صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ البداية والنهاية - ابن كثير ]
الكتاب : البداية والنهاية
المؤلف : إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء
الناشر : مكتبة المعارف - بيروت
عدد الأجزاء : 14

على حوض الرسول على اطماء والله ناهلة عليها ما رأيتها قط فلعمر إلهك لا يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والاذى وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا قال قلت يا رسول الله فبم نبصر قال مثل بصرك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الارض وواجهته الجبال قال قلت يا رسول الله فبم نجزى من سيآتنا وحسناتنا قال الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو قال قلت يا رسول الله اما الجنة واما النار قال لعمر الهك إن للنار سبعة أبواب ما منهم ( بابان ) الا يسير الراكب بينهما سبعين عاما ( وان للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان الا يسير الراكب بينهما سبعين عاما ) قلت يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة قال على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة قلت يا رسول الله ولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات قال الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد قال لقيط قلت أقصى ما نحن بالغون ومنتهون اليه ( فلم يجبه النبي صلى الله عليه و سلم ) قلت يا رسول الله علام أبايعك فبسط ( النبي ) يده وقال على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال الشرك وأن لا تشرك بالله إلها غيره قال قلت وإن لنا ما بين المشرق والمغرب فقبض النبي صلى الله عليه و سلم يده وبسط أصابعه وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه قال قلت تحل منها حيث شئنا ولا يجني منها امرؤ إلا على نفسه فبسط يده وقال ذلك لك تحل حيث شئت ولا تجني عليك إلا نفسك قال فانصرفنا عنه ثم قال إن هذين من أتقى الناس ( لعمر إلهك ) ( في ) الأولى والآخرة فقال له كعب بن الحدارية أحد بني كلاب منهم يا رسول الله بنو المنتفق أهل ذلك منهم قال فانصرفنا وأقبلت عليه وذكر تمام الحديث إلى أن قال فقلت يا رسول الله هل لأحد ممن مضى خير في جاهليته قال فقال رجل من عرض قريش والله إن أباك المنتفق لفي النار قال فلكأنه وقع حر بين جلدتي وجهي ولحمي مما قال لأني على رؤس الناس فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله ثم اذا الاخرى أجمل فقلت يا رسول الله وأهلك لعمر الله ما أتيت ( عليه ) من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل أرسلني اليك محمد فابشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار قال قلت يا رسول الله ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون قال ذلك بان الله يبعث في آخر كل سبع أمم يعني نبيا فمن عصى نبيه كان من الضالين ومن أطاع نبيه كان من المهتدين هذا حديث غريب جدا والفاظه في بعضها نكارة وقد

(5/82)


أخرجه البيهقي في كتاب البعث والنشور وعبد الحق الاشبيلي في العاقبة والقرطبي في كتاب التذكرة في أحوال الآخرة وسيأتي في كتاب البعث والنشور إن شاء الله تعالى
وفاة زياد بن الحارث رضي الله عنه
قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو أحمد الاسداباذي بها أنبأنا أبو بكر بن مالك القطيعي حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم حدثني زياد بن نعيم الحضرمي سمعت زياد بن الحارث الصدائي يحدث قال أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فبايعته على الاسلام فاخبرت أنه قد بعث جيشا إلى قومي فقلت يا رسول الله أردد الجيش وأنا لك باسلام قومي وطاعتهم فقال لي اذهب فردهم فقلت يا رسول الله إن راحلتي قد كلت فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا فردهم قال الصدائي وكتبت اليهم كتابا فقدم وفدهم باسلامهم فقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك فقلت بل الله هداهم للاسلام فقال أفلا اومرك عليهم قلت بلى يا رسول الله قال فكتب لي كتابا أمرني فقلت يا رسول الله مر لي بشيء من صدقاتهم قال نعم فكتب لي كتابا آخر قال الصدائي وكان ذلك في بعض أسفاره فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم منزلا فاتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ويقولون أخذنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية فقال رسول الله أوفعل ذلك قالوا نعم فالتفت رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى اصحابه وأنا فيهم فقال لا خير في الامارة لرجل مؤمن قال الصدائي فدخل قوله في نفسي ثم أتاه آخر فقال يا رسول الله أعطني فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن فقال السائل أعطني من الصدقة فقال رسول الله إن [ الله لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فان كنت من تلك الاجزاء أعطيتك قال الصدائي فدخل ذلك في نفسي أني غني واني سألته من الصدقة قال ثم إن رسول الله اعتشى من أول الليل فلزمته وكنت قريبا فكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون منه ولم يبق معه أحد غيري فلما كان أوان صلاة الصبح أمرني فاذنت فجعلت أقول أقيم يا رسول الله فجعل ينظر ناحية المشرق إلى الفجر ويقول لا حتى اذا طلع الفجر نزل فتبرز ثم أنصرف إلي وهو متلاحق أصحابه فقال هل من ماء يا أخا صداء قلت لا إلا شيء قليل لا يكفيك فقال اجعله في إناء ثم ائتني به ففعلت فوضع كفه في الماء قال فرأيت بين أصبعين عينا تفور فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لولا أني استحي من ربي عز و جل لسقينا واستقينا ناد في أصحابي من له حاجة في الماء فناديت فيهم فاخذ من أراد منهم شيئا ثم قام رسول الله صلى الله عليه و سلم الى الصلاة فاراد بلال أن يقيم فقال له رسول الله إن أخا صداء أذن ومن

(5/83)


أذن فهو يقيم قال الصدائي فاقمت فلما قضى رسول الله الصلاة أتيته بالكتابين فقلت يا رسول الله أعفني من هذين فقال ما بدا لك فقلت سمعتك يا رسول الله تقول لا خير في الامارة لرجل مؤمن وأنا أومن بالله وبرسوله وسمعتك تقول للسائل من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع في الرأس وداء في البطن وسألتك وأنا غني فقال هو ذاك فان شئت فاقبل وإن شئت فدع فقلت أدع فقال لي رسول الله فدلني على رجل أؤمره عليكم فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمره عليهم ثم قلنا يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها واذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا فقد أسلمنا وكل من حولنا عدو فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق فدعا سبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن ثم قال اذهبوا بهذه الحصيات فاذا أتيتم البئر فالقوا واحدة واحدة واذكروا الله قال الصدائي ففعلنا ما قال لنا فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها يعني البئر وهذا الحديث له شواهد في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وقد ذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان بعث بعد عمرة الجعرانة قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة الى بلاد صداء فيوطئها فبعثوا رجلا منهم فقال جئتك لترد عن قومي الجيش وأنا لك بهم ثم قدم وفدهم خمسة عشر رجلا ثم رأى منهم حجة الوداع مائة رجل ثم روى الواقدي عن الثوري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي قصته في الأذان
وفادة الحارث بن حسان البكري الى رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال الامام احمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي حدثنا عاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث البكري قال خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فمررت بالربذة فاذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي اليه قال فحملتها فاتيت المدينة فاذا المسجد غاص باهله وإذا راية سوداء تخفق وبلا متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت ما شأن الناس قالوا يريد أن يبعث عمرو ابن العاص وجها قال فجلست فدخل منزله أو قال رحله فاستأذنت عليه فاذن لي فدخلت فسلمت فقال هل كان بينكم وبين تميم شيء قلت نعم وكانت الدائرة عليهم ومررة بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها اليك وها هي بالباب فاذن لها فدخلت فقلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء فحميت العجوز واستوفزت وقالت يا رسول الله أين يضطر مضرك قال قلت إن مثلي ما قال الاول معزى حملت حتفها حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قالت هي وما وافد عاد وهي أعلم بالحديث منه

(5/84)


ولكن تستطعمه قلت إن عاد قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر فاقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال اللهم إنك تعلم لم أجيء الى مريض فاداويه ولا الى أسير فافاديه اللهم اسق عاداما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومأ الى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادا رمدا لا تبقي من عاد أحدا قال فلما بلغني أنه أرسل عليهم الريح الا بقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا قال أبو وائل وصدق وكانت المرأة أو الرجل اذا بعثوا وافدا لهم قالوا لا يكن كوافد عاد وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي المنذر سلام بن سليمان به ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن ابي شيبة عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن ابي النجود عن الحارث البكري ولم يذكر أبا وائل وهكذا رواه الامام احمد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث والصواب عن عاصم عن أبي وائل عن الحارث كما تقدم
وفادة عبد الرحمن بن أبي عقيل مع قومه
قال أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله اسحاق بن محمد بن يوسف السوسي أنبأنا أبو جعفر محمد ابن محمد بن عبد الله البغدادي أنبانا علي بن الجعد [ ثنا ] عبد العزيز ثنا احمد بن يونس ثنا زهير ثنا أبو خالد يزيد الاسدي ثنا عون بن ابي جحيفة عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي عن عبد الرحمن ابن أبي عقيل قال انطلقت في وفد الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فاتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس رجل أبغض الينا من رجل نلج عليه فلما دخلنا وخرجنا فما في الناس رجل أحب الينا من رجل دخلنا عليه قال فقال قائل منا يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان قال فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال فلعل صاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان إن الله عز و جل لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فاهلكوا وان الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لامتي يوم القيامة
قدوم طارق بن عبد الله واصحابه
روى الحافظ البيهقي من طريق أبي خباب الكلبي عن جامع بن شداد المحاربي حدثني رجل من قومي يقال له طارق بن عبد الله قال إني لقائم بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل عليه جبة وهو يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل يتبعه يرميه بالحجارة وهو يقول يا أيها الناس إنه كذاب فقلت من هذا فقالوا هذا غلام من بني هاشم يزعم أنه رسول الله قال قلت من هذا الذي يفعل به هذا قالوا هذا عمه عبد العزى قال فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الربذة

(5/85)


نريد المدينة نمتار من تمرها فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلت لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه إذا رجل في طمرين فسلم علينا وقال من أين أقبل القوم قلنا من الربذة قال وأين تريدون قلنا نريد هذه المدينة قال ما حاجتكم منها قلنا نمتار من تمرها قال ومعنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم فقال اتبيعوني جملكم هذا قلنا نعم بكذا وكذا صاعا من تمر قال فما استوضعنا مما قلنا شيئا وأخذ بخطام الجمل وانطلق فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا ما صنعنا والله ما بعنا جملنا ممن يعرف ولا أخذنا له ثمنا قال تقول المرأة التي معنا والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر أنا ضامنة لثمن جملكم إذ أقبل الرجل فقال [ أنا ] رسول الله اليكم هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا فاكلنا وشبعنا واكتلنا واستوفينا ثم دخلنا المدينة فدخلنا المسجد فاذا هو قائم على المنبر يخطب الناس فادركنا من خطبته وهو يقول تصدقوا فإن الصدقة خير لكم اليد العليا خير من اليد السفلى أمك واباك وأختك وأخاك أدناك وأدناك إذ أقبل رجل من بني يربوع أو قال رجل من الانصار فقال يا رسول الله لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية فقال إن أبا لا يجني على ولد ثلاث مرات وقد روى النسائي فضل الصدقة منه عن يوسف بن عيسى عن الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد بن ابي الجعد عن جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي ببعضه ورواه الحافظ البيهقي أيضا عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن يزيد ابن زياد عن جامع بن طارق بطوله كما تقدم وقال فيه فقالت الظعينة لا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه
قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان
قال ابن اسحاق وبعث فروة بن عمرو النافرة الجذامي ثم النفاثي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم رسولا باسلامه واهدى له بغلة بيضاء وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام فلما بلغ الروم ذلك من اسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم فقال في محبسه ذلك ... طرقت سليمى موهنا أصحابي ... والروم بين الباب والقروان ... صد الخيال وساءه ما قد رأى ... وهممت أن أغفى وقد أبكاني

(5/86)


لا تكحلن العين بعدي إثمدا ... سلمى ولا تدين للإتيان ... ولقد علمت أبا كبيشة أنني ... وسط الأعزة لا يحص لساني ... فلئن هلكت لتفقدن أخاكم ... ولئن بقيت ليعرفن مكاني ... ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى ... من جودة وشجاعة وبيان ...
قال فلما اجمعت الروم على صلبه على ماء لهم يقال له عفرى بفلسطين قال ... ألا هل أتى سلمى بأن حليلها ... على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل ... على ناقة لم يضرب الفحل أمها ... يشد به أطرافها بالمناجل ...
قال وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال ... بلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي ومقامي ...
قال ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء رحمه الله ورضي عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه
قدوم تميم الداري على رسول الله صلى الله عليه و سلم في خروج النبي صلى الله عليه و سلم وايمان من آمن به
أخبرنا أبو عبد الله سهل بن محمد بن نصرويه المروزي بنيسابور أنبانا أبو بكر محمد بن احمد ابن الحسن القاضي أنبأنا أبو سهل احمد بن محمد بن زياد القطان حدثنا يحيى بن جعفر بن الزبير أنبأنا وهب بن جرير حدثنا أبي سمعت غيلان بن جرير يحدث عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت قدم علي رسول الله صلى الله عليه و سلم تميم الداري فاخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه ركب البحر فتاهت به سفينته فسقطوا إلى جزيرة فخرجوا اليها يلتمسون الماء فلقي انسانا يجر شعره فقال له من أنت قال أنا الجساسة قالوا فاخبرنا قال لا أخبركم ولكن عليكم بهذه الجزيرة فدخلناها فاذا رجل مقيد فقال من أنتم قلنا ناس من العرب قال ما فعل هذا النبي الذي خرج فيكم قلنا قد آمن به الناس واتبعوه وصدقوه قال ذلك خير لهم قال أفلا تخبروني عن عين زعر ما فعلت فاخبرناه عنها فوثب وثبة كاد أن يخرج من وراء الجدار ثم قال ما فعل نخل بيسان هل اطعم بعد فأخبرناه أنه قد أطعم فوثب مثلها ثم قال أما لوقد أذن لي في الخروج لوطئت البلاد كلها غير طيبة قالت فاخرجه رسول الله صلى الله عليه و سلم فحدث الناس فقال هذه طيبة وذاك الدجال وقد روى هذا الحديث الامام احمد ومسلم وأهل السنن من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي عن فاطمة بنت قيس وقد أورد له الامام احمد شاهدا من رواية أبي هريرة وعائشة أم المؤمنين وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه في كتاب الفتن وذكر الواقدي وفد الدارس من لخم وكانوا عشرة

