صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ البداية والنهاية - ابن كثير ]
الكتاب : البداية والنهاية
المؤلف : إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء
الناشر : مكتبة المعارف - بيروت
عدد الأجزاء : 14

ومن قتل من المسلمين بها وأيام الردة ... سقى الله قتلى بالفرات مقيمة ... وأخرى بأثباج النجاف الكوانف ... ونحن وطئنا بالكواظم هرمزا ... وبالثنى قرني قارن بالجوارف ... ويوم أحطنا بالقصور تتابعت ... على الحيرة الروحاء إحدى المصارف ... حططناهم منها وقد كان عرشهم ... يميل بهم فعل الجبان المخالف ... رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا ... غبوق المنايا حول تلك المحارف ... صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا ... إلى الريف من أرض العريب المقانف ...
وقد قدم جرير بن عبد الله البجلي على خالد بن الوليد وهو بالحيرة بعد الوقعات المتعددة والغنائم المتقدم ذكرها ولم يحضر شيئا منها وذلك لأنه كان قد بعثه الصديق مع خالد بن سعيد بن العاص إلى الشام فاستأذن خالد بن سعيد في الرجوع إلى الصديق ليجمع له قومه من بجيلة فيكونوا معه فلما قدم على الصديق فسأله ذلك غضب الصديق وقال أتيتني لتشغلني عما هو أرضى لله من الذي تدعوني إليه ثم سيره الصديق إلى خالد بن الوليد بالعراق قال سيف بأسانيده ثم جاء ابن صلوبا فصالح خالدا على بانقيا وبسما وما حول ذلك على عشرة آلاف دينار وجاءه دهاقين تلك البلاد فصالحوه على بلدانهم وأهاليهم كما صالح أهل الحيرة واتفق في تلك الأيام التي كان قد تمكن بأطراف العراق واستحوذ على الحيرة وتلك البلدان وأوقع بأهل أليس والثنى وما بعدها بفارس ومن ناشب معهم ما أوقع من القتل الفظيع في فرسانهم أن عدت فارس على ملكهم الأكبر أردشير وابنه شيرين فقتلوهما وقتلوا كل من ينسب إليهما وبقيت الفرس حائرين فيمن يولوه أمرهم واختلفوا فيما بينهم غير أنهم قد جهزوا جيوشا تكون حائلة بين خالد وبين المدائن التي فيها إيوان كسرى وسرير مملكته فحينئذ كتب خالد إلى من هنالك من المرازبة والأمراء والدولة يدعوهم إلى الله والى الدخول الى دين الاسلام ليثبت ملكهم عليهم وإلا فليدفعوا الجزية وإلا فليعلموا وليستعدوا لقدومه عليهم بقوم يحبون الموت كما يحبون هم الحياة فجعلوا يعجبون من جرأة خالد وشجاعته ويسخرون من ذلك لحماقتهم ورعونتهم في أنفسهم وقد أقام خالد هنالك بعد صلح الحيرة سنة يتردد في بلاد فارس هاهنا وهاهنا ويوقع بأهلها من البأس الشديد والسطوة الباهرة ما يبهر الأبصار لمن شاهد ذلك ويشنف اسماع من بلغه ذلك ويحير العقول لمن تدبره
فتح خالد للأنبار وتسمى هذه الغزوات ذات العيون
ركب خالد في جيوشه فسار حتى انتهى إلى الأنبار وعليها رجل من أعقل الفرس واسودهم في أنفسهم يقال له شيرزاذ فأحاط بها خالد وعليها خندق وحوله أعراب من قومهم على دينهم واجتمع

(6/348)


معهم أهل أرضهم فمانعوا خالدا أن يصل الى الخندق فضرب معهم رأسا ولما تواجه الفريقان أمر خالد أصحابه فرشقوهم بالنبال حتى فقأوا منهم ألف عين فتصايح الناس ذهبت عيون أهل الأنبار وسميت هذه الغزوة ذات العيون فراسل شيرزاذ خالدا في الصلح فاشترط خالد امورا امتنع شيرزاذ من قبولها فتقدم خالد الى الخندق فاستدعي برذايا الاموال من الإبل فذبحها حتى ردم الخندق بها وجاز هو وأصحابه فوقها فلما رأى شيرزاذ ذلك أجاب إلى الصلح على الشروط التي اشترطها خالد وسأله أن يرده إلى مأمنه فوفى له خالد بذلك وخرج شيرزاذ من الأنبار وتسلمها خالد فنزلها واطمأن بها وتعلم الصحابة ممن بها من العرب الكتابة العربية وكان أولئك العرب قد تعلموها من عرب قبلهم وهم بنو إياد كانوا بها في زمان بختنصر حين أباح العراق للعرب وأنشدوا خالدا قول بعض إياد يمتدح قومه ... قومي إياد لو أنهم أمم ... أو لو أقاموا فتهزل النعم ... قوم لهم باحة العراق إذا ... ساروا جميعا واللوح والقلم ...
ثم صالح خالد أهل البوازيج وكلواذي قال ثم نقض اهل الانبار ومن حولهم عهدهم لما اضرابت بعض الأحوال ولم يبق على عهده سوى البوازيج وبانقيا قال سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال ليس لأحد من أهل السواد عهد قبل الوقعة الا بنو صلوبا وهم أهل الحيرة وكلواذي ذي وقرى من قرى الفرات غدروا حتى دعوا الى الذمة بعد ما غدروا وقال سيف عن محمد بن قيس قلت للشعبي أخذ السواد وعنوة وكل أرض الا بعض القلاع والحصون قال بعض صالح وبعض غالب قلت فهل لأهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الحرب قال لا ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمة
وقعة عين التمر
لما استقل خالد بالأنبار استناب عليها الزبرقان بن بدر وقصد عين التمر وبها يومئذ مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العرب وحولهم من الأعراب طوائف من النمر وتغلب وإياد ومن لاقاهم وعليهم عقة بن أبي عقة فلما دنا خالد قال عقة لمهران إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدا فقال له دونكم وإياهم وإن احتجتم إلينا أعناكم فلامت العجم أميرهم على هذا فقال دعوهم فأن غلبوا خالدا فهو لكم وإن غلبوا قاتلنا خالدا وقد ضعفوا ونحن أقوياء فاعترفوا له بفضل الرأي عليهم وسار خالد وتلقاه عقة فلما تواجهوا قال خالد لمجنبتيه احفظوا مكانكم فأني حامل وأمر حماته أن يكونوا من ورائه وحمل على عقة وهو يسوي الصفوف فاحتضنه وأسره وانهزم جيش عقة من غير قتال فأكثروا فيهم الاسر وقصد خالد حصن عين التمر فلما بلغ مهران هزيمة

(6/349)


عقة وجيشه نزل من الحصن وهرب وتركه ورجعت فلال نصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحا فدخلوه واحتموا به فجاء خالد وأحاط بهم وحاصرهم اشد الحصار فلما رأوا ذلك سألوه الصلح فأبى إلا أن ينزلوا على حكمه فجعلوا في السلاسل وتسلم الحصن ثم أمر فضربت عنق عقة ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أيضا أجمعين وغنم جميع ما في ذلك الحصن ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلاما يتعلمون الأنجيل وعليهم باب مغلق فكسره خالد وفرقهم في الأمراء وأهل الغناء وكان حمران صار إلى عثمان بن عفان من الخمس ومنهم سيرين والد محمد بن سيرين أخذه أنس بن مالك وجماعة آخرون من الموالي المشاهير أراد بهم وبذراريهم خيرا ولما قدم الوليد بن عقبة على الصديق بالخمس رده الصديق إلى عياض بن غنم مددا له وهو محاصر دومة الجندل فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قوما وهم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضا فقال عياض للوليد إن بعض الرأي خير من جيش كثيف ماذا ترى فيما نحن فيه فقال له الوليد اكتب الى خالد يمدك بجيش من عنده فكتب اليه يستمده فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به فكتب إليه من خالد إلى عياض إياك أريد ... لبث قليلا تأتك الحلائب ... يحملن آسادا عليها القاشب ... كتائب تتبعها كتائب ...
خبر دومة الجندل
لما فرغ خالد من عين التمر قصد إلى دومة الجندل واستخلف على عين التمر عويمر بن الكاهن الأسلمي فلما سمع أهل دومة الجندل بمسيره إليهم بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وتنوخ وكلب وغسان والضجاعم فأقبلوا إليهم وعلى غسان وتنوخ ابن الأيهم وعلى الضجاعم ابن الحدرجان وجماع الناس بدومة إلى رجلين أكيدر بن عبد الملك والجودي بن ربيعة فاختلفا فقال أكيدر أنا أعلم الناس بخالد لا أحد أيمن طائر منه في حرب ولا أحد منه ولا يرى وجه خالد قوم أبدا قلوا أم كثروا إلا انهزموا عنه فأطيعوني وصالحوا القوم فأبوا عليه فقال لن أمالئكم على حرب خالد وفارقهم فبعث إليه خالد عاصم بن عمرو فعارضه فأخذه فلما أتى به خالدا أمر فضربت عنقه وأخذ ما كان معه ثم تواجه خالد وأهل دومة الجندل وعليهم الجودى بن ربيعة وكل قبيلة مع أميرها من الأعراب وجعل خالد دومة بينه وبين جيش عياض بن غنم وافترق جيش الأعراب فرقتين فرقة نحو خالد وحمل خالد على من قبله وحمل عياض على أولئك فأسر خالد الجودي وأسر الاقرع بن حابس وديعة وفرت الأعراب إلى الحصن فملأوه وبقي منهم خلق ضاق عليهم فعطفت بنو تميم على من هو خارج الحصن فأعطوهم ميرة فنجا بعضهم وجاء خالد فضرب أعناق من وجده خارج الحصن وأمر بضرب عنق الجودي ومن كان معه من

(6/350)


الاسارى إلا اسارى بني كلب فإن عاصم بن عمرو والأقرع بن حابس وبني تميم أجاروهم فقال لهم خالد مالي ومالكم أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الاسلام فقال له عاصم بن عمرو أتحسدونهم العافية وتحوذونهم الشيطان ثم أطاف خالد بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه واقتحموا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتلة وسبوا الذراري فبايعوهم بينهم فيمن يزيد واشترى خالد يومئذ ابنة الجودي وكانت موصوفة بالجمال وأقام بدومة الجندل ورد الأقرع إلى الأنبار ثم رجع خالد إلى الحيرة فتلقاه أهلها من أهل الأرض بالتقليس فسمع رجلا منهم يقول لصاحبه مر بنا فهذا يوم فرح الشر
خبر وقعتي الحصيد والمضيح
قال سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا وكان خالد أقام بدومة الجندل فظن الأعاجم به وكاتبوا عرب الجزيرة فاجتمعوا لحربه وقصدوا الأنبار يريدون انتزاعها من الزبرقان وهو نائب خالد عليها فلما بلغ ذلك الزبرقان كتب الى القعقاع بن عمرو نائب خالد على الحيرة فبعث القعقاع أعبد ابن فدكي السعدي وأمره بالحصيد وبعث عروة بن أبي الجعد ابارقي وأمره بالخنافس ورجع خالد من دومة إلى الحيرة وهو عازم على مصادمة أهل المدائن محلة كسرى لكنه يكره أن يفعل ذلك بغير إذن أبي بكر الصديق وشغله ما قد اجتمع من جيوش الأعاجم مع نصارى الأعراب يريدون حربه فبعث القعقاع بن عمرو أميرا على الناس فالتقوا بمكان يقال له الحصيد وعلى العجم رجل منهم يقال له روزبه وأمده أمير آخر يقال له زرمهر فاقتتلوا قتالا شديدا وهزم المشركون فقتل منهم المسلمون خلقا كثيرا وقتل القعقاع بيده زرمهر وقتل رجل يقال له عصمة بن عبد الله الضبي رزوبه وغنم المسلمون شيئا كثيرا وهرب من هرب من العجم فلجأوا إلى مكان يقال له خنافس فسار إليهم أبو ليلى بن فدكي السعدي فلما أحسوا بذلك ساروا إلى المضيح فلما استقروا بها بمن معهم من الأعاجم والأعارب قصدهم خالد بن الوليد بمن معه من الجنود وقسم الجيش ثلاث فرق وأغار عليهم ليلا وهم نائمون فأنامهم ولم يفلت منهم إلا اليسير فما شبهوا إلا بغنم مصرعة وقد روى ابن جرير عن عدي بن حاتم قال انتهينا في هذه الغارة إلى رجل يقال له حرقوص بن النعمان النمري وحوله بنوه وبناته وامرأته وقد وضع لهم جفنة من خمر وهم يقولون أحد يشرب هذه الساعة وهذه جيوش خالد قد أقبلت فقال لهم اشربوا شرب وداع فما ارى أن تشربوا خمرا بعدها فشربوا وجعل يقول ... ألا يا اسقياني قبل نائرة الفجر ... لعل منايانا قريب ولا ندري ...
القصيدة إلى آخرها قال فهجم الناس عليه فضرب رجل رأسه فاذا هو في جفنته وأخذت

(6/351)


بنوه وبناته وامرأته وقد قتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما ومعهما كتاب من الصديق بالأمان ولم يعلم بذلك المسلمون وهما عبد العزى بن أبي رهم بن قرواش قتله جرير بن عبد الله البجلي والآخر لبيد بن جرير قتله بعض المسلمين فلما بلغ خبرهما الصديق وداهما وبعث بالوصاة بأولادهما وتكلم عمر بن الخطاب في خالد بسببهما كما تكلم فيه بسبب مالك بن نويرة فقال له الصديق كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم أي الذنب لهما في مجاورتهما المشركين وهذا كما في الحديث أنا بريء من كل من ساكن المشرك في داره وفي الحديث الآخر لا ترى نارهما أي لا يجمتع المسلمون والمشركون في محلة واحدة ثم كانت وقعة الثنى والزميل وقد بيتوهم فقتلوا من كان هنالك من الاعراب والأعاجم فلم يفلت منهم أحد ولا انبعث بخبر ثم بعث خالد بالخمس من الأموال والسبي إلى الصديق وقد اشترى علي بن أبي طالب من هذا السبي جارية من العرب وهي ابنة ربيعة بن بجير التغلبي فاستولدها عمر ورقية رضي الله عنهم أجمعين
وقعة الفراض
ثم سار خالد بمن معه من المسلمين إلى وقعة الفراض وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة فأقام هنالك شهر رمضان مفطرا لشغله بالأعداء ولما بلغ الروم أمر خالد ومضيره إلى قرب بلادهم حموا وغضبوا وجمعوا جموعا كثيرة واستمدوا تغلب وإياد والتمر ثم ناهدوا خالدا فحالت الفرات بينهم فقالت الروم لخالد اعبر إلينا وقال خالد للروم بل اعبروا أنتم فعبرت الروم إليهم وذلك للنصف من ذي القعدة سنة ثنتي عشرة فاقتتلوا هنالك قتالا عظيما بليغا ثم هزم الله جموع الروم وتمكن المسلمون من اقتفائهم فقتل في هذه المعركة مائة ألف وأقام خالد بعد ذلك بالفراض عشرة أيام ثم أذن بالقفول إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة وأمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة وأمر شجرة بن الأعز أن يسير في الساقة وأظهر خالد أنه يسير في الساقة وسار خالد في عدة من أصحابه وقصد شطر المسجد الحرام وسار إلى مكة في طريق لم يسلك قبله قط ويأتي له في ذلك أمر لم يقع لغيره فجعل يسير متعسفا على غير جادة حتى انتهى الى مكة فأدرك الحج في هذه السنة ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا الى الحيرة ولم يعلم أحد بحج خالد هذه السنة إلا القليل من الناس ممن كان معه ولم يعلم أبو بكر الصديق بذلك أيضا إلا بعدما رجع أهل الحج من الموسم فبعث يعتب عليه في مفارقته الجيش وكانت عقوبته عنده أن صرفه من غزو العراق إلى غزو الشام وقال له فيما كتب إليه يقول له وإن الجموع لم تشج بعون الله شجيك فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتمم الله لك ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل وإياك أن تدل بعمل فان الله له المن وهو ولي الجزاء

(6/352)


