صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ البداية والنهاية - ابن كثير ]
الكتاب : البداية والنهاية
المؤلف : إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء
الناشر : مكتبة المعارف - بيروت
عدد الأجزاء : 14

من جلس مجلس ذكر كفر الله عنه بذلك المجلس عشر مجالس من مجالس الباطل قال ابو هزا قلت لعطاء ما مجلس الذكر قال مجالس الحلال والحرام كيف تصلي كيف تصوم كيف تنكح وتطلق وتبيع وتشتري
وقال الطبراني حدثنا اسحاق بن ابراهيم اخبرنا عبد الرزاق عن يحيى بن ربيعة الصنعاني قال سمعت عطاء بن ابي رباح يقول في قوله تعالى وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون قال كانوا يقرضون الدراهم قيل كانوا يقصون منها ويقطعونها وقال الثوري عن عبد الله بن الوليد يعني الوصافي قال قلت لعطاء ما ترى في صاحب قلم ان هو كتب به عاش هو وعياله في سعة وان هو تركه افتقر قال من الرأس قلت القسري لخالد قال عطاء قال العبد الصالح رب بما انعمت على فلن اكون ظهيرا للمجرمين وقال أفضل ما أتى العباد العقل عن الله وهو الدين وقال عطاء ما قال العبد يا ر رب يارب ثلاث مرات الا نظر الله اليه قال فكرت ذلك للحسن فقال اما تقرؤون القرآن ربنا اننا سمعنا مناديا ينادي لللايمان ان امنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفرلنا ذنوبنا وكفرعنا سيئاتنا الى قوله فاستجاب لهم ربهم الايات
وقال عبد الله بن احمد بن حنبل حدثنا ابو عبد الله السلمى حدثنا ضمرة عن عمر بن الورد قال قال عطاء ان استطعت ان تخلو بنفسك عشية عرفة فافعل وقال سعيد بن سلام البصري سمعت ابا حنيفة النعمان يقول لقيت عطاء بمكة فسألته عن شيء فقال من ناين انت فقلت من اهل الكوفة قال انت من اهل القرية الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا قلت نعم فمن أي الاصناف انت قلت ممن لا يسب السلف ويؤمن بالقدر ولا يكفر احدا من اهل القبلة بذنب فقال عطاء عرفت فالزم وقال عطاء ما اجتمعت عليه الامة اقوى عندنا من الاسناد وقيل لعطاء ان هاهنا قوما يقولون الايمان لا يزيد ولا ينقص فقال والذين اهتدوا زادهم هدى فما هذا الهدى الذي زادهم قلت ويزعمون ان الصلاة والزكاة ليستا من دين الله فقال قال تعالى وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة فجعل ذلك دينا وقال يعلى بن عبيد دخلنا على محمد بن سوقة فقال الااحدثكم بحديث لعله ان ينفعكم فانه نفعني قال لي عطاء بن ابي رباح يا ابن اخي ان من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضول الكلام اثما ما عدا كتاب الله ان يقرأ وامر بمعروف أو نهي عن منكر او ينطق العبد بحاجته في معيشته التي لا بد له منها اتنكرون وان عليكم لحافظين كراما كاتبين و عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد اما يستحي احدكم

(9/307)


لو نشرت عليه صحيفته التي املاها صدر نهاره فرأى اكثر ما فيها ليس من امر دينه ولا دنياه وقال اذا انت خفت الحر من الليل فاقرأ بسم الله الرحمن الرحيم اعوذ بالله من الشيطان الرجيم
وروى الطبراني وغيره ان الحلقة في المسجد الحرام كانت لابن عباس فلما مات ابن عباس كانت لعطاء بن ابي رباح وروى عثمان بن ابي شيبة عن ابيه عن الفضل بن دكين عن سفيان عن سلمة بن كهيل قال ما رأيت احدا يطلب بعمله ما عند الله تعالى الا ثلاثة عطاء وطاوس ومجاهد وقال الامام احمد حدثنا ابن نمر حدثنا عمر بن ذر قال ما رأيت مثل عطاء قط وما رأيت على عطاء قميصا قط ولا رأيت عليه ثوبا يساوي خمسة دراهم وقال ابو بلال الاشعري حدثنا قيس عن عبد الملك بن جريح عن عطاء ان يعلى بن امية كانت له صحبة وكان يقعد في المسجد ساعة ينوي فيها الاعتكاف وروى الاوزاعي عن عطاء قال ان كانت فاطمة بنت رسول الله ص لتعجن وان كانت قصتها لتضرب بالجفنة وعن الاوزاعي عنه قال ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال ذلك في اقامة الحد عليهما
وقال الاوزاعي كنت باليمامة وعليها رجل وال يمتحن الناس من اصحاب رسول الله ص انه منافق وما هو بمؤمن ويأخذ عليهم بالطلاق والعتاق ان يسمى المسيء منافقا وما يسميه مؤمنا فأطاعوه على ذلك وجعلوه له قال فلقيت عطاء فيها بعد فسألته عن ذلك فقال ما أرى بذلك بأسا يقول الله تعالى الا ان تتقوا منهم تقاة
وقال الامام احمد حدثنا سفيان بن عييبة حدثنا اسماعيل بن امية قال كان عطاء يطيل الصمت فاذا تكلم تخيل الينا انه يؤيد وقال في قوله تعالى لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله قال لا يلهيهم بيع ولا شراء عن مواضع حقوق الله تعالى التي افترضها علهيم ان يؤدوها في اوقاتها واوئلها وقال ابن جرير رأيت عطاء يطوف بالبيت فقال لقائده امسكوا احفظوا عني خمسا القدر خيره وشره حلوه ومره من الله عز و جل وليس للعباد فيه مشيئة ولا تفويض واهل قبلتنا مؤمنون حرام دماؤهم واموالهم الا بحقها وقتال الفئة الباغية بالايدي والنعال والسلاح والشهادة على الخوارج بالضلالة وقال ابن عمر تجمعون لي المسائل وفيكم عطاء بن ابي رباح
وقال معاذ بن سعد كنت جالسا عند عطاء فحدث بحديث فعرض رجل له في حديثه فغضب عطاء وقال ما هذه الاخلاق وما هذه الطبائع والله اني لاسمع الحديث من الرجل وانا اعلم به منه فأريه اني لا أحسن شيئا منه وكان عطاء يقول لان ارى في بيتي شيطانا خير من ارى فيه وسادة لانها تدعو الىالنوم وروى عثمان بن ابي شيبة عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد عن ابن جرير قال كان عطاء بعدما كبروضعف يقوم الى الصلاة فيقرأ مائتي اية من سورة البقرة

(9/308)


وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك وقال ابن عتيبة قلت لابن جرير ما رأيت مصليا مثلك فقال لو رأيت عطاء وقال عطاء ان الله لا يحب الفتى يلبس الثوب المشهور فيعرض الله عنه حتى يضع ذلك الثوب وكان يقال ينبغي للعبد ان يكون كالمريض لا بد له من قوت وليس كل الطعام يوافقه وكان يقول الدعوة تعمى عين الحكيم فكيف بالجاهل ولا تغبطن ذا نعمة بما هو فيه فانك لا تدري الى ماذا يصير بعد الموت
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة
ففيها وقع طاعون بالشام وحج بالناس فيها محمد بن هشام بن اسماعيل وهو نائب الحرمين والطائف والنواب في سائر البلاد هم المذكورين في التي قبلها والله اعلم وممن توفى فيها من الاعيان
ابو جعفر الباقر
وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب القرشي الهاشمي ابو جعفر الباقر وأمه ام عبد الله بنت الحسين بن علي وهو تابعي جليل كبير القدر كثيرا احد اعلام هذه الامة علما وعملا وسيادة وشرفا وهو احد من تدعى فيه طائفة الشيعة انه احد الائمة الاثني عشر ولم يكن الرجل على طريقهم ولا على منوالهم ولا يدين بما وقع في اذهانهم واوهامهم وخيالهم بل كان ممن يقدم ابا بكر وعمر وذلك عنده صحيح في الاثر وقال ايضا ما ادركت احدا من اهل بيتي الا وهو يتولاهما رضي الله عنهما وقد روى عن غيرواحد من الصحابة وحدث عنه جماعة من كبار التابعين وغيرهم فمن روى عنه ابنه جعفر الصادق والحكم بن عتيبة وربيعة والاعمش وابو اسحاث السبيعي والاوزاعي والاعرج وهو اسن منه وابن جريح وعطاء وعمرو بن دينار والزهري وقال سفيان بن عييبة عن جعفر الصادق قال حدثني ابي وكان خير محمدي يومئذ على وجه الارض وقال العجلي هو مدني تابعي ثقة وقال محمد بن سعد كان ثقة كثير الحديث وكانت وفاته في هذه السنة في قول وقيل في التي قبلها وقيل في التي بعدها اوفي التي هي بعدها وبعد بعدها والله اعلم وقد جاوز السبعين وقيل لم يجاوز الستين فالله اعلم فصل
ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب كان ابوه علي زين العابدين وجده الحسين قتلا شهيدين بالعراق وسمى الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم كان ذاكرا خاشعا صابرا وكان من سلالة النبوة رفيع النسب عالي الحسب وكان عارفا بالخطرات كثير البكاء والعبرات معرضا عن الجدال والخصومات

(9/309)


قال ابو بلال الاشعري حدثنا محمد بن مروان عن ثابت عن محمد بن علي بن الحسين في قوله تعال اولئك يجزون الغرفة بما صبروا قال الغرفة الجنة بما صبروا علىالفقر في الدنيا وقال عبد السلام بن حرب عن زيد بن خيثمة عن ابي جعفر قال الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن ولا تصيب الذاكر قلت وقد روى نحو هذا عن ابن عباس قال لو نزل من السماء صواعق عدد النجوم لم تصب الذاكر وقال جابر الجعفي قال لي محمد بن علي يا جابر اني لمحزون واني لمشتغل القلب قلت وما حزنك وشغل قلبك قال يا جابر انه من دخل قلبه صافي دين الله عز و جل شغله عما سواه يا جابر ما الدنيا وما عسى ان تكون هل هي الا مركبا ركبته او ثوبا لبسته او امرأة أصبتها يا جابر ان المؤمنين لم يطمئنوا الى الدنيا لبقاء فيها ولم يأمنوا قدوم الاخرة عليهم ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة ففازوا بثواب الابرار ان اهل التقوى ايسر اهل الدنيا مؤنة واكثرهم لك معونة ان نسيت ذكروك وان ذكرت اعانوك قوالين بحق الله قوامين بامر الله قطعوا لمحبة ربهم عز و جل ونظروا الى الله والى محبته بقلوبهم وتوحشوا من الدنيا لطاعة محبوبهم وعلموا ان ذلك من امر خالقهم فأنزلوا الدنيا حيث انزلها مليكهم كمنزل نزلوه ثم ارتحلوا عنه وتركوه وكما اصبته في منامك فلما استيقظت اذا ليس في يدك منه شيء فاحفظ الله فيما استرعاك من دينه وحكمته
وقال خالد بن يزيد سمعت محمد بن علي يقول قال عمر بن الخطاب اذا رأيتم القارئ يحب الاغنياء فهو صاحب الدنيا واذا رأيتموه يلزم السلطان فهو لص وكان ابو جعفر يصلي كل يوم وليلة بالمكتوبة وروى ابن ابي الدنيا عنه قال سلاح اللئام قبيح الكلام وروى ابو الاحوص عن منصور عنه قال لكل شيء آفة وآفة العلم النسيان وقال لابنه اياك والكسل والضجر فانهما مفتاح كل خبيثة انك اذا كسلت لم تؤد حقا وان ضجرت لم تصبر على حق وقال اشد الاعمال ثلاثة ذكر الله على كل حال وانصافك من نفسك ومواساة الاخ في المال وقال خلف بن حوشب قال ابو جعفر الايمان ثابت في القلب واليقين خطرات فيمر اليقين بالقلب فيصير كأنه زبر الحديد ويخرج منه فيصير كأنه خرقة بالية وما دخل قلب عبد شيء من الكبر الا نقص من عقله بقدره او اكثر منه
وقال لجابر الجعفي ما يقول فقهاء العراق في قوله تعالى لولا ان رأى برهان ربه قال رأى يعقوب عاضا على ابهامه فقال لا حدثني ابي عن جدي علي بن ابي طالب ان البرهان الذي رآه انها حين همت به وهم بها أي طمع فيها قامت الى صنم لها مكال بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب ابيض خشية ان يراها او استحياء منه فقال لها يوسف ما هذا فقالت الهي استحي

(9/310)


منه ان يراني على هذه الصورة فقال يوسف تستحين من صنم لا ينفع ولا يضر ولا يسمع ولا يبصر افلا استحي انا من الهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت ثم قال والله لا تنالين مني ابدا فهو البرهان وقال بشر بن الحارث الحافي سمعت سفيان الثوري يقول سمعت منصورا يقول سمعت محمد بن علي يقول الغني والعز يجولان في قلب المؤمن فاذا وصل لى مكان فيه التوكل أوطناه وقال ان الله يلقى في قلوب شيعتنا الرعب فاذا قام قائمنا وظهر مديننا كان الرجل منهم اجرأ من ليث وامضى من سيف وقال شيعتنا من اطاع الله عز و جل واتقاه وقال اياكم والخصومة فإنها تفسد القلب وتورث النفاق وقال الذين يخوضون في آيات الله هم اصحاب الخصومات
وقال عروة بن عبد الله سألت ابا جعفر محمد بن علي عن حلية السيف فقال لا بأس به قد حلى ابو بكر الصديق سيفه قال قلت وتقول الصديق قال فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال نعم الصديق نعم الصديق فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا والاخرة وقال جابر الجعفي قال لي محمد بن علي يا جابر بلغني ان قوما بالعراق يزعمون انهم يحبونا ويتناولون ابا بكروعمر ويزعمون اني امرتهم بذلك فأبلغهم عني اني الى الله منهم بريء والذي نفس محمد بيده
يعني نفسه لو وليت لتقربت الى الله بدمائهم ولانالتني شفاعة محمد ص ان لم اكن استغفر لهما واترحم عليهما ان اعداء الله لغافلون عن فضلها وسابقتها فأبلغهم اني بريء منهم وممن تبرأ من ابى بكر وعمر رضي الله عنهما وقال من لم يعرف فضل ابي بكر وعمر فقد جهل السنة وقال في قوله تعالى
انما وليكم الله ورسوله والذبن آمنوا الاية قال هم اصحاب محمد ( ص ) قال قلت يقولون هو علي قال من اصحاب محمد ( ص )
وقال عبد الله بن عطاء ما رأيت العلماء عند احد اصغرمنهم عند ابي جعفر محمد بن علي قال رأيت الحكم عنده كأنه متعلم وقال كان لي اخ في عيني عظيم وكان الذي عظمه في عيني صغرالدنيا في عينه وقال جعفر بن محمد ذهبت بغلة ابي فقال لئن ردها الله علي لاحمدنه بمحامد يرضاها فما كان بأسرع من ان اتى بها بسرجها لم يفقد منها شيء فقام فركبها فلما استوى عليها وجمع اليه ثيابه رفع رأسه الى السماء وقال الحمد لله لم يزد على ذلك فقيل له في ذلك فقال فهل تركت او ابقيت شيئا جعلت الحمد كله لله عز و جل وقال عبد الله بن المبارك قال محمد بن علي من اعطى الخلق الرفق والرفق فقد اعطى الخير والراحة وحسن حاله في دنياه واخرته ومن حرمهما كان ذلك سبيلا الى كل شر وبلية الا من عصمه الله وقال ايدخل احدكم يده في كم صاحبه فيأخذ ما يريد تاما الا قال فلستم اخوانا كما تزعمون وقال اعرف مودة اخيك لك بماله في قلبك من المودة

(9/311)


فان القلوب تتكافأ وسمع عصافير يصحن فقال اتدري ماذا يقلن قلت لا قال يسبحن الله ويسألنه رزقهن يوما بيوم وقال تدعو الله بما تحب واذا وقع الذي تكره لم تخالف الله عز و جل فيما احب
وقال ما من عبادة افضل من عفة بطن او فرج وما من شيء احب الى الله عز و جل من ان يسأل وما يدفع القضاء الا الدعاء وان اسرع الخبر ثوابا البر واسرع الشر عقوبة البغي وكفى بالمرء عيبا ان يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه وان يأمر الناس بما لا يستطيع ان يفعله وينهى الناس بما لا يستطيع ان يتحول عنه وان يؤذي جليسه بما لا يعينه هذه كلمات جوامع موانع لا ينبغي لعاقل ان يفعلها وقال القرآن كلام الله عز و جل غير مخلوق وقال ابو جعفر صحب عمر بن الخطاب رجل الى مكة فمات في الطريق فاحتبس عليه عمر حتى صلى عليه ودفنه فقل يوم الاكان عمر يتمثل بهذا البيت ... وبالغ امر كان يأمل دونه ... ومختلج من دون ماكان يامل ...
وقال ابو جعفر والله لموت عالم احب الى ابليس من موت الف عابد وقال ما اغروقت عين عبد بمائها الا حرم الله وجه صاحبها على النار فان سألت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة وما من شيء الا وله جزاء الا الدمعة فان الله يكفر بها بحور الخطايا ولو ان باكيا بكى من خشية الله في امة رحم الله تلك الامة وقلا بئس الاخ اخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا قلت البيت الذي كان يتمثل به قبله بيتان وهو ثالثهما وهذه الابيات تتضمن حكما وزهدا في الدنيا قال ... لقد غرت الدنيا رجالا فإصبحوا بمنزلة ما بعده متحول ... فساخط امر لا يبدل غيره ... وراض بأمر غيره سيبدل ... وبالغ امر كان يأمل دونه ... ومختلع من دون ما كان يأمل ...
ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة
ففيها غزا معاوية بن هشام الصاائفة وفيها وقع طاعون عظيم بالشام والعراق وكان معظم ذلك في واسط وفي المحرم منها توفي الجنيد بن عبد الرحمن المري امير خراسان من مرض اصابه في بطنه وكان قد تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب فتغضب عليه امير المؤمنبن هشام بن عبد الملك فعزله وولى مكانه عاصم بن عبد الله على خراسان وقال له ان ادركته قبل ان يموت فأزهق روحه فما قدم عاصم بن عبد الله خراسان حتى مات الجنيد في المحرم منها بمرو وقال فيه ابو الجرير عيسى بن عصمة يرثيه ... هلك الجود والجنيد جميعا ... فعلى الجود والجنيد السلام

(9/312)


