صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

وسرّ "أذينة" ولا شك من هذه النتيجة، فقرر بعد استراحة جنوده بضعة أيام أن يسير نحو الشمال للقضاء على المنشقين. وبينا هو في طريقه، تلقى أنباء تمرد "كاليستوس" وخروجه عليه واعلان نفسه ملكاً، فأمر نفراً من رجاله بالذهاب إلى معسكر "كاليستوس" لاغتياله، فذهبوا إليه، وتمكن فارس من الدخول إلى خيمته وقتله. عندئذ تحسن موقفه،فسار إلى الجزيرة، وتعقب الفرس فقبض على عدد من "المرازبة" "Satrapen" وأرسلهم إلى "رومة"، وأظهر اخلاصه وطاعته لقيصر، فرضي عنه واطمأن إليه، وأعطاه منزلة رفيعة هي: "Imperator Totius" "Dux Orientis" ودعاه انبراطوراً على جميع أنحاء المشرق، أي علي الشام والجزيرة وآسية الصغرى عدا "بتينية" وبضع نواح شمالية، " 264 م". وضربت نقود باسمه صور عليها أذينة ووراءه بعض أسرى الفرس. وجعل تحت امرته جميع القوات الرومانية المعسكرة في المشرق. وكلفه القضاء على فلول جيش "مكريانوس" وتطهير المقاطعات الرومانية منهم.
واختار أذينة لنفسه لقباً آخر حبيباً إلى نفوس الشرقيين هو لقب "ملك الملوك"
" ملك ملكا" 3، لعله فعل ذلك محاكاة لملوك الفرس. ومنح لقباً آخر هو "أغسطس" "Augustus" لقب قياصرة الرومان. والانسان متى أبطرته النعمة مال إلى اتخاذ أمثال هذه الألقاب وفي رواية أن مجلس الشيوخ الروماني منحه لقب "أغسطس"، فصار مساوياً للقيصر، وأنه أمر بوضع صورته مع صورة الانبراطور على النقود التي أخذت غنيمة من الفرس.
وعرف "أذينة" ب "متقنا دي مدنحا كله"، "متقنا متقنانوتا"، وتقابل معنى "Reparator Totius Orientis" أو "Correctores Italiae" "Utriusque Italiae, Italiae Regionis Transpadanae"، وتقا بل درجة "Correctores" منزلة "رئيس" "praesides"، أي رئيس مقاطعة من المقاطعات.

(1/1420)


وقام "أذينة" باصلاحات جمة أظهر فيها أنه لم يكن قائداً قديراً فقط، بل كان إلى ذلك رجل ادارة وسياسة وتسامح أيضاً. فمنع تعصب الوثنيين على النصارى واضطهادهم لهم، ومنح كل طائفة حريتها في ممارسة شعائر دينها، وخوّ ل النصارى حق بناء الكنائس حيثما شاؤوا. وتعقب اللصوص وقطاع الطرق من الجنود الهاربين والمسرحين من الخدمة والصعاليك الذين وجدوا في الاعتداء على الامنين ومهاجمة القوافل والقرى والمدن خير مصدر للحصول على الكسب والمغانم والمال، وقتل "كاليستوس" زعيم الصعاليك الذي اسمال من لا عمل له إلاّ الفتنة والاعتداء على الناس، وبذلك أراح أذينة نفسه وأراح المقاطعات الرومانية من اثر هؤلاء، واطمأن الناس على أنفسهم، وعادوا إلى أماكنهم التي اضطروا إلى تركهم لها بسبب تلك الاعتداء ات التي قام بها من أطلق عليهم الكتاب اسم "الظالمون".
وصمم "امبراطور الشرق" و "ملك الملوك" بعد هذه الأعمال على انتزاع القيصر "والريانوس" من أيدي الفرس، ومحاربة خصمه المتغطرس المتلقب بلقب "ملك الملوك" كذلك. قد يكون حباً في اذلال من استهان به فمزق رسالته أمام أعين رسله، وقد يكون تقرباً للرومان وتودداً إلى القيصر "غاليانوس". والشرقيون مبالغون ويا للاسف في اكرام الغرباء، متزلفون إلى القوي منهم، ولو كان في ذلك هلاك الوطن والرعية. عيّن ابنه البكر " سبتيميوس هيرودس" ""Septimuis Herodes" من زوجته الأولى نائباً عنه في ادارة شؤون الملك، وأخذ هو جيشه وسار به لمحاربة الفرس في أوائل عام " 265" بعد الميلاد. سار به إلى "طيسفون" عاصمة "سابور" فحاصرها أمداً، ويظهر أن "سابور" أظهر استعداده لعقد صلح لولا اشتراط "أذينة" فك أسر "والريانوس"، وهو شرط كان في نظر الفرس جدّ عظيم.

(1/1421)


ووقع حادث مهم اضطر "أذينة" إلى تبديل خططه العسكرية وترك حصار"طيسفون". ذلك هو انتهاز "القوط" فرصة محاصرة "أذينة" للمدائن وابتعاده عن آسية الصغرى وبلاد الشام، فعبروا بحر "بنطس" "Pontus" أي البحر الأسود ونزلوا بميناء " هرقلية" "Heraclea" ثم زحفوا على " بتينية" و "فريجية" و "غلاطية" و "قيادوقية"، وكانوا يقصدون من وراء زحفهم هذا التوسع والاستيلاء على آسية الصغرى وبلاد الشام وكل ما يمكن الاستيلاءعليه من بلاد الشرق. فلما علم "القوط" بمجيء "أذينة" هربوا إلى ميناء "هرقلية" مسرعين، ومنه ركبوا الى بلادهم التي جاءوا منها. فقرر عندئذ الرجوع إلى العراق لفتح "طيسفون". وبينما كان "أذينة" في "حمص" لاراحة الجند، أعد وليمة كييرة تذكاراً ليوم ميلاده حضرها قواده وكبار القوم. فانتهز "معنى" "Maeonius" ابن اخيه "خيران" هذه الفرصة، فقتل هو وعصابته عمه "أذينة" وابن عمه "هيرودس" "Herodus"، لاغتصاب عمه منه ملكه الذي ورثه من أبيه. ونادى بنفسه ملكاً على المملكة التي أنشأها وكوّ نها "أذينة" القتيل، وبذلك استرجع حقه من المقتول. ولكن حياة القاتل كما يقول المثل الشرقي لا تطول، وذلك قولهم: "بعثر القاتل بالقتل"، فما كاد يتربع على العرش اياماً حتى انتقمت منه سيوف "حمص"، وألحقته بالعالم الواسع الذي ذهب إليه القتيلان "66 2 - 67 2 م".

(1/1422)


مأ أعجب الحياة في مدة قصيرة ظفر فيها رجل "تدمر" من رئيس في مدينة صحراوية إلى ملك على عرش مملكة، فقائد كبير في أعظم،انبراطورية في عالم ذلك الزمن، ومنافس للقيصر وملك على الشرق، وفي لحظة واحدة انتقل فيها هذا القائد الملك من هذا العالم إلى عالم القبر. انها الحياة لا بد لها من نهاية مهما بلغ الإنسان من منزلة ومكانة، لا تعرف قوة وصولة ولا فقراً وضعفاً، الجميع إلى هذه النهاية منتهون، وللفيلسوف أن يستخرج منها حكمة الحياة. هل قتل "معنى" عمه لاغتصابه حقه الطبيعي في الملك ? أو قتله لأسباب أخرى وهل كان لأحد مثل الملكة "الزباء" ضلع في الحادث ? وهل كان للرومان يد في هذه الجريمة ? وهل كان للحزب الوطني التدمري الذي كان يكره اليونان والرومان وكل سيطرة غريبة يد في هذا الاغتيال لما عرف عن "أذينة" من دفاعه عن الانبراطورية الرومانية وحماسته في الدفاع عنها ? هذه أسئلة سألها المتعمقون في تأريخ "تدمر" والباحثون فيه، وأجابوا عنها أجوبة مختلفة. فمنهم من رأى إن الجريمة هي انتقام شخس بسبب اغتصاب "أذينة" حق القاتل الذي ورثه من أبيه، ومنهم من رأى انها مسألة مسيرة مدروسة وان للزباء يداً فيها. ومنهم من رأى انها بتدبر الرومان وعلمهم، فعلوها للتخلص من رجل أخذوا يشكّون في اخلاصه، ويرتابون منه ومنهم من رأى عكس ذلك: رأى انها فاجعة للرومان وخسارة كبيرة لسياستهم في الشرق، وانها من أعمال الوطنيين الذين رأوا في ملك تدمر أداة طيعة مسخرة في ايدي سادة"رومة" فقرروا لذلك الانتقام منه، أما نحن فنرى أن من الصعب البت في سرّ قتل "أذينة" وابنه، فالأخبار الواردة في هذا الموضوع غامضة، والأدلة غير متوفرة، ومبايعة الجيش وقواده للقاتل في سرعة ومن غير كلام أو قتال، ثم قيام أهل حمص بقتل القاتل بعد أيام، وتولى الملكة "الزباء" بعده وبسرعة هي قضايا فيها نظر. ولهذا تعددت الاراء، ولن تتفق ما دامت الروايات المقدمة الينا على هذا النحو

(1/1423)


من التعقد والأمور.
أظهر "أذينة" مقدرة فائقة جديرة بالاعجاب، استطاع أن يكوّ ن جيشاً قوياً يخيف الفرس ويلحق بهم الخسائر ويكتسب تقدير الرومان واحترامهم في مدة قصيرة، واستطاع أن يكوّن من القلعة الصغيرة المبنية في البادية مملكة كان لها أثر خطير في النزاع السياسي العسكري بين الرومان والفرس. لقد قام بعمل عسكري عظيم في محاولاته الحربية لانقاذ القيصر "والريانوس" محاولات لم يقم بها سيد "رومة" وابن القيصر الأسير ولا أتباعه الرومان. لقد "أرسلته الشمس اسداً مخيفاً مرعباً".
لقد وقعت في ايام "أذينة" أحداث خطيرة عظيمة في الشرق الأدنى من المعسكرين: المعسكر الشرقي وهو معسكر الفرس، والمعسكر الغربي وهو معسكر الرومان يساعدهم التدمريون. كانت انتصارات الفرس في سنة "260" بعد الميلاد، ثم أسر القيصر "والريانوس"، وغزو بلاد الشام، وقيام " أذينة.، بالهجرم على الفرس، وطردهم من الأرضن التي احتلوها من الأمور الخطيرة التي وقعت، في ذلك العهد، أفادت الرومان ولا شك كثيراً، ولكنها لفتت أنظارهم في الوقت نفسه إلى الخطر الجديد الذي أخذ يتهددهم من ظهور قوة "تدمر"، وتدمر في بلاد الشام. وقد تزعم الحركات الوطنية المعادية للرومان في الشرق،، فتكون كارثة على "رومة". ونجد أخبار "أذينة" وأعماله خاصة بعد معركة "الرها". Edessa" "في تأريخ " سوزيموس" "Zosimus"".

(1/1424)


ولا بد لي في هذا الموضع، وقد انتهيت من الحديث عن لذينة، من الإشارة إلى رجل كان له شأن وذكر في ايام "أذينة"، وكان أقوى شخصية في تدمر الا وهو " ورود" Worod" "الذي ورد ذكره في عدد من الكتابات، أقدمها الكتابة المدونة بشهر نيسان من سنة "262" للميلاد وقد لقب فيها ب "Procurator Ducenarius""، كما لقب بلقب "مرن" الذي تلقب به "أذينة" أيضاً، أي " سيدنا" و "أمر نا"، وبألقاب أخرى، مثل "Cursus Honorum" و "قائد القافلة" و "شريف المستوطنة" وغيبر ذلك من نعوت حملها "أذينة" نفسه، مما يحملنا على الاعتقاد بأنه كان الرجل الثاني في تدمر بعد "أذينة"، ومن الغريب إن اسمه اختفى مع اسم أذينة في السنة التي قتل فيها الملك نفسِها، فلم نعد نقرأه في الكتابات.
وكان " ورود" يقوم مقام "أذينة" بأعباء الحكم عند غياب "أذينة" عن عاصمته. ويرى بعض الباحثين إن اسمه الكامل هو " يوليوس أورليوس سبتيميوس ورود" Jolius Aurelius SeotimiusWord" وانه كان من الطبقة " الأرستقراطية"، وهو من أصل فارسي روماني. وقد نال أعلى الألقاب المعروفة في أيامه، حتى ضاهت الألقاب التي لقب بها "أذينة". والظاهر انه كان شخصاً كفؤأ حازماً لذلك نال مركزاً لم يبلغه أحد غير "أذينة"، اذ كان الرجل الثاني في تدمر بعد الملك.
ولا نعرف شيئاً كثيراً عن المكانة التي حصل عليها بعد مقتل "أذينة" وتولى"الزباء" اعباء الحكم نياية عن ابنها "وهبلات"، والظاهر انه لم ينل عند الملكة المنزلة التي بلغها عند "أذينة"، وان عينّته الملكة نائباً عنها في بعض الأوقات، وكل ما وصل إليه عندها هو منصب "مستشار"، فقد كانت تستدعيه عند الحاجة لاستشارته في بعض الأمور الخطرة. وقد كان لها جماعة مستشارين تستعين برائهم في ادارة الحكم وفي تنظيم الأمور المالية،ولا سيما الجباية من التجارة و التجار.

(1/1425)


ولم يشر "الطبري" ولا غيره من المؤرخين المسلمين إلى حروب "أذينة" مع "سابور" على أهميتها وبلوغ ملك "تدمر" فيها العاصة "طيسفون". وهذا أمر يدعو إلى العجب حقاً اذ كيف يهمل المؤرخون والأخباريون هذا الحدث الخطير ? فلا بد أن يكون هنالك سيب. ورأيي إن سببه الموارد الأصيلة التي اعتمد عليها المؤرخون المسلمون والأخباريون واخذوا منها، وهي موارد فارسية الأصل متعصبة للفرس، أو موارد عراقية ميّالة الهم.
وقد أخذ المؤرخون المسلمون لّأريخ الفرس من موارد فارسية، أما تأريخ الرومان واليونان، فقد أخذوه من موارد نصرانية سريانية في الغالب، ولكنهم أخذوه بقدر، ولم يتوسعوا في الطلب، لذلك كان تأريخ الرومان واليونان مختصراً جداً وضعيفاً يالقياس إلى ما دوّ ن عن تأريخ الفرس، عبارة عن جريدة بأسماء القياصرة جافة في.الغالب، ونتف وقطع مبثوثة هنا وهناك في الفصول المدوّ نة عن تاريخ الدول الفارسية ذكرت في المواضع التي تكون لها صلات بتأريخ الفرس، ولذلك أيضاً أدمج أكثرما دون عن تأريخ الغساسنة وعرب الشام في الأوراق التي دونت عن تأريخ الحيرة وعرب العراق. وقد انتزعت من موارد فارسية- عراقية، ففيها تعصب للفرس وللعراق على الروم والرومان وبلاد الشام.

(1/1426)


واظن إن الموارد الأولى الني نقل منها الأخباريون والمؤرخون كلامهم عن تاريخ الفرس لم ترقها الاشارة إلى انتصارات ملك كوّ ن مملكة في البادية بنفسه، على "سابور" صاحب انبراطورية واسعة تتباهى بنفسها على الرومان، فأهملت الكلام عنها بداقع العاطفة والنزعات القومية. فلما ترجمت تلك الموارد إلى العربية أو نقل منها، لم يجد الأخباريون والمؤرخون شيثاً يقولونه عن انتصارت "أذينة" على "سابور"، وإلا ذكروه كما ذكروا حادث أسر " سابور" للقيصر "والريانوس" في أثناء كلامهم عن سابور. وقد ذكره الطري فقال: "وانه حاصر ملكا كان بالروم يقال له الريانوس بمدينة انطاكية، فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه وأسكنهم جنديسابور".
الزباء
انتقل الملك بعد مقتل "أذينة" و "معن" إلى "وهبلت" و "هبلات" "وهب اللاث". ، وهو ابن "أذينة" من زوجه " الزّ باء" ويعرف في اليونانية ب "اتينودورس" Athenodrus" ". وكان لوهبلات اخوة هم: "حيران" "خيران" و " تيم الله" من أذينة "أذينة" وامه "الزباء". وكان قاصراً، لذلك تولت الوصاية-عليه وتأديبه بأدب الملوك حتى يبلغ سن الرشد، فعلّمته "اللاتينة" والفروسية، وهيأته ليكون ملكاً. كبراً كقياصرة الرومان أو أكاسرة الفرس وسعت هي لتهذيب الدولة وتوسيعها وبسط نفوذها على أماكن واسعة لم تكن خاضعة لتدمر، لذلك كان لا بد من حدوث احتكاك وتصادم بينها وبين الرومان.

