صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

في كل الأزمنة والأوقات.
ملامح العرب
والعرب وان كانوا من الجنس السامي، إلا انهم يختلفون عن بقية "أبناء سام" في الملامح الجسمانية وفي فصائل الدم، وفي أمور أخرى. ذلك لأن السامية، كما سبق إن قلت -جنسية ثقافية، أما من الناحية "البيولوجية" وهي تتعلق بالملامح وبأمور بيولوجية أخرى فليست بجنسية خاصة يمكن تمييزها من بن قبائل الأجناس البشرية، لما نراه فيما بين شعوبها من تباين. ثم إن بين العرب أنفسهم، تبايناً واختلافاً في الملامح، بسبب قرب العرب وبعدهم من الأعاجم، وأثر فعل الرقيق والأسرى في امتزاج الدم بينهم، ثم اثر فعل الطبيعة و عملها في الإنسان، وما تقدمه له من غذاء ونوع ماء وحرّ وبرد ومطر وضغط جوّي ونوع تربة.
واليهود هم من الجنس السامي، جنس خليط كذلك في القديم وفي الحديث فقد دخل اليهود دم غريب أيضاً، وفي في التوراة وفي أسفار المكابيين والكتب العبرانية الأخرى، إكراه اليهود للشعوب التي استولوا على أرضها على التهود. فدخلت في اليهودية، وهي ليست من اصل يهودي، وصارت من يهود وقد دخلت اليهودية في حمير وبني كنانة وبني الحارث كعب و كندة، وهم من العرب. و دخل آخرون في اليهودية، وصاروا يهوداً فاليهود مثل غيرهم، فيهم اليهودي الخالص، وفيهم اليهودي الغريب، وفي ملامحهم المتباينة ما هو دليل على وجود الاختلاط في الدم.

(1/2142)


وأنا إذ أتكلم عن ملامح العربي، فإني لا ازعم إن لديّ أو لدى الباحثين مقاييس خاصة ثابتة نستطيع إن نقيس بها ملامح العرب، بحيث نحددها في حدود ونرسم لها رسوماً، لا تتعداها ولا تتخطاها. فحدود مثل هذه لا يمكن إن توجد ولا يمكن إن ترسم، لان بين العرب تبايناً وتنابزاً في الصور وفي الملامح بحيث يكون من الصعب علينا وضع حدود ثابتة لملامح العرب، يخضع لها كل العرب أو أكثرهم. وسبب ذلك اتساع جزيرة العرب، ووجود سواحل طويلة جداً تقابل قارتين: قارة سوداء هي إفريقية، وقارة أخرى هي آسية، لون بشرة سكان سواحلها الجنوبية الشرقية السواد والسمرة الغامقة. وهي سواحل مفتوحة غَذّت جزيرة العرب بعناصر ملوّنة اختلط دمها بالدم العربي حتى اثر ذلك اللون في سحن الناس هناك فبان السواد أو اللون الداكن على السواحل العربية المقابلة لسيلانَ والمهند. وظهرت الملامح الأفريقية على سحِن الساحل الغربي لجزيرة العرب من تهامة فيما بعد حتى ساحل عمان. وظهرت سحن وملامح أقوام بيض من روم و رومان وأهل فارس في مواضع أخرى من جزيرة العرب، بسبب سياسة الحكومات القاضية بالتهجير نكاية بالمهجرين، أو بسبب تنقلات الجيوش والحروب، أو التجارة، أو الخطط العسكرية القاضية بحماية المصالح الاقتصادية. وذلك بوضع حاميات عسكرية على سواحل الجزيرة لحماية السفن من غارات الأعراب ولصوص البحر. ثم يحدث إن تنقطع الأسباب برجال تلك الحاميات، وتنقطع صلاتهم بالأم لعوامل عديدة، فيستقرون في مواضعهم ويتعربون حتى صاروا عرباً. نسوا أصلهم وعدّوا من خلص العرب. ولكن العرق دساس كما يقول الناس، فبقي أثره بارزاً ظاهراً على الوجوه، نراه حتى اليوم في تغاير وتمايز سحن سكان السواحل فيما بينها، وفي تغايرها عن سحن أهل باطن جزيرة العرب تغايراً. ملحوظاً. وقد أشرت في كتابي "تأريخ العرب قبل الإسلام" و في الجزء الأول والثاني من هذا الكتاب إلى أثر المستعمرات اليونانية في سحن العرب، كما

(1/2143)


هو الحال في جزيرة "فيلكة" في الكويت والى أثر الرقيق، التجارة في باطن جزيرة العرب مما يجعلني في غنى عن إعادة الكلام عن ذلك مرة أخرى.
وقد ذكر أهل الأخبار إن الروم سكنت في الجاهلية جبل "ملكان" وهو جبل في بلاد طيء. فلا يستعد بقاء هؤلاء فيه وسكنهم فيه، وتحولهم إلى عرب بتعربهم كما تعرب غيرهم من اليونان ممن نزل المستوطنات اليونانية في بلاد العرب.
ونجد بمكة ويثرب وبمواضع أخرى من جزيرة العرب موالي أصلهم من الفرس أو الروم برز منهم بعض الصحابة مثل: "سلمان الفارسي" و "رومان الرومي"، وهو من موالي الرسول، وغيرهم. وقد ترك هؤلاء الموالي آثراً في ملامح الناس ولا شك.
ثم يلاحظ إن أجسام سكان السواحل اقصر من أجسام أبناء الجبال والنجاد. وان أهل التهائم والسواحل الجنوبية لجزيرة العرب اقصر قامة من أهل نجاد اليمن أو أهل نجد. كما نجد اختلافاً بين ملامح القبائل لا زال بارزاً حتى اليوم. اختلافاً يتحدث عن طبيعة الامتزاج الذي وقع في الدم في أيام الجاهلية أيضاً، لاختلاط الدماء وامتزاجها بالعوامل التي ذكرتها.، وان ذهب البعض إلى إن جزيرة العرب كانت في عزلة عن العالم، فهذه العزلة التي يتحدثون عنها، هي عزلة لم تكن عامة و لا يمكن إن نسميّها عزلة صحيحة إلا بالنسبة للقبائل المتبدية التي عاشت في صميم البوادي، غير إن تلك القبائل لم تتمكن مع ذلك من عزل نفسها عن الرقيق والأسرى الغرباء.

(1/2144)


ثم نجد فروقاً بين العرب والأعراب، سببه اختلاف المحيط والظروف والغذاء. فالعربي ممتلئ الجسم بالقياس إلى الأعرابي الرشيق القليل اللحم، الدقيق العظم. وتظهر هذه النحافة في وجه الأعرابي أيضاً، فوجهه ممشوق قليل اللحم، دقيق ممتد ذو ذقن بارز، وأنف دقيق، وعينان براقتان. وتعد الرشاقة في جسم العربي من محاسنه لأنها تجعله معتدل القوام. خفيف الحركة،. وقد مدح "امرؤ القيس" الغعلام الخف، أي الخفيف الجهم، السريع الحركة الذي ينزل، عن صهواته ويلوي بأثواب العنيف المثقل. أي الثقيل الجسم السمين. وقيل: الخفيف في الجسم والخفاف في التوقد والذكاء. ويعد ثقل الجسم من المعيبات. ومن المجاز التخفيف ضد التثقيل والخفيف ضد الثقيل. وقد اعتبروا الثقل ذماً في الإنسان. فقبل: هو ثقيل على جلسائه، وهو ثقيل الظل، ويقال مجالسة الثقيل تضني الروح، حتى ألف بعض العلماء في أخبار الثقلاء.
و "الربع" من الرجال، أي المتوسط القامة، النموذج الأوسط للإنسان وحدّ الكمال في الجسم عند العرب. ويقال له: "ربعة" و "مربوع". وقد نعت رسول الله بأنه "ربعة" من الرجال، وورد أنه كان أطول من المربوع وأقصر من المشذب. والوسط عند العرب هو بين. الجيد والرديء. وأوسط الشيء أفضله وخياره. ومنه الحديث: خيار الأمور أوساطها. وقد هابت العرب أصحاب الطول في الجسم، والكبر في الرأس، واحترموا أصحاب الهيبة والتأثير في النفس، وقد ذكر بعض منهم في كتب أهل الأخبار. وقد رموا القصير بالمكر والخديعة، ولكنهم اعتبروا القصر في الجسم من العيوب، لا سيما إذا كان ذلك القصير غليظ البطن. وقد عرف الإنسان الموصوف بهذه الصفة بالدحداح و بالداح وبالدودح وبالذحذاح. والدودحة القصر مع السمن. وأما "الدرحاية"، فالرجل الكثير اللحم القصير السمين البطين، اللئيم الخلقة. وعرف الرجل المسنّ الذي ذهبت أسنانه ب "الدردح".

(1/2145)


واعتّبر العرب طول العنق من سمات المدح. ولذلك وصف رؤساء العرب بطول العنق. وعُبر عن الرؤساء والكبراء والأشراف ب "الأعناق" و "أعناق". وعبر عن الجماعة الكثرة ب "الأعناق" كذلك. وذكر الشاعر "عروة بن الورد" عنق الآرام في شعر له في وصفه للناشئات الماشية بتبختر. إذ قال: والناشئات الماشيات الخوزرى كعنق الآرام أوْفى أو صرى
والعرب مثل غيرهم لا يحبون الصلع. ويكثر ظهوره بين العجزة والمسنين والأشراف. وقد ذكر إن أكثر الأشراف من العرب كانوا من الصلع، وتفسير ذلك إن أكر الأشراف هم من ذوي الأسنان، وان الإنسان إذا تقدمت به السن، أخذ الصلع يجد له مكاناً في رأسه فيلعب فيه. ومن ذلك قول الناس يوم بدر: "ما قتلنا إلا عجائز صلعاً" أي مشايخ عجزة عن الحرب. وأنشد "ابن الأعرابي": "يلوح في حافات قتلاه الصلع" أي يتجنب الأوغاد ولا يقتل إلا الأشراف.
وهم يفضلون "الأفرع" على الأصلع. والأفزع هو الكثير الشعر. وكان "أبو بكر" أفرع، وكان عمر أصلع. وكان رسول الله أفرع ذا جمة. والصلع خير من "القرع"، لأن القرع داء يصيب الرأس، فيؤثر في منظره ويسبب سقوط شعره وحدوث أثر دائم فيه، وقد تنبعث رائحة كريهة منه. وقد ذكر الأخباريون أسماء عدد من الأشراف عرفوا بقرعهم.

(1/2146)


وقد اشتهر بعض العرب بطول القامة، حتى زعم إن بعضاً منهم كان إذا ركب الفرس الجسام خطت إبهاماه في الأرض. وذكروا من هؤلاء: "جذيمة ابن علقمة بن فراس"، المعروف ب "جذل الطعان" الكناني، و "ربيعة بن عامر بن جذيمة بن علقمة بن فراس"، وكان يماشي الظعينة فيقبلها، فسُمّي "مقبل الظعن". و "زيدّ الخيل بن المهلهل الطائي"، و "أبو زيد حرملة ابن النعمان الطائي"، وعدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، وقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأبوه سعد بن عباسة، وسعد بن معاذ، وعبد الله بن أبَي ابن سلول، وبشير بن سعد، أخو بني الحارث بن الخزرج، وجبلة بن الأيهم الغساني، وحمل بن مرداس النخعي، ومالك الأشتر بن الحارث النخعي، و عبد الله بن الحصين ذي الغصة الحارثي، وعامر بن الطفيل الجعفري، وقيس ابن سلمة بن شراحيل بن أصهب الجعفي.
العرب أفخر الأمم
يرى الجاحظ إن العرب أفخر الأمم، وأرفعها وأحفظها لأيامها، وينسب ذلك إلى طبيعة بلادهم. إذ "كانوا سكان فياف وتربية العراء، لا يعرفون الغَمق ولا اللثق، و لا البخار ولا الغلظ و لا العفنً، ولا التخم، أذهان حِداد، ونفوس منكرة، فحين حملوا حدّهم ووجهوا قولهم لقول الشعر وبلاغة المنَطق، وتشقيق اللغة وتصاريف الكلام، بعد قيافة الأثر وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآفاق، وتعرّف الأنواء، والبصر بالخيل وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المثالب والمناقب، بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كل أمنية. و ببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهمهم أرفع من جميع الأمم وأفخر، ولأيامهم أحفظ وأذكر". وهم لطبيعة الأرض التي ولدوا بها صاروا على هذه الحال، ولم يصيروا كاليونان في الحكمة وفي العلوم، ولا كالصين في السبك والصياغة والإفراغ و الإذابة والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنحت و التصاوير، و لا كالهنود أو الفرس.

(1/2147)


وقد وصف الأعرابي بالتفاخر وبالتباهي، فهو فخور معجب بنفسه مترفع عن غيره حتى لكأنه النمر، مع انه من أفقر الناس. ولهذا صاروا إذا أرادوا وصف شخص متغطرس متجبر مع انه لا يملك شيئاً يفوّق به نفسه على غيره، قالوا عنه: "نبطيّ في حبوته. أعرابي في نمرته، أسد في تامورته".
العجم
ويطلق العرب على غيرهم ممن لا. ينتمون إلى العرب، لفظة "أعاجم". و "العجم" عندهم خلاف العرب. والرجل الواحد "أعجمي". ولعلماء اللغة آراء في تفسير هذه اللفظة. وهي من الألفاظ الجاهلية، لورودها في القرآن الكريم. ففيه: )لسان الذي يلحدون إليه أعجمي(،. و )أ أعجمي وعربي. قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء(، و )لو جعلناه قرآناً أعجميّاً، لقالوا لولا فصلت آياته(، و )لو نزلناه على بعض. الأعجميين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين(. ففي هذه الآيات دلالة واضحة على إن المراد من "أعجمي" خلاف العربي، وان هذا المصطلح كان معروفاً عند العرب قبل "لإسلام." ويطلق العرب على العجم "الحمراء" لبياضهم ولأن الشقرة أغلب الألوان عليهم. وكانت العرب تقول للعجم الذين يكون البياض غاب على ألوانهم مثل الروم والفرس ومن صاقبهم: انهم الحمراء. والعرب إذا قالوا: فلان أبيض وفلان بيضاء، فمعناه الكرم في الأخلاق لا لون الخلقة. و إذا قالوا: فلان أحمر وفلانة حمراء عنوا بياض اللون. والعرب تسمي الموالي: الحمراء. جاء في الحديث: "بعثت إلى الأحمر والأسود"، أي إلى العجم والعرب كافة.

(1/2148)


وورد إن العرب تقول: جاء بغنمه حمر الكلى وجاء بها سود البطون، معناهما المهازيل. وهو مجاز. ويذكرون إن معنى حمر الكلى الامتلاء والسمن، والسواد معنى الهزال والرشاقة. ولما كان الأعاجم ممتلئي الجسم بالنظر إلى العرب، قالوا لهم "الحمراء". وقد كان العرب يطلقون على الموالي "الحمراء"، و إذا سبّوا أحدهم قالوا، "يا ابن حمراء العجان أي يا ابن الأمّة. كلمة في السب والذم". ولعلهّم فعلوا ذلك بسبب امتلاء أجسام الموالي ولا سيما العجان، الذين لا يتحركون ولا يتنقلون من أماكنهم، ويأكلون الخبز فامتلأت لذلك بطونهم و تكرشوا.
ولم يشرح علماء العربية الأسباب التي حملت العرب على تلقيب العجم ب "رقاب المزاود" "رقاب المزود". وقد ذكر بعض العلماء، إن العرب إنما لقبت العجم ب "رقاب المزاود"، لطول رقابهم أو لضخامتها كأنها ملأى.
ويكنى العرب ب "السبط" عن العجمي و ب "الجعد" عن العربي. وذلك لان سبوطة الشعر هي الغالبة على شعور العجم من الروم والفرس وجعودة الشعر هي الغالبة على شعور العرب. ولكنهم كانوا يفرقون بين جعودة شعر العرب وجعودة شعر الزنج والنوبة. لأنهم ينظرون إلى الزنج والسود على انهم دونهم في المنزلة والمكانة. وهذا قالوا إن العرب تمدح الرجل إذ تقول رجل جعد، أي كريم جواد كناية عن كونه عربيّاً سخياً، لان العرب موصوفون بالجعودة، و تذم الرجل أيضاً حين تقول: رجل جعد، إذ. يقصدون بذلك رجلاً لئيماً لا يبض حجره، وقد يراد به رجل قصير متردد الخلق. فهو من الأضداد. لذلك فالجعد في صفات الرجال يكون مدحاً وذماً. و إذا قالوا رجل جعد السبوطة فمدح، إلا إن يكون قططا مفلفل الشعر فهو حينئذ ذم.
ومن المجاز قول العرب: الأعداء صهب السبال وسود الأكباد، وان لم يكونوا كذلك، أي صهب السبال، فكذللك يقال لهم. ورد في الشعر: جاؤا يجرون الحديث جرّاً صهب السبال يبتغون الشرّا

(1/2149)


وانما يريدون إن عداوتهم كعداوة الروم. والروم صب السبال والشعر، و إلا فهم عرب و ألوانهم الأدمة والسمرة والسواد.
ويذكر علماء اللغة إن العرب تصف ألوانها بالسواد، وتصف ألوان العجم بالحمرة. وقد افتخر الشعراء بذلك في الجاهلية وفي الإسلام. من ذلك قول الفضل بن عباس بن عتبة اللهبي: وأنا الأخضر من يعرفني أخضر الجلدة في بيت العرب
يقول: أنا خالص لأن ألوان العرب السمرة. ومن ذلك قول مسكين الدارمي: أنا مسكين لمن يعرفني لوني السمرة ألوان العرب
قال "الجاحظ": "والعرب تفخر بسواد اللون.. و قد فخرت خُضر محارب باًنها سود، والسود عند العرب الخضر". ثم ذكر أمثلة من أمثلة افتخار بعض القبائل والأشخاص بكونهم "خضراً". حتى قال: "وخضر غسان بنو جفنة الملوك? قال الغساني: إن الخضارمة الخضر الذين ودََوا أهل الربص ثمانى منهم الحكم
وقد ذكر حسان أو غيره الخضر من بني عكيم، حين قال: ولستَ من بني هاشم في بيت مكرمة ولا بني جمحِ الخضر الجلاعيد
قالوا: وكان ولد عبد المطلب العشرة الساحةُ سلاً ضخماً، نظر إليهم عامر ابن الطفيل يطوفون كأنهم جمال جون، فقال: بهؤلاء تمنع السدانة.
وكان عبد الله بن عباس أدلم ضخماً، وآل أبي طالب أشرف الخلق، وهم سود وأدم وسلم".
واشتهر بعض سودان العرب بالشجاعة والأقدام، منهم أربعة عرفوا ب "أغربة العرب" وذؤبان العرب. منهم: عنترة وخفاف بن ندبة السلمي، سرى فيه السواد من قبل أمه، وهو من حرّة بني سليم. أدرك النبي، وكان شاعراً شجاعاً، وقل ما يجتمع الشعر والشجاعة في واحد. ومنهم السليك بن السلكة.

