صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

وحجة الجمهور ما ثبت فى الصحيح من أن النبى وأبا بكر وعمر كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وفى لفظ لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول قراءة ولا آخرها والله أعلم
وسئل
هل من يلحن فى الفاتحة تصح صلاته أم لا
فأجاب
أما اللحن فى الفاتحة الذى لا يحيل المعنى فتصح صلاة صاحبه إماما أو منفردا مثل أن يقول رب العالمين و الضالين ونحو ذلك
واما ما قرىء به مثل الحمد لله رب ورب ورب ومثل الحمد لله والحمد لله بضم اللام أو بكسر الدال ومثل عليهم وعليهم وعليهم وأمثل ذلك فهذا لا يعد لحنا
وأما اللحن الذى يحيل المعنى إذا علم صاحبه معناه مثل أن يقول صراط الذين أنعمت عليهم وهو يعلم ان هذا ضمير المتكلم لا تصح صلاته وإن لم يعلم أنه يحيل المعنى وإعتقد أن هذا ضمير المخاطب ففيه نزاع والله أعلم

(22/443)


وسئل
عمن يقرأ القرآن وما عنده أحد يسأله عن اللحن إلخ وإذا وقف على شىء يطلع فىالمصحف هل يلحقه إثم أم لا
فأجاب
إن إحتاج إلى قراءة القرآن قرأه بحسب الإمكان ورجع إلى المصحف فيما يشكل عليه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يترك ما يحتاج إليه وينتهى به من القراءة لأجل ما يعرض من الغلط أحيانا إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة والله أعلم
وسئل
عما إذا نصب المخفوض فى صلاته
فأجاب
إن كان عالما بطلت صلاته لأنه متلاعب فى صلاته وإن كان جاهلا لم تبطل على أحد الوجهين

(22/444)


وسئل
عن رجل يصلى بقوم وهو يقرأ بقراءة الشيخ أبى عمرو فهل إذا قرأ لورش أو لنافع بإختلاف الروايات مع حملة قراءته لأبى عمرو يأثم او تنقص صلاته أو ترد
فأجاب
يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبى عمرو وبعضه بحرف نافع وسواء كان ذلك فى ركعة أو ركعتين وسواء كان خارج الصلاة او داخلها والله أعلم
وسئل
هل روى عن النبى أنه صلى بالأعراف أو بالأنعام جميعا فى المغرب أو فى صلاة غيرها وإن كان قد رواه أحمد هل هو صحيح أم لا
فأجاب
الحمد لله نعم ثبت فى الصحيح انه صلى فى المغرب بالأعراف ولكن لم يكن يداوم على ذلك ومرة أخرى قرأ فيها بالمرسلات ومرة أخرى قرأ فيها بالطور وهذا كله فى الصحيح والله أعلم

(22/445)


وسئل رحمه الله
عن رفع الأيدى بعد الركوع هل يبطل الصلاة أم لا
فأجاب
الحمد لله لا يبطل الصلاة بإتفاق الأئمة بل أكثر أئمة المسلمين يستحبون هذا كما إستفاضت به السنة عن النبى من حديث إبن عمر ومالك بن الحويرث ووائل بن حجر وأبى حميد الساعدى وأبى قتادة الأنصارى فى عشرة من الصحابة وحديث على وأبى هريرة وغيرهم
وهو مستحب عند جمهور العلماء وهو مذهب الشافعى وأحمد ومالك فى إحدى الروايتين عنه وأبوحنيفة قال أنه لا يستحب ولم يقل إنه يبطل صلاته والله أعلم
وسئل
عن قول النبى ولا ينفع ذا الجد منك الجد وهل هو بالخفض أو بالضم أفتونا مأجورين

(22/446)


فأجاب
الحمد لله أما الأولى فبالخفض وأما الثانية فبالضم والمعنى أن صاحب الجد لا ينفعه منك جده أى لا ينجيه ويخلصه منك جده وإنما ينجيه الإيمان والعمل الصالح و الجد هو الغنى وهو العظمة وهو المال بين أنه من كان له فى الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك ولم يخلصه من الله وإنما ينجيه من عذابه إيمانه وتقواه فإنه قال اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد فبين فى هذا الحديث أصلين عظيمين
أحدهما توحيد الربوبية وهو أن لا معطى لما منع الله ولا مانع لما أعطاه ولا يتوكل إلا عليه ولا يسأل إلا هو
والثانى توحيد الإلهية وهو بيان ما ينفع وما لا ينفع وأنه ليس كل من أعطى مالا أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعا له عند الله منجيا له من عذابه فإن الله يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطى الإيمان إلا من يحب قال تعالى فأما الإنسان إذا ما إبتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن كلا يقول ما كل من وسعت عليه أكرمته ولا كل من قدرت عليه أكون قد اهنته بل هذا إبتلاء ليشكر العبد على السراء ويصبر على الضراء فمن رزق الشكر

(22/447)


والصبر كان كل قضاء يقضيه الله خيرا له كما فى الصحيح عن النبى أنه قال لا يقضى الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خير له و
وتوحيد الإلهية أن يعبد الله ولا يشرك به شيئا فيعطيه ويطيع رسله ويفعل ما يحبه ويرضاه
وأما توحيد الربوبية فيدخل ما قدره وقضاه وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه وأرضاه والعبد مأمور بأن يعبد الله ويفعل أمر به وهو توحيد الإلهية ويستعين الله على ذلك وهو توحيد له فيقول إياك نعبد وإياك نستعين والله أعلم
وسئل رحمه الله
إذا اراد إنسان ان يسجد فى الصلاة يتأخر خطوتين هل يكره ذلك ام لا فأجاب
وأما التأخير حين السجود فليس بسنة ولا ينبغى فعل ذلك إلا إذا كان الموضع ضيقا فيتأخر ليتمكن من السجود

(22/448)


وسئل رحمه الله
عن الصلاة وإتقاء الأرض بوضع ركبتيه قبل يديه أو يديه قبل ركبتيه
فأجاب
أما الصلاة بكليهما فجائزة بإتفاق العلماء إن شاء المصلى يضع ركبتيه قبل يديه وإن شاء وضع يديه ثم ركبتيه وصلاته صحيحة فى الحالتين بإتفاق العلماء ولكن تنازعوا فى الأفضل
فقيل الأول كما هو مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد فى إحدى الروايتين
وقيل الثانى كما هو مذهب مالك وأحمد فى الرواية الأخرى وقد روى بكل منهما حديث فى السنن عن النبى ففى السنن عنه أنه كان إذا صلى وضع ركبتيه ثم يديه وإذا رفع رفع يديه ثم ركبتيه وفى سنن أبى داود وغيره أنه قال إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك الجمل ولكن يضع يديه ثم ركبتيه وقد روى ضد ذلك وقيل أنه منسوخ والله أعلم

(22/449)


وسئل رحمه الله
عما يروي عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال أمرت أن اسجد على سبعة أعظم وان لا أكف لى ثوبا ولا شعرا وفى رواية وأن لا أكفت لى ثوبا ولا شعرا فما هو الكف وما هو الكفت وهل ضفر الشعر من الكفت
فأجاب
الكفت الجمع والضم والكف قريب منه وهو منع الشعر والثوب من لاسجود وينهى الرجل أن يصلى وشعره مغروز فى رأسه او معقوص
وفيه عن النبى مثل الذى يصلى وهو معقوص كمثل الذى يصلى وهو مكتوف لأن المكتوف لا يسجد ثوبه والمعقوص لا يسجد شعره وإما الضفر مع إرساله فليس من الكفت والله أعلم

(22/450)


وسئل
عن رجل يصلى مأموما ويجلس بين الركعات جلسة الإستراحة ولم يفعل الإمام فهل يجوز ذلك له وإذا جاز هل يكون منقصا لأجره لأجل كونه لم يتابع الإمام فى سرعة الإمام
فأجاب
جلسة الإستراحة قد ثبت فى الصحيح عن النبى جلسها لكن تردد العلماء هل فعل ذلك من كبر السن للحاجة أو فعل ذلك لأنه من سنة الصلاة
فمن قال بالثانى إستحبها كقول الشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين
ومن قال بالأول لم يستحبها إلا عند الحاجة كقول أبى حنيفة ومالك وأحمد فى الرواية الأخرى ومن فعلها لم ينكر عليه وإن كان مأموما لكون التأخر بمقدار ماليس هو من التخلف ىالمنهى عنه من يقول بإستحبابها وهل هذا إلا فعل فى محل اجتهاد فإنه قد تعارض فعل هذه السنة عنده والمبادرة إلى موافقة الإمام

(22/451)


فإن ذلك أولى من التخلف لكنه يسير فصار مثل ما إذا قام من التشهد الأول قبل أن يكمله المأموم والمأموم يرى أنه مستحب أو مثل أن يسلم وقد بقى عليه يسير من الدعاء هل يسلم أو يتمه ومثل هذه المسائل هى من مسائل الإجتهاد والأقوى أن متابعة الإمام أولى من التخلف لفعل مستحب والله أعلم
وسئل رحمه الله
عن رفع اليدين بعد القيام من الجلسة بعد الركعتين الأوليين هل هو مندوب إليه وهل فعله النبى أو أحد من الصحابة
فاجاب
نعم هو مندوب إليه عند محققى العلماء العالمين بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقول طائفة من أصحابه وأصحاب الشافعى وغيرهم وقد ثبت ذلك عن النبى فى الصحاح والسنن ففى البخارى وسنن أبى داود والنسائى عن نافع أن إبن عمر كان إذا دخل فى الصلاة كبر ورفع يديه واذا ركع رفع يديه واذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه واذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ذلك ابن عمر

(22/452)


إلى النبى
وعن على بن أبى طالب عن النبى أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وإذا أراد أن يركع ويصنعه إذا رفع من الركوع ولا يرفع يديه فى شىء من صلاته وهو قاعد وإذا قام من الركعتين رفع يديه كذلك وكبر رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه وإبن ماجه والترمذى وقال حديث حسن صحيح وعن أبى حميد الساعدى أنه ذكر صفة صلاة النبى صلى الله عليه و سلم وفيه إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه كما صنع حين إفتتح الصلاة رواه الإمام أحمد وأبو داود وإبن ماجه والنسائى والترمذى وصححه
فهذه أحاديث صحيحة ثابته ومع ما فى ذلك من الآثار وليس لها ما يصلح أن يكون معارضا مقاوما فضلا عن أن يكون راجحا والله أعلم

(22/453)


وسئل شيخ الاسلام عن قوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد الحديث وقوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم هل الحديثان فى الصحة سواء وما الحكم فى ذكر الآل دون إبراهيم
فأجاب الحمد لله هذا الحديث فى الصحاح من أربعة أوجه أشهرها حديث عبدالرحمن بن أبى ليلى قال لقينى كعب بن عجرة فقال ألا أهدى لك هدية خرج رسول الله فقلنا قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلى عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك وفى لفظ وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه أهل الصحاح والسنن والمسانيد كالبخارى ومسلم وأبى داود والترمذى والنسائى وإبن ماجه والإمام أحمد فى مسنده وغيرهم

(22/454)


وهذا لفظ الجماعة إلا أن الترمذى قال فيه على إبراهيم فى الموضعين لم يذكر آله وذلك لأبى داود والنسائى وفى رواية كما صليت على آل إبراهيم وقال كما باركت على إبراهيم ذكر لفظ الآل فى الأول ولفظ إبراهيم فى الاخر
وفى الصحيحين والسنن الثلاثة عن أبى حميد الساعدى أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلى عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد هذا هو اللفظ المشهور وقد روى فيه كما صليت على إبراهيم وكا باركت على إبراهيم بدون لفظ الآل فى الموضعين وفى صحيح البخارى عن أبى سعيد الخدري قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم
وفى صحيح مسلم عن أبى مسعود الأنصارى قال أتانا رسول الله ونحن فى مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد امرنا الله أن نصلى عليك فكيف نصلى عليك قال فسكت رسول الله حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله صلى

(22/455)


الله عليه وسلم قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلىآل محمد كما باركت على آل إبراهيم فى العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما علمتم وقد رواه أيضا غير مسلم كمالك واحمد وأبى داود والنسائى والترمذى بلفظ آخر وفى بعض طرقه كما صليت على إبراهيم وكما باركت على إبراهيم لم يذكر الآل وفى رواية كما صليت على إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم فهذه الأحاديث التى فى الصحاح لم أجد فيها ولا فيما نقل لفظ ابراهيم وآل إبراهيم وفى بعضها لفظ إبراهيم وقد يجىء فى أحد الموضعين لفظ آل إبراهيم وفى الآخر لفظ إبراهيم
وقد روى لفظ ابراهيم وآل ابراهيم فى حديث رواه البيهقى عن يحيى بن السناو عن رجل من بنى الحارث عن ابن مسعود عن رسول الله أنه قال اذا تشهد احدكم فى الصلاة فليقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وارحم محمدا كما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد وهذا اسناده ضعيف لكن رواه ابن ماجه فى سننه عن ابن مسعود موقوفا قال اذا صليتم

(22/456)


على رسول الله فاحسنوا الصلاة فانكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قال فقولوا له فعلمنا قال قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وامام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك امام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الاولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى ال محمد كما صليت على ابراهيم وال ابراهيم انك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وال ابراهيم انك حميد مجيد ولا يحضرنى اسناد هذا الاثر ولم يبلغنى الى الساعة حديث مسند باسناد ثابت كما صليت على ابراهيم وكما باركت على ابراهيم وال ابراهيم بل أحاديث السنن توافق احاديث الصحيحين كما فى سنن ابى داواد عن أبى هريرة ان النبى قال من سره ان يكتال بالمكيال الاوفى اذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صل على محمد النبى وعلى أزواجه امهات المؤمنين وذريته واهل بيته كما صليت على ال ابراهيم انك حميد مجيد رواه الشافعى فى مسنده عن ابى هريرة قال قلنا يا رسول الله كيف نصلى عليك يعنى فى الصلاة قال تقولون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم ثم تسلمون علي

(22/457)


ومن المتأخرين من سلك فى بعض هذه الادعية والاذكار التى كان النبى يقولها ويعملها بالفاظ متنوعة ورويت بالفاظ متنوعة طريقة محدثة بأن جمع بين تلك الالفاظ واستحب ذلك ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها
مثال الحديث الذى فى الصحيحين عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه انه قال يا رسول الله علمنى دعاء ادعو به فى صلاتى قال قل اللهم انى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب الا أنت فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى انك انت الغفور الرحيم قد روى كثيرا كبيرا وكذلك اذا روى اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وروى اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته وأمثال ذلك وهذه طريقة محدثة لم يسبق اليها احدمن الائمة المعروفين
وطرد هذه الطريقة ان يذكر التشهد بجميع هذه الالفاظ المأثورة وان يقال الاستفتاح بجميع الالفاظ المأثورة وهذا مع انه خلاف عمل المسلمين لم يستحبه احد من ائمتهم بل عملوا بخلافه فهو بدعة فى الشرع فاسد فى العقل

(22/458)


