صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ البداية والنهاية - ابن كثير ]
الكتاب : البداية والنهاية
المؤلف : إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء
الناشر : مكتبة المعارف - بيروت
عدد الأجزاء : 14

حكي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عنه فقالوا هذا يوم نجى الله فيه موسى فقال نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر الناس بصيامه وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن ابن عباس وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وإن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ايام أخر الآية وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه الكفاية من ايراد الاحاديث المتعلقة بذلك والآثار المروية في ذلك والاحكام المستفادة منه ولله الحمد
وقد قال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا المسعودي حدثنا عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال احيلت الصلاة ثلاثة أحوال وأحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكر أحوال الصلاة قال وأما أحوال الصيام فان رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء ثم أن الله فرض عليه الصيام وأنزل يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم إلى قوله وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فاجزأ ذلك عنه ثم إن الله أنزل الآية الاخرى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه فاثبت صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبت الا طعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان قال وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فاذا ناموا امتنعوا ثم أن رجلا من الانصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى فجاء أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فاصبح صائما فرآه رسول الله صلى الله عليه و سلم قد جهد جهدا شديدا فقال مالي أراك قد جهدت جهدا شديدا فاخبره قال وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فاتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له فانزل الله أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم إلى قوله ثم أتموا الصيام إلى الليل ورواه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي نحوه وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت كان عاشوراء يصام فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر وللبخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله ولتحرير هذا موضع آخر من التفسير ومن الاحكام الكبير وبالله المستعان
قال ابن جرير وفي السنة أمر الناس بزكاة الفطر وقد قيل إن رسول الله صلى الله عليه و سلم خطب

(3/255)


الناس قبل الفطر بيوم أو يومين وأمرهم بذلك قال وفيها صلى النبي صلى الله عليه و سلم صلاة العيد وخرج بالناس إلى المصلى فكان أول صلاة عيد صلاها وخرجوا بين يديه بالحربة وكانت للزبير وهبها له النجاشي فكانت تحمل بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم في الأعياد
قلت وفي هذه السنة فيما ذكره غير واحد من المتأخرين فرضت الزكاة ذات النصب كما سيأتي تفصيل ذلك كله بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم بسم الله الرحمن الرحيم غزوة بدر العظمى * يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
قال الله تعالى ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون وقال الله تعالى كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع 2 دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون وما بعدها إلى تمام القصة من سورة الانفال وقد تكلمنا عليها هنالك وسنورد هاهنا في كل موضع ما يناسبه
قال ابن اسحاق رحمه الله بعد ذكره سرية عبد الله بن جحش ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم سمع بابي سفيان صخر بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة وفيها ثلاثون رجلا أو أربعون منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص قال موسى بن عقبة عن الزهري كان ذلك بعد مقتل ابن الحضرمي بشهرين قال وكان في العير الف بعير تحمل أموال قريش باسرها إلا حويطب بن عبد العزى فلهذا تخلف عن بدر
قال ابن اسحاق فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن عباس كل قد حدثني بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا لما سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم بابي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين اليهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا اليها لعل الله ينفلكموها فانتدب الناس فخفف بعضهم وثقل بعض وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يلقى حربا وكان أبو

(3/256)


سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس حين لقي من الركبان تخوفا على أموال الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة قال ابن اسحاق فحدثني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قالا وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رؤيا افزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم علي ما أحدثك قال لها وما رأيت قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ باعلا صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا اليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها إلا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخره فارسلها فاقبلت تهوي حتى اذا كانت باسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة قال العباس والله إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها لا تذكريها لاحد ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لابنه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش قال العباس فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل ابن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رآني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فاقبل الينا فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال أبو جهل يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه البينة قال قلت وما ذاك قال تلك الرؤيا التي رأت عاتكة قال قلت وما رأت قال يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يك حقا ما تقول فسيكون وإن تمصضالثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب قال العباس فوالله ما كان مني اليه كبير شيء إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا قال ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت قال قلت قد والله فعلت ما كان مني اليه من كبير وايم الله لأتعرضن له فاذا عاد

(3/257)


لاكفيكنه قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه قال فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فاقع به وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر قال إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال قلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرق مني أن اشاتمه وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الامر فتجهز الناس سراعا وقالوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي والله ليعلمن غير ذلك وذكر موسى بن عقبة رؤيا عاتكة كنحو من سياق ابن اسحاق قال فلما جاء ضمضم بن عمرو على تلك الصفة خافوا من رؤيا عاتكة فخرجوا على الصعب والذلول
قال ابن اسحاق فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا وأوعبت قريش فلم يتخلف من اشرافها أحد إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة استأجره باربعة آلاف درهم كانت له عليه قد أفلس بها قال ابن اسحاق وحدثني ابن أبي نجيح أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا فأتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبا علي استجمر فانما أنت من النساء قال قبحك الله وقبح ما جئت به قال ثم تجهز وخرج مع الناس هكذا قال ابن اسحاق في هذه القصة وقد رواها البخاري على نحو آخر فقال حدثني احمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة ثنا ابراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي اسحاق حدثني عمرو بن ميمون أنه سمع عبد الله بن مسعود حدث عن سعد بن معاذ أنه كان صديقا لامية بن خلف وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد بن معاذ وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بمكة قال سعد لامية أنظر لي ساعة خلوه لعلي أطوف بالبيت فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال يا صفوان من هذا معك قال هذا سعد قال له أبو جهل ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أويتم الصباه وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما فقال له سعد ورفع صوته عليه أما والله لئن منعتني هذا لامنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة فقال له أمية لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم فانه سيد أهل الوادي قال سعد دعنا عنك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إنهم قاتلوك قال بمكة قال لا أدري ففزع لذلك أمية فزعا شديدا

(3/258)


فلما رجع إلى أهله قال يا أم صفوان ألم تري ما قال لي سعد قالت وما قال لك قال زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي فقلت له بمكة قال لا أدري فقال أمية والله لا أخرج من مكة فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس فقال أدركوا عيركم فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك فلم يزل به ابو جهل حتى قال إذ عبتني فوالله لاشترين أجود بعير بمكة ثم قال أمية يا أم صفوان جهزيني فقالت له يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي قال لا وما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا الا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر وقد رواه البخاري في موضع آخر عن محمد بن اسحاق عن عبيد الله بن موسى عن اسرائيل عن أبي اسحاق به نحوه تفرد به البخاري وقد رواه الامام احمد عن خلف بن الوليد وعن أبي سعيد كلاهما عن اسرائيل وفي رواية اسرائيل قالت له امرأته والله إن محمدا لا يكذب
قال ابن اسحاق ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير ذكروا ما كانوا بينهم وبين بني بكر ابن عبد مناة من الحرب فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا وكانت الحرب التي كانت بين قريش وبين بني بكر في ابن لحفص بن الاخيف من بني عامر بن لؤي قتله رجل من بني بكر باشارة عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح ثم أخذ بثأره أخوه مكرز بن حفص فقتل عامرا وخاض بسيفه في بطنه ثم جاء الليل فعلقه باستار الكعبة فخافوهم بسبب ذلك الذي وقع بينهم
قال ابن اسحاق فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال لما اجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم ابليس في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي وكان من اشراف بني كنانة فقال أنا لكم جارمن أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا قلت وهذا معنى قوله تعالى ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب غرهم لعنه الله حتى ساروا وسار معهم منزلة فنزلة ومعه جنوده وراياته كما قاله غير واحد منهم فأسلمهم لمصارعهم فلما رأى الجد والملائكة تنزل للنصر وعاين جبريل نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى مالا ترون إني أخاف الله وهذا كقوله تعالى كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين وقد قال الله تعالى وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فابليس لعنه الله لما عاين الملائكة يومئذ تنزل للنصر فر ذاهبا فكان أول من

(3/259)


هرب يومئذ بعد أن كان هو المشجع لهم المجير لهم كما غرهم ووعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا وقال يونس عن ابن اسحاق خرجت قريش على الصعب والذلول في تسعمائة وخمسين مقاتلا معهم مائتا فرس يقودونها ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين وذكر المطعمين لقريش يوما يوما وذكر الاموي أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل نحر لهم عشرا ثم نحر لهم أمية بن خلف بعسفان تسعا ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشرا ومالوا من قديد إلى مياه نحو البحر فظلوا فيها وأقاموا بها يوما فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعا ثم أصبحوا بالجحفة فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرا ثم أصبحوا بالابواء فنحر لهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج عشرا ونحر لهم العباس بن عبد المطلب عشرا ونحر لهم على ماء بدر أبو البختري عشرا ثم أكلوا من ازوادهم قال الاموي حدثنا أبي حدثنا أبو بكر الهذلي قال كان مع المشركين ستون فرسا وستمائة درع وكان مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فرسان وستون درعا
هذا ما كان من أمر هؤلاء في نفيرهم من مكة ومسيرهم إلى بدر وأما رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ابن اسحاق وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة ودفع اللواء إلى مصعب ابن عمير وكان أبيض وبين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم رايتان سوداوان إحداهما مع علي بن أبي طالب يقال لها العقاب والاخرى مع بعض الانصار قال ابن هشام كانت راية الانصار مع سعد بن معاذ وقال الاموي كانت مع الحباب بن المنذر قال ابن اسحاق وجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار وقال الاموي وكان معهم فرسان على إحداهما مصعب بن عمير وعلى الاخرى الزبير بن العوام ومن سعد بن خيثمة ومن المقداد بن الاسود وقد روى الامام احمد من حديث ابي اسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد
وروى البيهقي من طريق ابن وهب عن أبي صخر عن أبي معاوية البلخي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن عليا قال له ما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الاسود يعني يوم بدر وقال الاموي حدثنا أبي حدثنا اسماعيل بن أبي خالد عن التيمي قال كان مع رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر فارسان الزبير بن العوام على الميمنة والمقداد بن الاسود على الميسرة
قال ابن اسحاق وكان معهم سبعون بعيرا يعتقبونها فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلي ومرثد بن

(3/260)


أبي مرثد يعتقبون بعيرا وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة يعتقبون بعيرا كذا قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى وقد قال الامام احمد حدثنا عفان عن حماد بن سلمة حدثنا عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالا نحن نمشي عنك فقال ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الاجر منكما وقد رواه النسائي عن الفلاس عن ابن مهدي عن حماد بن سلمة به قلت ولعل هذا كان قبل أن يرد أبا لبابة من الروحاء ثم كان زميلاه على مرثد بدل أبي لبابة والله أعلم وقال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر بالاجراس أن تقطع من أعناق الابل يوم بدر وهذا على شرط الصحيحين وإنما رواه النسائي عن أبي الاشعث عن خالد ابن الحارث عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به قال شيخنا الحافظ المزي في الاطراف وتابعه سعيد بن بشر عن قتادة وقد رواه هشام عن زرارة عن أبي هريرة فالله أعلم وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب قال سمعت كعب بن مالك يقول لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني تخلفت عن غزوة بدر ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد تفرد به
قال ابن اسحاق فسلك رسول الله صلى الله عليه و سلم طريقه من المدينة إلى مكة على نقب المدينة ثم على العقيق ثم على ذي الحليفة ثم على أولات الجيش ثم مر على تربان ثم على ملل ثم على غميس الحمام ثم على صخيرات اليمامة ثم على السيالة ثم على فج الروحاء ثم على شنوكة وهي الطريق المعتدلة حتى إذا كان بعرق الظبية لقي رجلا من الاعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا فقال له الناس سلم على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أوفيكم رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا نعم فسلم عليه ثم قال لئن كنت رسول الله فاخبرني عما في بطن ناقي هذه قال له سلمة بن سلامة بن وقش لا تسأل رسول الله وأقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك نزوت عليها ففي بطنها منك سخلة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم مه أفخشت على الرجل ثم اعرض عن سلمة ونزل رسول الله سجسج وهي بئر الروحاء ثم ارتحل منها حتى إذا كان منها بالمنصرف ترك طريق مكة بيسار وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا فسلك في ناحية منها حتى إذا جزع واديا يقال له وحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء ثم على المضيق ثم