(1/2150)


وهناك قبائل غلب على لونها السواد، حتى عبر عنها ب "دلم". والدلم الرجل الشديد السواد. جاء إليها السواد، لكون أصلها من إفريقية على ما يظهر، وكانت قد استقرت بجزيرة العرب وتعربت، حتى عدت من العرب. أما الأسر والأفراد الدلم، فقد ظهر السواد على لونهم بالتزاوج من الملونين. فقد كان من عادة الأشراف الاتصال بالإماء السود، فإذا ولدن منهم أولاداً نجباً شجعاناً ألحقهم آباؤهم بهم، ونسبوهم إليهم كالذي كان من أمر عنترة العبسي. وقد مال قوم من قريش إلى التزوّج بالإماء السود، وقد ظهرت هذه النزعة بين السادات والأشراف.
وقد ذكر "الجاحظ" في معرض حجج السودان على البيضان، و على لسان الزنج قولهم للعرب: "من جهلكم أنكم رأيتمونا لكم أكفاء في الجاهلية في نسائكم، فلما جاء عدل الإسلام رأيتم ذلك فاسداً، وما بنا الرغبة عنكم. مع إن البادية منا ملأى ممن قد تزوج ورأس وساد، ومنع الذمار، وكَنَفَكم من العدوّ". وفي هذا القول إشارة إلى التزاوج الذي كان بين العرب والزنج، أي السودان المجلوبين من إفريقية، في أيام الجاهلية. والى انصراف العرب عنه في الإسلام، ما خلا البادية، وذلك بسبب إقبالهم على التزوج بالفارسيات والروميات وبغيرهن على ما يظهر، بسبب الفتوح وتوسع أسواق النخاسة في هذا الوقت. وارتفاع مستوى الوضع الاقتصادي للعرب في الإسلام عنه في الجاهلية، مما مكنهم من التزوّج بالأجنبيات البيض الجميلات و تفضيلهن على السودانيات. وظهور نظرة الازدراء إلى السودان في الإسلام، بسبب الأعاجم المسلمين الذين كانوا يزدرون العبيد وينظرون إليهم على انهم عونهم في المنزلة، فانتقلت هذه النظرة منهم إلى العرب.

(1/2151)


ويظهر من رسالة الجاحظ: "فخر السودان على البيضان"، إن نزاعاً كان قد دبّ بين السودان والعرب في الإسلام، بسبب نظرة الازدراء التي أخذ الفاتحون ينظرون بها إليهم فصاروا يترفعون عنهم ولا يخالطونهم. و هذا مما أغاضهم، وحملهم على نبش الماضي، والإتيان بالأخبار وبالأشعار عن دور الحبش في جزيرة العرب قبل الإسلام، وكيف انهم كانوا قد ملكوا "بلاد العرب من لدن الحبشة إلى مكة"، وهزموا ذا ئواس، وقتلوا أقيال حمير، فملكوا العرب ولم يملكهم العرب. إلى غير ذلك من دعاوي تجدها في قصيدة الشاعر الزنجي "الخيقطان"، التي يفتخر فيها بالحبش على العرب، على نحو فخر الشعوبية بأصولهم على العرب. وهي قصيدة شهيرة، قالها يوم سمع "جرير" يسخر منه بشعر قاله، في وصفه. فرد عليه رداً شديداً بقصيدته هذه التي نظمها وهو باليمامة.
وقد عُرفت بعض القبائل ببياض بشرتها، واشتهرت نساؤها ببياض البشرة، ورد "في الحديث انه لما خرج من مكة قال له رجل: إن كنت تريد النساء البيض والنوق الأدم فعليك ببني مدلج". ويقال للمرأة التي يغلب على لونها البياض "الحمراء"، وقد لقب الرسول زوجته "عاثشة" ب "الحميراء"، لبياض لونها.
القبيلة
والقبيلة هي عماد الحياة في البادية، بها يحتمي الأعرابي في الدفاع عن، نفسه وعن ماله، حيث لا "شُرَط" في البوادي تؤدب المعتدين، ولا سجونُ يسجن فيها الخارجون على نظام المجتمع، وكل ما هناك "عصبية" تأخذ بالحق و "أعراف" يجب إن تطاع.
والرابط الذي يربط شمل القبيلة ويجمع شتاتها هو "النسب". ويفسر ذلك بارتباط أبناء القبيلة كلها بنسب واحد وبدم واحد و بصلب جدّ أعلى من صلبه انحدر أفراد القبيلة في اعتقادهم. ولهذا نجد أهل الأنساب يرجعون نسب كل قبيلة إلى جدّ أعلى، ثم يرجعون أنساب الجدود، أي أجداد القبائل إلى أجداد أقدم، وهكذا، حتى يصلوا إلى الجدّين للعرب: قحطان و عدنان.

(1/2152)


وقد حفظت الكتابات العربية الجنوبية أسماء عدد كبير من القبائل، لم يعرف أسماء أكثرها أهل الأخبار. وهي تفيدنا من هذه الناحية فائدة كبيرة في الوقوف على هذه القبائل، وبعضها كان قد هلك و انحلّ واختلط في القبائل الأخرى قبل الميلاد وبعضها بعد الميلاد وقبل الإسلام بأمد.
و تتألف القبيلة من بيوت، يختلف عددها باختلاف حجم القبيلة، وباختلاف المواسم. ففي مواسم الربيع، تضطر أحياء القبيلة على الانتشار والابتعاد، لتتمكن إبلها من الرعي ومن إملاء بطونها بالعشب. فتتجمع على شكل مستوطنات يتراوح عدد بيوت كل مستوطنة منها ما بين الخمسين والمائة والخمسين بيتاً. أما في المواسم الأخرى، حيث تنحبس الأمطار وتجف الأرض، فتعود أحياء القبيلة إلى تكتلها وتجمعها، فتكون كل مجموعة حوالي "500" بيت أو أكثر. تتجمع حذر وقوع غزو عليها، وللتعاون فيما بينها عند الشدة والعسر.
والقبيلة في عرف علماء اللغة جماعة من أب واحد، والقبائل في نظرهم من قبائل الرأس لاجتماعها، أو من قبائل الشجرة وهي أغصانها، فهي إذنْ جماعة من الناس تضم طوائف أصغر منها، وهي تنتمي كلها إلى أصل واحد وجذر راسخ، ولها نسب مشترك يتصل بأب واحد هو أبعد الآباء والجد الأكبر للقبيلة. فالرابط الذي يربط بين أبناء القبيلة ويجمع شملها ويوحد بين أفرادها هو "الدم"، أي النسب. والنسب عندهم هو القومية ورمز المجتمع السياسي في البادية. والقبيلة هي الحكومة الوحيدة التي يفقهها الأعرابي، حيث لا يشاهد حكومة أخرى فوقها. وما تقرره حكومته هذه من قرارات يطاع وينفذ، وبها يستطيع إن يأخذ حقه من المعتدي عليه.

(1/2153)


وهذه النظرة الخاصة بتعريف القبيلة، هي التي حملت أهل الأنساب والأخبار على إطلاق لفظة "القبيلة" على الحضر أيضاً. مع انهم استقروا وأقاموا. فقريش عندهم قبيلة، والأوس، والخزرج قبيلة، وثقيف قبيلة. ذلك لأن هؤلاء الناس وان تحضروا واستقروا وأقاموا، وتركوا الحياة الأعرابية، إلا أنهم بقوا رغم ذلك على مذهب أهل الوبر ودينهم في التمسك بالأنساب إلى جد أعلى و إلى أحياء وبطون. وفي إجابة النخوة والعصبية، وما شابه ذلك من سجايا البداوة، فعدّوا في القبائل، وان صاروا حضراً وأهل قرار، وقد طلقوا التنقل وانتجاع الكلأ.

وتشارك الشعوب السامية العرب في هذه النظرة. لأن نظامها الاجتماعي القديم هو كالنظام العربي قائم على القبيلة. والقبيلة عندها جماعة من بيوت ترى إنها من أصل واحد، وقد انحدرت كلها من صلب جدّ واحد. فهم جميعاً أبناء الجدّ الذي تتسمى به القبيلة. وهم مثل العرب في النداء وفي النسب. قد يذكرون الاسم فقط، فيقولون مثلاً: أدوم و مؤاب و إسرائيل ويهوذا، أو أبناء إسرائيل وأبناء يهوذا، وبنو إسرائيل وبنو يهوذا. وقد يقولون: بيت إسرائيل وبيت يوسف وبيت خمرى وبيت أديني، بمعنى أبناء المذكورين. تماماً كما نقول: غسان، وآل غسان، وأبناء غسان وأولاد غسان ومن غسان، وغساني، وما شاكل ذلك، ويريدون بها شيئاً واحداً، هو النسب. أي الانتماء إلى جد واحد به تسمى القبيلة واليه يرجع نسبها.

(1/2154)


وهم يشعرون كالعرب إن أبناء القبيلةّ هم إخوة وهم من دم واحد، ومن لحم ودم ذلك الجد. وهم يخاطبون بعضهم بعضاً بقولهم: "أنت من لحمي ودمي". وفي التوراة أمثلة عديدة من هذا القبيل. فلما ذهب "أبو مالك بن يربعل" إلى عشيرة أمه خاطب أبناءها بقوله: "أيما خير لكم! أن يتسلط عليكم سبعون رجلاً جميع بني يربعل، أم إن يتسلط عليكم رجل واحد. واذكروا أني أنا عظمكم ولحمكم". وقد اعتبر "داوود". جميع أبناء عشيرته إخوة له. وخاطب "شيوخ يهوذا" بقوله: "أنتم إخوتي، أنتم عظمي ولحمي". فأبناء القبيلة هم إخوة من دم واحد، يسري في أجسامهم جميعاً ما دامت القبيلة حية باقية. ووحدة الدم هذه هي الرابط الذي يجمع شمل القبيلة. وهي صلة رحم، وعصبية، والحكومة الصحيحة التي يجب إن تطاع.
والعربي مثل بقية الساميين لم يفهم الدولة إلا إنها دولة القبيلة. وهي دولة صلة الرحم التي تربط الأسرة بالقبيلة. دولة العظم واللحم، دولة اللحم والدم، أي: دولة النسب. فالنسب هو الذي يربط بين أفراد الدولة ويجمع شملهم. وهو دين الدولة عندهم وقانونها المقرر المعترف به. وعلى هذا القانون يعامل الإنسان. وبالعرف القبلي تسير الأمور. فالحكام من القبيلة، وأحكامهم أحكام تنفذ في القبيلة، و إذا كانت ملائمة لعقلية القبيلة والبيئة، وهذا هو ما يحدث في الغالب، تصير سنة للقبيلة، نستطيع تسميتها ب "سنة الأولين". ووطن القبيلة هو بالطبع مضارب القبيلة حيت تكون، وحيث يصل نفوذها إليه، فهو يتقلص ويتوسع بتقلص وبتوسع نفوذ القبيلة.

(1/2155)


وقد واجه المسلمون في أيام الفتوح صعوبة كبيرة في فتوحهم بسبب العقلية القبلية وضيق أفقها، وعدم تمكنها من التخلص من مثلها الجاهلية بسهولة. فقد كان على القائد إن يقاتل عدوّه بجيش يحارب على شكل كتل قبائل، تتكون كل كتلة من مقاتلي قبيلة واحدة، لا من جنود ينتمون إلى أمة هي فوق الكتل والقبائل. وكان على رأس كل وحدة مقاتلة رؤساء من القبيلة التي ينتمي إليها الجنود. وقد واجه الإمام "عليّ" صعوبة حينما حارب في معركة الجمل وفي معركة صفين وغيرها، إذ اشترطت عليه القبائل المحاربة، ألا تحارب إلا رجال قبيلتها الذين يكونون ضده.، فالهمدانيون الذين معه يحاربون الهمدانيين الذين يحاربون مع خصمه. وهكذا فعلت بقية القبائل، للعصبية القبلية، لأنهم لم يكونوا يستطيعون رؤية قبيلة غريبة تفتك بإخوانهم من قبيلتهم، وهم ينادون بشعار العصيبة، شعار القبيلة. أما هم فإن قاتلوا إخوانهم من قبيلتهم، فإن قتالهم هذا يختلف عن قتال الأخوة حين يقتتلون قتالاٌ قد يكون أشد ضراوة من قتال الغرباء، لا يلتفت فيه إلى وجود دم واحد بين المتقاتلين، والى أنهم من بيت أب وأم، يحتم عليهم التكتل والتعصب، إذ لا غريب هنا أمامهم في هذا القتال.
ولست بحاجة و أنا في هذا المكان، لتكرار قول سبق إن قلته في الجزء الأول من هذا الكتاب - من إن أسماء القبائل لا تعني بالضرورة إنها أسماء أجداد حقيقيين عاشوا وماتوا. فبينها كما سبق إن قلت أسماء مواضع، مثل غسان، وبينها أسماء أصنام مثل "بنو سعد العشيرة" وبينها أسماء أحلاف مثل "تنوخ" وبينها نعوت وألقاب.. إلى آخر ذلك من أسماء قبائل وصلت إلى علم علماء الأنساب، فأوجدوا لها معاني و اعتبروها أسماء رجال حقيقيين تزوّجوا و نسلوا ومنهم من كان عاقراً فلم ينسل، فذهب أثره، ولم تبق له بقية.

(1/2156)


والمفهوم من لفظة "القبيلة" في العادة: القبائل التي تتألف من عمائر وما وراء العمائر من أقسام. فإذا ذكرت القبيلة انصرف الذهن إلى آلاف من البيوت تجتمع تحت اسم تلك القبيلة. ولكن الناس يتجوزون في الكلام وفي الكتابة أحياناً فيطلقونها على عدد قليل من الناس قد يبلغ ثلاثة نفر أو أربعة مثل: "بنو عبد الله ابن أفصى بن جديلة"، و "بنو جساس بن عمرو بن خوّية بن لوذان"، من "بني فزارة"، و "كليب بن عديّ بن جناب بن هبل"، و "بنو شقرة" من تميم. وقد يطلقونها على أكثر من ذلك، ولكن على عدد قليل من الناس أيضاً، كأن يكون خمسين رجلا أو ستين. وهذا الاستعمال، هو على سببل التجوز لا الاصطلاح.
ويرى علماء العربية إن هناك تجمعات، هي في نظرهم أكبر حجماً من القبيلة أطلقوا عليها "الشعوب". فذكروا إن الشعوب فوق القبائل، ومثاله: بنو قحطان، وبنو عدنان، فكل منهما شعب. وما دونهما قبائل. وذهب بعض منهم إلى إن "الشعوب" للعجم، فإن الشعوب بالنسبة لهم، مثل القبائل للعرب، ومنه قيل للذي يتعصب للعجم "شعوبي"، وقيل: بل هي للعرب وللعجم. والذي عليه اكثر علماء الأنساب، إن الشعب أكبر من القبيلة، وان الشعب أبو القبائل الذي ينتسبون إليه، أي يجمعهم ويضمهم.

(1/2157)


ويظهر إن مردّ هذا الاختلاف هو ما ورد في القرآن الكريم من قوله: )وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا(. فقدم "الشعوب" على القبائل. فذهب أكثر المفسرين والعلماء إلى إن هذا التقديم يعني إن الشعب أكبر من القبيلة، وان الشعوب الجمّاع والقبائل البطون، أو الشعوب الجمهور والقبائل الأفخاذ، أو الشعوب: النسب البعيد، والقبائل: دون ذلك، كقولك فلان من بني فلان، وفلان من بني فلان. وتأول بعض آخر هذا المعنى، فذهبوا إلى إن هذا التقديم أو التأخر، لا علاقة له بالكبر، أي بحجم الشعب أو القبيلة، والآية لا تريد ذلك، و إنما تريد الأنساب، و إنها نزلت في بيان إن الإنسان لا بنسبه، و إنما بعمله. وعلى هذا، فإن الشعب، في نظرهم دون القبيلة في الترتيب. والشعب بعد القبيلة في الدرجة.
وقد أخذ العلماء بالتأويل الأول للفظة "الشعب"، حتى صار هذا المعنى هو المعنى المفهوم منها عند الناس في الإسلام. فهي إنما تعني اليوم جنساً من أجناس البشر له خصائصه ومميزاته، كالشعب العربي والشعب اليوناني والشعب التركي والشعب البريطاني والشعب الأميركي، و هكذا. أو جزاً كبيراً مستقلا من أجزاء أمة واحدة، كأن نقول: الشعب العراقي، والشعب السوري، والشعب السعودي، والشعب المصري، أي وحدة جغرافية سياسية ذات كيان.

(1/2158)


ولفظة "الشعب"، من الألفاظ الواردة في نصوص المسند. وهي فيها بمعنى قبيلة، وتكتب "شعبن"، بمعنى "الشعب". وحرف النون في أواخر الأسماء أداة للتعريف في العربيات الجنوبية. فهي إذن مرادف "قبيلة" بالضبط. والجمع "اشعب"، أي "شعوب". ورد "سباواشعبهمو"، أي "سبأ وشعوبهم"، أو "سبأ وقبائلهم" بتعبير أدق وأصح. وورد "شعبن معن"، أي "قبيلة معين"، و "شعبن همدان"، أي "قبيلة همدان". والظاهر إن أهل مكة، وقفوا في الجاهلية على هذه اللفظة أيضاً فاستخدموها، وان قبائل حجازية مجاورة لمكة، كانت تستعمل لفظة "شعب" و "الشعب"، بمعنى قبيلة، ونظراً لورودهما معاً في القرآن الكريم، فرّق العلماء بين اللفظتين، باعتبار إن ذكرهما معاً، يعني وجود بعض الاختلاف في المراد منهما. فوقع من ثمَّ بين المسلمين هذا التمييز، وصارت لفظة "الشعب" تدل على معنى يختلف عن معنى كلمة "قبيلة" و"القبيلة".
ويلي الشعب في اصطلاح أهل النسب: القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة. فالشعب النسب الأبعد مثل عدنان و قحطان، والقبيلة مثل ربيعة ومضر، والعمارة مثل قريش وكنانة، والبطن مثل بني عبد مناف و بني مخزوم، ومثل بني هاشم، وبني أميّة، والفصيلة مثل بني أبي طالب وبني العباس. وجعل "ابن الكلبي" مرتبة بين الفخذ والفصيلة هي مرتبة العشيرة، وهي رهط الرجل.
وورد إن البطن دون القبيلة أو دون الفخذ وفوق العمارة. وذكر بعضهم. إن أول العشيرة: الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ. وذلك على رأي من جعل العشيرة: العامة. مثل: بني تميم و بني عمرو بن تميم أي الجماعة العظيمة.

