صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

وقد حفظت الكتب لنا أنموذجات فى بعض الرقى منها هذه الرقية التي استعملت في اشعال نيران الحب: "هوا به هوا به، اابرق والسحابة، أخذته بمركن. فحبه تمكن. أخذته بإبره، فلا يزل في عبره، جلبته بإشفى، فقبه لا يهدأ. جلبته بمبرد، فقلبه لا يبرد. فهذه ا الرقية تلهب قلب الرجل وتهيجه، وتجعله كأنه في إجانة غسل الثياب. يعمل على وفق ارادة المرأة التي استعملت تلك الرقية.
أما إذا سئمت المرأة زوجها، وأرادت الابتعاد عنه، وطرده عنها، فسبيلها في ذلك رقية تبعد الرجل، وتنفره منهما، وذلك بأن تقول: بأفول القمر، وظل الشجر، شمال تشمله، ودبور تدبره، ونكباء تنكبه، شيك فلا انتقش. فاذا أتمت ذلك، رمت في أثره بحصاة ونواة وروثة وبعرة. ثم تقول: حصاة حصت أثره، ونواة نأت داره، وروثة راثت خبره، لفعته ببعرة.
و "العزائم" الرقيّ، أو ضروب منها. يقال عزم الراقي، كأنه أقسم على الداء، وعزم الحوًاء، إذا استخرج الحية. كأنه يقسم عليها. والعزيمة من الرقي التي يعزم بها على الجن والأرواح. ومن اعتقادات الأعراب أن الجن لا تجيب صاحب العزيمة، حتى يكون المعزّم مشاكلاً لها في الطباع. وأن للمعزمين جنوداً من الشياطين والجن تتبع أوامرهم وتطيعهم وتخدمهم وتتصرف بين أمرهم ونهيهم.
ومن ضروب الرقية، ما يدعيه الحوّ اء من اخراج الحية من جحرها، بعزيمة يقوم بها،تجبرها على الخروج منه. وقد قالت بذلك الشعراء في الجاهلية والاسلام. وكانوا يؤمنون بذلك ويصدقون به. وقد أشير في شعر لأمية بن أبي الصلت، إلى اخراج الحية من جحرها. وقد تحدث "الجاحظ" عن ذلك، وعلل سبب خروجها وجاء بأبيات شعر في ذلك، وتحدث عن تمويه الحواء والراقيْ.

(1/3908)


و "التمائم" ومفردها "التميمة"، هي عوذة على هيأة قلادة من سيور تضم خرزاً، وقد تكون من خرزة واحدة تستعمل للصبيان والنساء في الغالب اتقاء النفس والعين. فاذا كبر الطفل، انتزعت التميمة منه. وقيل: التمائم "خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم يتقون بها النفس والعين بزعمهم، فأبطله الإسلام". وذكر ان التميمة خرزة رقطاء تنظم في السير ثم يعقد في العنق. وكانوا يعتقدون انها تمام الدواء والشفاء. وقد أشير اليها في الشعر الجاهلي. وكانوا يستعملونها بكثرة، يتعوذون بها، لذلك عدها بعض الصحابة من الشرك، لأنهم جعلوها واقية من المقادير والموت وأرادوا دقع ذلك بها، وطلبوا دفع الذفى من غير الله.
وللخرز عند الجاهلين وعند الأعراب حتى اليوم، أهمية كبيرة في السر، وفي دفع أذى الأرواح والعين، وفي النفع والحب، وأمثال ذلك. ولما كانت الخرز فصائل وأنواعاً، فقد خصوا كل فصيلة باسم معين، وجعلوا لكل قسم وصنف أثراً خاصاً يمتاز به عن بقية الأصناف الأخرى. فالتولة مثلاً الخرزة التي تحبب المرأة إلى زوجها، و "العقرة" "خرزة العقر" خرزة تشدها المراة على حقويها لئلا تلد. يزعم الأعراب انها إذا علقت على حقو المرأة لم تحمل إذا وطئت. وقيل العكس: العقرة خرزة تعلق على العاقر لتلد. و "الينجلب" خرزة للتأخيذ، تفيد في رجوع الرجل بعد الفرار وفي اكتساب عطفه بعد وقوع بغضه. وكانوا يقولون أقوالاً في ذلك مثل: "أخذته بالينجلب، فلا يرم ولا يغب، ولا يزل عند الطنب، و "وأعيذه بالينجلب، ان يقم وان يغب". فهم يربطون الرجل بهذه الخرزة. فيجعلونه لا يفارق بيته وأهله.

(1/3909)


و "الخَصُمة"، وهي خرزة للدخول على السلطان والخصومة تجعل تحت الخاتم أو في زر القميص أو في حمائل السيف. و "العطفة" هي خرزة تجلب العطف لصاحبها. و "السلوانة" خرزة تسحق ويشرب ماؤها، فيورث شاربه سلوة. وقيل: خرزة للتاخيذ، يؤخذ بها النساء الرجال، وقيل خرزة للبغض بعد المحبة، وقيل خرزة شفافة تدفن في الرمل، فتسود فيبحث عنها ويسقاها الإنسان فتسليه، أو يسقاه العاشق فيسليه عن المرأة. وقيل خرزة كانوا يقولون: اذا صب عليها ماء المطر، فشربه العاشق سلا.أو هو ان يؤخذ تراب قبر ميت: فيجعل في ماء فيسقى العاشق، فيموت حبه، أو هو دواء يسقاه فيفرحه. و "القرزحلة"، وهي خرزة من خرز الضرائر.
وكانوا يرقون بالخرز. فلخرزة "الهنمة"، رقية خاصة، هي: "أخذته بالهنمة، بالليل زوج وبالنهار أمة، وللقبلة و "الدردبيس"، وهي خرزة مؤثرة ذات قوة فعالة، يتحبب بها النساء إلى أزواجهن،تؤخذ من القبور العادية، أي القبور الجاهلية القديمة، رقية خاصة، هي: "أخذته بالدردبيس تدرّ العرق اليبيس، وتذر الجديد كالدريش". وقيل الدردبيس خرزة سوداء، كأن سوادها لون الكبد، اذا رفعتها واستشففتها رأيتهاا تشف مثل العنبة الحمراء للحب، تتحبب بها المرأة إلى زوجها، توجد في قبور عاد.
ومن خرزهم: "كرار"، خرزة تؤخذ بها نساء الأعراب. وقيل خرزة تؤخذ بها النساء والرجال. ورقيتها: "يا كرار كرّ يه، يا همرة اهمريه، ان أقبل فسريه، وان أدبر فضريه، من فرجه الى فيه". ومنها "الهمرة"، خرزة للتأخيذ. وهي خرزة الحب، يستعطف بها الرجال، ورقيتها: "يا همرة اهمريه، ويا غمرة اغمريه، ان أقبل فسرّ يه، وإن أدبر فضريه، من استه إلى فيه، وماله وبنيه، ومثلها "الهصرة"، خرزة للتأخيذ.
ومن الخرز المعروفة: "ااكحلة"، خرزة من خرزات العرب للتأخيذ، تؤخذ بها النساء الرجال. أو هي خرزة سوداء تجعل على الصببان للعين والنفس من الجن والإنس، فيها لونان بياض وسواد.
اصابة العين

(1/3910)


كان للجاهلين رأي وعقيدة في العين وفي أثرها في الحياة، فهم يعتقدون بأثر العين وإصابتها. ولخطر هذه الإصابة وأهميتها، تفننوا في ابتداع وسائل الوقاية منها، وحماية أنفسهم من أثرها. وقد زعموا أن عيون بعض الناس تصيب، وانها ان أصابت شيئاً أهلكته، فان "ألعين" لا تنتج الا شراً، وهي لا تكاد تكون في خير مطلقاً. ولذلك تجنببوا "العائن" وابتعدوا عنه. و "العائن" و "المعيان" و "العيون" هو من تصيب عيونه. فكان أحدهم اذا ما اتصل بإنسان، وصادف أن نظر ذلك الإنسان إلى شيء أعجبه، أو رأى شيئاً لفت نظره، ثم صادف إن وقع مكروه لمن نظر اليه، أو إلى ما كان قد رآه "العائن"، نسب ذلك المكروه اليه، ورميِ باصبة العين، وقد يحدث من ذلك الرجل مثل ما حدث له مع من وقع المكروه عليه، فيرمى عندئذ بإصابة معين، وينبذه الناس خوفاً من اصابتهم بعينه. فيقال ان فلاناً لعيون: اذا.كان يستشرف للناس ليصيبهم بعين. ويقال لعيون انه لنفوس، وما أنفسه وقد أصابته نفس أو عين. ولا تقتصر ألاصابة بالعين على اصابة عيون الإنسان،فقد تصيب عيون الحيوان كذلك. وهناك حيوانات عديدة لها قدرة على الاصابة بعينيها مثل الحيات والثعلب والطاووس. وأكثر الحيوانات التي تكون لعيونها بريق أو لمعان خاص، هي من هذا القبيل. وقد حمل هذا الاعتقاد بعض الناس على التخوف من تلك الحيوانات والابتعاد عنها، بل بلغ الخوف ببعضهم ان امتنعوا من ذكر اسم أمثال تلك الحيوأنات أوُ تهجي حروف أسمائها خشية العين. والكلاب من الحيوانات التي تصيب بعونها. ورد عن "ابن عباس" قوله: الكلاب من الجن، فان غشيكم عند طعام، فالقوا لهن فان لهن أنفساً أي أعيناً. ولخوفهم من اصابة عيون الحيوان كرهوا ألأكل بين يديها. فكانوا إما ان يشغلوها عن النظر اليهم بشيء يرمونه لها لتأكله، ولو بعظم وإما ان يطردوها، فيتخلصوا من اصابتهم بعيونها.

(1/3911)


ويعبر عن العين التي تصيب المعين" ب "النفس". يقال نفسته بنفس، أي أصبته بعين، وأصابت فلاناً نفس، أي عين. وفي الحديث "انه نهى عن الرقية إلا في النَّملة والحُسَة والنفس، أي العين". و "النافس" العائن، والمنفوس المعيون. و "النفوس: العيون الحسود المتعين لأموال الناس ليصيبها، وما أنفسه، أي ما أشد عينه.
و "السفعة" العين. ورجل مسفوع، أي معيون أصابته سفعة، أي عين. ويقال به سفعة من الشيطان، أي مس،كأنه أخذ بناصيته. و يعبر عنها ب "النظرة" كذلك. وقيل: النظرة الإصابة بالعين والسفعة العين. و "النظرة" الغشية أو الطائف من الجن، وقد نظر،فهو منظور، أصابته غشية أو عين. وفي الحديث أن النبى، صلى الله عليه وسلم، رأى جارية، فقال: ان بها نظرة، فاسترقوا لها. قيل معناه: ان بها اصابة عين من نظر الجن اليها وكذلك بها سفعة. وقد يخصصون "النظرة" بإصابة عين الجن.
وللحاسد نفس على المحسود. وقد يصل نفس الحاسد إلى حد الإهلاك. والعائن ربما لا يتعمد الأذى، انما عينه هي التي تصيب بمجرد المقابلة أو وقوع النظرة على الشيء، ولذلك كان أذاه عند المقابلة ووقوع عين العائن على المعيون.أما الحاسد، فإنه يصيب في النية وفي الحضور، لأن عينه تنفذ وتصل إلى المحسود، وان كان غاضباً عن الحاسد، ولخطر الحسد وشدة أذاه، اتخذت الوسائل الخاصة بمقاومةعيون الحسود.
ولحماية النفس من العين، استعملت الخرز والتعاويذ والرقي. ومن إلخرز التي استخدمت في حماية الأطفال من اصابة العين، "الكحلة"، وهي خرزة سوداء تجعل على الصبيان لدفع العين عنهم. و "القبلة"، وهي خرزة بيضاء تجعل في عنق الفرس من العين.
و "الودعة"، تفيد في دفع أذى العين عن الإنسان. وذكر انها مما يقذفه البحر، وهي تتتفاوت في الصغر والكبر، وهي خرزة تثقب وتتخذ منها القلائد" وللحماية من العين.
الفصل الخامس والثمانون
في اوابد العرب

(1/3912)


وهي أمور كانت العرب عليها فْي الجاهلية بعضها يجري مجرى الديانات، وبعضها يجري مجرى الاصطلاحات والعادات، وبعضها يجري مجرى الخرافات، وقد كانت قد هيمنت وسيطرت على عقليتهم، ولا سيما تلك الأمور التي كانت تتصل بحياتهم، كالكهانة والحداسة والرقية والتنجيس والتنجيم، وغير ذلك مما له علاقة بحياة الإنسان حتى قيل انهم كانوا "بين متكهن وحدّاس وراق ومنجس ومتنجم"
للكهانة
وفي طليعة بعض الناس الموهوبين بما لهم من قدرة خفية خارقة والهام، الاتصال بالالهة وبالأرواح، واللاستئناس بها والأخذ منها، والحصول على علم غزير منها يتعلق بالمستقبل عامة ومستقبل كل إنسان خاصة، أو التأثر عليها بصرف الخير إلى شخص ودفع الأذى عنه،وبتوجيه الشر إلى شخص يراد توجيهه اليه وإيذاؤه. ويقال للاتصال بالآلهة أو الأرواح لمعرفة المستقبل والتنبؤ عما سيحدث: "الكهانة" "Divination، ويقال لمن يقوم بذلك الكاهن. أما الذي يزعم أن في امكانه التحكم في الأرواح وتوجيهها الوجهة التي يريدها، فيقال له "ساحر" ويقال لعمله "السحر". وتقابل كلمة "السحر" في العربية،كلمتا Magic و، Sorcery، في الانكليزية.
والكهانة في اللغة العربية تعاطي الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ومعرفه المغيبّات والأسرار، وتقابل بهذا التعريف في العربية كلمة "Soothsayer، في الانكليزية. وتقابل كلمة "كاهن" لفظة "كوهين"، " "Kohen، في العبرانية و "كهنا"، Kehna، في لغة بني إرم، و.كلها من الأصل السامي القديم.

(1/3913)


ومن مرادفات الكاهن: "الطاغوت". ولهذا التفسير فسر العلماء قوله تعالى ) فمن يكفر بالله ويؤمن بالطاغوت (. قالوا: الطاغوت: الكاهن. وهم كهان تنزل عليهم شياطين يلقون على ألسنتهم وقلوبهم. والطواغيت التي كانوا يتحاكمون اليها، كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد وهم كهان تنزل عليهم الشياطين. وذكر بعض علماء التفسير ان الطاغوت: الشيطان في صورة انسان يتحاكمون ايه. وقد وردت اللفظة في موضع آخر من القرآن الكريم بعد لفظة الجبت، اذ جاء في التنزيل: ) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبأَ من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت (. وقد ذكروا ان الجبت السحر والساحر، بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن وان الجبت والطاغوت صنمان، أو ان الجبت الأصنام والطاغوت تراجمة الأصنام، والذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس،أو ان الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضع له، كائناً ما كان ذلك المعبود من حجر.أو انسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظمة بالعبادة من دون الله، فقد كانت جبوتاً و طواغيت، وكذلك الشياطين اليّ كانت الكفار تطيعها في معصية الله،وكذلك الساحر والكاهن اللذان كانا مقبولاً منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حبي بن أخطب وكعب بن الأشرف لأنهما كانا مطاعان في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين.

(1/3914)


وذكر علماء التفسير في قوله تعالى.: )ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك، وما أنزل من قبلك يريدرن أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به. ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً (، ان الطاغوت الكاهن الذي كان يحكم بين الناس، ويتحاكمون له. وأنها نزلت في حق يهودي اختصم مع مسلم، فكان المسلم أو المنافق يريد الاحتكام الى الكاهن، وكان اليهودي يدعو إلى النبي أو المسلمين، لأنهم لا يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، أو إلى كاهن بالمدينة، أو إلى كعب بن الأشرف، فنزل الوحي بتوبيخ ذلك المسلم أو المنافق.
والتكهن عن المستقبل والتحدث عن الماضي، موضوع له فروع عديدة. وقد عدّ علماَ من العلوم عند كثير من الأمم. وألفوا فيه. وتنبؤ الأصنام هو نوع من هذه الأنواع. ويدخل في التكهن التنبؤ بواسطة وسيط: مكالمة صنم، أو "تابع" أي "ريب"، وقراءة كبد الشاة وقراءة أعضائها كما كان عند البابليين وعند المصريين. والتكهن بحركات الطيور، وتفسير الأحلام. وتفسير بعض الظواهر ااطبيعية وما شابه ذلك وكل هذه كانت معروفة عند الجاهلين. وليس من الضروري ان يكون التكهن بتكليم الصنم حتماَ وفي المعبد بالضرورة، فقد كان من الكهان من يقيم في بيته ويتكهن مع فلك للناس، ينطق بما يوحى اليه ومما يشعر به. وقاصدوه يرون ان فبه قوة خارقة وقابلية لتلقي الوحي من تلك القوة التي يتصورونها على هيأة شخص غير منظور يلقي الى الكاهن الوحي، فينطق بما يناسب المقام وبما يكون جواباً،على الأسئلة التي توجه اليه. ويطلقون على ذلك الشخص الخفي اسم "تابع" أو "صاحب" أو "مولى" و "ولي" و "رئي"، لأنه يكون تابعاً وصاحباً للكاهن، يتبعه ويصاحبه ويلقي اليه "للرئي". يكشف له الحجب وياًتيه بالأسرار. فهو "حاز" و "حز+اء" و "حازية" و "الراتي" في العهد القديم.

