صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

من فقر وبؤس، ولهذا كان لا بد من الاستعانة بالموالي والرقيق للقيام بأكثر متطلبات حياة الإنسان.
ويفهم من بيت للشاعر حسان بن ثابت في قصيدة رثى بها النبي، وهو: فرحت نصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الملجد
أنه كان في يثرب نفر من النصارى كما كان بها قوم من يهود. وذكر أن النصارى كانوا يسكنون في يثرب في موضع يقال له: سوق النبط.
ولعل هذه السوق هي الموضع الذي كان ينزل فيه نبط الشام الذين كانوا يقصدون المدينة للاتجار في الحبوب، فصارت موضعاً لسكنى هؤلاء النصارى، ونسب إليهم. وقد ورد أن عمر بن الخطاب استعمل أبا زبيد الشاعر النصراني على صدقات قومه، وأن أبا زبيد هذا كان مقرباً من الخليفة عثمان بن عفان من بعده.
وقد كان "أبو عامر" الراهب، الذي تحدثت عنه أثناء حديثي عن الأحناف، ممن اعتنق النصرانية، ومن أهل يثرب. ويظهر أنه كان قد تمكن من إقناع بعض شباب الأوس من اعتناق دينه، بدليل ما ذكره علماء التفسير من أنه لما خرج من يثرب مغاضباً للرسول، وذهب إلى مكة، مؤيداً إياهم ومحرضأ لهم على محاربة الرسول أخذ معه خمسين أو خمسة عشر رجلاً من الأوس، على ما ذكره علماء التفسير، فلما أيس من نجاح أهل مكة في القضاء على الرسول فرّ إلى بلاد الشام على نحو ما ذكرت، ليطلب مدداً من الروم يعينه في زحفه على المدينة. وأنا لا استبعد احتمال وجود أناس آخرين من أهل يثرب كانوا قد دخلوا في النصرانية ودعوا اليها، واحتمال وجود مبشرين فيها، كانوا يسعون لادخال أهلها في دين عيسى، يؤيدهم ويمدّهم بالمال والمعونة الروم حكام بلاد الشام.
وكان بين سكاّن مكة عند ظهور الإسلام جماعة من النصارى هم من الغرباء النازحين اليها، لأسباب، منها: الرق، والاتجار، والتبشير، والحرفة.

(1/3771)


فأما الرقيق، فمنهم الأسود والأبيض:الأسود من إفريقية، والأبيض من أوروبة، أو من أقطار الشرق الأدنى، وهم أعلى في المنزلة وفي السعر من النوع الأول، وهم بحكم قانون ذلك العهد وعرفه تبع لسادتهم وفي ملك يمينهم، يقومون بالأعمال التي توكل اليهم، ليس لهم التصرف إلا بأمرهم، فهم في الواقع بضاعة يتصرف بها صاحبها كيف يشاء، ليس لها صوت ولارأي، إن أبق المملوك قتل" أو أنزل به العقاب الذي يراه ويختاره صاحبه ومالكه.
وبين الرقيق الأبيض خاصة نفر كانوا على درجة من الفهم والمعرفة، يعرفون القراءة والكتابة، ولهم اطلاع في شؤون دينهم ومعارف ذلك العهد.. ولهذا أوكل اليهم القيام بالأعمال التي تحتاج إلى مهارة وخبرة وذكاء. وقد كان حالهم لذلك أحسن "من حال غيرهم من الأرقاء. ومنهم من كان يشرح لسادتهم أمور دينهم وأحوال بلادهم، ويقصون عليهم ما حفظوه ووعوه من أخبار الماضين وقصص الراحلين، وأكثرهم ممن كانت ألسنتهم لم تتروض بعد على النطق بالعربية، فكانوا يرطنون بها، أو يتلعثمون، ومنهم من كان لا يعرف شيئاً منها، أو لا يعرف منها إلا القليل من الكلمات.
ومن،هؤلاء رجل نصراني كان بمكة قيل. إن اسمه: سلمان: أو يسار، أو جبر، أو يعيش، أو بلعام، ادعى أهل مكة أنه كان هو الذي يلقن الرسول ما كان يقوله للناس من رسالته، وأنه هو الذي كان يعلمه. وقد أشير إلى قول قريش هذا في الاية: ) ولقد نعلم انهم يقولون إنما يعلمه بشر،،لسان الذي يلحدون اليه أعجميً، وهذا لسان عربي مبين(. ومن روى من المفسرين ان اسمه جبر، قال: إنه كان غلاماً لعامر بن الحضرمي، وأنه كان قد قرأ التوراة والانجبل، وكان الرسول يجلس اليه عند المروة إلى مبيعته، "فكانوا: والله ما يعلم محمداً كثيراً مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام الحضرمي".

(1/3772)


ومن هؤلاء من زعم انه كان قيناً لبني الحضرمي، وانه كان قد جمع الكتب، وهو رومي، فكان رسول الله ياتي اليه ويجتمع به، فكان المشركون يقولون: انه يتعلم من هذا الرومي ! وذكر بعض الرواة ان "آل الحضرمي" كانوا يملكون عبدين، هما: جبر ويسار، فكانا يقرآن التوراة والكتب بلسانهما، فكان الرسول يمر عليهما فيقوم يستمع منهما. وقيل انهما كانا من أهل "عين التمر"، وانهما كانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة والانجيل، فريما مر بهما النبي، وهما يقرآن فيقف ويستمع.وأما من قال ان اسمه "يعيش"، فذكر انه كان مولى لحويطب بن عبد العزى. وأما من ذكر ان اسمه "بلعام"، فقال انه كان قيناً رومياً بمكة وكان نصرانياً أعجمي اللسان، " فكان المشركون يرون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين يدخل عليه وحين يخرج من عنده، فقالوا انما يعلمه بلعام". ومهما اختلف المفسرون في اسم هذا الرجل فإنهم اتفقوا على انه كان أعجمي الأصل، نصرانياً، يقرأ الكتب، وانه كان بمكة نفر من الموالي كانوا على دين النصرانية يقرأون ويكتبون.
والى هذا الشخص أو هؤلاء الأشخاص، أعني: يعيش ويقال عائش أو عدّاس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي وجبر مولى عامر، أشير في القرآن الكريم، في الآية: )وقال الذين كفروا: إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون". وقد ذكر المفسرون ان هؤلاء "كانوا كتابيين يقرأون التوراة، أسلموا، ركان رسول الله، صلى الله عليه وسلم يتعهدهم، فقيل ما قيل".

(1/3773)


وعرفت أسماء جملة رجال ونساء من هذا الرقيق الذي جيء به إلى مكة والى مواضع أخرى من جزيرة العرب. من هؤلإء نسطاس، ويقصد بذلك أنستاس، وكان من موالي صفوان بن أمية. و "مينا" "ميناس"، و "يوحنا" عبد" صهيب الرومى"، و "صهيب." نفسه لم يكن عربياً، انما كان من بلاد الشام في إلأصل، وهو رومي الأصل ولذلك قيل له "صهيب الرومي". وكان قد جاء مكة فقيراً لا يملك شيئاً، فأقام بها، ثم اتصل بعبدالله بن جُدعان الثري المعروف، و صار في خدمته، ولذلك قيل انه كان مولى من موالي عبدالله بن جدعان. وفي رواية انه كان من "النمر بن قاسط"، سقط أسيراً في الروم فباعوه، فاشترى منهم. وقد ورد في حديث: "صهيب سابق الروم"، فهذا يدل على انه من أصل رومي. وهو من أوائل المسلمين، يذكر انه حينما همَّ بترك مكة والذهاب إلى المدينة بعد هجرة الرسول اليها "قال له كفار قريش:أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد ان تخرج بمالك ونفسلك !! والله، لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي ? قالوا: نعم، قال: فإني جعلت لكم مالي"، وترك قريشاً ليذهب إلى الرسول.
وكان لبني مخزوم الأثرياء جملة جوار يونانيات، كما كان لدى العبّاس عم النبي جوار يونانيات، وأشير إلى وجود جوار فارسيات. وكان هذا الرقيق الأبيض ذكوراً وإناثاً من جنسيات متعددة، منهم من كان من أصل رومي، ومنهم من كان من عنصر أوروبي آخر، ومنهم من كان من الفرس أو من أهل العراق مثل نينوى وعين التمر، ومنهم من كان من بلاد الشام أو من أقباط مصر، وهم على النصراّنية في الغالب.

(1/3774)


وفد كانت في مكة عند ظهور الإسلام جالية كبيرة كثيرة العدد من العبيد، عرفوا ب " الأحابيش". وبين هؤلاء عدد كبير من النصارى، استوردوا للخدمة وللقيام بالأعمال اللازمة لسراة مكة. وقد ترك هؤلاء الأحابيش أثرأ في لغة أهل مكة، يظهر في وجود عدد من الكلمات الحبشية فيها في مثل المصطلحات الدينية والأدوات التي يحتاج اليها في الصناعات وفي الأعمال اليدوية التي يقوم بادائها العبيد. وقد أشار العلماء إلى عدد من هذه الكلمات ذكروا أنها تعربت، فصارت من الكلام العربي. وقد أشاروا إلى ورود بعضها في القرآن الكريم وفي الحديث. ويشير أهل الأخبار إلى ورود بعض الرهبان والشمامسة إلى مكة. وقد كان من بينهم من يقوم بالتطبيب. وقد ذكر الأخباريون أن شماساً كان قد قصد مكة، فعجب الناس به، وقد سمّوا أحدهم به، هو عثمان بن الشّريد ين سويد ابن هرمي بن عامر بن مخزوم، فقالوا له: "شماس".

(1/3775)


وذكر "اليعقوبي"، ان ممن تنصر من أحياء العرب، قوم من قريش من بني "أسد بن عبد العزى"، منهم "عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى". وقد ورد في بعض الأخبار انه قدم على قيصر، فتنصر، وحسنت منزلته عنده. وان قيصر ملكه على مكة. ومنحه براءة بذلك، واعترف به. وقد سبق ان تحدثت عنه في اثناء كلامي على مكة. وقد ذكرت ان من الصعب تصور بلوغ نفوذ القيصر هذا الحد من جزيرة العرب،فلم يتجاوز نفوذ الروم الفعلي في وقت ما من الأوقات أعالي الحجاز. ولكن ذلك لا يمنع من تقرب السادات وتزلفهمً إلى عمال الروم وموظفيهم في بلاد الشام، باظهار انهم من المخلصين لهم المحبين للروم، وانهم من كبار السادات ذوي المكانة والنفوذ، للحصول على مكاسب مادية ومعنوية منهم، تجعل لهم مكانة عند أتباعهم وجاهاً ومنزلة ونفوذاً على القبائل الأخرى. وقد كان الروم يعرفون ذلك معرفة جيدة، بفضل دراستهم لنفسية الأعراب، ووقوفهم على طبائع سادات القبائل، فكانوا يشجعون هذا النوع من التودد السياسي لكسب العرب وجرهم إلى جانبهم.
وعد "ورقة بن نوفل" في جملة المتنصرين في بعض الروايات، فقد ذكر انه "تنصر واستحكم في النصرانية، وقراً الكتب، ومات عليها".
وقد استدل "شيخو" من الخبر المروى عن الصور التيً قيل إنها صور الرسل، والأنبياء وبينها صورة المسيح ومريم، والتي ذكر أنها كانت مرسومة على جدران الكعبة، على أنها هي الدليل على أثر النصرانية بمكة. استدل على فكرته هذه بخبر خلاصته أن الرسول حينما أمر فطمست تلك الصور، استثنى منها صورة عيسى وامه مريم، وبخبر ثان ورد عن تمثال لمريم مزوّق بالحلي وفي حجرها عيسى، باد في الحريق الذي شب في عصر "ابن الزبير"، وبخبر ثالث عن امرأة من غسان قيل إنها "حجت في حاج العرب، فلما رأت صورة مريم في الكعبة، قالت: بأبي أنتِ وأمي: إنك لعربية. فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمحو تلك الصور، إلا ماَ كان من صورة عيسى ومريم".

(1/3776)


وكان في الطائف نفر من الموالي كانوا على دين النصرانية، لم يتعرض سادتهم كسائر رجال الأماكن الأخرى من الحجاز لدينهم، فتركوهم على دينهم يقيمون شعائرهم الدينية على نحو ما يشاؤون. من هؤلاء "عدّ اس"، وكان من أهل نينوى، أوقعه حظه في الأسر، فبيع في سوق الرقيق، وجي به إلى الطائف فصار مملوكاً لعتبة وشيبة ابني ربيعة. وعند مجيء الرسول إلى الطائف عارضاً نفسه على ثقيف أهلها، كان هو في جملة من تكلم اليه. ومنهم الأزرق، ذكر أنه كان عبداً رومياً حداداً، وانه هو أبو نافع الأزرق الخارجي الذي ينتمي اليه الأزأرقّة. وهناك روايات تنفي وجود صلة لهذا الأزرق بالأزرق والد نافع المذكور.
وأما الحديث عن النصرانية في اليمن،فهو حديث غامض أوله، مبهم أصله، لا نعرف متى نبدأ به على وجه التحقيق. فليس لدينا نص بالمسند يشير إلى مبدأ دخول النصرانية العربية الجنوبية. وما لدينا من كتابات مما له بعض العلاقة بالنصرانية إنما دوّن في الحقبة المتأخرة من تأريخ اليمن، وفي أيام الحبشة في اليمن، وهو ساكت في الجملة عن المبدأ وعن المبشرين بالنصرانية في العربية الجنوبية. فليس لدينا من بين نصوص المسند في هذا.الباب عون ولا سند.
وليس لنا اذن إلاّ أن نفعل ما فعلناه بالنسبة إلى اليهودية، فنرجع إلى الموارد الإسلامية والنصرانية لنرى رأيها في هذا الباب.

(1/3777)


وتزعم الموارد. الإسلامية ان الذي نشر النصرانية في اليمين رجل صالح من بقايا أهل دين عيسى اسمه "فيميون" "Phemion=Faymiyon، وكان رجلاً زاهداً في الدنيا مجاب الدعوة سائحاً ينزل القرى لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف فيها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان بناء يعمل الطين وكان يعظم الأحد: إذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئاً. ففطن لشأنه في قرية من قرى الشام رجل من أهلها أسمه "صالح"، فأحبه واتبعه على دينه ورافقه. وانصرف ومعه صالح من ضواحي الشام حتى وطئا بعض أرض العرب، فعدا عليهما، فاختطفتهما سيارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران. وأهلها من بني الحارث بن كعب من بني كهلان. وكانوا يعبدون الغزى على صورة نخلة طويلة بين أظهرهم. فابتاع رجل من أشرافهم "فيميون"، وابتاع رجل آخر صالحاً، وقد أعجب صاحب فيميون به، لما رآه فيه من صلاح وورع، فآمن بدينه، وآمن أهل نجران منذ ذلك الحين بالنصرانية لمعجزة قام بها "فيميون"، حينما دعا الله يوم عيد العزى ان يرسل عليها ريحاً صرصراً عاتية تخنى عليها. فأتت الريح عليها فجعفتها من أصلها فألقتها، فآمن بدينه أهل نجران. فمن هنالك كانت النصرانية بنجران. ويذكر الطبري ان أهل نجران كانوا يعيدون كل سنة، "إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه، وحليّ النساء. ثم خرجوا، فعكفوا عليها يوماً".
ويظن أن "فيميون" كلمة يونانية في الأصل حرفت من أصل Euphemion. وزعم أن "فيميون" عين أحد النجرانيين واسمه "عبدالله بن الثامر" رئيساً عليهم، وجعلهم تحت رعاية أسقف اسمه "بولس".
وقد ذكر "الأزرقي" أن أهل نجران كانوا من أشلاء سبأ "وكانوا على دين النصرانية على أصل حكم الانجيل، وبقايا من دين الحواريين، ولهم رأس يقال له: عبدالله بن ثامر".

(1/3778)


وتذكر رواية اسلامية أخرى أن أهل نجران كانوا أهل شرك، يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريباً من نجران ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، وكان أحد رجال نجران واسمه "الثامر" يرسل ابنه "عبدالله" مع غلمان أهل نجران إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فكان يمر على صاحب خبمة بين نجران وتلك القرية، وقد أعجبه ما رآه من صلاته وعبادته وتقواه، فجعل يجلس اليه ويسمع منه حتى دخل في دينه، وصار يدعو اليه بين أهل بلده. فمن ثم انتشرت النصرانية في نجران، وظهرت على الوثنية.
وتذكر هذه الرواية، ان "عبدالله بن الثامر"، أخذ من ثم يبشر بالنصرانية، ويأتى بالمعجزات إذ يشفي المرضى "حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره، ودعا له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران. فدعاه فقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك ! قال: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح عن رأسه فيقع على الأرض، ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيُلقى فيها فيخرج ليس به بأس، فما غلبه، قال عبدالله بن الثامر: انك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني، فوحد الله ذلك الملك، وشهد بشهادة عبدالله بن الثامر، ثم ضربه بعصاً في يده فشجّه شجة غير كبيرة، فقتله، فهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبدالله بن الثامر".
ولم تصرح هذه الرواية التي يرجع سندها إلى "محمد بن كعب بن القرظي" وبعض أهل نجران، باسم الرجل الصالح الذي أخذ منه "عبداللّه بن الثامر" نصرانيته. وقد نبّه إلى ذلك الطبري، في اثناء سرده لها، فقال: "ولم يسموه باسمه الذي سمّاه به وهب بن منبه".

