صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ البداية والنهاية - ابن كثير ]
الكتاب : البداية والنهاية
المؤلف : إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء
الناشر : مكتبة المعارف - بيروت
عدد الأجزاء : 14

وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه فانساب ذات ليلة من قصره وأصبح في مملكة غيره وأتى ساحل البحر فكان به يضرب اللبن بالآجر فيأكل ويتصدق بالفضل ولم يزل كذلك حتى رقى أمره إلى ملكهم فأرسل إليه فأبى أن يأتيه فركب إليه الملك فلما رآه ولى هاربا فركض في أثره فلم يدركه فناداه يا عبدالله إنه ليس عليك مني بأس فقام حتى أدركه فقال له من أنت رحمك الله فقال أنا فلان بن فلان صاحب مملكة كذا وكذا ففكرت في أمري فعلمت أنما أنا فيه منقطع وأنه قد شغلني عن عبادة ربي عز و جل فتركته وجئت ههنا أعبد ربي فقال له ما أنت بأحوج لما صنعت مني قال فنزل عن دابته فسيبها وتبعه فكانا جميعا يعبدان الله عز و جل فدعوا الله أن يميتهما جميعا فماتا قال عبدالله فلو كنت برملية مصر لأريتكم قبورهما بالنعت الذي نعت لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم
حديث آخر قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا فقال لبنيه لما حضر أي أب كنت لكم قالوا خير أب قال فإني لم أعمل خيرا قط فإذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في يوم عاصف ففعلوا فجمعه الله عز و جل فقال ما حملك فقال مخافتك فتلقاه برحمته ورواه في مواضع أخر ومسلم من طرق عن قتادة به ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه و سلم بنحوه ومن حديث الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم بنحوه
حديث آخر قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا قال فلقي الله فتجاوز عنه وقد رواه في مواضع أخر ومسلم من طريق الزهري به
حديث آخر قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبدالله حدثني مالك عن محمد بن المنكدر عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم في الطاعون قال أسامة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الطاعون رجل أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه قال أبو النضر لا يخرجكم إلا فرارا منه ورواه مسلم من حديث مالك ومن طرق أخر عن عامر بن سعد به حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا داود بن أبي الفرات حدثنا عبدالله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الطاعون أخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء من عباده وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد تفرد به البخاري عن مسلم من هذا الوجه

(2/143)


حديث آخر قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا ليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا ومن يجتريء عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه و سلم فكلمه أسامة فقال أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب ثم قال إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وأخرجه بقية الجماعة من طرق عن الليث بن سعد به
حديث آخر وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة سمعت النزال بن سبرة الهلالي عن ابن مسعود قال سمعت رجلا قرأ وسمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرأ خلافها فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا تفرد به البخاري دون مسلم
حديث آخر قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم عن صالح عن ابن شهاب قال قال أبو سلمة بن عبدالرحمن إن أبا هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم تفرد به دون مسلم وفي سنن أبي داود صلوا في نعالكم خالفوا اليهود
حديث آخر قال البخاري حدثنا علي بن عبدالله حدثنا سفيان عن عمرو عن طاووس عن ابن عباس سمعت عمر يقول قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها رواه مسلم من حديث ابن عيينة ومن حديث عمرو بن دينار به ثم قال البخاري تابعه جابر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم ولهذا الحديث طرق كثيرة وسيأتي في باب الحيل من كتاب الأحكام إن شاء الله وبه الثقة
حديث آخر قال البخاري حدثنا عمران بن ميسرة حدثنا عبد الوارث حدثنا خالد عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى فأمر بلال ان يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة وأخرجه بقية الجماعة من حديث أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي به والمقصود من هذا مخالفة أهل الكتاب في جميع شعارهم فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما قدم المدينة كان المسلمون يتحينون وقت الصلواة بغير دعوة إليها ثم أمر من ينادي فيهم وقت الصلاة الصلاة جامعة ثم أرادوا أن يدعوا إليها بشيء يعرفه الناس فقال قائلون نضرب بالناقوس وقال آخر نوري نارا فكرهوا ذلك لمشابهة أهل الكتاب فأرى عبدالله بن زيد بن عبد ربه الانصاري في منامه الأذان فقصها على رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمر بلالا فنادى كما هو مبسوط في موضعه من باب الأذان في كتاب الأحكام
حديث آخر قال البخاري حدثنا بشر بن محمد أنبأنا عبدالله أنبأنا معمر ويونس عن

(2/144)


الزهري أخبرني عبيدالله بن عبدالله أن عائشة وابن عباس قالا لما نزل برسول الله صلى الله عليه و سلم طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا أغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا وهكذا رواه في غير موضع ومسلم من طرق عن الزهري به
حديث آخر قال البخاري حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو غسان قال حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه فقلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال النبي صلى الله عليه و سلم فمن وهكذا رواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به
والمقصود من هذه الأخبار عما يقع من الأقوال والأفعال المنهي عنها شرعا مما يشابه أهل الكتاب قبلنا أن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم وأفعالهم حتى لو كان قصد المؤمن خيرا لكنه تشبه ففعله في الظاهر فعلهم وكما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا تشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذ وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شيء من ذلك بالكلية وهكذا قوله تعالى يا أيها الذين أمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم فكان الكفار يقولون للنبي صلى الله عليه و سلم كلامهم معه راعنا أي انظر إلينا ببصرك واسمع كلامنا ويقصدون بقولهم راعنا من الرعونة فنهى المؤمنين أن يقولوا ذلك وإن كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدا فقد روى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم فليس للمسلم ان يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة وعيسى بن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حيين لم يكن لهما شرع متبع بل لو كانا موجودين بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم ان يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة فإذا كان الله تعالى قد من علينا بأن جعلنا من أتباع محمد صلى الله عليه و سلم فيكف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولا ثم هو بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلا ولا كثيرا ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
حديث آخر قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إنما أجلكم في أجل من خلا من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس

(2/145)


وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين إلا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى المغرب على قيراطين قيراطين إلا لكم الأجر مرتين فغضب اليهود والنصارى فقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال الله تعالى هل ظلمتكم من حقكم شيئا فقالوا لا قال فإنه فضلي أوتيه من أشاء وهذا الحديث فيه دليل على أن مدة هذه الامة قصيرة بالنسبة إلى ما مضى من مدد الأمم قبلها لقوله إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس فالماضي لا يعلمه إلا الله كما أن الآتي لا يعلمه إلا هو ولكنه قصير بالنسبة إلى ما سبق ولا اطلاع لاحد على تحديد ما بقي إلا الله عز و جل كما قال الله تعالى لا يجليها لوقتها إلا هو وقال يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها وما تذكره بعض الناس من الحديث المشهور عند العامة من أنه عليه السلام لا يؤلف تحت الأرض فليس له أصل في كتب الحديث وورد فيه حديث أن الدنيا جمعة من جمع الآخرة وفي صحته نظر والمراد من هذا التشبيه بالعمال تفاوت أجورهم وأن ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلته بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذهب مثل أحد ما بلغ من أحدهم ولا نصيفه من تمر وهدا رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستين على المشهور وقد برز في هذه المدة التي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النافعة والأعمال الصالحة على سائر الانبياء قبله حتى على نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويعمل بطاعة الله ليلا ونهارا صباحا ومساء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين فهذه الأمة إنما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيها وشرفه وعظمته كما قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل
وأخبار بني إسرائيل كثيرة جدا في الكتاب والسنة النبوية ولو ذهبنا نتقصى ذلك لطال الكتاب ولكن ذكرنا ما ذكره الإمام أبو عبدالله البخاري في هذا الكتاب ففيه مقنع وكفاية وهو تذكرة وأنموذج

(2/146)


لهذا الباب والله أعلم وأما الأخبار الإسرائيلية فيما يذكره كثير من المفسرين والمؤرخين فكثيرة جدا ومنها ما هو صحيح موافق لما وقع وكثير منها بل أكثرها مما يذكره القصاص مكذوب مفترى وضعه زنادقتهم وضلالهم وهي ثلاثة أقسام منها ما هو صحيح لموافقته ما قصه الله في كتابه أو أخبر به رسول الله صلى الله عليه و سلم ومنها ما هو معلوم البطلان لمخالفته كتاب الله وسنة رسوله ومنها ما يحتمل الصدق والكذب فهذا الذي أمرنا بالتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه كما ثبت في الصحيح إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وتجوز روايته مع هذا الحديث المتقدم وحدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج
تحريف أهل الكتاب وتبديلهم أديانهم
أما اليهود فقد أنزل الله عليهم التوراة على يدي موسى بن عمران عليه السلام وكانت كما قال الله تعالى ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وقال تعالى قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وقال تعالى ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرى للمتقين وقال تعالى وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم وقال تعالى انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فكانوا يحكمون بها وهم متمسكون بها برهة من الزمان ثم شرعوا في تحريفها وتبديلها وتغييرها وتأويلها وابداء ما ليس منها كما قال الله تعالى وان منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون فأخبر تعالى أنهم يفسرونها ويتأولونها ويضعونها على غير مواضعها وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء وهو أنهم يتصرفون في معانيها ويحملونها على غير المراد كما بدلوا حكم الرجم بالجلد والتحميم مع بقاء لفظ الرجم فيها وكما أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد مع أنهم مأمورون بإقامة الحد والقطع على الشريف والوضيع فأما تبديل ألفاظها فقال قائلون بأنها جميعها بدلت وقال آخرون لم تبدل واحتجوا بقوله تعالى وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله وقوله الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات الآية وبقوله قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين وبقصة الرجم فإنهم كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب وجابر بن عبدالله وفي السنن عن أبي هريرة

(2/147)


وغيره لما تحاكوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في قصة اليهودي واليهودية الذين زنيا فقال لهم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقالوا نفضحهم ويجلدون فأمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بإحضار التوراة فلما جاؤوا بها وجعلوا يقرؤنها ويكتمون آية الرجم التي فيها ووضع عبدالله بن صور يأيده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ارفع يدك يا أعور فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم برجمهما وقال اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه وعند أبي داود أنهم لما جاؤا بها نزع الوسادة من تحته فوضعها تحتها وقال آمنت بك وبمن أنزلك وذكر بعضهم أنه قام لها ولم أقف على إسناده والله أعلم وهذا كله يشكل على ما يقوله كثير من المتكلمين وغيرهم أن التوراة انقطع تواترها في زمن بخت نصر ولم يبق من يحفظها إلا العزيز ثم العزيز إن كان نبيا فهو معصوم والتواتر إلى المعصوم يكفي اللهم إلا أن يقال إنها لم تتواتر إليه لكن بعده زكريا ويحيى وعيسى وكلهم كانوا متمسكين بالتوراة فلو لم تكن صحيحة معمولا بها لما اعتمدوا عليها وهم أنبياء معصومون ثم قد قال الله تعالى فيما أنزل على رسوله محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء منكرا على اليهود في قصدهم الفاسد إذ عدلوا عما يعتقدون صحته عندهم وأنهم مأمورون به حتما إلى التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم يعاندون ما جاء به لكن لما كان في زعمهم ما قد يوافقهم على ما ابتدعوه من الجلد والتحميم المصادم لما أمر الله به حتما وقالوا إن حكم لكم بالجلد والتحميم فاقبلوه وتكونون قد اعتذرتم بحكم نبي لكم عند الله يوم القيامة وإن لم يحكم لكم بهذا بل بالرجم فاحذروا إن تقبلوا منه فأنكر الله تعالى عليهم في هذا القصد الفاسد الذي إنما حملهم عليه الغرض الفاسد وموافقة الهوى لا الدين الحق فقال وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدي ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله الآية ولهذا حكم بالرجم قال اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه وسألهم ما حملهم على هذا ولم تركوا أمر الله الذي بأيديهم فقالوا إن الزنا قد كثر في أشرافنا ولم يمكنا أن نقيمه عليهم وكنا نرجم من زنى من ضعفائنا فقلنا تعالوا إلى أمر نصف نفعله مع الشريف والوضيع فاصطلحنا على الجلد والتحميم فهذا من جملة تحريفهم وتبديلهم وتغييرهم وتأويلهم الباطل وهذا انما فعلوه في المعاني مع بقاء لفظ الرجم في كتابهم كما دل عليه الحديث المتفق عليه فلهذا قال من قال هذا من الناس إنه لم يقع تبديلهم إلا في المعاني وإن الألفاظ باقية وهي حجة عليهم إذ لو أقاموا ما في كتابهم جميعه لقادهم ذلك إلى اتباع الحق ومتابعة الرسول محمد صلى الله عليه و سلم كما قال الله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم الآية وقال تعالى ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن

(2/148)


تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة الآية وقال تعالى قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم الآية وهذا المذهب وهو القول بأن التبديل إنما وقع في معانيها لا في ألفاظها حكاه البخاري عن ابن عباس في آخر كتابه الصحيح وقرر عليه ولم يرده وحكاه العلامة فخر الدين الرازي في تفسيره عن أكثر المتكلمين
ليس للجنب لمس التوراة
وذهب فقهاء الحنفية إلى أنه لا يجوز للجنب مس التوراة وهو محدث وحكاه الحناطي في فتاويه عن بعض أصحاب الشافعي وهو غريب جدا وذهب آخرون من العلماء إلى التوسط في هذين القولين منهم شيخنا الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله فقال أما من ذهب إلى أنها كلها مبدلة من أولها إلى آخرها ولم يبق منها حرف إلا بدلوه فهذا بعيد وكذا من قال لم يبدل شيء منها بالكلية بعيد أيضا والحق أنه دخلها تبديل وتغيير وتصرفوا في بعض ألفاظها بالزيادة والنقص كما تصرفوا في معانيها وهذا معلوم عند التأمل ولبسطه موضع آخر والله أعلم كما في قوله في قصة الذبيح اذبح ابنك وحيدك وفي نسخة بكرك اسحاق فلفظة اسحاق مقحمة مزيدة بلا مرية لأن الوحيد وهو البكر اسماعيل لأنه ولد قبل اسحاق بأربع عشر سنة فكيف يكون الوحيد البكر اسحاق وانما حملهم على ذلك حسد العرب أن يكون اسماعيل غير الذبيح فأرادوا أن يذهبوا بهذه الفضيلة لهم فزادوا ذلك في كتاب الله افتراء على الله وعلى رسوله صلى الله عليه و سلم وقد اغتر بهذه الزيادة خلق كثير من السلف والخلف ووافقوهم على أن الذبيح اسحاق والصحيح الذبيح اسماعيل كما قدمنا والله أعلم وهكذا في توراة السامرة في العشر الكلمات زيادة الأمر بالتوجه إلى الطور في الصلاة وليس ذلك في سائر نسخ اليهود والنصارى
وهكذا يوجد في الزبور المأثور عن داود عليه السلام مختلفا كثيرا وفيه أشياء مزيدة ملحقة فيه وليست منه والله أعلم قلت وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البين الواضح وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شيء كثير جدا فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم فلا اطلاع لنا عليه والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه
وأما النصارى فأناجيلهم الأربعة من طريق مرقس ولوقا ومتى ويحنا أشد اختلافا وأكثر زيادة ونقصا وأفحش تفاوتا من التوراة وقد خالفوا أحكام التوراة والإنجيل في غير ما شيء قد شرعوه لأنفسهم فمن ذلك صلاتهم إلى الشرق وليست منصوصا عليها ولا مأمورا بها في شيء من الأناجيل الأربعة وهكذا تصويرهم كنائسهم وتركهم الختان ونقلهم صيامهم إلى زمن الربيع وزيادته إلى خمسين يوما وأكلهم

(2/149)


الخنزير ووضعهم الأمانة الكبيرة وإنما هي الخيانة الحقيرة والرهبانية وهي ترك التزويج لمن أراد التعبد وتحريمه عليه وكتبهم القوانين التي وضعتها لهم الأساقفة الثلاثمائة والثمانية عشر فكل هذه الأشياء ابتدعوها ووضعوها في أيام قسطنطين بن قسطن باني القسطنطينية وكان زمنه بعد المسيح بثلاثمائة سنة وكان أبوه أحد ملوك الروم وتزوج أمه هيلانة في بعض أسفاره للصيد من بلاد حران وكانت نصرانية على دين الرهابين المتقدمين فلما ولد لها منه قسطنطين المذكور تعلم الفلسفة وبهر فيها وصار فيه ميل بعض الشيء إلى النصرانية التي أمه عليها فعظم القائمين بها بعض الشيء وهو على اعتقاد الفلاسفة فلما مات أبوه واستقل هو في المملكة سار في رعيته سيرة عادلة فأحبه الناس وساد فيهم وغلب على ملك الشام بأسره مع الجزيرة وعظم شأنه وكان أول القياصرة ثم اتفق اختلاف في زمانه بين النصارى ومنازعة بين بترك الاسكندرية اكصندروس وبين رجل من علمائهم يقال له عبدالله بن أريوس فذهب اكصندروس إلى أن عيسى بن الله تعالى الله عن قوله وذهب ابن أريوس إلى أن عيسى عبدالله ورسوله واتبعه على هذا طائفة من النصارى واتفق الأكثرون الأخسرون على قول بتركهم ومنع ابن أريوس من دخول الكنيسة وهو أصحابه فذهب يستعدي على اكصندروس وأصحابه إلى ملك قسطنطين فسأله الملك عن مقالته فعرض عليه عبدالله بن أريوس ما يقول في المسيح من أنه عبدالله ورسوله واحتج على ذلك فحال إليه وجنح إلى قوله فقال له قائلون فينبغي أن تبعث إلى خصمه فتسمع كلامه فأمر الملك بإحضاره وطلب من سائر الأقاليم كل أسقف وكل من عنده في دين النصرانية وجمع البتاركة الأربعة من القدس وانطاكية ورومية والأسكندرية فيقال إنهم اجتمعوا في مدة سنة وشهرين ما يزيد على ألفي أسقف فجمعهم في مجلس واحد وهو المجمع الأول من مجامعهم الثلاثة المشهورة وهم مختلفون اختلافا متباينا منتشرا جدا فمنهم الشرذمة على المقالة التي لا يوافقهم أحد من الباقين عليها فهولاء خمسون على مقالة وهؤلاء ثمانون على مقالة أخرى وهؤلاء عشرة على مقالة وأربعون على أخرى ومائة على مقالة ومائتان على مقالة وطائفة على مقالة ابن أريوس وجماعة على مقالة أخرى فلما تفاقم أمرهم وانتشر اختلافهم حار فيهم الملك قسطنطين مع أنه سيء الظن بما عدا دين الصابئين من أسلافه اليونانيين فعمد إلى أكثر جماعة منهم على مقالة من مقالاتهم فوجدهم ثلثمائة وثمانية عشر أسقفا قد اجتمعوا على مقالة اكصندروس ولم يجد طائفة بلغت عدتهم فقال هؤلاء أولى بنصر قولهم لأنهم أكثر الفرق فاجتمع بهم خصوصا ووضع سيفه وخاتمه إليهم وقال إني رأيتكم أكثر الفرق قد اجتمعتم على مقالتكم هذه فأنا أنصرها وأذهب إليها فسجدوا له وطلب منهم أن يضعوا له كتابا في الأحكام وأن تكون الصلاة إلى الشرق لأنها مطلع الكواكب النيرة وأن يصوروا في كنائسهم صورا لها جثث فصالحوه على أن تكون في الحيطان فلما توافقوا على ذلك أخذ في نصرهم وإظهار كلمتهم وإقامة مقالتهم وإبعاد من خالفهم وتضعيف رأيه وقوله فظهر أصحابه

(2/150)


بجاهه على مخالفيهم وانتصروا عليهم وأمر ببناء الكنائس على دينهم وهم الملكية نسبة إلى دين الملك فبنى في أيام قسطنطين بالشام وغيرها في المدائن والقرى أزيد من اثنتيي عشر ألف كنيسة واعتنى الملك ببناء بيت لحم يعني على مكان مولد المسيح وبنت أمه هيلانة قمامة بيت المقدس على مكان المصلوب الذي زعمت اليهود والنصارى بجهلهم وقلة علمهم أنه المسيح عليه الصلاة و السلام ويقال إنه قتل من أعداء أولئك وخد لهم الأخاديد في الأرض وأجج فيها النار وأحرقهم بها كما ذكرناه في سورة البروج وعظم دين النصرانية وظهر أمره جدا بسبب الملك قسطنطين وقد أفسده عليهم فسادا لا اصلاح له ولا نجاح معه ولا فلاح عنده وكثرت أعيادهم بسبب عظمائهم وكثرت كنائسهم على أسماء عبادهم وتفاقم كفرهم وغلظت مصيبتهم وتخلد ضلالهم وعظم وبالهم ولم يهد الله قلوبهم ولا أصلح بالهم بل صرف قلوبهم عن الحق وأمال عن الاستقامة ثم اجتمعوا بعد ذلك مجمعين في قضية النسطورية واليعقوبية وكل فرقة من هؤلاء تكفر الأخرى وتعتقد تخليدهم في نار جهنم ولا يرى مجامعتهم في المعابد والكنائس وكلهم يقول بالأقانيم الثلاثة أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة ولكن بينهم اختلاف في الحلول والاتحاد فيما بين اللاهوت والناسوت هل تدرعه أو حل فيه أو اتحد به واختلافهم في ذلك شديد وكفرهم بسببه غليظ وكلهم على الباطل إلا من قال من الأريوسية أصحاب عبدالله بن أريوس إن المسيح عبدالله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه كما يقول المسلمون فيه سواء ولكن لما استقر أمر الأريوسية على هذه المقالة تسلط عليهم الفرق الثلاثة بالأبعاد والطرد حتى قلوا فلا يعرف اليوم منهم أحد فيما يعلم والله أعلم
كتاب الجامع الأخبار الأنبياء المتقدمين
قال الله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس الآية وقال تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبرهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما وقد روى ابن حبان في صحيحه وابن مردويه في تفسيره وغيرهما من طريق ابراهيم بن هشام عن يحيى بن محمد الغساني الشامس وقد تكلموا فيه حدثني أبي عن جدي عن أبي إدريس عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير قلت يا رسول الله من كان أولهم قال آدم قلت يا رسول الله

(2/151)


نبي مرسل قال نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا ثم قال يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو ادريس وهو أول من خط بالقلم وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك وقد أورد هذا الحديث أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال حدثنا محمد بن عوف حدثنا أبو المغيرة حدثنا معان بن رفاعة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر جما غفيرا وهذا أيضا من هذا الوجه ضعيف فيه ثلاثة من الضعفاء معان وشيخه وشيخ شيخه وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا أحمد بن اسحاق أبو عبدالله الجوهري البصري حدثنا مكي بن ابراهيم حدثنا موسى بن عبيدة اليزيدي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث الله ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف إلى بني إسرائيل وأربعة آلاف إلى سائر الناس موسى وشيخه ضعيفان أيضا وقال أبو يعلى أيضا حدثنا أبو الربيع حدثنا محمد بن ثابت العبدي حدثنا معبد بن خالد الأنصاري عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي ثم كان عيسى ثم كنت أنا يزيد الرقاشي ضعيف وقد رواه الحافظ أبو بكر الاسماعيلي عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن طارق حدثنا مسلم بن خالد حدثنا زياد بن سعد عن محمد بن المنكدر عن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي منهم أربعة آلاف من بني اسرائيل وهذا اسناد لا بأس به لكني لا أعرف حال أحمد بن طارق هذا والله أعلم
حديث آخر قال عبدالله بن الإمام أحمد وجدت في كتاب أبي بخطه حدثني عبدالمتعالي ابن عبدالوهاب حدثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثنا مجالد عن أبي الوداك قال قال أبو سعيد هل تقر الخوارج بالدجال قال قلت لا فقال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني خاتم ألف نبي أو أكثر وما بعث الله نبيا يتبع إلا وحذر أمته منه وانى قد بين لي فيه ما لم يبين لأحد منهم وأنه أعور وأن ربكم ليس بأعور وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص وعينه اليسرى كأنها كوكب دري معه من كل لسان ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء وصورة النار سوداء تدخن وهذا حديث غريب وقد روى عن جابر بن عبدالله فقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني لخاتم ألف نبي أو أكثر وإنه ليس منهم بني إلا وقد أنذر قومه الدجال وأنه قد تبين لي فيه ما لم يتبين لأحد منهم وانه أعور وإن ربكم ليس بأعور وهذا اسناد حسن وهو محمول على ذكر عدد من أنذر قومه الدحال من الأنبياء لكن في الحديث

(2/152)