(1/3915)


وكان من رأي الجاهليين ان هناك وحياً يوحى إلى الكاهن بما يقوله، وقد قالوا لذلك المصدر الذي يوحي اليه: "شيطان الكاهن"، كما قالوا للمصدر الذي يوحي إلى الشاعر بوحي شعره: "شيطان الشاعر"، فذلك لأن شيطان الكاهن يسترق السمع ويلقي به إلى الكهنة. يسترقه من السماء، فيأتي به إلى الكاهن ويلقي ما استرقه اليه، فيلقي الكاهن ما أ القى عليه شيطانه إلى الناس، وبذلك يتنبأ لهم. "سأل رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، ناسٌ عن الكهان، فقال: ليسوا بشيء، فقالوا: يا رسول اللّه، انهم يحدثونا أحياناً بشيء، فيكون حقاً، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الحق، يخطفها من الجني فيقرها في اذن وليه، فيخلطون معها مئة كذبة.
وقد وردت كامة "كاهن" في القرآن الكرم في معرض الرد على قريش الذين اتهموا الرسول بأنه "كاهن"، وبأنه يقول القرآن على نمط سجع الكهان. فجاء فيه: ) فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون(، و )إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون، ولا بقول كاهن، قليلاً ما تذكرون(. فرد عليهم بقوله: ) ما هذا القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قيل الشعر، فتقولوا هو شعر، قليلاً ما تؤمنون. يقول تصدقون قليلاَ به أنتم، وذلك خطاب من الله لمشركي قريش. ولا يقول كاهن، قليلا ما تذكرون. يقول ولا هو بقول كاهن، لأن محمداً ليس بكاهن، فقولوا هو ممن سجع الكهان. فكان للكهان أسلوب خاص في كلامهم عند التنبؤ والتكهن هو أسلوب للسجع. ولذلك عرف ب "سجع الكهان". وقد امتاز سجعهم هذا باستعمال للكلام الغامض، والتعابير العامة للغامضة التي يمكن تفسيرها تفاسير متناقضة ومختلفة. وهو أسلوب تقتضيه طبيعة التكهن، لكي لا يلزم الكاهن على ما يقوله من قول ربما لا يقع، أو قد يقع العكس. ففي مثل هذه الحالة، يمكن أن يكون للكاهن مخرج " باستعماله هذا النوع من الكلام.

(1/3916)


وقد ورد أن الرسول نهى عن محاكاة الكهان في سجعهم، فذكر عنه قوله: "أسجعٌ كسجع الجاهلية" ويذكر أهل الأخبار أن "تابع" الكاهن، وهو شيطانه وجنيهّ،كان يسترق في الجاهلية الأخبار من السماء، فيلقي بها إلى الكاهن المختص به. فيخبر الكاهن من يأتي اليه للكهانة. بقواعلى ذلك إلى ظهور النبوة، فلما نزل الوحي انقطعت الكهانة، إذ وجد الشياطن الذين كانوا يسترقون السمع لهم شهاباً رصداً. وقالوا إن قوله تعالى: )واناّ لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً، وأنّا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يسممع الآن يجد له شهاباً رصداً (، إنما عنى به هذا الحادث، حادث منع الشياطن من استراق السمع.
ويذكر أهل الأخبار أيضاً ان " ألقذف بالنجوم قد كان قديماً، وذلك موجود في أشعار القدماء من الجاهلية. منهم: عوف بن الجزع، وأوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، وكلهم جاهلي. وقد وصفوا الرمي بالنجوم. وان من عقائد أهل الجاهلية في تساقط النجوم والشهب دليل على موت عظيم أو ميلاد مولود عظيم. وذكر ان الرسول كان جالساً مع قومً من الأنصار إذ رمي بنجم فظهر نوره، فقال لهم: ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية ? قالوا: يا رسول الله كنا نقول حين نراه يرمى به مات ملك، ولد مولود وقد جعل "المسعودي" حدة الأذهان مع نقصان الأجسام وتشويه الخلق، من جملة العوامل التي دفعت على التكهن والإخبار عن الغيب. وضرب مثلاً على ذلك: شق، وسطيح، وسملقة، وزوبعة، سديف بن هوماس، وطريفة الكاهنة، وعمران أخي مزيقياء، وحارثة، وجهينة وكاهنة باهلة وأشباههم من الكهان،وقد يلحق التابع من الجن أشخاصاً لم يشتهروا بالكهانة وإنما عرفوا بشدّة ذكائهم ومعرفتهم بعواقب الأمور،مثل احيحة بن الجُلاح وكان م اشراف المدينة، وقد اشتهر عندهم بكثرة صوابه وسرعة ادراكه للعواقب. فعللوا ذلك بوجود تابع له من الجن كان يعلمه المغيبات.

(1/3917)


قال "الجاحظ": "وكانوا يقولون، إذا ألف الجني إنساناً وتعطف عليه، وخبره ببعض الأخبار، ووجد حسه ورأى خياله، فإذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئي من الجن. ومن يقولون ذلك فيه عمرو بن لحي بن قمعة، والمأمور للحارثي، وعتبة بن الحارث بن شهاب.
فاما الكهان، فمثل حارثة جهينة، وكاهنة باهلة، وُ غزى سلمة، ومثل شق وسطيح وأشباههم.
والكهان يرون تابعهم، وقد يتجلى لهم في صورة إنسان. ويظهر على صورة رجل للكواهن كذلك. فقد كان للغيطلة، وهي مما ما يزعمه أهل الأخبار كاهنة أبوها مالك بن الحارث بن عمرو بن الصعق بن شنوق بن مرّة، وشنوق أخو مدلج، تابع يفد اليها، ويدخل غرفتها، ويجلس، تحتها. كما كان لفاطمة بنت النعمان النجارية، وهي كاهنة كذلك، تابع من الجن كان إذا جاءها، اقتحم عليها في بيتها. فلما كان في أول البعث،أتاها، فقعد على حائط الدار ولم يدخل، فقالت له: لَمَ لا تدخل ? فقال: قد بعث نبي بتحريم الزنى ْ.
فالكاهن اذن، هو الذي يتنبأ بواسطة تابع، ولا يستطيع غير الكاهن رؤية التابع. وتكون الكهانة كلاما يلقيه الكاهن لنفسه، أو تابعه، جواباً عن أسئة الكاهن. ولما كان التابع روحاً،.كان من الطبيعي تصور صدور ذلك الكلام من روح لا يمكن لمسها ولا رؤيتها، ترى وتسمع وتعقل، وتجيب ما يطلب منها الاجابة عنه.
ويكون الكاهن في أثناء تكهنه في غيبوبة أو في شبه غيبوبة في الغالب، ذلك بأنه متصل في هذه الأثناء بعالم مجهد صعب لا يتحمله كل انسان، ولاتصال الروح فيه، واتصال الروح بجسم الكاهن شيء جد عسير، يتصبب العرق منه. خاصة اذا كان المتكلم الكاهن نفسه.

(1/3918)


ويكون التكهن، في الغالب، في مكان هادىء تكتنفه ظلمة أو عتمة، لأن للهدوء والظلام أثرأ عظيماً في النفوس، ويسبقه حرق بخور في الأكثر يستمر إلى ما بعد انتهاء التنبؤ، لأن البخور من الروائح الطيبة التي تؤثر في الأرواح، فتجلبها إلى المكان بسرعة. ثم إن له تأثيراً خاصأَ في الأعصاب، وهو بذلك مادة صالحة في الايحاء لمن يقصد استشارة الكهان.
ويروي الأخباريون ان الناس كانوا اذا قدموا على الكهان امتحنوهم ليتأكدوا من صدق تكهنهم ومقدار علمهم. وذلك باخفاء شيء اخفاء لا يمكن الاهتداء اليه، أو بوضع لغز، أو ما شابه ذلك، فيبدؤون، الكاهن بالسؤال عنه. فاذا أجاب جواباً دل على معرفة وسعة علم، سألوه عن الأمر الذي عندهم والذي من أجله قصدوه. ويكون لهؤلاء الكهان أجر يدفع اليهم. والعرف الغالب ان الكهانة لا تكَون ولا تصح إلا بتقديم شيء للكاهن، لأن التابع لا يرضى بالتنبؤ إلا اذا رأى حلاوة للتنبؤ.
ومن قبيل الامتحانات التي امتحن بها الكهان، امتحان "عتبة بن ربيعة" إلى بعض كهان اليمن ليتأكد من صدق تكهنه قبل النظر في أمر اختلاف ابنته "هند" مع زوجها "الفاكه بن المغيرة " في فرية رماها "الفاكه" زوجته بها. وامتحان "عبد المطلب" للكاهن "ربيعة بن حذار الأسدي" حين اختصم مع "بني كلاب وبني رباب"، وامتحان "الكاهن ااخزاعي" وغير ذلك.
وما يعطاه الكاهن ويجعل له على كهانته، يقال له "الحُلوان" و "حلوان للكاهن"، وهو شيء غير معين ولا ثابت، انما يتفق عليه، والرأي الشائع بين العامة حتى الان أن الكهانة لا تصدق إذا لم يعط الكاهن أو الساحر "حلوانه" لآن ما يقدم إلى الكاهن لا يخصه ولا يكون له إنما هو للرئي، والرئي لايقوم بعمله ولا يحسن أداءه إلا بحلوان، يقبله مهما كان، وعلى الكاهن استشارة "التابع " ومراجعته فيه حتى يقنع، ويوافق على الأجر. ولما كان الإسلام قد منع الكهانة، كان من الطبيعي نْهيه عن دفع الحلوان.

(1/3919)


والكهّان إنما صاروا كهاناً، أي متنبئين بالغيب، لأن "الكهنة قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في الأمور، وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم اليه. وهذا هو تعليل إسلامي بالطبع لمصدر تنبؤ الكهان، أما رأي الجاهلين عنه، فلا علم لدينا عنه، لعدم ورود شيء منهم الينا.
وتقدم الكهانة على القدرة الشخصية وعلى ذكاء الكاهن،لذلك لم تكن كالسدانة مثلاً إرثاً ينتقل من الآباء إلى الأبناء، بل كان في إمكان كل شخص يرى في نفسه القدرة على التنبؤ بالغيب والتحدث عما سيحدث للسائلين ان يدعي الكهانة وان يعد نفسه كاهناً يتكلم باسم الأرباب، وينطق بالقوة الخفية التي توحي اليه بالتنبؤات، فيتخذ له مكاناً في معبد أو في موضع اخر أو في بيته ليقصده من يريد استشارته في عظائم الأمور مهما اختلفت وتنوعت عن المستقبل وعن الأخبار وعن الأسرار والمغيّبات وعن القيام بعمل من الأعمال.

(1/3920)


وفي الأقوال المنسوبة إلى الكهان، قسم بالكواكب كالشمس والقمر وبالنجوم وبالليل وبالنهار وبالأشجار وبالرياح والكلمات وبالجبال والأنهار وبالطيور ومما شابه ذلك أمور طبيعية الغرض منها التأثير في نفوس السامعين والأغراب في الكْلام، ليكون بعيداً عن الأسلوب الماًلوف. وقد روى الأخباريون نماذج من هذا الكلام، من هذا السجع المعروف ب "سجع.الكهان"، نسبوه إلى أصحابه من كهان الجاهلية. وهي نسبة مهما حاولوا اثبات صحتها وصدق روايتها، فانهم عاجزون في رأيي عن اقناعنا بصحة ما يقولون. كيف حفظوا ذلك الكلام وتناقلوه بالحرف الواحد بوزنه وبأسلوبه وبنصه وبفصه إلى أن أوصلوه إلى أيدي العلماء والمدونين فثبتوه بالتدوين ? وكيف لم يخطئوا في ذلك ولم ينسوا منه حرفاً، حتى لكأنه كلام مقدس وارد عن وحي سماوي، فلا بد من المحافظة على نصه وروايته على نحو ما ورد وحفظ ? واذا كان العلماء قد تساهلوا في رواية متن حديث رسول الله فسمحوا بالتصرف فيه بشرط المحافظة على المعنى محافظة تامة، لصعوبة التمسك برواية النص على نحو ما ورد عن الرسول. فكيف يعقل محافظة الرواة على حرفية كلام الكهان على نحو ما نسب اليهم. وكلام الكهان ليس بشيء بالقياس إلى كلام الرسول، ثم انه أقدم منه، ولم يكن مدوناً ولا مكتوباً في كتاب على ما يفهم من روايات الأخباربين.

(1/3921)


وقد كان للكهان على ما يتبين من قصص الأخباريين أثر كبير في حياة العرب قبل الإسلام. فقد كان الناس يستشيرونهم في إبرام مهمات الأمور، كإعلان حرب أو كشف عن جريمة أو بحث عن شيء مفقود وما شاكل ذلك. لقد كانوا يستشيرونهم في الحروب، يتنبؤون للناس يقرب حدوث غزو أو نزول كارثة أو خير سيقع قريباً، لقد كان هجوم بني أسد على "حجر" بمشورة الكاهن وبرأيه، وكان تركهم تميماً وافتراقهم عنهم في يوم جبلة بتحذير من الكاهن كذلك. وقد استعان النعمان أو يزيد بن عمرو الغساني بالكاهن "الخمس التغلبي"، لاخباره عمن تجاسر على ناقته فقتلها، كما استعان "عتبة بن ربيعة" في اثبات نسب ابنته "هند" منه.
وقد اشترك الكهان أنفسهم في الغزوات وفي الحروب. وكانوا يشجعون قومهم ويحثونهم على القتال، وكان بعضهم من مشاهير الفرسان، مثل "زهير بن جناب"، و "جذيمة" العبهي، وقلطف الكاهن، والمأمور كاهن مذحج.
ولم يكن الكهان من الطبقات الدنيا عند عرب الجاهلية، ولا من سواد الناس. لقد كان منهم من هو من سادة القبيلة ومن الأشراف. ولا بد أن يكونوا من هذه الطبقة، ليكون حكمهم نافذاً بين الناس بما لهم من عز ومنزل وجاه. وقد عد الأخباريون "زهير بن جناب" رئيس كلب في جملة الكهان. وقد كان للقبائل "كهان" تلتجىء اليهم في الملمات، لتستشيرهم وتعمل برأيهم في الغزو والحرب. يسيرون معها، وقد يقودونها في المعارك.

(1/3922)


وقد كان لكل قبيلة كاهن منها أو عدة كهان،تلتجىء القبيلة اليهم لاستشارتهم في كل أمر عظيم يحدث لهم. ولا يشترط ان يكون كاهن القبيلسة رجلاَ، إذ يجوز ان يكون امرأة. وكان كاهن ثقيف "قريش" عند ظهور الإسلام رجلٌ يقال له "خطر"، وكان لجنب كاهنهم كذلك، وكان لقريش حين ظهور الإسلام كاهنة تدعى سوداء بنت زهرة بن كلاب"، وهكذا كان شأن بقية القبائل. فلما ظهر الإسلام، ودّع اولئك الكهان رئيهم وتابعهم، وكهانَهم، إذ نهى الإسلام عنها. وقد كان لبعضهم أثر مهم في إعداد قبائلهم للدخول في الإسلام.
وقد أشار بعض الكتبة الكلاسيكيين إلى وجود كهان عند العرب، كما انه ورد في كتابات طور سيناء ما يدل على وجودهم عند القبائل.
ولم يكن الكاهن، كاهناً، بمعنى المخبر عن المغيبات فقط، بل كان حاكماً يحكم بين الناس فيما يقع بينها من خلاف. فالكاهن حاكم يفصل في الخصومات. وقد كان أكثر حكام العرب كهاناً، يقصدهم المتخاصمون من مواضع بعيدة لما عرفوا، به من اصالة الرأي، وصحة الحكم.
وفد ذكر أن الكاهن كان لا يلبس المصبغ أما العراف فإنه لا يدع تذييل قميصه وسحب ردائه، ويدل ذلك على أنهما كانا يميزان أنفسهما بمميزات وعلامات وأنهما كانا يتجنبان بعض الأمور.
وقد اشتهر في الجاهلية عدة كهان ذكر الأخباريون أسماءهم، منهم: شقّ، وسطَيح، وأوس بن ربيعة، والخمس التغلبي، وعُزى سلمة الكاهن، ونفيل ابن عبد العزي، وخنافر بن التوأم الحميري، وسواد بن قارب الدوسي،وعمرو ابن الجعيد، وابن الصياد، والأبلق الأزدي، والأجلح الدهري، وعروة بن زيد الأزدي، ورباح "رياح" بن عجلة، وهو المعروف بعراف اليمامة، والكاهن الخزاعي، وهو جدّ "عموو بن الحمق"، وكان منزله بعسفان، واليه احتكم هاشم وأمية " و "كهال"، أحد الكهنة الجاهليين.

(1/3923)


وأشهر الكهان وأعرفهم: شق وسطيح، وللاخباريين عنهما قصص أخرجهما من عالم الواقع، وجعلهما في جملة الأشخاص الخرافيين. فشق في زعمهم إنسان له يدٌ واحدة وعين واحدة، وجعلوه من المتشيطنة صورته صورة نصف آدمي. وذكروا أنه كان معاصراً لمالك بن نصر اللخمي، وأنه استدعاه واستدعى سطيحاً معه لتفسير رؤيا رآها أفزعته، وأنهما أخبراه بوقوع غزو الحبشة لليمن وبظهور سيف بنْ ذي يزن. وقالوا: إنه من بني جليخة، وأنه عمر ثلاثمائة سنة. وقالوا ان سطيحاً كان كتلة من لحم يدرج كما يدرج الثوب، ولا عظم فيه إلا الجمجمة، وأن وجهه في صدره.، ولم يكن له رأس ولا عنق، وكان في عصره من أشهر الكهان، وان كسرى بعث اليه عبد المسيح في بن بقيلة الغساني ليسأله في تأويل رؤيا رآها، فأخبره بظهور أمر رسول الله وبقرب زوال ملك العجم، فأخبر "عبد المسيح " كسرى بذلك.
وزعم ان سطيحاً جسد ملقى لا جوارح له، ولا يقدر على الجلوس، إلا اذا غضب انتفخ فجلس. وكان شق شق انسان، له يد واحدة، ورجل واحدة وعين واحدة. وولد سطيح وشق في اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة، امرأة "عمرو بن عامر"، وهي بنت الخير الحميرية، ودعت بسطيح قبل ان تموت، فأتيت به، فتفلت في فيه، وأخبرت انه سيخلفها في علمها وكهانتها. وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق، ودعت بشق ففعلت به ما فعلت لسطيح، ثم ماتت وقبرها بالجحفة وقد ذكر "المسعودي"، نسب الكاهن "شق" على هذا النحو: "شق ابن مصعب بن شكران بن أترك بن قيس بن عنقر بن أنمار بن رييعة بن نزار". وذكر نسب "سطيح" على هذه الصورة: "هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان، ودعاه ب "سطيح الغساني" في موضع اخر، وأورد سجعاً من سجعه، كما أورد أخباراً لشق المعاصر له. وقد دعاه "الجاحظ" ب "سطيح الذئبي"، كما دعاه "ابن اسحاق" بذلك، لأنه ينسب إلى جد اسمه "ذئب".