فصل فيما كان من الحوادث في هذه السنة
فيها أمر الصديق زيد بن ثابت أن يجمع القرآن من اللحاف والعسب وصدور الرجال وذلك بعد ما استحر القتل في القراء يوم اليمامة كما ثبت به الحديث في صحيح البخاري وفيها تزوج علي بن أبي طالب بأمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي من أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس الأموي وقد توفي أبوها في هذا العام وهذه هي التي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحملها في الصلاة فيضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام وفيها تزوج عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وهي ابنة عمه وكان لها محبا وبها معجبا وكان لا يمنعها من الخروج إلى الصلاة ويكره خروجها فجلس لها ذات ليلة في الطريق في ظلمة فلما مرت ضرب بيده على عجزها فرجعت إلى منزلها ولم تخرج بعد ذلك وقد كانت قبله تحت زيد بن الخطاب فيما قيل فقتل عنها وكانت قبل زيد تحت عبد الله ابن أبي بكر فقتل عنها ولما مات عمر تزوجها بعده الزبير فلما قتل خطبها علي بن أبي طالب فقالت إني أرغب بك عن الموت وامتنعت عن التزوج حتى ماتت وفيها اشترىعمر مولاه أسلم ثم صار منه أن كان أحد سادات التابعين وابنه زيد بن أسلم أحد الثقات الرفعاء وفيها حج بالناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رواه ابن اسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن رجل من بني سهم عن أبي ماجدة قال حج بنا أبو بكر في خلافته سنة ثنتي عشرة فذكر حديثا في القصاص من قطع الأذن وأن عمر حكم في ذلك بأمر الصديق قال ابن اسحاق وقال بعض الناس لم يحج أبو بكر في خلافته وأنه بعث على الموسم السنة ثنتي عشرة عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف
فصل فيمن توفي في هذه السنة
قد قيل إن وقعة اليمامة وما بعدها كانت في سنة ثنتي عشرة فليذكر هاهنا من تقدم ذكره في سنة إحدى عشرة من قتل اليمامة وما بعدها ولكن المشهور ما ذكرناه
بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي
والد النعمان بن بشير شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها ويقال إنه أول من أسلم من الأنصار وهو اول من بايع الصديق يوم السقيفة من الانصار وشهد مع خالد حروبه إلى أن قتل بعين التمر رضي الله عنه وروى له النسائي حديث النحل والصعب بن جثامة الليثي أخو محكم بن جثامة له عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أحاديث قال أبو حاتم هاجر وكان نزل ودان ومات في خلافة الصديق
ابو مرثد الغنوي
واسمه معاذ بن الحصين ويقال ابن الحصين بن يربوع بن عمرو بن يربوع بن خرشة بن سعد بن طريف بن خيلان بن غنم بن غني بن أعصر بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار أبو مرثد

(6/353)


الغنوي شهد هو وابنه مرثد بدرا ولم يشهدها رجل هو وابنه سواهما واستشهد ابنه مرثد يوم الرجيع كما تقدم وابن ابنه أنيس بن مرثد بن أبي مرثد له صحبة أيضا شهد الفتح وحنينا وكان عين رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم أوطاس فهم ثلاثة نسقا وقد كان أبو مرثد حليفا للعباس بن عبد المطلب وروى له عن النبي صلى الله عليه و سلم حديث واحد انه قال لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها قال الواقدي توفي سنة ثنتي عشرة زاد غيره بالشام وزاد غيره عن ست وستين سنة وكان رجلا طويلا كثير الشعر قلت وفي قبلي دمشق قبر يعرف بقبر كثير والذي قرأته على قبره هذا قبر كناز بن الحصين صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم ورأيت على ذلك المكان روحا وجلالة والعجب أن الحافظ ابن عساكر لم يذكره في تاريخ الشام فالله أعلم
وممن توفي في هذه السنة ابو العاص بن الربيع
ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي زوج أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه و سلم زينب وكان محسنا إليها ومحبا لها ولما أمره المسلمون بطلاقها حين بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم أبى عليهم ذلك وكان ابن أخت خديجة بنت خويلد واسم أمه هالة ويقال هند بنت خويلد واختلف في اسمه فقيل لقيط وهو الأشهر وقيل مهشم وقيل هشيم وقد شهد بدرا من ناحية الكفار فأسر فجاء أخوه عمرو بن الربيع ليفاديه وأحضر معه الفداء قلادة كانت خديجة أخرجتها مع ابنتها زينب حين تزوج أبو العاص بها فلما رآها رسول الله رق لها رقة شديدة وأطلقه بسببها واشترط عليه أن يبعث له زينب إلى المدينة فوفى له بذلك واستمر أبو العاص على كفره بمكة إلى قبيل الفتح بقليل فخرج في تجارة لقريش فاعترضه زيد بن حارثة في سرية فقتلوا جماعة من أصحابه وغنموا العير وفر أبو العاص هاربا إلى المدينة فاستجار بامرأته زينب فأجارته فأجاز رسول الله جوارها ورد عليه ما كان معه من أموال قريش فرجع بها أبو العاص إليهم فرد كل مال إلى صاحبه ثم تشهد شهادة الحق وهاجر إلى المدينة ورد عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم زينب بالنكاح الأول وكان بين فراقها له وبين اجتماعها ست سنين وذلك بعد سنتين من وقت تحريم المسلمات على المشركين في عمرة الحديبية وقيل إنما ردها عليه بنكاح جديد فالله أعلم وقد ولد له من زينب علي بن أبي العاص وخرج مع علي إلى اليمن حين بعثه إليها رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يثني عليه خيرا في صهارته ويقول حدثني فصدقني وواعدني فوفاني وقد توفي في أيام الصديق سنة ثنتي عشرة وفي هذه السنة تزوج علي بن أبي طالب بابنته أمامة بنت أبي العاص بعد وفاة خالتها فاطمة وما أدري هل كان ذلك قبل وفاة أبي العاص أو بعده فالله أعلم * تم الجزء السادس من البداية والنهاية ويلية الجزء السابع وأوله سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبوية نسأل الله التوفيق والأعانة *

(6/354)


بسم الله الرحمن الرحيم سنة ثلاث عشرة من الهجرة

(7/354)


استهلت هذه السنة والصديق عازم على جمع الجنود ليبعثهم الى الشام وذلك بعد مرجعه من الحج عملا بقوله تعالى يا ايها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا ان الله مع المتقين وبقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر الآية واقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم فانه جمع المسلمين لغزو الشام وذلك عام تبوك حتى وصلها في حر شديد وجهد فرجع عامه ذلك ثم بعث قبل موته اسامة بن زيد مولاه ليغزو تخوم الشام كما تقدم ولما فرغ الصديق من امر جزيرة العرب بسط يمينه الى العراق فبعث اليها خالد بن الوليد ثم اراد ان يبعث الى الشام كما بعث الى العراق فشرع في جمع الامراء في اماكن متفرقة من جزيرة العرب وكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليد بن عقبة فيهم فكتب اليه يستنفره الى الشام اني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاكه رسول الله صلى الله عليه و سلم مرة وسماه لك اخرى وقد احببت ابا عبدالله ان افرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه الا ان يكون الذي انت فيه احب اليك فكتب اليه عمرو بن العاص اني سهم من سهام الاسلام وانت عبد الله الرامي بها والجامع لها فانظر اشدها واخشاها فارم بي فيها وكتب الى الوليد بن عقبة

(7/2)


بمثل ذلك ورد عليه مثله واقبلا بعدما استخلفا في عملهما الى المدينة وقدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن فدخل المدينة وعليه جبة ديباج فلما رآها عمر عليه امر من هناك من الناس بتحريقها عنه فغضب خالد بن سعيد وقال لعلي بن ابي طالب يا ابا الحسن اغلبتم يا بني عبدمناف عن الامرة فقال له علي امغالبة تراها او خلافة فقال لا يغالب على هذا الامر اولى منكم فقال له عمر بن الخطاب اسكت فض الله فاك والله لا تزال كاذبا تخوض فيما قلت ثم لا تضر الا نفسك وابلغها عمر ابا بكر فلم يتأثر لها ابو بكر ولما اجتمع عند الصديق من الجيوش ما اراد قام في الناس خطيبا فاننى على الله بما هو اهله ثم حث الناس على الجهاد فقال الا لكل امر جوامع فمن بلغها فهي حسبه ومن عمل الله كفاه الله عليكم بالجد والقصد فان القصد ابلغ الا انه لا دين لاحد لا ايمان له ولا ايمان لمن خشيه له ولا عمل لمن لا نية له الا وان في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم ان يحب ان يخص به هي النجاة التي دل الله عليها اذ نجى بها من الخزي والحق بها الكرامة
ثم شرع الصديق في تولية الامراء وعقد الالوية والرايات فيقال ان اول لواء عقده لخالد بن سعيد بن العاص فجاء عمر بن الخطاب فثناه عنه وذكره بما قال فلم يتأثر به الصديق كما تأثر به عمر بل عزله عن الشام وولاه ارض تيماء يكون بها فيمن معه من المسلمين حتى يأتيه امره ثم عقد لواء يزيد بن ابي سفيان ومعه جمهور من الناس ومعه سهيل بن عمرو واشباهه من اهل مكة وخرج معه ماشيا يوصيه بما اعتمده في حربه ومن معه من المسلمين وجعل له دمشق وبعث ابا عبيدة بن الجراح على جند آخر وخرج معه ماشيا يوصيه وجعل له نيابة حمص وبعث عمرو بن العاص ومعه جند آخر وجعله على فلسطين وامر كل امير ان يسلك طريقا غير طريق الآخر لما لحظ في ذلك تداخل من المصالح وكان الصديق اقتدى في ذلك بنبي الله يعقوب حين قال لبنيه يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ابواب متفرقة وما اغنى عنكم من الله من شىء ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون فكان سلوك يزيد بن ابي سفيان على تبوك فال المدائني باسناده عن شيوخه قالوا وكان بعث ابي بكر هذه الجيوش في اول سنة ثلاث عشرة قال محمد بن اسحاق عن صالح بن كيسان خرج ابو بكر ماشيا ويزيد بن ابي سفيان راكبا فجعل يوصيه فلما فرغ قال اقرئك السلام واستودعك الله ثم انصرف ومضى يزيد واجد السير ثم تبعه شرحبيل بن حسنة ثم ابو عبيدة مددا لهما فسلكوا غير ذلك الطريق وخرج عمرو بن العاص حتى نزل العرمات من ارض الشام ويقال ان يزيد بن ابي سفيان نزل البلقاء اولا ونزل شرحبيل بالاردن ويقال ببصرى ونزل ابو عبيدة بالجابية وجعل الصديق يمدهم بالجيوش وامر كل

(7/3)


واحد منهم ان ينضاف الى من احب من الامراء ويقال ان ابا عبيدة لما مر بارض البلقاء قاتلهم حتى صالحوه وكان اول صلح وقع بالشام
ويقال ان اول حرب وقع بالشام ان الروم اجتمعوا بمكان يقال له العرية من ارض فلسطين فوجه اليهم ابا امامة في سرية فقتلهم وغنم منهم وقتل منهم بطريقا عظيما ثم كانت بعد هذه وقعة مرج الصفراء استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص وجماعة من المسلمين ويقال ان الذي استشهد في مرج الصفراء ابن لخالد بن سعيد واما هو ففر حتى انحاز الى ارض الحجاز فالله اعلم حكاه ابن جرير قال ابن جرير ولما انتهى خالد بن سعيد الى تيماء اجتمع له جنود من الروم في جمع كثير من نصارى العرب من غيرا وتنوخ وبني كلب وسليح ولخم وجذام وغسان فتقدم اليهم خالد بن سعيد فلما اقترب منهم تفرقوا عنه ودخل كثير منهم في الاسلام وبعث الى الصديق يعلمه بما وقع من الفتح فامره الصديق ان يتقدم ولا بحجم وامده بالوليد بن عتبة وعكرمة بن ابي جهل وجماعة فسار الى قريب من ايلياء فالتقى هو وامير من الروم يقال له ماهان فكسره ولجأ ماهان الى دمشق فلحقه خالد بن سعيد وبادر الجيوش الى لحوق دمشق وطلب الحظوة فوصلوا الى مرج الصفراء فانطوت عليه مسالح ماهان واخذوا عليهم الطريق وزحف ماهان ففر خالد بن سعيد فلم يرد الى ذى المروة واستحوذ الروم على جيشهم الا من فر على الخيل وثبت عكرمة بن ابي جهل وقد تقهقر عن الشام قريبا وبقي رداءا لمن نفر اليه واقبل شرحبيل بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد الى الصديق فأمره على جيشه وبعثه الى الشام فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة اخذ جمهور اصحابه الذين هربوا معه الى ذي المروة ثم اجتمع عند الصديق طائفة من الناس فأمر عليهم معاوية بن ابي سفيان وارسله وراء اخيه زيد بن ابي سفيان ولما مر بخالد بن سعيد اخذ من كان بقي معه بذى المروة الى الشام ثم اذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول الى المدينة وقال كان عمر اعلم بخالد
وقعة اليرموك
على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق وتبعه على ذلك ابو جعفر بن جرير رحمه الله واما الحافظ ابن عساكر رحمه الله فانه نقل عن يزيد بن ابي عبيدة والوليد وابن لهيعة والليث وابي معشر انها كانت في سنة خمسة عشرة بعد فتح دمشق وقال محمد بن اسحاق كانت في رجب سنة خمس عشرة وقال خليفة بن خياط قال ابن الكلبي كانت وقعة اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة قال ابن عساكر وهذا هو المحفوظ واما ما قاله سيف من انها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه

(7/4)


قلت وهذا ذكر سياق سيف وغيره على ما اورده ابن جرير وغيره قال ولما توجهت هذه الجيوش نحو الشام افزع ذلك الروم وخافوا خوفا شديدا وكتبوا الى هرقل يعلمونه بما كان من الامر فيقال انه كان يومئذ بحمص ويقال كان حج عامه ذلك الى بيت المقدس فلما انتهى اليه الخبر قال لهم ويحكم ان هؤلاء اهل دين جديد وانهم لاقبل الاحد بهم فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام ويبقى لكم جبال الروم وان أنتم ابيتم ذلك اخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش كما هي عاداتهم في قلة المعرفة والرأي بالحرب والنصرة في الدين والدنيا فعند ذلك سار الى حمص وامر هرقل بخروج الجيوش الرومية صحبة الامراء في مقابلة كل امير من المسلمين جيش كثيف فبعث الى عمرو بن العاص اخا له لأبويه تذارق في تسعين ألفا من المقاتلة وبعث جرجه بن بوذيها الى ناحية يزيد بن ابي سفيان فعسكر بارائه في خمسين الفا او ستين الفا وبعث الدارقص الى شرحبيل بن حسنة وبعث اللقيقار ويقال القيقلان قال ابن اسحاق وهو خصي هرقل نسطورس في ستين الفا الى ابي عبيدة بن الجراح وقالت الروم والله لنشغلن ابا بكر عن ان يورد الخيول الى ارضنا وجميع عساكر المسلمين احد وعشرون الفا سوىالجيش الذي مع عكرمة بن ابي جهل وكان واقفا في طرف الشام ردءا للناس في سنة آلاف فكتب الامراء الى ابو بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الامر العظيم فكتب اليهم ان اجتمعوا وكونوا جندا واحدا والقواد جنود المشركين فانتم انصار الله والله ينصر من نصره وخاذل من كفره ولن يؤتى مثلكم عن قلة ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها وليصل كل رجل منكم باصحابه وقال الصديق والله لاشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد وبعث اليه وهو بالعراق ليقدم الى الشام فيكون الامير على من به فاذا فرغ عاد الى عمله بالعراق فكان ما سنذكره ولما بلغ هرقل ما امر به الصديق امراءه من الاجتماع بعث الى امرائه ان يجتمعوا ايضا وان ينزلوا بالجيش منزلا واسع العطن واسع المطرد ضيق المهرب وعلى الناس اخوه بندارق وعلى المقدمة جرجه وعلى المجنبتين ماهان والدارقص وعلى البحر القيقلان
وقال محمد بن عائد عن عبدالاعلى عن سعيد بن عبدالعزيز ان المسلمين كانوا اربعة وعشرين الفا وعليهم ابو عبيدة والروم كانوا عشرين ومائة الف عليهم ماهان وسقلاب يوم اليرموك وكذا ذكر ابن اسحاق ان سقلاب الخصي كان على الروم يومئذ في مائة الف وعلى المقدمة جرجه من ارمينية في اثني عشر الفا ومن المستعربة اثني عشر الفا عليهم جبلة بن الأيهم والمسلمون في اربعة وعشرين الفا فقاتلوا قتالا شديدا حتى قاتلت النساء من ورائهم اشد القتال وقال الوليد

(7/5)