اما الاول فلان تنوع الفاظ الذكر والدعاء كتنوع الفاظ القرآن مثل تعملون و يعلمون و باعدوا و بعدوا و ارجلكم و ارجلكم ومعلوم ان المسلمين متفقون على انه لا يستحب للقارىء فى الصلاة والقارىء عبادة وتدبرا خارج الصلاة ان يجمع بين هذه الحروف انما يفعل الجمع بعض القراء بعض الاوقات ليمتحن بحفظه للحروف وتمييزه للقراءات وقد تكلم الناس فى هذا
وأما الجمع فى كل القراءة المشروعة المامور بها فغير مشروع باتفاق المسلمين بل يخير بين تلك الحروف واذا قرأ بهذه تارة وبهذه تارة كان حسنا كذلك الاذكار اذا قال تارة ظلما كثيرا وتارة ظلما كبيرا كان حسنا كذلك اذا قال تارة على آل محمد وتارة على أزواجه وذريته كان حسنا كما أنه فى التشهد اذا تشهد تارة بتشهد ابن مسعود وتارة بتشهد ابن عباس وتارة بتشهد عمر كان حسنا وفى الاستفتاح اذا استفتح تارة باستفتاح عمر وتارة باستفتاح على وتارة باستفتاح ابى هريرة ونحو ذلك كان حسنا
وقد إحتج غير واحد من العلماء كالشافعى وغيره على جواز الأنواع المأثورة فى التشهدات ونحوها بالحديث الذى فى الصحاح عن

(22/459)


النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف وكاف فاقرأوا بما تيسر قالوا فإذا كان القرآن قد رخص فى قراءته سبعة أحرف فغيره من الذكر والدعاء أولى أن يرخص فى أن يقال على عدة أحرف ومعلوم أن المشروع فى ذلك أن يقرأ أحدها أو هذا تارة وهذا تارة لا الجمع بينهما فإن النبى لم يجمع بين هذه الألفاظ فى آن واحد بل قال هذا تارة وهذا تارة إذا كان قد قالهما
وأما إذا إختلفت الرواية فى لفظ يمكن أنه قالهما أو يمكن أنه رخص فيهما ويمكن أن أحد الروايتين حفظ اللفظ دون الآخر وهذا يجيء فى مثل قوله كبيرا كثيرا وأما مثل قوله وعلى آل محمد وقوله فى الأخرى وعلى أزواجه وذريته فلا ريب أنه قال هذا تارة وهذا تارة ولهذا إحتج من إحتج بذلك على تفسير الآل وللناس فى ذلك قولان مشهوران
أحدهما أنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة وهذا هو المنصوص عن الشافعى وأحمد وعلى هذا ففى تحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته روايتان عن أحمد
إحداهما لسن من أهل بيته وهو قول زيد بن ارقم الذى رواه مسلم فى صحيحه عنه

(22/460)


والثانية هن من أهل بيته لهذا الحديث فإنه قال وعلى أزواجه وذريته وقوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وقوله فى قصة إبراهيم رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت وقد دخلت سارة ولأنه إستثنى امرأة لوط من آله فدل على دخولها فى الآل وحديث الكسا يدل على أن عليا وفاطمة وحسنا وحسينا أحق بالدخول فى أهل البيت من غيرهم كما أن قوله فى المسجد المؤسس على التقوى هو مسجدى هذا يدل على أنه أحق بذلك وأن مسجد قباء أيضا مؤسس على التقوى كما دل عليه نزول الآية وسياقها وكما أن أزواجه داخلات فى آله وأهل بيته كما دل عليه نزول الآية وسياقها وقد تبين أن دخول أزواجه فى آل بيته أصح وإن كان مواليهن لا يدخلون فى موالى آله بدليل الصدقة على بريرة مولاة عائشة ونهيه عنها أبا رافع مولى العباس وعلى هذا القول فآل المطلب هل هم من آله ومن أهل بيته الذين تحرم عليهم الصدقة على روايتين عن أحمد
إحداهما أنهم منهم وهو قول الشافعى
والثانية ليسوا منهم وهو مذهب أبى حنيفة ومالك و
القول الثانى أن آل محمد هم أمته أو الإتقياء من أمته وهذا

(22/461)


روى عن مالك أن صح وقاله طائفة من اصحاب أحمد وغيرهم وقد يحتجون على ذلك بما روى الخلال وتمام هذه أنه سئل عن آل محمد فقال كل مؤمن تقى وهذا الحديث موضوع لا أصل له
والمقصود هنا أن النبى ثبت عنه أنه قال أحيانا وعلى آل محمد وكان يقول أحيانا وعلى أزواجه وذريته فمن قال أحدهما أو هذا تارة وهذا تارة فقد أحسن وأما من جمع بينهما فقد خالف السنة
ثم إنه فاسد من جهة العقل أيضا فإن احد اللفظين بدل عن الآخر فلا يجمع بين البدل والمبدل ومن تدبر ما يقول وفهمه علم ذلك
وأما الحكم فى ذلك فيقال لفظ آل فلان إذا أطلق فى الكتاب والسنة دخل فيه فلان كما في قوله إن الله إصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين وقوله إلا آل لوط نجيناهم بسحر وقوله أدخلوا فرعون أشد العذاب وقله سلام على آل ياسين ومنه قوله صلى الله عليه و سلم اللهم صل على آل أبى أوفى
وكذلك لفظ أهل البيت كقوله تعالى رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت فإن إبراهيم داخل فيهم وكذلك قوله من سره

(22/462)


ان يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل الله صل على محمد النبى الحديث وسبب ذلك أن لفظ الآل أصله أول تحركت الواو وإنفتح ما قبلها فقلبت ألفا فقيل آل ومثله باب وناب وفى الأفعال قال وعاد ونحو ذلك ومن قال أصله أهل فقلبت الهاء الفا فقد غلط فإنه قال مالا دليل عليه وإدعى القلب الشاذ بغير حجة مع مخالفته للأصل
وأيضا فإن لفظ الأهل يضيفونه إلى الجماد وإلى غير المعظم كما يقولون أهل البيت وأهل المدينة واهل الفقير وأهل المسكين وإما الآل فإنما يضاف إلى معظم من شأنه أن يؤول غيره أو يسوسه فيكون مآله إليه ومنه الإيالة وهى السياسة فآل الشخص هم من يؤوله ويؤول إليه ويرجع إليه ونفسه هى أول وأولى من يسوسه ويؤول إليه فلهذا كان لفظ آل فلان متناولا له ولا يقال هو مختص به بل يتناوله ويتناول من يؤوله فلهذا جاء فى أكثر الألفاظ كما صليت على آل إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم وجاء فى بعضها إبراهيم نفسه لأنه هو الأصل فى الصلاة والزكاة وسائر أهل بيته إنما يحصل لهم ذلك تبعا وجاء فى بعضها ذكر هذا وهذا تنبيها على هذين
فإن قيل فلم قيل صل على محمد وعلى آل محمد وبارك

(22/463)


على محمد على محمد وآل محمد فذكر هنا محمدا وآل محمد وذكر هناك لفظ آل إبراهيم أو إبراهيم
قيل لأن الصلاة على محمد وعلى آله ذكرت فى مقام الطلب والدعاء وأما الصلاة على إبراهيم ففى مقام الخبر والقصة إذ قوله على محمد وعلى آل محمد جملة طلبية وقوله صليت على آل إبراهيم جملة خبرية والجملة الطلبية إذا بسطت كان مناسبا لأن المطلوب يزيد بزيادة الطلب وينقص بنقصانه
وأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع وإنقضى لا يحتمل الزيادة والنقصان فلم يمكن فى زيادة اللفظ زيادة المعنى فكان الإيجاز فيه والإختصار أكمل وأتم وأحسن ولهذا جاء بلفظ آل إبراهيم تارة وبلفظ إبراهيم أخرى لأن كلا اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر وهو الصلاة التى وقعت ومضت إذ قد علم أن الصلاة على إبراهيم التى وقعت هى الصلاة على آل إبراهيم والصلاة علىآل إبراهيم صلاة على إبراهيم فكان المراد باللفظين واحدا مع الإيجاز والإختصار
وأما فى الطلب فلو قيل صل الله على محمد لم يكن فى هذا ما يدل على الصلاة على آل محمد إذ هو طلب ودعاء ينشأ بهذا اللفظ ليس خبرا عن أمر قد وقع وإستقر ولو قيل صل على

(22/464)


آل محمد لكان إنما يصلى عليه فى العموم فقيل على محمد وعلى آل محمد فإنه يحصل بذلك الصلاة عليه بخصوصه وبالصلاة على آله
ثم إن قيل أنه داخل فى آله مع الإقتران كما هو داخل مع الإطلاق فقد صلى عليه مرتين خصوصا وعموما وهذا ينشأ على قول من يقول العام المعطوف على الخاص يتناول الخاص
ولو قيل أنه لم يدخل لم يضر فإن الصلاة عليه خصوصا تفنى وأيضا ففى ذلك بيان أن الصلاة على سائر الآل إنما طلبت تبعا له وأنه هو الأصل الذى بسببه طلبت الصلاة على آله وهذا يتم بجواب السؤال المشهور وهو أن قوله كما صليت على إبراهيم يشعر بفضيلة إبراهيم لأن المشبه دون المشبه به وقد اجاب الناس عن ذلك بأجوبه ضعيفة
فقيل التشبيه عائد إلى الصلاة على الأول فقط فقوله صل على محمد كلام منقطع وقوله وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم كلام مبتدأ وهذا نقله العمرانى عن الشافعى وهذا باطل عن الشافعى قطعا لا يليق بعلمه وفصاحته فإن هذا الكلام ركيك فى غاية العبد وفيه من جهة العربية بحوث لا تليق بهذا الموضع

(22/465)


الثانى من منع كون المشبه به أعلى من المشبه وقال يجوز أن يكونا متماثلين قال صاحب هذا القول والنبى يفضل على إبراهيم من وجوه غير الصلاة وهما متماثلان فى الصلاة وهذا أيضا ضعيف فإن الصلاة من الله من أعلى المراتب أو أعلاها ومحمد أفضل الخلق فيها فكيف وقد أمر الله بها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلون عليه وأيضا فالله وملائكته يصلون على معلم الخير وهو أفضل معلمى الخير والأدلة كثيرة لا يتسع لها هذا الجواب
الثالث قول من قال آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس مثلهم فى آل محمد فإذا طلب من الصلاة مثلما صلى على هؤلاء حصل لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم فإنهم دون الأنبياء وبقيت الزيادة لمحمد فحصل له بذلك من الصلاة عليه مزية ليست لإبراهيم ولا لغيره وهذا الجواب أحسن مما تقدم
وأحسن منه أن يقال محمد هو من آل إبراهيم كما روى على إبن أبي طلحة عن إبن عباس فى قوله إن الله إصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين قال إبن عباس محمد من آل إبراهيم وهذا بين فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء فى آل إبراهيم فهو أحق بالدخول فيهم فيكون قولنا كما صليت على آل

(22/466)


إبراهيم متناولا للصلاة عليه وعلى سائر من ذرية آل إبراهيم وقد قال تعالى وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب ثم أمرنا أن نصلى على محمد وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموما ثم لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم والباقى له فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم
ومعلوم أن هذا أمر عظيم يحصل له به مما لإبراهيم وغيره فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به وله نصيب وافر من المشبه وله أكثر المطلوب صار له من المشبه وحده أكثر مما لإبراهيم وغيره وإن كان جملة المطلوب مثل المشبه وإنضاف إلى ذلك ماله من المشبه به فظهر بهذا من فضله على كل من النبيين ما هو اللائق به تسليما كثيرا وجزاه عنه أفضل ما جزى رسولا عنه أمته اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد

(22/467)


وسئل رحمه الله
عن الصلاة على النبى هل الأفضل فيها سرا أم جهرا وهل روى عن النبى أنه قال إزعجوا أعضاءكم بالصلاة على أم لا والحديث الذى يروى عن إبن عباس أنه أمرهم بالجهر ليسمع من لم يسمع أفتونا مأجورين
فأجاب
أما الحديث المذكور فهو كذب موضوع بإتفاق أهل العلم وكذلك الحديث الآخر وكذلك سائر ما يروى فى رفع الصوت بالصلاة عليه مثل الأحاديث التى يرويها الباعة لتنفيق السلع أو يرويها السؤال من قصاص وغيرهم لجمع الناس وجبايتهم ونحو ذلك
والصلاة عليه هى دعاء من الأدعية كما علم النبى أمته حين قالوا قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد أخرجاه فى الصحيحين والسنة فى الدعاء كله المخافتة إلا أن يكون هناك سبب يشرع له الجهر

(22/468)


قال تعالى إدعوا ربكم تضرعا وخفية أنه لا يحب المعتدين وقال تعالى عن زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا
بل السنة فى الذكر كله ذلك كما قال تعالى و إذكر ربك فى نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول بالغدو والآصال وفى الصحيحين أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه سولم كانوا معه فى سفر فجعلوا يرفعون أصواتهم فقال النبى صلى الله عليه و سلم أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون سميعا قريبا أن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته وهذا الذى ذكرناه فى الصلاة عليه والدعاء مما إتفق عليه العلماء فكلهم يأمرون العبد إذا دعا أن يصلى على النبى كما يدعو لا يرفع صوته بالصلاة عليه أكثر من الدعاء سواء كان فى صلاة كالصلاة التامة وصلاة الجنازة أو كان خارج الصلاة حتى عقيب التلبية فإنه يرفع صوته بالتلبية ثم عقيب ذلك يصلى على النبى ويدعو سرا وكذلك بين تكبيرات العيد إذا ذكر الله وصلى على النبى فإنه وإن جهر بالتكبير لا يجهر بذلك
وكذلك لو إقتصر على الصلاة عليه خارج الصلاة مثل أن يذكر فيصلى عليه فإنه لم يستحب أحد من أهل العلم رفع

(22/469)


الصوت بذلك فقائل بذلك مخطىء مخالف لما عليه علماء المسلمين
وأما رفع الصوت بالصلاة أو الرضى الذى يفعله بعض المؤذنين قدام بعض الخطباء فى الجمع فهذا مكروه أو محرم بإتفاق الأمة لكن منهم من يقول يصلى عليه سرا ومنهم من يقول يسكت والله أعلم
وسئل
عمن يقول اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من صلاتك شىء وبارك على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من بركاتك شىء وإرحم محمدا وآل محمد حتى لا يبقى من رحمتك شىء وسلم على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من سلامك شىء أفتونا مأجورين
فأجاب
الحمد لله ليس هذا الدعاء مأثورا عن احد من السلف وقول القائل حتى لا يبقى من صلاتك شىء ورحمتك شىء إن أراد به ان ينفد ما عند الله من ذلك فهذا جاهل فإن ما عند الله من الخير لا نفاد له وإن أراد أنه بدعائه معطيه جميع ما يمكن أن يعطاه فهذا أيضا جهل فإن دعاءه ليس هو السبب الممكن من ذلك

(22/470)


وسئل
عن اقوام حصل بينهم كلام فى الصلاة على النبى صلى الله عليه و سلم منهم من قال أنها فرض واجب فى كل وقت ومن لا يصلى عليه يأثم وقال بعضهم هى فرض فى الصلاة المكتوبة لأنها من فروض الصلاة وما عدا ذلك فغير فرض لكن موعود الذى يصلى عليه بكل مرة عشرة
فأجاب
الحمد لله مذهب الشافعى وأحمد فى إحدى الروايتين أنها واجبة فى الصلاة ولا تجب فى غيرها ومذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد فى الرواية الأخرى أنها لا تجب فى الصلاة ثم من هؤلاء من قال تجب فى العمر مرة ومنهم من قال تجب فى المجلس الذى يذكر فيه والمسألة مبسوطة فى غير هذا الموضع والله أعلم