(5/87)


وفد بني أسد
وهكذا ذكر الواقدي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم في أول سنة تسع وفد بني أسد وكانوا عشرة منهم ضرار بن الازور ووابصة بن معبد وطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد ذلك ثم أسلم وحسن اسلامه ونفادة بن عبد الله بن خلف فقال له رئيسهم حضرمي بن عامر يا رسول الله أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء ولم تبعث الينا بعثا فنزل فيهم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي اسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للاسلام إن كنتم صادقين وكان فيهم قبيلة يقال لهم بنو الريتة فغير اسمهم فقال أنتم بنو الرشدة وقد استهدى رسول الله صلى الله عليه و سلم من نفادة بن عبد الله بن خلف ناقة تكون جيدة للركوب وللحلب من غير أن يكون لها ولد معها فطلبها فلم يجدها الا عند ابن عم له فجاءبها فامره رسول الله صلى الله عليه و سلم بحلبها فشرب منها وسقاه سؤره ثم قال اللهم بارك فيها وفيمن منحها فقال يا رسول الله وفيمن جاء بها فقال وفيمن جاء بها
وفد بني عبس
ذكر الواقدي أنهم كانوا تسعة نفر وسماهم الواقدي فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم انا عاشركم وأمر طلحة بن عبيد الله فعقد لهم لواء وجعل شعارهم يا عشرة وذكر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سألهم عن خالد بن سنان العبسي الذي قدمنا ترجمته في أيام الجاهلية فذكروا أنه لا عقب له وذكر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثهم يرصدون عيرا لقريش قدمت من الشام وهذا يقتضي تقدم وفادتهم على الفتح والله أعلم
وفد بني فزارة
قال الواقدي حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي عن أبي وجزة السعدي قال لما رجع رسول الله من تبوك وكان سنة تسعة قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن والحارث بن قيس بن حصن وهو اصغرهم على ركاب عجاف فجاؤا مقرين بالاسلام وسألهم رسول الله عن بلادهم فقال أحدهم يا رسول الله أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جناتنا وغرث عيالنا فادع الله لنا فصعد رسول الله المنبر ودعا فقال اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك واحي بلدك الميت اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الاعداء قال فمطرت فما رأوا السماء سبتا فصعد رسول الله المنبر فدعا فقال اللهم حوالينا

(5/88)


ولا علينا على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب
وفد بني مرة
قال الواقدي إنهم قدموا سنة تسع عند مرجعه من تبوك وكانوا ثلاثة عشر رجلا منهم الحارث ابن عوف فاجازهم عليه السلام بعشر أواق من فضة وأعطى الحارث بن عوف ثنتي عشر أوقية وذكروا بأن بلادهم مجدبة فدعا لهم فقال اللهم اسقهم الغيث فلما رجعوا إلى بلادهم وجدوها قد مطرت ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم
وفد بني ثعلبة
قال الواقدي حدثني موسى بن محمد بن ابراهيم عن رجل من بني ثعلبة عن أبيه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم من الجعرانة سنة ثمان قدمنا عليه أربعة نفر فقلنا نحن رسل من خلفنا من قومنا وهم يقرون بالاسلام فأمر لنا بضيافة وأقمنا اياما ثم جئناه لنودعه فقال لبلال أجزهم كما تجيز للوافد فجاء ببقر من فضة فاعطى كل رجل منا خمس اواق وقال ليس عندنا دراهم وانصرفنا إلى بلادنا
وفد بني محارب
قال الواقدي حدثني محمد بن صالح عن أبي وجزة السعدي قال قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع وهم عشرة نفر فيهم سواء بن الحارث وابنه خزيمة بن سواء فانزلوا دار رملة بنت الحارث وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء فاسلموا وقالوا نحن على من وراءنا ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظ ولا أغلظ على رسول الله منهم وكان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال الحمد لله الذي أبقاني حتى صدقت بك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن هذه القلوب بيد الله عز و جل ومسح رسول الله وجه خزيمة بن سواء فصارت غرة بيضاء واجازهم كما يجيز الوفد وانصرفوا إلى بلادهم
وفد بني كلاب
ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلا منهم لبيد بن ربيعة الشاعر وجبار بن سلمى وكان بينه وبين كعب بن مالك خلة فرحب به وأكرمه وأهدى اليه وجاؤا معه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلموا عليه بسلام الاسلام وذكروا له أن الضحاك بن سفيان الكلابي سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله التي أمره الله بها ودعاهم إلى الله فاستجابوا له وأخذ صدقاتهم من أغنيائهم فصرفها على فقرائهم

(5/89)


وفد بني رؤاس من كلاب
ثم ذكر الواقدي أن رجلا يقال له عمرو بن مالك بن قيس بن بجيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قدم على رسول الله رسول الله صلى الله عليه و سلم فاسلم ثم رجع الى قومه فدعاهم إلى الله فقالوا حتى نصيب من بني عقيل مثل ما أصابوا منا فذكر مقتلة كانت بينهم وأن عمرو بن مالك هذا قتل رجلا من بني عقيل قال فشددت يدي في غل وأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وبلغه ما صنعت فقال لئن أتاني لأضرب ما فوق الغل من يده فلما جئت سلمت فلم يرد علي السلام وأعرض فاتيته عن يمينه فأعرض عني فأتيته عن يساره فأعرض عني فأتيته من قبل وجهه فقلت يا رسول الله إن الرب عز و جل ليرتضي فيرضى فأرض عني رضي الله عنك قال قد رضيت
وفد بني عقيل بن كعب
ذكر الواقدي أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فاقطعهم العقيق عقيق بنى عقيل وهي أرض فيها نخيل وعيون وكتب بذلك كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرفا وأنسا أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وطاعوا ولم يعطهم حقا لمسلم فكان الكتاب في يد مطرف قال وقدم عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر ابن عقيل وهو أبو رزين فأعطاه ماء يقال له النظيم وبايعه على قومه وقد قدمنا قدومه وقصته وحديثه بطوله ولله الحمد والمنة
وفد بني قشير بن كعب
وذلك قبل حجة الوداع وقبل حنين فذكر فيهم قرة بن هبيرة بن [ عامر بن ] سلمة الخير ابن قشير فأسلم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه و سلم وكساه بردا وأمره أن يلي صدقات قومه فقال قرة حين رجع ... حباها رسول الله إذ نزلت به ... وأمكنها من نائل غير منفد ... فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة ... وقد أنجحت حاجاتها من محمد ... عليها فتى لا يردف الذم رحله ... يروى لأمر العاجز المتردد ... وفد بني البكاء
ذكر أنهم قدموا سنة تسع وأنهم كانوا ثلاثين رجلا فيهم معاوية بن ثور بن [ معاوية

(5/90)


ابن ] عبادة بن البكاء وهو يومئذ ابن مائة سنة ومعه ابن له يقال له بشر فقال يا رسول الله إني أتبرك بمسك وقد كبرت وابني هذا بر بي فأمسح وجهه فمسح رسول الله صلى الله عليه و سلم وجهه وأعطاه أعنزا عفرا وبرك عليهن فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة وقال محمد بن بشر بن معاوية في ذلك ... وأبي الذي مسح الرسول برأسه ... ودعا له بالخير والبركات ... أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا ... عفرا نواحل لسن باللحيات ... يملأن وفد الحي كل عشية ... ويعود ذاك الملئ بالغدوات ... بوركن من منح وبورك مانحا ... وعليه مني ما حييت صلاتي ... وفد كنانة
روى الواقدي باسانيده أن واثلة بن الاسقع الليثي قدم على رسول الله ص 4
وهو يتجهز إلى تبوك فصلى معه الصبح ثم رجع إلى قومه فدعاهم وأخبرهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أبوه والله لا أحملك ابدا وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته حتى سار مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى تبوك وهو راكب على بعير لكعب بن عجرة وبعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم مع خالد إلى اكيدر دومة فلما رجعوا عرض واثلة على كعب بن عجرة ما كان شارطه عليه من سهم الغنيمة فقال له كعب إنما حملتك لله عز و جل
وفد أشجع
ذكر الواقدي أنهم قدموا عام الخندق وهم مائة رجل ورئيسهم مسعود بن رخيلة فنزلوا شعب سلع فخرج اليهم رسول الله وأمر لهم باحمال التمر ويقال بل قدموا بعد ما فرغ من بني قريظة وكانوا سبع مائة رجل فوادعهم ورجعوا ثم أسلموا بعد ذلك
وفد باهلة
قدم رئيسهم مطرف بن الكاهن بعد الفتح فأسلم وأخذ لقومه امانا وكتب له كتابا فيه الفرائض وشرائع الاسلام كتبه عثمان بن عفان رضي الله عنه

(5/91)


وفد بني سليم
قال وقدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم رجل من بني سليم يقال له قيس بن نشبة فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه ووعى ذلك كله ودعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الاسلام فأسلم ورجع إلى قومه بني سليم فقال سمعت ترجمة الروم وهيمنة فارس وأشعار العرب وكهانة الكهان وكلام مقاول حمير فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم فلقوا رسول الله صلى الله عليه و سلم بقديد وهم سبع مائة ويقال كانوا ألفا وفيهم العباس بن مرداس وجماعة من أعيانهم فأسلموا وقالوا اجعلنا في مقدمتك واجعل لواءنا احمر وشعارنا مقدما ففعل ذلك بهم فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينا وقد كان راشد بن عبد ربه السلمي يعبد صنما فرآه يوما وثعلبان يبولان عليه فقال ... أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد زل من بالت عليه الثعالب ...
ثم شد عليه فكسره ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأسلم وقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ما اسمك قال غاوي بن عبد العزى فقال بل أنت راشد بن عبد ربه واقطعه موضعا يقال له رهاط فيه عين تجري يقال لها عين الرسول وقال هو خير بني سليم وعقد له على قومه وشهد الفتح وما بعدها
وفد بني هلال بن عامر
وذكر في وفدهم عبد عوف بن اصرم فاسلم وسماه رسول الله صلى الله عليه و سلم عبد الله وقبيصة بن مخارق الذي له حديث في الصدقات وذكر في وفد بني هلال زياد بن عبد الله بن مالك بن نجير بن الهدم ابن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر فلما دخل المدينة يمم منزل خالته ميمونة بنت الحارث فدخل عليها فلما دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم منزله رآه فغضب ورجع فقالت يا رسول الله انه ابن أختى فدخل ثم خرج إلى المسجد ومعه زياد فصلى الظهر ثم أدنا زيادا فدعا له ووضع يده على رأسه ثم حدرها على طرف أنفه فكانت بنو هلال تقول ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد وقال الشاعر لعلي بن زياد ... إن الذي مسح الرسول برأسه ... ودعا له بالخير عند المسجد ... أعني زيادا لا اريد سواءه ... من عابر أو منهم أو منجد ... ما زال ذاك النور في عرنينه ... حتى تبوأ بيته في ملحد

(5/92)


وفد بني بكر بن وائل
ذكر الواقدي أنهم لما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قس بن ساعدة فقال ليس ذاك منكم ذاك رجل من إياد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظ والناس مجتمعون فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه قال وكان في الوفد بشير بن الخصاصية وعبد الله بن مرثد وحسان بن خوط فقال رجل من ولد حسان ... أنا وحسان بن خوط وأبي ... رسول بكر كلها إلى النبي ... وفد بني تغلب
ذكر أنهم كانوا ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب فنزلوا دار رملة بنت الحارث فصالح رسول الله صلى الله عليه و سلم النصارى على أن لا يضيعوا أولادهم في النصرانية وأجار المسلمين منهم
وغادات أهل اليمن وفد نجيب
ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلا فاجازهم أكثر ما أجاز غيرهم وأن غلاما منهم قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ما حاجتك فقال يا رسول الله أدع الله يغفر لي ويرحمني ويجعل غنائي في قلبي فقال اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه فكان بعد ذلك من أزهد الناس
وفد خولان
ذكر أنهم كانوا عشرة وأنهم قدموا في شعبان سنة عشر وسألهم رسول الله صلى الله عليه و سلم عن صنمهم الذي كان يقال له عم أنس فقالوا أبدلناه خيرا منه ولو قد رجعنا لهدمناه وتعلموا القرآن والسنن فلما رجعوا هدموا الصنم وأحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله
وفد جعفي
ذكر أنهم كانوا يحرمون أكل القلب فلما أسلم وفدهم أمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بأكل القلب وأمر به فشوي وناوله رئيسهم وقال لا يتم إيمانكم حتى تأكلوه فاخذه ويده ترعد فأكله وقال ... على أني أكلت القلب كرها ... وترعد حين مسته بناني

(5/93)