(1/1427)


وللاخباريين احاديث واقاصيص عن الزباء، واسمها عندهم "نائلة بنت عمرو ابن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العميلقي" "العملقي" من العماليق. و "الزباء بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع ين هوبر" على زعم، و "ليلى" في زعم آخر. وزعوا إن لها اختاً اسمها "زبيبة" بنت "الزباء" لها قصر حصين على الشاطئ الفرات الغربي، وكانت تشوعند اختها وتربع ببطن النجار، وتصير الى تدمر. كما كان لها جنود هم نظرهم بقايا من العماليق والعاربة الاولى، وتزيد وسليح ابن " حلوان بن عمران ابن الحاف ين قضاعة" ومن كان معهم من قبائل قضاعة. وذكر "ابن خلدون" إن ملك العرب بأرض الحيرة ومشارف الشام كان.لعمرو بن الظرب،و.كان جنود ألزباء من بقايا العمالقة من عاد الأولى ومن نهد وسليح ابني حلولن ومن كان معهم من قبائل قضاعة، وكانت تسكن على شاطىء الفرات وقد بنت هنالك قصراً، وتربع عند بطن المجاز، وتصيف بتدمر، أخذ قوله هذا من. تأريخ الطبري وتصرّ ف فيه بعض التصرف. أما الأصل، فخبر من اخبار الأخبارين، واما النقل فحكمه حكم الأصل بالطبع. وأما ان جنود "الزباء" من بقايا "العمالقة"، فهو أمر مقبول في نظر اصحابنا الأخباريين، و لم لا ? أن "الزباء" في رأيهم من بقايا العمالقة، اي من العرب الأولى فلم لا يكون جنودها اذن من اولئك لقوم ? وزعم بعض الأخباريين إن "الزياء" من ذرية "السميدع بن هوثر" من "بني قطورا" اهل مكة، وهي بنت " عمرو بن أذينة بن، الظرب بن حسان". ويبن " حسان" و "السميدع" آباء. وزعم آخرون أن "عمرو بن الظرب" كان على مشارف الشام والجزيرة، و كَان منزله بين " الخابور" و "قرقيساء"، فوقعت بينه " وبين "مالك بن فهم" حروب هلك "عمرو" في بعضها، فقامت بملكه من بعده ابنته "الزباء". وقد استمرت الحرب بين "مالك" و "الزباء" إلى إن الجأها إلى اطراف مملكتها. وكان " مالك" على ما يصفه الأخباريون رجلا قديراً يغير على ملوك الطوائف حتى

(1/1428)


غلبهم على كثير مما في ايديهم. وهو في نظرهم اول من ملك من "عرب الضاحية". وكان منزله مما يلي "الأنبار"، ثم ملك بعده أخوه "عمرو بن فهم". فلما هلك تولى من بعده "جذيمة الأبرش" الشهير في تأريخ الحيرة.
والذي حارب "عمرو بن الظرب" على رواية منسوبة إلى "ابن الكلبي" ذكرها " الطبري" هو "جذيمة الأبرش"، وكان جذيمة على هذه الرواية قد جمع جموعا من العرب سار بها يريد غزاة "عمرو"، وأقبل "عمرو" بمجموعة من الشام فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل "عمرو بن الظرب" وانفضت جموعه. فأجمعت الزباء رأيها لغزو "جذيمة" للاخذ بثأر أبيها، ولستعدت لذلك. غير إن اختاً لها هي " زبيبة"، وكانت ذات رأي ودهاء وأدب، نصحتها بترك الحرب، فإن عواقبها غير مضمونة، فاستجابت لنصيحتها، وعمدت إلى طرق المكر والحيل فراسلته واستدرجته إلى عاصمتها في قصة معروفة مشهورة لا حاجة بي إلى اعادتها، فغدرت به وقتلته. وطلب "قصير بن سعد بن عمرو ابن جذيمة بن قيس بن ربي بن نمارة بن لخم"، وكانْ اريباً حازماً أثيراً عند "جذيمة ين الأبرش" من "عمرو بن عدي" خليفة " جذيمة" على الحيرة الخروج لقتال "الزباء"، فأحجم فلما رأى ذلك منه، صمم على أن يأخذ هو بالثأر، فذهب اليها مدعيأ انه مضطهد ممقوت لتهمة نسبت إليه هي انه ساهم في - قتل "جذيمة" فوثقت به واطمأنت إليه وهي لا تعلم ما في يخفي لها، ثم طلب منها أن يعود إلى بلده ليعود بأمواله ونفائس ما لديه فسمحت له وأعطته تجارةً لتصريفها هناك، فباعها وعاد بأرباح طائلة وبأموال كثيرة، فزادت ثقتها به وتكرر الحال، حتى اذا ما وثق من اطمئنانها إليه عاد في المرة الأخيرة برجال أشداء من بني قومه ومعهم "عمرو بن عدي"، وضعهم في جوالق كبيرة فلما توسطوا في المدينة، أنزلت الجوالق وخرج الرجال منها، فوضعوا سيوفهم في رقاب أهلها، فلما رأت الزبّاء ذلك. أرادت الهرب من نفق حفرته لمثل هذه الأيام، اطلع قصير عليه، فوضع "عمرو بن عدي" على

(1/1429)


بابه. فلما رأته الزياء مصت خاتمها، وكان فيه سم، قائلة: "بيدي لا بيدك يا عمرو"، وتلقاها عمرو بن عدي بالسيف فجللها به وقتلها، وغنم كثيراً، وانكفأ راجعاً إلى العراق.
وهي قصة محشوة بالأمثال المنسوبة إلى أبطالها: جذيمة وقصر والزباء وعمرو ابن عدي، وفيها على عادة الأخباريين في رواية أمثال هذا القصص شعر نسب بعضه إلى هؤلاء الأبطال، ونسب بعضه الآخر إلى شعراء أقحمت أسماؤهم في القصة ليؤكد واضعوها ولا شك صدق حديثهم،وليلوّ نوا كلامهم بعض التلوين. ونجد قصة الزباء وجذيمة وقصير المطالب بالثأز في شعر ينسب إلى "عديّ بن زيد العبادي"، جاء فيه: ألا أيها الملك المرجىّ ألم تسمع بخطب الأولينا
دعا بالبقَّة الأمراء يوماً جذيمة عصر ينجوهم ثبينا
فطاوع أمرهم وعصى قصيراً وكان يقول لو تبع اليقينا
ثم يستمر في نظم القصة شعراً حتى تنتهي. وقد ختمت بنصح للانسان ليتعظ بالحوادث والمنايا، التي لا تعرف أحداً مهما كانت درجته ومنزلته، إلا أخذته، ثم صيرته أثراً بعد عين.
وذكر أهل الأخبار أن "الزبّاء" كانت تأتي الحصون، فتنزل بها، فلما نزلت ب "مارد"، حصن دومة الجندل، وبالأبلق، حصن تيماء، قالت تمرد مارد وعز الأبلق، فذهبت مثلاً.
ولم يبخل الأخباريون على الزباء، فمنحوها ابياتا زعموا انها قالتها، وجعلوها أديبة في العربية بليغة إلى اعلى درجات البلاغة. لها حكم وامثال بهذه العربية، عربية القرآن الكوريم. ولا غراية في ذلك، فالذي ينسب شعراً عربياً إلى آدم وابليس ويرويه مشكَّلاً مضبوطاً على وفق قواعد النحو والصرف، لا يعجز عن رواية شعر ينسب إلى "عمرو بن الظرب" والى ابنته الزباء.
وذكر إن معاوية ذكر في أحد مجالسه "الزباء" وابنة "عفزر"، فقال: "اني لأحب إن أسمع حديث ماوية وحاتم، فقال رجل من القوم: أفلا أحدثك يا امير المؤمنين ? فقال: بلى، فقال: إن ماوية بنت عفزر، كانت ملكة وكانت تتزوج من أرادت".

(1/1430)


ويذكر اهل الأخبار أن "ابنة عفزر" قينة كانت في الدهر الأول، لا تدوم على عهد، فصارت مثلاً. وقيل: قينة كانت في الحيرة، وكان وفْدُ النعمان اذا اتوه لهوا بها. وذكر أن "عفزر" اسم اعجمي، ولذلك لم يصرفه "امرؤ القيس" في قوله: أشميمُ بروق المُزنِ أين مصابُهُ ولا شيء يشفي مناك يا ابنة عفزرا
ولم تشاً الكتابات التدمريه الاعلان عن اسم ملكة تدمر، بل ذكرتها على هذه الصورة: "بت زباي" اي " بنت زباي". و "زباي" هو اسم والد الملكة، حذفت كلمة "بت" وهي "بنت" في العربية، وقلب الحرف الأخير وهو الباء من كلمة "زباي" وْصيّر همزة، فصار " زباء"، وعرفت ملكَة تدمر عند العرب باسم "الزباء".
وقد ذكر المؤرخ "فلافيوس فوبسكوس" Flavius Vopiscus"" إن والد "الزباء" رجل من تدمر اسمه "اخليو" "Achilleo"، و Achilleo"" هو "انطيوخس" "Antiochus" في رواية اخرى.
وقد أثنىَ عليها المؤرخ "تريبليوس بوليو" "Trebellius Pollio" "ووصفها وصفا جميلاً، واشار إلى مقدرتها وقابليتها، وذكر انها كانت تتكلم اليونانية وتحسن "اللاتينية"، وتتقن اللغة المصرية وتتحدث بها بكل طلاقة، وتهتم بشؤون المملكة، وتقطع المسافات الطويلة سيراً على الأقدام في طيعة رجال جيشها، إلى غير ذلك من كلام فيه ثناء واطراء على هذه الملكةْ.

(1/1431)


وقد بلغتنا روايات تفيد إن الملكة ادعت انها من مصر، من سلالات الملوك وانها من صلب الملكة الشهيرة "قلبطرة" "كليوبطرة" Celopatra"" "، وانها كانت نفسها تتكلم المصرية بطلاقة، وانها ألفت كتاباً كتبته بخط يدها اختصرت فيه ما قرأته من تواريخ الأمم الشرقية ولا سيما تأريخ مصر، وانها استقدمت مشاهير رجال الفكر إلى عاصمتها، مثل الفيلسوف الشهير " كاسيوس ديونيسيوس لونجينوس" Cassius Longinus" "" 0 2 2 - 273 م" بعد الميلاد. وكان فيلسوفاً على مذهب الأفلاطونية الحديثة ومن أصدقاء الفيلسوف " فرفوريس" Phorphyrios" "، استقدمته الملكة إلى عاصمتها واستضافته عندها وجعلته مستشاراً لها، فأخلص لها في مشورته،فكان ذلك سبباَ في قتله. فقتله القيصر " أوريليانوس" Aurelianus" "، لاتهامه انه كان يحرض الملكة على الرومان.
ومثل الكاتب المؤرخ " كليكراتس الصوري"، و "لوبوكوس" البيروتي اللغوي الفيلسوف، و "بوسانياس" الدمشقي المؤرخ، "ونيوكوماخس" "Nicomachus " من زمرة الكتّاب المؤرخين، المتضلعين بالإغريقية،ومن الفلاسفة، وقد تولى الكتابة باللغة الإغريقية، وصار من مستشاريها كذلك. ولذلك أمر به القيصر "أورليانوس" فقتل بعد محاكمته بمدينة حمص، في الوقت الذي حوكمت فيه الملكة والفيلسوف "لونجينوس"، الذي قطع رأسه بعد إن مثلّ به. وفي حشد هذا النوع من الرجال دلالة على ميول الملكة الفلسفية الأدبية وثقافتها العالية ولا شك.

(1/1432)


وملكة شأنها هذا، لا بد إن تكون حرة الفكر، متساهلة مع اصحاب العقائد والاراء. وهذا ما كان. ففي مدينة "تدمر" الوثنية عاشت جالية كبيرة من اليهود يمتعت بممارسة شعائرها الدينية يكل حرية، ونالت حقوق المواطنة التي كان يتمتع بها التدمريون، جاءت إلى المدينة مهاجرة من فلسطين خاصة،بعد خراب القدس على ايدي القيصر " طيطوس" "تيتوس" "Titus" في سنة "70" بعد الميلادْ. فاشتغلت فيها بالتجارة، فحصلت على ارباح طائلة جداً، وصار لها في المدينة اسم وشأن حتى إن مجلس المدينة والشعب اقام تمثالاً في سنة "569" السلوقية المقابلة لسنة " 257" الميلادية ليهودي يدعى " يوليوس أورليوس شلميط" "Julius Aurelius Schalmath" "قائد القافلة، لأنه ترأس القافلة، وأنفق عليها من ماله.
وقد بالغ المؤرخين في عدد اليهود الذين كانوا في "تدمر" ايام حكم الزباء فزعم انه بلغ نصف عدد سكان المدينة، وهو زعم يحتاج إلى اثبات. وزعم القديس "أثناسيوس" "St.Athanasius" إن ملكة تدمر كانت تدين باليهودية ولكنها مع تهودها لم تهب أبناء دينها الكنائس لتكون لهم مجامع ومحافل. وذهب إلى هذا الرأي المؤرخ "فوتيوس" "Photius"". وذكر "فيلاستريوس" Philastrius"" إن الذي هوّ د الملكة هو "بولس السميساطي" "paulus Samosatius" وهو أسقف كان مقرباً إلى الزباء، وله منزلة عاليه لديها. ونسبت إليه آراء في المسيح وفي بعض الأمور الدينية الأخرى دعت إلى محاكمته في مجمع "انطاكية" الذي انعقد في سنة "264" للميلاد، فوجد المجمع إن تعاليمه تشبه تعاليم "اًرتاماس" "أرتامون" الذي حكم عليه قبلا، فحرموا آراءه كذلك، ثم حكم عليه في "انطاكية" سنة "269" بعزله عن الأسقفية، ولم تتدخل "الزباء" في القّرارات التي اتخذها رجال الكنيسة تجاه بولس، كما انها لم تنفذ قراراتهم بحقه، بل أبقته في مركزه وتركته على ما كان عليه.

(1/1433)


ويرى بعض المؤرخين أن خبر تهود الملكة خبر مختلق، وضعه آباء الكنيسكة للاساءة إلى سمعه "بولس السميساطي" والطعن فيه والحط من تعاليمه وللتأثير في نفوس أتباعه. وقد لاقى "بولس" من خصومه عنتا شديداً. ولا يعقل بالطبع أن يعمد رجل كنيسة إلى تهويد شخص مهما كان مذهبه ورأيه في طبيعة المسيح واللاهوت، بل المعقول أن يعمد للتأثير فيه وادخاله إلى مذهبه. ولدينا خبرآخر أراه من جنس خبر "فيلاستريوس" ذكره "تيودوريت" "Theodoret"، خلاصته: أن الأسقف "بولس" أخذ رأيه في "الثالوث" من آراء الملكة المتأثرة باليهودية، وأنه كان قد تأثر بالمرأة حتى سقط إلى الحضيض. ولايخفى ما في هذا الخبر من طعن في عقيدة الرحل الذي أبدى رأياً فىِ " الثالوث" سبب غضب الاباء عليه.
ولم نجد في الآثار اليهودية التي بين أيدينا ما يفيد تهود "الزباء"، نعم ورد في التلمود خبر يفيد حماية " الزياء" للأحبار، غير أنه وردت أخبار أخرى تفيد أن اليهود كانوا ناقمين على "تدمر" حاقدين عليها يرجون من الله أن يطيل في عمرهم ليروا نهايتها. هذا الحبر الكبير "يوحانان" "يوخانان" "Johanan" "" Jochanan" " رئيس "أكاديمية" "طبرية" و المعامر لأذينة والزباء، يقول: "مخلد وسعيد من يدرك نهاية أيام تدمر". و لو كانت الملكة على دين يهود، لما صدرت هذه الجملة من فم ذلك الحبر ولا شك. ويفهم من بعض الروايات المروية عن فقهاء اليهود وأحبارهم في فلسطين في ذلك العهد، أن الملكة اضطهدت اليهود وعذبتهم. وهي روايات. لا يمكن التسليم بصحتها ايضاً، ويجوز انها ظهرت على أثر توسع.الملكة في الأرضين التيّ كانت تحت سسِطرة الرومان ومنها "اليهودية" غير أن هذا الاستيلاء لم يكن أمده طويلاً.

(1/1434)


ووردت روايات أخرى تشير إلى كراهية يهود منطقة الفرات لتدمر، ورد إن الحبر "يهودا" "R.Juda" تلميذ الحبر "صموئيل" "Samuel" تحدث عن تدمر، فقال: "سيحتفل الاسرائيليون في أحد الأيام بعيد، انه عيد هلاك ترمود "Tarmud"، انها ستهلك كما هلكت تمود " Tarmud" وقد هلكت. وورد إن الحبر "آشة" "R.Asche" ذكر "ترمود" "Tarmud" فقال: ترمود مثل تمود، انهما شيئان لأمر واحد، اذا هلك أحدهما قام الثاني مقامه.
. ويراد ب "ترمود" مدينة "تدمر". وقد اشترك عدد كبير من اليهود في صفوف أعداء الزباء، واشتركوا مع الفرس في حروبهم مع تدمر كما اشتركوا مع الرومان. وقبض على عدد من الأحبار أحضروا إلى الملكة كانوا يحرضون الناس على التدمريين.
أما "تمود"، الذين هلكوا قبل هلاك "ترمود"، فهم قوم ثمود. ويظهر انهم حلت بهم نكبة أدت إلى هلاكهم حتى صار هلاكهم مضرب الأمثال. ولم يشر الى زمن حلول تلك النكبة. ولكن ذلك كان قبل سقوط "تدمر" في أيدي الرومان على كل حال، كما يفهم من كلام الحبر "يهودا" المتوفى سنة "257" للميلاد.