عن صفوان عن عبدالرحمن بن جبير قال بعث هرقل مائتي الف عليهم ماهان الارمني قال سيف فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريبا من اليرموك وصار الوادي خندقا عليهم وبعث الصحابة الى الصديق يستمدونه ويعلمونه أن يستنيب على العراق وأن يقفل بمن معه إلى الشام فإذا وصل اليهم فهو الامير بما اجتمع من جيش الروم باليرموك فكتب الصديق عند ذلك إلى خالد بن الوليد عليهم فاستناب المثنى بن الحارثة على العراق وسار خالد مسرعا في تسعة آلاف وخمسمائة ودليله رافع بن عميرة الطائي فاخذ به على السماق حتى انتهى الى قراقر وسلك به اراضي لم يسلكها قبله احد فاجتاب البراري والقفار وقطع الاودية وتصعد على الجبال وسار في غير مهيع وجعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق وهو في مفاوز معطشة وعطش النوق وسقاها الماء عدلا بعد نهل وقطع مشارفها وكعمها حتى لا تحتز رحل ادبارها ويقال بل سقاه الخيل وشربوا ما كانت تحمله من الماء واكلوا لحومها واستاقها معه فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء ووصل ولله الحمد والمنة في خمسة ايام فخرج على الروم من ناحية تدمر فصالح اهل تدمر واركه ولما مر بعذراء اباحها وغنم لغسان اموالا عظيمة وخرج من شرقي دمشق ثم سار حتى وصل الى قناة بصرى فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها اليه فكانت اول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد
وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني الى الصديق ثم سار خالد وابو عبيدة ومرثد وشرحبيل الى عمرو بن العاص وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور فكانت واقعة اجنادين وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد ... لله عينا رافع انى اهتدى ... فوز من قراقر الى نوى ... خمسا اذا ماسارها الجيش بكى ... ما سارها قبلك انسي ارى ...
وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير ان انت اصبحت عن الشجرة الفلانية نجوت انت ومن معك وان لم تدركها هلكت انت ومن معك فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فاصبحوا عندها فقال خالد عند الصباح يحمد القوم السرى فارسلها مثلا وهو اول من قالها رضى الله عنه ويقول ابن اسحاق كسيف بن عمر وابي نحيف وغيرهما في تكميل السياق الاول حين اجتمعت الروم قريبا من الروم في طريقهم الذي ليس لهم طريق غيره فقال عمرو بن العاص ابشروا مع أمرائها بالواقوصة وانتقل الصحابة من منزلهم الذي كانوا فيه فنزلوا ايها الناس فقد حصرت والله الروم وقلما جاء محصور بخير ويقال ان الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير الى الروم جلس الامراء لذلك فجاء ابو سفيان فقال ما كنت اظن اني اعمر حتى ادرك

(7/6)


قوما يجتمعون لحرب ولا احضرهم ثم اشار ان يتجزأ الجيش ثلاثة اجزاء فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم ثم تسير الاثقال والذرارى في الثلث الآخر ويتأخر خالد يالثلث الآخر حتى اذا وصلت الاثقال الى اولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البريه من وراء ظهورهم لتصل اليهم البرد والمدد فامتثلوا ما اشار به ونعم الرأي هو
وذكر الوليد عن صفوان عن عبدالرحمن بن جبير ان الروم نزلوا فيما بين دير ايوب واليرموك ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر واذرعات خلفهم ليصل اليهم المدد من المدينة
ويقال ان خالدا انما قدم عليهم بعدما نزل الصحابة تجاه الروم بعدما صابروهم وحاصروهم شهر ربيع الاول بكماله فلما انسلخ وامكن القتال لقلة الماء بعثوا الى الصديق يستمدونه فقال خالد لها فبعث الى خالد فقدم عليهم في ربيع الاخر فعند وصول خالد اليهم اقبل ماهان مددا للروم ومعه القساقسة والشمامسة والرهبان يحثونهم ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية فتكامل جيش الروم اربعون ومائتا الف وثمانون الفا مسلسل بالحديد والحبال وثمانون الفا فارس وثمانون الفا راجل
قال سيف وقيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفرون ثلاثين الفا فالله اعلم
قال سيف وقدم عكرمة بمن معه من الجيوش فتكامل جيش الصحابة ستة وثلاثين الفا الى الاربعين الفا
وعند ابن اسحاق والمدايني ايضا ان وقعة اجنادين قبل وقعة اليرموك وكانت واقعة اجنادين لليلتين بقيتا من جمادى الاولى سنة ثلاث عشرة وقتل بها بشر كثير من الصحابة وهزم الروم وقتل اميرهم القيقلان وكان قد بعث رجلا من نصارى العرب يجس له امر الصحابة فلما رجع اليه قال وجدت قوما رهبانا بالليل فرسانا بالنهار والله لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه او زنى لرجموه فقال له القيقلان والله لئن كنت صادقا لبطن الارض خير من ظهرها وقال سيف بن عمر في سياقه ووجد خالد الجيوش متفرقة فجيش ابي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية وجيش يزيد وشرحبيل ناحية فقام خالد في الناس خطيبا فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف فاجتمع الناس وتصافوا مع عدوهم في اول جمادى الآخرة وقام خالد بن الوليد في الناس فحمد الله واثنى عليه وقال ان هذا يوم من ايام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغى اخلصوا جهادكم واريدوا الله بعملكم وان هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم الى خندقهم فلا نزال نردهم وان هزمونا لا نفلح بعدها ابدا فتعالوا فلنتعاور الامارة فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم ودعوني اليوم اليكم فامروه عليهم وهم يظنون ان الامر يطول جدا فخرجت الروم في تعبئة لم

(7/7)


ير مثلها قبلها قط وخرج خالد في تعبئة لم تعيها العرب من قبل ذلك فخرج في ستة وثلاثين كردوسا الى الأربعين كل كردوس الف رجل عليهم امير وجعل ابا عبيدة في القلب وعلى الميمنة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة وعلى الميسرة يزيد بن ابي سفيان وامر على كل كردوس اميرا وعلى الطلائع قباب بن اشيم وعلى الاقباض عبدالله بن مسعود والقاضي يومئذ ابو الدرداء وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال ابو سفيان بن حرب وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد المقداد بن الاسود
وذكر اسحاق بن يسار باسناده ان امراء الارباع يومئذ كانوا اربعة ابو عبيدة وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن ابي سفيان وخرج الناس على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جبل وعلى الميسرة نفاثة بن اسامة الكناني وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن ابي وقاص وعلى الخيالة خالد بن الوليد وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه ولما اقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت اقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كانهم غمامة سوداء يصيحون باصوات مرتفعة ورهبانهم يتلون الانجيل ويحثونهم على القتال وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش فساق بفرسه الى ابي عبيدة فقال له اني مشير بامر فقال قل امرك الله اسمع لك واطيع فقال له خالد ان هؤلاء القوم لا بد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها وانى اخشى على الميمنة والميسرة وقد رايت ان افرق الخيل فرقتين واجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى اذا صدموهم كانوا لهم ردءا فناتيهم من ورائهم فقال له نعم ما رايت فكان خالد في احد الخيلين من وراء الميمنة وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الاخرى وامر ابا عبيدة ان يتاخر عن القلب الى وراء الجيش كله لكي اذا رآه المنهزم استحى منه ورجع الى القتال فجعل ابو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد احد العشر رضى الله عنهم وساق خالد الى النساء من وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف وغيرها فقال لهن من رايتموه موليا فاقتلنه ثم رجع الى موقفه رضي الله عنه
ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ ابو عبيدة المسلمين فقال عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت اقدامك يا معشر المسلمين اصبروا فان الصبر منجاة من الكفر مرضاة للرب ومدحضة للعا ولا تبرحوا مصافكم ولا تخطوا اليهم خطوة ولا تبدأوهم بالقتال وشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت الا من ذكر الله في انفسكم حتى آمركم ان شاء الله تعالى قالوا وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول يا اهل القرآن ومتحفظي الكتاب وانصار الهدى والحق ان رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالاماني ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة الا الصادق المصدق الم تسمعوا لقول الله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الارض كما استخلف

(7/8)


الذين من قبلهم الآية فاستحيوا رحمكم الله من ربكم ان يراكم فرارا من عدوكم وانتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره
وقال عمرو بن العاص يا ايها المسلمون غضوا الابصار واجثوا على الركب واشرعوا الرماح فاذا حملوا عليكم فامهلوهم حتى اذا ركبوا اطراف الاسنة فثبوا اليهم وثبة الاسد فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويجزي بالاحسان احسانا لقد سمعت ان المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا فلا يهلوكم جموعهم ولا عددهم فانكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير اولاد الحجل
وقال ابو سفيان يا معشر المسلمين انتم العرب وقد اصبحتم في دار العجم منقطعين عن الاهل نائين عن امير المؤمنين وامداد المسلمين وقد والله اصبحتم بازاء عدو كثير عدده شديد عليكم حنقه وقد وترتموهم في انفسهم وبلادهم ونسائهم والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم ولا يبلغ بكم رضوان الله غدا الا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة الا وانها سنة لازمة وان الارض ورائكم بينكم وبين امير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري ليس لاحد فيها معقل ولا معدل الا الصبر ورجاء ما وعد لله فهو خير معول فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون ثم ذهب الى النساء فوصاهم ثم عاد فنادى يا معاشر اهل الاسلام حضر ما ترون فهذا ارسول الله والجنة امامكم والشيطان والنار خلفكم ثم سار الى موقفه رحمه الله
وقد وعظ الناس ابو هريرة ايضا فجعل يقول سارعوا الى الحور العين وجوار ربكم عز و جل في جنات النعيم ما انتم الى ربكم في موطن بأحب اليه منكم في مثل هذا الموطن الا وان للصابرين فضلهم قال سيف بن عمر اسناده عن شيوخه انهم قالوا كان في ذلك الجمع الف رجل من الصحابة منهم مائة من اهل بدر وجعل ابو سفيان يقف على كل كردوس ويقول الله الله انكم دارة العرب وانصار الاسلام وانهم دارة الروم وانصار الشرك اللهم ان هذا يوم من ايامك اللهم انزل نصرك على عبادك قالوا ولما اقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد ما اكثر الروم واقل المسلمين فقال خالد ويلك اتخوفني بالروم انما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذ لا بعدد الرجال والله لوددت ان الاشقر برا من توجعه وانهم اضعفوا في العدد وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق ولما تقارب الناس تقدم ابو عبيدة ويزيد بن ابي سفيان ومعهما ضرار بن الازور والحارث بن هشام وابو جندل بن سهيل ونادوا انما نريد اميركم لنجتمع به فاذن لهم في الدخول على تذارق واذا هو جالس في خيمة من حرير فقال الصحابة لا نستحل دخولها فامر لهم بفرش بسط من حرير فقالوا ولا نجلس على هذه فجلس معهم حيث

(7/9)


احبوا وتراضوا على الصلح ورجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم الى الله عز و جل فلم يتم ذلك
وذكر الوليد بن مسلم ان ماهان طلب خالدا ليبرز اليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم فقال ماهان انا قد علمنا ان ما اخرجكم من بلادكم الجهد والجوع فهلموا الى أن اعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعام وترجعون الى بلادكم فاذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها فقال خالد انه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت غير انا قوم نشرب الدماء وانه بلغنا ان لا دم اطيب من دم الروم فجئنا لذلك فقال اصحاب ماهان هذا والله ما كنا نحدث به العرب
قالوا ثم تقدم خالد الى عكرمة بن ابي جهل والقعقاع بن عمرو وهما على مجنبتي القلب ان ينشئا القتال فبدرا يرتجزان ودعوا الى البراز وتنازل الابطال وتجاولوا وحمى الحرب وقامت على ساق هذا خالد مع كردوس من الحماة الشجعان الابطال بين يدي الصفوف والابطال يتصاولون من الفريقين بين يديه وهو ينظر ويبعث الى كل قوم من اصحابه بما يعتمدونه من الافاعيل ويدبر امر الحرب اتم تدبير
وقال اسحاق بن بشير عن سعيد بن عبدالعزيز عن قدماء مشايخ دمشق قالوا ثم زحف ماهان فخرج ابو عبيدة وقد جعل على الميمنة معاذ بن جبل وعلى الميسرة قباب بن اشيم الكناني وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن ابي وقاص وعلى الخيل خالد بن الوليد وخرج الناس على راياتهم وسار ابو عبيدة بالمسلميين وهو يقول عباد الله انصرو الله ينصركم ويثبت اقدامكم يا معاشر المسلمين اصبروا وصابروا فان الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار ولا تبرحوا مصافكم ولا تخطوا اليهم خطوة ولا تبدؤوهم بالقتال واشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت الا من ذكر الله وخرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم ويقول يا أهل القرآن ومستحفظي الكتاب وانصار الهدى والحق ان رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالاماني ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة الا للصادق المصدق الم تسمعوا لقول الله عز و جل وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات الى لآآخر الآية فاستحيوا رحمكم الله من ربكم ان يراكم فرارا من عدوكم وانتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه وسار عمرو بن العاص في الناس وهو يقول ايها المسلمون غضوا الابصار واجثوا على الراكب واشرعوا الرماح فاذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى اذا ركبو اطراف الاسنة فثبوا وثبة الأسد فوالذي يرضى الصدق ويثيت عليه ويمقت الكذب ويجزي الاحسان احسانا لقد سمعت ان المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم فانكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا تطاير اولاد الحجل ثم تكلم ابو سفيان فاحسن وحث على القتال فابلغ في كلام طويل ثم قال حين تواجه الناس يا معشر اهل

(7/10)


الاسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة امامكم والشيطان والنار خلفكم وحرض ابو سفيان النساء وقال من رايتنه فارا فاضربنه بهذه الاحجار والعصي حتى يرجع
واشار خالد ان يقف في القلب سعيد بن زيد وان يكون ابو عبيدة من وراء الناس ليرد المنهزم وقسم خالد الخيل قسمين فجعل فرقة وراء الميمنة وفرقة وراء الميسرة لئلا يفر الناس وليكونوا ردءا لهم من ورائهم فقال له اصحابه افعل ما اراك الله وامتثلوا ما اشار به خالد رضى الله عنه واقبلت الروم رافعة صلبانها ولهم اصوات مزعجة كالرعد والقساقسة والبطارقة تحرضهم على القتال وهم في عدد وعدد لم ير مثله فالله المستعان وعليه التكلان
وقد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام وهو افضل من هناك من الصحابة وكان من فرسان الناس وشجعانهم فاجتمع اليه جماعة من الابطال يومئذ فقالوا الا تحمل فنحمل معك فقال انكم لا تثبتون فقالوا بلى فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوف الروم احجموا واقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد الى اصحابه ثم جاؤوا اليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه وفي رواية جرح وقد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه وجعل معاذ بن جبل كلما سمع اصوات القسيسين والرهبان يقول اللهم زلزل اقدامهم وارعب قلوبهم وانزل علينا السكينة والزمنا كلمة التقوى وحبب الينا اللقاء وارضنا بالقضاء وخرج ماهان فامر صاحب الميسرة وهو الدبريجان وكان عدو الله متنسكا فيهم فحمل على الميمنة وفيها الأزد ومذحج وحضرموت وخولان فثبتوا حتى صدقوا اعداء الله ثم ركبهم من الروم امثال الجبال فزال وثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم وانكشف زبيد ثم تنادوا المسلمون من الميمنة الى ناحية القلب وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر فتراجعوا وحملوا حتى نهنهوا من امامهم من الروم واشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس واستقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة وجعلت خولة بنت ثعلبة تقول ... يا هاربا عن نسوة تقيات ... فعن قليل ما ترى سبيات ... ولا حصيات ولا رضيات ...
قال فتراجع الناس الى مواقفهم وقال سيف بن عمر عن ابي عثمان العساني عن ابيه قال قال عكرمة بن ابي جهل يوم اليرموك قاتلت رسول الله صلى الله عليه و سلم في مواطن وافر منكم اليوم ثم نادى من يبايع على الموت فبايعه عمه الحارث بن هشام وضرار بن الازور في اربعمائة من وجوه المسلمين

(7/11)