(22/471)


وسئل
عن قوله من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ومن صلى على عشرا صلى الله عليه مائة ومن صلى على مائة صلى الله عليه الف مرة ومن لم يصل على يبقى فى قلبه حسرات ولو دخل الجنة إذا صلى العبد على الرسول يصلى الله على ذلك العبد ام لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا وفى السنن عنه أنه قال ما إجتمع قوم فى مجلس فلم يذكروا الله فيه ولم يصلوا فيه على إلا كان عليهم ترة يوم القيامة والترة النغص والحسرة والله أعلم
وسئل
هل يجوز أن يصلى على غير النبى صلى الله عليه و سلم بأن يقال اللهم صل على فلان

(22/472)


فأجاب
الحمد لله قد تنازع العلماء هل لغير النبى أن يصلى على غير النبى مفردا على قولين
أحدهما المنع وهو المنقول عن مالك والشافعى وإختيار جدى أبى البركات
والثانى أنه يجوز وهو المنصوص عن احمد وإختيار أكثر أصحابه كالقاضى وإبن عقيل والشيخ عبدالقادر وإحتجوا بما روى عن علي أنه قال لعمر صلى الله عليك
وإحتج الأولون بقول إبن عباس لا اعلم الصلاة تنبغى من أحد على أحد إلا على رسول الله وهذا الذى قاله إبن عباس لما ظهرت الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي دون غيره فهذا مكروه منهى عنه كما قال إبن عباس
وأما نقل عن على ك فإذا لم يكن على وجه الغلو وجعل ذلك شعارا لغير الرسول فهذا نوع من الدعاء وليس فى الكتاب والسنة ما يمنع منه وقد قال تعالى هو الذى يصلى عليكم وملائكته وقال النبى إن الملائكة تصلى على أحدكم مادام

(22/473)


فى مصلاة الذى فيه مالم يحدث وفى حديث قبض الروح صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه
ولا نزاع بين العلماء ان النبى يصلى على غيره كقوله اللهم صل على آل أبى أوفى وأنه يصلى على غيره تبعا له كقوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد والله أعلم
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
المنصوص المشهور عن الإمام أحمد أنه لا يدعو فى الصلاة إلا بالأدعية المشروعة المأثورة كما قال الأثرم قلت لأحمد بماذا أدعو بعد التشهد قال بما جاء فى الخبر قلت له أو ليس قال رسول الله ثم ليتخير من الدعاء ما شاء قال يتخير مما جاء فى الخبر فعاودته ما فى الخبر هذا معنى كلام أحمد
قلت وقد بينت بعض أصل ذلك لقوله أنه لا يحب المعتدين وأن الدعاء ليس كله جائزا بل فيه عدوان محرم والمشروع

(22/474)


لا عدوان فيه وأن العدوان يكون تارة فى كثرة الألفاظ وتارة فى المعانى كما قد فسر الصحابة ذلك إذ قال هذا ابنه لما قال اللهم أنى أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها وقال الأخر أسالك الجنة وقصورها وأنهارها واعوذ بك من النار وسلاسلها واغلالها فقال أى بنى سل الله الجنة وتعوذ به من النار فقد سمعت رسول الله يقول سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون فى الدعاء والطهور والإعتداء يكون فى العبادة وفى الزهد وقول احمد بما جاء فى الخبر حسن فإن اللام فى الدعاء للدعاء الذى يحبه الله ليس لجنس الدعاء فإن من الدعاء ما
يحرم فإن قيل ما جاز من الدعاء خارج الصلاة جاز فى الصلاة مثل سؤاله دارا وجارية حسناء
قيل ومن قال إن مثل هذا مشروع خارج الصلاة وأن مثل هذه الألفاظ ليست من العدوان وحينئذ فيقال الدعاء المستحب هو الدعاء المشروع فإن الإستحباب إنما يتلقى من الشارع فما لم يشرعه لا يكون مستحبا بل يكون شرع من الدين مالم يأذن به الله فإن الدعاء من أعظم الدين لكن إذا دعا بدعاء لم يعلم أنه مستحب أو علم أنه جائز غير مستحب لم تبطل صلاته بذلك فإن الصلاة إنما تبطل بكلام الآدميين والدعاء ليس من جنس كلام الآدميين بل هو

(22/475)


كما لو أثنى على الله بثناء لم يشرع له وقد وجد مثل هذا من بعض الصحابة على عهد النبى ولم ينكر عليه كونه أثنى ثناءا لم يشرع له فى ذلك المكان بل نفى ماله فيه من الأجر ومن الدعاء ما يكون مكروها ولا تبطل به الصلاة ومنه ما تبطل به الصلاة فالدعاء خمسة أقسام
الذى يشرع هو الواجب والمستحب وأما المباح فلا يستحب ولا يبطل الصلاة والمكروه يكره ولا يبطلها كالإلتفات فى الصلاة وكما لو تشهد فى القيام أو قرأ فى القعود والمحرم يبطلها لأنه من الكلام وهذا تحقيق قول أحمد فإنه لم يبطل الصلاة بالدعاء غير المأثور لكنه لم يستحبه إذ يستحب غير المشروع وبين أن التخيير عاد إلى المشروع والمشروع يكون بلفظ النص وبمعناه إذ لم يقيد النبى الدعاء بلفظ واحد كالقراءة
ولهذا كانت صلاة الجنازة مقصودها الدعاء لم يوقت فيها وقتا ولما كان الذكر أفضل كان أقرب إلى التوقيت كالأذان والتلبية ونحو ذلك
فأما قول الجد رحمه الله إلا بما ورد فى الأخبار وبما يرجع إلى أمر دينه ففيه نظر فإن أحمد لم يذكر إلا الأخبار وأيضا

(22/476)


فالدعاء بمصالح الدنيا جائز فإنه مشروع والدعاء ببعض أمور الدين قد يكون من العدوان كما ذكر عن الصحابة وكما لو سأل منازل الأنبياء فالأجود أن يقال إلا بالدعاء المشروع المسنون وهو ما وردت به الأخبار وما كان فى معناه لأن ذلك لم يوجب علينا التعبد بلفظه كالقرآن
ونحن منعنا من ترجمة القرآن لأن لفظه مقصود وكذلك التكبير ونحوه فأما الدعاء فلم يوقت فيه لفظ لكن كرهه أحمد بغير العربية فالمراتب ثلاثة
القراءة والذكر والدعاء باللفظ المنصوص ثم باللفظ العربى فى معنى المنصوص ثم باللفظ العجمى فهذا كرهه أحمد فى الصلاة وفى البطلان به خلاف وهو من باب البدل وأهل الرأى يجوزون مع تشددهم فى المنع من الكلام فى الصلاة حتى كرهوا الدعاء الذى ليس فى القرآن أو ليس فى الخبر وأبطلوا به الصلاة ويجوزون الترجمة بالعجمية فلم يجعل بالعربية عبادة وجوزوا التكبير بكل لفظ يدل على التعظيم
فهم توسعوا فى إبدال القرآن بالعجمية وفى إبدال الذكر بغيره من الأذكار ولم يتوسعوا مثله فى الدعاء وأحمد وغيره من الأئمة

(22/477)


بالعكس الدعاء عندهم أوسع وهذا هو الصواب لأن النبى قال ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه ولم يوقت فى دعاء الجنازة شيئا ولم يوقت لأصحابه دعاء معينا كما وقت لهم الذكر فكيف يقيد ما اطلقه الرسول من الدعاء ويطلق ما قيده من الذكر مع أن الذكر أفضل من الدعاء كما قررناه فى غير هذا الموضع
ولهذا توجب الأذكار العلمية مالم يجب من الثنائية
ولهذا كان أفضل الكلام بعد القرآن الكلمات الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فأمر النبى بهذه الكلمات لمن عجز عن القرآن وقال هن أفضل الكلام بعد القرآن ولهذا كان أفضل الإستفتاحات فى الصلاة ما تضمنت ذلك وهو قوله سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك إسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك لما قد بيناه فى غير هذا الموضع
وذكرنا أن هذا ثناء فهو أفضل من الدعاء وهو ثناء بمعنى افضل الكلام بعد القرآن وذلك مقتضى للإجابة يبين ذلك ما رواه البخارى فى صحيحه عن أبى أمامه قال قال رسول الله صلى الله عليه

(22/478)


وسلم من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير الحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ودعا إستحيب له وإن توضأ قبلت صلاته فقد أخبر أن هذه الكلمات الخمس إذا إفتتح بها المستيقظ من الليل كلامه كان ذلك سببا لإجابة دعائه ولقبول صلاته إذا توضأ بعد ذلك فيكون إفتتاح الصلاة بذلك سببا لقبولها وما فيها من الدعاء أو حمد الله والثناء عليه قبل دعائه ولذلك أمر النبى بذلك فى حديث المسىء فقال كبر فإحمد الله وأثن عليه ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن
وأيضا ففى أحاديث أخر من أحاديث الإفتتاح أنه كان يقول الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا وهذا معناها
وأيضا فإنها مستحبة بين تكبيرات العيد الزوائد كما نقل ذلك عن إبن مسعود وتلك التكبيرات هى من جنس تكبيرات الإفتتاح
وأيضا ففى الحديث الآخر من احاديث الإستفتاح أنه كان يكبر عشرا ويحمد عشرا ويسبح عشرا أو كما قال فتوافق معانى الأحاديث الكثيرة على معنى هذا الإفتتاح كتوافق معنى تشهد أبى

(22/479)


موسى وغيره على معنى تشهد إبن مسعود وإذا كان الذكر الواحد قد جاءت عامة الأذكار بمعناه كان أرجح مما لم يجىء فيه إلا حديث واحد لأنه يدل على كثرة قصد النبى صلى الله عليه و سلم لتلك المعانى وما كثر قصده وإختياره له كان مقدما على مالم يكثر
ويؤيد ذلك أن هذه الكلمات مشروعة فى دبر الصلوات المكتوبات أيضا كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة فتكون هى من الفواتح والخواتم التى أوتيها نبينا فإنه أوتى فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه صلى الله عليه وعلىآله وسلم تسليما
وسئل رحمه الله
هل الدعاء عقيب الفرائض أم السنن أم بعد التشهد فى الصلاة
فأجاب
السنة التي كان النبى يفعلها ويأمر بها أن يدعو فى التشهد قبل السلام كما ثبت عنه فى الصحيح أنه كان يقول بعد التشهد اللهم أنى أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال

(22/480)


وفى الصحيح أيضا أنه أمر بهذا الدعاء بعد التشهد وكذلك فى الصحيح أنه كان يقول بعد التشهد قبل السلام اللهم إغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أنت أعلم به منى أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت وفى الصحيح أن أبا بكر قال يا رسول علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى فقال قل اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فإغفر لى مغفرة من عندك وإرحمنى إنك أنت الغفور الرحيم
وفى الصحيح أحاديث غير هذه أنه كان يدعو بعد التشهد وقبل السلام وكان يدعو فى سجوده وفى رواية كان يدعو إذا رفع رأسه من الركوع وكان يدعو فى إفتتاح الصلاة ولم يقل أحد عنه أنه كان هو والمأمومون يدعون بعد السلام بل كان يذكر الله بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير كما جاء فى الأحاديث الصحيحة والله أعلم
وسئل
عمن قال لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين إسما ولا يقول يا حنان يا منان ولا يقول يا دليل الحائرين فهل له أن يقول ذلك

(22/481)


فأجاب
الحمد لله هذا القول وإن كان قد قاله طائفة من المتأخرين كأبى محمد بن حزم وغيره فإن جمهور العلماء على خلافه وعلى ذلك مضى سلف الأمة وأئمتها
وهو الصواب لوجوه
احدها أن التسعة والتسعين إسما لم يرد فى تعيينها حديث صحيح عن النبى وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذى الذى رواه الوليد بن مسلم عن شعيب عن ابى حمزة وحفاظ أهل الحديث يقولون هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث وفيها حديث ثان أضعف من هذا رواه إبن ماجه وقد روى فى عددها غير هذين النوعين من جمع بعض السلف
وهذا القائل الذى حصر أسماء الله فى تسعة وتسعين لم يمكنه إستخراجها من القرآن وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال هى التى يجوز الدعاء بها دون غيرها لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور فكل إسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور ويمكن أن يكون من المحظور وإن قيل لا تدعوا إلا بإسم له ذكر فىالكتاب والسنة قيل هذا أكثر من تسعة وتسعين
الوجه الثانى أنه إ على ما فى حديث الترمذى مثلا ففى الكتاب والسنة أسماء ليست فى ذلك الحديث مثل إسم

(22/482)


الرب فإنه ليس فى حديث الترمذى وأكثر الدعاء المشروع إنما هو بهذا الإسم كقول آدم ربنا ظلمنا انفسنا وقول نوح رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم وقول إبراهيم رب إغفر لى ولوالدى وقول موسى رب إنى ظلمت نفسى فإغفرلى وقول المسيح اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء وأمثال ذلك حتى أنه يذكر عن مالك وغيره أنهم كرهوا أن يقال يا سيدى بل يقال يارب لأنه دعاء النبيين وغيرهم كما ذكر الله فى القرآن
وكذلك إسم المنان ففى الحديث الذى رواه أهل السنن أن النبى صلى الله عليه و سلم سمع داعيا يدعو اللهم أنى أسألك بأن لك الملك أنت الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حى يا قيوم فقال النبى لقد دعا الله بإسمه الأعظم الذى إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى وهذا رد لقول من زعم أنه لا يمكن فى أسمائه المنان
وقد قال الإمام أحمد رضى الله عنه لرجل ودعه قل يا دليل الحائرين دلنى على طريق الصادقين وإجعلنى من عبادك الصالحين وقد أنكر طائفة من أهل الكلام كالقاضى أبى بكر وأبى الوفاء إبن عقيل أن يكون من أسمائه الدليل لأنهم ظنوا أن الدليل

(22/483)


هو الدلالة التى يستدل بها والصواب ما عليه الجمهور لأن الدليل فى الأصل هو المعرف للمدلول ولو كان الدليل ما يستدل به فالعبد يستدل به أيضا فهو دليل من الوجهين جميعا
وايضا بثت فقد فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الله وتر يحب الوتر وليس هذا الإسم فى هذه التسعة والتسعين وثبت عنه فى الصحيح أنه قال إن الله جميل يحب الجمال وليس هو فيها وفى الترمذى وغيره أنه قال إن الله نظيف يحب النظافة وليس فيها وفى الصحيح عنه أنه قال أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وليس هذا فيها وتتبع هذا يطول
ولفظ التسعة والتسعين المشهورة عند الناس فى الترمذى الله الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارىء المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلى الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوى

(22/484)


