاق". وهي ولا شك من ذلك الشعر المصنوع الذي انتحل على الشعراء، وأعطى إلى "ابن اسحاق" فأدخله في سيرته، أسلوبها يتحدث عن نفسه، ونظمها بعيد عن نظم شاعر عاش في ذلك الوقت.
وقد تعرض "ابن سلام" لشعر "الزبير"، فقال عنه: "وأجمع الناس على أن الزبير بن عبد المطلب شاعر، والحاصل من شعره قليل. فما صح عنه قوله: ولولا الحَبش لم يلبس رجالُ ثيابَ أعزة حتى يموتوا"
ويقال ان: إذا كنت في حاجة مرسلاً=فأرسل حليماً ولا توصه وكان "الزبير" شاعراً مفلقاً شديد العارضة مقذع الهجاء، ولما جاء "عبد الل ابن الزبعري" السهمي "بني قصي" رفعوه برمته إلى"عتبة بن ربيعة" خوفاً من هجاء "الزبير" فلما وصل "عبد الله" اليهم أطلقه "حمزة بن عبد المطلب" وكساه، فمدحه. وكان "الزبير" غائباً بالطائف أو باليمن، فلما وصل إلى مكة و بلغه الخبر قال: فلولا نحن لم يلبس رجالُ ثياب أعزة حتى يموتوا
ثيابهم سمالُ أو طمارُ بها ودكُ كما دسم الحميت
ولكنّا خلقنا إذ خلقنا لنا الحبرات والمسك الفتيت
وقد كان الخلعاء ينزلون على "الزبير بن عبد المطلب"، ومنهم "أبو الطمحان" القيني، وكان فاسقاً ومن الشعراء.
وكان "ابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هشام القرشي" الهاشمي، ابن عم الرسول وأخيه من الرضاعة من شعراء قريش المطبوعين. وكان ممن يؤذي النبي والمسلمين، يهجو رسول الله، وقد عارضه "حسان بن ثابت"، ثم أسلم. وكان إسلامه يوم الفتح قبل دخول رسول الله مكة. قال "ابن سلام": "ولأبي سفيان بن الحارث شعر، كان يقوله في الجاهلية فسقط، ولم يصل الينا منه إلا القليل، ولسنا نعد ما يروي ابن اسحاق له و لا لغيره شعلااً، ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذلك لهم. قال أبو سفيان: لعمرك إني يوم أحمل راية لتغلبُ خيلُ اللاتِ خيل محمد
أنا المدلجُ الحيران اظلم ليلُهُ بعيد أرجى حين أهدي واهتدي

(1/6065)


هداني هادٍ غيرُ نفسي وقادني إلى الله من طردت كل مطّردِ "
وروي له شعر قاله يوم تعرض المسلمون بقافلة "أبي سفيان"، ويوم أُحد وفي المناسبات الأخرى. وله شعر في يوم أُحد، وقد رد عليه حسان بن ثابت وبقية شعراء المسلمين حيث كانت بينهم وبين شعراء مكة مساجلات.
وكان نديماً لعمرو بن العاص السهمي، وكان الحارث بن حرب بن أمية نديماً للحارث بن عبد المطلب، وكان الحارث بن عبد المطلب من المؤلفة قلوبهم. ولما توفي الرسول رثاه "أبو سفيان بن الحارث" بقصيدة مطلعها: أرقت فبات ليلي لا يزول وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيما أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلت عشية قيل قد قبض الرسول
واضحت أرضنا مما عراها تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليه نفوس الناس أو كريت تسيل
نبيّ كان يجلو الشك عنّا بما يوحي اليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالاً علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك غدر وان لم تجزعي ذاك السبيل
فقير أبيك سيد كل قبر وفيه سيد الناس الرسول
وقد وضعت أشعار على لسان "أبي سفيان" في هجاء "حسان بن ثابت". فقد هجا "قتادة بن موسى" الجمحي حسان بن ثابت بأبيات ونحلها "أبا سفيان". وقتادة من الشعراء المخضرمين.
وضرار بن الخطاب بن مرداس بن كثير بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشي الفهري من ظواهر قريش، وكان لا يكون بالبطحاء إلا قليلاً. وكان أبوه رئيس بني فهر في زمانه، وكان يأخذ المرباع لقومه. وقد قدّمه بعض رواة الشعر من قريش على "عبد الله بن الزبعري"، لأنه أقل منه سقطاً، وأحسن صنعةً. وكان من فرسان قريش يوم الخندق.
ولضرار شعر قاله في يوم "بدر"، وشعر في رثاء "ابي جهل". وأشعار أخرى في أُحد وفي الوقائع الأخرى تجدها في سيرة "ابن هشام".