(1/2159)


وزاد بعض العلماء الجذم قبل الشعب، وبعد الفصيلة العشيرة، ومنهم من زاد بعد العشيرة الأسرة، ثم العترة. ورتبها آخرون على هذه الصورة، جذم، ثم جمهور، ثم شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم عشيرة، ثم فصيلة، ثم رهط، ثم أسرة، ثم عترة، ثم ذرية. وزاد غيرهم في أثنائها ثلاثة هي: بيت، وحيّ، وجماع. وذكر بعض علماء اللغة أن "الجذم"، الأصل في كل شيء. فيقال: جذم القوم أهلهم وعشيرتهم. ومنه حديث حاطب، لم يكن رجل من قريش إلا له جذم بمكة.
وذكر بعض العلماء إن العمارة الحيّ العظيم يقوم بنفسه. وان الفرق بين الحيّ والقبيلة هو إن الحيّ لا يقال فيه بنو فلان نحو قريش و ثقيف ومعدّ وجذام. والقبائل يقال فيها بنو فلان مثل بني نعيم وبني سلول. وذكر أيضاً إن العمارة: الحيّ العظيم الذي يقوم بنفسه، ينفرد بظعنها و إقامتها و نجعتها. وقيل هو اصغر من القبيلة. وفي الحديث: انه كتب لعمائر كلب وأحلافها كتاباً. قال التغلبي: لكل اناس من معدّ عمارة عروضٌ، إليها يلجأون، وجانب
وقسم "النويري" النظام القبلي عند العرب إلى عشر طبقات. وابتدأ ب "الجذم" وهو الأصل: وهو قحطان وعدنان، والطبقة الأولى. ثم الجماهير، وهي الطبقة الثانية، ثم الطبقة الثالثة: الشعوب، والطبقة الرابعة القبيلة، وهي التي دون الشعب تجمع العمائر، ثم الطبقة الخامسة: العمائر، و هي التي دون القبائل، وتجمع البطون، ثم الطبقة السادسة: البطون، وهي التي تجمع الأفخاذ، والطبقة السابعة: الأفخاذ. وهي اصغر من البطن. والفخذ تجمع العشائر. والطبقة الثامنة: العشائر، واحدها عشيرة، وهم الذين يتعاقلون إلى أربعة آباء. والطبقة التاسعة: الفصائل، واحدها فصيلة، وهم أهل بيت الرجل وخاصته، والطبقة العاشرة: الرهط، وهم الرجل و أسرته.

(1/2160)


ما ذكرته يمثل مجمل أراء علماء النسب عند العرب في موضوع كيان القبيلة وفروعها التي تتفرع منها درجة درجة، حتى تصل إلى البيت، الذي يتكون من الأب والأم وأولادهما. وقد رأينا انهم قد اختلفوا فيما بينهم وتباينوا في الترتيب وفي العدد. منهم من يقدم، ومنهم من يؤخر، ومنهم من يزيد، ومنهم من ينقص. واختلافهم هذا فيما بينهم، هو دليل يشعرنا إن التقسيم المذكور لم يكن تقسيماً ثابتاً. عند كل القبائل وأنه لم يكن تقسيماً جاهلياً بل كان تقسيماً محلياً اختلف بين قبيلة وأخرى، وأن أسماء أجزاء القبيلة، لم تكن أسماء عامة متبعة عند الجميع، أي أسماء مقررة عند كل قبيلة، بل هي أسماء آخذها العلماء من هنا وهناك، وهذا وقع بينهم هذا الاختلاف، ولو كان عند الجاهليين تقسيم واحد لأجزاء القبيلة فما كان من المعقول إن يقع علماء النسب واللغة فيما رأينا من تباين واختلاف، ولوجب اتفاقهم في الترتيب وفي العدد. فالتقاسيم المذكورة اذن، هي من وضع وترتيب وجمع علماء النسب واللغة في الإسلام.
وأصغر وحدة من وحدات القبيلة هي: الأسرة، أي "البيت". فهي نواة القبيلة و بذرتها وجرثومتها، ومن نموها ظهرت شجرة القبيلة التي تختلف حجمها وتختلف كثرة أغصانها وفروعها باختلاف منبت الشجرة والظروف والعوامل التي أثرت في تكوينها. من بذرة جيدة ومن تربة صالحة وماء كاف. والبيت هو نواة القبيلة عند العرب، وهو نواة القبيلة عند كل الشعوب القبلية. بل هو نواة المجتمع في كل مجتمع إنساني.
القحطانية و العدنانية

(1/2161)


تحدثت في الجزء الأول من هذا الكتاب عن القحطانية والعدنانية بما فيه الكفاية، وأعود هنا فأقول إن ما ذكرته عن أهل المدر وأهل الوبر، أي عن الحضر و البدو أو الأعراب وهم أهل البادية، لا يعني إن الحضر هم القحطانيون، وان الأعراب هم العدنانيون. كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين باعتبار إن غالبية من نسميهم القحطانيين هم حضر، أو اقرب من غيرهم إلى الحضر، وأن غالبية العدنانية أعرابية متبدية. والصواب عندنا إن في القحطانيين عرباً و أعرابا، وفي العدنانيين حضراً وبادية، وان غلبت البداوة على العدنانيين. لأن من وجد الماء الدائم تنخ عليه و تحضر، قحطانياً كان النازل أم عدنانياً، فالحضارة تنبت حيث يكون الماء، والماء لا يعرف النسب والقبائل. من وجده وظفر به وأقام عليه تحضر واستقر، فصار حضرياً.
ولهذا نجد في حضر جزيرة العرب أقواماً يحشرهم أهل الأنساب في قحطان، ونجد في حضرها أقواماً يرجعون نسبهم إلى عدنان.
ونحن إذا ما رسمنا خارطة لكيفية توزع الحضر و الأعراب، أو لكيفية استثمار القبائل، فإننا في إن منازل القبائل متداخلة مشتبكة. ليست بينها حدود ولا أسوار حاجزة تحجز القبائل القحطانية عن القبائل العدنانية. إلا في العربية الجنوبية حيث يرجع النسابون نسب اكثر قبائلها إلى أصل قحطاني. أما في الأماكن الأخرى، فان القبائل القحطانية وكذلك القبائل العدنانية منتشرة، انتشاراً لا يسل على وجود تكتل وتحزب. بل نجد القحطانية نجاور العدنانية وتخالطها ونجد القحطانية في جوار القحطانية، والعدنانية في جوار العدنانية، مما يدل على إن هذا التوزيع لم يقم ولم يستند على عنصرية وحزبية وعلى هجرات منتظمة، و إنما قام على حق القوة وتحكم القوي في الضعيف، مهما كان عنصر القوي وأصله. وأن التكتل قد حدث بدوافع سياسية عسكرية لعبت دوراً خطيراً في تكون النسب.

(1/2162)


وظاهرة أخرى نراها عند القبائل، تتجلى في إن القبائل وان تنقلت وارتحلت من مكان إلى مكان، سعياً وراء الماء والكلأ، كما يذكر أهل الأخبار، إلا إن ذلك لا يعني إن هذه الحركة هي حركة دائمية مستمرة، وان القبائل كانت تتنقل دوماً من مكان إلى مكان. بحيث صار الترحل لها سنة دائمة لازمة. فلو ثبتنا منازل القبائل على "خريطة" صورة جزيرة العرب، استناداً إلى روايات أهل الأخبار عنها، وجدنا، إن منازل القبائل لم تتبدل إلا للضرورات ولأسباب قاهرة تكره القبيلة على ترك ديارها والارتحال عنها إلى منازل جديدة. كاًن تغزوها قبائل كثيرة العدد أقوى منها أو ينحبس عنها المطر سنين، تهلك الضرع، أو تحاربها قوة نظامية أقوى منها، كالذي وقع ل "إياد" حيث أزاحها "بنو عبد القيس" عن مواطنها في البحرين، ثم شتتت الفرس شملها في العراق فعندئذ تضطر القبيلة وهي مكرهة مجبورة على ترك ديارها للبحث عن ديار أخرى جديدة. وتكاد تكون اكثر أسباب هجرات القبائل وارتحالها من أماكنها إلى أماكن أخرى هي الأسباب المذكورة.

(1/2163)


وطراز حياة القبائل في جزيرة العرب باستثناء العربية الجنوبية، متشابه، بحيث يصعب إن نجه فروقاً واضحة ظاهرة بين القبائل التي ينسبها النسابون المسلمون إلى قحطان أو آل عدنان، فهي متشابهة وعلى وتيرة واحدة. وأما اللغة، فإننا لا نجد فيما بين القبائل العدنانية و القحطانية أي خلاف يذكر على ما يظهر من روايات علماء اللغة. بل نجد إن لهجات القبائل القحطانية، الشمالية هي لهجات عدنانية، مخالفة للهجات أهل اليمن المعروفة التي كانت سائدة في اليمن إلى ظهور الإسلام. فلهجات آهل اليمن من الحميرية وغيرها، بعيدة عن لهجات القبائل القحطانية والعدنانية بعداً متساواً، حتى بالنسبة إلى القبائل اليمانية التي غادرت اليمن في عهد متأخر، كما سأبحث عن ذلك فيما بعد، وفي القسم الخاص بلغات أهل الجاهلية.. ولهذه الظاهرة أهمية كبيرة بالنسبة إلى دراسة اللغة والنسب عند العرب الجاهليين.

(1/2164)


وعندي أن ما يذهبا اليه المستشرقون من تقسيم العرب إلى عرب جنوبيين وعرب شماليين، هو تقسيم لا يمكن اعتباره تقسيماً علمياً. فان ما نشاهده من فروق في الملامح والمظاهر بين أهل العربية الجنوبية من أهل اليمن وحضرموت ومسقط وعمان وبن أهل الحجاز ونجد، والعرب الشماليين الآخرين، وان كان واضحاً. ظاهراً ولا مجال إلى نكرانه، إلا إن هذه الفروق لا يمكن اعتبارها مع ذلك حداً فاصلا يقسم العرب إلى مجموعتين: مجموعة شمالية ومجموعة جنوبية، لسبب بسيط جداً سبق إن بينته في الجزء الأول من هذا الكتاب، وتحدثت عنه في مواضع، أخرى منه. وهو إن كل مجموعة من المجموعتين لا تكون في نفسها وحدة متناسقة متجانسة، بل تتألف من مجموعات تختلف بعضها عن بعض في السحن وفي الملامح، بسبب عوامل الاتصال بالعالم الخارجي، وبسبب اختلاف الظروف للطبيعية التي يعيش? أفراد كل مجموعة. فأهل جبال اليمن والجبال المتصلة بها الممتدة إلى عمان، يختلفون اختلافاً بيناً عن أهل السواحل و الارضين المنخفضة، ليس في الملامح والسحن فحسب، بل وفي العمل وفي النشاط وفي المدارك أيضاً. وأهل السراة في العربية الغربية يختلفون عن أهل تهامة وبقية ساحل البحر الأحمر، وأهل نجد يختلفون عن أهل ساحل الخليج. يختلفون عنهم في السحن والملامح كما يختلفون عنهم في المدارك وفي حدة الذهن. وهذا الاختلاف هوّ شيء واقعي بيّن للعيون، يراه كل إنسان حين يزور بلاد العرب. وهو في حد ذاته شاهد على فساد نظرية المستشرقين في تقسيم العرب إلى مجموعتين.

(1/2165)


وبعد، فهذه الطبيعة طبيعة جزيرة العرب - من جوّ وارض، من انحباس مطر ومن ارتفاع في درجات الحرارة. ومن يبوسة في الهواء، وقلة في الرطوبة، ومن اختلاف في ضغط الجو اختلافاً يخل بتوازنه فيثير فيه أعاصير وعواصف، تعتدي على حرمة التربة الهادئة الراقدة، فتقع رمالها إلى ارتفاعات متباينة، وتلفح الأوجه والأجسام ب "سموم" و بما شاكله من اهوية مزعجة، تثير الغضب وتلهب العصب، وتجعل الجو داكناً اظلم مغبراً، أضف إلى ذلك ما نراه من نور ساطع و أشعة لامعة تحمل أمواجاً غير مرئية تؤثر في خلايا البشرة وفي النفس، ثم هذه الرطوبة المفرطة المتحكمة في التهائم، و هذه الندرة في الأنهار، والإسراف في ظهور البوادي والصحارى، وتحكم الطبيعة تحكماّ جائراً في توزيع النبات والحيوان على أهل جزيرة العرب: كل هذه الأمور و أمثالها أثرت أثراً كبيراً في نفس أهل جزيرة العرب، وفي شكل أجسامهم، وفي حالة معيشتهم، فجعلتهم يختلفون عن غيرهم بأمور، ويتباينون فيما بينهم بأمور، وذلك لاختلاف طبيعة أجزاء الجزيرة نفسها. ونحن لن نستطيع فهم العرب فهماً صحيحاً دقيقاً، إلا إذا درسنا هذه الأمور المذكورة وأمثالها دراسة علمية دقيقة. وعندئذ فقط نستطيع فهم سبب تفشي البداوة بين العرب، وسبب تطبع العرب بطباع خاصة، واتسامهم بسمات وعلامات خاصة وبملامح ومظاهر جسمية متباينة، وأمثال ذلك مما تعرضت له في بحث الجنس والسامية وفي بحث طبيعة العقلية العربية وما قبل في حقها من أقوال، وما ورد في العرب من مدح أو ذم ومن وصف صادق أو كاذب.
أركان القبائل
يرجع كل العرب من حيث النسب إلى ركن من "أركان القبائل". فقد اصطلح علماء النسب على إن للنسب عند العرب بعد قحطان و عدنان أربعة أركان: ربيعة ومضر و يمن و قضاعة. وذلك على رأي من جعل قضاعة ركناً قائماً بذاته. ولا يمكن إن يخرج نسب عربي أصيل عن أصل من هذه الأصول.

(1/2166)


وورد إن العرب في النسب على أربع طبقات: خندفي وقيسي، ونزاري، ويمني. ويمن هي قحطان. وكان العرب يتعززون بانتسابهم إلى اليمن، فكان من ينقلب على نسبه يتخذ لنفسه نسباً يمانياً. "وأكثر العزوة لمن ينقلب عن نفسه إلى اليمن، لأجل أن الملوك كانت في اليمن: مثل آل النعمان بن المنذر من لخم، وآل سليح من قضاعة، و آل محرق، وآل العرنج، وهو حِمْيرَ الاكبر ابن سبأ كالتبابعة والأذواء وغيرهم. والعرب يطلبون العز ولو كان في شامخات الشواهق، وبطون الامالق البوالق، فينتسبون إلى الأعز لحماية الحمّية و اباءة الدنية ..".
ورجع بعض النسابين المعروفين نسب العرب إلى ثلاث جراثيم: نزار، واليمن وقضاعة. ويمثل رأيهم هذا رأي القائلين بالأركان الأربعة للقبائل بالضبط، لأن نزاراً هو في عرفهم والد ربيعة ومضر، وكل ما فعلوه هنا، هو انهم حذفوا اسمي الولدين وأحلوا اسم والدهما في محلهما.
ورجع "المأمون" الخليفة العباسي، أصول العرب إلى قيس ويمن و ربيعة ومضر. فلما تعرض عربيّ بالمأمون وهو في زيارته بلاد الشام، ولامه في تقديم أهل خراسان على العرب، بقوله: "يا أمير المؤمنين انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم خراسان"، أجابه الخليفة: "أكثرت عليّ يا أخا أهل الشام، والله ما أنزلت قيساً عن ظهور الخيل إلا وأنا أرى انه لم يبق في بيت مالي درهم واحد. وأما اليمن فو الله ما أحببتها ولا أحبتني قط. وأما ربيعة فساخطة على ربّها منذ. بعث الله نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شارباً، أعزب عني فعل الله بك..." فأركان العرب في رأي المأمون أربعة: قيس ويمن و ربيعة ومضر. وهي كتل كانت على عادة العرب متنافسة متحاسدة متباغضة، ترى كل واحدة منها نفسها وكأنها أمة دون سائر الأم: و "يمن" كناية عن العرب الجنوبيين من همدان وحمير وكندة وأمثالها، وأما قيس و ربيعة ومضر، فكناية عن تكتلات وتجمعات العرب من غير اليمن.

(1/2167)


وذهب "ابن حزم" إلى إن جميع العرب من أب واحد، سوى ثلاث قبائل، هي: تنوخ، والعُتق، وغسان، فان كل قبيلة منها مجتمعة من عدة بطون. وذلك إن تنوخاً اسم لعشر قبائل اجتمعوا وأقاموا بالبحرين، فسُمّوا تنوخاً، والعتق جمع ما اجتمعوا على النبي، فظهر بهم فأعتقهم فسُمّوا بذلك، وغسان عدة بطون نزلوا على ماء يسمى غسان فسموا به.
ولما جاء "خالد بن الوليد، إلى العراق كان جيشه من "ربيعة" و "مضر" ومن قبائل يمانية. ومعنى هذا وجود ثلاثة أركان قبائل محاربة. ولما قال "خالد ابن الوليد" ل "عديّ بن عديّ بن زيد العباديّ": "ويحكم! ما انتم! أعرب? فما تنقمون من العرب! أو عجم! فما تنقمون من الإنصاف والعدل! فقال عديّ: بل عرب عاربة و أخرى متعرية، فقال: لو كنتم كما تقولون لمّ تحادّونا وتكرهوا امرنا? فقال له عديّ: ليدلك على ما نقوله انه ليس لنا لسان إلا بالعربية، فقال: صدقت" ولا تعني جملة "بل عرب عاربة و أخرى متعربة" معنى: إن العرب عربان، عرب عاربة وعرب متعربة، على النحو المفهوم منها عند أهل الأخبار. بل هي تعبر عن واقع اصل أهل الحيرة. فقد كان أهلها بين عرب صرحاء وبن عرب متعرية أي جماعة لم تكن عربية في الأصل وانما كانت من اصل عراقيّ وفارسيّ أقامت في الحيرة، وتأثرت بأهلها العرب فتكلمت العربية حتى صارت العربية لسانها، فهي من العرب المتعربة. وقد كان كل عرب العراق على هذا النحو في ذلك الوقت. فمنم بين عرب خلّص وبن عرب متعربة، لم تكن أصولها من منبت عربيّ، و إنما دخلت في العرب فتطبعت بطباعهم و أخذت لسانهم حتى نسيت ألسنتها القديمة، وصارت من العرب.