(3/261)


انصب منه حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة وعدي ابن أبي الزغباء حليف بني النجار إلى بدر يتجسسان الاخبار عن أبي سفيان صخر بن حرب وعيره وقال موسى بن عقبة بعثهما قبل أن يخرج من المدينة فلما رجعا فأخبراه بخبر العير استنفر الناس اليها فان كان ما ذكره موسى بن عقبة وابن اسحاق محفوظا فقد بعثهما مرتين والله أعلم
قال ابن اسحاق رحمه الله ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد قدمهما فلما استقبل الصفراء وهي قرية بين جبلين سأل عن جبليها ما اسماؤهما فقالوا يقال لاحدهما مسلح وللآخر مخرئ وسأل عن أهلهما فقيل بنو النار وبنو حراق بطنان من غفار فكرههما رسول الله صلى الله عليه و سلم والمرور بينهما وتفاءل باسمائهما وأسماء أهلهما فتركهما والصفراء بيسار وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فجزع فيه ثم نزل وأتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو اسرائيل لموسى إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم خير ودعا له ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد الانصار وذلك أنهم كانوا عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فاذا وصلت الينا فانت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتخوف أن لا تكون الانصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وإن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له سعد بن معاذ والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله قال فسر رسول الله صلى الله عليه و سلم بقول سعد ونشطه ثم قال سيروا وابشروا فان الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم هكذا رواه ابن اسحاق رحمه الله وله شواهد من وجوه كثيرة فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه حدثنا أبو نعيم حدثنا اسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال سمعت ابن مسعود يقول شهدت من المقداد بن الاسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى النبي صلى الله عليه و سلم وهو يدعو

(3/262)


على المشركين فقال لا نقول كما قال قوم موسى لموسى إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي صلى الله عليه و سلم أشرق وجهه وسره انفرد به البخاري دون مسلم فرواه في مواضع من صحيحه من حديث مخارق به ورواه النسائى من حديثه وعنده وجاء المقداد بن الاسود يوم بدر على فرس فذكره وقال الامام احمد حدثنا عبيدة هو ابن حميد عن حميد الطويل عن أنس قال استشار النبي صلى الله عليه و سلم مخرجه إلى بدر فأشار عليه أبو بكر ثم استشارهم فأشار عليه عمر ثم استشارهم فقال بعض الانصار إياكم يريد رسول الله يا معشر الانصار فقال بعض الانصار يا رسول الله إذا لا نقول كما قالت بنو اسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك وهذا اسناد ثلاثي صحيح على شرط الصحيح وقال احمد أيضا حدثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال فتكلم أبو بكر فاعرض عنه ثم تكلم عمر فاعرض عنه فقال سعد بن عبادة إيانا يريد رسول الله صلى الله عليه و سلم والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لاخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا فندب رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس قال فانطلقوا حتى نزلوا بدرا ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه فيقول ما لي علم بأبي سفيان ولكن هذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف فاذا قال ذلك ضربوه فاذا ضربوه قال نعم أنا أخبركم هذا أبو سفيان فاذا تركوه فسألوه قال مالي بابي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية فاذا قال هذا أيضا ضربوه ورسول الله صلى الله عليه و سلم قائم يصلي فلما رأى ذلك انصرف فقال والذي نفسي بيده انكم لتضربونه إذا صدق وتتركونه إذا كذبكم قال وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا مصرع فلان يضع يده على الارض ههنا وههنا فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه و سلم ورواه مسلم عن أبي بكر عن عفان به نحوه وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه واللفظ له من طريق عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم عن أبي عمران أنه سمع أبا أيوب الانصاري يقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن بالمدينة إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن تخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها فقلنا نعم فخرج وخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا ما ترون في القوم فانهم قد أخبروا بمخرجكم فقلنا لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم ولكنا أردنا العير ثم قال ما ترون في قتال القوم فقلنا مثل ذلك فقام المقداد بن عمرو [ فقال ] إذا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون قال فتمنينا معشر الانصار لو أنا

(3/263)


قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم فأنزل الله عز و جل على رسوله كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون وذكر تمام الحديث وروى ابن مردويه أيضا من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال كيف ترون فقال أبو بكر يا رسول الله بلغنا أنهم بكذا وكذا قال ثم خطب الناس فقال كيف ترون فقال عمر مثل قول أبي بكر ثم خطب الناس فقال كيف ترون فقال سعد بن معاذ يا رسول الله ايانا تريد فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك ولا نكون كالذين قالوا لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم متبعون ولعل أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله اليك غيره فانظر الذي أحدث الله اليك فامض فصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت وعاد من شئت وسالم من شئت وخذ من أموالنا ما شئت فنزل القرآن على قول سعد كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون الآيات وذكره الاموي في مغازيه وزاد بعد قوله وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت وما أخذت منا كان أحب الينا مما تركت وما أمرت به من أمر فامرنا تبع لأمرك فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك
قال ابن اسحاق ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه و سلم من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الاصافر ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدية وترك الحنان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من اصحابه قال ابن هشام هو أبو بكر قال ابن اسحاق كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أخبرتنا أخبرناك فقال أو ذاك بذاك قال نعم قال الشيخ فانه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه و سلم وبلغنى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فان كان الذى أخبرنى صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به قريش فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم نحن من ماء ثم انصرف عنه قال يقول الشيخ ما من ماء أمن ماء العراق قال ابن هشام يقال لهذا الشيخ سفيان الضمري

(3/264)


قال ابن اسحاق ثم رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى اصحابه فلما أمسى بعث علي بن ابي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير فاصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلامي بني الحجاج وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد فاتوا بهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه و سلم قائم يصلي فقالوا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لابي سفيان فضربوهما فلما أذلقوهما قالا نحن لابي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه و سلم وسجد سجدتيه وسلم وقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش أخبراني عن قريش قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل فقال لهما رسول الله صلى الله عليه و سلم كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا لا ندري قال كم ينحرون كل يوم قالا يوما تسعا ويوما عشرا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم القوم ما بين التسعمائة إلى الالف ثم قال لهما فمن فيهم من أشراف قريش قالا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الاسود وأبو جهل وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبدود قال فاقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم على الناس فقال هذه مكة قد القت اليكم أفلاذ كبدها
قال ابن اسحاق وكان بسبس بن عمرو وعدي بن ابي الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه ومجدي بن عمرو الجهني على الماء فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما يتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك قال مجدي صدقت ثم خلص بينهما وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبراه بما سمعا وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا حتى ورد الماء فقال لمجدي بن عمرو هل أحسست أحدا قال ما رأيت أحدا أنكره إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فاذا فيه النوى فقال هذه والله علائف يثرب فرجع إلى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا بيسار وانطلق حتى أسرع وأقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب ابن عبد مناف رؤيا فقال إني رأيت فيما يرى النائم واني لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم ابن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش ثم رأيته

(3/265)


ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه فبلغت أبا جهل لعنه الله فقال هذا أيضا نبي آخر من بني المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا
قال ابن اسحاق ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش انكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا وقال الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكان حليفا لبني زهرة وهم بالجحفة يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وانما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بها جبنها وارجعوا فانه لا حاجة لكم بان تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا قال فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد أطاعوه وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقي بطن من قريش إلا وقد نفر منهم ناس إلا بني عدي لم يخرج منهم رجل واحد فرجعت بنو زهرة مع الاخنس فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد قال ومضى القوم وكان بين طالب بن أبي طالب وكان في القوم وبين بعض قريش محاورة فقالوا والله قد عرفنا يا بني هاشم وإن خرجتم معنا أن هواكم مع محمد فرجع طالب إلى مكة مع من رجع وقال في ذلك ... لا هم إما يغزون طالب ... في عصبة محالف محارب ... في مقنب من هذا المقانب ... فليكن المسلوب غير السالب ... وليكن المغلوب غير الغالب ...
قال ابن اسحاق ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي وهو يليل بين بدر وبين العقنقل الكثيب الذي خلفه قريش والقليب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة
قلت وفي هذا قال تعالى إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والراكب أسفل منكم أي من ناحية الساحل ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا الآيات وبعث الله السماء وكان الوادي دهسا فاصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه منها ماء لبد لهم الارض ولم يمنعهم من السير وأصاب قريشا منها ماء لم يقدروا على أن يرتحلوا معه
قلت وفي هذا قوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام فذكر أنه طهرهم ظاهرا وباطنا وأنه ثبت اقدامهم وشجع قلوبهم وأذهب عنهم تخذيل الشيطان وتخويفه للنفوس ووسوسته الخواطر وهذا تثبيت الباطن

(3/266)


والظاهر وأنزل النصر عليهم من فوقهم في قوله إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق أي على الرؤوس واضربوا منهم كل بنان أي لئلا يستمسك منهم السلاح ذلك بانهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب ذلكم فذقوه وأن للكافرين عذاب النار
قال ابن جرير حدثني هارون بن اسحاق ثنا مصعب بن المقدام ثنا اسرائيل ثنا اسحاق عن حارثة عن علي بن أبي طالب قال اصابنا من الليل طش من المطر يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى الله عليه و سلم يعني قائما يصلي وحرض على القتال وقال الامام احمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن أبي اسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح وسيأتي هذا الحديث مطولا ورواه النسائي عن بندار عن غندر عن شعبة به وقال مجاهد أنزل عليهم المطر فأطفأ به الغبار وتلبدت به الارض وطابت به أنفسهم وثبتت به أقدامهم
قلت وكانت ليلة بدر ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة وقد بات رسول الله صلى الله عليه و سلم تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة هناك ويكثر في سجوده أن يقول يا حي يا قيوم يكرر ذلك ويلظ به عليه السلام
قال ابن اسحاق فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر نزل به قال ابن اسحاق فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن منذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله فان هذا ليس بمنزل فأمض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد اشرت بالرأي قال الاموي حدثنا أبي قال وزعم الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يجمع الاقماص وجبريل عن يمينه إذ أتاه ملك من الملائكة فقال يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هو السلام ومنه السلام واليه السلام فقال الملك إن الله يقول لك ان الأمر [ هو ] الذي أمرك به الحباب بن المنذر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا جبريل هل تعرف هذا فقال ما كل أهل السماء أعرف وانه لصادق وما هو بشيطان فنهض رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن معه من الناس

