صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الإحاطة في أخبار غرناطة
المؤلف : لسان الدين ابن الخطيب
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وليكن حكمك المسدد فيها ... حكم سعد في قتله لليهود
قال، فأجابه أبو محمد بن أبي المجد:
أيها العارف المعبر ذوقا ... عن معان غزيرة في الوجود
إن حال الفنا عن كل غير ... لمقام المراد غير المريد
كيف لي بالجهاد غير معان ... وعدوه مظاهر بجنود
ولو أني حكمت فيمن ذكرتم ... حكم سعد لكنت جد سعيد
فأراها صبابة بي فتوناً ... وأراني في حبها كيزيد
سوف أسلو بحبكم عن سواها ... ولو أبدت فعل المحب الودود
ليس شيء سوى إلآهك يبقى ... واعتبر صدق ذا بقول لبيد
وفاته
توفي رحمه الله، ليلة النصف من شعبان المكرم عام تسعة وثلاثين وسبعماية. وكان يجمع الفقراء ويحضر طائفتهم، وتظهر عليه حال، لا يتمالك معها، وربما أوحشت من لا يعرفه بها.
عبد الله بن فارس بن زيان
من بني عبد الوادي، تلمساني يكنى أبا محمد، وينتمي إلى بني زيان من بيت أمرائهم.
كذا نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي أبي الطاهر قاضي الجماعة أبي جعفر بن جعفر بن فركون، وله بأحواله عناية، وله إليه تردد كثير وزيارة. قال ورد الأندلس مع أبيه، وهو طفل صغير، واستقر بقتورية في ديوان غزانها. ولما توفي أبوه، سلك مسلكه برهة، ورفض ذلك، وجعل يتردد بين الولد، وانقطع لشأنه.
حاله
هذا الرجل غريب النزعة في الانقطاع عن الخلق، ينقطع ببعض جبال بني مشرف، واتخذ فيها كهوفاً وبيوتاً من الشعر أزيد من أربعين عاماً، وهلم جرا، منفردا، لا يداخل أجدا، ولا يلابسه من العرب، ويجعل الحلفاء في عنقه أختلف فيه، فمن ناسب ذلك إلى التلبيس وإلى لوثة تأتيه، وربما أثاب بشيء، ويطلبون دعاه ومكالمته، فربما أفهم، وربما أبهم.
محنته
ذكروا أنه ورث عن أخ له ما لا غنياً، وقدم مالقة، وقد سرق تاجر بها ذهباً عينا، فاتهم بها، فجرت عليه محنة كبيرة من الضرب الوجيع، ثم ظهرت براءته، وطلب الحاكم الجاير منه العفو، فعفا عنه، وقال لله عندي حقوق وذنوب، لعل بهذا أكفرها، وصرف عليه المال فأباه، وقال لا حاجة لي به مال سوء، وتركه وانصرف، وكان من أمر انقطاعه ما ذكر.
شيء من أخباره: استفاض عنه بالجهة المذكورة شفاء المرضى، وتفريج الكربات إلى غير ذلك من أخبار لا تحصى كثيرة. وهو إلى هذا العهد بحاله الموصوفة، وهو عام سبعين وسبعماية.
مولده: بتلمسان عام تسعين وستماية. ودخل غرناطة غير ما مرة. قال الفقيه أبو الطاهر منها في عام عشرة وسبعماية.
ابن العسال
عبد الله بن فرج بن غزلون اليحصبي يعرف بابن العسال، ويكنى أبا محمد، طليطلي الأصل. سكن غرناطة واستوطنها، الصالح المقصود التربة، المبرور البقعة، المفزع لأهل المدينة عند الشدة.
حاله
قال ابن الصيرفي، كان رحمه الله، فذا في وقته، غريب الجود، طرفاً في الخير والزهد والورع، له في كل جو متنفس، يضرب في كل علم بسهم، وله في الوعظ تواليف كبيرة، وأشعاره في الزهد مشهورة، جارية على ألسنة الناس، أكثرها كالأمثال جيدة الرصعة، صحيحة المباني والمعاني. وكان يلحق في الفقه. ويجلس للوعظ. وقال الغافقي، كان فقيهاً جليلاً، زاهداً، متفنناً، فصيحاً لسنا، الأغلب عليه مطبوعا. كان له مجلس، يقرأ عليه فيه الحفظ والتفسير، ويتكلم عليه، ويقص من حفظه أحاديث. وألف في أنواع من العلوم، وكان يغظ الناس بجامع غرناطة، غريباً في وقته، فذا ي دهره، عزيز الوجود.
مشيخته
روى عن أبي محمد مكي بن أبي طالب، وأبي عمرو، المقري الداني، وأبي عمر بن عبد البر، وأبي إسحق إبراهيم بن مسعود الإلبيري الزاهد، وعن أبيه فرج، وعن أبي زيد الحشا القاضي، وعن القاضي أبي الوليد الباجي.
شعره
وشعره كثير، ومن أمثل ما روى منه قوله:
لست وجيهاً لدي إلهي ... في مبدإ الأمر والمعاد
لو كنت وجيهاً لما براني ... في عالم الكون والفساد
وفاته

(2/6)


توفي رحمه الله يوم الاثنين لعشر خلون من رمضان عام سبعة وثمانين وأربعمائة وألحد ضحى يوم الثلاثاء بعده بمقبرة باب إلبيرة بين الجبانتين. ويعرف المكان إلى الآن بمقبرة العسال. وكان له يوم مشهود، وقد نيف على الثمانين رحمه الله، ونفع به.
ومن الملوك والأمراء والأعيان والوزراء
عبد الرحمن بن عبد الله بن معاوية
بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية، أمير المؤمنين الناصر لدين الله الخليفة الممتع، المجدود، المظفر، البعيد الذكر، الشهير الصيت.
حاله
كان أبيض، أشهل، حسن الوجه، عظيم الجسم، قصير الساقين. أول من تسمى أمير المؤمنين، ولي الخلافة، فعلا جده، وبعد صيته، وتوطأ ملكه، وكأن خلافته كانت شمسا نافية للظلمات، فبايعه أجداده وأعمامه وأهل بيته، على حداثة السن، وجدة العمر، فجدد الخلافة، وأحيا الدعوة، وزين الملك، ووطد الدولة، وأجرى الله له من السعد، ما يعظم عنه الوصف، ويجل عن الذكر، وهيأ له استنزال الثوار والمنافقين، واجتثاث جراثيمهم.
بنوه: أحد عشر، منهم الحكم الخليفة بعده، والمنذر، وعبد الله، وعبد الجبار.
حجابه: بدر مولاه، وموسى بن حدير.
قضاته: جملة منهم أسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن بقي، ومنذر ابن سعيد البلوطي.
نقش خاتمة: عبد الرحمن بقضاء الله راض.
أمه: أم ولد تسمى مزنة. وبويع له في ربيع الأول من سنة تسع وتسعين ومائتين.
دخوله إلبيره
قال المؤرخ، أول غزوة غزاها بعد أن استحجب بدرا مولاه، وخرج إليها يوم الخميس رابع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثلاثمائة مفوضاً إليه، ومستدعياً نصره، واستيلاف الشاردين، وتأمين الخايفين إلى ناحية كورة جيان، وحصن المنتلون، فاستنزل منه سعيد بن هذيل، وأناب إليه من كان نافراً عن الطاعة، مثل ابن اللبانة وابن مسرة ودحون الأعمى، وانصرف إلى قرطبة، وقد تجول، وأنزل كل من بحصن من حصون كورة جيان. وبسطة وناجرة وإلبيرة وبجانة والبشرة وغيرها بعد أن عرض نفسه عليها. وعلى عهده توفي ابن حفصون. وجرت عليه هزيمة الخندق في سنة سبع وعشرين وثلاثماية، وطال عمره، فملك نيفا وخمسين سنة، ووجد بخطه، أيام السرور التي صفت لي دون كدر يوم كذا ويوم كذا، فعدت، فوجدت أربعة عشر يوماً.
وفاته
في أول رمضان من سنة خمسين وثلاثمائة.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله
بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية
يكنى أبا المطرف، ويلقب بالمرتضى.
حاله وصفته
كان أبيض أشقر أقنى، مخفف البدن، مدور اللحية، خيراً، فاضلاً، من أهل الصلاح والتقى، قام بدولته خيران العامري، بعد أن كثر السؤال عن بني أمية، فلم يجد فيهم أسداً للخلافة منه، بورعه وعفافه، ووقاره، وخاطب في شأنه ملوك الطوائف على عهده، فاستجاب الكل إلى الطاعة، بعد أن جمع الفقهاء والشيوخ، وجعلوها شورى، وانصرفوا يريدون قرطبة، وبدأوا بصنهاجة بالقتال، فكان نزوله بجبل شقشتر على محجة واط.
وفاته
يوم الثلاث خلون من جمادى الأولى سنة تسع وأربعمائة. وكانت الهزيمة على عساكر المرتضى، فتركوا المحلات وهربوا، وفشي فيهم القتل، وظفرت صنهاجة من المتاع والأموال، بما يأخذه الوصف، وقتل المرتضى في تلك الهزيمة، فلم يوقع له على أثر، وقد بلغ سنه نحو أربعين.
عبد الرحمن بن معاوية
بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس يكنى أبا المطرف، وقيل أبا زيد، وقيل أبا سليمن، وهو الداخل إلى الأندلس، والمجدد الخلافة بها لذريته، والملقب بصقر بني أمية.
حاله

(2/7)


قال ابن مفرج، كان الأمير عبد الرحمن بن معاوية، راجح العقل، راسخ العلم، ثابت الفهم، كثير الحزم، فذ العزم، بريئاً من العجز، مستخفا للثقل، سريع النهضة، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد بإبرامها برأيه. وعلى ذلك فكان شجاعاً، مقداماً، بعيد الغور، شديد الحذر، قليل الطمأنينة، بليغاً، مفوهاً، شاعراً محسنا، سمحاً، سخياً، طلق اللسان، فاضل البنان، يلبس البياص، ويعتم به ويؤثره. وكان أعطى هيبة من وليه وعدوه لم يعطها واحد من الملوك في زمانه. وقال غيره، وألفى الأمير عبد الحمن الأندلسي ثغراً من أنأي الثغور القاصية، غفلاً من سمة الملك، عاطلاُ من حليه الإمامة، فأرهب أهله بالطاعة السلطانية، وحركهم بالسيرة الملوكية، ورفعهم بالآداب الوسطية، فألبسهم عما قريب المودة، وأقامهم على الطريقة. وبدأ يدون الدواوين، وأقام القوانين، ورفع الأواوين. وفرض الأعطية، وأنفد الأقضية، وعقد الألوية، وجند الأجناد، ورفع العماد، وأوثق الأوتاد، فأقام للملك آلته، وأخذ للسلطان عدته.
نبذة من أوليته
لما ظهر بنو العباس بالمشرق، ونجا فيمن نجا من بني أمية، معروفاً بصفته عندهم، وخرج بؤم المغرب لأمر كان في نفسه، من ملك الأندلس، اقتضاه حدثان. فسار حتى نزل القيروان، ومعه بدر مولاه، ثم سار حتى لحق بأخواله من نفزة، ثم سار بساحل العدوة، في كنف قوم من زناته، وبعث إلى الأندلس بدراً، فداخل له بها من يوثق به، وأجاز البحر إلى المنكب، وسأل عنها، فقال نكبوا عنها، ونزل بشاط من أحوازها، وقدم إليه أول دعوته، وعقد اللوا، وقصد قرطبة في خبر يطول، حروب مبيرة، وهزم يوسف الفهري، واستولى على قرطبة، فبويع له بها يوم عيد الأضحى من سنة ثمان وثلاثين ومائة، وهو ابن خمس وعشرين سنة.
دخوله إلبيرة
قالوا، ولما انهزم الأمير يوسف بن عبد الرحمن الفهري، لحق بإلبيرة فامتنع بحصن غرناطة، وحاصره الأمير عبد الرحمن بن معوية، وأحاط به، فنزل على صلح، وانعقد بينهما عقد، ورهنه يوسف ابنيه أبا زيد وأبا الأسود، وشهد في الأمان وجوه العسكر، منهم أمية بن حمزة الفهري، وحبيب بن عبد الملك المرواني، ومالك بن عبد الله القرشي، ويحيى بن يحيى اليحصبي، ورزق بن النعمان الغسالي، وجدار بن سلامة المذحجي. وعمر بن عبد الحميد العبدري، وثعلبة بن عبيد الجذامي، والحريش ابن حوار السلمي، وعتاب بن علقمة اللخمي، وطالوت بن عمر اليحصبي، والجراح بن حبيب الأسدي، وموسى بن خالد، والحصين بن العقيلي، وعبد الرحمن بن منعم الكلبي، إلى آخر سواهم، بتاريخ يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسع وثلاثين ومائة. نقلت أسماء من شهد، لكونهم مممن دخل البلد، ووجب ذكره، فاجتزأت بذلك، فرارا من الإطالة، إذ هذا الأمر بعيد الأمد، والإحاطة لله.
بلاغته ونثره وشعره
قال الرازي، قام بين يديه رجل من جند قنسرين، يستنجد به، وقال له، يا ابن الخلايف الراشدين والسادات الأكرمين، إليك فررنا، وبك عذت من زمن ظلوم، ودهر غشوم، قلل المال، وذهب الحال، وصير إلي بذاك المنال، فأنت ولي الحمد، وربي المجد، والمرجو للرفد. فقال له ابن معاوية مسرعاً، قد سمعنا مقالتك، فلا تعودن ولا سواك لمثله، من إراقة وجهك، بتصريح المسلة، والإلحاف في الطلبة، وإذا ألم لك خطب أو دهاك أمر، أو أحرقتك حاجة فارفعه إلينا في رقعة لا تعدو ذكياً، تستر عليك خلتك، وتكف شماتة العدو بك، بعد رفعها إلى مالكنا ومالكها، عن وجهه، بإخلاص الدعاء، وحسن النية. وأمر له بجائزة حسنة. وخرج الناس يعجبون من حسن منطقه، وبراعة أدبه.
ومن شعره قوله، وقد نظر إلى نخلة بمنية الرصافة، مفردة، هاجت شجنه إلى تذكر بلاد المشرق:
تبدت لنا وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرب والنوى ... وطول التنائي عن بنيي وعن أهلي
نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك غوادي المزن من صوبها الذي ... يسح ويستمرئ السماكين بالوبل
وفاته

(2/8)


توفي بقرطبة يوم الثلاثاء الرابع والعشرين لربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وماية، وهو ابن تسعة وخمسين عاماً، وأربعة أشهر، وكانت مدة ملكه ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، وأخباره شهيرة.
وجرى ذكره في الرجز المسمى بقطع السلوك، في ذكر هذين من بني أمية، قولي في ذكر الداخل:
وغمر الهول كقطع الليل ... بفتنة الفهري والصميل
وجلت الفتنة في أندلس ... فأصبحت فريسة المفترس
فأسرع السير إليها وابتدر ... وكل شيء بقضاء وقدر
صقر قريش عابد الرحمن ... باني المعالي لبني مروان
جدد عهد الخلفاء فيها ... وأسس الملك لمترفيها
ثم أجاب داعي الحمام ... وخلف الأمر إلى هشام
وقام بالأمر الحفيد الناصر ... والناس محصور بها وحاصر
فأقبل السعد وجاء النصر ... وأشرق الأمن وضاءت القصر
وعادت الأيام في شباب ... وأصبح العدو في تباب
سطى وأعطى وتغاضى ووفا ... وكلما أقدره الله عفا
فعاد من خالف فيها وانتزا ... وحارب الكفار دأبا وغزا
وأوقع الروم به في الخندق ... فانقلب الملك بسعي مخفق
واتصلت من بعد ذا فتوح ... تغدو على مثواه أو تروح
فاغتنموا السلم لهذا الحين ... ووصلت إرسال قسطنطين
وساعد السعد فنال واقتنا ... ثم بني الزهرا فيما قد بنا
حتى إذا ما كملت أيامه ... سبحان من لا ينقضي دوامه
عبد الرحمن بن إبراهيم اللخمي
بن يحيى بن سعيد بن محمد اللخمي
من أهل رندة وأعيانها، يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن الحكيم، وجده يحيى، هو المعروف بابن الحكيم، وقد تقدم ذكر جملة من هذا البيت.
حاله
كان رحمه الله عين بلده المشار إليه، كثير الانقباض والعزلة، مجانباً لأهل الدنيا، نشأ على طهارة وعفة، مرضى الحال، معدودا في أهل النزاهة والعدالة، وأفرط في باب الصدقة، بما انقطع عنه أهل الإثراء من المتصدقين، ووقفوا دون شأوه. ومن شهير مايروى من مناقبه في هذا الباب. أنه أعتق بكل عضو من أعضائه رقبة، وفي ذلك يقول بعض أدباء عصره:
أعتق بكل عضو منه رقبة ... واعتد ذلك ذخراً ليوم العقبة
لا أجد منقبة مثل هذه المنقبة
مشيخته
روى عن القاضي الجليل أبي الحسن بن قطرال، وعن أبي محمد بن ابن عبد اله بن عبد العظيم الزهري، وأبي البركات بن مودود الفارسي، وأبي الحسن الدباج، سمع من هؤلاء وأجازوا له. وأجاز له أبو أمية ابن سعد السعود بن عفير، وأبو العباس بن مكنون الزاهد، قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير، وكان شيخنا القاضي العالم الجليل أبو الخطاب ابن خليل، يطنب في الثناء عليه، ووقفت على ما خاطبه به معربا عن ذلك
شعره
منقولاً من طرفة العصر من قصيدة يرددها المؤذنون منها:
كم ذا أعلل بالتسويف والأمل ... قلبا تغلب بين الوجد والوجل
وكم أجرد أذيال الصبا مرحاً ... في مسرح اللهو وفي ملعب الغزل
وكم أماطل نفسي بالمتاب ... ولا عزم فيوضح لي عن واضح السبل
ضللت والحق لا تخفى معالمه ... شتان بين طريق الجد والهزل
وفاته
يوم الاثنين التاسع والعشرين لجمادى الأولى عام ثلاثة وسبعين وستماية
عبد الرحيم بن إبراهيم بن عبد الرحيم الخزرجي
يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن الفرس، ويلقب بالمهر، من أعيان غرناطة.
حاله

(2/9)