(1/3779)


وقد صيرت بعض الروايات "عبدالله بن الثامر" في جملة من قتلهم "ذو نواس" من النصارى، غير ان "الطبري"، نبه إلى خطل هذا البعض، وبينّ ان "عبدالله" كان قد قتل قبل ذلك، قتله ملك كان قبله، هو كان أصل ذلك الدين.
وهناك قصة ذكرها "ابن اسحاق"، تزعم أن رجلاً حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجاته، فوجد عبداللّه بن الثامر تحت دفن منها قاعداً واضعاً يده على ضربة في رأسه ممسكآ عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها انبعثت دماً، واذا أرسلت يده ردّها عليها،. فأمسك دمها،وفي يده خاتم، فأقر على حاله وردّوا عليه الدفن الذي كان عليه، وكان ذلك بأمر عمر بن الخطاب.
والظاهر أن النجرانيين، لم ينسوا رئيسهم "عبدالله بن الثامر" حتى بعد اسلامهم، فرووا عنه هذا القصص وصيروه على هذه الصورة التي روتها القصة.
ويظهر أنه قتل، فصير شهيداَ من الشهداء، لأنه قتل في سبيل دينه وفي سبيل نشره بين النجرانيين.
وزعم بعض الأخباريين أن الذي أدخل النصرانية ونشرها في الحميريين، هو التبع عبد كلال بن مثوب: أخذ التبع نصرانيته بزعمهم من رجل من غسان ذكروا أنه كان قد قدم عليه من الشام. فما علمت حمير بتنصر التبع وبتغيير دينه وإعراضه عن عبادتها، وثبت بالغساني فقتلته. وقد أشير الى تنصره في القصيدة الحميرية.
أما الرواية الأولى فتنسب الى "وهب بن منبه". وأما الرواية الثانية فتنسب الى "محمد بن كعب القرضي" والى بعض أهل نجران لم يصرح "ابن اسحاق" بذكر أسمائهم، فالروايتان اذن من مورد واحد هو أهل الكتاب. فوهب بن منبه من مسلمة يهود. وأما محمد بن كعب بن أسد القرظي المتوفي بين سنة 18 1 - 0 2 1 للهجرة، فهو من أصل يهودي كذلك، من قريظة حلفاء ألأوس، وقريظة يهود. وكان مثل وهب قاصأَ من القصاص يقص في المسجد. وقد جرّ قصصه.هذا عليه البلايا، فكان يقص في المسجد فسقط عليه السقف فمات.

(1/3780)


وجدت أقوال محمد بن كعب القرظي سبيلها إلى تأريخ الطبري عن طريق سيرة ابن اسحاق، وهو طريق ابن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن اسحاق صاحب السيرة الذي أخذ منه بلا واسطة كما أخذ منه بالواسطة. أما الأخبار المروية عنه، فهي في سير الرسل والأنبياء، وفي انتشار اليهودية والنصرانية في اليمن، وفي الأمور التي تخص اليهود في الححاز. وكان من المقربين الى الخليفة عمر بن عبد العزيز، لأنه كانت له به معرفة سابقة قبل توليه الخلافة. فلما ولي الخلافة، كان يذهب اليه ويتحدث معه في الزهد وفي القصص الذي يحمل طايع الاسرائيليات وفي التفسير الذي اشتهر به.
فناقل النصرانية إلى نجران اذن رجل غريب جاء إلى البلد من ديار الشام على رواية "وهب بن منبه". ويرجع "أوليري" هذه الروابة إلى أصل يرى جذوره في السريانية. واسم هذا الرجل الصالح غير عربي بالطبع. فلعله من المبشربن الذين كانوا يطوفون بين ديار العرب للتبشير.
ولا يستبعد أن يكون المبشرون قد أدخلوا النصرانية إلى اليمن عن طريق الحجاز، فقد كانوا يتنقلون بين العرب لنشر هذا الدين. وليس بمستبعد أيضاً أن يكون قد دخل عن طريق الساحل أيضأَ مع السفن. فقد كان المبشرون يتنقلون مع البحارة والتجار لنشر النصرانية، وقد تمكنوا بمعونة الحكومة البيزنطية من تأسيس جملة كنائس على سواحل جزيرة العرب وفي سقطرى والهند. كما لا يستبعد أن يكون للمبشرين الذين جاؤوا من العراق كما تذكر بعض الموارد النصرانية السريانية دخل في نشر النصرانية في اليمن. و لا سيما نشر النسطورية في تلك البلاد.
وأما الموارد النصرانية، فإنها مختلفة فيما بينها في أول من أدخل النصرانية الى اليمن، فالموارد اليونانية ترى رأياً، والموارد السريانية ترى رأياً، والموارد الحبشية ترى رأياً آخر، يختلف عن الرأيين. وكل رأي من هذه الأراء الثلاثة يرجع شرف نشر النصرانية في اليمن اليه.

(1/3781)


يحدثنا كتبة التواريخ الكنسية من اليونان أن القيصر "قسطنطين" الثاني أرسل في عام "354" للميلاد "ثيوفيلوس اندس"، Theophilus Indus، أي "ثيوفيلوس الهندي"، من جزبرة سرنديب أي سيلان إلى العربية الجنوبية للتبشير بالنصرانية بين الناس. وقد تمكن من انشاء كنيسة في عدن وأخرى في ظفار وثالثة في هرمز،وعين للمتنصرين رئيساً ثم رحل. وصارت ظفار في سنة 356م مقراً لرئيس اًساقفة يشرف على شؤون نصارى نجران وهرمز وسقطرى. وقد عثر على مقربة من خرائب ظفار على أعمدة من الطراز "الكورنثي" وعلى بقايا تيجانها وعليها نقوش صلبان يظهر أنها من مخلفات تلك الكنائس القديمة التي شيدت بمساعدة البعثات التبشيرية وفي أيام الحبشة في اليمن.
وزعم "فيلوستورجيوس" Philostorgius ان هذا الشعب الذي بشّر "ثيوفلوس" بين أفراده بالنصرانية، شعب هندي، وكان يدعى سابقاً باسم شعب "سبأ" نسبة إلى عاصمته سبأ ويعرف اليوم باسم حمير Homeritae. وقد توهم عدد من الكتبة "الكلاسيكيين" فحسبوا الحميريين من الهنود، كما ان بعضاً منهم ظنوا ان السبئيين من "الكوشيين" الحبش، والذي أوقعهم في هذا الوهم هو صلات هؤلاء بافريقية وبالهند، ولوقوع بلادهم على المحيط الهندي وعلى مقربة من افريقية.
وجاء في رواية أخرى ان القيصر"قسطنطين" الثاني أرسل "ثيوفيلوس" إلى ملك حمير Homeritae ونجاشي الحبشةAxume وذلك في عام "356"للميلاد. برسائل كتبها القيصر إلى الملكين. فلما أنهى مهمته لدى ملك حمير، انتهز هذه الفرصة فزار وطنه الهند، ثم عاد فذهب إلى الحبشة. وعاد منها فذهب إلى أنطاكية Antiochia ومنها إلى القسطنطنية. ويظهر من هذه الرواية ان مهمته هذه لم تكن مهمة دينية، انما كانت ذات طابع سياسي، الغاية منها ضم حمير والأحباش إلى معسكر البيزنطيين.

(1/3782)


وقد كان من مصلحة الحكومة البيزنطية بعد دخول القيصر"قسطنطين"في النصرانية عام "313" م للميلاد واتخاذها ديانة رسمية للدولة، ان ينشر هذا الدين ويكثر أتباعه، لما في ذلك من فوائد سياسية ومصالح اقتصادية،فضلا عن الأثر العميق الذي يتركه هذا العمل في نفوس أتباعه المؤمنين مما يرفع من مكانة القياصرة في نفوس الشعب ويقوي من مراكزهم ونفوذهم على الكنيسة والرعية. وبمساعدة هؤلاء القياصرة تمكن المبشرون من انشاء ثلاث كنائس في "ظفار" و "عدن" و"هرمز".
ولم يكن يقصد "قسطنطين" كما يرى المستشرق "روسيني" من إرسال الوفد الذي ترأسه "ثيوفيلوس" إلى ملك حمير، هدفاً دينياً محضاً، وإنما أراد أن يعقد معاهدة تجارية مع الحميربين ويحقق له منافع اقتصادية وسياسية، بأن يحقق له التجارة البحرية، ويحرض اليمانيين على الفرس ويدخلهم في معسكره بدخولهم في النصرانية التي تجمع عندئذ بينهم وبين الروم.
وورد في رواية أخرى ان الحميربين Homeritae دخلوا في عهد"انسطاس" "انسطاسيوس" "491 - 8 1ه م" في النصرانية. وذكر أيضاً أنه كان في جملة من قصدوا القديس "سمعان العمودي" رجال من عرب حمير، وقد رآهم "تاودوريطس" في القرن الخامس للميلاد.
وأما الموارد السريانية، ومنها الموارد النسطورية، فتزعم أن تاجراً من أهل نجران اسمه "حنان" أو "حيّان"، قام في أيام "يزدجرد " الأول "399 - 420 للميلاد" بسفرة تجارية إلى القسطنطنية، ثم ذهب منها إلى الحيرة،وفيها تلقن مبادىء النصرانية ودخل فيها. فلما عاد منها إلى نجران، بشر فيها بالنصرانية حتى تمكن من نشرها بين حمير. وترجع تواريخ البطارقة هذه الحادثة إلى أيام بطرقة "معنى" Ma'na الموافقة لحوالى سنة"420" بعد الميلاد. وذكر أنه في عهد البطريق "سيلاس" Silas "505 - 523م"، هرب لاجئون من اليعاقبة Jakobiten الى الحيرة، غير أن النساطرة أجلوهم عنها،فذهب قسم منهم إلى نجران، فنشروا مذهبهم بين السكان.

(1/3783)


وتشير الأخبار الكنسية أيضاً إلى أن رسولي الكلدان الأولين: "ادي" و "ماري" كانا قد سارا إلى بلاد العرب سكان الخيام. والى نجران وجزائر بحر اليمن. وجاء في المصحف الناموسي: "وبشر الجزيرة والموصل وأرض السواد كلها وما يليها من أرض التيمن كلها وبلاد العرب، سكان الخيام والى ناحية نجران والجزائر التي في بحر اليمن مارى الذي من السبعين".
وللحبش قصص عن انتشار النصرانية في نجران، خلاصتها: ان قديساً اسمه "ازفير" Azkir، أقام كنيسة ورفع الصليب وبشّر بالنصرانية في نجران، وذلك في ايام الملك "شرحبيل ينكف" ملك حمير، فاستاء من ذلك "ذو ثعليان" و "ذو قيفان"، وأرسلا رجالهما إلى المدينة لهدم الكنيسة وانزال الصليب والقبض على القديس، ففعلوا وألقوا به في غياهب السجن. وفي اثناء اقامته فيه هدى قوماً من السجناء إلى النصرانية بفعل المعجزات التي قام بها، فغضب الملك "شرحببل" عليه، وأرسل إلى القيلين اللذين كانا في نجران ان يرسلا اليه هذا الرجل الذي فتن الناس، فأرسل مخفوراً اليه. وفي اثناء اجتيازه الطريق إلى عاصمة الملك ظهرت منه معجزات خارقة، آمن بها عدد ممن رافقوه أو وقفوا على احواله وتعمّدوا على يديه. فلما وصل إلى "ظفار" عاصمة "شرحبيل"، انتهره الملك وحاجه في دينه وعرض عليه كتب "يهود"، ثم أغراه بالذهب والمال، فقال له القديس: "الذهب والفضة فانيان، أما كرستس ساكن السماء فباق". وقد حرضه عليه أحد الأحبار، فأمر الملك عندئذ بارساله إلى نجران لقتله. فلما بلغ المدينة، قتله اليهود، فمات شهيداً في سبيل دينه.
وتزعم الرواية الحبشية ان نصارى اليمن كانوا يرسلون بهداياهم إلى النجاشى بالضرائب يدفعونها اليه.
وذكر ان احد الاساقفة ممن كان في اليمن، كان قد اشترك في أعمال مجمع "نيقية" الذي انعقد سنة325 للميلاد. وإذا صح هذا الخبر، فإنه يعني ان النصرانية كانت قد وجدت لها سبيلاً إلى اليمن في القرن الرابع للميلاد.

(1/3784)


يتبين من هذه الأخبار أن النصرانية لم تدخل العربية الجنوبية من طريق واحد، وإنما دخلتها من البر ومن البحر، دخلتها من البر من ديار الشام إلى الحجاز فاليمن، ومن العراق أيضاً مع القوافل التجارية المستمرة التي كانت بين اليمن والعراق. ودخلتها من البحر بواسطة السفن اليونانية ودخلتها مع الحبشة كذلك الذين كانوا على اتصال دائم باليمن وببقية العربية الجنوبية منذ أيام ما قبل الميلاد.
وقد كانت نجران أهم موطن للنصرانية في اليمن، ولعلها الموطن الوحيد الذي رسخت هذه الديانة فيه في هذه البلاد. وقد اشتهرت نجران بالحادثة التي وقعت فيها، حادثة تعذيب النصارى، وبما ذكره أهل الأخبار عن الكنيسة التي أنشأها الأحباش فيها وعرفت ب "كعبة نجران" عند الأخباريين كما عرفت ب "بيعة نجران" أيضاً. وفي رواية تنسب إلى ابن الكلبي "أنها كانت قبةّ من أدم من ثلاث مئة جلد، كان اذا جاءها الخائف أمن، أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفد أرفد. وكانت لعظمتها عندهم يسمونها كعبة نجران، وكانت على نهر نجران، وكانت لعبد المسيح بن دارس بن عدي بن معقل، وكان يستغل من ذلك النهر عشرة آلاف دينار، وكانت القبّة تستغرقها". وكان ينفق عليها من غلّة ذلك النهر.
ووردفي رواية أخرى أنها كانت بناء بني على بناء الكعبة.وقد بناها بنو عبد المدّان بن الدياّن الحارثي، بنوها على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة لها.
وكان فيها أساقفة معتمون، وهم الذين جاؤوا إلى النبي، ودعاهم إلى المباهلة.

(1/3785)


وتذكرنا قصة "ابن الكلبي" عن أصل كعبة نجران، وأنها كانت من أدم، بما نعرفه عن خيمة "يهوه" إله العبرانيين، وتعبد الاسرائيليين له فيها قبل بناء الهيكل، واعتقادهم أنها خيمة مقدسة، وبما نعرفه من خيم القبائل المقدسة، وذلك لأنها كانت بيوتاً توضع فيها الأصنام ويتعبد أفراد القبيلة بها، فإذا ارتحلوا إلى مكان جديد نقلوا خيمتهم معهم. والظاهر ان كعبة نجران المذكورة،إن صحت رواية ابن الكلبي، كانت من هذا النوع، خيمة مقدسة في الأصل وذلك قبل دخول أهل نجران في النصرانية، فلما دخلوها، لم تذهب عنها قدسيتها، بل حولوها إلى كنيسة، ثم بنوا بيعة في موضعها فيما بعد.
وفي رواية ان قُس بن ساعدة الايادي كان أسقفاً على نجران، وهي رواية تحتاح إلى سند موثوق به، وقد أخذ بها "شيخو" وأمثاله ممن يرجع كل شيء من هذا القبيل في الجاهلية إلى النصرانية.
وقد كانت نجران المركز الرئيس للنصرانية في اليمن عند ظهور الإسلام، لها نظام سياسى واداري خاص تخضع له، وعليها: "العاقب"، وهو كما يقول أهل السير: "أمير القوم، وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم،والذي لا يصدرون إلا عن رأيه"، و "السيد"، وهو "ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم"، و "الأسقف"، وهو " حبرهم، و إمامهم، وصاحب مدر اسهم". ويقصدو ن به رئيس نجران الديني الذي اليه يرجعون في أمور الدين. أما العاقب والسيد، فإليهما ادارة الجماعة، والإشراف على شؤونهم السياسية والمالية، وتدبير ما يحتاج المجتمع اليه من بقية الشؤون.
وقد صالح أهل نجران خالد بن الوليد، في زمن النبي، في السنة العاشرة من الهجرة، وبذلك دخل أكثر سكان المدينة في الإسلام. أما من بقي على دينه من النصارى، فقدفرضت عليه الجزية.

(1/3786)


ويذكر أهل السير ان اسم عاقب نجران في ايام النبي، هو "عبد المسيح" رجل من كندة. وقد قدم على رأس وفد من أهل نجران إلى يثرب، فقابل الرسول، وتحدث معه. وكان معه "الأيهم" وهو سيد نجران يومئذ، وأبو حارثة بن علقمة احد بني بكر بن وائل، وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم يومئذ، وله مقام عظيم عندهم، "وقد شرف فيهم، ودرس كتبهم حتى حسن علمه بدينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه وموّ لوه، وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه وأجتهاده في دينه".
وإذا صح ما رًواه أهل الأخبار من أن عاقب نجران كان كندياً، وأن اسقفها كان من "بكر بن وائل"،فإن ذلك يدل على أن الرئاسة عند النصارى العرب، لم تكن تتبع العرف القبلي في الزعامة، وإنما كانت عن تنسيب واختيار، وأنا لا استبعد احتمال وجود مراجع دينية عليا، كانت هي التي تتولى النظر في ادارة الكنائس وفي تعيين رجال الدين وفي النظر في المشكلات التي تقع بين النصارى، أو بين النصارى وغيرهم، وفي أمر مساهمة النصارى العرب في المجامع الكنسية التي تنظر في المسائل العامة للطوائف.
ويرى بعض أهل الأخبار أن "السيد والعاقب أسقفي نجران اللذين أرادا مباهلة رسول الله" هما من ولد الأفعى بن الحصين بن غنم بن رهم بن الحارث الجرهمي، الذي حكم بين بني نزار بن معد في ميراثهم، وكان منزله بنجران.
ويذكر علماء اللغة، أن "العاقب" من كل شيء آخره، والعاقب السيد، وقيل الذي دون السيد، وقيل الذي يخلف السيد، وقيل: الذي يخلف من كان قبله في الخير كالعقوب. والذي أوحى اليهم بهذا التأويل والتفسير، ظاهرلفظة "عقب" في عربيتنا التي منها اشتقت لفظة "العاقب" على رأيهم، والصحيح أنها لفظة عربية جنوبية وردت في المسند، بمعنى "رئيس" وممثل قوم، أي رسول قوم، فورد "عقبت نشقم"، أي "رئيس" مدينة "نشق"، وبمعنى ممثل مدينة"نشق".