(1/1435)


أما أسباب هذا البغض، فلم تذكر. ويظهر إن هنالك جملة عوامل دعت إلى ظهوره، منها اراء الملكة الفلسفية وآراء الفلاسفة والكتاب الذين كانوا يحيطون بها، وكانوا يبثونها في تدمر وفي البقاع التي استولى عليها التدمريون، فنفقت نفاقاً كييراً بين يهود "تدمر" ويهود "الكالوتات" على نهر الفرات، فأثارت هذه الاراء "الالحادية" عند اليهود حقد الأحبار والمتدينين. ومنها الزواج المختلط الذي انتشر في تدمر بين اليهود وغير اليهود، ونشوء جيل جديد من هذا الزواج أضاع الدين وتقاليد الإسرائيليين. وهو أمر نهى عنه اليهود. ومنها الحالة السياسية التي نشأت من أسر الفرس للقيصر "والريانوس"، وهجوم أذينة على الفرس وما أعقب ذلك من حروب ألحقت ضرراً كبيراً بالجاليات اليهودية الكبيرة التي كانت تسكن شواطىء القرات، ومعظمها من التجار الذين كانوا يتاجرون مع الفرس والروم، ويبن العراق وديار الشام، فأصيبت هذه "الكالوتات" اليهودية التي كانت تتمتع بشبه استقلال بأضرار كبيرة، وفقدت استقلالها خلال مدة استيلاء التدمريين على شواطى الفرات. فلهذه الأسباب كانت نقمة اليهود على التد مريين.
وحرص بعضى المؤرخن على ادخال الملكة في زمرة النصارى فزعموا. انها كانت على دين المسيح. وتساهل آخرون بعض التساهل فقالوا انها لم تكن نصرانية أصيلة ولكنها كانت قريبة منها ميالة اليها، وجحد ححج من قال بتهود الملكة وسخفها. وتوسط آخرون فقالوا انها لم تكن يهودية محضة، ولا نصرانية خالصة، إنما كان دينها وسطاً بين الدينين: كانت تعتقد بوجود الله، وترى التوحيد،ولكنها لم تكن على اليهودية وعلى النصرانية، بل رأت الخالق كما يراه الفيلسوف.

(1/1436)


وللمؤرخين آراء في أصل "الزباء" ونسبها وأسرتها، فمنهم من ذهب إلى أنها مصرية، ومنهم من ذهب إلى أنها من العماليقْ ومن هؤلاء المؤرخ "آيشهورن" "Eichhorn". وقد أخذ هؤلاء آرامهم من الكتب العربية على ما يظهر. وذهب المؤرخ اليهودي "كريتس" "Graetz" " Graetz" إلى أنها "ادومية" من نسل "هيرودس وا نها يهودية الدين. ورأى "رايت" "Wright" " و "أو بردك" "Oberdick" وآخرون انها من أب عربي ولكنها من دم مصري من ناحية الأم. والذي عليه أكثرهم. أنها عربية الأصل.
وقد ذكر "المسعودي" إن بعض المؤرخين كانوا يزعمون انها "رومية" تتكلم العربية.
أظهرت "الزباء" مقدرة فائقة في ادارة شؤون الملك، فخاف منها الرومان، وعزم "غاليانوس" بتحريض من شيوخ "رومة" على القضاء عليها قبل استفحال أمرها، فأرسل جيشاً إلى الشرق تظاهر انه يريد من ارساله محاربة "سابور" غير انه كان يربد في الواقع مهاجمة تدمر واخضاع الملكة. فبلغ خبره مسامع "الزباء" فاستعدت لمقابلته وخرجت له، والتحمت فعلاً بكتائب الرومان،وانتصرت عليه انصاراً باهرا، وولت هاربة تاركة قائدها "هرقليانوس" "Heraclianus" قتيلاً في ساحة الحرب.
ورأت الملكة الحذر من الفرس، وذلك بتقوية حدود مملكتها، فأمرت بانشاء حصن "زنوبيا" "Zanobia" على نهر الفرات، ليقف أملم الهجمات التي قد يوجهها الساسانيون عليها من الشرق. ويقول "بروكوبيوس" انه سمي بهذا الاسم نسبة إلى الملكة مؤسسته.

(1/1437)


وقد اتبعت "الزباء" بعد مقتل زوجها سياسة عربية، سياسة تعتمد على التقرب من الأعراب والتودد اليهم والاعتماد عليهم في القتال والحروب. وذلك بعد أن رأت إن الرومان هم أعداء تدمر، وانهم لا يفكرون الا في مصالح الرومان الخاصة. وبهذه السياسة تقربت أيضاً إلى العناصر العربية المستوطنة في المدن، وأخذت تعمل على تكوين دولة عربية قوية واحدة بزعامتها، وخاصة بعد أن أدركت إن الأعراب قوة لا يستهان بها، وانهم لو نظموا واستغلوا استغلالا جيداً، صاروا قوة يحسب لها كل حساب، فأخذت تعمل لتكوين هذه القوة، ولكن الرومان كانوا أسرع منها، فقضوا على مآربها قبل أن تتحقق، فاستولوا على تدمر وأزالوا مملكة ملكة الشرق.

(1/1438)


وجهت "الزباء" أنظارها إلى مصر، ووضعت الخطط للاستيلاء على هذا القطر، بعد أن مهدت لنقسها الدعوة فيه باعلانها انها مصرية وانها من نسل الملكة "كليوبطرة" "قلبطرة" فلها إذن فيه ما يسمح لها بالتدخل في شؤونه، وأخذت تترقب الفرص وتتحين الأسبالب، فلما قتل القيصر "غاليانس" سنة "268" للميلاد، وانتقل الحكم إلى "أوريليوس فلوديوس" "Marcus Aurelius Claudius" "" 268 - 5 27 م"، وجدت الجو صالحاً للتدخل،كان الألمان "Alemannen" قد هاجموا حدود الإمبراطورية في مطلع هذا العام، وكان "الغوظ" "القوط" "Gothen " "Goths" قد أربكوا الدولة. وكان أثر الخسارة التي ألحقتها الملكة في الجيش الروماني، ومقتل "هرقليانوس" بالغاً في نفوس الرومان، يتجلى في صياح أعضاء مجلس الشيوخ بصوت واحد سبع مرات في أثناء مبايعة القيصر الجديد: "ياقلوديوس أغسطس نجنّا من فكتوريا ومن زنوبيا، ياقلوديوس أغسطس أغثنا من التدمريين". وفي للرسالة المؤثزة للتي وجهها القيصر إلى مجلس الشيوخ ومدينة "رومة" وهو في طريقه لتأديب المهاجمين، وفيها "إن جبيني ليندى خجلاً كلما تذكرت أن جميع الرماة بالقسي هم في خسمة زنوبية" فانتهزت الملكة هذه الفرصة المؤاتية وأرسلت جيشها لاحتلال مصر.

(1/1439)


كان القيصر قد أمر عامله. على مصر المدعو "بروبوس" "Probus" بالخروج على رأس اسطول الاسكندرية إلى عرض البحر: لمطاردة "الغوط" " القوط" "Goths" ولمنعهم من الهرب عبر المضايق فخرج علي رأس قوة كبرة من الرومان لمطاردتهم فانتهز الوطنيون والمعارضون لحكم الرومان - وعلى رأسهم "تيماجينيس" "Timagenes"، وهو رجل يوناني الأصل مبغض للرومان - هذه الفرصة، فكتبوا إلى الملكة يحضونها على تحرير مصر من حكم "رومة" وتولى الحكم فيها. وأظهر "فيرموس" "Firmus"، وهو رجل ثري جداً، استعداده لمساعدة الملكة بالمال وبكل ما ينبغي اذا أرادت الاستيلاء على مصر. فأمرت "الزباء" قائدها "زبدا" بقصد مصر على رأس جيش قوامه سبعون الف رجل. وقد قاتل الجيش الروماني الذي كان مؤلفاً من خمسبن الف مقاتل وتغلب عليه، ثم قرر العودة إلى تدمر تاركاً في مصر حامية صغيرة من خمسة آلاف رجل، ويظهر انه تركها تحت إمرة "تيماجينيس" الذي عيّن نائباً عن الملكَة على مصر. فلما سمع "بروبوس" بهجوم التدمريين وتغلهم على الرومان، أسرع عائدا الى مصر، فألف جيشاً من المصريين الموالين للرومان، وزحف على الالسكندرية وأخذ يتعقب التدمريين، وأعمل فيهم السيف، فلما سمعت "الزباء" بذلك، أمرت قائدها بالعودة ثانية الى مصر، فجرت معارك بين الطرفين انتهت بانتصار التدمرين على "بروبوس" عند "بابلون" أي "الفسطاط"، وكتب النصر لجيش الملكة في مصر.
وقد ساعد عرب مصر من سكان الأقسام الشرقية من مصر، جيش تدمر مساعدة كبيرة، ولا سيما فيما جرى من قتال حول حصن "بابلون" "Babylon" الذي عرف ب "الفسطاط" فيما بعد. ويظن بعض الباحثين أن "تيماجينس" "Timagenes" الذي وصفه المؤرخ "زوسيموس" "Zosimos" "Zosimus" بأنه مصري، كان في الحقيقة عربياً، واسمه عربي أخذ من "تيم اللات"، أو من "تيم جن". وكان من المبغضين للرومان.

(1/1440)


ولم تتحدث الموارد التأريخية عن الحوادث التي جرت في مصر بعد هذا النصر ولا عن موقف الرومان من هذا التطور الذي وقع في منطقة خطيرة من مناطق الانبراطورية. ويظهر إن الملكة تراضت مع "رومة" وعقدت اتفاقية معها، وافقت "رومة" فيها على بقاء جيوش تدمر في مصر، مع اعتراف "تدمر" بسيادة الرومان على وادي النيل. وقد عقدت هذه الاتفاقية في أواخر ايام حكم " قلوديوس".
كما يتبين ذلك من خبر ذكره " تربيليوس بوليو" "Tebellius Pollio" ما له حلف المصريين يمين الولاء والاخلاص للقيصر. وقد دام هذا الاتفاق في أوائل سني حكم القيصر "اورليانوس" "Aurelianus" "275 - 275 م" أيضاً كالذي يتبين من نقد ضرب في الإسكندرية في سنتي "275" و "271" للميلاد، وقد ضربت على أحد وجهي النقد صورة مزدوجة لوجه القيصر "اورلبانوس" " Aurelianus " حاملاً لقب "أغسطس" " Augustus " مع وجه " هبلات"، وقد نعت ب: Vir Consularis Romanorum" Imperator Dux Romanorum" ويشير إلى اللقب الذي تلقب به أيام حكمه. وأما ازدواج صورة القيصر مع صورة "وهبلات"، فيشير إلى الحكم المزدوج على مصر.

(1/1441)


ولم يدم هذا الاتفاق بين الرومان وبين الملكة طويلاً، فقد ضغط سادات "رومة" على الإمبراطور باًن ينقذ الامبراطورية مما حاق بها من تصدع في أوروبة وفي الشرق. وفي جملة هذا التصدع ظهور ملكة "تدمر" وأطماعها في مصر وفي الأرضين الأخرى من بلاد الشام وآسية الصغرى. واضطر القيصر "اوريليانوس" بعد الانتهاء من فتنة "رومة" ومن تأديب الجرمان إلى التدخل والعمل للقضاء على عصيان العصاة وطمع الطامعين. وبلغ سمع الملكة من أصدقائها و مخبريها في "رومة" عزمُ الانبراطور على القضاء عليها، فقررت القيام بعمل سريع قبل مباغتة القيصر لها، فألغت الاتفاق المعقود مع الرومان في ايام "قلوديوس"، وأمرت بمحو صورة "اوريليانوس" من النقود لتبرهن على قطع علاقتها بالقيصر، وعدم اعترافها بسيادة "رومة" الاسمية عليها، وأمرت بضرب صورة "وهبلات" وحده، مع اللقب. " الانبراطوري" المخصص بقياصرة "رومة" وذلك في السنة الخامسة من حكمه. وقد تلقبت الزباء نفسها بهذا اللقب في النقود التي ضربت باسمها في الخارج. اما نقود "تدمر"، فقد لقبت فيها بلقب "ملكة"، ولقبت في مصر هي وابنها بلقب "أغسطس". وهو لقب القيصر "أوريليانوس". وفي هذا التحدي الصريح، دليل واضح على ما حدث من نزاع شديد في العلاقات السياسية بين تدمر ورومة.
وتفاوضت الملكة "الزباء" على رواية مع الملكة " فيكتوريا" "فيكتورية" Victoria " عاهلة إقليم "الغال"، لتوحيد الخطط في مهاجمة القيصرية الرومانية واقتسامها، وأمرت جيوشها بالسير إلى "بيتينية" " Bithynia" فاستولت عليها، وظلت تتقدم دون ملاقاة معارضة تذكر حتى بلغت "خلقيدون" بازاء " القسطنطينية". ويقال إن الملكة كانت قد امرت بصنع عجلة فاخرة للدخول بها في موكب الظفر إلى عاصمة الرومان.

(1/1442)


واضطرت الملكة لتنفيذ خطتها هذه إلى سحب القسم الأعظم من جيشها المعسكر في مصر معتمدة على دفاع المصريين انفسهم اذا هجم عليهم الرومان. فانتهز "اوريليانوس" هذه الفرصة فأرسل مدداً إلى "بروبس"، وكان القائد "زبدا" قد وصل إلى مصر لمساعدة "فيرموس" نائب الملكة على صد الرومان. فوقعت معارك بين الفريقين كاد يكون النصر فيها للتدمريين لولا استمالة " يروبس" جماعة من المصريين، فآزروه ودحروا جيش " زبدا" في سنة "271" للميلاد. واضطر التدمريون إلى ترك مصر إلى أعدائهم، فكانت هذه أول نكبة عظيمة تنزل بالزباّء. ومنذ " 29" أغسطس من سنة "271 م" انقطع في الاسكندرية ضرب النقود التي تحمل صورة الزباء ووهبلات.
ولا نعرف اليوم شيئاً من الموارد التأريخية عن الأثر الذي تركه انتصار "بروبس" في مصر على التدمريين. ولكننا نستطيع أن نقول انه وقع وقعاً عظيماً على الملكة "الزباء". فخسارة مصر على هذه الصورة، كانت خسارة كبيرة عليها، ولا بد أن تكون قد أثرت فيها، فقد مكنت الرومان من القضاء على سلطان الملكة في تلك البقعة المهمة وجعلت في امكانهم تهديدها من الجنوب، كما إن موقف جيشها عند " خلقيدون"، وعدم تمكنها من الإستيلاء على " نيقية" وتوقف خططها العسكرية الهجومية، ثم اتخاذها خطة الدفاع ثم التراجع ومجيء "أورليانوس" بقوات كبيرة نحو الشرق، كل ذلك قد يكون نتيجة من نتائج هذا الاندحار الذي مني به جيش الملكة وأحزابها الموالية لها بمصر، فأضعف معنويات التدمريين ومن كان يواليهم وشدّ من أزر الرومان ومن كان يناصرهم.

(1/1443)


قاوم أهل "خلقيدون" التدمرين، وأبوا التسليم لهم، وأرسلوا إلى القيصر لينجدهم ويظهر إن الملكة عرفتّ حراجة وضعها العسكري، وعدم استطاعتها التقدم،فقررت التراجع إلى مواضع جديدة تدافع فيها عن نفسها اذا هاجمها الرومان. وقد هاجمها الرومان فعلا، اذ عبر القيصر مضيق "البسفور" وفاجأ التدمريين في "بيثينية" في أواخر سنة "271 م" أو أوائل السنة التالية،وأجلاهم عنها، ثم سار إلى "غلاطية" " Galatia " و "قفادوقية" "Cappadocia " حتى بلغ " أنقرة" " Ancyra "، فسلمت له. وأخذ الرومان يتقدمون بسرعة إلى بلاد الشام.
أفزع تقدم الرومان السريع الزباء ورجالها ولا شك، وأخذت المدن التي كانت تساندها تشكُّ في تمكن الملكة من الدفاع عن نفسها، وشاعت بين الناس قصص عن نهاية تدمر وخرابها بايدي الرومان وعن سقوطها لا محالة، أثرت مع وصول أنباء اعتزام القيصر القضاء على حكم الملكة واخضاع "تدمر" لحكم الرومان. ومن يدري ? فلعل الرومان وأنصارهم وأعوانهم وجواسيسهم هم الذين صنعوها وأذاعوها بين الناس لإماتة همة جيش الملكة وأعوانها، والايحاء إليه انه مغلوب لا محالة وان ارادة الالهة قد قضت بذلك ولا رادّ لها. فكان من بين ما أشيع إن معبد "الزهرة" في "أفقة" " Aphca" أنبأ الحجاج التدمريين الذين حجّوا قبل سنة من سقوط مدينتهم، يستفتون "الزهرة" فيما سيحل بهم في السنة المقبلة بمصير سيئ سيلحق بتدمر، وان كارثة ستنزل بهم، أنبأهم بذلك على عادة المعبد في موسم الحج الذي يلي الموسم الذي سئل فيه السؤال.