(1/6066)


وكان ضرار جمع من حُلفاء قريش ومن مُرّاق كنانة ناساً، فكان يأكل بهم ويَغير ويَسبي، و يأخذ المال، وكان خرج في الجاهلية في ركب من قريش فمروا ببلاد دَوس، وهم يطالبون قريشاً بدم "أبي أزيهر"، قتله "هشام ابن المغيرة"، فثاروا بهم وقتلوا فيهم، فقاتلهم ضرار ن ثم لجأ إلى امرأة منهم، يقال لها: "أم غيلان" مقينة تقين العرائس، فساعدته وساعده بنوها وبناتها، فسلم. ولقي ضرار يوم أُحد "عمر بن الخطاب"، فضربه بعارضة سيفه، و قال: انج يا ابن الخطاب، لأنه كان قد إلى أن لا يقتل يومئذ قرشياً، فلما ولي "عمر" الخلافة، وسمعت "أم غيلان" بذكر "ابن الخطاب" ظنته ضراراً، فقدمت المدينة، فتوسط لها "ضرار" عند الخليفة فأثابها.
وكان من مسلمة الفتح، ومن شعره في يوم الفتح، قوله: يا نبيّ الهدى اليك لجا حي قريش و أنت خير لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأر ض وعاداهم إله السماء
والتقت حلقتا البطان على القو م وندوا بالصيلم الصلعاء
إن سعداً يريد قاصمة الظهر بأهل الحجون والبطحاء
خزرجي لو يستطيع من الغي ظ رمانا بالنسر والعواء
وغر الصدر لا يهم بشئ غير سفك الدماء وسبي النساء
قد تلظى على البطاح وجاءت عنه هند بالسوءة السواء
إذ تنادى بذل حي قريش وابن حرب بدا من الشهداء
فلئن أقحم اللواء ونادى يا حماة اللواء أهل اللواء
ثم ثابت اليه من نهم الخز رج و الأوس أنجم الهيجاء
فانهيه فإنه أسد الأسد لدى الغاب والغ في الدماء
انه مطرق يدير لنا الأم ر سكوناً كالحية الصماء
ومن الشعراء الذين هجوا الرسول والإسلام "هبيرة بن أبي وهب" المخزومي. من فرسان قريش وشعرائها، وكان مثل "ابن الزبعري" ممن يؤذون الإسلام، فهدر النبي دمه، فهرب إلى "نجران" حتى مات بها كافراً. وكانت عنده "أم هانئ" ابنة "أبي طالب" فأسلمت عام الفتح، فقال حين بلغ اسلامها قصيدة من بينها هذه الابيات: أشاقتك هند ام نآك سؤالها كذاك النوى أسبابها وانفتالها

(1/6067)


