صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة
المؤلف : النجم الغزي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

عيسى بن أمير خان الأمير الفاضل، والهمام الكامل، المولى سعد الدين، المعروف بسعدي جلبي أحد صدور الروم ومواليها المشهورين بالعلم والدين والرئاسة. كان أصله من ولاية قسطموني، ثم دخل القسطنطينية مع والده، ونشأ في طلب العلم، وقرأ على علماء ذلك العصر، ووصل إلى خدمة المولى الساميوني، ثم صار مدرساً بمدرسة الوزير محمود باشا بالقسطنطينية، ثم بسلطانية بروسا، ثم بإحدى الثماني، ثم صار قاضياً بالقسطنطينية، ثم عزل عن قضائها وأعيد إلى إحدى الثماني، ثم صار مفتياً مدة طويلة، ويحكى أنه نزلت به إضاقة الحاجة إلى طلب المنصب، فاجتهد في طلبه، فلم يحصل، وأعياه حتى هم أن يترك الطلب، فرأى في منامه قائلاً يقول له:
ثق بالله مسبب الأسبابا ... الرزق إذا أتاك دق البابا
فلما أصبح من ليلته إذا بطارق يطرق بابه، فأذن له، فلما دخل بشره بالمنصب. قال في الشقائق كان فائقاً على أقرانه في تدريسه، وفي قضائه، مرضي السيرة محمود الطريقة، وكان في إفتائه مقبول الجواب، مهتدياً إلى الصواب، وكان طاهر اللسان لا يذكر أحداً إلا بخير، وكان صحيح العقيدة، مراعياً للشريعة، محافظاً على الأدب، وكان من جملة الذين صرفوا جميع أوقاتهم في الاشتغال بالعلم الشريف، وقد ملك كتباً كثيرة، واطلع على عجائب منها، وكان ينظر فيها، ويحفظ فوائدها، وكان قوي الحفظ جداً. حفظ من المناقب والتواريخ شيئاً كثيراً، وله رسائل وتعليقات، وكتب حواشي مفيدة على تفسير البيضاوي، وهي متداولة بين العلماء، وله شرح مختصر مفيد للهداية، وبنى داراً للفقراء بقرب داره بمدينة قسطنطينية. انتهى.
قلت: وكان السيد عبد الرحيم العباسي خليلاً لسعدي جلبي لكل منهما بالآخر مزيد اختصاص، وللسيد عبد الرحيم فيه مدائح نفيسة في عدة قصائد، ومقاطيع، ولما كان شيخ الإسلام والدي بالقسطنطينية في سنة سبع وثلاثين وتسعمائة اجتمع بالمذكور كثيراً، وكان إذ ذاك قاضي القسطنطينية، وذكره في المطالع البحرية فقال قاضي قضاة المسلمين، وأولى ولاة الموحدين، وينبوع العلم واليقين، العادل العمل في أحكامه، والحركة في إقدامه، والمراقب لله في فعله وكلامه، إنسان عين الزمان، وإنسان عين البيان، إلى أن قال: ما قرن به فاضل بالروم إلا رجحه، ولا ألقي إليه مقفل من العلم إلا كشفه وأوضحه، له صادقات عزائم، لا تأخذه في الله لومة لائم، إلى عفة ونزاهة، وإبانة وهمة علية وصيانة، في أوصاف آخر ومما قاله الشيخ الوالد فيه وأنشدنا إياه شيخنا القاضي محب الدين الحنفي، وأخبرنا أنه وجده مكتوباً في جدار مجلس المولى سعدي:
أوصاف سعدي مثل شمس الضحى ... ظاهرة في القرب والبعد
إذا عملت الشعر في مدحه ... فإنما أعمل، في سعدي
ذكر ابن طولون في وقائع سنة خمس وأربعين وتسعمائة أنه صلي على سعدي جلبي غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة رابع عشر ذي القعدة قال ابن طولون: واسمه أحمد والصواب إنه عيسى كما تقدم، لأنه هو الثابت في الشقائق النعمانية، ومؤلفها أخبر بأحوال أهل الروم من غيره. قال ابن طولون: وتوفي بعلة النقرس قال: وكانت وفاته عند صلاة الجمعة ثاني عيد الفطر من السنة المذكورة. قال: وأقيم مفتياً عوضه قاضي قضاة العسكر الأناظولي جوي زاده وولي قاضي قضاة العسكر الأسطنبولي ابن قطب الدين الرومي الحنفي. انتهى.
قلت: وجوي زاده المذكور في كلام ابن طولون هو المولى محمد بن إلياس المتقدم والد محمد بن محمد بن إلياس قاضي دمشق الذي صار في آخر الأمر مفتياً بالروم، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في الطبقة الثالثة.
حرف الغين المعجمة خال
حرف الفاء من الطبقة الثانية
فاطمة بنت قريمزان

(1/336)


فاطمة بنت عبد القادر بن محمد بن عثمان، الشيخة الفاضلة الصالحة الحلبية الحنفية، الشهيرة ببنت قريمزان شيخة الخانقتين العادلية والدجاجية معاً. كان لها خط جيد، ونسخت كتباً كثيرة، وكان لها عبارة فصيحة، وتعفف، وتقشف وملازمة للصلاة حتى في زمن المرض. مولدها في رابع المحرم سنة ثمان وتسعين وثمانمائة ، ثم كانت زوجاً للشيخ كمال الدين محمد بن مير جمال الدين بن قلي درويش الأردبيلي، الشافعي نزيل المدرسة الرواحية بحلب الذي قيل إن جده هفا هو أول من شرح المفتاح . قالت: وعن زوجي هذا أخذت العلم، وكان يقول: قد ملكني الله تعالى وثلاثين علماً، وكانت وفاتها في سنة ست وستين وتسعمائة، وأوصت أن تدفن معها سجادتها. قال ابن الحنبلي: وقد ظفرت بشهود جنازتها، وحملها فيمن حمل.
فرج المصري المجذوب
فرج المصري المجذوب قال: كان له كشف وكرامات، وكان يجمع الدراهم من الناس، ويفرقها على المحاويج، ثم يبيت لا يملك شيئاً ليله. قال الشيخ جمال الدين بن يوسف ابن قاضي القضاة زكريا: لقيني الشيخ فرج، وفي رأسي أربعون نصفاً، فأعطيته فلا زال يقول لي: أعطني نصفاً حتى بقي منها نصف، وهذا على اسم الحمام، فتبعني للحمام، وقال: أعطني النصف الآخر، وأنا أعطيك، وهذا على اسم شموال اليهودي بأربعين ديناراً. قال: فلم اعطه النصف، فلما خرجت من الحمام، ودخلت البيت إذا بشخص يستأذن في الدخول، فقلت له: من هذا. فقال: شموال اليهودي، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: كنت اقترضت من والدك أربعين ديناراً، وليس بها شاهد إلا الله تعالى، وقد تحرك عندي الخاطر بقضائها هذا اليوم، وعجزت عن دينار واحد منها، وها هي فأعطاني تسعة وثلاثين ديناراً، فندمت إذ لم أعطه النصف الآخر قال...، وله وقائع كثيرة مع أهل مصر. انقطع آخر عمره في البيمارستان، وله كرامات، ودفن في زاوية الشيخ بهاء الدين المحدث بباب السويقة، وهو من هذه الطبقة.
فضلي بن علي الرومي
فضلي بن علي بن أحمد بن محمد قاضي القضاة ابن مفتي المملكة الرومية علاء الدين الأقصرائي، الجمالي، الحنفي. كان ينسب إلى الشيخ محمد الأقصرائي صاحب موجز الطب، وإيضاح البيان وغيرهما، وكان الشيخ جمال الدين هذا ينسب إلى الفخر الرازي الذي هو من ذرية أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - كذا قال ابن الحنبلي، وذكر أنه قدم حلب في ذي القعدة سنة ستين متولياً قضاء بغداد، فاجتمع به وأجازه، ثم ولي قضاء حلب، ثم في سنة إحدى وستين دخلها متولياً قضاء مكة، وزار ابن الحنبلي في منزله، ووهبه رسالة له سماها إعانة الفارض، في تصحيح واقعات الفرائض ولم يؤرخ وفاته، ولعله من هذه الطبقة.
حرف القاف من الطبقة الثانية
قاسم منلا زاده
قاسم بن محمد، العالم الفاضل، المولى شاه قاسم، الشيخ شهاب الدين الحنفي، الشهير بمنلا زاده أصله من هراة، وكان هو وأبوه واعظين، وكان مستوطناً بتبريز، ولما دخلها السلطان سليم بن بايزيد أخذه معه إلى بلاد الرم، وعين له كل يوم خمسين درهماً، وكان عالماً فاضلاً، أديباً، بليغاً له حظ من علم التصوف، وخط حسن، ومهارة بالإنشاء أنشأ تواريخ آل عثمان، فمات قبل إكمالها سنة ثمان أو تسع وثلاثين وتسعمائة.
قاسم بن خليفة الحلبي
قاسم بن خليفة بن أحمد بن محمد، الشيح شرف الدين أبو الوفاء، وأبو السعادات الحلبي، الشافعي، المعروف بابن خليفة. مولده بحلب ليلة عيد الأضحى سنة سبع وسبعين وثمانمائة، ونشأ بها، وحمله والده على طلب العلم، واشترى له نفائس الكتب، فلزم كثيراً من العلماء منهم البدر السيوفي، ومنلا عرب، والمظفر بن علي الشيرازي، والجلال النصيبي، والشمس بن بلال، والبرهان العمادي، وعبد الصمد الهندي، والمحيوي بن أبي سعيد، وباشر في أول أمره صنعة الشهادة، وجلس بمكتب العدول خارج باب النصر، وولي إعادة العصرونية، ومدرسها البرهان العمادي، ووظائف أخر، واستنيب في الدولة العثمانية كثيراً في فسوخ الأنكحة، وجلس لتعاطي الأحكام الشرعية برهة من الزمان، وكان يخدم العلماء، ويبذل المال في خدمتهم، وكان له تواضع، طارحاً للتكليف، وله شعر منه ما أنشده للمحيوي عبد القادر بن سعيد عند قدومه من القاهرة:
لقد آخى المقام وساكنيه ... قدوم العالم المحيي الأجل

(1/337)


حوى للعلم، والآداب جمعاً ... ولم لا وهو قد فاق المحلي
قال ابن الحنبلي: وانتقد عليه بعضهم وصفه إياه بالمحيي لا بالمحيوي بقوله:
كفرت بوصفك المحيي لعبد ... وشركك من لقبلته تصلي
وقد اخطأت في التفضيل لما ... ضللت وما اهتديت إلى المحلي
قلت وأنا أعجب من ابن الحنبلي، وهو عالم حلب كيف يستحسن إثبات مثل هذا الشعر الذي ليس لصاحبه شعور مع جرأته على تكفير مسلم بغير مكفر، وإطلاق المحيي على العبد صحيح على ضرب من المجاز، وهلا اعترض على قول الموحد: إحيى الربيع النبات، وأنبت الربيع البقل، وهو لا يعتقد أن المحيي والمميت حقيقة إلا الله تعالى على أنه أراد بالمحيي الإشارة إلى لقبه محيي الدين، ويجوز أن يقال إن فلان إحدى الدين، أو إحيى العلم، وقد قيل في حجة الإسلام الغزالي:
أحيى علوم الدين بعد مماتها ... بكتابه إحيا علوم الدين
توفي صاحب الترجمة في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، ودفن بمقبرة السيد علي بالهزازة وما زال يقول في نزعه الله الله حتى مات رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
قاسم بن زلزل

(1/338)


قاسم بن زلزل بن أبي بكر، القادري أحد أرباب الأحوال المشهورين بحلب، وقد اشتهر بابن زلزل - بلامين - كما ذكره ابن الحنبلي، وذكر الشيخ موسى الكناوي أنه كان يعرف بقاسم بن زنزل بالنون عوضاً عن اللام الأولى قال ابن الحنبلي: كان في بدء أمره ذا شجاعة حمى بها أهل محلته المشارقة بحلب من اللصوص، وكان يعارضهم ليلاً في الطرقات، ويقول لهم: ضعوا ما سرقتم، وفوزوا بأنفسكم أنا فلان، فلا يسعهم إلا وضعه، ثم كان مريداً للشيخ حسين بن أحمد الأطعاني كما كان أبوه مريداً لأبيه، ثم صار على يد الشيخ محمد الغزي الجلجولي مريداً لابن أرسلان الرملي، ثم المقدسي، وعلى يده حصلت له حال، وهو الذي حمله على سقاية الماء، فكان يسقي في الطرقات، وهو يذكر الله تعالى، ويحصل له الحال الصادقة، فيرفع رجله، ويبطش بها على الأرض. قيل: وكان أحياناً يذكر الله تعالى بالزاوية الاطعانية، فيحصل له الحال، فيبادر إلى جرن حمام موضوع هناك لمصالحها فيضعه على رأسه كأنه تاج ويدور به دورة، ثم يضعه ويصلي كثيراً وراء إمام كان حسن الصوت، فيحصل له الحال بحيث يغيب بها في نفسه فيصيح وهو في الصلاة صيحة عظيمة، ثم يفيق فيعيد الصلاة، وكان يحضر سماعات الشيخ محمد الخراساني النجمي، وينشد فيها كلام القوم قال: ولما قدم حلب الوزير الأعظم إبراهيم باشا في سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، رأى الشيخ على حالة اقتضت الفحص عنه، ثم إحضاره فأحضره إليه فإذا الذي رآه في المنام هو هو فجعل له علوفة في المملحة فأبي، فجعلها لأولاده قال: ومما حكي عنه بعد وفاته أنه خرج به قديماً الحب الفارسي، فطلبوا مداواته فأبى فعافاه الله تعالى منه بدون مداواة، وحكي أنه أراد زيارة الشيخ عبد القادر الكيلاني، فصرفه عنها الشيخ علي المصارع البيري الأردبيلي الطريقة، فلم يقبل منه فلما دخل إلى الرها كاشفه بها بعض الرجال، وصرفه عن الزيارة، فلم يقبل قال: فبينما أنا قاعد بالموضع الذي كان منجنيق نمرود إذا بامرأة أقبلت علي تسأل عن قاسم بن زلزل، فاعطتني رغيفين، وأخبرتني أنها رأت مناماً يقتضي أني لا أسافر إلى بغداد. قال: فما وسعني إلا العود إلى الشيخ علي البيري وكنت لما فارقته لم أصل إلى الرها إلا وفي ساقي وفخذي وجع شديد، فلما عدت إليه لم يبق منه شيء بإذن الله تعالى، ذكر ذلك ابن الحنبلي في تاريخه وقرأت بخط الشيخ موسى الكناوي، أنه اتفق للشيخ أبي العون محمد الغزي الجلجولي كرامة مع قاسم بن زلزل، ولعلها هي السبب في إهتمام أبي العون بأمره، وإعتقاد قاسم فيه، وهي أنه وقع بمدينة حلب أن امرأة خرجت من الحمام فحملها رجل جاهل من الجند، فعجز الناس عن خلاصها منه فجاء قاسم بن زلزل فضربه، فقتله وانفلتت المرأة، وذهبت في سبيلها، ومضى لوجهه هارباً، فدخل الحمام فكبسه الجند وهو في الحمام، فقال للحمامي: إئتني بلباسي وخنجري، فخرج عليهم وتفرقوا عنه وطاح إلى بستان هناك واستغاث بأبي العون الغزي، وكان قاسم قد اجتمع بأبي العون قبل ذلك وشاهد بركاته، فحماه الله تعالى منهم ببركته، واستمر على وجهه على طريق الساحل إلى جلجوليا، فدخل على الشيخ فكاشفه الشيخ بما وقع وقال له: كيف تقتل مملوك السلطان، فاعتذر بما فعله الجندي ودخل تحت ذيل الشيخ فقال له: الشيخ: لك الأمان وكتب له كتابا إلى نائب دمشق قانصوه اليحياوي، وكتاباً إلى نائب حلب. وقال له الشيخ: إسق الماء واترك الزعارة، فأكرمه قانصوه اليحياوي وأعطاه ألف درهم إكراماً للشيخ أبي العون، وكتب به كتاباً إلى نائب حلب يأمره فيه بإكرامه، وعدم التعرض له مما يؤذيه لأجل خاطر الشيخ أبي العون، وحذره من تكدير خاطر الشيخ عليه، فقدم قاسم على نائب حلب فأكرمه، وعفا عنه ببركة الشيخ واستمر قاسم في يومئذ يسقي الماء بيده في شربتين، ولزم طور الفقراء، وترك ما كان عليه من أطوار الشطار والزعار. قال ابن الحنبلي: توفي الشيخ قاسم في أواخر سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة.
قاسم بن عبد الكريم الفاسي

(1/339)