* بسم الله الرحمن الرحيم * فصل في قدوم الأزد على رسول الله صلى الله عليه و سلم
ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة والحافظ أبو موسى المديني من حديث احمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سليمان الداراني قال حدثني علقمة بن مرثد بن سويد الأزدي قال حدثني أبي عن جدي عن سويد بن الحارث قال وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما دخلنا عليه وكلمناه فاعجبه ما رأى من سمتنا وزينا فقال ما أنتم قلنا مؤمنون فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم قلنا خمس عشرة خصلة خمس منها أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها وخمس أمرتنا أن نعمل بها وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما الخمسة التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها قلنا أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت قال وما الخمسة التي أمرتكم أن تعملوا بها قلنا أمرتنا أن نقول لا إله إلا الله ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت من استطاع اليه سبيلا فقال وما الخمسة الذي تخلقتم بها في الجاهلية قالوا الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء والرضى بمر القضاء والصدق في مواطن اللقاء وترك الشماتة بالاعداء فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ثم قال وأنا أريدكم خمسا فيتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا مالا تسكنون ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا تزولون واتقوا الله الذي اليه ترجعون وعليه تعرضون وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون فانصرف القوم من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم وحفظوا وصيته وعملوا بها
ثم ذكر وفد كندة
وأنهم كانوا بضعة عشر راكبا عليهم الاشعث بن قيس وأنه أجازهم بعشر أواق وأجاز الاشعث ثنتي عشرة أوقية وقد تقدم
وفد الصدف
قدموا في بضعة عشر راكبا فصادفوا رسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب على المنبر فجلسوا ولم يسلموا فقال أمسلمون أنتم قالوا نعم قال فهلا سلمتم فقاموا قياما فقالوا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فقال وعليكم السلام أجلسوا فجلسوا وسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أوقات الصلوات

(5/94)


وفد خشين
قال وقدم أبو ثعلبة الخشني ورسول الله يجهز إلى خيبر فشهد معه خيبر ثم قدم بعد ذلك بضعة عشر رجلا منهم فأسلموا
وفد بني سعد
ثم ذكر وفد بني سعد هذيم وبلى وبهراء وبني عذرة وسلامان وجهينة وبني كلب والجرميين وقد تقدم حديث عمرو بن سلمة الجرمي في صحيح البخاري
وذكر وفد الأزد وغسان والحارث بن كعب وهمدان وسعد العشيرة وقيس ووفد الداريين والزهاويين وبني عامر والمسجع وبجيلة وخثعم وحضرموت وذكر فيهم وائل بن حجر وذكر فيهم الملوك الاربعة حميدا ومخوسا ومشرجا وأبضعه وقد ورد في مسند احمد نعتهم مع أخيهم الغمر تكلم الواقدي كلاما فيه طول
وذكر وفد أزدعمان وغافق وبارق ودوس وثمالة والحدار وأسلم وجذام ومهرة وحمير ونجران وحيسان وبسط الكلام على هذه القبائل بطول جدا وقد قدمنا بعض ما يتعلق بذلك وفيما أوردناه كفاية والله أعلم ثم قال الواقدي
وفد السباع
حدثني شعيب بن عبادة عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنظب قال بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا وافد السباع اليكم فان أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره وإن أحببتم تركتموه وتحذرتم منه فما أخذ فهو رزقه قالوا يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشيء فاومأ اليه النبي صلى الله عليه و سلم باصابعه الثلاث أي خالسهم فولى وله عسلان وهذا مرسل من هذا الوجه ويشبه هذا الذئب الذئب الذي ذكر في الحديث الذي رواه الامام احمد حدثنا يزيد بن هارون أنبانا القاسم بن الفضل الحراني عن أبي نضرة عن ابي سعيد الخدري قال عدا الذئب على شاة فاخذها فطلبها الراعي فانتزعها منه فاقعى الذئب على ذنبه فقال ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقة الله إلي فقال يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الانس فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزاواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فاخبره فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فنودي الصلاة جامعة ثم خرج فقال للاعرابي أخبرهم فاخبرهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم صدق والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الانس وتكلم

(5/95)


الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده وقد رواه الترمذي عن سفيان ابن وكيع بن الجراح عن أبيه عن القاسم بن الفضل به وقال حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل به وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى وابن مهدي
قلت وقد رواه الامام احمد أيضا حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب هو ابن أبي حمزة حدثني عبد الله بن ابي الحسين حدثني مهران أنبأنا أبو سعيد الخدري حدثه فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق ثم رواه احمد حدثنا أبو النضر ثنا عبد الحميد بن بهرام ثنا شهر قال وحدث أبو سعيد فذكره وهذا السياق أشبه والله أعلم وهو اسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه فصل
وقد تقدم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة وقد تقصينا الكلام في ذلك عند قوله تعالى في سورة الاحقاق وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فذكرنا ما ورد من الاحاديث في ذلك والآثار وأوردنا حديث سواد بن قارب الذي كان كاهنا فأسلم وما رواه عن رئيه الذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم حين قال له ... عجبت للجن وانجاسها ... وشدها العيس بأحلاسها ... تهوى إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن كأرجاسها ... فانهض إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى راسها ...
ثم قوله ... عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس باقتابها ... تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ليس قدامها كأذنابها ... فانهض إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى بابها ...
ثم قوله ... عجبت للجن وتخبارها ... وشدها العيس بأكوارها ... تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ليس ذو الشر كأخيارها ... فانهض إلى الصفوة من هاشم ... ما مؤمنوا الجن ككفارها ...
وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة وقد قررنا ذلك هنالك بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة وبه التوفيق
وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقي ها هنا حديثا غريبا جدا بل منكرا أو موضوعا ولكن مخرجه

(5/96)


عزيز أحببنا أن نورده كما أورده والعجب منه فانه قال في دلائل النبوة باب قدوم هامة بن الهيثم بن لاقيس بن ابليس على النبي صلى الله عليه و سلم واسلامه أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي رحمه الله أنبأنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل القاري المروزي ثنا عبد الله بن حماد الآملي ثنا محمد بن أبي معشر أخبرني أبي عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر رضي الله عنه بينا نحن قعود مع النبي صلى الله عليه و سلم على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ بيده عصا فسلم على النبي صلى الله عليه و سلم فرد ثم قال نغمة جن وغمغمتهم من أنت قال أنا هامة بن الهيثم بن لاقيس بن ابليس فقال النبي صلى الله عليه و سلم فما بينك وبين ابليس الاأ بوان فكم أتى لك من الدهر قال قد افنيت الدنيا عمرها إلا قليلا ليال قتل قابيل وهابيل كنت غلاما ابن أعوام أفهم الكلام وآمر بالآكام وآمر بافساد الطعام وقطيعة الأرحام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم بئس عمل الشيخ المتوسم والشاب المتلوم قال ذرني من الترداد إني تائب الى الله عز و جل إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكاني وقال لا جرم إني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قال قلت يا نوح إني كنت ممن اشترك في دم السعيد الشهيد هابيل بن آدم فهل تجد لي عندك توبة قال يا همام هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة إني قرأت فيما أنزل الله علي أنه ليس من عبد تاب الى الله بالغ أمره ما بلغ الا تاب الله عليه قم فتوضأ وأسجد لله سجدتين قال ففعلت من ساعتي ما أمرني به فناداني أرفع رأسك فقد نزلت توبتك من السماء فخررت لله ساجدا قال وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وابكاني وقال أنا على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قال وكنت مع صالح في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاقبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكانى وقال أنا على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين وكنت أزور يعقوب وكنت مع يوسف في المكان الامين وكنت القى الياس في الاودية وأنا القاه الآن وإني لقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة وقال إن لقيت عيسى بن مريم فاقره مني السلام وإني لقيت عيسى بن مريم فأقرأته عن موسى السلام وإن عيسى قال إن لقيت محمدا صلى الله عليه و سلم فأقره مني السلام فارسل رسول الله صلى الله عليه و سلم عينيه فبكى ثم قال وعلى عيسى السلام ما دامت الدنيا وعليك السلام يا هام بادائك الأمانة قال يا رسول الله افعل بي ما فعل بي موسى إنه علمني من التوراة قال فعلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا وقعت الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت والمعوذتين وقل هو الله أحد وقال ارفع الينا حاجتك يا هامة ولا تدع زيارتنا قال عمر فقبض رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يعد الينا فلا ندري الآن أحي هو أم ميت ثم قال البيهقي ابن أبي معشر هذا قد روى عنه

(5/97)


الكبار إلا أن أهل العلم بالحديث يضعفونه وقد روى هذا الحديث من وجه آخر هو اقوى منه والله أعلم
سنة عشر من الهجرة
باب بعث رسول الله خالد بن الوليد
قال ابن اسحاق ثم بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الاولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الاسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الاسلام ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا فاسلم الناس ودخلوا فيما دعوا اليه فاقام فيهم خالد يعلمهم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم كما أمره رسول الله إن هم أسلموا ولم يقاتلوا ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله من خالد بن الوليد السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فاني أحمد اليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة ايام وأن أدعوهم إلى الإسلام فان أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه وإن لم يسلموا قاتلتهم وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الاسلام ثلاثة ايام كما أمرني رسول الله وبعثت فيهم ركبانا يا بني الحارث أسلموا تسلموا فاسلموا ولم يقاتلوا وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه وأعلمهم معالم الاسلام وسنة النبي صلى الله عليه و سلم حتى يكتب إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فكتب اليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد سلام عليك فاني احمد اليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فان كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم وأجابوا إلى ما دعوتهم اليه من الاسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن قد هداهم الله بهداه فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته فاقبل خالد إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب منهم قيس بن الحصين ذو الغصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد بن المحجل وعبد الله بن قراد الزيادي وشداد بن عبيد الله القناني وعمرو بن عبد الله الضبابي فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم ورآهم قال من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند قيل يا رسول الله هؤلاء بنو

(5/98)


الحارث بن كعب فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم سلموا عليه وقالوا نشهد أنك رسول الله وأنه لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ثم قال أنتم الذين إذا زجروا استقدموا فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية ثم الثالثة فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الرابعة قال يزيد بن عبد المدان نعم يا رسول الله نحن الذين إذا زجروا استقدموا قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لو ان خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤسكم تحت أقدامكم فقال يزيد بن عبد المدان أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا قال فمن حمدتم قالوا حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم صدقتم ثم قال بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية قالوا لم نك نغلب أحدا قال بلى قدكنتم تغلبون من قاتلكم قالوا كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله إنا كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم قال صدقتم ثم امر عليهم قيس بن الحصين
مثال ابن اسحاق ثم رجعوا إلى قومهم في بقية شوال أو في صدر ذي القعدة قال ثم بعث اليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم صدقاتهم وكتب له كتابا عهد اليه فيه عهده وأمره أمره ثم أورده ابن اسحاق وقد قدمناه في وفد ملوك حمير من طريق البيهقي وقد رواه النسائي نظير ما ساقه محمد بن اسحاق بغير اسناد
بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم الأمراء الى أهل اليمن
قال البخاري باب بعث أبي موسى ومعاذ الى اليمن قبل حجة الوداع حدثنا موسى ثنا أبو عوانة ثنا عبد الملك عن أبي بردة قال بعث النبي صلى الله عليه و سلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال وبعث كل واحد منهما على مخلاف قال واليمن مخلافان ثم قال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وفي رواية وتطاوعا ولا تختلفا وانطلق كل واحد منهما الى عمله قال وكان كل واحد منهما اذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا [ فسلم عليه ] فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى اليه فاذا هو جالس وقد اجتمع الناس اليه واذا رجل عنده قد جمعت يداه الى عنقه فقال له معاذ يا عبد الله بن قيس أيم هذا قال هذا رجل كفر بعد اسلامه قال لا أنزل حتى يقتل قال انما جيء به لذلك فانزل قال ما أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل ثم نزل فقال يا عبد الله كيف تقرأ القرآن قال اتفوقه تفوقا قال فكيف تقرأ أنت يا معاذ قال

(5/99)


أنام أول الليل فاقوم وقد قضيت جزئي من النوم فاقرأ ما كتب الله لي فاحتسب نومتي كما احتسب قومتي انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه ثم قال البخاري ثنا اسحاق ثنا خالد عن الشيباني عن سعيد بن ابي بردة عن أبيه عن أبي موسى الاشعري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثه الى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال ما هي قال البتع والمزر فقلت لابي بردة ما التبع قال نبيذ العسل والمزر نبيذ الشعير فقال كل مسكر حرام رواه جرير وعبد الواحد عن الشيباني عن ابي بردة ورواه مسلم من حديث سعيد بن ابي بردة
وقال البخاري حدثنا حبان أنبأنا عبد الله عن زكريا بن أبي اسحاق عن يحيى بن عبد الله ابن صيفي عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لمعاذ بن جبل حين بعثه الى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فاذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فاخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فاياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب وقد اخرجه بقية الجماعة من طرق متعددة وقال الامام احمد ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان حدثني راشد بن سعد عن عاصم بن حميد الكسوني عن معاذ بن جبل قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم الى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه و سلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم التفت بوجهه نحو المدينة فقال إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا ثم رواه عن أبي اليمان عن صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكوني أن معاذ لما بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم الى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لا تبك يا معاذ للبكاء أوان البكاء من الشيطان وقال الامام احمد حدثنا أبو المغيرة ثنا صفوان حدثني أبو زياد يحيى بن عبيد الغساني عن يزيد بن قطيب عن معاذ أنه كان يقول بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى اليمن فقال لعلك أن تمر بقبري ومسجدي فقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين فقاتل بمن أعطاك منهم من عصاك ثم يفيئون الى الاسلام حتى تبادر المرأة زوجها والولد والده والأخ اخاه فانزل بين الحبين السكون والسكاسك 2
وهذا الحديث فيه إشارة وظهور وايماء إلى أن معاذا رضي الله عنه لا يجتمع بالنبي صلى الله عليه و سلم بعد

(5/100)