اصبحا ثاويين في بطن مرو ... ما تغنى على الغصون الحمام ... كنتما نزهة الكرام فلما ... مت مات الندى ومات الكرام ...
ولما قدم عاصم خراسان اخذ تراب الجنيد بالضرب البليغ وانواع العقوبات وعسفهم في المصادرات والجنايات فخرج عن طاعته الحارث بن شريح فبارزه بالحرب وجرت بينهما امور يطول ذكرها ثم آل الامر الى ان انكسر الحارث بن شريح وظهر عاصم عليه قال الواقدي وفيها حج بالناس الوليد بن يزيد وهو ولي الامر من بعد عمه هشام بن عبد الملك امير المؤمنين كما سيأتي ان شاء الله تعالى
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة
فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى وهما ابنا امير المؤمنين هشام وفيها بعث مروان بن محد وهو مروان الحمار وهو على ارمينية بعثين ففتح حصونا من بلاد اللان ونزل كثير منهم على الايمان وفيها عزل هشام عاصم بن عبد الله الهلالي الذي ولاه في السنة قبلها خراسان مكان الجنيد فعزله عنها وضمها الى عبد الله بن خالد القسري مع العراق معادة اليه جريا على ما سبق له من العادة وكان ذلك عن كتاب عاصم بن عبد الله الهلالي المعزول عنها وذلك انه كتب الى امير المؤمنين هشام ان ولاية خراسان لا تصلح الا مع ولاية العراق رجاء ان يضيفها اليه فانعكس الامر عليه فأجابه هشاك الى ذلك قبولا الى نصيحته واضافها الى خالد القسري وفيها توفي
قتادة بن دعامة السدوسي
ابو الخطاب البصري الاعمى احد علماء التابعين والائمة العاملين ورى عن انس بن مالك وجماعة من التابعين منهم سعيد بن المسيب والبصري وابو العالية وزرارة بن اوفى وعطاء ومجاهد ومحمد بن سيرين ومسروق وابو مجلز وغيرهم وحدث عنه جماعات من الكبار كأيوب وحماد بن مسلمة وحميد الطويل وسعيد بن ابي عروبة والاعمش وشعبة والاوزاعي ومسعر ومعمر وهمام قال ابن المسيب ما جاءني عراقي افضل منه وقال بكر المزني ما رأيت احفظ منه وقال محمد بن سيرين هو من احفظ الناس وقال مطر كان قتادة اذا سمع الحديث يأخذه العويل والزويل حتى يحفظه وقال الزهري هو اعلم من مكحول وقال معمر ما رأيت افقه من الزهري وحماد وقتادة وقال قتادة ما سمعت شيئا الا وعاه قلبي وقال احمد بن حنبل هو احفظ اهل البصرة لا يسمع شيئا الا حفظه وقرى عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها وذكر يوما فأثنى على علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير وغير ذلك وقال ابو حاتم كانت وفاته بواسط

(9/313)


في الطاعون يعني في هذه السنة وعمره ست او سبع وخمسون سنة
[ قال قتادة من وثق بالله كان الله معه ومن يكن الله معه تكن معه الفئة التي لا تغلب والحارس الذي لا ينام والهادي الذي لا يضل والعالم الذي لا ينسى وقال في الجنة كوة الى النار فيقولون ما بال الاشقياء دخلوا النار وانما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم فقالوا انا كنا نأمركم ولا نأتمر وننهاكم ولا ننتهي وقال باب من العلم يحفظه الرجل يطلب به صلاح نفسه وصلاح دينه وصلاح الناس افضل من عبادة جول كامل وقال قتادة لو كان يكتفي من العلم بشيء لاكتفى موسى عليه السلام بما عنمده ولكنه طلب الزيادة ]
وفيها توفي ابو الحباب سعيد بن يسار والاعرج وابن ابي مليكة وعبد الله بن ابي زكريا الخراعي وميمون بن مهران بن موسى بن وردان
فصل فأما سعيد بن يسار فكان من العباد الزهاد روى عن جماعة من الصحابة وكذلك الاعرج وابن ابي ملكية واما ميمون بن مهران فهو من اجلاء علماء التابعين وزهادهم وعبادتهم وائئمتهم وكان ميمون امام اهل الجزيرة روى الطبراني عنه انه قيل له مالك لا يفارقك اخ لك عن فلى قال لاني لا اماريه ولا اشاريه قال عمر بن ميمون ما كان ابي يكثر الصلاة ولا الصيام ولكن كان بكره ان يعصي الله عز و جل وروى ابن ابي عدي عن يونس عنه قال لا تمارين عالما ولا جاهلا فانك ان ماريت عالما خزن عنك علمه وان ماريت جاهلا خشن بصدرك وقال عمر بن ميمون حرجت باني اقوده في بعض سكك البصرة فمررنا بجدول فلم يستطيع الشيخ ان يتخطاه فاضجعت له فمر على ظهري ثم قمت فأخذت بيده ثم دفعنا الى منزل الحسن فطرقت الباب فخرجت الينا جارية سداسية فقالت من هذا فقلت هذا ميمون بن مهران اراد لقاء الحسن فقالت كاتب عمر بن عبد العزيز قلت لها نعم قالت يا شقي ما بقاؤك الى هذا الزمان السوء قال فبكى الشيخ فسمع الحسن بكاءه فخرج اليه فاعتنقا ثم دخلا فقال ميمون يا ابا سعيد اني قد انست من قلبي غلظة فاستكن لي منه فقرأ الحسن
أفرأيت ان متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما اغنى عنهم ما كانوا يمتعون فسقط الشيخ مغشيا عليه فرأيته يفحص برجليه كما تفحص الشاة اذا ذبحت فأقام طويلا ثم جاءت الجارية فقالت قد اتعبتم الشيح قوموا تفرقوان فأخذت بيد ابي فخرجت فقلت يا ابت اهذا هوالحسن قال نعم قلت قد كنت احسب في

(9/314)


نفسي انه اكبر من هذا قال فوكز في صدري وكزة ثم قال با بني لقد قرأ علينا اية لو فهمتها بقلبك لالفيت لها فيه كلوما
وروى الطبراني عنه انه قال ما احب اني اغطيت درهما في لهو وان لي مكانة مائة الف اخشى ان تصيبني هذه الاية ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلعن سبيل الله الاية وقال جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال كنت عند عمر بن عبد العزيز فلما قمت قال عمر اذا ذهب هذا واضرابه لم يبق من الناس الا مجاجة
وروى الامام احمد عن معمر بن سليمان الرقى عن فرات بن سليمان عن ميمون بن مهران قال ثلاث لا تبلو نفسك بهن لا تدخل على سلطان وان قلت آمره بطاعة الله ولا تدخل على امرأة وان قلت اعلمها كتاب الله ولا تصغين بسمعك الى ذي هوى فانك لا تدري ما يعلق بقلبك من هواه وروى عبد الله بن احمد عنه في قوله تعالى أن جهنم كانت مرصادا و ان ربك لبالمرصاد فقال التمسوا هذين المرصادين جوازا وفي قوله ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون فيها وعيد شديد للطالم وتعزية للمظلوم وقال لو ان اهل القرآن صلحوا لصلح الناس وقال عبد الله بن احمد بن حنبل حدثنا عيسى بن سالم الشاشي حدثنا ابو المليح قال سمعت ميمون بن مهران يقول لا خير في الدنيا الا رجلين رجل تائب او قال يتوب من الخطيئات ورجل يعمل في الدرجات فلا خير في العيش والبقاء في الدنيا الا لهذين الرجلين رجل يعمل في الكفارات ورجل يعمل في الدرجات وبقاء ما سواهما وبال عليه وقال جعفر بن برقان سمعت ميمون بن مهران يقول ان هذا القرآن قد خلق في صدور كثير من الناس فالتمسوا ما سواه من الاحاديث وان فيمن يتبع هذاالعلم قوما يتخذونه بضاعة يلتمس بها الدنيا ومنهم من يريد ان يماري به وخيرهم من يتعلمه ويطيع الله عز و جل به وقال من اتبع القرآن قاده القرآن حتى يحل به الجنة ومن ترك القرآن لم يدعه القرآن يتبعه حتى يقذفه في النار
وقال الامام احمد حدثنا خالد بن حيان حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال وقال ميمون من كان يريد ان يعلم ما منزلته عند الله فلينظر في عمله فانه قادم عليه كائنا ما كان وقال عبد الله بن احمد بن حنبل حدثنا يحيى بن عثمان الحربي حدثنا ابو المليح عن ميمون بن مهران قال نظر رجل من المهاجرين الى رجل يصلي فأخفى الصلاة فعاتبه فقال اني ذكرت ضيعة لي فقال اكبر الضيعة اضعته وقال عبد الله بن احمد بن حنبل حدثنا جعفر بن محمد الدسعني حدثنا ابو جعفر النفيلي حدثنا عثمان ابن عيد الرحمن عن طلحة بن زيد قال قال ميمون لا تعرف الامير ولا تعرف من يعرفه وروى

(9/315)


عبد الله بن احمد عنه ايضا قال لان اوتمن على بيت مال احب الى من ان اؤتمن على امرأة وقال ابو يعلى الموصلي حدثنا هاشم بن الحارث حدثنا ابو المليح الرقى عن حبيب بن ابي مرزوق قال قال ميمون وددت أن إحدى عيني ذهبت وبقيت الأخرى أتمتع بها وأني لم أل عملا قط قلت ولا لعمر بن عبد العزيز قال ولا لعمر بن عبد العزيز لا خير في العمل لا لعمر ولا لغيره
وقال أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثنا سفيان حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال ما عرضت قولي على عملي إلا وجدت من نفسي اعتراضا وقال الطبراني حدثنا المقدام بن داود حدثنا علي بن معبد حدثنا خالد بن حيان حدثنا جعفر عن ميمون قال قال لي ميمون قل لي في وجهي ما أكره فان الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره وروى عبد الله بن أحمد عنه في قوله تعالى خافضة رافعة قال تخفض أقواما وترفع آخرين وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني عيسى بن سالم حدثنا ابو المليح حدثنا بعض اصحابي قال كنت امشي مع ميمون فنظر فرأى على ثوب كتان فقال اما بلغك انه لا يلبس الكتان الا غني او غاو وبهذا الاسناد سمعت ميمون بن مهران يقول اول من مشت الرجال معه وهو راكب الا شعت بن قيس الكندي ولقد ادركت السلف وهم اذا نظروا الى رجل راكب ورجل يحضر معه قالوا قاتله جبار وقال عبد الله بن احمد بلغني عن عبد الله بن كريم بن حبان وقد رأيته حدثنا ابو المليح قال قال ميمون ما احب ان لي ما بين باب الرها الى حوران بخمسة دراهم وقال ميمون يقول احدهم اجلس في بيتك واغلق عليك بابك وانظر هل يأتيك رزقك نعم والله لو كان له مثل يقين مريم وابراهيم عليهما السلام واغلق عليه بابه وارخى عليه ستره لجاءه رزقه وقال لو ان كل إنسان منا يتعاهد كسبه فلم يكسب إلا طيبا فأخرج ما عليه ما احتيج الى الاغنياء ولا احتاج الفقراء وقال ابو المليح عن ميمون قال ما بلغني عن اخ لي مكروه قط الا كان اسقاط المكروه عنه احب الى من تخفيفه عليه فان قال لم اقل كان قوله لم اقل احب الي من ثمانية يشهدون عليه فان قال قلت ولم يعتذر ابغضته من حيث احببته وقال سمعت ابن عباس يقول ما بلغني عن اخ لي مكروه قط الاانزلته احدى ثلاث منازل ان كان فوقي عرفت له قدره وان كان نظيري تفضلت عليه وان كان دوني لم احفل به هذه سيرتي في نفسي فمن رغب عنها فان ارض الله واسعة
وقال ابان بن ابي راشد القشيري كنت اذا اردت الصائقة اتيت ميمون بن مهران اودعه فما يزيدني على كلمتينن اتق الله ولا يغرنك طمع ولا غضب وقال ابوالمليح عن ميمون قال العلماء هم ضالتي في كل بلدة وهم احبتي في كل مصر ووجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء وقال في قوله

(9/316)


تعالى انما يوفي الصابرون اجرهم بغير حساب قال عزقا وقال لان اتصدق بدرهم في حياتي احب الي من ان اتصدق بمائه درهم بعد موتي وقال كان يقال الذكر ذكران ذكر الله باللسان وافضل من ذلك ان تذكره عند ما ما احل وحرم وعند المعصية فتكف عنها وقد اشرقت وقال ثلاث الكافر والمؤمن فيهن سواء الامانة تؤديها الى من ائتمنك عليها من مسلم وكافر وبر الوالدين وان كانا كافرين والعهد تفي به للمؤمن والكافر وقال صفوان عن خلف بن حوشب عن ميمون قال ادركت من لم يكن يملأ عينيه من السماء فرقا من ربه عز و جل
وقال احمد بن يزيغ حدثنا يعلى بن عبيد حدثنا حدثنا هارون ابو محمد البربري ان عمر بن عبد العزيز استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة وعلى قضائها وخراجها فمكث حينا ثم كتب الى عمر يستعفيه عن ذلك وقال كلفتني ما لا اطيق اقضي بين الناس وانا شيخ كبير ضعيف رقيق فكتب اليه عمر اجب من الخراج الطيب واقض بما استبان لك فاذا التبس عليك امر فارفعه الي فان الناس لو كان اذا كبر عليهم امر تركوه ما قام لهم دين ولا دنيا
قال قتيبة بن سعيد حدثنا كثير بن هشام حدثنا جعفر بن برقان قال سمعت ميمون بن مهران يقول ان العبد اذا اذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء فاذا تاب محيت من قلبه فترى قلب المؤمن مجليا مثل المرآة ما يأتيه الشيطان من ناحية الا ابصره واما الذي يتتابع في الذنوب فانه كلما اذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من اين يأتيه وقال الامام احمد حدثنا علي بن ثابت حدثنا حدثنا جعفر عن ميمون قال ما اقل اكياس الناس الا يبصر الرجل امره حتى ينظر الى الناس والى ما ادوابه والى ما قد اكبوا عليه من الدنيا فيقول ما هؤلاء الا امثال الاباعر لا هم لها الا ما تجعل في اجوافها حتى اذا ابصر غفلتهم نظر الى نفسه فقال والله اني لاراني من شرهم بعيرا واحدا وبهذا الاسناد عنه مامن صدقة افضل من كلمة حق عند امام جائر وقال لا تعذب المملوك ولا تضر به على كل ذنب ولكن احفظ ذلك له فاذا عصى الله عز و جل فعاقبه على معصية الله وذكره الذنوب التي اذنب بينك وبينه وقال قتيبة حدثنا جعفر بن برقان سمعت ميمون بن مهران يقول لا يكون الرجل من المتقين حى يحاسب نفسه اشد من محاسبة الشريك شريكه حتى يعلم من اين مطعمه ومن اين مشربه امن حلال ذلك ام من حرام
وقال ابو زرعة الدارمي حدثنا سعيد بن حفص النفيلي حدثنا ابو المليح عن ميمون قال الفاسق بمنزلة السبع فاذا كلمت فيه فخليت سبيله فقد خليت سبعا على المسلمين وقال حعفر بن برقان قلت لميمون بن مهران ان فلانا يستبطيء نفسه في زيارتك قال اذا ثبتت المودة في القلوب فلا

(9/317)


بأس وان طال المكث وقال أحمد حدثنا ميمون الرقي حدثنا الحسن ابو المليح عن ميمون قال لا تجد غريما اهون عليك من بطنك او ظهرك وقال الامام احمد ايضا حدثنا عبد الله بن ميمون حدثنا الحسن عن حبيب بن ابي مرزوق قال رأيت علي ميمون جبة صوف تحت ثيابه فقلت له ما هذا قال نعم فلا تخبر به احدا وقال عبد الله بن احمد حدثني يحيى بن عثمان حدثنا ابو المليح عن ميمون قال من اساء سرا فليتب سرا ومن اساء علانية فليتب علانية فإن الله يغفر ولا يعير وان الناس يعبرون ولا يغفرون
وقال جعفر قال ميمون في المال ثلاث آفات ان نجا صاحبه من واحدة لم ينج من اثنتين وان نجا من اثنتين كان قمينا ان لا ينجو من الثالثة ينبغي ان يكون حلالا طيبا فأيكم الذي يسلم كسبه فلم يدخله الا طيبا فإن سلم من هذه فينبغي ان يؤدي الحقوق التي تلزمه في ماله فان سلم من هذه فينبغي ان يكون في نفقته ليس بمسرف ولا مقتر وقال سمعت ميمونا يقول اهون الصوم ترك الطعام والشراب وقال عبد الله بن احمد حدثنا يحيى بن عثمان الحربي حدثنا ابو المليح عن ميموت ابن مهران قال ما نال رجل من جسيم الخير نبي او غيره الا بالصبر وبهذا الاسناد قال الدنيا خلوة خضرة قد خفت بالشهوات والشيطان عدو حاضر فيظن ان امر الاخرة احل وامر الدنيا عاجل وقال يونس بن عبيدة كان طاعون قبل بلاد ميمون بن مهران فكتبت اليه اسأله عن اهله فكتب الي بلغني كتابك تسألني عن اهلي وانه مات من اهلي وخاصتي سبعة عشر انسانا واني اكره البلاء اذا اقبل فاذا ادبر لم يسرني انه لم يكن واما انت فعليك بكتاب الله فان الناس قد بهتوا عنه يعني ايسوا واختاروا الاحاديث احاديث الرجال واياك والمرائي في الدين قال ابو عبيد في الغريب يهئوا به مهموزا ومعناه انسوا به
وقال عمر بن ميمون كنت مع ابي ونحن نطوف بالكعبة فلقي ابي شيخ فعانقه ومع الشيخ فتى نحو منى فقال له ابي من هذا قال ابني قال كيف رضاك عنه فقال ما بقيت خصلة با ابا ايوب من خصال الخير الا وقد رأيتها فيه الا واحدة وقال وما هي قال ان يموت فأوجز فيه او قال فأحتسبه ثم فارقه ابي فقلت من هذا الشيخ فقال مكحول وقال شر الناس العيابون ولا يلبس الكتان الا غنى او غوى
وروى الامام احمد عنه قال يا ابن ادم خفف عن ظهرك فإن ظهرك لا يطيق كل هذا الذي يحمل من ظلم هذا واكل مال هذا وغشم هذا وكل هذا على ظهرك تحمله فخفف عن ظهرك وقال ان اعمالكم قليلة فأخلصوا هذا القليل وقال ما اتي قوم في ناديهم المنكر الا حق هلاكهم وروى عبد الله بن احمد عنه انه قرأ وامتازوا اليوم ايها المجرمون ثم فارق حتى بكى ثم قال

(9/318)