الآخر ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الدجال فالله أعلم
وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن فرات قال سمعت أبا حازم قال قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كانت بنو اسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وانه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم وكذا رواه مسلم عن بندار ومن وجه آخر عن فرات به نحوه
وقال البخاري حدثنا عمرو بن حفص حدثنا أبي حدثني الأعمش حدثني شقيق قال قال عبدالله هو ابن مسعود كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون رواه مسلم من حديث الأعمش به نحوه وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن رجل عن أبي سعيد الخدري قال وضع رجل يده اليمنى على النبي صلى الله عليه و سلم فقال والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك فقال النبي صلى الله عليه و سلم إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر ان كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله وان كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباء فيجوبها وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء هكذا رواه الإمام أحمد من طريق زيد بن أسلم عن رجل عن أبي سعيد وقد رواه ابن ماجه عن دحيم عن ابن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد فذكره وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان بن عاصم بن أبي النجود عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عليه ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عاصم بن أبي النجود وقال الترمذي حسن صحيح وتقدم في الحديث نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد وأمهاتنا شتى والمعنى أن شرائعهم وان اختلفت في الفروع ونسخ بعضها بعضا حتى انتهى الجميع إلى ما شرع الله لمحمد صلى الله عليه و سلم وعليهم أجمعين إلا أن كل نبي بعثه الله فإنما دينه الإسلام وهو التوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له كما قال الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة الآية فأولاد العلات أن يكون الأب واحدا والأمهات متفرقات فالأب بمنزلة الدين وهو التوحيد والأمهات بمنزلة الشرائع في اختلاف أحكامها كما قال تعالى لكل

(2/153)


جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقال لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه وقال ولكل وجهة هو موليها على أحد القولين في تفسيرها
والمقصود أن الشرائع وان تنوعت في أوقاتها إلا أن الجميع آمرة بعبادة الله وحده لا شريك له وهو دين الإسلام الذي شرعه الله لجميع الأنبياء وهو الدين الذي لا يقبل الله غيره يوم القيامة كما قال تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين وقال تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون وقال تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا الآية فدين الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له وهو الاخلاص له وحده دون ما سواه والاحسان أن يكون على الوجه المشروع في ذلك الوقت المأمور به ولهذا لا يقبل الله من أحد عملا بعد أن بعث محمدا صلى الله عليه و سلم على ما شرعه له كما قال تعالى قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا وقال تعالى وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ وقال تعالى ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت إلى الأحمر والأسود قيل أراد العرب والعجم وقيل الإنس والجن وقال صلى الله عليه و سلم والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم والأحاديث في هذا كثيرة جدا والمقصود أن اخوة العلات أن يكونوا من أب واحد وأمهاتهم شتى مأخوذ من شرب العلل بعد النهل وأما اخوة الأخياف فعكس هذا أن تكون أمهم واحدة من آباء شتى وأخوة الأعيان فهم الأشقاء من أب واحد وأم واحدة والله سبحانه وتعالى أعلم وفي الحديث الآخر نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة وهذا من خصائص الأنبياء أنهم لا يورثون وما ذاك إلا لأن الدنيا أحقر عندهم من أن تكون مخلفة عنهم ولأن توكلهم على الله عز و جل في ذراريهم أعظم وأشد وآكد من أن يحتاجوا معه إلى أن يتركوا لورثتهم من بعدهم مالا يستأثرون به عن الناس بل يكون جميع ما تركوه صدقة لفقراء الناس ومحاويجهم وذو خلتهم وسنذكر جميع ما يختص بالأنبياء عليهم السلام مع خصائص نبينا صلى الله عليه و سلم وعليهم أجمعين في أول كتاب النكاح من كتاب الأحكام الكبير حيث ذكره الأئمة من المصنفين اقتداء بالإمام أبي عبدالله الشافعي رحمة الله عليه وعليهم أجمعين وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالرحمن أن عبد رب الكعبة قال انتهيت إلى عبدالله بن عمرو وهو جالس في ظل الكعبة فسمعته يقول بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر إذ نزل منزلا فمنا من يضرب خباءه ومنا من هو في جشره ومنا من ينتضل إذ نادى مناديه الصلاة جامعة قال فاجتمعنا قال فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فخطبنا فقال إنه لم يكن نبي قبلي إلا دل

(2/154)


أمته على خير ما يعلمه لهم وحذرهم ما يعلمه شرا لهم وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها وان آخرها سيصيبها بلاء شديد وأمور ينكرونها تجيء فتن يريق بعضها بعضا تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف ثم تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه ثم تنكشف فمن سره منكم أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه موتته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر قال فأدخلت رأسي من بين الناس فقلت أنشدك بالله أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فأشار بيده إلى أذنيه وقال سمعته أذناي ووعاه قلبي قال فقلت هذا ابن عمك يعني معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وأن نقتل أنفسنا وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل قال فجمع يديه فوضعهما على جبهته ثم نكس هنيهة ثم رفع رأسه فقال أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله ورواه أحمد أيضا عن وكيع عن الأعمش به وقال فيه أيها الناس إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم وينذره ما يعلمه شرا لهم وذكر تمامه بنحوه وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش به ورواه مسلم أيضا من حديث الشعبي عن عبدالرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم بنحوه ( 1 )
آخر الجزء الثامن من خط المصنف رحمه الله تعالى يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب أخبار العرب وكان الفراغ من تتمة هذا المجلد في سابع عشر شوال سنة سهر ربعره من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بدمشق المحروسة على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى رحمته وعفوه وغفرانه ولطفه وكرمه اسماعيل الدرعي الشافعي الأنصاري غفر الله تعالى له وختم له بخير ولأحبابه ولاخوانه ولمشايخه ولجميع المسلمين والصلاة والسلام على محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين

(2/155)


ذكر أخبار العرب
قيل إن جميع العرب ينتسبون إلى اسماعيل بن ابراهيم عليهما لسلام والتحية والاكرام والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل اسماعيل وقد قدمنا أن العرب العاربة منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وجرهم والعماليق وأمم آخرون لا يعلمهم إلا الله كانوا قبل الخليل عليه الصلاة و السلام وفي زمانه أيضا فأما العرب المستعربة وهم عرب الحجاز فمن ذرية اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام وأما عرب اليمن وهم حمير فالمشهور أنهم من قحطان واسمه مهزم قاله ابن ماكولا وذكروا أنهم كانوا أربعة اخوة قحطان وقاحط ومقحط وفالغ وقحطان بن هود وقيل هو هود وقيل هود أخوه وقيل من ذريته وقيل أن قحطان من سلالة اسماعيل حكاه ابن اسحاق وغيره فقال بعضهم هو قحطان بن تيمن بن قيذر بن اسماعيل وقيل غير ذلك في نسبه إلى اسماعيل والله أعلم
وقد ترجم البخاري في صحيحه على ذلك فقال باب نسبة اليمن الى اسماعيل عليه السلام حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن يزيد بن أبي عبيد حدثنا سلمة رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال ارموا بني اسماعيل وأنا مع بني فلان لأحد الفريقين فأمسكوا بأيدهم فقال ما لكم قالوا وكيف نرمي وأنت مع بني فلان فقال ارموا وأنا معكم كلكم انفرد به البخاري وفي بعض الفاظه ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا وأنا مع ابن الأدرع فأمسك القوم فقال ارموا وأنا معكم كلكم قال البخاري وأسلم بن أفصي بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعني وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين أرسل الله عليهم سيل العرم كما سيأتي بيانه وكانت الأوس والخزرج منهم وقد قال لهم عليه الصلاة و السلام ارموا بني اسماعيل فدل على أنهم من سلالته وتأوله آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل وعندهم أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين قحطانية وعدنانية فالقحطانية شعبان سبأ وحضرموت والعدنانية شعبان أيضا ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان والشعب الخامس وهم قضاعة مختلف فيهم فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبدالبر وعليه الأكثرون ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وهو اختيار الزبير بن بكار وعمه مصعب الزبيري وابن هشام وقد ورد في حديث قضاعة بن معدر ولكنه لا يصح قاله ابن عبدالبر وغيره ويقال إنهم لن يزالوا في جاهليتهم وصدر من الإسلام ينتسبون إلى عدنان فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية وكانوا أخواله انتسبوا إلى قحطان فقال في ذلك أعشى بن ثعلبة في قصيدلة له

(2/156)


أبلغ قضاعة في القرطاس إنهم ... لولا خلائف آل الله ما عتقوا ... قالت قضاعة إنا من ذوي يمن ... والله يعلم ما بروا وما صدقوا ... قد ادعوا والدا ما نال أمهم ... قد يعلمون ولكن ذلك الفرق ...
وقد ذكر أبو عمرو السهيلي أيضا من شعر العرب ما فيه إبداع في تفسير قضاعة في انتسابهم إلى اليمن والله أعلم والقول الثاني أنهم من قحطان وهو قول ابن اسحاق والكلبي وطائفة من أهل النسب قال ابن اسحاق وهو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وقد قال بعض شعرائهم وهو عمرو بن مرة صحابي له حديثان ... يا أيها الداعي ادعنا وأبشر ... وكن قضاعيا ولا تنزر ... نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... قضاعة بن مالك بن حمير ... النسب المعروف غير المنكر ... في الحجر المنقوش تحت المنبر ...
قال بعض أهل النسب هو قضاعة بن مالك بن عمر بن مرة بن زيد بن حمير وقال ابن لهيعة عن معروف بن سويد عن أبي عشابة ( 1 ) محمد بن موسى عن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله أما نحن من معد قال لا قلت فممن نحن قال أنتم قضاعة بن مالك بن حمير قال أبو عمر بن عبدالبر ولا يختلفون أن جهينة بن زيد بن أسود بن أسلم بن عمران بن إلحاف بن قضاعة قبيلة عقبة بن عامر الجهني فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير بن سبأ وقد جمع بعضهم بين هذين القولين بما ذكره الزبير بن بكار وغيره من أن قضاعة امرأة من جرهم تزوجها مالك بن حمير فولدت له قضاعة ثم خلف عليها معد بن عدنان وابنها صغير وزعم بعضهم أنه كان حملا فنسب إلى زوج أمه كما كانت عادة كثير منهم ينسبون الرجل إلى زوج أمه والله أعلم
وقال محمد بن سلام البصري النسابة العرب ثلاثة جراثم العدنانية والقحطانية وقضاعة قيل له فأيهما أكثر العدنانية أو القحطانية فقال ما شائت قضاعة أن تيامنت فالقحطانية أكثر وان تعددت فالعدنانية أكثر وهذا يدل على أنهم يتلومون في نسبهم فإن صح حديث ابن لهيعة المقدم فهو دليل على أنهم من القحطانية والله أعلم وقد قال الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم قال علماء النسب يقال شعوب ثم قبائل ثم عمائر ثم بطون ثم أفخاذ ثم فصائل ثم عشائر والعشيرة أقرب الناس إلى الرجل وليس بعدها شيء ولنبدأ أولا بذكر

(2/157)


القحطانية ثم نذكر بعدهم عرب الحجاز وهم العدنانية وما كان من أمر الجاهلية ليكون ذلك متصلا بسيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم إن شاء الله تعالى وبه الثقة
وقد قال البخاري باب ذكر قحطان حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي المغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه وكذا رواه مسلم عن قتيبة عن الدراوردي عن ثور بن زيد به قال السهيلي وقحطان أول من قيل له أبيت اللعن وأول من قيل له أنعم صباحا وقال الإمام أحمد حدثنا أبو المغيرة عن جرير حدثني راشد بن سعد المقراي عن أبي حي عن ذي فجر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم فجعله في قريش قال قال عبدالملك كان هذا في كتاب أبي وحيث حدثنا به تكلم به على الاستواء يعني وسيعود اليهم
قصة سبأ
قال الله تعالى لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور
قال علماء النسب منهم محمد بن اسحاق اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان قالوا وكان أول من سبى من العرب فسمى سبأ لذلك وكان يقال له الرائش لأنه كان يعطي الناس الأموال من متاعه قال السهيلي ويقال إنه أول من تتوج وذكر بعضهم أنه كان مسلما وكان له شعر بشر فيه بوجود رسول الله صلى الله عليه و سلم فمن ذلك قوله ... سيملك بعدنا ملكا عظيما ... نبي لا يرخص في الحرام ... ويملك بعده منهم ملوك ... يدينون العباد بغير ذام ... ويملك بعدهم منا ما ملوك ... يصير الملك فينا باقتسام ... ويملك بعد قحطان نبي ... تقي جبينه خير الأنام ... يسمى أحمدا يا ليت أني ... أعمر بعد مبعثه بعام ... فأعضده وأحبوه بنصري ... بكل مدجج وبكل رام ... متى يظهر فكونوا ناصريه ... ومن يلقاه يبلغه سلامي

(2/158)