(3/267)


فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فعورت وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملىء ماء ثم قذفوا فيه الآنية وذكر بعضهم أن الحباب بن المنذر لما اشار بما أشار به على رسول الله صلى الله عليه و سلم نزل ملك من السماء وجبريل عند النبي صلى الله عليه و سلم فقال الملك يا محمد ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك ان الرأى ما أشار به الحباب فنظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى جبريل فقال ليس كل الملائكة أعرفهم وأنه ملك وليس بشيطان وذكر الاموي أنهم نزلوا على القليب الذي يلي المشركين نصف الليل وأنهم نزلوا فيه واستقوا منه وملؤا الحياض حتى أصبحت ملاء وليس للمشركين ماء
قال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر انه حدث ان سعد بن معاذ قال يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فان اعزنا الله واظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وان كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام ما نحن باشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم ويناصحونك ويجاهدون معك فاثنى عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم خيرا ودعا له بخير ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه و سلم عريش كان فيه
قال ابن اسحاق وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فاقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه و سلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذي جاؤا منه إلى الوادي قال اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أحنهم الغداة وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم وهو على جمل له احمر إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر إن يطيعوه يرشدوا قال وقد كان خفاف بن ايماء بن رحضة أو أبوه ايماء بن رحضة الغفاري بعث إلى قريش ابنا له بجزائر أهداها لهم وقال إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا قال فارسلوا اليه مع ابنه أن وصلتك رحم وقد قضيت الذي عليك فلعمري إن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم وإن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد فما لاحد بالله من طاقة قال فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم حكيم بن حزام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل إلا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يقتل ثم أسلم بعد ذلك فحسن اسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجاني يوم بدر
قلت وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كما سيأتي بيان ذلك

(3/268)


في فصل نعقده بعد الوقعة ونذكر أسماءهم على حروف المعجم إن شاء الله
ففي صحيح البخاري عن البراء قال كنا نتحدث أن أصحاب بدر ثلثمائة وبضع عشرة على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر وما جاوزه معه إلا مؤمن وللبخاري أيضا عنه قال استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين والانصار نيفا وأربعون ومائتان وروى الامام احمد عن نصر بن رئاب عن حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال كان أهل بدر ثلثمائة وثلاثة عشر وكان المهاجرون ستة وسبعين وكان هزيمة أهل بدر لسبع عشرة مضين من شهر رمضان يوم الجمعة وقال الله تعالى إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم الآية وكان ذلك في منامه تلك الليلة وقيل إنه نام في العريش وأمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم فدنا القوم منهم فجعل الصديق يوقظه ويقول يا رسول الله دنوا منا فاستيقظ وقد اراه الله إياهم في منامه قليلا ذكره الاموي وهو غريب جدا وقال تعالى وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا فعند ما تقابل الفريقان قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء لما له في ذلك من الحكمة البالغة وليس هذا معارض لقوله تعالى في سورة آل عمران قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء فان المعنى في ذلك على اصح القولين أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضا وذلك عند التحام الحرب والمسابقة أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا فاستدرجهم أولا بأن أراهم إياهم عند المواجهة قليلا ثم أيد المؤمنين بنصره فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا ولهذا قال والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار قال اسرائيل عن أبي اسحاق عن أبي عبيد وعبد الله لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى أني لأقول لرجل الى جنبي أتراهم سبعين فقال اراهم مائة
قال ابن اسحاق وحدثني أبي اسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الانصار قالوا لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا أحزر لنا القوم أصحاب محمد قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع اليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقون كمين أو مدد قال فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا فرجع اليهم فقال ما رأيت شيئا ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل

(3/269)


رجلا منكم فاذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فاتى عتبة بن ربيعة فقال يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها هل لك إاى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر قال وما ذاك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي قال قد فعلت أنت على ذلك إنما هو حليفي فعلى عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنطلية يعني أبا جهل فاني لا أخشى أن يسجر أمر الناس غيره ثم قام عتبة خطيبا فقال يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن اصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر اليه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب فان أصابوه فذلك الذي أردتم وإن كان غير ذلك الفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون قال حكيم فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا فهو يهنئها فقلت له يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني اليك بكذا وكذا فقال انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه فلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما بعتبة ما قال ولكنه رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال هذا حليفك يريد أن يرجع الناس وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ واعمراه واعمراه قال فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوثقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم اليه عتبة فلما بلغ عتبة قول أبي جهل انتفخ والله سحره قال سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم رأسه فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له
وقد روى ابن جرير من طريق مسور بن عبد الملك اليربوعي عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل حاجبه فقال حكيم بن حزام يستأذن قال ائذن له فلما دخل قال مرحبا يا أبا خالد أدن فحال عن صدر المجلس حتى جلس بينه وبين الوسادة ثم استقبله فقال حدثنا حديث بدر فقال خرجنا حتى إذا كنا بالجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش باسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال الله تعالى فجئت عتبة بن ربيعة فقلت يا أبا الوليد هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت قال أفعل ماذا قلت إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي وهو حليفك فتحمل بديته ويرجع

(3/270)


الناس فقال أنت علي بذلك وأذهب الى ابن الحطنلية يعني ابا جهل فقل له هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك فجئته فاذا هو في جماعة من بين يديه ومن خلفه وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول فسخت عقدي من عبد شمس وعقدي اليوم إلى بني مخزوم فقلت له يقول لك عتبة بن ربيعة هل لك أن ترجع اليوم بمن معك قال أما وجد رسولا غيرك قلت لا ولم أكن لأكون رسولا لغيره قال حكيم فخرجت مبادرا إلى عتبة لئلا يفوتني من الخبر شيء وعتبة متكئ على ايماء بن رحضة الغفاري وقد أهدى إلى المشركين عشرة جزائر فطلع أبو جهل الشر في وجهه فقال لعتبة انتفخ سحرك فقال له عتبة ستعلم فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه فقال ايماء بن رحضة بئس الفأل هذا فعند ذلك قامت الحرب وقد صف رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه وعباهم أحسن تعبية فروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف قال صفنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر ليلا وروى الامام احمد من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب أن اسلم أبا عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب يقول صفنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر فبدرت منا بادرة أمام الصف فنظر اليهم النبي صلى الله عليه و سلم فقال معي معي تفرد به احمد وهذا اسناد حسن
وقال ابن اسحاق وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بني علي ابن النجار وهو مستنتل من الصف فطعن في بطنه بالقدح وقال استو يا سواد فقال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فاقدني فكشف رسول الله صلى الله عليه و سلم عن بطنه فقال استقد قال فاعتنقه فقبل بطنه فقال ما حملك على هذا يا سواد قال يا رسول الله حضر ما ترى فاردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم بخير وقاله قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث وهو ابن عفراء قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده قال غمسه يده في العدو حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل رضي الله عنه قال ابن اسحاق ثم عدل رسول الله صلى الله عليه و سلم الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره وقال ابن اسحاق وغيره وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه واقفا على باب العريش متقلدا بالسيف ومعه رجال من الانصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه و سلم خوفا عليه من أن يدهمه العدو من المشركين والجنائب النجائب مهيأة لرسول الله صلى الله عليه و سلم ان احتاج اليها ركبها ورجع الى المدينة كما أشار به سعد بن معاذ وقد روى البزار في مسنده من حديث محمد بن عقيل عن علي أنه خطبهم فقال يا أيها الناس من أشجع الناس فقالوا أنت يا أمير المؤمنين فقال أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه ولكن هو أبو بكر إنا جعلنا لرسول الله صلى الله عليه و سلم عريشا فقلنا

(3/271)


من يكون مع رسول الله صلى الله عليه و سلم لئلا يهوي اليه أحد من المشركين فوالله ما دنا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على راس رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يهوي اليه أحد إلا أهوى اليه فهذا أشجع الناس قال ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخذته قريش فهذا يحاده وهذا يتلتله ويقولون أنت جعلت الآلهة إلها واحدا فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد ويتلتل هذا وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى أخضلت لحيته ثم قال أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو فسكت القوم فقال علي فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الارض من مؤمن آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه فهذه خصوصية للصديق حيث هو مع الرسول في العريش كما كان معه في الغار رضي الله عنه وأرضاه ورسول الله صلى الله عليه و سلم يكثر الابتهال والتضرع والدعاء ويقول فيما يدعو به اللهم إنك ان تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض وجعل يهتف بربه عز و جل ويقول اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم نصرك ويرفع يديه الى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه وجعل أبو بكر رضي الله عنه يلتزمه من ورائه ويسوي عليه رداءه ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال يا رسول الله بعض مناشدتك ربك فانه سينجز له ما وعدك
[ هكذا حكى السهيلي عن قاسم بن ثابت أن الصديق إنما قال بعض مناشدتك ربك من باب الاشفاق لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه فقال بعض هذا يا رسول الله أي لم تتعب نفسك هذا التعب والله قد وعدك بالنصر وكان رضي الله عنه رقيق القلب شديد الاشفاق على رسول الله صلى الله عليه و سلم وحكى السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي بانه قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في مقام الخوف والصديق في مقام الرجاء وكان مقام الخوف في هذا الوقت يعني أكمل قال لأن لله أن يفعل ما يشاء فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها فخوفه ذلك عبادة قلت وأما قول بعض الصوفية إن هذا المقام في مقابلة ما كان يوم الغار فهو قول مردود على قائله إذ لم يتذكر هذا القائل عور ما قال ولا لازمه ولا ما يترتب عليه والله أعلم ]
هذا وقد تواجه الفئتان وتقابل الفريقان وحضر الخصمان بين يدي الرحمن واستغاث بربه سيد الانبياء وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الارض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاء فكان أول من قتل من المشركين الاسود بن عبد الاسد المخزومي قال ابن اسحاق وكان رجلا شرسا سيء الخلق فقال أعاهد الله لاشربن من حوضهم أو لأهدمنه او لأموتن دونه فلما خرج خرج اليه حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فاطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع

(3/272)