(1/2168)


وقد ذكر بعض المؤرخين إن العرب من "نزار" ملكتهم الفرس. وأن العرب من غسان ملكتهم الروم. فجعل "نزاراً" في مقابل غسان. ولم يكن كل عرب العراق من "نزار". يدلك على ذلك إن ملوك الحيرة على رأي أهل الأخبار من قحطان. والذي يلاحَظ من كيفية توزيع القبائل علي حسب رواية أهل الأخبار إن. معظم قبائل العراق، هي من قبائل "نزار" أو من "ربيعة" و "مضر" بتعبير آخر. أما معظم قبائل بلاد الشام فهي من "يمن" أي على عكس الحال في العراق. فهل يمثل هذا التقسيم توزيعاً تاًريخياً صحيحاً ? بمعنى إن اكثر قبائل العراق، قد وردت العراق? من العربية الشرقية والعربية الوسطى، أي من سواحل الخليج ونجد، وان عرب بلاد الشام إنما جاؤوا إلى هناك من اليمن، عن طريق الحجاز ونجد.. أو انه تقسيم سياسي اصطلاحي، نشأ قبل الإسلام بعهد طويل من، المنافسة التي كانت بين العراق وبلاد الشام، المنافسة التي ظلت باقية في الإسلام. فقد كان بن العراق وبين بلاد الشام عداء وتباغض، لعوامل لا مجال للبحث فيها في هذا المكان.. وقد استولت حكومات العراق من حكومات وطنية وأجنبية على بلاد الشام مراراً، مما ولد مرارة وأوجد حقداً بين أهل العراق وأهل الشام، فانتقل ذلك إلى عرب القطرين أيضاً. فحارب عرب العراق عرب بلاد الشام، حتى وصل هذا العداء إلى دعوى وجود فرق بين اصل عرب العراق وأصل عرب بلاد الشام. فصارت اكثر قبائل العراق في عرف أهل الأنساب من ربيعة ومضر ونزار، وصار معظم بلاد الشام في عرفهم من اليمن. قياساً على ما كان عليه، العرب عند ظهور. الإسلام من أنصار ومهاجرين، أو من يمن وعدنان، أو قحطان و عدنان وما شابه ذلك من أسماء. أما رأيي، فان لأهل الأخبار يداً طولى في هذا التقسيم الذي ظهر واينع في الإسلام. وان الجاهلية لم تكن تخلو من تجمعات وتكتلات قبلية، لكنها كانت تختلف عن التجمعات التي أثارتها النعرة القبلية الجديدة التي برزت في الإسلام، والتي آثرت على ظهورها

(1/2169)


عوامل عديدة إلى إن ثبتت و دُوّنت في كتب أهل الأنساب والأخبار.
وجعل بعض أهل الأخبار العرب يمناً ونزاراً. وذكر إن اليمن أصحاب بحر وبني نزار أصحاب بر. وقصدوا باليمن أصحاب الساحل، الذين عركوا البحر وخبروه. عكس "نزار"، عرب البر، وهم قوم لا علم لهم بالبحر، انهم لم يتعودوا على ركوبه. إذ سكنوا البرَّ ولم يعركوا البحر، فخافوا منه و تجنبوه.
و الآراء المتقدمة في تقسيم العرب إلى أركان وكتل، هي آراء عربية محضة أخذت، من واقع الحال، ولم تستند من التقسيم المألوف للعرب إلى قحطانيين و عدنانيين، التقسيم المأخوذ من التوراة على نحو ما شرحت ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب. ذلك لأن الحياة في بلاد العرب هي حياة تكتل و تحزب، فكان لا بد للقبائل من عقد أحلاف فيما بينها للمحافظة على نفسها من افتراس القبائل الكبيرة لها، ومن إستذلالها وآخذ ما تملكه. وبهذه الأحلاف حافظت القبائل - الضعيفة على حياتها، وجدّت من طمع القبائل الضخمة في القبائل الهزيلة، وصار في الإمكان السيطرة على الأمن والتقليل من حمى غزو القبائل بعضها بعضاً.
وحاجة الأعراب إلى الأحلاف اكثر وأشد من حاجة الحضر إليها، وذلك بسبب إن الغزو في البادية ضرورة من ضرورات الحياة لفقر البادية وشحها، لانبساط أرضها وعم وجود حواجز طبيعية تعوق الغزو وتحمي المغزو منه. فاضطرت القبائل على خلق حماية طبيعية لها هي الأحلاف. و الأحلاف هي لغاية حماية المال والنفس في الغالب، ولكبح جماح المعتدين إذن. أما الأحلاف الهجومية التي تعقد لتحقيق أغراض هجومية مثل غزو حلف حلفاً آخر لو قبيلة ضخمة قبيلة ضخمة أخرى، فإنها لا تعمر طويلاً كما تعمرّ الأحلاف الدفاعية، لأن أسباب انعقادها تزول بتنفيذ ما اتفق عليه، وقد يتحطم الحلف بسبب ظهور اختلافات مصالح لم تكن في حسبان المتحالفين يوم عقدوا حلفهم، فيتصدع بنيان الحلف ويتهدم ويزول الحلف ليظهر محله حلف آخر جديد.

(1/2170)


أما الحضر، فان لهم من حماية أرضهم لهم، ومن طبيعة الحياة التي يحيونها ما يخفف من حاجتهم إلى الحلف القبلي، ويجعل أحلافهم أحلافاً من طراز آخر.
فقد منحت الطبيعة الحضر حجراً صلداً بنوا به أبراجاً وحصوناً ومعاقل حموا بها مستوطناتهم، من طمع الطامعين فيهم، ولا سيما من الأعراب الذين لا يسهل عليهم اقتحام الحصون ولا تهديمها. لعدم وجود أسلحة تؤثر فيها ومنحتهم تربة صار من الممكن عمل الآجر أو اللبن منها لبناء المحافد و الآطام وما شاكل ذلك من وسائل الدفاع، كما أمدتهم بمواد بناء مكنتهم من إنشاء الحيطان والأسوار حولها، وهي مانع يصد الأعراب عن الحضر. وهم بالإضافة إلى ذلك أقدر على الدفاع عن أنفسهم وعلى اللجوء إلى الحيل للتخلص من الأعراب بسبب تحضرهم وتقدمهم في التفكير على عقلية الفطرة التي جبل البدو عليها. وغاية ما فعله الحضر من الأحلاف، هو تحالفهم مع من أحاط بهم من الأعراب لضمان عدم تحرشهم بهم أو لمنع الأعراب الآخرين من التحرش بهم. وعقد حبال مع القبائل لمرور تجارهم من أرضها بأمن وسلام مقابل هدايا أو أرباح أو أموال تعين، تدفع إلى ساداتها تأليفاً لقلوبهم وضماناً منهم لهم بعم تحرش أحد بهم.

(1/2171)


ولما تقدم انحصرت الأحلاف الكبرى أو التكتلات القبلية الضخمة بالأرضيين المكشوفة التي غلب عليها الطابع الصحراوي. وبين القبائل التي غلبت البداوة عليها. و الأحلاف الكرى، هي في نظري كناية عن النسب الأكبر عند العرب. فربيعة ومضر و إياد وأنمار وقضاعة، هي في الواقع تكتلات قبيلة تكونت من قبائل غلبت البداوة على طبعها، وقد ظهرت خارج العربية الجنوبية، أي خارج الأرضين التي غلب على سكانها طابع الارتباط بالأرض والقرار. أما القبائل القحطانية، التي هي في التوراة كناية عن قبائل غربية جنوبية مستقرة، فكتل أخذت أسماءها من الأرضين التي كانت حكمها أو من اسم القبيلة التي سميت باسمها. وبين أسماء القبائل وأسماء الأرضين صلة متينة، بحيث يصعب الحكم فيما إذا كانت الأرض قد أخذت اسمها من اسم القبيلة، أو إن القبيلة أخذت اسمها من اسم الأرض.
وقد لعبت فكرة "قحطان" و "عدنان" دوراً مهما في حصر الأنساب عند العرب في الإسلام. يذكر الجاحظ إن رجلاً اسمه "شويس الساسي التميمي العدويّ"، المعروف ب "أبي فرعون"، كان قد قدم البصرة، فذهب إلى رجل منها اسمه "كهمس" يلتمس العون منه، فأعطاه رغيفاً من الخبز الحواري، ثم ذهب إلى رجل آخر اسمه "عمر بن مهران"، فلم يعطه ما كان يريد، فضاق ذرعاً من هذا الرغيف، وذهب إلى حلقة "بني عديّ" فوقف عليهم وهم مجتمعون، وأخرج الرغيف من جرابه وألقاه في وسط المجلس، وقال: يا بني عديّ، استفحلوا هذا الرغيف، فإنه أنبل نتاج على وجه الأرض! ثم قال شعراً سخر فيه من أهل البصرة ومن تشدقهم في الانتساب إلى قحطان أو عدنان، وفحش بهما ومن انتساب الناس اليهما، بينما الناس هنالك ما بين نبط أو خوزان.

(1/2172)


ومن أهم القبائل القحطانية التي كان لها شأن يذكر عند ظهور الإسلام، و في الإسلام. حمير وكهلان. ومن مجموعة حمر قضاعة، في رأي من جل قضاعة من اليمن. ومن قضاعة كلب وأسد ومن أسد تنوخ. و أما مجموعة. كهلان، فتتألف من الأزد و همدان و مذحج وطيء، ومن الأزد: غسان و الأوس و الخزرج و ربيعة من القبائل العربية الكبيرة العدد، وقد سبق إن تحدثت عنها في مواضع من الأجزاء السابقة من هذا الكتاب. وقد عرفت "ربيعة" ب "ربيعة الفرس". ويعلل أهل الأخبار اشتهارها بذلك بقولهم: "وربيعة الفرس. هو ا?ن نزار بن معدّ بن عدنان، أبو قبيلة. وإنما قيل له ربيعة الفرس لأنه أعطي من ميراث أبيه الخيل، وأعطي أخوه مضر الذهب. فسميّ مضر الحمراء. وأعطي أنمار أخوهما: الغنم، فسمي أنمار الشاة. وذكروا أيضاً: إن نزاراً لما حضرته الوفاة، آثر إياداً بولاية الكعبة، وأعطى مضر ناقة حمراء، فسميّ مضر الحمراء، وأعطى ربيعة فرسه، فسموّا ربيعة الفرس، وأعطى أنمار جارية له تسمى: بجيلة فحضنت بنيه، فسميّ بجيلة أنمار". وذكر أيضاً إن نزاراً لما حضرته الوفاة قسم ماله بين بنيه، "وهم أربعة: مضر و ربيعة و إياد و أنمار. وقال: يا بني، هذه القبة وهي من أدم حمراء وما أشبهها من المال لمضر، وهذا الخباء الأسود وما شبهه من المال لربيعة، وهذه الخادم وما أشبهها من المال لإياد، وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه". ولما مات توجهوا إلى "الأفعى بن الأفعى الجرهمي" وكان ملك نجران، وصادفوا في طريقهم أعرابياً ضل بعيره، فوصفوه لة، فقال لهم دلّوني عليه، ولما حلفوا له أنهم لم يروه وإنما وصفوه من أثره لم يصدقهم بل أخذهم إلى "الأفعى" ليحلفوا أمامه انهم لم يروه، فلما بلغوه قصّوا قصتهم مع الأعرابي، وذكروا انهم إنما وصفوه من أثره على الأرض، فحكم لهم "الأفعى" بأنهم صادقون، وانهم لم يشاهدوه، ثم احتفل بهم بعد إن عرفهم وجرب ذكاءهم، وحكم بأن لمضر القبة الحمراء والدنانير والإبل،

(1/2173)


وهي حمر فسميت: مضر الحمراء، وان لربيعة الخباء الأسود من داية ومال، فصارت له الخيل، وهي دهم، فسميت ربيعة الفرس. ثم قال: وما اشبه الخادم، وكانت شمطاء، فهو لإياد، فصارت له الماشية البلق من الخيل وغيرها، وقضى لأنمار بالدراهم والأرض.
و "مضر" من القبائل الكبيرة. وقد عرفت ب "مضر الحمراء" كما ذكرت. وفسر علماء اللغة والنسب اشتهار "مضر" على نحو ما ذكرت قبل قليل، وفسره بعضهم يقوله ومضر الحمراء، لأنه أعطي الذهب من ميراث أبيه. وأخوه ربيعة أعطى الخيل. فلقب بالفرس. أو لأن شعارهم في الحرب الرايات الحمر. وقال بعض علماء اللغة، وإنماُ سميّ مضر بمضر: "لولعه بشرب اللبن الماضر أو لبياض لونه"، "والعرب تسمي الأبيض أحمر، فلذلك قيل مضر الحمراء". وذكر بعض أهل الأخبار إن مضر مضران: مضر الحمراء لسكناها قباب الأدم، ومضر السوداء لسكناها المظالّ.
ويظهر من هذه التفسيرات، إن "مضر" كانت قد نعتت ب "الحمراء" قبل ظهور الإسلام. وان "ربيعة" كانت. قد عرفت ب "ربيعة الفرس"، ولعل هذا بسبب، إن "مضر" كانت إذ ذاك قبائل ذات إبل و تجارة ومال، ومنها "قريش" التي عرفت بتجارتها وبما جمعته من مالَ، فقالوا "مضر الحمراء". و أما "ربيعة"، فكانت قبائل متبدية غازية محاربة، لها خيل وفرسان لهذا عرفت ب "ربيعة الفرس".
- وقد أشار الشاعر "لبيد" إلى ربيعة ومضر في شعره حين تعرض لذكر الموت، فقال: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
أراد: هل أنا إلا من أحد هذين الجنسين، فسبيلي إن أفنى كما فنيا. ونسب إليه قوله: فإن لم تجد من دون عدنان والداً ودون معدّ فلتزعك العواذل
فأشار بذلك إلى "عدنان" و "معد".

(1/2174)


ومن أشهر قبائل مضر "قريش."، حتى إن الناس كانوا إذا قالوا: مضري انصرف ذهنهم إلى قرشي. علي سبيل الشهرة، لاشتهار. قريش بالمضريِة. فلما رأى رجل "أبا سفيان" واقفاً بباب "عثمان بن ضان" ينتظر الإذن بالدخول عليه. قال له: "يا أبا سفيان، ما كنت أرى، إن تقف بباب مضري، فيحجبك! فقال أبو سفيان: لأعدمت من قومي من أقف ببابه فيحجبني".
القبائل القوية
والقبائل مثل الدول، أنماط ودرجات..منها قبائل قوية نشطة تعتمد على نفسها في الدفاع عن كيانها، ومنها قبائل أقل من هذه القبائل شأناً وقوة تحالف مع غيرها في الدفاع عن نفسها، نم لتكون من الحلف كتلة قبلية مهابة. وقبائل صغيرة ليست لها قدرة على الدفاع عن حياتها لوحدها، لذلك تركن إلى التحالف مع قبائل أخرى أقوى منها لتحافظ بذلك على وجودها.
والقبائل القوية هي القبائل الكثيرة العدد والموارد. و إذا ترأسها سادات ذوو كفاءة وقدرة، هابتها القبائل الأخرى.، وسادت على غيرها، وكونت منها ومن القبائل التي تستولي عليها مملكة، كالذي فعلته كندة. ولم يورد العلماء شروطاً في الحد الأدنى أو الحد الأكبر للقبيلة.. وذلك من ناحية. عدد العشائر والبطون والأفخاذ، فلم نعثر على حد معين إذا بلغته جماعة من الناس وجب إطلاق لفظة "قبيلة" عليها. بل نجد علماء النسب يطلقونها أحياناً على بطون و أفخاذ، فيقولون: قبائل قريش، ويذكرون أسماءها، بينما هي في الواقع "آل" أو أرهاط وبطون.

(1/2175)


و يقال للقبائل التي تستقل بنفسها وتستغني عن غيرها "الأرحى". وعرفت القبيلة التي لا تنضم إلى أحد ب "الجمرة". ذكر إنها القبيلة تقاتل جماعة قبائل. وكل قبيل انضموا فصاروا يداً واحدةً ولم يحالفوا غيرهم، فهم جمرة. وقيل: الجمرة: كل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم لا يحالفون أحداً ولا ينضمون إلى أحد. تكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لقراع القبائل كما صبرت عبس لقبائل قيس. ولما سأل "عمر" "الحطيئة" عن عبس و مقاومتها قبائل قيس. قال: "يا أمير المؤمنين كنا ألف فارس كأننا ذهبة حمراء، لا نستجمر و لا نحالف، أي لا نسأل غيرنا إن يجتمعوا إلينا لاستغنائهم عنهم". والجمرة إجماع القبيلة الواحدة على من ناوأها من سائر القبائل.
وذكر إن "الجمرة" ألف فارس، أي القبيلة التي يكون فيها ذلك العدد من الفرسان ؛ وقيل ثلاثمائة فارس، أو نحوها. والذي يستنتج من آراء علماء اللغة والنسب في تعريف "الجمرة"، إنها القبائل المقاتلة القوية التي تعتمد على نفسها في القتال، ولا تركن إلى غيرها، ولا تحالف غيرها لتستفيد من هذا الحلف في قراع القبائل.
ومن مفاخر هذه القبائل كثرة ما عندها من فرسان، والفرسان في ذلك اليوم هم عماد حركة الجيوش، ومن أسباب القوة والانتصار. وقد عدّوا القبيلة التي يكون فيها ثلاثمائة فارس أو نحوها جمرة، وقيل الجمرة: ألف فارس.

(1/2176)


ومن جمرات العرب: ضبّة بن اد، وعبس بن بغيض، والحارث بن كعب، ويربوع بن حنظلة. و ذكر بعض العلماء إن جمرات العرب ثلاث جمرات: بنو ضبّة بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر، وبنو الحارث بن كعب، وبنو نمير بن عامر. فطفئت منهم جمرتان. طفئمت ضبّة، لأنها حالفت الرباب وطفئت بنو الحارث، لأنها حالفت مذحج. وبقيت "نمير" لم تطفأ، لأنها لم تحالف. وورد إن الجمرات: عبس بن ذبيان بن بغيض، والحارث بن كعب، وضبّة بن اد، وهم إخوة لأم، لأن أمهم امرأة من اليمن. تزوجها "كعب بن عبد المدّان يزيد بن قطن، فولدت له: الحارث بن كعب، وهم أشراف اليمن ثم تزوجها "بغيض بن ريث بن غطفان"، فولدت له عبساً وهم فرسان العرب، ثم تزوجها "اد" فولدت له ضبة. فجمرتان في مضر، وهما عبس وضبةّ و جمرة في اليمن، وهم بنو الحارث بن كعب. وذكر بعض آخر إن الحارث، هم بنو كعب بن علة بن جلد. ومنهم من عدّ تميماً من الجمرات.
"قال الخليل: الجمرة كل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم، لا يحالفون أحداً، ولا ينضمون إلى أحد، تكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لمقارعة القبائل كما صبرت عبس لقيس كلها".
و إذا تأملت كلام العلماء في جمرات العرب، تجده يصادم بعضه بعضاً حتى إن الواحد منهم يذكر عدداً، ثم يذكر عدداً غيره في موضع آخر من كتابه. وقد اعتذر عن ذلك بعض العلماء إذ قال: "قلت فإذا تأملت كلامهم تجده مصادماً بعضه مع بعض"، ثم ذكر أمثلة من أمثلة هذا التصادم، ثم خلص إلى هذه النتيجة، واعتذر عنهم بقوله: "و إذا تأملت كلامهم علمت انه لا مخالفة ولا منافاة، إلا إن البعض فصل والبعض أجمل".