وقد أرقت في رأس حصن ممرد بنجران يسري بعد نوم خيالها
وإن كنت قد تابعت دين محمدٍ وعطفت الأرحام منك حبالها
وهي قصيدة رويت في موارد متعددة مع شئ من الاختلاف.
واورد "ابن هشام" قصيدة ل "هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ" المخزومي، في معركة "أُحد". وذكر "ابن سلام" أن "هبيرة"، كان شاعراً من رجال قريش المعدودين، وكان شديد العداوة لله ولرسوله، فاخمله الله ودحقه، وهو الذي يقول يوم أُحد: قدنا كنانة من أكتاف ذي يمن عرض البلاد على ما كان يُزجيها
قالت كنانة أنى تذهبون بنا قُلنا النخيل فأموها وما فيها
وله شعر كثير وحديث".
و "الحارث بن هشام بن المغيرة" المخزومي، أخو "ابي جهل" وابن عم "خالد بن الوليد"، كان من أشراف قومه، وقد مدحه "كعب بن الأشرف" اليهودي. وكان فيمن شهد بدراً مع المشركين، وفرّ حينئذ وقتل أخوه أبو جهل، فعير بفراره، فمما قيل فيه قول حسان بن ثابت: إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرّة ولجام
فأجابه الحارث: الله يعلم ما تركت قتالهم حتى رموا فرسي بأشقر مزيد
فعلمت أني إن أقاتل واحداً أقتل ولا يبكي عدوي مشهدي
ففرت عنهم و الأحبة فيهم طمعاً لهم بعقاب يومٍ مرصد
ويرى علماء الشعر ان هذه الأبيات أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار.
وكان الحارث يضرب به المثل في السؤدد حتى قال الشاعر: أظننت ان أباك حين تسبّني في المجد كان الحارث بن هشام
أولى قريش بالمكارم والندى في الجاهلية كان والاسلام
وله أشعار في بدر وفي المناسبات الأخرى التي وقعت مع المسلمين، وله شعر في رثاء أخيه "أبي جهل". وذكر "ابن هشام" ان بعض أهل العلم بالشعر ينكر بعض هذا الشعر.

(1/6068)


وقد شهد "أُحد" مشركاً حتى أسلم يوم فتح مكة. وكان من المؤلفة قلوبهم وشهد مع النبي حنيناً فأعطاه مائة من الإبل كما أعطى المؤلفة قلوبهم، وكان من المطعمين بمكة. وخرج إلى الشام في زمن "عمر"، فتبعه أهل مكة يبكون فراقه. وتوفي هناك بطاعون عمواس في رواية أخرى.
ومن شعراء قريش الذين أدركوا الإسلام وصاروا عليه، "ابن خطل"، "عبد الله بن خطل"، أو "آدم" القرشي الأدمي. وهو من ولد "تيم بن غالب". وكان ممن يهجو الرسول والاسلام، ويأمر قينتين له بأن تغنيا بهجاء الرسول. فأهدر النبي دمه ولو وجد تحت أستار الكعبة. وانما أمر بقتله لأنه كان مسلماً، ثم ارتد مشركاً، وكانت له قينتان: فرتني وأخرى معها، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله، فأمر بقتلهما معه. فقتله "أبو برزة" الأسلمي وهو متعلق بأستار الكعبة.
ومن شعراء قريش "أبو العاصي بن أمية الأكبر بن عبد شمس" كان يقال له "الأمين"، وكان من حكماء قريش. وينسب اليه قوله: أبلغ لديك بني أمية آية نصحاً مبينا
إنا خلقنا مصلحين وما خلقنا مفسدينا
اني أعادي معشراً كانوا حصناً حصينا
خلقوا مع الجوزاء إذ خلقوا ووالدهم أبونا

(1/6069)