ما سمع الخلائق بنعت قط اشد منه وقال ابو عوانة حدثنا ابراهيم بن عبد الله حدثنا محمد بن اسحاق حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا خالد عن حصين بن عبد الرحمن عن ميمون قال اربع لا تكلم فيهم على وعثمان والقدر والنجوم وقال احذروا كل هوى يسمى بغير الاسلام
وروى شبابة عن فرات بن السائب قال سألت ميمون أعلى افضل عندك ام ابو بكر وعمر فارتعد حتى سقطت عصاه من يده ثم قال ما كنت اظن ان ابقى الى زمان يعدل يعدل بهما غيرهما انهما كانا رادءى الاسلام ورأس الاسلام ورأس الجماعة فقلت فأبو ببكر كان اول اسلاما ام علي فقال والله لقد آمن ابو بكر بالنبي صلى الله عليه و سلم زمن بحيرا الراهب حين مر به وكان ابو بكر هو الذي يختلف بينه وبين خديجة حتى انكحها اياه وذلك كله قبل ان يولد علي وكان صاحبه وصديقه قبل ذلك وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قل ما يوجد في آخر الزمان درهم من حلال او اخ يوثق به وروى عن ابن عمر ايضا عن النبي صلى الله عليه و سلم قال شر المال في آخر الزمان المماليك وروى ابن ابي الدنيا عنه قال من طلب مرضاة الاخوان بلا شيء فليصادق اهل القبور وقال من ظلم احدا ففاته ان يخرج من مظلمته فاستغفر له دبر كل صلاة خرج من مظلمته وهذا ان شاء الله يدخل فيه الاعراض والاموال وسائر المظالم وقال ميمون القاتل والآمر والمأمور والظالم والراضي بالظلم كلهم في الوزر سواء وقال افضل الصبر الصبر على ما تكرره نفسك من طاعة الله عز و جل
روى ميمون عن جماعة من الصحابة وكان يسكن الرقة رحمه الله تعالى
نافع مولى ابن عمر
ابو عبد الله المدني اصله من بلاد المغرب وقيل من نيسابور وقيل من كابل وقيل غير ذلك روى عن مولاه عبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة مثل رافع بن خديج وابي سعيد وابي هريرة وعائشة وام سلمة وغيرهم وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم وكان من الثقات النبلاء والائمة الاجلاء قال البخاري اصح الاسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر وقال غيره كان عمر بن عبد العزيز قد بعثه الى مصر يعلم الناس السنن وقد اثنى عليه غير واحد من الائمة وثقوه ومات في هذه السنة على المشهور
ذو الرمة الشاعر
واسمه غيلان بن عتية بن يهيس من بني عبد مناة بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر ابو الحارث أحد فحول الشعراء وله ديوان مشهور وكان يتغزل في مي ينت مقاتل بن طلبة بن قيس

(9/319)


ابن عاصم المنقري وكانت جميلة وكان هو دميم الحلق اسود اللون ولم يكن بينهما فحش ولا خنا ولم يكن رآها قط ولا رأته وانما كانت تسمع به ويسمع بها ويقال انها كانت تنذر ان هي رأته ان تذبح جزورا فلما رأته قالت واسوتاه ولم تبد له وجهها قط الا مرة واحدة فأنشأ يقول على وجه مي لمحة من حلاوة ... وتحت الثياب العار لو كان باديا ...
قال فانسخلت من ثيابها فقال ... الم تر ان الماء يخبث طعمه ... وان كان لون الماء ابيض صافيا ...
فقالت تريد ان تذوق طعمه فقال أي والله فقالت تذوق الموت قبل ان تذوقه فأنشأ يقول
... فواضعيه الشعر الذي راح وانقضى ... بمي ولم املك ضلال فؤاديا ...
قال ابن خلكان ومن شعره السسائر بين الناس ما انشده ... اذا هبت الارياح من نحو جانب ... به اهل مي هاج شوقي هبوبها ... هوى تذرف العينان منه وانما ... هوى كل نفس اين حل حبيبها ... وانشد عن الموت ... ياقابض الارواح في جسمي اذا احتضرت ... وغافر الذنب زحزحنى عن النار ...
ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائة
فيا غزا معاوية وسليمان ابنا امير المؤمنين هشام بن عبد الملك بلاد الروم وفيها قصد شخص بقال له عمار بن يزيد ثم سمى بخداش الى بلاد خراسان ودعا الناس الى خلافة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فاستجاب له خلق كثر فلما التفوا عليه دعاهم الى مذهب الحزمية الزنادقة واباح لهم نساء بعضهم بعضا ورزعم لهم ان محمد بن علي يقول ذلك وقد كذب عليه فأظهر الله عليه الدولة فأخذ فجئ به الى خالد بن عبد الله القسري امير العراق وخراسان فأمر به فقطعت يده وسل لسانه ثم صلب بعد ذلك وفيها حج الناس محمد بن هشام بن اسماعيل امير المدينة وقيل ان امرة المدينة كانت مع خالد بن عبد الملك بن مروان والصحيح انه كان قد عزل وولى مكانه محمد بن هشام بن إسماعيل وكان امير العراق القسري وفيها كانت وفاة
علي بن عبد الله بن عباس
ابن عبد المطلب القرشي الهاشمي ابو الحسن ويقال ابو محمد وامه زرعة بنت مسرح بن معد يكرب الكندي احد ملوك الاربعة الاقيال المذكور في الحديث الذي رواه احمد وهم مسرح وحمل ومخولس وابضعة واختهم العمردة وكان مولد على هذا يوم قتل علي بن ابي

(9/320)


طالب فسماه ابو باسمه وكناه بكنيته وقيل انه ولد في حياة علي وهو الذي سماه وكناه ولقبه بأبي الاملاك فلما وفد علي عبد الملك بن مروان اجلسه معه على السرير وسأله عن اسمه وكنيته فأخبره فقال له ألك ولد قال نعم ولد لي ولد سميته محمدا فقال له أنت ابو محمد واجزل عطيته واحسن اليه وقد كان علي هذا في غاية العبادة والزهادة والعلم والعمل وحسن الشكل والعدالة والثقة كان يصلي في كل يوم وليلة الف ركعة قال عمرو بن علي الفلاس كان من خيار الناس وكانت وفاته بالجهمة من ارض البلقاء في هذه السنة وقد قارب الثمانين وقد ذكر ابن خلكان انه تزوج لبابة بنت عبد الله بن جعفر التي كانت تحت عبد الملك بن مروان فطلقها وكان سبب طلاقه اياها انه عض تفاحة ثم رمى بها اليها فأخذت السكين فحزت من التفاحة ما مس فمه منها فقال ولم تفعلين هذا قالت ازيل الاذى عنها وذلك لان عبد الملك كان ابخر فطلقها عبد الملك فلما تزوجها علي بن عبد الله بن عباس هذا نقم عليه الوليد بن عبد الملك لاجل ذلك فضر به بالسياط وقال انما اردت ان تذل بنيها من الخلفاء وضربه مرة ثانية لانه اشتهر عنه انه قال الخلافة صائرة الى بيته فوقع الامر كذلك وذكر المبرد انه دخل على هشام بن عبد الملك ومع ابناه السفاح والمنصور وهما صغيران فأكرمه هشام وادنى مجلسه واطلق له مائة وثلاثين الفا وجعل علي بن عبد الله يوصيه بابنيه خيرا ويقول انهما سيليان الامر فجعل هشام يتعجب من سلامة باطنه وينسبه في ذلك الى الحمق فوقع الامر كما قال قالوا وقد كان علي في غاية الجمال وتمام القامة كان بين الناس كأنه راكب وكان إلى منكب أبيه عبد الله الى منكب ابيه العباس وكان العباس الى منكب ابيه عبد المطلب وقد بايع كثير من الناس لابنه محمد بالخلافة قبل ان يموت على هذا قبل هذه السنة بسنوات ولكن لم يظهر امره حتى مات فقام بالامر من بعده ولده عبد الله ابو العباس السفاح وكان ظهوره في سنة اثنيتن وثلاثين كما سيأتي ان شاء الله تعالى
عمرو بن شعيب وعبادة بن نسى وابو صخرة جامع بن شداد وابو عياش المعافري
ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة
ففيها غزا الوليد بن القعقاع بلاد الروم وفيها قتل اسد بن عبد الله القسري ملك الترك الاعظم خاقان وكان سبب ذلك ان اسد بن عبد الله امير خراسان عمل نيابة عن اخيه خالد بن عبد الله على العراق ثم سار بجيوشه الى مدينة ختل فافتتحها وتفرقت في ارضها جنوده يقتلون ويأسرون ويعنمون فجاءت العيون الى ملك الترك خاقان ان جيش اسد قد تفرق في بلاد ختل فاغتنم خاقان هذه الفرصة فركب من فوره في جنوده قاصدا الى اسد وتزود خاقان واصحابه سلاحا كثيرا وقديدا وملحا وساروا في حنق عظيم وجاء الى اسد فأعلموه بقصد خاقان له في جيش عظيم

(9/321)


كثيف فتجهز لذلك واخذ اهبته فأرسل من فوره الى اطراف جيشه فلمها واشاع بعض الناس ان خاقان قد هجم على اسد بن عبد الله فقتله واصحابه ليحصل بذلك خذلان لاصحابه فلا يجتمعون اليه فرد اله كيدهم في نحورهم وجعل تدميرهم في تدبيرهم وذلك ان المسلمين لما سمعوا بذلك اخذتهم حمية الالسلام وازدادوا حنقا على عدوهم وعزموا على الاخذ بالثأر فقصدوا الموصع الذي فيه اسد فاذا هو حي قد اجتمعت عليه العساكر من كل جانب وسار اسد نحو حاقان حتى اتي جبل الملح واراد ان يخوض نهر بلخ وكان معهم اغنام كثيرة فكره اسد ان يتركها وراء ظهره فأمر كل فارس ان يحمل بين يديه شاة وعلى عنقه شاة وتوعد من لم يفعل ذلك بقطع اليد وحمل هو معه شاة وخاضوا النهر فما خلصوا منه جيدا حتى دهمهم خاقان من ورائهم في خيل دهم فقتلوا من وجدوه لم يقطع النهر وبعض الضعفة فلما وقفوا على حافة النهر احجموا وظن المسلمون انهم لا يقطعون اليهم النهر فتشاور الأتراك فيما بينهم ثم اتفقوا على ان يحملوا حملة واحدة وكانوا خمسين ألفا فيقتحمون النهر فضربوا بكؤساتهم ضربا شديدا حتى ظن المسلمون انهم معهم في عسكرهم ثم رموا بأنفسهم في النهر رمية واحد فجعلت خيولهم تنخر اشد النخير وخرجوا منه الى ناحية المسلمين فثبت المسلمون في معسكرهم وكانوا قد خندقوا حولهم خندقا لا يخلصون اليهم منه فبات الجيشان تتراءى نارهما فلما اصبحا مال خاناقان على بعض الجيش الذي للمسلمين فقتل منهم خلقا واسر امما وابلا موقرة ثم ان الجيشين تواجهوا في يوم عيد الفطر حتى خاف جيش اسد ان لا يصلوا صلاة العيد فما صلوها الا على وجل ثم سار اسد بمن معه حتىا نزل مرج بلخن حتى انقضى الشتاءن فلما كان يوم عيد الاضحى خطب اسد الناس واستشارهم في الذهاب الى مرو او في لقاء خاقان او في التحصن ببلخ فمنهم من اشار بالتحصن ومنهم من اشار بملتقاه والتوكل على الله فوافق ذلك رأي اسد الاسد فقصد بجيشه نحو خاقان وصلى بالناس ركعتين اطال فيهما ثم دعا بدعاء طويل ثم انصرف وهو يقول نصرتم ان شاء الله ثم سار يمن معه من المسلمين فالتقت مقدمته بمقدمة خاقان فقتل المسلمون منهم خلقا واسروا اميرهم وسبعة امراء معه ثم ساق اسد فانتهى الى اغنامهم فاستاقها فإذا هي مائة الف وخمسون الف شاة ثم التقى معهم وكان خاقان انما معه اربعة الاف او نحوها ومه رجل من العرب قد خامر اليه يقال له الحارث بن شريح فهو يدلهم على عورات المسلمين فلما اقبل التأس هربت الاتراك في كل جانب وانهزم خاقان ومعه الحارث ابن شريح يحميه ويتبعه فتبعهم اسد فلما كان عند الظهيرة انخذل خاقان في اربعمائة من اصحابه عليهم الخز ومعهم الكؤسات فلما ادركه المسلمون امر بالكؤسات فضربت ضربا شديدا ضرب الانصراف ثلاث مرات فلم يستطيعوا الانصراف فتقدم المسلمون فاحتاطوا على معسكرهم فاجتازوه

(9/322)


بما فيه من الامتعة العظيمة والاواني من الذهب والفضة والنساء والصبيان من الاتراك ومن معهم من الاسارى من المسلمات وغيرهم مما لا يجد ولا يوصف لكثرته وعظمة وقيمته وحسنه غير ان خاقان لما احس بالهلاك ضرب امرأته بخنجر فقتلها فوصل المسلمون الى المعسكر وهي في آخر رمق تحرك ووجدوا قدورهم تغلي باطعماتهم وهرب خاقان بمن معه حتى دخل بعض المدن فتحصن بها فاتفق انه لعب بالنرد مع بعض الامراء فغلبه الامير فتوعد خاقان بقطع اليد فحنق عليه ذلك الامير ثم عمل على قتله فقتله وتفرقت الاتراك يعدو بعضهم على بعض وينهب بعضم بعضا وبعث اسد الى اخيه خالد يعلمه بما وقع من النصر والظفر بخاقان وبعث اليه بطبول خاقان وكانت كبارا لها اصوات كالرعد وبشيء كثير من حواصله وامتعته فأوفدها خالد الى أمير المؤمنين هشام ففرح بذلك فرحا شديدا واطلق للرسل اموالا جزيلة كثيرة من بيت المال وقد قال بعض الشعراء في اسد يمدحه على ذلك ... لو سرت في الالرض تقيس الارضا ... تقيس منها طولها وعرضها ... لم تلق خيرا إمرة ونقضا ... من الأمير اسد وأمضى ... افضى الينا خيرا حتى افضا ... وجمع الشمل وكان ارفضا ... ما فاته خاقان الا ركضا ... قد فضا من جموعه ما فضا ... يا ابن شريح قد لقيت حمضا ... حمضا به تشفى صداع المرضى ...
وفيها قتل خالد بن عبد القسري المغيرة بن سعيد وجماعة من اصحابه الذين تابعوه على باطله وكان هذا الرجل ساحرا فاجرا شيعيا خبيثا قال ابن جرير ثنا ابن حميد ثنا جرير عن الاعمش قال سمعت المغيرة بن سعيد ديقول لو اراد ان يحيى عاد وثمودا وقرونا بين ذلك لاحياهم قال الاعمش وكان المغيرة هذا يخرج الى المقبرة فيتكلم فيرى مثل الجراد على القبور او نحو هذا من الكلام وذكر ابن جرير له غير ذلك من الاشياء التي تدل على سحره وفجوره ولما بلغ خالدا امره امر باحضاره فجيء به في ستة نفر او سبعة نفر فأمر خالد فأبرز سريره الى المسجد وامر باحضار اطناب القصب والنفط فصب فوقها وأمر المغيرة ان يحتضن طنبا منها فامتنع فضرب حتى احتضن منها طنبا واحدا وصب فوق رأسه النفط ثم اضرم بالنار وكذلك فعل ببقية اصحابه
وفي هذه السنة خرج رجل يقال له بهلول بن بشر ويلقب بكثارة واتبعه جماعات من الخوارج دون المائة وقصدوا قتل خالد القسري فبعث اليهم البعوث فكسروا الجيوش واستفحل امرهم جدا لشجاعتهم وجلدهمن وقلة نصح من يقاتلهم من الجيوش فردوا العساكر من الالوف المؤلفة ذوات الاسلحة والخيل المسومة هذا وهم لم يبلغوا المائة ثم انهم راموا قدوم الشام لقتل الخليفة

(9/323)


هشام فقصدوا نحوها فاعترضهم جيش بأرض الجزيرة فاقتتلوا معهم قتالا عظيما فقتلوا عامة اصحاب بهلول الخارجي ثم ان رجلا من جديلة يكنى ابا الموت ضرب بهلولا ضربة فصرعه وتفرقت عنه بقية اصحابه وكانوا جميعهم سبعين رجلا وقد رثاهم بعض اصحابهم فقال ... بدلت بعد ابي بشر وصحبته ... بانوا كأن لم يكونوا من صحابتنا ... يا عين اذري دموعا منك تهتنان ... خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها ... قوما علي مع الاحزاب اعوانا ... ولم يكونوا لنا بالامس خلانا ... وابكي لنا صحبة بانوا وجيرنا ... واصبحوا في جنان الخلد جيرانا ...
ثم تجمع طائفة منهم اخرى على بعض امرائهم فقاتلوا وقتلوا وقتلوا وجهزت اليهم العساكر من عند خالد القسري ولم يزل حتى اباد خضرائهم ولم يبق لهم باقية وفيها غزا اسد القسري بلاد الترك فعرض عليه ملكهم طرخان الف الف فلم يقبل منه شيئا واخذه قهرا فقتله صبرا بين يديه واخذ مدينته وقلعته وحو اصله ونساءه ومواله وفيها خرج الصحاري بن شيب الخارجي واتبعه طائفة قليلة نحو من ثلاثين رجلا فبعث اليهم خالد القسري جندا فقتلوه وجميع اصحابه فلم يتركوا منهم رجلا واحدا وحج بالناس في هذه السنة ابو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك وحج معه ابن شهاب الزهري ليعلمه مناسك الحج وكان امير مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام بن اسماعيل وامير العراق والمشرق وخراسان خالد القسري ونائبه على خراسان بكمالها اخوه اسد ابن عبد الله القسري وقد قيل انه توفي في هذه السنة وقيل في سنة عشرين فالله اعلم ونائب ارمينية وازربيجان مروان الحمار والله اعلم
سنة عشرين ومائة من الهجرة
فيها غزا سليمان بن هشام بلاد الروم وافتتح فيها حصونا وفيها غزا اسحاق بن مسلم العقيلي ثومان شاه وافتتحها وخرب اراضيها وفيها غزا مروان بن محمد بلاد الترك وفيها كانت وفاة اسد ابن عبد الله القسري امير خراسان وكاننت وفاته بسبب انه كانت له دبيلة في جوفه فلما كان مهرجان هذه السنة قدمت الدهاقين وهم امراء المدن الكبار من سائر البلدان بالهدايا والتحف على اسد وكان فيمن قدم نائب هراة ودهقانها واسم دهقانها خراسان شاة فقدم بهدايا عظيمة وتحف عزيزة وكان من جملة ذلك قصر من ذهب وقصر من فضة واباريق من ذهب وضحاف من ذهب وفضة وتفاصيل من حرير تلك البلاد الوان ملونة فوضع ذلك كله بين يدي اسد حتى امتلأ المجلس ثم قام الدهقان خطيبا فامتدح اسدا بخصال حسنة على عقله ورياسته وعدله ومنعه اهله وخاصته ان يظلموا احدا من الرعايا بشيء قل او كثر وانه قهر الخان الاعظم وكان في مائة الف

(9/324)