(1/2177)


وعندي إن للعواطف القبلية دخل في هذا الاضطراب، فمن النسّابين من تعصب لقبيلة، فجعلها من الجمرات، بسبب صلته بها، ومنهم من تعصب لغيرها، ومنهم من تعصب على هذه القبيلة أو تلك، فأخرجها من الجمرات، فمن هنا وقع هذا الارتباك عند العلماء حين سألوا نسابي القبائل ورواة الأخبار عن أيام الجاهلية، وعن الأنساب والقبائل، وهي من أهم الامور حساسية عند العرب، فظهرت العصبية في مؤلفات أهل النسب والأخبار حين شرعوا بالتدوين.
وعرفت القبائل القوية الكبيرة التي تفرعت منها جملة قبائل ب "أم القبائل". ومن القبائل القوية "بكر بن وائل". وسبب ذلك إن القبيلة القوية تكبر بسبب انضمام القبائل الصغيرة، فإذا توسعت وتضخم عددها صار من الصب عليها البقاء في منازلها، فتضطر عندئذ على التوسع والانتشار في أرضين جديدة. و قد تغادر أحياء منها منازلها لتجد لها منزلاً طيباً جدبداً،، فتبتعد بذلك عن القبيلة الكبيرة التي جمعت تلك الأحياء. فتكون بمثابة الأم للقبائل النازحة. تربطها بها رابطة ذكرى الأمومة، التي تتحول إلى نسب تخطه ذاكرة حفاظ الأنساب.
وعرفت أربع قبائل بشدتها وبأسها، فقيل لها: "رضفات العرب". وهي: "شيبان وتغلب وبهراء وإياد".
وقيل ل "كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان" من قضاعة، و "طيء ابن ادد"، و "حنظلة بن مالك بن زيد مناة" من "تميم"، و "عامر بن صعصعة بن معاوية" من "فوازن"، "جماجم العرب". وذكر إن "الجماجم" السادات والرؤساء، وان القبائل المذكورة، كانت من جماجم القبائل، أي من رؤسائها، وقد دعيت ب "جماجم"، لأنها بمنزلة جمجمة للرأس بالنسبة للإنسان، أي إن هذه القبائل من القبائل الرئيسة عند الجاهليين.
وبين القبائل، قبائل دعاها "ابن حبيب" "أثافي العرب". وهي "سليم" و "هوازن" من "قيس عيلان"، و "غطفان"، و "أعصر" و "محارب ابن خصفة". و "الإثفية" العدد الكثير والجماعة من الناس. والظاهر إنها إنما عرفت بذلك لكثرة عددها.

(1/2178)


ومن مفاخر القبائل اعتزالها القبائل الأخرى وعدم مخالطتها قبيلة ثانية. وتفخر الأحياء بحردها أيضاً. فيقال "حي حريد منفرد"، ومعناه-معتزل من جماعة القبيلة لا يخالطهم في ارتحاله وحلوله لعزته، لأنه لا ينزل. في قوم من ضعف وذلة لما هو عليه من القوة والكثرة.
وذكر أن القوم الذين يكون آمرهم واحداً يعرفون ب "الخليط". وذلك انهم كانوا ينتجعون أيام الكلأ، فتجتمع منهم قبائل شتى في مكان واحد، فتقع بين هم ألفة، ويكونون يداً واحدة. فإذا افترقوا ورجعوا إلى أوطانهم ساءهم ذلك وريعوا.
وهناك قبائل ضعيفة، لم تتمكن إن تعيش لوحدها، لذلك تحالفت مع غيرها من قبائل أقوى منها، واندمجت بها. كما يندمج الأشخاص بالقبائل، بالحلف أو بالجوار أو بالموالاة. وعند انضمام الأحياء والعشائر والقبائل الضعيفة إلى الأقوى منها، بطريقة من الطرق، يتم ذلك، بطقوس دينية على نحو ما سأتحدث عنه في عقد الأحلاف. بسبب إن العقود في نظر العرب تستوجب البرّ بها والوفاء، ولهذا تعقد في ظروف خاصة أمام الكهنة وفي المعابد.
ألقاب بعض القبائل
ولقد لقبت بعض القبائل بألقاب. فقد قيل: مازن غسان أرباب الملوك، وحمر أرباب العرب، و كندة كندة الملوك، ومذحج الطعان، وهمدان احلاس الخيل، والأزد أسد البأس، والذهلان: احدهما ذهل شيبان بن ثعلبة ويشكر، و الآخر ضبيعة وذهل بن ثعلبة، و اللهزمتان: إحداهما عجل وتيم اللآت، والأخرى قيس بن ثعلبة وعنزة، وكلهم من بكر بن وائل، إلا عنزة بن ربيعة.

(1/2179)


وبعض هذه الألقاب ألقاب حسنة جميلة، وبعضها ألقاب تشير إلى قوة وبأس وشدة، وبعض منها مقبول لا بأس به. وهي ألقاب كانت القبائل الملقبة بها تفاخر وتتباهى بها، أو تقبلها ولا ترى فيها أي بأس. وهي على العموم أما إن تكون قد نبعت من القبيلة، كان ينعت سيد قبيلة قبيلته بنعت.، فتتمسك به، أو إن ينعتها بذلك شاعر منها أو شاعر من قبيلة. أخرى، فيذهب هذا النعت بين الناس، و يصير سمة للقبيلة. غير إن في الألقاب بعض آخر يشير إلى استصغار شأن القبيلة التي نعتت به، مثل "القين" و "الأجارب" و "الأقارع"، و "قراد"، وما شاكل ذلك من ألقاب، تحولت إلى مسميات. أي تحول اللقب فصار اسم علم. وهي نعوت يظهر إن مصدرها شعر الهجاء و القبائل المعادية المتنابزة بالألقاب. وقد شاعت وثبتت لأنها أثرت في القبائل المهجوة وآلمتها، فتمسك قائلوها بها، وشاعت بين الناس حتى نسي سبب قولها، وصارت اسم علم للقبيلة، ولم ير من جاء بعد ذلك بأساً من الانتماء إلى القبيلة المنبوزة به.
وقد رمت بعض القبائل قبيلة إياد بالفسو، وعيرتها به، حتى إذا كان أحد رجالها بعكاظ، ومعه بردا حبرة، قام فقال: من يشتري مني عار الفسو بهذين البردين? فقام عبد الله بن بيدرة احد "مَهْو" حيّ من عبد القيس، فقال: هاتها، واشهدوا أني اشتريت عار الفسو من إياد لعبد القيس بالردين. فلما أتى رحله وسئل عن الردين، قال: اشتريت لكم بهما عار الدهر، فوثبت عبد القيس، و قالت:.
إن الفساة قبلنا إياد ونحن لا نفسو و لا نكاد
و تفرق الناس عن عكاظ بابتياع عبد القيس عار الفسو. ثم إن هذا العار زال عن اياد ولصق بعبد القيس، فهجوا به كثيراً. وضرب المثل ب "عبد الله بن بيدرة"، فقيل: "شيخ مَهْو"، ضرب به المثل في الخسران. وقيل: أخسر صفقة من شيخ مهو.

(1/2180)


وبعض هذه النعوت قيل في الإسلام، من ذلك رمي "تميم" بالبخل واللؤم، بسبب هجاء الطرماح لها وقوله فيها: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت سبل المكارم ضلت
ونجد لجرير و للفرزدق و للأحابيش ولغيرهم ذمّاً في قبائل الشعراء المتهاجين.
ومن القبائل الملقبة: الأحابيش، وقد تحدثت عنهم، والمطيبون و الأحلاف، وهم من قريش. وقد تحدثت عنهم أيضاً، والأراقم، وهم جشم، ومالك، وعمرو بن ثعلبة، ومعاوية، و الحارث، بنو بكر بن حبيب بن ضم بن ثعلب ابن وائل. وهم أحياء من ثعلب، جعلهم بعضهم ستة. هم: جشم ومالك وعمرو وثعلبة ومعاوية والحرث بنو بكر بن حبيب بن غنم بن ثعلب بن وائل. وقال بعض علماء اللغة، الأراقم: بطون من بني تغلب يجمعهم هذا الاسم. قيل سموّا. بذلك لأن ناظرا نظر إليهم تحت الدثار وهم صغار، فقال: كأن أعينهم أعين الأراقم، فلج عليهم اللقب.
وعرفت بعض القبائل ب "البزاجم"، و هم خمسة بطون من بني حنظلة: قيس، وغالب، وعمرو، و كُلفة و الظليم، و هو مرّة. قيل انهم إنما سموا بذلك، لأنهم تبرجموا على اخوتهم يربوع و ربيعة وماللك، وكلهم أبوهم حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة. وذكر أيضاً انهم إنما سموا البراجم، و ذلك لأن أباهم قبض أصابعه، وقال كونوا كبراجم يدي هذه. أي لا تفرقوا، وذلك اعز لكم. وقيل: لا، و إنما سموا بذلك، لأنم تحالفوا إن يرنوا كبراجم الأصابع في الاجتماع.

(1/2181)


وعرف "الثعلبات" بهذه التسمية، لأنهم بطون، اسم كل بطن منهم "ثعلبة". وهم: ثعلبة بن سعد بن ضبّة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، و ثعلبة بن عديّ فزارة، و أضاف إليهم قوم: ثعلبة بن يربوع. ويقال لهم "الثعالب" أيضاً. وهم قبائل شتى، فثعلبة في "بني اسد"، وثعلبة في تميم، وثعلبة في ربيعة، و ثعلبة في قيس. ومنهما الثعلبتان من طيء. وما ثعلبة بن جذعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة من طيء. وثعلبة بن رومان بن. جندب المذكور. وذكر إن الثعالب في طيء يقال لهم مصابيح الظلام، كالربائع في تميم.
و أما "الرباب"، فهم ضبّة بن أد بن طانجة، وتيم، وعديّ، وعوف، وهوعكل، وثور، وكل هؤلاء بنو عبد مناة بن أد بن طابخة. قيل انهم إنما سموا بذلك لتفرقهم، وقبل: سمو رباباً لترابهم، أي تعاهدهم وتحالفهم على تميم. وقبل: سموّا بذلك لأنهم أدخلوا أيديهم في رُبّ وتعاقدوا وتحالفوا عليه فصاروا ع يداً واحدة.
و أما "الأجارب"، فهم: خمس بطون من "بني سعد"، وهم: ربيعة، ومالك، والحارث، وعبد العزى، وبنو حمار. وورد الأجارب حيّ من بني سعد بن بكر من قيس عيلان، و إذا قيل: الأجربان، فهما: عبس و ذبيان.
و "الحرام"، هم: بنو كعب بن سعد بن زيد مناة. وذكر إن في العرب بطوناً ينسبون إلى "آل حرام". منهم بظن في تميم وبطن في جذام وبطن في بكر بن وائل. وهناك بطون أخرى عرفت ب "حرام".
وأما "الضباب"، فهم "بنو عمرو بن معاوية بن كلاب"، قال بعض أهل الأنساب انهم أربعة بطون من "بني كلاب". وقال بعض آخر. انهم اكثر، و أوصلوهم إلى أربعة عشر بطناً.
واشتهرت بعض القبائل والعشائر والبيوت بنعوت لازمتها في الجاهلية وامتدت إلى الإسلام، فقد عرف بنو مخزوم وبنو جعفر بن كلاب بالتّيه والكبر، حتى قيل: "أربعة لن يكونوا ومحال إن يكونوا: زبيديّ سخيّ، و مخزوميّ متواضع، وهاشميّ شحيح، وقريشيّ يحب آل محمد".

(1/2182)


واشتهرت "طيء" بالجود. لكون حاتم وأوس بن حارثة بن لأم منهم. وعرفت "باهلة" باللؤم، حتى ضرب بها المثل في اللؤم، فقيل: لؤم باهلة. واشتهر "بنو ثعل" بالرمي، وذكروا بذلك في شعر لامرئ القيس. واكتسبت "مدلج" شهرة واسعة في القيافة، إذ اختصت بها من بين سائر العرب. وبرز "بنو لهب" في العيافة. فهم أزجر العرب وأعينهم. وعرفت "إياد" بخطبائها، وملوك غسان بثريدهم، الذي قيل له: "ثريدة غسان". وعرفت كندة بغلاء مهور بناتهم، وعرفت "خزاعة" بالجوع والأحاديث، قيل لزهمان: ما تقول في خزاعة? قال جوع وأحاديث. أي فقر و دعاوى فارغة وأضغاث أحلام.
وعرفت بعض القبائل ب "الضبيعات". وهي "ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"، أشرفهن. و "ضبيعة أضجم بن ربيعة بن نزار"، و "ضبيعة بن عجل بن لجيم". وذكر أيضاً أن في العرب قبائل تنسب إلى "ضبيعة": "ضبيعة ابن ربيعة بن نزار"، وهو المعروف ب "الأضجم"، و "ضبيعة بن أسد ابن ربيعة"، قال بعضهم إنما ضبيعة أضجم، و "ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ابن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل"، وهو أبو رقاش أم مالك وزيد مناة ابني شيبان، و هم رهط الأعشى: ميمون بن قيس. و "ضبيعة بن عجل بن لجيم بن صعب بن بكر بن وائل، رهط الوصاف. و "ضبيعة بن فريد". بطن من الأوس من بني عوف بن عمرو، و ضبيعة بن الحارث العبسي.
وذكر "ابن حبيب" أسماء قبائل عرفت ب "الربائع". هي في "تميم". وهي: "ربيعة الجوع بن مالك بن زيد مناة بن تميم"، و "ربيعة بن حنظلة ابن مالك بن زيد بن تميم"، و "ربيعة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم"، كل واحد منهم عم صاحبه. و "ربيعة بن كعب بن سعد ابن زيد مناة"، وهم "الحباق". وورد: في تميم ربيعتان: الكبرى وهي ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وتدعى: ربيعة الجوع. والصغرى وهي: ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة من تميم.
أسماء أجداد القبائل

(1/2183)


ولكلّ قبيلة - كما ذكرت - جد تنتمي إليه وتفاخر وتباهي به. وقد يكون هذا الجدّ جداً حقيقياً، أي إنساناً عاش ومات، وساد القبيلة. وترك أثراً كبيراً في قبيلته، حتى نسبت القبيلة إليه. وقد يكون الجد اسم حلف تكوّن، وتالف من قبائل عديدة، حتى عرفت به، ودعيت بذلك الحلف، وصار وكأنه اسم جد وإنسان عاش. ومن هذا القبيل اسم "تنوخ" على حد زعم أهل الأخبار، فقد زووا إن تنوخ قبائل عديدة، اجتمعت وتحالفت، وأقامت في مواضعها.
وقد يكون اسم بوضع، أقامت قبيلة به، فنسبت إليه. كما يذكر أهل الأخبار من اسم "غسان". وقد يكون اسم إله عبد، فنسب عباده إليه مثل "بنو سعد العشرة"، و "تالب ريام" جد قبيلة "همدان"، و قد يكون اسم حيوان أو نبات أو ما شابه ذلك، مما يدخل في دراسة أصول الأسماء ومصادرها واشتقاقها، وهو شيء مألوف نراه عند غير العرب أيضاً، فليس العرب بدعاً وحسهم في هذه الأمور.
وما يذكره ويرويه أهل الأخبار عن أزمنة أجداد القبائل، فيه أغلاط وأوهام. فقد يرفعون زمان رجل فيبعدونه كثيراً عن الإسلام، بينما هو من الرجال الذين عاشوا قبيل الإسلام. وقد يجعلون الرجل من الجاهلية القريبة من الإسلام، بينما يجب وضعه قبل الإسلام بقرون. ثم هناك أخطاء فاضحة في سرد سلاسل النسب، وفي أسماء الاشخاص، ولا سيما في الأنساب القديمة، بحيث يصعب على الباحث. الأخذ بها والتأكد منها. أما بالنسبة إلى الأنساب القريبة من الإسلام، فان وضعها يختلف عن وضع الأنساب المذكورة، إذ يغلب عليها طابع الصحة والضبط.

(1/2184)


وقد ذهب المستشرق "بلاشير" إلى إن طريقة النسابين بالنسبة إلى الأرهاط، هي طريقة إيجابية مقبولة، ولكنها لا تستند إلى أسس صحيحة بالنسبة للقبائل و الأحلاف. بسبب إن تحالف القبائل وتكتلها، راجع إلى عوامل المصلحة الخاصة والمنافع السياسية، وهي تتغير دوماً بتغير المصالح، تتولد تبعاً لذلك أحلاف لم تكن موجودة وتموت أحلاف قديمة. وتظهر قبائل كبيروة وتموت غيرها. ولهذا التغير. فعل قويّ في تكوين الأنساب وفي نشوئها إذ تتبدل وتتغير الأنساب تبعاً لذلك التغير، ومن ثم فلا يمكن الاعتماد على الأنساب الكبرى، التي دوّنها علماء النسب وجمعوها في مجموعات، وشجروها حفدة وآباء و أجداداً.
والمصالح السياسية للقبائل لا تقيم وزناً. للاخوة وللنسب. فإذا اختلفت المصلحة، فلا تجد القبائل عندئذ أي غضاضة في الانفصال عن قبيلة مؤاخية لها لتتحالف مع قبيلة غريبة عنها في النسب، ومحاربة أختها التي انفصمت عنها. فعبس مثلاً تحالفت مع "بني عامر" في حرب البسوس على "ذبيان"، وهي اختها، وتحالفت ذبيان مع "تميم" على "عبس"، مع ما بين "تميم" و "عبس" و "ذبيان" من عداء قديم. وقد وقعت أيام بين "تغلب" و "بكر" مع صلة الرحم والقرابة القوية التي ربطت بين القبيلتين الأختين. وقع كل ذلك وحدث بسبب تغير المصالح التي كانت تربط فيما بين هذه القبائل.
ارض القبيلة
ولكل قبيلة ارض تعيش عليها وتنزل بها وتعتبرها ملكاً لها، تنتشر بها بطونها وعشائرها، ولا تسمح لغريب النزول بها والمرور بها إلا. بموافقتها وبرضاها. وقد اختص كل بطن منها بناحيته فانفرد بها واعتبرها أرضاً خاصة به.