وكان "أبو عزة" واسمه "عمرو بن عبد الله بن عمير"، شاعراً، وكان مملقاً ذا عيال، فأسر يوم بدراً كافراً، فمن عليه الرسول على أن لا يهجو المسلمين، فعاهده و أطلقه. فلما كان يوم أُحد، أطعمه "صفوان بن أمية بن خلف الجمحي"، وكان محتاجاً، والمحتاج يطمع، فأخذ يحرض الناس على الإسلام، فقتل. وقيل إنه برص بعد ما أسن، وكانت قريش تكره الأبرص، وتخاف العدوى، فكانوا لا يؤاكلونه ولا يشاربونه ولا يجالسونه، فكبر ذلك عليه، فصعد جبل حراء، يريد قتل نفسه، فطعن بها في بطنه، فسال ماء أصفر، وذهب ما كان به، فقال في ذلك شعراً. وذكر "الزبيري" أنه أسر يوم "بدر" وكان ذا بنات ? فقال: "دعني لبناتي" فرحمه، و أخذ عليه ألا يكثر عليه بعدها، فلما جمعت قريش لرسول الله لتسير اليه، كلمه "صفوان بن أمية" وسأله أن يخرج إلى "بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة"، وهم حلفاء قريش، فيسألهم النصر، فأبى عليه، و قال "إن محمداً قَد منّ عليّ و أعطيته ألا اكثر عليه"، فلم يزل صفوان يكلمه حتى خرج إلى بني الحارث، يحرضهم على الخروج مع قريش والنصر لهم ن فقال في ذلك: أنتم بنو الحارث والناس إلهام أنتم بنو عبد مناة الرّزام
أنتم حماة وأبوكم حام لا تعدوني نصركم بعد العام
لا تسلموني لا يحل إسلام
فلما انصرفت قريش من أُحد، تبعهم رسول الله حتى بلغ "حمراء الأسد"، فأصاب بها "عمراً" ؛ فقال له: "يا محمد ! عفوك!" فقال له الرسول، "لا تمسح سبيلتك بمكة، تقول: خدعت محمداً مرتين!" "لا يلدغ مؤمن من حجر مرتين، و قتله صبراً".
ومن شعراء قريش "حرب بن أمية"، وهو من بني أمية، وكان رئيساً بعد المطلب، وهو والد "أبي سفيان بن حرب"، وقد زعم ان الجن قتلته، وأنشدوا في ذلك شعراً ذكروا ان الجن قالته، هو: وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر
وقد زعموا ان الجن خنقته. وقد نسبوا له هذه الابيات: أبا مَطرٍ هلُم إلى صلاحٍ فتكفيك الندامى من قريش

(1/6070)


فتأمن وسطهم وتعيش فيهم أبا مطر هُديت لخير عيش
وتنزل بلدة عزت قديماً وتأمن أن يزورك ربُّ جيش
قالوا انه قالها مخاطباً بها "أبا مطر" الحضرمي، يدعوه إلى حلفه و نزول مكة.
ومن شعراء قريش الذين أدركوا الإسلام: "أبو زمعة"، واسمه "الأسود ابن المطلب". له شعر رثا به من قُتل ببدر، ومنه: تُبكي أن يضل لها بعيرُ ويمنعها من النوم السهود
فل تبكي على بكرٍ و لكن على بدر تقاصرت الجدود
على بدرٍ سراة بني هصيص ومخزومٍ و رهط أبي الوليد
وبَكِّي لإن بكيت على عقيلٍ وبكى حارثاً أسد الأسود
وبكى إن بكيتهم جميعاً وما لأبي حكيمة من نديد
ألا قد ساد بعدهم رجالُ ولولا يوم بدر لم يسودوا
الفصل الثالث والستون بعد المئة
شعراء يثرب
قال "ابن سلام": شعراؤها الفحول خمسة: ثلاثة من الخزرج واثنان من الأوس. فمن الخزرج، من بني النجار حسان بن ثابت، ومن بني سلمة، كعب بن مالك، ومن بلحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، ومن الأوس: قيس بن الخطيم من بني ظفر، وأبو قيس بن الأسلت من بني عمرو بن عوف".
وهناك شعراء آخرون لكنهم لم يبلغوا مبلغ هؤلاء في الشعر، منهم: "احيحة بن الجلاح" و"سويد بن الصامت"، "أبو قيس مالك بن الحارث" وآخرون. ونسبوا لأبي آمنة جدّ النبي قوله: وإذا أتيت معاشراً في مجلسٍ فاختر مجالسهم ولما تقعد
ولكل أمر يستعاد ضراوة فالصالحات من الأمور تعوَّدِ
ويعد "مالك بن العجلان" الخزرجي في جملة شعراء يثرب، ذكر انه القائل للربيع بن أبي الحقيق اليهودي من أبيات: إني امرؤ من بني سالم كريم وأنت امرؤ من يهود
فأجابه الربيع من ابيات أولها: أتسفه قيلة أحلامها وحان بقيلة عثر الجدود
وفيه يقول الشاعر "عمرو بن امرئ القيس" من بني الحارث بن الخزرج، من شعراء الجاهلية: يا مال والسيد المعمم قد يبطره بعد رأيه السرفُ
نحن بما عندنا وأنت بما عندك عندك راضٍ والرأي مختلف