وفرسانهم فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى اثبتوا جميعا جراحا وقتل منهم خلق منهم ضرار بن الازور رضى الله عنهم وقد ذكر الواقدي وغيره انهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجىء اليهم بشربة ماء فلما اقتربت الى احدهم نظر اليه الآخر فقال ادفعها اليه فلما دفعت اليه نظر اليه الآخر فقال ادفعها اليه فتدافعوها كلهم من واحد الى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها احد منهم رضى الله عنهم اجمعين
ويقال ان اول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء الى ابو عبيدة فقال اني قد تهيأت لأمري فهل لك من حاجة الى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال نعم تقرئه السلام وتقول يا رسول الله انا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا قال فتقدم هذا الرجل حتى قتل رحمه الله قالوا وثبت كل القوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كانها الرحا فلم تر يوم اليرموك الا مخا ساقطا ومعصما نادرا وكفا طائرة من ذلك الموطن ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التى حملت على ميمنة المسلمين فازالوهم الى القلب فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف منهم ثم قال والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رايتم واني لارجو ان يمنحكم الله اكتافهم ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة الف فما وصل اليهم حتى انفض جمعهم وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم
قالوا وبينما هم في جولة الحرب وحومة الوغى والابطال يتصاولون من كل جانب اذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع الى خالد بن الوليد فقال له ما الخبر فقال له فيما بينه وبينه ان الصديق رضى الله عنه قد توفي واستخلف عمر واستناب على الجيوش ابا عبيدة عامر بن الجراح فاسرها خالد ولم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف ووهن في تلك الحال وقال له الناس يسمعون احسنت واخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة واوقف الرسول الذي جاء بالكتاب وهو منجمة بن زنيم الى جانبه كذا ذكره ابن جرير باسانيده
قالوا وخرج جرحه احد الامراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء اليه حتى ختلفت اعناق فرسيهما فقال جرجه يا خالد اخبرني فاصدقنى ولا تكذبني فان الحر لا يكذب ولا تخادعني فان الكريم لا يخادع المسترسل بالله هل انزل الله على نبيكم سيفا من السماء فاعطاكه فلا تسله على احد الا هزمتهم قال لا قال فبم سميت سيف الله قال ان الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا ومنه وناينا عنه جميعا ثم ان بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا كذبه وباعده فكنت فيمن كذبه وباعده ثم ان الله اخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه فقال لي انت سيف من

(7/12)


سيوف الله سله على المشركين ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك فانا من اشد المسلمين على المشركين
فقال جرجه يا خالد الى ما تدعون قال الى شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله والاقرار بما جاء به من عند الله عز و جل قال فمن لم يجبكم قال فالجزية ونمنعهم قال فان لم يعطها قال نؤذنه بالحرب ثم نقاتله قال فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الامر اليوم قال منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا واولنا واخرنا قال جرجه فلمن دخل فيكم اليوم من الاجر مثل ما لكم من الاجر والذخر قال نعم وافضل قال وكيف يساويكم وقد سبقتموه فقال خالد انا قبلنا هذا الامر عنوة وبايعنا نبينا وهو حي بين اظهرنا تاتيه اخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويرينا الايات وحق لمن راى ما راينا وسمع ما سمعنا ان يسلم ويبايع وانكم انتم لم تروا ما راينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج فمن دخل في هذا الامر منكم بحقيقة ونية كان افضل منا فقال جرجه بالله لقد صدقتني ولم تخادعني قال تالله لقد صدقتك وان الله ولي ما سالت عنه فعند ذلك قلب جرجه الترس ومال مع خالد وقال علمنى الاسلام فمال به خالد الى فسطاطه فسن عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين وحملت الروم مع انقلابه الى خالد وهم يرون انها منه حملة فازالوا المسلمين عن مواقفهم الا المحامية عليهم عكرمة بن ابي جهل والحرث بن هشام فركب خالد وجرجه معه والروم خلال المسلمين فتنادى الناس وثابوا وتراجعت الروم الى مواقفهم وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجه من لدن ارتفاع النهار الى جنوح الشمس للغروب وصلى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر ايماء واصيب جرجه رحمه الله ولم يصل لله الا تلك الركعتين مع خالد رضي الله عنهما وضعضعت الروم عند ذلك ثم نهد خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الروم فعند ذلك هربت خيالتهم واسندت بهم في تلك الصحراء وافرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا واخر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح وعمد خالد الى رحل الروم وهم الرجالة ففصلوهم حتى آخرهم حتى صاروا كانهم حائط قد هدم ثم تبعوا من فر من الخيالة واقتحم خالد عليهم خندقهم وجاء الروم في ظلام الليل الى الواقوصة فجعل الذين تسلسلوا وقيدوا بعضهم ببعض اذا سقط واحد منهم سقط الذين معه قال ابن جرير وغيره فسقط فيها وقتل عندها مائة الف وعشرون الفا سوى من قتل في المعركة وقد قاتل نساءالمسلمين في هذا اليوم وقتلوا خلقا كثيرا من الروم وكن يضربن من انهزم من المسلمين ويقلن اين تذهبون وتدعوننا للعلوج فاذا زجرنهم لا يملك احد نفسه حتى يرجع الى القتال
قال وتجلل القيقلان واشراف من قومه من الروم ببرانسهم وقالوا اذا لم نقدر على نصر دين

(7/13)


النصرانية فلنمت على دينهم فجاء المسلمون فقتلوهم عن اخرهم قالوا وقتل في هذ 1 ا اليوم من المسلمين ثلاثة الاف منهم عكرمةوابنه عمرو وسلمة بن هشام وعمرو بن سعيد وابان بن سعيد واثبت خالد بن سعيد فلا يدري اين ذهب وضرار بن الازور وهشام بن العاص وعمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسي وحقق الله رؤيا ابيه يوم اليمامة وقد اتلف في هذا اليوم جماعة من الناس انهزم عمرو بن العاص في اربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم ت رجعوا حين وعظهم الامير بقوله تعالى ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم الآية
وثبت يومئذ يزيد بن ابي سفيان وقاتل قتالا شديدا وذلك ان اباه مر به فقال له يا بني عليك بتقوى الله والصبر فانه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين الا محفوفا بالقتال فكيف بك وبأشباهك الذين ولو امور المسلمين اولئك احق الناس بالصبر والنصيحة فاتق الله يا بني ولا يكونن احد من اصحابك بارغب في الاجر والصبر في الحرب ولا اجرا على عدو الاسلام منك فقال افعل ان شاء الله فقاتل يومئذ قتالا شديدا وكان من ناحية القلب رضي الله عنه
قال سعيد بن المسيب عن ابيه قال هدأت الاصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتا يكاد يملأ العسكر يقول يا نصر الله اقترب الثبات الثبات يا معشر المسلمين قال فنظرنا فاذ هو ابو سفيان تحت راية ابنه يزيد واكمل خالد ليلته في خيمة تدارق اخى هرقل وهو امير الروم كلهم يومئذ هرب فيمن هرب وباتت الخيول تجول نحو خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى اصبحو وقتل تدارق وكان له ثلاثون سرادقا وثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير فلما كان الصباح حازوا ما كان هنالك من الغنائم وما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصديق حين اعلمهم خالد بذلك ولكن عوضهم الله بالفاروق رضى الله عنه
وقال خالد حين عزى المسلمين في الصديق الحمد الله الذي قضى على ابي بكر بالموت وكان احب الي من عمر والحمد لله الذي ولي عمر وكان ابغض الى من ابي بكر والزمنى حبه
وقد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل الى دمشق فخرج اليه اهلها فقالوا نحن على عهدنا وصلحنا قال نعم ثم اتبعهم الى ثنية العقاب فقتل منهم خلقا كثيرا ثم ساق وراءهم الى حمص فخرج اليه اهلها فصالحهم كما صالح اهل دمشق وبعث ابو عبيدة عياض بن غنم وراءهم ايضا فساق حتى وصل ملطية فصالحه اهلها ورجع فلما بلغ هرقل ذلك بعث الى مقاتليها فحضروا بين يديه وامر بملطية فحرقت وانتهت الروم منهزمة الى هرقل وهو بحمص والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون فلما وصل الخبر الى هرقل ارتحل من حمص وجعلها بينه وبين المسلمين وترس بها وقال

(7/14)


هرقل اما الشام فلا شام وويل للروم من المولود المشئوم
ومما قيل من الاشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو ... الم ترنا على اليرموك فزنا ... كما فزنا بأيام العراق ... وعذراء المدائن قد فتحنا ... ومرج الصفر على العتاق ... فتحنا قبلها بصرى وكانت ... محرمة الجناب لدى النعاق ... قتلنا من اقام لنا وفينا ... نهابهم باسياف وقاق ... قتلنا الروم حتى ما تساوى ... على اليرموك معروق الوراق ... فضضنا جمعهم لما استجالوا ... على الواقوص بالبتر الرقاق ... غداة تهافتوا فيها فصاروا ... الى امر يعضل بالذواق ...
وقال الاسود بن مقرن التميمي ... وكم اغرنا غارة بعد غارة ... يوما ويوما قد كشفنا اهاوله ... ولولا رجال كان عشو غنيمة ... لدى مأقط رجت علينا اوائله ... لقيناهم اليرموك لما تضايقت ... بمن حل باليرموك منه حمائله ... فلا يعد من منا هرقل كتائبا ... اذارامها رام الذي لا يحاوله ...
وقال عمرو بن العاص ... القوم لخم وجذام في الحرب ... ونحن والروم بمرج نضطرب بها لا نصطحب ... بل نعصب الفرار بالضرب الكرب ...
وروى احمد بن مروان المالكي في المجالسة حدثنا ابو اسماعيل الترمذي حدثنا ابو معاوية بن عمرو عن ابي اسحاق قال كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء فقال هرقل وهو على انطاكية لما قدمت منهزمة الروم ويلكم اخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم اليسوا بشرا مثلكم قالوا بلى قال فانتم اكثر ام هم قالوا بل نحن اكثر منهم اضعافا في كل موطن قال فما بالكم تنهزمون فقال شيخ من عظمائهم من اجل انهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم ومن اجل انا نشرب الخمر ونزنى ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونامر بالسخط وننهى عما يرضى الله ونفسد في الارض فقال انت صدقتنى ز
وقال الوليد بن مسلم اخبرني من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا لما نزل المسلمون بناحية الاردن تحدثنا بيننا ان دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق منها قبل ذلك

(7/15)


فبينا نحن فيها اذ ارسل الينا بطريقها فجئناه فقال انتما من العرب قلنا نعم قال وعلى النصرانية قلنا نعم فقال ليذهب احدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم وليثبت الآخر على متاع صاحبه ففعل ذلك احدنا فلبث مليا ثم جاءه فقال جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولا عتاقا اما الليل فرهبان واما النهار ففرسان يريشون النبل ويبرونها ويثقفون القنا لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من اصواتهم بالقرآن والذكر قال فالتفت الى اصحابه وقال اتاكم منهم مالا طاقة لكم به
انتقال امرة الشام من خالد الى ابي عبيدة بعد وقعة اليرموك
وصيرورة الامرة بالشام الى ابو عبيدة فكان ابو عبيدة اول من سمي امير الامراء
وقد تقدم ان البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك وان خالدا كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن فلما اصبحوا اجلى لهم الامر وقال ما قال ثم شرع ابو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها وبعث بالفتح والخمس مع قباب بن اشيم الى الحجاز ثم نودى بالرحيل الى دمشق فساروا حتى نزلوا مرج الصفر وبعث ابو عبيدة بين يديه طليعة ابا امامة الباهلي ومعه رجلان من اصحابه قال ابو امامة فسرت فلما كان ببعض الطريق امرت الآخر فكمن هناك وسرت انا وحدي حتى جئت باب البلد وهو مغلق في الليل وليس هناك احد فنزلت وغرزت رمحي بالا رض ونزعت لجام فرسي وعلقت عليه مخلاته ونمت فلما اصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر فاذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته ثم رجعت والطلب ورائي فلما انتهينا الى الرجل الذي في الطريق من اصحابي ظنوا انه كمين فرجعوا عنى ثم سرنا حتى اخذنا الآخر وجئت الى ابو عبيدة فاخبرته بما رايت فاقام ابو عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من امر دمشق فجاءه الكتاب يامره بالمسير اليها فساروا اليها حتى احاطوا بها واستخلف ابو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب في خيل هناك
وقعة جرت بالعراق بعد مجىء خالد الى الشام
وذلك ان اهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه على تمليك شهريار بن ازدشير بن شهريار واستغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا الى نائبه المثنى بن حارثة جيشا كثيفا نحوا من عشرة الاف عليهم هرمز بن حادويه وكتب شهريار الى المثنى انى قد بعثت اليك جندا من وحش اهل فارس انما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست اقاتلك إلا بهم فكتب اليه المثنى من المثنى الى شهريار ( 1 ) كذا في الاصلين ولعل فيه سقطا

(7/16)


انما انت احد رجلين اما باغ لذلك شر لك وخير لنا واما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس والملوك واما الذي يدلنا عليه الراي فانكم انما اضطررتم اليهم فالحمد الله الذي رد كيدكم الى رعاة الدجاج والخنازير قال فجزع اهل فارس من هذا الكتاب ولاموا شهريار على كتابه اليه واستهجنوا رأيه وسار المثنى من الحرة الى بابل ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصراة الاولى اقتتلواا قتالا شديدا جدا وارسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين فحمل عليه امير المسلمين المثنى بن الحارثة فقتله وامر المسلمين فحملوا فلم تكن الا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعا وغنموا منهم مالا عظيما وفرت الفرس حتى انتهوا الى المدائن في شراحا له ووجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة كسرى بوران بنت ابرويز فاقامت العدل واحسنت السيرة فاقامت سنة وسبع شهور ثم ماتت فملكوا عليهم اختها ازرميدخت زنان فلم ينتظم لهم امر فملكوا عليهم سابور بن شهريار وجعلوا امره الى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بابنه كسرى ازرميدخت فكرهت ذلك وقالت انما هذا عبد من عبيدنا فلما كان ليلة عرسها عليه هموا اليه فقتلوه ثم ساروا الى سابور فقتلوه ايضا وملكوا عليهم هذه المرأة وهي ازرمدخيت ابنة كسرى ولعبت فارس بملكها لعبا كثيرا وآخر ما استقر امرهم عليه في هذه السنة ان ملكوا امرأة وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لن يفلح قوم ولوا امرهم امرأة وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي وكان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه فلما آيسته رجع الى البادية وقال ... هل حبل خولة بعد البين موصول ... ام انت عنها بعيدالدار مشغول ... وللاحبة ايام تذكرها ... وللنوى قبل يوم البين تأويل ... حلت خويلة في حي عهدتهم ... دون المدينة فيها الديك والفيل ... يقارعون رؤس العجم ضاحية ... منهم فوارس لا عزل ولا ميل ...
وقد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل ... وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة ... ببابل اذ في فارس ملك بابل ...
ثم المثنى بن حارثة استبطأ اخبار الصديق لتشاغله باهل الشام وما فيه من حرب اليرموك المتقدم ذكره فسار المثنى بنفسه الى الصديق واستناب على العراق بشير بن الخصاصية وعلى المسالح سعيد بن مرة العجلي فلما انتهى المثنى الى المدينة وجد الصديق في آخر مرض الموت وقد عهد الى عمر بن الخطاب ولما رأى الصديق المثنى قال لعمر اذا أنامت فلا تمسين حتى تندب

(7/17)


الناس لحرب اهل العراق مع المثنى واذا فتح الله على امرائنا بالشام فاردد اصحاب خالد الى العراق فانهم اعلم بحربه
فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين الى الجهاد بارض العراق لقلة من بقي فيه من المقاتلة بعد خالد بن الوليد فانتدب خلقا وامر عليهم ابا عبيدة بن مسعود وكان شابا شجاعا خبيرا بالحرب والمكيدة وهذا آخر ما يتعلق بخبر العراق الى آخر ايام الصديق واول دولة الفاروق
خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه
وكانت وفاة الصديق رضى الله عنه في يوم الاثنين عشية وقيل بعد المغرب ودفن من ليلته وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوما وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين وفي اثناء هذا المرض عهد بالامر من بعده الى عمر بن الخطاب وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان وقرىء على المسلمين فاقروا به وسمعوا له واطاعوا فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة اشهر وكان عمره يوم توفي ثلاثا وستين سنة للسن الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد جمع الله بينهما في التربة كما جمع بينهما في الحياة فBه وارضاه
قال محمد بن سعد عن ابي قطن عمرو بن الهيثم عن ربيع بن حسان الصائغ قال كان نقش خاتم ابي بكر نعم القادر الله وهذا غريب وقد ذكرنا ترجمة الصديق رضي الله عنه وسيرته وايامه وما روى من الاحاديث وما روى عنه من الاحكام في مجلد ولله الحمد والمنة فقام بالامر من بعده أتم القيام الفاروق امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو اول من سمي بامير المؤمنين وكان اول من حياه بها المغيرة بن شعبة وقيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب وسيرته التى افردناها في مجلد ومسنده والآثار المروية مرتبا على الابواب في مجلد آخر ولله الحمد
وقد كتب بوفاة الصديق الى امراء الشام مع شداد بن اوس ومحمد بن جريح فوصلا والناس مصافون وجيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا وقد امر عمر على الجيوش ابا عبيدة حين ولاه وعزل خالد بن الوليد وذكر سلمة عن محمد بن اسحاق ان عمر انما عزل خالد لكلام بلغه عنه ولما كان من امر مالك بن نويرة وما كان يعتمده في حربه فلما ولى عمر كان اول ما تكلم به ان عزل خالدا وقال لا يلي لي عملا ابدا وكتب عمر الى ابي عبيدة ان اكذب خالد نفسه فهو امير علىما كان عليه وان لم يكذب نفسه فهو معزول فانزع عمامته عن راسه وقاسمه ماله نصفين فلما قال ابو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد امهلني حتى استشير اختى فذهب الى اخته فاطمة وكانت تحت الحارث بن هشام فاستشارها في ذلك فقالت له ان عمر لا يحبك ابدا وانه سيعزلك وان كذبت نفسك فقال لها صدقت والله فقاسمه ابو عبيدة حتى اخذ احدى نعليه وترك له الآخرة