(1/2185)


وتكون الأرض التي تحل القبيلة بها "منزلاً" لها، و "منازل" لأبنائها الذين ينزلون بها. يضربون بها، خيامهم. فتكون الأرض مضارب لها. تستوطنها وتقيم بها وتصير وطناً لها، أي دار إقامة، ما دامت تقيم بها. وموضع بيوتها. لذلك يعبر عن الأرض التي تقيم بها القبيلة ب "بيوت القبيلة" و ب "بيوت العشيرة"، لأنها مضرب البيوت.
وتمتد ارض القبيلة إلى المواضع التي تصل بيوتها أليها. فما يقع إلى الداخل فهو من موطن القبيلة، وما وقع خارج حدود نفوذ القبيلة خرج عن مواطنها. وتعين الحدود بالظواهر الطبيعية البارزة، مثل تلال أو أودية أو رمال أو ما شاكل ذلك. ونظراً إلى عدم تثبيت القبائل لحدودها على الأرض برسم معالم بارزة لها، صارت الحدود سبباً من أسباب النزاع المستمر والقتال الدائم بين القبائل.
وتكون مواضع الماء في أرض القبيلة قبلة أبنائها، يستقون منها ما يحتاجون إليه من "اكسير الحياة". وتكون هذه المواضع آباراً أو عيون ماء أو حسّياً وما شاكل ذلك. وتتفق القبيلة فيما بينها على حقوق السقي. ويؤدي الإخلال بحقوق السقي إلى وقوع نزاع، قد يؤدي إلى قتال، ولا سيما في أيام القيظ وانحباس المطر، حيث تشتد الحاجة إلى الماء، ويصير افتقاده سبباً لهلاك الأنفس والمال. والقاعدة إن ماء القبيلة مشاع في القبيلة. أما المياه المحمية: المياه التي تحمى للسادة والرؤساء، والمياه الخاصة، كالآبار التي يحفرها أصحابها، فتكون خاصة بهم. لا يجوز الاستقاء منها إلا بآذن.

(1/2186)


ولكل قبيلة حق حماية أرضها. شأنها في ذلك شان الدول. و إذا أراد غريب اجتياز أرضها فلا بد من إن يكون في حماية إنسان منها. و إذا كان المجتاز جماعة، كأن يكون قافلة أو قبيلة أو حيّاً يريد التنقل إلى ارض أخرى، ولا بد له من المرور بأرض هذه القبيلة للوصول إلى هدفه، فعليه اخذ أذن من القبيلة يخوله جواز المرور بها، و إلا تعرض للمنع والقتال. لذا كان لا بد للتجار من ترضية سادات القبائل للسماح لهم بالمرور، بدفع حق المرور، وهي إتاوات تعارفت القبائل آنذاك على آخذها من المارة.
سادات القبائل
وسيد القبيلة بالنسبة للقبيلة، مثل ملك مملكة بالنسبة لمملكته. فهو الرئيس والمرجع والمسؤول عن أتباعه في السلم والحرب. يقصده ذوو الحاجات من أبناء القبيلة إن احتاجوا إلى حاجة. وقد يجمع هذا الرئيس شمل جملة قبائل، ويترأسها، وقد ينصب نفسه ملكاً عليها، كالذي فعله ملوك كندة من بني "آل اكل المرّار" و غيرهم من الملوك. وقد لا تخطئ إذا ما قلنا إن اكثر مؤسسي الأسر المالكة في بلاد العرب، كانوا سادات قبائل في الأصل، استغلوا مواهبهم وقابليتهم، و إمكانية قبيلتهم، وسخروها في سبيل الحصول على الملك، وعلى التلقب بلقب "ملك"، فنالوه.

(1/2187)


ويقال للسيد: المسوّد. ويذكر علماء اللغة إن السيد يطلق على الربّ والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومحتمل أذى قومه والزوج والمقدم والرئيس. وسيد القبيلة هو رئيسها. تقول العرب: "فلان سيدنا" أي رئيسنا والذي نعظمه، ونقول "ساد قومه". وهي من الألفاظ المستعملة عند عرب الحجاز ونجد والعراق وبلاد الشام، أما العربية الجنوبية، فقد استخدمت ألفاظاً أخرى بدلاً عنها. ويقال لسيد القبيلة "رئيس القبيلة". والرئيس، سيد القوم. والرياسة: السيادة. ويقال فلان راس ورئيس القوم. ورؤساء القبائل هم سادات القبائل والمتولون لأمورها. كما يقال فلان: ساد قومه، وهو سيد القوم وسيدهم. فاللفظتان مترادفتان وفي معنى واحد. ووردت لفظة "زعيم" بمعنى سيدّ القوم ورئيسهم والمتكلم عنهم. والجمع زعماء. كما وردت الزعامة، الشرف و الرياسة على القوم وحظ السيد من المغم. غير إن استعمال "زعيم القبيلة"، أقل في الكلام من استعمال "سيد" و "رئيس".
و أنا حين استعمل "سيد قبيلة"، اقصد بها الرئيس الفعلي لقبيلة، المسؤول عنا، والمدبر لأمورها والمرجع الآخر لها، والذي يكون كالملك أو الحاكم بالنسبة لقبيلته لأن هناك سادات آخرين سادوا في القبيلة وقد عرف خبرهم في كل مكان، وربما اشتهر ذكرهم اكثر من اشتهار اسم سيد قبيلتهم، ومع ذلك فانهم لا يُعدون رأس تلك القبيلة. لأن الرأس المسؤول عن القبيلة رأس واحد، إلا إن العرف إن يسود الرؤساء في القبائل، هو كما يترأس الأشراف أمر مدينة، بان يترأسوا عمائر القبيلة ثم فروعها الدنيا التي تلي العمائر، فهم رؤساء في قبيلة بالمعنى المجازي، الذي جوز إطلاق لفظة "القبيلة" حتى على الأفخاذ والبطون، بل و البيوت. بأن يبزوا الرئيس بالخصال الحميدة، التي تجلب لهم الشهرة والسيادة، و تجعل اسمهم يعلو اسم رئيس القبيلة في كثير من الاحايين.
صفات الرئيس

(1/2188)


وعلى من يسود في قومه إن يتحلى بخلال حميدة وسجايا طيبة، تجعل الناس يعترفون، بسيادته عليهم، كأن يتحمل أذى قومه، ولذلك قيل للسيد "محتمل أذى قومه"، وأن يكون شريفاً في أفعاله حليماً كريماً، يغض نظره عن أعمال الحمقى والجهلة، وأن يتجاهل السفلة والسفهاء الجاهلين. فلا يغضب ولا يثور، وأن "يكظم غيظه جاء في المثل: "احلم تسد".وان يحترم الناس مهما كانت منازلهم، وأن يؤلف بينهم و يكتسب محبتهم، وأن يكون ملاذهم، وأن يجعل بيته بيتاً للجميع، ومضيفاً لكل من يفد إليه من كبير أو حقير أو صغير، وأن يفتح قلبه للجميع.
وعلى الرئيس إن يكون في مقدمة القوم في الحروب والغزو، وأن يكون شجاعاً لا يهاب الموت، حتى يكسب النصر لنفسه ولقومه، وعليه إن يكون قائد قبيلته وواضع خطط الحرب. لأنه رمز القبيلة ورمز النصر وباعث الهمم في نفوس أبنائه، وهو أب القبيلة. و إذا لا يكون قدوة لأبنائه في ساعات الشدة والخطر، فترت هممُ أبناء القبيلة. ولا يثير القبائل إلا الشعارات و النخوة وإلهاب المشاعر، حتى تندفع اندفاعاً في القتال. والرئيس هو روح القبيلة وشعارها، فإذا أصيب بمكروه أو جبن في القتال، و إذا خر صريعاً في المعركة، هربت قبيلته في الغالب، وتراجعت القهقرى، إلا إذا وجد في القبيلة من يؤجج فيها نار الحماسة ويبث فيها العزيمة للوقوف والصمود. ويكون مثل هذا الرجل من الشجعان الأقوياء أصحاب الإرادة القوية الذين يعرفون نفسية قبيلتهم، و إلا فليس من السهل على رجل التأثير على قبيلة وهي في مثل هذا الوضع.

(1/2189)


ولأثر الرئيس في مصير الحرب، كان الفرسان يوجهون كل قوتهم نحو الرؤساء، لأنهم على علم بأنهم إن تمكنوا من الرئيس فقتلوه، غلبوا عدوّهم في الغالب وقضوا عليه. فهو الروح المعنوية عند الأعراب. يليه حامل اللواء فإذا سقط حامل اللواء قتيلا أسرع من عُين ليكون خليفته في التقاط الراية وحملها، و إذا سقط هذا أيضاً أسرع من يأتي بعده، وهكذا. فان سقوط الراية معناه هزيمة منكرة ستحيق بمن سقطت رايته، ولهذا كانوا يختارون رجالاً شجعاناً يولونهم أمر اللواء، بحيث. إذا سقط أحدهم اخذ من يليه مكانه، وهكذا حتى النصر.
صعوبة انقياد القبائل
وليست قيادة القبيلة بأمر سهل يسير، لا سيما إذا كانت القبيلة قبيلة كبيرة ذات عشائر وأرهاط منتشرة في مواضع متباعدة. فان رؤساء العشائر يستغلون. فرصة ابتعادهم عن ارض الأم، ويعلنون انفصالهم عنها، وتوليهم آمرهم بأنفسهم.
فيحدث الانفصام و الانقسام، وقد يعلن الرئيس حربا على العشيرة العاقة المنشقة، لهذا يعد سيّد القبيلة الذي تجتمع له، رئاسة قبيلة كبيرة من السادات المحظوظين. وحظه هو ثمرة ذكائه ومواهبه و قابلياته ولا شك. ومن هؤلاء المحظوظين الذين دوّن أهل الأخبار أسماءهم: "جَهْبل بن ثعلبة اليشكري"، سيد "بكر بن وائل"، فقد اجتمعت ". بكر" حوله، و "عمرو بن شيبان بن ذهل"، و "عمرو بن قيس الأمم" و،"، الكلح" و "بشر بن عمرو بن مسعود"، و "همام بن مرة" و "الحارث بن عباد"، وقد، اجتمعت حولهم "بكر ابن وائل"، وانضوت تحت لوائهم، وذلك في مناسبات أشار إليها أهل الأخبار، مثل وقوع بعض الأيام. ولولا هذه الأيام، وتلك المناسبات التي اضطرت القبيلة على التكتل، والتجمع فيها حول زعيم واحد، ليخلصها من المخاطر، لما تجمعت حوله، لأن التجمع لا يلتئم مع طبع أهل البادية، الذين جبلتهم الطبيعة على التشتت والتفرق.

(1/2190)


وذكر أهل الأخبار إن "خالد بن جعفر بن كلاب"، و "عروة الرحال ابن عتيبة بن جعفر"، و " الأحوص بن جعفر"، و "عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب"، هم أربعة اجتمعت عليهم "هوازن"، و لم تجتمع "هوازن" كلها في الجاهلية إلا على هؤلاء الأربعة. وهم كلهم من "بنى جعفر بن كلاب". مما يدل على صعوبة انقياد عشائر "هوازن" لزعامة رجل واحد. وهذا مثل واحد من أمثلة صعوبة انقياد القبائل برئاسة رئيس، لأن الانقياد لرئيس واحد، معناه في نظر رؤساء العشائر، خضوعهم لغيرهم و إستذلالهم له وتنازلهم عن حريتهم وعن استقلالهم في إدارة شؤون عشائرهم لغيرهم و لو كان هذا الرئيس منهم، أضف إلى ذلك الخسائر المادية التي قد يصابون بها من هذا الانقياد.
وقد عرفت قبائل "ربيعة" خاصة بتخاصمها و بتباغضها وبتحاسد رؤسائها، لذلك لم تقبل في الغالب بتملك رئيس منها عليها. بل كان سادتها يراجعون التبابعة على ما يقوله أهل الأخبار لتمليك سيد منهم عليهم. كانوا يراجعون اليمن كلما اختلفوا فيما بينهم على تمليك ملك عليهم. وقد ذكر أهل الأخبار إن من جملة أسباب تعين والد الشاعر "امرئ القيس" الكندي ملكاً على بني أسد وتعيين أعمامه ملوكاً على القبائل الاخرى، هو تناحر سادات ربيعة فيما بينهم، و تباغضهم وتفرق كلمتهم، حتى كان كل واحد منهم يرى انه أولى من غيره بالملك، فدبّ الخلافُ بين القبائل، وتطاول السفهاء على الأشراف وأهل البيوتات، وعندئذ وجد سادات القبائل إن الآمن لا يرجع إليهم إلا بذهابهم إلى كندة لتنصيب ملوك منها عليهم. فكان ما كان من تنصيب والد الشاعر على "بني أسد وتنصيب أعمامه على القبائل الأخرى. إلا إن الأمن لم يستتب ولم يستقر، طويلا بين هذه القبائل المتنازعة، إذ قرر الرحيل عنها، وعاد الخصام داء "ربيعة" إلى وطنه. وعادت حليمة إلى عادتها القديمة على ما يقوله أهل الأمثال.

(1/2191)


وقد أشار أهل الأخبار إلى رجال ذكروا انهم تمكنوا من حكم معدّ و ربيعة. ومعنى ذلك انهم كانوا من ذوي الشخصيات القوية. وبذلك تمكنوا من فرض. أنفسهم على هذه القبائل المتباغضة. من هؤلاء: حذيفة بن بدر. وهو من سادات غطفان وبيتهم. وهو والد "حصن" أبو عيينة. وقد أدرك "عيينة" النبيّ، فأسلم ثم ارتد وأسلم بعد ذلك على يد أبي بكر. وقد قاد "حذيفة" "بني فزارة" و "مرّة" يوم النّسار، و يوم الجفار، و في حرب داحس حتى قتل فيها يوم الهباءة. وقد عرف ب "ربّ معدّ". وما كان ليعرف بذلك لو لم يكن من أصحاب القوة والمكانة حتى ساد قبائل معدّ.
ومن سادات "ربيعة" "الأفكل"، و "عمرو بن جعيد" من "بني الديل". وكان ذا بغي، فسارت إليه "بنو عَصَر" فقتلوه. و "الحارث الأضجم بن عبد الله بن ربيعة بن دوفن"، من "بني دوفن". قدم السؤدد فهم كانت تجبى إليه إتاوتهم. و "عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم بن النمر بن قاسط"، وكان سيد "النمر بن قاسط" في الجاهلية وصاحب مرباعهم.
وكان "القُدار بن الحارث" رئيس ربيعة في أول الإسلام. وورد إن "القُدار بن عمرو بن ضبيعة"، كان رئيس ربيعة، يلي العزّ والشرف فيهم.
و يمتاز سيد القبيلة عن سائر رجال قبيلته ببيته الكبير، المكوّن من خيمة ضخمة، والتي قد تتكون من جملة قطع من للنسيج خيطت بعضها إلى بعض لتتكون منها خيمة كبيرة. تكون مضيفاً للرئيس ومجلساً للقوم، يؤبه سادات القبيلة. وأشراف الأحياء. وموئلاً لذوي الحاجات من الناس. وله خيام أخرى، أعدت لحريمه. ولأهله. فهي منازل رئيس. القبيلة الخاصة به وبأفراد أسرته.

(1/2192)


و امتاز الرئيس عن أفراد قبيلته بكثرة عدد نسائه. فسيد القبيلة مزواج في الغالب، عنده المال، وعنده الجاه والرئاسة، فلا يجد صعوبة في الحصول على ع زوجات صغيرات السن لينجبن له أولاداً، يكونون له حصناً حصيناً وأمناً له على ماله، وعوناً له على القبيلة. فيحمي بهم نفسه ممن قد يطمع في الرئاسة وفي انتزاع السيادة منه بالقوة.
ومن واجب الرئيس الأشراف على تقديم الغنائم، ومن حقه المرباع إن كان من ذوي المرباع، وله إن ع ينفق من جيبه على الضيوف، وان يفتح بيته للقادمين إليه من مختلف الناس، وان يستقبل ضيوف القبيلة بوجه فرح بشوش. وآن يرعى شؤون قبيلته، ويسأل عن أبنائها، وعليه إن يسعى لفك من يقع من أبناء عشيرته أسيراً في أيدي قبيلة أخرى، وان يشارك قومه في تحمل الديات، حين يعجز رجال القبيلة عن حملها، وعليه إن يعين أتباعه في كل جناية يجنونها، فهي وان صدرت من غيره لكنها تقع في النهاية على رأس سيد القبيلة. فعليه وحده إيجاد حل لها و مخرج. و من هنا كَنَّت العربُ عن سيد القبيلة بقولها "سيد معمم"، يريدون إن كل جناية يجنيها أحد من عشيرته معصوبة برأسه.
رئاسة القبائل
لا تملك نصاً جاهلياً فيه شيء عن الشروط التي يجب إن تتوفر في الرجل كي يكون رئيساً على قبيلة. ولا نجد في روايات أهل الأخبار أخباراً واضحة صريحة عن طريقة تولي الرئاسة عند الجاهليين. لذا لا نستطيع البت في موضوع شروط انتقال الرئاسة من رئيس قبيلة متوفى أو مخلوع إلى رئيس جديد. وهل كانت الرئاسة وراثية على طريقة انتقال العروش في النظام الملكي، أم كانت اختياراً وانتخاباً وشورى، بمعنى إن اختيار الرئيس يكون برأي من رؤساء القبيلة، وليس بسنة الإرث. والذي ظهر لنا من دراسة أخبار أهل الأخبار في هذا الموضوع إن الجاهليين كانوا قد ساروا على سنة الإرث في تولي الرئاسة كما ساروا على طريقة الاختيار.

(1/2193)


أما إنها كانت رئاسة وراثية، فلأنها رئاسة مثل سائر الرئاسات عند العرب، كرئاسة المكربين والملوك والأقيال و الأذواء والأقيان وكل الرئاسات الجاهلية الأخرى. وقد كانت هذه الرئاسات رئاسات وراثية في الأغلب، لذا كانت رئاسة القبيلة بالوراثة أيضاً. تنتقل الرئاسة من الأب إلى الابن الأكبر. ويؤيد هذا الاستنتاج ما نجده في أكثر روايات القبائل، وتولي الأبناء رئاستها بعد الآباء.
وأما إنها بالنص والتعيين، فكالذي ذكروه من أمر اختيار "حصن بن حذيفة ابن بدر" ابنه "عيينة" لرئاسة قومه من بعده. ولم يكن عيينة أليق. من غيره بأن يكون سيد قومه، فاستدعى أولاده وقال لعيينة: أنتَ خليفتي ورئيس قومك من بعدي. ثم قال لقومه "بني بدر": لوائي و رياستي لعيينة، ثم أوصاهم بما يجب إن يفعلوه على عادة السادات عند اشتداد المرض بهم و شعورهم بدنوّ أجلهم. من وجوب التكتل والتهيؤ للقتال وعدم التجرؤ على الملوك، فان أيديهم أطول من أيدي الرعية. فسمعوا له وأطاعوا، واختاروه رئيساً عليهم.
وأما إنها شورى ورأي، فعند عدم وجود عقب للرئيس المتوفى، أو عند وجود تنافس وتباغض بين أبناء الرئيس المتوفى بسبب كونهم من زوجات مختلفات فيما بينهن، يخشى عندئذ من انقسام القبيلة على نفسها، ويحسم الخلاف باختيار أحزم الأبناء أو تنصيب رجل قريب أو بعيد عن الرئيس، يجدونه أهلاً و كفؤاً لتولي الرئاسة فيولونها إياه. وقد يلجئون إلى الرأي في حالة. تشتت شمل القبيلة، بظهور رجال أشراف فيها، لهم كفاءات و قابليات وشهرة تفوق شهرة أسرة الرئيس المتوفى، يطمعون في الرئاسة، فينتخبون اكفأهم و أقواهم ليكون الرئيس الجديد.