(1/3787)


وذكر ان نصارى نجران، أرسلوأ العاقب والسيد في نفر لمحاججة رسول الله فيما نزل عليه في المسيح، من انه عبدالله، حيث كبر ذلك عليهم سماعه،فاخذوا يخاصمونه ويجادلونه فيه، وألحوا عليه بالجدل والخصومة، فدعاهم إلى الملاعنة، فامتنعوا ودعوا إلى المصالحة، فصالحهم. وانه إلى ذلك أشير في القرآن الكريم: ) فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم. فقل: تعالوا: ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساء كم وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (.
وورد ايضاً انه لما بعث رسول الله وسمع به أهل نجران أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم منهم العاقب والسيد، و "مار سرجس"، و "مار يحز"، "فسألوه ما يقول في عيسى. فقال: هو عبد الله وروحه وكلمته. قالوا هم: لا، ولكنه هو الله نزل من ملكه، فدخل في جوف مريم، ثم خرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط انساناً خلق من غير أب ? فأنزل الله، عز وجل، إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون".
وقد كان لنصارى اليمن كنائس أخرى غير كنيسة "نجران": فقد كانت لهم كنيسة عظيمة في "صنعاء"، هي "القليس" التي اكتسبت شهرة عظيمة في كتب الأخبار والتواريخ وهي كنيسة "أبرهة"، من أصل "اكلسيا"Ecclysia اليوناني بمعنى الكنيسة، وموضعها الآن جامع "صنعاء" على ما يظن. وقد أبدع الأحباش في تزيينها وتجميلها، وأنفقوا عليها مبالغ طائلة.
كما كانت لهم كنائس في "مأرب" و "ظفار". وقد عهد الأحباش بتدبير شؤون كنيسة "ظفار" إلى أسقف شهير يقال له "جرجنسيوس" "جورجيسيوس" "جرجيسيوس". وهو مؤلف كتاب شرائع الحميريين. وله مناظرات مع اليهود.

(1/3788)


وقد بقيت النصرانية قائمة في اليمن في أيام الإسلام، ففي الأخبار الكنسية أن رئيس البطارقة النساطرة "طيموثاوس"، نصب في أواخر القرن الثامن للميلاد أسقفاً لنجران وصنعاء، اسمه "بطرس". وفي "الفهرست" لابن النديم، أنه التقى براهب من نجران يدعى حساّن، كان قد انفذه الجاثليق إلى الصين، ليتفقد مع خمسة أناسي من النصارى أحوال نصاراها، فعاد منها سنة "377" للهجرة، وأخبره بعجائب تلك البلاد. وذكر أنه في حوالي سنة1210 للميلاد كان في منطقة صنعاء خمسة أساقفة، وأسقف في مدينة زبيد وأسقف في نجران، وأنه كان في حوالى سنة 1250 للميلاد أسقف في عدن.
إن بقاء النصرانية في نجران وفي مواضع من اليمن وأنحاء أخرى من جزبرة العرب، وبقاء اليهودفي اليمن إلى زمن غير بعيد، يشير إلى أن ما ذهب اليه كثير من المؤرخين من إجلاء أهل الكتاب بأمر الخليفة "عمر" عن جزيرة العرب ثم بقية الخلفاء الذين ساروا على حكم: "لا يجتمع دينان في جزبرة العرب" فيه مبالغة. والظاهر أن الاجلاء كان قاصراً على المواضع التي تعرضت فيها جاليات أهل الكتاب فيها للاسلام بسوء. فطبق على جاليات يهود يثرب ومن كان يسكن إلى الشمال منهم، لوقوفهم موقفاً معادياً شديداً من الإسلام، ولعملهم في إثارة الفتن على المسلمين. ومن يدري فلعلهم،ولعل أهل الكتاب عموماً ساعدوا في قيام الردة وتشجيع المتنبين والمرتدين للقضاء على الخطر الذي زعموه، خطر ظهور الإسلام وانتشاره في جزيرة العرب وفي خارجها، وقيام دولة موحدة كبيرة فيها.

(1/3789)


ومن يدري أيضاً، فلعل الروم والأحباش كانوا أيضأ في جملة من كان محرض أهل الكتاب على الدس للاسلام،وأن بعض من أعلن الردة مثل "النعمان الغرور" وهو نصراني، وغيره ممن ارتد معه من النصارى، كانوا قد تلقوا عوناً من الخارج، وهذا ما حمل الخليفة على اتباع قاعدة إجلاء الدساسين من اهل الكتاب مهما كان نوعهم عن جزيرة العرب لحماية الإسلام من خطر الفتنة ومن الردة، ولم تكن قواعده قد تركزت واستقرت استقراراً تاماً بعد.
إن الذي افهمه من سياسة إجلاء "عمر" لأهل الكتاب، هو ان ذلك الإجلاء كان خاصأَ بالجاليات اليهودية التي كانت تقيم فيما بين فلسطين ويثرب، وقاصراً عليها، بسبب وقوفها موقفاً معادياً من الإسلام، أما النصارى فلم تكن لهم جاليات هناك، فلم يقع أجلاء لهم فيها. ولكن "عمر" ومن جاء بعده لم يطبقوا الإجلاء على الأسر وألأفراد، بدليل ما نجده في أخبار أهل الأخبار من وجود أسر وأفراد من يهود ونصارى في يثرب وفي مكة وفي الطائف بعد وفاة عمر.
أما في غير الحجاز من بقية أنحاء جزيرة العرب، فلم يطبق قانون "عمر" على أهل الكتاب، بدليل دفع جالياتهم "الجزية" عن رؤوسهم في ايامه إلى وفاته، ثم في ايام من جاء بعده من الخلفاء. فكاًن الخليفة، قد طبق أمر الإجلاء على يهود الحجاز لخوفه من خطر بقائهم في مقر الإسلام وفي مدينة الرسول ومن احتمال عودة من هاجر منهم إلى أرضهم وتكتلهم من جديد، وإثارتهم من لم يكن قد تمكن الإسلام من قلبه بعد، فيقع للاسلام ما وقع في ايام الرسول من اتصالهم سراً بكفار قريش، ومن حدوث ردة جديدة، فقرر إجلاءهم جماعة عن تلك الديار.
النصرانية في بقية مواضع جزيرة العرب

(1/3790)


وكان التجار الروم ينزلون سواحل العربية الجنوبية للتزود منها بالماء وبالطعام وللاتجار مع سكانها، ومنهم من أقام بها وقضى حياته فيها، وتعرب. وكان منهم من بشر بالنصرانية وعمل على نشرها بين السكان. ولعل الحكومة البيزنطية كانت ترسل المبشرين إلى هذه المواضع للتبشير، كذلك أرسل نصارى الحيرة المبشرين لنشر نصرانيتهم في العربية الجنوبيةّ. وبعد دخول هذه البلاد في الإسلام احتفظ قوم من النصارى بدينهم، مقابل دفع الجزبة للمسلمين.
وأما اليمامة، فكانت النصرانية قد وجدت لها سبيلاً بين قراها وقبائلها. ويظهر من شعر للاعشى مدح به "هوذة بن على" حاكمها عند مبعث الرسول، انه كان نصرانياً منّ على قوم من "تميم" ففك وثاقهم يوم أسروا،ويوم قتلوا وسط "المشقر"، ومنّ عليهم "يوم الفصح"، يرجو الإلهَ بما سدى وما صنعا.
وأما العربية الشرقية، فقد دخلت النصرانية اليها من الشمال، من العراق في الغالب. ولكن بعض الروم كانوا قد وجدوا سبيلهم اليها، فدخلوها من البحر أيضاً. فعششت في مواضع منها مثل البحربن، وقطر، وهجر، وبعض جزرالخليج. وكانت غالبية نصارى هذه الأرضين على مذهب نسطور آخذين هذا المذهب من نصارى الحيرة الذين كانوا على اتصال وثيق بهم، كما كان رجال دينهم يسافرون إلى هذه المنطقة للتبشير بها، فزرعوا فيها بذور مذهبهم، ونشروه بين من أقبل على النصرانية من العرب.

(1/3791)


ومن رجال البحرين النصارى "الجارود بن عمرو بن حنش المعلى"1، قدم على النبي بالمدينة،فأسلم وأسلم معه أصحابه. وكان حسن الإسلام صلباً حتى هلك،وقد لام قومه ممن انضم الى "المنذر بن النعمان بن المنذر" الغرور، فارتد عن الإسلام وعاد إلى دينه الأول. وقد بقي إلى أيام "عمر" في أغلب الروايات والى خلافة عثمان في رواية. واشترك في حروب فارس، فقتل بها ب "عقبة الطين"، التي عرفت باسمه، فقيل لها عقبة الجارود، وذلك سنة احدى وعشرين في خلافة عمر، وقيل قتل بنهاوند مع النعمان بن مقرن. وقد رووا له شعراً. وكان ولده "المنذر بن الجارود" من رؤساء "عبد القيس" بالبصرة. وحفيده " الحكم بن المنذر" الذي مدحه "الأعشى الحرمازي" بشعر حسده الحجاج عليه.
الفصل الثمانون
المذاهب النصرانية
لقد أصيبت النصرانية بما أصيبت به أكثر الأديان من تشقق وتصدع وانفصام، فظهر فيها شيع وفرق، تخاصمت فيما بينها وتجادلت. وكان أكثر جدالها في موضوع طبيعة المسيح وعلاقة الأم بالابن، وفي موضوع النفس، وقدعقدت لذلك جملة مجامع كنسية للنظر في هذه الآراء والحكم على صحتها أو فسادها، وفي أمر اًصحابها، اجتمع فيها مندوبون من مختلف الأماكن وبينهم بعض ا الأساقفة العرب. غير انها لم تتمكن من القضاء على النزعات المختلفة، فظهرت فيها جملة مذاهب، حرمت المجامع أصحابها، وحكمت ببدعتهم وبخروجهم على التعاليم الصحيحة، وطلبت من بعضهم الرجوع إلى الدين الصحيح، غير ان منهم من أصر على رأيه، وتحزب له، وبشّر به، فوجد أنصاراً وأعواناً انتموا اليه وتسموّا به.

(1/3792)


والواقع انه لم يكن من السهل على الداخلين في النصرانية فهم قضية معقدة كهذه القضية، وهي قضية فلسفية جدلية أكثر منها عقيدة دينيه. ولذلك كان من الطبيعي وقوع الاختلاف فيها، و تشتت آراء النصرانية بالقياس اليها، خاصة وهي حديثة عهد، وأكثر الداخلين فيها هم ممن دخلوا حديثاً في هذا الدين، وليس لهم الإدراك العميق والخيال الواسع لفهم موضوع كهذا الموضوع. ثم إن النصرانية ديانة عالمية، لم توجه لأمة خاصة من الأمم، وقد جاءت ككل الأديان بأحكام لا بد وان يختلف الناس في فهمها، لاختلاف المدارك والثقافات، وهذا الاختلاف في الفهم، يؤدي إلى ظهور المذاهب والشيع،والى تناحر هذه المذاهب، وادعاء كل واحد منها انه وحده على الحق، وان ما دونه على الباطل والهرطقة و الكفر.
لقد فتح "بولس الرسول" وأتباع المسيح الآخرون ميداناً واسعاً من الجدل في موضوع المسيح: هل المسيح إنسان، أو هو ربّ، أو هو من خلق الرب ? و هل هو والربّ سواء، أو هو منفصل عن الربّ? هذه الأسئلة وأمثالها مما يتصل بطبيعة المسيح شغلت رجال الكنيسة، وكتّلتهم كتلاً: كل كتلة ترى أن رأيها في الطبيعة هو الرأي الصواب، وأنه هو الدين الحق القويم، وأن ما دونه ضلال وباطل. فظهرت المذاهب: شرقية وغربية، وانقسمت الكنيسة على نفسها، فظهرت من الكنيسة الواحدة كنائس. ولا تزال تنشق، ويزيد عددها وتظهر أسماء جديدة لمذاهب لم تكن معروفة في النصرانية القديمة.

(1/3793)


لقد كان الناصريون الأولون، وهي التسمية القديمة التي عرف بها النصارى، في فوضى فكرية. فلم تكن تعاليم المسيح مفهومة عندهم ولا مهضومة، وكانت تفاسير تلاميذه غير منسقة ولا مركزة تركيزاً يكفي لتوجيه الناصريين وجهة معينة واحدة. ثم إن تعقب اليهود والرومان للنصارى وتنكيلهم بهم، وخوف الناصري على حياته وعلى ماله إذا تظاهر بدينه: كل هذه كان لها أثر خطير في المجتمع النصراني الأول. ولولا جلد بعض التلاميذ وتفانيهم في الدعوة، وتركيزهم لتعاليمها وتبويبها وصقلها، لما كان للنصرانية ذكر باق حتى الان.
وليس في استطاعة أحد الزعمُ بأن هذه النصرانية التي تركّزت وتثبتت على هذه الصورة التي نشهدها،هي النصرانية التي جاء بها المسيح وكان عليها الناصريون، أي أقدم أتباع عيسى. فالنصرانية هي سلسلة تطورات وأفكار وآراء وضعها البارزون من الاباء، ثم إنها كأكثر الأديان تأثرت بمؤثرات عديدة لم يكن من الممكن على الداخلين فيها التخلص منها. فدخلت فيها وصارت جزءاً منها، مع أن بعضها مناهض ومناقض لمبادئ هذا الدين.
وتولد عن هذا الجدل ظهور "الآربوسية" أتباع "آريوس"، و"السبيلية" Sabellians وأتباع "الثالوث" Trinitarians ومذاهب أخرى نبعت من تلك البلبلة الفكرية التي أظهرها الاختلاف في طبيعة المسيح. ونظراً إلى ما أحدثته هذه الآراء اللاهوتية من انقسام وتفرق في صفوف النصارى، وما تركته من أثر خطير في الأحوال الداخلية للانبراطورية. عزم الانبراطور "قسطنطين" باني القسطنطنية على عقد مؤتمر للتوفيق بين هذه الآراء وتنسيقها، فعقد مجمع "نيقية" Nicaea حضره "آريوس" للدفاع عن نفسه وحضره جمع من الأساقفة المخالفين له لمحاكمته ولاثبات هرطقته وخروجه على الايمان الصحيح. وكانت النتيجة الوحيدة لهذا المؤتمر وضع بيان دقيق عن الثالوث، وآلحكم بفساد رأي آريوس وبخروجه على عقيدة النصرانية الصحيحة، ووضع تعريف للايمان الصحيح.

(1/3794)


وعقب هذا المجمع الذي انعقد في سنة "325" للميلاد وحدد معنى النصرانية وأصولها، عدة مجامع عقدت للنظر في أمثال هذه المشكلات الخطيرة التي جابهت الكنيسة، عقد بعضها في القسطنطنية فعرفت بها، وعقد بعض آخر في "أفسوس""431 م" وفي "خلقدونيا" Chalcedon "451 م"، ولكنها لم تستطع ان تعيد الوحدة إلى الكنيسة، فانقسمت إلى عدة كنائس، وحدث الانفصال الأكبر في سنة "1054 م" حيث تجزأت الكنيسة الكبرى للانبراطورية إلى كنيستين: كنيسة غربية استعملت اللغة اللاتينية لغة رسمية لها، وكنيسة أرثوذكسية هي الكنيسة الإغريقية الأصلية، وذلك بسبب خلافات بسيطة ليس لها أثر خطير في جوهر العقيدة. أما الشرق، أي آسية وافريقية، فقد سبق نصاراه نصارى الغرب في تحطيم وحدة الكنيسة، فظهرت عندهم الكنيسة النسطورية والكنيسة اليعقوبية، في زمان مبكر سبق انفصال الكنيسة اللانينية عن الإغريقية بزمان طويل.
وقد وصلت الينا أسماء من حضر بعض تلك المجامع الكنيسية، واشترك في جدالها ومناقشاتها ووقع على قراراتها ومحاضرها، وبينها أسماء أساقفة بشروا بين العرب، وأساقفة يظهر أنهم كانوا من أصل عربي بدليل أسمائهم العربية الخالصة أو المنقولة إلى اليونانية والسريانية. وقد عرف بعضهم بأساقفة الخيام، لمرافقتهم للاعراب ومعيشتهم بينهم في الخيام معيشة الأعراب.
ومن أساقفة الأعراب أسقف عرف باسم "بطرس"، وقد وقع على أعمال مجمع "أفسوس" بصفة كونه "أسقف محلة العرب"، والأسقف "تاوتيموس أسقف العرب" الذي وقع على أعمال مجمع انطاكية الذي انعقد عام 363 للميلاد.
وقد كان بين أساقفة القدس في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس للميلاد، أسقف من أصل عربي، اسمه الياس "494- 513م".

(1/3795)


فالأساقفة الذين كانوا يديرون أمور النصارى العرب ويبشرون بين القبائل الوثنية، أسهموا في الجدل الديني الذي قام أكثره على بحث موضوع طبيعة المسيح واشتركوا فيه، وبذلك نقلوا إلى العرب هذه الأبحاث اللاهوتية التي شغلت بال العالم المتمدن منذ القرن الأول للميلاد فما بعده، وكانت أهم مشكلات النصرانية يومئذ مشكلة شغلت بال المؤمنين، ثم بال الحكومة البيزنطية بعد تنصرها وبال أتباعها المؤمنين، وشغلت العالم الغربي حتى بعد عصر النهضة، مشكلة أطاحت برؤوس الالاف من الناس باسم الكفر والايمان، البدعة والحق. وكان في جملة ما أسهم فيه رؤساء أديرة اقليم العربية وضع رسالة مضمونها دستور الايمان، كتبها أولئك الرؤساء، ووجهوها الى يعقوب البرادعي، ردّوا فيها على رأي يحيى النحوي في تثليث الجوهر الفرد، وذلك بين السنتين 570و 578للميلاد. وقد وقعها 137 رئيساً ل 137 ديراً في اقليم العربية الممتد من شرقي بلاد الشام إلى الفرات.
ومن المذاهب النصرانية التي تدخل في حدود موضوعنا: المذهب النسطوري والمذهب اليعقوبي، وهما من المذاهب الشرقية، أي من المذاهب النصرانية التي ظهرت وانتشرت في الشرق، ووجدت لها مجالاً وانتشاراً في العراق وفي بلاد الشام ومصر والحبشة وجزيرة العرب.
أما المذهب النسطوري، فينسب ان البطريق "نسطوريوس" "نسطور" Nestorius من "جرمانيقية" Germanicia، و هي "مرعش" المتوفى سنة "450 م"، وله رأي ومقالة في طبيعة المسيح، فجعل للمسيح طبيعتين "اقنومين": أقنوم الإنسان يسوع، وأقنوم الله الكلمة، وذكر ان مريم هي بشر ولدت بشراً هو المسيح الذي هو إلَه من ناحيهَ الأب الإلَه فقط.