ذلك وكذلك وقع فانه أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع ثم كانت وفاته عليه السلام بعد أحد وثمانين يوما من يوم الحج الاكبر فاما الحديث الذي قال الامام احمد حدثنا وكيع عن الاعمش عن أبي ظبيان عن معاذ أنه لما رجع من اليمن قال يا رسول الله رأيت رجالا باليمن يسجد بعضهم لبعض أفلا نسجد لك قال لو كنت آمر بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها وقد رواه احمد عن ابن نمير عن الاعمش سمعت أبا ظبيان يحدث عن رجل من الانصار عن معاذ ابن جبل قال أقبل معاذ من اليمن فقال يا رسول الله إني رأيت رجالا فذكر معناه فقد دار على رجل منهم ومثله لا يحتج به لا سيما وقد خالفه غيره ممن يعتد به فقالوا لما قدم معاذ من الشام كذلك رواه احمد ثنا ابراهيم بن مهدي ثنا اسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن ابي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله وقال احمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن حبيب بن ابي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يا معاذ اتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن قال وكيع وجدته في كتابي عن أبي ذر وهو السماع الاول وقال سفيان بن مرة عن معاذ ثم قال الامام احمد حدثنا اسماعيل عن ليث عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ أنه قال يا رسول الله أوصني فقال اتق الله حيثما كنت قال زدني قال اتبع السيئة الحسنة تمحها قال زدني قال خالق الناس بخلق حسن وقد رواه الترمذي في جامعه عن محمود بن غيلان عن وكيع عن سفيان الثوري به وقال حسن قال شيخنا في الاطراف وتابعه فضيل بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن الاعمش عن حبيب به وقال احمد ثنا أبو اليمان ثنا اسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن معاذ بن جبل قال أوصاني رسول الله صلى الله عليه و سلم بعشر كلمات قال لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت ولا تعقن [ والديك ] وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا فإن من ترك من صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة وإياك والمعصية فإن بالمعصية يحل سخط الله وإياك والفرار من زحف وإن هلك الناس وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت وأنفق على عيالك من طولك ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأحبهم في الله عز و جل وقال الامام احمد ثنا يونس ثنا بقية عن السري بن ينعم عن شريح عن مسروق عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما بعثه الى اليمن قال إياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بالمتنعمين وقال احمد ثنا سليمان بن داود الهاشمي ثنا أبو بكر يعني ابن عياش ثنا عاصم عن أبي وائل عن معاذ قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم الى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أوعد له من المعافر وأمرني أن

(5/101)


آخذ من كل أربعين بقرة مسنة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا وأمرني فيما سقت السماء العشر وما سقي بالدوالي نصف العشر وقد رواه أبو داود من حديث أبي معاوية والنسائي من حديث محمد بن اسحاق عن الاعمش كذلك
وقد رواه أهل السنن الاربعة من طرق عن الاعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ وقال احمد ثنا معاوية عن عمرو وهارون بن معروف قالا ثنا عبد الله بن وهب عن حيوة عن يزيد ابن أبي حبيب عن سلمة بن اسامة عن يحيى بن الحكم أن معاذا قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم أصدق أهل اليمن فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا قال هارون والتبيع الجذع أو جذعة ومن كل أربعين مسنة فعرضوا علي أن آخذ ما بين الاربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فابيت ذلك وقلت لهم اسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقدمت فاخبرت النبي صلى الله عليه و سلم فامرني أن أخذ من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة ومن الستين تبيعين ومن السبعين مسنة وتبيعا ومن الثمانين مسنتين ومن التسعين ثلاثة أتباع ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا ومن العشرين ومائة ثلاث مسننات أو أربعة اتباع قال وأمرني رسول الله صلى الله عليه و سلم ان لا أخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن يبلغ مسنة أو جذع وزعم أن الاوقاص لا فريضة فيها وهذا من افراد احمد وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله صلى الله عليه و سلم والصحيح إنه لم ير النبي صلى الله عليه و سلم بعد ذلك كما تقدم في الحديث وقد قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي بن كعب بن مالك قال كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى كان عليه دين أغلق ماله فكلم رسول الله في أن يكلم غرماءه ففعل فلم يضعوا له شيئا فلو ترك لأحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فدعاه رسول الله فلم يبرح أن باع ماله وقسمه بين غرمائه قال فقام معاذ ولا مال له قال فلما حج رسول الله بعث معاذا إلى اليمن قال فكان أول من تجر في هذا المال معاذ قال فقدم على أبي بكر الصديق من اليمن وقد توفي رسول الله فجاء عمر فقال هل لك أن تعطيني فتدفع هذا المال إلى أبي بكر فإن أعطاكه فاقبله قال فقال معاذ لم أدفعه اليه وإنما بعثني رسول الله ليجبرني فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبي بكر فقال ارسل إلى هذا الرجل فخذ منه ودع له فقال أبو بكر ما كنت لافعل إنما بعثه رسول الله ليجبره فلست آخذا منه شيئا قال فلما أصبح معاذ انطلق الى عمر فقال ما أرى الا فاعل الذي قلت إني رايتني البارحة في النوم فيما يحسب عبد الرزاق قال أجر الى النار وأنت آخذ بحجرتي قال فانطلق الى ابي بكر بكل شيء جاء به حتى جاءه بسوطه وحلف له أنه لم يكتمه شيئا قال فقال أبو بكر رضي الله عنه هو لك لا آخذ منه شيئا وقد رواه أبو ثور عن معمر عن الزهري

(5/102)


عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك فذكره إلا أنه قال حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم على طائفة من اليمن أميرا فمكث حتى قبض رسول الله ثم قدم في خلافة أبي بكر وخرج الى الشام قال البيهقي وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم استخلفه بمكة مع عتاب بن أسيد ليعلم اهلها وأنه شهد غزوة تبوك فالاشبه أن بعثه إلى اليمن كان بعد ذلك والله أعلم ثم ذكر البيهقي لقصة منام معاذ شاهدا من طريق الاعمش عن أبي وائل عن عبد الله وأنه كان من جملة ما جاء به عبيد فاتى بهم أبا بكر فلما رد الجميع عليه رجع بهم ثم قام يصلي فقاموا كلهم يصلون معه فلما انصرف قال لمن صليتم قالوا لله قال فانتم عتقاء فاعتقهم وقال الامام احمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو بن اخي المغيرة بن شعبة عن ناس من أصحاب معاذ من اهل حمص عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين بعثه الى اليمن قال كيف تصنع إن عرض لك قضاء قال أقضي بما في كتاب الله قال فان لم يكن في كتاب الله قال فسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فان لم يكن في سنة رسول الله قال اجتهد وإني لا آلو قال فضرب رسول الله صدري ثم قال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله وقد رواه احمد عن وكيع عن عفان عن شعبة باسناده ولفظه وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث شعبة به وقال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس اسناده عندي بمتصل وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه إلا أنه من طريق محمد بن سعد بن حسان وهو المصلوب أحد الكذابين عن عياذ بن بشر عن عبد الرحمن عن معاذ بن نحوه وقد روى الامام احمد عن محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن ابي حكيم عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن معمر عن ابي الاسود الدئلي قال كان معاذ باليمن فارتفعوا اليه في يهودي مات وترك أخا مسلما فقال معاذ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن الاسلام يزيد ولا ينقص فورثه ورواه أبو داود من حديث ابن بريدة به وقد حكى هذا المذهب عن معاوية بن أبي سفيان ورواه عن يحيى بن معمر القاضي وطائفة من السلف واليه ذهب اسحاق بن راهويه وخالفهم الجمهور ومنهم الأئمة الاربعة وأصحابهم محتجين بما ثبت في الصحيحين عن أسامة ابن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر والمقصود أن معاذ رضي الله عنه كان قاضيا للنبي صلى الله عليه و سلم باليمن وحاكما في الحروب ومصدقا اليه تدفع الصدقات كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم وقد كان بارزا للناس يصلي بهم الصلوات الخمس كما قال البخاري حدثنا سليمان بن حرب ثنا شعبة عن حبيب بن ابي ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ واتخذ الله ابراهيم خليلا فقال رجل من القوم لقد قرت عين ابراهيم انفرد به البخاري ثم قال البخاري

(5/103)


باب بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن ابي طالب وخالد بن الوليد الى اليمن قبل حجة الوداع
حدثنا احمد بن عثمان ثنا شريح بن مسلمة ثنا ابراهيم بن يوسف بن أبي اسحاق حدثني أبي عن أبي اسحاق سمعت البراء بن عازب قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم مع خالد بن الوليد إلى اليمن قال ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه قال مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل فكنت فيمن عقب معه قال فغنمت أواقي ذات عدد انفرد به البخاري من هذا الوجه ثم قال البخاري حدثنا محمد بن بشار ثنا روح بن عبادة ثنا علي بن سويد بن منجوف عن عبد الله ابن بريدة عن أبيه قال بعث النبي صلى الله عليه و سلم عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس وكنت أبغض عليا فاصبح وقد اغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه و سلم ذكرت ذلك له فقال يا بريدة تبغض عليا فقلت نعم فقال لا تبغضه فان له في الخمس أكثر من ذلك انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه وقال الامام احمد ثنا يحيى بن سعيد ثنا عبد الجليل قال انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجلز وابنا بريدة فقال عبد الله بن بريدة حدثني أبو بريدة قال أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط قال وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا قال فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا قال فاصبنا سبيا قال فكتب إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم أبعث الينا من يخمسه قال فبعث الينا علينا وفي السبي وصيفة من أفضل السبي قال فخمس وقسم فخرج ورأسه يقطر فقلنا يا أبا الحسن ما هذا فقال ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي فإني قسمت وخمست فصارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه و سلم ثم صارت في آل علي ووقعت بها قال فكتب الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه و سلم فقلت أبعثني فبعثني مصدقا فجعلت أقرأ الكتاب وأقول صدق قال فأمسك يدي والكتاب فقال أتبغض عليا قال قلت نعم قال فلا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة قال فما كان من الناس أحد بعد قول النبي صلى الله عليه و سلم أحب إلي من علي قال عبد الله بن بريدة فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث غير أبي بريدة تفرد به بهذا السياق عبد الجليل بن عطية الفقيه أبو صالح البصري وثقه ابن معين وابن حبان وقال البخاري إنما يهم في الشيء وقال محمد بن اسحاق ثنا ابان بن صالح عن عبد الله بن نيار الأسلمي عن خاله عمرو

(5/104)


ابن شاس الاسلمي وكان من أصحاب الحديبية قال كنت مع علي بن أبي طالب في خيله التي بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم الى اليمن فجفاني علي بعض الجفاء فوجدت في نفسي عليه فلما قدمت المدينة اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيته فاقبلت يوما ورسول الله جالس فلما رآني انظر الى عينيه نظر إلي حتى جلست اليهفلما جلست أليه قال إنه والله يا عمرو بن شاس لقد آذيتني فقلت انا لله وانا اليه راجعون أعوذ بالله والاسلام أن أوذي رسول الله فقال فقال من آذى عليا فقد آذاني وقد رواه البيهقي من وجه آخر عن ابن اسحاق عن أبان بن الفضل بن معقل بن سنان عن عبد الله بن نيار عن خاله عمرو بن شاس فذكره بمعناه وقال الحافظ البيهقي انبأنا محمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا أبو اسحاق المولى ثنا عبيدة بن أبي السفر سمعت ابراهيم بن يوسف بن ابي اسحاق عن أبيه عن أبي اسحاق عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام فلم يجيبوه ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالدا إلا رجلا كان ممن مع خالد فاحب أن يعقب مع علي فليعقب معه قال البراء فكنت فيمن عقب مع علي فلما دنونا من القوم خرجوا الينا ثم تقدم فصلى بنا علي ثم صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فاسلمت همدان جميعا فكتب على إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم باسلامها فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال السلام على همدان السلام على همدان قال البيهقي رواه البخاري مختصرا من وجه آخر عن ابراهيم بن يوسف وقال البيهقي أنبأنا أبو الحسين محمد بن الفضل القطان أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان ثنا اسماعيل بن ابي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن سعد بن اسحاق بن كعب عن عجرة عن عمته زينب بنت كعب ابن عجرة عن أبي سعيد الخدري أنه قال بعث رسول الله علي بن أبي طالب إلى اليمن قال أبو سعيد فكنت فيمن خرج معه فلما أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا وكنا قد رأينا في ابلنا خللا فابى علينا وقال إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين قال فلما فرغ علي وانطفق من اليمن راجعا أمر علينا انسانا وأسرع هو وادرك الحج فلما قضى حجته قال له النبي صلى الله عليه و سلم ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم قال أبو سعيد وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان علي منعنا اياه ففعل فلما عرف في ابل الصدقة أنها قد ركبت ورأى اثر الركب قدم الذي أمره ولامه فقلت أما انا لله علي لئن قدمت المدينة لأذكرن لرسول الله ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق قال فلما قدمنا المدينة غدوت الى رسول الله صلى الله عليه و سلم أريد أن أفعل ما كنت حلفت عليه فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رآني وقف معي ورحب بي وساءلني وساءلته وقال متى قدمت

(5/105)