على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد زعم أن تبر يمينه واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض قال الاموي فحمى عند ذلك عتبة بن ربيعة وأراد أن يظهر شجاعته فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز فخرج اليهم فتية من الانصار ثلاثة هم عوف ومعاذ ابنا الحارث وأمهما عفراء والثالث عبد الله بن رواحة فيما قيل فقالوا من أنتم قالوا رهط من الانصار فقالوا ما لنا بكم من حاجة وفي رواية فقالوا أكفاء كرام ولكن اخرجوا الينا من بني عمنا ونادى مناديهم يا محمد اخرج الينا أكفاءنا من قومنا فقال النبي صلى الله عليه و سلم قم يا عبيدة بن الحارث وقم يا حمزة وقم يا علي وعند الاموي أن النفر من الانصار لما خرجوا كره ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم لانه أول موقف واجه فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم أعداءه فاحب أن يكون أولئك من عشيرته فامرهم بالرجوع وأمر أولئك الثلاثة بالخروج
قال ابن اسحاق فلما دنوا منهم قالوا من أنتم وفي هذا دليل أنهم كانوا ملبسين لا يعرفون من السلاح فقال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال علي علي قالوا نعم اكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة وبارز حمزة شيبة وبارز علي الوليد بن عتبة فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وأما علي فلم يمهل الوليد ان قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكر حمزة وعلي باسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما رضي الله عنه
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية هذان خصمان اختصموا في ربهم نزلت في حمزة وصاحبه وعتبة وصاحبه يوم برزوا في بدر هذا لفظ البخاري في تفسيرها وقال البخاري حدثنا حجاج بن منهال حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي ثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب أنه قال أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن عز و جل في الخصومة يوم القيامة قال قيس وفيهم نزلت هذان خصمان اختصموا في ربهم قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة ابن ربيعة والوليد بن عتبة تفرد به البخاري وقد أوسعنا الكلام عليها في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة
وقال الاموي حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي اسحاق عن ابن المبارك عن اسماعيل بن ابي خالد عن عبد الله البهي قال برز عتبة وشيبة والوليد وبرز اليهم حمزة وعبيدة وعلي فقالوا تكلموا نعرفكم فقال حمزة أنا أسد الله وأسد رسول الله أنا حمزة بن عبد المطلب فقال كفؤ كريم وقال علي أنا ع عبد الله وأخو رسول الله وقال عبيدة أنا الذي في الحلفاء فقام كل رجل إلى رجل فقاتلوهم

(3/273)


فقتلهم الله فقالت هند في ذلك ... أعيني جودي بدمع سرب ... على خير خندف لم ينقلب ... تداعى له رهطه غدوة ... بنو هاشم وبنو المطلب ... يذيقونه حد أسيافهم ... يعلونه بعد ما قد عطب ...
ولهذا نذرت هند أن تأكل من كبد حمزة
قلت وعبيدة هذا هو ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ولما جاؤا به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله صلى الله عليه و سلم فاشرفه رسول الله صلى الله عليه و سلم قدمه فوضع خده على قدمه الشريفة وقال يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله ... ونسلمه حتى نصرع دونه ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ...
ثم مات رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أشهد أنك شهيد رواه الشافعي رحمه الله وكان أول قتيل من المسلمين في المعركة مهجع مولى عمر بن الخطاب رمن بسهم فقتله قال ابن اسحاق فكان أول من قتل ثم رمن بعده حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فاصاب نحره فمات وثبت في الصحيحين عن أنس أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر وكان في النظارة أصابه سهم غرب فقتله فجاءت أمه فقالت يا رسول الله أخبرني عن حارثة فان كان في الجنة صبرت وإلا فليرين الله ما أصنع يعني من النياح وكانت لم تحرم بعد فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم ويحك أهبلت إنها جنان ثمان وان ابنك أصاب الفردوس الاعلى
قال ابن اسحاق ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وقال أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم وقال إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل وفي صحيح البخاري عن أبي أسيد قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر إذا أكثبوكم يعني المشركين فارموهم واستبقوا نبلكم وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم حدثنا احمد بن عبد الجبار عن يونس ابن بكير عن أبي اسحاق حدثني عبد الله بن الزبير قال جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم شعار المهاجرين يوم بدر يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج يا بني عبد الله وشعار الاوس يا بني عبيد الله وسمى خيله خيل الله وقال ابن هشام وكان شعار الصحابة يوم بدر أحد أحد
قال ابن اسحاق ورسول الله صلى الله عليه و سلم في العريش معه أبو بكر رضي الله عنه يعني وهو يستغيث الله عز و جل كما قال تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بالف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم

(3/274)


قال الامام احمد حدثنا أبو نوح قراد ثنا عكرمة بن عمار ثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى اصحابه وهم ثلاثمائة ونيف ونظر إلى المشركين فاذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي صلى الله عليه و سلم القبلة وعليه رداؤه وازاره ثم قال اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام فلا تعبد بعد في الأرض أبدا فما زال يستغيث بربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فاخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك فانه سينجز لك ما وعدك فانزل الله إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بالف من الملائكة مردفين وذكر تمام الحديث كما سيأتي وقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وغيرهم من حديث عكرمة بن عمار اليماني وصححه علي ابن المديني والترمذي وهكذا قال غير واحد عن ابن عباس والسدي وابن جرير وغيرهم أن هذه الآية نزلت في دعاء النبي صلى الله عليه و سلم يوم بدر وقد ذكر الاموي وغيره أن المسلمين عجوا الى الله عز و جل في الاستغاثة بجنابة والاتعانة به وقوله تعالى بالف من الملائكة مردفين أي ردفا لكم ومددا لفئتكم رواه العوفي عن ابن عباس وقاله مجاهد وابن كثير وعبد الرحمن بن زيد وغيرهم وقال أبو كدينة عن قابوس عن ابن عباس مردفين وراء كل ملك ملك وفي رواية عنه بهذا الاسناد مردفين بعضهم على اثر بعض وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة وقد روى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال وأمد الله نبيه والمؤمنين بالف من الملائكة وكان جبريل في خمسمائة مجنبة وميكائيل في خمسمائة مجنبة وهذا هو المشهور ولكن قال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا اسحاق ثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثني عبد العزيز بن عمران عن الربعي عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير عن علي قال نزل جبريل في الف من الملائكة على ميمنة النبي صلى الله عليه و سلم وفيها أبو بكر ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة على ميسرة النبي صلى الله عليه و سلم وأنا في الميسرة ورواه البيهقي في الدلائل من حديث محمد بن جبير عن علي فزاد ونزل اسرافيل في ألف من الملائكة وذكر أنه طعن يومئذ بالحربة حتى أختضبت إبطه من الدماء فذكر أنه نزلت ثلاثة آلاف من الملائكة وهذا غريب وفي اسناده ضعف ولو صح لكان فيه تقوية لما تقدم من الاقوال ويؤيدها قراءة من قرأ بألف من الملائكة مردفين بفتح الدال والله أعلم وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم ثنا محمد بن سنان القزاز ثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب أخبرني اسماعيل بن عوف بن عبد الله بن أبي رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده قال لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ثم جئت

(3/275)


مسرعا لانظر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما فعل قال فجئت فاذا هو ساجد يقول يا حي يا قيوم يا حي يا قيوم لا يزيد عليها فرجعت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا فذهبت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا حتى فتح الله على يده وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن بندار عن عبيد الله بن عبد المجيد أبي علي الحنفي وقال الاعمش عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال ما سمعت مناشدا ينشد أشد من مناشدة محمد صلى الله عليه و سلم يوم بدر جعل يقول اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد ثم التفت وكأن شق وجهه القمر وقال كأني أنظر إلى مصارع القوم عشية رواه النسائي من حديث الاعمش به وقال لما التقينا يوم بدر قام رسول الله صلى الله عليه و سلم فما رأيت مناشدا ينشد حقا له أشد مناشدة من رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكره وقد ثبت إخباره عليه السلام بمواضع مصارع رؤس المشركين يوم بدر في صحيح مسلم عن أنس بن مالك كما تقدم وسيأتي في صحيح مسلم أيضا عن عمر بن الخطاب ومقتضى حديث ابن مسعود أنه أخبر بذلك يوم الوقعة وهو مناسب وفي الحديثين الآخرين عن أنس وعمر ما يدل على أنه أخبر بذلك قبل ذلك بيوم ولا مانع من الجمع بين ذلك بأن يخبر به قبل بيوم وأكثر وان يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة والله أعلم وقد روى البخاري من طرق عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال وهو في قبة له يوم بدر اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا فاخذ أبو بكر بيده وقال حسبك يا رسول الله الححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر وهذه الآية مكية وقد جاء تصديقها يوم بدر كما رواه ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا حماد عن أيوب عن عكرمة قال لما نزلت سيهزم الجمع ويولون الدب ر قال عمر أي جمع يهزم وأي جمع يغلب قال عمر فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يثب في الدرع وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر فعرفت تأويلها يومئذ وروى البخاري من طريق ابن جريج عن يوسف بن ماهان سمع عائشة تقول نزل على محمد بمكة وإني لجارية العب بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر
قال ابن اسحاق وجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد وأبو بكر يقول يا نبي الله بعض مناشدتك ربك فان الله منجز لك ما وعدك وقد خفق النبي صلى الله عليه و سلم [ خفقه ] وهو في العريش ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع يعني الغبار قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الناس فحرضهم وقال والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل

(3/276)


صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة قال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء قال ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رحمه الله
وقال الامام احمد حدثنا هاشم بن سليمان عن ثابت عن أنس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بسبسا عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان فجاء وما في البيت أحد غيري وغير النبي صلى الله عليه و سلم قال لا أدري ما استثنى من بعض نسائه قال فحدثه الحديث قال فخرج رسول الله فتكلم فقال إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضر فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة قال لا إلا من كان ظهره حاضرا وانطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يتقدم ن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه فدنا المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قوموا إلى جنة عرضها السموات والارض قال يقول عمير بن الحمام الانصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والارض قال نعم قال بخ بخ فقال رسول الله ما يحملك على قول بخ بخ قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال فانك من أهلها قال فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة قال فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وجماعة عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به وقد ذكر ابن جرير أن عميرا قاتل وهو يقول رضي الله عنه ... ركضا إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد ... والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد ... غير التقى والبر والرشاد ...
وقال الامام احمد حدثنا حجاج حدثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال لما قدمنا المدينة اصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتحيز عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بدر وبدر بئر فسبقنا المشركين اليها فوجدنا فيها رجلين رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط فأما القرشي فانفلت وأما المولى فوجدناه فجعلنا نقول له كم القوم فيقول هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له كم القوم قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجهد النبي صلى الله عليه و سلم أن يخبره كم هم فابى ثم أن النبي صلى الله عليه و سلم سأله كم ينحرون من الجزر فقال عشرا كل يوم فقال النبي صلى الله عليه و سلم القوم الف كل جزور لمائة وتبعها ثم إنه أصابنا من

(3/277)


الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو ربه ويقول اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد فلما طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وحرض على القتال ثم قال إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا علي ناد حمزة وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الاحمر فجاء حمزة فقال هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم يا قوم أعصبوها برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة وقد علمتم أني لست بأجبنكم فسمع بذلك أبو جهل فقال أنت تقول ذلك والله لو غيرك يقوله لاعضضته قد ملأت رئتك جوفك رعبا فقال إياي تعير يا مصفر استه سيعلم اليوم أينا الجبان فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا من يبارز فخرج فتية من الانصار مشببة فقال عتبة لا نريد هؤلاء ولكن نبارز من بني عمنا من بني عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قم يا حمزة وقم يا علي وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين وجاء رجل من الانصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا فقال العباس يا رسول الله والله إن هذا ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم فقال الانصاري أنا أسرته يا رسول الله فقال اسكت فقد أيدك الله بملك كريم قال فاسرنا من بني عبد المطلب العباس وعقيلا ونوفل بن الحارث هذا سياق حسن وفيه شواهد لما تقدم ولما سيأتي وقد تفرد بطوله الامام احمد وروى أبو داود بعضه من حديث اسرائيل به ولما نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم من العريش وحرض الناس على القتال والناس على مصافهم صابرين ذاكرين الله كثيرا كما قال الله تعالى آمرا لهم يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الآية
وقال الاموي حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي اسحاق قال قال الاوزاعي كان يقال قلما ثبت قوم قياما فمن استطاع عند ذلك أن يجلس أو يغض طرفه ويذكر الله رجوت أن يسلم من الرياء وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لاصحابه ألا ترونهم يعني أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم جثيا على الركب كأنهم حرس يتلمظون كما ثثلمظ الحيات أو قال الافاعي قال الاموي في مغازيه وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم حين حرض المسلمين على القتال قد نفل كل امرئ ما أصاب وقال والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل [ فيقتل ] صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة وذكر قصة عمير بن الحمام كما تقدم وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالا شديدا ببدنه وكذلك أبو بكر الصديق كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع ثم نزلا فحرضا وحثا على القتال وقاتلا بالابدان جمعا

(3/278)


بين المقامين الشريفين قال الامام احمد حدثنا وكيع حدثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن حارثة ابن مضرب عن علي قال لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو أقربنا من العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا ورواه النسائي من حديث أبي اسحاق عن حارثة عن علي قال كنا إذا حمي البأس ولقي القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه و سلم وقال الامام احمد حدثنا أبو نعيم حدثنا مسعر عن أبي عون عن أبي صالح الحنفي عن علي قال قيل لعلي ولابي بكر رضي الله عنهما يوم بدر مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل واسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل أو يشهد الصف وهذا يشبه ما تقدم من الحديث أن أبا بكر كان في الميمنة ولما تنزل الملائكة يوم بدر تنزيلا كان جبريل على أحد المجنبتين في خمسمائة من الملائكة فكان في الميمنة من ناحية أبي بكر الصديق وكان ميكائيل على المجنبة الاخرى في خمسمائة من الملائكة فوقفوا في الميسرة وكان علي بن أبي طالب فيها [ وفي حديث رواه أبو بعلى من طريق محمد بن جبير بن مطعم عن علي قال كنت أسبح على القليب يوم بدر فجاءت ريح شديدة ثم أخرى ثم أخرى فنزل ميكائيل في الف من الملائكة فوقف على يمين رسول الله صلى الله عليه و سلم وهناك أبو بكر واسرافيل في الف في الميسرة وأنا فيها وجبريل في الف قال ولقد طفت يومئذ حتى بلغ إبطي ] وقد ذكر صاحب العقد وغيره أن أفخر بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت ... وببئر بدر إذ يكف مطيهم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد ...
وقد قال البخاري حدثنا اسحاق بن ابراهيم حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة ابن رافع الزرقي عن أبيه وكان أبوه من أهل بدر قال جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ما تعدون أهل بدر فيكم قال من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة انفرد به البخاري وقد قال الله تعالى إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق يعني الرؤس واضربوا منهم كل بنان وفي صحيح مسلم من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل حدثني ابن عباس قال بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه قد خر مستلقيا فنظر اليه فاذا هو خطم وشق وجهه بضربة السوط وحضر ذلك أجمع فجاء الانصاري فحدث ذاك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين
قال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن ابي بكر بن حزم عمن حدثه عن ابن عباس عن رجل من

(3/279)


بني غفار قال حضرت أنا وابن عم لي بدرا ونحن على شركنا وإنا لفي جبل ننتظر الوقعة على من تكون الدائرة فأقبلت سحابة فلما دنت من الجبل سمعنا منها حمحمة الخيل وسمعنا قائلا يقول أقدم حيزوم فأما صاحبي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا لكدت أن أهلك ثم انتعشت بعد ذلك وقال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن ابي بكر عن بعض بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان شهد بدرا قال بعد أن ذهب بصره لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى فلما نزلت الملائكة ورآها ابليس وأوحى الله اليهم أني معكم فثبتوا الذين آمنوا وتثبتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول له أبشروا فانهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم
وقال الواقدي حدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال كان الملك يتصور في صورة من يعرفون فيقول إني قد دنوت منهم وسمعتهم يقولون لو حملوا علينا ما ثبتنا ليسوا بشيء إلى غير ذلك من القول فذلك قوله إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا الآية ولما رأى ابليس الملائكة نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى مالا ترون وهو في صورة سراقة وأقبل أبو جهل يحرض أصحابه ويقول لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فانه كان على موعد من محمد وأصحابه ثم قال واللات والعزى لا نرجع حتى نفرق محمدا وأصحابه في الجبال فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا وروى البيهقي من طريق سلامة عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال أبو أسيد بعد ما ذهب بصره يا ابن أخي والله لو كنت أنا وأنت ببدر ثم أطلق الله بصري لأريتك الشعب الذي خرجت علينا منه الملائكة من غير شك ولا تمار وروى البخاري عن ابراهيم بن موسى عن عبد الوهاب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يوم بدر هذا جبريل آخذ برأس فرسه وعليه اداة الحرب
وقال الواقدي حدثنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وأخبرني موسى بن محمد بن ابراهيم التيمي عن أبيه وحدثني عابد بن يحيى عن أبي الحويرث عن عمارة بن أكيمة الليثي عن عكرمة عن حكيم بن حزام قالوا لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه و سلم رافع يديه يسأل الله النصر وما وعده يقول اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين وأبو بكر يقول والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك فانزل الله الفا من الملائكة مردفين عند اكتناف العدو قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والارض فلما نزل الى الارض تغيب ساعة ثم طلع وعلى ثناياه النقع يقول أتاك نصر الله إذ دعوته وروى البيهقي عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه قال يا بني لقد رأيتنا يوم

(3/280)


بدر وأن أحدنا ليشير إلى رأس مشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل اليه السيف
وقال ابن اسحاق حدثني والدي حدثني رجال من بني مازن عن أبي واقد الليثي قال إني لأتبع رجلا من المشركين لاضربه فوقع رأسه قبل أن يصل اليه سيفي فعرفت أن غيري قد قتله وقال يونس بن بكير عن عيسى بن عبد الله التيمي عن الربيع بن أنس قال كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوتة الاعناق وعلى البنان مثل سمة النار وقد احرق به
وقال ابن اسحاق حدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس قال كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد ارخوها على ظهورهم الا جبريل فانه كانت عليه عمامة صفراء وقد قال ابن عباس لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الايام وكانوا يكونون فيما سواه من الايام عددا ومددا لا يضربون وقال الواقدي حدثني عبد الله بن موسى بن ابي أمية عن مصعب بن عبد الله عن مولى لسهيل بن عمرو سمعت سهيل بن عمرو يقول لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض معلمين يقتلون وياسرون وكان أبو اسيد يحدث بعد أن ذهب بصره قال لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أمتري قال وحدثني خارجة بن ابراهيم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لجبريل من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم فقال جبريل يا محمد ما كل أهل السماء أعرف
قلت وهذا الاثر مرسل وهو يرد قول من زعم أن حيزوم اسم فرس جبريل كما قاله السهيلي وغيره والله أعلم وقال الواقدي حدثني اسحاق بن يحيى عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال فما أدري كم يد مقطوعة وضربة جائفة لم يدم كلمها قد رأيتها يوم بدر وحدثني محمد بن يحيى عن أبي عقيل عن أبي بردة بن نيار قال جئت يوم بدر بثلاثة ارؤس فوضعتهن بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت أما رأسان فقتلتهما وأما الثالث فاني رأيت رجلا طويلا [ قتله ] فاخذت رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ذاك فلان من الملائكة وحدثني موسى بن محمد بن ابراهيم عن أبيه قال كان السائب بن ابي حبيش يحدث في زمن عمر يقول والله ما أسرني أحد من الناس فيقال فمن يقول لما انهزمت قريش انهزمت معها فادركني رجل اشعر طويل على فرس أبيض فاوثقني رباطا وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا فنادى في العسكر من أسر هذا حتى انتهى بي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال من أسرك قلت لا أعرفه وكرهت أن أخبره بالذي رأيت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أسرك ملك من الملائكة اذهب ياابن عوف باسيرك وقال الواقدي حدثني عابد بن يحيى حدثنا أبو الحويرث عن عمارة بن اكيمة عن حكيم بن حزام قال لقد رأيتنا يوم بدر وقد وقع بجاد من السماء قد سد الافق فاذا الوادي يسيل نهلا فوقع في نفسي أن هذا شيء من السماء أيد به محمد فما كانت إلا الهزيمة ولقي الملائكة

(3/281)


[ وقال اسحاق بن راهويه حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن محمد بن اسحاق حدثني أبي عن جبير بن مطعم قال رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الاسود قد نزل من السماء مثل النمل الاسود فلم اشك أنها الملائكة فلم يكن إلا هزيمة القوم ] ولما تنزلت الملائكة للنصر ورآهم رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أغفى إغفاءة ثم استيقظ وبشر بذلك أبا بكر وقال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل يقود فرسه على ثناياه النقع يعني من المعركة ثم خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من العريش في الدرع فجعل يحرض على القتال ويبشر الناس بالجنة ويشجعهم بنزول الملائكة والناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم حصل لهم السكينة والطمأنينة وقد حصل النعاس الذي هو دليل على الطمأنينة والثبات والايمان كما قال إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وهذا كما حصل لهم بعد ذلك يوم أحد بنص القرآن ولهذا قال ابن مسعود النعاس في المصاف من الايمان والنعاس في الصلاة من النفاق وقال الله تعالى إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين قال الامام احمد حدثنا يزيد ابن هارون ثنا محمد بن اسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال حين التقى القوم اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة فكان هو المستفتح وكذا ذكره ابن اسحاق في السيرة ورواه النسائي من طريق صالح بن كيسان عن الزهري ورواه الحاكم من حديث الزهري أيضا ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
وقال الاموي حدثنا أسباط بن محمد القرشي عن عطية عن مطرف في قوله إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح قال قال أبو جهل اللهم [ أعن ] أعز الفئتين وأكرم القبيلتين وأكثر الفريقين فنزلت إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وقال علي بن ابي طلحة عن ابن عباس في قوله وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم قال أقبلت عير أهل مكة تريد الشام فبلغ ذلك اهل المدينة فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه و سلم يريدون العير فبلغ ذلك أهل مكة فاسرعوا اليها لكيلا يغلب عليها النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان الله قد وعدهم احدى الطائفتين وكانوا يحبون أن يلقوا العير وسار رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمسلمين يريد القوم وكره القوم مسيرهم لشوكة القوم فنزل النبي صلى الله عليه و سلم والمسلمون وبينهم وبين الماء رملة دعصة فاصاب المسلمون ضعف شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوسهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم كذا فأمطر الله عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا فاذهب الله عنهم رجز الشيطان فصار الرمل لبدا ومشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم وأيد الله نبيه والمؤمنين بالف من

(3/282)