(1/3796)


وتستند تعاليم نسطور وآراؤه إلى الجدل الذيَ أثاره من تقدمه من الأباء في موضوع طبيعة المسيح، والانشقاق الذي حدث نتيجة لهذا الجدل. وأكثر من أثر فيه وكو ن له رأياً في المسيح هو "ديودورس" Diodorus أسقف "طرسوس"Tarsus و "ثيودور المصيصي" "393 - 28 4 م" تلميذ "ديودورس".
وفي انطاكية وقف "نسطور" على آراء هذين العالمين، وكان قد ترهب وسكن هذه المدينة في عام "428 م" وتحمس لها وّبشر بها بين الناس، فأثار غضب رجال الكنيسة المعارضين لتلك الآراء، فصاروا ينددون به. وبما يقوله ويبشر به، وعدٌوه ملحداَ خارجا على تعاليم الكنيسة الصحيحة وعلى مبادىء الدين القويم.
ولنشاط "نسطور" في بث هذه الأفكار وعدم تراجعه عنها، طلب اليه المثول أمام مجلس اجتمع فيه كبار رجال الدين لمحاكمته عرف ب "مجمع أفسوس" انعقد في عيد العنصرة من عام "431 م"،وبعد محاكمات ومناظرات قرر المجتمعون الحكم بهرطقة هذه الآراء وبمخالفتها للمبادىء العامة التي تدين بها الكنيسة، وبذلك كان الحكم على نسطور وأتباعه بالضلال والإلحاد وبعزله من أسقفية القسطنطنية حكماً رسمياً. ومعنى ذلك مقاومة القائلين بهذه الآراء واضطهادهم والتضييق عليهم في حكومة لها كنيسة خاصة ترى أنها على الحق وأن ما دونها على عمى وضلال.

(1/3797)


و كانت "الرها" Edessa أهم مركز ثقافي للنساطرة، ومن أهم معاقل الأدب السرياني. أمَّها كثير من طلبة العلم السريان للتثقف بها، ولا سيما في عهد الأسَقف "ايباس" Ibas "436-457 م" الذي انتخب أسقفاً لهذه المدينة بعد وفاة أسقفها "ر بولا" Rabbula في عام "436 م". ثم نالت "نصيبين" Nisibis مكانة كبيرة في النسطورية، خاصة بعد وفاة ايباس، وانتخاب "نونوس" Nounus أسقفاً للمدينة، وكان هذا متأثراً بالآراء البيزنطبة كارهاً للنسطورية، لذلك رأى النساطرة الانتقال عن "الرها" إلى أماكن أخرى لا أثر لنفوذ هذا الأسقف عليها، فكانت "نصيبن" الموقع المختار من بين هذه الأماكن، ونالت الحظوة عند رجالهم، واحتلت مكانة "الرها" في العلم.
ولكن الأسقف "نونوس" كان أسقفاً واحداً من عدد عديد من رجال الدين الرسميين الذين يمثلون كنيسة الروم، الكنيسة التي حكمت حكماً رسمياً بهرطقة "نسطور"، لذلك كان على النسطورية مواجهة الاضطهاد والمقاومة في أي مكان من الأماكن الخاضعة للروم، أو التابعة لكنيستهم، وللكنائس المعارضة لآراء نسطور. لذلك فكر النساطرة في حمل آرائهم ومعتقداتهم إلى بلد أملوا ان يتمتعوا فيه بحربتهم في ممارسة شعائرهم الدينية، لمعارضته للانبراطورية البيزنطية وتشجيعه كل حركة مناوئة لها، ثم لأن له حكومة ذات دين آخر بعيد عن النصرانية، فهي اذن لا تتدخل في أمور المذاهب النصرانية إلا إذا كانت مشايعة للروم، وليست النسطورية من هذه المذاهب.

(1/3798)


وقد أظهر "الشاهنشاه" ملك الملوك، استعداده لحماية،النساطرة ومنحهم الحرية الدينية وحرية التبشير بمذهبهم بين رعاياه، كما أظهر رغبته في الاستفادة من علمهم ودرايتهم، فاختارهم للاعمال التي لم يكن فيها متخصصون من أتباعه، وسمح لهم بالتدريس وبتهذيب الناس وبتعليمهم الفلسفة اليونانية، ولا سيما فلسفة أرسطو والطب،وغدت "سلوقية" Seleucia على نهر دجلة قبالة العاصمة "طيسفون" مركزاً ثقافياً خطيراً ينافس "الرها" و "نصيبين"، وصار هذا المركر من أهم معاقل النسطورية والتبشير في العراق وفي سائر اًنحاء انبراطورية الفرس.
ومن هؤلاء النساطرة تعلم عرب بلاد العراق وعلى رأسهم أهل الحيرة النسطورية، ومن أهل الحيرة انتقلت إلى جزيرة العرب. ولما كانت السريانية هي اللغة الرسمية لهذه الكنيسة، صارت هذه اللغة بهذه الصفة لغة نصارى العرب، بها يرتلون صلواتهم في الكنيسة وبها يكتبون، وإن كانت بعيدة عنهم غير مفهومة لدى الأكثرية منهم. لقد كانت على كل حال لغة رجال الدين. وجلهّم من رجال العلم في ذلك الزمن. فهي عندهم لغة للدين وللعلم، كما كانت اللاتينية لغة للدين والعلم عند الرومان، والإغريقية لغة للدين والعلم عند اليونان، والعربية عند المسلمين.
وأنا حين أقول ان النسطورية كانت قد وجدت لها سبيلاً إلى أهل الحيرة، فدخلت بينهم، فأنا لا أقصد بقولي هذا ان أهل الحيرةَ كانوا جميعاً على هذا المذهب، أو انهم كانوا كلهم نصارى. فقد كان جلّ أهل الحيرة على دين أكثر ملوكهم، أي على الوثنية، اًما الذين اعتنقوا النصرانية، فهم العباديون، وبينهم قوم كانوا على مذهب القائلين بالطبيعة الواحدة، أي مذهب اليعاقبة، وبينهم من كان على مذهب آخر.

(1/3799)


وقد تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وايران، فدخلت إلى "قطر" والى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى. وورد في أسماء من حضر المجامع النسطورية اسم اسقف يدعى "اسحاق" اشترك في مجمع النساطرة الذي عقد سنة 576م، كما ذكر اسم أسقف آخر يدعى "قوسي" اشترك في مجمع سنة 676 م. وقد كانا أسقفين على "هجر". كذلك وردت أسماء أساقفة من النساطرة تولّوا رعاية شؤون أبناء طائفتهم في جزيرة "دارين" وفي جزيرة "سماهيج" وفي مواضع أخرى من الخليح، تولى بعضهم أعماله قبيل الإسلام وعند ظهوره، وتولى بعضهم رعاية شؤون أتباعه في أوائل عهد الإسلام.
ومن الحيرة انتقلت النسطوربة إلى اليمامة فالأفلاج فوادي الدواسر إلى نجران واليمن، وصلت اليها بالتبشير وبواسطة القوافل التجاربة، فقد كانت بين اليمن والحيرة علاقات تجارية وثيقة، وكانت القوافل التجارية تسلك جملة طرق في تنمية هذه العلاقات وتوثيقها. وقد قوي هذا المذهب ولا شك بعد دخول الفرس إلى اليمن، لما عرف من موقف رجاله من كنيسة الروم، ولما كان لأصحابه من نفوذ في بلاط "الشاهنشاه" ومن صداقته لهم.
وتعزو التواريخ النسطورية انتشار النصرانية في نجران إلى رجل اسمه "حسّان " أو "حنّان" أو "حيّان" " ذكرت أنه ذهب في أيام "يزدجرد" "399 - 420 م" إلى القسطنطنية للاتجار. فلما أنجز ما ذهب اليه، عاد الى وطنه سالكاً اليه طربق "الحيرة"، وهناك اتصل بنصاراها، ودخل في النصرانية ألتي استهوته. فلما بلغ نجران مدينته، نشط فيها بنشر الدعوة بين الناس حتى دخل فيها كثير منها ومن بقية حمير.

(1/3800)


وقد ور د ان البطريق "تيموثيوس" Timotheos الأول "780 - 823 م" كان قد نصّب أسقفأ نسطوريأ على اليمن. وقد سعى الفرس لنشر مذهب النساطرة بين أهل نجران، كما سعوأ في تقوية الصلات بين الحيرة ونجران. واذا علمنا ان الفرس أنفسهم لم يكونوا على دين المسيح، عرفنا الأهداف السياسية البعيدة التي كانوا يبتغونها من هذا التقارب ومن نشر المذهب النسطوري في اليمن.
وقد بقيت النسطورية قائمة في اليمن في ايام الإسلام، ففي الأخبار الكنسية ان رئيس البطارقة النساطرة "طيموثاوس"، نصّب في أواخر القرن الثامن للميلاد أسقفاً لنجران وصنعاء، اممه " مار بطرس". وان أساقفة من النساطرة كانوا في مواضع متعددة من اليمن وفي عدن، وذلك في القرن الثالث عشر للميلاد.
أما اليعاقبة، فقد انتشر مذهبهم بين عرب بلاد الشام والبادية، وقد اصطدم هذا المذهب بالكنيسة الرسمية للبيزنطيين، واعتبرته من المذاهب المنشقة الباطلة، لذلك حاربته الحكومة، وقاومت رجاله. كما عارضه النساطرة، لاختلافه معهم في القول بطبيعة المسيح، وفي أمور أخرى، وهذا ما حمل النساطرة على الحكم بهرطقة اليعاقبة، كما حمل هذا الاختلاف اليعاقبة على الحكم بهرطقة النساطرة، حتى صار اختلاف الرأي هذا سببأ في وقوع معارك كلامية وجدل طويل عربض بين رجال المذهبين.

(1/3801)


واليعاقبة Jacobite church، و يدعون ب "المنوفسيتيين" Monophystte=Monophysite أيضاً، أى القائلين بالطبيعة الواحدة، لقولهم إن للمسيح طبيعة واحدة وأقنوماً واحداً، فقيل لهم من أجل ذلك "أصحاب الطبيعة ألواحدة"، هم مذهب من مذاهب الكنيسة الشرقية، نسبوا إلى "يعقوب البرادعي" Jacabus Baradaeus ويسمى ب "جيمس" James أيضاً، المولود في حوالى سنة "500" للميلاد في مدينة "الأجمة" Tela=Tella من أعمال "نصيبين" في شرقي "الرها" Edessa والمتوفى سنة 578للميلاد. ولد في أسرة كهنوتية، وتتلمذ ل "ساويرس" الذي صار رئيساً على بطريركية أنطا كية في عام 514 للميلاد. ثم اضطر إلى مغادرة انطاكية الى مصر لاختلافه مع رجال الدين في هذه المدينة في طبيعة المسيح، إذ كان يقول بوجود طبيعة واحدة فيه، ومنه أخذ يعقوب رأيه هذا في المسيح.
وذهب "يعقوب" في حوالى سنة 528للميلاد إلى القسطنطنية، لحمل القيصرة "ثيودورة" Theodora علي التأثير في الكنيسة وحملها على الكف عن اضطهاد القائلين برأيه في طبيعة المسيح. وقد مكث في القسطنطنية خمسة عشر عاماً، وسعى سعياً حثيثاً في نشر مذهبه والتبشير به، وهذا ما أوقعه في نزاع مع بقية رجال الدين هناك لخروجه على تعاليم المجمع الخلقيدوني الذي عين التعاليم الثابتة في طبيعة المسيح.
وكان "يعقوب" أسقفاً على "الرها" Edessa في حوالى سنة "541م". وكان "الحارث بن جبلة" من المقدرين له، والمحبوبين عنده، لذلك كان ممن توسطوا لدى بلاط "القسطنطنية" للسماح له بالخروج منها، وللتوفيق بين آرائه وآراء الكنيسة البيزنطية، كما توسط "المنذر" لدى البيزنطيين للغرض نفسه.

(1/3802)


وكان من جملة تلاميذ "يعقوب" والمبشرين بتعاليمه "أحودمة" "أحودمى" الذي اغتيل بأمر كسرى أنو شروان في 2 آب من سنة575م. وكان من المبشرين النشيطين، ذهب الى بني تغلب وبشّر بينهم، وقد عرف هؤلاء عند السريانيين بالأعراب سكنة الخيام، وأقام بينهم كهانأَ ورهباناً، وبنى لهم ديراً عرف فى السريانية ب "عين قنا" أي "عين الوكر" وديراً آخر بتكريت سمي "دير جلتاني". وكانت في ايامه أسقفيتان على العرب: أسقفية عرفت بأسقفية العرب، وأسقفية التغلبيين أو "السن" وكرسيها ب "عاقولا" "عاقول". وعاقولا هي موضع الكوفة. أما كرسي أسقفية العرب، فكان في الحيرة.
كذلك كان من تلاميذه "جيورجيوس" "جرجيس" و "غريغور"، وقد تمكنا بنشاطهما وتبشيرهما من نشر هذا المذهب في بلاد الشام وبين الأقباط و ا لأرمن.
وقد بذل "شمعون الأرشامي" Shem'on of Beth Arsham و "مراثا" Muratha جهداً كبيراً في نشر هذا المذهب بين أهل العراق،وصارت "تكريت" القاعدة الكبرى للمذهب اليعقوبي في العراق. بقيت محافظة على هذا المركز في ا لاسلام.
وقد دخل أكثر الغساسنة في هذا المذهب، وتعصبوا له، وطالما توسطوا لدى الروم في سبيل حملهم على الكف عن اضطهادهم والتنكيل بهم. ظلوا مخلصين لهذا المذهب إلى ظهور الإسلام. وقد نعت بعض ملوكهم بنعوت تدل على تنصرهم وتدينهم، مثل: المحبين للمسيح والمؤمنين. وقد وردت في بعض المخطوطات اشارة إلى كاهن نعت ب "كاهن ذي العزة والمحب للمسيح البطريق المنذر بن الحارث"، كما أنعم القياصرة على بعض ملوك الغساسنة بألقاب لا تمنح في العادة إِلا لمن كان على دين النصرانية.

(1/3803)


وتذكر تواريخ اليعاقبة قصصاً عن بعض هؤلاء الملوك يشير إلى ذكائهم وتمسكهم في قواعد هذا المذهب وتعلقهم به، ودفاعهم عنه، وافحامهم بذكائهم وبعلمهم أيضاً لخصوم هذا المذهب من أصحاب المذاهب الأخرى ممن أرادوا اقناعهم بالخروج من المذهب اليعقوبي ونبذه، مع ميلهم إلى التوفيق بين المذاهب ومع الفرقة بين النصارى، كالذي ذكروه مع مناظرة وقعت بين البطريرك "البطريق" افرام "526 - 545م"، وهو من بطاركة الملكيين والحارث بن جبلة ملك الغساسنة وهو على اليعقوبية، وقد أفحم فيها الملك الحارث خصمه على ما يدعيه اليعاقبة بذكائه وبقوة بديهته وحجته، وكالذي رووه عن تعنيف المنذر بن الحأرث للبطريرك "دوميان" في أثناء زيارته للقسطنطنية، لتهجمه على اليعاقبة واثارته بهذا الهجوم الفرقة بين النصارى، وطلبه منه الاتفاق مع "فولا" بطريرك اليعاقبة على التآخي وتوحيد المساعي، وكالذي ذكروه عن هذا المنذر أيضاً من كتابته إلى القيصر "طيباريوس" للتدخل في حمل البطريرك والأساقفة على ايقاف حملاتهم على اليعاقبة، ولكي يسعى في اطلاق الحربة لجميع النصارى، وأن يصلي كل واحد منهم أينما شاء وحيثما شاء.
وكان لليعاقبة مشهد مقدس يحجون اليه للتبرك به والنذر له، هو مشهد القديس "سرجيوس" "سرجيس" في مدينة "سرجيوبوليس" Sergiopolis، و هي الرصافة. وكان عرب بلاد الشام اليعاقبة يتيمنون به، ويضعون صورته مع الصليب على راياتهم أملاٌ في الفوز في المعارك. والى هذا القديس أشار الشاعر الأخطل بقوله: لما رأونا والصليب طالعاً ومار سرجيس وموتاً ناقعا
وأبصروا راياتنا لوامعاً خلوّا لنا راذان والمزارعا

(1/3804)


مما يدل على أن شهرة هذا القديس ظلت بين النصارى حتى في أيام الإسلام. وطالما قصد الأعراب كنيسة هذا القديس لتعميد أبنائهم هناك. وقد كانوا يعقدرن العقود عند قبره،ويقسمون الايمان عنده، دلالة على التشديد فيها وصدقهم في الوفاء. وكان أمراء الغساسنة يبالغون في تعظيمه والاحتفاء به، ويقصدونه للتبرك به، على عكس نصارى الحيرة الذين امتهنوا القبر في حروبهم مع الغساسنة، واعتدوا على المدينة. وقد كان نصارى الحيرة على مذهب "نسطور" في الأغلب، كما كانوا من الوثنيين، ولذلك لم تكن لسرجيوس في نفوسهم منزلة ومكانة. وقد أشار المؤرخ "يوسبيوس القيصري" "أويسبيوس"، الى رأي كان عند بعض نصارى العرب، خالفوا به مذهب الكنيسة إذ قال: "ونحو هذا الوقت فام آخرون في بلاد العرب منادين بتعليم غريب عن الحق. إذ قالوا إن النفس البشرية في الوقت الحاضر تموت وتبيد مع الجسد. ولكنهما يتجددان معاً يوم وقت القيامة". وليس في هذا الكلام كما نرى، أية اشارة إلى أولئك النصارى العرب، ولا إلى مواضع سكنهم. وكل ما يفهم منه ان خلافهم وقع في زمن قريب من زمنه، وانه كان في موضوع الروح.
وقد جودل القائلون بهذا الرأي، ونوقشوا في مجمع انعقد سنة "246 م"، عرف ب "مجمع العربية" Council of Arabia.
وقد كان ل "بولس السميساطي" Paul of Samosata، رأي في المسيح، حتى قيل انه رأى نفسه في منزلة المسيح، وقد حكمت الكنيسة عليه بالهرطقة، وحرمته، وأعلنت خلعه عن أسقفية "أنطاكية"، وكان من المقربين إلى الملكة "الزباّء"، لهذا لم تنفذ ما جاء في حكم الكنيسة عليه.
وذكر أهل الأخبار أن من بين فرق النصرانية، أو الفرق التي هي بين بين: بين النصرانية والصابئة دين يقال له "الركوسية"، وذكروا أن الرسول قال لحاتم الطائي: إنك من أهل دين يقال لهم الركوسية. ولكني أشك في صحة هذا الحديث، إذ كانت وفاة حاتم قبل مبعث الرسول، ولم يثبت أنه التقى به.