فقلت قدمت البارحة فرجع معي الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخل وقال هذا سعد بن مالك بن الشهيد فقال ائذن له فدخلت فحييت رسول الله وحياني وأقبل علي وسألني عن نفسي وأهلي وأحفى المسألة فقلت يا رسول الله ما لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق فاتئذ رسول الله وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه حتى إذا كنا في وسط كلامي ضرب رسول الله على فخذي وكنت منه قريبا وقال يا سعد بن مالك ابن الشهيد مه بعض قولك لأخيك علي فوالله لقد علمت أنه أحسن في سبيل الله قال فقلت في نفسي ثكلتك أمك سعد بن مالك ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم ولا أدري لا جرم والله لا أذكره بسوء ابدا سرا ولا علانية وهذا إسناد جيد على شرط النسائي ولم يروه أحد من اصحاب الكتب الستة وقد قال يونس عن محمد بن اسحاق حدثني يحيى بن عبد الله ابن أبي عمر عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال إنما وجد جيش علي بن أبي طالب الذين كانوا معه باليمن لأنهم حين اقبلوا خلف عليهم رجلا وتعجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فعمد الرجل فكسى كل رجل حلة فلما دنوا خرج عليهم علي يستلقيهم فاذا عليهم الحلل قال علي ما هذا قالوا كسانا فلان قال فما دعاك الى هذا قبل أن تقدم على رسول الله فيصنع ما شاء فنزع الحلل منهم فلما قدموا على رسول الله اشتكوه لذلك وكانوا قد صالحوا رسول الله وإنما بعث عليه إلى جزية موضوعة
قلت هذا السياق أقرب من سياق البيهقي وذلك أن عليا سبقهم لاجل الحج وساق معه هديا وأهل باهلال النبي صلى الله عليه و سلم فأمره أن يمكث حراما وفي رواية البراء بن عازب أنه قال له أني سقت الهدي وقرنت والمقصود أن عليا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه وعلي معذور فيما فعل لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج فلذلك والله أعلم لما رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم من حجته وتفرغ من مناسكه ورجع إلى المدينة فمر بغد يرخم قام في الناس خطيبا فبرأ ساحة علي ورفع من قدره ونبه على فضله ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس وسيأتي هذا مفصلا في موضعه إن شاء الله وبه الثقة
وقال البخاري ثنا قتيبة ثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة حدثني عبد الرحمن بن أبي نعم سمعت ابا سعيد الخدري يقول بعث علي بن ابي طالب إلى النبي صلى الله عليه و سلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها قال فقسمها بين أربعة بين عيينة بن بدر والأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فقال ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء قال فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة

(5/106)


كث اللحية محلوق الرأس مشمر الازار فقال [ يا رسول الله اتق الله فقال ويلك أو لست احق الناس ان يتقي الله قال ثم ولى الرجل قال خالد بن الوليد ] يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لا لعله أن يكون يصلي قال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني لم أومر أن انقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم قال ثم نظر اليه وهو مقف فقال إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية أظنه قال لئن أدركتهم لاقتلنهم قتل ثمود وقد رواه البخاري في مواضع أخر من كتابه ومسلم في كتاب الزكاة من صحيحه من طرق متعددة إلى عمارة بن القعقاع به
ثم قال الامام احمد ثنا يحيى عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى اليمن وأنا حديث السن قال فقلت تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء قال إن الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك قال فما شككت في قضاء بين اثنين ورواه ابن ماجه من حديث الاعمش به وقال الامام احمد حدثنا أسود بن عامر ثنا شريك عن سماك عن حنش عن علي قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم الى اليمن قال فقلت يا رسول الله تبعثني إلى قوم اسن مني وأنا حدث لا أبصر القضاء قال فوضع يده على صدري وقال اللهم ثبت لسانه وأهد قلبه يا علي إذا جلس اليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر ما سمعت من الاول فانك إذا فعلت ذلك تبين لك قال فما اختلف على قضاء بعد أو ما اشكل على قضاء بعد ورواه احمد أيضا وأبو داود من طرق عن شريك والترمذي من حديث زائدة كلاهما عن سماك بن حرب عن حنش بن المعتمر وقيل ابن ربيعة الكناني الكوفي عن علي به وقال الامام احمد حدثنا سفيان بن عيينة عن الاجلح عن الشعبي عن عبد الله بن أبي الخليل عن زيد بن أرقم أن نفرا وطئوا امرأة في طهر فقال علي لاثنين اتطيبان نفسا لذا فقالا لا فأقبل على الآخرين فقال اتطيبان نفسا لذا فقالا لا فقال أنتم شركاء متشاكسون فقال إني مقرع بينكم فايكم قرع أغرمته ثلثي الدية وألزمته الولد قال فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال لا أعلم إلا ما قال علي وقال احمد ثنا شريج بن النعمان ثنا هشيم أنبأنا الاجلح عن الشعبي عن ابي الخليل عن زيد بن ارقم أن عليا أتى في ثلاثة نفر إذ كان في اليمن اشتركوا في ولد فاقرع بينهم فضمن الذي أصابته القرعة ثلثي الدية وجعل الولد له قال زيد بن أرقم فاتيت النبي صلى الله عليه و سلم فاخبرته بقضاء علي فضحك حتى بدت

(5/107)


نواجذه ورواه أبو داود عن مسدد عن يحيى القطان والنسائي عن علي بن حجر عن علي بن مسهر كلاهما عن الاجلح بن عبد الله عن عامر الشعبي عن عبد الله بن الخليل وقال النسائي في رواية عبد الله بن أبي الخليل عن زيد بن أرقم قال كنت عند النبي صلى الله عليه و سلم فجاء رجل من أهل اليمن فقال إن ثلاثة نفر أتوا عليا يختصمون في ولد وقعوا على امرأة في طهر واحد فذكر نحو ما تقدم وقال فضحك النبي صلى الله عليه و سلم وقد رواياه أعني ابا داود والنسائي من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن ابي الخليل أو ابن الخليل عن علي قوله فارسله ولم يرفعه وقد رواه الامام احمد أيضا عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاجلح عن الشعبي عن عبد خير عن زيد بن أرقم فذكر نحو ما تقدم وأخرجه أبو داود والنسائي جميعا عن حنش بن أصرم وابن ماجه عن اسحاق ابن منصور كلاهما عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن صالح الهمداني عن الشعبي عن عبد خير عن زيد بن أرقم قال شيخنا في الاطراف لعل عبد خير هذا هو عبد الله بن الخليل ولكن لم يضبط الراوي اسمه قلت فعلى هذا يقوى الحديث وإن كان غيره كان أجود لمتابعته له لكن الاجلح ابن عبد الله الكندي فيه كلام ما وقد ذهب إلى القول بالقرعة في الانساب الامام احمد وهو من أفراده وقال الامام احمد ثنا أبو سعيد ثنا اسرائيل ثنا سماك عن حنش عن علي قال بعثني رسول الله الى اليمن فانتهينا الى قوم قد بنوا زبية للاسد فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر ثم تعلق آخر بآخر حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الاسد فانتدب له رجل بحربة فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم فقام أولياء الأول الى أولياء الآخر فاخرجوا السلاح ليقتتلوا فأتاهم علي على تعبية ذلك فقال تريدون أن تقاتلوا ورسول الله صلى الله عليه و سلم حي اني أقضي بينكم قضاء ان رضيتم فهو القضاء والا أحجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه و سلم فيكون هو الذي يقضي بينكم فمن عدا بعد ذلك فلا حق له اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة فللأول الربع لانه هلك والثاني ثلث الدية والثالث نصف الدية والرابع الدية فابوا أن يرضوا فاتوا النبي صلى الله عليه و سلم وهو عند مقام ابراهيم فقصوا عليه القصة فقال أنا أحكم بينكم فقال رجل من القوم يا رسول الله إن عليا قضى علينا فقصوا عليه القصة فاجازه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم رواه الامام احمد أيضا عن وكيع عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن حنش عن علي فذكره

(5/108)


كتاب حجة الوداع في سنة عشر
ويقال لها حجة البلاغ وحجة الاسلام وحجة الوداع
* * * ملاحظة هنال تكرار وخطا في من سجل رقم 4888 ولغاية سجل رقم 5103 الاسلام لانه عليه السلام لم يحج من المدينة غيرها ولكن حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة وبعدها وقد قيل إن فريضة الحج نزلت عامئذ وقيل سنة تسع وقيل سنة ست وقيل قبل الهجرة وهو غريب وسميت حجة البلاغ لأنه عليه السلام بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا ولم يكن بقي من دعائم الاسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه عليه السلام فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل الله عز و جل عليه وهو واقف بعرفة اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا
وسيأتي ايضاح لهذا كله والمقصود ذكر حجته عليه السلام كيف كانت فإن النقلة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا جدا بحسب ما وصل الى كل منهم من العلم وتفاوتوا في ذلك تفاوتا كثيرا لا سيما من بعد الصحابة رضي الله عنهم ونحن نورد بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ما ذكره الأئمة في كتبهم من هذه الروايات ونجمع بينهما جمعا يثلج قلب من تأمله وأنعم النظر فيه وجمع بين طريقتي الحديث وفهم معانيه ان شاء الله وبالله الثقة وعليه التكلان وقد اعتنى الناس بحجة رسول الله صلى الله عليه و سلم اعتناء كثيرا من قدماء الائمة ومتأخريهم وقد صنف العلامة أبو محمد بن حزم الأندلسي رحمه الله مجلدا في حجة الوداع أجاد في أكثره ووقع له فيه أوهام سننبه عليها في مواضعها وبالله المستعان باب
بيان أنه عليه السلام لم يحج من المدينة الا حجة واحدة وإنه اعتمر قبلها ثلاث عمر كما رواه البخاري ومسلم عن هدبة عن همام عن قتادة عن أنس قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي في حجته الحديث وقد رواه يونس بن بكير عن عمر بن ذر عن مجاهد عن أبي هريرة مثله وقال سعد بن منصور عن الداروردي عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت اعتمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاث عمر عمرة في شوال وعمرتين في ذي القعدة وكذا رواه ابن بكير عن مالك عن هشام بن عروة وروى الامام احمد من حديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله اعتمر ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة وقال احمد ثنا أبو النضر ثنا داود يعني العطار عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال اعتمر رسول الله أربع عمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث داود العطار وحسنه الترمذي

(5/109)


[ وقد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجعرانة وسيأتي في فصل من قال إنه عليه السلام حج قارنا وبالله المستعان فالاولى من هذه العمر ] عمرة الحديبية التي صد عنها ثم بعدها عمرة القضاء ويقال عمرة القصاص ويقال عمرة القضية ثم بعدها عمرة الجعرانة مرجعه من الطائف حين قسم غنائم حنين وقد قدمنا ذلك كله في مواضعه عمرته مع حجة وسنبين اختلاف الناس في عمرته هذه مع الحجة هل كان متمتعا بان أوقع العمرةو والرابعه قبل الحجة وحل منها أو منهعهمن الاحلال منها سوقه الهدي أو كان قارنا لها مع الحجة كما نذكره من الاحاديث الدالة على ذلك أو كان مفردا لها عن الحجة بأن أوقعها بعد قضاء الحجة قال وهذا هو الذي يقول يقوله من بالافراد كما هو المشهور عن الشافعي وسيأتي بيان هذا عند ذكرنا احرامه صلى الله عليه و سلم كيف كان مفردا ومتمتعا وقارنا
قال البخاري ثنا عمرو بن خالد ثنا زهير ثنا أبو اسحاق حدثني زيد بن ارقم ان النبي صلى الله عليه و سلم غزا تسع عشرة غزوة وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة قال ابو اسحاق وبمكة أخرى وقد رواه مسلم من حديث زهير أخرجاه من حديث شعبة زاد البخاري واسرائيل ثلاثتهم عن أبي اسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن زيد به وهذا الذي قال أبو اسحاق من أنه عليه السلام حج بمكة حجة أخرى أي أراد أنه لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة كما هو ظاهر لفظه فهو بعيد فانه عليه السلام كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج ويدعو الناس إلى الله ويقول من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز و جل حتى قيض الله جماعة الانصار يلقونه ليلة العقبة أي عشية يوم النحر عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية وهي ثالث اجتماعه لهم به ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه والله أعلم
وفي حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن ابيه عن جابر بن عبد الله قال اقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس بالحج فاجتمع بالمدينة بشر كثير فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم لخمس بقين من ذي القعدة أو لاربع فلما كان بذي الحليفة صلى ثم استوى على راحلته فلما أخذت به في البيداء لبى واهللنا لا ننوي إلا الحج وسيأتي الحديث بطوله وهو في صحيح مسلم وهذا لفظ البيهقي من طريق احمد بن حنبل عن ابراهيم بن طهمان عن جعفر بن محمد به باب
خروجه عليه السلام من المدينة لحجة الوداع بعد ما استعمل عليها ابا دجانة سماك بن حرشة الساعدي ويقال سباع بن عرفطة الغفاري
قال محمد بن اسحاق فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج وأمر

(5/110)


الناس بالجهاز له فحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة وهذا اسناد جيد وروى الامام مالك في موطأه عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عن عائشة ورواه الامام احمد عن عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عنها وهو ثابت في الصحيحين وسنن النسائي وابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة من طرق عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج الحديث بطوله كما سيأتي وقال البخاري حدثنا محمد بن ابي بكر المقدمي ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة أخبرني كريب عن ابن عباس قال انطلق النبي صلى الله عليه و سلم من المدينة بعد ما ترجل وأدهن ولبس ازاره ورداءه ولم ينه عن شيء من الاردية ولا الارز إلا المزعفرة التي تردع الجلد فاصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء وذلك لخمس بقين من ذي القعدة فقدم مكة لخمس خلون من ذي الحجة تفرد به البخاري فقوله وذلك لخمس بقين من ذي القعدة إن اراد به صبيحة يومه بذي الحليفة صح قول ابن حزم في دعواه أنه صلى الله عليه و سلم خرج من المدينة يوم الخميس وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة وأصبح بها يوم الجمعة وهو اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة وإن اراد ابن عباس بقوله وذلك لخمس من ذي القعدة يوم انطلاقه عليه السلام من المدينة بعد ما ترجل وأدهن ولبس إزاره ورداءه كما قالت عائشة وجابر أنهم خرجوا من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة بعد قول ابن حزم وتعذر المصير اليه وتعين القول بغيره ولم ينطبق ذلك إلا على يوم الجمعة وإن كان شهر ذي القعدة كاملا ولا يجوز أن يكون خروجه عليه السلام من المدينة كان يوم الجمعة لما روى البخاري حدثنا موسى بن اسماعيل ثنا وهيب ثنا أيوب عن ابي قلابة عن أنس بن مالك قال صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن معه الظهر بالمدينة اربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى اصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله عز و جل وسبح ثم أهل بحج وعمرة وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة نن حماد بن زيد عن ايوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين وقال احمد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن محمد يعني ابن المنكدر وابراهيم بن ميسرة عن انس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ورواه البخاري عن ابي نعيم عن سفيان الثوري به وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنذر وابراهيم بن ميسرة عن أنس به وقال احمد ثنا محمد بن بكير ثنا ابن جريج عن محمد بن المنذر عن أنس قال صلى