المتين الولى الحميد المحصى المبدىء المعيد المحيى المميت الحى القيوم الواجد الماجد الأحد ويروى الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالى المتعالى البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغنى المغنى المعطى المانع الضار النافع النور الهادى البديع الباقى الوارث الرشيد الصبور الذى ليس كمثله شىء وهو السميع البصير
ومن اسمائه التى ليست فى هذه التسعة والتسعين إسمه السبوح وفى الحديث عن النبى أنه كان يقول سبوح قدوس وإسمه الشافى كما ثبت فى الصحيح أنه كان يقول أذهب البأس رب الناس وإشف أنت الشافى لا شافى إلا أنت شفاء لا يغادر سقما وكذلك إسماؤه المضافة مثل أرحم الراحمين وخير الغافرين ورب العالمين ومالك يوم الدين وأحسن الخالقين وجامع الناس ليوم لا ريب فيه ومقلب القلوب وغير ذلك مما ثبت فى الكتاب والسنة وثبت فى الدعاء بها بإجماع المسلمين وليس من هذه التسعة والتسعين
الوجه الثالث ما إحتج به الخطابى وغيره وهو حديث إبن مسعود عن النبى أنه قال ما أصاب عبدا قط

(22/485)


هم ولا حزن فقال اللهم أنى عبدك وإبن عبدك وإبن أمتك ناصيتى بيدك ماض فى حكمك عدل فى قضاؤك أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو إستاثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبى وشفاء صدرى وجلاء حزنى وذهاب غمى وهمى إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا يارسول الله أفلا نتعلمهن قال بلى ينبغى لمن سمعهن أن يتعلمهن رواه الإمام احمد فى المسند وأبو حاتم إبن حبان فى صحيحه
قال الخطابى وغيره فهذا يدل على أن له اسماء إستاثر بها وذلك يدل على أن وقوله إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة إن فى أسمائه تسعة وتسعين من أحصاها دخل الجنة كما يقول القائل أن لى ألف درهم أعددتها للصدقة وإن كان ماله أكثر من ذلك
والله فى القرآن قال ولله الأسماء الحسنى فإدعوه بها فأمر أن يدعى بأسمائه مطلقا ولم يقل ليست اسماؤه الحسنى إلا تسعة وتسعين إسما والحديث قد سلم معناه والله أعلم

(22/486)


وسئل رحمه الله
عن رجل قال إذا دعا العبد لا يقول يا الله يا رحمن
فأجاب
الحمد لله لا خلاف بين المسلمين ان العبد إذا دعا ربه يقول يا الله يا رحمن وهذا معلوم بالإضطرار من دين الإسلام كما قال تعالى قل ادعوا الله أو إدعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى وكان النبى يقول فى دعائه يا الله يا رحمن فقال المشركون محمد ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فقال الله تعالى قل إدعوا الله أو ادعوا الرحمن إياما تدعو فله الأسماء الحسنى أى المدعو إله واحد وإن تعددت أسماؤه كما قال تعالى ولله الأسماء الحسنى فإدعوه بها وذروا الذين يلحدون فى أسمائه
ومن أنكر أن يقال يا الله يا أرحمن فإنه يتتاب فإن تاب وإلا قتل والله أعلم

(22/487)


وسئل
عن امرأة سمعت فى الحديث اللهم أنى عبدك وإبن عبدك ناصيتى بيدك إلى آخره فداومت على هذا اللفظ فقيل لها قولى اللهم أنى أمتك بنت أمتك إلى آخره فأبت إلا المداومة على اللفظ فهل هى مصيبة أم لا
فأجاب
بل ينبغى لها أن تقول اللهم أنى أمتك بنت عبدك إبن أمتك فهو أولى وأحسن وإن كان قولها عبدك إبن عبدك له مخرج فى العربية كلفظ الزوج والله أعلم
وسئل
عن رجل دعا دعاء ملحونا فقال له رجل ما يقبل الله دعاء ملحونا
فأجاب
من قال هذا القول فهو آثم مخالف للكتاب والسنة ولما كان عليه السلف وأما من دعا الله مخلصا له الدين بدعاء جائز سمعه

(22/488)


الله وأجاب دعاءه سواء كان معربا أو ملحونا والكلام المذكور لا اصل له بل ينبغى للداعى إذا لم تكن عادته الأعراب أن لا يتكلف الأعراب قال بعض السلف إذا جاء الأعراب ذهب الخشوع وهذا كما يكره تكلف السجع فى الدعاء فإذا وقع بغير تكلف فلا بأس به فإن أصل الدعاء من القلب واللسان تابع للقلب
ومن جعل همته فى الدعاء تقويم لسانه أضعف توجه قلبه ولهذا يدعو المضطر بقلبه دعاء يفتح عليه لا يحضره قبل ذلك وهذا أمر يجده كل مؤمن فى قلبه والدعاء يجوز بالعربية وبغير العربية والله سبحانه يعلم قصد الداعى ومراده وإن لم يقوم لسانه فإنه يعلم ضجيج الأصوات بإختلاف اللغات على تنوع الحاجات
قال رحمه الله
فصل
وأما السلام من الصلاة فالمختار عند مالك ومن تبعه من أهل المدينة تسليمة واحدة فى جميع الصلاة فرضها ونفلها المشتملة على الأركان الفعلية أو على ركن واحد

(22/489)


وعند أهل الكوفة تسليمتان فى جميع ذلك ووافقهم الشافعى
والمختار فى المشهور عن أحمد أن الصلاة الكاملة المشتملة على قيام وركوع وسجود يسلم منها تسليمتان وأما الصلاة بركن واحد كصلاة الجنائز وسجود التلاوة وسجود الشكر فالمختار فيها تسليمة واحدة كما جاءت أكثر الآثار بذلك
فالخروج من الأركان الفعلية المتعددة بالتسليم المتعدد ومن الركن الفعلى المفرد بالتسليم فإن صلاة النبى كانت معتدلة فما طولها أعطى كل جزء منها حظه من الطول وما خففها أدخل التخفيف على عامة أجزائها
وسئل
عن رجل إذا سلم عن يمينه يقول السلام عليكم ورحمة الله أسألك الفوز بالجنة وعن شماله السلام عليكم أسألك النجاة من النار فهل هذا مكروه أم لا فإن كان مكروها فما الدليل على كراهته
فأجاب
الحمد لله نعم يكره هذا لأن هذا بدعة فإن هذا

(22/490)


لم يفعله رسول الله ولا إستحبه احد من العلماء وهو إحداث دعاء فى الصلاة فى غير محله يفصل بأحدهما بين التسليمتين ويصل التسليمة بالآخر وليس لأحد فصل الصفة المشروعة بمثل هذا كما لو قال سمع الله لمن حمده أسألك الفوز بالجنة ربنا ولك الحمد أسألك النجاة من النار وأمثال ذلك والله أعلم

(22/491)


باب الذكر بعد الصلاة
وسئل رحمه الله
عن حديث عقبة بن عامر قال أمرنى رسول الله أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة وعن أبى أمامة قال قيل يا رسول الله أى الدعاء اسمع قال جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبة وعن معاذ بن جبل أن رسول الله أخذ بيده فقال يا معاذ والله إنى لأحبك فلا تدعن فى دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك فهل هذه الأحاديث تدل على أن الدعاء بعد الخروج من الصلاة سنة أفتونا وأبسطوا القول فى ذلك ماجورين
فاجاب
الحمد لله رب العالمين الأحاديث المعروفة فى الصحاح والسنن والمساند تدل على أن النبى كان يدعو فى دبر صلاته قبل الخروج منها وكان يأمر أصحابه بذلك ويعلمهم ذلك ولم ينقل أحد أن النبى كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الخروج من الصلاة هو والمأمومون جميعا لا فى الفجر ولا فى العصر ولا فى غيرهما من الصلوات بل قد ثبت عنه أنه كان

(22/492)


يستقبل أصحابه ويذكر الله ويعلمهم ذكر الله عقيب الخروج من الصلاة
ففى الصحيح أنه كان قبل أن ينصرف يستغفر ثلاثا ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وفى الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة أنه كان يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير اللهم لا مانع لما اعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وفى الصحيح من حديث إبن الزبير أن النبى كان يهلل بهؤلاء الكلمات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرين وفى الصحيح عن إبن عباس إن رفع الناس أصواتهم بالذكر كان على عهد النبى وفى لفظ كنا نعرف إنقضاء صلاته بالتكبير
والأذكار التى كان النبى يعلمها المسلمين عقيب الصلاة أنواع

(22/493)


أحدها أنه يسبح ثلاثا وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلاثين ويكبر ثلاثا وثلاثين فتلك تسع وتسعين ويقول تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير رواه مسلم فى صحيحه
والثانى يقولها خمسا وعشرين ويضم إليها لا إله إلا الله وقد رواه مسلم
والثالث يقول الثلاثة ثلاثا وثلاثين وهذا على الوجهين
أحدهما أن يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين
والثانى أن يقول كل واحدة إحدى عشرة مرة والثلاث والثلاثون فى الحديث المتفق عليه فى الصحيحين
والخامس يكبر أربعا وثلاثين ليتم مائة
والسادس يقول الثلاثة عشرا عشرا فهذا هو الذى مضت به سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك مناسب لأن المصلى يناجي ربه فدعاؤه له ومسألته إياه وهو يناجيه أولى به من مسألته ودعائه بعد إنصرافه عنه

(22/494)


وأما الذكر بعد الإنصراف فكما قالت عائشة رضى الله عنها هو مثل مسح المرآة بعد صقالها فإن الصلاة نور فهى تصقل القلب كما تصقل المرآة ثم الذكر بعد ذلك بمنزلة مسح المرآة وقد قال الله تعالى فإذا فرغت فإنصب وإلى ربك فإرغب قيل إذا فرغت من أشغال الدنيا فإنصب فى العبادة وإلى ربك فإرغب وهذا أشهر القولين وخرج شريح القاضى على قوم من الحاكة يوم عيد وهم يلعبون فقال مالكم تلعبون قالوا إنا تفرغنا قال أو بهذا أمر الفارغ وتلا قوله تعالى فإذا فرغت فإنصب وإلى ربك فإرغب
ويناسب هذا قوله تعالى يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا إلى قوله إن ناشئة الليل هى أشد وطئا وأقوم قيلا إن لك فى النهار سبحا طويلا أى ذهابا ومجيئا وبالليل تكون فارغا وناشئة الليل فى اصح القولين إنما تكون بعد النوم يقال نشأ إذا قام بعد النوم فإذا قام بعد النوم كانت مواطأة قلبه للسانه أشد لعدم ما يشغل القلب وزوال أثر حركة النهار بالنوم وكان قوله أقوم
وقد قيل إذا فرغت الصلاة فإنصب فى الدعاء وإلى ربك فإرغب وهذا القول سواء كان صحيحا أو لم يكن فإنه يمنع الدعاء فى آخر الصلاة لا سيما والنبى هو المأمور بهذا فلابد أن يتمثل ما أمره الله به

(22/495)


ودعاؤه فى الصلاة المنقول عنه فى الصحاح وغيرها إنما كان قبل الخروج من الصلاة وقد قال لأصحابه فى الحديث الصحيح إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال
وفى حديث إبن مسعود الصحيح لما ذكر التشهد قال ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه وقد روت عائشة وغيرها دعاءه فى صلاته بالليل وأنه كان قبل الخروج من الصلاة
فقول من قال إذا فرغت من الصلاة فإنصب فى الدعاء يشبه قول من قال فى حديث إبن مسعود لما ذكر التشهد فإذا فعلت ذلك فقد قضيت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فإقعد وهذه الزيادة سواء كانت من كلام النبى صلى الله عليه و سلم أو من كلام من أدرجها فى حديث إبن مسعود كما يقول ذلك من ذكره من أئمة الحديث ففيها أن قائل ذلك جعل ذلك قضلاء للصلاة فهكذا جعله هذا المفسر فراغا من الصلاة مع أن تفسير قوله فإذا فرغت فإنصب أى فرغت من الصلاة قول ضعيف فإن قوله إذا فرغت مطلق ولأن الفارغ أن أريد به الفارغ من العبادة فالدعاء أيضا عبادة وأن أريد به الفراغ من

(22/496)


أشغال الدنيا بالصلاة فليس كذلك
يوضح ذلك أنه لا نزاع بين المسلمين أن الصلاة يدعى فيها كما كان النبى صلى الله عليه و سلم يدعو فيها فقد ثبت عنه فى الصحيح أنه كان يقول فى دعاء الإستفتاح اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقنى من خطاياى كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم إغسلنى من خطاياى بالماء والثلج والبرد وأنه كان يقول اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربى وأنا عبدك ظلمت نفسى وإعترفت بذنبى فإغفر لى ذنوبى جميعا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وإهدنى لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدى لأحسنها إلا أنت وإصرف عنى سيئها فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت
وثبت عنه فى الصحيح أنه كان يدعو إذا رفع رأسه من الركوع وثبت عنه الدعاء فى الركوع والسجود سواء كان فى النقل أو فى الفرض وتواتر عنه الدعاء آخر الصلاة وفى الصحيحين أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال يا رسول الله علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى فقال قل اللهم أنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فإغفر لى مغفرة من عندك وإرحمنى إنك أنت الغفور الرحيم فإذا كان الدعاء مشروعا فى الصلاة لا سيما فى آخرها فكيف يقول

(22/497)


إذا فرغت من الصلاة فإنصب فى الدعاء والذى فرغ منه هو نظير الذى أمر به فهو فى الصلاة كان ناصبا فى الدعاء لا فارغا ثم أنه لم يقل مسلم إن الدعاء بعد الخروج من الصلاة يكون أوكد وأقوى منه فى الصلاة ثم لو كان قوله فإنصب فى الدعاء لم يحتج إلى قوله وإلى ربك فإرغب فإنه قد علم أن الدعاء إنما يكون لله
فعلم أنه أمره بشيئين أن يجتهد فى العبادة عند فراغه من أشغاله وأن تكون رغبته إلى ربه لا إلى غيره كما فى قوله إياك نعبد وإياك نستعين فقوله إياك نعبد موافق لقوله فإنصب وقوله وإياك نستعين موافق لقوله وإلى ربك فإرغب ومثله قوله فإعبده وتوكل عليه وقوله هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب وقول شعيب عليه السلام عليه توكلت وإليه أنيب ومنه الذى يروى عند دخول المسجد اللهم إجعلنى من أوجه من توجه إليك وأقرب من تقرب إليك وأفضل من سألك ورغب إليك والأثر الآخر واليك الرغباء والعمل وذلك إن دعاء الله المذكور فى القرآن نوعان دعاء عبادة ودعاء مسألة ورغبة فقوله فإنصب وإلى ربك فإرغب يجمع نوعى دعاء الله قال تعالى وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا وقال تعالى ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه الآية ونظائرة كثيرة

(22/498)