قاسم بن عبد الكريم المغربي الفاسي الأوراسي، كان أبوه بواباً بخان الليمون بدمشق، وكان هو من أتباع القاضي ولي الدين الفرفور، ثم قدم حلب فراش بها، وتزوج بها فاطمة بنت كاتب الأسرار المحب بن أجا بعد وفاة أبيها، واستولى على أموالها، وأوقاف أبيها وأبيه وجدها لأبيها الفخر عثمان بن غلبك فكثر ماله واتسعت دائرته، وقوي جأشه، وزاحم في المناصب الجليلة، وتولى نظر جامع حلب، وخالط أركان الدولة، ولم تسعه حلب فذهب إلى القاهرة، وتولى فيها نظر الأوقاف في سنة أربعين أو قبلها بمعونة الأمير جانم الحمزاوي ثم قيل أنه هو الذي دبر مع سليمان باشا تدبير قتل الأمير جانم، وولده الأمير يوسف، وشاع ظلمه بالقاهرة على ما ذكره ابن الحنبلي في تاريخه، وكان يرى السحر وقيل فيه:
قاسم الأسود أفعى ... قاء سماً للعباد
كل من قد ذاق منه ... عاد منه كالرماد
ثم جاء عليه التفتيش في آخر عمره، وفتش عليه بالقاهرة، ثم شنق على باب زويله بعد أن رجمه الناس بما وجدوه من حجر أو مدر حين أخرج من الحبس، إلى موضع شنقه، وكان ذلك في سنة سبع وأربعين وتسعمائة.
قاسم العجمي
قاسم العجمي الملقب بعفاريت على عادة أهل حلب، في تنابزهم بالألقاب المهملة حتى بين خاصتهم، كما يشهد لذلك تعبير ابن الحنبلي للأعيان بالألقاب في تاريخه، فإنه مشحون بذلك كان صاحب الترجمة من مريدي الشيخ محمد الخرساني النجمي وهو الذي كان يوم دفن الشيخ قد خرج من جنازته دائراً على قدميه كأنه فلكة مغزل من منزل الشيخ إلى تربته قال ابن الحنبلي: ثم داخل أرباب الدولة بالباب العالي، فتولى نظر جامع حلب الكبير، ونظر مدرسة الجردكية. قال: وغير فيها هيئة الواقف التي رضي بها، وذكر ابن الحنبلي أنه كان إمامها فبالغ في كشف حاله حتى ألف رسالة سماها بالقول القاصم، للقاضي قاسم، ضمنها عدة مقاطيع منها:
لا تركنن لقاسم ... إذ ليس فيه فائدة
واعلم أخي فإنه ... قاس بميم زائدة
وما كنت أذكر ذلك لولا تبجح فيه في تاريخه، وإلا فإن مثل هذه الغيبة مما لا يتعلق به غرض شرعي لا ينقطع حكمه بموت من يغتاب بجرح الرواة لا يجوز إثباته في الكتب الباقية على توالي الأزمان، لكن كان ابن الحنبلي عفا الله عنه، قد التزم أن لا يذكر في تاريخه أحداً حتى يذكر له شيئاً يحط من مقامه، وبلغني عن بعض العلماء الأخيار أنه قال: ليت ابن الحنبلي لم يؤلف هذا التاريخ، فإنه أفصح عن تجرئته على الناس فيما الورع خلافه، ولولا هذا التاريخ لحسب الناس أنه من أهل الورع، والكف عن الخوض فيما لا يعنيه، ومن طالع هذا التاريخ من أوله إلى آخره، وجد فيه العجب قال ابن الحنبلي: كان صاحب الترجمة في سنة أربع وثلاثين وتسعمائة في الأحياء، ثم مات بعدها برودس مسوقاً إليها.
قاسم آشق قاسم
قاسم الحنفي أحد الموالي الرومية، والشهير بآشق قاسم كان من إزنيق، واشتغل في العلم، وخدم المولى عبد الكريم، ثم درس بالحجرية بمدينة أدرنة، وتقاعد بثلاثين عثمانياً، قال في الشقائق: كان ذكياً، مقبول الكلام، صاحب لطائف ونوادر، متجرداً عن الأهل والولد، كثير الفكرة، مشتغلاً بذكر الله تعالى، خاشعاً في صلاته بلغ قريباً من المئة، وتوفي في سنة خمس وأربعين وتسعمائة بأدرنة.
قصير البخاري
قصير مفتي بخارى الحنفي. دخل دمشق في أثناء جمادى الأولى سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة، ومعه جماعة، وزار بيت المقدس ثم عاد إلى دمشق، وحج منها، وكان عالماً بالعربية نزل بالشامية البرانية، وتردد إليه الشيخ أحمد الحنفي، د والشيخ تقي الدين القاري، وقرأ عليه الثاني في المصابيح. ذكرهه ابن طولون.
حرف الكاف من الطبقة الثانية
الكمال العجمي

(1/340)


الكمال العجمي التريزي، الشيخ العالم الصالح، العارف بالله تعالى. المحقق الصوفي نزيل دمشق. قال شيخ الإسلام والدي: ذاكرته في علوم عديدة وقد غلب عليه التصوف والتأله، وهو من المحبين، وقال الشيخ يونس والد شيخنا: كان له مرتب من الجوالي نحو عشرين عثمانياً في كل يوم، وكان يأكل الطيب، ويلبس الحسن، ولا يخالط الناس إلا من يخدمه حكي أنه كان إذا ضعف وهب ثيابه ودراهمه لأصحابه، وإذا شفي جدد غيرها، ولا يرجع في هبته، وكان ساكناً بمدرسة العزيزية شمالي الكلاسة وغربي الأشرفية وبها توفي في سادس عشر ربيع الآخر سنة سبع - بتقديم السين وخمسين وتسعمائة،، بباب الفراديس.
كريم خليفة الشيخ دمرداش
كريم، الشيخ الصالح العارف بالله تعالى خلفة الشيخ دمرداش بالقاهرة، جلس بعد شيخه لأخذ العهد على المريدين، وانتفع به خلائق لا يحصون من طلبة العلم وغيرهم، وكان مشتملاً على شأنه، حافظاً للسانه، عارفاً بزمانه المريدين على طريقة الخلوة والرياضة بالأسماء انتهت إليه الرئاسة في ذلك بمصر. مات ثامن عشر جمادى الأولى.
حرف اللام من الطبقة الثانية
لطفي باشا الوزير
لطفي باشا الوزير الأعظم، دخل إلى دمشق في ثالث شعبان سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، ونزل بالمرجة خارج دمشق، وزار الصلحاء والأولياء، بدمشق الأحياء والأموات كالشيخ أرسلان، والشيخ محيي الدين بن العربي، وزار المقام ببرزة، وزار من الأحياء الشيخ عمر العقيبي، والشيخ محمد بن قيصر، ثم توجه لمصر ليحج منها قيل وكان هو السبب في إبطال الأوقات، ومنعهم من تسخير خيل الناس، وإبطال العوارض عنهم في ذلك العصر.
حرف الميم من الطبقة الثانية
مبارك عبد الله الحبشي
مبارك عبد الله الحبشي، الدمشقي، ثم القابوني الشافعي، الشيخ الصالح المربي. ذكر ابن طولون في التمتع بالأقران أن ابن المبرد ذكره في رياضه فقال الشيخ مبارك: ظهر في سنة سبع وتسعين - بتقديم السين الأولى وتأخيرها في الثاني - وثمانمائة، وصار له مريدون، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر من إراقة الخمور وغيرها بعد ما أبطل ذلك، وقام على الأتراك، وقاموا عليه، وذكر ابن طولون في مفاكهة الإخوان أن الشيخ مبارك قرأ في غاية الإختصار على الشيخ شيخ الإسلام تقي الدين ابن قاضي عجلون، وبنى له زاوية بالقرب من القابون التحتاني، وأقام هو وجماعته بها يرصدون الطريق على نقلة الخمر، فيقطعون ظروفها ويريقونها، فبلغ الحكام ذلك، فقبض النائب على بعض جماعة الشيخ، وحبسهم في سجن باب البريد، فنزل الشيخ مبارك ليشفع فيهم، فأمر النائب بوضعه في الحبس معهم، فبلغ الخبر إلى الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، فأرسل وشفع فيه، فأطلق، ثم هجم بقية جماعة الشيخ مبارك على السجن، وكسروا بابه، وأخرجوا من فيه من رفاقهم، فبلغ النائب، فأرسل جماعة من مماليكه، فقتل منهم نحو سبعين نفساً عند باب البريد والعنبرانية، وقرب الجامع الأموي، ثم ترك الشيخ مبارك ذلك، ولازم حضور الزوايا كزاوية الشيخ أبي بكر بن داود بالسفح، ووقت سيدي سعد بن عبادة بالمنيحة، وحكي أن الشيخ مبارك كان شديد السواد، عظيم الخلقة، له همة علية، وشدة بأس، وقوة وكان له معرفة تامة بالنغمة، والصيد يسرح إلى الصيد هو وفقراؤه ومريدوه، ومعهم قسي البندق إلى جهة المرج، وكان يصطاد الحمام والأوز والكراكي وغير ذلك، وحكي أنه كان كسر مرة بندقة نصفين، واصطاد في كل نصف طائراً عظيماً، وكان عارفاً بالسباحة، وكان يغوص في تيار الماء، ثم يخرج منه وبين أصابعه يديه وأصابع رجليه السمك، وروي أنه حج ومعه جماعة من أصحابه، فلما دخل مكة فرغت نفقتهم فقال الشيخ لبعض أصحابه: خذ بيدي إلى السوق، واقبض ثمني، وأصرفه على بقية الجماعة، ففعل ذلك، واشتراه بعض تجار العجم، ثم أعتقه قال ابن طولون، والشيخ مبارك: هو الذي أحدث اللهجة في الذكر قال: وحقيقتها أنهم يذكرون إلى أن يقتصروا من الجلالة على الهمزة والهاء لكنهم يبدلون الهاء حاء مهملة، فيقول: إح إح، وكانت وفاته يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ودفن بتربة القابون التحتاني.
مجير الدين الرملي

(1/341)


مجير الدين الرملي، الشيخ الفاضل أحد العدول بدمشق، قال ابن طولون: كان صالحاً، وعنده فضيلة وبصره فيه تكسير، مات - رحمه الله تعالى - يوم الثلاثاء ثامن عشري ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وتسعمائة فجأة.
محب الدين التبريزي
محب الدين ويقال: محب الله التبريزي، الشافعي الصوفي المنلا، والمشهور نزيل دمشق. رحل من بلاده إلى بلاد الشام، وحج منها وجاور، ثم عاد إليها، ومكث بالتكية السليمية بسفح قاسيون لمزيد شغفه بالشيخ محيي الدين بن العربي، واعتقاده فيه، وكثرة تعلقه بكلامه، وحله وتشديده النكير على من ينكر عليه، وصار يقرأ عليه بها جماعة في التفسير وغيره، وكان يجمع إلى تفسير الآية تأويلها على طريقة القوم، ويورد على تأويلها ما يحضره من كلام المثنوي، وكانت وفاته بدمشق سنة ثمان وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى واسعة.
محمد بن محمد بن فرفور
محمد بن محمد القاضي بدر الدين ابن قاضي القضاة بدر الدين بن الفرفور الحنفي الدمشقي سبط القاضي كمال الدين بن خطيب جامع الورد، كان قاضياً على بلاد الكرك الذي يقال أن سيدي نوحاً عليه السلام مدفون به قال ابن طولون: قيل إنه كان كثير البلصة. توفي في أوائل سنة ست وثلاثين وتسعمائة، وهو راجع من الحج الشريف.
محمود بن محمد البصروي
محمود بن محمد بن علي القاضي نور الدين بن الخطيب العلامة علاء الدين البصروي الشافعي. كان لا بأس به، وكان يتردد إلى الناس توفي بغتة يوم الأحد تاسع عشري جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ودفن بتربة الحمرية خارج دمشق، وتألم والده لموته رحمه الله.
محمود بن محمد بن الرضي
محمود بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد الأصيل محدث الدين أبو السعود بن الرضي، الحلبي، الشافعي الموقع والده بديوان الإنشاء في الدولة الجركسية. ولد بالقاهرة سنة اثنتين وتسعمائة، وحفظ كتباً، جود الخط بها، وعرض بها في سنة خمس عشرة مواضع من ألفية ابن مالك، والشاطبية، والمنهاج الفقهي على الشهاب الشبشيبي الحنبلي، والبرهان بن أبي شريف الشافعي، والشرفي محب الله سري المالكي، والبرهان الكركي، الحنفي وآخرين، وأجازوا له، ثم عرض منها، ومن جمع الجوامع لابن السكبي على القاضي زكريا الأنصاري سنة تسع عشرة، وأجاز له، وكان له شعر لا بأس به، وكان شهماً، حسن العمامة. توفي بحلب في ذي الحجة سنة ست وخمسين وتسعمائة.
محمود بن أحمد القرشي
محمود بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن حسن بن عبد الباقي، الشيخ الأصيل المعمر الجليل نور الدين القرشي، البكري، الحلبي، الشافعي خطيب المقام بقلعة حلب أخذ عنه الشيخ الحافظ أبي ذر بن الحافظ برهان الدين الحلبي، وأخذ عنه ابن الحنبلي، ووالده الحديث المسلسل بالأولية، واستجازاه، فأجاز لهما. توفي نهار الأحد حادي عشر ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وتسعمائة، ودفن بمقابر الصالحين بحلب.
محمود بن عثمان اللامعي
محمود بن عثمان بن علي النقاض، المشهور باللامعي أحد موالي الروم. كان جده من بروسا، ولما دخلها تيمورلنك أخذه معه وهو صغير إلى ما وراء النهر، وتعلم صنعة النقش، وهو أول من أحدث السورج المنقوشة في بلاد الروم، وابنه عثمان، كان سالكاً مسلك الأمراء، وصار حافظاً للدفتر السلطاني بالديوان العالي، وأما ولده اللامعي صاحب الترجمة، فقرأ العلم على جماعة منهم المولى أخوين، والمولى محمد بن الحاج حسن، ثم تصوف وخدم السيد أحمد البخاري، ونال عنده المعارف والأحوال، ثم تقاعد بخمسة وثلاثين عثمانياً، وسكن بروسا، واشتغل بالعبادة والعلم، ونظم بالتركية أشياء كثيرة مشهورة مقبولة، فتوفي في سنة ثمان أو تسع وثلاثين وتسعمائة ببروسا.
محمود بن عبيد الله أحد موالي الروم
محمود بن عبيد الله المولى بدر الدين أحد موالي الروم، كان من عتقاء الوزير علي باشا، وقرأ على جماعة منهم ابن المؤيد، ثم درس في مدرسة جنديكن ببروسا، ثم بمدرسة السلطان بايزيد بها، ثم بمدرسة أستاذه علي باشا بالقسطنطينية، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ثم بإحدى الثماني، ثم صار قاضياً بأدرنة، ومات وهو قاضيها سنة سبع - بتقديم السين - وثلاثين وتسعمائة.
محمود الرومي

(1/342)


محمود المولى بدر الدين ابن الشيخ جلال الدين الرومي أحد الموالي الرومية. قرأ وحصل ودرس وترقى في التدريس حتى درس بإحدى الثماني، ومات مدرساً بها قال في الشقائق: كان عالماً فاضلاً، ذا كرم، ومروءة. اختلت عيناه في آخر عمره، ولم يؤرخه لكن ذكره في دولة السلطان سليمان، والظاهر أنه من هذه الطبقة.
محمود بن مصطفى بن طليان
محمود بن مصطفى بن موسى بن طليان القصيري الأصل، الحلبي المولد الحنفي، المشهور بابن طليان. ولي خطابة الجامع الكبير بحلب في أوائل الدولة العثمانية، وكان فقيهاً جيداً، وكان يصدع بالحق، ولا يخاف في الله لومة لائم لكن عنده حدة، وحج في آخر عمره، ثم توفي في رمضان سنة خمس وثلاثين وتسعمائة.
محمود بدر الدين الأصغر
محمود المولى بدر الدين أحد الموالي الرومية، الشهير ببدر الدين الأصغر. قرأ على المولى الفناري، والمولى لطفي، ثم وصل إلى خدمة المولى خسرو زاده، ثم درس بمدرسة بالي كبرى، وترقى في المدارس إلى إحدى الثماني، ثم درس بأيا صوفيا، ثم تقاعد بمئة عثماني، ومات على ذلك الغالب عليه العلوم العقلية، وله مشاركة في سائر العلوم، وله تعليقات لم يدونها، وكان يحب الصوفية. مات في سنة ست وأربعين وتسعمائة.
محمود التميمي
محمود القاضي بدر الدين ابن قاضي الخليل التميمي، الشافعي كان مدرساً بدار الحديث الأشرفية بدمشق، وكان موجوداً في سنة ست وأربعين وتسعمائة.
محمود العجمي
محمود العجمي، الشافعي السيد الشريف العلامة مدرس الأتابكية بصالحية دمشق كان مقيماً بالبادرائية داخل دمشق، وكان مقصداً للطلبة ينتفعون به، وكان له يد طولى في المعقولات. توفي يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر سنة خمسين وتسعمائة، وصلي عليه بالأموي، ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته حافلة.
محمود الشيرازي
محمود المنلا الشيرازي نزيل السليمية بصالحية دمشق حج في سنة أربعين وتسعمائة، وكان عنده فضيلة تامة، وفهم جيد، وكان عنده نسخة المصابيح بخطه نقل في هامشها من اثني عشر مصنفاً عليه، وهي المظهر، والمفاتيح، والبيضاوي، والخلخالي، والهروي، وزين العرب، والسلمي، الطيبي، والينابيع، والزعفراني، والتوربشتي، والأزهار وهذه المؤلفات كلها كانت حينئذ موجودة ببلاد الأكراد، ولم يوجد منها في بلاد العرب إلا القليل ذكره ابن طولون، ولم يؤرخ وفاته.
محيسن البرلسي
محيسن البرلسي، الشيخ الصالح المجذوب بمصر، كان من أرباب الكشف أقام أولاً بسلاف، ثم انتقل إلى الرميلة، وكان يوقد النار عنده كثيراً ليعرف أصحاب الجذب من الأولياء أنه لا بد من وقوع فتنة وكان إذ صب ماء عليها انقطعت الفتنة، وكتب الشيخ عبد الوهاب الشعراوي مكتوباً يتشفع به إلى أولياء الروم، والسلطان سليمان في جانم الحمزاوي، ودفعه إلى الأمير جانم، فبعد نحو خمس درج أرسل الشيخ محيسن إلى الشيخ عبد الوهاب يقول له: يا عبد الوهاب أنت الذي صرت ترى الناس في عينك كالتراب تكاتب أولياء الروم من غير مشورة أصحاب النوبة بمصر مات - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وتسعمائة، ودفن في تربة الأمير جانم المجاورة لقبة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه.
مخلص العابد
مخلص الشيخ الصالح العبد محيي السنة في بلاد الغربية من بلاد مصر بعد موت شيخه الشيخ أبي الخير بن نصر بمحلة منوف. كان مقيماً بأبشية الملق، كان سيدي الشيخ محمد الشناوي يكرمه ويجله قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: صحبته نحو ثلاث سنين بعد موت شيخي الشيخ محمد الشناوي قال: وحصل لي منه دعوات صالحة، وجدت بركتها، وأوصاني بإيثار الخمول على الظهور، وبعدم التعرف بأركان الدولة إلا أن يعرفوك من غير تعرف منك. قال: ولم يزل على المجاهدة والتقشف على طريقة الفقراء الأول إلى أن توفي سنة أربعين وتسعمائة، ودفن بأبشية الملق، وقبره بها يزار.
مدلج بن ظاهر الحياري

(1/343)