كان فقيهاً جليل القدر، رفيع الذكر، عارفاً بالنحو واللغة والأدب، ماهر الكتابة، رايق الشعر، بديع التوشيح، سريع البديهة، جارياً على أخلاق الملوك في مركبه وملبسه وزيه، قال ابن مسعدة: وطيء من درجات العز والمجد أعلاها، وفرع من الأصالة منتماها. ثم علت همته إلى طلب الرياسة والملك. فارتحل إلى بلاد العدوة، ودعا إلى نفسه، فأجابه إلى ذلك الخلق الكثير. والجم الغفير، ودعوه باسم الخليفة، وحيوه بتحية الملك. ثم خانته الأقدار، والدهر بالإنسان غدار، فأحاطت به جيوش الناصر بن المنصور، وهو في جيش عظيم من البربر، فقطع رأسه، وهزم جيشه، وسيق إلى باب الخليفة، فعلق على باب مراكش، في شبكة حديد، وبقي به مدة من عشرين سنة.
قال أبو جعفر بن الزبير، كان أحد نبهاء وقته، لولا حدة كانت فيه، أدت به إلى ما حدثني به بعض شيوخي من صحبه. قال: خرجنا معه يوماً على باب من أبواب مراكش برسم الفرجة، فلما كان عند الرجوع نظرنا إلى رؤوس معلقة، وتعوذنا بالله من الشر وأهله، وسألناه سبحانه العافية. قال: فأخذ يتعجب منا، وقال: هذا خور طريقة وخساسة همه، والله ما الشرف والهمة إلا في تلك. يعني في طلب الملك، وإن أدى الاجتهاد فيه إلى الموت دونه على تلك الصفة. قال: فما برحت الليالي والأيام، حتى شرع في ذلك، ورام الثورة، وسيق رأسه إلى مراكش، فعلق في جملة تلك الرؤوس، وكتب عليه، أو قيل فيه:
لقد طمح المهر الجموح لغاية ... فقطع أعناق الجياد السوابق
جرى وجرت رجلاه لكن رأسه ... أتى سابقاً والجسم ليس بسابق
وكانت ثورته ببعض جهات درعة من بلاد السوس.
مشيخته
أخذ عن صهره القاضي أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم. وعن غيره من أهل بلده، وتفقه بهم، وبهر في العقليات والعلوم القديمة، وقرأ على القاضي المحدث أب يبكر بن أبي زمنين، وتلا على الأستاذ الخطيب أبي عبد الله بن عروس، والأدب والنحو على الأستاذ الوزير أبي يحيى بن مسعدة. وأجازه الأستاذ الخطيب أبو جعفر العطار. ومن شعره في الثورة:
قولوا لأولاد عبد المؤمن بن علي ... تأهبوا لوقوع الحادث الجلل
قد جاء فارس قحطان وسيدها ... ووارث الملك والغلاب للدول
ومن شعره القصيدة الشهيرة وهي:
الله حسبي لا أريد سواه ... هل في الوجود الحق إلا الله
ذات الإله بها تقوم دولتنا ... هل كان يوجد غيره لولاه
يا من يلوذ بذاته أنت الذي ... لا تطمع الأبصار في مرآه
لا غرو أنا قد رأيناه بها ... فالحق يظهر ذاته وتراه
يا من له وجب الكمال بذاته ... فالكل غاية فوزهم لقياه
أنت الذي لما تعإلى جده ... قصرت خطا الألباب دون حماه
أنت الذي امتلأ الوجود بحمده ... لما غدا ملآن من نعماه
أنت الذي اخترع الوجود بأسره ما بين أعلاه إلى أدناه
أنت الذي خصصتنا بوجودنا ... أنت الذي عرفتنا معناه
أنت الذي لو لم تلح أنواره ... لم تعرف الأضداد والأشباه
لم أفش ما أودعتنية إنه ... ما صان سر الحق من أفشاه
عجز الأنام عن امتداحك إنه ... تتضاءل الأفكار دون مداه
من كان يعلم أنك الحق الذي ... بهر العقول فحسبه وكفاه
لم ينقطع أحد إليك محبة ... إلا وأصبح حامدا عقباه
وهي طويلة......
من أهل غرناطة يكنى أبا ورد ويعرف بابن القصجة عديم رواء الحس، قريب العهد بالنجعة، فارق وطنه وعيصه، واستقبل المغرب الوفادة، وقدم على الأندلس في أخريات دولة الثاني من الملوك النصريين، فمهد جانب البر له، وقرب مجلسه، ورعى وسيلته، وكان على عمل بر، من صوم واعتكاف وجهاد.
نباهته

(2/10)


ووقف بي ولده الشريف أبو زيد عبد الرحيم، على رسالة كتب بها أمير مكة على عهده إلى سلطان الأندلس ثاني الملوك النصريين رحمهم الله، وعبر فيها عن نفسه، من عبد الله المؤيد بالله محمد بن سعد الحرسني، في غرض المواصلة والمودة والمراجعة عن بر صدر عن السلطان رحمه الله من فصولها: ثم أنكم رضي الله عنكم، بالغنم في الإحسان للسيد الشريف أبي القاسم الذي انتسب إلينا، وأويتموه من أجلنا، وأكرمتموه، ورفعتموه احتراماً لبيته الشريف، جعل الله عملكم معه وسيلة بين يدي جدنا عليه السلام وهي طويلة وتحميدها ظريف، من شنشنة أحوال تلك البال بمكة المباركة.
وفاته: توفي شهيداً في الوقيعة بين المسلمين والنصارى بظاهر ألمرية عندما وقع الصريخ لإنجادها، ورفع العدو البرجلوني عنها في السادس والعشرين من شهر ربيع الأول عام عشرة وسبعمائة.
ومن ترجمة المقريين والعلماء والطلبة النجباء من ترجمة الطارئين منهم
عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد
بن أبي الحسن أصبغ بن حسن بن سعدون بن رضوان بن فتوح الخثعمي مالقى يكنى أبا زيد، وأبا القاسم، وأبا الحسين، وهي قليلة، شهر بالسهيلي.
حاله
كان مقرياً مجوداً، متحققاً بمعرفة التفسير، غواصاً على المعاني البديعة، ظريف التهدي إلى المقاصد الغريبة، محدثاً واسع الرواية، ضابطاً لما يحدث به، حافظاً متقدما، ذاكراً للأدب والتواريخ والأشعار والأنساب، مبرزاً في الفهم، ذكياً، أديباً بليغاً، شاعراً مجيداً، نحوياً عارفاً بارعاً، يقظاً، يغلب عليه علم العربية والأدب. استدعي آخراً إلى التدريس بمراكش، فانتقل إليها من مالقة، محل إقرائه، ومتبوأ إفادته، فأخذ بها الناس عنه، إلى حين وفاته.
مشيخته
تلا بالحرمين على خال أبيه الخطيب أبي الحسن بن عباس، وبالسبع على أبي داود بن يحيى، وعلى أبي علي منصور بن علاء، وأبي العباس بن خلف بن رضي، وروى عن أبي بكر بن طاهر، وابن العربي، وابن قندلة، وأبي الحسن شريح، وابن عيسى، ويونس بن مغيث، وأبي الحسن بن الطراوة، وأكثر عن في علوم اللسان، وأبي عبد الله حفيد مكي، وابن يمن الله، وأبوي القاسم ابن الأبرش، وابن الرماك، وأبوي محمد ابن رشد، والقاسم بن دحمان، وأبوي مروان بن بونة، وأبي عبد الله بن بحر. وناظر في المدونة على ابن هشام. وأجاز له ولم يلقه، أبو العباس عباد بن سرحان، وأبو القاسم بن ورد.
من روى عنه
روى عنه أبو إسحق الزوالي، وأبو إسحق الجاني، وأبو أمية بن عفير، وأبو بكر بن دحمان، وابن قنتوال، والمحمدون ابن طلحة، وابن عبد العزيز، وابن علي جويحمات، وأبو جعفر بن عبد المجيد، والحفار وسهل بن مالك، وابن العفاص، وابن أبي العافية، وأبو الحسن السراج، وأبو سليمن بن حوط الله، والسماتي. وابن عياش الأندرشي، وابن عطية، وابن يربوع، وابن رشيد، وابن ناجح، وابن جمهور، وأبو عبد الله بن عياش الكاتب، وابن الجذع، وأبو علي الشلوبين، وسالم بن صالح، وأبو القاسم بن بقي، وأبو القاسم بن الطيلسان، وعبد الرحيم بن الفرس، وابن الملجوم، وأبو الكرم جودى، وأبو محمد بن حوط الله، إلى جملة لا يحصرها الحد.
دخل غرناطة. وكان كثير التأميل والمدح لأبي الحسن بن أضحى قاضيها ورييسها. وله في مدحه أشعار كثيرة، وذكر لي من أرخ في الغرناطيين، وأخبرني بذلك صاحبنا القاضي أبو الحسن بن الحسن كتابة عمن يثق به.
تواليفه
منها كتاب الشريف والإعلام بما أبهم في القرآن من أسماء الأعلام. ومنها شرح آية الوصية، ومنها الروض الآنف والمشرع الروا فيما اشتمل عليه كتاب السيرة واحتوى. وابتدأ إملاءه في محرم سنة تسع وستين وخمسماية، وفرغ منه في جمادى منها. ومنها حلية النبيل في معارضة ما في السبيل. إلى غير ذلك.
شعره
قال أبو عبد الله بن عبد الملك: أنشدني أبو محمد القطان، قال أنشدني أبو علي الرندي، قال أنشدني أبو القاسم السهيلي لنفسه:
أسايل عن جيرانه من لقيته ... وأعرض عن ذكراه والحال تنطق
ومالي إلى جيرانه من صبابة ... ولكن قلبي عن صبوح يوفق
ونقلت من خط الفقيه القاضي أبي الحسن بن الحسن، من شعر أبي القاسم السهيلي، مذيلاً بيت أبي العافية في قطعة لزومية:

(2/11)


ولما رأيت الدهر تسطو خطوبه ... بكل جليد في الورى وهدان
ولم أر من حرز ألوذ بظله ... ولا من له بالحادثات يدان
فزعت إلى من تملك الدهر كفه ... ومن ليس ذو ملك له بمران
وأعرضت عن ذكر الورى متبرماً ... إلى الرب من قاص هناك ودان
وناديته سراً ليرحم عبرتي ... وقلت رجائي قادني وهدان
ولم أدعه حتى تطاول مفضلاً ... علي بالهام الدعاء وعان
وقلت أرجي عطفه متمثلاً ... ببيت لعبد صايل بردان
تغطيت من دهري بظل جناحه ... فعسى ترى دهري وليس براني
قلت، وما ضره، غفر الله له، لو سلمت أنباته من بردان، ولكن أبت صناعة النحو إلا أن تخرج أعناقها.
ومن شعره قوله:
تواضع إذا كنت تبغي العلا ... وكنت راسياً عند صفو الغضب
فخفض الفتى نفسه رفعة ... له واعتبر برسوب الذهب
وشعره كثير، وكتابته كذلك، وكلاهما من نمط يقصر عن الإجادة.
وقال ملغزا في محمل الكتب، وهو مما استحسن من مقاصده:
حامل للعلوم غير فقيه ... ليس يرجوا أمراً ولا يتقيه
يحمل العلم فاتحاً قدميه ... فإذا التقتا فلا علم فيه
ومن ذلك قوله في المجنبات:
شغف الفؤاد نواعم أبكار ... بردت فؤاد الصب وهي حرار
أذكى من المسك العتيق لنا ... نشقاً وألذ من صباً حين تدار
وكأن من صافى اللجين بطونها ... وكأنما ألوانهن نضار
صفت البواطن والظواهر كلها ... لكن حكت ألوانها الأزهار
عجباً لها وهي النعيم يصوغها ... نار وأين من النعيم النار
ومن شعره وثبت في الصلة:
إذا قلت يوماً سلام عليك ... ففيها شفاء وفيها سقام
شفاً إذ قلتها مقبلاً ... وإن قلتها مدبراً فالحمام
فاعجب لحال اختلافيهما ... وهذا سلام وهذا سلام
مولده: عام سبعة أو ثمانية وخمسماية.
وتوفي في مراكش سحر ليلة الخامس والعشرين من شعبان أحد وثمانين وخمسماية، ودفن لظهره بجبانة الشيوخ خارج مراكش، وكان قد عمى سبعة عشرة عاماً من عمره.
عبد الرحمن بن هانئ اللخمي
يكنى أبا المطرف، من أهل فرقد من قرى إقليم غرناطة.
حاله
كان فقيهاً فاضلاً، وتجول في بلاد المشرق. قال أنشدني إمام الجامع بالبصرة:
بلاء ليس بشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين
ينيلك منه عرضاً لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون
ابن القصيب
عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمد الأزدي من أهل غرناطة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن القصيب
حاله
كان فقيهاً جليلاً، بارع الأدب، عارفاً بالوثيقة، نقادا لها، صاحب رواية ودراية، تقلب ببلاد الأندلس، وأخذ الناس عنه بمرسية وغيرها. ورحل إلى مدينة فاس، وإفريقية، وأخذ بها، وولى القضاء يتقرش من بلاد الجريد.
مشيخته
روى عن أبيه القاضي أبي الحسن بن أحمد، وعن عمه أبي مروان، وعن أبوي الحسن ابن دري، وابن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، وأبي إسحق بن رشيق الطليطلي نزيل وادي آش، وأبي بكر بن العربي، وأبي الحسن ابن وهب، وأبي محمد عبد الحق بن عطية، وأبي عبد الله بن أبي الخصال، وأبي الحسن يونس بن مغيث، وأبي القاسم بن ورد، وأبي بكر بن مسعود الخشن، وأبي القاسم بن بقي، وأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، وغيرهم.
تواليفه
له تواليف وخطب ورسائل ومقامات، وجمع مناقب من أدركه من أهل عصره، واختصر كتاب الجمل لابن خاقان الإصبهاني، وغير ذلك، وألف برنامجاً يضم رواياته.
من روى عنه
روى عنه ابن الملجوم، واستوفى خبره
وفاته
ركب البحر قاصداً الحج، فتوفي شهيداً في البحر، قتله الروم بمرسى توسن مع جماعة من المسلمين، صبح يوم الأحد، في العشر الوسط من شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسماية.
ابن الفصال
عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد الأنصاري يكنى أبا بكر، ويعرف بابن الفصال.
حاله

(2/12)


هذا الرجل فاضل عريق في العدالة، ذكي، نبيل، مختصر الجرم، شعلة من شعل الإدراك، مليح المحاورة، عظيم الكفاية، طالب متقن، قرأ على مشيخة بلده، واختص منهم بمولى النعمة على أبناء جنسه، أبي سعيد ابن لب، واستظهر من حفظه كتباً كثيرة، منها كتاب التفريع في الفروع، وارتسم في العدول، وتعاطى لهذا العهد الأدب، فبرز في فنه.
أدبه
مما جمع فيه بين نظمه ونثره، وقوله يخاطب الكتاب، ويسحر ببراعته الألباب:
لعل نسيم الريح يسري عليله ... فأهدى صحيح الود طي سقيم
لتحملا عني وأزكى تحية ... لقيته كهف مانع ورقيم
ويذكر ما بين الجوانح من جوى ... وشوق إليهم مقعد ومقيم
يا كتاب المحل السامي، والإمام المتسامي، وواكف الأدب البسامي، أناشدكم بانتظامي في محبتكم وارتسامي، وأقسم بحقكم علي وحبذا إقسامي، ألا ما أمددتم بأذهانكم الثاقبة، وأسعدتم بأفكاركم النيرة الواقية، على إخراج هذا المسمى، وشرح ما أبهمه المعمى، فلعمري لقد أخرق مزاجي، وفرق امتزاجي، وأظلم به وهاجي، وغطى على مرآة ابتهاجي، فأعينوني بقوة ما استطعتم، وأقطعوني من مددكم ما قطعتم، وآتوني بذلك كله إعانة وسداً. وإلا فها هو بين يديكم، ففكوا غلقه، واسردوا خلقه، واجمعوا مضغه المتباينة وعلقه، حتى يستقيم جسداً قايماً بذاته، متصفاً بصفاته المذكورة ولذاته، قايلاً بتسلية أسلوباً مصحفاً كان أو مقلوباً. وإن تأبى عليكم وتمنع، وأدركه الحياء فتستر وتقنع، وضرب على إذان الشهدا، وربط على قلوبهم من الإرشاد له والاهتداء، فابعثوا أحدكم إلى المدينة ليسأل عنه خدينه:
أحاجي ذوي العلم والحلم ممن ... ترى شعلة الفهم من زنده
عن اسم هو الموت مهما دنا ... وإن بات يبكي على فقده
لذيذ وليس بذي طعم ... ويومر بالغسل من بعده
وأطيب ما يجتنيه الفتى ... لدى ربة الحسن أو عبده
مضجعه عشر الثلث في حساب ... المصحف من خده
وإن شيت قل مطعم ذمه ... الرسول وحض على بعده
وقد جاء في الذكر إخراجه ... لقوم نبي على عهده
وتصحيف ضد له آخر ... لقوم نبي على عهده
وتصحيف ضد له آخر ... يبارك للنحل في شهده
وتصحيف مقلوبه ربه ... تردد م قبل في رده
فهاكم معانيه قد بدت ... كنار الكريم على نجده
وكتب للولد أسعده الله، يتوسل إليه، ويروم قضاء حاجته:
أيها السيد العزيز تصدق ... فيالمقام العلي لي بالوسيلة
عند رب الوزارتين أطال الله ... أيامه حساناً جميلة
عله أن يجيرني من زمان ... مسنى الضر من خطاه الثقيلة
واستطالت علي بالنهب جوراً ... من يديه الخفيفة المستطيلة
لم تدع لي بضاعة غير مزجاة ... ونزر أهون به من قليله
وإذا ما وفى لي الكيل يوما ... حشفاً ما يكيله سوء كيله
فشفى بي غليله لا شفى بي ... دون ابنايه الجميع غليله
من لهذا الزمان مذ نال مني ... ليس لي بالزمان والله حيلة
غير أن يشفع الوزير ويدعي ... عبده أو خديمه أو خليله
دمت يا بن الوزير في عزك ... السامي ودامت به الليالي كفيلة

(2/13)