وأما لفظ دبر الصلاة فقد يراد به آخر جزء منه وقد يراد به ما يلى آخر جزء منه كما فى دبر الإنسان فإنه آخر جزء منه ومثله لفظ العقب قد يراد به الجزء المؤخر من الشىء كعقب الإنسان وقد يراد به ما يلى ذلك فالدعاء المذكور في دبرالصلاة إما أن يراد به آخر جزء منها ليوافق بقية الأحاديث أو يراد به ما يلى آخرها ويكون ذلك ما بعد التشهد كما سمى ذلك قضاء الصلاة وفراغا منها حيث لم يبق إلا السلام المنافى للصلاة بحيث لو فعله عمدا فى الصلاة بطلت صلاته ولا تبطل سائر الأذكار المشروعة فى الصلاة أو يكون مطلقا أو مجملا وبكل حال فلا يجوز أن يخص به ما بعد السلام لأن عامة الأدعية المأثورة كانت قبل ذلك ولا يجوز أن يشرع سنة بلفظ مجمل يخالف السنة المتواترة بالألفاظ الصريحة
والناس لهم فى هذا فيما بعد السلام ثلاثة أحوال
منهم من لا يرى قعود الإمام مستقبل المأموم لا بذكر ولا دعاء ولا غير ذلك وحجتهم ما يروى عن السلف أنهم كانوا يكرهون للإمام أن يستديم إستقبال القبلة بعد السلام فظنوا أن ذلك يوجب قيامه من مكانه ولم يعلموا أن إنصرافه مستقبل المأمومين بوجهه كما كان النبى صلى الله عليه و سلم يفعل يحصل هذا المقصود

(22/499)


وهذا يفعله من يفعله من اصحاب مالك
ومنهم من يرى دعاء الإمام والمأموم بعد السلام ثم منهم من يرى ذلك فى الصلوات الخمس ومنهم من يراه فى صلاة الفجر والعصر كما ذكر ذلك من ذكره من اصحاب الشافعى وأحمد وغيرهم وليس مع هؤلاء بذلك سنة وإنما غايتهم التمسك بلفظ مجمل أو بقياس كقول بعضهم ما بعد الفجر والعصر ليس بوقت صلاة فيستحب فيه الدعاء ومن المعلوم أن ما تقدمت به سنة رسول الله الثابتة الصحيحة بل المتواترة لا يحتاج فيه إلى مجمل ولا إلى قياس
وأما قول عقبة بن عامر أمرنى رسول الله أن اقرأ بالمعوذات يدبر كل صلاة فهذا بعد الخروج منها
وأما حديث أبى إمامة قيل يا رسول الله أى الدعاء أسمع قال جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبة فهذا يجب أن لا يخص ما بعد السلام بل لا بد أن يتناول ما قبل السلام وان قيل انه يعم قبل السلام وما بعده لكن ذلك لا يستلزم وإن يكون دعاء الإمام والمأموم جميعا بعد السلام سنة لا يلزم مثل ذلك قبل السلام بل إذا دعا كل واحد وحده بعد السلام فهذا لا يخالف السنة وكذلك قوله لمعاذ بن جبل

(22/500)


لا تدعن فى دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يتناول ما قبل السلام ويتناول ما بعده أيضا كما تقدم فإن معاذا كان يصلى إماما بقومه كما كان النبى يصلى إماما وقد بعثه إلى اليمن معلما لهم فلو كان هذا مشروعا للإمام والمأموم مجتمعين على ذلك فدعاء القنوت لكان يقول اللهم أعنا على ذكرك وشكرك فلما ذكره بصيغة الإفراد علم أنه لا يشرع للإمام والمأموم ذلك بصيغة الجمع
ومما يوضح ذلك ما فى الصحيح عن البراء بن عازب قال كنا إذا صلينا خلف رسول الله أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه قال فسمعته يقول رب قنى عذابك يوم تبعث عبادك أو يوم تجمع عبادك فهذا فيه دعاؤه صلى الله عليه و سلم بصيغة الإفراد كما فى حديث معاذ وكلاهما إمام
وفيه أنه كان يستقبل المأمومين وأنه لا يدعو بصيغة الجمع وقد ذكر حديث معاذ بعض من صنف فى الأحكام فى الأدعية فى الصلاة قبل السلام موافقة لسائر الأحاديث كما فى مسلم والسنن الثلاثة عن أبى هريرة أن النبى قال إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال

(22/501)


وفى مسلم وغيره عن إبن عباس ان رسول الله كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال
وفى السنن أنه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لرجل ما تقول فى الصلاة قال أتشهد ثم أقول اللهم إنى أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما والله ما أحسن دندنتك ولا ندنة معاذ فقال حولهما ندندن رواه أبو داود وأبو حاتم فى صحيحه وظاهر هذا أن دندنتهما أيضا بعد التشهد فى الصلاة ليكون نظير ما قاله وعن شداد بن اوس أن رسول الله كان يقول فى صلاته اللهم إنى أسالك الثبات فى الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسالك قلبا سليما ولسانا صادقا واسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم رواه النسائى
وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن النبى كان يدعو فى الصلاة اللهم أنى أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات اللهم أنى أعوذ بك من المغرم والمأثم فقال له قائل ما اكثر ما تستعيذ

(22/502)


يا رسول الله من المغرم قال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف
قال المصنف فى الأحكام والظاهر أن هذا يدل على انه كان بعد التشهد يدل عليه حديث إبن عباس أن النبى صلى الله عليه و سلم كان يقول بعد التشهد اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وقد تقدم حديث إبن عباس الذى فى الصحيحين أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن وحديث أبى هريرة وأنه يقال بعد التشهد وقد روى فى لفظ الدبر ما رواه البخارى وغيره عن سعد بن أبى وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم الغلمان الكتابة ويقول أن رسول الله كان يتعوذ بهن دبر الصلاة اللهم أنى أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر
وفى النسائى عن أبى بكرة أن النبى صلى الله عليه و سلم كان يقول فى دبر الصلاة اللهم أنى اعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر وفى النسائى ايضا عن عائشة رضى الله عنها قالت دخلت على

(22/503)


امرأة من اليهود فقالت إن عذاب القبر من البول فقلت كذبت فقالت بلى أنا لنقرض منه الجلود والثوب فخرج رسول الله إلى الصلاة وقد إرتفعت أصواتنا فقال ما هذا فأخبرته بما قالت قال صدقت فما صلى بعد يومئذ إلا قال فى دبر الصلاة اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أجرنى من حر النار وعذاب القبر
قال المصنف فى الأحكام والظاهر أن المراد بدبر الصلاة فى الأحاديث الثلاثة قبل السلام توفيقا بينه وبين ما تقدم من حديث إبن عباس وأبى هريرة قلت وهذا الذى قاله صحيح فإن هذا الحديث فى الصحيح من حديث عائشة رضى الله عنها أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رضى الله عنها رسول الله عن عذاب القبر فقال نعم عذاب القبر حق قالت عائشة فما رأيت رسول الله بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر والأحاديث فى هذا الباب يوافق بعضها بعضا وتبين ما تقدم والله أعلم

(22/504)


وسئل
عن جماعة يسبحون الله ويحمدونه ويكبرونه هل ذلك سنة أم مكروه وربما فى الجماعة ومن يثقل بالتطويل من غير ضرورة
فأجاب
التسبيح والتكبير عقب الصلاة مستحب ليس بواجب ومن أراد أن يقوم قبل ذلك فله ذلك ولا ينكر عليه وليس لمن أراد فعل المستحب أن يتركه ولكن ينبغى للمأموم أن لا يقوم حتى ينصرف الإمام أى ينتقل عن القبلة ولا ينبغى للإمام أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة إلا مقدار ما يستغفر ثلاثا ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وإذا إنتقل الإمام فمن أراد أن يقوم قام ومن أحب ان يقعد يذكر الله فعل ذلك

(22/505)


وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله
فصل
وعد التسبيح بالأصابع سنة كما قال النبى للنساء سبحن وإعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات مستنطقات وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن وكان من الصحابة رضى الله عنهم من يفعل ذلك وقد رأى النبى أم المؤمنين تسبح بالحصى واقرها على ذلك وروى أن أبا هريرة كان يسبح به
وأما التسبيح بما يجعل فى نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه ومنهم من لم يكرهه وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه وأما إتخاذه من غير حاجة أو إظهاره للناس مثل تعليقه فى العنق أو جعله كالسوار فى اليد او نحو ذلك فهذا إما رياء للناس أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة الأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة فإن مراءاة الناس فى العبادات المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب قال الله

(22/506)


تعالى فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون وقال تعالى إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا
فأما المرائى بالفرائض فكل أحد يعلم قبح حاله وأن الله يعاقبه لكونه لم يعبده مخلصا له الدين والله تعالى يقول وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة
وقال تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فإعبد الله مخلصا له الدين إلا لله الدين الخالص فهذا فى القرآن كثير
وأما المرائى بنوافل الصلاة والصوم والذكر وقراءة القرآن فلا يظن الظان أنه يكتفى فيه بحبوط عمله فقط بحيث يكون لا له ولا عليه بل هو مستحق للذم والعقاب على قصده شهرة عبادة غير الله إذ هى عبادات مختصة ولا تصح إلا من مسلم ولا يجوز إيقاعها على غير وجه التقرب بخلاف ما فيه نفع العبد كالتعليم والإمامة فهذا فى الإستئجار عليه نزاع بين العلماء والله أعلم

(22/507)


وسئل
عن قراءة آية الكرسى دبر كل صلاة فى جماعة هل هى مستحبة أم لا وما كان فعل النبى فى الصلاة وقوله دبر كل صلاة
فأجاب
الحمد لله قد روى فى قراءة آية الكرسى عقيب الصلاة حديث لكنه ضعيف ولهذا لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها فلا يمكن أن يثبت به حكم شرعى ولم يكن النبى صلى الله عليه و سلم وأصحابه وخلفاؤه يجهرون بعد الصلاة بقراءة آية الكرسى ولا غيرها من القرآن فجهر الإمام والمأموم بذلك والمداومة عليها بدعة مكروهة بلا ريب فإن ذلك أحداث شعار بمنزلة أن يحدث آخر جهر الإمام والمأمومين بقراءة الفاتحة دائما أو خواتيم البقرة أو أول الحديد أو آخر الحشر او بمنزلة إجتماع الإمام والمأموم دائما على صلاة ركعتين عقيب الفريضة ونحو ذلك مما لا ريب أنه من البدع
وأما إذا قرأ الإمام آية الكرسى فى نفسه أو قرأها أحد المأمومين فهذا لا بأس به إذ قراءتها عمل صالح وليس فى ذلك تغيير لشعائر

(22/508)


الإسلام كما لو كان له ورد من القرآن والدعاء و الذكر عقيب الصلاة
وأما الذى ثبت فى فضائل الأعمال فى الصحيح عن النبى من الذكر عقيب الصلاة ففى الصحيح عن المغيرة بن شعبة انه كان يقول دبر كل صلاة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد
وفى الصحيح أيضا عن إبن الزبير أنه كان يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرين وثبت فى الصحيح أنه قال من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين وذلك تسعة وتسعون وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير قد غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر
وقد روى فى الصحيحين أنه يقول كل واحد خمسة وعشرين ويزيد فيها التهليل وروى أنه يقول كل واحد عشر ويروى أحد عشر مرة وروى أنه يكبر أربعا وثلاثين وعن إبن عباس أن رفع

(22/509)


الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله قال إبن عباس كنت أعلم إذا إنصرفوا بذلك إذا سمعته وفى لفظ ما كنت أعرف إنقضاء صلاة رسول الله إلا بالتكبير فهذه هى الأذكار التى جاءت بها السنة فى ادبار الصلاة
وسئل رحمه الله
عمن يقول أنا أعتقد أن من أحدث شيئا من الأذكار غير ما شرعه رسول الله صلى الله عليه و سلم وصرح عنه أنه قد أساء وأخطأ إذ لو إرتضى ان يكون رسول الله صلى الله عليه و سلم نبيه وإمامه ودليله لاكتفى بما صح عنه من الأذكار فعدوله إلى رأيه وإختراعه جهل وتزيين من الشيطان وخلاف للسنة إذ الرسول لم يترك خيرا إلا دلنا عليه وشرعه لنا ولم يدخر الله عنه خيرا بدليل إعطائه خير الدنيا والآخرة إذ هو إكرم الخلق على الله فهل الأمر كذلك أم لا
فأجاب
الحمد لله لا ريب إن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات والعبادات مبناها على التوقيف والإتباع لا على الهوى

(22/510)


والإبتداع فالأدعية والأذكار النبوية هى أفضل ما يتحراه المتحرى من الذكر والدعاء وسالكها على سبيل أمان وسلامة والفوائد والنتائج التى تحصل لا يعبر عنه لسان ولا يحيط به إنسان وما سواها من الأذكار قد يكون محرما وقد يكون مكروها وقد يكون فيه شرك مما لا يهتدى إليه اكثر الناس وهى جملة يطول تفصيلها
وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس بل هذا إبتداع دين لم يأذن الله به بخلاف ما يدعو به المرء أحيانا من غير أن يجعله للناس سنة فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرما لم يجز الجزم بتحريمه لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب
وأما إتخاذ ورد غير شرعى وإستنان ذكر غير شرعى فهذا مما ينهى عنه ومع هذا ففى الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد العلية ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد

(22/511)


وسئل رحمه الله
عن الدعاء عقيب الصلاة هل هو سنة أم لا ومن أنكر على إمام لم يدع عقيب صلاة العصر هل هو مصيب أم مخطىء
فأجاب الحمد لله لم يكن النبى يدعو هو والمأمومون عقيب الصلوات الخمس كما يفعله بعض الناس عقيب الفجر والعصر ولا نقل ذلك عن أحمد ولا إستحب ذلك أحد من الأئمة ومن نقل عن الشافعى أنه إستحب ذلك فقد غلط عليه ولفظه الموجود فى كتابه ينافى ذلك وكذلك أحمد وغيره من الأئمة لم يستحبوا ذلك
ولكن طائفة من أصحاب أحمد وأبى حنيفة وغيرهما إستحبوا الدعاء بعد الفجر والعصر قالوا لأن هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما فتعوض بالدعاء عن الصلاة
وإستحب طائفة أخرى من اصحاب الشافعى وغيره الدعاء عقيب الصلوات الخمس وكلهم متفقون على أن من ترك الدعاء لم ينكر عليه

(22/512)


ومن أنكر عليه فهو مخطىء بإتفاق العلماء فإن هذا ليس مأمورا به لا أمر إيجاب ولا أمر إستحباب فى هذا الموطن والمنكر على التارك أحق بالإنكار منه بل الفاعل أحق بالإنكار فإن المداومة على مالم يكن النبى يداوم عليه فى الصلوات الخمس ليس مشروعا بل مكروه كما لو داوم على الدعاء قبل الدخول فى الصلوات أو داوم على القنوت فى الركعة الأولى أو فى الصلوات الخمس أو داوم على الجهر بالإستفتاح فى كل صلاة ونحو ذلك فإنه مكروه وإن كان القنوت فى الصلوات الخمس قد فعله النبى أحيانا وقد كان عمر يجهر بالإستفتاح أحيانا وجهر رجل خلف النبى صلى الله عليه و سلم بنحو ذلك فاقره عليه فليس كل ما يشرع فعله أحيانا تشرع المداومة عليه
ولو دعا الامام والمأموم أحيانا عقيب الصلاة لأمر عارض لم يعد هذا مخالفا للسنة كالذى يداوم على ذلك والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبى كان يدعو دبر صلاة قبل السلام ويأمر بذلك كما قد بسطنا الكلام على ذلك وذكرنا ما فى ذلك من الأحاديث وما يظن أن فيه حجة للمنازع فى غير هذا الموضع وذلك لأن المصلى يناجى ربه فإذا سلم إنصرف عن مناجاته ومعلوم أن سؤال السائل لربه حال مناجاته هو الذى يناسب دون سؤاله

(22/513)