(1/3924)


واذا كانت رواية أهل الأخبار عن وجود الكاهن "سطيح صحيحة، فيجب أن يكون قد عاش في القرن السادس للميلاد، اذ هم يذكرون أنه كان معاصراً لكسرى أنو شروان، وللنعمان بن المنذر، ويروون أنه أخبر "عبد المسيح بن حسان"،0 الذي جاء اليه ليستفسر منه عن رؤيا رآها كسرى في منامه فازعجته، فأخبره بمولد الرسول. وذكروا أيضاً ان كسرى كان يستعين في حكمه بالكهان، فيستشيرهم، وانه كان لديه ثلثمائة وستون كاهناً وسحرة ومنجمين، وكان، من بينهم كهنة من العرب وأشهرهم: السائبْ.
وذكر بعض، أهل الأخبار " أن خالد بن عبدالله القسري كان من ولد شق هذا. فهو خالد بن عبدالله بن أسد بن كرز. وذكر أن كرزاً كان دعياً، وانه كان من اليهود فجنى جناية، فهرب إلى بجيلة، فانتسب فيهم. ويقال كان عبداً لعبد القيس وهو ابن عامر ذي الرقعة. وسمي بذي للرقعة، الأنه كان أعور يغطي عينه برقعة ابن عبد شمس بن جون بن شق الكاهن بن صعب" ويظهر أن أعداء "للقسري"، قد أوجدوا له هذه للقصة للحط منه،كما أوجدوا قصصا شبيها بهذه القصة، حكوها عن ثقيف، نكاية بالحجاج المكروه.
والى هؤلاء تجب اضافة "الأفعى الجرهمي"، وكان منزله بنجران، واليه احتكم ولد نزار في إرث والدهم.
ورووا ان الكاهن "الخزاعي" كان من الكهان المعروفين واليه تحاكم "أمية بن عبد شمس" و "هاشم بن عبد مناف في أمر مفاخرتهما، فحكم لهاشم على أمية، فخرج الى الشام وأقام بها عشر سنين. وانه قال في حكمه كلاماً مسجعاً ختمه يقوله: ولأمية أواخر، فكانت أول عداوة بين بني هاثم وبني أمية. وهكذا جعلوه يتنبأ بظهور ملك بني أمية. وربما كان هذا الملك هو الذي أوحا إلى مفتعل القصة بابداع موضوع اختيار "امية" الشام لتكون داراً له أقام بها مدة نزاعه مع هاشم، فحكم ان الملك عليها كان مكتوباً لبني أمية منذ عهد الجاهلية.

(1/3925)


وتشبه هذه القصة، قصة شك "الفاكه بن المغيرة، في سيرة زوجه "هند بنت عتبة ين ربيعة"، وتكلم الناس فيها، وذهاب والدها وزوجها بها إلى كاهن من كهان اليمن، فلما امتحنه عتبة، وتبين له ان الكاهن حاذق لايخطىء قال له: قد جئناك في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يأتي إلى كل واحدة منهن ويضرب بيده على كتفها، ويقول لها: انهضي " حتى بلغ هنداً. فقال: انهضي غير رسحاء ولا زانية وستلدين ملكاً اسمه معاوية، فنهض اليها الفاكه، فأخذ بيدها، فجذبّ يدها من يده، وقالت اليك عني، فوالله لأحرص ان يكون ذلك من غيرك فتزوجها أبو سفيان، فولدت له أمير المؤمنن معاوية"،. وهي قصة تتحدث عن نفسها، ولا حاجة لي إلى ابداء اي تعليق عليها.
وكان "صاف ين صياد" يتكهن ويدعي النبوة. وخبأ له النبي خبيئا ًفعلمه. وكان يدعي أن شيطانه كان يأتيه بما خفي من أخبار الأرض. ويذكر ان الرسول سأله: كيف يأتيك هذا الأمر ? قال: يأتيتي صادقاً وكاذباً. وأن رسول الله ذهب اليه ليرى أمره وكان "ابن صياد" في نخل، فكلمه رسول الله. وذكَر أنه انطلق مرة مع "عمر بن الخطاب" في رهط قبل ابن صياد، فوجده عند "أطم بني مغالة".
وكان في بني لهب كاهن لهم يقال له خطر بن مالك. وكان في أيام الرسول. وكان اذ ذاك شيخاً كبيراً. وكان "أبو برزة" الأسلمي من ألكهان المعروفين في المدينة أيام الرسول،:قد تحاكم اليه بنو قريظة وبنو النضير في أمر الديات التي كانت بينهماْ.
وذكر أن "خطر بن مالك" كان من أعلم كهان "بني لهب"، وأنهم كانوا يأتونة في الملمات،أتآ عليه مائتا سنة وثمانون سنة، وقد تنبأ لقومه بانقطاع الكهانة وظهور الرسول بمكة حين سألوه عن سبب تساقط النجوم في السماء.

(1/3926)


وكان في دوس كاهن اسمه سواد بن قارب الدوسي أو السدومي. وقد وفد مع وفد من قومه على الرسول وأسلم معه أمامه. وكان له رئي يأتي اليه. وذكر أهل الأخبار انه كان حاذقاً في الكهانة، مصيباً بها،"خرج خمسة نفر من طيء من دور الحمى،منهم: برج بن مسهر، أحد المعمرين، وأنيف بن حارثة، ولأم عبدالله بن سعد والد حاتم وعارف الشاعر، ومرة بن عبد رضا،يريدون سواد بن قارب ليمتحنوا علمه، فقالوا: ليخبىء كل منا خبياً ولا يخبر أصحابه، فان أصاب عرفنا علمه،وان أخطأ ارتحلنا عنه. ثن وصلوا اليه فأهدوا اليه إبلاً وطرفاً، فضرب عليهم قبة ونحر لهم،فما مضت ثلاثة أيام دعاهم، فتكلم برج، وكان أسنهم فذكر القصة بجميع ما خبأوه ثم بمعرفته بأيمانهم وأنسابهم فقال فيه عارف الشاعر: الله أعلم لا يجارى إلى القالات في حصني سوادٍ
كأن خبيئنا لما انتخبنا بعينه يصرح أو ينادي
ومن الكهان المعروفين "الحصين بن نصاة" وقد عرف ب "الكاهن"، وقيل: إنه سيد أهل تهامة في أيامه. و "عمرو بن إلحمق"، وقد أسلم وصحب النبي، وشهد المشاهد مع علي.
وكان "ربيعة بن حُذار الأسدي" من الكهان المعروفين، واليه تحاكم "بنو كلاب" و "بنو رباب" لما خاصموا "عبد المطلب" في مال قريب من الطائف. فحكم ل "عبد المطلب".
وذكر "المسعودي" اسم كاهنين، دعاهما به "سملقة" و "زوبعة". وقد أشار "الجاحظ" اليهما في معرض كلامه على الخرافات.
وأشار "الجاحظ" إلى كاهن ظهر في "بني جهينة"، عرف ب "حارثة جهينة"، والى "عزى سلمة". وقد قال "الجاحظ" عن "عزى"، أنه كان من أكهن العرب واسجعهم. ودعاه ب "سلمة بن أبي حية".

(1/3927)


وكان "خُنافر بن التوأم الحميري" كاهناً، وكان قد أوتي بسطة في الجسم، وسعة في المال، وكان عاتياً، فلما وفدت وفود اليمن على النبي، وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر، فحالف "جودان ابن يحيى الفرِضمي"، وكان سيداً منيعاً، ونزل بواد من أودية الشحر، ثم جاءه "شصار" رئيه، فنصحه بالعودة إلى اليمن، والدخول في الإسلام. فأسلم على يد معاذ بن جبل بصنعاء، فترك الكهانة وتعلم سوراً من القرآن.
ومن الكهان "المأمور"، وهو "الحارث بن معاوية" الكاهن وكانت مذحج في أمره تتقدم وتتأخر. و "قلطف" الكاهن، وهو من طيء.
وكان "زهير بن جناب الكلبي"، و "جذيمة" العبسي، كهاناً. وزهير من الفرسان، فكان من فرسان كلب، وكان شاعراً.
ويعدّ "الأفكل" من الكهان الفرسان، وله فرس اسمه هبودْ.
ولم تحرم النساء الكهانة، فكان لهن فيها حصة ونصيب. وقد حفظ الأخباريون أسماء عدد من الكاهنات اشتهرت كهانتهن في الجاهلية، منهن طريفة الكاهنة، وزبراء، وسلمى الهمدانية، وعفيراء الحميرية، وفاطمة بنت مرّ الخثعمية، وسجاح، وغيرهن. وقد نسبوا إلى طريفة إخبارها عمرو بن عامر أحد ملوك اليمن بزوال ملكه وبخراب. سد مأرب، وذكروا انها سارت مع القبائل حين خافت سيل العرم. ونسبوا إلى بقية الكاهنات أمثال هذا القصص عن أمورستقع قالوا انهاوقعت كما تنبأن به.
وذكر "المسعودي"، ان "طريفة" كانت كاهنة لعمرو بن عامر، وقد نعتها ب "طريفة الخير". وقد تنبأت له بقرب تهدم السد،وظهور سيل العرم. كما تنبأ بذلك أخ للملك اسمه "عمران"، وكان عقيماً كاهناً، فوقع ما تنبأ به.
وكان من شهيرات الكاهنات أيضاً "الغيطلة"، وهي "أم الغياطل"، وهي من "بني مُرة بن عبد مناة بن كنانة". وقيل: "الغيطلة بنت مالك بن الحارث بن عمرو بن الصعق بن شنوق بن مرة. وشنوق أخو مدلج". وقد عرف ولدها بالغياطل وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص.

(1/3928)


ويقال ايضاً أن "سعدى بنت كريز بن ربيعة" كانت قد تكهنت، وهي خالة عثمان بن عفان.
وكان لفاطمة بنت النعمان النجارية تابع من الجن، وكان اذا جاءها اقتحم عليها في بيتها، وقد أدركت مبعث الرسول.
وكانت سوداء بنت زهرة بن كلاب، كاهنة قريش. ويذكر أن والدها أعطاها لحافر قبور ليحفر لها قبراً في الحجون، فيدفنها حيّة فيه. أي يئدها، لأنها ولدت زرقاء شيماء، وكانوا يئدون من البنات من كان على هذه الصفة،غير أن حافر القبر عاد بها إلى والدها، لأنه لم يشأ دفنها في خبر يرويه أهل الأخبار.
وكان في "خثعم" كاهنة عرفت بفاطمة.
ولاستشارة الناس هؤلاء الكهان في الأمور وطلبهم منهم الفصل فيها صارت كلمة "حكم" مرادفة لكلمة "كاهن" في بعض الأحايين. وقد روي الأخباريون أمثلة عديدة من حكم هؤلاء الكهان بين الناس وطريقة فصلهم في الأمور، فهم في هذه الحالة حكام يفصلون في القضايا التي يتفق الجانبان المتخاصمان فيها على احالتها عليهم. ولم تكن لنفوذ أحكامهم مناطق وحدود، لقد كان حدود احكامهم المدى الذي وصات شهرة الكاهن اليه، لذلك كان الناس يقصدون الكاهن من مناطق بعيدة في بعض الأحيان لشهرته الواسعة التي يتمتع بها بين الناس. وتتوقف هذه الشهرة بالطبع على مبلغ ذكاء ذلك الكاهن وقدرته في فهم طبيعة المتخاصمين أو السائلين، ليتمكن من اصدار حكم معقول مقبول. وتكون أحكامهم قطعية، على الطرفين اطاعتها والامتثال لها، وليس لأحد أن يعترض عليها. ولذلك يأخذ الكاهن من الطرفين المتخاصمين قبل سماعه الشكوى عهداً بوجوب الامتثال لحكمه وعدم ردّه مهما كان نوع الحكم.
العرّاف

(1/3929)


ويطلق بعض علماء اللغة على الكاهن "العرّاف"، فهو عندهم مرادف للكاهن. غير ان من العلماء من يفرق بين الكلمتين، ويرى بينهما فرقاً، فالكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، والعراف هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما، أو الذي يزعم انه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله. ومنهم من يذهب الى ان العراف من اختص بالإنباء عن الأحوال المستقبلية. أما الكاهن فهو الذي اختص بالإخبار عن الأحوال الماضية. وقد فرّ ق بين الكاهن والعراف في حديث: "من أتى عرافاً أو كاهناً 000". وأطلق بعضهم العراف على من يدعي الغيب مطلقاً وفي ضمنهم المنجم والحازي.
وذكر ان "العراف" الكاهن أو الطبيب أو المنجم أو الحازي الذي يدعي علم الغيب. فللكلمة معان عديدة، ولا تختص بمعنى واحد. وقد ذهب "المسعودي" إلى ان العراف دون الكاهن. ونجد هذه النظرة عند غيره أيضاً.
وخلاصة ما يفهم عن الكهانة والعرافة في روايات الأخباريين أن الكهانة هي التنبأ بواسطة تابع. وأن العرافة تكون بالملاحظات وبالاستنتاجات وبمراقبة الأشياء لاستنتاج أمور منها، يخبر بها السائلون على سببل التنبؤ. وهي على ما يظهر من تلك الروايات، دون الكهانة في المنزلة، ولم يكن للعرافين اتصال ببيوت العبادة والأصنام، ولم يكن لهم "رئي" أي "تابع"، وإنما كانوا يستنبطون ما يقولونه بذكائهم وعلى القياس. فيأخذون بالمشابهة وبالارتباط بين الحوادث، ويحكمون بما سيحدث بموجب ذلك.
وقد عدّ العبرانيون العرافة من الحيل الشيطانية كالسكر والتفاؤل، لأنها من رجس المشركين. وتشمل عندهم التنجيم والقرعة والزجر وما شاكل ذلك. وقد نهي عنها في الإسلام.

(1/3930)


وقد اعتمد العرّاف على الخط. فكان يخط خطوطاً، ثم يخطر اليها، ليستنبط شيئأ منها، يتنبأ به للناس. ومن مشاهيرهم "حليس الخطاط الأسدي". وقد ذكر أنهم كانوا يحطون خطوطاً، ثم ينظر العراف ويقول: "ابنا عيان،اسرعا البيان، ثم يخبر بما يرى".
وتعتمد العرافة -كما تعتمد الكهانة - على الذكاء والتفرس في الأمور والتجارب. وقد خصصها أكثر الناس في الإسلام بالتوصل إلى معرفة الأشياء المفقودة.والعراف مما عنده من الملكات والمواهب المذكورة، يقضي ويتنبأ للناس فيما يراه، ومن أشهر العرافين في الجاهلية: عرّاف اليمامة، وهو "رباح بن كحلة" "رباج ابن عجلة" "رياح بن كحلة" المذكور في الشعر، وعرّ اف نجد وهو الأبلق الأسدي. والأجلح الزهري، وعروة بن زيد الأسدي.
وفي عرّاف اليمامة ورد قول الشاعر: فقلتُ لعرّاف اليمامه داوني فإنك ان داويتني لطبيب
والأبلق الأسدي، هو عراف نجد، وفيه يقول عروة بن حزام: جعلت لعرّاف اليمامة حكمه وعرّاف نجد إن هما شفياني
وقد كان أهل الجاهلية يعرضون صبيانهم على "العرافين" لإخبارهم عن مستقبلهم. وكانت الأسواق مثل سوق عكاظ موئلاً لهم. فكان العراف فيها ير به للناس صبيانهم، ويقول عنهم ما يجول بخاطره، وذلك بالتفرس في وجه الصبي، ومقارنة ذلك بما حصل عليه من تجارب في هذا الباب، وفي اللغة العربية كلمة قديمة أخرى لها صلة بموضوعنا هذا، هي "القيافة". ويقصد بها التنبؤ والإخبار عن شيء بتتبع الأثر والشبه، وتدخل في ذلك قيافة اثار الأقدام والأخفاف والحوافر للاستدلال منها على أصحابها، وتعيين النسب في حالة الشك فيه. وما زالت القيافة معروفة عند العرب حتى الآن. وقد اشتهرت بها "بنو مدُلج" خاصة، حتى قيل للطائف "مدلجيّ" بسبب هذا الاختصاص، وبنو لهب، وأحياء مضرْ.

(1/3931)


ويرى "المسعودي" ان القيافة من الأمور التي برع بها العرب واختصوا بها، وصار لهم مران وخبرة بها، وذكر ان ممن عرف واشتهر بها "محرز المدلجي"، وقد تعجب الرسول من قيافته وصدقه، وذكر أهل الأخبار ان "الحازر"، هو من يحزر الأشياء، وان "الحزارة" في معنى القيافة.
وأما "الفراسة"، فتكون بالاستدلال بهيأة الإنسان وأشكاله وأقواله على صفاته وطبائعه. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أنها من الكلمات المعربة التي أخذت من "بني إرم"، وانها أحدث عهداً من لفظة "القيافة" التي هي من الكلمات العربية الجاهلية، وقد توسع في معناها وألف فيها الكتب في الإسلام وتبحر فيها بعض أئمة الفقهاء مثل الشافعي.
وأما "العيافة" فهي التنبؤ بملاحظة حركات الطيور والحيوانات ودراسة أصواتها،وقراءة بعض أحشائها، ولذلك قيل في العبرانية للعائف "الشاق"، لشقه الحيوانات والطيور لدراسة أحشائها واستخراج الخير مما يراه على تلك الأحشاء من ألياف يرى ان في أوضاعها معاني يذكرها للسائل على شكل نبوءة. وكانت معروفة خاصة عند الكلدانيين.
وقد اشتهرت "بنو أسد" بالعيافة، فقصدها الناس للاخذ منها، حتى الجن سمعت بعيافتها، وعجبت منها، فجاءت اليها تمتحنها في هذا العلم.
واشتهرت "بنو لهب" بالعيافة كذلك،ولهب حي من الأرد. ومن هؤلاء "العائف اللهبي"، "لهبَ بن أحجن بن كعب"، وهو الذي تكهن بموت عمر بن الخطاب قبل وقوعه بعام.
والزجر العيافة. وهو يزجر الطير يعافها، وأصله ان يرمى الطير بحصاة ويصيح،فان ولاه في طيرانه ميامنه تفاءل به أو مياسره تطير. وهو ضرب من التكهن. وانما سمي الكاهن زاجراً، لأنه اذا رأى ما يظن انه يتشاعم به زجر بالنهي عن المضي في تلك الحاجة برفع صوت وشدة.