مدلج بن ظاهر بن عساف بن عجلة بن نعير بن قرموش الحياري، البدوي، أمير عرب الشام من بني حيار الذين يقال: إنهم من ذرية جعفر البرمكي. كان ذا قوة وبطش بحيث يمسك الدرهم من الفضة بإصبعه، ويفركه فيذهب نقشه، ويفت الحنطة بين إصبعيه، ويضرب بأصابعه... فيأخذ منها قطعة... دخل عليه ولده قرموش وهو منه من... دومة في حدوه.. وشرب شخص لبناً حليباً، وكان هذا إلى إمراة، فاشتكت إليه عليه، فاستخبره فأنكر وحلف بحياته أنه لم يشربه، فطعنه برمح كان بيده فإذا اللبن خارج من جوفه، فأمر المرأة بأخذ بعير من بعرانه عوض لبنها، وعجز عنه أمراء دمشق لتمنعه، ومات على فراشه سنة خمس وأربعين وتسعمائة بقرية أساور تابع حماة، وجعل عليه صندوق مزار بحيث يزار، ولم يكن من أهل ذاك.
مروان المجذوب
مروان المجذوب بمصر كان في أول أمره قاطع طريق ببلاد الشرقية، وكان مشهوراً بالفروسية، ثم لما جذب كان يدور في أسواق دمشق، ويظهر عليه للناس كرامات وخوارق، وكان إذا خطر لأحد ممن يصادفه معصية أو عمل معصية جعل مروان يصكه حتى يدعه من خاطره، ولا يتجرأ أحد على منعه منه، وربما منعه بعضهم فشلت يده، وكان الشيخ علي الحريص يقول: إن الشيخ مروان لا تفوته غزوة في الكفار، ولا يوما واحداً، وتلك الجروح التي كانت به إنما كانت من ذلك وحضر فتح رودس، وكان له صيت بين فقراء مصر فيما فعل في الغزو في أيام السلطان سليمان بن عثمان. توفي في سنة خمس وخمسين وتسعمائة، ودفن في جامع النبهاوي خارج باب الفتوح، وقبره ظاهر يزار.
مرعي الحيري
مرعي، الشيخ الصالح الورع في مأكله، وملبسه، ومنطقة الحيري المصري. أخذ الطريق عن سيدي محمد بن عنان، وخدمه خدمة طويلة، ولما مات توجه إلى دمشق، وأخذ الطريق عن سيدي محمد بن عراق، وانتفع به، وكان يتظاهر بمحبة الدنيا طلباً للستر، فيسأل الناس، ويجمع منهم، ثم يفرقه على الفقراء والمساكين، ويطوي الأيام والليالي، ويؤثر بغدائه وعشائه الفقراء، وكان له اعتقاد تام في الفقراء. رب جماعة من المريدين، وانتفعوا به، ومات في سابع عشر صفر الخير سنة إحدى وستين وتسعمائة.
مسعود الشيرازي
مسعود بن عبد الله المنلا العجمي الشيرازي، الواعظ نزيل حلب. كان له مطالعات في التفسير والحديث، وكان يتكلم فيها باللسان العربي لكن انتقد عليه ابن الحنبلي أنه كان يلحن فيه، ووعظ بجامع حلب الكبير، فنال من الناس قبولاً، وصارت له فيه يوم الجمعة المجالس الحافلة، توفي مطعوناً سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
مصطفى بن خليل الرومي
مصطفى بن خليل، المولى مصلح الدين أحد موالي الروم والد صاحب الشقائق النعمانية. ولد ببلدة طاش كبري سنة فتح قسطنطينية، وهي سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وقرأ على والده، ثم على خاله المولى التكشاوي، ثم على المولى درويش بن المولى خضر شاه المدرس بسلطانية بروسا، ثم على المولى بهاء الدين المدرس بإحدى الثماني، ثم على المولى ابن مغنيسا، ثم على المولى علاء الدين العربي، ثم على المولى خوجه زاده، ثم درس بالأسدية ببروسا، ثم بالمدرسة البيضاء بأنقره، ثم بالسيفية بها، ثم بإسحاقية أسكوب، ثم بحلبية أدرنة، ثم صار معلماً للسلطان سليم خان ابن بايزيد، ثم أعطي تدريس السلطانية ببروسا، ثم إحدى الثماني، ثم صار قاضياً بحلب، ثم استعفى من القضاء، وعرض وصية والده له في ذلك على السلطان، وكان زاهداً، عابداً، متأدباً، مشتغلاً بنفسه، معرضاً عن الدنيا، وله رسائل وحواش على نبذ من شرح المفتاح، ورسالة في الفرائض وغير ذلك. وتوفي في سنة خمس وثلاثين وتسعمائة.
مصطفى الحائك
مصطفى المولى، المشهور بحائك مصلح الدين أحد موالي الروم كان - رحمه الله تعالى - حائكاً، ولما بلغ سن الأربعين رغب في العلم، وبرع فيه، وصار مدرساً ببلدة تبرة، وصحبه العارف بالله تعالى محمد الجمال، والعارف بالله تعالى أمير البخاري، ثم انقطع عن الدريس، وتقاعد بثلاثين عثمانياً، وكان يكتب الفتوى، ويأخذ عليها أجرة، وكان يحيي كثر الليل، وربما غلب عليه الحال في الصلاة. توفي سنة أربع وثلاثين وتسعمائة.
مصطفى الرومي

(1/344)


مصطفى الرومي، الحنفي، الملقب مصلح الدين كاتب التكية السليمية بسفح جبل قاسيون. كان فاضلاً، ديناً، وكان يكتب الخط المنسوب، وينظم الشعر بالعربية والفارسية، وتزوج بنتاً من بيت زريق من أهل الصالحية، فبقيت عنده ثماني سنوات، ومات عنها وهي بكر، وكان أهلها يسيئون إليه، وهو يغفلهم وتوفي يوم السبت رابع ربيع الثاني سنة سبع - بتقديم السين - وتسعمائة، ودفن بالروضة في سفح قاسيون، وخلف كتباً عدتها سبعون مجلداً، وفيها من علم الصنعة عدة مجلدات ذكره ابن طولون.
مصطفى مصلح الدين
مصطفى الشيخ الصالح مصلاح الدين أحد خلفاء السيد أحمد البخاري. كان مستوطناً بالقسطنطينية في زاويته. المسماة بدار الأحجار، وكان نيراً عابداً، زاهداً، منقطعاً إلى الله تعالى، مشتغلاً بإصلاح أصحابه، توفي قريباً من ست وتسعمائة.
منلا زاده الرومي
منلا زاده، المولى صالح الرومي، الحنفي، ورد دمشق سنة ست وأربعين وتسعمائة، وصلى بجامعها صلاة عيد الفطر، وخطب بعدها خطبة العيد.
مهيا المصري
مهيا بن محمد المصري، ثم الرومي. قال شيخ الإسلام والدي: اجتمع بي في الروم، وأخذ عني - يعني في سنة سبع وثلاثين وتسعمائة - قال: بلغني أنه مشتغل بتأليف. قلت: والظاهر أن مهيا لم يكن بذلك لأني قرأت بخط الوالد في ديوانه أنه قال فيه:
طلبت من القضاة فتىً سفيهاً ... يناضل دوننا قوماً بذيا
فقالوا لي: انظروا رجلاً دنيا ... خسيس الأصل قلت لهم: مهيا
موسى بن محمد العلماوي
موسى بن محمد بن إسماعيل، الشيخ شرف الدين العلماوي، الشافعي الخطيب بجامع الحاجب بسوق صاروجا خارج دمشق، وكان أحد، الشهود القدماء بها، وتوفي بغتة يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة أربعين وتسعمائة عن ولدين كان أحدهما. وأكبرهما، وهو الشيخ عبد الباسط رئيس المؤذنين بجامع دمشق وأحد وعاظه رحمه الله.
موسى بن الحسين عوض
موسى بن الحسين، الملقب بعوض بن مسافر الحسين بن محمود الكردي اللاني طائفة، السر مسوي ناحية وقرية، الشافعي نزيل حلب، أخذ العلم عن جماعة منهم المنلا محمد المعروف ببرقلعي، وعمرت في زمانه مدرسة بالعمادية ، فجعل مدرسها، ثم تركها وأقبل على التصوف، فرحل إلى حماة، وأخذ عن سيدي علوان مع الإنتفاع بغيره، ثم قدم حلب لمداواة مرض عرض له، ونزل بالمدرسة الشرفية، فقرأ عليه غير واحد قال ابن الحنبلي وكنت ممن فاز بالقراءة عليه ثم ذهب إلى حماه فلما توفي الشيخ علوان. عاد إلى حلب واستقر في مشيخه الزينبية، وأخذ يربي فيها المريدين، ويتكلم فيها على الخواطر مع طيب الكلام، وإطعام الطعام، وإكرام الواردين إليه من الخواص والعوام، وحسن الصمت، ولين الكلمة، وفصاحة العبارة والتكلم في التفسير، والحديث، وكلام الصوفية. توفي مطعوناً في سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة، وصلى عليه ابن بلال في مشهد عظيم، ودفن في مقابر الصالحين بوصية منه رحمه الله تعالى.
موسى الأدهمي التبريزي
موسى الأدهمي التبريزي نزيل حلب، كان شيخاً معمراً منوراً، وكان من مريدي الحاج علي التبريزي الأدهمي، ثم قطن بحلب بزاوية الأدهمية شرقي السفاحية، ولم يزل يعبد الله تعالى فيها حتى توفي سنة أربعين وتسعمائة. قال ابن الحنبلي: ولم تر عيني مثل شيبته ونورانيته.
موسى البيت لبدي الصالحي الحنبلي
موسى، الشيخ شرف الدين البيت لبدي الصالحي، الحنبلي. مؤدب الأطفال بالشاذبكية بمحلة القنوات خارج دمشق. قال ابن طولون: كان يسمع معنا على الشيخ أبي الفتح المزي، والمحدث جمال الدين بن المبرد، ولبس خرقة التصوف من شيخنا أبي عراقية، وقرأ على محنة الإمام أحمد جمع ابن الجوزي، وأشياء آخر. توفي يوم الجمعة سلخ ربيع الثاني سنة ست وأربعين وتسعمائة.
موسى الكردي العريان
موسى الكردي، ثم الحلبي العريان، المجذوب.

(1/345)


كان عارياً من الثياب صيفاً وشتاء، وكان يسمن إذا نزل الشتاء، ويهزل إذا كان الصيف، وكان ينام في الأسواق عند مواقد الطباخين، ولا يبالي بحر النار، وكان يأخذ قوته من أرباب البضائع، فلا يعارضونه، ويتبركون به، وكان الشيخ أحمد بن عبدو يعتقده، قال ابن الحنبلي: وحكي لي عنه أنه لما قدم البرهان العمادي من رودس إلى حلب. وصل لباب النيرب قى حماه فلما توفي الشيخ علوان. عاد إلى حلب واستقر في مشيخه الزينبية، وأخذ يربي فيها المريدين، ويتكلم فيها على الخواطر مع طيب الكلام، وإطعام الطعام، وإكرام الواردين إليه من الخواص والعوام، وحسن الصمت، ولين الكلمة، وفصاحة العبارة والتكلم في التفسير، والحديث، وكلام الصوفية. توفي مطعوناً في سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة، وصلى عليه ابن بلال في مشهد عظيم، ودفن في مقابر الصالحين بوصية منه رحمه الله تعالى.
موسى الأدهمي التبريزي
موسى الأدهمي التبريزي نزيل حلب، كان شيخاً معمراً منوراً، وكان من مريدي الحاج علي التبريزي الأدهمي، ثم قطن بحلب بزاوية الأدهمية شرقي السفاحية، ولم يزل يعبد الله تعالى فيها حتى توفي سنة أربعين وتسعمائة. قال ابن الحنبلي: ولم تر عيني مثل شيبته ونورانيته.
موسى البيت لبدي الصالحي الحنبلي
موسى، الشيخ شرف الدين البيت لبدي الصالحي، الحنبلي. مؤدب الأطفال بالشاذبكية بمحلة القنوات خارج دمشق. قال ابن طولون: كان يسمع معنا على الشيخ أبي الفتح المزي، والمحدث جمال الدين بن المبرد، ولبس خرقة التصوف من شيخنا أبي عراقية، وقرأ على محنة الإمام أحمد جمع ابن الجوزي، وأشياء آخر. توفي يوم الجمعة سلخ ربيع الثاني سنة ست وأربعين وتسعمائة.
موسى الكردي العريان
موسى الكردي، ثم الحلبي العريان، المجذوب.
كان عارياً من الثياب صيفاً وشتاء، وكان يسمن إذا نزل الشتاء، ويهزل إذا كان الصيف، وكان ينام في الأسواق عند مواقد الطباخين، ولا يبالي بحر النار، وكان يأخذ قوته من أرباب البضائع، فلا يعارضونه، ويتبركون به، وكان الشيخ أحمد بن عبدو يعتقده، قال ابن الحنبلي: وحكي لي عنه أنه لما قدم البرهان العمادي من رودس إلى حلب. وصل لباب النيرب قبل أن يفتح وأنا معه، ولأني كنت توجهت للقائه، وصحبته إلى حلب، فإذا الشيخ موسى يحث على فتح الباب، ويقول وهو مردود الباب: إن العمادي، وابن عبدو قد وصلوا من غير أن يسمع صوت أحد منهم، توفي سنة ثلاث وستين وتسعمائة، وكان معمراً، ودفن خارج باب النيرب بحلب.
حرف النون من الطبقة الثانية
ناصر الدمشقي
ناصر الأمير المولى ناصر الدين بن قنفار، الدمشقي، الصالحي قال ابن طولون: أفادني عن بعض الصلحاء من أهل مصر أن من قرأ بعد العطاس فاتحة الكتاب، ثم قوله تعالى: " قال من يحيى العظام وهي رميم " الآية، ومر بلسانه على أسنانه جميعها، فإنه يأمن من الآفات ولا يصيبه منها سوء. توفي بحماة يوم السبت حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
ناصر الدين النحاس
ناصر الدين النحاس، العبد صالح المصري. كان صانعاً عند الشيخ أبي النجا النحاس يأكل من عمل يده، ومهما فضل عن نفقته تصدق به، فسافر الشيخ أبو النجا إلى الروم في طلب الجوالي، فجهزه الشيخ ناصر الدين إلى أن مات، وكان يتملث، وحج مرة على التجريد من غير مال، ولا زاد، ولا قبول شيء من أحد، فطوى من مصر إلى مكة. قال الشعراوي: وأخبرني الشيخ ناصر الدين بيوم مات أخي أفضل الدين ببدر، وقال: مات أفضل الدين اليوم ببدر، ودفناه، فجاءت كتب الحاج بذلك كما قال قال: ووقع لنا معه عدة كرامات تركنا ذكرها لكونه كان يكره الشهرة. مات سنة خمس وأربعين وتسعمائة، ودفن عند سيدي علي الخواص خارج باب الفتوح رحمه الله تعالى.
نصر الله الخلخالي
نصر الله بن محمد العجمي، الخلخالي، الشافعي، الشيخ العالم ابن الفقيه. درس بالعصرونية بحلب، وكان ذكياً، فاضلاً، صالحاً، متواضعاً، ساكناً، ملازماً على الصلوات في الجماعة، حسن العبارة باللسان العربي. توفي مطعوناً سنة اثنتين وستين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
نعمة الصلتي

(1/346)


نعمة الصلتي، الشيخ الصالح. توفي بالصلت سنة ست وأربعين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر من السنة المذكورة. قال ابن طولون: وكثر الثناء عليه.
نور الدين بن عين الملك
نور الدين بن عين الملك، الشيخ الصالح، الصالحي كان محباً لطلبة العلم، ملازماً لعمل الوقت بزاوية جده عين الملك بسفح قاسيون. توفي يوم الجمعة سادس شعبان سنة أربعين وتسعمائة.
حرف الهاء من الطبقة الثانية
هاشم السروجي
هاشم بن محمد، السيد هاشم بن السيد ناصر الدين السروجي الحسيني رئيس الأطباء بالمارستان النوري بحلب. كان حسن العلاج، كثير الملاطفة للعليل، سهل الانقياد. توفي سنة أربع وستين وتسعمائة.
هاشم المنلا العجمي
هاشم المنلا العجمي. قدم دمشق من مصر متوجهاً إلى الروم في سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ونزل بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر بالسفح، وكان علامة في المعقول المعمى.
هداية الله التبريزي
هداية الله بن نار علي التبريزي الأصل، القسطنطيني الحنفي أحد موالي الروم. كان فصيحاً مقتدراً على التعبير بالعربية، يغلب عليه علم الكلام، ويميل إلى اقتناء الكتب النفيسة، وكان له معرفة بالأصلين والفقه، ومشاركة في غيرهما من العلوم. قرأ على المولى بير أحمد جلبي، والمولى محيي الدين الفناري، والمولى بن كمال باشا، والمولى طاش كبري. والد صاحب الشقائق وغيرهم، ثم صار مدرساً بمدرسة السلطان بايزيد، ثم بمدرسة بروسا، ثم بمدرسة مناستر بالمدينة المذكورة، ثم بإحدى المدرستين المتلاصقتين بأدرنة، ثم بإحدى الثماني، ثم صار قاضياً بمكة، وقدم حلب ودمشق ذاهباً إليها سنة ست وأربعين وتسعمائة. قال ابن الحنبلي: وقد أطلعني من نفائس كتبه على كتاب دمية القصر وأعارني إياه، وقد كان قرير العين به، كثير اللهجة بمدحه. قال: فأنشدته في مدحه من نظمي:
بان لي أن دمية القصر ... كنز تبر القريض والنثر
أو عروس تجملت بحلي ... وهي تزري بطلعة البدر
ألبست من حلى البلاغة ما ... قد غلا فضله على الدر
كم أديب بشعره نطقت ... هو في الشعر أوفر السعر
ذات بث لمدحه ولما ... شذ من نتائج الفكر
إن ترد أن تكون خاطبها ... أولها أنت غالي المهر
واخلع التاج والشعار إذا ... رمت منها محاسن الثغر
ثم إن صاحب الترجمة رحل من مكة إلى مصر، وترك القضاء لمرض ألم بعينيه، وأخذ في علاجه بمصر، ولم يبرأ منه، وبقي إلى أن مات سنة ثمان أو تسع وأربعين وتسعمائة.
حرف الواو من الطبقة الثانية
ولي بن محمد القسطنطيني
ولي بن محمد، الفاضل العلامة ولي جلبي بن محمد جلبي القسطنطيني. قال شيخ الإسلام الوالد: لقيني بأزنكية يعني في رحلته إلى الروم، سمع مني جانباً من تفسير البيضاوي مع حل معناه له، وأفادته إياه، وقرأ علي في كتاب حديث يقال: إنه مختصر المصابيع لرجل رومي، وسمع شيئاً من شعري وأجزته.
ولي بن الحسين الشرواني
ولي بن الحسين، السيد الشريف، الحسني، العجمي الشرواني، الشافعي، المعروف بوالده. حج من بلاده، وعاد فدخل دمشق وحلب في طريقه في سنة تسع - بتقديم التاء - وعشرين وتسعمائة، وقرأ بحلب صحيح البخاري على برهان العمادي تماماً، وقرأ عليه بها جماعة منهم ابن الحنبلي: قال: قرأت عليه في متن الجغميني في الهيئة، وانتفعت به وهو أول اشتغالي في هذا الفن، ثم رحل إلى بلاده، وحدث بها واشتهر بالمحدث، وكان يعرف البيان والكلام في المطول، وحاشية التجريد على صدر شروان مولانا شمس الدين البراذعي، وتوفي ببلاده في سنة خمس أو ست وخمسين تسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
حرف الياء المثناة تحت من الطبقة الثانية
يحيى بن محمد بن مزلق
يحيى بن محمد، القاضي شرف الدين ابن قاضي القضاة بدر الدين بن المزلق، الدمشقي، الشافعي والد الشيخ بدر الدين المتقدم ذكره في حرف الحاء المهملة. توفي يوم الخميس ثالث عشري رمضان سنة خمسين وتسعمائة، ودفن في تربتهم عند مسجد الذبان، وكانت جنازته حافلة رحمه الله تعالى.
يحيى بن الكيال