(1/3805)


وهناك شيع عقائدها مزيج من اليهودية والنصرانية. وجدت سبيلها في جزيرة العرب، مثل "الابيونيين" Ebionites و "الناصربين" Zazarenes و "ا لكسا ئيين" Elkesaites.
أما "الأبيونيون" Ebionites، فجماعة من قدماء اليهود المتنصرين عرفوا بهذه التسمية العبرانية الأصل التي تعني "الفقراء"، لا يعرف عن كيفية ظهورهم ونشوء عقيدتهم على وجه صحيح أكيد، وكل ما يمكن أن يقال عن معتقداتها إنها مزيج من اليهودية والنصرانية، وإنها نصرانية بنيت على أسس ودعائم يهودية، فهي نصرانية يهودية في وقت واحد.
وقد ذهب بعض قدماء المؤرخين إلى انهم انما دعوا بهذه التسمية نسبة إلى مؤسس هذا المذهب المسمى "ابيون" Ebion. غير ان من الصعب اثبات صحة هذا الرأي. وهم يعتقدون بوجود الله الواحد خالق الكون، وينكرون رأي "بولس" الرسول في المسيح، ويحافظون على حرمة يوم السبت Sabbath وحرمة يوم الرب. وقد ذهب بعض قدماء من تحدث عنهم إلى انهم فرقتان بالقياس إلى مولد الابن المسيح من الأم العذراء. ويُعتقد أكثرهم ان المسيح بشر مثلنا، امتاز على غيره بالنبوة، وبأنه رسول الله، أرسله إلى الناس أجمعين. فهو رسوله ولسانه الناطق برسالته للعالمين. وهو نبي كبقية من سبقه من الأنبياء المرسلين. وقد آمن بعض منهم بعقيدة "العذراء" وولادتها للمسيح من غير اتصال ببشر، غير ان بعضاً آخر منهم، آمن بان المسيح ابن مريم من "يوسف" فهو بشر تمامأَ، وأنكر الصلب المعروف، وذهب إلى ان من صلب، كان غير المسيح، وقد شبه على من صلبه، فظن انه المسيج حقاً. ورجعوا إلى انجيل متى بالعبرانية "The Gospel of Mathew " وأنكروا رسالة "باولس" Paul على النحو المعروف عند بقية النصارى.

(1/3806)


وأما "الناصريين" "Nazarenes"، فهم فرقة معارفنا عن أصلها وعن كيفية ظهورها قليلة كذلك. وأكثر ما نعرفه عنها مستمد مما كتبه عنها "أفيفانيوس" "Epiphanius" و "جيروم" "Jerome". وقد أدخلهم "أفيفانيوس" في جملة "الهراطقة" "Heratics"، وذكر انهم كانوا يقرأون النسخة العبرانية لانجيل متى، The Gospel of Mathew وانهم ظهروا في غور الأردن.
وقدا اعترفوا بألوهية المسيح "ابن الله"، قائلين انه ولد من العذراء مريم، واعترفوا برسالة القديس "بولس" كما حافظوا على ناموس موسى "Mosaic Law " "شريعة موسى"، وهم يرون ان ميلاد المسيح شيء خارق للعادة، وانه "المولود الأول من الروح القدس"، وان تعاليمه، هي متممة للرسالات السابقة ومكملة لها. وقد راعوا حرمة السبت، وما يختص بالأكل وبالختان.
وأما "الكسائيون" "Elkesaites"، ففرقة يظهر أنها ظهرت في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني للميلاد في وادي الأردن، ومعناها اللغوي "القوى الخفية"، في لغة بني إرم، و "المتخفون"، أو المتسترون تحت الكساء في لغتنا. وقد نبعت من اليهودية. وهي تنسب إلى رجل اسمه "Elkesai " "الكسائي" صاحب كتاب نسب اليه، ويحافظ الكسائيون على الختان وعلى حرمة السبت وعلى سائر أحكام الشريعة الموسوية، وينسب اليه أنه كان يرى تحريم أكل اللحوم. والظاهر ان ذلك من وضع المستخفين بتعاليمه. وإنما كان يحرم أكل ذبائح الوثنيين وما أهلَّ للاوثان. وقد حتم على"أتباعه التوجه إلى بيت المقدس في صلواتهم، ومنع التوجه إلى الشرق. وهو يعتقد بوجود إلَه واحد، وباليوم الاخر،وبملائكته. ويرى أن الشياطين هي النجوم الكائنة في المناطق الشمالية من السماء.

(1/3807)


ومن أهم تعاليم "الكسائيين" الإغتسال،أو ما يقال له "التعميد" "Babtism " وذلك بالاغتسال في النهر أو في البئر لغسل الأدران من الأجسام وتطهيرها. ويسمي المغتسلُ "باسم الله العلي العظيم" "بسم الله الرحمن الرحيم"، ويستعمل الغسل في الشفاء من الافات كذلك، مثل عض الكلب المكلوب أو الحيوانات المؤذية واخراج الأرواح الشريرة من الجسم. ولذلك يمكن تسمية هذه الفرقة بالمغتسلة، لجعلها الغسل من أهم أركان الدين.
وللخبز والملح اهمية خاصه لدى أصحاب هذا المذهب، فهما بمثابة العهد عندهم.
وهم في ذلك على شاكلة يهود، حيث يتمثل العهد "Convenant" عندهم بالملح والخبز. ويقسمون بهما الايمان. وللايمان عندهم قدسية كييرة، فلا يجوز لأي إنسان كان أن يحنث بيمينه، وأن يخالف ما أقسم عليه، وإلا كان عقابه عند الله عظمياً.
والعرب من الذين يقيمون للقسم بالخبز والملح وزناً عظيماً عندهم. فكانوا يحلفون بهما كما يحلفون بالله وبأصنامهم. ولا يجوز الحلف كذباً بهما. ولا زال الناس يقسمون بالخبز والملح قسمهم بالمقدسات.
وقريب من مذهب "الكسائيين" في الاغتسال ما يذهب اليه الصابئون فيه. فللغسل لتطهير الجسم من الآثام الظاهرة والباطنة ومن الأرواح الشريرة مقام كبيرعند الصابئة، ولهذا نراهم يختارون السكنى عند الآبار والأنهار.
ووجدت فرقة عرفت ب "الفطائريين" "Collyridiens " بالغ أصحابها في عبادة مريم وفي تأليهها، وكانوا يقدمون لها نوعاً من القرابين أخصها أقراص العجين والفطائر، لذلك عرفوا بالفطائريين. وقد ذكرهم "أفيفانيوس" في كتاب الهرطقات.
وعلى عكس هؤلاء كان من دعوا ب " Antidicomariantes"، وهم الذين أنكروا على مريم دوامها في التبتل، فسموا لذلك بالمعادين لمريم.

(1/3808)


وذكر أن فرعاً من الأريوسية، أي من أتباع "أريوس"، كان معروفاً بين العرب أطلق عليهم القديس "ايلاريوس" اسم "أقاقيين" نسبة إلى "أقاقيوس". كانوا يقولون إن المسيح ليس هو ابن الله، لأن من قال ذلك جعل لله زوجة.
وقد تحدث أهل الأخبار عن قوم قالوا لهم "الأريريسيون". ذكروا أنهم "فلاحو السواد الذ ين لا كتاب لهم. وقيل الاريسيون: قوم من المجوس، لا يعبدون النار، ويزعمون أنهم على دين ابراهيم... وقيل إنهم أتباع عبدالله ابن أريس رجل كان فيِ الزمان الأول قتلوا نبياً بعثه اللّه اليهم"، " وقال بعضهم في رهط هرقل فرقة تعرف بالأروسية.
الفصل الحادي والثمانون

وكان لنصارى العرب تنظيمهم الخاص بدور العبادة وبالتعليم والإرشاد، وهو تنظيم أخذ من تنظيم الكنيسة العام، ومن التقاليد التي سار عليها آباء الكنيسة منذ أوائل ايام النصرانية حتى صارت قوانين عامة. فللكنيسة درجات ورتب،وللمشرفين عليها منازل وسلالم، وقد اقتبست هذه التنظيمات من الأوضاع السياسية والاجتماعية التي عاشت فيها النصرانية منذ يوم ولادتها، والتي وضعها رؤساؤها لنشر الديانة ولتنظيم شؤون الرعية، حتى صارت الكنيسة وكأنها حكومة من الحكومات الزمنية، لها رئيس أعلى، وتحته جماعة من الموظفين، لها ملابس خاصة تتناسب مع درجاتهم ومنازلهم في مراتب الحكومة، ولهم معابد وبيوت وأوقاف وسيطرة على أتباعهم، جاوزت أحياناً سيطرة الحكومات.
ومن الألفاظ التي لها علاقة بالدرجات والرتب الدينية عند النصارى لفظة"البطرك" و "البطريق". وقد وردت لفظة "البطريق" في شعر ينسب إلى "أمية بن أبي الصلت".

(1/3809)


التنظيم الديني
وقد ذهب علماء اللغة إلى ان "البطرك"، هو مقدم النصارى، وهو في معنى "البطريق" أيضاً. وقالوا أيضاً إن البطريق مقدم جيش الروم. و "البطرك" من أصل يوناني هو؛Patriakhis، "بثريارخيس"، ومعناه "أبو الآباء"، وذلك لأنه الأب الأول والأعلى للرعية، فهو أب الاباء ورئيس رجال الدين. اما لفظة البطريق، فإنها من أصل لاتيني، هو Patrikios، وهو يعني وظيفة حكومية وتعني درجة "قائد" في المملكة البيزنطية. فلا علاقة لها اذن بالتنظيم الديني للنصرانية.
وبين البطريق "البطرك" والأسقف منزلة يقال لشاغلها "المطران"، وقد عرف بأنه دون البطرك وفوق الأسقف. وقد وسمه "القلقشندي"، بأنه القاضي الذي يفصل الخصومات بين النصارى. واللفظة من الألفاظ المعربة عن اليونانية، أخذت من "متروبوليتيسى"، Mtropolitis، أي مختص بالعاصمة، أو المدينة. وقد ذكر علماء اللغة ان لفظة "المطران"، ليست بعربية محضة. والأسقف من الألفاظ التي تدل على منزلة دينية عند النصارى، وقد وردت في كتب الحديث. وقد ذكر بعض علماء اللغة انه انما سمي أسقف النصارى أسقفاً لأنه يتخاشع. واللفظة من الألفاظ المعربة المأخوذة عن اليونانية،فهي "ابسكبوس" " Episkopos، في الإغريقية، وقد نقلت منها إلى السريانية، ثم نقلت منها إلى العربية. وقد وردت في كتب التواريخ والسير، حيث ورد في شروط الصلح الني عقدما الرسول مع أهل في ان، شرط هو: "لا يغير أسقف عن أسقفيته ولا راهب عن رهبانيته.

(1/3810)


والقس من الألفاظ الشائعة ببن النصارى، ولا تزال مستعملة حتى الآن. ويقال لها "قسيس" في الوقت الحاضر أيضاً. وهي من أصل آرامي هو، Gachicho، ومعناه، كاهن وشيخ ا. وقد جمعها "أمية بن أبي الصلت" على "قساقسة". وذكر بعض علماء اللغة أن القس والقسيس العالم العابد من رؤوس النصارى" وأن " أصل القس تتبع الشيء وطلبه بالليل. يقال تقسست أصواتهم بالليل، أي تتبعتها. وقد وردت لفظة "قسيسين" في القرآن الكريم: )ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى. ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون(. ويدل ذلك على أن موقف النصارى تجاه الإسلام كان أكثر مودة من موقف يهود. وقد نسب ذلك إلى القسيسين والرهبان.
وترد لفظة "شماس" في جملة الألفاظ التي لها معان دينية عند نصارى الجاهلية. وهي من الألفاظ الحية التي لا تزال تستعمل في هذا اليوم أيضاً. وتعد من الألفاظ المعربة عن السريانية. وهي "5 Chamacho، في الأصل، وتعني خادم،. ومنها البيعة. فهي اذن ليست من الوظائف الدينية الكبيرة، وإنما هي من المراتب الثانوية في الكنيسةْ. وقد ذكر بعض العلماء بأن الشماس يحلق وسط رأسه ويجعل شعره من جوانب رأسه على شكل دائرة، وهو الذي يكون مسؤولاً عن الكنيسة، ويكون مساعداً للقسيس في أداء واجباته الدينية، وفي تقديس القداس أيام الاحاد والأعياد. يعمل كل ذلك للتعبد، وليس لأخذ المال والتكسب.

(1/3811)


وورد في كتاب رسول الله إلى سادة نجران: "لا يغير أسقف.عن سقيفاه، ولا راهب عن رهبانيته، ولا واقف عن وقفانيته". و يظهر من هذا الكتاب ان للواقف منزلة من المنازل الدينية " التي كانت في مدينة نجران. والظاهر انها تعني الواقف على أمور ا لكنيسة، أي الأمور الادارية والمالية والمشرف على أوقافها وأملاكها. فهو في الواقع.مسؤول اداري، اختصاصه الاشراف على الامور المتعلقة بامور الكنيسة واموالها اذ لا يعقل ان يكون الواقف بمعنى خادم البيعة الذي يقوم بالخدمة بمعنى التنظيف والاعمال البسيطة الاخرى اذ لا يعقل النص على مثل هذه الدرجة في كتاب صلح الرسول مع سادة نجران وقد ذكر بعض علماء اللغة الواقف خادم البيعة لأنه وقف نفسه على خدمتها ولا يعني هذا هذا التفسير بالضرورة الخدمة على النحو المفهوم من الخدمة في الاصطلاح المتعارف.
فقد كان الملوك.والسادات يلقبون أنفسهم ب "خادم الكنيسة" و "خادم ألمعبد"، أي بالمعنى المجازي. ولا يكون خادما صارفاَ وقته كله في تنظيف الكنيسة وفي القيام بالأعمال التي يقوم بها لخادم الاعتيادي.
وهناك لفظة أخرى لها علاقة بالكنيسة وبالبيعة وبالنواحي الادارية منها، هي لفظة "الوافه" و "الواقه". وقد عرفوا صاحبها ب "قيم البيعة التي بها صليب النصارى، وفي هذا المعنى ايضا لفظة "الواهف" حيث قالوا: "الواهف سادن البيعة التي فيها صليبهم و وقيمها كالوافه وعملهم الوهافة"،والوهفية والهُفيّة. والظاهر انها كلها في الأصل شيء واحد، وانما اختاف علماء اللغة في ضبط الكلمة، فوقع من ثم هذا الاختلاف بينهم الوظيفة إذن هي بمنزلة الخازن القيم على شؤون الصليب، يحفظه من السرقة، ويضعه في خزانة أمينة"، فإذا حانت أوقات العبادة وضعه في موضعه. فالصليب ثمين،فيه ذهب في الغالب، لذلك يكون هدفاً للسراق.

(1/3812)


ويلاحظ أن علماء الحديث والتأريخ والسير، ليسوا على اتفاق فيما بينهم في تدوين نص كتاب الصلح الذي أعطاه الرسول لأهل نجران، إذ تراهم يختلفون في ضبط نصه: وفي جملة ما اختلفوا فيه جملة: "ولا واقه من وقاهيته"، فقد كتبوها بصور شتى كما رأيت، كما كتبوا. النص بأشكال متباينة، مما يدل على أن الرواة قد اعتمدوا على نسخ متعددة للكتاب، وعلى أن أهل نجران كانوا قد نسخوا منه نسخاً، تحرفت نصوصها بالاستنساخ، لعدم تمكن الناسخ من ضبط العبارات ضبطا صحيحاً. فلما دون العلماء صورة النص تباينوا في تدوينه، وأوجدوا لهم تفاسير للفظة "واقف" و "وافه" و "واقه"، وهي لفظة واحدة في الأصل، قرأها النساخ ثلاث قراءات.، فظهرت وكأنها ألفاظ مختلفة. وحاروا في تعليل المعنى، فقال بعضهم الوافه: قيم البيعة بلغة أهل الجزيرة، وقال بعض آخر بلغة أهل الحيرة، وقال بعض: كلها في معنى واحد. وهناك مصطلحات دينة أخرى استعملها النصارى للدلالة على درجات رجال دينهم، مثل "بابا"،وهي كلمة "رومية" وهو أعلى مرجع في نظر النصارى "الكاثوليك"، و "والجاثليق"، وهو رئيس أساقفة بلد ما، والأعلى مقاماً بينهم، وقد أطلقت اللفظة على رئيس نصارى بغداد في العهد العباسي وهي من أصل يوناني هو "كاثوليكوس"،، Katholikos ومعناه عامْ. والساعي من الألفاظ التي تتناول المنازل والدرجات عند النصارى، وتشمل اليهود أيضاً. ويقصد بها الرئيس المتولي لشؤون اليهود أو النصارى، فلا يصدرون رأياً إلا بعد استشارته، ولا يقضون أمراً دونه. وقد ورد في حديث حذيفة في الأمانة:".إن كان يهودياً أو نصرانياً ليردنه على ساعيه".
ولفظة "بابا" وما بعدها، هي من الألفاظ التي شاع استعمالها في العربية في الإسلام، وليس لدينا ما يفيد استعمالها بين الجاهليين.
وذكر علماء اللغة أن من الألفاظ المعروفة بين النصارى لفظة "العسطوس"، و يراد بها القائم بأمور الدين، وهو رئيس النصارى.