الملائكة فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وجاء ابليس في جند الشياطين ومعه ذريته وهم في صورة رجال من بني مدلج والشيطان في صورة سراقة بن جعشم وقال الشيطان للمشركين لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطف الناس قال أبو جهل اللهم أولانا بالحق فانصره ورفع رسول الله صلى الله عليه و سلم يديه فقال يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا فقال له جبريل خذ قبضة من التراب فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين وأقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين يده ثم ولى مدبرا وشيعته فقال الرجل يا سراقة أما زعمت أنك لنا جار قال إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب وذلك حين رأى الملائكة رواه البيهقي في الدلائل
[ وقال الطبراني حدثنا مسعدة بن سعد العطار ثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي ثنا عبد العزيز بن عمران ثنا هشام بن سعد عن عبد ربه بن سعيد بن قيس الانصاري عن رفاعة بن رافع قال لما رأى أبليس ما فعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص اليه فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك فوكز في صدر الحارث ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال اللهم إني أسألك نظرتك إياي وخاف أن يخلص القتل اليه وأقبل أبو جهل فقال يا معشر الناس لا يهولنكم خذلان سراقة بن مالك فإنه كان على ميعاد من محمد ولا يهولنكم قتل شيبة وعتبة والوليد فإنهم قد عجلوا فواللات والعزى لا نرجع حتى نفرقهم بالجبال فلا الفين رجلا منكم قتل رجل ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم من مفارقتهم اياكم ورغبتهم عن اللات والعزى ثم قال أبو جهل متمثلا ... ما تنقم الحرب الشموس مني ... بازل عامين حديث سني ... لمثل هذا ولدتني أمي ...
وروى الواقدي عن موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي بكر بن أبي سليمان عن أبي حتمة سمعت مروان بن الحكم يسأل حكيم بن حزام عن يوم بدر فجعل الشيخ يكره ذلك فالح عليه فقال حكيم التقينا فاقتتلنا فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الأرض مثل وقعة الحصاة في الطست وقبض النبي صلى الله عليه و سلم القبضة التراب فرمى بها فانهزمنا قال الواقدي وحدثنا اسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير سمعت نوفل بن معاوية الديلي يقول انهزمنا يوم بدر

(3/283)


ونحن نسمع صوتا كوقع الحصى في الطاس في أفئدتنا ومن خلفنا وكان ذلك من أشد الرعب علينا
وقال الاموي حدثنا أبي ثنا ابن أبي اسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن أبا جهل حين التقى القوم قال اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بمالا نعرف فأحنه الغداة فكان هو المستفتح فبينما هم على تلك الحال وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم خفق رسول الله صلى الله عليه و سلم خفقة في العريش ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع أتاك نصر الله وعدته وأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فاخذ كفا من الحصى بيده ثم خرج فاستقبل القوم فقال شاهت الوجوه ثم نفحهم بها ثم قال لاصحابه احملوا فلم تكن إلا الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديدهم وأسر من أسر منهم وقال زياد عن ابن اسحاق ثم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال شاهت الوجوه ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال شدوا فكانت الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش واسر من أسر من أشرافهم وقال السدي الكبير قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلي يوم بدر أعطني حصباء من الارض فناوله حصباء عليها تراب فرمى به وجوه القوم فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء ثم ردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم وأنزل الله في ذلك فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وهكذا قال عروة وعكرمة ومجاهد ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس وقتادة وابن زيد وغيرهم ان هذه الآية نزلت في ذلك يوم بدر وقد فعل عليه السلام مثل ذلك في غزوة حنين كما سيأتي في موضعه إذا انتهينا اليه إن شاء الله وبه الثقة وذكر ابن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما حرض أصحابه على القتال ورمى المشركين بما رماهم به من التراب وهزمهم الله تعالى صعد الى العريش أيضا ومعه أبو بكر ووقف سعد بن معاذ ومن معه من الانصار على باب العريش ومعهم السيوف خيفة أن تكر راجعة من المشركين إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال ابن اسحاق ولما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما ذكر لي في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله باهل الشرك فكان الاثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال قال ابن اسحاق وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لاصحابه يومئذ إني قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم قد اخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن اسد فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا يقتله فانه إنما خرج مستكرها فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة أنقتل

(3/284)


آباءنا وابناءنا واخواننا ونترك العباس والله لئن لقيته لالحمنه بالسيف فبلغت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لعمر يا أبا حفص قال عمر والله إنه لاول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم بابي حفص ايضرب وجه عم رسول الله بالسيف فقال عمر يا رسول الله دعني فلاضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق فقال أبو حذيفة ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا رضي الله عنه
مقتل ابي البختري بن هشام
قال ابن اسحاق وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قتل أبي البختري لانه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو بمكة كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه وكان ممن قام في نقض الصحيفة فلقيه المجذر بن ذياد البلوي حليف الانصار فقال له إن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهانا عن قتلك ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة وهو من بني ليث قال وزميلي فقال له المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك قال لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعا لا يتحدث عني نساء قريش بمكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة وقال أبو البختري وهو ينازل المجذر ... لن يترك ابن حرة زميله ... حتى يموت أو يرى سبيله ... قال فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد وقال في ذلك ... إما جهلت أو نسيت نسبي ... فأثبت النسبة إني من بلي ... الطاعنين برماح البزني ... والطاعنين الكبش حتى ينحني ... بشر بيتم من أبوه البختري ... أو بشرن بمثلها مني بني ... أنا الذي يقال أصلي من بلي ... أطعن بالصعدة حتى تنثني ... وأعبط القرن بعصب مشرفي ... أرزم للموت كإرزام المري ... فلا يرى مجذرا يفري فري ...
ثم أتى المجذر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستائر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني فقاتلته فقتلته
فصل في مقتل أمية بن خلف
قال ابن اسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه وحدثنيه أيضا عبد الله

(3/285)


ابن أبي بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة وكان اسمي عبد عمرو فتسميت حين اسلمت عبد الرحمن فكان يلقاني ونحن بمكة فيقول يا عبد عمرو ارغبت عن اسم سماكه أبوك قال فأقول نعم قال فاني لا اعرف الرحمن فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به أما أنت فلا تجيبني باسمك الاول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف قال وكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه قال فقلت له يا أبا علي اجعل ما شئت قال فانت عبد الاله قال قلت نعم قال فكنت اذا مررت به قال يا عبد الاله فأجيبه فاتحدث معه حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه علي وهو آخذ بيده قال ومعي أدراع لي قد استلبتها فأنا أحملها فلما رآني قال يا عبد عمرو فلم أجبه فقال يا عبد الاله فقلت نعم قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الادراع التي معك قال قلت نعم ها الله قال فطرحت الادراع من يدي وأخذت وبيد وبيد ابنه وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجة في اللبن ثم خرجت أمشي بهما قال ابن اسحاق حدثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن ابراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال قال لي أمية ابن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذا بأيديهما يا عبد الاله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره قال قلت حمزة قال ذاك الذي فعل بنا الافاعيل قال عبد الرحمن فوالله إني لاقودهما إذ رآه بلال معي وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة علا الاسلام فلما رآه قال رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال قلت أي بلال أسيري قال لا نجوت إن نجا قال ثم صرخ باعلا صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة فأنا أذب عنه قال فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط قال قلت أنج بنفسك ولا نجاء فوالله ما أغنى عنك شيئا قال فهبروهما باسيافهم حتى فرغوا منهما قال فكان عبد الرحمن يقول يرحم الله بلالا فجعني بادراعي وباسيري وهكذا رواه البخاري في صحيحه قريبا من هذا السياق فقال في الوكالة حدثنا عبد العزيز هو ابن عبد الله حدثنا يوسف هو ابن الماجشون عن صالح بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف قال كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة فلما ذكرت الرحمن قال لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية فكاتبته عبد عمرو فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لاحرزه حين نام الناس فابصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس [ من ] الانصار فقال امية بن خلف لا نجوت إن نجا أمية بن خلف فخرج

(3/286)


معه فريق من الانصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لاشغلهم فقتلوه ثم أتوا حتى تبعونا وكان رجلا ثقيلا فلما أدركونا قلت له أبرك فبرك فالقيت عليه نفسي لامنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه وأصاب أحدهم رجلي بسيفه فكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك في ظهر قدمه سمع يوسف صالحا وابراهيم أباه تفرد به البخاري من بينهم كلهم وفي مسند رفاعة بن رافع أنه هو الذي قتل أمية بن خلف
مقتل أبي جهل لعنه الله
قال ابن هشام واقبل أبو جهل يومئذ يرتجز ويقول ... ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني ... لمثل هذا ولدتني أمي ...
قال ابن اسحاق ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من عدوه أمر بابي جهل أن يلتمس في القتلى وكان أول من لقي أبا جهل كما حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك قالا قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص اليه فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها قال وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي واجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لاسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها قال ابن اسحاق ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان ثم مر بابي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وتركه وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل فمر عبد الله بن مسعود بابي جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يلتمس في القتلى وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني أنظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته فاني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت اشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبته فحجش في أحدهما جحشا لم يزل أثره به قال ابن مسعود فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه قال وقد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني

(3/287)


ثم قلت له هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني قال اعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدائرة اليوم قال قلت لله ولرسوله
قال ابن اسحاق وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول قال لي لقد ارتقيت مرتقى صعبا يارويعي الغنم قال ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله فقال لله الذي لا إله غيره وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت نعم والله الذي لا إله غيره ثم القيت رأسه بين يدي رسول الله فحمد الله هكذا ذكر ابن اسحاق رحمه الله وقد ثبت في الصحيحين من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشون عن صالح بن ابراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وشمالي فاذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة اسنانهما فتمنيت أن أكون بين أظلع منهما فغمزني أحدهما فقال يا عم أتعرف أبا جهل فقلت نعم وما حاجتك اليه قال أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه و سلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الا عجل منا فتعجبت لذلك فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها فلم انشب أن نظرت إلى ابي جهل وهو يجول في الناس فقلت ألا تريان هذا صاحبكم الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فاخبراه فقال أيكما قتله قال كل منهما أنا قتلته قال هل مسحتما سيفيكما قالا لا قال فنظر النبي صلى الله عليه و سلم في السيفين فقال كلاهما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والآخر معاذ بن عفراء وقال البخاري حدثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا ابراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال قال عبد الرحمن إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فاذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه يا عم أرني أبا جهل فقلت يا ابن أخي ما تصنع به قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه وقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله قال فما سرني أنني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما اليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه وهما ابنا عفراء وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي سليمان التيمي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من ينظر ماذا صنع أبو جهل قال ابن مسعود أنا يا رسول الله فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد قال فأخذ بلحيته قال فقلت أنت ابو جهل فقال وهو فوق رجل قتلتموه أو قال قتله قومه وعند البخاري عن أبي سلمة عن اسماعيل ابن قيس عن ابن مسعود أنه أتى أبا جهل فقال هل أخزاك الله فقال هل أعمد من رجل قتلتموه وقال الاعمش عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد ومعي سيف رديء فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف

(3/288)