(1/1444)


وكان من بين ما أشيع تخرّصات زعم أنها صدرت من معبد "أبولو" "Apollo" تنبئ بزوال دولة التدمريين ومشيئة الآلهة بانتصار "أورليانوس" على الزباء، وتخرصات تزعم أن الحبر " يهودا" " R.Juda" تلميذ الحبر "صموئبل" Samuel" تنبأ بها عن تدمر، إذ كان قد قال: "سيحتفل الاسرائيليون في أحد الأيام بعيد، إنه عيد هلال "ترمود" "Tarmud"، انها ستهلك كما هلكت "تمود" " Tamud" وقد هلكت". وورد إن الحبر "أشه" " R.Asche" ذكر "ترمود" " Tarmud" فقال: "ترمود مثل تمود، انهما شيئان لأمر واحد، اذا هلك أحدهما قام الآخر مقامه". ويراد ب "ترمود" مدينة "تدمر".
إلى غير ذلك من تخرصات أوحت بها دعاية الرومان، وأعداء الملكة من يهود ومن قوميات أخرى قهرتها "الزباء" فأذاعتها بين الناس، لافهامهم أن من العبث مقاومة القيصر وجنوده، وان من الخير ترك المقاومة والاستسلام، وأن اليوم الذي ستحرر فيه تلك الشعوب من حكم الملكة آت قريب، لأن ارادة الالهة قضت ان يكون ذلك، ولا رادّ لأمر الآلهة: نعم، لم تصدق الملكة العاقلة الحكيمه بهذه الخرافات، فحاربت. ولكن عقول العامة لم تكن على شاكلة عقل الملكة، لقد أثرت فيها هذه الدعاية، وقضت على معنويات التدمريين الوثنيين الذين يدينون بهذه الخرافاتَ ويؤمنون بها، وما زال من طرازهم خلق كثر في القرن العشرين الميلادي هذا.

(1/1445)


تهيأت الملكة "الزباء" لملاقاة "أورليانوس" عند مدينة "انطاكية" "Antiochia"، وكانت هي على رأس الجيش فارسة تحارب في الطليعة. أما القيادة، فكانت لقائدها "زبدا". وفي الوقعة الأولى هجم فرسان تدمر على الكتائب الرومانية فشتتوا شملها، فأمر القيصر جنوده بالرجوع إلى مسافات بعيدة، ليوهم التدمريين أنه قد فرّ،فإذا ساروا في أثرهم وابتعدوا عن قواعدهم باغتهم بالهجوم، فلا يتمكن فرسان تدمر من الهزيمة لثقل أسلحة الفرسان ومعداتهم وبطئ خيلهم بالقياس إلى خيل الرومان. وهو ما حدث. فقد خُدع التدمريون وظنوا رجوعهم هزيمة، فتعقبوهم إلى مسافات بعيدة، وفجأة انقَلبت الكتائب الرومانية على التدمريين، وأطبقوا عليهم، وأعملوا فيهم السيوف وانهزموا هزيمة منكرة إلى مدينة "انطاكية". وفي هذه المدينة قرَ رأي الملكة على ترك أنطاكية والارتحال عنها بسرعة لأسباب، منها وجود جالية يونانية كبيرة فيها كانت تفضل حكم الرومان على حكم الشرقيين عليهم، وقد كان لها النفوذ والكلمة في المدينة. ومنها نفرة النصارى من الملكة بسبب موقفها من "بولس السميساطي" الذي قرر مجمع "انطاكية" عزله من وظيفته، فلم تنفذ الملكة قرار المجمع، وتركته يتصرف في أموال الكنيسة،ولم تكتف بذلك بل عينته "على Procurator Decenarius" على المدينة، أي انها جعلته الرئيس الروحي والدنيوي على الانطاكيين. أضف إلى ذلك كره اليهود الذين في المدينة للتدمرين. وقد نفذت الملكة هذا القرار في اليوم الذي دخلت فيه جيوشها المدينة، فأمرت قائدها بتركها والسير إلى "حمص" فِوراً. وفي اليوم الثاني دخل "أورليانوس". تلك المدينة وأعطاها الأمان.
وتعقب القيصر أثر الملكة ففتح جملة مدن حتى بلغ "حمص" " Emisa"، وهناك وجدها على رأس جيش قوامه سبعون الفاً في مفازة عريضة تقع شمالي المدينة.

(1/1446)


فاشتبك الرومان والتدمريون في معركة حامية ربح فيها التدمريون. الجولة الأولى، فولى الرومان مدبرين مذعورين تفتك فيهم سيول تدمر. غير إن القيصر حزم رأيه، وأدرك وجود ضعف في خطة قتال الملكة، سببه ابتعاد فرسان تدمر عن مشاتهم في أثناء تعقب فرسان الروم، فأمر جنوده بالهجوم على مشاة التدمريين، ولم يكونوا في التدريب والقابلية مثل مشاة الرومان، فمزقوا مشاة الملكة كل ممزق وحلت هزيمة منكرة عامة بجيش الزباء اضطرتها إلى ترك "حمص" وتفضيل الرجوع إلى عاصمتها تدمر للدفاع عنها، فلعل البادية تعصمها منه وتمنعه من الوصول اليها. ودخل القيصر مدينة "حمص"، فتوجه بالشكر والحمد إلى إلهَ "حمص" "الشمس" قاطعاً على نفسه عهداً إن يوسع المعبد ويجمله ويزينه أحسن زينة، مقدماً له نذوراً هي أكثر ما غنمه من الغنائم من التدمريين.

(1/1447)


أدرك القيصر إن النصر الحقيقي لن يتم له الا بالقبض على "الزباء" وفتح "تدمر"، وانه لن يدرك هذا الا اذا سار هو بنفسه على رأس جيشه لفتح تلك المدينة. لذلك قرر الزحف اليها بكل سرعة قبل أن تتمكن الملكة من تحصين مدينتها ومن الاتصال بالفرس وبالقبائل العربية الضاربة في البادية، فيصعب عندئذ الاستيلاء عليها. فسار مسرعاً حتى بلغ المدينة. برغم الصعوبات والمشقات التي جابهت الكتائب "اللجيونات" 0 الرومانية في أثناء قطعها الصحراء، وألقى الحصار على "تدمر" القلعة الصحراوية الحصينة، غير إن المدافعين عنها قابلوه بشدة وصرامة برمي الحجارة والسهام والنيران على جيشه وبالشتائم والسخرية والهزء ترسل إليه من أعالي السور. ويظهر أن "رومة" سمعت بذلك فسخرت من عجز القيصر عن احتلال مدينة صحراوية، ومن التغلب على امرأة، فساء "أورليانوس" ذلك كثيراً، فكتب إلى مجلس الشيوخ يقول: ". ... قد يستضحك مني بعض الناس لمحاربتي امرأة.... فاعلموا إن الزباء " Zenobia" اذا قاتلت كانت أرجل من الرجال 0000". وبعثت سخرية أهل تدمر وهزؤ أهل "رومة" منه في القيصر عزماً جديداً على فتح المدينة ودكَها دكاً مهما كلفه الأمر، ليمحو عنه هذه الوصمة المخجلة التي لحقت به. فكاتب الملكة طالبا منها التسليم والخضوع للرومان لتنال السلامة وتستحق العفو، فيسمح لها بالاقامة مع أسرتها في مدينة يعينها مجلس الشيوخ لها. أما جواب الملكة، فكان: " إن ما التمسته مني في كتابك لم يتجاسر أحد من قبلك أن يطلبه مني برسالة. أنسيت إن الغلبة بالشجاعة، لا بتسويد الصفحات. إنك تريد أن أستسلم لك. أتجهل أن كليوبترة "كليوبطرة" قد آثرت الموت على حياة سبقها عار الدّبرة. فها أنا في منتظرة عضد الفرس والأرمن والعرب " Saracens" لفل شباتك وكسر شوكتك. واذا كان لصوص الشام قد تغلبوا عليك وهم منفردون، فما يكون حالك إذا اجتمعتُ بحلفائي على مقاتلتك. لا شك أنك ستذل وتخنع لي فتجرد نفسك من

(1/1448)


كبريائها التي حملتك على طلب المحال كأنك مظفر منصور في كل أين وآن".
لم ينجد الفرسُ ملكة الشرق، ولم يرسلوا اليها مدداً ما. فقد كانوا هم أنفسهم في شغل شاغل عنها. توفي "سابور" الأول في عام " 271" للميلاد، فتولى "هرمز" " Ormidus" الملك من بعده، وكان رجلاَ ضعيفاً خائر القوى، فعزل بعد سنة قضاها ملكاً. وظهرت فتن داخلية بسبب ذلك لم تسمح للفرس وهم في هذه الحال أن يرسلوا قوة لمساعدة ملكة البادية عدوّة "أورليانوس" قيصر الروم. وأما القبائل، فأمرها معروف، إنها مع القوي ما دام قوياً، فإذا ظهرت عليه علائم الضعف، صارت مع غيره. تحرش قسمٌ منها بجيوش الرومان المحاصرة للمدينة وهاجمتها، غير أنها منيت بخسائر فادحة، فتركت التحرش بالمحاصرين. ورأى قسم منها الاتفاق مع القيصر، ففي الاتفاق الربح والسلامة. وما الذي يجنيه سادات القبائل من ملكة محاصرة، لم يبق من ملكها غير مدينة في بادية وثروة سيستولي عليها الرومان. وإن بقيت لها فلن يصيبها منها ما يصيبهم من القيصر من مال كثير. ومن لقب وجاه يأتيهم من حاكم مدني قوي. وقد عرف القيصر فيهم هذه الخصلة فاشترى أنفس الرؤساء بالمال. فأمن بذلك شر القبائل، وسلم من عدو يحسب لعداوته ألف حساب.

(1/1449)


ولما رأت الزباء إن ما كانت تأمله من مساعدة الفرس والقبائل والأرمن لم يتحقق، وان ما كانت ترجوه من مساعدة الحظ لها بإطالة أمد الدفاع لاكراه عدوها على فك الحصار والرجوع لم يتحقق نحلك، وان وضع القيصر قد تحسن بوصول مدد عظيم إليه من الشام وبوصول مواد غذائية اليه كافية لاطالة مدة الحصار، قررت ترك عاصمتها للاقدار، والتسلل منها ليلاّ للوصول بنفسها إلى الفرس علهم يرسلون لها نجدة تغيّر الموقف وتبدل الحال، ودبرت أمر خطتها بكل تكتم وهربت من مدينتها من غير إن يشعر بخروجها الرومان، وامتطت ناقة اتجهت نحو الفرات، ولعلها كانت تقصد الوصول إلى حصنها " زنوبية" ومنه إلى الفرس. على كل حال، فقد حالفها الحظ في أول الأمر، فأوصلها سالمة إلى شاطئ النهر، عند " الدير" "دير الزور" قريب من "زليبية" Halebiya" ثم خانها خيانة فظيعة. فلما علم "أورليانوس" بنبأ هرب الملكة، أيقن إن أتعابه ستذهب كلها سدى إن لم يتمكن من القبض عليها حية. لهذا أوعز إلى خيرة فرسانه وأسرع رجاله باقتفاء أثر الملكة والقبض عليها مهما كلفهم الأمر. وقال الحظ كلمته. انه سيكون في جانب القوي ما دام الناس في جانبه. نقل فرسان القيصر إلى موضع وجود الملكة على الشاطىء، في اللحظة الدقيقة الفاصلة الحاسمة بين الموت والهلاك والدمار وبين العز والسلطان واسترجاع ما ذهب من ملك. كانت الملكة تهم بوضع نفسها في زورق لينقلها إلى الشاطئ الثاني من نهر الفرات. ولو عبرت لتغير اذن كل شيء. واذا بالفرسان ينقضون عليها ويأخذون "ملكة الشرق" معهم مسرعين الى معيد الشرق للرومان: " Recepto Orientis"، وهو على رأس جنوده يحاصر هذه المدينة العنيدة التي أبت الخضوع لحكمه والتسليم له.

(1/1450)


من الباحثين من يرى إن الملكة هربت من نفق سري يصل معبد المدينة بالخارج يمر من تحت السور له باب سري خارج الأسوار أعدّ لمثل هذه المناسبات، أو من أنفاق أخرى، اذ يصعب تصور خروج الملكة ليلا من مدينتها ولو بحفر نفق في السور دون أن يشعر بذلك الرومْان. ويستشهدون على صحة رأيهم هذا بالسراديب والقنوات التي ترى بقاياها تحت أسوار تدمر وقلاعها إلى اليوم. أحضرت الزباّء أمام القيصر، فقال لها: "صرت في قبضتنا يا زينب، ألست أنت التي أدت بك الجسارة إلى أن تستصغري شأن قيصر روماني ". فأجابت: "نعم، إني أقر لك الان بكونك قيصراً، وقد تغلبت علي". وأما غاليانوس وأورليوس وغيرهما، فلست أنظمهم في سلك القياصرة. وإنما بارني فيكتورية في السلطنة والعز، فلولا بعد الأوطان لعرضت عليها أن تشاركني في الملك". فأثرت كلمات الملكة في نفس "اوريليانوس"، فمنحها الأمان. وقد أثر أسرها في نفوس التدمريين المتحصنين في بلدتهم، فرأى قسم منهم الاستمرار في الدفاع وعدم تسليم المدينة مهما كلف الأمر، ورأى قسم آخر فتح الأبواب والتسليم، وصاحوا من أعلى الأسوار في طلب الأمان، وفتحوا له أبواب المدينة في بدء السنة "273" للميلاد. فدخلها دخول الظافرين، فقبض على حاشية الملكة السابقة ومستشاريها ومن كان يحرض على معارضة الرومان، واستصفى أموال الملكة وجميع كنوزها، وأخذ الزباء ومن قبض عليهم معه وتوجه بهم إلى "حمص".
وتذكر بعض الروايات أن القيصر كان اول ما فعله عند دخوله إلى المدينة أن توجه إلى معبد الإلهَ "بعل" " Bel"، فشكر الإلهَ وحمده على توفيقه له ونصره له على أهل تدمر. ثم.اختار له قائداً نصبه على "تدمر" اسمه "Sandarion" على رواية و " Aspaeus" على رواية أخرى، ليحافظ على الأمن ويحكم المدينة. وجعل في إمرته حامية فيها ستمائة من الرماة، ثم غادر تدمر تاركاً أمرها إلى هذا القائد.

(1/1451)


في حمص كما زعم المؤرخ: "زوسيموس" " Zosimus" حاكم القيصر الملكةَ وأصحابها "استحضر القيصر سلطانة تدمر وأشياعها فلما مثلت بين يديه، جعلت تعتذر إليه وتتنصل وتدافع عن نفسها مدافعة الداهية حتى قرفت كثيرين من اصحابها بأنهم أصلوها بسوء نصائحهم وورطوها في الغرور. وكان من جملة الذين وشت بهم عند القيصر "لونجينوس". ... فحكم عليه القيصر من ساعته بالموت بعد أن مثّل به. فكابد لونجينوس العقاب بشجاعة وصبر جميل حتى انه عند وفاته كان يعزى أصدقاءه وأقاربه. وكذلك نكّل بكل من تجرمت زينب عليه".
وقد اختلف الباحثون في صحة رواية هذا المؤرخ، فمنهم من شك فيها ومن هؤلاء "الأب سبستيان رتزفال" الذي نقلت ترجمته العربية لرواية " زوسيموس" فقد استبعد صدور الوشاية والخيانة من ملكة كانت على جانب عظيم من سموّ الأخلاق والثقافة. ومنهم من اعتقد بصحتها وسلّم بها ولام الزباء على صدور مثل هذا العمل الشائن منها، ومن هؤلاء المؤرخ الألماني "مومزن" " Mommsen" الشهير في تأريخ الرومان.