سيدي الذي بعزة جاهه أصول، وبتوسلي بعنايته أبلغ المأمول والسول، وأروم لما أنا أحوم عليه الوصول، ببركة المشفوع إليه والرسول، المرغوب من مجدك السامي الصريح، والمؤمل من ذلك الوجه السني الصبيح، أن تقوم بين نجوى الشفاعة، هذه الرقاعة، وتعين بذاتك الفاضلة النافعة، من لسانك مصقاعة، حتى ينجلي حالي عن بلج، وأتنسم من مهبات القبول طيب الأرج، وتتطلع مستبشرات فرحتي من ثنيات الفرج، فإن سيد الجماعة الأعلى، وملاذ هذه البسيطة وفحلها الأجلي، فسح اله تعإلى في ميدان هذا الوجود بوجوده، وأضفى على هذا القطر ملابس الستر برأيه السديد وسعوده، وبلغه في جميعكم غاية أمله ومقصوده، قلما تضيع عنده شفاعة الأكبر من ولده، أو يخيب لديه من توسل إليه بأزكى قطع كبده، وبحقك ألا ما أمرت هذه الرقعة بالمثول بين يدي ذلك الزكي الذات الطاهر البقعة، وقل لها قبل الحلول بين يدي هذا المولى الكريم، والموئل الرحيم، بعظيم التوقير والتبجيل، اعلمي ياأيتها السايل، أن هذا الرجل هو المؤمل، بعد الله تعإلى في هذا الجيل، والحجة البالغة في تبليغ راجيه أقصى ما يؤملونه بالتعجيل، وخاتمة كلام البلاغة، وتمام الفصاحة، الموقف عليه ذلك كله بالتسجيل، وغرة صفح دين الإسلام المؤيد بالتحجيل. وهذا هو مدبر فلك الخلافة العالية بإيالته، وحافظ بدر سمايها السامية بهالته، فقرى بالمثول بين يديه عيناً، ولقد قضيت على الأيام بذلك ديناً، وإذا قيل ما وسيلة مؤملك، وحاجة متوسلك، فوسيلته تشيعه في أهل ذلك المعنى، وحاجته يتكفل بها مجدكم الصميم ويعنى، وليست تكون بحرمة جاهكم من العرض الأدنى، وتمن فإن للإنسان هنالك ما تمنى، وتولى تكليف مرسلي بحسب ما وسعكم، وأنتم الأعلون، والله معكم. ثم أثن العنان، والله المستعان، وأعيدي السلام، ثم عودي بسلام.
وخاطب قاضي الحضرة، وقد أنكر عليله لباس ثوب أصفر: أبقى الله المثابة العلية، ومثلها أعلى، وقدحها في المعلوات المعلي، ما لها أمرت، لا زالت بركاتها تنثال، ولأمر ما يجب الأمتثال، بتغيير ثوبي الفاقع اللون، وإحالته عن معتاده في الكون، وإلحاقه بالأسود الجون أصبغة حداداً، وأيام سيدي أيام سرور، وبنو الزمان بعدله ضاحك ومسرور، ما هكذا شيمة البرور، بل لو استطعنا أن نزهو له كالميلاد، ونتزيا في أيامه بزي الأعياد، ونرفل من المشروع في محبر وموروس، ونتجلى في حلل العروس، حتى تقر عين سيدي بكتيبة دفاعه، وقيمة نوافله وإشفاعه، ففي علم سيدي الذي به الاهتداء، وبفضله الاقتداء، تفضيل الأصفر الفاقع، حيثما وقع من المواقع، فهو مهما حضر نزهة الحاضرين، وكفاه فاقع لونها تسر الناظرين. ولقد اعتمه جبريل عليه السلام، وبه تطرز المحبرات والأعلام، وإنه لزي الظرفاء، و شارة أهل الرفاء، اللهم إلا إن كان سيدي، دام له البقاء، وساعده الارتقاء، ينهى أهل التبريز، عن مقاربة لون الذهب الإبريز، خيفة أن تميل له منهم ضريبة، فيزنوا بريبة، فنعم إذا ونعمى عين، وسمعاً وطاعة لهذا الأمر الهينن اللين، أتبعك لا زيداً وعمراً، ولا أعصى لك أمراً، ثم لا ألبس بعدها إلا طمراً، وأتجرد لطاعتك تجريداً، وأسلك إليك فقيراً ومزيداً، ولا أتعرض للسخط بلبس شفيف، استنشق هباه، وألبس عباه، وأبرأ من لباس زي ينشئ عتابا، يلقى على لسان مثل هذا كتاباً، وأتوب منه متاباً، ولولا أني الليلة صفر اليدين، ومعتقل الدين، لباكرت به من حانوت صباغ رأس خابية، وقاع مظلمة جابية، وقاع مظلمة جابية، فأصيره حالكاً، ولا ألبسه حتى استفتى فيه مالكاً، ولعلى أجد فأرضى سيدي بالتزيي بشارته، والعمل بمقتضى إشارته، والله تعإلى يبقيه للحسنات، ينبه عليها، ويومي بعمله وحظه إليها، والسلام.
وخاطبني وقد قدم في شهادة المواريث بحضرة غرناطة:
يا منتهى الغايات دامت لنا ... غايتك القصوى بلا فوت
طلبت إحيائي بكم فانتهى ... من قبله حالي إلى الموت
وحق ذلك الجاه جاه العلا ... لامت إلا أن أتى وقت

(2/14)


مولاي الذي أتأذى من جور الزمان بذمام جلاله، وأتعوذ من نقص شهادة المواريث بتمام كماله، شهادة يأباها المعسر والحي، ويود أن لا يوافيه أجله عليها الحي، مناقضة لما العبد بسبيله، غير مربح قطميرها من قليله، فإن ظهر لمولاي إعفاء عبده، فمن عنده، والله تعإلى يمتع الجميع بدوام سعده، والسلام الكريم، يختص بالطاهر من ذاته ومجده، ورحمة اله وبركاته، من عبد إنعامكم ابن الفصال لطف الله به:
قد كنت أسترزق الأحياء ما رزقوا ... شيئاً ولا وفوني بعض أقوات
فكيف حالي لما أن شكوتهم ... رجعت أطلب قوتي عند أموات
والسلام يعود على جناب مولاي ورحمة الله وبركاته: وخاطب أحد أصحابه، وقد استخفى لأمر قرف به، برسالة افتتحا بأبيات على حرف الصاد، أجابه المذكور عن ذلك بما نصه، وفيه إشارة لغلط وقع في الإعراب:
يا شعلة من ذكاء أرسلت شررا ... إلى قريب من الأرجاء بعد قص
وشبهة حملت دعوى السفاح على ... فحل يليق به مضمونها وخص
رحماك بي فلقد جرعتني غصصا ... أثار تعريضها المكتوم من غص
بليتني بنكأة القرح في كبدي ... كمثل مرتجف المجذوم بالبرص
أيها الأخ الذي رقى ومسح، ثم فصح، وغش ونصح، ومزق ثم نصح، وتلاعب بأطراف الكلام المشقق فما أفصح، ما لسحاتك ذات الجيد المنصوص، وتونس على العموم، وتوحش على الخصوص، لا در دره من باب برضاع مفتاحه، وتأنيس حر سبق بالسجن استفتاحه، ومن الذي أنهى إلى أخي خبر ثقافي، ووثيقة تحبيسي وإيقافي، وقد أبى ذلك سعد فرعه باسق، وعز عقده متناسق. ويا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ، بل المثوى والحمد الله جنات وغرف، والمنتهى مجد وشرف، فإن كان وليي مكترثاً فيحق له السرور، أو شامتاً، فلي الظل وله الحرور. أنا لا أزن والحمد لله بها من هناه، ولما أدين بها من عزي ومناه، ولا تمر لي ببال فلست بذي سيف، ولست بنكال نفسي أرق شيمة، وأكرم مشيمة، وعيني أغزر ديمة، لو كان يسئل لسان عن إنسان، أو مجاولته بملعبه خوان، أوقفني إخوان لا بمأزق عدوان، لارتسمت منه بديوان. لا يغنى في حرب عوان، عين هذا الشكل والحمد لله فراره، وعنوان هذا الحد غراره. وأما كوني من جملة الصفرة. وممن أجهز سيدي الفقار على ذي الفقرة، فأقسم لو ضرب القتيل ببعض البقرة، لتعين مقدار تلك الغفرة. اللهم لو كنت مثل سيدي ممن تتضاءل النخلة السحوق لقامته، ويعترف عوج لديه بقماءته ودمامته، مقبل الظعن كالبدور في سحاب الخدور، وخليفة السيد الذي بلغت سراويله تندوة العدو الأيد، لطلت بباع مديد، وساعدني الخلق بساعد شديد، وأنا لي جسم شحت، يحف به بخت، وحسب مثلي أن يعلم في ميدان هوى، تسل فيه سيوف اللحاظ على ذوي الحفاظ، وتشرع سيوف القدود. إلى شكاة الصدود، وتسطو أولو الجفون السود بالأسود، فكيف أخشى تبعة تزل عن صفاتي، وتنافى صفاتي، ولا تطمع أسبابها في التفاتي، ولا تستعمل في حربها قنا ألفاتي. والله يشكر سيدي على اهتباله، ويحل كريم سباله، على ما ظهر لأجلى من شغف باله، إذ رفع ما يتصب، وغير ما لو غيره الحجاج، لكان مع الهيبة يحصب، ونكت بأن نفقت بالحظ سوقي. وظهر لأجله فسوقي ويا حبذا هو من شفيع رفيع، ووسيلة لا يخالفها الرعي، ولا يخيب لها السعي. ولله در القايل.
لله بالإنسان في تعليمه ... بوساطة القلم الكريم عناية
فالخط خط والكتابة لم تزل ... في الدهر عن معنى الكمال كناية
وما أقرب يا سيدي هذه الدعوى لشهامتك. وكبر هامتك:
لو كنت حاضرهم بخندق بلج ... ولحمل ما قد أبرموه فصال
لخصصت بالدعوى التي عموا بها ... ولقيل فصل جلاه الفصال
وتركت فرعون بن موسى عبرة ... تتقدمنه بسيفه الأوصال
فاحمد الله الذي نجاك من حضور وليمتها، ولم تشهد يوم حليمتها.

(2/15)


وأما اعتذارك عما يقال من تفقد الكنز، ومنتطح العنز، فورع في سيدي أتم من أن يتهم بغيبة، ولسانه أعف من أن ينسب إلى ريبة، لما اتصل به من فضل ضريبة، ومقاصد في الخير غريبة، إنما يستخف سيدي أفرط التهم، رمى العوامل بالتهم، فيجري أصح مجرى أختها، ويلبسها ثياب تحتها، بحيث لا إثم يترتب، ولا هو ممن تعتبه، وعلى الرجال فجنايته عذبة الجناء، ومقاصده مستطرفة لفصح أو كنى. أبقاه الله رب نفاضة وجرادة، ولا أخلى مبرده القاطع من برادة، وعوده الخير عادة، ولا أعدمه بركة وسعادة، بفضل الله، والسلام عليه من وليه المستزيد من ورش وليه، لا بل من قلايد حليه. محمد بن فركون القرشي. ورحمة الله وبركاته فراجعه المترجم بما نصه، وقد اتهم أن ذلك من إملايي:
يا ملبس النصح ثوب الغش متهما ... يلوى النصيحة عنه غير منتكص
وجاهلاً باتخاذ الهزل مأدبة ... أشد ما يتوقى محمل الرخص
نصحته فقصاني فانقلبت إلى ... حال يغص بها من جملة الفصص
بالأمس أنكرت آيات القصاص له ... واليوم يسمع فيه سورة القصص
ممن استعرت يا بابلي هذا السحر، ولم تسكن بناصية السحر، ولا أعملت إلى بابل هاروت امتطاء ظهر، ومن أين جيت بقلايد ذلك النحر، أمن البحر، أو مما وراء النهر. ما لمثل هذه الأريحية الفاتقة، استنشقنا مهبك، ولا قبل هذه البارقة الفايقة، استكثرنا غيك. يا أيها الساحر ادع لنا ربك. أأضغاث أحلام ما تريه الأقلام، أم في لحظة تلد الأيام، فرايد الأعلام. لقد عهدت بربعك محسن دعابة، ما فرعت شعابه، أو مصيباً في صبابة، ما قرعت بابه، ولا استرجعت قبل أن أعبر عبابه. اللهم إلا أن تكون تلك الآيات البينات، من بنات يراعتك، لا براعتك ومفترس تلك الزهر، الطالعة كالكواكب الزهر، مختلس يد استطاعتك، لا زراعتك، وإلا فنطرح مصايد التعليم والإنشاء، وننتظر معنى قوله عز وجل، يؤتى الحكمة من يشاء، أو نتوسل في مقام الإلحاح والإلحاف. أن ننقل من غايلة الحسد إلى الإنصاف، وحسبي أن أطلعت بالحديقة الأنيقة، ووقفت من مثلي تلك الطريقة على حقيقة، فألفيت بها بياناً قد وضح تبياناً أو أطلق عناناً، ومحاسن وجدت إحساناً، فتمثلت إنساناً، سرح لساناً، وأجهد بناناً، إلا أن صادح أيكتها يتململ في قيظ، ويكاد يتميز من الغيظ، فيفيض ويغيض، ويهيض وينهض، ثم يهيض، ويأخذ في طويل وعريض، بتسبيب وتعريض، ويتناهض في ذلك بغير مهيض، وفاتن كمايمها تسل عن الصادح، ويتلقف عصا استعجاله ما يفكه المادح، ويحرق بناره زند القادح، ويتلقف عصا استعجاله ما يفكه المادح، ويحرق بناره زند القادح، ويتعاطى من نفسه بالإعجاب، ويكاد ينادي من وراء حجاب، إن هذا لشيء عجاب، إيه بغير تمويه، رجع الحديث الأول، إلى ما عليه المعول، لا در درها من نصيحة غير صحيحة، ووصية مودة صريحة، تعلقت بغير ذي قريحة، فهي استعجلتني بداهية كاتب، واستطالة ظالم عاتب قد سل مرهفه واستنجد مترفه، وجهزها نحو كتيبته تسفر عن تحجيل، بغير تبجيل وسحابة سجل ترمى بسجيل ما كان إلا أن استقلت، ورمتني بدائها وانسلت، وألقت ما فيها وتخلت، فحسبي الله، تغلب على فهمي، ورميت بسهمي، وقتلت بسلاحي، وأسكرت براحي، بريت بريت، مما به دهيت، أنت أبقاك الله لم تدن بها مني منالاً وعزاً، فكيف بها تنسب إلى بعدك وتعزا، نفسي التي هي أرق وأجدر بالمعالي وأحق، وشكلى أخف على القلوب وأدق، وشمايلي أملك فلا تسترق، ولساني هو الذي يسئل فلا يفل، وقدري يعزه ويجل، عما فخرت أنت به من ملعب مايدة، ومجال رقاب متمايدة، فحاشى سيدي أن يقع منه بذلك مفخر، إلا أن يكون يلهو ويسخر، وموج بحره بالطيب والخبيث تزخر، وعين شكلي هي بحمد الله، عين الظرف المشار إليه بالبنان والطرف. وأما تعريض سيدي بصغر القامة، وتكبيره لغير إقامة، فمطرد قول، ومدامة غول، وفريضة نشأ فيها عول، إذ لا مبالاة تجسم كاينا ما كان، أو ما سمعت أن السر في السكان، وإنما الجسد للروح مكان ولم يبق إليه فقد يروح، وقد قال، ويسئلونك عن الروح، والمرء بقلبه ولسانه، لا بمستظهر عيانه، والله در القايل:
لم يرضني أني بجسم هايل ... والروح ما وفت له أغراضه
ولقد رضيت بأن جسمي ناحل ... والروح سابغة به فضفاضة

(2/16)


ولما وقع سيدي بمكتوبي على المرفوع والمنصوب، وظفرت يده بالمغصوب، والباحث المعصوب، لم يقلها زلة عالم. وإني وقد وجدتها منية حالم، فعدد وأعاد، وشدد وأشاد، هلأ عقل ما قال، وعلم أن المقيل سيكون مقال، وزلة العلم لا تقال وأن الحرب سجال. وقبضة غيره هو المتلاعب في الحجال، وبالجملة فلك الفضل يا سيدي، ما اعتنى بمعناك، وارتفع بين مغاني الكرام مغناك، فمدة ركوبك الحمران لا تجاري، ولا يشق أحد لك غبارا. أبقاك الله تحفظ عرى هذا الوداد، ويشمل الجميع بركة ذلك الناد، والسلام عليك من ابن الفصال، ورحمة الله وبركاته.
وجعلا إلى التحيم، وفوضا لنظري التفضيل فكتبت:
بارك عليها بذكر الله من قصص ... واذكر ما أى في سورة القصص
حيث اغتدي السحر يلهو بالعقول ... وقد أحال بين حال كيده وعص
عقايل العقل والسحر الحلال قوت ... من كافل الصون بعد الكون حجروص
وأقبلت تتهادى كالبدور إذا ... بسحر من فلك النذور في حصص
من للبدور وربات الخدور بها ... المثل غير مطيع والمثلان عص
ما قرصة البدر والشمس المنيرة أن ... قيست بمن سوى من جملة القرص
تا لله ما حكمها يوماً بمنتقض ... كلاً ولا بدرها يوماً بمنتقص
إن قافل حكمي فيها بالسواد فقد ... أمنت ما يحذر القاضي من الغصص
أو كنت أرخصت في الترجيح مجتهداً لم يقبل الورع الفتيا مع الرخص
يا مدلج ليل الترجيح قف، فقد خفيت الكواكب، ويا قاضي طرف التحسين والتقبيح، تسامت والحمد لله المناكب، ويا مستوكف خبر الوقيعة من وراء أقتام القيعة، تصالحت المواكب. حصحص الحق فارتفع اللجاج، وتعارضت الأدلة فسقط الاحتجاج، ووضعت الحرب أوزارها فسكن العجاج، وطاب نحل الأقلام بأزهار الأحلام، فطاب المجاج، وقل لفرعون البيان وإن تأله، وبلد العقول وبله، وولي بالغرور ودله. أوسع الكناين نثلا، ودونك أيدا شثلاً، وشحرا حثلا، لا خطما ولا أثلا. إن هذان لساحران إلى قوله، ويذهبا بطريقتكم المثلى، وإن أثرت أدب الحليم مع قصة الكليم، فقل لمجمل جياد التعاليم، وواضع جغرافياً الأقاليم، أندلسا ما علمت بلد الأجم، لا سود العجم، ومداحض السقوط، على شوك قتاد القوط، ولم يذر إن محل ذات العجايب والأسرار، التي تضرب إليها أباط النجاب في غير الإقليم الأول. وهذا الوطن بشهادة القلب الحول. إنما هو رسم دارس، ليس عليه من معول. فهنالك يتكلم الحق فيفصح ويعجم، ويرد المدد على النفوس الجريبة، من مطالع الأضواء فيحدث ويلهم، ويجود خازن الأمداد، على المتوسل بوسيلة الاستعداد، فيقطع ويسهم. وأما إقليمنا الرابع والخامس، بعد أن تكافأت المناظر والملامس، وتناصف الليل الدامس واليوم الشامس، باعتدال ربيعي، ومجرى طبيعي، وذكى بليد، ومعاش وتوليد، وطريف في البداوة وتليد، ليس به برباه ولا هرم، يخدم بها درب محترم، ويشب لقرياته حرم، فيفيد روحانيا يتصرف، ورييساً يتعرض ويتعرف، كلما استنزل صاب، وأعمل الانتصاب، وجلب المآرب، وأذهب الأوصاب، وعلم الجواب، وفهم الصواب. ولو فرضنا هذه المدارك ذوات أمثال، أو مسبوقة بمثال، لتلقينا منشور القضاء بامتثال، لا كنا نخاف أن نميل بعض الميل، فنجني بذلك أبخس الجري وإرضا الذميل، ونجر تنازع الفهري مع الصميل. فمن خير ميز، ومن حكم أزرى به وتهكم، وما سل سيوف الخوارج في الزمن الدارج، إلا التحكيم، حتى جهل الحكيم، وخلع الخطام، ونزع الشكيم، وأضر بالخلق نافع، وذهب الطفل لجراه واليافع، وذم الذمام ورد الشافع، وقطر سيف قطري بمسجد الثقفي وهو محصور، وانتهبت المقاصير والقصور، إلا أن مستأهل الوظيفة الشرعية، عند الضرورة يجبر، والمنتدب للبرمحي عند الله ويجبر، واجعلني على خزائن الأرض، وهو الأوضح والأشهر، فيها به يستظهر. وأنا فإن حكمت على التعجيل، فغير مشهد على نفسي بالتسجيل، إنما هو تلفيق يرضى وتطفيل، يعتب عليه من تصدع بالحق ويمضي إلا أن يغضى، ورأيي فيها المراضاة والاستصلاح، وإلا فالسلاح والركاب الطلاح، والصلح خير، وما استدفع بمثل التسامح ضير. ومن وقف عليه، واعتبر ما لديه، فليعلم أني صدعت وقطعت، والحق أطعت، وإن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، والسلام.