فكسره وقتله وانه يفرح بما يفد اليه من الاموال وهو بما خرج من يده افرح واشد سرورا فأثنى عليه اسد واجلسه ثم فرق اسد جميع تلك الهدايا والاموال وما هناك اجمع على الامراء والاكابر بين يديه حتى لم يبق منه شيء ثم قام من مجلسه وهو عليل من تلك الدبيلة ثم افاق إفاقه وجيء بهدية كمثرى فجعل يفرقها على الحاضرين واحدة واحدة فألقى الى دهقان خراسان واحدة فانفجرت دبيلته وكان فيها حتفه واستخلف على عمله جعفر بن حنظلة البهراني فمكث اميرا اربعة اشهر حتى جاء عهد نصر بن سيار في رجب منها فعلى هذا تكون وفاة اسد في صفر من هذه السنة وقد قال ابن عرس العبدي يرثيه ... نعى اسد بن عبد الله ناع ... ببلخ وافق المقدار يسري ... فجودي عين بالعبرات سحا ... اتاه حمامه في جوف ضيع ... اتاه حمامه في جوف صيغ ... كتائب قد يجيبون المنادي ... سقيت الغيث انك كنت غيثا ... فريغ القلب للمك المطاع ... وما لقضاء ربك من دفاع ... الم يحزنك تفريق الجماع ... وكم بالضيع من بطل شجاع وكم بالضيع من بطل شجاع على جرد مسومة سراع مريعا عند مرتاد النجاع ...
وفيها عزل هشام خالد بن عبد الله القسري عن نيابة العراق وذلك انه انحصر منه لما كان يبلغه من اطلاق عبارة فيه وانه كان يقول عنه ابن الحمقاء وكتب اليه كتابا فيه غلطة فرد عليه هشام ردا عنيفا ويقال انه حسده على سعة ما حصل له من الاموال والحواصل والغلات حتى قيل انه كان دخله في كل سنة ثلاثة عشر الف الف دينار وقيل درهم ولولده يزيد بن خالد عشرة الاف الف وقيل انه وفد اليه رجل من الزام امير المؤمنين من قريش يقال له ابن عمرو فلم يرحب به ولم يعبأ به فكتب اليه هشام يعنفه ويبكته على ذلك وانه حال وصول هذا الكتاب اليه يقوم من فوره بمن حوله من اهل مجلسه فينطلق على قدميه حتى يأتي باب ابن عمرو صاغرا ذليلا مستأذنا عليه متنصلا اليه مما وقع فأن اذن لك والا فقف على بابه حولا غير متحلل من مكانك ولا زائل ثم امرك اليه إن شاء عزلك وان شاء ابقاك وان شاء انتصر وان شاء عفا وكتب الى ابن عمرو يعلمه بما كتب الى خالد وامره ان وقف بين يديه ان يضربه عشرين سوطا على رأسه ان رأى ذلك مصلحة ثم ان هشاما عزل خالدا واخفى ذلك وبعث البريد الى نائبه على اليمين وهو يوسف ابن عمرو فولاه امرة العراق وامره بالمسير اليها والقدوم علها في ثلاثين راكبا فقدموا الكوفة وقت السحر فدخلوها فلما أذن المؤذن امره يوسف بالاقامة فقال الى ان يأتي الامام يعني خالدا

(9/325)


فانتهره وامره بالاقامة وتقدم يوسف فصلى وقرأ اذا وقعت الواقعة و سأل سائل ثم انصرف فبعث الى خالد وطارق واصحابهما فاحضروا فأخذ منهم اموالا كثيرة صادر خالدا بمائة الف الف درهم وكانت ولاية خالد في شوال سنة خمسين ومائة وعزل عنها في جمادى الاولى من هذه السنة اعني سنة عشرين ومائة وفي هذا الشهر قدم يوسف بن عمر على ولاية العراق مكان خالد بن عبد الله القسري واستناب على خراسان جديع بن علي الكرماني وعزل حعفر بن حنظلة الذي كان استنابه اسد ثم ان يوسف بن عمر عزل جديعا في هذه السنة عن خراسان وولى عليها نصر ابن سيار وذهب جميع ما كان اقتناه وحصله خالد من العقار والاملاك وهلة واحدة وقد كان اشار عليه بعض اصحابه لما بلغهم عتب هشام عليه ان يبعث اليه يعرض عليه بعض املاكه فما احب منها اخذه وما شاء ترك وقالوا له لان يذهب البعض خير من ان يذهب الجميع مع العزل والاخراق فامتنع من ذلك واغتر بالدنيا وعزت نفسه عليه ان يذل ففجأة العزل وذهب ما كان حصله وجمعه ومنعه واستقرت ولاية يوسف بن عمر على العراق وخراسان واستقرت نيابة نصر بن سيار على خراسان فتمهدت البلاد وامن العباد والله الحمد والمنة وقد قال سوار بن الاشعري في ذلك ... اضحت خراسان بعد الخوف آمنة ... لما اتى يوسفا اخبار مالقيت ... من ظلم كل غشوم الحكم جبار ... اختار نصرا لها نصر بن سيار ...
وفي هذه السنة استبطأت شيعة ال العباس كتاب محمد بن علي اليهم وقد كان عتب عليهم في اتباعهم ذلك الزنديق الملقب بخداش وكان خرميا وهو الذي احل لهم المنكرات وجنس المحارم والمصاهرات فقتله خالد القسري كما تقدم فعتب عليهم محمد بن علي في تصديقهم له واتاعهم اياه علي الباطل فلما استبطأوا كتابه اليهم بعث اليهم رسولا يخبرلهم امره وبعثواهم ايضا رسولا فلما جاء سولهم اعلمه محمد بماذا عتب عليهم بسبب الخرمي ثم ارسل مع الرسول كتابا مختوما فلما فتحوه لم يجدوا فيه سوى بسم الله الرحمن الرحيم تعلموا انه انما عتبنا عليكم بسبب الخرمي ثم ارسل رسولا اليهم فلم يصدقه كثير منهم وهموا به ثم جاءت من جهته عصى ملويا عليها حديد ونحاس فعلموا ان هذا اشارة لهم الى انهم عصاة وانهم مختلفون كاختلاف الوان النحاس والحديد قال ابن جرير وحج بالناس فيها محمد بن هشام المخزومي فيما قاله ابو معشر قال وقد قيل ان الذي حج بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك وقيل ابنه يزيد بن هشام فالله سبحانه وتعالى اعلم
ثم دخلت سنة احدى وعشرين ومائة
ففيها غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح مطامير وهو حصن وافتتح مروان بن محمد بلاد صاحب الذهب واخذ قلاعه وخرب ارضه فإذعن له بالحزية في كل سنة بألف رأس يؤديها اليه واعطاه

(9/326)


رهبا على ذلك وفيها في صفر قتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب الذي انتسب اليه الطائفة الزيدية في قول الواقدي وقال هشام الكلبي انما قتل في صفر من سنة ثنتين وعشرين فالله اعلم وقد ساق محمد بن جرير سبب مقتله في هذه السنة تبعا للواقدي وهو ان زيدا هذا وقد على يوسف بن عمر فسأله هل اودع خالد القسري عندك مالا فقال له زيد بن علي كيف يودعني مالا وهو يشتم آبائي على منبره في كل جمعة فأحلفه انه ما اودع عنده شيئا فأمر يوسف بن عمر باحضار خالد من السجن فجيء به في عباءة فقال انت اودعت هذا شيئا نستخلصه منه قال لا وكيف وانا اشتم اباه كل جمعة فتركه عمر واعلم امير المؤمنين بذلك فعفا عن ذلك ويقال بل استحضرهم فحلفوا بما حلفوا ثم ان طائفة من الشيعة التفت على زيد بن علي وكانوا نحوا من اربعين الفا فنهاه بعض النصحاء عن الخروج وهو محمد بن عمر بن علي بن ابي طالب وقال له ان جدك خير منك وقد التفت على بيعته من اهل العراق ثمانون الف ثم خانوه احوج ما كان اليهم واني احذرك من اهل العراق فلم يقبل بل استمر يبايع الناس في الباطل في الكوفة على كتاب الله وسنة رسوله حتى استفحل امره بها في الباطن وهو يتحول من منزل الى منزل وما زال كذلك حتى دخلت سنة ثنيتن وعشرين ومائة فكان فيها مقتله كما سنذكر قريبا وفيها غزا نصر بن سيار امير خراسان غزوات متعددة في الترك واسر ملكهم كورصال في بعض تلك الحروب وهو لا يعرفه فلما تيقنه وتحققه سأل منه كورصال ان يطلقه على ان يرسل له الف بعير من ابل الترك وهي البخاتى والف تردون وهو مع ذلك شيخ كبير جدا فشاور نصر من بحضرته من الامراء في ذلك فمنهم من اشار باطلاقه ومنهم من اشار بقتله ثم سأله نصر بن سيار كم غزوت من غزوة فقال ثنتين وسبعين غزوة فقال له نصر ما مثلك يطلق وقد شهدت هذا كله ثم امر به فضربت عنقه وصلبه فلما بلغ ذلك جيشه من قتله باتوا تلك الليلة يجعرون ويبكون عليه وجذوا لحاهم وشعورهم وقطعوا آذانهم وحرقوا خياما كثيرة وقتلوا انعاما كثيرة فلما اصبح امر نصر باحراقه لئلا يأخذوا جثته فكان حريقه اشد عليهم من قتله وانصرفوا خائبين صاغرين خاسرين ثم كر نصر على بلادهم فقتل منهم خلقا واسر امما لا يحصون كثرة وكان فيمن حضر بين يديه عجوز كبير جدا من الاعاجم او الاتراك وهي من بيت مملكة فقالت لنصر بن سيار كل ملك لا يكون عنده ستة اشياء فهو ليس يملك وزير صادق يفصل خصومات الناس ويشاوره ويناصحه وطباخ يصنع له ما يشتهيه وزوجة حسناء اذا دخل عليها مغنما فنظر اليها سرته وذهب غمه وحصن منيع اذا فزع رعاياه لجأوا اليه فيه وسيف اذا قارع به الاقران لم يخش خيانته وذخيرة اذا حملها فأين ما وقع من الارض عاش بها

(9/327)


وحج بالناس فيها محمد بن هشام بن اسماعيل نائب مكة والمدينة والطائف ونائب العراق يوسف بن عمر ونائب خراسان نصر بن سيار وعلى ارمينية مروان بن محمد
ذكر من توفى فيها من الاعيان
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب
والمشهور انه قتل في التي بعدها كما سيأتي بيانه ان شاء الله
مسلمة بن عبد الملك ابن مروان القرشي الاموي ابو سعيد وابو الاصبغ الدمشقي قال ابن عساكر وداره بدمشق في حجلة القباب عند باب الجامع القبلي ولي الموسم ايام اخيه الوليد وغزا الروم غزوات وحاصر القسطنطينية وولاه اخوه يزيد امرة العراقيين ثم عزله وتولى ارمينية وروى الحديث عن عمر بن عبد العزيز وعنه عبد الملك بن ابي عثمان وعبيد الله بن قزعة وعيينة والد سفيان بن عينية وبن ابي عمران ومعاوية بن خديج بن يحيى الغساني
قال الزبير بن بكار كان مسلمة من رجال بني امية وكان يلقب بالجرادة الصفراء وله آثار كثيرة وحروب ونكاية في العدو من الروم وغيرهم قلت وقد فتح حصونا كثيرة من بلاد الروم ولما ولى ارمينية غزا الترك فبلغ باب الابواب فهدم المدينة التي عنده ثم اعاد بناءها بعد تسع سنين وفي سنة ثمان وتسعين غزا القسطنطينية فحاصرها وافتتح مدينة الصقالبة وكسر ملكهم البرجان ثم عاد الى محاصرة القسطنطينية قال الاوزاعي فأخذه وهو يغازيهم صداع عظيم في رأسه فبعث ملك الروم اليه بقلنسوة وقال ضعها على رأسك يذهب صداعك فخشي ان تكون مكيدة فوضعها على رأس بهيمة فلم ير الا خيرا ثم وضعها على رأس بعض أصحابه فلم ير الا خيرا فوضعها على رأسه فذهب صداعه ففتقها فاذا فيها سبعون سطرا هذه الاية ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا الاية مكررة لا غير رواه ابن عساكر
وقد لقي مسلمة في حصاره القسطنطينية شدة عطيمة وجاع المسلمون عندها جوعا شديدا فلما ولى عمر بن عبد العزيز ارسل اليهم البريد يأمرهم بالرجوع الى الشام فحلف مسلمة ان لا يقلع عنهم حتى يبنوا له جامعا كبيرا بالقسطنطينية فبنوا له جامعا ومنارة فهو بها الى الان يصلى فيه المسلمون الجمعة والجماعة قلت وهي آخر ما يفتحه المسلمون قبل خروج الدجال في آخر الزمان كما ستورده في الملاحم والفتن من كتابنا هذا ان شاء الله ونذكر الاحاديث الواردة في ذلك هناك وبالجملة كانت لمسلمة مواقف مشهورة ومساعي مشكورة وغزوات متتالية منثورة وقد افتتح حصونا وقلاعا واحيا بعزمه قصوارا وبقاعا وكان في زمانه في الغزوات نظير خالد بن الوليد

(9/328)


في ايامه في كثرة مغازيه وكثرة فتوحه وقوة عزمه وشدة بأسه وجودة تصرفه في نقصه وابرامه وهذا مع الكرم والفصاحة وقال يوما لنصيب الشاعر سلني قال لا قال ولم قال لان كفك بالجزيل اكثر من مسألتي باللسان فأعطاه الف دينار وقال ايضا الانبياء [ لا يتنابون كما يتناب الناس ما ناب نبي قط ] وقد اوصى بثلث ماله لاهل الادب وقال انها صنعة جحف اهلها وقال الوليد بن مسلم وغيره توفي يوم الاربعاء لسبع مضين من المحرم سنة احدى وعشرين ومائة وقيل في سنة عشرين ومائة وكانت وفاته بموضع يقال له الحانوت وقد رثاه بعضهم وهو ابن اخيه الوليد بن يريد بن عبد الملك فقال ... اقول وما البعد الا الردى ... فقد كنت نورا لنا في البلاد ... ونكتم موتك نخشى اليقين ... امسلم لاتبعدن مسلمه ... مضيئا فقد اصبحت مظلمة ... فأبدى اليقين لنا الجمجة ...
نمير بن قيس
الاشعري قاضي دمشق تابعي جليل روى عن حذيفة مرسلا وابي موسى مرسلا وابي الدرداء وعن معاوية مرسلا وغير واحد من التابعين وحدث عنه جماعة كثيرون منهم الاوزاعي وسعيد ابن عبد العزيز ويحيى ويحيى بن الحارث الذمارى ولاه هشام بن عبد الملك القضاء بدمشق بعد عبد الرحمن ابن الحخماش العذري ثم استعفى هشاما فعفاه وولى مكانه يزيد بن عبد الرحمن بن ابي مالك وكان نمير هذا لا يحكم باليمين مع الشاهد وكان يقول الادب من الاباء والصلاح من الله قال غير واحد توفى سنة احدى وعشرين ومائة وقيل سنة ثنتبن وعشرين ومائة وقيل سنة خمس عشرة ومائة وهو غريب والله سبحانه اعلم
ثم دخلت سنة ثنين وعشرين ومائة
ففيهما كان مقتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب وكان سبب ذلك انه لما اخذ البيعة ممن بايعه من اهل الكوفة امرهم في اول هذه السنة بالخروج والتأهب له فشرعوا في أخذ الاهبة لذلك فانظلق رجل يقال له سليمان بن سراقة الى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره وهو بالحيرة يومئذ خبر زيد بن علي على هذا ومن معه من اهل الكوفة فبعث يوسف بن عمر يتطلبه ويلح في طلبه فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له ما قولك يرحمك الله في ابى بكر وعمر فقال غفر الله لهمان ما سمعت احدا من اهل بيتي تبرأ منهما وانا لا اقول فيهما الا خيرا قالوا فلم تطلب اذا بدم اهل البيت فقال انا كنا احق الناس بهذا الامر ولكن القوم ستأثروا علينا به ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا قد ولو فعدلوا وعملوا بالكتاب

(9/329)


والسنة قالوا فلم تقاتل هؤلاء اذا قال ان هؤلاء ليسوا كأولئك ان هؤلاء ظلموا الناس وظلموا انفسهم واني ادعو الى كتاب الله وسنة نبيه ص واحياء السنن واماتة البدع فان تسمعوا يكن خيرا لكم ولي وان تأبوا فلست عليكم بوكيل فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه فلهذا سموا الرافضة يومئذ ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية وغالب اهل الكوفة منهم رافضة وغالب اهل مكة الى اليوم على مذهب الزيدية وفي مذهبهم حق وهو تعديل الشيخين وباطل وهو اعتقاد تقديم على عليهما وليس على مقدما عليهما بل ولا عثمان على اصح قولي اهل السنة الثابتة والاثار الصحيحة الثابتة عن الصحابة وقد ذكرنا ذلك في سيرة ابي بكر وعمر فيما تقدم ثم ان زيدا عزم على الخروج بمن بقي معه من اصحابه فواعدهم ليلة الاربعاء من مستهل صفر من هذه السنة فبلغ ذلك يوسف بن عمر فكتب الى نائبه على الكوفة وهو الحكم بن الصلت يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع فجمع الناس لذلك في يوم الثلاثاء سلخ المحرم قبل خروج زيد بيوم وخرج زيد ليلة الاربعاء في برد شديد ورفع اصحابه النيران وجعلوا ينادون يا منصور يا منصور فلما طلع الفجر اذا قد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر رجلا فجعل زيد يقول سبحان الله اين الناس فقيل هم في المسجد محصورون وكتب الحكم الى يوسف يعلمه بخروج زيد بن علي فبعث اليه سرية الى الكوفة وركبت الجيوش مع نائب الكوفة وجاء يوسف بن عمر ايضا في ظائفة كبيرة من الناس فالتقى بمن معه جرثومة منهم فيهن خمسماية فارس ثم اتى الكناسة فحل على جمع من اهل الشام فهزمهم ثم اجتاز بيوسف بن عمر وهو واقف فوق تل وزيد في مائتي فارس ولو قصد يوسف بن عمر لقتله ولكن اخذ ذات اليمين وكلما لقي طائفة هزمهم وجعل اصحابه ينادون يا اهل الكوفة اخرجوا الى الدين والعز والدنيا فانكم لستم في دين ولا عز ولا دنيا ثم لما امسوا انضاف اليه جماعة من اهل الكوفة وقد قتل بعض اصحابه في اول يوم فلما كان اليوم الثاني اقتتل هو وظائفة من اهل الشام فقتل منهم سبعين رجلا وانصرفوا عنه بشر حال وامسوا فعبأ يوسف بن عمر جيشه جدا ثم اصبحوا فالتقوا مع زيد فكشفهم حتى اخرجهم الى السبخة ثم شد عليهم حتى اخرجهم الى بني سليم ثم تبعهم في خيله ورجله حتى اخذوا على الشاه ثم اقتتلوا هناك قتالا شديدا جدا حتى كان جنح الليل رمى زيد بسهم فأصاب جانب جهته اليسرى فوصل الى دماغه فرجع ورجع اصحابه ولا يطن اهل الشام انهم رجعوا إلا لاجل المساء والليل وادخل زيد في دار في سكة البريد وجيء بطبيب فانتزع ذلك السهم من جبهته فما عدا ان انتزعه حتى مات في ساعته رحمه الله
فاختلف اصحابه اين يدفنونه فقال بعضهم البسوه درعه والقوه في الماء وقال بعضهم