(1/347)


يحيى بن إبراهيم بن قاسم، الشيخ الإمام، المحدث محيي الدين بن الكيال. سمع على والده في مسند الإمام أحمد، وباشر في الجامع الأموي، وكان له فيه قراءة حديث، وكان عنده حشمة، وذكره شيخ الإسلام والدي في تلاميذه. وقال: حضر بعض دروسي، وسمع علي جانباً كبيراً من البخاري نحو الثلث بقراءة الشيخ برهان الدين البقاعي، وأجزته. توفي الاثنين سلخ ذي القعدة سنة سبع وأربعين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
يحيى الخجندي
يحيى بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن جلال الدين الخجندي المدني. قاضي الحنفية بالمدينة الشريفة، وإمامهم بها بالمحراب الشريف النبوي. كان عالماً عاملاً فاضلاً، عالي الإسناد، معمراً، ولي القضاء بغير سعي، ثم عزل عنه، فلم يطلبه، ثم عزل عن الإمامة، وكان معه ريعها، فصبر على لأواء المدينة مع كثرة أولاده وعياله، ثم توجه إلى القاهرة، فعظمه كافلها وعلماؤها، وأخرج له من جواليها شيئاً، وعرض له بحيث يستغني به عن القضاء، فقدم حلب، واجتمع بشيخ الإسلام الوالد وغيره، وكان اجتمع به حين حج بالمدينة سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، ثم قدم حلب في هذه المدة والسلطان سليمان بها سنة إحدى وستين وتسعمائة. قال ابن الحنبلي: كنت صحبته بالمدينة عابراً من الحج سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، وتبركت به، وأخبرني يومئذ أن جده الشيخ جلال الدين الخجندي الحنفي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام. فقال له: أقم في المدينة فإنك تصلي علينا صلاة ما سمعنا أحداً يصليها علينا غيرك. أو كما قال فقال له الشيخ: ما هي. فقال: اللهم صل على سيدنا محمد صلاة أنت لها أهل، اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد صلاة هو لها أهل.
يحيى بن علي الجعفري
يحيى بن علي قال شيخ الإسلام: والدي يحيى بن حسن ، وهو سبط الشريف زين الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الجعفري، الحنفي، الشيخ الفاضل العالم العامل أبو زكريا ابن قجا، المعروف بالخازندار الحلبي إمام الحنفية بالجامع الكبير بحلب، اجتمع بالشيخ الوالد في رحلته إلى الروم، وذكره الشيخ في المطالع البدرية. فقال بعد أن أحسن في ترجمته: سلم علينا بالجامع، وتودد وأسرع إلى تقبيل يدي وما تردد، فأجللت عن ذلك مقامه، وضاعفت حسن تلقيه وإكرامه انتهى.
قال ابن الحنبلي: وكان ديناً، خيراً، قليل الكلام، كثير السكينة. أخذ الحديث رواية عن الزين بن الشماع، وعن التقي بن أبي بكر الحيشي. قال: وكانجده قجا فيما سمعت من مسلمي التتار الأحرار الذين لم يمسهم الرق، وكان خازندار عند يشبك اليوسفي الجركسي كافل حلب. قيل: وكان من خير جده هذا أنه فرق ذات يوم أشياء من الصدقات على الفقراء، فدخلت عليه امرأة، فدفع لها شيئاً، وطلب منها أن تدعو له بالحج، والموت بأرض الحجاز، ففعلت وكان دعاؤها مقبولاً، فحج ومات بمكة، ودفن عند قبر خديجة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنها - وتوفي صاحب الترجمة في سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة.
يحيى بن أبي جرادة
يحيى بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد الشيخ شرف الدين العقيلي، الحلبي، الحنفي، المعروف بابن أبي جرادة. نسبة إلى أبي جرادة حامل لواء أمير المؤمنين علي - رضي الله تعالى عنه - يوم النهروان، وكان اسم أبي جرادة عامراً، وكان الشيخ شرف الدين حسن الشكل، نير الشيبة، كثير الرفاهية، ولي نظارة الشاذبختية والمقدمية وغيرها بحلب. مولده سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، ووفاته سنة أربع وخمسين وتسعمائة.
يحيى بن موسى الأردبيلي
يحيى بن موسى بن أحمد، الشيخ شرف الدين الأريحاوي، الحلبي المولد، الأردبيلي الخرقة، الشهير بابن الشيخ موسى. خالط الصوفية كالشيخ علوان، والكيزواني، والشيخ محمد الخراساني العجمي، ونال الحظوة عند أكابر الناس، وأمرائهم حتى تردد إلى منزله بعض قضاة حلب، ونوابهم في الدولة العثمانية، وصار له مريدون يترددن إليه بزاويته المجاورة لدار سكنه داخل باب قنسرين، وخلف خلقاً بالقرى، وكان قد طالع شيئاً من كتب الفقه، وكلام القوم، وداوم هو ومريدوه على الأوراد، وجعل من جملة أوراده أبيات السهيلي التي أولها:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع
وسافر إلى الروم في رفع بعض المظالم: وعرض عليه بعض أركان الدولة شيئاً من المال فلم يقبله، وكانت وفاته سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة.

(1/348)


يحيى بن يوسف التادفي الحنبلي
يحيى بن يوسف بن عبد الرحمن قاضي القضاة نظام الدين أبو المكارم الحلبي التادفي الحنبلي القادري سبط الأثير بن الشحنة، وهو عم ابن الحنبلي شقيق والده. مولده في سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، وتفقه على أبيه، وبعض المصريين، وأجاز له باستدعاء مع أبيه وأخيه جماعة من المصريين منهم المحب أبو الفضل بن الشحنة، والسري عبد البر بن الشحنة الحنفيان، والقاضي زكريا، والبرهان القلقشندي، والقطب الخيضري، والحافظ الديمي، والجمال يوسف بن شاهين الشافعيون وغيرهم، وقرأ بمصر على المحب بن الشحنة، والجمال بن شاهين سبط بن حجر جميع مجلس البطاقة سنة سبع وثمانين، وسمع على الأول بقراءة أبيه ثلاثيات البخاري، وعلى الثاني ثلاثيات الدارمي، ثم لما عاد والده إلى حلب متولياً قضاء الحنابلة ناب عنه فيه، وسنه دون العشرين، فلما توفي والده أوائل سنة تسعمائة اشتغل بالقضاء بعده، وبقي في الوظيفة إلى أن انصرمت دولة الجراكسة، وكان آخر قاض حنبلي بها بحلب، ثم ذهب بعد ذلك إلى دمشق، وبقي بها مدة، ثم استوطن مصر، وولي بها نيابة قضاء الحنابلة بالصالحية النجمية وغيرها، وحج منها وجاور، ثم عاد إلى حكمه، وكان لطيف المعاشرة، حسن الملتقى، حلو العبارة، جميل المذاكرة، يتلو القرآن العظيم بصوت حسن، ونغمة طيبة، توفي بمصر سنة تسع - بتقديم التاء - وخمسين وتسعمائة.
يحيى المصري
يحيى السيد الشريف محيي الدين المصري. موقع نائب الشام جان بردي الغزالي، وناظر الجامع الأموي بدمشق. ذهب إلى الروم، فأنعم عليه السلطان ابن عثمان بوظائف نحو خمسين عثمانياً، وتوفي بأدرنة. وهو راجع من الروم في سنة خمس وثلاثين وتسعمائة - رحمه الله تعالى - .
يحيى الرهاوي
يحيى، الشيخ العلامة شرف الدين الرهاوي، المصري الحنفي. كان نازلاً بدمشق، وسافر مع الشيخ حسن الضيروطي إلى مصر سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة، ولا أدري متى توفي.
يحيي محيي الدين
يحيى، الشيخ الصالح محيي الدين الذاكر بجامع ابن طولون بمصر، وهو أحد أصحاب الشيخ تاج الدين الذاكر، أذن لهم الشيخ في افتتاح الذكر. كان معتزلاً عن الناس، ذاكراً، خاشعاً، عابداً، صائماً، أقبل عليه الأمراء، وأكابر الدولة إقبالاً عظيماً، ونزل نائب مصر لزيارته مرات، ثم تظاهر بمحبة الدنيا فيها طلباً للستر، حتى أعتقد فيه غالب أهل الدنيا أنه يحب الدنيا مثلهم. قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: قال لي مرات: ما بقي الآن لظهور الفقراء فائدة بأحوال القوم. قال: وقد عوض الله تعالى بدل ذلك مجالسته في حال تلاوتي كلامه، ومجالسة نبيه صلى الله عليه وسلم في حال قرائتي لحديثه، فلا تكاد تراه إلا وهو يقرأ القرآن والحديث. قال: وأخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لي - يعني في المنام - أن يربي المريدين، ويلقن الذكر. مات في سنة ستين وتسعمائة.
يوسف بن محمد الزرعي
يوسف بن محمد بن علي، القاضي جمال الدين بن طولون الزرعي، الدمشقي، الصالحي، الحنفي ترجمه ابن أخيه الشيخ شمس الدين بالفضل والعلم، ونقل في وقائع سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة من تاريخه عن الشيخ تقي الدين القارىء أن مفتي الروم عبد الكريم أثنى على عمه المذكور ثناء جميلاً، وأنه لم ير في هذه المملكة أمثل منه في مذهب الإمام أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وذلك حين اجتمع القارىء بالمفتي المذكور بمكة، وكان القاضي جمال الدين بن طولون مجاوراً بها إذ ذاك، وقال النعيمي: إن ميلاده تقريباً سنة ستين وثمانمائة، وفوض إليه نيابة القضاء قاضي القضاة الحنفية تاج الدين بن عرب شاه في يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين وثمانمائة وانتهى.
وذكر ابن طولون أن عمه توفي ليلة الأحد رابع محرم سنة سبع وثلاثين وتسعمائة بعلة الإسهال، ولم يوص، ودفن بتربته بالصالحية.
يوسف بن محمد السعدي
يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد، الشيخ جمال الدين الأنصاري، السعدي، العبادي، الحلبي، الحنفي، كان فرضياً حيسوباً فقيها، ولي نيابة القضاء في الدولتين، وتوفي فقيراً بأنطاكية سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة.
يوسف بن إبراهيم الحلبي

(1/349)


يوسف بن إبراهيم العرجلي الأصل، الحلبي الشافعي إمام الشرقية بالجامع الكبير بحلب كان متمولاً من أهل الخير، وكان يعمر الطرقات وغيرها بمال كثير من ماله. توفي في سنة إحدى وستين وتسعمائة.
يوسف بن عبد الله الأرميوني
يوسف بن عبد الله الشيخ الإمام العلامة السيد الشريف جمال الدين الحسيني، الأرميوني، الشافعي تلميذ الشيخ جلال الدين السيوطي وغيره ممن أخذ عنه العلامة منلا على السهروردي نزيل دمشق، وقرأت بخط صاحب الترجمة إجازة لبعض تلاميذه، وهو عبد السلام بن ناصر الدمياطي، الشافعي مؤرخة في سابع عشري شعبان سنة سبع وخمسين وتسعمائة.
يوسف بن علي الرومي
يوسف بن علي، المولى بن سنان الدين بن المولى علاء الدين اليكاني، الرومي، الحنفي أحد موالي الروم. قرأ على والده، وعلى غيره، وترقى في التدريس حتى درس في إحدى الثماني، وتقاعد عنه بتسعين عثمانياً، وبقي على ذلك إلى أن مات، وكان مشتغلاً بالعلم يحب الصوفية، وله كرم ولطف، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وله حواش على شرح المواقف للسيد، ورسائل كثيرة. توفي في سنة خمس وأربعين وتسعمائة.
يوسف بن يحيى الجركسي
يوسف بن يحيى، الشيخ الفاضل جمال الدين ابن الأمير محيي الدين ابن الأمير أزبك الجركسي، الحنفي. قرأ شرحي الشيخ خالد على الجرومية، والقواعد على ابن طولون، ثم أخذ في حل الألفية عليه، وكتب له إجازة، وشرع في حل الكنز في الفقه على الشيخ قطب الدين بن سلطان، ثم عرض له السفر إلى مصر لأجل استحقاقه في وقف جده، فتوفي بمصر غريقاً في سنة تسع - بتقديم التاء - وأربعين وتسعمائة، ودفن في تربة جده المنسوبة إليه الأزبكية خارج مصر.
يوسف بن المنقار
يوسف بن يونس بن يوسف القاضي جمال الدين بن المنقار الحلبي الأصل، الدمشقي، الصالحي. قطن الصالحية، وولي قضاء صفد، ثم خاربوط، ولم يذهب إليها، وولي نظر الماردانية، والعزية بالشرف الأعلى، وأثبت أنه من ذرية واقفيها، ثم لما توفي نازع ولديه في المعزية يحيى بن كريم الدين، وأثبت أنه من ذرية واقفها، قال ابن طولون: وقد ذكر الطرسوسي في أنفع الوسائل أن ذرية هذا الواقف انقرضت، وولي المذكور نظر البيمارستان القيمري وغيره، ثم أثبت أنه منسوب إلى الخلفاء العباسيين، ومدحه الشيخ أبو الفتح المالكي، وتعرض لذلك في أبياته، وأصله بيت قاضي القضاة ابن الكشك، وتوفي سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة.
يوسف القراصوي أحد موالي الروم
يوسف المولى حسام الدين القراصوي أحد موالي الروم. قرأ على علماء عصره، ثم خدم المولى عبد الكريم ابن المولى علاء الدين الغزي، ثم درس ببعض المدارس، ثم بمدرسة أسكوب، ثم بمدرسة بايزيد خان بطرابزون، ثم بإحدى الثماني، ثم صار قاضياً بأدرنة، ثم صار قاضياً بالقسطنطينية، ثم أعيد إلى إحدى الثماني ثانياً، وعين له مائة عثماني، واستمر إلى أن مات، وكان سخي النفس، حليماً، طارحاً للتكلف، منصفاً من نفسه - توفي - رحمه الله - في سنة سبع وخمسين وتسعمائة.
يونس بن يوسف رئيس الأطباء
يونس بن يوسف، الشيخ الفاضل الطبيب رئيس الأطباء بدمشق، وهو والد الشيخ شرف الدين الخطيب. قال والد شيخنا: كان فطناً. انتهت إليه رئاسة الطب بدمشق، وكان يرجع إليه في معالجة المرضى بدار الشفاء، وأقبلت عليه الدنيا وممن أخذ عنه الطب ولده الشيخ شرف الدين والشيخ محمد الحجازي توفي في نهار الاثنين رابع عشر شعبان أو خامس عشره سنة ست وستين وتسعمائة.
/الطبقة الثالثة من الكواكب السائرة، في مناقب أعيان المائة العاشرة، فيمن وقعت وفاتهم من الأحقاء بالوصف من أول سنة سبع وستين إلى تمام سنة ألف
المحمدون
محمد بدر الدين الغزيري

(1/350)


محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بدر بن عثمان بن جابر الشيخ الإمام، العالم العلامة، المحقق المدقق الهمام، شيخ الإسلام، والمسلمين، حجة الله على المتأخرين، المجمع على جلالته، وتقدمه، وفضله، الذي سبق من بعده، ولم يفته من تقدم من قبله، روح هذه الطبقة، وعين هذه الحلبة، بل البارع في الطبقة الأولى، والسابق في الثانية، شيخ أهل السنة، وإمام الفرقة الناجية، الجامع بين الشريعة والحقيقة، والقامع لمن حاد عن جادة الطريقة، الحائز قصبات السبق في تحقيق العلوم الشرعية، وتدقيق الفنون العقلية، والنقلية، الفقيه المفسر المحدث النحوي المقرىء الأصولي النظار، القانع الخاشع الأواه، ولي الله العارف بالله، الداعي إلى الله، أبو البركات بدر ابن القاضي، رضي الدين الغزي، العامري، القرشي، الشافعي والدي - رضي الله تعالى عنه وأعاد علينا، وعلى المسلمين من بركاته، وجمع بيننا، وبينه في مقعد الصدق، ودرجاته. كان ميلاده في وقت العشاء ليلة الإثنين رابع عشر ذي القعدة الحرام سنة أربع وتسعمائة. وحمله والده إلى الشيخ العارف بالله تعالى القطب الكبير سيدي الشيخ أبي الفتح محمد بن محمد بن علي الإسكندري، ثم المزي العوفي، الشافعي، الصوفي فألبسه خرقة التصوف، ولقنه الذكر، وأجاز له بكل ما يجوز له، وعنه روايته، وهو دون السنتين، وأحسن والده تربيته، وهو أول من فتق لسانه بذكر الله تعالى، ثم قرأ القرآن العظيم على المشايخ الكمل الصالحين، الفضلاء النبلاء البارعين، الشموس محمد البغدادي ومحمد بن السبكي، ومحمد النشائي، ومحمد اليماني والشيخ سمعة القاري وجود عليه القرآن العظيم ، وعلى الشيخ العلامة بدر الدين علي بن محمد السنهودي بروايات العشرة، وعلى الشيخ نور الدين علي الأشموني المقرىء، والشيخ شمس الدين محمد الدهشوري بحق أخذ هؤلاء الثلاثة عن العلامة ابن الجزري، ثم لزم في الفقه، والعربية، والمنطق، والده الشيخ العلامة رضي الدين، وقرأ في الفقه على شيخ الإسلام تقي الدين أبي بكر ابن قاضي عجلون وكان معجباً به يلقبه شيخ الإسلام، وأكثر انتقاعه بعد والده عليه، وسمع عليه في الحديث، ثم أخذ الحديث، والتصوف على الشيخ العارف بالله تعالى بدر الدين حسن ابن الشويخ المقدسي. ثم رحل مع والده إلى القاهرة، فأخذ عن شيخ الإسلام بها القاضي زكريا. وأكثر انتفاعه في مصر به والبرهان بن أبي شريف، والبرهان القلقشندي والقسطلاني صاحب المواهب اللدنية، وغيرهم، وبقي في الاشتغال بمصر مع والده نحو خمس سنوات، واستجاز له والده قبل ذلك من الحافظ جلال الدين الأسيوطي، وبرع، ودرس وأفتى، وألف وشيوخه أحياء فقرت أعينهم به وجمعه والده بجماعة من أولياء مصر وغيرها، والتمس له منهم الدعاء كالشيخ عبد القادر الدشطوطي، وسيدي محمد المنير الخانكي، وأخبرني الشيخ أحمد ابن الشيخ سليمان الصوفي القادري، وهو ممن أخذ عن الشيخ الوالد أن والده الشيخ رضي الدين، اجتمع بالقطب في بيت المقدس فسأله عن والده الشيخ بدر الدين، وهو صغير فقال له: عالم، ثم سأله عنهم مرة أخرى فقال له: عالم، ثم سأله عنه في المرة الثالثة فقال له: عالم ولي. قال الشيخ رضي الدين: فاطمأن قلبي عليه حين قال لي عالم ولي ثم لما رجع مع والده من القاهرة إلى دمشق، ودخلها في رجب سنة إحدى وعشرين وتسعمائة بعد ما برع بمصر ودرس، وألف ونظم الشعر كان أول شعر نظمه وهو ابن ست عشرة سنة قوله:
يارب يارحمان يا الله ... يامنقذ المسكين من بلواه
أمنن علي وجد بما ترضاه ... بجزيل فضل منك يا الله