(1/1452)


وغادر "أورليانوس" مدينة حمص إلى "رومة" ومعه "الزباء" وأبناؤها وعدد من الأسرى أراد إلحاقهم بموكب النصر الذي سيقيمه عند دخوله العاصمة ليتفرج عليهم الناس. وفي أثناء عبور "البسقور" غرق عدة من أصحاب "الزباء" في جملتهم "وهبلات" على رواية المؤرخ "زوسيموس". وبينما كان القيصر في "تراقية" " Thrazien" اذ جاءته الأخبار تنبئ بثورة أهل تدمر على قائد المدينة "سنداريون" " Sandarion" الذي عيّنه القيصر اكماً على تدمرْ، وبظهور ثورة أخرى في مصر بطلها "فيرموس" " Firmus" الثري الشهير. وكان هدف الثورتين واحداَ،هو التحرر من حكم الرومان والحصول على الاستقلال، فأنقق " فيوموس" وهو من كبار رجال المال في العالم في ذلك الحين أموالاً كبيرة على الجمعيات الوطنية المناهضة لرومة، وألفّ جيشاً تمكن به من الاستيلاء على الاسكندرية، وجمع حوله أشياع "الزباء" في مصر، ولقب نفسه بألقاب القياصرة، وأخذ يتفاوض مع التدمريين في توحيد الخطط والعمل بجد في تقويض الانبراطورية الرومانية في الشرق.
وقرر القيصر الاسراع في العودة إلى الشرق لمعالجة الحالة قبل فوات الوقت، فوصل إلى "تدمر" بسرعة كبيرة أذهلت المدينة الثائرة، فلم تدرِ ما تصنع. كانت قد قتلت القائد "سنداريون" "سوداريون" " Sandarion"، وفتكت بالحامية الرومانية، ورفعت راية العصيان في الشرق وتزعمت الحركة الوطنية المعادية للدخلاء وتبنتها، فبأي وجه ستقابل "أورليانوس" القيصر المتغطرس الجبار وماذا سيكون موقفه منها ? وهي في وضع حرج لا تأمل الحصول على مساعدة لا من الفرس ولا من المصريين. وتداعت المدينة بسرعة حينما مثل أمامها الرومان وسلّمت نفسها للقيصر، فسلّمها هو غنيمة إلى جنده يفعلون بها ما يشاءون بغير حساب.

(1/1453)


عفا القيصر "أنطيوخس" عن أقارب الزباء، وكان التدمريون أقاموه ملكاَ عليهم. ولم يعف عن الرعية فتناولتهم سيوف الرعاع من جنود "رومة" وخناجرهم من غير تمييز في العمر أو تفريق في الجنس. أباح القيصر لجنوده تهديم أبنية المدينة، فدكّت الأسوار وهدمت الأبراج وقوضت الأبنية، حتى إن القيصر نفسه رق قلبه على من تبقى حياً من المدينة، فكتب إلى " Cerronius Bassus" قائد المدينة أن.يصفح عنهم، وأن يعيد بناء هيكل الشمس إلى ما كان عليه، وكان جنود "اللجيون" الثالث قد نهبوه وخربوه، وأمر بالانفاق عليه وبتزيينه وتجميله من الأموال التي استصفيت من خزائن "الزباء". وطلب من مجلس الشيوخ في "رومة" ارسال كاهن ليدشن المعبدْ. وأرسل بعض نفائس الهيكل إلى عاصمته لتوضع في معبد الشمس الذي أقامه هناك، ومنها أعمدة مصورة غير أن ما أفسده الدهر لا يصلحه العطار. ولم يتمكن القيصر من اصلاح ما أفسده السهر على يديه، فلم يعد المعبد معبداً كما كان، ولم تعد "تدمر" تدمر الزباء.

(1/1454)


وقبل أن يرحل "اوريليانوس" عن أرض تدمر، غزا الفرس ويظهر أنه غزا قوة كانت قد أرسلت لمساعدة "تدمر"، فأرجعها على أعقابها، ثم عينّ قائده المحنك " ساترنينوس" " Saturninus" بدرجة " Dux" قائداً على الحدود لحمايتها من الفرس، وتوجه إلى مصر للقضاء على ثورة "فيرموس"، فكان الحظ فيها حليفه و احتل الإسكندرية وقبض على التاجر الحاكم، الذي لقب نفسه قيصراً، فأمر بمعاقبته بعقاب السراق واللصوص، أي بصلبه على الصليب. وبذلك أعاد معيد الشرق إلى الرومان الشرق المنفتل منهم مرة أخرى إلى الرومان. بعد هذه الانتصارات وانتصارات أخرى أحرزها في غالية، عاد إلى عاصمته في سنة "274" للميلاد في موكب قيصري عظيم وصفه المؤرخ "Flavius Vopiscus" وصفاً رائعاً، اشترك فيه "1600" مصارع وعدد غفير من الأسرى من مختلف الأقوام، ومن بينهم الملكة الزباء ومعها أحد أبنائها، وقيل كلاهما، وبعض رعاياها، وثلاثة عجلات ملكية: عجلة "أذينة" زوج الزباء وهي مزينة بالذهب والجواهر، وعجلة أهداها "هرمز بن سابور" إلى القيصر، وعجلة "الزباء" الخاصة التي أعدتها لتدخل فوقها منتصرة عاصمة الرومان. وتقدم الموكب عشرون فيلا وعدة وحوش وحيوانات جيء بها من فلسطين وليبيا ومصر وأماكن أخرى. سار إلى "الكابيتول" ثم إلى قصر "الانبراطور". واحتفل الشعب في اليوم الثاني احتفالاً خاصا كانت فيه ألعاب مختلفة وكان فيه تمثيل وسباق مختلف الأنواع. كان هذا الاحتفال نهاية فصل وبداية فصل جديد، قضى على الملكة أن تقبع منذ نهايته في بيت خصص بها في "تيبور" "Tibur" مع أولادها، وأن تعتزل السياسة والشرق. عاشت في عزلة في هذه البقعة من ايطالية، ولم يتحدث عنها مؤرخو عصر "أورليانوس" شيئاً بعد أن صارت من سواد الناس. ويظهر إن ما ذكره. بعض المؤرخين اليونان عن زواج الزباء بعضو من أعضاء مجلس الشيوخ هو أسطورة من الأساطير العديدة التي راجت بعد ذلك عن حياة ملكة الشرق.

(1/1455)


وأما أولاد الملكة، فقد ذكرتُ قريباً إن بعض المؤرخين أشار إلى غرق "وهبلات" في أثناء عبور القيصر مضيق "البسفور". وأشار آخرون إلى انه نقل مع أمه إلى "رومة". وأما "تيم الله" "Timolaus"، فأسكن مع أمه أيضاً في "تيبور". وزعم في رواية انه مات مع أخيه "خيران" "حيران" "Herennanus" في أثناء الاحتفال بموكب النصر. وزُْعم أيضا انه عاش وصار خطيباً مصقعاً من خطباء "اللاتين". وروي أيضاً انها زوجت بناتها بأعيان من الرومان. وروى المؤرخ "تربيليوس بوليو" "Trebellius"، وهو من رجال القرن الرابع للميلاد "حوالي سنة 354 م"، إن ذرية الزباء كانت في ايامه. وذكر إن الأسقف الشهير القديس "زنوبيوس" "Zenobius" أسقف مدينة "فلورنسة" ومعاصر القديس "أنبروميوس" "Ambrosius" كان من نسلها أيضاً.
ولم تكن تدمر في عهد "ديوقليطيانوس" "ديوكليتيانوس" "Diocletian" "Diocletian"" 285 - 305 م" سوى قرية صغيرة وقلعة من قلاع اسود لحمايتهما من هجمات القبائل وغزوها للمدن القريبة من البادية. ويخبرنا المؤرخ "ملالا" أن "ديوقليطيانوس" ابنتى "Castra" فيها، وذلك بعد عقده الصلح مع الفرس، ورمم بعض ابنيتها. ويرى "الاْب سبستيان رتزفال" أنه اضطهد نصارى تدمر كما فعل في سائر الاقاليم.
وفي حوالي القرن الحامس. للميلاد "450 م" كانت تسمر مقاطعة تابعة لولاية "فينيقية" وقد عين "تاودوسيوس" "تيودوسيوس" "ثيودوسيوس" الثاني "408 - 450 م" فرقة من الجند لحراسة "تدمر". والظاهر أن وظيفتها كانت حماية الحدود من هجمات رجال البادية. أما الكتيبة الرومانية التي عسكرت فيها في حوالي سنة "400" بعد الميلاد، فهي "اللجيون الأليري" "Illyrian" الأول.

(1/1456)


وذكر الراهب "إسكندر" "Alexander the Acoemete" المتوفى في حوالي سنة "435" للميلاد أنه في أثناء سفره من الفرات إلى مصر قابله الجنود الرومان المعسكرون في القلاع بكل ترحاب وقدموا له ولمرافقيه كل المساعدات الممكنة، وانه وجد قلاعاً مقامة على طول حدود الفرس والروم على مسافات تتراوح من عشرة أميال إلى عشرين ميلاً رومانياً. وقد قطع الحدود هذه حتى بلغ مدينة "سليمان"، ويقصد بها مدينة تدمر.
وأمر القيصر "يوسطنيانوس" "جستنيانوس" "Justinianus" "527 - 565م." في أوائل تبوئه الحكم "527م" "أرمينيوس" "Armenius" بالذهاب إلى "تدمر" لترميم ما تهدم من المباني واعادة المدينة إلى ما كانت عليه. وأمده بالأموال اللازمة لهذا المشروع، كما أمر بتقوية حامية المدينة، وان تكون مقر حاكم "Dux" مقاطعة "فينيقية لبنان" "Phoenice Libanesia" وذلك لحماية الحدود خاصة حدود الأرض المقدسة، وذكر المؤرخ "بروكوبيوس" "Procopius"" إن القيصر المذكور قوى أسوار المدينة وقلاعها وحصنها تحصيناً قوياً، وحسن موارد مياهها. ولا تزال آثار هذا العهد باقية حتى الآن.

(1/1457)


وقد كانت مدينة "تدمر" على الحدود الداخلية "Limes Interior" للانراطورية في أيام "يوسطينيانوس". ويسكن في المناطق التي بين هذه الحدود وبين الحدود الخارجية "Limes Exterior" القبائل المحالفة للرومان. ومن هذه المنطقة تغزو القبائل الحدود. وقد كان سلطان الروم وقواتهم العسكرية أقوى في الحدود الداخلية منها على الحدود الخارجية التي كان يقوم بالدفاع عنها رجال القبائل الحليفة بالدرجة الأولى بأجور ومخصصات تدفعها الحكومة إلى رؤسائها لضمان حماية تلك الحدود. وقد كانت القبائل العربية قبل الميلاد وبعده تقلق راحة سكان الحدود وتزعج الحاميات الموكول اليها أمر سلامتها، وتكون مصدر خطر دائم للحكومات. وكان من الصعب الاطمئنان اليها ثم إن البادية كانت تصدّر لهم بين حين وآخر بضاعة جديدة منها، وموجة عنيفة تزعج القبائل القديمة والحدود معاً، "فكان على تلك الحكومات مداراتها واكتساب ود القوية منها، ويقال إن القيصر "دقيوس" "Decius" "249-251م" في زمانه من هذا الوضع وبرم به، ففكر في ادخال الرعب في نفوس هذه القبائل وقهرها، فجاء بأسود اصطادها من افريقية في البادية لتتناسل وتتوالد ولتكون مصدر خطر ورعب للاعراب.
وقد اتخذ بعض ملوك الغساسنة تدمر منزلاً لهم ومحل اقامة. ولم تزل على هذا الشأن حتى فتحها المسلمون سنة "634 م". غير انها منذ تركتها الزباء لم ترجع إلى ما كانت عليه. وقد أثر تحول الطرق التجارية في مركز هذه المدينة كثيراً ولا شك.

(1/1458)


وانتهت الينا أسماء عدد من أساقفة مدينة "تدمر" مدونة في سجلات الأعمال الكنسية، منهم: الأسقف "مارينوس" "Marinus" وقد حضر المجمع النيقاوي "Nicaa" "Nicaea" الذي انعقد سنة "325" للميلاد، والأسقف "يوحنا" "357 م" وقد ورد اسمه في سجلات أعمال مجمع "خلقيدون" "Chalcedon" المنعقد عام "451 م"، و "يوحنا" الثاني المشهور في أيا "انستاس" "أنسطاس" "نسطاس" القيصر "491- 581م". وكان نفي في عهد "يوسطينوس" خليفته لدفاعه عن "المجمع الخلقيدوني" ولقوله بطبيعتين في المسيح سنة "518م". ويستدل من وجود أساقفه في تدمر على انتشار النصرانية في هذه المدينة.
وفي "تدمر" في الزمن الحاضر ثروة تأريخية مطمورة تحت الأنقاض ستفيدنا ولاشك فائدة كبيرة في تدوين تاًريخ المدينة وتأريخ صلاتها بالخارج. لقد عثر فيها على كتابات آفادتنا كثيراً في تدوين تأريخ المدينة، ولكن ما سيعثر عليه منها مما هو مطمور سيفيدنا ايضاً، وقد يفيدنا أكثر في كتابة تأريخها. وقد قام علماء بالتنقيب في مواضع منها، للكشف عن المواضع المهمة منها، وكتبوا عنها. غير إن المدينة لا تزال في انتظار من يكشف عنها.
ووردت في الكتابات التدمرية أسماء اصنام عديدة عبدها التدمريون، بلغ عددها زهاء اثنين وعشرين صنماً، منها ما هو معروف ومشهور عند العرب، وأسماؤها أسماء عربية. ومنها ما هو إرمي، وعلى رأس آلهة تدمر الإله "شمش" "شمس". وقد اتصفت دياناتهم بمزايا النظام الشمسي الذي تركزت عليه ديانة عرب الشمال. ومن هذه الأصنام "بل"، أي "بعل"، و "يرح بل" "يرح بول" "يرح بعل"، و "عجل بل" "عجل بول" و "عجل بعل" و"الت" أي "اللات"، و "رحم" "رحيم"، "اشتر" أي "عشتار"، و "عثتر" عند العرب الجنوبيين، و "ملك بل" "ملك بعل"، و"عزيزو" "عزيز".
و "سعد"، و "اب جل"، و "اشر"، و "بل شمن" "بل شمين" "بعل شمين"،أي "بعل السماوات" "رب السماوات" و "جد" وغيرها.

(1/1459)


وعثر في تدمر على مقابر عديدة خارج أسوار المدينة على التلال المشرفة عليها تذكِّر الأحياء عبّاد المال بالمصير المحتوم الذي سيواجه كل حي غني أو فقير أو متوسط، تضم رفات من تستقبلهم ثم لاتسمح، لهم بالانتقال منها إلى دار أخرى.
انها دور الأبدية والاستقرار، وقد أجاد أهل المدينة كل الاجادة باطلاقهم "بيت الأبدية" على القبر. ضمت بيوت الأبدية هذه رفات الآباء والأبناء إلى الأبد: بعضها على هيأة أبراج ذوات غرف تودع فيها الموتى، وبعضها على هيأة بيوت ذوات غرفة واحدة مزينة بالنقوش وأنواع الزخرفة كتبت على جوانبها أسماء ساكنيها في الأبدية ورسمت صورهم عليها. هذه هي مدينة الأموات تشرف على مدينة الأحياء وتضحك منها.
حصن "زنوبية"
لم تفكر "الزباء"، على ما يظهر، في نقاط عاصمتها إلى موضع آخر، وقد عملت على تقوية "تدمر" وتحصينها وتجميلها، ومعظم الاثار الباقية فيها هي من أيامها. ولو إن كثيراً من الأبنية التي كانت فيها قبل أيام الملكة قد صيرّت باسمها، غير انها عُنيت عناية فائقة بتحسين عاصمتها ولا شك.وابتنت مدينة على نهر الفرات لحماية حدودها من المشرق عرفت ب "زنوبية" وهو اسمها باليونانية. ويظهر إن هذه المدينة هي التي أشار اليها "الطبري" بقوله: "وكانت للزباء أخت يقال لها زبيبة، فبنت لها قصرآَ حصيناً على شاطىء الفرات الغربي"، فجعل المدينة قصراً، وصيّر اسم المدينة وهو "زنوبية" "زبيبة" وجعله اسم أخت للزباء. وذكر "المسعودي" إن مدائن الزباء على شاطىء الفرات من الجانب الشرقي والغربي، "وكانت فيما ذكر قد سقفت الفرات وجعلت من فوقه أبنية رومية، وجعلته أنقاباً بين مدائنها". وذكر أيضاً انها حفرت سرباً من تحت سريرها وبنته حتى خرج من تحت الفرات إلى سرير أختها. وقد أشير إلى هذا النفق في قصة مقتلها. وذكر "ابن الكلبي" إن أبا الزبّاء اتخذ النفق لها ولأختها، وكان الحصن لأختها داخل المدينة.