(1/3932)


وتطلق لفظة "الحازي" على من يحزر الأشياء ويقدرها بظنه، فهي من الكلمات المستعملة في الكهانة، ويطلق على من يشتغل بالنجوم اسم "حزاء"، لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره. وأطلقت أيضاً على من يزجر الطير، ولا سيما الغراب.
وقد أشير في كتب أهل الأخبار إلى "خازي" عرف واشتهر بين الجاهليين ب "حازي جهينة".
الراقي
ويقال لمن يعمل الرقي ويرقي: "الراقي". والرقية العوذة التي يرقي بها صاحب الآفة كالحمىّ والصرع. قال عروة: فما تركا من عوذة يعرفانها ولا رقية إلا بها رقياني
ويقال لأجرة الراقي: "البسلة" و "بسلة الراقي". و "البسل" الحلال، والبسل أيضاً الحرام،فهو من الأضداد. وبسل الدعاء بمعنى آمين، أي الاستجابة. وكان الرجل اذا دعا على صاحبه، يقول: قطع الله مطاك. فيقول الآخر: بسلا بسلاً، أي آمين آمين.
الاستقسام بالأزلام
ومن طرق التنبؤ الاستقسام بالأزلام ويقابل ذلك ما يقال له "كسيم" "كسم" " Gasam " في العبرانية. وهي طريقة معروفة عند البابليين كذلك. وعند غيرهم من الشعوب. وقد أشير في التوراة إلى أن "نبو ختنصر" "بختنصر" "نبخد نصر" " Nebuchadnessar" أجال السهام حين عزِم على فتح "اًورشليم" "القدس". " فإن ملك بابل قد وقف عند أم الطويق في رأس الطريقين ليباشر عرافة. فأجال السهام وسأل الترافيم ونظر في الكبد". وقد خرج السهم الذي كتب عليه "أورشليم"، فعمل به وهاجم القدس وفتحها.
وتعني لفظة " كوسيم " Gosem" و" Gesem" ,"Kosem" العرافة في العبرانية. من أصل "كسم" "كيسم" "قيسم" وهو التكهن. وهو أصل "سامي".واليه تعود كلمة "الاستقسام"، لا إلى "قسم" بمعنى تقسيم الشيء وتجزئته.
وهو المعنى الذي ذهاب اليه أكثر علماء اللغة. وقريب من معنى "قيسم" "كيسم" ما ذكره علماء اللغة من أن القِسمَ هو الحظ والنصيب. فإن للحظ والنصيب علاقة وثيقة بالتكهن، لما فيه من معرفة المستقبل والوقوف عليه.

(1/3933)


وقد عرف أهل الأخبار "الأزلام": انها السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها. وعرفوا "الزلم"، ائه السهم، وانه القدح المزلم، وعرفوا القدح: انه السهم قبل ان ينصل ويراش. وان القدح: قدح السهم، وجمعه قداح، وصانعه قدّاح. وقد فسر بعض العلماء الأزلام بأحجار بيض تشبه أحَجار الشطرنج، كما جعل بعض اخر تلك السهام في مقابل "الكعاب" التي يستعملها الروم والفرس في الاستخارة. وذكر بعض اخر ان "الأزلام: سهام كانت لأهل الجاهلية مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، فإذا أراد الرجل سفراً أو أمراً، ضرب تلك القداح،فإن خرج السهم الذي عليه أمرني ربي مضى لحاجته، وإن خرج الذي عليه نهاني ربي لم يمض في أمره". وذكر ان الأزلام التي كانوا يستقسمون بها غير قداح الميسر،وانها قداح الأمر والنهي لا قداح الميسر. وذكر ان أهل الجاهلية، كانوا اذا أرادوا ان يخرجوا في سفر، جعلوا قداحاً للجلوس والخروج، فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا.
وطريقة الضرب بالقداح، ان الرجل منهم اذا أراد ان يخرج مسافراً، كتب في قدح هذا يأمرني بالمكث، وهذا يأمرني بالخروج،وجعل معهما أزلاماً مسحة،أي لم يكتب فيها شيئاً، ثم استقسم بها حين يريد الخروج، فإن خرج الذي يأمرِ بالمكث، مكث، وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وإِن خرج الآخر أي المسح، أجالها ثانية حتى يخرج أحد القدحين. وهكذا يفعلون في سائر أمور الاستقسام.

(1/3934)


وقد جمع المفسرون ما تمكنوا من جمعه عما علق في أذهان الناس من الأزلام، لورود الإشارة اليها في موضعين من سورة "المائدة"، وأورد علماء الحديث والأخبار ما وصل إلى علمهم أيضاً عن "الاستقسام بالأزلام". ويظهر مما ذكروه أن اهل الجاهلية كانوا يقيمون في ايامهم وزناً كبيراً للاستقسام بالأزلام لاعتقادهم أنه يحكي ارادة الأرباب ويتحدث عن مشيئتها. لذلك كانوا لا يفعلون فعلا ولا يعملون عملا إلا بعد أخذ رأيها بالاستقسام. فإن جاء أمر فعلوا، وان جاء نهي امتنعوا.
وجاء في سورة المائدة: )وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق لكم(، وذلك مع أمور نهى عنها الإسلام. منها تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل إلسبع إلا ما ذُكي، وما ذبح على النصب. وجاء ذكر الأزلام في موضع آخر مع ذكر الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، حيث جعلت رجساً من عمل الشيطان، لذلك، على المسلم اجتنابها والابتعاد عنها. فالاستقسام بالأزلام من الأمور التي نزل الأمر بالنهي عنها في الإسلام. وقد جاء الأمر بالنهي عنها في شريعة يهود كذلك إذ اعتبرت "رجساً"، ومن أعمال الوثنيين.
ويكون الاستقسام عند الأصنام في الغالب لاعتقادهم ان النتيجة تمثل ارادة الصنم ومشيئته، غير ان ذلك ليس بشرط، فقد كان أصحاب الأزلام يحملون أزلامهم معهم، ويستقسمون حيث يطلب ذلك منهم. فهم في ذلك مثل أصحاب "الفأل" والقارئون للرمل والسحرة في الوقت الحاضر، يتنقلون بين الناس عارضين فنهم عليهم في مقابل حلوان يقدم اليهم. وهذا النوع، من أصحاب الأزلام، هم من الطبقة المرتزقة على شاكلة هذه الجماعة المذكورة في هذه الأيام. وقد كان منهم من يستقسم لنفسه بنفسه، وذلك بأن يمستقسم بالأزلام التي عنده في بيته، والتي قد يحملها معه، تماماً كما يفعل أهل "الاستخارة" في الاستخارة بالمسبحة "السبحة" أو بوسائل الاستخارة الأخرى في الوقت الحاضر.

(1/3935)


قال أهل الأخبار: "والأزلام كانت لقريش في الجاهلية مكتوب عليها أمر ونهي وافعَل ولا تفعل، قد زُلمت وسويت ووضعت في الكعبة، يقوم بها سدنة البيت، فإذا اراد رجل سفراً أو نكاحاً أتى السادن فقال: اخرج لي زلماً، فيخرجه وينظر اليه، فاذا خرج قدح الأمر مضى على ما عزم عليه، وان خرج قدح للنهي قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زلمان وضعهما في قرابه، فاذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما".
و "قالوا: كانوا اذا كانت مداراة أو نكاح أو أمر يريدونه، ولا يدرون ما الأمر فيه ولم يصح لهم أخذوا قداحاً لهم فيها: أفعل ولا أفعل لا يفعل، نعم لا خير، شر بطيء سريع، فأما المداراة فإن قداحاً لهم فيها بيضاً ليس لهم فيها شيء، فكانوا يجيلونها فمن خرج سهمه فالحق له، وللحضر والسفر سهمان، فيأتون السادن من سدنة الأوثان، فيقول السادن: اللهم أيهما كان خيراً فاخرجه لفلان، فيرضى بما يخرج له، فإذا شكوا في نسب الرجل أجالوا له القداح وفيها: صريح، وملصق، فإن خرج الصريح ألحقوه بهم، وان خرج الملصق نفوه، وان كان صريحاً، فهذه قداح الاستقسام"، "وان كان بين اثنين اختلاف في حق، سمي كل منهما له سهماً وأجالوا القداح، فمن خرج سهمه فالحق له".

(1/3936)


وذكر ان اقداح. "هُبل" سبعة، وضعت قدامه. فان أراد آحدهم سفراً أو عملاً أو تجارة أو زواجاً أو بتّاً في نسب مشكوك فيه أو دفع دية أو أن يخرجوا ماء، أتوا هُبَلَ، ومعهم مائة درهم وبجزور فأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم، وكانت أزلامهم سبعة قدّاح محفوظة عند سادن الكعبة وخادمها، وهي مستوية في المقدار عليها أعلام وكتابة قد كتب على واحد منها "أمرني ربي" وعلى واحد منها "نهاني ربي" وعلى واحد "منكم" وعلى واحد "من غيركم" وعلى واحد "ملصق" وعلى واحد "العقل" وواحد غفل ليس عليه شيء، فاذا أرادوا الوقوف على مستقبل الأمر الذي تصدوا له استقسم لهم صاحب القداح بقدحي الأمر والنهي، فان نجح قدح الأمر ائتمروا وباشروا فيما تصدوا له من حرب أو سفر أو زواج أو ختان أو بناء أو نحو ذلك مما يتفق لهم، وإن خرج قدح النهي أخروا ذلك العمل إلى سنة فاذا انقضت أعادوا الاستقسام مرة أخرى.
ويروى ان السؤال إن كإن يخص اقداماً أو احجاماً، استعمل صاحب القداح قدحي "نعم" أو "لا" فاذا ظهر للمجيل قدح "نعم" عمل به، ومضى إلى ما قصد، وإن جاء "لا" أي النهي توقفوا سنة. أما اذا كان نزاعاً في نسب أحد منهم، استقسم بالأزلام الموسومة به "منكم" و "من غيركم" و "ملصق"، فان ظهر "منكم"، اعتبر المتنازع على نسبه منهم، وإن خرج "من غيركم" اجتنبوه ونفروا منه، وان ظهر "ملصق"، بقي أمره على ما كان عليه قبل إلاستقسام، وأما اذا كان السؤال نزاعاً في "العقل": أي دية القتيل، بأن اشتبه عليهم القاتل، أحضروا من اتهم بالقتل بالقدحين الموسومين ب "العقل" وب "الغفل"، واستقسم بهما فمن خرج عليه العقل تحمل الدية، وإن خرج "الغفل" أجالوا ثانيأَ حتى يخرج المكتوب عليه.

(1/3937)


ولما أراد "أبو سفيان" الخروج إلى "أحد"، استخار هبل. بأن كتب على سهم نعم، وعلى آخر لا، وأجالهما عند هبل، فخرج سهم نعم، فخرج بقومه إلى "أحد". وقال يقول: أعلُ هبل. وقال عمر: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: أنعمت فعال عنها، أي اترك ذكرها، فقد صدقت في فتواها، وأنعمت، أي أجابت بنعم.
ولصاحب الأزلام وخازنها حق يتقاضاه سن الطالبين في مقابل عمله. فكان سادن "هبُل" يتقاضى مئة درهم أجراً عن الاستقسام، كما سبق ان ذكرت، فان تكرر ذلك زيد أجره على ما يذكره الرواة. وقد كان غير العرب يدفعون حلواناً إلى صاحب الأزلام ليتنبأ لهم. فلما انطلق "شيوخ مديان" "مدين" و "مؤآب" إلى "بلعام" ليستقسم لهم، حملوا حلوانهم معه، فقدموه اليه مقابل ما قام به من عرافة اليهم.
وقيل للذين يضربون بالقداح "الضرباء". والواحد الضريب والضارب. وهو الموكل بالقداح، وقيل الذي يضرب بالقداح. يقال هو ضريب قداحٍ. وقد أشير إلى الاستقسام في شعر الشعراء الجاهليين، وقد ذكرت في قصة الشاعر "امرىء القيس" الكندي حينما جاء إلى الصنم "ذي الخلصة"،ليستقممم عنده بشأن الأخذ بثأر أبيه. فلما خرج النهي عنه ثلاث مرات، غضب على صنمه، وكسر الأزلام ورماها في وجهه، كما يقول الرواة قائلأ: "لو كان أبوك المقتول لما نهيتني"، وأنشد: لو كنت يا ذا الخلص الموتورا لم تنه عن قتل العداة زورا
وأشار الحطيئة إلى ذلك بقوله: لم يزجر الطير،أن مرت به سنحاً ولا يفيض على قسمٍ بأزلام
وقال طرفة: أخذ الأزلام مقتسماً فأتى أغواهما زلمه
وهنآك طرق عدة عرفت عند الشعوب القديمة في التكهن بالسهام، ومنها رمي السهام في الهواء لمراقبة حركاتها وكيفية سقوطها، ومنها رمي حزمة من السهام أمام الصنم، فالسهم الأول الذي يقع قبل بقية الأزلام، يكون هو السهم الذي أمر به الصنم في زعمهم، فيعمل بموجب ما كتب عليه.

(1/3938)


ولخص "الألوسي" الأزلام التي كانت عند العرب على ثلاثة أنحاء: أحدها: قداح الميسر العشرة، وثانيها: لكل أحد، وهي ثلاثة على أحدها مكتوب "افعل"، أي أمر، وعلى الثاني "لا تفعل" وعلى الثالث "غفل"، فاذا أراد أحدهم الأمر جعلها في خريطة، وهي "الربابة" وأدخل يده فيها وأخرج واحداً، فان طلع الامر فعل أو الناهي ترك أو الغفل أعاد. وثالثها: للأحكام وهي التي عند الكعبة. وكانوا يتحاكمون عند "هبل" في جوف الكعبة. وكان عند كل كاهن وحاكم للعرب مثل ذلك. وكانت سبعة مكتوب عليها ماسبق.
و "القرُعة" أي "السهمة"، نوع من أنواع التنبؤ بالغيب التابعة للاستقسام بالأزلام. و "السهمة" هي رضاء بحكم "السهم"، أي بحكم وقوع السهام على الأشياء. وهي جواب فصل يمثل ارادة الآلهة للسائل أو للمختصمين في اًمر من الأمور. وقد قيل للسهم: الحظ والنصيب، لأنه يتكلم عن حظ الإنسان ونصيه.
والتنبؤ بالتفرس في الأشباح التي تظهر على الماء، أو الزيت المصبوب في الأقداح، أوالحركات التي تظهر على سطح السائل بعد رمي شيء فيه، لمعرفة الأسرار والمغيبات والاجرام كالسرقات والقتل، والزنى، ودراسة سطح المرآة: هذه وأمثالها كانت معروفة عند البابليين والعبرانيين، وعند غيرهم من الشعوب. وعقيدتهم أن الأرواح هي التي ترشد إلى اظهار المخفيات، وان هناك مأمورين من بينهم واجبهم اخبار العراف والعائف والكاهن بما يطلب منهم معرفته ليقوله للسائل.
ومن ضروب التنبؤ " الطرقُ"، وهو الضرب بالحصى للكشف عن المستقبل، يقوم بذلك الرجال والنساء. ويقال للقائمين بذلك الطُرّاق والطوارق. وورد ان الطرق: الضرب بالحصى والخط في التراب، وهما ضربان من التكهن. وقيل أيضاً: الطوق: أن يخط الرجل في الأرض بإصبعين ثم باصبع، ويقول: ابني عيان اسرعا البيان،وزعم بعضهم أن الطرق ان يخلط الكاهن القطن بالصوف فيتكهن. وقد نهى عنه في الإسلام. ورد في الحديث:انه قال: الطرق والعيافة من الجبت.

(1/3939)


ويدخل في ضروب التنبؤ "الخط" "وهو الذي يخطه الحازي. يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلواناً، فيقول له: اقعد حتى أخط لك،وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتى إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطاً كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين،وغلامه يقول للتفاؤل: "ابني عيان، أسرعا البيان"، فان بقي خطان فهما علامة النجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة... وقيل: الخط هو ان يخط ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهن بشعير أو نوى، ويقول: يكون كذا وكذا. وهو ضرب من الكهانة". وكانت العرب تسمي ذلك الخط الذي يبقى من خطوط الحازي الأسحم. وكان هذا الخط عندهم مشؤوماً، وقد كان الخط من علوم العرب القديمة.
وعلم الخط هو علم الرمل. وينسب إلى "ابن عباس" قوله: علم قديم تركه الناس. وخط الزاجر في الأرض، رسم خطاً باصبعه، ثم زجر. وذكر ان "الخطيطة" الرملة التي يخط عليها الزاجر، وان الأسحم اسم خط من خطوط الزاجر، وهوعلامة الخيبة عندهم. وذلك ان يأتي إلى أرض رخوة وله غلام معه ميل، فيخط الأستاذ خطوطاً كثيرة على عجل لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها خطين خطين، فان بقي من الخطوط خطان، فهما علامة النجح وقضاء الحاجة، ويمحو وغلامه يقول للتفاؤل: ابني عيان أسرعا البيان، واذا محا الخطوط، فبقي منها خط،، فهي علامة الخيبة.
الأحلام
والأحلام "Dreams" و "الرؤيا" "Visions" باب من أبواب الكهانة كذلك، فهي تفسير لما سيقع في المستقبل من حوادث. وقد تخصص بذلك أناس تعاطوا تعبير الرؤيا والأحلام. وإذ كان اعتقاد الشعوب القديمة ان الأحلام حقيقة، لاكما نتصورها نحن، كان الاهتمام بها كبيراً، والاعتناء بها شديداً ولا يزال يخصها كثير من الناس بالعناية.