(2/17)


عبد الرحمن بن محمد الحضرمي
بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر ابن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي من ذرية عثمن أخي كريب المذكور في نبهاء، ثوار الأندلس. وينتسب سلفهم إلى وائل بن حجر، وحاله عند القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم معروف.
أوليته
قد ذكر بعض منها. وانتقلسلفه من مدينة إشبيلية عن نباهة وتعين وشهرة عند الحادثة بها، أو قبل ذلك، واستقر بتونس منهم ثالث المحمد بن الحسن، وتناسلوا على سراوة وحشمة ورسوم حسنة، وتصرف جد المترجم به لملوكها في القيادة.
حاله
هذا الرجل الفاضل حسن الخلق، جم الفضائل باهر الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصي الزي، عالي الهمة، عزوف عن الضيم، صعب المقادة، قوى الجأش، طامح لقنن الرياسة، خاطب للحظ، متقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التصور، بارع الخط، مغري بالتجلة، جواد الكف، حسن العشرة، مبذول المشاركة، مقيم لرسوم التعين، عاكف على رعي خلال الأصالة، مفخرة من مفاخر التخوم المغربية.
مشيخته
قرأ القرآن ببلده على المكتب ابن برال، والعربية على المقرى الزواوي وابن العربي، وتأدب بأبيه، وأخذ عن المحدث أبي عبد الله بن جابر الوادي آش، وحضر مجلس القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام، وروى عن الحافظ عبد الله السطي، والرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، ولازم العالم الشهير أبا عبد الله الآبلى، وانتفع به.
توجهه إلى المغرب
انصرف عن إفريقية منشئه. بعد أن تعلق بالخدمة السلطانية على الحداثة وإقامته لرسم العلامة بحكم الاستنابة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة. وعرف فضله، وخطبه السلطان منفق سوق العلم والأدب أبو عنان فارس بن علي ابن عثمن، واستقدمه، واستحضره بمجلس المذاكرة، فعرف حقه، وأوجب فضله، واستعمله في الكتابة أوائل عام ستة وخمسين، ثم عظم عليه حمل الخاصة من طلبة الحضرة لبعده عن حسن التأني، وشفوفه بثقوب الفهم، وجودة الإدراك، فأغروا به السلطان إغراء عضده ما جبل عليه عند ئذ من إغفال التحفظ، مما يريب لديه، فأصابته شدة تخلصه منها أجله؛ كانت مغربة في جفاء ذلك الملك، وهناة جواره، وإحدى العواذل لأولى الهوى في القبول بفضله، واستأثر به الاعتقال باقي أيام دولته على سنن الأشراف من الصبر وعدم الخشوع، وإهمال التوسل، وإبادة المكسوب في سبيل النفقة، والإرضاخ على زمن المحنة، وجار المنزل الخشن، إلى أن أفضى الأمر إلى السعيد ولده، فأعتبه قيم الملك لحينه، وأعاده إلى رسمه. ودالت الدولة إلى السلطان أبي سالم، وكان له به الاتصال، قبل تسوغ المحنة، بما أكد حظوته، فقلده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات، محرر السهام، نبيه الرتبة، إلى آخر أيامه. ولما ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد الله، مدبر الأمر وله إليه قبل ذلك وسيلة، وفي حليه شركة، وعنده حق رابه تقصيره، عما ارتمى إليه أمله، فساء ما يبينهما إلى أن إلى إلى انفصاله عن الباب المريني.
دخوله غرناطة
ورد على الأندلس في أوائل شهر ربيع الأول من عام أربعة وستين وسبعماية، واهتز له السلطان، وأركب خاصته لتلقيه، وأكرم وفادته، وخلع عليه، وأجلسه بمجلسه الخاص. ولم يدخر عنه برا ومؤاكله ومطايبة وفكاهة.
وخاطبني لما حل بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرني الآن فأجبته عنها بقولي:
حللت حلول الغيث في البلد المحل ... على الطائر الميمون والرحب والسهل
يميناً بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشيخ والطفل المهدإ والكهل
لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... تنسى اغتباطي بالشبيبة والأهل

(2/18)


أقسمت بمن حجت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمة الأحياء لميته، الذي زيازته الأمنية السنية، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشباب يقطر ماء، ويرف نماء، ويغزل عيون الكواكب، فضلاً عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا الوخط يلم بسياج لمته، أو يقدح ذبالة في ظلمته، أو يقوم حواريه في ملته، من الأحابش وأمته، وزمانه روح وراح، ومغدى في النعيم ومراح، وقصف صراح، ورفى وجراح، وانتخاب واقتراح، وصدور ما بها إلا انشراح، ومسرات تردفها أفراح. وبين قدومك خليع الرسن، ممتعاً والحمد لله، باليقظة والوسن، محكماً في نسك الجنيد، أو فتك الحسن، ممتعاً بظرف المعارف، مالئاً أكف الصيارف، ما حيا بأنوار البراهين شبه الزخارف لما اخترت الشباب، وإن شاقني زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رقى جنون اغترابي، وملكني أزمة آرابي، وغبطني بمائي وترابي، ومألف أترابي، وقد أغصني بلذيذ شرابي، ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي، وعجلت هذه مغبطة بمناخ المطية، ومنتهى الطية، وملتقى للسعود غير البطية، وتهنى الآمال الوثيرة الوطية، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريك، متجملة بزيك، عاقلة خطى مهريك، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظان مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلف عن الأصحار، لا بل اللقاء من وراء البحار، والسلام.
ولما استقر بالحضرة، جرت بيني وبينه مكاتبات، أقطعها الظرف جانبه، وأوضح الأدب فيها مذاهبه. فمن ذلك ما خاطبته به، وقد تسرى جارية رومية إسمها هند صبيحة الابتناء بها.
أوصيك بالشيخ أبي بكره ... لا تأمنن في حالة مكره
واجتنب الشك إذا جئته ... جنبك الرحمن من تكره
سيدي، لا زلت تتصف بالوالج، بين الخلاخل والدمالج، وتركض فوقها ركض الهمالج. اخبرني كيف كانت الحال، وهل حطت بالقاع من خير البقاع الرحال، وأحكم بمرود المراودة الاكتحال، وارتفع بالسقيا الإمحال، وصح الانتحال، وحصحص الحق وذهب المحال، وقد طولعت بكل بشرى وبشر، وزفت هند منك إلى بشر، فلله من عشية تمتعت من الربيع بفرشي موشية، وابتذلت منها أي وساد وحشية وقد أقبل ظبي الكناس من الديماس، ومطوق الحمام من الحمام، وقد حسنت الوجه الجميل النظرية، وأزيلت عن الفرع الأثيث الأبرية، وصقلت الخدود فهي كأنها الأمرية، وسلط الدلك على الجلود، وأغريت النورة بالشعر المولود، وعادت الأعضاء يزلق عنها اللمس، ولا تنالها البنان الخمس، والسحنة يجول في صفحتها الفضية ماء النعيم، والمسواك يلبي من ثنية التنعيم، والقلب يرمى من الكف الرقيم بالمقعد المقيم، وينظر إلى نجوم الوشوم، فيقول إني سقيم. وقد تفتح ورج الخفر، وحكم لزنجي الظفيرة بالظفر، واتصف أمير الحسن بالصدود المغتفر، ورش بماء الطيب، ثم أعلق بباله دخان العود الرطيب. وأقبلت الغادة يهديها اليمن. وتزفها السعادة، فهي تمشي على استحياء، وقد ذاع طيب الريا، وراق حسن المحيا، حتى إذا نزع الخف، وقبلت الأكف، وصحب المزمار وتجاوب الدف، وذاع الأرج، وارتفع الحرج، وتجوز اللوا والمنعرج، ونزل على بشر بزيارة هند الفرج، اهتزت الأرض وربت، وعوصيت الطباع البشرية فأبت، ولله در القائل:
ومرت فقالت متى نلتقي ... فهش اشتياقاً إليها الخبيث
وكاد بمزق سرباله ... فقلت إليك بساق الحديث
فلما انسدل جنح الظلام، وانتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة الإسلام، وخاطت خيوط المنام، عيون الأنام، تأتى دنو الجلسة، ومسارقة الخلسة، ثم عضة النهد، وقبله الفم والخد، وإرسال اليد من النجد إلى الوهد، وكانت الإمالة القلية قبل المد، ثم الإفاضة فيما يغبط ويرغب، ثم الإماطة لما يشوش ويشغب، ثم إعمال المسير إلى السرير.
وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال

(2/19)


هذا بعد منازعة للأطواق يسيرة، يراها الغيد من حسن السيرة، ثم شرع في حل التكة، ونزع الشكة، وتهيئة الأرض الغرار عمل السكة، ثم كان الوحى والاستعجال. وحمى الوطيس والمجال، وعلا الجزء الخفيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطبع العفيف، وتواتر التقبيل، وكان الأخذ الوبيل، وامتاز الأنوك من النبيل، ومنها جائر وعلى الله قصد السبيل، فيا لها من نعم متداركة، ونفوس في سبيل القحة متهالكة، ونفس يقطع حروف يقطع حروف الحلق، وسبحان الذي يزيد في الخلق. وعظمت الممانعة، وكثرت باليد المصانة، وطال الترواغ والتزاور، وشكى التجاور وهنالك تختلف الأحوال، وتعظم الأهوال، وتخسر أو تربح الأموال، فمن عصا تنقلب ثعباناً مبيناً، ونونه تصير تنيناً، وبطل لم يهله المعترك الهائل، والوهم الزائل، ولا حال بينه وبين قرته الحائل، فتعدى فتكة السليك إلى فتكة البراض، وتقلد مذهب الأزارقة من الخوارج في الاعتراض، ثم شق الصف، وقد خضب الكف، بعد أن كاد يصيب البرى بطعنه، ويبوء بمقت الله ولعنته:
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
وهناك هدأ القتال، وسكن الخبال، ووقع المتوقع فاستراح البال، وتشوف إلى مذهب الثنوية، من لم يكن للتوحيد بسبال، وكثر السؤال عن البال بما بال، وجعل الجريح يقول، وقد نظر إلى دمه يسيل على قدمه:
أنى له عن دمي المسفوك معتذر ... أقول حملته في سفكه تعبا
ومن سنان عاد عنانا، وشجاع صار هدانا جباناً، كلما شابته شائبة ريبة، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحية، وماتت الغريزة الحية، وهناك يزيغ البصر، ويخذل المنتصر، ويسلم الأسر، ويغلب الحصر، ويجف اللباب، ويظهر العاب، ويخفق الفؤاد، ويكبو الجواد، ويسيل العرق، ويشتد الكرب والأرق، وينشأ في محل الأمن الفرق، ويدرك فرعون الغرق. ويقوي اللجاج ويعظم الخرق. فلا تزيد الحال إلا شدة، ولا تعرف تلك الجارحة المؤمنة إلا ردة:
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده
فكم مغري بطول اللبث، وهو من الخبث، يؤمل الكرة، ليزيل المعرة، ويستنصر الخيال، ويعلم باليد الاحتيال:
إنك لا تشكو إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت
ومعتذر بمرض أصابه، جرعه أو صابه. ووجع طرقه، جلب أرقه، وخطيب أرتج عليه أحياناً، فقال سيحدث الله بعد عسر يسرا، وبعد عي بياناً، اللهم إنا نعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغلقت أقفالها، ولم تسم بالنجيع أعفالها، ومن معرات الأقدار والنكول عن الأبكار، ومن النزول عن البطون والسرر، والجوارح الحسنة الغرر، قبل ثقب الدر، ولا تجعلنا من يستحي من البكر بالغداة، وتعلم منه كلال الأداة، وهو مجال فضحت فيه رجال، وفراش شكيت فيه أو جال، وأعملت روية وارتجال. فمن قائل:
أرفعه طورا على إصبعي ... ورأسه مضطربة أسفله
كالحنش المقتول يلقى على ... عود لكي يطرح في مزبله
أو قايل:
عدمت من أيري قوى حسه ... يا حسرة المرء على نفسه
تراه قد مال على أصله ... كحائط خر على أسه
وقايل:
أيحسدني إبليس داءين أصبحا ... برجلي ورأسي دملاً وزكاما
فليتها كانا به وأزيده ... رخاوة أير لا يريد قياما
وقائل:
أقول لأيري وهو يرقب فتكة ... به خبت من أير وغالتك داهية
إذا لم يكن للأير بخت تعذرت ... عليه وجوه ......من كل ناحية
وقايل:
تعفف قوق الخصيتين كأنه ... رشاء إلى جنب الركية ملتف
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضعف
وقايل:
تكرش أيري بعد ما كان أملسا ... وكان غنياً من قواه فأفلسا
وصار جوابي للمها أن مررن بي ... مضى الوصل إلا منية تبعث الأسى
وقايل:
بنفسي من حييته فاستخف بي ... ولم يخطر الهجران منه على بال
وقابلني بالهزء والنجة بعدما ... حططت به رجلي وجردت سريالي
وما ارتجى من موسر فوق دكة ... عرضت له شيئاً من الحشف البالي

(2/20)


علل لا تزال تبكي، وعلل على الدهر تشكي، وأحاديث تقص وتحكي. فإن كنت أعزك الله من النمط الأول، ولم تقل، وهل عند رسم دارس من معول، فقد جنيت الثمر. واستطبت السمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة، واخرج على قومك في ثياب الزينة، واستبشر بالوفود، وعرف السمع عارفة الجود، وتبجح بصلابة العود، وإنجاز الوعود، واجن رمان النهود، من أغصان القدود، واقطف ببنان اللثم أقاح الثغور وورد الخدود. وإن كانت الأخرى، فاخف الكمد، وأرض الثمد، وانتظر الأمد، واكذب التوسم، واستعمل التبسم، واستكتم النسوة، وأفض فيهن الرشوة، وتقلد المغالطة وارتكب، وجئ على قميصك بدم كذب، واستنجد الرحمن، واستعن على أمورك بالكتمان
لا تظهرن لعاذل أو عاذر ... حاليك في السراء والضراء
فلرحمة المتفجعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
وانتشق الأرج، وارتقب الفرج. فكم غمام طبق وما همي، وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى، وأملك بعدها عنان نفسك، حتى تمكنك الفرصة، وترفع إليك القصة، ولا تشتره إلى عمل لا تفئ منه بتمام، وخذ عن إمام، ولله در عروة بن حزام.
الله يعلم ما تركتن قتالهم ... حتى رموا مهري بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل دونهم ... أقتل ولم يضرر عدوي مشهدي
ففررت منهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد
واللبانات تلين وتجمح، والمآرب تدنو وتنزح، وتحرن ثم تسمح، وكم من شجاع خام. ويقظ نام، ودليل أخطأ الطريق، وأضل الفريق، والله عز وجل يجعلها خلة موصولة، وشملاً أكنافه بالخير مشمولة، وبنية أركانها لركاب اليمن مأمولة، حتى يكثر خدم سيدي وجواريه، وأسرته وسراريه، وتضفو عليه نعمة باريه، ما طورد قنيص، واقتحم عبص، وأدرك مرام عويص، وأعطي زاهد وحرم حريص. والسلام.
تواليفه
شرح القصيدة المسماة بالبردة شرحاً بديعاً، دل فيه على انفساح ذرعه، وتفنن إدراكه، وغزارة حفظه. ولخص كثيراً من كتب ابن رشد. وعلق للسلطان أيام نظره في العلوم العقلية، تقييداُ مفيداً في المنطق، ولخص محصل الإمام فخر الدين ابن الخطيب الرازي. وبذلك داعبته أول لقيته بعض منازل الأشراف، في سبيل المبرة بمدينة فاس، فقلت له لي عليك مطالبة، فإنك لخصت محصلي. وألف كتاباً في الحساب. وشرع في هذه الأيام في شرح الرجز الصادر عني في أصول الفقه، بشيء لا غاية وراءه في الكمال. وأما نثره وسلطانياته، مرسلها ومسجعها، فخلج بلاغة، ورياض فنون، ومعادن إبداع، يفرغ عنها يراعه الجريء، شبيهة البداءات بالخواتم، في نداوة الحروف، وقرب العهد بجرية المداد، ونفوذ أمر القريحة، واسترسال الطبع. وأما نظمه، فنهض لهذا العهد قدماً في ميدان الشعر. وأغر نقده باعتبار أساليبه، فانثال عليه جوه، وهان عليه صعبه، فأتى منه بكل غريبة، من ذلك قوله يخاطب السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم عام اثنين وستين وسبعمائة بقصيدة طويلة:
أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موفق عبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين موقف ساعة ... لوداع مشغوف الفؤاد كثيب
لله عهد الظاعنين وغادروا ... قلبي رهين صبابة ووجيب
غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشرقت بعدهم بماء غروبي
يا ناقعاً بالعتب غلة شوقهم ... رحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصب الملام وإنني ... ماء الملام لدي غير شريب
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى ... لولا تذكر منزل وحبيب
أهفو إلى الطلال كانت مطلعاً ... للبدر منهم أو كناس ربيب
عبثت بها أيدي البلى وترددت ... في عطفها للدهر آي خطوب
تبلى معاهدها وإن عهودها ... ليجدها وصفي وحسن نسيبي
وإذا الديار تعرضت لمتيم ... هزته ذكراها إلى التشبيب
إيه على الصبر الجميل فإنه ... ألوى بدين فؤادي المنهوب
لم أنسها والدهر يثني صرفه ... ويغض طرفي حاسد ورقيب

(2/21)