(5/111)


بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بذي احليفة حتى أصبح فلما ركب راحلته واستوت به أهل وقال احمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن اسحاق حدثني محمد بن المنذر التيمي عن أنس بن مالك الانصاري قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات ثم صلى بنى العصر بذي الحليفة ركعتين أمنا لا يخاف في حجة الوداع تفرد به احمد من هذين الوجهين الآخرين وهما على شرط الصحيح وهذه ينفي كون خروجه عليه السلام يوم الجمعة قطعا ولا يجوز على هذا أن يكون خروجه يوم الخميس كما قال ابن حزم لانه كان يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة لأنه لا خلاف إن أول ذي الحجة كان يوم الخميس لما ثبت بالتواتر والاجماع من أنه عليه السلام وقف بعرفة يوم الجمعة وهو تاسع ذي الحجة بلا نزاع فلو كان خروجه يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي القعدة لبقي في الشهر ست ليال قطعا ليلة الجمعة والسبت والاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء فهذه ست ليال وقد قال ابن عباس وعائشة وجابر أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة وتعذر أنه يوم الجمعة لحديث أنس فتعين على هذا أنه عليه السلام خرج من المدينة يوم السبت وظن الراوي أن الشهر يكون تاها فاتفق في تلك السنة نقصانه فانسلخ يوم الاربعاء واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس ويؤيده ما وقع في رواية جابر لخمس بقين أو أربع وهذا التقرير على هذا التقدير لا محيد عنه ولا بد منه والله أعلم
باب صفة خروجه عليه السلام من المدينة الى مكة للحج
قال البخاري حدثنا ابراهيم بن المنذر ثنا انس بن عياض عن عبيد الله هو ابن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا خرج الى مكة يصلي في مسجد الشجرة وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح تفرد به البخاري من هذا الوجه وقال الحافظ أبو بكر البزار وجدت في كتابي عن عمرو بن مالك عن يزيد بن زريع عن هشام عن عروة عن ثابت عن ثمامة عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم حج على رحل رث وتحت قطيفة وقال حجة لا رياء فيها ولا سمعة وقد علقه البخاري في صحيحه فقال وقال محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا يزيد بن زريع عن عروة عن ثابت عن ثمامة قال حج أنس على رحل رث ولم يكن شحيحا وحدث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حج على رحل وكانت زاملته هكذا ذكره البزار والبخاري معلقا مقطوع الاسناد من أوله وقد اسنده الحافظ البيهقي في سننه فقال أنبأنا أبو الحسن على بن محمد بن علي المقرئ أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن

(5/112)


اسحاق ثنا يوسف بن يعقوب القاضي ثنا محمد بن بن أبي بكر ثنا يزيد بن زريع فذكره
وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده من وجه آخر عن أنس بن مالك فقال حدثنا علي بن الجعد أنبأنا الربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عن انس قال حج رسول الله صلى الله عليه و سلم على رحل رث وقطيفة تساوي أو لا تساوي أربعة دراهم فقال اللهم حجة لا رياء فيها وقد رواه الترمذي في الشمائل من حديث أبي داود الطيالسي وسفيان الثوري وابن ماجه من حديث وكيع ابن الجراح ثلاثتهم عن الربيع بن صبيح به وهو اسناد ضعيف من جهة يزيد بن ابان الرقاشي فإنه غير مقبول الرواية عند الائمة وقال الامام أحمد حدثنا هاشم ثنا اسحاق بن سعيد عن أبيه قال صدرت مع ابن عمر فمرت بنا رفقة يمانية ورحالهم الأدم وخطم أبلهم الخرز فقال عبد الله من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت العام برسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه إذا قدموا في حجة الوداع فلينظر إلى هذه الرفقة ورواه أبو داود عن هناد عن وكيع عن اسحاق عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن ابن عمر وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو طاهر الفقية وأبو زكريا بن ابي اسحاق وأبو بكر بن الحسن وأبو سعيد بن ابي عمرو قالوا ثنا أبو العباس هو الاصم أنبأنا محمد بن عبد الله بن الحكم أنبانا سعيد بن بشير القرشي حدثنا عبد الله بن حكيم الكناني رجل من أهل اليمن من مواليهم عن بشر بن قدامة الضبابي قال ابصرت عيناي حبيبي رسول الله صلى الله عليه و سلم واقفا بعرفات مع الناس على ناقة له حمراء قصواء تحته قطيفة بولانية وهو يقول اللهم اجعلها حجة غير رياء ولا منا سمعة والناس يقولون هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال الامام احمد حدثنا عبد الله بن ادريس ثنا ابن اسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن اسماء بنت أبي بكر قالت خرجنا مع النبي صلى الله عليه و سلم حجاجا حتى أدركنا بالعرج نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلست عائشة الى جنب رسول الله صلى الله عليه و سلم وجلست الى جنب أبي وكانت زمالة رسول الله صلى الله عليه و سلم وزمالة أبي بكر واحدة مع غلام أبي بكر فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه فطلع عليه وليس معه بعيره فقال أين بعيرك فقال أضللته البارحة فقال أبو بكر بعير واحد تضله فطفق يضربه ورسول الله صلى الله عليه و سلم يبتسم ويقول انظروا الى هذا المحرم وما يصنع وكذا رواه ابو داود عن احمد بن حنبل ومحمد بن عبد العزيز بن ابي رزمة وأخرجه ابن ماجه عن ابي بكر بن ابي شيبة ثلاثتهم عن عبد الله بن ادريس به فأما الحديث الذي رواه ابو بكر البزار في مسنده قائلا حدثنا اسماعيل بن حفص ثنا يحيى بن اليمان ثنا حمزة الزيات عن حمران بن أعين عن أبي الطفيل

(5/113)


عن ابي سعيد قال حج النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه مشاة من المدينة الى مكة قد ربطوا أوساطهم ومشيهم خلط الهرولة فإنه حديث منكر ضعيف الاسناد وحمزة بن حبيب الزيات ضعيف وشيخ متروك الحديث وقد قال البزار لا يروي إلا من هذا الوجه وإن كان إسناده حسنا عندنا ومعناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث لأنه عليه السلام إنما حج حجة واحدة وكان راكبا وبعض أصحابه مشاة قلت ولم يعتمر النبي صلى الله عليه و سلم في شيء من عمره ماشيا لا في الحديبية ولا في القضاء ولا الجعرانة ولا في حجة الوداع وأحواله عليه السلام اشهر وأعرف من أن تخفى على الناس بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله والله أعلم فصل
تقدم أنه عليه السلام صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم ركب منها الى الحليفة وهي وادي العقيق فصلى بها العصر ركعتين فدل على أنه جاء الحليفة نهارا في وقت العصر فصلى بها العصر قصرا وهي من المدينة على ثلاثة أميال ثم فصلى بها المغرب والعشاء بات بها حتى أصبح فصلى بأصحابه وأخبرهم أنه جاءه الوحي من الليل بما يعتمده في الاحرام كما قال الامام احمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أتى في المعرس من ذي الحليفة فقيل له أنك ببطحاء مباركة وأخرجاه في الصحيحين من حديث موسى بن عقبة به وقال البخاري حدثنا الحميدي ثنا الوليد وبشر بن بكر قالا ثنا الاوزاعي ثنا يحيى حدثني عكرمه أنه سمع ابن عباس أنه سمع ابن عمر يقول سمعت رسول الله بوادي العقيق يقول أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة تفرد به دون مسلم فالظاهر أنه أمره عليه السلام بالصلاة في وادي العقيق هو امر بالاقامة به الى أن يصلي صلاة الظهر لأن الأمر إنما جاءه في الليل وأخبرهم بعد صلاة الصبح فلم يبق إلا صلاة الظهر فأمر أن يصليها هنالك وأن يوقع الاحرام بعدها ولهذا قال أتاني الليلة آت من ربي عز و جل فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة وقد احتج به على الامر بالقرآن في الحج وهو من أقوى الادلة على ذلك كما سيأتي بيانه قريبا والمقصود أنه عليه السلام أمر بالاقامة بوادي العقيق الى صلاة الظهر وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك فأقام هنالك وطاف على نسائه في تلك الصبيحة وكن تسع نسوة وكلهن خرج معه ولم يزل هنالك حتى صلى الظهر كما سيأتي في حديث أبي حسان الاعرج عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم أشعر بدنته ثم ركب فأهل وهو عند مسلم وهكذا قال الامام احمد حدثنا روح ثنا اشعث هو ابن عبد الملك بن الحسن عن أنس * * * ملاحظة هناك تكرر وخطأ ص 182 ولغاية ص 186 بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا شرف البيداء اهل ورواه أبو داود عن احمد بن حنبل والنسائي عن اسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن اشعث بمعناه وعن احمد بن الازهر عن محمد بن عبد الله

(5/114)


الانصاري عن اشعث اتم منه وهذا فيه رد على ابن حزم حيث زعم أن ذلك في صدر النهار وله أن يعتضد بما رواه البخاري من طريق أيوب عن رجل عن انس أن رسول الله بات بذي الحليفة حتى أصبح فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج ولكن في اسناده رجل مبهم والظاهر أنه أبو قلابة والله أعلم قال مسلم في صحيحه حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي ثنا خالد يعني ابن الحارث ثنا شعبة عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر سمعت أبي يحدث عن عائشة أنها قالت كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم يطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضح طيبا
وقد رواه البخاري من حديث شعبة وأخرجاه من حديث أبي عوانة زاد مسلم ومسعر وسفيان ابن سعيد الثوري أربعتهم عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر به وفي رواية لمسلم عن ابراهيم بن محمد ابن المنتشر عن أبيه قال سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما قال ما أحب أني أصبح محرما أنضح طيبا لأن أطلي القطران أحب إلي من أن أفعل ذلك فقالت عائشة أنا طيبت رسول الله عند احرامه ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرما وهذا اللفظ الذي رواه مسلم يقتضي أنه كان صلى الله عليه و سلم يتطيب قبل أن يطوف على نسائه ليكون ذلك أطيب لنفسه وأحب اليهن ثم لما اغتسل من الجنابة وللاحرام تطيب أيضا للاحرام طيبا آخر كما رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم تجرد لاهلاله واغتسل وقال الترمذي حسن غريب وقال الامام احمد حدثنا زكريا بن عدي أنبأنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي واشنان ودهنه بشيء من زيت غير كثير الحديث تفرد به احمد وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله أنبأنا سفيان بن عيينة عن عثمان بن عروة سمعت أبي يقول سمعت عائشة تقول طيبت رسول الله صلى الله عليه و سلم لحرمه ولحله قلت لها بأي طيب قال باطيب الطيب وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وأخرجه البخاري من حديث وهب عن هشام بن عروة عن أخيه عثمان عن أبيه عروة عن عائشة به وقال البخاري حدثنا عبد الله ابن يوسف أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه و سلم لاحرامه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت وقال مسلم حدثنا عبد بن حميد أنبأنا محمد بن أبي بكر أنبأنا ابن جريج أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبرانه عن عائشة قالت طيبت رسول الله بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والاحرام وروى مسلم من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه و سلم بيدي هاتين لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت

(5/115)


وقال مسلم حدثني احمد بن منيع ويعقوب الدورقي قالا ثنا هشيم أنبأنا منصور عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت كنت أطيب النبي صلى الله عليه و سلم قبل أن يحرم ويحل ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك وقال مسلم حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة وزهير بن حرب قالا ثنا وكيع ثنا الاعمش عن ابي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت كأني انظر الى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يلبي ثم رواه مسلم من حديث الثوري وغيره عن الحسن بن عبيد الله عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة قالت كأني أنظر الى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو محرم ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري ومسلم من حديث الاعمش كلاهما عن منصور عن ابراهيم عن الاسود عنها وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم بن ابراهيم عن الاسود عن عائشة
وقال أبو داود الطيالسي أنبأنا أشعث عن منصور عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة قالت كأني أنظر الى وبيص الطيب في أصول شعر رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو محرم وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن ابراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة قالت كأني أنظر الى وبيص الطيب في مفرق النبي صلى الله عليه و سلم بعد أيام وهو محرم وقال عبد الله بن الزبير الحميدي ثنا سفيان ابن عيينة ثنا عطاء بن السائب عن ابراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة قالت رأيت الطيب في مفرق رسول الله بعد ثالثة وهو محرم فهذه الاحاديث دالة على أنه عليه السلام تطيب بعد الغسل إذ لو كان الطيب قبل الغسل لذهب به الغسل ولما بقي له أثر ولا سيما بعد ثلاثة أيام من يوم الاحرام
وقد ذهب طائفة من السلف منهم ابن عمر إلى كراهة التطيب عند الاحرام وقد روينا هذا الحديث من طريق ابن عمر عن عائشة فقال الحافظ البيهقي انبأنا ابو الحسين بن بشران ببغداد أنبأنا ابو الحسمنعلي بن محمد المصري ثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا عبد الرحمن بن ابي العمر ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن عائشة أنها قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه و سلم بالغالية الجيدة عند احرامه وهذا اسناد غريب عزيز المخرج ثم انه عليه السلام لبد رأسه ليكون احفظ لما فيه من الطيب واصون له من استقرار التراب والغبار قال مالك عن نافع عن ابن عمر ان حفصة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك قال إني لبدت رأسي وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وله طرق كثيرة عن نافع
قال البيهقي انبأنا الحاكم أنبأنا الاصم أنبأنا يحيى ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ثنا عبد الاعلى ثنا محمد بن اسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لبد رأسه بالعسل وهذا اسناد جيد

(5/116)