حكاه ابن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير
وقال الإمام أحمد حدثنا أبو عبدالرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبدالله بن دعلة سمعت عبدالله بن العباس يقول إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن سبأ ما هو أرجل أم امرأة أم أرض قال بل هو رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير وأما الشامية فلخم وجذا وعاملة وغسان وقد ذكرنا في التفسير أن فروة بن مسيك الغطيفي هو السائل عن ذلك كما استقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه هناك ولله الحمد
والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها وقد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن واحدهم تبع وكان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم كما كانت الأكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك وكانت العرب تسمي كل من ملك اليمن مع الشحر وحضرموت تبعا كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر ومن ملك الفرس كسرى ومن ملك مصر فرعون ومن ملك الحبشة النجاشي ومن ملك الهند بطليموس وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس وقد قدمنا قصتها مع سليمان عليه السلام وقد كانوا في غبطة عظيمة وأرزاق دارة وثمار وزروع كثيرة وكانوا مع ذلك على الاستقامة والسداد وطريق الرشاد فلما بدلوا نعمة الله كفرا أحلوا قومهم دار البوار
قال محمد بن اسحاق عن وهب بن منبه أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا وزعم السدي أنه أرسل إليهم اثني عشر ألف نبي فالله أعلم والمقصود أنهم لما عدلوا عن الهدى إلى الضلال وسجدوا للشمس من دون الله وكان ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضا واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم كما قال تعالى فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور
ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين وغيرهم أن سد مأرب كان صنعته أن المياه تجري من بين جبلين فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين وغرسوا فيهما البساتين والأشجار المثمرة الأنيقة وزرعوا الزروع الكثيرة ويقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب وسلط إليه سبعين واديا يفد إليه وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء ومات ولم يكمل بناؤه فكملته حمير بعده وكان اتساعه فرسخا في فرسخ وكانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فتمتلي من الثمار ما يتساقط فيه من نضجه وكثرته وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث ولا الدواب الموذية لصحة هوائهم وطيب فنائهم كما قال تعالى لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور وكما قال تعالى وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد

(2/159)


فلما عبدوا غير الله وبطروا نعمته وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم وطيب ما بينها من البساتين وامن الطرقات سألوا أن يباعد بين أسفارهم وأن يكون سفرهم في مشاق وتعب وطلبوا أن يبدلوا بالخير شرا كما سأل بنو اسرائيل بدل المن والسلوى البقول والقثاء والفوم والعدس والبصل فسلبوا تلك النعمة العظيمة والحسنة العميمة بتخريب البلاد والشتات على وجوه العباد كما قال تعالى فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم قال غير واحد أرسل الله على أصل السد الفار وهو الجرذ ويقال الخلد فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير فلم تغن شيئا إذ قد حم القدر ولم ينفع الحذر كلا لا وزر فلما تحكم في أصله الفساد سقط وانهار فسلك الماء القرار فقطعت تلك الجداول والأنهار وانقطعت تلك الثمار ومادت تلك الزروع والأشجار وتبدلوا بعدها بردىء الأشجار والأثمار كما قال العزيز الجبار وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد هو الأراك وثمره البرير وأثل وهو الطرفاء وقيل يشبهه وهو حطب لأثمر له وشيء من سدر قليل وذلك لأنه لما كان يثمر النبق كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير وثمره بالنسبة إليه كما يقال في المثل لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى ولهذا قال تعالى ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور أي إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا وكذب رسلنا وخالف أمرنا وانتهك محارمنا وقال تعالى فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق وذلك أنهم لما هلكت أموالهم وخربت بلادهم احتاجوا أن يرتجلوا منها وينتقلوا عنها فتفرقوا في غور البلاد ونجدها أيدي سبأ شذر مذر فنزلت طوائف منهم الحجاز ومنهم خزاعة نزلوا ظاهر مكة وكان من أمرهم ما سنذكره ومنهم المدينة المنورة اليوم فكانوا أول من سكنها ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير فخالفوا الأوس والخزرج وأقاموا عندهم وكان من أمرهم ما سنذكره ونزلت طائفة أخرى منهم الشام وهم الذين تنصروا فيما بعد وهم غسان وعاملة وبهراء ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم وسنذكرهم عند ذكر فتوح الشام في زمن الشيخين رضي الله عنهما
قال محمد بن اسحاق حدثني أبو عبيدة قال قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة وهو ميمون بن قيس ... وفي ذاك للمؤتسى أسوة ... ومأرم عفي عليها العرم ... رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء مواره لم يرم ... فأروى الزرع وأعنانها ... على سعة ماءهم إذ قسم ... فصاروا أيادي لا يقدرون ... على شرب طفل إذا ما فطم ...
وقد ذكر محمد بن اسحاق في كتاب السيرة أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمي ولخم هو ابن عدي بن الحارث بن مرة بن ازد بن زيد بن مهع بن عمرو بن عريب بن يشجب

(2/160)


ابن زيد بن كهلان بن سبأ ويقال لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ قاله ابن هشام قال ابن اسحاق وكان سبب خروجه من اليمن فيما حدثني أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك فاعتزم على النقلة عن اليمن فكاد قومه فأمر اصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه ففعل ابنه ما أمره به فقال عمرو لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي وعرض أمواله فقال أشراف من أشراف اليمن اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله وانتقل في ولده وولد ولده وقالت الأزد لا نتخلف عن عمرو بن عامر فباعوا أموالهم وخرجوا معه فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان فحاربتهم عك فكانت حربهم سجالا ففي ذلك قال عباس بن مرداس ... وعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بغسان حتى طردوا كل مطرد ...
قال فارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام ونزل الأوس والخزرج يثرب ونزلت خزاعة مرا ونزلت أزد السراة السراة ونزلت أزد عمان عمان ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه وفي ذلك أنزل الله هذه الآيات وقد روى عن السدي قريب من هذا وعن محمد بن اسحاق في روايته أن عمرو بن عامر كان كاهنا وقال غيره كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة فأخبرت بقرب هلاك بلادهم وكأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الذي سلط على سدهم ففعلوا ما فعلوا والله أعلم وقد ذكرت قصته مطولة عن عكرمة فيما رواه ابن أبي حاتم في التفسير
فصل
وليس جميع سبأ خرجوا من اليمن لما أصيبوا بسيل العرم بل أقام أكثرهم بها وذهب أهل مأرب الذين كان لهم السد فتفرقوا في البلاد وهو مقتضى الحديث المتقدم عن ابن عباس أن جميع قبائل سبأ لم يخرجوا من اليمن بل انما تشاءم منهم أربعة وبقي باليمن ستة وهم مذحج وكندة وأنمار والأشعريون وأنمار هو أبو خثعم وبجيلة وحمير فهؤلاء ست قبائل من سبأ أقاموا باليمن واستمر فيهم الملك والتبايعة حتى سلبهم ذلك ملك الحبشة بالجيش الذي بعثه صحبه أميريه أبرهة وارياط نحوا من سبعين سنة ثم استرجعه سيف ابن ذي يزن الحميري وكان ذلك قبل مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم بقليل كما سنذكره مفصلا قريبا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أهل اليمن عليا وخالد بن الوليد ثم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وكانوا يدعون إلى الله تعالى ويبينون لهم الحجج ثم تغلب على اليمن الأسود العنسي واخرج نواب رسول الله صلى الله عليه و سلم منها فلما قتل الأسود استقرت اليد الإسلامية عليها في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه كما سنبين ذلك بعد البعثة إن شاء الله تعالى

(2/161)


قصة ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر
المتقدم ذكره اللخمي كذا ذكره ابن إسحاق وقال السهيلي ونساب اليمن تقول نصر بن ربيعة ابن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم وقال الزبير بن بكار ربيعة بن نصر بن مالك بن شعوذ بن مالك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم ولخم أخو جذام وسمي لخما لأنه لخم أخاه أي لطمه أي لطمه فعضه الآخر في يده فجذمها فسمي جذاما وكان ربيعة أحد ملوك حمير التبابعة وخبره مع شق وسطيح الكاهنين وإنذارهما بوجود رسول الله صلى الله عليه و سلم أما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان وأما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس بن عبقر بن أنمار بن نزار ومنهم من يقول أنمار بن أراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نابت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ويقال إن سطيحا كان لا أعضاء له وإنما كان مثل السطيحة ووجهه في صدره وكان إذا غضب انتفخ وجلس وكان شق نصف إنسان ويقال إن خالد بن عبدالله بن القسري كان سلالته وذكر السهيلي أنهما ولدا في يوم واحد وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية ويقال إنها تفلت في فم كل منهما فورث الكهانة عنها وهي امرأة عمرو بن عامر المتقدم ذكره والله أعلم قال محمد بن إسحاق وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة فرأى رؤيا هائلة هالته وفظع بها فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها فقالوا اقصصها علينا نخبرك بتأويلها فقال إني أن اخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها لأنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها فقال له رجل منهم فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شق وسطيح فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه فبعث إليهما فقدم إليه سطيح قبل شق فقال له إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبرني بها فإنك إن أحبتها أصبت تأويلها فقال أفعل رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة فقال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها قال أحلف بما بين الحرتين من حنش لتهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش فقال له الملك يا سطيح إن هذا لنا لغائط موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده فقال لا وأبيك بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال أفيدوم ذلك من سلطانهم أم ينقطع قال بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين قال ومن بلى ذلك من قتلهم وإخراجهم قال يليهم أرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي قال وممن هذا النبي قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال وهل

(2/162)


للدهر من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون قال أحق ما تخبرني قال نعم والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق قال ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا وأن قولهما واحد إلا أن سطيحا قال وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة وقال شق وقعت بين روضة وأكمة فاكلت منها كل ذات نسمة فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها فقال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده قال لا بل بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان ويذيقهم أشد الهوان قال ومن هذا العظيم الشان قال غلام ليس بدني ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال وما يوم الفصل قال يوم يجزى فيه الولات يدعى فيه من السماء بدعوات تسمع منها الاحياء والأموات ويجمع الناس فيه للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال أحق ما تقول قال أي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض قال ابن اسحق فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة قال ابن اسحق فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر يعني الذي كان نائبا على الحيرة لملوك الاكاسرة وكانت العرب تفد إليه وتمتدحه وهذا الذي قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس وقد روى ابن إسحاق أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جيء بسيف النعمان بن المنذر سأل جبير بن مطعم عنه ممن كان فقال من أشلاء قنص بن معد بن عدنان قال ابن اسحق فالله أعلم أي ذلك كان
قصة تبع أبي كرب مع اهل المدينة وكيف أراد غزو البيت الحرام ثم شرفه وعظمه وكساه الحلل فكان أول من كساه
قال ابن إسحاق فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب وتبان أسعد تبع الآخر ابن علكيركب بن زيد وزيد بن تبع الاول بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن عدي بن صيفي بن سبأ الأصغر بن كعب كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير

(2/163)


ابن أنس بن الهميسع بن العربحج والعربحج هو حميبر بن سبأ الاكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان قال عبد الملك بن هشام سبأ بن يشجب بن بعرب بن قحطان قال ابن إسحاق وتبان أسعد أبو كرب هو الذي قدم المدينة وساق الحبرين من اليهود إلى اليمن وعمر البيت الحرام وكساه وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر وكان قد جعل طريقه حين رجع من غزوة بلاد المشرق على المدينة وكان قد مر بها في بدأته فلم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع لاخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها فجمع له هذا الحي من الأنصار ورئيسهم عمرو بن طلحة أخو بني النجار ثم أحد بني عمرو بن مبذول واسم مبذول عامر بن مالك بن النجار واسم النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة عمرو بن عامر
وقال ابن هشام عمرو بن طلحة هو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار وطلة أمه وهي بنت عامر بن زريق الخزرجية
قال ابن إسحاق وقد كان رجل من بني عدي بن النجار يقال له أحمر عدا على رجل من أصحاب تبع وجده يجد عذقا له فضربه بمنجلة فقتله وقال إنما التمر لمن أبره فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم فاقتتلوا فتزعم الانصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل فيعجبه ذلك منهم ويقول والله إن قومنا لكهام وحكى ابن إسحاق عن الأنصار ان تبعا إنما كان حنقه على اليهود أنهم منعوهم منه
قال السهيلي ويقال إنه إنما جاء لنصرة الأنصار أبناء عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في المدينة على شروط فلم يفوا بها واستطالوا عليهم والله أعلم
قال بن إسحاق فبينا تبع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بني قريظة عالمان راسخان حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها فقالوا له أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك جل العقوبة فقال لهما ولم ذلك قالا هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره فتناهى ورأى أن لهما علما وأعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة وأتبعهما على دينهما قال ابن إسحاق وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها فتوجه إلى مكة وهي طريقه إلى اليمن حتى إذا كان بين عسفان وامج أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن بزار بن معد بن عدنان فقالوا له أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة قال بلى قالوا بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك فقالا له ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك ما نعلم بيتا لله عز و جل اتخذه في الأرض لنفسه غيره ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا قال

(2/164)


فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه قالا تصنع عنده ما يصنع أهله تطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق رأسك عنده وتذلل له حتى تخرج من عنده قال فما يمنعكما أنتما من ذلك قالا أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم عليه السلام وإنه لكما أخبرناك ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله وبالدماء التي يهريقون عنده وهم نجس أهل شرك أو كما قالا له فعرف نصحهما وصدق حديثهما وقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجهلم ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده وحلق رأسه وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل وأرى في المنام أن يكسوا البيت فكساء الخصف ثم أرى في المنام أن يكسوه أحسن من ذلك فكساء المعافر ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساء الملاء والوصائل وكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاتا وهي المحايض وجعل له بابا ومفتاحا ففي ذلك قالت سبيعة بنت الأحب تذكر ابنها خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وتنهاه عن البغي بمكة وتذكر له ما كان من أمر تبع فيها ... أبني لا تظلم بمكة ... لا الصغير ولا الكبير ... واحفظ محارمها بني ... ولا يغرنك الغرور ... أبني من يظلم بمكة ... يلق أطراف الشرور ... أبني يضرب وجهه ... ويلج بخديه السعير ... أبني قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور ... الله آمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور ... والله آمن طيرها ... والعصم تامن في ثبير ... ولقد غزاها تبع ... فكسا بنيتها الحبير ... وأذل ربي ملكه ... فيها فأوفى بالنذور ... يمشي إليها حافيا ... بفنائها ألفا بعير ... ويظل يطعم أهلها ... لحم المهارى والجزور ... يسقيهم العسل المصفى ... والرحيض من الشعير ... والفيل أهلك جيشه ... يرمون فيها بالصخور ... والملك في أقصى البلاد ... وفي الأعاجم والخزور ... فاسمع إذا حدثت وأفهم ... كيف عاقبة الأمور ...
قال ابن اسحاق ثم خرج تبع متوجها إلى اليمن بمن معه من الجنود وبالحبرين حتى إذا دخل اليمن

(2/165)


دعا قومه إلى الدخول فيما دخلوا فيه فأبواعليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن قال ابن اسحاق حدثني أبو مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله يحدث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه وقال إنه خير من دينكم قالوا تحاكمنا إلى النار قال نعم قال وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأخذ الظالم ولا تضر المظلوم فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه فخرجت النار إليهم فلما أقلبت نحوهم حادوا عنها وهابوها فزجرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما ولم تضرهما فاصفقت عند ذلك حمير على دينهما فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن
قال ابن اسحاق وقد حدثني محدث أن الحبرين ومن خرج من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها وقالوا من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال حمير بأوثانهم ليردوها فدنت منهم لتأكلهم فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها فدنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراه وهي تنقص عنهما حتى رداها لي مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما والله أعلم أي ذلك كان قال ابن اسحاق وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون فيه إذ كانوا على شركهم فقال الحبران لتبع إنما هو شيطان يفتنهم بذلك فخل بيننا وبينه قال فشأنكما به فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود فذبحاه ثم هدما ذلك البيت فبقاياه اليوم كما ذكر لي بها آثار الدماء التي كانت تهراق عليه وقد ذكرنا في التفسير الحديث الذي ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم لا تسبوا تبعا فإنه قد كان أسلم قال السهيلي وروى معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا تسبوا أسعد الحميري فإنه أول من كسى الكعبة
قال السهيلي وقد قال تبع حين أخبره الحبران عن رسول الله صلى الله عليه و سلم شعرا ... شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم ... فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم ... وجاهدت بالسيف أعداءه ... وفرجت عن صدره كل هم ... قال ولم يزل هذا الشعر تتوارثه الأنصار ويحفظونه بينهم وكان عند أبي أيوب الأنصاري رصي الله عنه وأرضاه قال السهبلي وذكر ابن أبي الدنيا في كتب القبور أن قبرا حفر بصنعاء فوجد فيه امرأتان معهما لوح من فضة مكتوب بالذهب وفيه هذا قبر ليس وجنى ابنتي تبع ماتا وهما تشهد أن

(2/166)


ألا آله إلا الله وحده لا شريك له وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما ثم صار الملك فيما بعد إلى حسان بن تبان أسعد وهو أخو اليمامة الزرقاء التي صلبت على باب مدينة جو فسميت من يومئذ اليمامة قال ابن اسحاق فلما ملك ابنه حسان بن أبي كرب تبان أسعد سار بأهل اليمن يريد أن يطاء بهم أرض العرب وأرض الأعاجم حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم فكلموا أخا له يقال له عمرو وكان معه في جيشه فقالوا له أقتل أخاك حسان ونملك علينا وترجع بنا إلى بلادنا فأجابهم فاجتمعوا على ذلك إلا ذارعين الحميري فإنه نهى عمرا عن ذلك فلم يقبل منه فكتب ذو رعين رقعة فيها هذان البيتان ... ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين ... فأما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الا له لذي رعين ...
ثم استودعهما عمرا فلما قتل عمرو أخاه حسان ورجع إلى اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر فسأل الأطباء والحذاق من الكهان والعرافين عما به فقيل له إنه والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر فعند ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه فلما خلص إلى ذي رعين قال له إن لي عندك براءة قال وما هي قال الكتاب الذي دفعته إليك فأخرجه فإذا فيه البيتان فتركه ورأى أنه قد نصحه وهلك عمرو فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا
وثوب لخنيعة ( 1 ) ذي شناتر على ملك اليمن
وقد ملكها سبعا وعشرين سنة قال ابن اسحاق فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم وكان مع ذلك أمرءا فاسقا يعمل عمل قوم لوط فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك ثم يطلع من شربته تلك الى حرسه ومن حضر من جنده قد أخذ مسواكا فجعله في فيه ليعلمهم أنه قد فرغ منه حتى بعث إلى زرعة ذي نواس بن تبان أسعد أخي حسان وكان صبيا صغيرا حين قتل أخوه حسان ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه فأخذ سكينا جديدا لطيفا فخبأه بين قدميه ونعله ثم أتاه فلما خلا معه وثب إليه فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله ثم حز رأسه فوضعه في الكوة التي كان يشرف منها ووضع مسواكه في فيه ثم خرج على الناس فقالوا له ذا نواس أرطب أم يباس فقال سل نحماس استرطبان ذو نواس استرطبان لا بأس ( 2 ) فنظروا إلى الكوة

(2/167)


فإذا رأس لخنيعة مقطوع فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه فقالوا ما ينبغي أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه عليهم واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن فكان آخر ملوك حمير وتسمى يوسف فأقام في ملكه زمانا وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الإنجيل أهل فضل واستقامة من أهل دينهم لهم رأس يقال له عبدالله بن الثامر ثم ذكر ابن اسحاق سبب دخول أهل نجران في دين النصارى وان ذلك كان على يدي رجل يقال له فيميون كان من عباد النصارى بأطراف الشام وكان مجاب الدعوة وصحبه رجل يقال له صالح فكان يتعبدان يوم الأحد ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء وكان يدعو للمرضى والزمنى وأهل العاهات فيشفون ثم استأسره وصاحبه بعض الأعراب فباعوهما بنجران فكان الذي اشترى فيميون يراه إذا قام في مصلاه بالبيت الذي هو فيه في الليل يمتلي عليه البيت نورا فأعجبه ذلك من أمره وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلقون عليها حلى نسائهم ويعكفون عندها فقال فيميون لسيده أرأيت إن دعوت الله على هذه الشجرة فهلكت أتعلمون أن الذي أنتم عليه باطل قال نعم فجمع له أهل نجران وقام فيميون إلى مصلاه فدعا الله عليها فأرسل الله عليها قاصفا فجعفها من أصلها ورماها إلى الأرض فاتبعه أهل نجران على دين النصرانية وحملهم على شريعة الإنجيل حتى حدثت فيهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب ثم ذكر ابن اسحاق قصة عبدالله بن الثامر حين تنصر على يدي فيميون وكيف قتله وأصحابه ذو نواس وخد لهم الاخدود وقال ابن هشام وهو الحفر المستطيل في الأرض مثل الخندق وأجج فيه النار وحرقهم بها وقتل آخرين حتى قتل قريبا من عشرين ألفا كما قدمنا ذلك مبسوطا في أخبار بني إسرائيل وكما هو مستقصى في تفسير سورة والسماء ذات البروج من كتابنا التفسير ولله الحمد
خروج الملك باليمن من حمير إلى الحبشة السودان
كما أخبر بذلك شق وسطيح الكاهنان وذلك أنه لم ينج من أهل نجران إلا رجل واحد يقال

(2/168)


له دوس ذو ثعلبان على فرس له فسلك الرمل فأعجزهم فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر ملك الروم فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما بلغ منهم وذلك لأنه نصراني على دينهم فقال له بعدت بلادك منا ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين وهو أقرب إلى بلادك فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط ومعه في جنده أبرهة الأشرم فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس وسار إليه ذو نواس في حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى به إلى غمره فأدخله فيها فكان آخر العهد به ودخل أرياط اليمن وملكها
وقد ذكر ابن اسحاق هاهنا أشعارا للعرب فيما وقع من هذه الكائنة الغريبة وفيها فصاحة وحلاوة وبلاغة وطلاوة ولكن تركنا إيرادها خشية الإطالة وخوف الملالة وبالله المستعان
خروج أبرهة الأشرم على أرياط واختلافهما
قال ابن اسحاق فأقام ارياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعة أبرهة حتى تفرقت الحبشة عليهما فانحاز إلى كل منهما طائفة ثم سار أحدهما إلى الآخر فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط إنك لن تضيع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا شيئا فأبرز لي وأبرز لك فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده فأرسل إليه أرياط انصفت فخرج إليه أبرهة وكان رجلا قصيرا لحيما وكان ذا دين في النصرانية وخرج إليه أرياط وكان رجلا جميلا عظيما طويلا وفي يده حربة له وخلف أبرهة غلام يقال له عتودة يمنع ظهره فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمى أبرهة الأشرم وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن وودى أبرهة أرياط فلما بلغ ذلك النجاشي ملك الحبشة الذي بعثهم إلى اليمن غضب غضبا شديدا على أبرهة وقال عدا على أميري فقتله بغير أمري ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته فحلق أبرهة رأسه وملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي ثم كتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك فاختلفنا في أمرك وكل طاعته لك إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة واضبط لها وأسوس منه وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب تراب من أرضي ليضعه تحت قدمه فيبر قسمه في فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فأقام أبرهة باليمن

(2/169)


سبب قصر أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول
قيل أول من ذلل الفيلة إفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك قاله الطبري وهو أول من اتخذ للخيل السرج وأما أول من سخر الخيل وركبها فطهمورث وهو الملك الثالث من ملوك الدنيا ويقال إن أول من ركبها اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام ويحتمل أنه أول من ركبها من العرب والله تعالى أعلم ويقال إن الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود بإحضار سنانير إلى حومة الوغى فنفرت الفيلة
قال ابن اسحاق ثم إن أبرهة بني القليس بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض وكتب إلى النجاشي إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب
فذكر السهيلي أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة وسخرهم فيها أنواعا من السخر وكان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رخاما وأحجارا وأمتعة عظيمة وركب فيها صلبانا من ذهب وفضة وجعل فيها منابر من عاج وابنوس وجعل ارتفاعها عظيما جدا واتساعها باهرا فلما هلك بعد ذلك أبرهة وتفرقت الحبشة كان من يتعرض لأخذ شيء من بنائها وأمتعتها أصابته الجن بسوء وذلك لأنها كانت مبنية على اسم صنمين كعيب وامرأته وكان طول كل منهما ستون ذراعا فتركها أهل اليمن على حالها فلم تزل كذلك إلى زمن السفاح أول خلفاء بني العباس فبعث إليها جماعة من أهل العزم والحزم والعلم فنقضوها حجرا حجرا ودرست آثارها إلى يومنا هذا
قال ابن اسحاق فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي غضب رجل من النسأة من كنانة الذين ينسئون شهر الحرام إلى الحل بمكة أيام الموسم كما قررنا ذلك عند قوله إنما النسيء زيادة في الكفر الآية قال ابن اسحاق فخرج الكناني حتى أتى القليس فقعد فيه أي أحدث حيث لا يراه أحد ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر أبرهة بذلك فقال من صنع هذا فقيل له صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجه العرب بمكة لما سمع بقولك أنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا فغضب فجاء فقعد فيها أي أنه ليس لذلك باهل فغضب أبرهة عند ذلك وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه ثم أمر الحبشة

(2/170)