والدار مونقة محاسنها بما ... لبست من الأيام كل قشيب
يا سائق الأظعان تعتسف الفلا ... وتواصل الآساد بالتأويب
متهافتاً عن رحل كل مذلل ... نشوان من أين ومس لغوب
تتجاذب النفحات فضل ردائه ... في ملتقاها من صباً وجنوب
إن هام من ظما الصبابة صحبة ... نهلوا بمورد دمعه المسكوب
في كل شعب منية من دونها ... هجر الأماني أو لقاء شعوب
هلا عطفت صدورهن إلى التي ... فيها لبانة أعين وقلوب
فتؤم من أكناف يثرب مأمنا ... يكفيك ما تخشاه من تثريب
حيث النبوة آيها مجلوة ... تتلو من الآثار كل غريب
سر غريب لم تحجبه الثرى ... ما كان سر الله بالمحجوب
يا سيد الرسل الكرام ضراعة ... تقضى من نفس وتذهب حوبى
عاقت ذنوبي عن جنابك والمنى ... فيها تعللني بكل كذوب
لا كاللآلئ صرفوا العزائم للتقى ... فاستأثروا منها بخير نصيب
لم يخلصوا لله حتى فرقوا ... في الله بين مضاجع وجنوب
هب لي شفاعتك التي أرجو بها ... صفحاً جميلاً عن قبيح ذنوبي
إن النجاة وإن أتيحت لامرئ ... فبفضل جاهك ليس بالتسبيب
إني دعوتك واثقاً بإجابتي ... يا خير مدعو وخير مجيب
قصرت في مدحي فإن يك طيباً ... فبما لذكرك من أريج الطيب
مإذا عسى يبغي المطيل وقد حوى ... في مدحك القرآن كل مطيب
يا هل تبلغني الليالي زورة ... تدني إلي الفوز بالمرغوب
أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها ... وأحط أوزاري وإصر ذنوبي
فثي فتية هجروا المنى وتعودوا ... إنضاء كل تجيبة ونجيب
يطوى صحائف ليلهم فوق الفلا ... ما شئت من خبب ومن تقريب
إن رنم الحادي بذكرك رددوا ... أنفاس مشتاق إليك طروب
أو غرد الركب الخلي بطيبة ... حنوا لمغناها حنين النيب
ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم ... إرث الخلافة في بني يعقوب
الطاعنون الخيل وهي عوابس ... يغشى مثار النقع كل سبيب
والواهبون المقربات هواتناً ... من كل خوار العنان لعوب
والمانعون الجار حتى عرضهم ... في منتدى الأعداء غير معيب
تخشى بوادرهم ويرجى حملهم ... والعز شيمة مرتجى ومهيب
ومنها بعد كثير:
سائل به طامي العباب وقد سرى ... تزجى بريح العزم ذات هبوب
تهديه شهب أسنة وعزائم ... يصدعن ليل الحادث المرهوب
حتى انجلت ظلم الضلال بسعيه ... وسطا الهدى بفريقها المغلوب
يا ابن الإلى شادوا الخلافة بالتقى ... واستأثروك بتاجها المعصوب
جمعوا بحفظ الدين آي مناقب ... فلقد شهدنا منه كل عجيب
كم رهبة أو رغبة لك والعلا ... تقتاد بالترغيب والترهيب
لا زلت مسروراً بأشرف دولة ... يبدو الهدي من أفقها المرقوب
تحيي المعالي غادياً أو رائحاً ... وجديد سعدك ضامن المطلوب
وقال من قصيدة خاطبه بها عند وصول هدية ملك السودان، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزرافة:
قدحت يد الأشواق من زندي ... وهفت بقلبي زفرة الوجد
ونبذت هلواني على ثقة ... بالقرب فاستبدلت بالبعد
ولرب وصل كنت آمله ... فاعتضت منه مؤلم الصد
لا عهد عند الصبر أطلبه ... إن الغرام أضاع من عهدي
يلحي العذول فيما أعنفه ... وأقول ضل فأبتغي رشدي

(2/22)


وأعارض النفحات أسألها ... برد الجوى فتزيد في الوقد
يهدي الغرام إلى مسالكها ... لتعللي بضعيف ما تهدى
يا سائق الوجناء معتسفاً ... طي الفلاة لطية الوجد
أرح الركاب ففي الصبا نبأ ... يغنى عن المستنة الجرد
وسل الربوع برامة خبراً ... عن ساكني نجد وعن نجد
ما لي تلام على الهوى خلقي ... وهي التي تأبى سوى الحمد
لأبيت إلا الرشد مذ وضحت ... بالمستعين معالم الرشد
نعم الخليقة في هدى وتقى ... وبناء عز شامخ الطود
نجل السراة الغر شأنهم ... كسب العلا بمواهب الوجد
ومنها في ذكر خلوصه إليه، ومنا ارتكبه فيه:
لله مني إذ تأوبني ... ذكراه وهو بشاهق فرد
شهم يفل بواتر قضبا ... وجموع أقيال أولي أيد
أوريت زند العزم في طلبي ... وقضيت حق المجد من قصدي
ووردت عن ظمأ مناهله ... فرويت من عز ومن رفد
هي جنة المأوى لمن كلفت ... آماله بمطالب المجد
لو لم أعل بورد كوثرها ... ما قلت هذى جنة الخلد
من مبلغ قومي ودونهم ... قذف النوى وتنوفة البعد
إني أنفت على رجائهم ... وملكت عز جميعهم وحدي
ومنها:
ورقيمة الأعطاف حالية ... موشية بوشائج البرد
وحشية الأنساب ما أنست ... في موحش البيداء بالقود
تسمو بجيد بالغ صعداً ... شرف الصروح بغير ما جهد
طالت رؤوس الشامخات به ... ولربما قصرت عن الوهد
قطعت إليك تنائفاً وصلت ... آسادها بالنص والوخد
نحدي على استصعابها ذللاً ... وتبيت طوع القن والقد
بسعودك اللائي ضمن لنا ... طول الحياة بعيشة رغد
جاءتك في وفد الأحابش لا ... يرجون غيرك مكرم الوفد
وافوك أنضاء تقلبهم ... أيدي السري بالغور والنجد
كالطيف يستقري مضاجعه ... أو كالحسام يسل من غمد
يثنون بالحسنى التي سبقت ... من غير إنكار ولا جحد
ويرون لحظك من وفادتهم ... فخراً على الأتراك والهند
يا مستعيناً جل في شرف ... عن رتبة المنصور والمهدي
جازاك ربك عن خليقته ... خير الجزاء فنعم ما يسدي
وبقيت للدنيا وساكنها ... في عزة أبداً وفي سعد
وقال يخاطب صدر الدولة فيما يظهر من غرض المنظوم:
يا سيد الفضلاء دعوة مشفق ... نادى لشكوى البث خير سميع
مالي وللإقصاء بعد تعلة ... بالقرب كنت لها أجل شفيع
وأرى الليالي رتقت لي صافيا ... منها فأصبح في الأجاج شروعي
ولقد خلصت إليك بالقرب التي ... ليس الزمان لشملها بصدوع
ووثقت منك بأي وعد صادق ... إني المصون وأنت غير مضيع
وسما بنفسي للخليفة طاعة ... دون الأنام هواك قبل نزوع
حتى انتحاني الكاشحون بسعيهم ... فصددتهم عني وكنت منيعي
رغمت نفوسهم بنجح وسائلي ... وتقطعت أنفاسهم بصنيعي
وبغوا بما نقموةا علي خلائقي ... حسداً فراموني بكل شنيع
لا تطمعنهم ببذل في الستي ... قد صنتها عنهم بفضل قنوع
أني أضام وفي يدي القلم الذي ... ما كان طيعه لهم بمطيع
ولي الخصائص ليس تأبى رتبة ... حسبي بعلمك ذاك من تفريعي
قسماً بمجدك وهو خير ألية ... اعتدها لفؤادي المصدوع
إني لتصطحب الهموم بمضجعي ... فتحول ما بيني وبين هجوعي
عطفاً علي بوحدتي عن معشر ... نفث الإباء صدودهم في روعي

(2/23)


أغدو إذا باكرتهم متجلداً ... وأروح أعثر في فضول دموعي
حيران أوجس عند نفسي خيفة ... فتسر في الأوهام كل مروع
أطوي على الزفرات قلباً إده ... حمل الهموم تجول بين ضلوعي
ولقد أقول لصرف دهر رابني ... بحوادث جاءت على تنويع
مهلاً عليك فليس خطبك ضائري ... فلقد لبست له أجن دروع
إني ظفرت بعصمة من أوحد ... بذ الجميع بفضله المجموع
وأنشد السلطان أمير المسلمين أبا عبد الله بن أمير المسلمين أبا الحجاج، لأول قدومه ليلة الميلاد الكريم، من عام أربعة وستين وسبعمائة:
حي المعاهد كانت قبل تحييني ... بواكف الدمع يرويها ويظميني
إن الإلى نزحت داري ودارهم ... تحملوا القلب في آثارهم دوني
وقفت أنشد صبراً ضاع بعدهم ... فيهم وأسأل رسماً لا يناجيني
أمثل الربع من شوق وألثمه ... وكيف والفكر يدنيه ويقصيني
وينهب الوجد مني كل لؤلؤة ... ما زال جفني عليها غير مأمون
سقت جفوني مغاني الربع بعدهم ... فالدمع وقف على أطلاله الجون
قد كان للقلب عن داعي الهوى شغل ... لو أن قلبي إلى السلوان يدعوني
أحبابنا هل لعهد الوصل مدكر ... منكم وهل نسمة منكم تحييني
ما لي وللطيف لا يعتاد زائره ... وللنسيم عليلاً لا يداويني
يا أهل نجد وما نجد وساكنها ... حسناً سوى جنة الفردوس والعين
أعندكم أنني ما مر ذكركم ... إلا انثنيت كأن الراح تثنيني
أصبوا إلى البرق من أنسحاء أرضكم ... شوقاً ولولاكم ما كان يصبيني
يا نازحاً والمنى تدنيه من خلدي ... حتى لأحسبه قرباً يناجيني
أسلى هواك فؤادي عن سواك وما ... سواك يوماً بحال عنك يسليني
ترى الليالي أنستك ادكاري يا ... من لم يكن ذكره الأيام تنسيني
ومنها في ذكر التفريط:
أبعد مر الثلاثين التي ذهبت ... أولى الشباب بإحساني وتحسيني
أضعت فيها نفيساً ما وردت به ... إلا سراب غرور ليس يرويني
وا حسرتا من أماني كلها خدع ... تريش غيي ومر الدهر يبريني
ومنها في وصف المشور المبتنى لهذا العهد:
يا مصنعاً شيدت منه السعود حمى ... لا يطرق الدهر مبناه بتوهين
صرح يحار لديه الطرف مفتتنا ... فما يروقك من شكل وتلوين
بعداً لإيوان كسرى إن مشورك السامي لأعظم من تلك الأواوين
ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون
ومنها في التعريض بالوزير الذي كان انصرافه من المغرب لأجله:
من مبلغ عني الصحب الإلى جهلوا ... ودي وضاع حماهم إذ أضاعوني
إني أويت من العليا إلى حرم ... كادت مغانيه بالبشرى تحييني
وإنني ظاعن لم ألق بعدهم ... دهراً أشاكي ولا خصماً يشاكيني
لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ ... أقلب الطرف بين الخوف والهون
سقياً ورعياً لأيامي التي ظفرت ... يداي منها بحظ غير مغبون
ارتاد منها ملياً لا يماطلني ... وعداً وأرجو كريماً لا يعنيني
وهاك منها قواف طيها حكم ... مثل الأزاهر في طي الرياحين
تلوح إن جليت دراً وإن تليت ... تثنى عليك بأنفاس البساتين
عانيت منها بجهدي كل شاردة ... لولا سعودك ما كانت تواتيني
يمانع الفكر عنا ما تقسمه ... من حزن بطي الصدر مكنون
لكن بسعدك ذلت لي شواردها ... فرضت منها بتحبير وتزيين
بقيت دهرك في أمن وفي دعة ... ودام ملكك في نصر وتمكين

(2/24)


وهو الآن قد بدا له في التحول، طوع أمل ثاب له في الأمير أبي عبد الله ابن الأمير أبي زكريا بن حفص، لما عاد إليه ملك بجاية، وطار إليه بجناح شراع، تفيأ ظله، وصك من لدنه رآه مستقراً عنده، يدعم ذلك بدعوى تقصير خفي أحس به، وجعله علة منقلبه، وتجن سار منه في مذهبه وذلك في ...... من عام ثمانية وستين وسبعمائة. ولما بلغ بجاية صدق رأيه، ونجحت مخيلته، فاشتمل عليه أميرها، وولاه الحجابة بها. ولم ينشب أن ظهر عليه ابن عمه الأمير أبو العباس صاحب قسنطينة، وبملك البلدة بد مهلكه، وأجرة المترجم به على رسمه بما طرق إليه الظنة بمداخلته في الواقع. ثم ساء ما بينه وبين الأمير أبي العباس، وانصرف عنه، واستوطن بسكرة، متحولاً إلى جوار رييسها أبي العباس بن مزنى، متعللاً برفده إلى هذا العهد.
وخاطبته برسالة في هذه الأيام، تنظر في اسم المؤلف في آخر الديوان.
مولده
بمدينة تونس بلده، حرسها الله، في شهر رمضان من عام اثنين وثلاثين وسبعمائة.
عبد الرحمن بن الحاج بن القميي الإلبيري
حاله
كان شاعراً مجيداً، هجا القاضي أبا الحسن بن توبة قاضي غرناطة، ومن نصره من الفقهاء، فضربه القاضي ضرباً وجيعاً، وطيف به على الأسواق بغرناطة، فقال فيه الكاتب أبو إسحاق الإلبيري الزاهد، وكان يومئذ كاتباً للقاضي المذكور، الأبيات الشهيرة:
السوط أبلغ من قول ومن قيل ... ومن نباح سفيه بالأباطيل
من الدار كحر النار أبراه ... يعقل التقاضي أي تعقيل
عبد الرحمن بن يخلفتن
بن أحمد بن تفليت الفازازي
يكنى أبا زيد.
حاله
كان حافظاً نظاراً ذكياً ذا حظ وافر من معرفة أصول الفقه وعلم الكلام، وعناية بشأن الرواية، متبذلاً في هيئته ولباسه، قلما يرى راكباً في حضر إلا لضررة، فاضلاً، سنياً، شديد الإنكار والإنحاء على أهل البدع، مبالغاً في التحذير منهم، عامرالإتاء، يطلب العلم شغفاً به، وانطباعاً إليه، وحباً فيه، وحرصاً عليه، آية من آيات الله في سرعة البديهة، وارتجال النظم والنثر وفور ماده، وموالاة استعمال، لا يكاد يقيد، ولا يصرفه عنه، إلا نسخ أومطالعة علم، أو مذاكرة فيه، حي صار له ملكة، لا يتكلف معها الإنشاء، مع الإجادة، وتمكن البراعة. وكان متلبساً بالكتابة عن الولاة والأمراء، ملتزماً بذلك، كارهاً له، حريصاً على الانقطاع عنه، واختص بالسيد أبي إسحق بن المنصور، وبأخيه أبي العلاء، وبملازمتهما استحق الذكر فيمن دخل غرناطة، إذ عد ممن دخلها من الأمراء.
مشيخته
روى عن أبيه أبي سعيد، وأبي الحسن جابر بن أحمد، وابن عتيق بن مون، وأبي الحسن بن الصايغ، وأبي زيد السهيلي، وأبي عبد اله التجيبي، وأبي عبد الله بن الفخار، وأبي محمد بن عبيد الله، وأبي المعالي محمود الخراساني، وأبي الوليد بن يزيد بن بقى وغيرهم. وروى عنه ابنه أبو عبد الله، وأبو بكر بن سيد الناس، وابن مهدي، وأبو جعفر بن علي ابن غالب، وأبو العباس بن علي بن مروان، وأبو عمرو بن سالم، وأبو القاسم عبد الرحيم بن سالم، وابنه عبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن سالم، وأبو القاسم عبد الكريم بن عمران، وأبو يحيى بن سليمن ابن حوط الله، وأبو محمد بن قاسم الحرار، وأبو الحسن الرعيني، وأبو علي الماقري.
تواليفه ومنظوماته

(2/25)


له المعشرات الزهدية، التي ترجمها بقوله: المعشرات الزهدية، والمذكرات الحقيقية الجدية، ناطقة بألسنة الوجلين المشفقين، شايقة إلى مناهج السالكين المستبقين. نظمها متبركاً بعبادتهم متيمناً بأغراضهم وإشاراتهم، قابضاً عنان الدعوىعن مداناتهم ومجاراتهم، مهتدياً إهداء السنن الخمس، بالأشعة الواضحة من إشاراتهم، مخلداً دون أفقهم العالي، إلى حضضه، جامعاً لحسن أقواله، وقبح أفعاله، بين الشيء ونقضيه. عبد الرحمن. وله المعشرات الحبية، وترجمتها النفحات القلبية، واللفحات الشوقية، منظمة على ألسنة الذاهبين وجداً، الذايبين كمداً وجهداً، الذين غربوا، وبقيت أنوارهم، واحتجبوا وظهرت آثارهم، ونطقوا وصمتت أخبارهم، ووفوا العبودية حقها، ومحضوا المحبة مستحقها، نظم من نسج على منوالهم، ولم يشاركهم إلا في أقوالهم فلان. والقصايد، في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، التي كل قصيدة منها عشرون بيتاً، وترجمتها الوسايل المتقبلة، والآثار المسلمة المقبلة، مودعة في العشرنية النبيوية، والحقايق اللفظية والمعنوية، نظم من اعتقدها من أزكى الأعمال، وأعدها لما يستقبله من مدهش الأهوال، وفرع خاطره لها، على توالي القواطع، وتتابع الأشغال، ورجا بركة خاتم الرسالة، وغاية السؤدد والجلالة، محو ما لسلفه من خطأ في الفعل، وزلل في المقال، والله سبحانه ولي القبول للتوبة، والمنان بتسويغ هذه المنة المطلوبة، فذلك يسير في جنب قدرته، ومعهود رحمته الواسعة ومغفرته.
شعره
وشعره كثير جداً، ونثره مشهور وموجود. فمن شعره في غرض الشكر لله عز وجل، على غيث جاء بعد قحط:
نعم الإله بشره تتقيد ... فالله يشكر في النوال ويحمد
مدت إليه أكفنا محتاجة ... فأنالها من جوده ما نعهد
وأغاثنا بغمايم وكافة ... بالبشر تشرق والبشاير ترعد
حملت إلى ظما البسيطة ريه ... فلها عليه منة لا تجحد
فالجو براق والشعاع مفضض ... والماء فياض الأثير معسجد
والأرض في حلى الأتي كأنما ... نطف الغمام لؤلؤ وزبرجد
والروض مطلول الخمايل باسم ... والقضب لينه الحمايل ميد
تاهت عقول الناس في حركاتها ... ألشكرها أم سكرها تتأود
فيقول أرباب البطالة تنثني ... ويقول أرباب الحقيقة تسجد
وإذا اهتديت إلى الصواب فإنها ... في شكر خالقها تقوم وتقعد
هذا هو الفضل الذي لا ينقضي ... هذا هو الجود الذي لا ينفد
إحضر فؤادك القيام بشكره ... إن كنت تعلم قدر ما تتقلد
والفض يديك من العباد فكلهم ... عجز الحل وأنت جهلا تعقد
وإذا افتقرت إلى سواه فإنما ... الذي بخاطرك المجال الأبعد
نعم الإله كما تشاهد حجة ... والغائبات أجل مما يشهد
فانظر إلى آثار رحمته التي ... لا يمتري فيها ولا يتردد
يا ليت شعري والدليل مبلغ ... من أي وجه يستريب الملحد
من ذا الذي يرتاب إن إلهة ... أحد وألسنة الجماد توحد
كل يصرح حاله ومقاله ... أن ليس إلا الله رب يعبد
ومن شعره أيضاً قوله:
عجباً لمن ترك الحقيقة جانباً ... وغدا لأرباب الصواب مجانبا
وابتاع بالحق المصحح حاضرا ... ما شاء للزور المعلل عسايبا
من بعد ما قد صار أنفذ أسهما ... وأشد عادية وأمضي قاضبا
لا تخدعنك سوابق من سابق ... حتى ترى الإحضار منه عواقبا
فلربما اشتد الخيال وعاقه ... دون الصواب هوى وأصبح غالبا
ولكم إمام قد أضر بفهمه ... كتب تعب من الضلال كتايبا
فانحرف بأفلاطون وأرسطا ... طاليس ودونهما تسلك طريقاً لاحبا
ودع الفلاسفة الذميم جميعهم ... ومقالهم تأتى الأحق الواجبا
يا طالب البرهان في أوضاعهم ... أعزز علي بأن تعمر جانبا