بعد إنصرافه كما أن من كان يخاطب ملكا أو غيره فإن سؤاله وهو مقبل على مخاطبته أولى من سؤاله له بعد إنصرافه
وسئل عن هذا الذى يفعله الناس بعد كل صلاة من الدعاء هل هو مكروة وهل ورد عن أحد من السلف فعل ذلك ويتركون أيضا الذكر الذى صح أن النبى كان يقوله ويشتغلون بالدعاء فهل الأفضل الإشتغال بالذكر الوارد عن النبى أو هذا الدعاء وهل صح ان النبى صلى الله عليه و سلم كان يرفع يديه ويمسح وجهه أم لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين الذى نقل عن النبى من ذلك بعد الصلاة المكتوبة إنما هو الذكر المعروف كالأذكار التى فى الصحاح وكتب السنن والمسانيد وغيرها مثل ما فى الصحيح أنه كان قبل أن ينصرف من الصلاة يستغفر ثلاثا ثم يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وفى الصحيح أنه كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير

(22/514)


اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد
وفى الصحيح أنه كان يهلل هؤلاء الكلمات فى دبر المكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون
وفى الصحيح أن رفع الصوت بالتكبير عقيب إنصراف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله وأنهم كانوا يعرفون إنقضاء صلاة رسول الله بذلك وفى الصحيح أنه قال من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين فتلك تسع وتسعون وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وفى الصحيح أيضا أنه يقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين وفى السنن أنواع أخر
والمأثور ستة أنواع

(22/515)


أحدها أنه يقول هذه الكلمات عشرا عشرا فالمجموع ثلاثون
والثانى أن يقول كل واحدة إحدى عشر فالمجموع ثلاث وثلاثون
والثالث أن يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين فالمجموع تسع وتسعون
والرابع أن يختم ذلك بالتوحيد التام فالمجموع مائة
والخامس ان يقول كل واحد من الكلمات الأربع خمسا وعشرين فالمجموع مائة
وأما قراءة آية الكرسى فقد رويت بإسناد لا يمكن أن يثبت به سنة
وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فلم ينقل هذا أحد عن النبى ولكن نقل عنه أنه أمر معاذا أن يقول دبر كل صلاة اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ونحو ذلك ولفظ دبر الصلاة قد يراد به آخر جزء من الصلاة كما يراد بدبر الشىء مؤخره وقد يراد ما بعد إنقضائها كما قى قوله تعالى وأدبار السجود وقد يراد به مجموع الأمرين وبعض الأحاديث

(22/516)


يفسر بعضا لمن يتبع ذلك وتدبره وبالجملة فهنا شيئان
أحدهما دعاء المصلى المنفرد كدعاء المصلى صلاة الاستخارة وغيرها من الصلوات ودعاء المصلى وحده إماما كان أو مأموما و
الثانى دعاء الإمام والمأمومين جميعا فهذا الثانى لا ريب أن النبى لم يفعله فى أعقاب المكتوبات كما كان يفعل الأذكار المأثورة عنه إذ لو فعل ذلك لنقله عنه اصحابه ثم التابعون ثم العلماء كما نقلوا ما هو دون ذلك ولهذا كان العلماء المتأخرون فى هذا الدعاء على أقوال
منهم من يستحب ذلك عقيب الفجر والعصر كما ذكر ذلك طائفة من اصحاب أبى حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم ولم يكن معهم فى ذلك سنة يحتجون بها وإنما إحتجوا بكون هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما
ومنهم من إستحبه أدبار الصلوات كلها وقال لا يجهر به إلا إذا قصد التعليم كما ذكر ذلك طائفة من اصحاب الشافعى وغيرهم وليس معهم فى ذلك سنة إلا مجرد كون الدعاء مشروعا وهو عقب الصلوات يكون أقرب إلى الإجابة وهذا الذى ذكروه قد إعتبره الشارع فى صلب الصلاة فالدعاء فى آخرها قبل الخروج مشروع مسنون

(22/517)


بالسنة المتواترة وبإتفاق المسلمين بل قد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن الدعاء فى آخرها واجب وأوجبوا الدعاء الذى أمر به النبى صلى الله عليه و سلم آخر الصلاة بقوله إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال رواه مسلم وغيره وكان طاووس يأمر من لم يدع به أن يعيد الصلاة وهو قول بعض أصحاب أحمد وكذلك فى حديث إبن مسعود ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه وفى حديث عائشة وغيرها أنه كان يدعو فى هذا الموطن والأحاديث بذلك كثيرة
والمناسبة الإعتبارية فيه ظاهرة فإن المصلى يناحى ربه فما دام فى الصلاة لم ينصرف فإنه يناجى ربه فالدعاء حينئذ مناسب لحاله أما إذا إنصرف إلى الناس من مناجاة الله لم يكن موطن مناجاة له ودعاء وإنما هو موطن ذكر له وثناء عليه فالمناجاة والدعاء حين الإقبال والتوجه إليه فى الصلاة أما حال الإنصراف من ذلك فالثناء والذكر أولى
وكما أن من العلماء من إستحب عقب الصلاة من الدعاء مالم ترد به السنة فمنهم طائفة تقابل هذه لا يستحبون القعود المشروع بعد الصلاة ولا يستعملون الذكر المأثور بل قد يكرهون ذلك وينهون

(22/518)


عنه فهؤلاء مفرطون بالنهى عن المشروع أولئك مجاو الأمر بغير المشروع والدين إنما هو الأمر بالمشروع دون غير المشروع
وأما رفع النبى يديه فى الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحه وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة والله أعلم
وسئل
هل دعاء الإمام والمأموم عقيب صلاة الفرض جائز أم لا
فأجاب
الحمد لله أما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فهو بدعة لم يكن على عهد النبى بل إنما كان دعاؤه فى صلب الصلاة فإن المصلى يناجى ربه فإذا دعا حال مناجاته له كان مناسبا
وأما الدعاء بعد إنصرافه من مناجاته وخطابه فغير مناسب وإنما المسنون عقب الصلاة هو الذكر المأثور عن النبى من التهليل والتحميد والتكبير كما كان النبى يقول عقب الصلاة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك

(22/519)


وله الحمد وهو على كل شىء قدير اللهم لما مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد
وقد ثبت فى الصحيح أنه قال من سبح دبر الصلاة ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين فذلك تسعة وتسعون وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير حطت خطاياه أو كما قال فهذا ونحوه هو المسنون عقب الصلاة والله أعلم
وسئل
عن رجل ينكر على أهل الذكر يقول لهم هذا الذكر بدعة وجهركم في الذكر بدعة وهم يفتتحون بالقرآن ويختتمون ثم يدعون للمسلمين الأحياء والأموات ويجمعون التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة ويصلون على النبى والمنكر يعمل السماع مرات بالتصفيق ويبطل الذكر فى وقت عمل السماع
فأجاب
الإجتماع لذكر الله وإستماع كتابه والدعاء عمل صالح وهو من أفضل القربات والعبادات فى الأوقات ففى الصحيح عن

(22/520)


النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال إن لله ملائكة سياحين فى الأرض فإذا مروا بقوم يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم وذكر الحديث وفيه وجدناهم يسبحونك ويحمدونك لكن ينبغى أن يكون هذا أحيانا فى بعض الأوقات والأمكنة فلا يجعل سنة راتبة يحافظ عليها إلا ما سن رسول الله صلى الله عليه و سلم المداومة عليه فى الجماعات من الصلوات الخمس فى الجماعات ومن الجمعات والأعياد ونحو ذلك
وأما محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة أو القراءة أو الذكر أو الدعاء طرفى النهار وزلفا من الليل وغير ذلك فهذا سنة رسول الله والصالحين من عباد الله قديما وحديثا فما سن عمله على وجه الإجتماع كالمكتوبات فعل كذلك وما سن المداومة عليه على وجه الإنفراد من الأوراد عمل كذلك كما كان الصحابة رضى الله عنهم يجتمعون أحيانا يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب يقول يا ابا موسى ذكرنا ربنا فيقرا وهم يستمعون وكان من الصحابة من يقول إجلسوا بنا نؤمن ساعة وصلى النبى صلى الله عليه و سلم بأصحابه التطوع فى جماعة مرات وخرج على الصحابة من أهل الصفة وفيهم قارىء يقرأ فجلس معهم يستمع

(22/521)


وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب ودمع العين وإقشعرار الجسوم فهذا أفضل الأحوال التى نطق بها الكتاب والسنة
وأما الإضطراب الشديد والغشى والموت والصيحات فهذا أن كان صاحبه مغلوبا عليه لم يلم عليه كما قد كان يكون فى التابعين ومن بعدهم فإن منشأة قوة الوارد على القلب مع ضعف القلب والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبى والصحابة وأما السكون قسوة وجفاء فهذا مذموم لا خير فيه
وأما ما ذكر من السماع فالمشروع الذى تصلح به القلوب ويكون وسيلتها إلى ربها بصلة ما بينه وبينها هو سماع كتاب الله الذى هو سماع خيار هذه الأمة لا سيما وقد قال ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقال زينوا القرآن بأصواتكم وهو السماع الممدوح فى الكتاب والسنة لكن لما نسى بعض الأمة حظا من هذا السماع الذي ذكروا به القى بينهم العداوة والبغضاء فاحدث قوم سماع القصائد والتصفيق والغناء مضاهاة لما ذمه الله من المكاء والتصدية والمشابهة لما إبتدعه النصارى وقابلهم قوم قست قلوبهم عن ذكر الله وما أنزل من الحق وقست قلوبهم فهى كالحجارة أو أشد قسوة مضاهاة لما عابه الله على اليهود والدين الوسط هو ما عليه خيار هذه الأمة قديما وحديثا والله أعلم

(22/522)


وسئل رحمه الله
عن عوام فقراء يجتمعون فى مسجد يذكرون ويقرأون شيئا من القرآن ثم يدعون ويكشفون روؤسهم ويبكون ويتضرعون وليس قصدهم من ذلك رياء ولا سمعة بل يفعلونه على وجه التقرب إلى الله تعالى فهل يجوز أم لا
فأجاب
الحمد لله الإجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة كالإجتماعات المشروعة ولا إقترن به بدعة منكرة وأما كشف الرأس مع ذلك فمكروه لا سيما إذا إتخذ على أنه عبادة فإنه حينئذ يكون منكرا ولا يجوز التعبد بذلك والله أعلم
وسئل
عن رجل إذا صلى ذكر فى جوفه بسم الله بابنا تبارك حيطاننا يس سقفنا فقال رجل هذا كفر أعوذ بالله

(22/523)


من هذا القول فهل يجب على ما قال هذا منكر رد وإذا لم يجب عليه فما حكم هذا القول
فأجاب
الحمد لله رب العالمين ليس هذا كفر فإن هذا الدعاء وأمثاله يقصد به التحصن والتحرز بهذه الكلمات فيتقى بها من الشر كما يتقى ساكن البيت بالبيت من الشر والحر والبرد والعدو
وهذا كما جاء فى الحديث المعروف عن النبى فى الكلمات الخمس التى قام يحيى بن زكريا فى بنى إسرائيل قال أوصيكم بذكر الله فإن مثل ذلك مثل رجل طلبه العدو فدخل حصنا فإمتنع به من العدو فكذلك ذكر الله هو حصن إبن آدم من الشيطان أو كما قال فشبه ذكر الله فى إمتناع الإنسان به من الشيطان بالحصن الذى يمتنع به من العدو
والحصن له باب وسقف وحيطان ونحو هذا أن الأعمال الصالحة من ذكر الله وغيره تسمى جنة ولباسا كما قال تعالى ولباس التقوى ذلك خير فى أشهر القولين وكما قال فى الحديث خذوا جنتكم قالوا يا رسول الله من عدو حضر قال لا ولكن جنتكم من النار سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ومنه قول الخطيب فتدرعوا جنن التقوى قبل جنن

(22/524)


السابرى وفوقوا سهام الدعاء قبل سهام القسى ومثل هذا كثير يسمى سورا وحيطانا ودرعا وجنة ونحو ذلك
ولكن هذا الدعاء المسؤل عنه ليس بمأثور والمشروع للإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة فإن الدعاء من أفضل العبادات وقد نهانا الله عن الإعتداء فيه فينبغى لنا أن نتبع فيه ما شرع وسن كما أنه ينبغى لنا ذلك فى غيره من العبادات والذى يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره وإن كان من أحزاب بعض المشائخ الأحسن له أن لا يفوته الأكمل الأفضل وهى الأدعية النبوية فإنها أفضل وأكمل بإتفاق المسلمين من الأدعية التى ليست كذلك وإن قالها بعض الشيوخ فكيف يكون فى عين الأدعية ما هو خطأ أو اثم أو غير ذلك
ومن اشد الناس عيبا من يتخذ حزبا ليس بمأثور عن النبى صلى الله عليه و سلم وإن كان حزبا لبعض المشائخ ويدع الأحزاب النبوية التى كان يقولها سيد بنى آدم وإمام الخلق وحجة الله على عبادة والله أعلم

(22/525)


باب ما يكره فى الصلاة
وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
فى بيان ما أمر الله به ورسوله من إقام الصلاة وإتمامها والطمأنينة فيها قال الله تعالى فى غير موضع من كتابه أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا إذا مسه الخير منوعا إلا المصلين وقال تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون والذين هم اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن إبتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون وقال تعالى وإستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين وقال تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة وإتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا وقال تعالى فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وقال تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله

(22/526)


قانتين وسيأتى بيان الدلالة فى هذه الآيات
وقد أخرج البخارى ومسلم فى الصحيحين وأخرج أصحاب السنن أبوداود والترمذى والنسائى وإبن ماجه وأصحاب المسانيد كمسند أحمد وغير ذلك من اصول الإسلام عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله دخل المسجد فدخل رجل ثم جاء فسلم على النبى فرد رسول الله عليه السلام وقال إرجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما كان يصلي ثم سلم عليه فقال رسول الله وعليك السلام ثم قال إرجع فصل فإنك لم تصل حتى فعل ذلك ثلاث مرات فقال الرجل والذى بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمنى قال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم إركع حتى تطمئن راكعا ثم إرفع حتى تعتدل قائما ثم إسجد حتى تطمئن ساجدا ثم إجلس حتى تطمئن جالسا ثم إفعل ذلك فى صلاتك كلها وفى رواية للبخارى إذا قمت إلى الصلاة فإسبغ الوضوء ثم إستقبل القبلة فكبر وإقرأ بما تيسر من القرآن ثم إركع حتى تطمئن راكعا ثم إرفع رأسك حتى تعتدل قائما ثم إسجد حتى تطمئن ساجدا ثم إرفع حتى تستوى وتطمئن جالسا ثم إسجد حتى تطمئن ساجدا

(22/527)