فتهيأت وتجهزت ثم سار وخرج معه بالفيل وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام وما يريده من هدمه واخرابه فأجابه من أجابه إلى ذلك ثم عرض له فقاتله فهزم ذو نقر وأصحابه وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا فلما أراد قتله قال له ذو نفر يا أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من القتل فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق وكان أبرهة رجلا حليما ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم وهما شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا فأتى به فلما هم بقتله قال له نفيل أيها الملك لا تقتلني فأني دليلك بأرض العرب وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم شهران وناهس بالسمع والطاعة فخلى سبيله وخرج به معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف فقالوا له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد يعنون اللآت إنما تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز
عنهم قال ابن اسحاق واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة قال فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله بالمغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت قبره العرب فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس وقد تقدم في قصة ثمود أن أبا رغال كان رجلا منهم وكان يمتنع بالحرم فلما خرج منه أصابه حجر فقتله وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه وآية ذلك أنه دفن معه غصنان من ذهب فحفروا فوجدوهما قال وهو أبو ثقيف
قلت والجمع بين هذا وبين ما ذكر ابن اسحاق أن أبا رغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول وأيضا والله أعلم وقد قال جرير ... إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجمكم لقبر أبي رغال ...
الظاهر أنه
الثاني قال ابن اسحاق فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مفصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم وأصاب فيها مائتي بعير لعبدالمطلب بن هاشم وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم ثم قل له ان الملك يقول إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا

(2/171)


لنا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم فإن هو لم يرد حربي فائتني به فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له عبدالمطلب بن هاشم فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة فقال له عبدالمطلب والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته وان يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه فقال له حناطة فانطلق معي إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك فانطلق معه عبدالمطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا حتى دخل عليه وهو في محبسه فقال له يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا فقال له ذو نفر وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي فسأرسل إليه وأوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير ان قدر على ذلك فقال حسبي فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له ان عبدالمطلب سيد قريش وصاحب عين مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما استطعت قال افعل فكلم أنيس أبرهة فقال له أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عين مكة وهو الذي يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال فائذن له عليك فليكلمك في حاجته فأذن له أبرهة قال وكان عبدالمطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه ثم قال لترجمانه قل له حاجتك فقال له ذلك الترجمان فقال حاجتي أن يرد على الملك مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه فقال له عبدالمطلب إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه فقال ما كان ليمتنع مني قال أنت وذاك فرد على عبدالمطلب إبله
قال ابن اسحاق ويقال إنه كان قد دخل مع عبدالمطلب على أبرهة يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة سيد بني بكر وخويلد بن وائلة سيد هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم ذلك فالله أعلم أكان ذلك أم لا
فلما انصرفوا عنه انصرف عبدالمطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في رؤس الجبال ثم قام عبدالمطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده وقال عبدالمطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة ... لا هم إن العبد يمنع ... رحله فامنع رحالك

(2/172)


لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك ... إن كنت تاركهم ... وقبلتنا فأمر ما بدا لك ...
قال ابن هشام هذا ما صح له منها وقال ابن اسحاق ثم أرسل عبدالمطلب حلقة باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه وكان اسم الفيل محمودا فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال أبرك محمود وارجع راشدا من حيث أتيت فإنك في بلد الله الحرام وأرسل اذنه فبرك الفيل قال السهيلي أي سقط إلى الأرض وليس من شأن الفيلة أن تبرك وقد قيل إن منها ما يبرك كالبعير فالله أعلم
وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل وضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى فادخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجوه إلى مكة فبرك وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان ( 1 ) مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل في ذلك ... ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا ... ردينة لو رأيت فلا تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا ... إذا لعذرتني وحمدت أمري ... ولم تاسي على ما فات بينا ... حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا ... وكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا ...
قال ابن اسحاق فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة كلما سقطت أنملة اتبعتها منه مدة تمت قيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون
قال ابن اسحاق حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وأنه أول ما رؤى بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام
قال ابن إسحاق فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم كان مما يعدد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله

(2/173)


ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال تعالى ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول
ثم شرع ابن إسحاق وابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة والتي بعدها وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى وله الحمد والمنة
قال ابن هشام الأبابيل الجماعات ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه قال وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب قال وزعم بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة وانها سنج وجل ( 1 ) فالسنج الحجر والجل الطين يقول الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين قال والعصف ورق الزرع الذي لم يقصب وقال الكسائي سمعت بعض النحويين يقول واحد الأبابيل ابيل وقال كثيرون من السلف الأبابيل الفرق من الطير التي يتبع بعضها بعضا من ههنا وههنا وعن ابن عباس كان لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب وعن عكرمة كانت رؤوسها كرؤوس السباع خرجت عليهم من البحر وكانت خضرا وقال عبيد بن عمير كانت سودا بحرية في مناقيرها وأكفها الحجارة وعن ابن عباس كانت أشكالها كعنقاء مغرب وعن ابن عباس كان أصغر حجر منها كرأس الإنسان ومنها ما هو كالإبل وهكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق وقيل كانت صغارا والله أعلم
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن عبدالله بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير قال لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجرا في منقاره قال فجاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في رجليها ومناقيرها فما يقع حجر على رأس رجل الا خرج من دبره ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا
وقد تقدم أن ابن اسحاق قال وليس كلهم اصابته الحجارة يعني بل رجع منهم راجعون إلى اليمن حتى أخبروا أهلهم بما حل بقومهم من النكال وذكروا أن أبرهة رجع وهو يتساقط أنملة أنملة فلما وصل إلى اليمن انصدع صدره فمات لعنه الله وروى ابن اسحاق قال حدثني عبدالله بن أبي بكر عن سمرة عن عائشة قالت لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان وتقدم أن سائس الفيل كان اسمه أنيسا فأما قائده فلم يسم والله أعلم
وذكر النقاش في تفسيره أن السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر قال السهيلي وكانت قصة الفيل

(2/174)


أول المحرم من سنة ست وثمانين وثمانمائة ( 1 ) من تاريخ ذي القرنين
قلت وفي عامها ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم على المشهور وقيل كان قبل مولده بسنين كما سنذكر إن شاء الله تعالى وبه الثقة
ثم ذكر ابن اسحاق ما قالته العرب من الأشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نصر الله فيها بيته الحرام الذي يريد أن يشرفه ويعظمه ويطهره ويوقره ببعثة محمد صلى الله عليه و سلم وما يشرع له من الدين القويم الذي أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش وإنما كان النصر للبيت الحرام وارهاصا وتوطئه لبعثة محمد صلى الله عليه و سلم فمن ذلك ما قاله عبدالله بن الزبعري السهمي ... تنكلوا ( 2 ) عن بطن مكة إنها ... كانت قديما لا يرام حريمها ... لم تخلق الشعرى ليالي حرمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها ... سائل أمير الحبش عنها ما رأى ... فلسوف ينبي الجاهلين عليمها ... ستون ألفا لم يؤبوا أرضهم ... بل لم يعش بعد الأياب سقيمها ... كانت بها عاد وجرهم قبلهم ... والله من فوق العباد يقيمها ...
ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت الأنصاري المدني ... ومن صنعه يوم فيل الحبوش ... إذ كلما بعثوه رزم ... محاجنهم تحت أقرابه ... وقد شرموا أنفه فانخرم ... وقد جعلوا سوطه مغولا ... إذا يمموه قفاه كلم ... فولى وأدبر أدراجه وقد باء بالظلم من كان ثم ... فأرسل من فوقهم حاصبا ... فلفهم مثل لف القزم ... تحض على الصبر أحبارهم ... وقد ثأجوا كثؤاج الغنم ...
ومن ذلك قول أبي الصلت ربيعة بن أبي ربيعة وهب بن علاج الثقفي قال ابن هشام ويروى لأمية بن أبي الصلت ... إن آيات ربنا ثاقبات ... ما يمارى فيهن إلا الكفور ... خلق الليل والنهار فكل ... مستبين حسابه مقدور

(2/175)


ثم يجلو النهار رب رحيم ... بمهاة شعاعها منشور ... حبس الفيل بالمغمس حتى ... صار يحبو كأنه معقور ... لازما حلقة الجران كما قد ... من صخر كبكب محدور ... حوله من ملوك كندة أبطال ... ملاويث في الحروب صقور ... خلفوه ثم ابذعروا جميعا ... كلهم عظم ساقه مكسور ... كل دين يوم القيامة عند الله ... إلا دين الحنيفة بور ...
ومن ذلك قول أبي قيس بن الاسلت أيضا ... فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب ... فعندكم منه بلاء مصدق ... غداة أبي يكسوم هادي الكتائب ... كتيبته بالسهل تمشي ورجله ... على القاذفات في رؤس المناقب ... فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم ... جنود المليك بين ساف وحاصب ... فولوا سراعا هاربين ولم يؤب ... إلى أهله ملحبش غير عصائب ...
ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات في عظمة البيت وحمايته بهلاك من أراده بسوء ... كاده الأشرم الذي جاء بالفيل ... فولى وجيشه مهزوم ... واستهلت عليهم الطير بالجندل ... حتى كأنه مرجوم ... ذاك من يغزه من الناس يرجع ... وهو فل من الجيوش ذميم ...
قال ابن إسحاق وغيره فلما هلك ابرهة ملك الحبشة بعده ابنه يكسوم ثم من بعده أخوه مسروق ابن ابرهة وهو آخر ملوكهم وهو الذي انتزع سيف بن ذي يزن الحميري الملك من يده بالجيش الذين قدم بهم من عند كسرى أنوشروان كما سيأتي بيانه
وكانت قصة الفيل في المحرم سنة ست وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين وهو الثاني اسكندر ابن فلبس المقدوني الذي يؤرخ له الروم ولما هلك ابرهة وابناه وزال ملك الحبشة عن اليمن هجر القليس الذي كان بناه ابرهة وأراد صرف حج العرب إليه لجهله وقلة عقله وأصبح يبابا لا أنيس له وكان قد بناه على صنمين وهما كعيب وامرأته وكانا من خشب طول كل منهما ستون ذراعا في السماء وكانا مصحوبين من الجان ولهذا كان لا يتعرض أحد إلى أخذ شيء من بناء القليس وأمتعته إلا أصابوه بسوء فلم يزل كذلك إلى أيام السفاح أول خلفاء بني العباس فذكر له أمره وما فيه من الأمتعة والرخام الذي كان ابرهة نقله إليه من صرح بلقيس الذي كان باليمن فبعث إليه من خربه حجرا حجرا وأخذ جميع ما فيه من الأمتعة والحواصل هكذا ذكره السهيلي والله أعلم

(2/176)


خروج الملك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن
قال محمد بن اسحاق رحمه الله فلما هلك أبرهة ملك الحبشة يكسوم بن أبرهة وبه كان يكنى فلما هلك يكسوم ملك اليمن من الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة قال فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري وهو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج وهو حمير بن سبأ وكان سيف يكنى أبا مرة حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكى إليه ما هو فيه وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو ويخرج إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يشكه فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق فشكا إليه أمر الحبشة فقال له النعمان إن لي على كسرى وفادة في كل عام فأقم عندي حتى يكون ذلك ففعل ثم خرج معه فأدخله على كسرى وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل ( 1 ) العظيم فيما يزعمون يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك وكانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر عليه بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشف عنه الثياب فلا يراه أحد لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له فلما دخل عليه طأطأ رأسه فقال الملك إن هذا الأحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل ثم يطأطىء رأسه فقيل ذلك لسيف فقال إنما فعلت هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء ثم قال أيها الملك غلبتنا على بلادنا إلا غربة قال كسرى أي إلا غربة الحبشة أم السند قال بل الحبشة فجئتك لتنصرني ويكون ملك بلادي لك فقال له كسرى بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس فبلغ ذلك الملك فقال إن لهذا لشأنا ثم بعث إليه فقال عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس قال وما أصنع بحباك ما جبال أرضى التي جئت منها إلا ذهب وفضة يرغبه فيها فجمع كسرى مرازبته فقال لهم ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له فقال قائل أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم وإن ظفروا كان ملكا أزددته فبعث معه كسرى من كان في

(2/177)