(1/351)


تصدر بعد عوده من القاهرة للتدريس، والإفادة، واجتمعت عليه الطلبة، وهو ابن سبع عشرة سنة، واستمر على ذلك إلى الممات مشتغلاً في العلم تدريساً، وتصنيفاً، وإفناء ليلاً ونهاراً، مع الاشتغال بالعبادة، وقيام الليل، وملازمة الأوراد وتولى الوظائف الدينية كمشيخة القراء بالجامع الأموي، وإمامة المقصورة، ودرس بالعادلية، ثم بالفارسية، ثم الشامية البرانية، ثم المقدمية، ثم التقوية، ثم جمع له بينها، وبين الشامية الجوانية، ومات عنهما، وانتفع به الناس طبقةً بعد طبقة، ورحلوا إليه من الآفاق، ولزم العزلة عن الناس في أواسط عمره لا يأتي قاضياً، ولا حاكماً، ولا كبيراً، بل هم يقصدون منزله الكريم للعلم، والتبرك، وطلب الدعاء، إذا قصده قاضي قضاة البلدة، أو نائبها لا يجتمع به إلا بعد الاستئذان عليه والمراجعة في الإذن، وقصده نائب الشام مصطفى باشا فلم يجتمع به إلا بعد مرات، فلما دخل عليه قبل يده، والتمس منه الدعاء فقال له: ألهمك الله العدل، ولم يزده على ذلك فكرر طلب الدعاء، فلم يزده على قوله: ألهمك الله العدل، وكانت هذه دعوته لكل من قصده من الحكام. واستأذن عليه درويش باشا نائب الشام فلم يأذن له إلا في المرة الثالثة فقبل يده ورجله، وأشار إليه الشيخ أن يجلس معه على فراشه فأبى درويش باشا وجلس بين يديه، وطلب منه الدعاء فقال له: ألهمك الله العمل، وأوصاه بالرعية وقال له: الباشا يا سيدي ماذا تسمعون عني. فقال الظلم بلغني أن صوباشيك ضرب إنساناً في تعزير حتى مات، وضرب آخر فبالغ في ضربه فاستغاث بالله، واستجار برسوله صلى الله عليه وسلم فلم يخل عنه فقال له بحياة رأس درويش باشا فخلى عنه وهذا يدل على كفر كامن في قلبه، وعتو وتجبر، فأمر درويش باشا برفع صوباشيه في الحال وغضب عليه وجاء بعد ذلك الصوباشي إلى الشيخ فزجره، وطرده، وكان الشيخ، لا يأخذ على الفتوي شيئاً بل سد باب الهدية مطلقاً خشية أن يهدي إليه من يطلب منه إفادة، أو فتوى شفاعة، فلم يقبل هدية إلا من أخصائه، وأقربائه، وكان يكافىء على الهديه أضعافاً، وكان يعطي الطلبة كثيراً، ويكسوهم، ويجري على بعضهم، وإذا ختم كتاباً تدريساً، أو تصنيفاً، أولم وجعل ختماً حافلاً، ودعا أكابر الناس إليه، وفقراءهم، ثم أضافهم، وساوى في ضيافته بين الفقراء، والأمراء، وأحسن إلى الطلبة، وكان يحب الصوفية، ويكرمهم، وإذا سمع شيئاً مما ينكره الشرع بعث إليهم، ونصحهم، ودعاهم إلى الله تعالى، وكانوا يمتثلون أمره ويقتدون به، وكان إذا ورد إلى دمشق طالب علم أو فقير سأل الشيخ عنه، واستدعاه وأكرمه وأحسن إليه، وإن كان من أرباب الأحوال، ومظنات البركة سأله الدعاء له ولأولاده، وكان يضاعف نفقته في رمضان، ويدعو إلى سماطه كل ليلة منه جماعة من أهل العلم. وأهل الصلاح، والفقراء، ويجلس معهم على السماط، وأما طلبته الذين حملوا عنه العلم، فقد جمعهم في فهرست، ثم لم يجمع إلا خيرة منهم، فذكرت منهم جماعة في الكتاب الذي أفردته لترجمته ممن ذكرهم في فهرسته، وممن لم يذكرهم، وهم كثيرون، وممن أخذ عنهم الحديث وغيره من قضاة دمشق، وغيرهم من الموالي قاضي القضاة محمد أفندي المعروف بجوي زاده، وقاضي القضاة محمد أفندي بن بستان، وكل منهم صار مفتياً بالتخت السلطاني العثماني والمفتيان بدمشق ابن العبد، وفوزي أفندي في جماعة آخرين، وهؤلاء كانوا يفتخرون بالشيخ، وأخذهم عنه، وأما من أخذ عنه من أجلاء مصر، والشام فكثيرون تضمن أكثرهم الكتاب المذكور، وأما تصانيف الشيخ في سائر العلوم فبلغت مائة وبضعة عشر مصنفاً ذكرتها في الكتاب المذكور، ومن أشهرها، التفاسير الثلاثة المنثور، والمنظومان، وأشهرها، المنظوم الكبير، في مائة ألف بيت، وثمانين ألف بيت وحاشيتان على شرح المنهاج للمحلي وشرحان على المنهاج كبير وصغير، ساير فيه المحلي، وزاد فيه أكثر من الثلث مع الإشارة فيه إلى نكت الحاشية، وهو في حجم المحلي أو دونه، وكتاب " فتح المغلق في تصحيح ما في الروضة من الخلاف المطلق " ، وكتاب " التنقيب، على ابن النقيب " ، وكتاب " البرهان الناهض، في نية استباحة الوطء للحائض " وشرح " خاتمة البهجة " وكتاب " الدر النضيد، في أدب المفيد والمستفيد، ودروس على طائفة من شرح الوجيز للرافعي والروضة و التذكرة الفقهية وشرحان على الرحبية وتفسير آية الكرسي

(1/352)


وثلاثة شروح على الإلفية، في النحو منظومان، ومنثور، وكتاب شرح الصدور، بشرح الشذور وشرح على التوضيح لابن هشام، وشرح شواهد التلخيص في المعاني، والبيان، لخص فيه شرح السيد عبد الرحم العباسي، واللمحة، في اختصار الملحة و نظم الجرومية، وهو أول تأليفه و شرح الملحة مختصر وكتاب أسباب النجاح، في آداب النكاح ، وكتاب فصل الخطاب، في وصل الأحباب، ومنظومة في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، ومنظومة في خصائص يوم الجمعة، وشرحها، ومنظومة في موافقات سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه للقرآن العظيم وشرحها، والعقد الجامع، في شرح الددر اللوامع نظم جمع الجوامع في الأصول لوالده وغير ذلك، وشعره في غاية الحسن، والقوة، وأكثره في الفوائد العلمية ومنه:ثة شروح على الإلفية، في النحو منظومان، ومنثور، وكتاب شرح الصدور، بشرح الشذور وشرح على التوضيح لابن هشام، وشرح شواهد التلخيص في المعاني، والبيان، لخص فيه شرح السيد عبد الرحم العباسي، واللمحة، في اختصار الملحة و نظم الجرومية، وهو أول تأليفه و شرح الملحة مختصر وكتاب أسباب النجاح، في آداب النكاح ، وكتاب فصل الخطاب، في وصل الأحباب، ومنظومة في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، ومنظومة في خصائص يوم الجمعة، وشرحها، ومنظومة في موافقات سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه للقرآن العظيم وشرحها، والعقد الجامع، في شرح الددر اللوامع نظم جمع الجوامع في الأصول لوالده وغير ذلك، وشعره في غاية الحسن، والقوة، وأكثره في الفوائد العلمية ومنه:
إله العالمين رضاك عني ... وتوفيقي لما ترضى مناي
فحرماني عطائي إن ترده ... وفقري أن رضيت به غناي
وقال:
بالحظ والجاه لا بفضل ... في دهرنا المال يستفاد
كم من جواد بلا حمار ... وكم حمار له جواد
وقال مقتبساً:
من رام أن يبلغ أقضى المنى ... في الحشر مع تقصيره في القرب
فليخلص الحب لمولى الورى ... والمصطفى فالمرء مع من أحب
وللحافط العلامة جلال الدين السيوطي أحد شيوخ الوالد بالإجازة:
أليس عجيباً أن شخصاً مسافراً ... إلى غير عصيان تباح له الرخص
إذا ما توضا للصلاة أعادها ... وليس معيد للذي بالتراب خص
فأجاب عنه شيخ الإسلام بقوله:
جوابك ذا ناس جنابته لما ... توضأ فيه طهره عنه قد نقص
وما جاء فيه بالتيمم سائغ ... ومن حكمة الأجزاء فيه عليه نص
وقال رضي الله تعالى عنه:
لو أبصروني راعياً وجه من ... أهوى ودمعي جارياً سيلا
لشاهدوا المجنون إبن عامر ... يرعى صباحاً راجياً ليلى
وقال مداعباً لشخص يقال له: يحيى الطويل، وكان في دمشق آخر يقال له: يحيى القصير:
رأيت القصير أشر الورى ... وليس له في الأذى من مثيل
فلو كنت خيرت لاخترت أن ... يموت القصير ويحيي الطويل
وقال ضابطاً لنزول الشمس في برج الحمل في سنة ثمان وسبعين وتسعمائة في لفظ حمل وهو اتفاق لطيف:
رابع عشر شهر شوال الحمل ... إليه نقل الشمس في عام حمل
قلت ولنا اتفاق غريب هو أننا لما حججنا في سنة إحدى وألف، وهي أول حجة حججتها كنا نترجى أن تكون عرفة يوم الاثنين فرأينا هلال ذي الحجة الحرام ليلة السبت، وكان وقوفنا بعرفة يوم الأحد، وهو خلاف ما كان الناس يتوقعونه، فقلت لبعض إخواننا من أهل مكة، وغيرهم ظهر لي اتفاق غريب، وهو أن الله تعالى قدر الوقوف في يوم الأحد في هذا العام لأنه عام أحد بعد الألف فاستحسنوا ذلك، وقلت مقيداً لهذا:
لقد حججنا عام ألف واحد ... وكانت الوقفة في يوم الأحد
اليوم والعام توافقا معاً ... فجل مولانا المهيمن الأحد
وقال شيخ الأزارقة عمران بن حطان قبحه الله تعالى في قاتل علي رضي الله تعالى عنه وقبح الله تعالى قاتله، وهو عبد الرحمن بن ملجم أشقى الآخرين كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا

(1/353)


لله در المرادي الذي سفكت ... كفاه مهجه شر الخلق إنسانا
أمسى عشية غشاه بضربته، ... مما جناه من الآثام عريانا
وقد عرض هذه الأبيات الخبيثة جماعة من العلماء، وقال شيخ الإسلام، وإمام أهل السنة والدي، وهو أحسن ما عورضت به:
يا ضربة من شقي ما استفاد بها ... إلا اقتحاماً بيوم الحشر نيرانا
إني لأذكره يوماً فأحسبه ... من أخسر الناس عند الله ميزانا
أمسى عشية غشاه بضربته ... مما عليه ذوو الإسلام عريانا
فلا عفا الله عنه ما تحمله، ... ولا سقى قبر عمران بن حطانا
وشعر شيخ الإسلام الوالد مدون في كتاب مستقل، وقد أتينا على جملة صالحة في الكتاب الموضوع لترجمته. فلا معنى للإكثار منه هنا إلا أنا ذكرنا منه هذه النبذة للتبرك، ولقد كان - رضي الله تعالى عنه - ممن جمع بين العلم، والعمل، والسيادة، والرئاسة، وحسن السمت، وحسن الخلق، والسخاء، والحياء؛ عاش ثمانين سنة، إلا أياماً قليلة ما عهدت له فيها صبوة، ولا حفظت عليه كبوة؛ بل كان فيها موفر الحرمة، موقر الكلمة مقبول الشفاعة عند القضاة والحكام، معظماً معتقداً عند الخواص، والعوام. إن نزلت بالناس نازلة فزعوا إليه في كشفها، أو عرضت لهم معضلة هرعوا إليه في حلها، ووصفها، وإذا خرجت من بابه رقاع الفتاوي بادر الناس إلى تناولها من السائل، وتقبيلها والتبرك بها. رحلت الناس إليه من الأقطار، ووجهت إليه الفتاوي من سائر الأمصار. من ناله منه دعوة صالحة تمسك بها إلى آخر دهره، ومن ظفر بشيء من آثاره تمسك به سائر عمره. فما تعلق بشيء مما يشينه في عرضه، ولا في دينه ، ولا تمسك في طلب رزقه بأمر يختلج به خالج في يقينه ، بل كانت له الدنيا خادمة، وإليه ساعية، من غير تجارة ولا سعي ولا تعرض لداعية. أخلاقه مرضية، وهمته علية، وعيشته هنية، مات ولم يقف على باب طالب لدين، ولا مطالب بعين، مع ما يسره الله تعالى من الرفاهية والنعمة، وهو مع ذلك مكب على العلم مشتغل بالعبادة صياماً، وقياماً، وذكراً، وتلاوةً وكان مواظباً على الأوراد ملازماً للطهارة، مختلياً عن الناس، مقبلاً على الله تعالى، وإذا بلغه منكر بعث إلى الحكام في إزالته، وأنكره بقدر طاقته، يصدع بالحق، ولا يخاف في الله لومة لائم، ولا يحابي، ولا يداهن في فتاويه، ولا في غيرها، وبالجملة فكان عين ذلك الوقت وإنسان ذلك الزمان:
حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفر
تمرض أياماً، وكان ابتداء مرضه في ثاني شوال سنة أربع وثمانين وتسعمائة، واستمر مريضاً إلى يوم الأربعاء سادس عشري شوال المذكور، فتوفي إلى رحمة الله تعالى عقب آذان العصر، وهو يسمع الآذان جالساً، وصلى عليه الجمع الغفير من الغد يوم الخميس بعد صلاة الظهر في الجامع الأموي، وتقدم للصلاة عليه شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين العيثاوي، مفتي السادة الشافعية، بدمشق فسح الله تعالى في مدته، ودفن بتربة الشيخ أرسلان خارج باب توما من أبواب دمشق، وكانت جنازته حافلة جداً بحيث اتفق الشيوخ الطاعنون في السن، وغيرهم أنهم لم يشهدوا بدمشق مثلها إلا جنازة الأخ الشيخ شهاب الدين، فإنها تقرب منها مع القطع بأن جنازة أبيه أعظم بحيث أن المقبرة امتلأت من الناس، والطريق من الجامع إليها مع طوله، والجنازة لم تخرج بعد من الجامع، وقد خيمت بالجنازة وأظلتها طائفة من الطير خضر كان الناس يقولون إنها الملائكة، ولما وصلت الجنازة على الرؤوس إلى المقبرة أظلتهم سحابة لطيفة، وأمطرتهم مطراً مباركاً أرسله الله تعالى، وكان ذلك سبباً لزيادة عويل الناس، وضجيجهم، وتزاحم الأكابر على حمل الجنازة، ورثاه الشيخ العلامة شمس الدين الصالحي بقصيدة جليلة ذكرتها في الكتاب الذي أفردته لترجمته، وقال ماماي الشاعر مؤرخاً لوفاته:
أبكى الجوامع والمساجد فقد من ... قد كان معارف التمكين
وكذا المدارس أظلمت لما أتى ... تاريخه بخفاء بدر الدين
محمد بن الحصكفي

(1/354)


محمد بن محمد بن محمد بن علي الشيخ الإمام العلامة ابن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن أبي اللطف الحصكفي، الأصل المقدسي، الشافعي عالم بلاد القدس الشريف، وابن عالمها، وأحد الخطباء بالمسجد الأقصى، كان - رحمه الله تعالى - كأبيه، وجده علامة فهامة، جليل القدر، رفيع المحل، شامل البر للخاصة، والعامة، كثير السخاء، وافر الحرمة، ديناً صالحاً ماهراً في الفقه، وغيره تفقه على والده ورحل إلى مصر وأخذ عن علمائها كشيخ الإسلام زكريا، والشيخ الإمام نور الدين المحلي، ودخل دمشق بعد موت عمه الشيخ أبي الفضل المتقدم ذكره في الطبقة الثانية. في سنة سبع أربع وثلاثين لاستيفاء ميراثه، وذكر ابن طولون في تاريخه أنه خطب بالجامع الأموي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الآخر من السنة المذكورة، وشكر على خطبته توفي رحمه الله تعالى في بيت المقدس في شهر رجب الحرام سنة إحدى وسبعين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة في الجامع الأموي، وغيره من جوامع دمشق يوم الجمعة رابع شعبان من السنة المذكورة وتأسف الناس عليه، وهو والد الأئمة العلماء المشايخ أبي بكر، وعمر المترجمين في هذه الطبقة.
207 - ا - محمد بن محمد بن أبي اللطف : محمد بن محمد بن محمد، ابن الشيخ الإمام العلامة، الفاضل البارع الفهامة، شمس الدين ابن أبي اللطف المتقدم والده قبله. مولده في سنة أربعين أو إحدى وأربعين وتسعمائة، وبرع وهو شاب، وفضل، وتقدم على من هو أسن منه حتى على أخويه، وصار مفتي القدس الشريف على مذهب الإمام الشافعي، وكان له يد طولى في العربية، والمعقولات، وله شعر منه قوله مقيداً لأسماء النوم بالنهار، وما في كل نوع منها:
النوم بعد صلاة الصبح غيلوله ... فقر وعند الضحى فالنوم فيلوله
وهو الفتور وقيل: الميل قيل له: ... إذ زاد في العقل أي بالقاف قيلوله
والنوم بعد زوال بين فاعله ... وبين فرض صلاة كان حيلوله
وبعد عصر هلاكاً مورثاً وكذا ... كقلة العقل بالإهمال عيلوله
وحكي أنه اجتمع في الخليل عليه الصلاة والسلام المشايخ الثلاثة الشيخ العارف بالله تعالى الشيخ أبو مسلم محمد الصمادي، والأستاذ العارف بالله تعالى سيدي محمد البكري، وصاحب الترجمة العلامة محمد بن أبي اللطف، فعمل الصمادي، وقتاً فقام الشيخ محمد بن أبي اللطف، وتواجد وأخذته حاله فاحتضنه الصمادي، فأفاق، فلما انتهى الوقت تصافح المشايخ، فقال ابن أبي اللطف البكري: يا مولانا مولانا الشيخ محمد الصمادي في غاية ما يكون إلا أنه بخيل فقال البكري: سبحان الله كيف يكون بخيلاً، وقد بلغني أن له سفرة ووراداً يردون عليه، فلا يخرج أحد منهم حتى يضيفه فقال: يا مولانا: ما أردت هذا أردت أنه بخيل بالحال قال: وكيف فقال: يا مولانا لما احتبك الذكر رأيت الخليل عليه الصلاة والسلام، وقد خرجت روحانيته من الضريح، ودخل في الحلقة فلما احتضنني الشيخ لم أره فقال له الشيخ البكري: لقد أصاب الشيخ خاف عليك أن تجنب فردك إلى الصحو توفي - رحمه الله تعالى - بالقدس الشريف في أواخر صفر سنة ثلاثة وتسعين - بتقديم الياء - وتسعمائة، وهي السنة التي توفي فيها الشيخ إسماعيل النابلسي فقيل: مات مفتي دمشق، ومفتي القدس في سنة واحدة.
محمد بن محمد الإعزازي
محمد بن محمد بن محمد القاضي، أبو الجود الإعزازي ناب في القضاء باعزاز مراراً، وبحلب مرة، وولي الخطابة بجامع إعزاز، وكتب بخطه لنفسه ولغيره من الكتب المبسوطة ما يكاد يخرج عن طوق البشر من ذلك خمس نسخ من القاموس وعدة من نسخ الأنوار، وعدة نسخ من شرح البهجة ، وشرح الروض ، وكتاب البخاري وشرحه لابن حجر في كتب أخرى لا تحصى كثرة، وكتب نحو خمسين مصحفاً كل ذلك مع اشتغاله بالقضاء، ووقف نسخة من البخاري على طلبة إعزاز قبل وفاته وتوفي في سنة ثمان وستين وتسعمائة - رحمه الله تعالى - رحمة واسعة.