(7/18)


وخالد يقول سمعا وطاعة لامير المؤمنين
وقد روى ان جرير عن صالح بن كيسان انه قال اول كتاب كتبه عمر الى ابي عبيدة حين ولاه وعزل خالدا ان قال واوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه الذي هدانا من الضلالة واخرجنا من الظلمات الى النور وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بامرهم الذي يحق عليك لا تقدم المسلمين هلكة رجاء غنيمة ولا تنزلهم منزلا قبل ان تستريده لهم وتعلم كيف ماتاه ولا تبعث سرية الا في كنف من الناس واياك والقاء المسلمين في الهلكة وقد ابلاك الله بي وابلاني بك فغض بصرك عن الدنيا واله قلبك عنها واياك ان تهلكك كما اهلكت من كان قبلك فقد رايت مصارعهم وامرهم بالمسير الى دمشق وكان بعد ما بلغه الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارة وحمل الخمس إليه وقد ذكر ابن اسحاق ان الصحابة قاتلوا بعد اليرموك اجنادين ثم بفحل من ارض الغور قريبا من بيسان بمكان يقال له الردغة سمى بذلك لكثرة ما لقوا من الاوحال فيها فاغلقوها عليهم واحاط بها الصحابة قال حينئذ جاءت الامارة الابي عبيدة من جهة عمر وعزل خالد وهذا الذي ذكره بن اسحاق من مجىء الامارة ابي عبيدة في حصار دمشق هو المشهور
فتح دمشق
قال سيف بن عمر لما ارتحل ابو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصفر وهو عازم على حصار دمشق اذ اتاه الخبر بقدوم مددهم من حمص وجاءه الخبر بانه قد اجتمع طائفة كبيرة من الروم بفحل من ارض فلسطين وهو لا يدري باي الامرين يبدا فكتب الى عمر في ذلك فجاء الجواب ان ابدا بدمشق فانها حصن الشام وبيت مملكتهم فانهد لها واشغلوا عنكم اهل فحل بخيول تكون تلقاءهم فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذي يحب وان فتحت دمشق قبلها فسر انت ومن معك واستخلف على دمشق فاذا فتح الله عليكم فحل فسر انت وخالد الى حمص واترك عمرا وشرحبيل على الاردن وفلسطين
قال فسرح ابو عبيدة الى فحل عشرة امراء مع كل امير خمسة امراء وعلى الجميع عمارة بن مخشي الصحابي فساروا من مرج الصفر الى فحل فوجدوا الروم هنالك قريبا من ثمانين الفا وقد ارسلوا المياه حولهم حتى اردغت الارض فسموا ذلك الموضع الردغة وفتحها الله على المسلمين فكانت اول حصن فتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله وبعث ابو عبيدة جيشا يكون بين دمشق وبين فلسطين وبعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق وبين حمص ليرد من يرد اليهم من المدد من جهة هرقل ثم سار ابو عبيدة من مرج الصفر قاصدا دمشق وقد جعل خالد بن الوليد

(7/19)


في القلب وركب ابو عبيدة وعمرو بن العاص في المجنبتين وعلى الخيل عياض بن غنم وعلى الرجالة شرحبيل بن حسنة فقدموا دمشق وعليها نسطاس بن نسطوس فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي واليه كيسان ايضا ونزل ابو عبيدة على باب الجابية الكبير ونزل يزيد بن ابي سفيان على باب الجابية الصغير ونزل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة على بقية ابواب البلد ونصبوا المجانيق والدبابات وقد ارصد ابو عبيدة ابا الدرداء على جيش ببرزة يكونون ردءا له وكذا الذي بينه وبين حمص وحاصروها حصارا شديدا سبعين ليلة وقيل اربعة اشهر وقيل ستة اشهر وقيل اربعة عشر شهرا فالله اعلم واهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع ويرسلون الى ملكهم هرقل وهو مقيم بحمص يطلبون منه المدد فلا يمكن وصول المدد اليهم من ذي الكلاع الذي قد ارصده ابو عبيدة رضى الله عنه بين دمشق وبين وحمص عن دمشق ليلة فلما ايقن اهل دمشق انه لا يصل اليهم مدد ابلسوا وفشلوا وضعفوا وقوى المسلمون واشتد حصارهم وجاء فصل الشتاء واشتد البرد وعسر الحال وعسر القتال فقدر الله الكبير المتعال ذو العزة والجلال ان ولد لبطريق دمشق مولود في تلك الليالي فصنع لهم طعاما وسقاهم بعده شرابا وباتوا عنده في وليمته قد اكلوا وشربوا وتعبوا فناموا عن مواقفهم واشتغلوا عن اماكنهم وفطن لذلك امير الحرب خالد بن الوليد فانه كان لا ينام ولا يترك احدا ينام بل مراصد لهم ليلا ونهارا وله عيون وقصاد يرفعون اليه احوال المقاتلة صباحا ومساءا فلما راى حمدة تلك الليلة وانه لا يقاتل على السور احد كان قد اعد سلاليم من حبال فجاء هو واصحابه من الصناديد الابطال مثل القعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي وقد احضر جيشه عند الباب وقال لهم اذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فارقوا الينا ثم نهد هو واصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقرب في اعناقهم فنصبوا تلك السلالم واثبتوا اعاليها بالشرفات واكدوا اسافلها خارج الخندق وصعدوا فيها فلما استووا على السور رفعوا اصواتهم بالتكبير وجاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم وانحدر خالد واصحابه الشجعان من السور الى البوابين فقتلوهم وقطع خالد واصحابه اغاليق الباب بالسيوف وفتحوا الباب عنوة فدخل الجيش الخالدي من الباب الشرقى ولما سمع اهل البلد التكبير ثاروا وذهب كل فريق الى اماكنهم من السور لا يدرون ما الخبر فجعل كلما قدم احد من اصحاب الباب الشرقي قتله اصحاب خالد ودخل خالد البلدة عنوة فقتل من وجده وذهب اهل كل باب فسالوا من اميرهم الذي عند الباب من خارج الصلح وقد كان المسلمون دعوهم الى المشاطرة فيابون عليهم فلما دعوهم الى ذلك اجابوهم ولم يعلم بقية الصحابة ما صنع خالد ودخل المسلمون من كل جانب وباب فوجدوا خالدا وهو يقتل من وجده فقالوا له انا قد امناهم فقال انى فتحتها عنوة والتقت الامراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط بالقرب من

(7/20)


درب الريحان اليوم هكذا ذكره سيف بن عمرو وغيره وهو المشهور ان خالدا فتح الباب قسرا
وقال اخرون بال الذي فتحها عنوة ابو عبيدة وقيل زيد بن ابي سفيان وخالد صالح اهل البلد فعكسوا المشهور المعروف والله اعلم
وقد اختلف الصحابة فقال قائلون هي صلح يعنى على ما صالحهم الامير في نفس الامر وهو ابو عبيدة وقال آخرون بل عنوة لان خالدا افتتحها بالسيف اولا كما ذكرنا فلما احسوا بذلك ذهبوا الى بقية الامراء ومعهم ابو عبيدة فصالحوهم فاتفقوا فيما بينهم على ان جعلوا نصفها صلحا ونصفها عنوة فملك اهلها نصف ما كان بايديهم واقروا عليه واستقرت يد الصحابة على النصف
ويقوى هذا ما ذكره سيف بن عمرو من ان الصحابة كانوا يطلبون اليهم ان يصالحوهم على المشاطرة فيابون فلما احسوا بالياس انابوا الى كانت الصحابة دعوهم اليه فبادروا الى اجابتهم ولم تعلم الصحابة بما كان من خالد اليهم والله اعلم
ولهذا اخذ الصحابة نصف الكنيسة العظمى التى كانت بدمشق ةتعرف بكنيسة يوحنا فاتخذوا الجانب الشرقي منها مسجدا وابقوا لهم النصف الغربي كنيسة وقد ابقوا لهم مع ذلك اربع عشرة كنيسة اخرى مع نصف الكنيسة المعروفة بيوحنا وهي جامع دمشق اليوم وقد كتب الهم خالد بن الوليد كتابا وكتب فيه شهادته ابو عبيدة وعمرو بن العاص ويزيد بن ابي سفيان وشرحبيل احداها كنيسة المقسلاط التى اجتمع عندها امراء الصحابة وكانت مبنية على ظهر السوق الكبير وهذه القناطر المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التى كانت تحتها ثم بادت فيما بعد واخذت حجارتها في العمارات الثانية كنيسة كانت في رأس درب القرشيين وكانت صغيرة قال الحافظ ابن عساكر وبعضها باق الى اليوم وقد تشعثت الثالثة كانت بدار البطيخ العتيقة قلت وهى داخل البلد بقرب الكوشك واظنها هي المسجد الذي قبل هذا المكان المذكور فانها خربت من دهر والله اعلم الرابعة كانت بدرب بنى نصر بين درب الحبالين ودرب التميمي قال الحافظ ابن عساكر وقد ادركت بعض بنيانها وقد خرب اكثرها الخامسة كنيسة بولص قال ابن عساكر وكانت غربي القيسارية الفخرية وقد ادركت من بنيانها بعض اساس الحنية السادسة كانت في موضع دار الوكالة وتعرف اليوم بكنيسة القلانسيين قلت والقلانسيين هى الحواحين اليوم السابعة التى بدرب السقيل اليوم وتعرف بكنيسة حميد بن درة سابقا لان هذا الدرب كان اقطاعا له وهو حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري ودرة امه وهي درة ابنة هاشم بن عتبة بن ربيعة فابوها خال معاوية وكان قد اقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة اليه وكان مسلما ولم يبق لهم اليوم سواها وقد خرب اكثرها ولليعقوبية منهم كنيسة

(7/21)


داخل باب توما بين رحبة وخالد وهو خالد بن اسيد بن ابي العيص وبين درب طلحة بن عمرو بن مرة الجهنى وهي الكنيسة الثامنة وكان لليعقوبيين كنيسة اخرى فيما بين التنوى وسوق علي قال ابن عساكر قد بقي من بنائها بعضه وقد خربت منذ دهر وهى الكنيسة التاسعة واما العاشرة فهي الكنيسة المصلبة قال الحافظ ابن عساكر وهي باقية الى اليوم بين الباب الشرقي وباب توما بقرب النيبطن عند السور والناس اليوم يقولون النيطون قال ابن عساكر وقد خرب اكثرها هكذا قال وقد خرجت هذه الكنيسة وهدمت في ايام صلاح الدين فاتح القدس بعد الثمانين وخمسمائة بعد موت الحافظ ابن عساكر رحمه الله
الحادية عشرة كنيسة مريم داخل الباب الشرقى قال ابن عساكر وهى من اكبر ما بقي بايديهم قلت ثم خربت بعد موته بدهر في ايام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري على ما سيأتي بيانه
الثانية عشرة كنيسة اليهود التي بايديهم اليوم في حارتهم ومحلها معروف بالقرب من الجبر وتمسية الناس اليوم بستان القط وكانت لهم كنيسة في درب البلاغة لم تكن داخلة في العهد فهدمت فيما بعد وجعل مكانها المسجد المعروف بمسجد ابن السهر وردي والناس يقولون درب الشاذوري قلت وقد اخربت لهم كنيسة كانوا قد احدثوها لم يذكرها احد من علماء التاريخ لا ابن عساكر ولا غيره وكان اخرابها في حدود سنة سبع عشرة وسبعمائة ولم يتعرض الحافظ ابن عساكر لذكر كنيسة السامرة بمرة ثم قال ابن عساكر ومما احدث يعنى النصارى كنيسة بناها ابو جعفر المنصور بنى قطيطا في الفريق عند قناة صالح قريبا من دازبها وارمن اليوم قال ومما أحدث كنيستنا العباد إحداهما عند دار ابن وقد اخربت فيما بعد وجعلت مسجدا يعرف بمسجد الجنيق وهو مسجد أبي اليمن المشالي وقد جعلت مسجدا والأخرى التى في راس درب النقاشين وقد جعلت مسجدا
انتهى ما ذكره الحافظ ابن عساكر الدمشقي رحمه الله قلت وظاهر سياق ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة كذا حكاه الحافظ سيف ابن عمر يقتضي ان فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة ولكن نص سيف على بن عساكر من طريق محمد ين عائذ القرشي الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصين بن غلاق عن يزيد بن عبيدة قال فتحت دمشق سنة اربع عشرة ورواه دحيم عن الوليد قال سمعت اشياخا يقولون ان دمشق فتحت سنة اربع عشرة وهكذا قال سعيد بن عبدالعزيز وابو معشر ومحمد بن اسحاق ومعمر الاموي وحكاه عن مشايخه وابن الكلبي وخليفة بن خياط وابو عبيد القاسم بن سلام ان فتح دمشق كان في سنة

(7/22)


اربع عشرة وزاد سعيد بن عبدالعزيز وابو معشر والاموي وكانت اليرموك بعدها بسنة وقال بعضهم بل كان فتحها في شوال سنة اربع عشرة وقال خليفة حاصرهم ابو عبيدة في رجب وشعبان ورمضان وتم الصلح في ذي القعدة وقال الاموي في مغازيه كانت وقعة اجنادين في جمادى الاولى ووقعة فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة يعنى ووقعة دمشق سنة اربع عشرة وقال دحيم عن الوليد حدثني الاموي ان وقعة فحل واجنادين كانت في خلافة ابي بكر ثم مضى المسلمون الى دمشق فنزلوا عليها في رجب سنة ثلاث عشرة يعني ففتحوها في سنة اربع عشرة وكانت االيرموك سنة خمس عشرة وقدم عمر الى بيت المقدس سنة ست عشرة فصل
واختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحا او عنوة فاكثر العلماء على انه استقر امرها على الصلح لانهم شكوا في المتقدم على الاخر افتحت عنوة ثم عدل الروم الى المصالحة او فتحت صلحا او اتفق الاستيلاء من الجانب الاخر قسرا فلما شكوا في ذلك جعلوها صلحا احتياطا
وقيل بل جعل نصفها صلحا ونصفها عنوة وهذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة العظمى التي كانت اكبر معابدهم حين اخذوا نصفها وتركوا لهم نصفها والله اعلم
ثم قيل ان ابا عبيدة هو الذي كتب لهم كتاب الصلح وهذا هو الانسب والاشهر فان خالدا كان قد عزل عن الامرة وقيل بل الذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد ولكن اقره على ذلك ابو عبيدة فالله اعلم
وذكر ابو حذيفة اسحاق بن بشر ان الصديق توفي قبل فتح دمشق وان عمر كتب الى ابي عبيدة يعزيه والمسلمين في الصديق وانه استنابه على من بالشام وامره ان يستشير خالدا في الحرب فلما وصل الكتاب الى ابي عبيدة كتمه من خالد حتى فتحت دمشق بنحو من عشرين ليلة فقال له خالد يرحمك الله ما منعك ان تعلمني حين جاءك فقال اني كرهت ان اكسر عليك حربك وما سلطان الدنيا اريد ولا للدنيا اعمل وما ترى سيصير الى زوال وانقطاع وانما نحن اخوان وما يضر الرجل ان يليه اخوه في دينه ودنياه
ومن اعجب ما يذكر ههنا ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبدالملك ابن محمد حدثنا راشد بن داود الصنعاني حدثني ابو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد قال بعث ابو بكر خالد بن الوليد الى اهل اليمامة وبعث يزيد بن ابي سفيان الى الشام فذكر الراوى فقال خالد لاهل اليمامة الى ان قال ومات ابو بكر واستخلف عمر فبعث ابا عبيدة الى الشام فقدم دمشق فاستمد ابو عبيدة عمر فكتب عمر الى خالد بن الوليد ان يسير الى ابي عبيدة بالشام فذكر مسير