(2/26)


أعرضت عن شط النجاة ملججاً ... في بحر هلك ليس ينجي عاطبا
وصفا الدليل فما نفعت بصفوه ... حتى جعلت له الحبر شايبا
فانظر بعقلك هل ترى متفلسفا ... فيمن ترى إلا دعياً كاذبا
أعيته أعباء الشريعة شدة ... فارتد مسلوبا ويحسب سالبا
والله أسل عصمة وكفاية ... من أن أكون عن المحجة ناكبا
ومن شعره:
إليك مددت الكف في كل شدة ... ومنك وجدت اللطف في كل نايب
وأنت ملاذ والأنام بمعزل ... وهل مستحيل في الرجاء كرآيب
فحقق رجائي فيك يا رب واكفني ... شماتة عدو أو إساءة صاحب
ومن أين أخشى من عدو إساءة ... وسترك ضاف من جميع الجوانب
وكم كربة نجيتني من غمارها ... وكانت شجاً بين الحشا والترايب
فلا قوة عندي ولا لي حبلة ... سوى حسن ظني بالجميل المواهب
فيا منجي المضطر عند دعايه ... أغشني فقد سدت على مذاهب
رجاؤك رأس المال عندي وربحه ... وزهد في المخلوق أسنى المواهب
إذا عجزوا عن نفعهم في نفوسهم ... فتأميلهم بعض الظنون الكواذب
فيا محسناً فيما مضى أنت قادر ... على اللطف في حالي وحسن العواقب
وإني لأرجو منك ما أنت أهله ... وإن كنت حطا في كثير العواقب
وإني لأرجو منك ما أنت أهله ... وإن كنت حطا في كثير المعايب
فصل على المختار من آل هاشم ... إمام الورى عند اشتداد النوايب
وقال في مدعي قراءة الخط دون نظر:
وأدور مياس العواطف أصبحت ... محاسنه في الناس كالنوع في الجنس
يدير على القرطاس أنمل كفه ... فيدرك أخفى الخط في أيسر اللمس
فقال فريق سحر بابل عنده ... وقال فريق ليس هذا من الإنس
فقلت لهم لم تفهموا سر دركه ... على أنه للعقل أجلى من الشمس
ستكفه حب القلوب فأصبحت ... مداركها أجفان أنمله الخمس
وفاته: استقدمه المأمون. على حال وحشة، كانت بينه وبينه، فورد ورود الرضا على مراكش في شعبان سنة سبع وعشرين وستماية. وتوفي في ذي قعدة بعده، ودفن بجبانة الشيوخ مع أخيه عبد الله وقرنايهما، رحم الله جميعهم.
انتهى السفر التاسع بحمد الله
ومن السفر العاشر
العمال الأثرا في هذا الحرف
عبد الرحمن بن أسباط
الكاتب المنجب، كاتب أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين.
حاله
لحق به بالعدوة، فاتصل بخدمته، وأغراه بالأندلس، إذ ألقى إليه أمورها على صورتها، حتى كان ما فرغ الله عز وجل، من استيلانه على ممالكها، وخلعه لرؤسايها. وكان عبد الرحمن قبل اتصاله به، مقدوراً عليه في رزقه، يتحرف بالنسخ، ولم يكن حسن الخط، ولا معرب اللفظ، إلى أن تسير للكتابة في باب الديوان بألمرية، ورأى خلال ذلك، في نومه، شخصاً يوقظه، ويقول له قم يا صاحب ربع الدنيا، وقص رؤياه على صاحب له بمثواه، فبشره، فطلب من ذلك الحين السمو بنفسه، فأجاز البحر، وتعلق بحاشية الحرة العليا زينب، فاستكتبته. فلما توفيت الحرة، أقره أمير المسلمين كاتباً، فنال ما شاء، مما ترتمي إليه الهمم، جاهاً ومالاً وشهرة. وكان رجلاً حصيفاً، سكوتاً، عاقلاً، مجدي الجاه، حسن الوساطة، شهير المكانة.
توفي فجأة بمدينة سبتة، في عام سبعة وثمانين وأربعمائة. وتقلد الكتابة بعده، أبو بكر بن القصير. ذكره ابن الصيرفي.
عبد الرحمن بن محمد المعافري
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مالك المعافري وتكر مالك في نسبه
أوليته
قالوا من ولد عقبة بن نعيم الداخل إلى الأندلس، من جند دمشق، نزيل قرية شكنب من إقليم تاجرة الجمل من عمل بلدنا لوشة، غرناطي يكنى أبا محمد.
حاله

(2/27)


كان أبو محمد هذا أحد وزراء الأندلس، كثير الصنايع، جزل المواهب، عظيم المكارم، على سنن عظماء الملوك، وأخلاق السادة الكرام. لم ير بعده مثله في حال الأندلس، ذاكراً للفقه والحجيث، بارعاً في الأدب، شاعراً مجيداً وكاتباً بليغا، حلو الكتابة والشعر، هشاً مع وقار، ليناً على مضاء، عالي الهمة، كثير الخادم والأمل.
من آثاره المائلة إلى اليوم الحمام، بجوفي الجامع الأعظم من غرناطة. بدأ بناه أول يوم من جمادى الأولى سنة تسع وخمسماية. شرع في الزيادة في سقف الجامع من صحنه سنة ست عشرة، وعوض أرجل قسيه، أعمدة الرخام، وجلب الروس والموايد من قرطبة، وفرش صحنه بكذان الصخيرة. ومن مكارمه أنه لما ولي مستخلص غرناطة وإشبيلية، وجهه أميره علي بن يوسف بن تاشفين إلى طرطوشة برسم بنايها، وإصلاح خللها، فلما استوفى الغاية فيها، قلده، واستصحب جملة من ماله لمؤنته المختصة به، فلما احتلها سال قاضيها، فكتب إليه جملة من أهلها ممن ضعف حاله وقل تصرفه، من ذوي البيوتات، فاستعملهم أمناء في كل وجه جميل، ووسع أرزاقهم، حتى كمل له ما أراد من عمله. ومن عجز أن يستعمله، وصله من ماله، وصدر عنها وقد أنعش خلقاً كثيراً.
شعره
من قوله في مجلس أطربه سماعه، وبسطه احتشاد الأنس فيه واجتماعه:
لا تلمني إذا طربت لشجو ... يبعث الأنس فالكريم طروب
ليس شق الجيوب حقاً علينا ... إنما الحق أن تشق القلوب
وقال: وقد قطف غلام من غلمانه نوارة، ومد بها يده إلى أبي نصر الفتح بن عبيد الله. فقال أبو نصر:
وبدر بدا والطرف مطلع حسنه ... وفي كفه من رايق النور كوكب
يروح لتعذيب النفوس ويغتدي ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب
فقال أبو محمد بن مالك:
ويحسد منه الغصن أي مهفهف ... يجيء على مثل الكتيب ويذهب
نثره
قال أبو نصر، كتبت إليه مودعاً، فكتب إلي مستدعياً، وأخبرني رسوله أنه لما قرأ الكتاب وضعه، وما سوى ولا فكر ولا روى: يا سيدي، جرت الأيام بجمع افتراقك، وكان الله جارك في انطلاقك، فغيرك روع بالظعن، وأوقد للوداع جامح الشجن، فأنت من أبناء هذا الزمن، خليفة الخضر، لا يستقر على وطن، كأنك والله يختار لك ما تأتيه وما تدعه، موكل بفضاء الأرض تذرعه، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع، أن يعدك من العواري السريعة الارتجاع، فلا يأسف على قلة الثوى وينشد: وفارقت حتى ما أبالي من النوى.
وفاته
اعتل بإشبيلية فانتقل إلى غرناطة، فزادت علته بها، وتوفي رحمه الله بها في غرة شعبان سنة ثمان عشرة وخمسمائة، ودفن إثر صلاة الظهر من يوم الجمعة المذكورة بمقبرة باب إلبيرة، وحضر جنازته الخاصة والعامة.
ومن رثاه: رثاه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن أبي الخصال رحمه الله، فقال:
إن كنت تشفق من نزوح نواه ... فهناك مقبرة وذا مثواه
قسم زمانك عبرة أو عبرة ... وأحل تشوقه على ذكراه
وأعدده ما امتدت حياتك غايباً ... أو عاتباً إن لم تزر زرناه
أو نائماً غلبت عليه رقدة ... لمسهد لم تغتمض عيناه
أو كوكباً سرت الركاب بنوره ... فمضى وبلغنا المحل سناه
فمتى تبعد والنفوس تزوره ... ومتى تغيب والقلوب تراه
يا واحداً عدل الجميع وأصلحت ... دنيا الجميع ودينهم دنياه
طالت إذاتك بالحياء كرامة ... والله يكرم عبده بإذاه
لشهادة التوحيد بين لسانه ... وجنانه نور يرى مسراه
ويوجهه سيمى أغر محجل ... مهما بدا لم تلتبس سيماه
وكأنما هو في الحياة سكينة ... لولا اهتزاز في الندى يغشاه
وكأنه لحظ العفاة توجعا ... فتلازمت فوق الفؤاد يداه
أبدي رضي الرحمن عنك ثناؤهم ... إن الثناء علامة لرضاه
يا ذا الذي شفف القلوب به ... وذا لا ترتجيه وذاك لا تخشاه
ما ذاك إلا أنه فرع زكا ... وسع الجميع بظله وحناه

(2/28)


فاليوم أودى كل من أحببته ... ونعى إلى النفس من ينعاه
مإذا يؤمل في دمشق مسهد ... قد كنت ناظره وكن تراه
يعتاد قبرك للبكا أسفاً بما ... قد كان أضحكه الذي أبكاه
يا تربة حل الوزير ضريحها ... سقاك بل صلى عليك الله
وسرى إليك ومنك ذكر ساطع ... كالمسك عاطرة به الأفواه
عبد الرحمن بن عبد الملك الينشتي
يكنى أبا بكر، أصله من مدينة باغة، ونشأ بلوشة، وهو محسوب من الغرناطيين.
حاله
كان شيخاً يبدو على مخيلته النبل والدهاء، مع قصور أدواته. ينتحل النظم والنثر، في أراجيز يتوصل بها إلى غرضه، من التصرف في العمل.
وجرى ذكره في التاج المحلى، وغيره بما نصه: قارض هاج، مداهن مداج، أخبث من نظر من طرف خفي، وأغدر من تلبس بسعار وفي، إلى مكيدة مبثوتة الحبايل، وإغراء يقطع بين الشعوب والقبايل، من شيوخ طريقة العمل، المتقلبين من أحوالها، بين الصحو والثمل، المتعللين برسومها، حين اختلط المرعي والهمل. وهو ناظم أرجاز، ومستعل حقيقة ومجاز. نظم مختصر السيرة، في الألفاظ اليسيرة، ونظم رجزاً في الزجر والفال، نبه به تبك الطريقة بعد الإغفال، فمن نظمه ما خاطبني، به مستدعياً إلى إعذار ولده:
أريد من سيدي الأعلى تكلفه ... على الوصول إلى داري صباح غد
يزيدني شرفاً منه ويبصر لي ... صناعة القاطع الحجام في ولدي
فأجبته:
يا سيدي الأوحد الأسمى ومعتمدي ... وذا الوسيلة من أهل ومن بلد
دعوت في يوم الاثنين الصحاب ضحى ... وفيه ما ليس في بيت ولا أحد
يوم السلام على المولى وخدمته ... فاصفح وإن عثرت رجلي فخذ بيدي
والعذر أوضح من نار على علم ... فعد إن غبت عن لوم وعن فند
يقيت في ظل عيش لا نفاد له ... مصاحبا غير محصور إلى أمد
ومنه أيضاً:
قل لابن سيد والديه لقد علا ... وتجاوز المقدار فيما يفخر
ما ساد والده فيحمد أمره ... إلا صغير العنز حتى يكبر
وصدرت عنه مقطوعات في غير هذا المعنى مما عذب به المجني، منها قوله:
إن الولاية رفعة لكنها ... أبدا إذا حققتها تنتقل
فنظر فضايل من مضى من أهلها ... تجد الفضايل كلها لا تعزل
وقال:
هنيا أبا إسحق دمت موفقاً ... سعيداً قرير العين بالعرس والعرس
فأنت كمثل البدر في الحسن والتي ... تملكتها في الحسن أسنى من الشمس
وقالوا عجيب نور بدرين ظاهر ... فقلت نعم إن ألف الجنس للجنس
وكتب إلي:
إذا ضاق ذرعي بالزمان شكوته ... لمولاي من آل الخطيب فينفرج
هو العدة العظمى هو السيد الذي ... بأوصافه الحسنى المكارم تبتهج
وزير علا ذاتاً وقدرا ومنصبا ... فمن دونه أعلا الكواكب يندرج
وفي بابه نلت الأماني وقادني ... دليل رشادي حيث رافقني الفرج
فلا زال في سعد وعز ونعمة ... تصان به الأموال والأهل والمهج
توفي في الطاعون عام خمسين وسبعماية بغرناطة وفي سائر الأسماء التي بمعني عبد الله وعبد الرحمن، وأولاد الأمراء
عبد الأعلى بن موسى بن نصير
مولى لخم
أوليته
أبوه المنسوب إليه فتح الأندلس، ومحله من الدين والشهرة، وعظم الصيت معروف.
حاله
كان عبد الأعلى أميرا على سنن أبيه في الفضل والدين، وهو الذي باشر فتح غرناطة ومالقة، واستحق الذكر لذلك. قال الرازي، وكان موسى بن نصير، قد أخرج ابنه عبد الأعلى فيمن رتبه من الرجال إلى إلبيرة وتدمكير، لفتحها، ومضى إلى إلبيرة ففتحها، وضم بها إلى غرناطة اليهود، مستظهراً بهم على النصر، ثم مضى إلى كورة ريه، ففتحها
عبد الحليم بن عمر
بن عثمن بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو
يكنى أبا محمد، أوليته معروفة.

(2/29)


وفسد ما بين أبيه وبين جده، أمير المسلمين، بما أوجب انتباذه إ، لى سكني مدينة سجلماسة، معززة له ألقاب السلطان بها، مدوخاً ما بأحوازها من أماكن الرياسة، منسوبة إليه بها الآثار، كالسد الكبير الشهير، وقصور الملك. فلما نزل عنها على حكم أخيه أمير ا لمسلمين أبي الحسن، وأمضى قتلته بالفصاد، نشأ ولده، وهم عدة بباب عمهم، يسعهم رفده، ويقودهم ولده، ثم جلاهم إلى الأندلس إبنه السلطان أبو عنان، عندما تصير الأمر إليه، فاستقروا بغرناطة، تحت بر وجراية، قلقاً بمكانهم من جلاهم ومن بعده، لإشارة عيون الترشيح إليهم، مغازلة من كثب، وقعودهم بحيث تعثر فيهم المظنة، إلى أن كان من أمرهم ما هو معروف.
حاله
هذا الرجل م ن أهل الخير والعفاف والصيانة، ودمث الخلق، وحسن المداراة، يألف أهل الفضل، خاطب للرتبة بكل جهد وحيلة، وسد عنه باب الأطماع. حذر من كان له الأمر بالأندلس من لدن وصوله. كي لا تختلف أحوال هذا الوطن في صرف وجوه أهله إلى غزو عدو الملة، ومحولي القبلة، وإعراضهم عن الإغماض في الفتنة المسلمة، وربما بميت عنهم الحركات والهموم. فثقفوا من فيها عليهم، إلى أن تبرأ ساحتهم ويظن به السكون. فلما دالت الدولة، وكانت للأخابث الكرة، واستقرت بيد الرئيس الغادر الكرة، وكان ما تقدم الإلماع به من عمل السلطان أبي سالم ملك المغرب، على إجازة السلطان ولي ملك الأندلس، المزعج عنها بعلة البغي، ذهب الدايل الأخرق إلى المقارضة، فعندما استقر السلطان أبو عبد الله بجبل الفتح، حاول إجازة الأمير عبد الحليم إلى تلمسان بعد مفاوضة. فكان ذلك في أخريات ذي قعدة، وقد قضى الأمر في السلطان أبي سالم، وانحلت العقدة، وانتكثت المريرة، وولي الناس الرجل المعتوه، وفد إلى تلمسان من لم يرض محله من الإدالة، ولا قويت نفسه على العوض، ولا صابرت غض المخافة، وحرك ذلك من عزمه، وقد أنجده السلطان مستدعيه بما في طوقه. ولما اتصل خبره بالقايم بالأمر بفاس، ومعول التدبير على سلطانه. أعمل النظر فيهم، زعموا بتسليم الأمر، ثم حذر من لحق به من أضداده، فصمم على الحصار، واستراب بالقبيل المريني، وأكثف الحجاب دونهم بما يحرك أنفتهم، فنفروا عنه بواحدة أول عام ثلاثة وستين وسبعماية، واتفق رأيهم على الأمير عبد الحليم، فتوجهت إليه وجهوهم اتفاقا، وانثالوا عليه اضطرارا، ونازل البلد الجديد، دار الملك من مدينة فاس، يوم السبت السادس لشهر المحرم من العام. واضطربت المحلات بظاهره، وخرج إليه أهل المدينة القدمى، فأخذ بيعتهم، وخاطب الجهات، فألقت إليه قواعدها باليد، ووصلت إليه مخاطبتها.
ومن ذلك ما خوطب به من مدينة سلا، وأنا يومئذ بها:
يا إمام الهدى وأي إمام ... أوضح الحق بعد إخفاء رسمه
أنت عبد الحليم نر ... جوفا لمسمى له نصيب من اسمه