(1/3940)


وقد فسرت بعض الشعوب القديمة الأحلام بأنها الآلهة أوالأرواح تتجلى في الإنسان في أثناء منامه، فتطلعه على أشياء كثيرة تتعلق بحياته وبمصيره، وتساعده بذلك على حلّ مشكلات عديدة عويصة لديه، أو تهديه إلى أمور لم يكن يعرف عنها شيئاً، أو تحذره بقرب حلول كارثة أو خطر به أو بغيره، أو حصول خير له أو لغيره. وقد ترجع به إلى أيام ماضية وحوادث قديمة سالفة. كان قد نسيها وذهبت من ذاكرته. ونجد في المؤلفات اليونانية واللاتينية والسريانية وفي الكتابات الهيروغليفية والمسمارية أشياء عديدة من القصص المتعلق بالأحلام. وفيها أن كثيراً من الملوك والخاصة كانوا يقيمون وزناً عظيماً لما يرونه، أو يراه الناس من أحلام. وقد نجح كثير منهم كما خسر كثير منهم أيضاً بسبب تأثير الأحلام فيهم، حتى إن بعضهم أتخذ له مفسراً للاحلام أو جملة مفسرين، ليكونوا في خدمته حتى اذا ما رأى حلماً فسروه له.
ولما كانت بعض الأحلام مزعجة، رجع الكهان المتخصصون بالأحلام أسبابها إلى فعل الأرواح الشريرة. أما الأحلام المريحة الطيبة، فقد جعلوها من إلهام الآلهة في الإنسان. ولأهمية الاعتقاد بالأحلام، وضعت قواعد وتعاليم للأشخاص الذين يريدون معرفة مستقبلهم بالرؤيا والأحلام. وقد نصح في بعضها باجتناب الأكل الثقيل، وبشرب بعض الأشربة المعينة وبالنوم في المعابد، للحصول على الرؤيا الصادقة، والابتعاد عن أضغاث الأحلام. وضع تلك القواعد أناس تخصصوا بهذا الفن، يلجأ اليهم من يرى حلماً ليجد تفسيره عندهم. فلكل شيء في الرؤيا والحلم معنى خاص، لا يمكن ان يعرفه إلا ذوو الخبرة والعلم.
وقد عثر طما كتابة لحيانية في موضع "الخريبة"، تبين منها وجود صنم في معبد هذا الموضع تخصص بتفسير الأحلام.

(1/3941)


وفي كتب التفسير والسير والأخبار والأدب أمثلة عديدة من الرؤيا، تشير إلى ان الاعتقاد بالأحلام كان معروفاً عند الجاهليين، وان أثره كان عميقاً في حياتهم. وقد يكون لأهل الكتاب أثر عليهم في كيفية تفسير الأحلام وتوجيه تعبير الرؤيا، غير ان الاعتقاد بالأحلام هو اعتقاد عام، وكان يقوم به متخصصون بتفسير الأحلام. وقد عرف في الإسلام واشتهر به "ابن سيرين".
وقد عرف بعض العلماء الاسلاميين الحلم بأنه عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء المزعجة، وخصصوا للرؤيا بما يراه الإنسان في منامه من الخير والشيء الحسن. وهم بذلك على طريقة القدماء في جعل الأحلام نوعين: أحلام من فعل الشيطان والأرواح الخبيثة، وأحلام من إلهام الآلهة في الإنسان، وهي التي تنكشف من رؤية أشياء جميلة وعن أشياء يرغب صاحب الحلم في الحصول عليها وتحقيقها. ويرجع العلماء الرؤيا إلى النفس، تطلع على الواقعات فتتذكرها، وتوحي بها إلى صاحبها. وهم يعتقدون بها، وجعلوها جزءاً من النبوة.
الفصل السادس والثمانون
الطيرة
وقد كان للطيرة شأن كبير في حياة الجاهليين وهي معروفة عند جميع الشعوب، ويقال لها في العبرانية: طيّر " Tayyar"، فهي من نفس الأصل الذي أخذ العرب منه التسمية. ويقال لها في الانكليزية"Augury"، ويرى بعض الباحثين أن الطيرة انتقلت إلى العبرانيين من العرب. وهناك نوع آخر من التطير يقال Haruspicy " في الانكليزية، ويقصد به الطيرة من الحيوانات الميتة، أو مراقبة الحيوان في أثناء ذبحه لمعرفة المستقبل من حركاته وهو يرتجف رجفة الموت.

(1/3942)


ويقول علماء الأخبار، إن الطيرة من زجر الطيور ومراقبة حركاتها، فإن تيامنت دل تيامنها على فأل، وان تياسرت دل على شؤم. فهي اذن تشمل التيمن والتشاؤم، إلا أنها خصصت بالتشاؤم فيما بعد. فصارت تعني هذا المعنى عند الاستعمال. قال "الجاحظ": "وأصل التطير إنما كان من الطير ومن جهة الطير، إذا مرّ بارحاً أو سانحاً، أو رآه يتفلى وينتف، حتى صاروا اذا عاينوا الأعور من الناس أو البهائم، أو الأعضب أو الآبنر، زجروا عند ذلك وتطيروا، كما تطيروا من الطير إذا رأوها على تلك الحال. فكان زجر الطير هو الأصل، ومنه اشتقوا التطير ثم استعملوا ذلك في كل شيء".
قال أحدهم: عوى الذئب فاستأنستُ للذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير
كأن الذي يرى ما يكره أو يسمع يطير.
وقد عد العلماء الطيرة والزجر في معنى واحد، لأن أصلهما انهم كانوا اذا أرادوا فعل امر أو تركه زجروا الطير حتى يطير، ثم يحكمون من حركاته على ما سيحدث ويقع، فالزجر والطيرة من ثم شيء واحد. وقد قيل لمن يزجر الطير "زاجر" لأنه اذا رأى ما يظن انه يتشاءم به زجر بالنهي عن المضى في تلك الحاجة برفع صوت وشدة".
والطيور هي مادة التطير، وذلك بمراقبة حركاتها وسكناتها. وهو ما يقال له في العبرانية: "نيحوش" "نحوش"، "Nihush"، من أصل "نيحيش" "نحش". وتقابل لفظة "نحش" كلمة".حنش" في العربية وتعنى "الثعبان". وقد ذهب بعض علماء التوراة. ان لكلمة "نخش، صلة بالثعبان، ذلك لأن الثعبان كان من الآلهة القديمة، بينما يرى بعض اخر عدم وجود صلة ما للثعبان بهذا الموضوع، لأن العبرانيين "لم يتعبدوا البتة للثعابين، فلا صلة للثعبان به.
ويدخل في باب الزجر، زجر الطير والوحش. ويذكر بعض العلماء ان الأصل في الطيرة، هو زجر الطير، ثم صار في الوحش، وقد يجوز ان يغلب أحد الشيئين على الاخر فيذكر دونه ويرادان جميعاً.

(1/3943)


وقد يراد بالطيرة "التشاؤم" الذي هو خلاف التيامن، غير أن "التشاؤم" هو في الواقع أوسع مجالاً وأكثر ساحة من الطيرة، لأن التشاؤم طيرة وزيادة، وأعني بالزيادة تشاؤم المتشائمين من أمور أخرى كثيرة مثل التشاؤم من ذوي العاهات أو القبح من البشر، والتشاؤم من سماع الكلام السيء أو الأخبار السيئة عند الصباح أو من رؤية ميت أو سماع نياحة أو مشاهدة مخلوق مشوه أو سماع اسم موضع يدعو التشاؤم أو اسم شخص فيه معنى التشاؤم وامثال ذلك، فتكون كل هذه الأمور مدعاة للتشاؤم عند المتشائمين. " حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من الناس أو البهائم، أو الأعضب أو الأبتر، زجروا عند ذلك وتطيروا عندها كما تطيروا من الطير اذا رأوها على تلك الحال".
ويقول علماء اللغة: الشؤم: خلاف اليمن. ورجل مشؤومء على قومه. وأصل ذلك هو أن العرب تتفائل بالجهة اليمنى، وتتشاءم من الجهة اليسرى، ولذلك كانت اذا أرادت أن تعمل عملاً عمدت إلى "الزجر" وهو رمي الطير بحصاة، ثم يصيح الرامي، ليفزعها ويزجرها، وعندئذ يراقب حركة طيرانها، فإن تيامنت أي جرت يمنة تفاءل به، وان تشاءمت أي تياسرت، تشاءم به. فالتيمن هو بالتيامن والتشاؤم هو بالتياسر. ولذلك قيل للكاهن "زاجر" أيضاً، " لأنه إذا رأى ما يظن أنه يتشاءم به زجر بالنهي عن المضي فى تلك الحاجة برفع صوت وشدة". ولاعتماد الزاجر على الطيور في الغالب في هذا النوع من التكهن قيل له: "الطيرة". قال علماء اللغة: "وقيل للشؤم طائر وطير وطيرة، لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها والتطير ببارحها ونعيب غرابها وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسمّوا الشؤم طيراً وطائراً وطيرة لتشاؤمهم بها".

(1/3944)


و لابد ان يكون للتطير صلة بعقيدة استحالة الأرواح طيوراً بعد مفارقتها الأجساد، قد كان من المتعارف عليه عند كثير من الشعوب القديمة ان بعض فصائل الطيور هي أرواح الموتى بعد مفارقتها الأجساد، وانها لذلك تعي وتفهم، وان في استطاعة بعض الناس فهم منطقها وتكليمها، ومن هنا ظهرت فكرة "منطق الطير". وقد كان "سليمان" يحادث الطير. فاذا كانت الطير على هذه الصفة، ففي حركاتها وسكناتها منطق لمن لا يحسن منطقها، يشير إلى ما يجب على الإنسان ان يفعله أو يتركه من أعمال.
وقد كان للتطير والتفاؤل شأن كبير في حياة الجاهليين. كما كان لهما مثله في حياة شعوب أخرى عديدة: ومن بينهم اليونان والرومان والفرس والتطير هو نظير التشاؤم في المعنى كما قلت. أما نظير التفاؤل، فهو التيامن. وفي روايات أهل الأخبار أمثلة عديدة من أمثلة الطيرة وقعت لبعض القبائل عند إقدامها على الحرب، فخسرت لتطيرها. ويحدث من التطير النحس، وأما من التفاؤل فيكون السعد.
وفي الأخبار: "كانت العرب اذا خرج أحدهم من بيته غاديأَ في بعض الحاجة، نظر: هل يرى طائراً يطير، فيزجر سنوحه أو بروحه، فاذا لم ير ذلك، عمد الى الطير الواقع على الشجر، فحرّكه ليطير، ثم نظر إلى أي جهة يأخذ، فزجره. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "اقروا الطيرعلى مكناتها: لا تطيروهها ولا تزجروها". وذكر" انهم كانوا في الجاهلية اذا خرج أحدهم لحاجة، فان رأي الطير طار عن يمينه تيمن به واستمر، وإن طار عن يساره تشاءم به ورجع، وربما كانوا يهيجون الطير، ليطير فيعييدون ذلك".

(1/3945)


وقد أبطل الرسول الطيرة. " وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يتفاءل ولا يتطير. وأصل الفأل الكلمة الحسنة يسمعها عليل، فيتأول منها ما يدل على برئه،كأن سمع منادياً نادى رجلاً اسمه سالم، وهو عليل، فآوهمه سلامته من علته، وكذلك المضل يسمع رجلاً يقول يا واجد، فيجد ضالته. والطيرة مضادة للفأل. وكانت العرب مذهبا في الفأل والطيرة واحد. فأثبت النبي الفأل واستحسنه وأبطل الطيرة ونهى عنها".
وروي أن أهل الجاهلية كانوا يقولون: "إن الطيرة في المرأة والدار والدابة" و "الكدس" التطير، و "الكدسة" عطسة البهائم، وقد تستعمل للانسان: ومنه الحديث: اذا بصق أحدكم في الصلاة، فليبصق عن يساره أو تحت رجله، فإن غلبته كدسة أو سعلة ففي ثوبه. والكادس ما يتطير به من الفال والعطاس وغيرهما. ومنه قيل للظبيّ وغيره إذا نزل من الجبل وغيره كادس.
ومن الألفاظ المستعملة في "الزجر" "سنح" و "برح". وللفظة "برح" معان عديدة، وهي من الكلمات السامية الواردة والباقية في عدد من لهجاتها. ومنها لفظة "البارح" وهي ضد "السانح". و "السانح ما مرّ من الطير والوحش بين يدِيك من جهة يسارك إلى يمينك، والعرب تتيمن به، لانه أمكن للرمي والصيد. والبارح ما مرّ من يمينك إلى يسارك،والعرب تتطير به، لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف".
وقد ذكر بعض اللغويين عكس المعنى، كما ذكر أن أهل نجد كانوا يتشائمون بالبوارح ويتيمنون بالسانح. أما غيرهم من العرب، فقد كانت تتيمن بالبارح، وأن بعضاً منهم لم يكن له رأى في شيء من هذا. وذكر ان أهل "العالية" يتشائمون بالسانح ويتيمنون بالبارح.
قال ذو الرمة وهو من نجد: خليلي، لا لاقيتما ما حييتما من الطير إلا السانحات وأسوأ
وقال النابغة، وهو نجدي أيضاً، يتشاءم بالبارح: زعم لالاقيتما البوارح ان رحلتنا غداً وبذاك تَنعاب الغراب الأسود
وقد عبر "كثير" رأي أهل الحجاز بقوله: أقول إذا ما الطير مرت مخيفة سوانحها تجري ولا استثيرها

(1/3946)


وذكر أن هذيلاً كانت تتشاءم بالسنيح. أما غيرها،فكانت تتشاءم بالبارح.
ويقال للمتطيرين من الرجال " الخثارم" وذكر ان "بني لهب"، "هم أعيف العرب وأزجرهم للطير". وهم بطن من العرب يعرفون بالعيافة. ولأهل الأخبار قصص عن عيافتهم وعن زجرهم للطير.
ومن الطيور التي تطير منها أهل الجاهلية: الغراب وطيور الليل، وهي البومة، والصدى، و الهامة، و الضّوع، والوطواط، والخفاش، وغراب الليل.
وقاعدتهم في الطيرة، انهم يشتقون من اسم الشيء الذي يعاينون ويسمعون. من ذلك قول سوّار بن المضرب: تغنىّ الطائران ببين ليلى على غصنين من غَرْب وبان
فكان البان أن بانت سليمى وفي الغرب اغتراب غيرُ دانِ
فاشتق الاغتراب من الغرب، والبينونة من البان.
وفال عنترة: ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى بينهم الغراب الأبقع
حرَِق الجناح كأن لحْييَْرأسه جلمان بالأخبار هش موُلع
فزجرته ألا يفرخ بيضه أبداً ويصبح خائفاً يتفجع
إن الذين نعْبتَ لي بفراقهم هم اسهروا ليلى التمام فأوجعوا
فقال: وجرى بينهم الغراب، لأنه غريب، ولأنه غراب البين، ولأنه أبقع. ثم قال: حرق الجناح تطيراً ايضاً من ذلك. ثم جعل لحيي رأسه جلمين، والجلم يقطع. وجعله بالأخبار هشاً مولعاً، وجعل نعيبه وشحيجه كالخبر المفهوم.

(1/3947)


وأشأم الطيور عند الجاهليين، "الغراب": "ليس في الأرض شيء يتشاءم به إلا والغراب أشأم منه"، ولذلك قالوا إذا نعب: خيراً خيراً، وذلك من باب التفاؤل بالأضداد. " والعامة تتطير من الغراب، إذا صاح صيحة واحدة، فإذا ثنىء تفاءلت به"، " واذا صاح الغراب مرتين، فهو شرّ، واذا صاح ثلاث مرات، فهو خير". وورد "غراب البين" و "الغراب الأبقع" و "الغراب الأسود". ويراد بذلك التشاؤم بفراق الأحبة، ويقال للغراب الأسود "حاتم"، والحتمة السواد، وهو مشؤوم، لم لأنه يحتم بالفراق. "والعرب تتشاءم من الغراب،ولذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب". " فالغراب أكثر من جميع ما يتطير به في باب الشؤم، ألا تراهم كلما ذكروا ما يتطيرون منه شيئاً ذكروا الغراب معه ? وقد يذكرون الغراب ولا يذكرون غيره، ثم إذا ذكروا كل واحد من هذا الباب لم يمكنهم أن يتطيروا منه إلا من وجه واحد، والغراب كثير المعاني في هذا الباب، فهو المقدم في الشؤم". وروي أن "ابن عباس" كان إذا صاح الغراب، قال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إلهَ غيرك. قال الجاحظ: "وليس في الأرض بارح ولا نطيح، ولا قعيد، ولا أعضب ولا شيء مما يتشاءمون به إلا والغراب عندهم أنكد منه، يرون أن صياحه أكثر أخباراً، وان الزجر فيه أعم قال عنترة: حرِق الجناح كأنّ لحيي رأسه جلمان، بالأخبار هش مولع
وفي الغراب وشؤمه يقول الأعشى: ما تعيف اليوم في الطير الروح من غراب البين أو تيس برح

(1/3948)


وقد كنوا عنه بكنى عديدة، دلالة على مقدار اهتمامهم به. فقالوا له:أبو حاتم، وأبو جحادف، وأبو الجراح، وأبو المرقال، وأبو حذر، وأبو زيدان، وأبو زاجر، وأبو الشؤم، وأبو غياث. ووضعوا الأمثلة على لسانه وعنه. وقصوا عنه الحكايات. من ذلك، انه أراد ان يقلد القطاة في مشيها، فحاكاها لكنه لم يفلح في المشي مشيها، فلما أراد العود إلى مشيته الأولى، أضل مشيته، إذ نسيها، فنسي المشيتين: فلذلك سمّوه: أبا المرقال. وضربوا المثل بالغراب الأعصم، فقالوا: أعز من الغراب الأعصم،للشيء القليل الوجود. وأوردوا له قصصاً مع الديك ومع حيوانات أخرى. ورموه بالفسق والفجور.
وفي الشعر الجاهلي وشعر المخضرمين اشارات إلى شؤم الغراب. جاء في شعر"حسان بن ثابت": وبيَّن في صوت الغراب اغترابهم عشيةَ أو فى غصن بان فطربا
فصوت الغراب، يشير إلى الغربة والاغتراب، لذلك كره.
وهو من ألأم الطير وأخبثها، وهو من عبيد الطير، وليس من أحرارها،فهو دنيء النفس، إذا صادفته جيفة، نال منها، وهو لا يتعاطى الصيد. فهو حيوان خبيث الفعل وخبيث المطعم، لذلك عدّ العرب أكله عاراً يعير من يقدم عليه وكانوا يتعايرون بأكل لحمه. وليس ذلك" لأنه يأكل اللحوم ولأنه سبع"، لو كان ذلك منهم "لكانت الضواري والجوارح أحق بذلك عندهم" إنما امتنعوا عن أكله، لأنه يأكل الجيف والقاذورات، ولذلك عدّه العبرانيون من الحيوانات النجسة، والحيوانات النجسة،هي في الغالب الحيوانات التي لا يجيز أكل لحومها، والظاهر أنه كان على هذه النظرة عند أغلب الساميين.
ونعت الغراب ب "الأعور"، قيل إنه نعت بذلك لحدة نظره، وقيل أنما سموه "الأعور" تفاؤلاً بالسلامة. ووصف بالحذر، فقيل: أحذر من غراب، وقيل انه نعت بذلك على التشاؤم به ة لأن الأعور عندهم مشؤوم، وقيل لخلاف حاله، لأنهم يقولون: أبصر من غراب، ويقال سمي الغراب أعور، لأنه إذا أراد أن يصيح يغمض عينيه.