(1/3813)


أما "الراهب"، فهو المتبتل المنقطع إلى العبادة. وعمله هو الرهبانية. وقد ذكر بعض علماء، اللغة ان الرهبانية غلوٌ في تحمّل التعبد من فرط الرهبنة. وقد ذكرت الرهبانية في القرآن الكريم، وذكرت في الحديث. وقد نهى عنها الإسلام: ) لا رهبانية في الإسلام (. وقد ندد القران الكريم في كثير من الأحبار والرهبان، فورد: )إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل(. ويظهر من ذلك ان جماعة منهم كانت تتصرف بأموال الناس التي تقدم إلى الأديرة و البيع، فيعيشون منها عيشة مترفة، لا تتفق مع ما ينادون به من التقشف والزهد والعبادة. كما ان منهم من عاش عيشة رفيهة وبطر، فتكبر عن الناس وترفّع، حتى جعلوا أتباعهم يحيطونهم بهالة من التقديس والتعظيم، إلى درجة صيرتهم أرباباً على هذه الأرض. فتقربوا اليهم وقدّسوهم قدسية لا تليق إلا للخالق. ) اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون اللّه ْ(. ذلك انهم كانوا يحلّون لهم ما حرم اللّه فيستحلونه ويحرّمون ما أحل الله لهم فيحرمونه. أما انهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه واذا حرموا عليهم شيئاً أحله الله لهم حرموه، فذلك كانت ربوبيتهم. وكانوا يطيعونهم طاعة عمياء، ويأخذون عنهم،ويقدسونهم، ويقبلون أيديهم ولا يعصون أمراً لهم. وذكر ان "عدي بن حاتم" الطائي، قال لرسول الله لما سمعه يقرأ: )اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله(، " يا رسول الله ! إنّا لسنا نعبدهم. فقال: أ ليسو يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله، فتحلونه قال: قلت بلى. قال فتلك عبادتهم". ويظهر من روايات أهل الأخبار، أن من الرهبان من بالغ في الترهب وفي الزهد، فخصى نفسه ووضع السلاسل في عنقه أو في يديه أو رجليه ليحبس نفسه، وامتنع عن المأكل والأطايب، مكتفياً بقليل من الماء وبشيء من الخز الخشن، وأن منهم من امتنع عن الكلام وصام معظم أوقاته، وابتعد

(1/3814)


عن الناس متخذا من الكهوف والجبال والمواضع النائية الخالبة أماكن للتأمل واتعبد. وذلك كما يظهر من نهي الرسول عن الرهبنة و الرهابنة، وحمل الإسلام عليها. لأنها تبعد الناس عما أحل اللّه وقد عوض الإسلام عنها بالجهاد في سبيل الله.
ومن عادات الرهبان وتقاليدهم التي وقف عليها أهل الجاهلية، الامتناع عن أكل اللحوم والودك، أبداً أو أمداً، وحبس النفس في الأديرة والصوامع، والكهوف، والاقتصاد على أكل الصعب من الطعام والخشن من الملبس، ولبس السواد والمسوح. وهي عادة انتقلت الى الأحناف أيضاً والى الزهّاد من الجاهليين الذين نظروا نظرة زهد وتقشف إلى هذه الحياة. كما كانوا لا يهتمون بشعورهم فكانوا يطلقونها ولا يعتنون بها ولذلك كانت شعورهم شعثاً. وعبّر عن الراهب بالأشعث، لأنه كان يطلق شعر رأسه ولا يحلقه ولا يعتني به.
ومن الرهبان من ساح في الأرض، فطاف بلاد العرب وأماكن أخرى،وهام على وجهه في البوادي وبين القبائل، لا يهمه ما سيلاقيه من أخطار ومكاره، ومنهم من ابتنى له بناءً في الفيافي وفي الأماكن النائية، واحتفر الآبار وحرث البقول، وعاش عيشة جماعية، حيث يعاون بعضهم بعضاً في تمشية أمور الدير الذي يعيشون فيه. ومنهم من عاش في قلل الجبال، بعيداً عن المارة والناس.
قال الشاعر: لو عاينت رهبان دير في القلل لانحدر الرهبان يمشي وينزل
وقد وقف بعض أهل الجاهلية على أخبار هؤلاء الرهبان وعرفوا بعض الشيء عنهم، وبهم تأثر بعض الحنفاء على ما يظهر فأخذوا عنهم عادة التحنث والتعبد والانزواء والانطواء في الكهوف والمغاور والأماكن النائية البعيدة للتنسك والتعبد مبتعدين بذلك عن الناس منصرفين إلى التأمل والتفهم في خلق هذا الكون دون أن يدخلوا النصرانية.

(1/3815)


وقد نهى الرسول بعض الصحابة مثل "عثمان بن مظعون"،وهو من النصارى في الأصل من تقليد الرهبان في الاخصاء وفي الاقناع عن الزواج ومن التشدد في أمور أحلها الله للناس. ويظهر أن هذا التشدد إنما جاء به وإلى أمثاله من وقوفهم على حياة الرهبان وعلى رأيهم وفلسفتهم بالنسبة لهذه الحياة. وفي حق هؤلاء نزلت الآية: ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين(. وذكر أن الرسول لما سمع بابتعاد "عثمان" من أهله، دعاه، فنهاه عن ذلك. ثم قال: "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم ألا اني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني. فنزلة الآية: )يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا(. يقول لعثمان لا تجب نفسك،فإن هذا هو الاعتداء. وورد في الحديث: "لا صرورة في الإسلام"، والصرورة التبتل وترك النكاح، أي ليس ينبغي لأحد أن يقول لا أتزوج، لأن هذا ليس من أخلاق المسلمين، بل هو من فعل الرهبان. وهو معروف في كلام العرب. ومنه قول النابغة: لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبد
يعني الراهب الذي ترك النساء.
وقد أشير إلى الرهبان في شعر امرىء القيس، اذ أشار فيه إلى منارة الراهب الذيّ يمسي بها يتبتل فيها إلى الله، وعنده مصباح يستنير بنوره. كما أشار فيه اليه وهو في صومعته يتلو الزبور ونجم الصبح ما طلعا، دلالة على تهجده وتعبده في وقت لا يكون الناس فيه نياماً. كما أشير الهم في شعر شعراء جاهليين اخرين مثل "النابغة الذبياني"، الذي أشار إلى ركوع الراهب يدعو ربه فيه ويتوسل اليه. كما أشار إلى موقف الراهب من رؤية امرأة جمِيلة، وكيف سيرنو اليها حتى وان كان راهباً اشمط. وقد أشار إلى "ثوبي راهب الدير" والى الحلف بثوبيه.

(1/3816)


وورد في الشعر ما يفيد بانقطاع الرهبان في الأماكن الصعبة القصيّة مثل قلل الجبال وذراها، حيث لا يأتيهم الناس، فيعيشون في خلوة وانقطاع عن البشر. ومن الأماكن التي اشتهرت بوجود الرهبان فيها أرض مدين. ووادي القرى ومنازل تنوخ وصوران وزبدْ.
وقد سبح الرهبان ورجال الدبن، اللَه، في الكنائس وفي الاديرة بألحان عذبة جميلة، ورتلوا الزبور والأسفار المقدسة الأخرى. وقد عرف الجاهليون ذلك عنهم، وأشاروا الى ذلك في شعرهم، وربما كان بعضهم يحضر تلك التراقي ويستأنس بها على الرغم من وثنيته وعدم اعتقاده بالنصرانية.
ويقال للراهب الزاهد، الذي ربط نفسه عن الدنيا الربيط. وقيل له: الحبيس. وذكر أن الربيط، هو المتقشف الحكيم وأن الحبيس هو اللذي حبس نفسه في سبيل الله، فقبعوا في الأديرة وابتعدوا عن الناس. فصاروا كالحبساء.
ويقال للراهب: المقدسي. والمقدس الراهب. وصبيان النصارى يتبركون به،ويتمسحون بملابسه تبركاً. كما قيل له: المتعبد، و الأعابد ونسب الى امرئ القيس هذا البيت: فأدركنه يأخذن بالساق والنسا كما شبرق الولدان ثوب المقدسي
ويروى المقدس، وهو الراهب ينزل من صومعته الى بيت المقدس، فيمزق الصبيان ثيابه تبركا به.
وأما "النهامي"، فهو صاحب الدير، أو الراهب في الدير.

(1/3817)


ومن الألفاظ التي شاعت بين النصارى ووصل خبرها إلى الجاهليين، لفظة: "الأبيل"، وقد اتخذوهها للدلالة على رئيس النصارى. وذكر بعض أهل الأخبار انها تعني أيضاً "المسيح"، وقد كانوا يعظمون الأبيل فيحلفون به كما يحلفون بالله. وهي من الألفاظ المعربة عن السريانية "كابيلو" Abilo، و معناها في السريانية الزاهد والناسك والراهب. وكانوا يتخذون عادة رؤساءهم من الرهبان المتبتلينْ. وقد وردت لفظة "الأبياط" في الشعر الجاهلي، في شعر: الأععشى وفي شعر عدي بن زيد. وورد "أبيل الأبيلين"، وأريد بذلك المسيح. وذكر ان "إلابيل" هو صاحب الناقوس، والراهب أيضا. وان "الأببلي"، هو صاحب الناقوس. و "ا الأيبل"، العصا التي يدق بها الناقوس. قال الأعشى: وما أيبلي على هيكل بناه وصلب فيه وصارا
يراوح من صلوات المليك طوراً سجوداً وطوراً جؤارا
يعني بالجؤار الصياح. إما بالدعاء وإما بالقراءة.
والساعور من أسماء المسيح وهو من أصل "سوعورو" Soouro، بمعنى زائر. وتطلق اللفظة على من يزور القرى ويطلع على أحوالها وذلك بأمر من الأسقف. وذكر علماء اللغة أن اللفظة من الألفاظ المعربة عن السريانية،وأن الأصل "ساعورا"، ومعناه متفقد المرضى، وتطلق اللفظة على مقدم النصارى في معرفة علم الطب.
و يقال لخادم البيعة: الجلاذي. وذكر أن "الجلذي" الراهب والصانع والخادم في الكنيسة. قال ابن مقبل صوت النواقيس فيه ما يفرطه أيدي الجلاذيّ جون ما يغضبناْ

(1/3818)


و "الكنيس" و "الكنيسة" موضع عبادة اليهود والنصارى، فهما في مقابل "المسجد والجامع" عند المسلمين. والكلمة من الألفاظ المعربة عن الآرامية، وتعني لفظة، Knouchto "كنشتو" "كنشت" في السريانية، اجتماع، ومجمع وأطلقت بصورة خاصة على كنيس اليهود. ولهذا نجد العرب يطلقونها على معبد اليهود كذلك. ويقال في العبرانية للكنيس "كنيستا"،بمعنى محل الصلاة. ونجد الكتب العربية تفرق بين موضع عبادة اليهود وموضع عبادة النصارى، فتطلق الكنيس" على موضع عبادة اليهود و"ا!كنيسة" على موضع عبادة النصارى. وقد ذهب بعض علماء اللغة، إلى أن الكنيسة، هي متعبد اليهود، وأما "البيعة"،، فهي متعبد النصارى. وقد عرف علماء اللغة العرب، أنها من الألفاظ المعربة فقالوا:وهي معربة،أصلها كنست.
وقد زوّق النصارى كنائسهم، وجملوها، وزينِّوها بالصور وبالتماثيل ووضعوا الصلبان على أبوابها وفي داخلها. ووضعوا بها المصابيح لإنارتها في الليل وكانوا يسرجون فيها السرج، وجعلوا بها النواقيس، لتقرع، فترشد المؤمن بأوقات الصلوات، ولتشير اليهم بوجود مناسبات دينية، كوفاة، أو ميلاد مولود، أو عرس وأمثال ذلك. ومن اللكنائس التي اكتسبت حرمة كبيرة عند النصارى العرب: كنيسة القيامة، وكنيسة نجران، وكنيسة الرصافة. وقد أشير في شعر للنابغة إلى "صليب على الزوراء منصوب"، أي على كنيسة.
والتمثال الشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق اللّه، أي من انسان أو حيوان أو جماد. وأدخل العلماء الصور في التماثيل. وقد كانت الكنائس مزينهْ بالتماثيل والصور، نمثل حوادث الكتاب المقدس وحياة المسيح. ونظراً إلى محاربة الإسلام للاصنام، والى كل ما يعيد إلى ذاكرة الإنسان عبادة الأصنام والصهور، وا النهي عنها في الإسلام. جاء في الحديث: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون".

(1/3819)


وقد كان الروم يمدون الكنائس والمبشرين بالمال وبالفعلة وبالمساعدات المادية لبناء الكنائس والأديرة. والكنائس والأديرة وإن كانت بيوت تقوى وعبادة كانت بيوت سياسة ودعوة وتوجبه. ونشر النصرانية مهما كان مذهبها ولونها مفيد للروم، فالنصراني مهما كان مذهبه لا بد ان يميل إلى اخوانه في العقيدة والدين، فقي انتشار النصرانية فائدة من هذه الناحية كبيرة للبيزنطيين.
وفي العربية لفظة أخرى للكنيسة، الا أنها لفظة خصصت بكنيسة معينة،و الكنيسة التي بناها أبرهة بمدينة صنعاء، واللفظة هي: "القُلّيس". وللاخباريين اراء في معناها وفي أصلها، بنيت على طريقتهم الخاصة في ايجاد التفاسير للكلمات القديمة من عربية ومن معربة، التي لا يعرفون من أمرها شيئاً. وهي لذلك لا تفيدنا شيئاً. والكلمة أعجمية الأصل، عربت، وشاع استعمالها، حتى ظن انها اسم تلك الكنيسة. أخذت هذه اللفظة من أصل يوناني هو "أكليسيا" "Ekklesia، ومعناه في اليونانية المجمع، أي الكنيسة. والظاهر أن أهل صنعاء سمعوا اللفظة من الحبش. حينما كانوا يذهبون إلى الكنيسة، فصيروها اسم علم على هذه الكنيسة ولم يدروا أنها تعني الكنيسة، أي موضع عبادة. والصوامع والبيع هما من الألفاظ الي استعملها الجاهليون للدلالة. على مواضع العبادة عند النصارى. وقد ذهب العلماء إلى أن البيعة من الألفاظ المعربة أخذت من السريانية. وأصل اللفظة في السريانية، هو "بعتو" بمعنى بيعة، وقبة، لأنها كانت قبة في كثير من الكنائس القديمة. وقد استعملت في الحبشية كذلك ولذلك ذهب بعضهم إلى أنها من الحبشية. وقال علماء اللغة العرب: الصومعة كل بناء متصمع الرأس،، أي متلاصقه، والأصمع اللاصقة اذنه برأسه. وقد أشير إلى "البيع" في القران: )ولولا دفع الله الناس، بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع (. وقد ذهب بعض علماء اللغة، إلى أن البيعة متعبد اليهود. ولكن اغلبهم على انها متعبد النصارى.

(1/3820)


وقد وردت لفظة "بيعة".في نص "أبرهة" الشهير الذي دوّنه على سد مأرب. ففي هذا النص جملة: "وقدس.البيعة"، أي "وقدس البيعة". وذكر ان لفظة "البيعة" قد وردت في شعر ينسب إلى ورقهّ بن نوفل، حيث زعم انه قال: أقول إذا صليت في كل بيعة تباركت قد أكثرتَ باسمك داعياً
كما ذكر انها وردت في كلام أناس من الجاهليين والمخضرمين. وقد أشير إلى ورودها في الشعر الجاهلي وفي بعض الأخبار المنسوبة إلى الجاهليين. وردت في شعر منسوب إلى "عبد المسيح بن بقيلة"، و هو كما يظهر من اسمه من النصارى. ووردت في بيت منسوب إلى لقيط. بن معبد، وفي شعر يحسب إلى الزبرقان بن بدر التميمي. ولا بد،ان تكون هذه الكلمة من الكلمات المألوفة عند الجاهليين المتنصرين، وعند غيرهم ممن كانوا على الوثنية، غير انهم كانوا على اتصال بالنصارى، ذلك لأنها من الألفاظ الشائعة المعروفة عند النصارى وقد كانت البيع منتشرة في المدن وفي القرى والبوادي، وطالما قصدها الأعراب للاحتماء بها من الحر والبرد وللاستعانة برجالها لتزويدهم بما عندهم من ماء أو زاد أو للتنزه بها واحتساء الشراب.