(1/6071)


وهو من مشاهير سادة "يثرب"، وله ذكر في نزاع أهل يثرب مع اليهود، وفي حرب "سمير" بين الأوس والخزرج. وهو قاتل"الفطيون".
وعمرو بن الإطنابة من شعراء "يثرب"، وهو من الخزرج، وهو شاعر فارسي قديم، خرجت الخزرج معه وخرجت الأوس وأحلافها مع "مُعاذ بن النعمان" في حرب كانت بين الأوس والخزرج. وذكر ان حسان بن ثابت جعله أشعر الناس، لقوله: إني من القوم الذين إذا انتدوا بدأوا بحق الله ثم النائل
المانعين من الخنا جيرانهم والحاشدين على طعام النازل
والخالطين فقيرهم بغنيهم والباذلين عطائهم للسائل
لا يطبعون وهم على أحسابهم يشفون بالأحلام داء الجاهل
القائلين ولا يعاب خطيبهم يوم المقامة بالكلام الفاصل
ومن شعره: أبت لي عفتي وأبى بلائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإكراهي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح
ويقال ان معاوية قال: "لقد وضعت رجلي في الركاب يوم صفين وهممت بالفرار، فما منعني من ذلك إلا قول ابن الإطنابة" الشعر المذكور.
ونسب "أبو الفرج" الاصبهاني إلى "أحيحة بن الجلاح بن الحريش "الجريش?" ابن جحجي بن كلفة" الأوسي قوله: لتبكيني قنية ومزمرها=ولتبكيني قهوة وشاربها ولتبكيني ناقة إذا رحلت وغاب في سربخ مناكبها
وهي ابيات قبلها: يشتاق قلبي إلى مليكة لو=أمست قريباً لمن يطالبها ما أحسن الجيد من مليكة وال لبّات إذ زانها ترائبها
وقد نسبها بعض آخر لعدي بن زيد العبادي، ونسبها بعض آخرلبعض الأنصار. و"أحيحة بن الجلاح"، من سادات الأوس. وكان سيدهم في زمانه. وكان شاعراً. وكانت عنده "سلمى بنت عمرو" من بني النجار، وأولاده منها اخوة "عبد المطلب" وهو من أصحاب المذهبات.
وقد ذكر "ابن الشجري"، أنه وجد في كتاب لغوي أن الشعر المذكور منسوب إلى "عدي بن زيد"، وقد تصفح نسختين من ديوان عدي فلم يجده فيهما، وإنما وجد له قصيدة على هذا الوزن وهذه القافية أولها:
لم أرَ مثل الأقوام في غبن الأيام ينسون ما عواقبها

(1/6072)