(9/330)


احتزوا رأسه واتركوا في القتلى فقال ابنه لا والله لا تأكل ابي الكلاب وقال بعضهم ادفنوه في العباسية وقال بعضهم ادفنوه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين ففعلوا ذلك واجروا على قبره الماء لئلا يعرف وانفتل اصحابه حيث لم يبق لهم رأس يقاتلون به فما أصبح الفجر ولهم قائمة ينهضون بها وتتبع يوسف بن عمر الجرحى هل يجد زيدا بينهم وجاء مولى لزيد سندي قد شهد دفنه فدل على قبره فأخذ من قبره فأمر يوسف بن عمر بصلبه على خشبة بالكناسة ومعه نضر بن خزيمة ومعاوية بن اسحاق بن زيد بن حارثة الانصاري وزياد النهدي ويقال ان زيدا مكث مصلوبا اربع سنين ثم انزل بعد ذلك واحرق فالله اعلم وقد ذكر ابو جعفر ابن جرير الطبري ان يوسف بن عمر لم يعلم بشيء من ذلك حتى كتب له هشام بن عبد الملك انك لغافل وان زيد ابن علي غازز ذنبه بالكوفة يبايع له فألح في طلبه واعطه الامان وان لم يقبل فقاتله فتطلبه يوسف حتى كان من امره ما تقدم فلما ظهر على قبره حز رأسه وبعثه الى هشام وقام من بعده الوليد ابن يزيد فأمر به فأنزل وحرق في أيامه قبح الله الوليد بن يزيد فأما ابنه يحيى بن زيد بن علي فاستجار بعبد الملك بن بشر بن مروان فبعث اليه يوسف بن عمر يتهدده حتى يحضره فقال له عبد الملك ابن بشر ما كنت لاوي مثل هذا الرجل وهو عدونا وابن عدونا فصدقه يوسف بن عمر في ذلك ولما هدأ الطلب عنه سيره الى خراسان فخرج يحيى بن زيد في جماعة من الزيدية الى خراسان فأقاموا بها هذه المدة
قال ابو مخنف ولما قتل زيد خطب يوسف بن عمر اهل الكوفة فتهددهم وتوعدهم وشتمهم وقال لهم فيما قال والله لقد استأذنت امير المؤمنين في قتل خلق منكم ولو اذن لي لقتلت مقاتلكم وسبيت ذراريكم وما صعدت لهذا المنبر الا لاسمعكم ما تكرهون
قال ابن جرير وفي هذه السنة قتل عبد الله البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم ولم يزد ابن جرير على هذا وقد ذكر هذا الرجل الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير فقال
عبد الله ابو يحيى المعروف بالبطال
كان ينزل انطاكية حكى عنه ابو مرون الانطاكي ثم روى باسناده ان عبد الملك بن مروان جين عقد لابنه مسلمة على غزو بلاد الروم ولى على رؤساء اهل الجزيرة والشام البطال وقال لابنه سيره على طلائعك وامره فليعس بالليل العسكر فانه امين ثقة مقدام شجاع وخرج معهم عبد الملك يشيعهم الى باب دمشق قال فقدم مسلمة البطال على عشرة آلاف يكونون بين يديه ترسا من الروم ان يصلوا الى جيش المسلمين قال محمد بن عائد الدمشقي ثنا الوليد بن مسلمة حدثني ابو مروان شيخ من اهل انطاكية قال كنت اغازي مع البطال وقد أوطأ الروم ذلا

(9/331)


قال البطال فسألني بعض ولاة بني امية عن اعجب ما كان من امري في مغازي فيهم فقلت له خرجت في سرية ليلا فدفعنا الى قرية فقلت لاصحابي ارخوا لجم خيلكم ولا تحركوا احدا بقتل ولا بشيء حتى تستمكنوا من القرية ومن سكانها ففعلوا وافترقوا في ازقتها فدفعت في اناس من اصحابي الى بيت يزهر سراجه واذا امرأة تسكن ابنها من بكائه وهي تقول له لتسكتن او لادفعنك الى البطال يذهب بك وانتشلته من سريره وقالت خذه يا بطال قال فأخذته
وروى محمد بن عائد عن الوليد بن مسلم عن ابي مروان الانطاكي عن البطال قال انفردت مرة ليس معي احد من الجند وقد سمطت خلفي مخلاة فيها شعير ومعي منديل فيه خبزا وشواء فبينا انا اسير لعلي القى احدا منفردا او اطلع على حبر اذا انا ببستان فيه بقول حسنة فنزلت و أكلت من ذلك البقل بالخبز والشواء مع النقل فاخذني اسهال عظيم قمت منه مرارا فخفت ان اضعف من كثرة الاسهال فركبت فرسي والاسهال مستمر على حاله وجعلت اخشى ان انا نزلت عن فرسي ان اضعف عن الركوب وافرط الاسهال في السير حتى خشيت ان اسقط من الضعف فأخذت بعنان الفرس ونمت على وجهي لا ادري اين يسير الفرس بي فلم اشعر الا بقرع نعاله على بلاط فأرفع راسي فاذا دير واذا قد خرج منه نسوة صحبة امرأة حسناء جميلة جداأ فجعلت تقول بلسانها اننزلنه فأنزلنني فغلسن عنى ثيابي وسرجي وفرسي ووصعنني على سرير وعملن لي طعاما وشرابا فمكثت يوما وليلة مستويا ثم اقمت بقية ثلاثة ايام حتى ترد الى حالي فينما انا كذلك اذ اقبل البطريق وهو يريد ان يتزوجها فأمرت بفرسى فحول وعلق على الباب الذ 1 ي انا فيه واذا هو بطريق كبير فيهم وهو انما جاء لخطبتها فأخبره من كان هنالك بأن هذاالبيت فيه رجل وله فرس فهم بالهجوم علي فمنعته المرأة من ذلك وارسلت تقول له ان فتح عليه الباب لم اقض حاجته فثناه ذلك عن الهجوم علي واقام الطريق الى آخر النهار في ضيافتهم ثم ركب فرسه وركب معه اصحابه وانطلق قال البطال فنهضت في أثرهم فهمت ان تمنعني خوفا علي منهم فلم اقبل وسقت حتى لحقتهم فحملت عليه فانفرج عنه اصحابه واراد الفرار فألحقه فأضرب عنقه واستلبته واخذت رأسه مسمطا على فرسي ورجعت الى الدير فخرجن الى ووقفن بين يدي فقلت اركبن فركبن ما هنالك من الدواب وسقت بهن حتى اتيت امير الجيش فدفعتهن اليه فنقلني ما شئت منهنن فأخذت تلك المرأة الحسنا بعينها فهي ام اولادي البطريق في لغة الروم عبارة عن الامير الكبير فيهم وكان ابوها بطريقا كبيرا فيهم يعني تلك المرأة وكان البطال بعد ذلك يكاتب اباها ويهاديه وذكر ان عبد الملك بن مروان لما ولاه المصيصة بعث البطال سرية الى ارض الروم فغاب عنه خبرها فلم يدر ما صنعوا فركب بنفسه وحده على فرس له وصار حتى وصل عمورية فطرق بابها ليلا

(9/332)


فقال له البواب من هذا قال البطال فقلت انا سياف الملك ورسوله الى البطريق فأخذ لي طريقا اليه فلما دخلت عليه اذا هو جالس على سرير فجلست معه على السرير الى جانبه ثم قلت له اني قد جئتك في رسالة فمر هؤلاء فلينصرفوا فأمر من عنده فذهبوا قال ثم قام فأغلق باب الكنيسة علي وعليه ثم جاء فجلس مكانه فاخترطت سيفي وضربت به رأسه صفحا وقلت له انا البطال فأصدقني عن السرية التي ارسلتها الى بلادك والا ضربت عنقك الساعة فأخبرني ما خبرها فقال هم في بلادي ينتهبون ما تهيأ لهم وهذا كتاب قد جاءني يخبر انهم في وادي كذا وكذا والله لقد صدقتك فقلت هات الامان فأعطانى الامان فقلت ايتني بطعام فأمر اصحابه فجاؤا بطعام فوضع لي فأكلت فقمت الانصرف فقال لاصحابه اخرجوا بين يدي رسول الملك فانظلقوا يتعادون بين يدي وانطلقت الى ذلك الوادي الذي ذكر فاذا اصحابي هنالك فأخذتهم ورجعت الى المصيصة فهذا اغرب ما جرى
قال الوليد واخبرني بعض شيوخنا انه رأى البطال وهو قافل من حجته وكان قد شغل بالجهاد عن الحج وكان يسأل الله دائما الحج ثم الشهادة فلم يتمكن من حجة الاسلام الا في السنة التي استشهد فيها رحمه الله تعالى وكان سبب شهادته ان ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية في مائة الف فارس فبعث البطريق الذى البطال متزوج بابنته التي ذكرنا امرها الى البطال فأخبره يخبره بذلك فأخبر البطال امير عساكر المسلمين بذلك وكان الامير مالك بن شبيب وقال له المصلحة تقتضي ان نتحصن في مدينة حران فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الاسلامية فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش فاقتتلوا قتالا شديدا والابطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر احد ان ينوه باسمه خوفا عليه من الروم فاتفق ان ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطا منه فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه الى الارض ورأى الناس يقتلون ويأسرون وقتل الامير الكبير مالك بن شبيب وانكسر المسلمون وانطلقوا الى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها واصبح اليون فوقف على مكان المعركة فاذا البطال بآخر رمق فقال له ليون ما هذا يا ابا يحيى فقال هكذا تقتل الابطال فاستدعى ليون بالاطباء ليداووه فاذا جراحه قد وصلت الى مقاتله فقال له ليون هل من حاجة يا ابا يحي قال نعم فأمر من معك من المسلمين ان يلوا غسلي والصلاة علي ودفني ففعل الملك ذلك واطلق الاجل ذلك اولئك الاسارى وانطلق ليون الى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم فينما هم في تلك الشدة والحصار اذ جائتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الاسلامية ففر ليون في جيشه الخبيث هاربا رجعا الى بلاده قبحه الله فدخل القسطنطينية وتحصن بها

(9/333)


قال خليفة بن خياط كانت وفاة البطال ومقتله بأرض الروم في سنة احدى وعشرين ومائة وقال ابن جرير في سنة ثنتين وعشرن ومائة وقال ابن حسان الزيادي قتل في سنة ثلاث عشرة ومائة وقيل قد قال غير وانه قتل هو والامير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشر ومائة كما ذكرنا ذلك فالله اعلم ولكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته الا في هذه السنة فالله اعلم
قلت فهذا ملخص ابن عساكر في ترجمة البطال مع تفصيلة للاخبار واطلاعه عليها واماما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة الى دلهمة والبطال والامير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وافتراء ووضع بارد وجهل وتخبط فاحش لا يروج ذلك الا على غبي او جاهل ردى كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسي المكذبة وكذلك سيرة البكري والدنف وغير ذلك والكذب المفتعل في سيرة البكري اشد اثما واعظم جرما من غيرها لان واضعها يدخل في قول النبي ( ص ) من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وممن توفى في هذه السنة من الاعيان
اياس الذكي
وهو اياس بن معاوية بن مرة بن اياس بن هلال بن رباب بن عبيد بن دريد بن اوس بن سواه ابن عمرو بن سارية بن ثعلبة بن ذبيان بن ثعلبة بن اوس بن عثمان بن عمرو بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان هكذا نسبه خليفة بن خياط وقيل غير ذلك في نسبه وهو ابو واثلة المزنى قاضي البصرة وهو تابعي ولجده صحبه وكان يضرب المثل بذكائه روى عن ابيه عن جده مرفوعا في الحياء عن انس وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ونافع وابي مجلز وعفة الحمادان وشعبة والاصمعي وغيرهم قال عنه محمد بن سيرين انه لفهم انه لفهم وقال محمد بن سعد والعحلي وابن معبن والنسائي ثقة زاد ابن سعد وكان عاقلا من الرجال فطنا وزاد العجلي وكان فقيها عفيفا وقدم دمشق في ايام عبد الملك بن مروان ووفد على عمر بن عبد العزيز ومرة اخرى حين عزله عدي بن ارطأة عن قضاء البصرة قال ابو عبيدة وغيره تحاكم اياس وهو صبي شاب وشيخ الى قاضي عبد الملك بن مروان بدمشق فقال له القاضي انه شيخ وانت شاب فلا تساوه في الكلام فقال اياس ان كان كبيرا فالحق اكبر منه فقال له القاضي اسكت فقال ومن يتكلم بحجتي اذا سكته فقال القاضي ما احسبك تنطق بحق في مجلسي هذا حتى تقوم فقال اياس اشهد ان لا اله الا الله زاد غيره فقال القاضي ما اظنك الا ظالما له فقال ما على ظن القاضي خرجت من منزلي فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره خبره فقال اقض حاجته واخرجه الساعة من دمشق لا يفسد على الناس
وقال بعضهم لما عزله عدى بن أرطأة عن قضاء البصرة فر منه الى عمر بن عبد العزيز فوجده

(9/334)


قد مات فكان يجلس في حلقة في جامع دمشق فتكلم رجل من بني امية فرد عليه اياس فأغلط له الاموي فقام اياس فقيل للأموي هذا اياس بن معاوية المزني فلما عاد من الغد اعتذر له الاموي وقال لم اعرفك وقد جلست إلينا بثياب السوقة وكلمتنا بكلام الاشراف فلم نحتمل ذلك
وقال يعقوب بن سفيان حدثنا نعيم بن حماد ثنا ضمرة عن ابي شوذب قال كان يقال يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل فكانوا يرون ان اياس بن معاوية منهم وقال العجلي دخل على اياس ثلاث نسوة فلما رآهن قال اما احداهن فمرضع والاخرى بكر والاخرى ثيب فقيل له بم علمت هذا فقال اما المرضع فكلما قعدت امسكت ثديها بيدها واما البكر فكلما دخلت لم تلتفت الى احد واما الثيب فكلما دخلت نظرت ورمت بعينها وقال يونس بن صعلب ثنا الاحنف بن حكيم بأصبهان ثنا حماد بن سلمة سمعت اياس بن معاوية يقول اعرف الليلة التي ولدت فيها وضعت امي على رأسي جفنة وقال المدائني قال اياس بن معاوية لامه مل شئ سمعينه وأنت حامل بى وله جلبة شديدة قالت ذاك طست من نحاس سقط من فوق الدار إلى أسفل ففزعت فوضعتك تلك الساعة وقال ابو بكر الخرائطي عن عمر بن شيبة النميري قال بلغني ان اياسا قال ما يسرني ان اكذب كذبة يطلع عليها ابي معاوية وقال ما خاصمت احدا من اهل الاهواء بعقلي كله الا القدرية قلت لهم اخبروني عن الظلم ما هو قالوا اخذ 1 الانسان ما ليس له قلت فإن الله له كل شيء قال بعضهم عن اياس قال كنت في الكتاب وانا صبي فجعل اولاد النصارى يضحكون من المسلمين ويقولولن انهم يزعمون انه لا فضلة لطعام اهل الجنة فقلت للفقيه وكان نصرانيا الست تزعم ان في الطعام ما ينصرف في غذاء البدن قال بلى قلت فما ينكر ان يجعل الله طعام اهل الجنة كله غذاء لابدانهم فقال له معلمه ما انت الا شيطان
وهذا الذي قاله اياس وهو صغير بعقله قد ورد به الحديث الصحيح كما سنذكره ان شاء الله في اهل الجنة ان طعامهم ينصرف جشاء وعرقا كالمسك فاذا البطن ضامر وقال سفيان وحين قدم اياس واسط فجاءه ابن شبرمة بمسائل قد اعدها فقال له اتأذن لي ان أسألك قال سل وقد ارتبت حين استأذنت فسأله عن سبعين مسألة يجيبه فيها ولم يختلفا الا في اربع مسائل رده اياس الى قوله ثم قال له اياس اتقرأ القرآن قال نعم قال اتحفظ قوله اليوم اكملت لكم دينكم ] قال نعم قال وما قبلها وما بعدها قال نعم قال فهل ابقت هذه الاية لال شبرمة رأيا
وقال عباس عن يحيى بن معين حدثنا سعيد بن عامر بن عمر بن علي قال قال رجل لاياس ابن معاوية يا ابا واثلة حتى متى يبقى الناس وحتى متى يتوالد الناس ويموتون فقال لجلسائه اجيبوه فلم يكن عندهم جواب فقال اياس حتى تتكامل العدتان عدة اهل الجنة وعدة اهل النار

(9/335)


وقال بعضهم اكتري اياس بن معاوية من الشام قاصدا الحج فركب معه في المحارة غيلان القدري ولا يعرف احدهما صاحبه فمكثا ثلاثا لا يكلم احدهما الاخر فلما كان بعد ثلاث تحادثا فتعارفا وتعجب كل واحد منهما من اجتماعه مع صاحبه لمباينة ما بينها في الاعتقاد في القدر فقال له اياس هؤلاء اهل الجنة يقولون حين يدخلون الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ويقول اهل النار ربنا غلبت علينا شقوتنا وتقول الملائكة سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا ثم ذكر له من اشعار العرب وامثال العجم ما فيه اثبات القدر ثم اجتمع مرة اخرى اياس وغيلان عند عمر بن عبد العزيز فناظر بينهما فقهره اياس ومازال يحصره في الكلام حتى اعترف غيلان بالعجز واظهر التوبة فدعا عليه عمر بن عبد العزيز ان كان كاذبا ن فاستجاب الله منه فأمكن من غيلان فقتل وصلب بعد ذلك ولله الحمد والمنة
ومن كلام اياس الحسن لان يكون في فعال الرجال فضل عن مقالة خير من ان يكون في مقاله فضل عن فعاله وقال سفيان ين حسين ذكرت رجلا بسوء عند اياس بن معاوية فنظر في وجهي وقال اغزوت الروم قلت لا قال السند والهند والترك قلت لا قال افسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك اخوك المسلم قال فلم اعد بعدها وقال الاصمعي عن ابيه رأيت اياس بن معاوية في بيت ثابت البناني واذا هو احمر طويل الذراع غليظ الثياب يلون عمامته وهو قد غلب على الكلام فلا يتكلم معه احد الا علاه وقد قال له بعضهم ليس فيك عيب سوى كثرة كلامك فقال بحق اتكلم ام بباطل فقيل بل بحق فقال كلما كثر الحق فهو خير ولامه بعضهم في لباسه الثياب الغليظ فقال انما البس ثوبا يخدمني ولا البس ثوبا اخدمه وقال الاصمعي قال اياس بن معاوية ان اشرف خصال الرجل صدق اللسان ومن عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم اخلاقه وقال بعضهم سأل رجل اياسا عن النبيذ فقال هو حرام فقال الرجل فأخبرني عن الماء فقال حلال قال فالكسور قال حلالل قال فالتمر حلال قال فما بالله اذا اجتمع حرم فقال اياس أرأيت لورميتك بهذه الحفنة من التراب اتوجعك قال لا قال فهذه الحفنة من التبن قال لا توجعني قالأ فهذه الغرفة من الماء قال لا توجعني شيئا قال افرأيت ان خلطت هذا بهذا وهذا بهذا حتى صار طينا ثم تركته حتى استحجر ثم رميتك ايوجعك قال أي والله وتقتلني قال فكذلك تلك الاشياء اذا اجتمعت وقال المدائني بعث عمر بن عبد العزيز عدي بن ارطأة على البصرة نائبا وامره ان يجمع بين اياس والقاسم بن ربيعة الجوشني فأيهما كان افقه فليوله القضاء فقال اياس وهو يريد ان لا يتولى ايها الرجل سل فقيهي البصرة الحسن وابن سيرين وكان اياس لا يأتيهما فعرف القاسم انه ان سألهما اشار به يعني بالقاسم لانه كان