(1/3949)


ويذكر أهل الأخبار ان غراب البين نوعان: أحدهما صغار معروفة بالضعف واللؤم. أما الآخر، فانه ينزل في دور الناس، ويقع على مواضع اقامتهم اذا ارتحلوا عنها وبانوا منها، ولذلك سمي بغراب البين.
وللعرب عادات بالنسبة إلى الغراب، ترى انه اذا علق منقار الغراب على انسان، حفظ من العين. أما اذا علق طحاله على انسان، هيج الشبق. وان دمه اذا جفف وحشي به البواسير، أبرأها. واذا أكل مشوياً، نفع القولنج. واذا غمس الغراب الأسود بريشه في الخل، وطُلي به الشعر، سوّده. واذا طلي بها انسان مسحور، بطل عنه السحر. واذا جفف لسان الغراب "الزاغ"، ثم أكله انسان عطشان، ذهب عطشه.
ونسب إلى المرقش السدّوسي، ذكر الغراب في شعره، إذ قيل انه قال:
ولقد غدوت وكنت لا أغدو على واق وحاتم
واذا الأشائم كالأيا مِنِ، والأيامنُِ كإلأشائم
ويبين هذان البيتان رأي هذا الشاعر في التيامن والتشاؤم.
وكان العرب اذا أرادوا ان يصفوا أرضاً بالخصب والسواد، قالوا: وقعوا في أرض لا يطير غرابها، فهذا يعني ان الأرض كلها خصبة مزروعة سوداء، لا ترى فيها قطعة بيضاء،ولا ترى إلا الزرع والخيرات والثمر. واذا أرادوا التعبير عن انتقال مرحلة الشباب إلى مرحلة الشيخوخة، وعن التهام الشيب لسواد الرأس: قيل: طار غراب البين.
وقد يكون في جملة أسباب تشاؤم العرب من الغراب، انه كَان يضر بإبلهم. فهم يذكرون انه اذا وجد دبرة في ظهر البعير، أو قرحة في عنقه، سقط عليها ونقره وعقره. ولذلك كانوا اذا رأوا دبرة بظهر البعير، غرزوا في سنامه إما قوادم ريش أسود، وإما خرقاً سودا، لتفزع الغربان فلا تتقرب منه ولا تسقط عليه. وقد يضعون الريش في اسنمتها وتغرز فيها. والعرب تسمي الغراب لذلك "ابن دأية"، لأنه ينقر دبرة البعير أو قرحة عنقه، حتى يبلغ إلى دايات العنق وما اتصل بها من خرزات الصلب، وفقار الظهر.

(1/3950)


والغراب من الطيور التي ورد ذكرها في التوراة. والعبرانيون مثل العرب اعتقدوا بالطيرة منه، أي بتأثير حركاته وسكناته في احداث الفأل والشؤمْ. وقد ذكر "الجاحظ" جريدة بأسماء الجهات التي يقف عليها "الغراب" فينعب، وما سيقع من وقفته تلك ومن نعيبه، وما يجب أن يفعله أو يتجنبه ورقة ناقصة 796 وعدم الملل من شيء. ويقولون: ذهب الغراب يتعلم مشي العصفور أو القطاة، فلم يتعلمها، ونسي مشيته. فلذلك صار يحجل ولا يقفز قفزان العصفور، أو مشية القطاة.
والبوم من الطيور التي يتشاءم منها بعض الناس، ولعل ذلك بسبب منظرها الكئيب ولصوتها الحزين وظهورها في الليل، والليل هو رمز الشر. ويدل وصفها. "أم الخراب " و "أم الصبيان " على النظرة السيئة التي. كان يراها إلعرب لها. ويقال إن من أنواعها الصدى والهامة. ولعل اعتقادهم ان الصدى والهامة أو ذكر البوم منها، هي روح الميت المرفرفة على القبر هو التي حمل أولئك المتشائمين على التشاؤم منها.
والعاطوس، وهي سمكة في البحر أو دابة من الحيوانات التي كان العرب يتشاءمون منها. وكذلك "الأخيل" وهو "الشقراق"، له يتطيرون منه، ويسمونه مقطع الظهور: يقال اذا وقع على بعير، وان كان سالماً يئسوا منه، واذا لقي المسافر الأخيل تطير وأيقن بالعقر إن لم يكن موت في الطهر. وهم يتشاءمون من الثور الأعضب أيَ المكسور القرن. ويتشاءمون من "العراقيب"، الشقراق. وتقول العرب: اذا وقع الأخيل على البعير ليكشفن عرقوباه. وقيل: كل طائر يتطير منه للابل، فهو طير عرقوب لأنه يعرقبها.
ويتطيرون بالصرد، ومن أسمائه الأخطب، ويقال "الأخيل" كذلك. و "الواق" أيضاً الصرد. ويتشاءمون من "الأفكل"، وهو الشقران، فإذا عرض لهم كرهوه وفزعوا منه وارتعدوا.

(1/3951)


وائثعلب والأرنب من الحيوانات التي استعان بها الزاجر، في للزجرا. وللواقع ان أهل الزجر قد توسعوا في علمهم حتى شمل كل المخلوقات، فحركات الإبل والخيل وسكناتها كلها ذات معان ومفاهيم يعرفها المشتغلون بالطيرة،وكانوا يستعينون بغيرها من الحيوانات.
وقد ذكر بعض الأخباريين أن العرب تتشاءم من الأفراس بالأشقر. وذكروا أيضاً أنها تطيرت من: "المرأة، والدار، والفرس". وفي الحديث: "إن كان الشؤم، ففي الدار والمرأة والفرس" وورد: "إنما للشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار". وذكر أن "عائشهَ"، قالت: "وإنما قال: ان أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك"، أي ان للرسول انما قال ذلك حكاية عن أهل الجاهلية فقط.
وكما يتغلب الإنسان على الأمراض بالأدوية والعلاج، كذلك يمكن التغلب على النحس وشؤم ناصية المرأة وعتبة الدار بالذبائح في بعض الاحيان، ولهذا جرت العادة بذبح ذبيحة أو عدة ذبائح عند زفاف العروس إلى بعلها ووصولها عتبة بيته طرداً للارواح الشريرة وإرضاء لها، كما جرت العادة بذبح الذبائح حين الانتقال إلى دار جديدة، أو حين الشعور بوجود أرواح فيها،ويقال لهذه الذبائح "ذبائح الجان".
وقد ابتدع الجاهليون طرقاً لإبعاد الطيرة من تفكيرهم، من ذلك انهم تجاهلوا بقدر إمكانهم، المسمياتّ التي تبعث على التشاؤم بتسميتها بضدها من الكلمات التي لا يتشائم منها، فسموْا اللديغ بالسليم، والبرية بالمفازةِ، وكنوا الأعمى بالبصير والأعور ممتعاً، والأسود أبا البيضاء، وسموا الغراب بحاتم، وذلك لتشاؤمهم من الغراب. واتسميه بالأضداد لدفع الطيرة عن الأذهان، ليست عادة جاهلية حسب، انما هي معروفة في الإسلام كذلك. كما انها معروفة عند غير العرب من الأمم قديمأَ وحديثا.
التثاؤب والعطاس

(1/3952)


ويدخل في الطيرة بعض ما يصدر من الإنسان والحيوان من حركات، مثل التثاؤب والعطاس، والتثاؤب عمل من أعماله الشيطان. وأما العطاس، فقد كان أثره في أيجاد الشؤم شديداً، وهو من العادات الجاهلية المذكورة في الشعر المنسوب إلى الجاهليين. ذكر ان امرأ القيس قال: وقد اغتدي قبل العطاس بهكيل شديد منبع الجنَب نعم المنطّق
وانه أراد بذلك انه كان يتنبه للصيد قبل ان ينتبه الناس من نومهم، لئلا يسمع عطاساً فيتشاءم بعطاسه.
وقبل ان العرب كانت تتطير منه، فإذا عطس العاطس، قالوا: قد ألجمه، كأنها قد تلجمه عن حاجته.
ويقال الكدسة لعطسة البهائم. وقد تقال لعطسة الإنسان. والكادس ما يتطير به من الفال والعطاس وغيرهما.
وقيل الكادس:. القعيد من الظباء، وهو الذي يجيء من خلفك، ويتشاءم به، كما يتشاءم بالبارح.
والعطاس فضلاً عن ذلك دواء في نظر أهل الجاهلية، لذلك كانوا يتجنبونه يقدر إمكانهم، ويحاولون جهدهم حبسه وكتمه. فإذا عطس أحدهم وكان وضيعاً مغموراً أسمعوه كلاماً مراً فيه رد للشؤم على صاحب العطاس، كأن يقولوا له: "ورياً وقحاباً". والوري هو داء يصيب الكبد فيفسدها، والقحاب هو السعال، أو: "بك لا بي: أسأل الله أن يجعل شؤم عطاسك بك لا بي". أما إذا كان العاطس معروفاً محبوباً شريفاً، قالوا له: "عمراً وشباباً". وكلما كانت العطسة شديدة كان التشاؤم منها اشد. ويقال للدعاء على العاطس "التشميت" و"التسميت".
وقد نهى الإسلام عن التشاؤم بالعطاس، وعكسه، فجعله محبوباً، بحديث: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب".
واذا مات رجل قالوا: عطس الرجل، و "عطست به اللجم"، واللجمة ما تطيرت منه، ويقال للموت: لجم عطوس.
بعض من أنكر الطيرة
وكان بين الجاهليين أناس أنكروا الطيرة، ولم يحفلوا بها. منهم المرقش من بني سدوس، حيث قال: إني غدوت وكنت ل أغدو على واقٍ وحاتم
فاذا الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائم
فكذاك لا خير ولا شرّ على أحد بدائم

(1/3953)


وممن كان ينكر الطيرة ويومي بذلك، سلامة بن جندل، والحارث بن حلزة. ونجد الشاعر "الخُثيم بن عدي" يمدح "مسعود بن بحر الزهري"، بقوله: وليس بهياب اذا شد رحْله يقول عداني اليومَ واق وحاتم
ولكنه يمضي على ذاك مقدماً إذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم
فهو يمدحه، ويقول إن ممدوحه لم يكن من الخثارم، أي المتطيرين، بل كان إذا أراد أن يمضي أمراً، صد عن تلك الهنات، فلا يحفل بواق وحاتم.
وكان النابغة من المتطيرين، خرج مع "زبّان بن سيار" يريدان الغزو، فبينما هما يريدان الرحلة، إذ نظر النابغة وإذا على ثوّبه جرادة تجرد ذات ألوان، فتطير وقال: غيري الذي خرج في هذا الوجه! فلما رجع زبان من تلك الغزوة سالماً. أنشأ يذكر شأن النابغة، فقال: نخبرّ طيره فيها زيادٌ لتخبره وما فيها خبير
أقام كأن لقمان بن عاد أشار له بحكمته مُشير
تعلم أنه لا طير إلا على متطيرّ وهوالثبور
بلى شيء يوافق بعض شيء أحاييناً وباطله كثير
واسم النابغة زياد.

(1/3954)


وهناك نوع آخر من التنبؤ يقال له في الانكليزية، " Hepatscopy"، ويراد به استخراج الغيب من دراسة كبد الأضاحي التي تقدم إلى الالهة. وقد اشتهر به الكلدانيون على الأخص،وتوسعوا فيه فشمل أيضاً قراءة الرئة أو بقية الأحشاء. وكان معروفاً أيضاً عند العبرانيين واليونان والرومان والمصريبن وغيرهم. وللكبد أهمية خاصة عند العرب، وهو في نظرهم معدن العداوة ومقر الحقد، لذلك يقال للأعداء: سود الأكباد، لأن الحقد قد أحرق أكبادهم حتى اسودت. وقد تشاءموا من بعض الأيام، مثل "الأيام النحسات". وهي كل أربعاء يوافق أربعاً من الشهر، مثل أربع خلون، وأربع وعشرين، وأربع بقين. كما تشاءموا من بعض الشهور، مثل شهر شوّال، ولذلك كرهت التزوج فيهه. وورد يوم نحس و "أيام نحسات"، وهي المشؤومات. والعرب تسمي الريح الباردة إذا دَبِرت نحساً. والنحس: الجهد والضر، وخلاف السعد من النجوم وغيرها. وقد كان أهل نجد يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية، فيتشاءمون بالسانح، ويتيمنون بالبارح.
ويدخل في هذه الأيام. تشاؤم بعض الجاهليين من يوم معين وتفاؤلهم من يوم آخر. فيكون يوم التشاؤم يوم بؤس، يغضب فيه من يتشاءم منه على كل من يراه أول مرة أو في ذلك النهار، وقد يلحق به سوءاً كالذي روي من قصة "يومي البؤس والنعيم" عند "المننر بن ماء السماء" أو "النعمان بن المنذر". ويكون يوم التفاؤل "يوم نعيم" يفرح فيه صاحبه ويهش لكل من يراه ولا سيما لأول قادم عليه. وعبر عنهما ب "يوم بؤس " و "يوم نعُم".
وكانت العرب تتشاءم من كلبة يقال لها "براقش".
الفأل

(1/3955)


والفال ضد التشاؤم والطيرة. ويكون برؤية شيء أو سماع أمر أو قول أو غير ذلك يُتفاءلُ منه، كأن يسمع مريض رجلا يقول يا سالم فيقع في ظنه انه يبرأ من مرضه، أو يسمع طالب حاجة رجلاً يقول يا واجد فيخال انه يجد ضالته، فيتوقع صحة هذه البشرى،. ويقال لذلك في الانكليزية Omen. وهو معروف عند العبرانين وقد ذكر في التوراة.
وأصل كلمة "الفأل" على ما يظهر للتشاؤم والتفاؤل، أي أنها كالطيرة أريد بها الحالتان، ثم تخصصت بالحسن، كما تخصصت الطيرة بالشؤم. وقد نهي في الحديث عن الطيرة. أما الفأل، فقد ورد ان الرسول كان يتفاءل ولا يتطير لما في التفاؤل من أثر طيب في أعمال الإنسان.
وضد "الشؤم" "اليمن"، ومن معاني اليمن "البركة"، و "الميامين" على نقيض "المشائيم"، و ""الميمون" ضد "المشؤوم". وورد "ميمون النقيبة" و "ميمون الناصية". ويلاحظ ان للناصية علاقهٌ متينة بالشؤم والتيمن، فكما يقال "ميمون الناصية" قيل "شؤم الناصية" كذلك، وهى كناية عن الإنسان، فقد كان في رأيهم ان من الناس من هم شؤم، ويجلبون الشؤم على من يراهم، وان منهم من تجلب رؤيته الخير لمن يراه. ويكون للحسن وللقبح ولسيماء الوجه والجسم دخل كبير في تكوين رأي عن الشخص الذي يُتشاءم أو يُتفاءل منه. وقد قلت إن بعض العاهات التي تكون في بعض الناس، تجعل غيرهم يتشاءمون منهم عند وقوع نظرهم عليهم في الصباح.
وهناك كلمات عديدة في التشاؤم و "الشؤم"، مثل "شائم" و "شؤم" و "مشؤوم" و "مشوم" و "مشائيم" و "تشاءموا"، و "الأشأم " وأمثال ذلك.

(1/3956)


ولا يقتصر استعمال هذه الألفاظ على جنسٍ معين، بل تقال لكل ما يجلب الشؤم على الإنسان. فمن البشر - كما قلت - من هم شؤم على غيرهم، يجلبون الشرّ لمن يتشاءم منهم، يستوي في ذلك الرجال والنساء والأطفال. ولما كان التشاؤم قضية اعتبارية تتعلق بالنفس والمزاج، كان بعض الأشخاص أو الحيوانات أو الأشياء شؤماً عند ناس، بينما هم ليسوا كذلك عند جماعة آخرين. ولكن الغالب أن التشاؤم من الأشياء القبيحة أو الناقصة أو الراعبة وما شابه ذلك، فهذه المزعجات تؤثر على النفس، فتجعلها تتشاءم منها، وتتوقع حدوث النحس من رؤيتها، ولا سيما في الصباح، وعند الهمّ بالشروع في عمل مهم.
وكانوا يحبون أن يأتوا أعداءهم من شق اليمين. يتفاءلون بذلك. لأن في اليمين اليمن، وفي اليسار العسر.
وللاسماء والكلمات أثرها في الفأل وفي الطيرة، فالأسماء الحسنة الجميلة تبعث على التفاؤل، أما الأسماء الخبيثة والرديئة فإنها تولي التشاؤم. وقد عرف هذا النوع من التفاؤل في الإسلام، ولم ينه عنه. بل قيل ان الرسول كان يتأثر من الأسماء، وكان يقول إذا أعجبته كلمة: "أخذنا فألك من فيك"، وانه يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع: يا راشد، يا نجيح، وأنه قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل" وللطيرة سمت العربُ المنهوش السليم، والبرّية المفازة،وكنوّا الأعمى أبا بصير، والأسود أبا البيضاء، وسمّوا الغراب بحاتم، إذ كان يحتم الزجر به على الأمور وورد ان العرب اذا تطيروا من الإنسان وغيره قالوا: صباح الله لا صباحك.
ولإيمان العرب بباب الطيرة والفأل عقدوا الرتائم، وعشروا اذا دخلوا القرى تعشير الحمار، واستعملوا في القداح الآمر،والناهي، والمتربص، وهن غير قداح الأيسار.
ومن أبواب الفراسة النظر إلى خطوط الكف للاستدلال بها على طبيعة صاحب الكف وعلى ما سيحدث له من أحداث. وقد أشار إلى الكف والى أسرارها الأعشى في قوله: أنظر إلى كفٍ وأسرارها هل أنت، إن أوعدتني، ضائري?