رأسي بمكة حتى ضعفت يده فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال على من كانت الدائرة لنا أو علينا ألست رويعينا بمكة قال فقتلته ثم أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت قتلت ابا جهل فقال الله الذي لا إله إلا هو فاستحلفني ثلاث مرات ثم قام معي اليهم فدعا عليهم
وقال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة قال قال عبد الله انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو يذب الناس عنه بسيف له فقلت الحمد الله الذي أخزاك الله يا عدو الله قال هل هو إلا رجل قتله قومه فجعلت أتناوله بالسيف لي غير طائل فاصبت يده فندر سيفه فاخذته فضربته حتى قتلته قال ثم خرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه و سلم كأنما أقل من الأرض فأخبرته فقال لله الذي لا إله إلا هو فرددها ثلاثا قال قلت الله الذي لا إله إلا هو قال فخرج يمشي معي حتى قام عليه فقال الحمد لله الذي قد أخزاك الله يا عدو الله هذا فرعون هذه الأمة وفي رواية أخرى قال ابن مسعود فنفلني سيفه وقال أبو اسحاق الفزاري عن الثوري عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر فقلت قد قتلت أبا جهل فقال آلله الذي لا إله إلا هو فقال الله الذي لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثا قال فقال النبي صلى الله عليه و سلم الله أكبر الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم قال انطلق فأرنيه فانطلقت فأريته فقال هذا فرعون هذه الأمة ورواه أبو داود والنسائي من حديث أبي اسحاق السبيعي به وقال الواقدي وقف رسول الله صلى الله عليه و سلم على مصرع ابني عفراء فقال رحم الله ابني عفراء فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس ائمة الكفر فقيل يا رسول الله ومن قتله معهما قال الملائكة وابن مسعود قد شرك في قتله رواه البيهقي
[ وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم حدثنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن عنبسة بن الازهر عن أبي اسحاق قال لما جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم البشير يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو لقد رايته قتيلا فحلف له فخر رسول الله صلى الله عليه و سلم ساجدا ] ثم روى البيهقي من طريق أبي نعيم عن سلمة بن رجاء عن الشعثاء امرأة من بني أسد عن عبد الله ابن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى ركعتين حين بشر بالفتح وحين جيء برأس أبي جهل وقال ابن ماجه حدثنا أبو بشر بكر بن خلف حدثنا سلمة بن رجاء قال حدثتني شعثاء عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أبي حدثنا هشام أخبرنا خالد عن الشعبي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الارض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في

(3/289)


الارض ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ذاك أبو جهل بن هشام يعذب الى يوم القيامة وقال الاموي في مغازيه سمعت أبي ثنا المجالد بن سعيد عن عامر قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إني رأيت رجلا جالسا في بدر ورجل يضرب رأسه بعمود من حديد حتى يغيب في الارض فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ذاك أبو جهل وكل به ملك يفعل به كلما خرج فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة وقال البخاري حدثنا عبيد بن اسماعيل ثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال قال الزبير لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه الا عيناه وهو يكنى أبا ذات الكرش فقال أنا أبو ذات الكرش فحملت عليه بعنزة فطعنته في عينه فمات قال هشام فأخبرت أن الزبير قال لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها قال عروة فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاه إياها فلما قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذها ثم طلبها أبو بكر فاعطاه إياها فلما قبض أبو بكر سأله إياه عمر بن الخطاب فأعطاه إياها فلما قبض عمر أخذها ثم طلبها عثمان منه فأعطاه اياها فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل وقال ابن هشام حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص ومر به إني أراك كأن في نفسك شيئا أراك تظن أني قتلت اباك إني لو قتلته لم أعتذر اليك من قتله ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة فاما أبوك فاني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدث عند وقصد له ابن عمه علي فقتله
قال ابن اسحاق وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الاسدي حليف بني عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فاعطاه جذلا من حطب فقال قاتل بهذا يا عكاشة فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه و سلم هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى العون ثم لم يزل عنده يشهد به الشاهد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى قتله طليحة الاسدي أيام الردة وأنشد طليحة في ذلك قصيدة منها قوله ... عشية غادرت ابن أقرم ثاويا ... وعكاشة الغنمي عند مجال ...
وقد أسلم بعد ذلك طليحة كما سيأتي بيانه قال ابن اسحاق وعكاشة هو الذي قال حين بشر رسول الله صلى الله عليه و سلم أمته بسبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أدع الله أن يجعلني منهم قال اللهم اجعله منهم وهذا الحديث مخرج في الصحاح والحسان وغيرهما قال ابن اسحاق وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني منا خير فارس في العرب قالوا ومن هو يا رسول الله قال عكاشة بن محصن فقال ضرار بن الازور ذاك رجل منا يا رسول الله قال ليس منكم ولكنه

(3/290)


منا للحلف وقد روى البيهقي عن الحاكم من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني عمر بن عثمان الخشني عن أبيه عن عمته قالت قال عكاشة بن محصن انقطع سيفي يوم بدر فأعطاني رسول الله صلى الله عليه و سلم عودا فاذا هو سيف أبيض طويل فقاتلت به حتى هزم الله المشركين ولم يزل عنده حتى هلك وقال الواقدي وحدثني أسامة بن زيد عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الاشهل عدة قالوا انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه و سلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب فقال اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيدة
رده عليه السلام عين قتادة
قال البيهقي في الدلائل أخبرنا أبو سعد الماليني أخبرنا أبو أحمد بن عدي حدثنا أبو يعلى حدثنا يحيى الحماني ثنا عبد العزيز بن سليمان بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها فسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لا فدعاه فغمز حدقته براحته فكان لا يدري أي عين أصيب وفي رواية فكانت أحسن عينيه وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه لما أخبره بهذا الحديث عاصم بن عمر بن قتادة وأنشد مع ذلك ... أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أيما رد ...
فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله عند ذلك منشدا قول أمية بن ابي الصلت في سيف بن ذي يزن فأنشده عمر في موضعه حقا
... تلك المكارم لاقعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ... فصل قصة اخرى شبيهة بها
قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا محمد بن صالح أخبرنا الفضل بن محمد الشعراني حدثنا ابراهيم بن المنذر أخبرنا عبد العزيز بن عمران حدثني رفاعة بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه بن مالك قال لما كان يوم بدر تجمع الناس على أبي بن خلف فأقبلت اليه فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت ابطه قال فطعنته بالسيف فيها طعنة ورميت بسهم يوم بدر ففقئت عيني فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعا لي فما أذاني منها شيء وهذا غريب من هذا الوجه واسناده جيد ولم يخرجوه ورواه الطبراني من حديث ابراهيم بن المنذر قال ابن

(3/291)


هشام ونادى أبو بكر ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين لم يسلم بعد فقال اين مالي يا خبيث فقال عبد الرحمن ... لم يبق إلا شكة ويعبوب ... صارم يقتل ضلال الشيب ...
يعني لم يبق إلا عدة الحرب وحصان وهو اليعبوب يقاتل عليه شيوخ الضلالة هذا يقوله في حال كفره وقد روينا في مغازي الاموي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جعل يمشي هو وأبو بكر الصديق بين القتلى ورسول الله صلى الله عليه و سلم يقول نفلق هاما فيقول الصديق
... من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما ... طرح رؤوس الكفر في بئر يوم بدر
قال ابن اسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليخرجوه فتزايل [ لحمه ] فاقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم فقال يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فاني قد وجدت ما وعدني ربي حقا قالت فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى فقال لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق قالت عائشة والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وإنما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد علموا قال ابن اسحاق وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال سمع أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم رسول الله من جوف الليل وهو يقول يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أمية بن خلف ويا أبا جهل بن هشام فعدد من كان منهم في القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فاني قد وجدت ما وعدني ربي حقا فقال المسلمون يا رسول الله صلى الله عليه و سلم اتنادي قوما قد جيفوا فقال ما أنتم باسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني وقد رواه الامام احمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس فذكر نحوه وهذا على شرط الشيخين قال ابن اسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فاني قد وجدت ما وعدني ربي حقا
قلت وهذا مما كانت عائشة رضي الله عنها تتأوله من الاحاديث كما قد جمع ما كانت تتأوله من الاحاديث في جزء وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله وما أنت بمسمع من في القبور وليس هو بمعارض له والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم

(3/292)


للاحاديث الدالة نصا على خلاف ما ذهبت اليه رضي الله عنها وأرضاها وقال البخاري حدثنا عبيد ابن اسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال ذكر عند عائشة أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه و سلم أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله فقالت رحمه الله إنما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن قالت وذاك مثل قوله إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال قال انهم ليسمعون ما أقول وإنما قال إنهم الآن ليعلمون إنما كنت أقول لهم حق ثم قرأت إنك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور تقول حين تبوؤا مقاعدهم في النار وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة به وقد جاء التصريح بسماع الميت بعد دفنه في غير ما حديث كما سنقرر ذلك في كتاب الجنائز من الاحكام الكبير إن شاء الله ثم قال البخاري حدثني عثمان ثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر قال وقف النبي صلى الله عليه و سلم على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال انهم الآن يسمعون ما أقول لهم وذكر لعائشة فقالت إنما قال النبي صلى الله عليه و سلم إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت إنك لا تسمع الموتى حتى قرأت الآية وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة وعن أبي بكر بن ابي شيبة عن وكيع كلاهما عن هشام بن عروة وقال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد سمع روح بن عبادة ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر يوم بدر باربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث وكان اذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا ما نرى ينطلق الا لبعض حاجته حتى قام على شفى الركى فجعل يناديهم بأسمائهم واسماء آبائهم يا فلان ابن فلان ويا فلان بن فلان يسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فانا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها فقال النبي صلى الله عليه و سلم والذي نفس محمد بيده ما أنتم باسمع لما أقول منهم قال قتادة أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن سعيد بن أبي عروبة ورواه الامام احمد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال حدث أنس بن مالك فذكر مثله فلم يذكر أبا طلحة وهذا اسناد صحيح ولكن الأول أصح وأظهر والله أعلم وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا ثم أتاهم فقام عليهم فقال يا أمية بن خلف يا أبا جهل بن هشام يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فاني قد وجدت

(3/293)


ما وعدني ربي حقا قال فسمع عمر صوته فقال يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون يقول الله تعالى إنك لا تسمع الموتى فقال والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به وقال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت ... عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحي في الورق القشيب ... تداولها الرياح وكل جون ... من الوسمي منهمر سكوب ... فامسى رسمها خلقا وأمست ... يبابا بعد ساكنها الحبيب ... فدع عنك التذكر كل يوم ... ورد حرارة القلب الكئيب ... وخبر بالذي لا عيب فيه ... بصدق غير اخبار الكذوب ... بما صنع المليك غداة بدر ... لنا في المشركين من النصيب ... غداة كأن جمعهم حراء ... بدت أركانه جنح الغروب ... فلاقيناهم منا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب ... أمام محمد قد وازروه ... على الاعداء في لفح الحروب ... بأيديهم صوارم مرهفات ... وكل مجرب خاطي الكعوب ... بنو الأوس الغطارف وآزرتها ... بنو النجار في الدين الصليب ... فغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا بالجبوب ... وشيبة قد تركنا في رجال ... ذوي حسب إذا نسبوا حسيب ... يناديهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب في القليب ... ألم تجدوا كلامي كان حقا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب ... فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا ... صدقت وكنت ذا رأي مصيب ...
قال ابن اسحاق ولما أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب في القليب فنظر رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني في وجه أبي حذيفة بن عتبة فاذا هو كئيب قد تغير لونه فقال يا حذيفة لعلك قد دخلت من شأن أبيك شيء أو كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك للاسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك فدعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم بخير وقال له خيرا وقال البخاري حدثنا