(1/2194)


وقد لا تجتمع كلمة المتنافسين على الرئاسة، ولا تتفق على اختيار رئيس، فلا يكون أمام القبيلة في مثل هذه الحالة سوى اللجوء إلى الملوك في الغالب لتعيين رئيس عليهم يختارونه من جماعتهم وينصبونه سيداً عليهم. وقد كان هذا شأن قبائل "معد" في الغالب، إذ كانت قبائلها متبدية متنافرة، ذات رؤساء متحاسدين، لا يقرون برئاسة واحد منهم، لذلك كانوا يلجأون إلى ملوك اليمن لتعين رئيس من غيرهم عليهم، وبذلك يحل الخلاف.
ونجد في شعر "عامر بن الطفيل"، وهو أحد مشاهير فرسان العرب، تغنّياً بفعاله وبشجاعته وبدفاعه عن قومه، وتبجحاً بسيادته على قومه: واعتزازاً بأن سيادته هذه لم تأت إليه عن وراثة، و إنما جاءته بفعاله وبدفاعه عن قومه وذبّه عن حماهم، فسوّدوه لهذه الخلال عليهم، ولم يسوّدوه لأنه "ابن سيد عامر"، وفي هذا الشعر دلالة على إن الرئاسة كانت بالوراثة، وان والد "عامر" كان سيّداً، فأراد "عامر" إن يتبجح بنفسه على غيره، بأنه ليس من أولئك الرؤساء الذين يرثوا السيادة إرثاً، فلا دخل لهم بمجيئها إليهم، و إنما أخذها عن جدارة واستحقاق، ولو لم يكن أبوه سّداً، لجاءته السيادة تركض إليه، لما فيه من محامد ومكارم. فسيادته سياحة وراثة لأنه ورثها عن أبيه، وسيادة جدارة شجاعته لما فيه من خصال السادة الأشراف.
خصال السادة
يذكر أهل الأخبار إن أهل الجاهلية كانوا لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال: السخاء والنجدة والصبر والحلم والتواضع والبيان وقالوا: قيل:

(1/2195)


لقيس بن عاصم بم سدت قومك ? قال ببذل الندى وكفّ الأذى ونصرة المولى، وتعجيل القرِى. وقد يسود الرجل بالعقل والعفة والأدب والعلم. ووصف بعضهم السؤدد: بأنه اصطناع العشيرة و احتمال الجريرة. وقد سئل أحد السادات بأي شيء سدت قومك ? فقال: "إني - والله - لأعفو عن سفيههم، وأحلم عن جاهلهم، وأسعى في حوائجهم وأعطي سائلهم، فمن فعل فعلي فهو مثلي، ومن فعل احسن من فعلي فهو أفضل مني، ومن قصر عن فعلي فأنا خير منه".
وذكر أهل الأخبار أيضاً، إن العرب كانت تسوّد على أشياء. فكانت مضر تسود ذا رأيها. وأما ربيعة فمن أطعم الطعام، وأما اليمن فعلى النسب.
والرئيس الناجح، هو الرئيس الذكي الفطن الذي تكون له قدرة وقابلية على التصرف بذكاء ومحذر وفقاً لعقلية القبائل. فيجرف كيف يعامل كل شخص يأتي إليه المعاملة التي تلائمه وتليق به، بحلم وصبر وأناة. و بقساوة وغلظة أحياناً من أجل إخافة أتباعه، لخوف القبائل من البطاش الظالم على إلا يسرف في ظلمه ويمعن في غيهّ، فيقع له ما وقع لكليب وائل ولأمثاله من الذين أسرفوا في الاعتماد على أنفسهم وعلى قابليتهم، فأهلكوا أنفسهم. ولهذا كان من شأن عقلاء سادات القبائل عرض المنازعات والخصومات القبلية للحكم فيها وبذلك يخلصون أنفسهم من مشكلات صعبة كانت ستقع تبعتها على أكتافهم فيما إذا انفردوا بالنظر.بها دون سائر الرؤساء.

(1/2196)


ومن أعراف الحكم عند القبائل، إن سيد القبيلة يستمد رأيه من رأي أشراف قبيلته ووجوهها في الأمور الهامة التي تخص حياة القبيلة. ليستنير برايهم، وليعرف رأي أتباعه في معالجتها. وتساعد هذه المشورة سادات القبائل مساعدة كبيرة في التمكن من إدارة القبيلة إدارة حسنة ترضي الغالبية. وقد توصِل الرئيس إلى النجاح والنصر في الغزو. فيرتفع اسمه ويعلو نجمه. ولا زال سادات القبائل يستمعون إلى مشورة رؤساء القبيلة، ويقيمون لرأيهم وزناً إلى يومنا هذا. ورأيهم هذا هو مجرد مشورة ونصيه. بمعنى انه لا يلزم سيد القبيلة بوجوب العمل بموجبه. فقد ينبذه ويعمل برأيه و بقراره، لا سيما إذا كان قوي الشخصية متجبراً عنيداً.
وقد يكون النجاح حليفه، فتزداد بذلك هيبته على أتباعه، وقد يمنى بخسارة فادحة، فتقضي عليه وعلى رئاسته وربما تقضي على حياته أيضاً. و النظام القبلي يعد، هو نظام استشاري، الرأي فيه لأصحاب الرأي فقط، أما الأفراد أي أبناء القبيلة وسوادها، فلا رأي لهم في تسيير الأمور، إلا إذا برز أحدهم وظهر في قبيلته بمواهب يعترف بها، كالحكمة أو الشرف، فقد يدخل في عداد أولي الرأي، ويكون له عندئذ عندهم رأي مسموع.
وعلى الرغم من استبداد بعض السادة برأيهم، و حكمهم بما يوحي إليه به حسهم وشعورهم، وتصرفهم في الأمور تصرفاً كيفياً، فانهم كانوا يقيمون مع كل ذلك وزناً للرأي، وقد يكون هذا الرأي رأي رحل مغمور من عامة أبناء القبيلة، أو رأي شاعر أو خطيب أو أي شخص آخر من أبناء القبيلة. فالحكم عند القبائل بهذا، حكم فردي استشاري يتوقف الرأي فيه على شخصية وكفاءة، رئيس القبيلة، وعلى شخصية وكفاءة رؤساء البطون والأحياء.

(1/2197)


وقد أدت غطرسة وعنجهية بعض سادات القبائل بهم إلى الموت فقد لجأوا إلى القسوة والقهر في الحكم واستبدوا برأيهم استبداداً فرّق بينهم وبين رؤساء قبيلتهم، مما دفع بعض فرسان القبيلة و شجعانها على قتلهم للتخلص منهم كالذي كان من أمر "كليب وائل"، الذي تعسف في حكمه وتجبر فاختار خيرة الأرضين الخصبة، فجعلها حمى له لا يحق لأحد الرعي بها، إلا بأذن منه. فأزعج عمله هذا من خضع لحكمه، فكانت عاقبته القتل.
والحلم عند العرب من أهم الصفات التي تؤهل الإنسان لحكم الناس. وهو، عندهم الأناة والعقل، وقيل ضبط النفس و الطبع عن هيجان الغضب. ومعالجة الأمور بهدوء وضبط أعصاب. وهو أحزم سياسة تلائم طبع الحكم. وقد عدّوه من خلال الحكماء.
وممن عرف واشتهر أكثر من غيره بالحلم: "الأحنف بن قيس". حتى ضربت العرب به المثل. فقالت: هو أحلم من الأحنف. وقد نسب أهل الأخبار
له حكماً كثيرة وأمثالاً، هي من الأمثال التي ينسبونها في العادة إلى الحكماء. وذكروا من أمثلة حلمه انه كان قاعداً يوماً بفناء داره. محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أُتي بمكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل أبنك، فما قطع كلامه حتى انتهى، ثم كلم ابن أخيه وأنبه و عفى عنه، ثم قال لأبن آخر له: وار أخاك وحلّ كتاف ابن عمك وسق إلى أمك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة. إلى قَصص آخر من هذا القبيل.
النسب
النسب هو جرثومة العصبية وأساسها ولهذا حرص العربي على حفظ نسبه، ولا يزال يحرص عليه، فيروي لك شجرة نسبه حفظاً ويرفعها إلى جملة أجداد.
وقد وجد السياح أعراباً سرحوا لهم نسبهم سرداً من غير كتاب مكتوب إلى عشرات من الأجداد، وقد تأكدوا بعد فحوص واختبارات إن ما قيل لهم وسرد عليهم كان صحيحاً في الغالب.

(1/2198)


و أما أهل المدر، فإن حرصهم على حفظ نسبهم، وإن لم يكن حرص أهل الوبر، غير إن فيهم من يحفظ شجرة نسبه، و فيهم من يحتفظ بها مكتوبة، وقت شهد على صحتها جماعة من النسابين. وفي جملة من يعتني بنسبه اعتناء كبيراً، ويأبى الزواج من غير الأسر الكفوءة له، السادة المنتمون إلى الرسول، من ذوي الجاه و الحسب والنسب، والأشراف السادات من أهل الحضر والوبر.
وحفظ النسب هذا هو استمرار لما كان عليه الجاهليون من حرص على حفظ أنسابهم. و إذا كُنا لا نملك اليوم جرائد جاهلية في النسب، فإن في بعض الكتابات الجاهلية تأييداً لما نقول. فبين أيدينا في هذا اليوم كتابات جاهلية ذكرت أسماء جملة أجداد لأشخاص دَوّنوا أسمائهم في تلك الكتابات. وقد دوّن على شاهد قبر "معنو" "معن"، اسم أبيه وجدّين من أجداده، كما عثر على أسماء عشرة أجداد في بعض الكتابات الصفوية. وهنالك أمثلة أخرى من هذا القبيل، تثبت عناية العرب في الجاهلية بتدوين أنسابهم وحفظها. وهي من أهم المزايا التي حافظ عليها العرب إلى هذا اليوم.
ويبدأ النسب بالأب في الغالب، وب "الأم" في الأقل في حالات تتغلب فيها شهرة الأم على شهرة الأب، ويكون "البيت" إذنْ جرثومة النسب. وحين ينسب إنسان يقول انه: "ابن فلان". ويشمل نسب البيت الأب و الأولاد و البنات والزوجة أو الزوجات، وهم أكثر الناس التصاقاً بالأب. وقد يقال انه من "بيت فلان" تعبيراً عن الانتساب إلى رئيس ذلك البيت. وقد عرف بعض علماء اللغة النسب: انه القرابة، أو هو في الآباء خاصة، وان النسب إن تذكر الرجل فتقول: هو فلان ابن فلان، وذكر انه يكون من قبل الأم والأب.
والبيت هو بيت أب. ولما كان المجتمع مجتمع بيوت، صار النظام فيه نظاماً أبوياً. السلطة العليا فيه للاب، إليه ينتسب وهو المسؤول قانوناً عن العائلة. يتساوى في ذلك مجتمع الحضر ومجتمع أهل الوبر.

(1/2199)


ويذكر أهل الأخبار إن العرب تنسب ولد المرأة إلى زوجها الذي يخلف عليها بعد أبيهم. وذلك عنى حسان بن ثابت بقوله: ضربوا علياً يوم بدر ضربة دانت لوقعتها جميع نزار.
أراد بني كلّ هؤلاء من كنانة. وهم بنو عبد مناة. و إنما قيل لهم بنو علي عزوة إلى عليّ بن مسعود الأزدي. وهو أخو عبد مناة لأمه، فخلف على أم ولد عبد مناة. وهم: بكر وعامر ومرة و أمهم: هند بنت بكر بن وائل النزارية فرباهم في حجره فنسبوا إليه.
و إذا توفي والد وله مولود في بطن زوجته، أو كان طفلاً رضيعاً وكان له أعمام، تركه أعمامه عند أمه حتى يكبر، ثم يأخذه أعمامه. وقد تأتي أمه معه. و لكن العادة إن الأم تبعُ أهلها أي عشيرتها، فإذا توفي زوجها و هي من عشيرة أخرى، تركت عشيرته لتعود إلى عشيرتها، فإذا كبر المولودُ خير بين البقاء مع أمه أو الالتحاق بأعمامه، أي بعشيرة والده. والأغلب إن يختار الولد عشيرة الوالد، لأن نسب الولد من نسب والده. فيلتحق المولود بعشيرة الأب. وتقدم عشيرته على عشيرة الأم. إذ يشعر إن عشيرة أمه وان كانت قريبة منه، إلا إن قربه منها ليس كقربه من عشيرة والده، وقد يعير باختياره عشرة أمه عشيرة له. ولدينا أمثلة تشير إلى تعيير الأولاد أولاداً آخرين، لالتحافهّم بعشيرة أمهم وتركهم عشيرة والدهم، كالذي كان، من أمر عبد المطل في يوم كان طفلا، إذ عيره أطفال عشيرة أمه بلجوئه إلى عشيرتهم، إذ لا عشيرة له. ولو كانت له عشيرة للحق بها. مما حمله على ترك يثرب والرجوع إلى أعمامه بمكة. فالعم في نظرهم بمنزلة الوالد. وهو اقرب الناس إليه، وهو وريثه في العصبات.. وبهذه الحجة احتج العباسيون على العلويين في تقدمهم عليهم بحق الخلافة.
ومن هنا في العرب يوصون بأولاد العم خيراً، و إلا يتهاتروا معهم ولا يختلفوا مهما وقع بينهم من خلاف. وفي هذا المعنى يقول أبو الطمحان: إذا كان في صدر ابن عمك إحنة فلا تستثرها سوف يبدو دفينها

(1/2200)


وللخؤولة مكانة كبيرة في العصبة عند العرب. قد تقوى على العمومة، فإذا هلك إنسان، وكان إخوته على خلاف مع زوجته أو كان حالهم ضعيفاً، قامت الخؤولة مقام العمومة في رعاية الأولاد وحمايتهم ومدّهم بالعصبية. بل قد نجد إن عصبية الخؤولة أقوى عند العرب في الغالب من عصبية العمومة وفي تأريخ الجاهلية. والإسلام أمثلة كثيرة على ذلك.
ومن حسن حظ الإنسان في الجاهلية إن يكون له أعمام وأخوال كثيرون، خاصة إذا كانوا أصحاب جاه وسيادة. لأنه سيعتز بهم، ويفتخر بكثرتهم. وكان الجاهليون يقولون: رجل معم ورجل مخوِل وأخول، إذا كان له أعمام وأخوال. ويقال: كريم الأعمام والأخوال، على سبيل المدح والتقدير ومنه قول امرئ القيس: بجيدُ معمّ في العشرة مخول. وقول الشاعر: تروح بالعشيّ بكل خرق كريم الأعممين وكل خال
والنسب، نسب أهل، ويقوم على الدم القريب، ونسب قبيلة، و يقوم على العصبية للدم الأبعد. دم جد القبيلة يجري في عروق المنتسبين إليه.
والعرب من حيث النسب صرحاء. وحلفاء و جيران وموالي وشركاء يستلحقون بالنسب. أما الصريح، فهو المحض من كل شيء، والخالص النسب. ويقال جاء بنو فلان صريحة إذا لم يخالطهم غيرهم.
والنسب إذن، نسب آباء، و هو نسب الصرحاء الخلص من العرب المنحدرين من صلب جد القبيلة، على حد تعبير أهل الأنساب، ونسب حلف أو جوار، أي نسب استلحاق. والغالب إن يتحول نسب الاستلحاق إلى نسب صريح، حين تطول إقامة الدخيل بين من دخل بينهم: فينسى أصله، ويأخذ أحفاده نسب من دخل جدهم فيهم. ويشمل ذلك نسب القبائل أيضاً. وفي في كتب أهل الأخبار أمثلة كثيرة من أمثلة تحول الأنساب، حيث نجدها تنص على دخول نسب فلان في نسب بني فلان، ونسب قبيلة في نسب قبيلة أخرى.

(1/2201)


ويقال للقوم الذين ينسبون إلى من ليسوا منهم "الدخل". والدخيل هو الرجل الغريب الذي ينتسب إلى قوم ليس هو بواحد منهم. وذكر أيضاً إن "الدخل" بمعنى الخاصة، وأيضاً الحشوة الذين يدخلون في قوم وليسوا منهم، أي في المعنى المتقدم.
وفي كتب أهل الأخبار أمثلة عديدة على تنقل الأنساب واثبات نسب قوم في قوم ليسوا منهم لغاية ومأرب. وقع ذلك في الجاهلية وفي الإسلام. قال "الكندي": "كان أبو رجب الخولاني وفلان وفلان يتحرشون أهل الحرس ويؤذونهم، فمشى أهل الحرس إلى زكريا بن يحيى كاتب العمري، فقالوا له حتى متى نؤذى ويطعن في أنسابنا. فأشار. عليهم زكريا بجمع مال يدفعونه إلى العمري ليسجل لهم سجلاً بإثبات أنسابهم، فجمعوا له ستة آلاف دينار، فلما صار المال إلى العمري لم يجسر على إن يسجل لهم، وقال: ارفعوا إلى الرشيد في ذلك، فخرج وفد منهم إلى العراق وانفق مالا عظيماً هناك، وادعى الوفد إن المفضل بن فضالة قد كان حكم لهم بإثبات أنسابهم وانهم بنو خوتكة بن الحاف ابن قضاعة، ثم عاد الوفد بكتاب محمد الأمين إلى العمري بالتسجيل لهم، فدعاهم العمري إلى إقامة البينة عنده على أنسابهم فأتوا بأهل الجوف الشرفي و آهل الشرقية. وقدم جماعة من بادية الشام، فشهدوا. انهم عرب فسجل لهم العمري. ثم تجدد نظر القضية فيما بعد وفسخ حكم القاضي العمري. ورد أهل الحرس إلى أصلهم القبطي".
وأشار أهل الأخبار إلى قبائل كانت تتنقل من قوم إلى قوم، فتنتمي إليهم، قالوا لها: "النواقل". والنواقل من انتقل من قبيلة إلى قبيلة أخرى فانتمى إليها. والتنقل دليل على إن النسب لم يكن من الصرامة والشدة على نحو ما يصوره لنا النسابون المتأخرون.