(9/336)


يأيتيهما فقال القاسم لعدي والله الذي لا اله الا هو ان اياسا افضل مني وافقه مني واعلم بالقضاء فان كنت صادقا فوله وان كنت كاذبا فما ينبغي ان تولى كاذبا القضاء فقال اياس هذا رجل اوقف على شفير جهنم فافتدى منها بيمين كاذبة يستغفر الله فقال عدي اما اذ فظنت الى هذا فقد وليتك القضاء فمكث سنة يفصل بين الناس ويصلح بينهم واذا تبين له الحق حكم به ثم هرب الى عمر بن عبد العزيز بدمشق فاستعفاه القضاء فولى عدي بعده الحسن البصري
قالوا لما تولى اياس القضاء بالبصرة فرح به العلماء حتى قال ايوب لقد رموها بحجرها وجاء الحسن وابن سيرين فسلما عليه فبكى اياس وذكر الحديث القضاة ثلاثة قاضيان في النار وواحد في الجنة فقال الحسن وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث الى قوله وكلا اتينا حكما وعلما قالوا ثم جلس للناس في المسجد واجتمع عليه الناس للخصومات فما قام حتى فصل سبعين قضية حتى كان يشبه بشريح القاضي وروى انه كان اذا اشكل عليه شيء بعث الى محمد بن سيرين فسأله منه وقال اياس اني لاكلم الناس بنصف عقلي فإذا اختصم الى اثنان جمعت لهما عقلي كله وقال له رجل انك لتعجب برأيك فقال لولا ذلك لم اقض به وقال له آخر ان فيك خصالا لا تعجبني فقال ماهي فقال تحكم قبل ان تفهم ولا تجالس كل احد وتلبس الثياب الغليظة فقال له ايها اكثر الثلاثة او الاثنان قال الثلاثة فقال ما اسرع ما فهمت واجبت فقال او يجهل هذا احد فقال وكذلك ما احكم انا به وما مجالستي لكل احد فلأن اجلس مع من يعرف لي قدري احب الي من ان اجلس مع من لا يعرف لى قدري واما الثياب الغلاظ فانا البس منها ما يقيني لا ما اقيه انا قالوا وتحاكم اليه اثنان فادعى احدهما عند دالاخر مالا وجحده الاخر فقال اياس للمودع اين اودعته قال عند شجرة في بستان فقال انطلق اليها فقف عندها لعلك تتذكر وفي رواية انه قال له هل تستطيع ان تذهب اليها فتأتي بورق منها قال نعم قال فانطلق وجلس الاخر فجعل اياس يحكم بين الناس ويلاحظه ثم استدعاه فقال له اوصل صاحبك بعد الى المكان فقال لا بعد اصلحك الله فقال له قم يا عدو الله فاد اليه حقه والا جعلتك نكالا وجاء ذلك الرجل فقام معه فدفع اليه وديعته بكمالها وجاء آخر فقال له اني اودعت عند فلان مالا وقد جحدني فقال له اذهب الان وائتني غدا وبعث من فوره الى ذلك الرجل الجاحد فقال له انه قد اجتمع عندنا ههنا مال فلم تر له امينا نضعه عنده الا انت فضعه عندك في مكان حريز فقال له سمعا وطاعة فقال له اذهب الان وائتنى غدا وأصبح وذلك الرجل صاحب الحق فجاء فقال له اذهب الان اليه فقل له اعطني حقي والا رفعتك الى القاضي فقال له ذلك فخاف ان لا يودع اذا سمع الحاكم خبره فدفع اليه ماله بكماله فجاء الى

(9/337)


اياس فأعلمه ثم جاء ذلك الرجل من الغد رجاء ان يودع فانتهره اياس وطرده وقال له انت خائن وتحاكم اليه اثنان في جارية فادعى المشتري انها ضعيفة العقل فقال لها اياس أي رجليك اطول فقالت هذه فقال لها اتذكرين ليلة ولدت فقالت نعم فقال للبائع رد رد
وروى ابن عساكر ان اياسا سمع صوت امرأة من بيتها فقال هذه امرأة حامل بصبي فلما ولدت ولدت كما قال فسئل بم عرفت قال سمعت صوتها ونفسها معه فعلمت انهاحامل وفي صوتها ضحل فعلمت انه غلام قالوا ثم مر يوما ببعض المكاتب فاذا صبي هنالك فقال ان كنت ادرى شيئا فهذا الصبي ابن تلك المرأة فاذا هو ابنها وقال مالك عن الزهري عن ابي بكر قال شهد رجل عند اياس فقال له ما اسمك فقال ابوة العنفر فلم يقبل شهادته وقال الثوري عند الاعمش دعوني الى اياس فاذا رجل كلما فرغ من حديث اخذ في اخر وقال اياس كل رجل لا يعرف عيب نفسه فهو احمق فقيل له ما عيبك فقال كثرة الكلام قالوا ولما ماتت امه بكى عليها فقيل له في ذلك فقال كان لي بابان مفتوحان الى الجنة فغلق احدهما وقال له ابوه ان الناس يلدون ابنماء وولدت انا ابا وكان اصحابه يجلسون حوله ويكتبون عنه الفراسة فبينما هم حوله جلوس اذ نظر الى رجل قد جاء فجلس على دكة حانوت وجعل كلما مر احد ينظر اليه ثم قام فنظر في وجه الرجل ثم عاد فقال لاصحابه هذا فقيه كتاب قد ابق له غلام اعور فهو يتطلبه فقاموا الى ذلك الرجل فسألوه فوجدوه كما قال اياس فقالوا لاياس من اين عرفت ذلك فقال لما جلس على دكة الحانوت علمت انه ذو ولاية ثم نظرت فاذا هو لا يصلح الا لفقهاء المكتب ثم جعل ينظر الى كل من مر به فعرفت انه قد فقد غلاما ثم لما قام فنظر الى وجه ذلك ذلك الرجل من الجانب الاخر عرفت ان غلامه اعور وقد اورد ابن خلكان اشياء كثيرة في ترجمته من ذلك انه شهد عنده رجل في بستان فقال له كم عدد اشجاره فقال له كم عدد جذوع هذا المجلس الذي انت فيه من مدة سنين فقلت لا ادري واقررت شهادته
ثم دخلت سنة ثلاث عشرين ومائة
ذكر المدائني عن شيوخه ان خاقان ملك الترك لما قتل في ولاية اسد بن عبدالله القسري على خراسان تفرق شمل الاتراك وجعل بعضهم يغير على بعض وبعضهم يقتل بعضا حتى كادت ان تخرب بلادهم واشتغلوا عن المسلمين وفيها سأل اهل الصفد من امير خراسان نصر بن سيار ان يردهم الى بلادهم وسألوه شروطا انكرها العلماء منها ان لا يعاقب من ارتد منهم عن الاسلام ولا يؤخذ اسير المسلمين منهم وغير ذلك فأراد ان يوافقهم على ذلك لشدة نكايتهم في المسلمين فعاب عليه الناس ذلك فكتب الى هشام في ذلك فتوقف ثم رأى ان هؤلاء اذا استمروا على

(9/338)


معاندتهم للمسلمين كان ضررهم اشد اجابهم الى ذلك وقد بعث يوسف بن عمر امير العراق وفدا الى امير المؤمنين يسأل منه ان يضم اليه نيابة خراسان وتكلموا في نصر بن سيار بأنه وان كان شهما شجاعا الا انه قد كبر وضعف بصره فلا يعرف الرجل الا من قريب بصوته وتكلموا فيه كلاما كثيرا فلم يلتفت الى ذلك هشام واستمر به على امرة خراسان وولايتها قال ابن جرير وحج بالناس فيها يزيد بن هشام بن عبد الملك والعمال فيها من تقدم ذكرهم في التى قبلها وتوفي في هذه السنة ربيعة بن يزيد القصير من أهل دمشق وأبو يونس سليمان بن جبير وسماك بن حرب ومحمد بن واسع بن حيان وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل ولله الحمد
[ قال محمد بن واسع اول من يدعي يوم القيامة الى الحساب القضاة وقال خمس خصال تميت القلب الذنب على الذنب ومجالسة الموتى قيل له ومن الموتى قال كل غني مترف وسلطان جائر وكثرة مشاقة النساء وحديثهن ومخالطة اهله وقال مالك بن دينار اني لاغبط الرجل يكون عيشه كفافا فيقنع به فقال محمد بن واسع اغبط منه والله عندي من يصبح جائعا وهو عن الله راض وقال ما آسى عن الدنيا الا على ثلاث صاحب اذا إعوججت قومني وصلاة في جماعة يحمل عني سهوها وافوز بفضلها وقوت من الدنيا ليس لاحد فيه منه ولا لله علي فيه تبعة وروى رواد بن الربيع قال رأيت محمد بن واسع بسوق يزور وهو يعرض حمارا له للبيع فقال له رجل اترضاه لي فقال لو رضيته لم ابعه
ولما ثقل محمد بن واسع كثر عليه الناس في العيادة قال بعض اصحابه فدخلت عليه فاذا قوم قعود وثوم قيام فقال ماذا يغني هؤلاء عني اذا اخذ بناصيتي وقدمي غدا والقيت في النار وبعث بعض الخلفاء مالا مستكثرا الى البصرة ليفرق في فقراء اهلها وامر ان يدفع الى محمد بن واسع منه فلم يقبله ولم يلتمس منه شيئا واما مالك بن دينار فانه قبل ما امر له به واشترى به ارقاء واعتقهم ولم يأخذ لنفسه منه شيئا فجاءه محمد بن واسع يلومه على قبوله جوائز السلطان فقال له يا مالك قبلت جوائز السلطان فقال له مالك يا ابا عبد الله سل اصحابى ماذا فعلت منه فقالوا له انه اشترى به ارقاء وأعتقهم فقال له سألتك بالله اقلبك الان لهم مثل ما كان قبل ان يصلوك فقام مالك وحثى على رأسه التراب وقال انما يعرف الله محمد بن واسع انما مالك حمار انما مالك حمار وكلام محمد بن واسع كثير جدا رحمه الله ]
ثم دخلت سنة اربع وعشرين ومائة
فيها غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك بلاد الروم فلقي ملك الروم اليون فقاتله فسلم سليمان وغنم

(9/339)


وفيها قدم جماعة من دعاة بني العباس من بلاد خراسان قاصدين الى مكة فمروا بالكوفة فبلغهم ان في السجن جماعة من الامراء من نواب خالد القسري قد حبسهم يوسف بن عمر فاجتمعوا بهم في السجن فدعوهم الى البيعة لبني العباس واذا عندهم من ذلك جانب كبير فقبلوا منهم ووجدوا عندهم في السجن ابا مسلم الخراساني وهو اذ ذاك غلام يخدم عيسى بن مقبل العجلي وكان محبوسا فاعجبهم شهامته وقوته واستحبابه مع مولاة الى هذ 1 ا الامر فاشتراه بكر بن ماهان باربعمائة درهم خرجوا به معهم فاستندبوه لهذا الامر فكانوا لا يوجهونه الى مكان الا ذهب ونتج ما يوجهونه اليه ثم كان من امره ما سنذكره ان شاء الله تعالى فيما بعد قال الواقدي ومات في هذه السنة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس و هو الذي يدعو اليه دعاة بني العباس فقام مقامه ولده ابو العباس السفاح والصحيح انه انما توفي في التي بعدها قال الواقدي وابو معشر وحج بالناس فيها عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك ومعه امرأته ام مسلم بن هشام بن عبد الملك وقيل انما حج بالناس محمد بن هشام بن اسماعيل قاله الواقدي والاول ذكره ابن جرير والله اعلم وكان نائب الحجاز محمد بن هشام بن اسماعيل يقف على باب ام مسلم ويهدي اليها الالطاف والتحف ويعتذر اليها من التقصير وهي لا تلتفت الى ذلك ونواب البلاد هم المذكورين في التي قبلها وفيها توفي
القاسم بن ابي بزة
ابو عبد الله المكي القاريء مولى عبد الله بن السائب تابعي جليل روى عن ابي الطفيل عامر بن واثلة وعنه جماعة ووثقه الائمة توفي في هذه السنة على الصحيحن وقيل بعدها بسنة وقيل سنة اربع عشرة وقيل سنة خمس عشرة فالله اعلم
الزهري
محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة ابو بكر القرشي الزهري احد الاعلام من ائمة الاسلام تابعي جليل سمع غير واحد من التابعين وغيرهم
روى الحافظ ابن عساكر عن الزهري قال اصاب اهل المدينة جهد شديد فارتحلت الى دمشق وكان عندي عيال كثيرة فجئت جامعها فجلست في اعظم حلقة فاذا رجل قد خرج من عند امير المؤمنين عبد الملك فقال انه قد نزل بأمير المؤمنين مسألة وكان قد سمع من سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب فأخذني فأدخلني على عبد الملك فسألني ممن أنت فانتسبت له وذكرت له حاجتي وعيالي فسألني هل تحفظ القرآن قلت نعم والفرائض والسنن

(9/340)


فسألني عن ذلك كله فأجبته فقضى ديني وامر لي بجائزة وقال لي اطلب العلم فاني ارى لك عينا حافظة وقلبا ذكيا قال فرجعت الى المدينة اطلب العلم واتتبعه فبلغني ان امرأة بقباء رأت رؤيا عجيبة فأتيتها فسألتها عن ذلك فقالت ان بعلي غاب وترك لنا خادما وداجنا ونخيلات نشرب من لبنها ونأكل من ثمرها فبينما انا بين النائمة واليقظى رأيت كان ابني الكبير وكان مشتدا قد اقبل فاخذ الشفرة فذبح ولد الداجن قال ان هذا يضيق علينا اللبن تم نصب القدر وقطعها ووضعها فيه ثم اخذ الشفرة فبح بها اخاه واخوه صغير كما قد جاء ثم استيقظت مذعورة فدخل ولدي الكبير فقال اين اللبن فقلت يا بني شربه ولد الداجن فقال انه قد ضيق علينا اللبن ثم اخذ الشفرة فذبحه وقطعه في القدر فبقيت مشفقة خائفة مما رأيت فأخذت ولدي الصغير فغيبته في بعض بيوت الجيران ثم اقبلت الى المنزل وانا مشفقة جدا مما رأيت فأخذتني عيني فنمت فرأيت في المنام قائلا يقول مالك مغتمة فقلت اني رأيت مناما فأنا احذر منه فقال يا رؤيا يا رؤيا فاقبلت امرأة حسناء جميلة فقال ما اردت الى هذه المرأة الصالحة قالت ما ادرت الا خيرا ثم قال با احلام يا احلام فأقبلت امراة دونها في الحسن والجمال فقال ما اردت الى هذه المرأة الصالحة فقالت ما اردت الا خيرا ثم قال يا اضغاث يا اضغاث فأقبلت امرأة سوداء شنيعة فقال ما اردت الى هذه المرأة الصالحة فقالت انها امراة صالحة فأحببت ان اعلمها ساعة ثم استيقظت فجاء ابني فوضع الطعام وقال اين اخي فقلت درج الى بيوت الجيران فذهب وراءه فكأنما هدي اليه فأقبل به يقبله ثم جاء فوضعه وجلسنا جميعا فأكلنا من ذلك الطعام
ولد الزهري في سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية وكان قصيرا قليل اللحية له شعرات طوال خفيف العارضين قالوا وقد قرأ القران في نحو من ثمان وثمانين يوما وجالس سعيد بن المسيب ثمان سنين تمس ركبته ركبته وكان يخدم عبيد الله بن عبد الله يستسقي له الماء المالح ويدور على مشايخ الحديث ومعه إلواح يكتب عنهم فيها الحديث ويكتب عنهم كل ما سمع منهم حتى صار من اعلم الناس واعلمهم في زمانه وقد احتاج اهل عصره اليه
وقال عبد الرزاق اخبرنا معمر عن الزهري قال كنا نكره كتاب العلم حتى اكرهنا عليه هؤلاء الامراء فرأينا أن لا نمنعه احدا من السملين وقال ابو اسحاق كان الزهري يرجع من عند عروة فيقول لجارية عنده فيها لكنة ثنا عروة ثنا فلان ويسرد عليها ما سمعه منه فتقول له الجارية والله ما ادري ما تقول فيقول لها اسكتي لكاع فاني لا اريدك انما اريد نفسي ثم وفد على عبد الملك بدمشق كما تقدم فأكرمه وقضى دينه وفرض له في بيت المال ثم كان بعد من اصحابه وجلسائه ثم كان كذلك عند اولاده من بعده الوليد وسليمان وكذا عند عمر

(9/341)