(1/3957)


ٍولمراقبة الكلف الذي يظهر على وجه القمر ودراسة النجوم والظواهر الطبيعية التي تحدث للاجرام السماوية كالكسوف والخسوف، أهمية كبيرة في التكهن. وقد كان الجاهليون يعتقدون ان للكسوف والخسوف أثراً في حياة الإنسان، فاذا وقعا دلا على موت انسان عظيم أو حياته، أو ولادة مولود صاحب حظ كبير.
وكذلك كان رأيهم في تساقط النجوم. وقد أشير اليه في أشعار القدماء من الجاهلية، منهم عوف بن الجزع وأوس بن حجر وبشر.بن أبي خازم.
وقد كان في زعم الكهان من صنف المنجمين أن في استطاعتهم التأثير في الأجرام السماوية وفي احداث الضباب والأمطار والعواصف والرياح، وقد نهي عن التصديق بها في الإسلام، لتعارضها مع الايمان بسيطرة الله وهيمنته وحده على الكون.
وكان للجاهليين اعتقاد بأثر فعل النجوم في الإنسان، ولهذا كانوا يراقبون السماء لتفسير ما يرون فيه من تساقط نجوم، ومن أخبار الشياطين عما يستمعون اليه من وحي السماء. وذكر أنهم كانوا يفزعون إذا تساقطت الشهب بكثرة غير معهودة. وقد حدث أن تساقطت النجوم بكثرة ففزعوا وجزعوا وقالوا: "هلك من في السماء. فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيراً، وصاحب البقر يذبح كل يوم بقرة، وصاحب الغنم كل يوم شاة حتى أسرعوا في اتلاف أموالهم. فقالت ثقيف بعد سؤال كاهنهم.. امسكوا عن أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء. ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي. والشمس والقمر كذلك"ا. فكأنهم تصوروا أن تساقط النجوم بكثرة معناه اختلال نظام السماء وموت من فيه، واحتمال فناء العالم تبعاً لذلك.
وكانوا إذا خافوا من شيء وأرادوا الاستعاذة، كأن يكون الإنسان مسافراً فرأى من يخافه قال: حجراً محجوراً، اًي حرام عليك التعرض بي. وقد ترك هذا الاستعمال في الإسلام.
وقد ورد الحديث في النهي عن التطير. جاء: "الطيرة شرك. ولكن الله يذهبه بالتوكل".
الفصل السابع والثمانون
من عادات وأَساطير الجاهليين

(1/3958)


ولأهل الجاهلية عادات وأساطير كثيرة، وقد اختص العرب بقسم منها، أما القسم الثاني فهو عام معروف، عرف عند الساميين والعجم، وهي مما يقل له " الشعيبات" أو "الفولكلوريات" في مصطلح الافرنج لهذا العهد.
فمن ذلك ما كانوا يفعلونه في أسفارهم إذ كان أحدهم اذا خرج إلى سفر عمد إلى ضخرة من "الرتم"، فعقد غصناً منها، فاذا عاد من سفره ووجده قد. انحلّ، قال: قد خانتني امرأتي، وإن وجده على حاله قال لم تخني. ويقال لذلك العقد "الرتم" و "الرتمة". وذكر ان الرجل منهم كان اذا سافر عمد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أو في ساقها، فاذا عاد نظر إلى ذلك الخيط، فان وجده.بحاله علم ان زوجته لم تخنه، وإن لم يجده أو وجده محلولاً قال: قد خانتني. ويقال: بل كانوا يعقدون طرفاً من غصن الشجر بطرف غصن آخر.
وتستعمل "الرتمة" لتذكير الإنسان بشيء، يستعملها من يكثر نسيانه. وهي خيط يعقد في الاصبع للتذكير. وقد يعقد على الخاتم.
ومن اعتقادهم في السفر ان من خرج في سفر والتفت وراءه لم يتم سفره. فان التفت تطير، وفسره بالعودة. فلذلك لا يلتفت إلا العاشق الذي يريد العود، ومنها التصفيق: كاتوا اذا ضل الرجل منهم في الفلاة، قلب ثيابه، وحبس ناقته، وصاح في أذنها كأنه يومىء إلى انسان، وصفق بيديه: الوحا الوحا، النجا النجا، هيكل، الساعة الساعة، إليّ إلي"، عجّل، ثم يحرك الناقة فيهتدي. قال الشاعر: وأذن بالتصفيق من ساء ظنه فلم يدرِ من أي اليدين جوابها
وذكر انه كان يقلب قميصه ويصفق بيديه كأنه يومىء بهما إلى انسان فيهتدي.
وكان أحدهم اذا أراد دخول قرية، فخاف وباءها أو جنهّا، وقف على بابها قبل ان يدخلها، فنهق نهيق الحمار، ثم علق عليه كعب أرنب، كأن ذلك عوذة له ورقية من الوباء والجن. ويسمون هذا النهيق التعشير.

(1/3959)


وروي ان "عروة بن الورد" خرج إلى "خيبر" ليمتار، فلما قربوا منها، عَشَّرَ من معه، وعاف "عروة" أن يفعل فعلهم فيقال: إن رفقته مرضوا، وماتَ بعضهم، ونجا "عروة" من الموت والمرض".
وكان مسافرهم إذا ركب مفازة وخاف على نفسه من طوارق الليل، عمد إلى واد ذي شجر، فأناخ راحلته في قرارته، وهي القاع المستديرة، وعقلها، وخط عًليها خطاً، ثم قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي. والى ذلك أشار القرآن "وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً".
وذكر أنهم كانوا إذا نزلوا الوادي، قالوا: نعوذ بسيّد هذا الوادي من شر ما فيه، فتقول الجن ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
ومن عادات بعض العرب أنهم إذا خافوا شر إنسان وأرادوا عدم عودته اليهم، أوقدوا خلفه ناراً، إذا تحول عنهم، ليتحول ضبعه معه، أي شره. وكانوا يقولون: أبعد اللّه دار فلان وأوقد ناراً اثره، والمعنى لارجعه الله ولارده.
وإذا غاب انسان، فلم يقفوا على أثره، ففي الوسع الاهتداء اليه، وذلك باًن يذهبوا إلى بئر قديمة أو حفر قديم، ثم ينادوا في البئر أو الحفر اسم الغائب ثلاث مرات، فإن سمعوا صوتاً علموا أنه حي معافى، وإن لم يسمعوا شيئاً علموا أنه قد مات.
وإذا أرادوا ضمان عدم رجوع الثقلاء ومن لا يرغب في عودتهم، فإن الثقيل اذا غادر المحل، عمد صاحب البيت والمكان الى كسر شيء من الأواني أو رمى حجراً خلفه، وفي ذلك ظن بألا يعود.
ومن خرافاتهم أن أحدهم كان إذا اشترى داراً أو استخرج ماء عين أو بنى بنياناً وما أشبهه، ذبح ذبيحة للطيرة. وقد عرفت عندهم بس "ذبائح الجن".
وكانوا يفعلون ذلك مخافة أن تصيبهم الجن وتؤذيهم. وقد نهي في الإسلام عن ذبائح الجن.
وأوجدوا لدوام الحب علاجاً، هو شق الرداء والبرقع. زعموا أن المرأة إذا أحبت رجلاً أو أحبها ثم لم تشق عليه رداءه، ويشق عليها برقعها، فسدحبهما، فإذا فُعل ذلك دام حيهما.

(1/3960)


وإذا صعب على المرأة العثور على خاطب لها، فإن في الإمكان تيسير ذلك بنشر جانب من شعرها، وتكحيل إحدى عينيها، وتحجيل احدى رجليها،ويكون ذلك ليلاَ، ثم تقول: "يا لكاح، أبغي النكاح، قبل الصباح"، فيسهل امرها، وتتزوج عن قريب.
ومن ارالْهم أن الرجل منهم اذَا عشق ولم يسلَ وأفرط عليه العشق، حمله رجل على ظهره كما يحمل الصبي، وقام آخر فأحمى حدَيدة أو ميلاً وكوى به بين إليتيه فيذهب عشقه.
ولدوام الحب بين الرجل والمرأة، يشق الرجل برقع من يحبها وتشق المرأة رداءه، فيصلح حبهما ويدوم، فإن لم يفعلا ذلك فسد حبهما.
واذا غاب عن النساء من يحببنه أخذن تراباً من موضع قدمه وموضع رجله، ليرجع سريعاً.
واذا أرادت المقلاة ان يعيش ولدها، ففي امكانها ذلك اذا تخطت القتيل الشريف سبع مرات، وعندئذ يعيش ولدها. وانما كانوا يفعلون ذلك بالشريف يقتل غدراً. وقد ذكر ذلك في شعر لبشر بن أبي خازم.
ومن عقائدهم ان صاحب الفرس المهقوع اذا ركبه فعرق تحته اغتلمت امرأته، وطمحت إلى غيره. والهقعة: دائرة تكون بالفرس، وربما كانت على الكتف في الأكثر.
وكان الصبي اذا بترت شفته، حمل منخلاً على رأسه ونادى بين بيوت الحي: "الحلاء الحلاء، الطعام الطعام " فتلقي له النساء كسر الخبز والتمر واللحم في المنخل، ثم يلقى ذلك للكلإب، فتأكله فيبرأ من المرض فان أكل صبي من الصيان من ذلك الذي ألقاه للكلاب تمرة أو لقمة، بترت شفته.
وتعالج "الخطفة" و "النظرة" عند الصبيان بتعليق سن ثعلب، أو سن هرة على الصبي، فان تلك الأسنان تهرٌب الجن. ويهربها كذلك تنقيط شيء من صمغ "السمرة" "حيض السمرة"، وهي شجرة من شجر الطلع، بين عيني النفسَاء، وخط شيء منه على وجه الصبي خطاً، فلا تجرؤ الجنية على التقرب من الصبي، ويقال لذلك "النفرات". فاذا قال لها صواحباتها في ذلك، قالت: كانت عليه نفرهْ ثعالب وهرره.

(1/3961)


والحيض حيض السمرهْ ومن عاداتهم في إبعاد الجن عن الصبيان، تنفير المولود، وذلك ان يسميه باسم غريب منفر، فينفر الجن منه، ولا يتقربون منه.
وعادة أخذ الغلام اذا ثغر، السن الساقط ووضعه اياه بين السبابة والإبهام، واستقبال الشمس، وقذف السن في عينها، لا تزال معروفة حتى الان، وهم يقولون في ذلك: "ابدليني بسن أحسن. منها، ولتجر في ظلمها إياتك"، أو "أبدليني أحسن منها، امن على أسنانه العوج، والفلجَ، والثعل،. قال طرفة: بدلته الشمس من منِبته برداً أبيضَ مصقول الأُشّر
واعتقد قوم منهم ان من ولد في القمراء، تقلصت غرلته، فكان كالمختون، واعتقدرا ان طول الغرلة من تمام الخلقة وأقرب ما يكون إلى السؤدد.
ومن عقائدهم، أن المولود إذا ولد يتناً، كان ذلك علامة سوءٍ، ودليلاً على الفساد. واليتن خروج رجل المولود قبلَ رأسه.
ومن عقائدهم ان الرجل كان اذا ظهرت فيه القوباء عالجها بالريق، واذا أصيب أو أصيبت دابته بالنملة، وخط عليها اين المجوسي اذا كان من اخته تبرا وتنصلح وترأب.
وزعموا أن من أصيب ب "الهُدَ بِد"، وهو "العشَا" يكون في العين عمد إلى سنام فقطع منه قطعة، ومن الكبد قطعة، وقلاهما، وقال عند كل لقمة يأكلها بعد أن يمسح جفنه الأعلى بسبابته: فيا سناماً وكَبِد ألا اذهبا بالهُدَبدٌ
ليس شفاء الهدبد إلا السنام والكبدَ
ويزعمون أن ذلك يذهب بالعشا بذلك.
وقد زعم الجاهليون أن الطاعون الذي كان يقع كثيرأ في الجاهلية فيحصد الناس حصداً، هو من وخز الجنّ،وأنه من فعلهم في الإنسان ودعوه "رماح الجن"، وذكر ذلك في الشعر فقال أحد الشعراء: لعمرك ما خشيت على عدي رماح بني مقيدة الحمار
ولكني خشيت على "عديّ"=رماح الجن أو إياك جار وكانوا يرون أن أكل لحوم السباع يزيد في الشجاعة والقوة.

(1/3962)


وفي حركات الإنسان دليل ومعان تنبىء عن أشياء. فإذا اختلجت العين دل، ذلك على توقع قدوم شخص غائب محبوب، ولا تزال هذه العادة باقية عند الناس اليوم، ومن عاداتهم أن أحدهم اذا خدرت رجله، ذكر أحب الناس اليه، فتنبسط. وكانوا يعقدون الرتم للحمى، ويرون أن من حلها انتقلت الحمى اليه. قال أحد الشعراء: حللت رتيمة فمكثت شهراً أكابد كل مكروه الدواء
وقد زعموا ان في البطن حية، اذا جاع الإنسان،عضت على شرسوفه وكبده. وقيل: هو الجوع بعينه، ليس أنها تعض بعد حصول الجوع.
ركان من عادة الجاهليين حمل ملوكهم على الأعناق إذا اشتد بهم المرض. وهم يعتقدرن أنهم بذلك سيتغليون على المرض، ويعللون ذلك بأنه أسهل على المريض، وأكثر راحة له من وضعه على الأرض.
واعتقدت العرب ان دمَ الملوك والرؤساء يشفي من عضة الكلب، وزعموا ان الكَلَب جنون الكلاب المعتري من أكل لحم الإنسان. وأجمعت العرب ان دواءه قطرة من دم ملك يخلط بماء فيسقاه، وقيل إن الرجلَ الكلَب يعض انساناً فيأتون رجلاً شريفاً، فيقطر لهم من دم اصبعه، فيسقون الكلبَ فيبرأ.
ومن عقائدهم انهم كانوا اذا قتلوا الثعبان خافوا من الجن ان يأخذوا بثاًره، فيأخذون روثة، ويفتونها على رأسه، ويقولون: روثة راث ثائرك. وقد يذر على الحية المقتولة يسير رمادٍ، ويقال لها: قتلك العين فلا ثاثر لك. وفي أمثالهم لمن ذهب العين دمه هدر: هو قتيل العين.
واعتقد الجاهليون ب "السفعة"، و "السفعة" العين تصيب الإنسان: عين إنسية وعين جنية، و "السفعة" النظرة من الجن.

(1/3963)


واذا طالت علة الواحد فهم، وظنوا ان به مساً من الجن، لأنه قتل حية أو يربوعاً أو قنفذاً، عملوا جمالاً من طين، وجعلوا عليها جوالق وملؤوها حنطة وشعيراً وتمراً، وجعلوا تلك الجمال في باب جحر الى جهة المغرب وقت غروب الشمس، وباتوا ليلتهم تلك، فاذا أصبحوا، نظروا إلى تلك الجمال الطين، فاذا رأوا انها بحالها، قالوا: لم تقبل الهدية، فزادوا فيها، وإن رأوها قد تساقطت وتبدد ما عليها من الميرة قالوا: قد قبلت الدية، واستدلوا على شفاء المريض، وفرحوا، وضربوا بالدف.
ومن أوابدهم تعليق الحلي والجلاجل على اللديغ، يرون انه يفيق بذلك، ويقال انه انما يعلق عليه، لأنهم يرون انه ان نام يسري السم فيه فيهلك، فشغلوه بالحلي والجلاجل وأصواتها عن النوم. وذهب بعضهم إلى انه اذا علق عليه حلي الذهب برأ، وإن علق الرصاص أو حلي الرصاص مات.
ومن آرائهم في إطفاء نار الحرب انهم كانوا ربما أخرجوا النساء فبلن بين الصفين، يرون ان ذلك يطفىء نار الحرب ويقودهم إلى السلم.
ومن وسائل إبعاد الجن عن الناس، وإبعاد عيونهم عنهم، تعليق كعب الأرنب. يقولون إن من فعل ذلك لم تصبه عين ولا سحر، وذلك لأن الجن تهرب من الأرنب، لأنها ليست من مطايا الجن، لأنها تحيض. وذكر أيضاً ان من علق على نفسه كعب أرنب، لم يقربه "عمار الحي" "جنّان الحي" و "جنّان الدار"، و "عمّار الدار" و.لا "شيطان الحماطة" وجانّ العشرة "جار العشيرة" وغول العقر "غول القفر"، وكل الخرافي وان الله يطفىء نار السعالي. و "الحماطة" شجرة شبيهة بالتين تأوي اليها الحيات.
وكانوا إذا خافوا على الرجل الجنون وتعرض الأرواح الخبيثة له، نجسوه بتعليق الأقذار عليه، كخرقة الحيض وعظام الموتى. وذكروا أن أنفع من ذلك أن تعلق طامث عظام موتى ثم لا يراها يومه ذلك. ويشفي التنجيس من كل شيء، إلا من العشق.