سجونه وكانوا ثمانمائة رجل واستعمل عليهم وهرز كان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له رجلي ورجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا فقال له وهرز أنصفت وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنده فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم فقتل ابن وهرز فزاده ذلك حنقا عليهم فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز أروني ملكهم فقالوا له أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء قال نعم قالوا ذلك ملكهم فقال اتركوه قال فوقفوا طويلا ثم قال علام هو قالوا قد تحول على الفرس قال اتركوه فتركوه طويلا ثم قال علام هو قالوا على البغلة قال وهرز بنت الحمار ذل وذل ملكه إني سأرميه فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فأثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم قد استداروا به ولاهوا فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم ثم وتر قوسه وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها وأمر بحاجبيه فعصبا له ثم رماه فصك الياقوتة التي بين عينيه وتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه ونكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به وحملت عليهم الفرس فانهزموا فقتلوا وهربوا في كل وجه وأقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتي منكسة أبدا اهدموا هذا الباب فهدم ثم دخلها ناصبا رايته فقال سيف بن ذي يزن الحميري ... يظن الناس بالملكين ... أنهما قد التأما ... ومن يسمع بلأ مهما ... فإن الخطب قد فقما ... قتلنا القيل مسروقا ... وروينا الكثيب دما ... وإن القيل قيل الناس ... وهرز مقسم قسما ... يذوق مشعشعا حتى ... نفيء السبي والنعما ...
ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على سيف يهنئونه بعود الملك إليه وامتدحوه فكان من جملة من وفد قريش وفيهم عبدالمطلب بن هاشم فبشره سيف برسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبره بما يعلم من أمره وسيأتي ذلك مفصلا في باب البشارات به عليه الصلاة و السلام
قال ابن اسحاق وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي قال ابن هشام ويروى لأمية بن أبي الصلت ... ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... ريم في البحر للأعداء أحوالا ... يمم قيصرا لما حان رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذي سالا ... ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة ... من السنين يهين النفس والمالا ... حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... إنك عمري لقد أسرعت قلقالا

(2/178)


لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن أرى لهم في الناس أمثالا ... غلبا مرازبة بيضا أساورة ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا ... يرمون عن سدف كأنها غبط ... بزمخر يعجل المرمي إعجالا ... أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا ... فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا ... واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا ... تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ...
يقال إن غمدان قصر باليمن بناه يعرب بن قحطان وملكه بعده واحتله وائلة بن حمير بن سبأ ويقال كان ارتفاعه عشرين طبقة فالله أعلم
قال ابن اسحاق وقال عدي بن زيد الحميري وكان أحد بني تميم ... ما بعد صنعاء كان يعمرها ... ولاة ملك جزل مواهبها ... رفعها من بني لذي قزع المزن ... وتندى مسكا محاربها ... محفوقة بالجبال دون عرى الكائد ... ما يرتقى غواربها ... يأنس فيها صوت النهام إذا ... جاوبها بالعشى قاصبها ... ساقت إليها الأسباب جند بني ... الأحرار فرسانها مواكبها ... وفوزت بالبغال توسق بالحتف ... وتسعى بها توالبها ... حتى يراها الأقوال من طرف المنقل ... مخضرة كتائبها ... يوم ينادون آل بربر واليكسوم ... لا يفلحن هاربها ... فكان يوما باقي الحديث وزالت ... أمه ثابت مراتبها ... وبدل الهيج بالزرافة والأيام ... خون جم عجائبها ... بعد بني تبع نخاورة ... قد اطمأنت بها مرازبها ...
قال ابن هشام وهذا الذي عنى سطيح بقوله يليه ارم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن والذي عنى شق بقوله غلام ليس بدني ولا مدن يخرج من بيت ذي يزن
قال ابن اسحاق وأقام وهرز والفرس باليمن فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها ارياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن أبرهة وأخرجت الحبشة اثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة إرياط ثم أبرهة ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروق بن أبرهة

(2/179)


ما آل إليه أمر الفرس باليمن
قال ابن هشام ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان ثم مات فأمر ابن التينجان ثم عزله عن اليمن وأمر عليها باذان وفي زمنه بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ابن هشام فبلغني عن الزهري انه قال كتب كسرى إلى باذان إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي فسر إليه فاستتبه فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا فلما أتى باذان الكتاب وقف لينتظر وقال ان كان نبيا فسيكون ما قال فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ابن هشام على يدي ابنه شيرويه قلت وقال بغضهم بنوه تمالئوا على قتله وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنو شروان بن قباز وهو الذي غلبت الروم في قوله تعالى الم غلبت الروم في أدنى الأرض كما سيأتي بيانه قال السهيلي وكان قتله ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى سنة تسع من الهجرة وكان والله أعلم لما كتب إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعوه إلى الإسلام فغضب ومزق كتابه كتب إلى نائبه باليمن يقول له ما قال وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لرسول باذان إن ربي قد قتل الليلة ربك فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قتل تلك الليلة بعينها قتله بنوه لظلمه بعد عدله بعد ما خلعوه وولوا ابنه شيرويه فلم يعش بعد قتله أباه الا ستة أشهر أو دونها وفي هذا يقول خالد بن حق الشيباني ... وكسرى إذ تقسمه بنوه ... بأسياف كما اقتسم اللحام ... تمخضت المنون له بيوم ... ألا ولكل حاملة تمام ...
قال الزهري فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت الرسل إلى من نحن يا رسول الله قال أنتم منا وإلينا أهل البيت قال الزهري ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم سلمان منا أهل البيت قلت والظاهر أن هذا كان بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ولهذا بعث الأمراء إلى اليمن لتعليم الناس الخير ودعوتهم إلى الله عز و جل فبعث أولا خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب ثم أتبعهما أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل ودانت اليمن وأهلها للإسلام ومات باذان فقام بعده ولده شهر بن باذان وهو الذي قتله الأسود العنسي حين تنبأ وأخذ زوجته كما سيأتي بيانه وأجلى عن اليمن نواب رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما قتل الأسود عادت اليد الإسلامية عليها وقال ابن هشام وهذا هو الذي عنى به سطيح بقوله نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي والذي عنى شق بقوله بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه

(2/180)


إلى يوم الفصل
قال ابن إسحاق وكان في حجر باليمن فيما يزعمون كتاب بالزبور كتب بالزمان الأول لمن ملك ذمار الحمير الاخيار لمن ملك ذمار للحبشة الاشرار لمن ملك ذمار لفارس الاحرار لمن ملك ذمار لقريش التجار وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى فيما ذكره المسعودي ... حين شدت ذمار قيل لمن أنت ... فقالت لحمير الأخبار ... ثم سينت من بعد ذاك فقالت ... أنا للحبش أخبث الأشرار ... ثم قالوا من بعد ذاك لمن أنت ... فقالت لفارس الأحرار ... ثم قالوا من بعد ذاك لمن أنت ... فقالت إلى قريش التجار ...
ويقال إن هذا الكلام الذي ذكره محمد بن إسحاق وجد مكتوبا عند قبر هود عليه السلام حين كشفت الريح عن قبره بأرض اليمن وذلك قبل زمن بلقيس بيسير في أيام مالك بن ذي المنار أخي عمرو ذي الاذعار بن ذي المنار ويقال كان مكتوبا على قبر هود أيضا وهو من كلامه عليه السلام حكاه السهيلي والله أعلم
قصة الساطرون صاحب الحضر
وقد ذكر قصته ها هنا عبد الملك بن هشام لاجل ما قاله بعض علماء النسب إن النعمان بن المنذر الذي تقدم ذكره في ورود سيف بن ذي يزن عليه وسؤاله في مساعدته في رد ملك اليمن إليه إنه من سلالة الساطرون صاحب الحضر وقد قدمنا عن ابن إسحاق إن النعمان بن المنذر من ذرية ربيعة بن نصر وأنه روى عن جبير بن مطعم أنه من أشلاء قيصر بن معد بن عدنان فهذه ثلاثة أقوال في نسبه فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر والحضر حصن عظيم بناه هذا الملك وهو الساطرون على حافة الفرات وهو منيف مرتفع البناء واسع الرحبة والفناء دوره بقدر مدينة عظيمة وهو في غاية الأحكام والبهاء والحسن والسناء وإليه يجبي ما حوله من الأقطار والأرجاء واسم الساطرون الضيزن ابن معاوية بن عبيد بن أجرم من بني سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة كذا نسبه ابن الكلبي وقال غيره كان من الجرامقة وكان احد ملوك الطوائف وكان يقدمهم إذا اجتمعوا لحرب عدو من غيرهم وكان حصنه بين دجلة والفرات
قال ابن هشام وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا الساطرون ملك الحضر وقال غير ابن هشام إنما الذي غزا صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان اذل ملوك الطوائف ورد الملك إلى الأكاسرة وأما سابور ذو الاكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل والله

(2/181)


أعلم ذكره السهيلي
قال ابن هشام فحصره سنتين وقال غيره أربع سنين وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته بأرض العراق فأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج وعلى رأسه تاج من ذهب مكال بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ وكان جميلا فدست إليه أتتزوجني أن فتحت لك باب الحضر فقال نعم فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر وكان لا يبيت إلا سكران فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه وبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب ويقال بل دلتهم على نهر يدخل منه الماء متسع فولجوا منه إلى الحضر ويقال بل دلتهم على طلسم كان في الحضر وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء ثم ترسل فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم فيفتح الباب ففعل ذلك فانفتح الباب فدخل سابور فقتل ساطرون واستباح الحضر وخربه وسار بها معه فتزوجها فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تململ لا تنام فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس فقال لها سابور أهذا الذي أسهرك قالت نعم قال فما كان أبوك يصنع بك قالت كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير ويطعمني المخ ويسقيني الخمر قال أفكان جزاء أبيك ما صنعت به أنت إلى بذلك أسرع فربطت قرون رأسها بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها ففيه يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة ... ألم تر للحضر إذ أهله ... بنعمى وهل خالد من نعم ( 1 ) ... أقام به شاهبور الجنود ... حولين تضرب فيه القدم ... فلما دعا ربه دعوة ... أناب إليه فلم ينتقم ... فهل زاده ربه قوة ... ومثل مجاوره لم يقم ... وكان دعا قومه دعوة ... هلموا إلى أمركم قد صرم ... فموتوا كراما بأسيافكم ... أرى الموت يجشمه من جشم ...
وقال عدي بن زيد في ذلك ... والحضر صابت عليه داهية ... من فوقه أيد مناكبها ... ربية لم توق والدها ... لحينها إذا أضاع راقبها ... إذ غبقته صهباء صافية ... والخمر وهل يهيم شاربها ... فأسلمت أهلها بليلتها ... تظن أن الرئيس خاطبها

(2/182)


فكان حظ العروس إذ جشر ... الصبح دماء تجري سبائبها ... وخرب الحضر واستبيح وقد ... أحرق في خدرها مشاجبها ...
وقال عدي بن زيد أيضا ... أيها الشامت المعير بالدهر ... أأنت المبرا الموفور ... أم لديك العهد الوثيق من الأيام ... بل أنت جاهل مغرور ... من رأيت المنون خلدن أم ... من ذا عليه من أن يضام خفير ... أين كسرى كسرى الملوك أتو ... شروان أم أين قبله سابور ... وبنو الاصفر الكرام ملوك ... الروم لم يبق منهم مذكور ... وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تجبي إليه والحلبور ... شاده مرمرا وجلله كاسا ... فللطير في ذراه وكور ... لم يهبه ريب المنون فبان ... الملك عنه فبابه مهجور ... وتذكر رب الخورنق إذ ... أشرف يوما وللهدى تفكير ... سره ماله وكثرة ما ... يملك والبحر معرضا والسدير ... فارعوى قلبه وقال وما غبطة ... حي إلى الممات يصير ... ثم اضحوا كأنهم ورق جف ... فألوت به الصبا والدبور ...
قلت ورب الخورنق الذي ذكره في شعره رجل من الملوك المتقدمين وعظه بعض علماء زمانه في أمره الذي كان قد أسرف فيه وعتا وتمرد فيه واتبع نفسه هواها ولم يراقب فيها مولاها فوعظه بمن سلف قبله من الملوك والدول وكيف بادوا ولم يبق منهم أحد وأنه ما صار إليه عن غيره إلا وهو منتقل عنه إلى من بعده فأخذته موعظته وبلغت منه كل مبلغ فارعوى لنفسه وفكر في يومه وأمسه وخاف من ضيق رمسه فتاب وأناب ونزع عما كان فيه وترك الملك ولبس ذي الفقراء وساح في الفلوات وحظى بالخلوات وخرج عما كان الناس فيه من اتباع الشهوات وعصيان رب السموات وقد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الإمام موفق بن قدامة المقدسي رحمه الله في كتاب التوابين وكذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتاب الروض الأنف المرتب أحسن ترتيب وأوضح تبيين
خبر ملوك الطوائف
وأما صاحب الحضر وهو ساطرون فقد تقدم أنه كان مقدما على سائر ملوك الطوائف وكان من زمن اسكندر بن فلبيس المقدوني اليوناني وذلك لأنه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا وأذل

(2/183)