(1/1460)


وذكر "البكري" إن المدينة التي بنتها الزباء على شاطىء الفرات هي "الخانوقة"، وزعم إن "الزبّاء" "عمدت إلى الفرات عند قلة مائه فسكر، ثم بنت في بطنه ازجاً جعلت فيه نفقاً إلى البرية وأجرت عليه الماء، فكانت اذا خافت عدواً دخلت إلى النفق وخرجت إلى مدينة اختها الزبيبة". وسمى "ياقوت الحموي" تلك المدينة "الزباء"، قال: انها "سميت بالزباء صاحبة جذيمة الأبرش". ودعاها في موضع آخر "عزان" وقال: إنّ في مقابلها على الضفة الثانية من الفرات مدينة تدعى "عدان"، وهي لأخت الزباء.
ويظهر إن هرب "الزبّاء" سراً من نفق سري، يمر من داخل المدينة من معبدها أو من قصر الملكة ومن تحت السور إلى الخارج، هو الذي أوحى إلى أهل الأخبار قصة ذلك النفق الطويل الذي زعموا أن الملكة بنته تحت الأرض من قصرها إلى نهر الفرات، حيث مدينتها الثانية، وهو نفق يجب أن يكون طوله مئات من الأميال. وقد عثرعلى بقايا سراديب وقنوات. تحت أسوار تدمر وقلاعها تشير إلى وجود أنفاق للهرب منها عند الاضطرار، ولكنها لا يمكن أن تكون على شاكلة نفق أهل الأخبار بالطبع.
ولا يستبعد احتمال وجود نفق في حصن "زنوبية" على الفرات أيضاً، ساعد وجوده في تثبيت هذه القصة في رواية الأخباريين.
ويرى "هرتسفلد" "E.Herefeld" أن هذه المدينة هي الموضع الذي يعرف اليوم باسم "الحلبية"، ويقابله في الضفة الثانية من النهر موضع آخر يسمى "الزليبية". وهو يعارض رأي من يدعى أن "الزليبية" هي المدينة التي بنتها الزباء. وينسب بناء موضع "حلبية" "الحلبية" إلى "الزباّء" كذلك. ويرى بعض الباحثين احتمال كون "الحلبية" القصر الثاني الذي نسب بناؤه إلى الزباّء، وذكر في الروايات العربية. وذهب بعض آخر إلى أن "زنوبية" هي مدينة "السبخة" الحاليهَ.

(1/1461)


ويرى "موسل" أن "الحلبية" هي "دور كرباتي" "Dur Karpati"" "Nibarti Aschur" التي بنيت بأمر "آشور نصربال الثالث" "Asurnazirpal" عام "877" قبل الميلاد، وأنها عرفت ب "زنوبية" ثم "الزبّاء" فيما بعد.
ويعزو "سبستيان رتزفال" سيب بناء مدينة "زنوبية" الى عزم الملكة على اذلال مدينة "فلوغيسية" "Vologasia"Vologesias"" المعروفة في الكتابات التدمرية باسم "ألجيسيا" "Ologesia" "ألجاشيا"، وهي في نظر بعض الباحثين "الكفل" على نهر الفرات في لواء الحلة بالعراق، بناها "فلوجاس" "فلوكاس" من ملوك "إلأرشيكيين" "بنو أرشك" حوالي سنة "60" لئميلاد. وذلك لاستجلاب التجارات الواردة عن طريق نهر الفرات من أقاصي الهند والشام وآسية الصغرى. فرأت "الزبّاء" منافسة هذه المدينة ببناء مدينة جديدة تقع في منطقة نفوذها على نهر الفرات.
وكانت قوافل "تدمر" تتاجر مع هذه المدينة العراقية "ألجاشيا"، تحمل اليها بضائع أهل الشام وسواحل البحر المتوسط، وتنقل منها إلى "تدمر" بضائع الهند وايران والخليج والعراق. يقود هذه القوافل زعماء شجعان خبروا الطرق وعرفوها معرفة جيدة، ولهم في المدينة مقام محترم. وطالما عمل لهم رجال القافلة والمساهمون في أموالها، التماثيل، تقديراً لهم وتخليداً لأسمائهم وكتبوا شكرهم لهم على الحجارة، ولدينا نماذج عديدة منها. من ذلك كتابة دوّنها رجال قافلة لزعيمهم وقائدهم "يوليوس أورليوس زبيد بن مقيمو بن زبيدا عشتور بيدا"، لأنه أحسن اليهم حين قاد قافلتهم وأوصلها سالمة الى "الجاشيا" في العراق. وكغاية أخرى دوّنها جماعة قافلة تولى قيادتها زعيم اسمه "نسى بن حالا" لمناسبة توفيقه في حمايتهم وحماية أموالهم في أثناء ذهابهم وعودتهم الى "الفرات" والى "ألجيسيا" "Ologesia" وقد صنعوا لذلك تمثالاً له في شهر "نيسان" من سنة "142" للميلاد تخليداً لاسمه.

(1/1462)


قد استولى "خسرو" الأول في حوالي سنة "540" بعد الميلاد على "زنوبية" فدّمرها. فلما استرجعها "يوسطنيانوس" "جستنيانوس" "Justinianus" "527 - 565م"، أعاد بناء ما تهدّم منها. وقد عثر على بقايا المباني التي تعود الى أيامه، وبعضها من عمل معماريه "يوحنا البيزنطي" و "أزيدوروس الملطي" "Isidoros Miletus" حفيد البّناء البيزنطي الشهير "أيا صوفيا" "Hagia Sophia" كلفهما القيصر انشاء تلك العمارات. غير إن اصلاحات هذا القيصر لم تضف الى حياة المدينة عمراً طويلاً، لقد كانت نوعاً من أنواع الحقن المقوية،تقوّم الجسم الى حين ولكنها لا تمنحه الاْبدية. ففي سنة "610" للميلاد. وفي أيام القيصر "فوقاس" "Phokas" هاجمها "خسرو" الثاني وأنزل فيها الخراب والدمار. فقد عبر "شهربراز" "Shahrvaraz" نهر القرات في اليوم ألسادس من شهر "أغسطس" من عام "610" للميلاد، واستولى على مدينة "زنوبية" "Zenobia". وأخذ نجمها منذ ذلك الحين في الأول، فلم يسمع عنها شيء، حتى انها لم تذكر في اْخبار الفتوح، ويدل هذا على أنها لم تكن شيئاً يذكر في ذلك الحين ويحدثنا المؤرخ "بروكوبيوس" أن الأيام أثرت في مدينة "زنوبية" "Zenobia" مدينة "الزباء"، فأنزلت فيها الخراب، وتركها أهلها، فانتهز الفرس هذه الفرصة ودخلوها وتمكنوا بذلك من الولوج في الأرضين الخاضعة للروم دون أن يشعر الروم بذلك، ولذلك أعاد "يوسطنيانوس" بناء هذه المدينة وأحكم حصونها وجدد قلاعها وأنزل الناس فيها، وأسكن فيها حامية قوية جعلها تحت امرة قائد، وأقام لها سدوداً من الحجارة لحمايتها من فيضان الفرات، وقد كانت مياه الفيضان تصل اليها فتلحق بها أضراراً جسيمة.

(1/1463)


وذكر المؤرخ "بروكوبيوس" أن الفرس والروم ابتنوا قلاعاً بنيت جدرانها باللبن لحماية كورة "قوماجين Commagene" وهي الكورة التي كانت تعرف قبلاً بأسم "كورة الفرات" "Euphratesia"، وحماية حدود الانبراطورية الفارسية الواسعة المشرفة على البادية من الغزو أيضاً، ومن جملة هذه الحصون ثلاثة حصون أمر القيصر "ديوقلطانوس" "ديوقليتيانوس" "Diocletianus"" ببنائها، منها حصن "Mabri" "Mambri" الذي أصلحه القيصر "يوسطنيانوس" "جستنيانوس" "Justinianus" ورممه، ويقع على مسافة خمسة أميال رومية من "زنوبية" "Zenobia". و "Mambri"، هو خرائب "شيخ مبارك" على مسافة سبعة كيلومترات من "الحلبية".
ولم يبق من آثار عهد "تدمر" في "الحلبية" إلا مقابر خارج أسوار المدينة. وهي على هيأة أبراج تتألف من طابقين أو ثلاثة طوابق وأهرام بنيت على الطريقة التدمرية في بناء القبور، غير أنها دونها كثيراً في الصنعة وفي الفن. وتشاهد بقايا قبور مشابهة لهذه القبور في المدن الواقعة قي منطقة الفرات الأوسط، أي المنطقة التي خضعت لحكومة "تدمر".
ويلاحظ انتشار هذا النوع من القبور في المناطق التي سكنها العرب في أطراف الشام والعراق في العهد البيزنطي، خاصة في "تدمر" وفي "حمص" و "الرها" "Edessa" وفي "الحضر" كذلك. بل وفي "بطرا" أيضاً حيث نجد شبهاً كبيراً في أشكال القبور المنحوتة من الصخر على هيأة أبراج ذوات رؤوس تشبه الهرم في بعض الأحيان. ولانتشار هذا النوع من القبور في مناطق سكنتها أغلبية من العرب المتحضرين، نستطيع أن نقول انها نمط خاص من أنماط بناء القبور كان خاصاً بالعرب المتحضرين.

(1/1464)


وذكر "بطلميوس" أسماء عدد من المواضع جعلها في عداد أماكن "كورة تدمر" "Palmyrena"، وهي: "Resapha" و "Cholle" و "Oriza" و "Putea" و "Adaba" و "Palmyra" و "Adacha" و "Danaba" و "Goaria" و "Aueria" و "Casama" و "Admana" و "Atera" و "Alalis" و "Sura" و "Alamatha"، وتقع هذه المواضع الثلاثة الأخيرة على نهر الفرات. أما "Palmyra"، فهي "تدمر" العاصمة. و أما "Resapha"، فهي "الرصافة" وهي مدينة قديمة ورد خبرها في النصوص المسمارية فدعيت فيها ب "Ra-sap-pa" ومن ذلك نص يعود إلى سنة "840" قبل الميلاد، وقد اشتهرت بوجود ضريح القديس "سرجيوس" "St.Sergius" بها، المقدس عند الغساسنة.
و أما "Cholle"، في "الخو لة" "الخلة". وأما "Oriza"، فهي "الطيبة"، وتقع هذه المواضع على السكة الرومانية الممتدة من الفرات إلى "تدمر".
ويرى "موسل" أن "Putea"، هو "Beriarac"، وهو موضع "بيار جحار"، ويقع على السكة الرومانية المارة من "تدمر" إلى موضع "Occaraba".
أما المستشرقان "ميلر" "Muller" و "موريتس" "Moritz"، فقد ذهبا إلى أنه "أبو الفوارس" الواقع على مسافة سبعة كيلومترات في غرب جنوب غربي تدمر. وذهب "موريتس" أيضاً إلى احتمال كونه "القطار"، وهو على مسافة خمسة وعشرين كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من "تدمر".
أما موضع "Adada"، فكان حصناً رومانياً كذلك، يعرف في الزمن الحاضر ب "الحير"، ويقع على أربعة عشر كيلومترأ الى الجنوب الشرقي من "الطيبة" "Oriza"، وعند الحافات الغربية لمرتفع "Adidi"، وهو اسم قريب من "Adaba" وقد ذهب "ميلر" إلى أنه الموضع المسمى ب "خربة العاشجة" "خربة العاشقة" الواقع على الحافات الشمالية لهضبة تدمر.
ويرى "موسل" أن في كلمة "Adacha" بعض التحريف، وأن الأصل الصحيح هو "Archa" و "Harac"، وهو "أرك" "رك" الواقع على طريق تدمر وفي الشمال الشرقي من المدينة.

(1/1465)


وأما "Danaba"، فيقع على طريق "دمشق" "تدمر"، وهو موضع خرائب "البصيري" على رأي "موسل".
وأشار المؤرخ "اصطيفانوس البيزنطي" إلى "Goaria" كذلك، ذكرها على هذا الشكل "Goareia". ويظهر إن هذه المدينة كان لها شأن في تلك الأيام، واذ أطلق اسمها على منطقة واسعة دعيت باسم "Goarene"، ويظن انما "البخراء" وهي في زمننا خرائب تقع على ستة وعشرين كَيلومتراً إلى الجنوب من "تدمر". وقد عرفت ب "Goareia" عند بني إرم "الآراميين". وذهب "ميلر" و"بينتزنكر" "Benzinger" الى إن "Goaria" هو الموضع المسمى ب "Cehere" على الخارطة الرومانية لأيام الانبراطورية. وهو رأي يعارضه "موسل"، ويرى ان "Cehere" هو المكان المسمى ب "خان عتيبة" الواقع على مسافة تزيد على مئة كيلومتر في جنوب غرب "البخراء.
ويظهر إن "Aueria" "Aueira" "Aberia"، هو موضع "Eumari" "Euhara" "Euarius" في مؤلفات أخرى، وهو موضع "الحوارين".
وأما "Casama"، فهو على طريق دمشق المؤدي إلى تدمر، وهو خرائب خان "المنقورة" على رأي "موسل". وأما "Admana" "Odmana" "Ogmana"، فهو موضع "Ad-Amana" في الخارطات الرومانية للانبراطورية على ما يظهر، وهو موضع "خان التراب" على رأي "موسل" كذلك.
وأما "Atera"، فالظاهر انه موضع "Adarin" على الخارطة الرومانية، وهو موضع "خان الشامات" "أبو الشامات" "خان أبو الشامات" على رأي "موسل". أما "ميلر" فيرى انه موضع "دير عطية"، وهو رأي لا يقره "موسل"عليه.
وموضع "Sura" هو "سورية" على رأي "موسل". وأما "Alalis" فيقع في غرب "Sura" عند "بطلميوس". ويظن "موسل" أنه يقع بين موضعي "Sura" و "Alamatha" في مقابل "طابوس".
عانة

(1/1466)


ذكرت أن التدمريين كانوا قد وضعوا حاميات لهم في مدينة "Anatha"، أي "عانة". وهي لا تزال موضعاً معروفاً حياً على نهر الفرات في العراق وعرفت "عانة" ب "Anat" و "An-at" و "A-na-at" "A-Na-Ti" في الكتابات المسمارية. وعرف موضعها ب "خ -نا" "H-na" و "خا-نا -ت" "Ha-na-at" في النصوص البابلية القديمة. وقد تكونت مملكة صغيرة بهذا الاسم أمتدت رقعتها إلىالخابور،وعرفت المدينة ب "Anatha" في مؤلفات "الكلاسيكيين".
ويشك المستشرق "أدور ماير" "Eduard Meyer" في وجود صلة بين اسم الإله "Ana-tu" "Anat"، واسم مدينة "An-at"، أي "عانة".
ومركز "عانة" الجزر الواقعة في النهر، وهي خصيبة، وفي مأمن من غارات الأعراب. وقد تمكن أصحابها بفضل موقعهم هذا من التحكم في القبائل المجاورة لها ومن أخذ الجزية منها. ولهذا السبب استعمل الآشوريون في الغالب رجالاً من أهلها لحكم منطقة "سوخي" "Suhi". وفيها كان يقيم "ايلو ابني" "Ilu Ibni" حاكم "سوخي" الذي دفع الجزية الى الملك "توكلتي أنورتا الثاني" "Tukulti Enurta" "889 - 4 88" قبل الميلاد.
:قد ذكَر اسم "عانة" و "الحيرة" في الكتابة المرقمة برقم "Littmann". ويرجع تأريخها إلى شهر أيلول من سنة "443" من التأريخ السلوقي، أي شهر "سبتمبر" من سنة "132" للميلاد، وورد فيها اسم الإلهَ "شيع القوم" حامي القوافل والتجارات. ويظهر إن المراد ب "حيرتا" الحيرة الشهيرة في العراق. فإذا كان ذلك صحيحاً، دل على إن نفوذ تدمر قد بلغ هذا المكان، وان للقصص الذي يرويه الأخباريون عن ملوك الحيرة والزباء أصلاً تطور على مرور الأيام فتكونت منه قصة "جذيمة" والزباء.

(1/1467)


وصاحب هذه الكتابة رجل اسمه "عبيدو بن غانمو بن سعدلات"، من قبيلة "روحو" أي "روح"، وكان فارساً في حامية مدينة "عنا" وهي "عانة". وقد دوّن كتابته هذه بمناسبة تقديمه مذبحين إلى الإلهَ "شيع القوم" الذي لا يشرب خمراً، وهو حامي القوافل. ويلاحظ أن أكَثر الكتابات تذكر جملة "الذي لا يشرب خمراً" بعد اسم هذا الإله. وهي تعني أن هذا الإلهَ كان يشرب الخمر ولا يحبها، فعلى أتباعه تجنبها. ويظهر إن طائفة من الناس حرّمت عليها الخمرة، ودعت إلى مقاطعتها، واتخذت "شيع القوم" حامياً لها. وهي على نقيض عباد الإلهَ "دسره" "دشرة" "Dussares" أي "ذو الشرى" الذين كانوا يتقربون إلى إلههم هذا بشرب الخمر.
ولا نعرف متى استولى الرومان عليها. ولم يرد ذكرها في قائمة "ماريوس مكسيموس "Marius Maximus" التي عثر عليها في "Dura" والتي يعود تأريخها إلى سنة "211" للميلاد في ضمن المخافر الرومانية التي كانت في المناطق الوسطى لنهر الفرات. ويظهر منها أن "عانة" "Anath" كانت في ذلك الوقت في أيدي "الفرث" "Parthians"، وأن الرومان دخلوها بعد ذلك. قد يكون في أثناء حملة "اسكندر سويرس" "Alexander Severus" كما ذهب "روستوفستزف" "Michael Rostovtzeff" الى ذلك، أو في أيدي "غورديانوس" "Gordianus" كما ذهب "اولمستيد" "A.T.Olmstead" الى ذلك.
وقد ذكر "عانة" "Anatha" المؤرخ "أريان" في أثناء حديثه عن أسطول "تراجان" الذي مرّ بها. وورد اسمها "Anath" في خبر "معين" "Ma'ajn" أحد قواد الملك "سابور الثاني" "309 - 379 م"، وكان قد اعتنق النصرانية وبنى جملة ديارات، ونصب القس على"سنجار" "شجار" "Schiggar"، ثم لم يكتف بذلك، فذهب إلى "عانة"، فبنى على شاطىء الفرات وعلى مسافة ميلين منها ديراً استقر فيه سبع سنوات.