(7/23)


خالد من العراق الى الشام كما تقدم وهذا غريب جدا فان الذي لا يشك فيه ان الصديق هو الذي بعث ابا عبيدة وغيره من الامراء الى الشام وهو الذي كتب الى خالد بن الوليد ان يقدم من العراق الى الشام ليكون مددا لمن به واميرا عليهم ففتح الله تعالى عليه وعلى يديه جميع الشام على ما سنذكره ان شاء الله تعالى
وقال محمد بن عائذ قال الوليد بن مسلم اخبرني صفوان بن عمرو عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير ان المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا ابا عبيدة بن الجراح وافدا الى ابي بكر بشيرا بالفتح فقدم المدينة فوجد ابا بكر قد توفي واستخلف عمر بن الخطاب فاعظم ان يتامر احد من الصحابة عليه فولاه جماعة الناس فقدم عليهم فقالوا مرحبا بمن بعثناه بريدا فقدم علينا اميرا
وقد روى الليث وابن لهيعة وحيوة بن شريح ومفضل بن فضالة وعمر بن الحارث وغير واحد عن يزيد بن ابي حبيب عن عبدالله بن الحكم عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر انه بعثه ابو عبيدة بريدا بفتح دمشق قال فقدمت على عمر يوم الجمعة فقال لي منذ كم لم تنزع خفيك فقلت من يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة فقال اصبت السنة
قال الليث وبه ناخذ يعنى ان المسح على الخفين للمسافر لا يتاقت بل له ان يمسح عليهما ما شاء واليه ذهب الشافعي في القديم وقد روى احمد وابو داود عن ابي عمارة مرفوعا مثل هذا والجمهور على ما رواه مسلم عن على في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة ايام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة ومن الناس من فصل بين البريد ومن في معناه وغيره فقال في الاول لا يتاقت وفيما عداه بتأقت لحديث عقبة وحديث علي والله اعلم فصل
ثم ان ابا عبيدة بعث خالد بن الوليد الى البقاع ففتحه بالسيف وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون وعلى الروم رجل يقال له سنان تحدر على المسلمين من عقبة بيروت فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون عين ميسنون عين الشهداء واستخلف ابو عبيدة على دمشق يزيد بن ابي سفيان كما وعده بها الصديق وبعث يزيد دحية بن خليفة الى تدمر في سرية ليمهدوا امرها وبعث ابا الزهراء القشيري الى البثينة وحوران فصالح اهلها
قال ابو عبيدة القاسم بن سلام رحمه الله افتتح خالد دمشق صلحا وهكذا سائر مدن الشام كانت صلحا دون ارضيها فعلى يدي يزيد بن ابي سفيان وشرحبيل بن حسنة وابي عبيدة وقال الوليد بن مسلم اخبرني غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق اذ اقبلت خيل من

(7/24)


عقبة السلمية مخمرة بالحرير فثار اليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا والعقبة التي اقبلوا منها فهزموهم وطردوهم الى ابواب حمص فلما راى اهل حمص ذلك ظنوا انهم قد فتحوا دمشق فقال لهم اهل حمص انا نصالحكم على ما صالحتم عليه اهل دمشق ففعلوا
وقال خليفة بن خياط حدثنى عبدالله بن المغيرة عن ابيه قال افتتح شرحبيل بن حسنة الاردن كلها عنوة ما خلا طبرية فإن اهلها صالحوه وهكذا قال ابن الكلبي وقالا بعث ابو عبيدة خالدا فغلب على ارض البقاه وصالحه اهل بعلبك وكتب لهم كتابا وقال ابن المغيرة عن ابيه وصالحهم على انصاف منازلهم وكنائسهم ووضع الخراج وقال ابن اسحاق وغيره وفي سنة اربع عشرة فتحت حمص وبعلبك صلحا على يدي ابي عبيدة في ذي القعدة قال خليفة ويقال في سنة خمس عشرة
وقعة فحل ( )
وقد ذكرها كثير من علماء السير قبل فتح دمشق وانما ذكرها الامام ابو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن ابي عثمان ييزيد بن اسيد الغساني وابي حارثة القيسي قالا خلف الناس يزيد بن ابي سفيان في خيله في دمشق وسار نحو فحل وعلى الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حسنة وسار ابو عبيدة وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد وابو عبيدة على الميمنة وعمرو بن العاص على الميسرة وعلى الخيل ضرار بن الازور وعلى الرجالة عياض بن غنم فوصلوا الى فحل وهي بلدة بالغور وقد انحاز الروم الى بيسان وارسلوا مياه تلك الاراضي على هنالك من الاراضي فحال بينهم وبين المسلمين وارسل المسلمون الى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم وما صنعه الروم من تلك المكيدة الا ان المسلمين في عيش رغيد ومدد كبير وهم على اهبة من امرهم وامير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة وهو لا يبيت ولا يصبح الا على تعبئة
وظن الروم ان المسلمين على غرة فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم وعلى الروم سقلاب بن مخراق فهجموا على المسلمين فنهضوا اليهم نصفه رجل واحد كأنهم على اهبة دائما فقاتلوهم حتى الصباح وذلك اليوم بكماله الى الليل فلما اظلم الليل فر الروم وقتل اميرهم سقلاب وركب المسلمون اكتافهم واسلمتهم هزيمتهم الى ذلك الوحل الذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرقهم الله فيه وقتل منهم المسلمين باطراف الرماح ما قارب الثمانين الفا لم ينج منهم الا الشريد وغنموا منهم شيئا كثيرا ومالا جزيلا وانصرف ابو عبيدة وخالد بمن معهم من الجيوش نحو حمص كما امر امير المؤمنين عمر ابن الخطاب واستخلف ابو عبيدة على الاردن شرحبيل بن حسنة فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا اليه فقتل منهم مقتلة عظيمة ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه

(7/25)


دمشق وضرب عليهم الجزية والخراج على اراضيهم وكذلك فعل ابو الاعور السلمي باهل طبرية سواء
ما وقع بارض العراق آنذاك من القتال
وقد قدمنا ان المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه الى الشام وقد قيل انه سار بتسعة آلاف وقيل بثلاثة آلاف وقيل بسبعمائة وقيل بأقل الا انهم صناديد جيش العراق
فأقام المثنى بمن بقي فاستقل عددهم وخاف من سطو الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم وملكاتهم واستبطأ المثنى خبر الصديق فسار الى المدينة فوجد الصديق في السياق فاخبره بامر العراق فأوصى الصديق عمر ان يندب الناس لقتال اهل العراق فلما مات الصديق ودفن ليلة الثلاثاء اصبح عمر فندب الناس وحثهم على قتال اهل العراق وحرضهم ورغبهم في الثواب على ذلك فلم يقم احد لان الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم وشدة قتالهم ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم احد وتكلم المثنى بن حارثة فاحسن واخبرهم بما فتح الله تعالى على يد خالد من معظم ارض العراق ومالهم هنالك من الاموال والاملاك والامتعة والزاد فلم يقم احد في اليوم الثالث فلما كان اليوم الرابع كان اول من انتدب من المسلمين ابو عبيدة بن مسعود الثقفي ثم تتابع الناس في الاجابة امر عمر طائفة من اهل المدينة وامر على الجميع ابا عبيد هذا ولم يكن صحابيا فقيل لعمر هلا امرت عليهم رجلا من الصحابة فقال انما اومر اول من استجاب انكم انما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين وان هذا هو الذي استجاب قبلكم ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا وامره ان يستشير اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وان يستشير سليط بن قيس فانه رجل باشر الحروب فسار المسلمون الى ارض العراق وهم سبعة الاف رجل وكتب عمر الى أبي عبيدة ان يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد الى العراق فجهز عشرة الاف عليهم هاشم ابن عتبة وارسل عمر جرير بن عبدالله البجلي في اربعة الاف الى العراق فقدم الكوفة ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله وانهزم جيشه وغرق اكثرهم في دجلة فلما وصل الناس الى العراق وجدوا الفرس مضطربين في ملكهم وآخر ما استقر عليه امرهم ان ملكوا عليهم بوران بنت كسرى بعدما قتلوا التى كانت قبلها ازرميدخت وفوضت بوران امر الملك عشر سنين الى رجل منهم يقال له رستم بن فرخزاذ على ان يقوم بامر الحرب ثم يصير الملك الى آل كسرى فقبل ذلك وكان رستم هذا منجما يعرف النجوم وعلمها جيدا فقيل له ما حملك على هذا يعنون وانت تعلم ان هذا الامر لا يتم لك فقال الطمع وحب الشرف

(7/26)


وقعة النمارق
بعث رستم اميرا يقال له جابان وعلى مجنبته رجلان يقال الاحدهما حشنس ماه ويقال للآخر مردانشاه وهو خصي امير حاجب الفرس فالتقوا مع ابي عبيد بمكان يقال له النمارق بين الحيرة والقادسية وعلى الخيل المثنى بن حارثة وعلى الميسرة عمرو بن الهيثم فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا وهزم الله الفرس واسر جابان ومردانشاه فأما مردانشاه فانه قتله الذي اسره واما جابان فانه خدع الذي اسره حتى اطلقه فامسكه المسلمون فقالوا قتله فإنه الإمير فقال وإن كان الامير فإني لا أقتله وقد أمنه وابوا ان يطلقوه وقالوا ان هذا هو الامير وجاؤا به الى ابي عبيد رجل من المسلمين في آثار من انهزم منهم وقد لجاوا الى مدينة كسكر التي لابن خالة كسرى واسمه نرسي فوازرهم نرسي على قتال ابي عبيد فقهرهم ابو عبيد وغنم منهم شيئا كثيرا واطعمات كثيرة جدا ولله الحمد وبعث بخمس ما غنم من المال والطعام الى عمر بن الخطاب بالمدينة وقد قال في ذلك رجل من المسلمين ... لعمري وما عمري على بهين ... لقد صبحت بالخزي أهل النمارق ... بايدي رجال هاجروا نحو ربهم ... يجوسونهم ما بين درنا وبارق ... قتلناهم ما بين مرج مسلح ... وبين الهواني من طريق الندارق ...
فالتقوا بمكان بين كسكر والسفاطية وعلى ميمنة نرسي وميسرته ابنا خاله بندويه وبيرويه اولاد نظام وكان رستم قد جهز الجيوش مع الجالينوس فلما بلغ ابو عبيد ذلك اعجل نرسي بالقتال قبل وصولهم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت الفرس وهرب نرسي والجالينوس الى المدائن بعد وقعة جرت من ابي عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له باروسما فبعث ابو عبيد المثنى بن حارثة وسرايا اخر الى متاخم تلك الناحية كنهر جور ونحوها ففتحها صلحا وقهرا وضربوا الجزية والخراج وغنموا الاموال الجزيلة ولله الحمد والمنة وكسروا الجالينوس الذي جاء لنصره جابان وغنموا جيشه وامواله وكر هاربا الى قومه حقيرا ذليلا
وقعة جسر ابي عبيد ومقتل امير المسلمين وخلق كثير منهم
لما رجع الجالينوس هاربا مما لقي من المسلمين تذامرت الفرس بينهم واجتمعوا الى رستم فارسل جيشا كثيفا عليهم ذا الحاجب بهمس حادويه واعطاه راية افريدون وتسمى درفش كابيان وكانت الفرس تتيمن بها وحملوا معم راية كسرى وكانت من جلود النمور عرضها ثمانية اذرع فوصلوا الى المسلمين وبينهم النهر وعليه جسر فارسلوا اما ان تعبروا الينا واما ان نعبر اليكم فقال المسلمون لاميرهم ابي عبيد أأمرهم فليعبروا هم الينا فقال ما هم باجرا على الموت منا ثم اقتحم

(7/27)


اليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله المسلمون في نحو من عشرة الاف وقد جاءت الفرس معهم بافيلة كثيرة عليها الجلاجل قائمة لتذعر خيول المسلمين فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة ومما تسمع من اجلاجل التي عليها ولا يثبت منها الا القليل على قسر واذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفيلة ورشقتهم الفرس بالنبل فنالوا منهم خلقا كثيرا وقتل المسلمون منه مع ذلك ستة الاف وامر ابو عبيد المسلمين ان يقتلوا الفيلة اولا فاحتوشوها فقتلوها عن اخرها وقد قدمت الفرس بين ايديهم فيلا عظيما ابيض فتقدم اليه ابو عبيد فضربه بالسيف فقطع ذلومه فحمى الفيل وصاح صيحة هائلة وحمل فتخبطه برجليه فقتله ووقف فوقه فحمل علي الفيل خليفة ابي عبيد الذي كان اوصى ان يكون اميرا بعده فقتل ثم آخر ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص ابو عبيد عليهم واحدا بعد واحد ثم صارت الى المثنى بن حارثة بمقتضى الوصية ايضا وقد كانت دومة امرأة ابي عبيد رات مناما يدل على ما وقع سواء بسواء فلما راى المسلمون ذلك وهنوا عند ذلك ولم يكن بقي الا الظفر بالفرس وضعف امرهم وذهب ريحهم وولوا مدبرين وساقت الفرس خلفهم فقتلوا بشرا كثيرا وانكشف الناس فكان امرا بليغا وجاؤا الى الجسر فمر بعض الناس ثم انكسر الجسر فتحكم فيمن وراءه الفرس فقتلوا من المسلمين وغرق في الفراة نحو من اربعة الاف فانا لله وانا اليه راجعون وسار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر الذي جاؤا منه وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقي بنفسه في الفرات فيغرق فنادى المثنى ايها الناس على هينتكم فاني واقف على فم الجسر لا اجوزه حتى لا يبقى منكم احد ههنا فلما عدى الناس الى الناحية الاخرى سار المثنى فنزل بهم اول منزل وقام يحرسهم هو وشجعان المسلمين وقد جرح اكثرهم واثخنوا ومن الناس من ذهب في البرية لا يدري اين ذهب ومنهم من رجع الى المدينة النبوية مذعورا وذهب بالخبر عبدالله بن زيد بن عاصم المازني الى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر فقال له عمر ما وراءك يا عبدالله بن زيد فقال اتاك الخبر اليقين يا امير المؤمنين ثم صعد اليه المنبر فاخبره الخبر سرا ويقال كان اول من قدم بخبر الناس عبدالله بن يزيد بن الحصين الحطمي فالله أعلم
قال سيف بن عمر وكانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث عشرة بعد اليرموك باربعين يوما فالله اعلم وتراجع المسلمون بعضهم الى بعض وكان منهم من فر الى المدينة فلم يؤنب عمر الناس بل قال انا فيئكم واشغل الله المجوس بامر ملكهم وذلك ان اهل المدائن عدوا على رستم فخلعوه ثم ولوه واضافوا اليه الفيرزان واختلفوا على فرقتين فركب الفرس الى المدائن ولحقهم المثنى بن حارثة في نفر من المسلمين فعارضه اميران من امرائهم في جيشهم فاسرهما واسر معهما بشرا كثيرا

(7/28)


فضرب اعناقهم ثم ارسل المثنى الى من بالعراق من امراء المسلمين يستمدهم فبعثوا اليه الامداد وبعث اليه عمر بن الخطاب بمدد كثير فيهم جرير بن عبدالله البجلي في قومه بجلية بكمالها وغيره من سادات المسلمين حتى كثر جيشه
وقعت البويب التى اقتص فيها المسلمون من الفرس
فلما سمع بذلك امراء الفرس وبكثرة جيوش المثنى بعثوا اليه جيشا اخر مع رجل يقال له مهران فتوافوا هم واياهم بمكان يقال له البويت قريب من مكان الكوفة اليوم وبينهما الفرات فقالوا اما ان تعبروا الينا او نعبر اليكم فقال المسلمون با اعبروا الينا فعبرت الفرس اليهم فتواقفوا وذلك في شهر رمضان فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فافطروا عن اخرهم ليكون اقوى لهم وعبى الجيش وجعل يمر على كل راية من رايات الامراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت وفي القوم جرير بن عبدالله البجلي في بجلة وجماعة من سادات المسلمين وقال المثنى لهم اني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا فاذا كبرت الرابعة فاحملوا فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول فلما كبر او تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم واقتتلوا قتالا شديدا وراى المثنى في بعض صفوفه خللا فبعث اليهم رجلا يقول الامير يقرا عليكم السلام ويقول لكم لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا فلما راى ذلك منهم وهم بنو عجل اعجبه وضحك وبعث اليهم يقول يا معشر المسلمين عاداتكم انصروا الله ينصركم وجعل المثنى المسلمون يدعون الله بالظفر والنصر فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من اصحابه الابطال يحمون ظهره وحمل على مهران فازاله عن موضعه حتى دخل الميمنة وحمل غلام من بني تغلب نصراني فقتل مهران وركب فرسه كذا ذكره سيف بن عمر
وقال محمد بن اسحاق بل حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبي فطعنه واحتز راسه جرير بن عبدالله البجلي واختصما في سلبه فاخذ جرير السلاح واخذ المنذر منطفه وهربت المجوس وركب المسلمون اكتافهم يفصلونهم فصلا وسبق المثنى بن حارثة الى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون فركبوا اكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة ومن ابعد الى الليل فيقال انه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة الف ولله الحمد والمنة وغنم المسلمون مالا جزيلا وطعاما كثيرا وبعثوا بالبشارة والاخماس الى عمر رضى الله عنه وقد قتل من سادات المسلمين هذا اليوم بشر كثير ايضا وذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة فغنموا شيئا عظيما لا يمكن حصره وجرت امور يطول ذكرها بعد يوم البويت وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام وقد قال الاعور الشنى العبدي في ذلك