(1/355)


محمد بن محمد أحد الموالي الرومية محمد بن محمد بن محمد أحد الموالي الرومية وابن مفتيها المنلا أبي السعود، كان فاضلاً، بارعاً ترقى في المناصب حتى أعطي قضاء القضاة بدمشق سنة خمس وستين وتسعمائة، وأثنى عليه والد شيخنا. وقال كان سخياً ما دخل من الروم أسخى منه، وكان ودوداً مر بسوق الأساكفة غربي باب البريد، فوقفوا وشكوا إليه ما هم فيه من هم العوارض. فقال لهم علي جميع ما عليكم منها، فوزن العوارض عن الصفين الغربي والشرقي، ولم يسأل عن غنيهم ولا فقيرهم. قال والد شيخنا وأخبرني بمنزله بملأ من الناس أنه وزن خمسمائة دينار عن الفقراء في العوارض. قال وغيره أخبرني بأكثر من ذلك، وكانت صدقته في الطريق كثيرة. قال واجتمعت الخصال المحمودة فيه، ولم ينكر عليه سوى تناول اليسق يعني المحصول .
محمد بن محمد الرملي محمد بن محمد بن أبي الفضل، الشيخ جلال الدين الرملي الحنفي رئيس المؤذنين بالجامع الأموي، وأحد الموقنين. كان يعرف الميقات والموسيقى وله جراءة كبقية بني الرملي، وكان يقتني الكتب، ويتاجر فيها. مات في سنة ألف.
محمد بن محمد القاضي محب الدين
محمد بن محمد بن أحمد بن يوسف بن أيوب القاضي محب الدين بن أيوب الشافعي. ناب في محكمة الباب بدمشق، ثم في الميدان، ثم في الكبري، ثم في قناة العوني، ثم في الصالحية، ومات وهو نائب بها رابع عشر ربيع الأول بعد العشاء سنة ثلاث وتسعين - بتقديم التاء - وتسعمائة، وحمل من الصالحية، ودفن تجاه المدرسة النحاسية شماليها بمقبرة الفراديس رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد البهنسي
محمد بن محمد بن رجب، الشيخ الإمام، شيخ الإسلام الفقيه العلامة، النبيه الفهامة، شمس الدين، وقيل: نجم الدين البهنسي الأصل الدمشقي المولد والمنشأ أحد الرؤساء بدمشق، وخطيب خطبائها قرأت بخط الشيخ يحيى بن النعيمي أن ميلاده في صفر سنة سبع وعشرين وتسعمائة، وأخذ عن ابن فهد المكي، وغيره، وتفقه بالشيخ الإمام العلامة قطب الدين بن سلطان، وبه تخرج لأنه كان يكتب عنه على الفتوى لأن القطب كان ضريراً، ثم أفتى استقلالاً من سنة خمسين وتسعمائة، واشتغل في بقية العلوم على الشيخ أبي الفتح السبستري، والشيخ محمد الإيجي الصوفي نزيل الصالحية، وتخرج به أكثر من لقيناهم من الحنفية بدمشق منهم العلامة الشيخ عماد الدين المتوفي قبله، ورأس في دمشق بعد وفاة شيخ الإسلام الوالد، وكان إماماً بارعاً في الفقه مشاركاً في غيره، ولي خطابه الجامع الأموي بدمشق بعد خطيبه الشيخ أبي البقاء البقاعي بعد أن عرض في الخطابة للشيخ عبد الوهاب الحنفي إمام الجامع، فوجهت من الباب للبهنسي، واستناب في الخطابة شيخ الإسلام شهاب الدين الطيبي المقرىء مدة، ثم باشر الخطابة بنفسه ودرس في الجامع الأموي، والسيبائية، ثم بالمقدمية، ثم بالقصاعية، ومات عنها، وعلوفته في التدرس بها ثمانون عثمانياً؛ ولم يبلغ هذا المقدار في علوفة التدريس قبل شيخ الإسلام الوالد، وصاحب الترجمة أحد، ثم حدث بعد موتهما ترقية التدريس إلى مائة عثماني، وحج صاحب الترجمة مرتين مرة قبل سنه ست وستين وتسعمائة، ومرة في آخر عمره سنة خمس وثمانين وألف شرحاً على كتاب " منتهى

(1/356)


الإرادات " لم يكمله وكان رحمه الله تعالى حسن السمت ساكناً ساكتاً عما لا يعنيه خاشعاً، سريع الدمعة، لطيف الطباع، حسن المعاشرة وله مع ذلك شهامة، وكان طويل القامة، أبيض اللون، عليه عمامة كبيرة على عادة علماء ذلك العصر، ورأيته بعد موت والدي مرة، وأنا ابن ثماني سنوات داخل الجامع الأموي فتواجهت معه بين البئر، والحنفية فقال له بعض من معه: يا سيدي هذا ولد المرحوم شيخ الإسلام الشيخ بدر الدين الغزي فنظر إلي، وسألني عن اسمي فذكرت له، وسألني عما أقرأ فذكرت له فدعا لي، وترحم على والدي، وحدثني ولده الشيخ يحيى خطيب الجامع الأموي الآن نفع الله تعالى به أن والده كان له نخوة، وشهامة في أول أمره فدخل على شيخه الشيخ أبي الفتح السبستري، فقال له يا شيخ: أريد أن تذهب إلى السوق تشتري لي بهذه القطعة الفضية بطيختين، وتحملها بنفسك من السوق إلى خلوتي، وكان الشيخ أبو الفتح ساكناً بالخانقاه السميصاتية فذهب الشيخ محمد البهنسي، واشترى بطيختين كبيرتين، وأنف من حملهما، وأراد أن ينظر من يحملهما عنه فذكر كلام الشيخ، وخشي أن يكاشفه بما يفعله إذا حملهما لأحد، ولا يرضى بفعله فحملهما إلى منزل الشيخ أبي الفتح، وقد تصبب عرقاً، وانكد لمحل نظر الناس إليه فلما دخل على الشيخ قال له: عسى أن تصغر نفسك الآن قال: فمن حينئذ ذهبت عني الأنفة، والكبر وكان الشيخ البهنسي يجمع ما يتحصل له من الغلال في كل سنة، ويتربص به حتى يبيعه آخر السنة، ومثل ذلك لا يعد احتكاراً إذ الاحتكار شراء الطعام الذي تمس إليه حاجة العامة في زمن الغلاء ليبيعه بأغلى، وكان بعض حساد الشيخ ربما طعنوا عليه ذلك حتى وشي به إلى قاضي القضاة ابن المفتي، في بعض السنين فبعث إلى حاصل الشيخ البهنسي من فتحه، وباع ما فيه، ثم ارتفع السعر بعد ذلك وفات الشيخ منه جملة من المال فانكف البهنسي عن التردد إلى القاضي بسبب ذلك، ووقع بينهما فاتفق أن القاضي حصل له حمى شديدة، ومرض أياماً حتى أعياه المرض، فالتمس من الشيخ عمر الرائي، وكان يرى النبي صلى الله عليه وسلم، في منامه كثيراً أن يسأل من النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه في منامه أن يشفع إلى الله تعالى في شفائه، فرجع إليه الشيخ عمر الرائي وقال له: يا قاضي القضاة سألت لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قل له يلتمس الدعاء من الشيخ محمد البهنسي يحصل له الشفاء، ولم يعلم الشيخ عمر ما كان بينهما فبعث القاضي من تلطف بالشيخ البهنسي، وأتى به إليه فلما اجتمعا تعانقا، وتباكيا، ودعا الشيخ البهنسي له بالشفاء فشفاه الله تعالى بعد ذلك قريباً، وبالجملة فقد كان - رحمه الله تعالى - من أفراد الدهر وأعاجيب العصر، توفي - رحمه الله تعالى - بعد الظهر يوم الأربعاء أو خامس جمادى الآخرة سنة ست، وقرأت بخط منلا أسد سنة سبع ثمانين وتسعمائة، ودفن بمقبرة باب الصغير بعد العصر عند قبر معاوية، ونصر المقدسي رضي الله تعالى عنهما قال القاضي عز الدين بن أبي بكر بن الموقع في تاريخ موته :ما وجدت له شعراً أحسن من هذه الأبيات الثلاثة :
لما لدار البقا مفتي الأنام مضى ... فالعين تبكي دماً من خشية الله
لفقد مولى خطيب الشام سيدنا ... من لم يزل قائماً في نصرة الله
وفاته قد أتت فيما أؤرخه ... البهنسي عليه رحمة الله
محمد بن محمد المقدسي
محمد بن محمد بن إبراهيم ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ برهان الدين ابن الشيخ أحمد المقدسي المقرىء، كاتب المصاحف جده وأبو جده كان شاباً ذكياً فطناً حافظاً لكتاب الله تعالى ولي إمامة جامع منجك بمحلة الميدان بعد والده ووالده بعد والده، وانتفع بهم خلق كثير توفي رحمه الله تعالى بحمام شرف بعد أن اغتسل، وخرج ولبس ثيابه واستقبل القبلة، وهو على مسطبة الحمام، وأتى بالشهادتين وخرجت روحه، وحمل إلى بيته ميتاً وحمل بجنازته الأمير إبراهيم بن منجك ودفن إلى جانب والديه بمقبرة الجورة بالمحلة المذكورة رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد الصالحي

(1/357)


محمد بن محمد بن أبي الفضل الصالحي، نجم الدين الشافعي كان تاجراً بسوق الدهشة، ثم تكسب بالشهادة بمحلة الصالحية، وصار رئيسها، ثم نقل إلى الكبرى، وصار رئيسها، وناب في القضاء في محكمة الميدان، ثم بالكبرى، ثم تركه وعاد إلى الشهادة، واستمر إلى أن توفي وكان قصير القامة كبير العمامة، وأخذ في فتنة القابجي وامتحن مع من امتحن به، وضعف بصره، وقلت حركته، وانقطع بمنزله نحو تسعة أشهر، ومات ودفن بالصالحية، وعملت صباحيته بمسجد هشام رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد بن بركات
محمد بن محمد بن بركات الشيخ الفاضل، المعمر ولي الدين ابن الكيال، الشافعي حفيد الشيخ برهان الدين إبراهيم الناجي...
محمد بن محمد بن خطاب الحنبلي
محمد بن محمد بن خطاب الشيخ شمس الدين بن خطاب الحنبلي، رئيس العدول بالمحكمة الكبرى، ثم بالباب أخذ صنعة التوريق عن الشيخ شمس الدين محمد بن محمد الجعفري، المعروف بابن قاضي نابلس، وكان خطهما متقارباً لا يكاد يفرق بينهما، واتسعت عليه الدنيا، وكان مسموع الكلمة وافر الحرمة خافه الناس حتى أكابرهم حتى مات رجل يقال له محمود الأعور عن بنت كان يقال أنها تربت عنده فأثبت ابن خطاب هو وعلي الحلبي الترجمان أنها بنته، وأقام أحدهما وصياً عليها، وعلى مالها والآخر ناظراً بمعونة القاضي شمس الدين الرجيحي، ثم نبغ لهما كيخيا الإنكشارية المعروف بالسقا يوسف فشكى قصتهما إلى السلطنة، وعين على ابن خطاب ومن معه قابجي من الباب معه قاضي مستقل، وحبس ابن خطاب وولده القاضي كمال الدين والترجمان، وهرب الرجيحي وطلب منهم ثلاثين ألف دينار ذهباً بالإهانة والضرب، ثم حسن له بعض الأشقياء التطاول إلى أكابر البلد فحبس شيخ الإسلام الشيخ إسماعيل النابلسي والشيخ العلامة شمس الدين محمد الحجازي، والقاضي عبد الله الرملي، والقاضي شمس الدين الكنجي، والقاضي وفاء بن العقيبي في جماعة من التجار وغيرهم، وطال حبسهم عنده حتى ورد الأمر السلطاني بالإفراج عنهم، وقتل القابجي فشنق في سنة تسعين وتسعمائة. ثم خرج ابن خطاب وابنه القاضي كمال الدين فقيرين، قد استولى على كل ما كان بأيديهما، كان صاحب الترجمة يتردد إلى الجامع الأموي في أوقات الصلوات وغيرها، حتى توفي ثاني جمادى الأولى سنة اثنين وتسعين - بتقديم التاء - وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد الصمادي

(1/358)


محمد بن محمد بن خليل بن علي عيسى بن أحمد الشيخ الصالح الزاهد المرشد إلى الله تعالى، العارف بالله تعالى أبو مسلم شمس الدين الصمادي الدمشقي الشافعي القادري، كان ميلاده في سنة إحدى عشرة وتسعمائة كما أخبرني ولده الشيخ مسلم، وكان من أمثل الصوفية، في زمانه، وله شعر في طريقتهم إلا أنه لا يخلو من مؤاخذة في العربية، وكان شيخ الإسلام الوالد يجله، ويقدمه على أقرانه من الصوفية ويترجمه بالولاية، وكان يستدعيه إلى منزله بالخلوة الحلبية جوار الجامع الأموي كل سنة مرة، أو أكثر من مرة، ويقر به هو، وطائفته، ويعملون السماع عند الشيخ، وفي مجلسه عند باب الخلوة المذكورة في نفس الجامع ليلاً، ويضربون طبولهم، وأفتى الإسلام الوالد تبعاً لشيخي الإسلام شمس الدين بن حامد، والتقوي ابن قاضي عجلون بإباحة طبولهم في المسجد، وغيره قياساً على طبول الجهاد، والحجيج، لأنها محركة للقلوب إلى الرغبة في سلوك الطريق، وهي بعيدة الأسلوب عن طريقة أهل الفسق، والشرب، وكان الأستاذ الشيخ محمد البكري يجل صاحب الترجمة لأنهما اجتمعا في بيت المقدس وعرف كل منهما مقدار الآخر، وتقدم لصاحب الترجمة قصة لطيفة مع البكري، وابن أبي اللطف في ترجمة ابن أبي اللطف، وحدثني بعض أصحابنا قال: سافرت إلى القاهرة، وكان الشيخ محمد الصمادي دفع إلي مكتوباً، لأوصله لسيدي محمد البكري فلما دخلت عليه وذكرت له الشيخ محمد الصمادي نهض قائماً إجلالاً لذكره فلما دفعت له المكتوب قبله ووضعه على عينيه، وأثنى عليه وقال: أخونا وسيدنا، وحدثني الشيخ الصالح علي اللؤلؤي، وكان ساكناً في جوار الشيخ الصمادي قال: حصل لي كائنة توسلت فيها إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم، فرأيته في المنام ، فقال: اذهب إلى جارك الشيخ أبي مسلم الصمادي وحمله هذه الحملة قال: فلما أصبحت غدوت على الشيخ الصمادي، لما دخلت عليه قال لي قبل أن أذكر له شيئاً: يا شيخ علي أنا ما أعلم الغيب، أما كنت تقول لي عن مصلحتك قال: ثم إن الله تعالى قضى حاجتي تلك على يد الشيخ الصمادي رضي الله عنه وبلغني أن رجلاً يقال له: محمد بن عرب خرج إلى المشرق في جلب الغنم، فلما عاد بات ليلة في مكان مخوف، وكانت ليلة شديدة الريح، كثيرة المطر، قال فأنا في أثناء الليل، وإذا بحركة ذعرت منها الأغنام، وتفرقت، وعجزت عن جمعها أنا والرعاة قال: فقلت: يا أبا مسلم هذا وقتك قال: فما أحسست إلا بضربة مقلاع جمعت لي الأغنام من سائر النواحي حتى انضمت، وكانت زوجة ابن عرب المذكور امرأة صالحة من أولياء الله تعالى تعتقد بالشيخ محمد الصمادي، وكانت تعتقد الشيخ الوالد، وتتردد إليه، وإلينا من بعده قالت: فدخلت علي أبي مسلم يوماً، وزوجي غائب في تلك السفرة فقال لي: يا أم فلان أقول لك عن شيء لا تحدثي به حتى أموت، إن زوجك الليلة البارحة شردت عنه أغنامه فناداني، واستغاث بي فتناولت حصاة، ورميت بها إليه، فاجتمعت إليه أغنامه، وسيقدم عليك سالماً لم يذهب له شيء، فلما قدم بعلها ذكر لها ما صار له في ليلة شرود الغنم عنه فقالت له: يا فلان أنا في الليلة الفلانية ذكر لي أبو مسلم أنه سمع استغاثتك، وأنه أخذ حصاة فرمى بها نحو الغنم، فاجتمعت، وكنت مرة مريضاً فاشتدت بي الحمى ذات ليلة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو صدر حلقة فيها جماعة من الصمادية وغيرهم يذكرون الله تعالى عرفت منهم صاحب الترجمة، على يسار النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى يساره ولده الشيخ مسلم، ويليه بقية الصمادية فلما فرغوا من الذكر، وجلسوا سأل صاحب الترجمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الصمادية فقال: له النبي صلى الله عليه وسلم يا شيخ محمد ما فيهم غير ولدك مسلم، فلما استيقظت، وقد حصل لي عرق كثير وعوفيت، فبلغت رؤياي الشيخ محمد الصمادي، فبعث إلي، وقال لي: يا سيدي نجم الدين بلغتني رؤياك، ووالله أنها لحق، وأريد منك أن تقصها علي أنت، فلما قصصتها عليه قال والله صدقت رؤياك ما في جماعتنا غير مسلم، ثم توفي بعد هذه الرؤيا بيسير، وقام ولده الشيخ مسلم مقامه، وكان الشيخ محمد يحبني كثيراً، ويدعو لي كلما زرته، وحضرت في حلقته