(1/1468)


وفي سنة "363" للميلاد حاصرها الروم، وألحقوا بها أضراراً كبيرةّ. وأجلوا السكان عنها. ولما أرسل "فاراموس"Varamus" "Varaious" في عام "591" للميلاد قوة على "عانة" لمناوشة "كسرى" "Chosroes" وصدّه عن الرجوع الى فارس، قتل الجنود قائدهم، وانضموا إلى "كسرى". وفي القرن السابع للميلاد، كان مقر أسقف قبيلة "الثعلبية" في هذه المدينة.
الفَصْل السّادِسُ والثَلاثون
الصفويون
والى هذا العهد تجب اضافة قوم من العرب أطلق المستشرقون عليهم لفظة "الصفويين"، نسبة إلى أرض "الصفاة". وهم أعراب ورعاة كانوا يتنقلون من مكان إلى آخر طلباً للماء والكلأ. وقد دوّنوا خواطرهم أحياناً على الأحجار، وتركوها في مواضعها، ومنها استطعنا الإلمام بعض الشيء بأحوالهم وأخبارهم. وقوم تنتشر الكتابة بينهم على هذا النحو، لا يمكن أن نتصورهم أعراباً على النحو المفهوم من الأعرابية، بل لا بد أن نتصور انهم كانوا على شيء من الثقافة والإدراك.
واذا سألتني عن سبب اختيار المستشرقين لهذه التسمية واطلاقها على أصحاب هذه الكتابات، فإني أقول لك: انهم أخذوها من اسم أرض بركانية عرفت بالصفا وبالصفاة، تغطي قشرتها الخارجية حتى اليوم صخور سود تقول لك انها خرجت إلى هذا المكان من باطن الأرض، وان براكين ثائرة مزمجرة غاضبة كانت قد قذفت بها إلى ظهر الأرض فاستقرت في أمكنتها هذه، ومن يدري? فلعلها أصابت أقواماً كانت تعيش في هذه المواضع أو مارة بها فأهلكتها. وهي تسمية قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام، بدليل انها وردت في نص يوناني على هذه الصورة: "Safathene" وورود اسم إلَه عرف ب "زيوس الصفوي" "Zeus Safathenos"، أي نسبة الى هذه الأرض.

(1/1469)


أما "الصفوية"، فتسمية ليست بتسمية عربية قديمة، وليست علماً على قوم معينين أو على قبيلة معينة، وانما هي تسمية حديثة أطلقها المستشرقون على قبائل عديدة كانت تنتقل من مكان إلى مكان طلباً للماء وللكلأ، لرعي ماشيتها التي تكوّن ثروتها ورأس مالها، تراها يوماً في أرضع النبط، ويوماً آخر في بلاد الشام حيث كان الرومان ثم البيزنطيون يسيطرون. فنحن في هذا الموضع لسنا أمام مملكة أو حكومة مدينة، بل أمام قبائل عديدة حرفتها الرعي والغزو وكفى.
ومن نسميهم بالصفويين إذن ليسوا بقبيلة واحدة ولا بجنس معين، وإنما هم قبائل متنقلة، كانت تتنقل في هذه الأرضين الواسعة، في أزمنة مختلفة متباينة. ويعود الفضل إلى الكتابات التي عثر الباحثون عليها في اعطائنا فكرة عن تلك القبائل المتنقلة، وفي حصولنا على أسماء بعض تلك القبائل التي كان ينتسب اليها أصحاب تلك الكتابات.
أخرى، في مثل الدراسات اللغوية والدينية وتطور الخطوط ودراسة أسماء الأشخاص والقبائل وما شاكل ذلك.

(1/1470)


وانتشار هذه الكتابات وتناثرها في أرضين صحراوية، أمر يلفت النظر ويدعو إلى العجب من أمر الأعراب في ذاك العهد الذين كانوا يقرأون ويكَتبون مع انهم أبناء بادية، وقد عاشوا قبل الإسلام بزمان طويل، ثم إن خطها يلفت إليه النظر أيضاً، فهو خط عربي، ولد من الأم التي نسلت الخط العربي الجنوبي، وهو قريب من الخط الثمودي والخط اللحياني، ويعني هذا أن العرب كانوا يكتبون قبل الميلاد بخط أود أن أسميه بالقلم العربي الأول، أو القلم العربي القديم منه تفرعت الأقلام العربية المتنوعة فيما بعد، فوجد ما نسميه بالقلم المسند وبالأقلام العربية الشمالية، وذلك لظروف كثيرة لا مجال للكلام عليها في هذا المكان. وهو يدل على أن الصفويين وأمثالهم من الأعراب لم يتأثروا بالثقافة الإرمية مع قربهم منها واتصالهم بها، وطغيانها على الثقافات الأخرى في العراق وفي بلاد الشام، فبقوا مخلصين لقلمهم القديم، فكتبوا به، ولم يستعملوا قلم بني إرم كما فعل "أهل المدر" المقيمين في مدن العراق والشام وقراهما. وكتبوا بلهجاتهم أيضاً ولم يكتبوا بلغة بني إرم كما فعل غيرهم من العرب الحَضَر.
وقد رأى "دوسو" "Dussaud" أن الصفويين كانوا يحاكون الجنود الرومان واليونان في تسجيلهم خواطرهم وذكرباتهم على الحجارة، فقد وجد الباحثون أحجاراً دوّن عليها أولئك الجنود في أثناء أدائهم واجباتهم العسكرية في بلاد الشام وعلى الطريق الرومانية ذكرياتهم وخواطرهم ونزولهم في تلك الأمكنة. ولكن وجود كتابات صفوية عديدة من القرن الأول قبل الميلاد يثبت إن الصفوين كانوا يدونون خواطرهم بهذا الأسلوب، وذلك قبل شروع أولئك الجنود الرومان واليونان في تدوين خواطرهم على هذا الأسلوب، وانهم كانوا يدوّنون خواطرهم هذه على الأحجار وبهذا الشكل لأن هذه الحجارة كانت هي ورق كتابة أهل البادية، فكتبوا عليها كما يكتب أهل الحضر على الرق والخشب والورق وغيرها من وسائل الكتابة.

(1/1471)


ويرجع علماء الصفويات عمر أقدم الكتابات الصفوية الى القرن الأول قبل الميلاد.
أما آخر ما عثر عليه من كتابات، فيرجع إلى القرن الثالث بعد الميلاد، على رأيهم أيضاً. فما عثر عليه من الكتابات الصفوية، هو من عهد تبلغ مدته زهاء أربعة قرون.
وقد أرخت بعض هذه الكتابات بحوادث محلية عرفت عند أصحابها، الا انها مجهولة لدينا، لذلك لم نستطع الاستفادة منها في تكوين رأي في زمن كتابتها. فقد أرخ بعضها بسنة وفاة قريب لصاحب الكتابة، أو بوقت نزوله في المكان الذي كتب به الكتّابة، أو بوقت نزوله في المكان الذي كتب به الكتابة،أو بوقت هَربَه من الرومان أو بعد كذا من الأيام أو من السنين من رؤية قريب له أو وفاته، ومثل هذه الحوادث، لا تفيد المتأخرين شيئاً، ولا تساعدهم في تثبيت زمن تدوينها بوجه صحيح مضبوط. وأرخ بعضها بحوادث أعم، الا انها ذكرت بأسلوب فوّت علينا معرفة زمان وقوع الحادث بوجه مضبوط، فقد أرخت كتابة منها ب "سنت نزز اليهد"، أي "سنة الخصام مع اليهود". وهي سنة كان يعرفها صاحب الكتابة وأصحابه. أما نحن فلا نعلم من أمرها شيئاً، فقد خاصم العرب اليهود كثيراً في تأريخهم. فأية خصومة من تلك الخصومات قصد صاحب الكتابة. فإذا كان قد قصد ثورة العرب أهل اللجاة "Trachonitis" على "هيرود الكبير" الملك المكابي، فهذه الثورة يجب أن تكون قد وقعت فيما بين السنة "23 ق. م." والسنة "14 ق. م.". أما اذا كان صاحب النص قد قصد خصاماً آخر، فإننا لا نستطيع التكهن عنه من نصه هذا، لما قلناه من تعدد الخصومات بين العرب واليهود.

(1/1472)


وأرخت كتابة أخرى بزمن تمرد صاحب الكتابة على الروم، وذلك سنة مجيء "الميديين" الفرس إلى "بصرى"، "ومرد على رم سنت أتى همذى بصرى" وقصد ب "همذى" "الماذويين"، أي الميديين من الفرس. ولما كانت الأخبار لم تشر إلى اكتساح الفرس ل "بصرى" قبل سنة "614 م"، ظن من عالج هذه الكتابة أن صاحبها قصد استيلاء الفرس عليها في ذلك الزمن، أي في السنين الأولى من سني مبعث الرسول، حيث غلبت الفرس على الروم، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، غير أن هذا الفريق عاد فأبدل رأيه، لأنه وجد أن هذا الرأي لا ينسجم مع نوع الكتابة والأبحاث الاثارية التي دلت على إن الكتابة يجب أن تكون أقدم عهداً من سنة "614 م"، ورأى لذلك أن استيلاء الفرس على "بصرى" يجب أن يكون قبل ذلك بكثير، وقد يكون وقع في القرن الأول قبل الميلاد، غير أننا لا نملك نصوصاً تأريخية تشير الى وصول الفرس إلى هذا المكان، واستيلائهم عليه في ذلك الزمن. وهكذا نجد أن تلك الكتابة المؤرخة قد أوجدت لنا مشكلة، لم نتمكن من حلهّا بسبب الغموض الوارد فيها عن سنة استيلاء الفرس على بصرى.
وطالما قرأنا في الكتابات أن أصحابها "نجوا من الروم" أو فروا من الروم، أو تمردوا على الروم وأمثال ذلك من تعابير. وقد قصدوا بالروم بلاد الشام التي كانت في أيدي الرومان، ثم انتقلت إلى الروم، وهم اليونان البيزنطيون. ولما كانت بلاد الشام تحت حكم المذكورين، عبرّوا عنها ب "رم" "روم" أي "الروم" "وبلاد الروم".

(1/1473)


لقد كان الصفويون بحكم نزولهم في أطراف بلاد الشام على اتصال بالروم بل اضطروا الى الخضوع لحكمهم والاعتراف بسيادتهم عليهم. والتوغل شمالاً وجنوباً في بلاد الشام بحثاً عن الماء والكلأ وعن القوت، كما اضطروا الى مراجعة قرى بلاد الشام ومدنها للامتيار ولبيع ما عندهم من فائض منتوج أيديهم ومن حاصل حيواناتهم. وهذا مما يدفعهم الى التخاصم أحياناً مع موظفي الأمن الروم وحراس الحدود ورجال الجباية و "الكمارك"، في شأن أمور الأمن، أو أخذ حقوق الحكومة منهم، فيقبض الروم على من يقاوم منهم، أو يتهرب من الأداء، أو يقتل، أو يقوم بأعمال مخالفة، فيلقونه في السجن في و يقتلونه، ولهذا نجد بعض الكتابات وقد سجلت حين هرب صاحبها من سجن الروم. وعاد إلى حريته. وهربه من الروم واستنشاقه نسيم الحرية، معناه اللجوء إلى البادية والأحتماء بها حيث يصعب على الجنود الروم الوصول اليها للقبض عليهم والاقتصاص منهم. والبادية حصن أمين للأعراب.
ويظهر من هذه النصوص أن شأن الصفويين بالروم لم يكن يختلف عن شأن سائر العرب بهم وبأمثالهم من الدول الأجنبية مثل الفرس، فهم مضطرون بحكم وضعهم إلى التسليم لسلطان الدول الأجنبية ما داموا ضعفاء لا يستطيعون مقاومة الأعاجم، فإذا تغيرت الأحوال، وظهرت مواضع ضعف في الأجنبي، اهتبل الأعراب الفرص، فانقلبوا عليه حتى يرضيهم أو يظهر قوته. وهكذا كان الصفويون ينتهزون الفرص، فمتى وجدوا تغرة في سلطان الروم وموضع ضعف في حراسة حدودهم، هاجموهم منها حتى ينالوا ما يبتغون من مغنم، وقد ينقلب الحادث عليهم بالطبع، لسوء تقدير في الموقف، وهذا ما يحدث في كل غزو أو حرب، وهو شيء طبيعي فقد ينتصر المحارب فيربح، وقد يندحر فيخسر كل شيء.
"تر"، و "هجد ل" "هكدل"، و "جر" "كر" و "حز ن" و "حضى"، و "حولت" "حوالة"، و "دمصى" و "سلم"، و"صبح"، و"ضف"، و"عبد"، و"عوذ"، و"غر"، و "فرث"، "وقمر"، و "يحرب"، و "همضر"، و "املكت".

(1/1474)


ومن القبائل الصفوية: "اشلل"، و "بكس"، و "جعبر"، و "جوا"، و "حمد"، و "حرم"، و "حظى" "حضى"، و "حمي"، و "زد" "زيد"، و "زهر"، و "عذل"، و "عمرت" "عمرة"، و "فضج"، و "مسكت" "ماسكة"، و "معصى" "معيص"، و "نمرت" "نمرة" "نمارة" "نميرة"، و "هذر" "هذير" "هذار"، و "نسمن" أي "نسمان"، و "حمد" "حماد" "حميد".
وترد لفظة "ال" قبل اسم القبيلة في كثير من الكتابات الصفوية، وتؤدي فيها معنى "آل" عندنا، مثل: "ال تم" أي "ال تيم"، و "ال عوذ" بمعنى "آل عوذ" و "0 ال ادم" "آل آدم"، و "ال حد" "ال حد". وهي بمعنى إن المذكور أو المذكورين من القبيلة المسماة، أو من العشيرة المذكورة، أو من البيت المسمى.
وورود "ال" بهذا المعنى في النصوص الصفوية يدل على إن لغة هذه القبائل وهي قبائل عربية شمالية تشارك لغة القرآن الكريم في هذه الخاصية.
وقبيلة "عوذ" ورد اسمها في عدد من الكتابات الصفوية. وقد ورد في احداها إن حربآَ كانت قد نشبت بينها وبين قبيلة أخرى، أسمها "وعل" أو "ويل" أو "وائل". وقد يكون لاسم هذه القبيلة صلة باسم الإله "جد عوذ".
وقد عثر على اسم قبيلة "نعمن"، أي "نعمان" في بعض االكتابات الصفوية التي عثرعليها في "وادي حوران" بالعراق، ويرد "نعمان" اسماً لأشخاص، ومنهم بعض ملوك الحيرة.
وقد ورد اسم قبيلة في احدي الكتابات التي عثر عليها في العراق، وهي قبيلة "ال صح"، أو "آل صح"، أي "آل صائح"، أو "آل صيح"، أو "الصائح". وما زال اسم "الصائح" معروفاً في ائعراق، وهو اسم عشيرة فقد يكون له صلة بهذه التسمية القديمة.
وقد أفأدتنا هذه الكتابات من الناحية الجغرافية، اذ قدمت الينا أسماء مواضع عديدة لا يزال بعضها يسمى بالأسماء الواردة في تلك الكتابات. وقد يمكن في المستقبل دراسة الأسماء الأخرى لتثبيت مواضعها وتعيينها على مصورات الأرض "الخارطات".