(7/29)


هاجت لاعور دار الحي احزانا ... واستبدلت بعد عبد القيس حسانا ... وقد ارانا بها الشمل مجتمع ... اذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا ... اذ كان سار المثنى بالخيول لهم ... فقتل الزحف من فرس وجيلانا ... سما لمهران والجيش الذي معه ... حتى ابادهم مثنى ووحدانا ... فصل
ثم بعث امير المؤمنين عمر بن الخطاب سعد بن ابي وقاص الزهري احد العشرة في ستة آلاف اميرا على العراق وكتب الى جرير عبدالله والمثنى بن حارثة ان يكونا تبعا له وان يسمعا له ويطيعا فلما وصل الى العراق كانا معه وكانا قد تنازعا الامرة فالمثنى يقول لجرير انما بعثك امير المؤمنين مددا الى ويقول جرير انما بعثني اميرا عليك فلما قدم سعد وقاص على امر العراق انقطع نزاعهما قال ابن اسحاق وتوفي المثنى بن حارثة في هذه السنة كذا قال ابن اسحق والصحيح ان بعث عمر سعدا انما كان في اول سنة اربع عشرة كما سيأتي
ذكر اجتماع الفرس على يزدجر بعد اختلافهم
كان شيرين قد جمع آل كسرى في القصر الابيض وامر بقتل ذكرانهم كلهم وكانت ام يزدجر فيهم ومعها ابنها وهو صغير فواعدت اخواله فجاؤا واخذوه منها وذهبوا الى بلادهم فلما وقع ما وقع يوم البويب وقتل من قتل منهم كما ذكرنا وركب المسلمون اكتافهم وانتصروا عليهم وعلى اخذ بلدانهم ومحالهم واقاليمهم ثم سمعوا بقدوم سعد بن ابي وقاص من جهة عمر اجتمعوا فيما بينهم واحضروا الاميرين الكبيرين فيهم ووهما رستم والفيرزان فتذامروا فيما بينهم وتواصوا وقالوا لهما لئن لم تقوما بالحرب كما ينبغي لنقتلنكم ونشتفى بكما ثم رأوا فيما بينهم ان يبعثوا خلف نساء كسرى من كل فج ومن كل بقعة فمن كان لها ولد من آل كسرى ملكوه عليهم فجعلوا اذا اتوا بالمرأة عاقبوها هل لها ولد وهي تنكر ذلك خوفا على ولدها ان كان لها ولد فلم يزالوا حتى دلوا على ام يزدجرد فاحضروها واحضروا ولدها فملكوه عليهم وهو ابن احدى وعشرين سنة وهو من ولد شهريار بن كسرى وعزلوا بوران واستوثقت الممالك له واجتمعوا عليه وفرحوا به وقاموا بين يديه بالنصر اتم قيام واستفحل امره فيهم وقويت شوكتهم به وبعثوا الى الاقاليم والرساتيق فخلعوا الطاعة للصحابة ونقضوا عهودهم وذممهم وبعث الصحابة الى عمر بالخبر فامرهم عمر ان يتبرزوا من بين ظهرانيهم

(7/30)


وليكونوا على اطراف البلاد حولهم على المياه وان تكون كل قبيلة تنظر الى الاخرى بحيث اذا حدث حدث على قبيلة لا يخفى امرها على جيرانهم وتفاقم الحال جدا وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة وقد حج بالناس عمر في هذه السنة وقيل بل حج بهم عبدالرحمن بن عوف ولم يحج عمر هذه السنة والله اعلم
ما وقع سنة ثلاث عشرة من الحوادث
كانت فيها وقائع تقدم تفصيلها ببلاد العراق على يدي خالد بن الوليد رضى الله عنه فتحت فيها الحيرة والانبار وغيرهما من الامصار وفيها سار خالد بن الوليد من العراق الى الشام على المشهور وفيها كانت وقعة اليرموك في قول سيف بن عمر واختيار ابن جرير وقتل بها من قتل من الاعيان ممن يطول ذكرهم وتراجمهم رضى الله عنهم اجمعين وفيها توفي ابو بكر الصديق وقد افردنا سيرته في مجلد ولله الحمد وفيها ولي عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة منها فولى قضاء المدينة علي بن ابي طالب رضى الله عنه واستناب على الشام ابا عبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح الفهري وعزل عنها خالد بن الوليد المخزومي وأبقاه على شورى الحرب وفيها فتحت بصرى صلحا وهي اول مدينة فتحت من الشام وفيها فتحت دمشق في قول سيف بن عمر وغيره كما قدمنا واستنيب فيها يزيد بن ابي سفيان فهو اول من وليها من أمراء المسلمين رضى الله عنهم وفيها كانت وقعت وقعة الفحل من ارض الغور وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم وفيها كانت وقعة جسر ابي عبيد فقتل فيها اربعة الاف من المسلمين منهم اميرهم ابو عبيد بن مسعود الثقفي وهو والد صفية امرأة عبدالله بن عمر وكانت امرأة صالحة رحمهما الله ووالد المختار بن ابي عبيد كذاب ثقيف وقد كان نائبا على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي وفيها توفي المثنى بن حارثة في قول ابن اسحاق وقد كان نائبا على العراق استخلفه خالد بن الوليد حين سار الى الشام وقد شهد مواقف مشهورة وله ايام مذكورة ولا سيما يوم البويت بعد جسر ابي عبيد قتل فيه من الفرس وغرق بالفراة قريب من مائة الف الذي عليه الجمهور انه بقي الى سنة اربع عشرة كما سيأتي بيانه وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب في قول بعضهم وقيل بل حج عبدالرحمن بن عوف وفيها استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق الشام فاقبلوا من كل النواحي فرمى بهم الشام والعراق وفيها كانت وقعة اجنادين في قول ابن اسحاق يوم السبت لثلاث من جمادى الاولى منها وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين على الروم القيقلان وامير المسلمين عمرو بن العاص وهو في عشرين الفا في قول فقتل القيقلان انهزمت الروم وقتل منهم خلق كثير واستشهد من المسلمين ايضا جماعة منهم هشام بن العاص

(7/31)


والفضل بن العباس وابان بن سعيد واخواه خالد وعمرو ونعيم بن عبدالله بن النحام والطفيل بن عمرو وعبدالله بن عمرو الدوسيان وضرار بن وصخر بن نصر وتميم وسعيد ابنا الحارث بن قيس رضى الله عنهم الازور وعكرمة بن أبي جهل وعمه سلمة بن هشام وهبار بن سفيان
وقال محمد بن سعد قتل يومئذ طليب بن عمرو وامه اروى بنت عبدالمطلب عمة رسول الله صلى الله عليه و سلم وممن قتل يومئذ عبدالله بن الزبير بن عبدالمطلب وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي قال ولم يكن له رواية وكان ممن صبر يوم حنين قال ابن جرير وقتل يومئذ عثمان بن طلحة بن ابي طلحة والحارث بن اوس بن عتيك رضى الله عنهم وفيها كانت وقعة مرج الصفر في قول خليفة بن خياط وذلك لثنتي عشرة بقيت من جمادى الاولى وامير الناس خالد بن سعيد بن العاص فقتل يومئذ وقيل انما قتل اخوه عمرو وقيل ابنه فالله اعلم
قال ابن اسحاق وكان امير الروم قلقط فقتل من الروم مقتلة عظيمة حتى جرت طاحون هناك من دمائهم والصحيح ان وقعة مرج الصفر في اول سنة اربع عشرة كما ستأتي
ذكر المتوفين في هذه السنة مرتبين على الحروف كما ذكرهم الحافظ الذهبي
ابان بن سعيد بن العاص بن امية الاموي ابو الوليد المكي صحابي جليل وهو الذي اجار عثمان ابن عفان يوم الحديبية حتى دخل مكة لاداء رسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم اسلم بعد مرجع اخويه من الحبشة خالد وعمرو فدعوه الى الاسلام فاجابهما وساروا فوجدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم قد فتح خيبر وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه و سلم سنة تسع على البحرين وقتل باجنادين انسة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم المشهور انه قتل ببدر فيما ذكره البخاري وغيره وزعم الواقدي فيما نقله عن اهل العلم انه شهد احدا وانه بقي بعد ذلك زمانا قال وحدثني ابن ابي الزناد عن محمد بن يوسف ان انسة مات في خلافة ابي بكر الصديق وكان يكنى ابا مسروح وقال الزهري كان يأذن للناس على النبي صلى الله عليه و سلم تميم بن الحارث بن قيس السهمي واخوه قيس صحابيان جليلان هاجرا الى الحبشة وقتلا باجنادين الحارث بن اوس بن عتيك من مهاجرة الحبشة قتل باجنادين خالد بن سعيد بن العاص الاموي من السابقين الاولين ممن هاجر الى الحبشة واقام بها بضع عشرة سنة ويقال انه كان على صنعاء من جهة رسول الله صلى الله عليه و سلم وامره الصديق على بعص الفتوحات كما تقدم قتل يوم مرج الصفر في قول وقيل بل هرب فلم يمكنه الصديق من دخول المدينة تعزيرا له فاقام شهرا في بعض ظواهرها حتى اذن له ويقال ان الذي قتله اسلم وقال رايت له حين قتلته نورا ساطعا الى السماء رضى الله عنه سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن ابي خزيمة ويقال حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن

(7/32)


طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري الخزرجي سيدهم ابو ثابت ويقال ابو قيس صحابي جليل كان احد النقباء ليلة العقبة وشهد بدرا في قول عروة وموسى بن عقبة والبخاري وابن ماكولا وروى ابن عساكر من طريق حجاج بن ارطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ان راية المهاجرين يوم بدر كانت مع علي وراية الانصار مع سعد بن عبادة رضى الله عنهما
قلت والمشهور ان هذا كان يوم الفتح والله اعلم وقال الواقدي لم يشهدها لانه نهسته حية فشغلته عنها بعد ان تجهز لها فضرب له رسول الله صلى الله عليه و سلم بسهمه واجره وشهد احدا وما بعدها وكذا قال خليفة بن خياط وكانت له جفنة تدور مع النبي صلى الله عليه و سلم حيث دار من بيوت نسائه بلحم وثريد او لبن وخبز او خبز وسمن او بخل وزيت وكان ينادي عند اطمة كل ليلة لمن اراد القرى وكان يحسن الكتابة بالعربي والرمي والسباحة وكان يسمى من احسن ذلك كاملا وقد ذكر ابو عمر بن عبد البر ما ذكره غير واحد من علماء التاريخ انه تخلف عن بيعة الصديق حتى خرج الى الشام فمات بقرب من حوران سنة ثلاث عشرة في خلافة الصديق قاله ابن اسحاق والمدائني وخليفة قال وقيل في اول خلافة عمر وقيل سنة اربع عشرة وقيل سنة خمس عشرة وقال الفلاس وابن بكر سنة ست عشرة
قلت اما بيعة الصديق فقد روينا في مسند الإمام احمد انه سلم للصديق ما قاله من ان الخلفاء من قريش واما موته بارض الشام فمحقق والمشهور انه بحوران قال محمد بن عائذ الدمشقي عن عبد الاعلى عن سعيد بن عبدالعزيز انه قال اول مدينة فتحت من الشام بصرى وبها توفي سعد بن عبادة وعند كثير من اهل زماننا انه دفن بقرية من غوطة دمشق يقال لها المنيحة وبها قبر مشهور به ولم ار الحافظ بن عساكر تعرض لذكر هذا القبر في ترجمته بالكلية فالله اعلم قال ابن عبدالبر ولم يختلفوا انه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ... قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ... رميناه بسهم فلم يخطىء فؤاده ... قال ابن جريج سمعت عطاء يقول سمعت ان الجن قالوا في سعد بن عبادة هذين البيتين له عن النبي صلى الله عليه و سلم احاديث وكان رضى الله عنه من اشد الناس غيرة ما تزوج امرأة بكرا ولا طلق امرأة فتجاسر احد ان يخطبها بعده وقد روى انه لما خرج من المدينة قسم ماله بين بنيه فلما توفي ولد له ولد فجاء ابو بكر وعمر الى ابنه قيس بن سعد فامراه ان يدخل هذا معهم فقال اني لا اغير ما صنع سعد ولكن نصيبي لهذا الولد سلمة بن هشام بن المغيرة اخو ابي جهل بن هشام

(7/33)


اسلم سلمة قديما وهاجر الى الحبشة فلما رجع منها حبسه اخوه واجاعه فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو له في القنوت ولجماعة معه من المستضعفين ثم انسل فلحق رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة بعد الخندق وكان معه بها وقد شهد اجنادين وقتل بها رضى الله عنه ضرار بن الازور الاسدي كان من الفرسان المشهورين والابطال المذكورين له ومواقف مشهودة واحوال محمودة ذكر عروة وموسى بن عقبة انه قتل باجنادين له حديث في استحباب ابقاء شىء من اللبن في الضرع عند الحلب طليب ابن عمير بن وهب بن كثير بن هند بن قصي القرشي العبدي امه اروى بنت عبدالمطلب عمة رسول الله صلى الله عليه و سلم اسلم قديما وهاجر الى الحبشة الهجرة الثانية وشهد بدرا قاله ابن اسحاق والواقدي والزبير بن بكار ويقال انه اول من ضرب مشركا وذلك ان ابا جهل سب النبي صلى الله عليه و سلم فضربه طليب بلحى جمل فشجه استشهد طليب باجنادين وقد شاخ رضى الله عنه عبدالله بن الزبير بن عبدالمطلب بن هاشم القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم كان من الابطال المذكورين والشجعان المشهورين قتل يوم اجنادين بعدما قتل عشرة من الروم مبارزة كلهم بطارقة ابطال وله من العمر يومئذ بضع وثلاثون سنة عبدالله بن عمرو الدوسي قتل باجنادين وليس هذا الرجل معروفا عثمان بن طلحة العبدري الحجبي قيل انه قتل باجنادين والصحيح انه تاخر الى ما بعد الاربعين عتاب بن اسيد بن ابي العيص بن امية الاموي ابو عبدالرحمن امير مكة نيابة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم استعمله عليها عام الفتح وله من العمر عشرون سنة فحج بالناس عامئذ واستنابه عليها ابو بكر بعده عليه السلام وكانت وفاته بمكة قيل يوم توفي ابو بكر رضى الله عنهما له حديث واحد رواه اهل السنن الاربعة عكرمة بن ابي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ابو عثمان القرشي المخزومي كان من سادات الجاهلية كابيه ثم اسلم عام الفتح بعدما فر ثم رجع الى الحق واستعمله الصديق على عمان حين ارتدوا فظفر بهم كما تقدم ثم قدم الشام وكان اميرا على بعض الكراديس ويقال انه لا يعرف له ذنب بعدما اسلم وكان يقبل المصحف ويبكي ويقول كلام ربي كلام ربي احتج بهذا الامام احمد على جواز تقبيل المصحف ومشروعيته وقال الشافعي كان عكرمة محمود البلاء في الاسلام قال عروة قتل باجنادين وقال غيره باليرموك بعدما وجد به بضع وسبعون ما بين ضربة وطعنة رضى الله عنه الفضل بن العباس بن عبدالمطلب قيل انه توفي في هذه السنة والصحيح انه تاخر الى سنة ثماني عشرة نعيم بن عبدالله بن النحام احد بني عدي اسلم قديما قبل عمرو ولما يتهيا له هجرة الى ما بعد الحديبية وذلك لانه كان فيه بر باقاربه فقالت له قريش اقم عندنا على اي دين شئت فوالله لا يتعرضك احد الا ذهبت انفسنا دونك استشهد يوم اجنادين وقيل يوم اليرموك رضى الله عنه هبار بن الاسود بن اسد ابو الاسود القرشي الاسدي