ثم أنه عليه السلام أشعر الهدي وقلده وكان معه بذي الحليفة قال الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه تمتع رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهجدي من ذي الحليفة وسيأتي الحديث بتمامه وهو في الصحيحين والكلام عليه إن شاء الله وقال مسلم حدثنا محمد بن المثنى ثنا معاذ بن هشام هو الدستوائي حدثني أبي عن قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أتى ذا الحليفة دعا بناقته فاشعرها في صفحة سنامها الايمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته وقد رواه أهل السنن الاربعة من طرق عن قتادة وهذا يدل على أنه عليه السلام تعاطى هذا الاشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البدنة وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غيره فانه قد كان هدى الكثير إما مائة بدنة أو أقل منها بقليل وقد ذبح بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة وأعطى عليا فذبح ما غبر وفي حديث جابر أن عليا قدم من اليمن ببدن للنبي صلى الله عليه و سلم وفي سياق ابن اسحاق أنه عليه السلام اشرك عليا في بدنه والله أعلم وذكر غيره أنه ذبح هو وعلي يوم النحر مائة بدنة فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذي الحليفة وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو محرم باب
بيان الموضع الذي أهل منه عليه السلام واختلاف الناقلين لذلك وترجيح الحق في ذلك
تقدم الحديث الذي رواه البخاري من حديث الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم بوادي العقيق يقول أتاني آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة وقال البخاري باب الاهلال عند مسجد ذي الحليفة حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان ثنا موسى بن عقبة سمعت سالم بن عبد الله وحدثنا عبد الله بن مسلمة ثنا مالك عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه يقول ما أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا من عند المسجد يعني مسجد ذي الحليفة وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن موسى ابن عقبة وفي رواية لمسلم عن موسى بن عقبة عن سالم ونافع وحمزة بن عبد الله بن عمر ثلاثتهم عن عبد الله بن عمر فذكره وزاد فقال لبيك وفي رواية لهما من طريق مالك عن موسى بن عقبة عن سالم قال قال عبد الله بن عمر بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل رسول الله من عند المسجد وقد روى عن ابن عمر خلاف هذا كما يأتي في الشق الآخر وهو ما أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر فذكر حديثا فيه أن عبد الله قال وأما الاهلال فاني لم ار رسول الله صلى الله عليه و سلم يهل حتى تنبعث به راحلته

(5/117)


وقال الامام احمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن اسحاق حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري عن سعيد بن جبير قال قلت لعبد الله بن عباس يا أبا العباس عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في اهلال رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أوجب فقال إني لأعلم الناس بذلك إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه و سلم حجة واحدة فمن هناك اختلفوا خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه قوم فحفظوا عنه ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوم وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون ارسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا إنما أهل رسول الله حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله فلا علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل رسول الله حين علا شرف البيداء وايم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته وأهل حين علا شرف البيداء فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس [ انه ] أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن عبد السلام بن حرب عن خصيف به نحوه وقال الترمذي حسن غريب لا نعرف أحد رواه غير عبد السلام كذا قال وقد تقدم رواية الامام احمد له من طريق محمد ابن اسحاق عنه وكذلك رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن القطيعي عن عبد الله بن احمد عن أبيه ثم قال خصيف الجزري غير قوي وقد رواه الواقدي باسناد له عن ابن عباس قال البيهقي الا أنه لا ينفع متابعة الواقدي والاحاديث التي وردت في ذلك عن عمر وغيره مسانيدها قويه ثابتة والله تعالى أعلم
قلت فلو صح هذا الحديث لكان فيه جمع لما بين الاحاديث من الاختلاف وبسط لعذر من نقل خلاف الواقع ولكن في اسناده ضعف ثم قد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما تقدم عنهما كما سننبه عليه ونبينه وهكذا ذكر من قال أنه عليه السلام أهل حين استوت به راحلته قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد ثنا هشام بن يوسف أنبأنا ابن جريج حدثني محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك قال صلى النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل وقد رواه البخاري ومسلم وأهل السنن من طرق عن محمد بن المنكدر وابراهيم بن ميسرة عن أنس وثابت في الصحيحين من حديث مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر قال وأما الاهلال فاني لم أر رسول الله يهل حتى تنبعث ربه راحلته واخرجا في الصحيحين من رواية ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سالم عن أبيه ان رسول الله كان يركب راحلته بذي الحليفة ثم يهل حين تستوي به قائمة وقال البخاري باب من اهل حين استوت به راحلته حدثنا ابو عاصم ثنا ابن جريج أخبرني صالح بن كيسان عن نافع

(5/118)


عن ابن عمر قال اهل النبي صلى الله عليه و سلم حين استوت به راحلته قائمة وقد رواه مسلم والنسائي من حديث ابن جريج به وقال مسلم حدثنا ابو بكر بن ابي شيبة ثنا علي بن مسهر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة انفرد به مسلم من هذا الوجه واخرجاه من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه ثم قال البخاري باب الاهلال مستقبل القبلة قال ابو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن نافع قال كان ابن عمر اذ صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب فاذا استوت به واستقبل القبلة قائما ثم يلبي حتى يبلغ الحرم ثم يمسك حتى اذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح فاذا صلى الغداة اغتسل وزعم ان رسول الله صلى الله عليه و سلم فعل ذلك ثم قال تابعه اسماعيل عن ايوب في الغسل وقد علق البخاري ايضا هذا الحديث في كتاب الحج عن محمد بن عيسى عن حماد بن زيد وأسنده ع فيه عن يعقوب بن ابراهيم الدورقي عن اسماعيل هو ابن علية ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن اسماعيل وعن أبي الربيع الزهراني وغيره عن حماد بن زيد ثلاثتهم عن أيوب عن أبي تميمة السختياني به ورواه أبو داود عن احمد بن حنبل عن اسماعيل بن علية به ثم قال البخاري حدثنا سليمان أبو الربيع ثنا فليح عن نافع قال كان ابن عمر إذا أراد الخروج إلى مكة أدهن بدهن ليس له رائحة طيبة ثم يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ثم يركب فاذا استوت به راحلته قائمة أحرم ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يفعل تفرد به البخاري من هذا الوجه وروى مسلم عن قتيبة عن حاتم بن اسماعيل عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها والله ما أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا عند الشجرة حين قام به بعيره وهذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الأولى وهذه الروايات عنه وهو أن الاحرام كان من عند المسجد ولكن بعد ما ركب راحلته واستوت به على البيداء يعني الارض وذلك قبل أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء ثم قال البخاري في موضع آخر حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا فضيل ابن سليمان ثنا موسى بن عقبة حدثني كريب عن عبد الله بن عباس قال انطلق النبي صلى الله عليه و سلم من المدينة بعد ما ترجل وأدهن ولبس ازاره ورداءه هو وأصحابه وله ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد فاصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه وقلد بدنه وذلك لخمس بقين من ذي الحجة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يحل من أجل بدنه لانه قلدها لم تزل باعلا مكة عند الحجون وهو مهل بالحج ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يقصروا من رءوسهم ثم يحلوا وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها ومن كانت معه امرأته فهي له حلال

(5/119)


والطيب والثياب انفرد به البخاري وقد روى الامام احمد عن بهز بن أسد وحجاج وروح بن عبادة وعفان بن مسلم كلهم عن شعبة قال أخبرني قتادة قال سمعت أبا حسان الاعرج الاجرد وهو مسلم بن عبد الله البصري عن ابن عباس قال صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنته فاشعر صفحة سنامها الايمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين ثم دعا براحلته فلما استوت على البيداء أهل بالحج ورواه أيضا عن هشيم أنبأنا أصحابنا منهم شعبة فذكر نحوه ثم رواه الامام احمد أيضا عن روح وأبي داود الطيالسي ووكيع بن الجراح كلهم عن هشام الدستوائي عن قتادة به نحوه ومن هذا الوجه رواه مسلم في صحيحه وأهل السنن في كتبهم فهذه الطرق عن ابن عباس من أنه عليه السلام أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت من رواية خصيف الجزري عن سعيد بن جبير عنه والله أعلم
وهكذا الرواية المثبتة المفسرة أنه أهل حين استوت به الراحلة مقدمة على الاخرى لاحتمال أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته ويكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الأخرى والله أعلم ورواية أنس في ذلك سالمة عن المعارض وهكذا رواية جابر بن عبد الله في صحيح مسلم من طريق جعفر الصادق عن أبيه عن أبي الحسين زين العابدين عن جابر في حديثه الطويل الذي سيأتي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل حين استوت به راحلته سالمة عن المعارض والله أعلم وروى البخاري من طريق الاوزاعي سمعت عطاء عن جابر بن عبد الله أن اهلال رسول الله صلى الله عليه و سلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته فأما الحديث الذي رواه محمد بن اسحاق بن يسار عن أبي الزناد عن عائشة بنت سعد قالت قال سعد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته وإذا أخذ طريقا أخرى أهل إذا علا على شرف البيداء فرواه أبو داود والبيهقي من حديث ابن اسحاق وفيه غرابة ونكارة والله أعلم فهذه الطرق كلها دالة على القطع أو الظن الغالب أنه عليه السلام أحرم بعد الصلاة وبعد ما ركب راحلته وابتدأت به السير زاد ابن عمر في روايته وهو مستقبل القبلة باب
بسط البيان لما أحرم به عليه السلام في حجته هذه من الافراد والتمتع أو القران
رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أفرد الحج ورواه مسلم عن اسماعيل

(5/120)


عن أبي أويس ويحيى بن يحيى عن مالك ورواه الإمام احمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به وقال احمد حدثنا اسحاق بن عيسى حدثني المنكدر بن محمد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أفرد الحج وقال الإمام احمد ثنا شريح ثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن عائشة وعن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة وعن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم أفرد الحج تفرد به احمد من هذه الوجوه عنها وقال الإمام احمد حدثني عبد الاعلى بن حماد قال قرأت على مالك بن أنس عن ابي الاسود عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أفرد الحج وقال حدثنا روح ثنا مالك عن أبي الاسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل وكان يتيما في حجر عروة عن عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أفرد الحج ورواه ابن ماجه عن أبي مصعب عن مالك كذلك ورواه النسائي عن قتيبة عن مالك عن ابي الاسود عن عروة عن عائشة أن رسول الله أهل بالحج وقال احمد أيضا ثنا عبد الرحمن عن مالك عن ابي الاسود عن عروة عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة وأهل رسول الله بالحج فاما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر وهكذا رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف والقعيني واسماعيل ابن أبي أويس عن مالك ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به وقال احمد حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحج وأهل ناس بالحج والعمرة وأهل ناس بالعمرة ورواه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة بن نحوه فاما الحديث الذي قال الامام احمد ثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبد العزيز بن محمد عن علقمة بن أبي علقمة عن امه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر الناس في حجة الوداع فقال من أحب أن يبدأ بعمرة قبل الحج فليفعل وأفرد رسول الله صلى الله عليه و سلم الحج ولم يعتمر فانه حديث غريب جدا تفرد به احمد بن حنبل واسناده لا بأس به ولكن لفظه فيه نكارة شديدة وهو قوله فلم يعتمر فان أريد بهذا أنه لم يعتمر مع الحج ولا قبله هو قول من ذهب إلى الافراد وإن اريد أنه لم يعتمر بالكلية لا قبل الحج ولا معه ولا بعده فهذا مما لا أعلم أحدا من العلماء قال به ثم هو مخالف لما صح عن عائشة وغيرها من أنه صلى الله عليه و سلم اعتمر اربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته وسيأتي تقرير هذا في فصل القران مستقصى والله اعلم وهكذا الحديث الذي رواه الامام احمد قائلا في مسنده حدثنا روح ثنا صالح بن أبي الاخضر ثنا ابن شهاب ان عروة اخبره ان عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت اهل رسول الله بالحج والعمرة في حجة الوداع وساق معه الهدي وأهل ناس بالعمرة وساقوا الهدي وأهل ناس بالعمرة ولم يسوقوا هديا قالت

(5/121)


عائشة وكنت ممن أهل بالعمرة ولم أسق هديا فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم [ قال ] من كان منكم أهل بالعمرة فساق معه الهدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ولا يحل منه شيء حرم منه حتى يقضي حجه وينحر هديه يوم النحر ومن كان منكم أهل بالعمرة ولم يسق معه هديا فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم ليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله قالت عائشة فقدم رسول الله الحج الذي خاف فوته وأخر العمرة فهو حديث من أفراد الامام احمد وفي بعض الفاظه نكارة ولبعضه شاهد في الصحيح وصالح بن أبي الاخضر ليس من عليه أصحاب الزهري لا سيما إذا خالفه غيره كما ههنا في بعض الفاظ سياقه هذا وقوله فقدم الحج الذي يخاف فوته وأخر العمرة لا يلتئم مع أول الحديث أهل بالحج والعمرة فإن أراد أنه أهل بهما في الجملة وقدم أفعال الحج ثم بعد فراغه أهل بالعمرة كما يقوله من ذهب إلى الافراد فهو مما نحن فيه ههنا وإن أراد أنه أخر العمرة بالكلية بعد احرامه بها فهذا لا أعلم أحدا من العلماء صار اليه وإن أراد أنه المقضي بافعال الحج عن أفعال العمرة ودخلت العمرة في الحج فهذا قول من ذهب إلى القران وهم يؤولون قول من روى أنه عليه الصلاة و السلام أفرد الحج أي أفرد أفعال الحج وإن كان قد نوى معه العمرة قالوا لأنه قد روى القرآن كل من روى الافراد كما سيأتي بيانه والله تعالى أعلم
رواية خالد جابر بن عبد الله في الافراد قال الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا الاعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجته بالحج اسناده جيد على شرط مسلم ورواه البيهقي عن الحاكم وغيره عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن أبي معاوية عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر قال أهل رسول الله في حجته بالحج ليس معه عمرة وهذه الزيادة غريبة جدا ورواية الامام احمد بن حنبل أحفظ والله اعلم وفي صحيح مسلم من طريق جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر قال أهللنا بالحج لسنا نعرف العمرة وقد روى ابن ماجه عن هشام بن عمار عن الداروردي وحاتم بن اسماعيل كلاهما عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر ان رسول الله صلى الله عليه و سلم افرد الحج وهذا اسناد جيد وقال الامام احمد ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا حبيب يعني المعلم عن عطاء حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل هو وأصحابه بالحج ليس مع احد منهم هدي إلا النبي صلى الله عليه و سلم وطلحة وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري بطوله كما سيأتي عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب
رواية عبد الله بن عمر للافراد قال الامام احمد حدثنا اسماعيل بن محمد ثنا عباد يعني ابن عباد حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال أهللنا مع النبي صلى الله عليه و سلم بالحج مفردا ورواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عون عن عباد بن عباد عن عبيد الله بن عمر