ثم إرفع حتى تستوى قائما ثم إفعل ذلك فى صلاتك كلها
وفى رواية له ثم إركع حتى تطمئن راكعا ثم إرفع حتى تستوى قائما وباقيه مثله وفى رواية وإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك وما انتقصت من هذا فإنما إنتقصته من صلاتك
وعن رفاعة بن رافع رضى الله عنه أن رجلا دخل المسجد فذكر الحديث وقال فيه فقال النبى صلى الله عليه و سلم إنه لاتتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ويحمد الله عز و جل ويثنى عليه ويقرأ بما شاء من القرآن ثم يقول الله أكبر ثم يركع حتى يطمئن راكعا ثم يقول الله اكبر ثم يرفع رأسه حتى يستوى قائما ثم يسجد حتى يطمئن ساجدا ثم يقول الله أكبر ثم يرفع رأسه حتى يستوى قاعدا ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم يرفع رأسه فيكبر فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته وفى رواية إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله عز و جل فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله ويحمده ثم يقرأ من القرآن ما أذن له وتيسر وذكر نحو اللفظ الأول وقال ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه وربما قال جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخى

(22/528)


ثم يكبر فيستوى قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ ثم قال لا تتم صلاة لأحدكم حتى يفعل ذلك رواه أهل السنن أبوداود والنسائى وإبن ماجه والترمذى وقال حديث حسن والروايتان لفظ أبى داود
وفى رواية ثالثة له قال إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر ثم إقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ فإذا ركعت فضع راحتك عى ركبتيك وإمدد ظهرك وقال إذا سجدت فمكن لسجودك فإذا رفعت فإقعد على فخذك اليسرى وفى رواية أخرى قال إذا أنت قمت فى صلاتك فكبر الله عز و جل ثم إقرأ ما تيسر عليك من القرآن وقال فيه فإذا جلست فى وسط الصلاة فإطمئن وإفترش فخذك اليسرى ثم تسهد ثم غذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك وفى رواية أخرى قال فتوضا كما أمر الله ثم تشهد فأتم ثم كبر فإن كان معك قرآن فإقرأ به وإلا فإحمد الله عز و جل وكبره وهلله وقال فيه وإن إنتقصت منه شيئا إنتقصت من صلاتك
فالنبى أمر ذلك المسىء فى صلاته بأن يعيد الصلاة وامر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب وأمره

(22/529)


إذا قام إلى الصلاة بالطمأنينة كما أمره بالركوع والسجود وأمره المطلق على الإيجاب
وأيضا قال له فإنك لم تصل فنفى أن يكون عمله الأول صلاة والعمل لا يكون منفيا إلا إذا إنتفى شىء من واجباته فأما إذا فعل كما أوجبه الله عز و جل فإنه لا يصح نفيه لإنتفاء شىء من المستحبات التى ليست بواجبة
وأما ما يقوله بعض الناس إن هذا نفى للكمال كقوله لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد فيقال له نعم هو لنفى الكمال لكن لنفى كمال الواجبات أو لنفى كمال المستحبات فأما الأول فحق وأما الثانى فباطل لا يوجد مثل ذلك فى كلام الله عز و جل ولا فى كلام رسوله قط وليس بحق فإن الشىء إذا كملت واجباته فكيف يصح نفيه
وأيضا فلو جاز لجاز نفى صلاة عامة الأولين والآخرين لأن كمال المستحبات من أندرالأمور
وعلى هذا فما جاء من نفى الأعمال فى الكتاب والسنة فإنما هو لإنتفاء بعض واجباته كقوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى

(22/530)


يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وقوله تعالى ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما اولئك بالمؤمنين وقوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا الآية وقوله إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه الآية ونظائر ذلك كثيرة
ومن ذلك قوله لا إيمان لمن لا أمانه له و لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ولا صلاة إلا بوضوء
وأما قوله لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد فهذا اللفظ قد قيل إنه لا يحفظ عن النبى وذكر عبدالحق الأشبيلى أنه رواه بإسناد كلهم ثقات وبكل حال فهو مأثور عن على رضى الله عنه ولكن نظيره فى السنن عن النبى أنه قال من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له
ولا ريب أن هذا يقتضى أن إجابة المؤذن المنادى والصلاة فى جماعة من الواجبات كما ثبت فى الصحيح أن إبن أم مكتوم قال

(22/531)


يا رسول الله إنى رجل شاسع الدار ولى قائد لا يلائمنى فهل تجد لى رخصة أن أصلى فى بيتى قال هل تسمع النداء قال نعم قال ما اجد لك رخصة لكن إذا ترك هذا الواجب فهل يعاقب عليه ويثاب على ما فعله من الصلاة أم يقال إن الصلاة باطلة عليه إعادتها كأنه لم يفعلها هذا فيه نزاع بين العلماء وعلى هذا قوله إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك وما إنتقصت من هذا فإنما إنتقصت من صلاتك
فقد بين أن الكمال الذى نفى هو هذا التمام الذى ذكره النبى صلى الله عليه و سلم فإن التارك لبعض ذلك قد إنتقص من صلاته بعض ما اوجبه الله فيها وكذلك قوله فى الحديث الآخر فإذا فعل هذا فقد تمت صلاته
ويؤيد هذا أنه أمره بأن يعيد الصلاة ولو كان المتروك مستحبا لم يأمره بالإعادة ولهذا يؤمر مثل هذا المسىء بالإعادة كما أمر النبى هذا لكن لو لم يعد وفعلها ناقصة فهل يقال إن وجودها كعدمها بحيث يعاقب على تركها أو يقال إنه يثاب على ما فعله ويعاقب على ما تركه بحيث يجبر ما تركه من الواجبات بما فعله من التطوع هذا فيه نزاع والثانى أظهر لما روى أبو داود وإبن ماجه عن أنس بن حكيم الضبى قال خاف

(22/532)


رجل من زياد أو إبن زياد فأتى المدينة فلقى أبا هريرة رضى الله عنه قال فنسبنى فإنتسبت له فقال يا فتى ألا أحدثك حديثا قال قلت بلى يرحمك الله قال يونس فأحسبه ذكره عن النبى قال إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة قال يقول ربنا عز و جل لملائكته وهو أعلم إنظروا فى صلاة عبدى أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة وإن كان إنتقص منها شيئا قال إنظروا هل لعبدى من تطوع فإن كان له تطوع قال أتموها من تطوعه ثم يؤخذ الأعمال على ذلكم وفى لفظ عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر فإن إنتقص من فريضة شيئا قال الرب إنظروا هل لعبدى من تطوع فكمل به ما إنتقص من الفريضة ثم يكون سائر أعماله على هذا رواه الترمذى وقال حديث حسن
وروى أيضا أبو داود وإبن ماجه عن تميم الدارى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه و سلم بهذا المعنى قال ثم الزكاة مثل ذلك ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك
وأيضا فعن ابى مسعود البدرى رضى الله عنه قال قال رسول

(22/533)


الله لا تجزىء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره فى الركوع والسجود رواه أهل السنن الأربعة وقال الترمذى حديث حسن صحيح فهذا صريح فى انه لا تجزىء الصلاة حتى يعتدل الرجل من الركوع وينتصب من السجود فهذا يدل على إيجاب الإعتدال فى الركوع والسجود
وهذه المسألة وإن لم تكن هى مسألة الطمأنينة فهى تناسبها وتلازمها وذلك أن هذا الحديث نص صريح فى وجوب الإعتدال فإذا وجب الإعتدال لإتمام الركوع والسجود فالطمأنينة فيهما أوجب وذلك أن قوله يقيم ظهره فى الركوع والسجود أى عند رفعه رأسه منهما فإن إقامة الظهر تكون من تمام الركوع والسجود لأنه إذا ركع كان الركوع من حين ينحنى إلى أن يعود فيعتدل ويكون السجود من حين الخروج من القيام أو القعود إلى حين يعود فيعتدل فالخفض والرفع هما طرفا الركوع والسجود وتمامها فلهذا قال يقيم صلبه فى الركوع والسجود
ويبين ذلك أن وجوب هذا من الإعتدالين كوجوب إتمام الركوع والسجود وهذا كقوله فى الحديث المتقدم ثم يكبر فيسجد

(22/534)


فيمكن وجهه حتى تطمئن مفاصله وتسترخى ثم يكبر فيستوى قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه فأخبر أن إقامة الصلب فى الرفع من السجود لا فى حال الخفض
والحديثان المتقدمان بين فيهما وجوب هذين الإعتدالين ووجوب الطمأنينة لكن قال فى الركوع والسجود والقعود حتى تطمئن راكعا وحتى تطمئن ساجدا وحتى تطمئن جالسا وقال فى الرفع من الركوع حتى تعتدل قائما وحتى تستوى قائما لأن القائم يعتدل ويستوى وذلك مستلزم للطمأنينة
وأما الراكع والساجد فليسا منتصبين وذلك الجالس لا يوصف بتمام الإعتدال والإستواء فإنه يكون فيه إنحناء إما إلى الشقين ولا سيما عند التورك وإما إلى أقامه لأن أعضاءه التى يجلس عليها منحنية غير مستوية ومعتدلة مع أنه قد روى إبن ماجه أنه قال فى الرفع من الركوع حتى تطمئن قائما
وعن على بن شيبان الحنفى قال خرجنا حتى قدمنا على رسول الله فبايعناه وصلينا خلفه فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلاته يعنى صلبه فى الركوع والسجود فلما قضى النبى الصلاة قال يا معشر المسلمين لا صلاة

(22/535)


لمن لا يقيم صلبه فى الركوع والسجود رواه الإمام أحمد وإبن ماجه وفى رواية للإمام أحمد ا رسول الله قال لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده
وهذا يبين أن إقامة الصلب هى الإعتدال فى الركوع كما بيناه وإن كان طائفة من العلماء من اصحابنا وغيرهم فسروا ذلك بنفس الطمأنينة وإحتجوا بهذا الحديث على ذلك وحده لا على الإعتدالين وعلى ما ذكرناه فإنه يدل عليهما
وروى الإمام أحمد فى المسند عن أبى قتادة رضى الله عنه قال قال رسول الله أسوأ الناس سرقة الذى يسرق من صلاته قالوا يا رسول الله كيف يسرق من صلاته قال لا يتم ركوعها ولا سجودها أو قال لا يقيم صلبه فى الركوع والسجود وهذا التردد فى اللفظ ظاهره أن المعنى المقصود من اللفظين واحد وإنما شك فى اللفظ كما فى نظائر ذلك
وأيضا فعن عبدالرحمن بن شبل رضى الله عنه قال نهى رسول الله عن نقر الغراب وإفتراش السبع وأن يوطن الرجل المكان فى المسجد كما يوطن البعير أخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجة وإنما

(22/536)


جمع بين الأفعال الثلاثة وإن كانت مختلفة الأجناس لأنه يجمعها مشابهةالبهائم فى الصلاة فنهى عن مشابهة فعل الغراب وعما يشبه فعل السبع وعما يشبه فعل البعير وإن كان نقر الغراب أشد من ذينك الأمرين لما فيه من أحاديث أخر وفى الصحيحين عن قتادة عن أنس رضى الله عنه عن النبى قال إعتدلوا فى الركوع والسجود ولا يبسطن أحدكم ذراعيه إنبساط الكلب لاسيما وقد بين فى حديث آخر أنه من صلاة المنافقين والله تعالى أخبر فى كتابه أنه لن يقبل عمل المنافقين
فروى مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال تلك صلاة المنافقين يمهل حتى إذا كانت الشمس بين قرنى شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا فأخبر أن المنافق يضيع وقت الصلاة المفروضة ويضيع فعلها وينقرها فدل ذلك على ذم هذا وهذا وإن كان كلاهما تاركا للواجب
وذلك حجة واضحة فى أن نقر الصلاة غير جائز وأنه من فعل من فيه نفاق والنفاق كله حرام وهذا الحديث حجة مستقلة بنفسها وهو مفسر لحديث قبله وقال تعالى إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا وهذا وعيد شديد لمن ينقر فى صلاته

(22/537)


فلا يتم ركوعه وسجوده بالإعتدال والطمأنينة
والمثل الذى ضربه النبى من أحسن الأمثال فإن الصلاة قوت القلوب كما أن الغذاء قوت الجسد فإذا كان الجسد لا يتغذى باليسير من الأكل فالقلب لا يقتات بالنقر فى الصلاة بل لا بد من صلاة تامة تقيت القلوب
وأما ما يرويه طوائف من العامة أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه رأى رجلا ينقر فى صلاته فنهاه عن ذلك فقال لو نقر الخطاب من هذه نقرة لم يدخل النار فسكت عنه عم فهذا لا أصل له ولم يذكره أحد من أهل العلم فيما بلغنى لا فى الصحيح ولا فى الضعف والكذب ظاهر عليه فإن المنافقين قد نقروا أكثر من ذلك وهم فى الدرك الأسفل من النار
وأيضا فعن أبى عبدالله الأشعرى الشامى قال صلى رسول الله بأصحابه ثم جلس فى طائفة منهم فدخل رجل فقام يصلى فجعل يركع وينقر فى سجوده ورسول الله ينظر إليه فقال ترون هذا لو مات مات على غير ملة محمد ينقر صلاته كما ينقر الغراب الرمة إنما مثل الذى يصلى ولا يتم ركوعه وينقر فى سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين

(22/538)


لا تغنيان عنه شيئا فأسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار وأتموا الركوع والسجود قال أبوصالح فقلت لأبى عبدالله الأشعرى من حدثك بهذا الحديث قال أمراء الأجناد خالد بن الوليد وعمرو إبن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبى سفيان كل هؤلاء يقولون سمعت رسول الله رواه أبوبكر بن خزيمة فى صحيحه بكماله وروى إبن ماجه بعضه
وأيضا ففى صحيح البخارى عن أبى وائل عن زيد بن وهب أن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده فلما قضى صلاته دعاه وقال له حذيفة ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التى فطر الله عليها محمدا ولفظ أبى وائل ما صليت وأحسبه قال لو مت مت على غير سنة محمد صلى الله عليه و سلم
وهذا الذى لم يتم صلاته إنما ترك الطمأنينة أو ترك الإعتدال أو ترك كلاهما فإنه لا بد أن يكون قد ترك بعض ذلك إذا نقر الغراب والفصل بين السجدتين بحد السيف والهبوط من الركوع إلى السجود لا يمكن أن ينقص منه مع الإتيان بما قد يقال إنه ركوع وسجود لكنه لم يتمه ومع هذا قال له حذيفة ما صليت فنفى عنه الصلاة ثم قال

(22/539)


مت مت على غير الفطرة التى فطر الله عليها محمدا و على غير السنة وكلاهما المراد به هنا الدين والشريعة ليس المراد به فعل المستحبات فإن هذا لا يوجب هذا الذم والتهديد فلا يكاد أحد يموت على كل ما فعله النبى من المستحبات
ولأن لفظ الفطرة والسنة فى كلامهم هو الدين والشريعة وإن كان بعض الناس إصطلحوا على أن لفظ السنة يراد به ماليس بفرض إذ قد يراد بها ذلك كما فى قوله إن الله فرض عليكم صيام رمضان سنت لكم قيامه فهى تتناول ما سنة من الواجبات أعظم مما سنة من التطوعات كما فى الصحيح عن إبن مسعود رضى الله عنه قال إن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإن هذه الصلوات فى جماعة من سنن الهدى وإنكم لو صليتم فى بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف فى بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ومنه قوله صلى الله عليه و سلم عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ
ولأن الله سبحاته وتعالى أمر فى كتابه بإقامة الصلاة وذم المصلين الساهين عنها المضيعين لها فقال تعالى فى غير موضع وأقيموا

(22/540)