(2/30)


وسلك مسلكا حسنا في الناس، وفسح الآمال، وأجمل اللقاء، وتحمل الجفاء، واستفز الخاصة بجميل التأني وأخذ العفو، والتظاهر بإقامة رسوم الديانة، وحارب البلد المحصور في يوم السبت الثالث عشر لشهر الله المحرم المذكور، كانت الملاقاة التي برز فيها وزير الملك ومدير رحاه بمن اشتملت عليه البلدة من الروم والجند الرحل، واستكثر من آلات الظهور وعدد التهويل، فكانت بين الفريقين حرب مرة تولى كبرها الناشبة، فأرسلت على القوم حواصب النبل، غارت لها الخيل، واقشعرت الوجوه، وتقهقرت المواكب. وعندها برز السلطان المعتوه، مصاحبة له نسمة الإقدام، وتهور الشجاعة عند مفارقة الخلال الصحية، وتوالت الشدات، وتكالبت الطايفة المحصورة، فتمرست بأختها. ووقعت الهزيمة ضحوة اليوم المذكور على قبيل بني مرين ومن لف لفهم، فصرفوا الوجوه إلى مدينة تازي، واستقر بها سلطانهم، ودخلت مكناسة في أمرهم، وضاق ذرع فاس للملك بهم، إلى أن وصل الأمير المستدعي، طية الصبر، وأجدى دفع الدين، ودخل البلد في يوم الاثنين الثاني والعشرين لصفر من العام. وكان اللقاء بين جيش السلطان، لنظر الوزير، مطعم الإمهال ومعود الصنع. وبين جيش بني مرين، لنظر الأخ عبد المؤمن ابن السلطان أبي علي. فرحل القوم من مكناسة، وفر عنهم الكثير من الأولياء، وأخذوا العرصة، واستقروا أخيراً ببلد أبيهم سجلماسة، فكانت بين القوم مهادنة. وعلى أثرها تعصب للأخ عبد المؤمن معظم عرب الجهة، وقد برز إليهم في شأن استخلاص الجباية، فرجعوا به إلى سجلماسة. وخرج لمدافعتهم الأمير عبد الحليم، بمن معه من أشياخ قبيله والعرب أولى مظاهر، فكانت بينهم حرب أجلت عن هزيمة الأمير عبد الحليم، واستلحم للسيف جملة من المشاهير. كالشيخ الخاطب في حبله، خدن النكر وقادح زند الفتنة، الداين بالحمل على الدول على التفصيل والجملة، المعتمد بالمغرب بالرأي والمشورة، يحيى بن مسطي وغيره. وأذعن عبد الحليم بعدها للخلع، وخرج عن الأمر لأخيه، وأبقى عليه، وتحرج من قتله. وتعرف لهذا الوقت صرفه عنه إلى الأرض الحجازية على صحراء القبلة، فانتهى أمره إلى هذه الغاية.
دخوله غرناطة
قدم على الحضرة مع الجملة من إخوته وبني عمه في ............ جلاهم السلطان أبو عنان، عندما تصير له الأمر، فاستقروا بها، يناهز عبد الحليم منهم بلوغ أشده.
وتوفي ......... ....... وستين وسبعماية
عبد المؤمن بن عمر
بن عثمن بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو
أخو الأمير عبد الحليم يكنى أبا محمد
حاله
كان رجلا وقوراً، سكونا، نحيفا، آية الله في جمود الكف، وإيثار المسك، قليل المداخلة للناس، مشتغلا بما يغنيه من خويصة نفسه، موصوفاً ببسالة وإقدام، حسن الهيئة. دخل الأندلس مع أخيه، وعلى رسمه، وتحرك معه، وابن أخ لما، فتولى كثيرا من أمره، ولقي الهول دونه. ولما استقروا بسجلماسة، كان ما تقرر من توبته على أمره، والعمل على خلعه، معتذرا زعموا إليه، موفيا حقه، موجبا تجلته إلى حين انصرافه، ووصل الأندلس خطابه، يعرف بذلك بما نصه في المدرجة.
ولم ينشب أن أحس بحركة جيش السلطان بفاس إليه، فخاطب عميد الهساكره، عامر بن محمد الهنتاتي، وعرض نفسه عليه، فاستدعاه. وبذل له أماناً. ولما تحصل عنده، قبض عليه، وثقفه، وشد عليه يده، وحصل على طلبه دهية، من التوعد بمكانه، واتخاذ اليد عند السلطان بكف عاديته إلى هذا التاريخ.
ومن الأفراد أيضاً في هذا الحرف وهم طارؤون
عبد الحق بن علي
بن عثمن بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق
الأمير المخاف بعد أبيه أمير المسلمين أبي الحسن بمدينة الجزائر، بعد ما توجه إلى المغرب، وجرت عليه الهزيمة من بني زيان.
حاله

(2/31)


كان صبيا ظاهر السكون والأدب، في سن المراهقة، لم ينشب أن نازله جيش عدوه، ومالأه أهل البلد، وأخذ من معه لأنفسهم وله الأمان، فنزل عنها ولحق بالأندلس. قال في كتاب طرفة العصر، وفي ليلة العاشر من شهر ربيع الأول اثنين وخمسين وسبعمائة، اتصل الخبر من جهة الساحل، بنزول الأمير عبد الحق ابن أمير المسلمين أبي الحسن ومن معه، بساحل شلوبانية، مفلتين من دهق الشدة، بما كان من منازلة جيش بني زيان مدينة الجزائر، وقيام أهلها بدعوتهم، لما سيموه من المطاولة، ونهكهم من الفتنة، وامتنع الأمير ومن معه بقصبتها، وأخذوا لأنفسهم عهدا، فنزلوا وركبوا البحر، فرافقتهم السلامة، وشملهم ستر العصمة. ولحين اتصل بالسلطان خبره، بادر إليه بمركبين ثقيلي الحلية، وما يناسب ذلك من بزة، وعجل من خدامه بمن يقوم ببره، وأصحبه إلى منزل كرامته، ولرابع يوم من وصوله، كان قدومه، وبرز له السلطان بروزاً فخما. ونزل له، قارضاً إياه أحسن القرض، بما أسلفه من يد، وأسداه من طول، وأقام ضيفا في جواره، إلى أن استدعاه أخوه ملك المغرب، فانصرف عن رضي منه، ولم ينشب أن هلك مغتالا في جملة أرادهم الترشيح
عبد الواحد بن زكريا بن أحمد اللحياني
يكنى أبا ملك. وبيته في الموحدين الملوك بتونس. وأبوه سلطان إفريقية المترقى إليها من رتبة الشياخة الموحدية.
حاله
كان رجلا طوالا نحيفا، فاضلا حسيبا، مقيما للرسوم الحسبية، حسن العشرة، معتدل الطريقة، نشأ بالبلاد المشرقية، ثم اتصل بوطنه إفريقية، وتقلد الإمارة بها برهة يسيرة، ثم فر عنها ولحق بالمغرب، وجاز إلى الأندلس، وقدم على سلطانها، فرحب به، وقابله بالبر، ونوه محله، وأطلق جرايته، ثم ارتحل أدراجه إلى العدوة، ووقعت بيني وبينه صحبة، أنشدته عند وداعه:
أبا ملك أنت نجل الملوك ... غيوث الندى وليوث النزال
ومثلك يرتاح للمكرمات ... ومالك بين الورى من مثال
عزيز بأنفسنا أن نرى ... ركابك مؤذنة بارتحال
وقد خبرت منك خلقاً كريماً ... أناف على درجات الكمال
وفازت لديك بساعات أنس ... كما زار في النوم طيف الخيال
فلولا تعللنا أننا نزورك فسوق بساط الجلال
ونبلغ فيك الذي نشتهي ... وذاك على السهل المنال
لما فترت أنفس من أسى ... ولا برحت أدمع في انهمال
تلقتك حيث احتللت السعود وكان لك الله على كل حال
ومن ترجمة الأعيان والوزراء والأماثل والكبرا
عبد الحق بن عثمن
بن محمد بن عبد الحق بن محيو
يكنى أبا إدريس، شيخ الغزاة بالأندلس.
حاله

(2/32)


كان شجاعاً عفيفاً تقيا، وقوراً جلداً، معروف الحق، بعيد الصيت. نازع الأمر قومه بالمغرب، وانتزى بمدينة تازى، على السلطان أبي الربيع، وأخذ بها البيعة لنفسه. ثم ضاق ذرعه، فعبر فيمن معه إلى تلمسان. ولما هلك أبو الربيع، وولي السلطان أبو سعيد، قدم للكتب في شأنه إلى سلطان الأندلس، وقد تعرف عزمه على اللحاق، ولم ينشب أن لحق بألمرية من تلمسان، فثقف بها، قضاء لحق من خاطب في شأنه. ثم بدا للسلطان في أمره، فأوعز لرقبايه في الغفلة عنه، وفر فلحق ببلاد النصرى فأقام بها، إلى أن كانت الوقيعة بالسلطان بغرناطة، بأحواز قرية العطشا على يد طالب الملك أمير المسلمين أبي الوليد، وأسر يومئذ شيخ الغزاة حمو بن عبد الحق، وترجح الرأي في إطلاقه وصرف، إعلانا للتهديد. فنجحت الحيلة، وعزل عن الخطة، واستدعى عبد الحق هذا إليها، فوصل غرناطة، وقدم شيخا على الغزاة. ولما تغلب السلطان أبو الوليد على الأمر، واستوسق له، وكان ممن شمله أمانه، فأقره مرؤساً بالشيخ أبي سعيد عثمن بن أبي العلاء برهة. ثم لحق بأميره المخلوع نصر، المستقر موادعاً بوادي آش، وأوقع بجيش المسلمين مظاهر الطاغية، الوقيعة الشنيعة بقرمونة، وأقام لديه مدة. ثم لحق بأرض النصرى، وأجاز البحر إلى سبتة. مظاهراً لأميرها أبي عمرو يحيى بن أبي طالب العزفي، وقد كشف القناع في منابذة طاعة السلطان، ملك المغرب، وكان أملك لما بيده، وأتيح له ظفر عظيم على الجيش المضيق على سبتة، فبيته وهزمه. وتخلص له ولده، الكاين بمضرب أمير الجيش في بيت من الخشب رهينة، فصرف عليه، فما شئت من ذياع شهرة، وبعد صيت، وكرم أحدوثة. ثم بدا له في التحول إلى تلمسان، فانتقل إليها، وأقام في إيالة ملكها عبد الرحمن بن موسى بن تاشفين إلى آخر عمره.
وفاته
توفي يوم دخول مدينة تلمسان عنوة، وهو يوم عيد الفطر من عام ثمانية وثلثين وسبعماية، قتل على باب منزله، يدافع عن نفسه، وعلى ذلك فلم يشهر عنه يومئذ كبير غناء، وكور واستلحم، وحز رأسه. وكان أسوة أميرها في المحيا والممات، رحم الله جميعهم، فانتقل بانتقاله وقتل بمقتله. وكان أيضاً علماً من أعلام الحروب، ومثلا في الأبطال، وليثا من ليوث النزال.
عبد الملك بن علي وعبد الله أخوه
بن هذيل الفزاري وعبد الله أخوه
حالهما
قال ابن مسعدة، أبو محمد وأبو مروان توليا خطة الوزارة في الدولة الحبوسية، ثم توليا القيادة بثغور الأندلس، وقهرا ما جاورهما من العدو، وغلباه، وسقياه كأس المنايا، وجرعاه، ولم يزالا قائمين على ذلك، ظاهرين علمين، إلى أن استشهدا رحمهما الله.
عبد القهار بن مفرج
بن عبد القهار بن هذيل الفزاري
حاله
قال ابن مسعدة، كان بارع الأدب، شاعر، نحويا، لغويا، كاتبا متوقد الذهن، عنده معرفة بالطب، ثم اعتزل الناس، وانقبض، وقصد سكنى البشارات، لينفرد بها، ويخفى نفسه، فرارا من الخدمة، فتهيأ له المراد.
شعره
وكان شاعرا جيد القريحة سريع الخاطر، ومن شعره:
يا صاح لا تعرض لزوجية ... كل البلا من أجلها يعترى
الفقر والذل وطول الأسى ... لست بما أذكره مفترى
ما في فم المرأة شيء سوى ... اشتر لي واشتر لي واشتر
القضاة الفضلاء وأولا الأصليون
عبد الحق بن غالب
بن عطية بن عبد الرحمن بن غالب بن عبد الرؤوف بن تمام بن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد بن عطية بن خالد بن خفاف بن أسلم بن مكتوم المحاربي
أوليته
من ولد زيد بن محارب بن عطية، نزل جده عطية بن خفاف بقرية قسلة من زاويه غرناطة، فأنسل كثيراً ممن له خطر، وفيه فضل.
حاله
كان عبد الحق فقيها، عالما بالتفسير والأحكام والحديث والفقه، والنحو والأدب واللغة، مقيدا حسن التقيد، له نظم ونثر، ولى القضاء بمدينة ألمرية في المحرم سنة تسع وعشرين وخمسماية، وكان غاية في الدهاء والذكاء، والتهمم بالعلم، سرى الهمة في اقتناء الكتب. توخى الحق، وعدل في الحكم، وأعز الخطة.
مشيخته
روى عن الحافظ أبيه، وأبوي على الغساني والصدفي، وأبي عبد الله محمد بن فرج مولى الطلاع، وأبي المطرف الشعبي، وأبي الحسين بن البيان، وأبي القاسم بن الحصار المقري، وغيرهم.
تواليفه

(2/33)


ألف كتابه المسمى بالوجيز في التفسير فأحسن فيه وأبدع، وطار بحسن نيته كل مطار. وألف برنامجاً ضمنه مروياته، وأسماء شيوخه، وجرز وأجاد.
شعره
قال الملاحي، ما حدثني به غير واحد من أشياخه عنه، قوله:
وليلة جيت فيها الجذع مرتديا ... بالسيف أسحب أذيالا من الظلم
والنجم حيران في بحر الدجا غرق ... والبدر في طيلسان الليل كالعلم
كأنما الليل زنجي بكاهله ... جرح فيثغب أحيانا له بدم
وقال يندب عهد شبابه:
سقياً لعهد شباب ظلت أمرح ... في ريعانه وليالي العيش أسحار
أيام روض الصبا لم تذو أغصنه ... ورونق العمر غض والهوى حمار
والنفس تركض في تضمين ثرتها ... طرفاً له في زمان اللهو إحضار
عهداً كريماً لبسنا منه أردية ... كانت عيوناً ومحيت فهي آثار
مضى وأبقى بقلبيي منه نار أسى ... كوني سلاماً أو برداً فيه يا نار
أبعد أن نعمت نفسي وأصبح في ... ليل الشباب لصبح الشيب أسفار
ونازعتني الليالي وانثنت كسراً ... عن ضيغم ماله ناب وأظفار
ألا سلاح خلال أخلصت فلها ... في منهل المجد إيراد وإصدار
أصبو إلى روض عيش روضه خضل ... أو ينثني بي عن اللقيا إقصار
إذا تعطلت كفى من شبا قلم ... آثاره في رياض العلم أزهار
من روى عنه
روى عنه أبو بكر بن أبي جمرة، وأبو محمد بن عبد الله، وأبو القاسم بن حبيش، وأبو جعفر بن مضاء، وأبو محمد عبد المنعم، وأبو جعفر ابن حكم، وغيرهم.
مولده: ولد سنة إحدى وثمانين وأربع ماية.
وفاته: توفي في الخامس والعشرين لشهر رمضان سنة ست وأربعين وخمس ماية بمدينة لورقة. قصد مرسية يتولى قضاءها، فصد عنها، وصرف منها إلى لورقة، اعتداء عليه.
عبد المنعم بن محمد
بن عبد الرحيم بن فرج الخزرجي
من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن الفرس، وقد تقدم ذكر طايفة من أهل بيته.
حاله
كان حافظاً جليلاً، فقيها، عارفا بالنحو واللغة، كاتبا بارعا، شاعراً مطبوعا، شهير الذكر، عالي الصيت. ولي القضاء بمدينة شقر، ثم بمدينة وادي آش، ثم بجيان، ثم بغرناطة، ثم عزل عنها، ثم وليها الولاية التي كان من مضمن ظهيره بها، قول المنصور له، أٌول لك ما قاله موسى عليه السلام لأخيه هرون، إخلفني في قومي، واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين، وجعل إليه النظر في الحسبة، والشرطة، وغير ذلك، فكان إليه النظر في الدماء فما دونها، ولم يكن يقطع أمر دونه ببلده وما يرجع إليه.
وقال ابن عبد الملك، كان من بيت علم وجلالة، مستبحراً في فنون المعارف، على تفاريقها، متحققاً بها، نافذا فيها، ذكي القلب، حافظاً للفقه. استظهر أوان طلبه للكتابين، المدونة، وكتاب سيبويه وغيرهما، وعني به أبوه وجده عناية تامة. وقال أبوة الربيع بن سالم، سمعت أبا بكر ابن الجد، وحسبك شاهدا، يقول غير ما مرة، ما أعلم بالأندلس، أحفظ لمذهب مالك من عبد المنعم بن الفرس، بعد أبي عبد الله بن زرقون.
مشيخته
روى عن أبيه الحافظ أبي عبد الله، وعن جده أبي القاسم، سمع عليهما وقرأ، وعن أبي بكر بن النفيس، وأبي الحسن بن هذيل، وأبي عبد الله ابن سعادة، وأبي محمد عبد الجبار بن موسى الجذامي، وأبي عامر محمد ابن أحمد الشلبي، وأبي العباس أحمد وأخيه أبي الحسن ابني زيادة الله. هذه جملة من لقى من الشيوخ وشافهه وسمع منه، وأجاز له من غير لقاء وبعضهم باللقاء من غير قراءة، ابن ورد، وابن بقى، وأبو عبد الله ابن سليمن التونسي، وأبو جعفر بن قبلال، وأبو الحسن بن الباذش، ويونس بن مغيث، وابن معمر، وشريح، وابن الوحيدي، وأبو عبد الله ابن صاف، والرشاطي، والحميري، وابن واضاح، وابن موهب، وأبو مروان الباجي، وأبو العباس بن خلف بن عيشون، وأبو بكر بن طاهر، وجعفر بن مكي، وابن العربي، ومساعد بن أحمد بن مساعد، وعبد الحق بن عطية، وأبو مروان بن قزمان، وابن أبي الخصال، وعياض ابن موسى، والمازري، وغيرهم.
تواليفه

(2/34)