(5/122)


عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل بالحج مفردا وقال الحافظ أبو بكر البزار ثنا الحسن ابن عبد العزيز ومحمد بن مسكين قالا ثنا بشر بن بكر ثنا سعيد بن عبد العزيز بن زيد بن أسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل بالحج يعني مفردا أسناده جيد ولم يخرجوه
رواية ابن عباس للافراد روى الحافظ البيهقي من حديث روح بن عبادة عن شعبة عن أيوب عن أبي العالية البراء عن ابن عباس أنه قال أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحج فقدم لاربع مضين من ذي الحجة فصلى بنا الصبح بالبطحاء ثم قال من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها ثم قال رواه مسلم عن ابراهيم بن دينار عن ابن روح وتقدم من رواية قتادة عن أبي حسان الاعرج عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم أتى ببدنة فاشعر صفحة سنامها الايمن ثم أتى براحلته فركبها فلما استوت به على البيداء أهل بالحج وهو في صحيح مسلم أيضا وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني ثنا الحسين بن اسماعيل ثنا أبو بكر بن عياش ثنا أبو حصين عن عبد الرحمن بن الاسود عن أبيه قال حججت مع أبي بكر فجرد ومع عمر فجرد ومع عثمان قجرد تابعه الثوري عن أبي حصين وهذا إنما ذكرناه ههنا لأن الظاهر أن هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم إنما يفعلون هذا عن توقيف والمراد بالتجريد ههنا الافراد والله أعلم وقال الدارقطني ثنا أبو عبيد الله القاسم بن اسماعيل ومحمد بن مخلد قالا ثنا علي بن محمد بن معاوية الرزاز ثنا عبد الله بن نافع عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم استعمل عتاب بن أسيد على الحج فافرد ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج ثم حج النبي صلى الله عليه و سلم سنة عشر فأفرد الحج ثم توفى رسول الله صلى الله عليه و سلم واستخلف أبو بكر فبعث عمر فأفرد الحج ثم حج أبو بكر فأفرد الحج وتوفي أبو بكر واستخلف عمر فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج ثم حج فأفرد الحج ثم حصر عثمان فأقام عبد الله بن عباس للناس فأفرد الحج في اسناده عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف لكن قال الحافظ البيهقي له شاهد باسناد صحيح
ذكر ما قاله انه صلى الله عليه و سلم حج متمتعا
قال الامام احمد حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع بالعمرة الى الحج وأهل فساق الهدي من ذي الحليفة وبدا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وكان من الناس من أهدى فساق الهدي من ذي الحليفة ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة قال للناس من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجته ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت

(5/123)


وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام وسبعة اذا رجع الى أهله وطاف رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قدم مكة استلم [ الحجر ] أول شيء ثم خب ثلاثة أشواط من السبع ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم من أهدى فساق الهدي من الناس
قال الامام احمد وحدثنا حجاج ثنا ليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في تمتعه بالعمرة الى الحج وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم ابن عبد الله عن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد روى هذا الحديث البخاري عن يحيى بن بكير ومسلم وأبو داود عن عبد الملك بن شعيب عن الليث عن أبيه والنسائي عن محمد بن عبد الله ابن المبارك المخرمي عن حجين بن المثنى ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة كما ذكره الامام احمد رحمه الله وهذا الحديث من المشكلات على كل من الاقوال الثلاثة أما قول الافراد ففي هذا اثبات عمرة أما قبل الحج أو معه وأما على قول التمتع الخاص فلأنه ذكر أنه لم يحل من احرامه بعد ما طاف بالصفا والمروة وليس هذا شأن المتمتع ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي كما قد يفهم من حديث ابن عمر عن حفصة أنها قالت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك فقال إني لبدت رأسي وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر فقولهم بعيد لأن الاحاديث الواردة في اثبات القران ترد هذا القول وتأبى كونه عليه السلام انما اهل أولا بعمرة ثم بعد سعيه بالصفا والمروة أهل بالحج فان هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد باسناد صحيح بل ولا حسن ولا ضعيف وقوله في هذا الحديث تمتع رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع بالعمرة الى الحج إن أريد بذلك التمتع الخاص وهو الذي يحل منه بعد السعي فليس كذلك فان في سياق الحديث ما يرده ثم في اثبات العمرة القارنة لحجه عليه السلام ما يأباه وان أريد به التمتع العام دخل في القران وهو المراد وقوله وبدأ رسول الله صلى الله عليه و سلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج إن اريد به بدأ بلفظ العمرة على لفظ الحج بأن قال لبيك اللهم عمرة وحجا فهذا سهل ولا ينافي القران وان أريد به أنه أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج متراخ ولكن قبل الطواف قد صار قارنا أيضا وان أريد به أنه أهل بالعمرة ثم فرغ من أفعالها تحلل أو لم يتحلل بسوق الهدي كما زعمه زاعمون ولكنه أهل بحج بعد قضاء مناسك العمرة وقبل خروجه الى منى فهذا لم ينقله أحد من الصحابة كما قدمنا ومن ادعاه من الناس فقوله مردود لعدم نقله ومخالفته الاحاديث الواردة في

(5/124)


اثبات القران كما سيأتي بل والاحاديث الواردة في الافراد كما سبق والله أعلم والظاهر والله أعلم أن حديث الليث هذا عن عقيل عن الزهري عن سالم عن ابن عمر يروى من الطريق الاخرى عن ابن عمر حين افرد الحج ومن محاصرة الحجاج لابن الزبير فقيل له ان الناس كائن بينهم شيء فلو أخرت الحج عامك هذا فقال اذا أفعل كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم يعني زمن حصر عام الحديبية فاحرم بعمرة من ذي الحليفة ثم علا شرف البيداء قال ما أرى أمرهما إلا واحدا فأهل بحج معها فأعتقد الراوي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم هكذا فعل سواء بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فرووه كذلك وفيه نظر لما سنبينه وبيان هذا في الحديث الذي رواه عبد الله بن وهب أخبرني مالك بن أنس وغيره أن نافعا حدثهم أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرا وقال ان صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم فخرج فأهل بالعمرة وسار حتى اذا ظهر على ظاهر البيداء التفت الى اصحابه فقال ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة فخرج حتى جاء البيت فطاف به وطاف بين الصفا والمروة سبعا لم يزد عليه وأرى أن ذلك مجزيا عنه وأهدى وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث مالك وأخرجاه من حديث عبيد الله عن نافع به ورواه عبد الرزاق عن عبيد الله وعبد العزيز بن أبي رواد عن نافع به نحوه وفيه ثم قال في آخره هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم وفيما رواه البخاري حيث قال حدثنا قتيبة ثنا ليث عن نافع أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له ان الناس كائن بينهم قتال وانا نخاف أن يصدوك قال لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة اذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم إني اشهدكم أني قد أوجبت عمرة ثم خرج حتى اذا كان بظاهر البيداء قال ما أرى من شأن الحج والعمرة إلا واحدا أشهدكم أني أوجبت حجا مع عمرتي فاهدى هديا اشتراه بقديد ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الاول وقال ابن عمر كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال البخاري حدثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا ابن علية عن أيوب عن نافع أن ابن عمر دخل [ عليه ] ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في المدار فقال اني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فيصدوك عن البيت فلو أقمت قال قد خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم فحال كفار قريش بينه وبين البيت فان يحل بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة اذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم اني أشهدكم اني قد أوجبت مع عمرتي حجا ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا وهكذا رواه البخاري عن أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب بن ابي تميمة السختياني عن نافع به ورواه مسلم من حديثهما

(5/125)


عن أيوب به فقد اقتدى ابن عمر رضي الله عنه برسول الله صلى الله عليه و سلم في التحلل عند حصر العدو والاكتفاء بطواف واحد عن الحج والعمرة وذلك لأنه كان قد أحرم أولا بعمرة ليكون متمتعا فخشى أن يكون حصر فجمعهما وأدخل الحج قبل العمرة قبل الطواف فصار قارنا وقال ما أرى أمرهما إلا واحدا يعني لا فرق بين أن يحصر الانسان عن الحج أو العمرة أو عنهما فلما قدم مكة اكتفى عنهما بطوافه الأول كما صرح به في السياق الأول الذي أفردناه وهو قوله ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الاول قال ابن عمر كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يعني أنه اكتفى عن الحج والعمرة بطواف واحد يعني بين الصفا والمروة وفي هذا دلالة على أن ابن عمر روى القران ولهذا روى النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن نافع أن ابن عمر قرن الحج والعمرة فطاف طوافا واحدا ثم رواه النسائي عن علي بن ميمون الرقي عن سفيان بن عيينة عن اسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى وأيوب السختياني وعبد الله بن عمر أربعتهم عن نافع أن ابن عمر أتى ذا الحليفة فأهل بعمرة فخشي أن يصد عن البيت فذكر تمام الحديث من ادخاله الحج على العمرة وصيرورته قارنا
والمقصود أن بعض الرواة لما سمع قول ابن عمر اذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم وقوله كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم اعتقد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فأدخله عليها قبل الطواف فرواه بمعنى ما فهم ولم يرد ابن عمر ذلك وانما أراد ما ذكرناه والله أعلم بالصواب ثم بتقدير أن يكون أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف فانه يصير قارنا لا متمتعا التمتع الخاص فيكون فيه دلالة لمن ذهب الى افضلية التمتع والله تعالى أعلم وأما الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه حدثنا موسى بن اسماعيل ثنا همام عن قتادة حدثني مطرف عن عمران قال تمتعنا على عهد النبي صلى الله عليه و سلم ونزل القران قال رجل برأيه ما شاء فقد رواه مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد ابن عبد الوارث عن همام عن قتادة به والمراد به المتعة التي أعم من القران والتمتع الخاص ويدل على ذلك ما رواه مسلم من حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن مطرف عن عبد الله بن الشخير عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جمع بين حج وعمرة وذكر تمام الحديث وأكثر السلف يطلقون المتعة على القران كما قال البخاري حدثنا قتيبة ثنا حجاج بن محمد الاعور عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب قال اختلف علي وعثمان رضي الله عنهما وهما بعسفان في المتعة فقال علي ما تريد الى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أهل بهما جميعا ورواه مسلم من حديث شعبة ايضا عن الحكم بن عيينة عن علي ابن الحسين عن مروان بن الحكم عنهما به وقال علي ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم بقول

(5/126)


أحد من الناس ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عنهما فقال له علي ولقد علمت إنما تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أجل ولكنا كنا خائفين
وأما الحديث الذي رواه مسلم من حديث غندر عن شعبة وعن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن مسلم بن مخراق المقبري سمع ابن عباس يقول أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم فقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده وروح بن عبادة عن شعبة عن مسلم المقبري عن ابن عباس قال أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحج وفي رواية أبي داود أهل رسول الله وأصحابه بالحج فمن كان منهم لم يكن له متعة هدي حل ومن كان معه هدي لم يحل الحديث فان صححنا الروايتين جاء القران وان توقفنا في كل منهما وقف الدليل وان رجحنا رواية مسلم في صحيحه في رواية العمرة فقد تقدم عن ابن عباس أنه روى الافراد وهو الاحرام بالحج فتكون هذه زيادة على الحج فيجيء القول بالقران لا سيما وسيأتي عن ابن عباس ما يدل على ذلك وروى مسلم من حديث غندر ومعاذ بن معاذ عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله قال هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن معه هدي فليحلل الحل كله فقد دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة وروى البخاري عن آدم بن أبي اياس ومسلم من حديث غندر كلاهما عن شعبة عن ابي جمرة قال تمتعت فنهاني ناس فسألت ابن عباس فأمرني بها فرأيت في المنام كأن رجلا يقول حج مبرور ومتعة متقبلة فأخبرت ابن عباس فقال الله أكبر سنة أبي القاسم صلوات الله وسلامه عليه والمراد بالمتعة ههنا القران وقال القعيني وغيره عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه حدثه أنه سمع سعد بن ابي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان يذكر التمتع بالعمرة الى الحج فقالا الضحاك لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله فقال سعد بئس ما قلت يا ابن أخي فقال الضحاك فان عمر بن الخطاب كان ينهى عنها فقال سعد قد صنعها رسول الله صلى الله عليه و سلم وصنعناها معه ورواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن مالك وقال الترمذى صحيح وقال عبد الرزاق عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك كلاهما عن سليمان التيمي حدثني غنيم بن قيس سألت سعد بن أبي وقاص عن التمتع بالعمرة الى الحج قال فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وهذا يومئذ كافر في العرش يعني مكة ويعني به معاوية ورواه مسلم من حديث شعبة وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد ومروان الفزاري أربعتهم عن سليمان التيمي سمعت غنيم بن قيس سألت سعدا عن المتعة فقال قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش وفي رواية يحيى بن سعيد يعني معاوية وهذا كله من باب اطلاق التمتع على ما هو أعم من التمتع الخاص وهو الاحرام بالعمرة والفراغ منها ثم الاحرام

(5/127)