(1/2202)


وفي الذي يذكره علماء النسب عن أنساب القبائل، أمور لا يمكن لنا قبولها، لا سيما ما يتعلق منها بالتعصب القبلي وبسرد الأنساب وتشجيرها وفي تفرعها. وأنساب القبائل موضوع لم يبحث بعد بحثاً علمياً، وهو يحتاج إلى تفرغ وتتبع والى مقارنة ما جاء عند العرب فيه بما جاء عند غيرهم من الساميين وغيرهم عنه. فقد لعبت الأنساب دوراً خطيراً عند البشرية، لأنها كانت الحماية والوقاية للإنسان، قبل إن تتولد الحكومات الكبيرة التي رعت الأمن وبسطت سلطانها، وبذلك خففت من غلواء النسب و الانتساب.
الاستلحاق
والاستلحاق، هو إن يستلحق انسان شخصاً فيلحقه بنسبه، و يجعله في حمايته ورعايته، أي في عصبيته. وقد يكون الرجل صريحاً معروف النسب، وقد يكون أسيراً أو مولى أو عبداً، فيسميه مولاه وينسبه إليه.
ومن هذا القبيل ما كان يفعله أهل الجاهلية من استلحاق أبناء الإماء البغايا بهم. وذلك انه كان لأهل الجاهلية إماء بغايا. وكان سادتهن يلمّون بهن، فإذا جاءت إحداهن بولد ربما ادعاه السيد والزاني، فيقع خلاف بينهما على الولد. و قد وقع مثل هذا الخلاف في أيام الرسول، في أول زمان الشريعة، فقضى الرسول بإلحاقه بالسيد، لأن الأمة فراش كالحرة، فان مات السيد ولم يستلحقه ثم استلحقه ورثته بعده لحق بابيه. وفي ورثته خلاف.
الدعيّ
ويقال للمستلحق "الدعيّ". والدعيّ المنسوب إلى غير أبيه. و "الدعوة" في النسب إن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشرته وقد كانوا يفعلونه فنهي عنه وجعل الولد للفراش. ومن هذا القبيل المتبنى. الذي تبناه رجل فدعاه أبنه. ونسبه إلى غيره، وكان للنبي، تبنى "زيد بن حارثة"، ثم ألحقه بنسبه، بعد إن نزل الوحي عليه )ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم. فإخوانكم في الدين ومواليكم(.. وقال: )ما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلك قولكم بأفواهكم(.

(1/2203)


ويكون حكم الدعيّ من الناحية القانونية في حكم النسب الصحيح و البنوة الشرعية عند الجاهليين، لذلك كان الجاهليون يورثونه كما يورثون الأبناء.
ويقال للدعيّ ينتمي إلى قوم: منوط مذبذب، سميّ مذبذباً لأنه لا يدري إلى من ينتمي. وقد يكون الرجل دعي أدعياء، فيكون هو دعيّاً في رهطه، ورهطه دعي في قبيلة مثل "ابن هرمة"، فقد كان دعيّاً في الخلج وكان الخلج دعيّاً في قريش. ويقال للدعي "ملصقا"، والملصق، هو المقيم في الحي وليس منهم بنسب.
وقد ورد في حديث "علي بن الحسين": المستلاط لا يرث، وُ يدعى له ويدعى به، المستلاط المستلحق في النسب، ويدعى له، أي ينسب إليه، فيقال: فلان بن فلان، ويدعى به أي يكنى، فيقال: هو أبو فلان، وهو مع ذلك لا يرث لأنه ليس بولد حقيقي. ومن ذلك قولهم: "لاط القاضي فلانا بفلان ألحقه به"، وورد إن أناسًا في الجاهلية. كانوا يليطون الأولاد بآبائهم، أي يلحقونهم. والظاهر إن استلحاق الأبناء بالآباء، كان معروفاً بين الجاهليين بسبب الاتصال بالإماء وببعض الأعراف الأخرى التي حرمت في الإسلام.
ويقال للدعيّ: المخضرم وقيل هو من لاُ يعرف أبوه أو أبواه ورجل مخضرم أسود وأبوه أبيض، أو هو من ولدته السراري. وذلك ذم في الإنسان.
ويقال رجل "خلط ملط"، بمعنى: مختلط النسب. وذكر إن الملط الذي لا يعرف له نسب ولا أب. وأما خلط، فإما بمعنى المختلط النسب، وإما بمعنى ولد الزنا. والخليط المشارك في حقوق الملك كالشرب والطريق و نحو ذلك. ومنه الحديث: الشريك أولى من الخليط، والخليط أولى من الجار. والشريك المشارك في الشيوع. و الخليط القومُ الذين أمرهم واحد.
و "الأهل" أهل إلا الرجال وأهل الدار، وأهل الرجل أخص الناس به. وأهل الدار أهل البيت. و "آل الرجل" أهله. ويقال في النسب: هو من آل فلان.

(1/2204)


وينتهي النسب بجد القبيلة الأكبر. فلكلّ قبيلة جدّ اكبر ينتمي إليه، وتتسمى به، وله ابن ينتسب إليه أو أبناء ينتسبون إليهم، ويكون هذا الجدّ محور "النسب" و "العصبية" للقبيلة. ونجد هذا النوع من النسب معروفاً عند غير العرب أيضاً.. عند العبرانيين و الآراميين وعند الإغريق والرومان مثلاً.
الجوار
وللجوار صلة كبيرة ب "النسب" وبالعصبية عند للعرب، فقد يتوثق الجوار، وتتقوى أواصره فيصير نسباً، فيدخل عندئذ نسب "المستجير" بنسب "المجير"، ويصير وكأنه نسب واحد، هو نسب "المجير". وقد اندمجت ب "الجوار" أنساب كثيرة من القبائل الصغيرة، أو القبائل التي تشعر بخوف من قبيلة أخرى أكبر منها، فتضطر إلى طلب "جوار" قبيلة أكبر منها، نتدافع عنها، ولتكون بذلك قوة رادعة تحمي حياتها و تحافظ على نفسها ومالها بهذا الجوار.
وهو من السنن التي حافظ عليها الجاهليون، و إعتدّوها كالقوانين. فإذا استجار شخص بآخر، أو استجارت قبيلة بأخرى، اكتسب هذا الجواز صيغة قانونية، ووجب على المجير المحافظة على حق الجوار. و إلا نزلت السبة بالمجير، وازدراه الناس.
ويكتسب الجوار حكمه بإعلان الطرفين قبولهم له على الملأ، في أماكن الاجتماع في الغالب، في مثل المواسم من حج أو سوق. فإذا أعلن ذلك، و علم الناس الخبر، صار المجار في ذمة المجر، وترتب على المجير إن يكون مسؤولاً عن كل ما يقع على المجير وما يصدر منه.
وقد ورد في القرآن الكريم، )والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل(. والجار ذو القربى هو نسيبك النازل معك في الحواء، ويكون نازلاً في بلدة وأنت في أخرى، فله حرمة جوار القرابة. والجار الجنب إن لا ينهون له مناسب في جيء إليه ويسأله إن يجيره، أي يمنعه فينزل معه، فهذا الجار الجنب له حرمة نزوله في جواره ومنعته وركونه إلى أمانه وعهده. لأنه جاوره وان كان نسبه في قوم آخرين ولا قرابة له به.

(1/2205)


وكان سيّد العشيرة إذا أجار عليها إنساناً لم يخفروه. و إذا دخل قبته أو خباءه أو دار حول خيمته، ونادى بالجوار والأمان صار آمناً وقد وجب على صاحب القبة أو الخباء أو الخيمة حمايته، حتى وان كان من سائر أبناء القبيلة.
والجار والمجير والمعيذ واحد. ومن عاذ بشخض استجار به. ومن هذا القبيل استجارة أهل الجاهلية بالجِنّ. "قبل: إنّ أهل الجاهلية كانوا إذا نزلت رفقة منهم في وادٍ، قالت: نعوذ بعزيز هذا الوادي من مرد الجن وسفهائهم. أي نلوذ به ونستجير".
وللجوار حرمة كبيرة عند الجاهليين. فإذا استجار شخص بشخص آخر، وقبل ذلك الشخص إن بجعله جاراً ومستجيراً به، وجبت عليه حمايته، وحق
على المجار الدفاع عن مجيره: و الذبّ عنه. وإلا عدّ ناقضاً، للعهد، ناكثاً للوعد، مخالفا لحق الجوار. وعلى القبائل استجارة من يستجير بها، و الدفاع عنه دفاعها عن أبنائها. ويقال للذي يستجير بك "جار". والجار. الذي أجرته من إن يظلمه ظالم. و جارك المستجير بك، والمجير هو الذي يمنعك ويجيرك. و أجاره: أنقذه من شيء يقع عليه.
وقد أوصوا بالجار خيراً، ورجوا من الجار إن يكون كذلك قدوة حسنة في جواره، فلا يسيء إلى جاره أو إلى جيرانه، و على الجار إن يغض نظره من عيوب جاره، وأن يكون يقظاً في حفظ حقوق جاره، فطناً في الدفاع عنه. ليس له أن يتملص من حقوق الجوار إذا استحقت ووجبت، لأن للجار حقاً عليك.

(1/2206)


وكان يقال في الجاهلية للرجل إذا استجار بيثرب: قوقل في هذا الجبل ثم قد أمنت. فإذا فعل أحد ذلك، وجب على أهل يثرب قبول جواره والدفاع عنه. وذكر إن "قوقل" رجل من الخزرج، اسمه "غنم بن عوف بن عمرو ابن عوف بن الخزرج"، سميّ به "لأنه كان إذا أتاه إنسان يستجير به أو بيثرب قال له: قوقل في هذا الجبل، وقد أمنت. أي ارتق". وقيل: "لأنهم كانوا إذا أجاروا أحداً أعطوه سهماً. وقالوا: قوقل به حيث شئت. أي سر به حيث شئت". وذكروا. أيضاً أن "القوقل" اسم أبي بطن من الأنصار، اسمه ثعلبة بن دعد بن فهر بن ثعلبة بنْ غنم بن عوف بن الخزرج. وقالوا: هو النعمان بن مالك بن ثعلبة.
والغاية من الجوار طلب الحماية والمحافظة على النفس والأهل والمال، لذلك لا يطلبه في العادة إلا المحتاج إليه. ولا يشتط في الجوار نزول الجار قرب المجير، أو في جواره أي أن يكون بيته ملتصقاً ببيته. فقد يكون على البعد كذلك. لأن الجوار حماية ورعاية، وتكون الحماية. حيث تصل سلطة المجير، وتراعى فيه حرمته و ذمته. ويكون في إمكانه الدفاع عن جاره. ولهذا كان على الجار أن يعرف حدود "الجوار"، وقد يعلقانه بأجل احترازاً وتحفظاً من الجوار المطلق، الذي لا يعلق بزمن و إنما يكون عاماً.
ولا يجير أحد إنساناً إلا إذا أحس إن في إمكانه أداء أمانة الجوار. و إلا عرض نفسه وأهله وقبيلته للأذى والسبةّ، إن قبل شخص جوار أحد، وهو في وضع، لا يمكنه من الوفاء بحقوق الجوار. ولا يطلب رجل مجاورة رجل آخر إلا إذا شعر أن من سيستجير به هو كفؤ لأن يجيره. و إلا فما الفائدة من الاستجارة برجل ضعيف قد يكون هو نفسه في حاجة إذ الاستجارة بأحد.

(1/2207)


ولا يشترط في الجوار أن يكون جوار أحياء. فقد يستجير إنسان بقبر، فيصير في جواره وفي حرمة ذلك القبر. وعلى أصحاب ذلك القبر الذبّ عن هذا الجار والدفاع عنه. ومن هذا القبيل استجارة الناس بقبر "عامر بن الطفيل". فقد ذكر أن قومه من "بني عامر"، وضعوا حول قبره أنصاباً على مسافة منه، إذا اجتازها اللاجئ ودخل "الحرم" المحيط بالقبر، صار آمناً على ماله ونفسه، لا يخشى خشية. أحد، يريد إنزال سوء به. وقد منعوا دخول حيوان إليه أو مرور راكب به، احتراماً لحرمة صاحب هذا القبر. وكالذي كان من أمر قبر "تميم بن مر"" جد قبيلة تميم في عرف النسابين.
وقد يستجير الإنسان بمعبد أو بأي موضع مقدس، فيكون في جوار وحرمة ذلك المكان. وعلى أصحابه أداء حقوق الجوار. ومن هذا القبيل جوار مكة. فمن دخل حرم "البيت" صار في جواره، آمناً مطمئاً لا يجوز الاعتداء عليه و لا إخافته، لأنه في حرمة "البيت" وعلى قريش الذبّ عنة.
وقد كان لآل "محلم بن ذهل" قبة بوادي "عوف" عرفت ب "قبة المعاذة"، من لجأ إليها أعاذوه. و "آل عوف" من اشرافهم في الجاهلية ومن رجالهم "عوف" التي يضرب به المثل: لا حرّ بوادي عوف. والعوذ الالتجاء. وهذا. عرفت بتلك التسمية. وهو "عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان". وقد ضرب به المثل في الوفاء. فورد: "هو أوفى من عوف". وذلك لأن عمرو ابن هند طلب منه مروان القرظ. وكان قد أجاره فمنعه عوف وأبى إن يسلمه، فقال عمرو: لا حرّ بوادي عوف. أي أنه يقهر من حل بواديه وكل من فيه كالعبيد له لطاعتهم إيّاه. وهو من أمثال العرب في الرجل العزيز المنيع الذي يعز به الذليل ويذل به العزيز. و قيل إن كل من صار في ناحيته خضع له. أو قيل ذلك لأنه كان يقتل الأسارى. ولما توفي "عوف" دفن بواديه، و أقاموا قبة على قبره صارت ملاذاً لمن يطلب الجوار.

(1/2208)


ومن طرق الجوار، أن يأتي رجل إلى رجل ليستجير به فلا يجده، فيعقد طرف ثوبه إلى طنب البيت، فإذا فعل ذلك عدّ جاراً، ووجب على صاحب البيت أن يجيره.
والجوار جواران: جوار جماعة كجوار بيت أو فخذ أو بطن أو ظهر أو عشيرة أو قبيلة، وجوار أفراد. و للجوارين حرمة وقدسية ليس أحدهما دون الآخر في الحرمة والوفاء.
و إذا نزل انسان على انسان آخر جاراً، فان من المتعارف عليه أن تكون حرمة جواره ثلاثة أيام،: "وكانت خفرة الجار ثلاثاً" فإذا انتهت، انتهت مدة الجوار. وعلى الجار الارتحال، إلا إذا جدد "المجير" جواره له، وطلب منه البقاء في جواره. فيكون عندئذ لهذا الجوار حكم آخر، إذ يبقى الجوار قائماً ما دام عقده باقياً. وقد استفاد من حق الجوار الغرباء والمسافرون، والمحتاجون وأمثالهم. فقد أمنوا على راحتهم و رزقهم وهم في محيط صعب، كما أمنوا على حياتهم، حتى أن المجير ليغفر لجاره ما قد يبدر منه من سوء بسبب حكم الجوار. قال مجير لجاره: "لولا أنك جار لقتلناك". ويشمل هذا الجوار المسافر والضيف.
ومن عاداتهم في الجوار، أن أحدهم إذا خاف، فورد على من يريد الاستجارة به، نكس رمحه، فإذا عرفه المجير، رفع رمحه. فيصير في جواره. فلما هرب "الحارث بن ظالم المرّي" من ملك الحرة، وأخذ يتنقل بين القبائل حتى وصل عكاظ وبها "عبد الله بن جدعان"، نكس رمحه أمام مضرب "ابن جدعان"، ثم رفعه حين عرفوه، وأمن وأقام بمكة، حتى أتاه أمان ملك الحيرة.
وقد يحدد الجوار بحدوده. كأن يذكر من يطلب الاستجارة لمن يريد إن يستجير به، إن استجارته به من قبيلة كذا أو من القبائل الفلانية أو من الشخص الفلاني. فإذا قبل المجير ذلك حسد جواره بما حسد في عقد الجوار. فإذا اعتدت على المستجير قبيلة أخرى لم تذكر في نص الجوار، فلا ذمة للمستجير على المجير، و ليس من حقه طلب مساعدته له. كما قد يحدد الجوار بزمن، كاقامة شخص في مكان، أو ايصاله من موضع إلى موضع، أو تعيين أمد له.

(1/2209)


و الخفارة الخفرة: الأمان، والخفير:المجير، والخفارة: الذمة. ويقال: خفرت الرجل: أجرته وحفظته، و تخفرت به إذا استجرت به. و أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه. بان يعلن ذلك ليقف عليه الناس، والا بقيت التبعة في عنق الخفير.
وعلى من أعطى خفارته لأحد، الوفاء بما أعطى، والوفاء بما ألزم نفسه به عليه، و إلا عد ناكثاً للعهد حقيراً.
المؤاخاة
لا وتكون المؤاخاة بين الأفراد كما تكون بين الجماعات، كالعشائر والقبائل. وهي تدعو إلى العناصر والمؤازرة والمساعدة. وتؤدي إلى الموارثة. وخير مثل على المؤاخاة، ما فعله الرسول يوم مقدمه المدينة من مؤاخاته بين الأنصار والمهاجرين لتوحيد الكلمة وليساعد بعضهم بعضاً.
ولا يشترط في المؤاخاة أن تكون بين أعراب وأعراب، أو بين حضر وحضر، إذ يجوز أن تعقد أيضاً بين العرب والأعراب، أي بين الحضر والبدو. لأن المؤاخاة عقد، والعقد يقع بين كل الناس، كما قد تقع بين عربي وأعجمي، فقد آخى الرسول بين سلمان الفارس وأبي الدرداء.
الموالي
والمولى: الولي والعصبة والحليف وابن العم وللعم والأخ و الابن و ابن الأخت و العصبات كلهم والجار والشريك. فللفظة إذن معان عديدة، أهمها. بالنسبة لنا، إن المولى: العبد، أي المملوك الذي يمنّ عليه صاحبه، بان يفك رقبته، فيعتقه، ويصير المملوك بذلك مولى لعاتقه. وسوف نرى إن الموالي أنواع. وهم الذين نبحث عنهم في هذا المكان.
و "الموالي: العصبة. هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسماً، فقال الله تبارك وتعالى: )فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم(. فسموّا الموالي.. والمولى اليوم موليان: مولى يرث ويورث، فهؤلاء ذوو الأرحام، ومولى يورث ولا يرث. فهؤلاء العتاقة".
والعرب تسمي ابن العم المولى، ومنه قول الشاعر: ومولى رمينا حوله وهو مدغل بأعراضنا والمنسبات سروع

(1/2210)