(7/34)


هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم خرجت من مكة حتى اسقطت ثم اسلم بعد فحسن اسلامه وقتل باجنادين رضى الله عنه هبار بن سفيان بن عبدالاسود المخزومي ابن اخي ام سلمة اسلم قديما وهاجر الى الحبشة واستشهد يوم اجنادين على الصحيح وقيل قتل يوم مؤتة والله اعلم هشام بن العاص بن وائل السهمي اخو عمرو بن مؤمنان وقد أسلم هشام قبل عمرو وهاجر الى الحبشة فلما رجع منها احتبس بمكة ثم هاجر بعد الخندق العاص روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ابنا العاص وقد ارسله الصديق الى ملك الروم وكان من الفرسان وقتل باجنادين وقيل باليرموك والاول اصح والله اعلم ابو بكر الصديق رضي الله عنه تقدم وله ترجمة مفردة ولله الحمد سنة اربع عشرة من الهجرة
استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد اهل العراق وذلك لما بلغه من قتل ابي عبيد يوم الجسر وانتظام شمل الفرس واجتماع امرهم على يزدجر الذي اقاموه من بيت الملك ونقض اهل الذمة بالعراق عهودهم ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم وآذوا المسلمين واخرجوا العمال من بين اظهرهم وقد كتب عمر الى من هنالك من الجيش ان يتبرزوا من بين اظهرهم الى اطراف البلاد قال ابن جرير رحمه الله وركب عمر رضى الله عنه في اول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صرار فعسكر به عازما على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن ابي طالب واستصحب عثمان بن عفان وسادات الصحابة ثم عقد مجلسا لاستشارة الصحابة فيما عزم القيام به ونودى أن الصلاة جامعة وقد ارسل الى علي فقدم من المدينة ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب الى العراق الا عبدالرحمن الأرض وإني أرى أن تبعث رجلا وترجع أنت إلى المدينة فارثا عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف فقال عمر فمن ترى ان نبعث الى العراق فقال قد و بن عوف فإنه قال له إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر اقطار وجدته قال من هو قال الاسد في براثنه سعد بن مالك الزهري فاستجاد قوله وارسل الى سعد فأمره على العراق واوصاه فقال يا سعد بن وهيب لا يغرنك ومن الله ان قيل خال رسول الله صلى الله عليه و سلم وصاحبه فان الله لا يمحو السىء بالسيء ولكن يمحو السىء بالحسن وان الله ليس بينه وبين احد نسب الا بطاعته فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة فانظر الامر الذي رايت

(7/35)


رسول الله صلى الله عليه و سلم منذ بعث الى ان فارقنا عليه فالزمه فانه امر هذه عظتي اياك ان تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين ولما اراد فراقه قال له انك ستقدم على امر شديد فالصبر الصبر على ما اصابك ونابك تجمع لك خشية الله واعلم ان خشية الله تجتمع في امرين في طاعته واجتناب معصيته وانما طاعة من اطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة وانما عصيان من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة وللقلوب حقائق ينشئها الله انشاء منها للسر ومنها العلانية فاما العلانية فان يكون حامده وذامه في الحق سواء واما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه وبمحبة الناس ومن محبة الناس فلا تزهد في التحبب فان النبيين قد سالوا محبتهم وان الله اذا احب عبدا حببه واذا ابغض عبدا بغضه فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عندالناس قالوا فسار سعد نحو العراق في اربعة الاف ثلاثة الاف من اهل اليمن والف من سائر الناس وقيل في ستة الاف وشيعهم عمر من صرار الى الاعوص وقام عمر في الناس خطيبا هنالك فقال ان الله انما ضرب لكم الامثال وصرف لكم القول لتحيى القلوب فان القلوب ميتة في صدورها حتى يحيها الله من علم شيئا فلينفع به فان للعدل امارات وتباشير فاما الامارات فالحياء والسخاء والهين واللين واما التباشير فالرحمة وقد جعل الله لكل امر بابا ويسر لكل باب مفتاحا فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الاموال والزهد اخذ الحق من كل احد قبله حق والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف فان لم يكفه الكفاف لم يغنه شىء اني بينكم وبين الله وليس بيني وبينه احد وان الله قد الزمنى دفع الدعاء عنه فانهوا شكاتكم الينا فمن لم يستطع فالى من يبلغانها ناخذ له الحق غير متعتع ثم سار سعد الى العراق ورجع عمر بمن معه من المسلمين الى المدينة ولما انتهى سعد الى نهر زرود ولم يبق بينه وبين ان يجتمع بالمثنى بن حارثة الا اليسير وكل منهما مشتاق الى صاحبه انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات رحمه الله ورضى الله عنه واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية ولما بلغ سعدا موته ترحم عليه وتزوج زوجته سلمى ولما وصل سعد الى محلة الجيوش انتهت اليه رياستها وامرتها ولم يبق بالعراق امير من سادات العرب الا تحت امره وامده عمر بامداد اخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون الفا وقيل ستة وثلاثون وقال عمر والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب وكتب الى سعد ان يجعل الامراء على القبائل والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش وان يواعدهم الى القادسية ففعل ذلك سعد عرف العرفاء وامر على القبائل وولى على الطلائع والمقدمات والمجنبات والساقات والرجالة والركبان كما امر امير المؤمنين عمر

(7/36)


قال سيف باسناده عن مشايخه قالوا وجعل عمر على قضاء الناس عبدالرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون وجعل اليه الافباض وقسمة الفىء وجعل داعية الناس وقاصهم سلمان الفارسي وجعل الكاتب زياد بن ابي سفيان قالوا وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلثمائة وبضعة عشر صحابيا منهم بضعة وسبعون بدريا وكان فيه سبعمائة من ابناء الصحابة رضى الله عنهم وبعث عمر كتابه الى سعد يامره بالمبادرة إلى القادسية والقادسية باب فارس في الجاهلية وان يكون بين الحجر والمدر وان ياخذ الطرق والمسالك على فارس وان يبدروهم بالضرب والشدة ولا يهولنك كثرة عددهم وعددهم فانهم قوم خدعة مكرة وان انتم صبرتم واحسنتم ونويتم الامانة رجوت ان تنصروا عليهم ثم لم يجتمع لهم شملهم ابدا الا ان يجتمعوا وليست معهم قلوبهم وان كانت الاخرى فارجعوا الى ما وراءكم حتى تصلوا الى الحجر فانكم عليه اجرأ وانهم عنه اجبن وبه اجهل حتى ياتي الله بالفتح عليهم ويرد لكم الكره وامره بمحاسبة نفسه وموعظة جيشه وامرهم بالنية الحسنة والصبر فان النصر ياتي من الله على قدر النية والاجر على قدر الحسبة وسلوا الله العافية واكثروا من قول لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم واكتب الي بجميع احوالكم وتفاصيلها وكيف تنزلون واين يكون منكم عدوكم واجعلني بكتبك الى كاني انظر اليكم واجعلني من امركم على الجلية وخف الله وارجه ولا تدل بشىء واعلم الن الله قد توكل لهذا الامر بما لا خلف له فاحذر ان يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم فكتب اليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والاراضي بحيث كانه يشاهدها وكتب اليه يخبره بان الفرس قد جردوا لحربه رستم وامثاله فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم وامر الله بعد ماض وقضاؤه مسلم الى ما قدر لنا وعلينا فنسال الله خير القضاء وخير القدر في عافية
وكتب اليه عمر قد جاءني كتابك وفهمته فإذا لقيت عدوك ومنحك الله ادبارهم فانه قد القى في روعى انكم ستهزمونهم فلا تشكن في ذلك فاذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فانه خرابها ان شاء الله وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة
ولما بلغ سعد العذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاذ بن اراذويه فغنموا مما معه شيئا كثيرا ووقع منهم موقعا كبيرا فخمسها سعد وقسم اربعة اخماسها في الناس واستبشر الناس بذلك وفرحوا وتفاءلوا وافرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم على هذه السرية غالب بن عبدالله الليثي
غزوة القادسية
ثم سار سعد فنزل القادسية وبث سراياه واقام بها شهرا لم ير احدا من الفرس فكتب الى عمر بذلك والسرايا تأتي بالميرة من كل مكان فعجت رعايا الفرس اطراف بلادهم الى يزدجرد

(7/37)


من الذين يلقون من المسلمين من النهب والسبي وقالوا ان لم تنجدونا وإلا اعطينا ما بأيدينا وسلمنا اليهم الحصون واجتمع راى الفرس على ارسال رستم اليهم فبعث إليه يزدجرد فامره على الجيش فاستعفى رستم من ذلك وقال ان هذا ليس براى في الحرب ان ارسال الجيوش بعد الجيوش اشد على العرب من ان يكسروا جيشا كثيفا مرة واحدة فابى الملك الا ذلك فتجهز رستم للخروج ثم بعث سعد كاشفا الى الحيرة الى صلوبا فاتاه الخبر بان الملك قد امر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الارمني وامده بالعساكر فكتب سعد الى عمر بذلك فكتب اليه عمر لا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به واستعن بالله وتوكل عليه وابعث اليه رجالا من اهل النظر والراى والجلد يدعونه فان الله جاعل دعائهم توهينا لهم وفلجا عليهم واكتب الى في كل يوم ولما اقترب رستم بجيوسه وعسكر بساباط كتب سعد الى عمر يقول ان رستم قد عسكر بساباط وجر الخيول والفيول وزحف علينا بها وليس شىء اهم عندي ولا اكثر ذكرا منى لما احببت ان اكون عليه من الاستعانة والتوكل وعبأ رستم فجعل على المقدمة وهي اربعون الفا الجالنوس وعلى الميمنة الهرمزان وعلى الميسرة مهران بن بهرام وذلك ستون الفا وعلى الساقة البندران في عشرين الفا فالجيش كله ثمانون الفا فيما ذكره سيف وغيره وفي رواية كان رستم في مائة الف وعشرين الفا يتبعها ثمانون الفا وكان معه ثلاث وثلاثون فيلا منها فيل ابيض كان لسابور فهو اعظمها واقدمها وكانت الفيلة تالفه ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم النعمان بن مقرن وفرات بن حبان وحنظلة بن الربيع التميمي وعطارد بن حاجب والاشعث بن قيس والمغيرة بن شعبة وعمرو بن معدي كرب يدعون رستم الى الله عز و جل فقال لهم رستم ما اقدمكم فقالوا جئنا لموعود الله ايانا اخذ بلادكم وسبي نسائكم وابنائكم واخذ اموالكم فنحن على يقين من ذلك وقد راى رستم في منامه كان ملكا نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله ودفعه الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فدفعه رسول الله صلى الله عليه و سلم الى عمر وذكر سيف بن عمر ان رستم طاول سعدا في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعدا بالقادسية اربعة اشهر كل ذلك لعله يضجر سعدا ومن معه ليرجعوا ولولا ان الملك استعجله ما التقاه لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم لما راى في منامه ولما يتوسمه ولما سمع منهم ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن ولما دنا جيش رستم من سعد احب سعد ان يطلع على اخبارهم على الجلية فبعث رجلا سرية لتاتيه برجل من الفرس وكان في السرية طليحة الاسدي الذي كان ادعى النبوة ثم تاب وتقدم الحارث مع اصحابه حتى رجعوا فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف وتخطى الالوف وقتل جماعة من الابطال حتى اسر احدهم وجاء به لا يملك من نفسه شيئا فساله

(7/38)


سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة فقال دعنا من هذا واخبرنا عن رستم فقال هو في مائة الف وعشرين الفا ويتبعها مثلها واسلم الرجل من فوره رحمه الله
قال سيف عن شيوخه ولما تواجه الجيشان بعث رستم الى سعد ان يبعث اليه برجل عاقل عالم بما اساله عنه فبعث اليه المغيرة بن شعبة رضى الله عنه فلما قدم عليه جعل رستم يقول له انكم جيراننا وكنا نحسن اليكم ونكف الاذى عنكم فارجعوا الى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول الى بلادنا فقال له المغيرة انا ليس طلبنا الدنيا وانما همنا وطلبنا الآخرة وقد بعث الله الينا رسولا قال له اني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فانا منتقم بهم منهم واجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به وهو دين الحق لا يرغب عنه احد الا ذل ولا يعتصم به الا عز فقال له رستم فما هو فقال اما عموده الذي لا يصلح شىء منه الا به فشهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله والاقرار بما جاء من عندالله فقال ما احسن هذا واي شىء ايضا قال واخراج العباد من عبادة العباد الى عبادة الله قال وحسن ايضا واي شىء ايضا قال والناس بنو آدم فهم اخوة لأب وأم وقال حسن ايضا ثم قال رستم ارايت ان دخلنا في دينكم اترجعون عن بلادنا قال اي والله ثم لا نقرب بلادكم الا في تجارة او حاجة قال وحسن ايضا قال ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الاسلام فانفوا ذلك وابوا ان يدخلوا فيه قبحهم الله واخزاهم وقد فعل
قالوا ثم بعث اليه سعد رسولا اخر بطلبه وهو ربعي بن عامر فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير واظهر اليواقيت واللآلىء الثمينةى والزينة العظيمة وعليه تاجه وغير ذلك من الامتعة الثمينة وقد جلس على سرير من ذهب ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد واقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه فقالوا له ضع سلاحك فقال انى لم آتكم وانما جئتكم حين دعوتموني فان تركتموني هكذا والا رجعت فقال رستم ائذنوا له فاقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فحرق عامتها فقالوا له ما جاء بكم فقال الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله ومن ضيق الدنيا الى سعتها ومن جور الاديان الى عدل الاسلام فارسلنا بدينه الى خلقه لتدعوهم اليه فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ومن ابى قاتلناه ابدا حتى نفضى الى موعود الله قالوا وما موعود الله قال الجنة لمن مات على قتال من ابى والظفر لمن بقي فقال رستم قد سمعت مقالتكم فهل لكم ان تؤخروا هذا الامر حتى ننظر فيه وتنظروا قال نعم كم احب اليكم يوما او يومين قال لا بل حتى نكاتب اهل راينا رؤساء قومنا فقال

(7/39)


ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ان نؤخر الاعداء عند اللقاء اكثر من ثلاث فانظر في امرك وامرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الاجل فقال اسيدهم انت قال لا ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير ادناهم على اعلاهم فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال هل رايتم قط اعز وارجح من كلام هذا الرجل فقالوا معاذ الله ان تميل الى شىء من هذا تدع دينك الى هذا الكلب اما ترى الى ثيابه فقال ويلكم لا تنظرون الى الثياب وانظروا الى الرأي والكلام والسيرة ان العرب يستخفون بالثياب والمأكل ويصونون الاحساب ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا فبعث اليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة فتكلم بكلام حسن طويل قال فيه رستم للمغيرة انما مثلكم في دخولكم ارضنا كمثل الذباب راى العسل فقال من يوصلني اليه وله درهمان فلما سقط عليه غرق فيه فجعل يطلب الخلاص فلا يجده وجعل يقول من يخلصنى وله اربعة دراهم ومثلكم كمثل الثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه فلما سمن افسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله فهكذا تخرجون من بلادنا ثم استشاط غضبا واقسم بالشمس لأقتلنكم فقال المغيرة ستعلم ثم قال رستم للمغيرة قد امرت لكم بكسوة ولاميركم بالف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا فقال المغيرة ابعد ان اوهنا ملككم وضعفنا عزكم ولنامدة نحو بلادكم وناخذ الجزية منكم عن يد وانتم صاغرون وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم فلما قال ذلك استشاط غضبا ( 1 )
وقال ابن جرير حدثنى محمد بن عبدالله بن صفوان الثقفي ثنا امية بن خالد ثنا ابو عوانة عن حصيب بن عبدالرحمن قال قال ابو وائل جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس قال لا ادري لعلنا لا نزيد على سبعة الاف او ثمان الاف بين ذلك والمشركون ثلاثون الفا ونحوذلك فقالوا لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح ما جاء بكم ارجعوا قال قلنا ما نحن براجعين فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون دوك دوك وشبهونا بالمغازل فلما ابينا عليهم ان نرجع قالوا ابعثوا الينا رجلا من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم فقال المغيرة بن شعبة انا فعبر اليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا فقال ان هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم فقال رستم صدق ما جاء بكم فقال انا كنا قوما في شر وضلالة فبعث الله الينا نبيا فهدانا الله به ورزقنا على يديه فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد فلما اكلناها واطعمناها اهلينا قالوا لا صبر لنا عنها انزلونا هذه الارض حتى ناكل من هذه الحبة فقال رستم اذا نقتلكم قال ان قتلتمونا دخلنا الجنة وان

(7/40)