وذكر "البغدادي" أن "الاصبهاني" اقتبسه في "الأغاني" لأحيحة.
وقد ذكر أهل الأخبار أن "أحيحة" كان في أيام التبع "أبو كرب بن حسان بن تبع بن أسعد" الحميري، وأن هذا التبع لما عاد من العراق يريد "يثرب" لقتل أهلها ابناً له بها، وهو مجمع على خرابها وقطع نخلها واستئصال أهلها وسبي الذرية، نزل بسفح "أُحد" فأحتفر بها بئراً، عرفت ب"بئر الملك"، ثم أرسل إلى أشرافها ليأتوه، فكان ممن أتاه "زيد بن ضبيعة"وابن عمه"زيد بن أمية بن عبيد"، وكانوا يسمون "الأزياد"، و "أحيحة بن الجلاح". فلما جاء رسول التبع، ذهب الأزياد اليه، وكان "أحيحة" له تابع من الجن، أخبره أنه يريد قتلهم جميعاً، ثم خرج من عنده ودخل قابل التبع تحدث معه عن أمواله و عن أموال المدينة، ثم خرج من عنده ودخل خباءه، وكان "تبع" قد أوكل حراساً به، فشرب و قرض أبياتاً مطلعها: يشتاق قلبي إلى مليكة أمسى قريباً لمن يطالبها
وأمر قينته أن تغنيه حتى استغفل الحرس، ففر منهم إلى أطمة "الضحيان"، و قيل "المستظل"، فجرد الملك كتيبة عليه، ثم حاصر المدينة، فلم يتمكن منها، إذ اعتصم أهلها من الأوس الخزرج واليهود بأطمهم، ثم أقنعه "حبران" من أحبار اليهود بكف الحصار عنها فرجع.

(1/6073)


وكان "أحيحة" سيد الأوس في الجاهلية، وكان كثير المال شحيحاً عليه يبيع بيع الربا بالمدينة، حتى كاد يحيط بأموالهم، وكان له تسع وتسعةن بعيراً كلها ينطح عليها، وكان له أطمان، أطم في قومه يقال له "المستظل"، وأطم يقال له "الضحيان" بالعصبة في أرضه التي يقال لها الغابة، بناه بحجارة سود، ويزعمون انه لما بناه هو وغلام له أشرف، ثم قال: لقد بنيت حصناً حصيناً ما بنى مثله رجل من العرب أمنع منه، ولقد عرفت موضع حجر منه لو نزع وقع جميعاً. فقال غلامه: أنا أعرفه. قال: فأرنيه يا بني ? قال: هو ذا، وصرف اليه رأسه. فلما رأى أحيحة انه قد عرفه دفعه من رأس الأطم، فوقع على رأسه فمات. وهي قصة تشبه قصة "سنمار"، ولها شبه عند اليونان. ويذكرون انه لما بناه قال: بنيت بعد مستظل ضاحيا بنيته بعصبة من ماليا
للستر مما يتبع القواضيا أخشى ركيباً أو رجيلاً غاديا
وينسب لأحيحة قوله: استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب من ابن عم و لا عم و لاخال
إني مقيم على الزوراء أعمرها إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال
وقوله: وما يدري الفقير متى غناه ولا يدري الغني متى يعيل
و"سويد بن صامت" أخو "عمرو بن عوف" من الأوس ومن "الكملة" ومن الأشراف أصحاب النسب، ومن الشعراء. وكانت له أشعار كثيرة. وهو الذي ذهب اليه النبي يوم قدم مكة حاجاً أو معتمراً ليدعوه إلى الإسلام، فلما كلمه النبي قال له "سويد" فلعل الذي معك مثل الذي معي ! فقال له رسول الله وما الذي معك ? قال: مجلة لقمان. فقال له رسول الله: اعرضها عليَّ ! فعرضها عليه، فقال: إن هذا لكلام حسن و الذي معي أفضل من هذا: قرآن أنزله الله تعالى عليّ، هو هدى و نور. فتلا عليه رسول الله القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه. وقال: إن هذا لقول حسن، ثم انصرف عنه. فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتله الخزرج. ويشك في إسلامه.

(1/6074)