(1/359)


مراراً، وشهدت له أحوالاً شريفة، ورأيت في عمري أربعة ما رأيت أنور منهم إذا وقعت الأبصار عليهم شهدت البصائر بنظر الله إليهم أجلهم والدي، والشيخ محمد الصمادي والشيخ محمد اليتيم العاتكي، ورجل رأيته بمكة المشرفة داخلاً إلى حجرة تجاه الكعبة المعظمة له شيبة نيرة، وعليه كسوة الصوفية حواليه الشباب في صور الترك يخدمونه، فلما وقع بصري عليه بادرت إلى يده فصافحته، وقبلت يده فقال لي: ما حاجتك. فقلت: الدعاء، فدعا بأدعية مأثورة بفصاحة، وبلاغة، وحسن توجه بعد أن استقبل الكعبة وأطال في الدعاء، بحيث كان كلما انتهى من دعاء طلبت منه في سري أن يدعو بدعاء آخر عين المقصود منه في نفسي فما يتم، الخاطر حتى يشرع في الدعاء بعينه، وهكذا ثم ختم دعائه، ومسح بيديه على وجهه فقلت له: يا سيدي لا تنسنى من الدعاء فقال لي: وأنت كذلك لا تنسني من الدعاء، ثم فارقته، وعزمت في نفسي، ألا أجالس أحداً بمكة في مدة إقامة الحاج بها غيره، وكان اجتماعي به قبل عرفة، فلما رجعنا من عرفة التمسته في تلك الحجرة، فلم أره وسألت عنه ساكن تلك الحجرة فقال لي: ما رأيت رجلاً قط بالصنعة التي ذكرت، ولا دخل هذا المذكور هذه الحجرة أصلاً، فعلمت أنه من رجال الله تعالى، بل المترجح عندي أنه قطب ذلك الوقت، وغوث ذلك الزمان، واجتمعت بجماعة من رجال الله تعالى ولله الحمد لكني ما رأيت أفضل من هؤلاء الأربعة، ولا أكثر بركة وإفاضة للخير على جلسائهم منهم، وكان مقدم اجتماعي بهذا الرجل الكامل في سابع ذي الحجة الحرام سنة إحدى بعد الألف من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان الشيخ محمد الصمادي رحمه الله تعالى معتقداً للخواص، والعوام خصوصاً حكام دمشق، والواردين إليها من الدولة، وكانوا يقصدونه في زاويته للتبرك به، وطلب الدعاء منه، وطلب منه مصطفى باشا أن يكتب له في محضره الذي شهدت فيه أهل دمشق باستقامته، فأبى أن يكتب له فيه، وكان في ذلك الوقت موافقاً لشيخ الإسلام الوالد، فإن مصطفى باشا قصد الوالد في بيته، وطلب أن يكتب له على محضره فقال له: ما علمت من حالك شيئاً، وأنا منزو في هذه الخلوة عن خلوته الحلبية ما أعرف من أحوالك شيئاً فقال له: يا سيدي ادع الله لي إذا لم تكتب لي فقال له: ألهمك الله العدل ألهمك الله العدل، لم يزده على هذه الدعوة شيئاً، فلما رجع مصطفى باشا إلى الروم قيل له: من وجدت في الشام. قال: ما وجدت فيها غير رجلين الشيخ بدر الدين الغزي، والشيخ محمد الصمادي، وذكره ابن الحنبلي في تاريخه، وقال: أنه قدم حلب مرتين ثانيتهما سنة أربع وستين، ونزل بزاوية ابن المحتسب بالقرب من سويقة الحجار قادماً من الباب العالي منعماً عليه قال: وزرناه فإذا هو ذو استحضار لمناقب أجداده، وما لهم من الكرامات حسن السمت، لطيف العشرة قال: وذكر لي أن مسلماً جده ينتسب إلى سعيد بن جبير وأخرج لي: طبلاً من نحاس أصفر، وأخبر أنه الذي كان مع مسلم في فتح عكا انتهى.
قلت: وفي ذكره كذلك تلميح إلى خلاف ما استقر عليه الحال لأن من ثبوت نسب الصمادية في سادات الأشراف على عادة ابن الحنبلي، في التنكيت في تاريخه، ويمكن الجمع بين ما ذكره وما ذكرناه فان نسبة الشيخ مسلم جد الصمادية إلى جبير من قبل الأم. وأما المرة الأولى التي قدم فيها أبو مسلم حلب، فهي لما كان في صحبة والده ذاهباً أو راجعاً من الروم أيضاً، وفي تلك القدمة الأولى أنعم السلطان سليمان على الصمادية بمرتب على قرية كناكر من قرى وادي العجم من أعمال دمشق قدره في كل سنة ثمانون غرارة من الحنطة منها أربعون لزاويتهم، وفقرائها، ووردها، ومنها أربعون لذرية الشيخ محمد والد أبي مسلم، وهي باقية بأيديهم إلى الآن. وذكر ابن الحنبلي أن أبا مسلم لوح لهم في قدمته الأخيرة إلى حلب أنه عوقب بالروم لسر أفشاه عند إنكار المنكرين بإسهال دموي أشرف منه على الهلاك، فأري في منامه إنساناً يشبه أن يكون من أجداده، فوضع يده على وجهه قائلاً بسم الله الكافي بسم الله الشافي بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء، فلما كانت صبيحة تلك الليلة شفي - بإذن الله تعالى، انتهى.

(1/360)


قلت: حكى لي غير واحد، وفي ذكري أني سمعته من الشيخ محمد بنفسه أنه لما كان في الروم مع أبيه امتحنهم بعض الوزراء فأضافهم، ووضع لهم طعاماً فيه لحم ميت، أو سم، فلما وضع السماط هم والده أن يأكل منه، فأخذت أبا مسلم حالة ظهرت عليه في المجلس، وقال لأبيه لا تأكل فإن الطعام مشغول، ثم قام أبو مسلم، وجعل يهريق الطعام، ويتلفه، فاعترف الوزير بالامتحان وجعل يعتذر إلى الشيخ، ويتلطف بأبي مسلم، ثم أمر لهم بالسماط المعد لهم حقيقة فأكلوا منه، وطابت نفوسهم، فلعل هذا السر الذي أفشاه أبو مسلم، فعوقب عليه بالإسهال كما ذكره ابن الحنبلي، وبلغني أن الشيخ محمد قال: لوالده أبي مسلم بعد هذه الكائنة يا ولدي للشيخ أبي مسلم كرامات كثيرة، وكان يكتب للناس حجباً، وحروزاً ويتبرك الناس بخطه ويقصدونه لذلك، وللاستيفاء بخطه الكريم، وبالجملة كان من أفراد الدهر. توفي رضي الله تعالى عنه ليلة الجمعة عاشر صفر الخير سنة أربع وتسعين بتقديم التاء وتسعمائة، ودفن بزاويتهم داخل باب الشاغور بعد أن صلوا عليه بالأموي، وحضر جنازته الأكابر والأصاغر، وتأسف الناس عليه كثيراً، وكانت دمشق قبل ذلك مزينة بثلاثة أيام لفتح تبريز وقيل في تاريخ وفاته رحمه الله تعالى:
لهف قلبي على الصمادي دوما ... الحسيب النسيب أعني محمد
مذ توفي أهل النهى أرخوه ... مات قطب من الرجاء ممجد
محمد بن محمد الحلبي
محمد بن محمد بن صدقة، الشيخ الفاضل البارع الأوحد شمس الدين المقرىء، الحلبي إمام جامع النصر بحلب، وأحد أئمة جامعها الكبير، وشيخ ورد ابن داود بعد العلامة السرميني، المشهور بابن الجردون. ذكره ابن الحنبلي، وقال: كان شيخاً معمراً، قليل الكلام، سليم اللسان. كتب صحيح البخاري بخطه، وقرأ منه شيئاً على البدر السيوفي سنة أربع وعشرين، وأجاز له، وتوفي سنة تسع بتقديم التاء وستين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد أبو الفتح المالكي
محمد بن محمد بن عبد السلام بن أحمد الشيخ الإمام العلامة، المفنن المدقق الفهامة، القاضي أبو الفتح الربعي التونسي الخروبي لإقامته بإقليم الخروب بدمشق المالكي، نزل دمشق قرأت بخط شيخ الإسلام والدي أن الشيخ أبا الفتح أخبره أن مولده كما وجد بخط أبيه مراراً، وقرأه مراراً ليلة الإثنين غرة شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعمائة، وذكر الشيخ إبراهيم بن كسبائي صاحبنا في بعض إجازاته لبعض من قرأ عليه أن مولد الشيخ أبي الفتح سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وهو خطأ بلا شك، ولعله قربه تقريباً، والصواب ما تقدم. دخل دمشق قديماً وهو شاب، وكان يتردد كثيراً إلى ضريح الشيخ محيي الدين بن العربي، وبلغني عن شيخ الإسلام شهاب الدين الطيبي إنه لما دخل دمشق دخل في صورة متصوف متدين، ثم تغيرت أحواله، وصدق عليه قول القائل:
أطعت الهوى عكس القضية ليتني ... خلقت كبيراً وانقلبت إلى الصغر
وذكره شيخ الإسلام الوالد في فهرست طلبته، وقال: قرأ علي في منهاج البيضاوي وشرح الألفية لابن عقيل، ثم تلون، وتقلب، وظهرت منه أشياء منكرة. قال: وغلب عليه الحمق، والسخف، وقلة العقل، ولكن ثم من طيشه على غير طائل من علم، أودين قال: وامتدحني بقصيدة طويلة انتهى.

(1/361)


قلت: وحقيقة الشيخ أبي الفتح كما تلقينا ممن لقيناه، واشتهر عنه أنه كان فقيهاً أصولياً يفتي الناس على مذهبه، وفتاويه مقبولة، وله حرمة باسطة، ووجاهة ظاهرة، وكان علامة في النحو والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع والعروض، والمنطق، وأكثر العلوم العقليه والنقلية، وكان له الباع الطويل في الأدب، ونقد الشعر وشعره في غاية الحسن إلا أنه كان متكيفاً يأكل البرش والأفيون كثيراً لا يكاد يصحو منه، وربما قرأ الناس عليه في علوم شتى، وهو يشرد، فإذا فرغ القارىء من قراءته المقالة فتح عينيه، وقرر العبارة أحسن تقرير، وكان على مذهب الشعراء من التظاهر بمحبة الأشكال، والصور الحسنة حتى رمي، واتهم، وكان لا يتحاشى عن مخالطة المراد الحسان، وكان هجاء تتفق له النكات في هجائه، وفي شعره، ولو على نفسه، وكان مغالياً في نصرة القهوة المتخذة من البن غير منكر له وله فيها مقاطيع مشهورة، ولطائف غير منكورة، وربما كان يراجع الطلقات الثلاث، وكان يقع في حق العلماء، والأكابر، وإذا وصل إليه نوال من أحدهم مدحه، أو أثنى عليه، وكانوا يخافون من لسانه، ولي نيابة القضاء بالمحكمة الكبرى زماناً طويلاً مع الوظائف الدينية، وحمل عنه الناس العلم وانتفعوا به وأنبل من تخرج به في الشعر، والعربية العلامة درويش بن طالوا مفتي الحنفية بدمشق ومدرس السليمانية بها، وسلك طريقته فيما هو فيه، وكان الشيخ أبو الفتح المالكي حجته في كل ما يأتيه، وذكره ابن الحنبلي في تاريخه، وقال: قدم حلب سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، واتفقت بيننا، وبينه جمعية بجامعها، وشهدنا له محاضرة جيدة في فنون شتى قال وكان قد سألني يومئذ سؤالاً نحوياً رمزت إلى جوابه في المجلس، ثم أوضحته في هذه الأبيات وبعثت بها إليه:
أيا من له التحقيق في كل ما فن ... ومن شأنه الإتحاف من غير ما من
جوابك لي قد مر رمز جوابه ... لديك ،وقد شوهدت متقد الذهن
سألت عن التنوين في جمع حاجة ... أليس لتمكين على القطع لا الظن
وهل منع حاجات عن الصرف واقع ... ليمنع تمكيناً به صاحب الفن
وقد مر في المغني لنا غير مرة ... جوابك منقولاً وناهيك بالمغني
ومحصوله أنا وجدناه ثانياً ... وقد صير اسماً ذلك الجمع ياخدني
ولكنني مولاي مستشكل له ... وما لي صريح من جواب ولا مكني
أفقدك للتنوين من بعد موجب ... لمنعكه من قبل يا من له نعني
وهل مانع من أن يكون مقابلاً ... وتنوين تمكين معاً عند ذي ذهن
وهل مثبت التنكير في رجل له ... محيد عن التمكين كالسبب الحزن
كما أنه لا منع من جمع ذاكذا ... فلا منع فيما نحن فيه فقس وابن
وجد لي بشعر من قريضك ألقه ... عزيز عزيز المثل يا مقتدي معن
قلت: أنا أستحيي عن ابن الحنبلي في مقابلة الشيخ أبي الفتح المالكي، بمثل هذا الشعر وأبو الفتح يومئذ حائز قصبات السبق في الشعر الذي بلغ ببلاغته فيه النهايات، وزاحم فيه مثل ، أبي تمام، والبحتري، والمتنبي، وأبي العلاء، وابن قلاقس، وأبن نباتة وغيرهم طبقة بعد طبقة، كيف؟ وقد أورد له ابن الحنبلي الأبيات الآتية، فسبحان من قسم الأذواق كما قسم الأرزاق. قال ابن الحنبلي: ثم قدم حلب سنة إحدى وستين، والمقام الشريف السلطاني بها، فتولى تدريس دار الحديث الأشرفية بدمشق ، وعيب عليه ذلك لكونها شرط الواقف للشافعية قال: وهكذا عيب عليه ما انطوى عليه من شرب الخمر فما دونه، وتسليط الحشيشة على عقله والاختلاط بمنهي الغلمان جهراً من غير مبالاة بذلك نسأل الله تعالى العافية، وأورد له في مليح اسمه محمد بن حسام:
كم باسم والده على عشاقه ... يسطو فيا حزناه من أحداقه
ظبي ظبى ألحاظه قد جردت ... للفتك بالشاكين حول وطاقه
رشأ كحيل الطرف معسول اللما ... عذب المراشف آخذ بعناقه
يفتر. عن نظم الثريا ثغره ... وينوء بالجوزاء تحت نطاقه
إلى أن قال:
قسماً بصبح جبينه لو زار في ... جنح الدجى وسعى إلى مشتاقه

(1/362)


لفرشت خذي في الطريق مقبلاً ... بفم الجفون مواطن استطراقه
ووهبت ما ملكت يدي لمبشري ... بلقاء حضرة منعم بوفاقه
وللشيخ أبي الفتح مؤرخاً عمارة الحمام الذي بناه مصطفى باشا تحت قلعة دمشق:
لما كملت عمارة الحمام ... وأزداد به حسن دمشق الشام
قالت طرباً وأرخت منشدة ... حمامك أصل راحة الأجسام
وله موالياً موجهاً بأسماء الكواكب السبعة: لك صدغ عقرب على مريخ خدك دب وقوس حاجبك دايم مشتريه الصب وكم أسد شمس حسنك يا قمر قد حب و العاذل الثور في زهرة جمالك سب وقال حاكياً للسان حال الجامع الأموي:
يقول على ما قيل جامع جلق ... ألم يك قاضي الشام عني مسؤولاً
تسلم للأعجام وقفي لأكله ... ويروى لهم عني كتاب ابن مأكولا
أبعد فتى السبكي أعطى لسيبك ... وبعد الأمام الزنكلو لزنكولا
أقاموه لي قرداً بشباك مشهد ... وضموا له قرداً على الرفض مجبولا
يثمل كل أكل مالي بأسره ... فلا بلغ الله الأعاجم مأمولا
وقال في جامع يلبغا وكان ملازماً للتردد إليه للتنزه:
كم نزهة في يلبغا تبتغي ... ومدرج لم يخل من دارج
يا حسنه من جامع جامع ... فاق على الزوراء من عالج
يموج في بركته ماؤها ... تحت منار ليس بالمايج
مأذنه قامت على بابه ... تشهد للداخل والخارج
وقال فيه :
إلى يلبغا فارق أعلى الدرج ... بشرقيه تلق باب الفرج
وخذ يمنة منه نحو الشمال ... تصادف هنالك باب الفرج
ومل مسرعاً نحو غربيه ... تجد باب عرف نسيم الأرج
ومن حوله عصبة لم تزل ... لها تحت سرحته مفترج
تقضي نفائس أوقاتها ... بأخبار من قد مضى أو درج
فإن كنت عن حالهم سائلاً ... فليس على مثلهم من حرج
ولما وقف الشيخ أبو الفتح على قول القائل:
هذه القهوة هذي ... هذه المنهي عنها
كيف تدعى بحرام ... وأنا أشرب منها
فقال:
أقول لقوم قهوة البن حرموا ... مقالة معلوم المقام فقيه
فلو وصفت شرعاً بأدنى كراهة ... لما شربت في مجلس أنا فيه
ومن لطائفه أنه سئل عن قائل هذا البيت:
لا ضر أحبابي ولا روعوا ... غبنا فما زاروا ولا ودعوا
فأخبر بقائله ثم أنشد على الوزن والقافية ارتجالاً:
يا من لصب بين أطلالهم ... يهيم لا يرقى له مدمع
ترحلوا فالدار من بعدهم ... لبعدهم أطلالالها بلقع
لا واخذ الرحمن من ضيعوا ... عهدي وإن خانوا وإن ضيعوا
نذرت أن عادوا لهم مهجتي ... هيهات ما في عودهم مطمع
وقال:
ألا لعن الله الخصاصة والفقرا ... فإن سواد الوجه بينهما يطرا
وما الذل إلا فيهما وعليهما ... وما العز إلا بالغنى وهو بي أحرى
ومن يك في الدنيا فقيراً ومعدما ... يجد من بينها المقت والصد والهجرا
فلا تك عن كسب الحطام بغافل ... لتبلغ في الدنيا السعادة والفخرا
وقال سائلاً:
يا أيها الفاضل أوضح لنا ... قضية صحت بلا مين
في رجل فاه بقذف امرىء ... فرتب الحد على اثنين
فأجاب عنه بقوله:
هذا فتى أغرى سدي عبده ... بقذف شخص طاهر العين
فالحد للسيد والعبد في ... قول صحيح عند عدلين
وقال وقرأت بخط العلامة درويش بن طالوا أنه قال في مرض موته:
مرحباً بالحمام ساعة يطرا ... ولو ابتز من مدى العمر شطرا
حبذا الارتحال من دار سوء ... نحن فيها في قبضة القهر أسرى
وإذا ما ارتحلت يا صاح عنها ... لا سقى الله بعدي الأرض قطرا
مات رحمه الله تعالى في سنة خمس وسبعين وتسعمائة ودفن في الفراديس وقال ماماي مؤرخاً وفاته:

(1/363)


مذ عالم الدنيا قضى نحبه ... منتقلاً نحو جوار الإله
قد أغلق الفضل به بابه ... مؤرخاً مات أبو الفتح آه
وللشيخ ناصر الدين بن الكشك المعروف بابن أبي الحيل:
مات أبو الفتح إمام الورى ... يا ويح أهل الشام من بعده
ما زال قبل الموت يقري إلى ... أن ساقه الموت إلى لحده
مشتغلاً في العلم مستغرقاً ... أوقاته فيه وفي سرده
محمد بن محمد بن علوان
محمد بن محمد بن علي الشيخ الفاضل شمس الدين ابن الشيخ المحقق العارف بالله تعالى شمس الدين ابن سيدي علوان الحموي الشافعي قام مقام عمه الشيخ أبي الوفاء في المشيخة نحو سنة ومات في سنة أربع وثمانين وتسعمائة بحماة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
محمد بن محمد المشرقي
محمد بن محمد علي الشيخ العلامة المعمر المسند الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الغزي، الأزهري، الشافعي المعروف بابن المشرقي ميلاده بغزة في أوائل صفر سنة تسعمائة أخذ عن القاضي زكريا، والشيخ عبد الحق السنباطي وقاضي القضاة الكمال الطويل، والجمال الصالحي، والشمس الدلجي، والشيخ شمس الدين الطحان والشهاب أحمد بن شعبان بن علي بن شعبان الأنصاري، والسيد كمال الدين بن حمزة وغيرهم، وأخذ عنه جماعة منهم الشيخ محمد بن كسبائي الحديث، وغيره وتوفي سنة ثمانين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد بن الفرفور
محمد بن محمد بن أحمد القاضي ولي الدين ابن القاضي ولي الدين بن الفرفور كان ديناً مطاوعاً لأخيه القاضي عبد الرحمن، الآتي توفي يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة الحرام سنة أربع وثمانين وتسعمائة، ودفن بتربتهم جوار الشيخ أرسلان، وخلف ولدين أحدهما علي وكان أعلم مات صغيراً في بيت المقدس والثاني شهاب الدين أحمد الأطروش، وهو الآن من أفاضل دمشق قرأ علي شيئاً في النحو.
محمد بن محمد جودي زاده
محمد بن محمد بن الياس المولى الفاضل، والعلامة الكامل، قاضي القضاة محيي الدين. أحد موالي الروم المعروف بجوي زاده أحسن قضاة الدولة العثمانية، وأعفهم، وأصلحهم سيرة، وترقى في المدارس على عادة موالي الروم وولى قضاء دمشق، فدخلها في خامس عشر شهر صفر سنة سبع وسبعين وتسعمائة، وهي سنة ميلادي، وانفصل في ختام السنة عن قضاء دمشق، وأعطي قضاء مصر، ثم صار قاضياً بالعساكر، وفي آخر أمره صار مفتياً بالتخت السلطاني، وكانت سيرته في قضائه في غاية الحسن بحيث يضرب بها المثل، وكان عالماً فاضلاً، بارعاً، ديناً خيراً عفيفاً، كان رسم الحجة في دمشق قبل ولايته أربع عشرة قطعة، فجعله عشراً، وكان رسم الصورة ثماني قطع فجعله ستاً، ودام على ذلك، وأخذ بعض نوابه في بعض الوقائع ما زاد على ذلك، فرده على مالكه، وقرأ على شيخ الإسلام الوالد في أوائل الكتب الستة، وغير ذلك، وحضر بعض دروسه في التفسير والفقه، واستجازه فأجازه، وكان يفتخر بقراءته على الشيخ وأجازته. وكتب الشيخ له إجازة بخطه حافلة في يوم الاثنين رابع شعبان المكرم عام ثمانية وسبعين وتسعمائة، وأثنى عليه الشيخ في هذه الإجازة كثيراً، وقال فيها: وقد اجتمع بي في الشام حين وليه قاضياً، وكان بحمد الله في قيام الحق، ونصرة الدين سيفا ماضياً، وصار كل من أهل الصلاح به راضيا.
وهو والله عفيف نزه ... وله عرض مصون ما اتهم
وخبير بمداراة الورى ... ومداراة الورى أمر مهم
وكتب إليه شيخ الإسلام، وهو قاضي في دمشق في قضية من أبيات:
يا مفرد العصر في علم ومعرفة ... وعفة ما عهدناها لمن سلفا
ورفعة لمقام العلم مغترقا ... من نهلة ولأهل العلم معترفا
قد عز مقداره أيام دولتكم ... وزداد مع شرف فيه لكم شرفا

(1/364)


وكان - رحمه الله تعالى - حليماً إلى الغاية إلا في أمر الدين، ومصالح المسلمين، فإنه كان صلباً يغضب لله تعالى منع نائبه الجالس ببابه أن يسمع دعاوي حكام السياسة، بل كان هو يسمعها بنفسه، ويبالغ في ردعهم، ويتوعدهم، وربما ضرب بعضهم بحيث قل الظلم في زمانه، وانكف الظلمة عن أمور كثيرة، وكان إذا شفع عنده أحد من الأكابر أظهر له قبول الشفاعة فإن خالفت الحق، والأنصاف تناساها، وأعرض عن ذكرها ولم يقبل من أحد هدية في مدة قضائه. ولما انفصل عن دمشق أمر منادياً ينادي يوم الجمعة بالجامع الأموي أن قاضي القضاة عزل عن دمشق، فمن أعطاه شيئاً، أو أخذ منه، أحد من جماعته شيئاً، أو تعدى عليه أحد من جماعته، فليرفع قصته إليه حتى يرد إليه ما انتزع منه، فرفعت الناس أصواتهم بالبكاء، والدعاء، وأظهروا التأسف عليه لعزله، وتمنوا لو دامت ولايته عليهم ولما ولي قضاء العساكر الأناطولية بعد محمد أفندي ابن معلول، وكان قد حصل لابن معلول صرع في الديوان بعد أن ولي قضاء العساكر الأناطولية سبعة أيام، فأخرج تدريس التقوية عن شيخ الإسلام الوالد للشيخ محمد الحجازي بسبب خنق كان عند ابن معلول، على شيخ الإسلام الوالد بسبب أن شيخ الإسلام لم يتردد إليه على عادة أهل دمشق، ولم يكن لشيخ الإسلام والدي عادة بذلك، فحقد عليه، فلما ولي قضاء العسكر أخرج في أول ولايته بمدرسة التقوية عنه فما بقي في قضاء العسكر سبعة أيام حتى جن في الديوان، فولى قاضي القضاة جوي زاده مكانه، وكان له مزيد اعتقاد في الوالد رحمه الله تعالى فلما ولي قضاء العسكر الأناطولي كان أول شيء عرضه على السلطان مراد رحمه الله تعالى تلخيص للوالد بثمانين عثمانياً، وكانت في يده قبل ذلك بسبعين عثمانياً وما بلغ أحد من موالي العرب في دولة بني عثمان ثمانين قبل المرحوم الوالد، وقال أبدأ بمدرسة شيخ الإسلام الشيخ بدر الدين تيمناً، وتبركاً، وكان حسن اعتقاده سبباً لرفعة مقامه حتى ولي قضاء العساكر الروم إيليه، وولي الإفتاء ودام في ولايته كلها على التعبد والتورع في طعامه، وشرابه، ولباسه، ومات وهو مفتي التخت العثماني ليلة الخميس سادس جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين بتقديم التاء وتسعمائة - رحمه الله تعالى - رحمة واسعة.
محمد بن محمد البروسوي محمد بن محمد بن عمر الشيخ، محيي الدين الأنطاكي الأصل البروسوي المولد الحنفي. أحد أولاد منلا عرب الواعظ ولد في سنة عشرين وتسعمائة وكان ذكياً فاضلاً، فصيح العبارة، بديع المحاورة، له إلمام جيد بالتاريخ، وأشعار الناس طارحاً للتكلف على جلالة فيه دخل حلب فأكرمه قاضيها عبد الباقي أفندي ابن منلا عرب المشارك أبوه لأبيه في اللقب، ثم ذهب إلى الروم فأمر بإغراقه هناك لأمر ما، ثم نالته شفاعة فخلى سبيله، ثم ولي بعد مدة مديدة قضاء مصر فتوجه إليها من طريق البحر، فغرق به سنة تسع بتقديم التاء وستين وتسعمائة ذكره ابن الحنبلي، ولنا بيت لطيف في معنى ما وقع لصاحب الترجمة وهو
سبق القضاء بما أردت وقوعه ... لكنه في وقته سيكون
محمد بن محمد بن معلول
محمد بن محمد بن عبد القادر، أحد موالي الروم وابن أحد مواليها السيد الشريف قاضي القضاة ابن معلول. ولي قضاء الشام، وكلف الناس المبالغة في تعظيمه، وماتت له بنت، فصلى عليها شيخ الإسلام الوالد، وعزاه بالجامع الأموي، ولم يذهب معها لأنه حينئذ كان يؤثر العزلة، وعدم التردد إلى الحكام فحنق على الشيخ، ثم لما ولي مصر، ثم قضاء العسكر، وجه التقوية عن الوالد للشيخ محمد الحجازي المعروف بابن سماقة، ولم يكن حينئذ بذلك، وإنما راج على ابن معلول بالزايرجة وكان يقول له إن امرأتك حامل، وتلد ولداً اسمه محمد فإنه يكون المهدي فوضعت زوجته ولداً ذكراً وسماه محمداً، ثم سافر الحجازي إلى الروم، وبشره بأنه يتولى قضاء العسكر سبع عشر فتولاه سبعة عشر يوماً وكان في تلك المدة أخرج التقوية عن الشيخ للحجازي، فلما مضت تلك المدة جن ابن معلول، وأخذ من مجلس الديوان محمولاً وولي قضاء العسكر بعده جودي زاده، فأعاد التقوية إلى الشيخ، والقصة مشهورة، ثم ولي ابن معلول الإفتاء، ثم عزل عنه سريعاً، وأعطي نقابة الأشراف، ومات، وهو نقيب في سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة عن ثمان وخمسين سنة رحمه الله تعالى.

(1/365)


محمد بن محمد البصروي
محمد بن محمد بن علي القاضي شمس ابن الشيخ الإمام العلامة جلال الدين البصروي. أحد أعيان العدول بالمحكمة الكبرى، و كان مقدماً في علم التوريق، وخطه ضعيف مات في المحرم سنة ثمان وتسعين وتسعمائة، عن تسعين سنة رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد العرة

(1/366)


محمد بن محمد بن موسى ابن الشيخ علي العبد الصالح الزاهد، بل العارف المعروف بالعرة، الباقعي الحماري، الشافعي نزيل دمشق كان دسوقي الطريقة، وصحب سيدي محمد الأسدي الصفدي من أصحاب سيدي محمد بن عراق، وكان بينهما مصاهرة، أو قرابة، وكان الشيخ محمد العرة مواظباً على ذكر الله تعالى لا يفتر عنه طرفة عين، ووجهه مثل الورد يتهلل نوراً بحيث أن من رآه ذكر الله تعالى عند رؤيته، وعلم أنه من أولياء الله تعالى ويقال أنه رؤي بالموقف في جبل عرفات، وهو يومئذ بدمشق وكان في بدايته ذات يوم في بلدة حمارة من أعمال البقاع، فتحرك لحالة أخذته، وصاح فسمعه جماعة كانوا مجتمعين في مكان فقال: بعضهم ما هذا الصياح؟ فقال رجل منهم: هذا محمد العرة متحرك وكان في القوم رجل من الروم فقال الرومي والشيخ محمد العرة من أهل هذه البلدة قالوا نعم، فقال: حياه الله، فقالوا له من أين تعرفه، فقال: والله إني أعرفه من وقعة رودس، وأنا رأيته قدام السلطان سليمان بعيني رأسي، ثم قال لهم: أين يكون في هذا الوقت حتى نزوره، فقالوا له: في الجامع، فذهب الرومي إليه، وقبل يديه وأخذ خاطره، وذهب رجل يقال له عمر بن خضر من غزة البقاع إلى جبل لبنان في جماعة من البلد ليحتطبوا، والحال أن عمر بن خضر جنب، فبينا هم يقطعون الحطب إذا هاتف يهتف بهم يا أهل غزة جاءتكم العصاة، فهرب الجماعة، ورجعوا إلى غزه، فنظر عمر بن خضر فإذا الشيخ محمد بن العرة واقف على مزبلة هناك، وهو متحرك لحال ورد عليه فقال له: يا عمر تذهب إلى جبل لبنان، وأنت جنب ما تخاف من العصاة، فأخذ عمر يقبل يد الشيخ، ويبكي، ويقول تبت إلى الله تعالى يا سيدي، وحكى صاحبه الشيخ تقي الدين القربي الصوفي قال كان للشيخ محمد بن العرة محب سمان في السويقة المحروقة، فجاء إليه الشيخ، وقد أخذه الحال، وقال له: أطلع من هذا السوق فإنه يقع فامتثل الرجل أمره، وطلع من السوق، وأخلى الدكان فنصب في تلك المحلة بهلوان، وربط حبله في جملون السوق، وكان فوق السوق، وتحته رجال، ونساء، وأولاد ينظرون إلى البهلوان وكان الشيخ محمد العرة تحت الجملون في جملة الناس، وهو في حال عظيم، فوقع السوق على من تحته، وسقط كل من كان عليه، ولم يتأذ منهم أحد ببركة الشيخ، وكان الشيخ قد أخبر السمان المذكور بسقوط السوق قبل ذلك لعشرة أيام، وكان من معتقدي الشيخ محمد رجل مسافر في بلاد الدروز، فنذر الله عليه أن رجع إلى دمشق سالماً أن يعطي الشيخ محمد العرة شاشاً، فرجع فأصبح الشيخ محمد يدق باب الرجل، ويقول هات النذر، فدفعه إليه، وله كرامات كثيرة يعرفها من كان يعاشره، وأنا رأيته - رضي الله تعالى عنه - مراراً وكنت كلما وقع نظري عليه سررت، وعددتها نعمة، ولما وقع الجراد بدمشق في سنة ست وتسعين وتسعمائة، وجيء بطائر السمرمر الذي يقال إنه إذا كان في بلد طرد منها الجراد، وأمر الحاكم بخروج الناس، والصوفية، والمشايخ إلى لقائه، فدخلوا به من على سطح قاسيون من ناحية القابون حتى، وضعوه على قبة التكية السليمانية بالمرجة، فمررت مع الناس فرأيت الشيخ محمد العرة جالساً في الشرف الشمالي، وهو يلهج بذكر الله تعالى على عادته بحيث لا تسكن حركة لسانه، فعرفت أنه حمل حملة الناس في اللجاء إلى الله تعالى في رفع الجراد، وهلك بإذن الله تعالى الجراد في تلك السنة، وكنت أقول في نفسي: إذا رأيت الشيخ محمد العرة لو اطلعت على حال هذا الرجل في تأدية الصلوات وهل يلازم الجمعة، والجماعة لأنه كان خفياً في ظهوره يغلب عليه الصمت، ولا يصاحب الناس، وكنت أقول: إن عرفت منه هذه الحالة جزمت بأنه من إبدال الشام، وخواص أوليائها، فصليت بعد ذلك بشيء يسير صلاة الجمعة، وكان منتصف شعبان سنة أربع وتسعين وتسعمائة، فلما كان قبل الأذان، وإذا بالشيخ محمد العرة واقف إلى جانبي يجيب المؤذن حتى فرغ، فصلى تحية المسجد كما ينبغي، ثم جلس فلما شرع الخطيب في الخطبة سكن لسانه عن الذكر على خلاف عادته فعلمت أنه آثر الصمت على الاشتغال بالذكر، وهو المطلوب، والخطيب يخطب، ثم لاحظته في صلاة الجمعة، وفى الأوراد بعدها وصلاة السنة، ثم بقى جالساً حتى خرج الإمام من محرابه، فقام، وصافحني، وهو ينظر إلي مبتسماً كان يقول لي تحققت الحالة التي طلبت مني، فعظم حال هذا الرجل عندي، وهو ممن أرجو أن ألقى الله تعالى

(1/367)


على محبته، واعتقاده - رضي الله تعالى عنه - وكانت وفاته في صبيحة يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين بتقديم التاء المثناة في الثلاثة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.ى محبته، واعتقاده - رضي الله تعالى عنه - وكانت وفاته في صبيحة يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين بتقديم التاء المثناة في الثلاثة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
محمد بن محمد الزغبي
محمد بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الله، الشيخ الصالح المجذوب الدمشقي، المعروف بالزغبي. كان سميناً طويل اللحية له شيبة بيضاء، وكان له ذوق ونكت، ولطائف على لسان القوم، وإشارات الصوفية، وكان قد صحب في طريق الله تعالى جماعة منهم الشيخ عمر العقيبي وكان لا يشكو إليه الخواطر على عادة الفقراء فشكى بعض الفقراء ذات يوم خاطراً إلى الشيخ عمر، وقال يا سيدي خاطر ما لنا نرى الشيخ محمد الزغبي لا يشكو إليك خاطراً فقال الشيخ عمر للزغبي يا شيخ محمد سمعت هذا الخاطر الذي شكاه هذا الفقير فيك. فقال: نعم، وأنا الآن أشكو إليك خاطراً خطر لي قول القائل:
يا بو علي الشكوى إليك مذلة ... واش تنفع الشكوى لمن لا يزيلها

(1/368)