(1/3821)


والصومعة من أصل حبشي هو"صومعت"على رأي بعض المستشرقين وقد خصصت ب "قلاية" الراهبْ. أي مسكن الرهبان. وبهذا المعنى وردت في القران. ويقول علماء اللغة، أنها على وزن فوعلة، أي صومعة، لأنهي دقيقة الرأس. وهي صومعة النصارى. وذكر بعض منهم أن الصومعة كل بناء متصمع الرأس، أي متلاصقة. وقد سميت صومعة لتلطيف أعلاها. ويدل ورود هذه اللفظة بصورة الجمع في القرآن الكريم، على وقوف الجاهليين على الصوامع ووجودها بينهم. وقد كان الرهبان قد ابتنوا الصوامع وأقاموا بها للعبادة بعيدين في مختلف انحاء جزيرة العرب، ومنها الحجاز. وقد وقف الجاهليون عليها، ودخلوا فيها. أما تجارهم ممن قصد بلاد الشام والعراق، فقد رأوا في طريقهم إلى تلك الأرضين، وفي تلك الارضين بالذات، حيث انتشرت فيها النصرانية صوامع كثيرة. وتجد في كتب الأخبار أمثلة عديدة تشير إلى دخول تجار مكة الصوامع في بلاد الشام وفي وادي القرى، للحصول على ملجأ أو عون. والقلاّية، وهي كالصومعة، يتعبد فيها الرهبان، وهي من الألفاظ المعربة، عربت من أصل يوناني هو "Kelliyon "ومعناه غرفة راهب أو ناسك. ومن هذا الأصل انتقلت اللفظة إلى السريانية فصارت "قلّيتا"، فانتشرت بين نصارى بلاد الشام بصورة خاصة ثم بقية النصارى، منها دخلت العربية. وقد عرف علماء العربية انها من الألفاظ المعربة، فقالوا: هي تعريب كلاذة، وهي من بيوت عباداتهم، أي عبادات النصارى. وقد وردت في الحديث، كما ورد ذكرها في صلح عمر مع نصارى الشام، حيث كتبوا له كتاباً: إنّا لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا قلية. والظاهر ان النصارى توسعوا في المعنى، فأطلقوها على المنازل التي يسكنها الرهبان، ثم توسعوا فيها فأطلقوها على دور المطارنة والبطارقة، وأصلها بمعنى الأكواخ.

(1/3822)


ولفظة "الدير" هي من الألفاظ النصرانية الشهيرة المعروفة بين العرب. وهي أكثر اشتهاراً من الألفاظ الأخرى التي لها علاقة بمواضع العبادة أو السكن عند النصارى، وذلك لانتشارها ووجودها في مواضع كثيرة من العراق وبلاد الشام وجزيرة العرب. ولمرور ااتجار وأصحاب القوافل والمارة بها، واضطرارهم إلى الاستعانة بأصحابها وباللجوء اليها في بعض الأحيان. كما كانت محلاً ممتازاً للشعراء ولأصحاب الذوق والكيف،حيث كانوا يجدون فيها لذة ومتعة تسر العبن والقلب، من خضرة ومن ماء بارد عذب ومن خمر يبعث فيهم الطرب والخيال، ولذلك أكثر الشعراء في الجاهلية والاسلام من ذكر الأديرة في شعرهم. حتى الشعراء النصارى مثل "عدي بن زيد العبادي"، يترنم في شعره بذكر الدير، لأنه نادم فيه "بني علقما"، وعاطاهم الخمر ممزوجة بماء السماء.
ولفطة "الدير" هي مثل أكثر الألفاظ النصرانية من الألفاظ المعربة. عربت من أصل سرياني، هو "دير" Dayr ""، بمعنى دار، أي بيت الراهب. ومسكنه، ولا سيما المحصن، ثم خصوا بها مسكن الرهبان. وقد عرف علماء العربية أن الدير هو مسكن النصارى، يتعبد فيه الرهبان ويسكنون به، وقد ذكر "ياقوت الحموي" أن الدير بيت يتعبد فيه الرهبان، ولا يكاد يكون في المصر الأعظم، وإنما يكون في الصحاري ورؤوس الجبال، فإن كان في المصر الأعظم فإنه كنيسة أو بيعة غير أن الأديرة تكون في كل مكان، تكون في القرى وتكون في المدن كما تكون في البوادي وفي رؤوس الجبالْ.
و "الديراني"، صاحب الدير، وقد ذكر بعض العلماء أن الديراني صاحب الدير الذي يسكنه ويعمره. نسب على غير قياس. ويقال للرجل اذا رأس أصحابه هو رأس الدير.

(1/3823)


ولا تقتصر الأديرة على الرجال، فللراهبات أديرة أيضاً. ويقضي أصحاب الأديرة وقتهم في الزهد والتقشف والعبادة. والقيام بالأعمال اليدوية التي يوكلها رئيس الدير اليهم. وقد عرف الراهب المعتكف بالدير ب "الديراني" و"الديرانية"، هي الراهبة. وقد عرفت أديرة الراهبات ب "أديرة ألعذارى" كذلك.
واذ كان لهذه الأديرة حرمة في نفوسهم، فقد كانوا يعقدون فيها عقودهم ويحلفون بها على نحو ما كان يفعله الوثنيون في.معابدهم حيث كانوا يقسمون الايمان ويتعاقدون أمام الأوثان، فكان للنصارى في الحرة دير السوا، وفي هذا الدير كانوا يتناصفون ويحلفون بعضهم لبعض على الحقوق.
وفي الارامية لفظة هي "عمرو" Oumro، و قد صارت "العمر" في العربية. ويراد بها البيعة والكنيسة والدير ودار. وقد وردت في شعر "المتلمس"، حيث جاء: أ لك السد يرُ وبارق ومبايض ولك الخورنق
والعمر ذو الأحساء واللذات من صاع وديسق
وعرفت العربية لفظة "الكرح"،. و "الأكيراح"،وقد عرفها علماء العربية بقولهم: "الأكيراح: بيوت ومواضع تخرج اليها النصارى في بعض أعيادهم". واللفظة من أصل سرياني هو "كرحو" "Kourho "، بمعنى كوخ، ومسكن حبيس، وبيت ناسك وراهبْ. وذكر ياقوت الحموي: ان " الأكيراح بيوت صغار تسكنها الرهبان الذين لا قلالي لهم". هناك دير اسمه "الأكيراح"،ورد في شعر لأبي نؤاس، ويقع بظاهر الكوفة كثير البساتين والرياحين، وبالقرب منه ديران، يقال لأحدهما دير عبد، وللآخر دير هند.

(1/3824)


والمحراب من الألفاظ التي استعملها النصارى في أمور دينهم كذلك،إذ أطلقوها على صدر كنائسهم. وقد استعملت في الإسلام أيضاً،حيث يشير إلى القبلة، ويؤم الإمام فيه المصلّين. وقد ذكر بعض علماء اللغة، ان محاريب بني اسرائيل مساجدهم التي كانوا يصلون فيها. وقد وردت لفظة المحراب في أشعار بعض الجاهليين. كما وردت في القرآن الكريم، وفي الشعر الجاهلي. وذكر علماء التفسير أن المحراب كل موضع مرتفع. وقيل الذي يصلي فيه: محراب، وذكروا أن المحاريب دون القصور، وأشرف بيوت الدار. قال عدي ابن زيد العبادي: كدمى العاج في المحاريب أو كالبيض في الروض زهره مستنير
وذكر علماء العربية لفظة "التامور" "التأمور"، في جملة الألفاظ المتعلقة بالرهبان والرهبنة. وقد عرفها بعضهم بأنها صومعة الراهب وناموسه.
وذكر أن "القوس"، بمعنى الدير والصومعة أو موضع الراهب. أو معبد الراهب. وذكر أن أصل الكلمة من الفارسية.
وذكر أن "الغربال"، هو مكان أيضاً من أمكنة الرهبان، وأنه كهيئة الصومعة في هندسة بنائه وارتفاعه. وأنه كل بناء مرتفع. ويظهر أنها من الألفاظ المعربة.
والاسطوانة، وهي السارية من الألفاظ النصرانية التي وقف عليها الجاهليون. وقد اتخذها العرب بمعنى العمود الذي كان يتعبد فوقه بعض الرهبان المعروفين بالعموديين Stylites. وقد أشير إلى "اسطوان" في شعر نسبوه إلى "ذي الجدن". وفسرت لفظة "الاسطوان"، و "الاسطوانة"، بأنها موضع الراهب المرتفع.
و "المنهمة" مسكن النّهام،والنهامي،هو الراهب. وأما المنهمة فموضع الراهب.
ووردت في شعر للأعشى لفظة "الهيكل". إذ قال: وما أيبلى على هيكل بناه وصلب فيه وصارا

(1/3825)


ويذكر علماء اللغة، ان الهيكل: بيت النصارى فيه صورة مريم وعيسى، وربما سميّ به.ديرهم. وان الهيكل:العظيم واستعمل للبناء العظيم، ولكل كبير، ومنه سمي بيت النصارى الهيكل. واللفظة من الألفاظ المعربة، وهي ترد في العبرانية "هيكل" وفي الآرامية "هيكلو". وتعني في اللغتين المعبد الكبير ومعبد الوثنيين.
وقد كان الرهبان وبقبة رجال الدين وكذلك الأديرة والكنائس يستعملون المصابيح. والقناديل للاستضاءة بهما. ويعبر عن المصباح بالسراج كذلكْ. وقد تركت مصابيحهم وقناديلهم أثراً ملحوظاً في مخيلة الشعراء فأشير اليها في شعر "مزرد بن ضرار الذبياني" حيث قيل انه قال: كأن شعاع الشمس في حجراتها مصابيح رهبان زهتها القنادل
وذكر علماء اللغة ان الزيت الذي له دخان صالح ويوقد في الكنائس،، هو "1لسليط".
ولفظة: قنديل من الألفاظ ألمعربة، أصلها يوناني هو Candela. وقد دخلت إلى العربية قبل الإسلام، عن طريق الاتصال التجاري بين جزيرة العرب ببلاد الشام.
وكان النصارى العرب يتقربون إلى رجال دينهم ويتبركون بهم ويحترمونهم حتى قيل إن الصبيان منهم كانوا إذا رأوا الراهب ينزل ليذهب إلى بيت المقدس أو غيره خرجوا له فتمسحوا به ولثموا ثيابه، حتى يمزقوا ثيابه. والى ذلك أشير كما يقول أهل الأخبار في شعر امرىء القيس: فأدركنه يأخذن بالساق والنسا كما شبرق الولدان ثوب المقدس
ولبس رجال.الدين ملابس خاصة لتميزهم عن غيرهم، غلب عليها السواد. وقد اختصت لفظة "المسح" و "المسوح" بالملابس التي كان بلبسها الزهّاد و الرهبان.

(1/3826)


ومن أهم العلامات الفارقة التي ميزت معابد النصارى عن معابد اليهود والوثنيين: "الناقوس"، الذي ينصب فوق سطوح الكنائس وفي منائرها، للاعلان عن أوقات العبادات ولأداء الفروض الدينية، وهو عند الجاهليين خشبة طويلة يقرع عليها بخشبة أخرى قصيرة يطلقون عليها لفظة "الوبيلة" و "الوبيل". وهو في مقابل البوق عند يهود يثرب، أذا أرادوا الاعلان عن موعد العبادة. وقد عرف هذا البوق بين عرب يثرب ب "القنع" أيضاً، وب "الشبور". وقد ذكر علماء اللغة ان الشبور "شيء يتعاطاه النصارى بعضهم لبعض كالقربان يتقربون به. وقال بعضهم: هو القربان بعينه " وذكروا ان الشبور شيء ينفح فيه، فهو البوق عند اليهود، وهو معرّب وأصله عبراني.
وقد وردت كلمة "الناقوس" في الشعر الجاهلي. وردت في بيت للشاعر المتلمسْ، وفي شعر للمرقش الأكبر، وللاعشى، وللاسود بن يعفر. وقد أشير في هذه الأبيات إلى قرع النواقيس بعد الهدوء إيذاناً بدنو الفجر وحلول وقت الصلاة.
وقد كانت هذه النواقيس في القرى وفي الأديرة، يقرعها الرهبان والراهبات و القسيسون. وقد أدخل بعض علماء اللغة هذه الكلمة في جملة الألفاظ المعربة التي دخلت العربية من أصول أعجميةْ. واللفظة من أصل "سرياني" هو "ناقوشا"،
اعياد النصارى
وقد ذكر أهل الأخبار أسماء أعياد نصرانية ترجع أصول تسميتها في الأكثر إلى لغة بني إرم، و يظهر أن أولئك الأخباريين تعرفوا عليها في الإسلام باختلاطهم وباتصالهم بالنصارى، إذ لم يشيروا إلى ورود أكثرها في الشعر الجاهلي، ومن عادتهم أنهم إذا عرفوا شيئاً كان معروفاً عند الجاهليين جاءوا ببيت أو أبيات يستشهدون بها على ورودها عند الجاهليين.
ومن الأعياد التي ورد فيها شاهد في الشعر الجاهلي، "السباسب"، وهو "يوم السعانين" و "الشعانين". وقد وردت كلمة السباسب في بيت للنابغة قاله في عيد السعانين عند بني غساّن، هو: رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب

(1/3827)


و."السعانين" و "الشعانين" من أصل عبراني "هو شعنا". وقد وردت هذه الكلمة في صحيفة صلح "عمر" مع نصارى الشام، وردت معها لفظة أخرى من الألفاظ النصرانية كذلك هي "الباعوث"، و هي رتبة تقام في اليوم الثاني من عيدَ الفصح، وصلاة لثاني عيد الفصح في بعض الطوائف. وقد ذكرها علماء اللغة في جملة الألفاظ المعربة، والإرمية الأصل، وجعلها بعضهم "الباعوث". وذكروا انها "استسقاء النصارى"، وان "عمر" لما صالح نصارى الشام، كتبوا له ان لا نحدث كنيسة ولا قلية ولا نخرج سعانين ولا باعوثا.
و "خميس الفصح" من أعياد النصارى كذلك. وهو بعد السعانين بثلاثة أيام، وكانوا يتقربون فيه بالذهاب إلى الكنائس والبيع..
وقد أشير إلى عيد "الفصح" في بيت للاعشى يمدح فيه "هوذة بن علي" لتوسطه لدىَ الفرس بالافراج عن مئة أسير من أسرى بني تميم هم الفرس بقتلهم، وذلك لمناسبة يوم الفصح. وقد كان نصارى الجاهلية يحتفلون به، فيوقدون المشاعل، ويعمرون القناديل، و يضيئون الكنائس بالمسارج ويقصدونها للاحتفال بها، حتى قيل للقنديل الذي يعمر لهذا اليوم "قنديل الفصح".
وقيل لاجتماع النصارى واحتفالهم "الهنزمن"، و ذكر أن هذه اللفظة من أصل فارسي هو "هنجمن" أو "أنجمن"، ومنها دخلت إلى السريانية فأطلقت على اجتماع النصارى واحتفالهم وتعييدهم.
وقد أشار امرؤ القيس في بعض شعره إلى عيد النصارى، ولبس الرهبان فيه ملابس طويلة ذات أذيال.
وكانت الكنائس والأديرة والأضرحة والمقابر الأماكن التي يقصدها النصارى في أعيادهم. فتكون موضع تجمع ولقاء. كانوا يقصدونها للتقرب إلى الرب وللصلوات له. وللتوسل اليه بان يمن عليهم ويبارك فيهم. وكانوا يقصدون المقابر اظهاراً لشعورهم بأن موتاهم وان فارقوهم وليتعبدوا عنهم، غير انهم لا زالوا في قلوبهم. وأيام الأعياد من أعز الأيام على الإنسان،. لذلك فهي أجدر الأيام بأن تخصص لزيارة بيوت الأرباب وبيوت الموتى: القبور.
الفصل الثاني والثمانون

(1/3828)


اثر النصرانية في الجاهليين
وإذا لَنا قد حُرمنا من الموارد الأصلية الني يجب أن نستعين بها في معرفة أثر النصرانية عند نصارى الجاهلية والجاهليين، فإن في الشعر المنسوب إلى بعض نصارى الجاهلية مثل عدي بن زيد العبادي والى بعض الشعراء ممن كان لهم اتصال بالنصارى مثل الأعشى، فائدة في تكوين صورة يتوقف صفاؤها ووضوحها وقربها أو بعدها من الواقع والحق على مقدار قرب ذلك الشاعر من الصدق والصواب والواقع والافتعال.

(1/3829)


وعدي بن زيد هو أشهر من وصل الينا خبره من شعراء النصارى الجاهليين. هو من العباديين، أي من نصارى الحيرة، ونلك عرف بالعبادي وكان من أسرة اكتسبت نفوذاً واسعاً ونالت حظاً كبيراً عند الفرس وعند ملوك الحرة، فكان لها أثر خطير في سياسة عرب العراق في ذلك الزمن. ولما كانت السياسة ارتفاعاً وهبوطاً، سعادة وشقاء، لاقى عدي منها الاثنين: ارتفع حتى بلغ أعلى المنازل، ثم انخفض حتى تلقاه قابض الأرواح وهو في سجنه فقضى عليه بعد أن ترك أثراً خطيراً في سياسة الحيرة وفي تقرير مصير الملك فيها. وعدي، على ما يذكر أهل الأخبار، من أهل اليمامة في الأصل: هاجر أحد أجداده من اليمامة إلى الحيرة بسبب دم اهرقه هناك، فخاف على نفسه من الثأر، ولم يجد محلاٌ أصلح له وآمن مقاماً من الحيرة، لوجود".أوس بن قلام" أحد رؤساء بني الحارث بن الكعب فيها وهو من اصخاب الجاه والنفوذ وبينه وبين اوس نسب من النساء، وهو نسب يضمن له الحماية والعيش بسلام، فجاء إلى الحيرة وأقام بها حيث أكرمه أوس وقربه إلى آل لخم، واكتسب منزلة عالية عند ملوك الحيرة، انتقلت من بعده إلى أبنائه الذين كوّنوا لهم صلات وثيقة مع آل لخم ومع ملوك الفرس، بما كان لهم من علم وذكاء ومن سياسة. ويذكر الأخباريون أن جدّ عدي قد تعلم الكتابة في الحيرة، فصار من أكتب الناس فيها، وأنه لذلك انتخب كاتباً لملك الحيرة، واتصل بحكم وظيفته المهمة هذه بدهاقين الفرس، وأنه لما توفي أوصى بابنه زيد والد عدي إلى واحد منهم يعرف ب "فروخ ماهان" فأخذه هذا إلى بيته، ورباه مع ولده. فتعلم عندهم الفارسية، وحذقها وكتب بها وبرز، وكان قد، حذق الكتابة بالعربية كذلك، فأوصله الدهقان الى كسرى، "لعلمه هذا باللغتين ولذكائه، فعينه في وظيفة مهمة لم يكن الفرس يعينون لها أحداً من غيرهم هي وظيفة البريد. وقد مكث في هذه الوظيفة زماناً جعلته يكتسب منزلة محترمة عند عرب الحيرة والفرس.