ابن عبد العزيز وعند يزيد بن عبد الملك واستقصاه يزيد مع سليمان بن حبيب ثم كان حظيا عند هشام وحج معه وجعله معلم اولاده الى ان توفى في هذه السنة قبل هشام بسنة وقال ابن و هب سمعت الليث يقول قال ابن شهاب ما استوجعت قلبي شيئا قط فنسيته قال وكان يكره اكل التفاح وسؤر الفأر ويقول انه ينسي وكان يشرب العسل ويقول انه يذكي وفيه يقول فايد بن اقرم ... زر ذا واثن على الكريم محمد ... واذا يقال من الجواد بماله ... اهل المدائن يعرفون مكانه ... يشري وفاء جفافه ويمدها ... واذكر فواضله على الاصحاب ... قيل الجواد محمد بن شهاب ... وربيع ناديه على الاعراب ... بكسور انتاج وفتق لباب ...
وقال ابن مهدي سمعت مالكا يقول حدث الزهري يوما بحديث فلما قام اخذت بلجام دابته فاستفهمته فقال اتستفهمني ما استفهمت عالما قط ولا رددت على عالم قط ثم جعل ابن مهدي يقول فتلك الطوال وتلك المغازي
وروى يعقوب بن سفيان عن هشام بن خالد السلامي عن الوليد بن مسلم عن سعيد يعني ابن عبد العزيز ان هشام بن عبد الملك سأل الزهري ان يكتب لبنيه شيئا من حديثه فأملى على كاتبه اربعمائة حديث ثم خرج على اهل الحديث فحدثهم بها ثم ان هشاما قال للزهري ان ذلك الكتاب ضاع فقال لا عليك وفأملي عليهم تلك الاحاديث فأخرج هشام الكتاب الاول فاذا هو لم يغادر حرفا واحدا وانما اراد هشام امتحان حفظه وقال عمر بن عبد العزيز مارأيت احدا احسن سوقا للحديث اذا حدث من الزهري وقال سفيان بن عييبة عن عمرو بن دينار ما رأيت احدا انص للحديث من الزهري ولا اهون من الدينار والدرهم عنده وما الدراهم والدنانير عند الزهري الا بمنزلة البعر قال عمرو بن دينار ولقد جالست جابرا وابن عباس وابن عمر وابن الزبير فما رأيت احدا اسيق للحديث من الزهري
وقال الامام احمد احسن الناس حديثا واجودهم اسنادا الزهري وقال النسائي احسن الاسانيد الزهري عن علي بن الحسين عن ابيه عن جده على عن رسول الله ( ص ) وقال سعيد عن الزهري مكثت خمسا واربعين سنة اختلفت من الحجاز الى الشام ومن الشام الى الحجاز فما كنت اسمع حديثا استطرفه وقال الليث ما رأيت عالما قط اجمع من ابن شهاب ولو سمعته يحدث في الترغيب والترهيب لقلت ما يحسن غير هذا وان حدث عن الانبياء واهل الكتاب قلت لا يحسن الا هذا وان حدث عن الاعراب والانساب قلت لا يحسن الا هذا وان حدث عن القرآن والسنة كان حديثه بدعا جامعا وكان يقول اللهم اني اسألك من كل خير أحاط به علمك

(9/342)


واعوذ بك من كل شر احاط به علمك في الدنيا والاخرة قال الليث وكان الزهري اسخى من رأيت يعطي كل من جاء وسأله حتى اذا لم يبق عنده شيء استسلف وكان يطعم الناس الثريد ويسقيهم العسل وكان يستمر على شراب العسل كما يستمر اهل الشراب على شرابهم ويقول اسقونا وحدثونا فاذا نعس احدهم يقول له ما انت من سمار قريش وكانت له قبة معصفرة وعليه ملحفة معصفرة وتحته بساط معصفر وقال الليث قال يحيى بن سعيد ما بقي عند احد من العلم ما بقي عند ابن شهاب
وقال عبد الرزاق انبأ معمر قال قال عمر بن عبد العزيز عليكم بابن شهاب فانه ما بقي احد اعلم بسنة ماضية منه وكذا قال مكحول وقال ايوب ما رأيت احدا اعلم من الزهري فقيل له ولا الحسن فقال ما رأيت اعلم من الزهري وقيل لمكحول من اعلم من لقيت قال الزهري قيل ثم من قال الزهري قيل ثم من قال الزهري وقال مالك كان الزهري اذا دخل المدينة لم يحدث بها احدا حتى يخرج وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة محدثوا اهل الحجاز ثلاثة الزهري ويحي بن سعيد وابن جريح وقال علي بن المديني الذين افتوا اربعة الزهري والحكم وحماد وقتادة والزهري افقههم عندي وقال الزهري ثلاثة اذا كن في القاضي فليس بقاض اذا كره الملاوم واخب المحامد وكره العزل وقال احمد بن صالح كان يقول فصحاء زمانهم الزهري وعمر بن عبد العزيز وموسى بن طلحة وعبيد الله رحمهم الله وقال مالك عن الزهري انه قال ان هذا العلم الذي ادب الله به رسول الله ( ص ) وادب رسول الله به امته امانة الله الى رسوله ليؤديه على ما ادى اليه فمن سمع علما فليجعله امامه حجة فيما بينه وبين الله عز و جل
وقال محمد بن الحسين عن يونس عن الزهري قال الاعتصام بالسنة نجاة وقال الوليد عن الاوزاعي عن الزهري قال امروا احاديث رسول الله ص كما جاءت وقال محمد بن اسحاق عن الزهري ان من غوائل العلم ان يترك العالم حتى يذهب علمه وفي رواية ان يترك العالم العمل بالعلم حتى يذهب فان من غوائله قلة انتفاع العالم بعلمه ومن غوائله النسيان والكذب وهو اشد الغوائل وقال ابو زرعة عن نعيم بن حماد عن محمد بن ثور عن معمر عن الزهري قال القراءة على العالم والسماع عليه سواء ان شاء الله تعالى
وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال اذا طال المجلس كان للشيطان فيه حظ ونصيب وقد قضى عنه هشام مرة ثمانين الف درهم وفي رواية سبعة عشرة الفا وفي رواية عشرين الفا وقال الشافعي عتب رجاء بن حيوة على الزهري في الاسراف وكان يستدين فقال له لا آمن ان يحبس هؤلاء القوم ما بأيديهم عنك فتكون قد حملت على امانيك قال فوعده الزهري ان يقصر

(9/343)


فمر به بعد ذلك وقد وضع الطعام ونصب موائد العسل فوقف به رجاء وقال يا ابا بكر ما هذا بالذي فارقتنا عليه فقال له الزهري انزل فان السخي لا تؤدبه التجارب وقد انشد بعضهم في هذا المعنى ... له سحائب جود في انامله ... يقول في العسر ان ايسرت ثانية ... حتى اذا عاد أيام اليسار له ... امطارها الفضة البيضاء والذهب ... اقصرت عن بعض ما اعطى وما اهب ... رايت امواله في الناس تنتهب وقال ...
الواقدي ولد الزهري سنة ثمان وخمسين وقدم في سنة اربع وعشرين ومائة الى امواله بثلاث بشعب زبدا فأقام بها فمرض هاك ومات واوصى ان يدفن على قارعة الطريق وكانت وقفاته لسبع عشرة من رمضان في هذه السنة وهو ابن خمس وسبعين سنة قالوا وكان ثقة كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعا وقال الحسين بن المتوكل العسقلاني رأيت قبر الزهري بشعب زيدا من فلسطين مسنما مجصصا وقد وقف الاوزاعي يوما على قبره فقال يا قبر كم فيك من علم ومن حلم يا قبر كم فيك من علم ومن كرم وكم جمعت روايات واحكاما وقال الزبير بن بكار توفي الزهري بامواله بشعب ثنين ليلة الثلاثاء لسبع عشر ليلة خلت من رمضان سنة اربع وعشرين ومائة عن ثنتين وسبعين سنة ودفن على قارعة الطريق ليدعو له المارة وقيل انه توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة وقال ابو معشر سنة خمس وعشرين ومائة والصحيح الاول والله اعلم فصل
وروى الطبراني عن اسحاق ابن ابراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال اخبرني صالح بن كيسان قال اجتمعت انا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نحن نكتب السنن فكتبنا ما جاء عن النبي ( ص ) ثم قال لي هلم فلنكتب ما جاء عن اصحابه فانه سنة فقلت انه ليس بسنة فلا نكتب قال فكتب ما جاء عنهم ولم اكتب فانجح وضيعت وروى الامام احمد عن عن معمر قال كنا نرى انا قد اكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد فاذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزانته يقول من علم الزهري وروى عن الليث بن سعد قال وضع الطست بين يدي ابن شهاب فتذكر حديثا فلم تزل يده في الطست حتى طلع الفجر وصححه وروى اصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن يونس عن الزهري قال للعلم واد فاذا هبطت واديه فعليك بالتؤدة حتى تخرج منه فإنك لا تقطعه حتى يقطع بك وقال الطبراني حدثنا احمد بن يحيى تغلب حدثنا الزبير بن بكار حدثني محمد بن الحسن بن زبالة عن مالك بن انس عن الزهري قال خدمت عبيد الله بن عتبة حتى ان كان خادمه ليخرج فيقول من بالباب فتقول الجارية غلامك الاعمش فتظن اني غلامه واني كنت لاخدمه

(9/344)


حتى استقى وضوءه وروى عبدالرحمن بن احمد عن محمد بن عباد عن الثوري عن مالك بن انس اراه عن الزهري قال تبعت سعيد بن المسيب ثلاثة ايام في طلب حديث وروى الاوزاعي عن الزهري قال كنا نأتي العالم فما نتعلم من ادبه احب الينا من علمه وقال سفيان كان الزهري يقول حدثني فلان وكان من اوعية العلم ولا يقول كان عالما وقال مالك اول من دون العلم ابن شهاب وقال ابو المليح كان هشام هو الذي اكره الزهري على كتابة الحديث فكان الناس يكتبون بعد ذلك وقال رشيد بن سعد قال الزهري العلم خزائن وتفتحها المسائل وقال الزهري كان يصطاد العلم بالمسألة كم يصطاد الوحش وكان ابن شهاب ينزل بالاعراب يعلمهم لئلا ينسى العلم وقال انما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة وقال ان هذاالعلم ان اخذته بالمكابرة غلبك ولم تظفر منه بشيء ولكن خذه مع الايام والليالي اخذا رفيقا تظفر به وقال ما احدث الناس مروءة اعجب الي من الفصاحة وقال العلم ذكر لا يحبه الا الذكور من الرجال ويكرهه مؤنثوهم ومر الزهري علي ابي حازم وهو يقول قال رسول الله ص فقال مالي ارى احاديث ليس لها خطم ولا ازمة وقال ما عبد الله بشيء افضل من العلم
وقال ابن مسلم ابي عاصم حدثنا دحيم حدثنا الوليد بن مسلم عن القاسم بن هزان انه سمع الزهري يقول لا يوثق الناس علم عالم لا يعمل به ولا يؤمن بقول عالم لا يرضى وقال ضمرة عن يونس عن الزهري قال اياك وغلول الكتب قلت وما غلولها قال حبسها عن اهلها وروى الشافعي عن الزهري قال حضور المجالس بلا نسخة ذل وروى الاصمعي هعن مالك بن انس عن ابن شهاب قال جلست الى ثعلبة بن ابي معين فقال اراك تحب العلم قلت نعم قال فعليك بذاك الشيخ يعني سعيد بن المسيب قال فلزمت سعيدا سبع سنين ثم تحولت عنه الى عروة ففجرت نبح بحره وقال الليث قال ابن شهاب ما صبر احد على علم صبري وما نشره احد قط تسرى فاما عروة بن الزبير فبئر لا تكدره الدلاء واما ابن المسيب فانتصب للناس فذهب اسمه كل مذهب وقال مكي بن عبدان حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الله الاوسي حدثنا مالك بن انس ان ابن شهاب سأله بعض بني امية عن سعيد بن المسيب فذكر علمه بخير واخبره بحاله فبلغ ذلك سعيدا فلما قدم ابن شهاب المدينة جاء فسلم على سعيد فلم يرد عليه ولم يكلمه فلما انصرف سعيد مشى الزهري معه فقال مالي سلمت عليك فلم تكلمني ماذا بلغك عني وما قلت الا خيرا قال له ذكرتني لبني مروان قال ابو حاتم حدثنا مكي بن عبدان حدثنا محمد بن يحيى حدثنى عطاف ابن خالد المخزومي عن عبد الاعلى بن عبد الله بن ابي فروة عن ابي شهاب قال اصاب اهل المدينة حاجة زمان فتنة عبد الملك بن مروان فعمت اهل البلد وقد خيل الى انه قد اصابنا اهل

(9/345)


البيت من ذلك ما لم يصب احدا من اهل البلد وذلك لخبرتي باهلي فتذكرت هل من احد امت اليه برحم او مودة ارجو ان خرجت اليه ان اصيب عنده شيئا فما علمت من احد اخرج اليه ثم قلت ان الرزق بيد الله عزو وجل ثم خرجت حتى قدمت دمشق فوضعت رجلي ثم اتيت المسجد فنظرت الى اعظم حلقة رأيتها واكبرها فجلست فيها فبينا نحن على ذلك اذ خرج رجل من عند امير المؤمنين عبد الملك كأجسم الرجال واجملهم واحسنهم هيئة فجاء الى المجلس الذي انا فيه فتحثحثوا له اي اوسعوا فجلس فقال لقد جاءامير المؤمنين اليوم كتاب ما جاءه مثله منذ استخلفه الله قالوا ما هو قال كتب اليه عاملهعلى المدينة هشام بن إسماعيل يذكر ان ابن المصعب بن الزبير من ام ولد مات فأرادت أمه أن تأخذ ميرنا منه فمنعه عروة بن ا الزبير وزعم انه لا ميراثا لها فتوهم امير المؤمنين حديثا في ذلك سمعه من سعيد بن المسيب يذكر عن امير المؤمنين عمر بن الخطاب في امهات الاولاد ولا يحفظه الان وقد شذ عنه ذلك الحديث قال ابن شهاب فقلت انا احدثه به فقام الى قبيصة حتى اخذ بيدي ثم خرج حتى دخل الدار على عبد الملك فقال السلام عليك فقال له عبد الملك مجيبا وعليك السلام فقال قبيصة اندخل فقال عبد الملك ادخل فدخل قبيصة على عبد الملك وهو اخذا بيدي وقال هذا يا امير المؤمنين يحدثك بالحديث الذي سمعته من ابن المسيب في امهات الاولاد فقال عبد الملك ايه قال الزهري فقلت سمعت سعيد بن المسيب يذكر ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه امر بامهات الاولاد ان يقومن في اموال ابنائهن بقيمة عدل ثم يعتقن فكتب عمر بذلك صدرا من خلافته ثم توفى رجل من قريش كان له ابن من ام ولد وقد كان عمر يعجب بذلك الغلام فمر لك الغلام على عمر في المسجد بعد وفاة ابيه بليال فقال له عمر ما فعلت يا ابن اخي في امك قال فعلت يا امير المؤمنين خيرا خيروني بين ان يسترقوا امي ( ) فقال عمر اولست انما امرت في ذلك بقيمة عدل ما ارى رأيا وما امرت بأمر الا قلتم فيه ثم قام فجلس على المنبر فاجتمع الناس اليه حتى إذا رضي من جماعتهم قال ايها الناس اني قد كنت امرت في امهات الاولاد بامر قد علمتموه ثم حدث رأي غيرذلك فايما امرئ كان عنده ام ولد فملكها بيمينه ما عاش فاذا مات فهي حرة لا سبيل له عليها
فقال لي عبد الملك من انت قلت انا محمد بن مسلم بن عبيد بن شهاب فقال اما والله ان كان ابوك لابا نعارا في الفتنة مؤذيا لنا فيها قال الزهري فقلت يا امير المؤمنين قل كما قال العبد الصالح لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم فقال اجل لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم قال فقلت يا امير المؤمنين افرض لي فاني منقطع من الديوان فقال ان بلدك ما فرضنا فيه

(9/346)


لأحد منذ كان هذا الأمر ثم نظر الى قبيصة وأنا وهو قائمان بين يديه فكأنه أومأ اليه أن افرض له فقال قد فرض إليك أمير المؤمنين فقلت إنى والله ما خرجت من عند أهلى إلا وهم في شدة وحاجة ما يعلمها إلا الله وقد عمت الحاجه أهل البلد قال قد وصلك أمير المؤمنين قال قلت يا أمير المؤمنين وخادم يخدمنا فان أهلى ليس لهم خادم إلا أختى فانها الآن تعجن وتخبز وتطحن قال قد أخدمك أمير المؤمنين
وروى الأوزاعى عن الزهرى أنه روى رسول الله ( ص ) قال لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن فقلت للزهرى ما هذا فقال من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم أمروا أحاديث رسول الله ( ص ) كما جاءت وعن ابن أخى ابن شهاب عن عمه قال كان عمر بن الخطاب يأمر برواية قصيدة لبيد بن ربيعة التى يقول فيها ... إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثى والعجل ... أحمد الله فلا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل ... من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل ...
وقال الزهرى دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن عتبة منزله فاذا هو مفناط ينفخ فقلت مالى أراك هكذا فقال دخلت على أميركم آنفا يعنى عمر بن عبد العزيز ومعه عبد الله بن عمرو بن عثمان فسلمت عليها فلم يردا على السلام فقلت ... لا تعجبا أن تؤتيا فتكلما ... فما حشى الأقوام شرا من الكبر ... ومسا تراب الأرض منه خلقتما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحشر ...
فقلت يرحمك الله مثلك في فقهك وفضلك وسنك تقول الشعر فقال إن المصدور وإذا نفث برأ وجاء شيخ إلى الزهرى فقال حدثنى فقال إنك لا تعرف اللغة فقال الشيخ لعلى أعرفها فقال فما تقول في قول الشاعر
... صريع ندامى يرفع الشرب رأسه ... وقد مات منه كل عضو ومفصل ...
ما المفصل قال اللسان قال عد على أحدثك وكان الزهرى يتمثل كثيرا بهذا
... ذهب الشباب فلا يعود جمانا ... وكان ما قد كان لم يك كانا ... فطويت كفى يا جمان على العصا ... وكفى جمان بطيها حدثانا ... وكان نقش خاتم الزهرى محمد يسأل الله العافية وقيل لأبن أخى الزهرى هل كان عمك يتطيب قال كنت أشم ريح المسك من سوط دابة الزهرى وقال استكثروا من شىء لا تمسه النار قيل وما هو قال المعروف وامتدحه رجل مرة فأعطاه قميصه فقيل له أتعطى على كلام

(9/347)