مملكته وخرب بلاده واستباح بيضة قومه ونهب حواصله ومزق شمل الفرس شذر مذر عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل ولا يلتئم لهم أمر فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في أقليم من أقاليم الأرض ما بين عربها وأعاجمها فاستمر كل ملك منهم يحمي حوزته ويحفظ حصته ويستغل محلته فإذا هلك قام ولده من بعده أو أحد قومه فاستمر الأمر كذلك قريبا من خمسمائة سنة حتى كان ازدشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه ورجعت الممالك برمتها إليه وأزال ممالك مملوك الطوائف ولم يبق منهم تالد ولا طارف وكان تأخر عليه حصار صاحب الحضر الذي كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم إذ كان رئيسهم ومقدمهم فلما مات أزدشير تصدى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه كما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم
ذكر بني إسماعيل وما كان من أمور الجاهلية إلى زمان البعثة
تقدم ذكر إسماعيل نفسه عليه السلام مع ذكر الأنبياء وكيف كان من أمره حين احتمله أبوه براهيم الخليل عليه الصلاة و السلام مع أمه هاجر فأسكنها بوادي مكة بين جبال فاران حيث لاأنيس به ولا حسيس وكان إسماعيل رضيعا ثم ذهب وتركهما هنالك عن أمر الله له بذلك ليس عند أمه سوى جراب فيه تمر ووكاء فيه ماء فلما نفد ذلك أنبع الله لهاجر زمزم التي هي طعام طعم وشفاء سقم كما تقدم بيانه في حديث ابن عباس الطويل الذي رواه البخاري رحمه الله ثم نزلت جرهم وهي طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الأقدمين عند هاجر بمكة على أن ليس لهم في الماء شيء إلا ما يشربون منه وينتفعون به فاستأنست هاجر بهم وجعل الخليل عليه السلام يطالع أمرهم في كل حين يقال إنه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه وإيابه ثم لما ترعرع الغلام وشب وبلغ مع أبيه السعي كانت قصة الذبح كما تقدم بيان أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح ثم لما كبر تزوج من جرهم امرأة ثم فارقها وتزوج غيرها وتزوج بالسيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وجاءته بالبنين الاثنى عشر كما تقدم ذكرهم وهم نابت وقيذر ومنشا ومسمع وماشي ودما وأذر ويطور ونيشى وطيما وقيذما ( 1 ) هكذا ذكره محمد

(2/184)


ابن إسحاق وغيره عن كتب أهل الكتاب وله ابنة واحدة اسمها نسمة وهي التي زوجها من ابن اخيه العيصو بن إسحاق بن إبراهيم فولد منها الروم وفارس والاشبان أيضا في احد القولين
ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم إلى ولديه نابت وقيذر وكان الرئيس بعده والقائم بالأمور الحاكم في مكة والناظر في أمر البيت وزمزم نابت بن إسماعيل وهو ابن أخت الجرهميين ثم تغلبت جرهم على البيت طمعا في بني أختهم فحكموا بمكة وما والاها عوضا عن بني إسماعيل مدة طويلة فكان أول من صار إليه أمر البيت بعد نابت مضاص بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن عيبر ( 1 ) بن نبت بن جرهم وجرهم بن قحطان ويقال جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ بن ارفخشذ ابن سام بن نوح الجرهمي وكان نازلا بأعلى مكة بقعيقعان وكان السميدع سيد قطوراء نازلا بقومه في أسفل مكة وكل منهما يعشر من مر به مجتازا إلى مكة ثم وقع بين جرهم وقطوراء فاقتتلوا فقتل السميدع واستوثق الأمر لمضاض وهو الحاكم بمكة والبيت لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم وشرفهم وانتثارهم بمكة وبغيرها وذلك لخؤلتهم له ولعظمة البيت الحرام ثم صار الملك بعده إلى ابنه الحارث ثم إلى عمرو بن الحارث ثم بغت جرهم بمكة وأكثرت فيها الفساد وألحدوا بالمسجد الحرام حتى ذكر أن رجلا منهم يقال له اساف بن بغى وامرأة يقال لها نائلة بنت وائل اجتمعا في الكعبة فكان منه إليها الفاحشة فمسخهما الله حجرين فنصبهما الناس قريبا من البيت ليعتبروا بهما فلما طال المطال بعد ذلك بمدد عبدا من دون الله في زمن خزاعة كما سيأتي بيانه في موضعه فكانا صنمين منصوبين يقال لهما إساف ونائلة فلما أكثرت جرهم بالبغي بالبلد الحرام تمالأت عليهم خزاعة الذين كانوا نزلوا حول الحرم وكانوا من ذرية عمرو بن عامر الذي خرج من اليمن لأجل ما توقع من سيل العرم كما تقدم وقيل إن خزاعة من بني إسماعيل فالله أعلم
والمقصود أنهم اجتمعوا لحربهم وآذنوهم بالحرب واقتتلوا واعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين فغلبت خزاعة وهم بنو بكر بن عبد مناة وغبشان وأجلوهم عن البيت فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي وهو سيدهم إلى غزالي الكعبة وهما من ذهب وحجر الركن وهو الحجر الأسود وإلى سيوف محلاة وأشياء أخر فدفنها في زمزم وعلم زمزم وارتحل بقومه فرجعوا إلى اليمن وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث ابن مضاض ... وفائلة والدمع سكب مبادر ... وقد شرقت بالدمع منها المحاجر ... كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر ... فقلت لها والقلب مني كأنما ... يلجلجه بين الجناحين طائر

(2/185)


بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر ... وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ... ونحن ولينا البيت من بعد نابت ... بعز فما يحظى لدينا المكاثر ... ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا ... فليس لحي غيرنا ثم فاخر ... ألم تنكحوا من خير شخص علمته ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر ... فإن تنثني الدنيا علينا بحالها ... فإن لها حالا وفيها التشاجر ... فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك يا للناس تجري المقادر ... أقول إذا نام الخلي ولم أنم ... أذا العرش لا يبعد سهيل وعامر ... وبدلت منها أو جهالا أحبها ... قبائل منها حمير ويحابر ... وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة ... بذلك عفتنا السنون الغوابر ... فسحت دموع العين تبكي لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر ... وتبكي لبيت ليس يؤذى حمامه ... يظل به أمنا وفيه العصافر ... وفيه وحوش لا ترام أنيسة ... إذا خرجت منه فليس تغادر ...
قال ابن إسحاق وقال عمرو بن الحارث بن مضاض أيضا يذكر بني بكر وغبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة ... يا أيها الناس سيروا إن قصاركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا ... حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا ... كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا ...
قال ابن هشام هذا ماصح له منها وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ولم يسم قائلها وذكر السهيلي لهذه الأبيات أخوة وحكى عندها حكاية معجبة وانشادات معربة قال وزاد أبو الوليد الأزرقي في كتابه فضائل مكة على هذه الأبيات المذكورة المنسوبة إلى عمرو بن الحارث بن مضاض ... قد مال دهر علينا ثم أهلكنا ... بالبغي فينا وبز الناس ناسونا ... واستخبروا في صنيع الناس قبلكم ... كما استبان طريق عنده الهونا ... كنا زمانا ملوك الناس قبلكم ... بمسكن في حرام الله مسكونا

(2/186)


قصة خزاعة وعمرو بن لحي وعبادة العرب للأصنام
قال ابن إسحاق ثم أن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بني بكر بن عبد مناة وكان الذي يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشاني وقريش إذ ذاك حلول وصرم وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة قالوا وإنما سميت خزاعة خزاعة لأنهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام فنزلوا بمر الظهران فأقاموا به قال عون بن أيوب الأنصاري ثم الخزرجي في ذلك ... فلما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا في حلول كراكر ... حمت كل واد من تهامة واحتمت ... بصم القنا والمرهفات البواتر ...
وقال أبو المطهر إسماعيل بن رافع الأنصاري الأوسي ... فلما هبطنا بطن مكة أحمدت ... خزاعة دار الآكل المتحامل ... فحلت أكاريسا وشتت قنابلا ... على كل حي بين نجد وساحل ... نفوا جرهما عن بطن مكة واحتبوا ... بعز خزاعي شديد الكواهل ...
فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي الذي تزوج قصي بن كلاب ابنته حبى فولدت له بنيه الأربعة عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبدا ثم صار امر البيت إليه كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة واستمرت خزاعة على ولاية البيت نحوا من ثلاثمائة سنة وقيل خمسمائة سنة والله أعلم وكانوا سوس ( 1 ) في ولايتهم وذلك لان في زمانهم كان أول عبادة الأوثان بالحجاز وذلك بسبب رئيسهم عمرو بن لحي لعنه الله فإنه أول من دعاهم إلى ذلك وكان ذا مال جزيل جدا يقال أنه فقأ أعين عشرين بعيرا وذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير وكان من عادة العرب أن من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها لأنه يدفع بذلك العين عنها وممن ذكر ذلك الأزرقي وذكر السهيلي أنه ربما ذبح أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة وكسى عشرة آلاف حلة في كل سنة يطعم العرب ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق قالوا وكان قوله وفعله فيهم كالشرع المتبع لشرفه فيهم ومحلته عندهم وكرمه عليهم
قال ابن هشام حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره

(2/187)


فلما قدم آب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون قالوا له هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال لهم ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه
قال ابن إسحاق ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل عليه السلام أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه
وفي الصحيح عن أبي رجاء العطاردي قال كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها
قال ابن اسحاق واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم عليه السلام يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفات والمزدلفة وهدي البدن والاهلال بالحج والعمرة مع ادخالهم فيه ما ليس منه فكانت كنانة وقريش إذا هلوا قالوا لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه و سلم وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي
وقد ذكر السهيلي وغيره أن أول من لبى هذه التلبية عمرو بن لحي وأن إبليس تبدى له في صورة شيخ فجعل يلقنه ذلك فيسمع منه ويقول كما يقول واتبعه العرب في ذلك
وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا سمعهم يقولون لبيك لا شريك لك يقول قد قد أي حسب حسب وقد قال البخاري ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن آدم نا إسرائيل عن أبي حفص عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه في النار تفرد به أحمد من هذا الوجه وهذا يقتضي أن عمرو بن لحي هو أبو خزاعة الذي تنسب إليه القبيلة بكمالها كما زعمه بعضهم من أهل النسب فيما حكاه ابن إسحاق وغيره ولو تركنا مجرد هذا لكان ظاهرا في ذلك بل كالنص ولكن قد جاء ما يخالفه من بعض الوجوه فقال البخاري وقال أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال سمعت سعيد بن المسيب قال البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها

(2/188)


شيء قال وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه و سلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبة في النار كان أول من سيب السوائب وهكذا رواه البخاري ايضا ومسلم من حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة به ثم قال البخاري ورواه ابن الهاد عن الزهري قال الحاكم أراد البخاري رواه ابن الهاد عن عبد الوهاب بن بخت عن الزهري كذا قال
وقد رواه أحمد عن عمرو بن سلمة الخزاعي عن الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب وبحر البحيرة ولم يذكر بينهما عبد الوهاب بن بخت كما قال الحاكم فالله أعلم
وقال أحمد أيضا حدثنا عبد الرازق حدثنا معمر عن الزهري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وهو أول من سيب السوائب وهذا منقطع من هذا الوجه والصحيح الزهري عن سعيد عنه كما تقدم وقوله في هذا الحديث والذي قبله الخزاعي يدل على أنه ليس والد القبيلة بل منتسب إليها مع ما وقع في الرواية من قوله أبو خزاعة تصحيف من الراوي من أخو خزاعة أو أنه كان يكنى بأبي خزاعة ولا يكون ذلك من باب الأخبار بأنه أبو خزاعة كلهم والله أعلم
وقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لأكثم بن الجون الخزاعي يا أكثم رأيت عمرو بن لحي ابن قمعة بن خندف يجر قصبة في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه فقال أكثم عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله قال لا إنك مؤمن وهو كافر إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي ليس في الكتب من هذا الوجه وقد رواه ابن جرير عن هناد بن عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم بنحوه أو مثله وليس في الكتب أيضا وقال البخاري حدثني محمد بن أبي يعقوب ابو عبدالله الكرماني حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يجر قصبة وهو أول من سيب السوائب تفرد به البخاري وروى الطبراني من طريق صالح عن ابن عباس مرفوعا في ذلك والمقصود أن عمرو بن لحي لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك فضلوا بذلك ضلالا بعيدا بينا فظيعا شنيعا وقد أنكر الله تعالى عليهم في كتابه العزيز في غير ما آية منه فقال تعالى ولا تقولوا لم تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب الآية وقال تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون وقد تكلمنا على هذا كله مبسوطا وبينا اختلاف السلف في تفسير ذلك فمن أراد فليأخذه

(2/189)