(3/294)


الحميدي حدثنا سفيان ثنا عمرو عن عطاء عن ابن عباس الذين بدلوا نعمة الله كفرا قال هم والله كفار قريش قال عمرو هم قريش ومحمد نعمة الل ه وأحلوا قومهم دار البوار قال النار يوم بدر قال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت ... قومي الذين هم آووا نبيهم ... وصدقوه وأهل الارض كفار ... إلا خصائص اقوام هم سلف ... للصالحين من الانصار أنصار ... مستبشرين بقسم الله قولهم ... لما أتاهم كريم الأصل مختار ... اهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة ... نعم النبي ونعم القسم والجار ... [ فأنزلوه بدار لا يخاف بها ... من كان جارهم دارا هي الدار ] ... وقاسموهم بها الاموال إذ قدموا ... مهاجرين وقسم الجاحد النار ... سرنا وساروا إلى بدر لحينهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا ... دلاهم بغرور ثم أسلمهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار ... وقال إني لكم جار فأوردهم ... شر الموارد فيه الخزي والعار ... ثم التقينا فولوا عن سراتهم ... من منجدين ومنهم فرقة غاروا ...
وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن ابي بكر وعبد الرزاق قالا حدثنا اسرائيل عن عكرمة عن ابن عباس قال لما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من القتلى قيل له عليك العير ليس دونها شيء فناداه العباس وهو في الوثاق إنه لا يصلح لك قال لم قال لان الله وعدك احدى الطائفتين وقد أنجز لك ما وعدك وقد كانت جملة من قتل من سراة الكفار يوم بدر سبعين هذا مع حضور الف من الملائكة وكان قدر الله السابق فيمن بقي منهم أن سيسلم منهم بشر كثير ولو شاء الله لسلط عليهم ملكا واحدا فاهلكهم عن آخرهم ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلية وقد كان في الملائكة جبريل الذي أمره الله تعالى فاقتلع مدائن قوم لوط وكن سبعا فيهن من الامم والدواب والاراضي والمزروعات ما لا يعلمه إلا الله فرفعهن حتى بلغ بهن عنان السماء على طرف جناحه ثم قلبهن منكسات واتبعهن بالحجارة التي سومت لهم كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوط كما تقدم
وقد شرع الله جهاد المؤمنين للكافرين وبين تعالى حكمه في ذلك فقال فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض الآية وقال تعالى قاتلوهم

(3/295)


يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء الآية فكان قتل أبي جهل على يدي شاب من الانصار ثم بعد ذلك يوقف عليه عبد الله بن مسعود ومسك بلحيته وصعد على صدره حتى قال له لقد رقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم ثم بعد هذا حز رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول الله فشفى الله به قلوب المؤمنين كان هذا أبلغ من أن تأتيه صاعقة أو أن يسقط عليه سقف منزله أو يموت حتف أنفه والله أعلم
وقد ذكر ابن اسحاق فيمن قتل يوم بدر مع المشركين فيمن قتل يوم بدر مع المشركين ممن كان مسلما ولكنه خرج معهم تقية منهم لانه كان فيهم مضطهدا قد فتنوه عن إسلامه جماعة منهم الحارث بن زمعة بن الاسود وأبو قيس بن الفاكه [ وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ] وعلي بن امية بن خلف والعاص بن منبه بن الحجاج قال وفيهم نزل قوله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا وكان جملة الاسارى يومئذ سبعين أسيرا كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء الله منهم من آل رسول الله صلى الله عليه و سلم عمه العباس بن عبد المطلب وابن عمه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ابن عبد المطلب وقد استدل الشافعي والبخاري وغيرهما بذلك على أنه ليس كل من ملك ذا رحم محرم يعتق عليه وعارضوا به حديث الحسن عن ابن سمرة في ذلك فالله أعلم وكان فيهم أبو العاص ابن الربيع بن عبد شمس بن امية زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه و سلم فصل
وقد اختلف الصحابة في الاسارى أيقتلون أو يفادون على قولين كما قال الامام احمد حدثنا علي بن عاصم عن حميد عن أنس وذكر رجل عن الحسن قال استشار رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس في الاسارى يوم بدر فقال إن الله قد أمكنكم منهم قال فقام عمر فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم قال فاعرض عنه النبي صلى الله عليه و سلم ثم عاد النبي فقال للناس مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء قال فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم ما كان فيه من الغم فعفا عنهم وقبل منهم الفداء قال وأنزل الله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم الآية انفرد به احمد وقد روى الامام احمد واللفظ له ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه وكذا علي بن المديني وصححه من حديث عكرمة بن عمار حدثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني

(3/296)


ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال نظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أصحابه يوم بدر وهم ثلاثمائة ونيف ونظر الى المشركين فاذا هم ألف وزيادة فذكر الحديث كما تقدم الى قوله فقتل منهم سبعون رجلا وأسرمنهم سبعون رجلا واستشار رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا بكر وعليا وعمر فقال أبو بكر يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما ترى يا ابن الخطاب قال قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكني من فلان قريب لعمر فاضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان اخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم فهوى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد قال عمر فغدوت الى النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وهما يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فان وجدت بكاء بكيت وان لم اجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة وأنزل الله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم من الفداء ثم أحل لهم الغنائم وذكر تمام الحديث
وقال الامام احمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن عمرو بن مرة عن عبيدة عن عبد الله قال لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما تقولون في هؤلاء الاسرى قال فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم قال وقال عمر يا رسول الله أخرجوك وكذبوك قربهم فاضرب أعناقهم قال وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله أنظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا قال فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يرد عليهم شيئا فقال ناس يأخذ بقول أبي بكر وقال ناس يأخذ بقول عمر وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة فخرج عليهم فقال إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون الين من اللين وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر كمثل ابراهيم قال فمن تبعنى فانه ومن عصانى فانك غفور رحيم مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم أنتم عالة فلا يبقين أحد إلا بفداء أو ضربة عنق

(3/297)


قال عبد الله فقلت يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فاني قد سمعته يذكر الاسلام قال فسكت قال فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال إلا سهيل بن بيضاء قال فانزل الله ما كان لنبي أن يكون له اسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم إلى آخر الآيتين وهكذا رواه الترمذي والحاكم من حديث أبي معاوية وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن عمر وأبي هريرة بنحو ذلك وقد روى عن أبي أيوب الانصاري بنحوه وقد روى ابن مردويه والحاكم في المستدرك من حديث عبيد الله بن موسى حدثنا اسرائيل عن ابراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر قال لما أسر الاسارى يوم بدر اسر العباس فيمن اسر أسره رجل من الانصار قال وقد أوعدته الانصار أن يقتلوه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فقال إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس وقد زعمت الانصار أنهم قاتلوه قال عمر أفآتيهم قال نعم فأتى عمر الانصار فقال لهم ارسلوا العباس فقالوا لا والله لا نرسله فقال لهم عمر فان كان لرسول الله رضي قالوا فان كان له رضى فخذه فاخذه عمر فلما صار في يده قال له عمر يا عباس أسلم فوالله لئن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه اسلامك قال واستشار رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا بكر فقال أبو بكر عشيرتك فارسلهم واستشار عمر فقال اقتلهم ففاداهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فانزل الله ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض الآية ثم قال الحاكم في صحيحه هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال خير أصحابك في الاسارى إن شاؤا الفداء وإن شاؤا القتل على أن يقتل عاما قابلا منهم مثلهم قالوا الفداء أو يقتل منا وهذا حديث غريب جدا ومنهم من رواه مرسلا عن عبيدة والله أعلم وقد قال ابن اسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس في قوله لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم يقول لولا أني لا أعذب من عصاني حتى اتقدم اليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وهكذا روي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا واختاره ابن اسحاق وغيره وقال الاعمش سبق منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا وهكذا روي عن سعد ابن أبي وقاص وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقال مجاهد والثوري لولا كتاب من الله سبق أي لهم بالمغفرة وقال الوالبي عن ابن عباس سبق في أم الكتاب الاول أن المغانم وفداء الاسارى حلال لكم ولهذا قال بعده فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا وهكذا روى عن أبي هريرة وابن مسعود وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة والاعمش واختاره ابن جرير وقد ترجح هذا

(3/298)


القول بما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الانبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا وحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث الى قومه وبعثت الى الناس عامة وروى الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا ولهذا قال تعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فاذن الله تعالى في أكل الغنائم وفداء الاسارى وقد قال أبو داود حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي ثنا سفيان بن حبيب ثنا شعبة عن أبي العنبس عن أبي الشعثاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة وهذا كان أقل ما فودي به أحد منهم من المال وأكثر ما فودي به الرجل منهم أربعة آلاف درهم وقد وعد الله من آمن منهم بالخلف عما أخذ منه في الدنيا والآخرة فقال تعالى يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبهم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم الآية وقال الوالبي عن ابن عباس نزلت في العباس ففادى نفسه بالاربعين اوقية من ذهب قال العباس فآتاني الله أربعين عبدا يعني كلهم يتجر له قال وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله جل ثناؤه وقال ابن اسحاق حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل عن بعض أهله عن ابن عباس قال لما أمسى رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر والاسارى محبوسون بالوثاق بات النبى صلى الله عليه و سلم ساهرا أول الليل فقال له أصحابه مالك لا تنام يا رسول الله فقال سمعت انين عمي العباس في وثاقه فاطلقوه فسكت فنام رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ابن اسحاق وكان رجلا موسرا ففادى نفسه بمائة أوقية من ذهب قلت وهذه المائة كانت عن نفسه وعن ابني أخويه عقيل ونوفل وعن حليفه عتبة بن عمرو أحد بني الحارث بن فهر كما أمره بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم حين ادعى أنه كان قد أسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم أما ظاهرك فكان علينا والله أعلم باسلامك وسيجزيك فادعى أنه لا مال عنده قال فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل وقلت لها إن أصبت في سفري فهذا لبني الفضل وعبد الله وقثم فقال والله إني لأعلم أنك رسول الله إن هذا شيء ما علمه إلا أنا وأم الفضل رواه ابن اسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس وثبت في صحيح البخاري من طريق موسى بن عقبة قال الزهري حدثني أنس بن مالك قال إن رجالا من الانصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا ايذن لنا فلنترك لابن اختنا العباس فداءه فقال لا والله لا تذرون منه درهما قال البخاري وقال ابراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم أتى بمال من البحرين فقال انثروه في المسجد فكان أكثر مال أتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ جاءه العباس

(3/299)