(1/1475)


ومن المواضع التي ورد اسمها في الكتابات الصفوية، موضع "رحبت"، وهو "الرحبة". وقد ورد في نص سجله رجل اسمه "حنن بن هعتق"، "حنان ابن العاتق"، أو "حنين بن العاتق"، أو "خنن بن العاتق"، وذكر انه "بن ال - رحبت"، أي "من الرحبة"، أو "من آل رحبة"، وانه كتب كتابته هذه في السنة التي دار فيها قتال مع قبيلة "ال حمد" "الحمد" أو "آل حمد". وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "الرحبة" هو اسم موضع. كما إن "الحمد" هو اسم موضع كذلك، وان الذين نزلوا في هذين المكانين وفي أمكنة أخرى نسبوا أنفسهم اليها فقالوا: "آل رحبة" و "آل حمد"، وذلك على نحو ما نجده في عربيتنا من ذكر "آل" في الانتساب، وان هذا معناه إن أولئك الأعراب الِذين نزلوا في الموضعين انتسبوا إلى المكانين، فاستعملوا لذلك لفظة "ال"، أي "آل"، قبل الموضع، فظهر الاسم "ال رجبت" "ال رجبة" وكأنه إسم قبيلة.
ولهذا المظهر من التسميات والانتساب شأن كبير في موضوع دراسة أنساب القبائل، إذ فيه برهان ودليل على أن إلاقامة في موضع تكون سببآَ للانتساب إليه، ثم لتحويل ذلك النسب الى اسم جدّ، وأن ما يرويه أهل الأخبار في هذا الباب مثل انتساب الغساسنة الى "غسان"، وأن "غسان" اسم موضع ماء نزلوا عليه فدُعُوا ا به، يجب أن ينظر اليه نظرة اعتبار، لا رفض وازدراء. وفي أسماء القبائل العربية المدوّنة في كتاب الأنساب والأدب، أو الواردة في الكتابات الجاهلية أمثلة عديدة من هذا القبيل.
ومن الأماكن التي ورد ذكرفي النصوص الصفوية: "بصرى"، وقد ذكرت على هذه الصورة "بصر"، و "هنمرت"، "النمرت"، أي "النمارة"، و "هشبكى" أي "الشبكي" و "حجر".
و "حجر" موضع قد يراد به "الحجر" المعروف في عربيتنا، وهو "Hegra" و "Hegrae" عند اليونان واللاتين، و "حجرا" و "حجرو" عند النبط.

(1/1476)


وورد إسم مدينة "تيما" أي:تيماء" في الكَتابات الصفوية كذلك، كالذي ورد في نص دوّنه رجل اسمه "خل - ال بن شبب" أي "خليل - ايل ابن شبيب"، وقد تذكر فيه رجلاً اسمه "أبرش"، وهو من أهل "تيماء".
ولم يكن الصفويون كما يبدو بوضوح من كتاباتهم ومن صور الحيوانات التي نقشوها على الأحجار أعراباً ممعنين في الأعرابية على نحو عرب البوادي البعيدين في البادية، حيث يقضون حياتهم فيها، فلا يختلطون بالحضر، ولا يمتزجون بالحضارة، وإنما كانوا أشباه أعراب وأشباه حضر، وربما كان تعبير "رعاة" خير تعبير يمكن اطلاقه عليهم ليميزهم عن غيرهم. فقد كان الصفويون أصحاب ماشية، لهم ابل، يعيشون عليها، ويتاجرن بها، ولهم خيل يركبونها، والخيل كما هو معروف لا تستطيع الحياة في البوادي القاحلة العميقة والرمال القليلة المياه، ولهم المعز والغنم والحمير والبقر، وهي من الحيوانات التي تحتاج إلى رعي ومراعي. ولذلك يجب أن يكون أصحابها من طبقة الرعاة. وقد كانت حياتهم حياة رعي، نجدهم في الشتاء في مكان، ثم نجدهم في الصيف في مواضع أخرى قريبة من الجبال حّيث يكون الجو لطيفاً والمياه كثيرة، ليكون في استطاعتهم الابتعاد من حر الحرار ومن سَمُوم الأرض القاحلة في الصيف، ولتستمتع ماشيتهم بجو لطيف فيه ما يغريها من خضرة نضرة ومن ماء عذب زلال.

(1/1477)


إن في بعض هذه الكتابات تعبيراً عميقاً عن ذكاء فطري يعبر عن طراز حياة الصفويين، فكتابة مثل: "ورعى همعز وولد شهي"، ومعناها: "ورعت المعز وولدت الشياه !، أو "ورعى بقر هنخل"، أي "ورعت البقر في هذا الوادي"، أو "وقف على قبر فلان وحزن"، هي تعابير، وان بدت ساذجة مقتضبة لا يكتبها حضري، غير انها تمثل في الواقع ذكاءً فطرياً عميقاً، ونوعاً من التعبيرعن حس أهل البادية أو أهل الرعي، وهو حس مرهف فيه بساطة وفيه اقتضاب في نبتا من وحي الصحراء البسيطة الممتدة إلى ما وراء البصر على نمط واحد، وشكل لا تغيير فيه ولا تبديل. وكتابات يكتبها أناس يحيون بعيدين عن حضارة المدن، ويعيشون بين أْشعة الشمس وضوء القمر في بيوت وبر أو شعر معز لا تقي ولا تنفع الا بمقدار، لا يمكن أن تكون الا على هذا النحو من البساطة، ولكنها بساطة ذكي يحاول بذكائه التعبيرءن حياته تلك.
ونجد هذا الذكاء الفطري في الصور المرسومة للحيوانات، فقد أراد مصوروها أن يعبروا عن غرائزهم الفنية بصورة محسوسة ترى، فرسموا صور حيوانات ألفِوها ورأوها، بصورة بدائية، ولكنها معبّرة أخاذة. ورسموا بعض المناظر المؤثرة فيَ حياتهم مثل الخروج للصيد ومعارك الصيد، فنرى على بعض الأحجار فارساً وثد حمل رمحاً طويلاً، ونرى مشاة وقد حملوا أقواساً وتروساً صغيرة مستديرة لوقاية أجسامهم من السهام أو من الحيوان، ونرى رجالاً يطاردون غزالاً أو ضأناً، ونرى أناساً فرساناً ومشاةً يطاردون أسداً، ونرى غير ذلك من صور بدائية من هذا القبيل، مهما قيل فيها، فإنها صور رائعة لا يمكن أن يحفرها فنان بأحسن من هذا الحفر، وهو في مثل هذا المحيط، وليست لديه من آلات الحفر غير هذه الالات.

(1/1478)


والصور المنقوشة على الأحجار التي ترينا الصفوي وقد ركب حصانه معتقلا" رمحاً طويلاً، هي صورة المحارب الفارس عند الصفويين، وهي فيَ الواقع صورة الفرسان الأعراب، سلاحهم الرئيسي الرماح، يطعنون بها خصمهم. وما زال البدو في بعض البوادي من جزيرة العرب يحملون ذلك السلاح التقليدي القديم، يحاربون به خصومهم في المعارك القبلية البدائية. وأما المحارب الماشي، فإنه يحارب بالقوس وبيده الترس كما يظهر من بعض الصور، وهو لا بد أن يكون قد استعان بأسلحة أخرى بالطبع، مثل السيوف والفؤوس والحجارة وكل ما ثقع يده عليه مما يصلح أن يكون مادة للقتال والعراك.
إن الصور التي تمثل الناس، وهم يطاردون الغزلان أو بقر الوحش و الأسد أو الحمار الوحشي، هي صور مفيدة جداً تتحدث عن وجود تلك الحيوانات في تلك الأماكن وفي تلك الأوقات، وعن طرقهم في صيدها. وقد كانت لحوم بعض تلك الحيونات طعاماً شهياً لمن يصطادها ولآلهم وجماعتهم، كما أن لوجود صورة الحصان شأناً في اظهار أن الصفويين وغيرهم كانوا يعرفون الخيل في تلك الأزمنة، وأن الحصان العربي كان موجوداً يومئذ.
وفي جملة ما عثر عليه من أسماء آلهة الصفويين اسم إلَه عرف ب "إلَه هجبل" "إلاه هاجيل" "إلَه الجبل"، وهي تسمية تدل على أن عبدته كانوا من سكان جبل أو أرض مرتفعة، ولهذا نعتوا إلههم ب "إلَه الجبل" أو أن عبدته هؤلاء قد أخذوه من أناس كانوا قد خلقوا إلههم من ارتفاع أرضهم، وصار إلهاً من آلهة الصفويين. وهو يقابل الإلَه المسمى ب "الاجبل" "أو"Elagabal" وهو كناية عن الشمس، وكان يعبد في "حمص" "Emesa" فإن لفظة "Elagabal" تعني "إلهَ الجبل" "وقد رمز إليه ب "حجر أسود" وعباد الحجر الأسود كانت معروفة عند الجاهليين. وقد كان أهل مكة يقدسون الحجر الأسود في مكة ويتقربون إليه.

(1/1479)


ولا ندري من حلّ في محل الصفويين فأخذ مواطنهم، ولمَ اختفت كتاباتهم بعد عهدهم هذا ? هل كان الذين أخذوا مكانهم أميين لا يَقرأون ولا يكتبون فكانت أيامهم صُماً بُكماً? الذين أخذوا مكانهم هم أعراب مثلهم، كانوا أقوى منهم، لذلك تغلبوا عليهم على وفق سنة البادية. هذا جواب لا شك فيه. ولكننا لا نستطيع تحديد هوية أولئك الأعراب وتعيين أسماء قبائلهم، كما أننا لا نستطيع التحدث عن سبب سكوتهم وعدم ترك آثار كتابية لهم تتحدث عن أيامهم وعن قبورهم وأصدقائهم وما شاكل ذلك من أمور الى زمن مجيء الإسلام. إن الغساسنة، هم آخر من نعرف أنهم كانوا في هذه الأرضين وفيما جاورها وكذلك قبائل عربية أخرى مثل لخم وكلب،ولكننا لا نعرف أنهم تركوا كتابات تتحدث عنهم.
وبين أسماء الأشخاص المدونة في النصوص الصفوية أسماء تشبه أسماء أهل مكة والعرب الشماليين شبهاً كبيراً، ويحملنا هذا على تصور إن ثقافة الصفويين عربية شمالية. ونجد هذا التشابه في أمور ثقافية أخرى،سأتحدث عنها في الأماكن المناسبة.
ومن الأسماء الواردة في النصوص الصفوية: "قصيو"، أيَ "قصي". وقد ورد اسم "قصيو بن كلبو"، أي "قصي بن كلاب" في أحد النصوص. وكان من رجال الدين. وورد "قصيو بن روحو" أي "قصي بن روح". و "قصيو بن اذينت"، أي "قصي بن أذينة".

(1/1480)


ويرى بعض المستشرقين إن الصفويين هم مثل سائر القبائل العربية الشمالية هاجروا من جزيرة العرب إلى الشمال، فسكنوا في منطقة "الصفاة"، غير انهم لم يكونوا قد اندمجوا في أثناء تدوينهم كتاباتهم بالثقافة السامية الشمالية كما اندمج غيرهم مثل النبط، بل كانوا لا يزالون محافظين عاى صلاتهم بالجزيرة ولا سيما بالعربية الجنوبية منها موطنهم القديم. وتعبرّ عن هذه الصلة بعض الخصائص اللغوية التي ترجع على رأيهم إلى أصل عربي جنوبي، غير إنهم تأثروا بالطيع بمن اختلطوا بهم وبمن تجاوروا معهم من الساميين الشماليين أو العرب الشماليين، ويظهر أثر هذا الاختلاط على رأيهم أيضاً في الأسماء والكلمات والتعابير الخاصة التي نقرأها ثي هذه النصوص.
قلت: إن كلمة "الصفويون" لا تعني شعباً معيّناً أو قبيلة معينة، وإنما هي اصطلاح أوجده "هاليفي" ليطلق على الكتابات التي عثرعليها في مواضع متعددة من "اللجاة" و "حوران" ومواضع أخرى، لذلك يجب ألا يفهم أننا نقصد أناساً تركوا لنا كتابات متشابهة كتبت بقلم واحد، ليظهر أنهم كانوا بين البداوة والحضارة فلاحين ورعاة لهم قرى ومزارع، وربما كانت لهم تجارات أيضاً، غير أننا لا نعرف من أمرهم شيئاً كثيراً. فقد يكونون اذن من قبيلة واحدة، وقد يكونون جملة قبائل، وقد تكون لهم "امارة" لا نعرف من أمرها شيئاً، وربما لا يكون لهم ذلك.. وربما كانوا أتباعاً للسلطة القائمة في بلاد الشام تتحكم فيهم بنفسها أو بواسطة أمراء أو سادات قبائل.
وقد يكون الصفويون أناساً وصلت أسماؤهم الينا، وكتب المؤرخون عنهم، ولكننا لا نعرف أنهم هم الذين نبحث عنهم، لأننا أمام أصطلاح جديد مبهم، ظهر كما قلنا في القرن التاسع عشر، ليست له حدود واضحة ولا معالم مرسومة، فلا ندري نحن في الواقع ما نريد، قد يكون هؤلاء أسلاف غساسنة الشام، وقد يكونون غيرهم.
الفَصْلُ السَّابعُ والثلاثون
مملكة الحيرة

(1/1481)


وللاخباريين واللغويين وعلماء تقويم البلدان، آراء في أصل اسم "الحيرة"، وبينهم في ذلك جدل على التسمية طويل عريض، كما هو شأنهم في أكثر أسماء المدن القديمة التي بَعُد عهدها عنهم فحاروا فيها. وايرادها هنا يخرجنا عن صلب الموضوع، وهي أقوال لا تستند إلى نصوص جاهلية، ولا إلى سند جاهلي محفوظ، ومن أحب الوقوف عليها، وتعرف مذاهب القوم فيها، فعليه بمراجعة تلك المظان، كما إن لبعض المحدثين آراء في هذا الباب.
ومعظم المستشرقين، يرون انها كلمة من كلمات بني إرم، وانها "حرتا" "Harta" "Hirta" "Herta" "حيرتا" "حيرتو" السريانية الأصل، ومعناها المخيم والمعسكر وانها تقابل في العبرانية كلمة "حاصير" "Haser"، وان "حيرتا" "حيرتو" في التواريخ السريانية تقابل "العسكر" عند الاسلاميين وهي في معنى "الحضر" و "حاضر" و "الحاضرة" كذلك. ولهذا زعم بعض المستشرقين إن "الحضر" اسم المكان المعروف في العراق أخذ من هذا الأصل العربي، أي من "الحضر".
وقد عرفت "الحيرة" في مؤلفات بعض المؤرخين السريان، فعرفت ب "الحيرة مدينة العرب"، "حيرتا دي طياية"، كما عرفت بأسماء بعض ملوكها مثل "النعمان"، فورد "حيرتو د نعمان دبيث بورسويي"، أي: "حيرة النعمان التي في بلاد الفرس".
ويلاحظ إن تعبير "حيرة النعمان" "حيرتا دي نعمان"، تعبير شائع معروف في العربية كذلك. ولا بد أن يكون لاشتهار "الحيرة" باسم "النعمان" سبب حمل الناس على نسبة هذه المدينة إليه.
ويرى بعض، علماء التلمود أن مدينة "حواطره" "حوطرا" التي ورد في التلمود أن بانيها هو "برعدى" "بن عدى"، هي الحيرة. وقد حدث تحريف في الاسم، بدليل أن التلمود يذكر أنها لا تبعد كثيراً عن "نهر دعه" "Nehardea"، وأن مؤسسها هو "برعدى"، ويقصد به "عمرو بن عدي".

(1/1482)


ويظن أن موضع "حرتت دار جيز" "حارتا دار جيز" "حرته دار جيز"، الوارد في التلمود، هو "الحميرة". وقد ورد أن "ارجيز" وهو ساحر، هو الذي بنى تلك المدينة. ويرى بعض الباحثين احتمال وجود صلة بين هذا الساحر وبين قصة "سِنِّمار" باني "الخورنق". وعرفت في التلمود ب "حيرتا دي طيبه" أيضاً، أي "معسكر العرب" و "حيرة العرب".
وقد ذكر اسم الحيرة في تأريخ "يوحنا الأفسوسي" "John of Ephesus" من مؤرخي القرن السادس الميلاد "توفي سنة 585 م"، فقال: "حيرتود نعمان دبيت بور سوبي"، أي: "حيرة النعمان التي في بلاد الفرس"، كما ذكرها "يشوع العمودي" "Josua Stylites". وورد اسمها في المجمع الكنسي الذي انعقد في عام "410 م"، وكان عليها إذ ذاك اسقف اسمه "هوشع" "Hosha" اشترك فيه ووقع على القرارات باسم "هوشع" اسقف "حيرته" "حيرتا".
وقد أشرت في أثناء حديثي عن مملكة "تدمر" إلى ورود اسم مدينتين هما "حيرتا" "الحيرة" و "عاناتا" "عانة" في كتابة يرجع تأريخها الى شهر أيلول من سنة "132" للميلاد. وقلت باحتمال أن تكون "حيرتا" هذه هي الحيرة التي نبحث فيها الآن. فإذا كان ذلك صحيحاً، كانت هذه الكتابة أقدم كتابة وصلت الينا حتى الآن ورد فيها هذا الاسم.
ومدينة "Eertha" التي أشار اليها "كلوكس" "Glaucus" و "اصطيفان البيزنطي" "Stephen of Byzantium"، وذكر أنها مدينة "فرثية" "Parthian" تقع على الفرات، هي هذه الحيرة على ما يظن.
وورد في بعض مؤلفات السريان مع "الحيرة" اسم موضع آخر قريب منها هي "عاقولا"، وقد ذهب "ابن العبري" إلى أنه "الكوفة"، وأشار "ياقوت" إلى "عاقولاء" غير أنه لم يحدد موقع هذا المكان.

(1/1483)