ألف عدة تواليف، منها كتاب الأحكام، ألفه وهو ابن خمسة وعشرين عاماً، فاستوفى ووفي، واختصر الأحكام السلطانية، وكتاب النسب لأبي عبيد بن سلام، وناسخ القرآن ومنسوخه لابن شاهين، وكتاب المحتسب لابن جنى. وألف كتابا في المسايل التي اختلف فيها النحويون من أهل البصرة ولاكوفة، وكتابا في صناعة الجدل، ورد على ابن غرسية في رسالته في تفضيل العجم على العرب. وكتب بخطه من كتب العربية واللغة والأدب والطب وغير ذلك.
من روى عنه
حدث عنه الحافظ أبو محمد القرطبي، وأبو علي الرندي، وإبنا حوط الله، وأبو الربيع ين سالم، والجم الغفير.
شعره
أبى ما بقلبي اليوم أن يتكتما ... وحسبك بالدمع السفوح مترجما
وأعجب به من أخرس بات مفصحا ... يبين للواشين ما كان مبهما
فكم عبرة في نهر شقر بعثتها ... سباقا فأمسى النهر مختضبا دما
يرجع ترجيع الأنين اضطراره ... كشكوى الجريح للجريح تألما
كملن بصحبي في قوفة الدمع ناثر ... شقايق نعمان على متن أرقما
ولله ليل قد لبست ظلامه ... راداُ بأنوار النجوم منمنما
أناوح فيه الورق فوق غصونها ... فكم أورق منهن قد بات معجما
وممالي إلا للفرقدين مصاحب ... ويا بعد حالي في الصبابة منهما
أبيت شتيت الشمل والشمل فيهما ... جميع كما أبصرت عقدا منظما
فيا قاصداً تدمير عرج مصافحا ... نسألك رسما بالعقيق ومعلما
وأعلم بأبواب السلام صبابتي ... كما كان عرف المسك بالمسك علما
وإن طفت في تلك الأجارع لا تضع ... بحق هواها إن لم تلم مسلما
وما ضرها لو جاذبت ظبية النقا ... فضول رداء قد تغشته معلما
فيثني قضيباً أثمر البدر مايساً ... بحقف مسيل لفه السيل مظلما
وما كنت إلا البدر وافي غمامة ... فما لاح حتى غاب فيها مغيما
وما ذاك من هجر ولكن لشقوة ... أبت أن يكون الوصل منها متمما
فياليتني أصبحت في الشعر لفظة ... ترددني مهما أردت تفهما
ولله ما أذكى نسيمك نفحة ... أأنت أعرت للروض طيباً تنسما
ولله ما أشفى لقاك للجوى ... كأنك قد أصبحت عيسى بن مريما
وما الراح بالماء القراح مشوبة ... بأطيب من ذكراك إن خامرت فما
فمالي وللأيام قد كان شملنا ... جميعاً فأضحى في يديها مقسماً
وما جنيت الطيب من شهد وصلها ... جنيت من التبديد للوصل علقما
وق ذقت طعم البين حتى كأنني ... لألفة من أهواه ما ذقت مطعما
فمن لفؤاد شطره حازه الهوى ... وشطر لإحراز الثواب مسلما
ويا ليت أن الدار حان مزارها ... فلو صح قرب الدار أدركت مغنما
ولو صح قرب الدار لي لجعلته إلى ... مرتقى السلوان والصبر سلما
فقد طال ما ناديت سراً وجهرة ... عسى وطن يدنو بهم ولعلما؟
سلام على من شفني بعد داره ... وأصبحت مشغوفاً بقرب مزاره
ومن هو في عيني ألذ من الكرى ... وفي النفس أشهى من أمان المكاره
سلام عليه كلما ذر شارق ... ينم كعرف الزهر غب فطاره
لعمرك ما أخشى غداة وداعنا ... وقد سعرت في القلب شعلة ناره
وسال على الخدين دمع كأنه ... بقية ظل للروض في جلناره
وعانقت منه غصن بان منعماً ... ولاحظت منه الصيح عند اشتهاره
وأصبحت في أرض وقلبي بغيرها ... وما حال مسلوب الفؤاد مكاره
نأى وجه من أهوى فأظلم أفقه ... وقد غاب عن عينيه شمس نهاره
سل البرق عن شوقي يخبرك بالذي ... ألاقيه من برح الهوى وأواره
وهل هو إلا نار وجدي وكلما ... تنفست عم الجو ضوء شراره
ومن شعره أيضاً رحمة الله عليه:

(2/35)


أقرأ على شنجل سلام ... أطيب من عرفه نسيما
من مغرم القلب ليس ينسى ... منظره الرايق الوسيما
إذا رأى منظرا سواه ... عاف الجنى منه والشميما
وإن أتى مشربا حميدا ... كان وإن راقه ذميما
وقف بنجد وقوف صب ... يستذكر الخدن والحميما
وأندب أركاً بشعب رضوى ... قد رجعت بعدنا مشيما
وأذكر شباباً مضى سريعا ... أصبحت من بعده سقيما
هيهات ولي وجاء شيب ... وكيف للقلب أن يهيما
ما يصلح الشيب غير تقوى ... تحجب عن وجهه الجحيما
في كل يوم له ارتحال ... أعجب به ظاعناً مقيما
ما العمر إلا لديه دين ... قد آن أن يقضى الغريما
فعد إلى توبة نصوح ... وارج إلهاً بنا رحيما
قد سبق الوعد منه حتى ... أطمع ذا الشقوة النعيما
مولده في سنة أربع وعشرين وخمسماية وفاته: عصر يوم الأحد الرابع من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وخمسماية. وشهد دفنه بباب إلبيرة الجم الغفير، وازدحم الناس على نعشه حتى حملوه على أكفهم ومزقوه. وأمر أن يكتب على قبره:
عليك سلام الله يا من يسلم ... ورحمته مازرتني تترحم
أتحسبني وحدي نقلت إلى هنا ... ستلحق بي عما قريب فتعلم
فيا لمن يمسي لدنياه مؤثرا ... ويهمل أخراه ستشقى وتندم
فلا تفرحن إلا بتقديم طاعة ... فذاك الذي ينجي غدا ويسلم
ومن غير الأصلبين
عبد الحكيم بن الحسين
بن عبد الملك بن يحيى بن باسيو بن تادرت الشمالي اليدرازتيني ثم الواغدينى
أصله من تينملل من نظر مراكش، وانتقل جده عبد الملك مع الخليفة عبد المؤمن بن علي إلى إقليم بجاية. ونشأ عبد الملك ببجاية، وانتقل إلى تونس في حدود خمسة وثمانين. وورد أبو محمد الأندلس في حدود سبعمائة.
حاله
من تعريف شيخنا أبي البركات: كان من أهل المعرفة، بالفقه وأصوله، على طريقة المتأخرين. وكان مع ذلك رجلا كريم النفس، صادق الهجة، سليم الصدر، منصفا في المذاكرة. قلت يجمع هذا الرجل إلى ما وصفه به، الأصالة ببلده إفريقية، وثبت اسمه في عايد الصلة بما نصه: الشيخ الأستاذ القاضي، يكنى أبا محمد. كان رحمه الله من أهل العلم بالفقه، والقيام على الأصلين، صحيح الباطن، سليم الصدر، من أهل الدين والعدالة والأصالة. بث في الأندلس علم أصول الفقه، وانتفع به. وتصرف في القضاء في جهات.
مشيخته
منقولا من خط ولده الفقيه أبي عبد الله صاحبنا، الكاتب بالدار السلطانية، قرأ ببلده على الفقيه الصدر أبي علي بن غنوان، والشيخ أبي الطاهر بن سرور، والإمام أبي علي ناصر الدين المشدالي، والشيخ أبي الشمل جماعة الحلبي، والشيخ أبي الحجاج بن قسوم وغيرهم. ومن خط المحدث أبي بكر بن الزيات، يحمل عن أبي الطاهر بن سرور، وعن أبي إسحق بن عبد الرفيع.
تواليفه
من تواليفه: المعاني المبتكرة الفكرية في ترتيب المعالم الفقهية. والإيجاز في دلالة المجاز، ونصرة الحق، ورد الباغي في مسألة الصدقة ببعض الأضحية، والكراس المرسوم بالمباحث البديعة في مقتضى الأمر من الشريعة.
مولده
ببجاية في أحد لجمادى الأولى من عام ثلاثة وستين وستمائة.
وتوفي قاضيا بشالش يوم الجمعة، و الرابع عشر لجمادى الأولى من عام ثلاثة وعشرين وسبعماية. ودفن بجبانة باب إلبيرة بمقربة من قبر ولي الله أبي عبد الله التونسي. وكانت جنازته مشهورة.
ومن المقريين والعلماء
عبد الملك بن حبيب
بن سليمن بن هرون بن جلهمة بن العباس بن مرداس السلمي
أصله من قرية قورت، وقيل حصن واط من خارج غرناطة، وبها نشأ وقرأ.
حاله

(2/36)


قال ابن عبد البر. كان جماعا للعلم، كثير الكتب، طويل اللسان، فقيها، نحويا، عروضيا، شاعرا، نسابة، إخبارياًُ. وكان أكثر من يختلف إليه، الملوك وأبناؤهم. قال ابن مخلوف، كان يأتي إلى معالي الأمور. وقال غيره، رأيته يخرج من الجامع، وخلفه نحو من ثلاثمائة، بين طالب حديث، وفرايض، وفقه، وإعراب، وقد رتب الدول عليه، كل يوم ثلاثين دولة، لا يقرأ عليه فيهغا شيء إلا تواليفه، وموطأ مالك. وكان يلبس الخز والسعيد. قال ابن نمير، وإنما كان يفعله إجلالا للعلم، وتوقيرا له. وكان يلبس إلى جسمه ثوب شعر، وكان صواماً قواماً. وقال المغاسي، لو رأيت ما كان على باب ابن حبيب، لزدريت غيره. وزعم الزبيدي، أنه نعى إلى سحنون فاسترجع، وقال مات عالم الأندلس. قال ابن الفرضي، جمع إلى إمامته في الفقه، التبحبح في الأدب، والتفنن في ضروب العلوم، وكان فقيها مفتيا. قال ابن خلف أبو القاسم الغافقي، كان له أرض وزبتون بقرية بيرة من طوق غرناطة، حبس جميع ذلك على مسجد قرطبة. وله ببيرة مسجد ينسب إليه. وكان يهبط من قرية قورت يوم الاثنين والخميس إلى مسجده ببيرة، فيقرأ عليه، وينصرف إلى قريته.
مشيخته
روى عن صعصعة بن سلام، والغازي بن قيس، وزياد بن عبد الرحمن. ورحل إلى المشرق سنة ثمان ومائتين. وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكانت رحلته من قريته بفحص غرناطة. وسمع فيها من عبد الملك بن الماجشون، ومطرف بن عبد الله، وأصبغ بن الفرج، وابنه موسى، وجماعة سواهم، وأقام في رحلته ثلاثة أعوام وشهورا. وعاد إلى إلبيرة، إلى أن رحله عبد الرحمن بن الحكم إلى قرطبة، في رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين.
من روى عنه: سمع منه إبناه محمد وعبد الله، وسعيد بن نمر، وأحمد بن راشد، وإبراهيم بن خالد، وإبراهيم بن شعيب، ومحمد بن قطيس. وروى عنه من عظماء القرطبيين، مطرف بن عيسى، وبقي بن مخلد، ومحمد بن وضاح، والمقامي في جماعة.
تواليفه
قال أبو الفضل عياض بن موسى، في كتابه في أصحاب مالك قال بعضهم، قلت لعبد الملك بن حبيب. كم كتبك التي ألفت، قال ألف كتاب وخمسون كتابا. قال عبد الأعلى، منها كتب المواعظ سبعة، وكتب الفضايل سبعة، وكتب أجواد قريش وأخبارها وأنسابها خمسة عشر كتابا، وكتب السلطان وسيرة الإمام ثمانية كتب، وكتب الباه والنساء ثمانية، وغير ذلك. ومن كتب سماعاته في الحديث والفقه، وتواليفه في الطب، وتفسير القرآن، ستون كتابا. وكتاب المغازي، والناسخ والمنسوخ، ورغايب القرآن، وكتاب الرهون والحدثان، خمسة وتسعون كتابا، وكتاب مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، اثنان وعشرون كتابا، وكتاب في النسب، وفي النجوم، وكتاب الجامع، وهي كتب فيها مناسك النبي، وكتاب الرغايب، وكتاب الورع في المال، وكتاب الربا. وكتاب الحكم والعدل بالجوارح. ومن المشهورات الكتاب المسمى بالواضحة. ومن تواليفه كتاب إعراب القرآن، وكتاب الحسبة في الأمراض، وكتاب الفرايض، وكتاب السخاء واصطناع المعروف، وكتاب كراهية الغناء.
شعره
أنشد ابن الفرضي مما كتب بها إلى أهله من المشرق سنة عشر ومايتين:
أحب بلاد الغرب والغرب موطني ... ألا كل غربي إلي حبيب
فيا جسداً أضناه شوق كأنه ... إذا انتضيت عنه الثياب قضيب
ويا كبداً عادت زمانا كأنما ... يلذغها بالكاويات طبيب
بليت وأبلاني اغترابي ونأيه ... وطول مقامي بالحجاز أجوب
وأهلي بأقصى مغرب الشمس دارهم ... ومن دونهم بحر أجش مهيب
وهول كريه ليله كنهاره ... وسير حثيث للركاب دؤوب
فما الداء إلا أن تكون بغربة ... وحسبك داء أن يقال غريب
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بأكناف نهر الثلج حين يصوب
وحولي أصحابي وبنتي وأمها ... ومعشر أهلي والرؤوف مجيب
وكتب إلى الأمير عبد الرحمن في ليلة عاشوراء:
لا تنسى لا ينسك الرحمن عاشوراء ... واذكره لا زلت في الأحياء مذكورا
قال الرسول صلاة الله تشمله ... قولا وجدنا عليه الحق والنورا
من بات في ليل عاشوراء ذا سعة ... يكن بعيشه في الحول محبورا

(2/37)


فارغب فديتك فيما فيه رغبتنا ... خير الورى كلم حياً ومقبورا
وفاته
توفي في ذي الحجة سنة ثماني وثلاثين. وقيل تسع وثلاثين ومايتين. قال ابن خلف، كان يقول في دعائه، إن كنت يا رب راضياً عني، فاقبضني إليك قبل انقضاء سنة ثمان وثلاثين، فقبضه الله في أحب الشهور إليه، رمضان من عام ثمانية وثلاثين، وهو ابن أربع وستين سنة، وصلى عليه ولده محمد، ودفن بمقبرة أم سلمة بقبلي محراب مسجد الضيافة من قرطبة. قالوا، والخبر متصل، إنه وجد جسده وكفنه وافرين لم يتغيرا بعد وفاته، بتسع وأربعين سنة، وقطعت من كفنه وافرين لم يتغيرا بعد وفاته، بتسع وأربعين سنة، وقطعت من كفنه قطعة، رفعت إلى الأمير عبد الله. ورثاه أبو عبد الله الرشاش وغيره، فقال:
لئن أخذت منا المنايا مهذبا ... وقد قل فيها من يقال المهذب
لقد طاب فيه الموت والموت غبطة ... لمن هو مغموم الفؤاد معذب
ولأحمد بن ساهي فيه:
مإذا تضمن قبر أنت ساكنه ... من التقى والندى يا خير مفقود
عجبت للأرض في أن غيبتك ... وقد ملأتها حكماً في البيض والسود
قلت، فلو لم يكن من المفاخر الغرناطية إلا هذا الخبر لكفى.
ومن الطارئين عليها
عبد الواحد بن محمد
بن علي بن أبي السداد الأموي المالقي، الشهير بالباهلي
حاله
كان رحمه الله بعيد المدى، منقطع القرين في الدين المتين والصلاح. وسكون النفس، ولين الجانب، والتواضع، وحسن الخلق، إلى وسامة الصورة، وملاحة الشيبة، وطيب القراءة، مولى النعمة على الطلبة من أهل بلده، أستإذا حافلا، متفننا، مضطلعا، إماما في القراءات، حايز خصل السباق إتقانا، وأداء، ومعرفة، ورواية، وتحقيقا. ماهرا في صناعة النحو، فقيها، أصولياً، حسن التعليم، مستمر القراءة، فسيح التحليق، نافعاً، متحبباً، مقوم الأزمنة على العلم وأهله، كثير الخضوع والخشوع، قريب الدمعة، أقرأ عمره، وخطب بالمسجد الأعظم من مالقة أو أخذ عنه الكثير من أهل الأندلس.
مشيخته
قرأ على الأستاذ الإمام أبي جعفر بن الزبير، وكان من مفاخره. وعلى القاضي أبي علي بن أبي الأحوص، وعلى المقرئ الضرير أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن سالم بن خلف السهيلي، والراوية أبي الحجاج ابن أبي ريحانة المربلي. وكتب له بالإجازة العامة، الراوية أبو الوليد العطار، والإمام أبو عبد الله بن سمعون الطائي. وسمع على الراوية أبي عمر عبد الرحمن بن حوط الله الأنصاري، وقرأ على القاضي أبي القاسم، قاسم ابن أحمد بن حسن الحجري الشهير بالسكوت المالقي، وأخذ عن الشيخ الصالح أبي جعفر أحمد بن يوسف الهاشمي الطنجالي، وغيرهم ممن يطول ذكرهم. ويحمل عن خاله ولي الله أبي محمد عبد العظيم ابن ولي الله محمد بن أبي الحجاج ابن الشيخ رحمه الله.
تواليفه: شرح التيسير في القراءات. وله تواليف غيره في القرآن والفقه.
شعره
حدث الشيخ الفقيه القاضي أبو الحجاج المنتشافري. قال، رأيت في النوم أبا محمد الباهلي أيام قراءتي عليه بمالقة في المسجد الجامع بها، وهو قائم يذكر الناس ويعظهم. فعقلت من قوله، أتحسبونني غنياً فقيرا، أنا فقير، أنا، فاستيقظت وقصصتها عليه، فاستغفر الله، وقال، يا بني حقا ما رأيت. ثم رفع إلى ثاني يوم تعريفه، رقعة فيها مكتوب:
لئن ظن قوم من أهل الدنا ... بأن لهم قوة أو غنا
لقد غلطوا ويحهم بجمع مالهم ... فتاهوا عقولا وعموا أعينا
فلا تحسبوني إلى رأيهم ... فإني ضعيف فقير أنا
وليس افتقاري وفقري معا ... إلى الخلق فما عند خلق غنا
ولكن إلى خالقي وحده ... وفي ذاك عز ونيل المنا
فمن ذل للحق يرقى العلا ... ومن ذل للخلق يلق العنا
وفاته
ببلده مالقة رضي الله عنه، ونفع به. في خامس ذي القعدة من عام خمسة وسبعماية. وكان الحفل في جنازته عظيما. وحف الناس بنعشه، وحمله الطلبة وأهل العلم على رؤوسهم، سكن غرناطة وأقرأ بها.
ومن الكتاب والشعراء في هذا الحرف
عبد الحق بن محمد

(2/38)