(1/3964)


ومن مذاهبهم قولهم في الدعاء: "لا عشت إلا عيش القرُاد". يضربونه مثلاً في الشدة والصبر على المشقة يزعمون أن القُراد يعيش ببطنه عاماً وبظهره عاماً.
وكانوا يتبركون بأشياء، منها المدمى من السهام، الدي ترمي به عوك ثم يرميك به. وكان الرجل إذا رمى العدو بسهم فأصاب، ثم رماه به العدو وعليه دم، جعله في كنانته تبركاً به. ذكر أن "سعداً" قال: "رميت يوم أحد رجلاً بسهم فقتلته، ثم رميت بذلك السهم أعرفه، حتى فعلت ذلك وفعلوه ثلاث مرات، فقلت:هذا سهم مبارك مدمى فجعلته في كنانتي،فكان عنده حتى مات".
كان أحدهم يلقى الرجل يخافه في الشهر الحرام، فيقول: حجراً محجوراً، أي حرام محرم عليك هذا الشهر، فلا. يبدؤه بشر. وكانوا يقولون ذلك اذا نزلوا مكاناً وخافوا فيه من الجن.
وكان من عاداتهم أنهم كانوا إذا أرادوا أن تورد البقر الماء، فعافته قدموا ثورأَ، فضربوه،فورد، فاذا فعلوا ذلك، وردت البقر. وفي ذلك قال الأعشى: و ما ذنبه إن عافت الماء باقر وما أن تعاف الماء إلا لتضربا
ويقولون إن الجن تصد البقر عن الماء، وان الشيطان يركب قرني الثور.
ويظهر أن هذا الاعتقاد من الاعتقادات التي كانت شاثعة بين الجاهليين،بدليل وروده في أشعار عدد من الشعراء. وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصدّ الئيران عن الماءحتى تمسك البقرعن الماءحتى تهلك.
ومن عاداتهم أيضاً أنهم كانوا اذا وقع العرُ" في ابلهم، اعترضوا بعيراً صحيحهاً لم يقع ذلك فيه، فكووا مشفره وعضده وفخذه. يرون أنهم اذا فعلوا ذلك ذهب العر عن ابلهم.
وذكر أن العرّ قروح مثل القوباء، تخرج بالإبل متفرقة في مشافرها وقوائمها يسبل منها مثل الماء الأصفر، فتكوى الصحاح لئلا تعديها المراض، تقول منه: عرت الإبل، فهي معرورة. قال النابغة الذبياني: فحملتنى ذنب امرىء وتركته كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
وفي المعنى المذكور قول الشاعر: فألزمتني ذنباً وغيريّ جرّه حنانيَكْ لا تكوِ الصحيح بأجربا

(1/3965)


وقول آخر: كمن يكوي الصحيح يروم برءاً به من كل جرباء الإهاب
وذكر ان الفصبل كان اذا أصابه العر،عمدوا إلى أمه فكووها،فيبرأ فصيلها.
ومن ذلك انهم كانوا يفقاون عين فحل الإبل، لئلا تصيبها العين. وكانوا اذا كثرت إبلهم فبلغت الألف، فقأوا عين الفحل، فان زادت الإبل على الألف فقأوا العين الأخرى. وذلك المقفأ والمعمى.
وكانت العرب اذا أجدبت، وأمسكت الماء عنهم، وتضايقوا من انحباس المطر، وأرادوا ان يستمطروا، عمدوا إلى السلع والعُشَر، فحزموهما، وعقدوهما في أذناب البقر، واضرموا فيها النيران، وأصعدوها في موضع وعر، واتبعوها، يدعون الله ويستسقون، وانما يضرمون النار في اذناب البقر تفاؤلاً للبرق بالنار. وكانوا يسوقونها نحو المغرب من دون الجهات. ويقال لهذا الفعل "التسليع". وذكر ان التسليع فى الجاهلية انهم كانوا اذا أسنتوا، أي أجدبوا، علقوا السلع مع العشر بأذناب البّقْر وحدروها من الجبال وأشعلوا في ذلك السلع والعشر النار يستمطرون بذلك. ونجد من الرواة من يقول: حدروها من الجبال وأشعلوا في ذلك السلع والعشر النار، ومنهم من يقول: ثم يضرمون فيها النار،وهم يصعدونها في الجبل، فيمطرون.
وقد أشير إلى هذا الفعل في الشعر، قال أمية بن أبي الصلت: سلَعَُ ما،ومثلهُ عشرٌ ما عائلٌ ما، وعالت البيقورا
وقال الورك الطائي "وداك الطائي".
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقوراً مسلعة ذريعةً لك بين الله والمطر
ومن السلع " المُسَلّعةُ، كانت العرب في جاهليتها تأخذ حطب السلع والعشر في المجاعات وقحوط القطر، فتوقر ظهر البقر منها، وقيل: يعلقون ذلك في أذنابها، ثم تلعج النار فيها يستمطرون بلهب النار المشبه بسنى اليرق. وقيل: يضرمون فيها النار، وهم يصعدونها في الجبل، فيمطرون".

(1/3966)


وقد تعرض "أبو الحسين احمد بن فارس" لموضوع "البيقور"، فقال: "كانت العرب اذا أمسكت السماء قطرها، استمطروا، فعمدوا إلى شجرتين يقال لهما السلع والعشر، فعقدوهما في أذناب البقر فأضرموا فيها النار، وأصعدوها في جبلً وعر وتبعوا آثارها، يدعون الله عز وجلّ ويستسقونه. قال ابن الكلبي: وانما يضرمونً النار تفاؤلاً للبرق". "كانوا اذا فعلوا ذلك توجهوا نحوالمغرب من بين الجهات كلها قصداً إلى العينّ، والعين قبلة العراق. قال العجاج: سارٍ سَرى من قبل العين فجر غُرَّ السحاب والمرابيع البكر"
عقيدتهم في الحيوان
وللجاهليين عقائد في الحيوان. فمنهم من كان يعتقد أن للجن بهذه الحبوانات تعلقاً، ومنهم من يرى أنها نوع من الجن، ومنهم من كان يرى أن لبعضها، مثل الورل والقنفذ والأرنب والظبي واليربوع والنعام، صلة بالجن، وأنها مراكب لها، يمتطونها كما يمتطي الإنسان الخيل والبغال والابل والحمير.
ومن مراكب الجن، "العضرفوط"، قال الشاعر: وكل المطايا قد ركِبنا فلم نجد ألذّ وأشهى من وخيد الثعالب
ومن فارة مزمومة شمرية وخود بردفيها أمام الركائب
ومن عضرفوط حطَّ بي من ثنية يبادر سرباً من عظاء قوارب
والعضرفرط دويبة من دواب الجنْ، ويقال: العضرفوط ذكر العظِاء، وقيل: دويبة تسمى العِسودة، بيضاء، ناعمة.
واعتقدوا أن السموم لما فرقت على الحيوانأت، احتبست العظاية "العظاءة" عند التفرقة حتى نفذ السم، وأخذ كل حيوان قسطاً منه على قدر السبق اليه، فلم تنل العظاية نصيباً منه، فخسرته. لذلك صارت تمشي مشياً سريعاً ثم تقف، لما يعرض لها من التذكر والأسف على ما فاتها من السم. و "الظباء" ماشية الجن، في زعم بعضهم وهي تسمع وتكلم، ولهم قصص عنها.
وتزعم العرب أن "الهديل"، فرخ على عهد "نوح" مات عطشاً، وضبعه أو صاده جارح من جوارح الطير، فما من حمامة الا وهي تبكي عليه.

(1/3967)


وللخرز عند الجاهليين وعند الأعرابّ حتى اليوم، شأن كبير في السحر وفي دفع أذى الأرواح والعين، وفي النفع والحب، وأمثال ذلك. وسأتحدث عنها في المكان المخصص بالسحر.
وضرب المثل ببخل "أبي حباحب". من محارب خصفة، وكان بخيلاً، فكان لا يوقد ناره الا بالحطب الشخت لئلا ترى، وقيل: اسمه "حباحب"، فضرب بناره المثل، لأنه كان لا يوقد الا ناراً ضعيفة، مخافة الضيفان، فقالوا: نار الحباحب.
وأم حباحب: دويبة، مثل الجندب، تطير، صفراءخضراء، رقطاء برقط مفوة وخضرة، ويقولون اذا رأوها: أخرجي بُردى اًبي حباحب، فتنشر جناحيها، وهما مزينان بأحمر وأصفرْ.
وللعرب أساطير عن الكواكب، من ذلك ما ذكروه من ان "الدَّيران" خطب "الثريا" وأراد القمر ان يزوجه منها، فامتنعت وأعرضت، وقالت للقمر: ما أصنع بهذا السبروت الذي لا مال له ? فجمع الدبران قلاصه،ووضعها قدامه، وأخذ يتبعها يريد اقناعها بالزواج منه. ومن ذلك قولهم في "المرزم"، وهو "الشِعرى"، يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر. تقول العرب: اذا طلعت الشعرى جعل صاحب النحل يرى، وهما الشعريان: "العبور" التي في "الجوزاء" و "الشعرى الغميصاء" التي في الذراع. تزعم العرب انهما أخت "سهيل". وقد عبدت طائفة من العرب "الشعرى العبور". قالوا: انها عبرت السماء عرضاً، ولم يعبرها عرضاً غيرها، فأنزل اللَه: )وانه هو رب الشعرىَ (، وسميت الأخرى "الغميصاء"، لأن العرب قالت في حديثها انها بكت على أثر العبور حتى غمصت.
وزعموا ان "سهيلاً" كان عشّارأَ على طريق اليمن ظلوماً فمسخه الله كوكباً. وعرف بأنه نجم يماني عند طلوعه تنضج الفواكه وينقضي القيظ.

(1/3968)


و "الشمس" إلهة عند كَثيرمن الجاهليين، فتعبدوا لها، وعدّت صنماً عندهم، ومن أساطيرهم ما نحدثوا به عن "برد العجوز"، حدثوا ان عجوزاً دهرية كاهنة من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع في أواخر الشتاء وأوائل الربيع فيسوء أثره على المواشي، فلم يكترثوا يقولها، وجزوا أغنامهم: واثقين باقبال الربيع، فلم يلبثوا إلا مديدة حتى وقع برد شديد، أهلك الزرع والضرع، ققالوا هذا برد العجوز. يعنون العجوز التي كانت تنُذر به.
وحدثوا: أن عجوزاً كانت بالجاهلية، ولها ثمانية بنين، فسألتهم أن يزوجوها وألحت عليهم، فتآمروا بينهم، وقالوا: إن قتلناها لم نأمن عشيرتها، ولكن نكلفها البروز للهواء ثماني ليال، لكل واحد منا ليلة. فقالوا لها: ان كنت تزعمين أنك شابة،. فابرزي للهواء ثماني ليال، فإننا نزوّجك بعدها، فوعدت بذلك، وتعرت تلك الليلة والزمان شتاء كلب، و برزت للهواء. وفعلت مثل ذلك في اللبل الآخر، فلما كانت الليلة السابعة، ماتت.
ونسب العرب اليها برد الأيام الثمانية، وأسماؤها: الصن"، والصنبر، والوبر، وآمر، ومؤتمر، ومعلل، ومطفئ الجمر، ومكفىء الظعن.
ومن الأمرر التي تداولوها قولهم في "زمن الفطحل". وضربهم المثل به، قالوا: أيام كانت الحجارة رطبهَ، وإذ كل شيء ينطق. وهو دهر لم يخلق فيه الناس بعد.
وكانوا يعتقدون بالمسخ. وهو تحويل صورة إلى أخرى أقبح منها، وتحويل انسان الى حيوان أو حجر. ولهم اعتقادات في مسخ الأطفال، وتبديل "الجن" لهم بأولادهم من ذوي العاهات. وقد زعموا أن "اللات" صنم ئقيف، كان في الأصل يهودياً يلتّ السويق في "الطائف" فمسخ حجراً، عبد فصار "اللات".

(1/3969)


وللعرب قصص وضعوه على ألسنة الحيوانات نجده في كتب الأدب. ولهم أمثلة وراءها قصص في سبب ضربها. ونجد في كتب الأمثال والأدب أشياء كئيرة من ذلك. وقد صوروا بعض الحيوانات ناطقة عاقلة،ونسبوا لها الحكمة والقول الحسن. وصوروا بعضها بليدة غبيةّ. ونجد في كتب الأمثال والأدب أشياء كثيرة من ذلك.
واتخذوا من بعض الناس مثلاَ على أمر من أمور الحياة. وضربوا بهم الأمثال. فضربوا المثل ببلاغة "سحبان وائل" وبقدرته على الخطابة. وبفصاحة "قس بن ساعدة الايادي". وجعلوهما المثل الأعلى في البلاغة والفصاحة عند العرب.
ووضعوا "باقل" مثلاً للعي والبلادة. فمما رووه عنه، أنه اشترى ظبياً باًحد عشر درهماً، فمرّ، بقوم فقالوا: بكم أخذت الظبي فمدّ يديه، وأخرج لسانه، يريد بأصابعه عشرة دراهم وبلسانه درهماً فشرد الظبي حين مد" يديه، وكان الظبي تحت إبطه، فجرى المثل بعيه، وقيل: أشد عيأ من باقل، وأعيا من باقل،كما قبل أبلغ من سحبان وائل. وذكر انه كان من ربيعة.
واتخذوا "بيهس" الفزَاري، الملقب بنعامة، مئلاً للحمق، فقالوا: أحمق من بيهس. وهو أحد الاخوة السبعة الذين قتلوا،وترك هو لحمقه. زعموا أنه هو القائل: ألبس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها
وإنما لقب بيهس بنعامة لأنه كان شديد الصمم، وإذا دعا الرجل من العرب على صاحبه بالصمم،قال: اللهم اصنجه صنجاً كصنج النعامة. والصنج أشد ألصمم.
وضرب المثل بحمق "هبنقة"، واسمه "يزيد بن ثروان" أحد بني قيس بن ثعلبة، الملقب ب "ذي الودعات". لقب به لأنه جعل من عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف مع طول لحيته. فسئل عن ذلك، فقال: لئلا أضل، أعرف بها نفسي، فسرقها أخوه في ليلة وتقلدها، فأصبح هبنقة ورآها في عنقه، فقال: أخي أنت أنا، فمن أنا ? فضرب بحمقه المثل. فقيل أحمق من هبنقة.

(1/3970)


وضربوا المثل بحمق دُغة. وهي بنت منعج، زوّجت وهي صغيرة في بني العنير، فحملت، فلما ضربها المخاض ظنتْ انها تحتاج إلى الخلاء، فبرزت إلى بعض الغيطان ووضعت ذا بطنها، فاستهل الولبد، فجاءت منصرفة وهي لا تظن إلا انها أحدثت. فقالت لأمها: يا أماه، هل يفتح الجعُر فاه ? قالت: نعم ويدعو أباه، فسبّ بها بنو العنير، فسموا بني الجعراء.
وقيل هي امرأة من بني عجل بن لجيم. وقيل هي: دغة بنت معيج بن إياد اين نزار. ولدت لعمرو بن جندب بن العنبر. وذكر ان اسمها: مارية بنت ربيعة، من عجل، وكانت عند "جندب بن العنبر" فولدت له "عدي بن جندب"، وكانت حمقاء حسناءْ.
وضربوا المثل ب "جوف حمار". وقالوا: هو أكفر من حمار، وأخلى من جوف حمار. وهو رجل من عاد، يقال له حمار بن مويلع،وجوفه واد له طويل عريض. لم يكن ببلاد العرب أخصب منه، وفيه من كل الثمرات، فخرج بنوه يتصيدون: فأصابتهم صاعقة فهلكوا، فكفر. وقال: لا أعبد من فعل هذا ببني، ودعا قومه إلى الكفر فمن عصاه قتله، فأهلكه الله تعالى وأخرب واديه، فضرب العرب به المثل في الخراب والخلاء. قال الأفوه الأودي: وبشؤم البغي والغشم قديماً قدخلاجوف ولم يبق حمار
وذكر ان الجوف واد بأرض عاد، فيه ماء وشجر، حماه رجل اسمه حمار كان له بنون فأصابتهم صاعقة فماتوا، فكفر كفراً عظيماً وقتل كل من مر به من الناس. فأقبلت نار من أسفل الجوف فأحرفته ومن فيه وغاض ماؤه فضربت العرب به المثل. فقالوا: أكفر من حمار، ووادٍ كجوف الحمار وكجوف العبر وأخرب من جوف حمار.
وورد انه "حمار بن مالك"، وهو رجل من عاد وقيل من العمالقة. كان مسلماً أربعين سنة في كرم وجود، فخرج بنوه عشرة للصيد، فأصابتهم صاعقة فهلكوا. فكفر كفرأَ عظيماً. وقال لا أعبد من فعل ببنيّ هذا. وكان لا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر، فان أجابه وإلا قتله. فأهلكه اللّه وخرب وادبه.

(1/3971)


واذا وعد انسان وعداً، فعليه الوفاء به، لأن من شمائل الكريم الوفاء بالوعود والعهود. قالت العرب: "خلاف الوعد من أخلاق الوغد". وكانت العرب تستعيبه وتستقبحه. وقد ضربوا المثل برجل من العرب في مخالفته المواعيد،فقالوا: "مواعيد عرقوب". وعرقوب صاحب المواعيد، قيل: انه من الأوس، كان أكذب أهل زمانه. فضربت به العرب المثل في الخلف، فقالوا: مواعيد عرقوب. وذلك انه أتاه سائل، وهو أخ له، يسأله شيئاً. فقال له عرقوب: اذا أطلع نخلي، " وفي رواية: اذا أطلعت هذه النخلة"، فلما أطلع، أتاه على العِدَة، قال: اذا أبلح، فلما أبلح أتاه ؛ قال: اذا أزهى، فلما أزهى أتاه، قال: اذا أرطب، فلما أرطب أتاه ؛ قال: اذا أتمر. فلما أتمر، عمد البه عرقوب وجدَّهُ ليلاً، ولم يعطه منه شيئاً. فصارت مثلاً في إخلاف الوعد. وورد: وأكذب من عرقوب "يثربَ" لهجة=وأبين شؤما في الحوائج من زحل وورد " مواعيد عرقوب أخاه بيترب"، بالتاء وهي باليمامة. ويروى بالمثلثة،وهي مدينة الرسول نفسها. ويقال: هو أرض بني سعد. والأول أصح، وبه فسر قول كعب بن زهير: كانت مواعيد "عرقوب" لها مثلاً وما مواعيدها إلا الأباطيل
وورد: "هوأكذب من عرقوب يترب"، وتقول: "فلان اذا مطل تعقرب واذا وعد تعقرب". ومن أمثالهم: "الشرّألجأه الى مخ عرقوب" "وشر ما أجأك إلى مخة عرمقوب"، أي: عرقوب الرجل لأنه لا مخ " له. يضرب هذا عند طلبك من اللئيم أعطاك أو منعك، وهو لغة بني تميم. ومن المستعار: ما أكثر عراقيب هذا الجبل. العراقيب خباشيم الجبال وأطرافها وهي أبعد الطرق، لأنك تتبع أسهله أين كان. والعراقيب من الأمور كالعراقيل عظامها وصعابها.
وضَربوا المثل في الاقامة على الذل برجل كل من ضيّة، زعموا أنه عرف عندهم ب "قضَيب" فقالوا: أصبر من قضيب. و "قضيب" رجل آخر تمار بالبحرين، كان يِأتي تاجراً فيشتري منه التمر، ولم يكن يعامل غيره.

(1/3972)