(1/3830)


وعني زيد بتربية ولده عدياً: أرسله إلى الكتاب ليتعلم به العربية. فلما برع فيها، أرسله الى كتاب الفارسيه حيث تعلم مع أبناء المرازبة فنون القول والكتابة، ثم تعلم الرماية ولعب الفرس حتى صار من المبرزين فيها. وقد قربه علمه وعقله من آل لخم ومن الفرس، حتى وصل الى مناصب عالية جعلت لقوله أهمية كبيرة حتى في "تثبيت ملك ملوك الحيرة.
وقد أرسله "هرمز بن أنو شروان" في سفارة مهمة إلى القيصر "طيباريوس" فأدّاها على خير وجه. وعاد فأقام أمداً بالشام، ووقف على ما كان فيها من علم،ومعالم. وقد زادت هذه الأسفار بالطبع في سعة أفقه وفي ثقافته. ثم عاد إلى الحيرة، فوجد والده قد توفيَ بعد ان صار المهيمن الحقيقي على البلاد. وزار كسرى ليقدم اليه هدايا قيصر. وارتفع نجمه في البلاطين. وتزوج هنداً بنت الملك النعمان. غير ان تقدمه هذا أوجد له خصومة شديدة من منافسيه "بني مرينا" وهم نصارى مثله ومن أهل الجاه والحسب، فأغرى خصمه ومنافسه العنيد "عدي بن مرينا" قلب النعمان عليه. وكان عدي بن زيد صاحب الفضل في حصول النعمان على التاج وظل ابن مرينا يعمل في الخفاء للقضاء على عدي حتى تمكن من ذلك، إذ سجنه النعمان، ثم أمر فاغتيل وهو في السجن.
و ذكر ان "كسرى" جعله كاتباً على ما يجتبى من الغور، وكان هو سبب ملك النعمان بن المنذر.
والذي يهمنا في هذا الموضع من أمر عدي هو مدى وقوف عدي على النصرانية ومبلغ تسربها في نفسه وفي نفوس أهل الحيرة. أما النواحي الأخرى من حياته، فليس لها محل في هذا المكان. وشعر عدي و اضرابه من العباد بين هو سندنا الوحيد الذي نستخرج منه رأينا في النصرانية عند عدي وعند اخوانه العباديين.

(1/3831)


والشعر المنسوب إلى عدي أقرب إلى نفوسنا وأسهل علينا فهماً من الشعر المنسوب إلى بقية الجاهليين، معانيه وألفاظه حضرية متحررة من الأساليب البدوية التي يميل إلى استعمال الجزل من الكلمات، وهو يخالف مذاهب أولئك الشعراء في كثير من الأمور. ولهذا " كانت الرواة لا تروي شعر أبيُ دؤاد ولا عدي بن زيد لمخالفتهما مذاهب الشعراء"، و "لأن ألفاظه ليست بنجدية". وقد ورد في شعره بعض المعربات مما يدل على أثر الفارسية والإرمية فيهْ. وكثير من شعره هو في الزهد، وفي التذمر من هذه الدنيا التي لا تدوم حالها على حال، وفي تذكير الأحياء بنهاية الأموات بالرغم مما أقاموه وشيّدوه من أبنية ضخمة وقصور شاهقة. وهذا الشعر يتناسب مع ما يذكره أهل الأخبار عن حياة هذا الشاعر،وتألق نجمه وبلوغه أعلى المراتب ثم سقوطه فجأة ودخوله السجن واغتياله فيه.
وفي شعره قصائد في القيان وفي الخمر تتحدث عن الحياة التي قضاها قائلها، وهي حياة لذيذة ولكنها لا تدوم بالطبع إلى الأبد، ولا بد لها ان تزول ثم تنتهي بما يوجب الأسف عليها والألم والتوجع من فنائها ومن ذهاب تلك الأيام.
أما صميم الديانة والآراء النصرانية الخاصة.، وهي ضالتنا في هذا الفصل وهدفنا الذي نقصده، فلا تجد منها في شعره الموثوق بصحته شيئاً كثيراً. ونحن لا نستطيع بالطبع ان نلوم عديّاً على ذلك، فعدي كما نعلم رجل شعر وسياسة،وليس برجل دين ولا كهانة فيتعمق في شعره بإيراد تواريخ الأنبياء والأوامر والنواهي الإلهية الواردة في التوراة والانجيل. ولم يذكر أحد من الاخباريين عنه انه كان كاهناً أو قسيساً فنأمل منه التطرق في شعره إلى موضوعات اللاهوت والكهنوت. فما نجده في شعره عن النصرانية هو من حاصل المناسبات والظروف، وليس من حاصل بحث متعمد قصد به البحث في الدين من أجل الدين.

(1/3832)


ولو كان عديّ قد تعرض للنصرانية عنده وبين قومه لأفادنا ولا شك كثيراً. وما زلنا في الواقع فقراء في ناحية علمنا بمبلغ فهم أهل الحيرة وغير أهل الحيرة من نصارى العرب في الجاهلية لأحكام النصرانية وقواعدها، ومقدار رسوخها في نفوس أولئك النصارى ولا سيما الأعراب منهم. ولكن عذره كما قلت بينَ واضح، وليس لنا أن نلومه. وما جاء به عن النصرانية في شعره على كل حال مفيد، أفادنا ولا شك. فلنكن قنوعين غير طامعين، مكتفين مما أورده عدي عنها في شعره، ولننظر إلى المستقبل، فهو أملنا الوحيد، فنجده يكشف عن مصادر كتابية مطمورة، يبعثها من قبورها المغمورة بالأتربة المتراكمة، وعندئذ تكون أمام المؤرخ ثروة تغنيه،يستطيع أن يظهرها العشاق للمولعين بمعرفة أحوال الماضين. وقد ورد في قصيدة قيل انه نظمها في معاتبة النعمان على حبسه بيت فيه قسم برب مكة والصليب: سعى الأعداء لا يألون شراً عليك ورب مكة والصليب

(1/3833)


وهذا البيت يدعو إلى التأمل والتفكير، فرجل نصراني يؤمن بعيسى وبالصليب،لا يمكن أن يقسم برب مكة. فمكة كما نعلم مجمع الأصنام والأوثان وكعبة الوثنية في الجاهلية، فكيف يقسم بربها رجل نصراني يرى الأوثان والوثنية رجساً من عمل الشيطان وكفراً. بل لو فرضنا اًنه أقسم بمكة وبرب مكة على سبيل مجاراة العرب الوثنين وتقرباً إلى الملك النعمان، فليس لدينا دليل مقنع يفيد أن وثنيي الحيرة كانوا يؤمنون برب مكة. ولم يذكر أحد من أهل الأخبار ان أصنام أولئك الوثنيين كانت بمكة، وأن أهل الحيرة كانوا يزورون مكة ويحجون الى "رب البيت" في جملة من كان يحج اليه من العرب. ولم يرد في روايات أهل الأخبار ان الملك "النعمان" كان وثنياً مؤمناً بقدسية مكة وأنه حج اليها حتى نذهب إلى الفرض بأن عدياً، إنما أقسم بمكة، مجاراة لهذا الملك، بل الوارد فيها أنه كان على دين النصرانية، وانه كان مؤمناً بهذا الدين، يزور الأديرة ويحضر الصلوات ورجل على هذا النحو من التدين لا يمكن بالطبع أن يحفل يقسم ببيت من بيوت الأصنام. ثم أن مصطلح "رب مكة"، هو مصطلح اسلامي، أخذ من عقيدة التوحيد في الإسلام، فقيل: "رب البيت" و "رب هذا البيت".
لقد اتخذ الأب "شيخو" هذا البيت دليلاً على انتشار النصرانية في مكة وعلى تنصر أحياء منها، وعلى ان النصرانية قديمة فيها، بل يكاد يفهم من قوله ان البيت هو في الأصل كنيسة بنيت بعد المسيح بعهد قليل: بناها النصارى الذين جاءوا إلى هذه المدينة وسكنوها، وان صور الأنبياء وصورة عيسى وأمه مريم التي ذكر الاخباريون انها كانت مرسومة على جدار الكعبة والتي أمر الرسول بطمسها ومحو معالمها هي دليل على أثر النصرانية في مكة، ولهذا كان النصارى لجاهليون يحجون اليها ويقدسونها، ولهذا السبب أقسم عدي بها، وأقسم الأعشى بها كذلك حيث قال: حلفت بثوبي راهب الدير والتي بناها قصيٌ والمضاض بن جرهم

(1/3834)


وذكر ان من شعر "عدي" هذا البيت: كلا يميناً بذات الودع لو حدثت فيكم وقابل قبر الماجد الزارا
وقد اختلف العلماء في مراده ب"ذات الودع"، فذهب بعض منهم إلى ان "ذات الودع" الأوثان، أو وثن بعينه، وقيل سفينة نوح، وكان يحلف بها، وكانت العرب تقسم بها، وتقول: بذات الودع. وقبل الكعبة، لأنه كان يعلق الودع في ستورها.
ولم يرد في شعر عدي شيء ما يتحدث عن عقيدة التثليث، أي الايمان بالثالوث. وكل ما ورد فيه هو الاشارة إلى عقيدة بوجود رب واحد هو "الله". وهو رب مستجيب مسبّح خلاق. وهذا الرأي اسلامي كما هو معلوم، وقريب من عقيدة الحنفاء.
ووردت في بيت شعر وجهه إلى النعمان كلمة "أبيل"، وأبيل اسم للمسيح، ويطلق على حبر النصارى أيضاً،ومعناها الناسك والزاهد. وهي من أصل سريانى، من فعل "ابل" بمعنى ناح وبكى على خطاياه،ولذلك قصد بها الناسك والراهب. وقد دعا الأعشى ضارب الناقوس: الأبيل.
ونسب لعدي هذا البيت: وأهبط الله إبليساً واوعده ناراً تلهب بالأسعار والشرر
ولم ترد كلمة "ابليس" في شعر منسوب لشاعر جاهلي آخر، إنما وردت كلمة "شيطان" في شعر منسوب إلى أميّة بن أبي الصلت.
ونسب إلى عدي هذا البيت: ناشدتنا بكتاب اللّه حرمتنا ولم تكن بكتاب الله تقتنع
ويظهر من دراسة الشعر المنسوب لعديّ أنه كان على مذهب القائلين بالقضاء والقدر. فكل كائن خاضع لحكم القدر، يفعل به ما يشاء، ليس في إمكانه ردّ شيء مقدر كائن عليه. وقد رسخت هذه العقيدة في نفس عدي ولا شك بعد أن زجّ به في السجن، وأصبح وحيداً لا يدري ما الذي سيصنع به. وهي عقيدة يسلم بها أكثر من يقع في مثل هذه الظروف، لأنها تفرج عن النفس، وتخفف بعض التخفيبف عما ينتاب المرء وهو في هذه الحالة من هموم وأحزان. والإيمان بالقدر وبأن الإنسان مسير مجبر،عقبدة لها صلة كبيرة بالظروف الاجتماعية وبالأحوال التي تحيط بالانسان، وهي لبست من الآراء الدينية الخالصة.

(1/3835)


ونسبت لعدي أبيات فيها حكايات من العهد العتيق، مثل هذه الأبيات وهي في مبدأ الخلق: اسمع حديثاً لكي يومهاً تجاوبه عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
أن كيف أبدى إ له الخلق نعمته فينا وعرفنا آياته الأولا
كانت رياحاً وماءً ذاُ عراثيه وظلمة لم يدع فتقا ولا خللا
فأمر الظلمة السوداء فانكشفت وعزّل الماء عما كان قد شغلا
وبسط الأرض بسطاً ثم قدرها نحت السماء سواء مثل ما فعلا
وجعل الشمس مصراً لاخفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا
قضى لستة ايام خلائقه وكان آخر شيء صوّر الرجلا
دعاه آدم صوتاً فاستجاب له بنفخة الروح في الجسم الذي جبلا
وطابع هذا النظم وأسلوبه يفصحان انه نظم من النوع التعليمي الديني،لا أدرى أكان شاعرنا يعترف به وينسب إلى نفسه ? أما أنا، فلا أرى انه لشاعر عربي عاش قبل الإسلام.
ونجد فىِ شعر "عدي" نزعة من نزعات التصوف والتأمل، جاءت اليه من الأوضاع التي أحاطت به، من وشايات، ومن غضب الملك عليه ومن سجن، بعد ان كان السيد المهيمن. حتى صار الدهر عنده حالاً بعد حال. لا يدوم صفاؤه لأحد، فلا يركن أحد اليه،.ولا يغتر إن وجد نفسه في أعلى عليين، فقد يسقط غداً إلى أسفل سافلين.
وهناك شاعر آخر اسمه "الملمس بن عبد المسيح" يدل اسم أبيه على أنه كان نصرانياً، غير أن هناك رواية أخرى تذكر ان اسم والده "عبد العزُى". وعبد للعزُى من أسماء الوثنين كما هو معروف. تم اننا لا نجد في شعره ما يشير إلى آراء وعقائد نصرانية يمكن أن يستنبط منها أنه كان نصرانياً. ورجل يحلف في شعره باللات والأنصاب لا يعقل أن يكون نصرانياً.

(1/3836)


أما الأعشى، فهو شاعر عاش في الجاهلية، وأدرك أيام الرسول. ومدحه بقصيدة جميلة مشهورة، جعلت أبا سفيان يحرض قومه على ارضائه خوفاً من ان يسلم و.من أن ينظم شعراً آخر في مدح الرسول وفي ذم قريش، فجعل له مائة من الإبل جمعها من قومه على أن يرجع ويؤجل أمر إسلامه عاماً. فرجع إلى بلدته "منفوحة" باليمامة، وكان قد ولد بها، فمات بها بعد حين وعرف قبره بين الناس أمداً.
وكان الأعشى كما يروي أهل الأخبار جوابا في الآفاق، عرف الحيرة ونادم ملوكها، وزار النجاشي في أرضه، وتجول في أرض النبيط وأرض العجم. وتنقل في أرجاء اليمن وفي حضرموت وعمان وبلاد العراق وبلاد الشام ومتع نظره بالآثار القديمة واتخذها عبرة للمعتبرين. وقد وسعت هذه الأسفار آفاق نظره وعرفته على شعوب متعددة وعلى آراء ومعتقدات متنوعة. ومنها هذه النصرانية التي نبحث فيها.
وقد حمله اختلاطه بالنصارى العرب على الاشارة إلى بعض طقوسهم وأحوال عباداتهم في شعره. وإلى ان يشير إلى قصص معروف بين أهل الكتاب، وارد بينهم، فذكره في شعره. فتراه يتحدث عن حمامة نوح وعن أخبار سليمان وعن جنّ سليمان وعن المباني القديمة العادية المنسوبة اليه، كما تراه يشير إلى عادة النصارى في الطواف حول الصليب أو تمثال المسيح. ثم تراه يشير إلى الصليب نصبه الراهب في الهيكل بعد ان زينه بالصور.
وفي الشعر المنسوب اليه إقرار بإلَه واحد كريم، ونهي عن عبادة الأوثان ومن التقرب منها ه،وفيه ان الرب يكفي الإنسان ويرعاه ويساعده في حله وفي ترحاله، وان الإنسان عبده. وان الفناء واقع على كل امرىء،. وليس أحد في هذه الدنيا بخالد، ولو كان الخلود لأحد لكان لسليمان. وفيه حديث عن البعث والحساب يوم الدين.
ونجد في شعره معرفة بنوح وبسفينته، أشار إلى نوح في مدحه إباسا حب ث خاطبه بقوله: جزى الإله إياساً خير نعمته كما جزى المرء نوحا بعدما شابا
في فلكه اذ تبداها ليصنعها وظل يجمع الواحا و ابوابا

(1/3837)


فهل أخذ الأعشى رأيه هذا عن نوح من أهل الجزيرة ? وهل كان في ذلك قاصداْ متحدثاً مخاطباً رجلاً نصرانياً يعرف الحكاية والموضوع ? أو كان متحدثاً عن نوح حديث من يدين به ويعتقد، فهو رأيه ودينه. الواقع أن البت في ذلك أمر لا أراه ممكناً ما لم تتجمع لنا موارد تأريخية كثيرة، ليتمكن المرء من استنتاج رأي واضح في أمثال هذه الموضوعات المعقدة، التي لم تدرس مظانها المدوّنة، ولم تنتقد حتى الان.
وقد ذهب "كاسكل" "Caskel" إلى ان "الأعشى" كان نصرانيا. وذهب الأب "شيخو" هذا المذهب أيضاً، وجوّ ز "بروكلمن" تنصره، لكن ذهب إلى انه لم يكن متعمقا في النصرانية. وقد استدل "كاسكل" على نصرانيته من بيتين في ديوانه، ومن بيت آخر ورد في قصيدة أخرى، لا يمكن في الواقع ان يكون دليلا على نصرانية قائله.
وذكر انه كان قدرياً، روى روايته "يحيى بن متى" وهو من عباد الحيرة، انه أخذ مذهبه هذا في القدر من العبادبين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر، فلقنوه ذلك. وقد استشهدوا على قوله هذا في للقدر بهذا البيت: استأثر الله.بالوفاء وبالعد ل وولى الملامة الرجلا
وقد راجعت شعر "الأعشى"، فلم أتمكن من استنباط رأي منه يدل على مقدار علمه بالنصرانية وعلى مدى تعمقه أو تعمق غيره من النصارى بدينهم. فما ذكره مما له علاقة بالنصرانية، هو شيء عام، يأتي بخاطر كل شاعر ذكي جوّ اب في الآفاق، له احتكاك واتصال بالنصارى أو بغيرهم، وهو لا يصلح ان يكون دليلاً على عقيدة ودين وفهم لذلك الدين.
وفي شعر "الجعدي" كلام عن سفينة نوح، ذكر أنه قال: يَرْ فعُ، بالقار والحديد من ال جوز، طوالاً جذوعها،ُ عمما

(1/3838)