الصلاة وإقامتها تتضمن إتمامها بحسب الإمكان كما سيأتى فى حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال أقيموا الركوع والسجود فإنى أراكم من بعدى ظهرى وفى رواية أتموا الركوع والسجود وسيأتى تقرير دلالة ذلك
والدليل على ذلك من القرآن أنه سبحانه وتعالى قال وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا
فأباح الله القصر من عددها والقصر من صفتها ولهذا علقه بشرطين والسفر والخوف فالسفر يبيح قصر العدد فقط كما قال النبى إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ولهذا كانت سنة رسول الله المتواترة عنه التى إتفقت الأمة على نقلها عنه أنه كان يصلى الرباعية فى السفر ركعتين ولم يصلها فى السفر أربعا قط ولا أبو بكر ولا عمر رضى الله عنهما لا فى الحج ولا فى العمرة ولا فى الجهاد والخوف يبيح قصر صفتها كما قال الله فى تمام الكلام وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم فذكر صلاة الخوف وهى صلاة ذات الرقاع إذا كان العدو فى جهة القبلة وكان فيها

(22/541)


أنهم كانوا يصلون خلفه فإذا قام إلى الثانية فارقوا وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية ثم ذهبوا إلى مصاف أصحابهم كما قال فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم فجعل السجود لهم خاصة فعلم أنهم يفعلونه منفردين ثم قال ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك فعلم أنهم يفعلونه
وفى هذه الصلاة تفريق المأمومين ومفارقة الأولين للإمام وقيام الآخرين قبل سلام الإمام ويتمون لأنفسهم ركعة ثم قال تعالى فإذا قضيتم الصلاة فإذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة فأمرهم بعد الأمن بإقامة الصلاة وذلك يتضمن الإتمام وترك القصر منها الذى أباحه الخوف والسفر فعلم أن الأمر بالإقامة يتضمن الأمر بإتمامها بحسب الإمكان وأما قوله فى صلاة الخوف فأقمت لهم الصلاة فتلك اقامة وإتمام في حال ال كما أن الركعتين فى السفر إقامة وإتمام كما ثبت فى الصحيح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة لافطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وهذا يبين ما رواه مسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال قلت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه إقصار الناس الصلاة اليوم وإنما قال الله عز و جل

(22/542)


إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وقد ذهب ذلك اليوم فقال عجبت مما عجبت منه فذكرت ذلك لرسول الله فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فإقبلوا صدقته فإن المتعجب ظن أن القصر مطلقا مشروط بعدم الأمن فبينت السنة أن القصر نوعان كل نوع له شرط
وثبتت السنة أن الصلاة مشروعة فى السفر تامة لأنه بذلك أمر الناس ليست مقصورة فى الأجر والثواب وإن كانت مقصورة فى الصفة والعمل إذ المصلى يؤمر بالإطالة تارة ويؤمر بالإقتصار تارة
وأيضا فإن الله تعالى قال فإذا إطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا والموقوت قد فسره السلف بالمفروض وفسروه بماله وقت المفروض هو المقدر المحدد فإن التوقيت والتقدير والتحديد والفرض ألفاظ متقاربة وذلك وجب أن الصلاة مقدرة محددة موقوتة وذلك فى زمانها وأفعالها وكما أن زمانها محدود فأفعالها أولى أن تكون محدودة موقوتة وهو يتناول تقدير عددها بأن جعله خمسا وجعل بعضها أربعا فى الحضر وإثنتين فى السفر وبعضها ثلاثا وبعضها إثنتين فى الحضر والسفر وتقدير عملها أيضا ولذا يجوز عند العذر الجمع المتضمن لنوع من التقديم والتأخير فى الزمان كما يجوز أيضا القصر من عددها

(22/543)


ومن صفتها بحسب ما جاءت به الشريعة وذلك أيضا مقدر عند العذر كما هو مقدر عند غير العذر ولهذا فليس للجامع بين الصلاتين أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل أو صلاة الليل إلى النهار وصلاتى النهار الظهر والعصر وصلاتى الليل المغرب والعشاء وكذلك اصحاب الأعذار الذين ينقصون من عددها وصفتها وهو موقون محدود ولا بد أن تكون الأفعال محدودة الإبتداء والإنتهاء فالقيام محدود بالإنتصاب بحيث لو خرج عن حد المنتصب إلى حد المنحنى الراكع بإختياره لم يكن قد أتى بحد القيام
ومن المعلوم أن ذكر القيام الذى هو القراءة أفضل من ذكر الركوع والسجود ولكن نفس عمل الركوع والسجود أفضل من عمل القيام ولهذا كان عبادة بنفسه ولم يصح فى شرعنا إلا لله بوجه من الوجوه وغير ذلك من ألأدلة المذكورة فى غير هذا الموضع
وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن هذه الأفعال مقدرة محدودة بقدر التمكن منها فالساجد عليه أن يصل إلى الأرض وهو غاية التمكن ليس له غاية دون ذلك إلا لعذر وهو من حين نحنائه أخذ فى السجود سواء سجد من قيام أو من قعود فينبغى أن يكون إبتداء السجود مقدرا بذلك بحيث يسجد من قيام أو قعود لا

(22/544)


يكون سجوده من إنحناء فإن ذلك يمنع كونه مقدرا محدودا بحسب الإمكان ومتى وجب ذلك وجب الإعتدال فى الركوع وبين السجدتين
وأيضا ففى ذلك إتمام الركوع والسجود
وأيضا فأفعال الصلاة إذا كانت مقدرة وجب أن يكون لها قدر وذلك هو الطمأنينة فإن من نقر نقر الغراب لم يكن لفعله قدر أصلا فإن قدر الشىء ومقداره فيه زيادة على أصل وجوده ولهذا يقال للشيء الدائم ليس له قدر فإن القدر لا يكون لأدنى حركة بل لحركة ذات إمتداد
وأيضا فإن الله عز و جل أمرنا بإقامتها والإقامة أن تجعل قائمة والشىء القائم هو المستقيم المعتدل فلا بد أن تكون أفعال الصلاة مستقرة معتدلة وذلك إنما يكون بثبوت أبعاضها وإستقرارها وهذا يتضمن الطمأنينة فإن من نقر نقر الغراب لم يقم السجود ولا يتم سجوده إذا لم يثبت ولم يستقر وكذلك الراكع
يبين ذلك ما جاء فى الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك رضى الله عنهما قال قال رسول الله سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة وأخرجاه من حديث

(22/545)


عبدالعزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله أتموا الصفوف فإنى أراكم من خلف ظهرى وفى لفظ أقيموا الصفوف وروى البخارى من حديث حميد عن أنس قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإنى أراكم من وراء ظهرى وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وبدنه ببدنه
فإذا كان تقويم الصف وتعديله من تمامها وإقامتها بحيث لو خرجوا عن الإستواء والإعتدال بالكلية حتى يكون رأس هذا عند النصف الأسفل من هذا لم يكونوا مصطفين ولكانوا يؤمرون بالإعادة وهم بذلك أولى من الذى صلى خلف الصف وحده فأمره النبى أن يعيد صلاته فكيف بتقويم أفعالها وتعديلها بحيث لا يقيم صلبه فى الركوع والسجود
ويدل على ذلك وهو دليل مستقل فى المسألة ما اخرجاه فى الصحيحين عن شعبة عن قتادة عن أنس رضى الله عنه عن النبى قال أقيموا الركوع والسجود فوالله إنى لأراكم من بعدى وفى رواية من بعد ظهرى إذا ركعتم وسجدتم وفى رواية للبخارى عن همام عن قتادة عن أنس رضى الله عنه أنه سمع النبى يقول أتموا الركوع

(22/546)


والسجود فوالذى نفسى بيده اني لأراكم من بعد ظهرى إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائى وإبن أبى عروبة عن قتادة عن أنس رضى الله عنه أن نبى الله قال أتموا الركوع والسجود ولفظ إبن أبي عروبة أقيموا الركوع والسجود فإنى أراكم وذكره
فهذا يبين أن إقامة الركوع والسجود توجب إتمامها كما فى اللفظ الآخر
وأيضا فأمره لهم بإقامة الركوع والسجود يتضمن السكون فيهما إذ من المعلوم أنهم كانوا يأتون بالإنحناء فى الجملة بل الأمر بالإقامة يقتضى أيضا الإعتدال فيهما وإتمام طرفيهما وفى هذا رد على من زعم أنه لا يجب الرفع فيهما وذلك أن هذا أمر للمأمومين خلفه ومن المعلوم أنه لم يكن يمكنهم الإنصراف قبله وأيضا فقوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين أمر بالقنوت فى القيام لله والقنوت دوام الطاعة لله عز و جل سواء كان فى حال الإنتصاب أو فى حال السجود كما قال تعالى أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه وقال تعالى فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما

(22/547)


حفظ الله وقال ومن يقنت منكن لله ورسوله وقال وله من فى السموات والأرض كل له قانتون
فإذا كان ذلك كذلك فقوله تعالى وقوموا لله قانتين إما أن يكون أمرا بإقامة الصلاة مطلقا كما فى قوله كونوا قوامين بالقسط فيعم أفعالها ويقتضى الدوام فى أفعالها وإما أن يكون المراد به القيام المخالف للقعود فهذا يعم ما قبل الركوع وما بعده ويقتضى الطول وهو القنوت المتضمن للدعاء كقنوت النوازل وقنوت الفجر عند من يستحب المداومة عليه
وإذا ثبت وجوب هذا ثبت وجوب الطمأنينة فى سائر الأفعال بطريق الأولى
ويقوى الوجه الأول حديث زيد بن أرقم الذى فى الصحيحين عنه قال كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه إلى الصلاة فنزلت وقوموا لله قانتين قال فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام حيث أخبر أنهم كانوا يتكلمون فى الصلاة ومعلوم أن السكوت عن خطاب الآدميين واجب فى جميع الصلاة فإقتضى ذلك الأمر بالقنوت فى جميع الصلاة ودل الأمر بالقنوت على السكوت عن مخاطبة الناس لأن القنوت هو دوام الطاعة فالمشتغل بمخاطبة العباد تارك للإشتغال

(22/548)


بالصلاة التى هى عبادة الله وطاعته فلا يكون مداوما على طاعته ولهذا قال النبى لما سلم عليه ولم يرد بعد أن كان يرد أن فى الصلاة لشغلا فأخبر أن فى الصلاة ما يشغل المصلى عن مخاطبة الناس وهذا هو القنوت فيها وهو دوام الطاعة ولهذا جاز عند جمهور العلماء تنبيه الناسى بما هو مشروع فيها من القراءة والتسبيح لأن ذلك لا يشغله عنها ولا ينافى القنوت فيها
وأيضا فإنه سبحانه قال إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون فأخبر أنه لا يكون مؤمنا إلا من سجد إذا ذكر بالآيات وسبح بحمد ربه
ومعلوم أن قراءة القرآن فى الصلاة هى تذكير بالآيات ولذلك وجب السجود مع ذلك وقد أوجب خرورهم سجدا وأوجب تسبيحهم بحمد ربهم وذلك يقتضى وجوب التسبيح فى السجود وهذا يقتضى وجوب الطمأنينة ولهذا قال طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم إن مقدار الطمأنينة الواجبة مقدار التسبيح الواجب عندهم
والثانى أن الخرور هو السقوط والوقوع وهذا إنما يقال فيما يثبت ويسكن لا فيما لا يوجد منه سكون على الأرض ولهذا قال

(22/549)


الله تعالى إذا وجبت جنوبها والوجوب فى الأصل هو الثبوت والإستقرار
وأيضا فعن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال لما نزلت فسبح بإسم ربك العظيم قال رسول الله إجعلوها فى ركوعكم ولما نزلت سبح إسم ربك الأعلى قال إجعلوها فى سجودكم رواه أبو داود وإبن ماجه فأمر النبى صلى الله عليه و سلم يجعل هذين التسبيحين فى الركوع والسجود وأمره على الوجوب وذلك يقتضى وجوب ركوع وسجود تبعا لهذا التسبيح وذلك هو الطمأنينة
ثم إن من الفقهاء من قد يقول التسبيح ليس بواجب وهذا القول يخالف ظاهر الكتاب والسنة فإن ظاهرهما يدل على وجوب الفعل والقول جميعا فإذا دل دليل على عدم وجوب القول لم يمنع وجوب الفعل
وأما من يقول بوجوب التسبيح فيستدل لذلك بقوله تعالى وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وهذا أمر بالصلاة كلها كما ثبت فى الصحيحين عن جرير بن عبدالله البجلى رضى الله عنه قال كنا جلوسا عند النبى إذ نظر

(22/550)


إلى القمر ليلة البدر فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضارون فى رؤيته فإن إستطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فإفعلوا ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب
وإذا كان الله عز و جل قد سمى الصلاة تسبيحا فقد دل ذلك على وجوب التسبيح كما أنه لما سماها قياما فى قوله تعالى قم الليل إلا قليلا دل على وجوب القيام وكذلك لما سماها قرآنا فى قوله تعالى وقرآن الفجر دل على وجوب القرآن فيها ولما سما وسجودا فى مواضع دل على وجوب الركوع والسجود فيها
وذلك أن تسميتها بهذه الأفعال دليل على أن هذه الأفعال لازمة لها فاذا وجدت هذه الأفعال فتكون من الأبعاض اللازمة كما أنهم يسمون الإنسان بإبعاضه اللآزمة له فيسمونه رقبة ورأسا ووجها ونحو ذلك كما فى قوله تعالى فتحرير رقبة ولو جاز وجود الصلاة بدون التسبيح لكان الأمر بالتسبيح لا يصلح ان يكون أمرا بالصلاة فإن اللفظ حينئذ لا يكون دالا على معناه ولا على ما يستلزم معناه
وأيضا فإن الله عز و جل ذم عموم الإنسان وإستثنى المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون قال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا

(22/551)


إذامسه الشر جزوعا و إذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والسلف من الصحابة ومن بعدهم قد فسروا الدائم على الصلاة بالمحافظ على أوقاتها وبالدائم على أفعالها بالإقبال عليها والآية تعم هذا وهذا فإنه قال على صلاتهم دائمون والدائم على الفعل هو المديم له الذى يفعله دائما فإذا كان هذا فيما يفعل فى الأوقات المتفرقة وهو أن يفعله كل يوم بحيث لا يفعله تارة ويتركه أخرى وسمى ذلك دواما عليه فالدوام على الفعل الواحد المتصل أولى أن يكون دواما وأن تتناول الآية ذلك وذلك يدل على وجوب إدامة أفعالها لأن الله عز و جل ذم عموم الإنسان وإستثنى المداوم على هذه الصفة فتارك إدامة أفعالها يكون مذموما من الشارع والشارع لا يذم إلا على ترك واجب أو فعل محرم
وأيضا فإنه سبحانه وتعالى قال إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون فدل على أن المصلى قد يكون دائما على صلاته وقد لا يكون دائما عليها وأن المصلى الذي ليس بدائم مذموم وهذا يوجب ذم من لا يديم أفعالها المتصلة والمنفصلة واذا وجب دوام أفعالها فذلك هو نفس الطمأنينة فإنه يدل على وجوب ادامةالركوع والسجود وغيرهما ولو كان المجزىء أقل مما ذكر من الخفض وهو نقر الغراب لم يكن ذلك دواما ولم يجب الدوام على الركوع

(22/552)