الشيطان فقال أن من ابتغاء الخير اتقاء الشر وقال سفيان سئل الزهرى عن الزاهد فقال من لم يمنع الحلال شكره ولم يغلب الحرام صبره وقال سفيان قالوا للزهرى لو أنك لان في آخر عمرك أقمت بالمدينة فقعدت إلى مسجد رسول الله ( ص ) ودرجت وجلسنا إلى عمود من أعمدته فذكرت الناس وعلمتهم فقال لو أنى فعلت ذلك لوطىء عقبى و لا يبغى لى أن أفعل ذلك حتى أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة وكان الزهرى يحدث أنه هلك في جبال بيت المقدس بضعة وعشرون نبيا ماتوا من الجوع والعمل كانوا لا يأكلون إلا ما عرفوا و لا يلبسون إلا ما عرفوا و لا يلبسون إلا ماعرفوا وكان يقول العبادة هى الورع والزهد والعلم هو الحسنة والصبر هو احتمال المكاره والدعوة إلى الله على العمل الصالح
وممن توفي في خلافة هشام بن عبد الملك كما أورده ابن عساكر
بلال بن سعد
ابن التميم السكونى أبو عمرو وكان من الزهاد الكبار والعباد الصوام القوام روى عن أبيه وكان أبوه له صحبه وعن جابر وابن عمر وأبي الدرداء وغيرهم وعنه جماعات منهم أبو عمر و الأوزاعى وكان الأوزاعى يكتب عنه ما يقوله من الفوائد العظيمة من قصصه ووعظه وقال ما رأيت واعظا قط مثله وقال أيضا ما بلغنى عن أحد من العبادة ما بلغنى عنه كان يصلى في اليوم والليلة ألف ركعة وقال غيره وهو الأصمعى كان إذا نعس فى ليل الشتاء ألقى نفسه في ثيابه في البركة فعاتبه بعض أصحابه في ذلك فقاللا إن ماء البركة أهون من عذاب جهنم وقال الواليد بن مسلم كان إذا كبر في المحراب سمعوا تكبيرة من الأوزاع قلت وهى خارج باب الفراديس وقال أحمد بن عبد الله العجلى وهو شامى تابعى ثقة وقال أبو زرعة الدمشقى كان أحد العلماء قاصا حسن القصص وقد أتهمه رجاء بن حيوة بالقدر حتى قال بلال يوما في وعظه رب مسرور مغرور ورب مغرور لا يشعر فويل لمن له الويل وهو لا يشعر يأكل ويشرب ويضحك وقد حق عليه في قضاء الله أنه من أهل النار فياويل لك جسدا فلتبك ولتبك عليك البواكى لطول الأبد وقد ساق بن عساكر شيئا حسنا من كلامه في مواعظه البليغة فمن ذلك قوله والله لكفى به ذنبا أن الله يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها زاهدكم راغب وعالمك جاهل ومجتهدكم مقصر وقال أيضا أخ لك كلما لقيك ذكرك بنصيبك من الله وأخبرك بعيب فيك أحب أليك وخير لك من اخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا وقال ايضا لا تكن وليا لله في العلانية وعدوه في السر ولا تكن عدو إبليس والنفس والشهوات في العلانية وصديقهم في السر ولا تكن ذو وجهين وذا لسانين

(9/348)


فتظهر للناس انك يخشى الله ليحمدوك وقلبك فاجر وقال ايضا ايها الناس انكم لم تخلقوا للفناء وانما خلقتم للبقاء ولكنكم تنتقلون من دار الى دار كما نقلتم من الاصلاب الى الارحام ومن الارحام الى الدنيا ومن الدنيا الى القبور ومن القبور الى موقف ومن الموقف الى الجنة او النار وقال ايضا عباد الرحمن انكم تعملون في ايام قصار لايام طوال وفي دار زوال الى دار مقام وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود فمن لم يعمل على يقين فلا تنفعن عباد الرحمن لو قد غفرت خطاياكم الماضية لكان فيما تستقبلون لكم شغلا لو عملتم بما تعغملون لكان لكم مقتدا وملتجا عباد الرحمن اماما وكلتم به فتضيعون واما ما تكفل الله لكم به فتطلبونه ما هكذا نعت الله عباده الموقنين اذو وعقل في الدنيا وبله في الاخرة عمي عما خلقتم له بصراء في امر الدنيا فكما ترجون رحمة الله بما تؤدون من طاعته فكذلك اشفقوا من عذابه بما تنتهكون من معاصيه عباد الرحمن هل جاءكم مخبر يخبركم ان شيئا من اعمالكم قد تقبل منكم او شيئا من خطاياكم قد غفر لكم ام حسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقلتم ما فرض عليكم اترغبون في طاعة الله لدار معمورة بالافات ولا ترغبون وتنافسون في جنة اكلها دائم وظلها وعرضها عنها الارض والسماوات تلك عقبى الذ 1 ين اتقوا وعقبى الكافرين النار وقال ايضا الذكر ذكران ذكر الله باللسان حسن جميل وذكر الله عندما احل وحرم افضل عباد الرحمن يقال لاحدنا تحب ان تموت فيقول لا فيقال له لم فيقول حتىاعمل فيقال له اعمل فيقول سوف اعمل فلا نحب ان تموت ولا تحب ان تعمل واحب شيء إليه يحب ان يؤخر عمل الله ولا يحب ان يؤخر الله عنه عرض الدنيا عباد الرحمن ان العبد ليعمل الفريضة الواحدة من فرائض الله وقد اضاع ما سواها فما يزال يمينه الشيطان ويزين له حتى ما يرى شيئا دون الجنة مع اقامته على معاصي الله عباد الرحمن قبل ان تعملوا اعمالكم فانظروا ماذا تريدون بها فان كانت خالصة فامضوها وان كانت لغير الله فلا تشقوا على انفسكم فإن الله لا يقبل من العمل الا ما كان له خالصا فانه قال اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وقال ايضا ان الله ليس الى عذابكم بالسريع يقبل المقبل ويدعو المدبر وقال ايضا اذا رأيت الرجل متحرجا لحوحا مماريا معجيا برأيه فقد تمت خسارته وقال الاوزاعي خرج الناس بدمشق يستسقون فقام بهم بلال بن سعد فقال يا معشر من حضر الستم مقرين بالاساءة قالوا نعم فقال اللهم انك قلت ما على المحسنين من سبيل وقد اقررنا بالاساءة فاعف عنا واغفر لنا قال فسقوا يومهم ذلك وقال ايضا سمعته يقول لقد ادركت اقواما يشتدون بين الاغراض ويضحك بعضهم الى بعض فاذا جثهم الليل كانوا رهبانا وسمعته ايضا يقول لا تنظر الى ضغر الذنب وانظر الى من عصيت وسمعته يقول من بأدائك بالود فقد استرقك بالشكر

(9/349)


وكان من دعائه اللهم اني اعوذ بك من زيغ القلوب ومن تبعات الذنوب ومن مرديات الاعمال ومضلات العين وقال الاوزاعي عنه انه قال عباد الرحمن لو انتم لم تدعوا الى الله طاعة الاعملتموها ولا معصية الا اجتنبتموها الا انكم تحبون الدنيا لكفاكم ذلك عقوبة عند الله عز و جل وقال ان الله يغفر الذنوب لمن تاب منها ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقف العبد عليها يوم القيامة
ترجمة الجعد بن درهم
هو اول من قال بخلق القرآن وهو الذي ينسب اليه مروان الجعدي وهو مروان الحمار اخر خلفاء بني امية كان شيخه الجعد بمن درهم اصله من خراسان ويقال انه من موالى بني مروان سكن الجعد دمشق وكانت له بها دار بالقرب من القلاسيين الى جانب الكنيسة ذكره ابن عساكر قلت وهي محلة من الخواصين اليوم غربيها عند حمام القطانين الذي يقال له حمام قلنيس قال ابن عساكر وغيره وقد اخذ الجعد بدعته عن بيان بن سمعان واخذها بيان عن طالوت ابن اخت لبيد بن اعصم زوج ابنته واخذها لبيد بن اعصم الساحر الذي سحر الرسول ص عن يهودي باليمن واخذ عن الجعد الجهم بن صفوان الخزري وقيل الترمذي وقد اقام ببلخ وكان يصلي مع مقاتل بن سليمان في مسجده ويتناظران حتى نفي الى ترمذ ثم قتل الجهم باصبهان وقيل بمرو قتله نائبها سلم بن احوز رحمه الله وجزاه عن المسلمين خيرا واخذ بشر المريسى عن الجهم واخذ احمد بن ابي داود عن بشر واما الجعد فانه اقام بدمشق حتى اظهر القول بخلق القران قتطلبه بنو امية فهرب منهم فسكن الكوفة فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول عنه ثم ان حالد بن عبد الله القسري قتل الجعد يوم عيد الاضحى بالكوفة وذلك ان خالدا خطب الناس فقال في خطبته تلك ايها الناس ضحوا يقبل الله ضحاياكم فاني مضح بالجعد بن درهم انه زعم ان الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه في اصل المنبر
وقد ذكر هذا غير واحد من الحفاظ منهم البخاري وابن ابي حاتم والبيهقى وعبد الله بن احمد وذكره ابن عساكر في التاريخ وذكر انه كان يتردد الى وهب بن منبه وانه كان كلما راح الى وهب يغتسل ويقول اجمع للعقل وكان يسأل وهبا عن صفات اللله عز و جل فقال له وهب يوما ويلك يا جعد اقصرالمسألة عن ذلك اني لاظنك من الهالكين لو لم يخبرنا اله في كتابه ان له يدا ما قلنا ذلك وان له عينا ما قلنا ذلك وان له نفسا ما قلنا ذلك وان له سمعا ما قلنا ذلك وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك ثم لم يلبث الجعد ان صلب ثم قتل ذكره ابن عساكر وذكر في ترجمت انه قال للحجاج بن يوسف ويروى لعمران بن حطان

(9/350)


ليث علي وفي الحروب نعامة ... هلا برزت الى غزالة في الوغى ... فتخاء تجفل من صفير الصافر ... بل كان قلبك في جناحي طائر ...
ثم دخلت سنة خمسين وعشرين ومائة
قال الحافظ ابو بكر البزار حدثنا رزق الله بن موسى ثنا محمد بن اسماعيل بن ابي فديك ثنا عبد الملك بن زيد عن مصعب بن مصعب عن الزهري عن ابي سلمة بن عبد الرحمن عن ابيه قال قال رسول الله ( ص ) ترفع زينة الدنيا سنة خمس وعشرين ومائة وكذا رواه ابو يعلى في مسنده عن ابي كريب عن ابن ابي فديك عن عبد الملك بن سعيد بن زيد بن نفيل عن مصعب بن مصعب عن الزهري به قلت وهذا حديث غريب منكر ومصعب بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى تكلم فيه وضعفه على بن الحسين بن جنيد وكذا تكلم في الراوي عنه ايضا والله اعلم وفيها غزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة من بلاد الروم وفي ربيع الاخر منها توفي امير المؤمنين هشام بن عبد الملك بن مروان
ذكر وفاته وترجمته رحمه الله
هو هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن ابي العاص بن امية بن عبد شمس ابو الوليد القرشي الاموي الدمشقي امير المؤمنين وامه ام هشام بنت هشام بن اسماعيل المخزومي وكانت داره بدمشق عند باب الخواصين وبعضها اليوم مدرسة نور الدين الشهيد التي يقال لها النورية الكبيرة وتعرف بدار القبابين يعني الذين يبيعون القباب وهي الخيام فكانت تلك المحلة داره والله اعلم وقد بويع له بالخلافة بعد اخيه يزيد بن عبد الملك بعهد منه اليه وذ 1 لك يوم الجمعة لاربع بقين من شعبان سنة خمس ومائة وكان له من العمر يومئذ اربع وثلاثون سنة وكان جميلا ابيض احول يخضب بالسواد وهو الرابع من ولد عبد الملك الذين ولوا الخلافة وقد كان عبد الملك رأى في المنام كانه بال في المحراب اربع مرات فدس الى سعيد بن المسيب من سأله عنها ففسرها له بأنه يلي الخلافة من ولده اربعة فوقع ذلك فكان هشام اخرهم وكان في خلافته حازم الرأي جماعا للاموال يبخل وكان ذكيا مدبرا له بصر بالامور جليلها وحقيرها وكان فيه حلم واناة شتم مرة رجلا من الاشراف فقال اتشتمنبى وانت خليفة الله في الارض فاستحيا وقال اقتص مني بدلها او قال بمثلها قال اذا اكون سفيها مثلك قال فخذ عوضا قال لا افعل قال فاتركها لله قال هي لله ثم لك فقال هشام عند ذلك والله لا اعود الى مثلها وقال الاصمعي اسمع رجلا هشاما فقال له اتقول لي مثل هذا وانا خليفتك وغضب مرة على رجل فقال له اسكت والا ضربتك سوطا وكان علي بن الحسين قد اقترض من مروان

(9/351)


ابن الحكم مالا الاربعة الاف دينار فلم يتعرض له احد من بني مروان ن حتى استخلف هشام فقال ما فعل حقنا قبلك قال موفور مشكور فقال هو لك
[ قلت هذا الكلام فيه نظر وذلك ان علي بن الحسين مات سنة الفقهاء وهي سنة اربع وتسعين قبل ان يلي هشام الخلافة باحدى عشرة سنة فانه انما ولى الخلافة سنة خمسن ومائة فقول المؤلف ان احدا من خلفاء بني مروان لم يتعرض لمطالبة علي بن الحسين حتى ولى هشام فطالب بالمال المذكور فيه نظر ولا يصح لتقدم موت علي على خلافة هشام والله سبحانه وتعالى اعلم ] وكان هشام من اكره الناس لسفك الدماء ولقد دخل عليه من مقتل زيد بن علي وابنه يحيى امر شديد وقال وددت اني افتديهما بجميع ما املك وقال المدائني عن رجل من حي عن بشر مولى هشام قال اتى هشام برجل عنده قيان وخمر ويربط فقال اكسرو الطنبور على رأسه فبكى الشيخ قال بشر فضربه قال اتراني ابكي للضرب انما ابكي الاحتقارك البر حتى سمعه طنبورا واغلظ لهشام رجل يوما في الكلام فقال ليس لك ان تقول هذا لامامك وتعقد احد يوم الجمعة فبعث اليه مالك لم تشهد الجمعة فقال ان بلغني عجزت عني فبعث اليه اما كان يمكنك المشي ومنعه ان يركب سنة وان يشهد الجمعة ماشيا
وذكر المدائني ان رجلا اهدى الى هشام طيرين فأوردهما السفير الى هشام وهو حجالس على سرير في وسط دارهن فقال له ارسهما في الدار فأرسلها ثم قال جائزتي يا امير المؤمنين فقال ويحك وما جائزتك على هدية طيرين خذ احدهما فجعل الرجل يسعى خلف احدهما فقال ويحك ما بالك فقال اختار اجودهما قال وتختار ايضا الجيد وتترك الردئ ثم امر له باربعين او خمسين درها وذكر المدائني عن محرم كاتب يوسف بن عمر قال بعثني يوسف الى هشام بياقوتة حمراء ولؤلؤة كانتا لرابعة جارية خالد بن عبد الله القسري مشترى الياقوتة ثلاثة وسبعون الف دينار قال فدخلت عليه وهو على سرير فوقه فرش لم ار رأس هشام من علو تلك الفرش فأويتهما له فقال كم زنتها فقلت ان مثل هذه لا مثل لها فسكت قالوا وراى قوما يفرطون الزيتون فقالوا القطوه لقطا ولا تنفضوه نفضا فتفتأ عيونه وتنكسر غصونه وكان يقول ثلاثة لا يضعن الشريف تعاهد الصنيعة واصلاح المعيشة وطلب الحق وان قل وقال ابو بكر الخرائطي يقال ان هشاما لم يقل من الشعر سوى هذا البيت ... اذا انت لم تعص الهوى قادك الهوى ... الى كل ما فيه عليك مقال ... وقد روى له الشعر غير هذا وقال لمدائني عن ابن يسار الاعرجي حدثني ابن ابي يجيلة عن مقال بن

(9/352)


شبه قال دخلت على هشام وعليه قباء فتك اخضر فوجهن الى خراسان ثم جعل يوصيني وانا انظر الى القباء ففطن فقال مالك قلت عليك قباء فتك اخضر [ وكنت رأيت عليك مثله ] قبل ان تلي الخلافةن فجعلت اتأمل هذا هو ذاك ام غيره قال والله الذي لا اله غيره هو ذاك مالى قباء غيره وما ترون من جمعي لهذا المال وصونه الا لكم قال عقال وكان هسام محشوا بخلا
وقال عبد الله بن علي عم السفاح جمعت دواوين بني امية فلم ار اصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام وقال المدائني عن هشام بن عبد الحميد لم يكن احد من بني مروان اشد نظرا في اصحابه وداووينه ولا اشد مبالغة في الفخص عنهم من هشام وهو الذي قتل غيلان القدري ولما احضر بني يديه قال له ويحك قل ما عندك ان كان حقا اتبعناه وان كان باطلا رجعت عنه فناظره ميمون بن مهران فقال لي ميمون اشياء فقال له ايعصي الله كارها فسكت غيلان فقيم حينئذ هشام وقتله وقال الاصمعي عن ابي الزناد عن منذر بن ابي وقال اصبنا في خزائن هشام اثنى عشر الف قميص كلها قد اثر بها وشكى هشام الى ابيه ثلاثا انه يهاب الصعود الى المنبر والثانية قلة تناول الطعام والثالثة ان عنده في القصر مائة جارية من حسان النساء لا يكاد يصل الى واحدة منهن فكتب اليه ابوه اما الصعود الى المنبر والثانية قلة تناول الطعام والثالثة ان عنده في القصر مائة جارية حسان النساء لا يكاد يصل الى واحدة منهن فكتب اليه ابوه اما اصعودك الى المنبر فاذا علوت فوقه فارم ببصرك الى مؤخر الناس فإنه اهون عليك ن واما قلة الطعام فمر الطباخ فليكثر الالوان فعلك ان تتناول من كل لون لقمة وعليك بكل بيضاء بضة ذات جمال وحسن وقال ابو عبد الله الشافعي لما بنى هشام بن عبد الملك الرصافة قال احب ان اخلو بها يوما لا يأتيني فيه خبر غم فما انتصف النهار حتى اتته ريشة دم من بعض الثغور فقال ولا يوما واحدا وقال سفيان بن عيينة كان هشام لا يكتب اليه بكتاب فيه ذكر الموت وقال ابو بكر بن ابي خيثمة ثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي ثنا حسين ابن زيد عن شهاب بن عبد ربه عمر بن علي قال مشيت مع محمد بن علي يعني ابن الحسين ابن علي بن ابي طالب الى داره عند الحمام فقلت له انه قد طال ملك هشام وسلطانه وقد قرب من العشرين سنة وقد زعم الناس ان سليمان سأل ربه ملكا لا ينبغي لاحد من بعده فزعم الناس انها لعشرون فقال ما ادري ما احاديث الناس ولكن ابي حدثني عن ابيه عن علي عن النبي ص قال لن يعمر الله ملكا في امة نبي مضي قبله ما بلغ ذ 1 لك النبي من العمر في امته فان الله عمر نبيه ص ثلاث عشر سنة بمكة وعشرا في بالمدينة وقال ابن ابي خيثمة ليس حديث فيه توقيت غيرهذا قرأه يحيى بن معين على كتابي فقال من حدثك به فقلت إبراهيم فتلهف أن لا يكون سمعه وقد رواه ابن جرير في تاريخه عن احمد بن زهير عن ابراهيم بن المنذر الحزامي وروى مسلم بن ابراهيم ثنا القاسم بن الفضل حدثني عباد بن المعرا الفتكي ( ) عن عاصم بن

(9/353)