صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

يلزم من كونه يحاسب أن يعاقب ولهذا قال فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء لا يستلزم أنه قد يغفر ويعذب بلا سبب ولا ترتيب ولا أنه يغفر كل شىء أو يعذب كل شىء مع العلم بأنه لا يعذب المؤمنين وأنه لا يغفر أن يشرك به إلا مع التوبة ونحو ذلك والأصل ان يفرق بين ما كان مجامعا لأصل الإيمان وما كان منافيا له ويفرق أيضا بين ما كان مقدورا عليه فلم يفعل وبين ما لم يترك إلا لعجز عنه فهذان الفرقان هما فصل فى هذه المواضيع المشتبهة وقد ظهر بهذا التفصيل أم أصل النزاع فى المسألة إنما وقع لكونهم رأوا عزما جازما لا يقترن به فعل قط وهذا لا يكون إلا إذا كان الفعل مقارنا للعزم وإن كان العجز مقارنا للإرادة إمتنع وجود المراد لكن لا تكون تلك إرادة جازمة فإن الإرادة الجازمة لما هو عاجز عنه ممتنعة أيضا فمع الإرادة الجازمة يوجد ما يقدر عليه من مقدمات الفعل ولوازمه وإن لم يوجد الفعل بنفسه
والإنسان يجد من نفسه إن مع قدرته على الفعل يقوى طلبه والطمع فيه وإرادته ومع العجز عنه يضعف وهو لا يعجز عما يقوله ويفعله على السواء ولا عما يظهر على صفحات وجهه

(10/763)


وفلتات لسانه مثل بسط الوجه وتعبسه وإقباله على الشىء والإعراض عنه وهذه ما يشبهها من أعمال الجوارح التى يترتب عليها الذم والعقاب كما يترتب عليها الحمد والثواب
وبعض الناس يقدر عزما جازما لا يقترن به فعل قط وهذا لا يكون إلا لعجز يحدث بعد ذلك من موت أو غيره فسموا التصميم على الفعل فى المستقبل عزما وجزما ولا نزاع فى إطلاق الألفاظ فإن من الناس من يفرق بين العزم والقصد فيقول ما قارن الفعل فهو قصد وما كان قبله فهو عزم ومنهم من يجعل الجميع سواء وقد تنازعوا هل تسمى إرادة الله لما يفعله فى المستقبل عزما وهو نزاع لفظى لكن ما عزم الإنسان عليه أن يفعله فى المستقبل فلا بد حين فعله من تجدد إرادة غير العزم المتقدم وهى الإرادة المستلزمة لوجود الفعل مع القدرة وتنازعوا ايضا هل يجب وجود الفعل مع القدرة والداعى وقد ذكروا أيضا فى ذلك قولان
والأظهر ان القدرة مع الداعى التام تستلزم وجود المقدور والإرادة مع القدرة تستلزم وجود المراد والمتنازعون فى هذه أراد أحدهم إثبات العقاب مطلقا على كل عزم على فعل مستقبل وإن لم يقترن به فعل وأراد الآخر رفع العقاب

(10/764)


مطلقا عن كل ما فى النفس من الإرادات الجازمة ونحوها مع ظن الإثنين أن ذلك الواحد لم يظهر بقول ولا عمل وكل من هذين إنحراف عن الوسط
فإذا عرف أن الإرادة الجازمة لا يتخلف عنها الفعل مع القدرة إلا لعجز يجرى صاحبها مجرى الفاعل التام فى الثواب والعقاب وأما إذا تخلف عنها ما يقدر عليها فذلك المتخلف لا يكون مرادا إرادة جازمة بل هو الهم الذى وقع العفو عنه وبه إئتلفت النصوص والأصول
ثم هنا مسائل كثيرة فيما يجتمع فى القلب من الإرادات المتعارضة كالإعتقادات المتعارضة وإرادة الشىء وضده مثل شهوة النفس للمعصية وبغض القلب لها ومثل حديث النفس الذى يتضمن الكفر إذا قارنه بعض ذلك والتعوذ منه كما شكا أصحاب رسول الله إليه فقالوا أن أحدنا يجد فى نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به فقال أو قد وجدتموه فقالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان رواه مسلم من حديث إبن مسعود وابى هريرة وفيه الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة وحين كتبت هذا الجواب لم يكن عندى من الكتب ما يستعان

(10/765)


به على الجواب فإن له موارد واسعة فهنا لما إقترن بالوسواس هذا البغض وهذه الكراهة كان هو صريح الإيمان وهو خالصه ومحضه لأن المنافق والكافر لا يجد هذا البغض وهذه الكراهة مع الوسوسة بذلك بل إن كان فى الكفر البسيط وهو الإعراض عما جاء به الرسول وترك الإيمان به وإن لم يعتقد تكذيبه فهذا قد لا يوسوس له الشيطان بذلك إذ الوسوسة بالمعارض المنافى للإيمان إنما يحتاج إليها عند وجود مقتضيه فإذا لم يكن معه ما يقتضي الإيمان لم يحتج إلى معارض يدفعه وإن كان في الكفر المركب وهو التكذيب فالكفر فوق الوسوسة وليس معه إيمان يكره به ذلك
ولهذا لما كانت هذه الوسوسة عارضة لعامة المؤمنين كما قال تعالى أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فإحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متناع زبد مثله الآيات فضرب الله المثل لما ينزله من الإيمان والقرآن بالماء الذى ينزل في أودية الأرض وجعل القلوب كالأودية منها الكبير ومنها الصغير كما فى الصحيحين عن أبى وسى عن النبى أنه قال مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وشربوا وكانت منها طائفة إنما هى

(10/766)


قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به فهذا أحد المثلين
و المثل الآخر ما يوقد عليه لطلب الحلية والمتاع من معادن الذهب والفضة والحديد ونحوه وأخبر ان السيل يحتمل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه فى النار زبد مثله ثم قال كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد الرابى على الماء وعلى الموقد عليه فهو نظير ما يقع فى قلوب المؤمنين من الشك والشبهات فى العقائد والأرادات الفاسدة كما شكاه الصحابة إلى النبى قال تعالى فيذهب جفاء يجفوه القلب فيرميه ويقذفه كما يقذف الماء الزبد ويجفوه وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وهو مثل ما ثبت فى القلوب من اليقين والإيمان كما قال تعالى ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة الآية إلى قوله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء
فكل ما وقع فى قلب المؤمن من خواطر الكفر والنفاق فكرهه وألقاه ازداد إيمانا ويقينا كما أن كل من حدثته نفسه بذنب فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله ازداد صلاحا وبرا وتقوى

(10/767)


وأما المنافق فإذا وقعت له الأهواء والآراء المتعلقة بالنفاق لم يكرهها ولم ينفها فإنه قد وجدت منه سيئه الكفر من غير حسنة إيمانية تدفعها أو تنفيها والقلوب يعرض لها الإيمان والنفاق فتارة يغلب هذا وتارة يغلب هذا
وقوله إن الله تجاوز لأمتى عما وسوست أو حدثت به انفسها كما فى بعض ألفاظه فى الصحيح هو مقيد بالتجاوز للمؤمنين دون من كان مسلما فى الظاهر وهو منافق فى الباطن وهم كثيرون فى المتظاهرين بالإسلام قديما وحديثا وهم فى هذه الأزمان المتأخرون فى بعض الأماكن أكثر منهم فى حال ظهور الإيمان فى أول الأمر فمن أظهر الإيمان وكان صادقا مجتنبا ما يضاده أو يضعفه يتجاوز له عما يمكنه التكلم به والعمل به دون ما ليس كذلك كما دل عليه لفظ الحديث
فالقسمان اللذان بينا أن العبد يثاب فيهما ويعاقب على أعمال القلوب خارجة من هذا الحديث وكذلك قوله من هم بحسنة و من هم بسيئة إنما هو في المؤمن الذى يهم بسيئة أو حسنة يمكنه فعلها فربما فعلها وربما تركها لأنه أخبر أن الحسنة تضاعف بسمعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة

(10/768)


وهذا إنما هو لمن يفعل الحسنات لله كما قال تعالى مثل الين ينفقون أموالهم فى سبيل الله و وإبتغاء مرضاة الله و إبتغاء وجه ربه وهذا للمؤمنين فإن الكافر وإن كان الله يطعمه بحسناته فى الدنيا وقد يخفف عنه بها فى الآخرة كما خفف عن أبى طالب لإحسانه إلى النبى وبشفاعة النبى فلم يوعد لكافر على حسناته بهذا التضعيف وقد جاء ذلك مقيدا فى حديث آخر أنه فى المسلم الذى هو حسن الإسلام والله سبحانه أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

(10/769)


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده
سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه عن الصوفية وانهم أقسام والفقراء أقسام فما صفة كل قسم وما يجب عليه ويستحب له ان يسلكه
فأجاب الحمد لله أما لفظ الصوفية فانه لم يكن مشهورا فى القرون الثلاثة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالامام احمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وغيرهما وقد روى عن سفيان الثورى أنه تكلم به وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى
وتنازعوا فى المعنى الذى

(11/5)


أضيف إليه الصوفي فانه من أسماء النسب كالقرشى والمدنى وأمثال ذلك فقيل أنه نسبة إلى أهل الصفة وهو غلط لأنه لو كان كذلك لقيل صفى وقيل نسبة إلى الصف المقدم بين يدى الله وهو أيضا غلط فانه لو كان كذلك لقيل صفى وقيل نسبة إلى الصفوة من خلق الله وهو غلط لأنه لو كان كذلك لقيل صفوى وقيل نسبة إلى صوفة بن بشر بن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم ينسب إليهم النساك وهذا وإن كان موافقا للنسب من جهة اللفظ فانه ضعيف أيضا لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر النساك ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان النسب فى زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى ولأن غالب من تكلم باسم الصوفى لا يعرف هذه القبيلة ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة فى الجاهلية لا وجود لها فى الاسلام
وقيل وهو المعروف أنه نسبة إلى لبس الصوف فانه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد وعبد الواحد من أصحاب الحسن وكان فى البصرة من المبالغة فى الزهد والعبادة والخوف ونحو وذلك

(11/6)


ما لم يكن فى سائر أهل الامصار ولهذا كان يقال فقه كوفى وعبادة بصرية وقد روى أبو الشيخ الاصبهانى باسناده عن محمد بن سيرين أنه بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف فقال أن قوما يتخيرون الصوف يقولون أنهم متشبهون بالمسيح بن مريم وهدى نبينا أحب الينا وكان النبى يلبس القطن وغيره أو كلاما نحوا من هذا
ولهذا غالب ما يحكى من المبالغة فى هذا الباب إنما هو عن عباد أهل البصرة مثل حكاية من مات أو غشى عليه في سماع القرآن ونحوه كقصة زرارة بن أوفى قاضى البصرة فانه قرأ فى صلاة الفجر فإذا نقر فى الناقور فخر ميتا وكقصة ابى جهير الأعمى الذى قرأ عليه صالح المرى فمات وكذلك غيره ممن روى أنهم ماتوا باستماع قراءته وكان فيهم طوائف يصعقون عند سماع القرآن ولم يكن فى الصحابة من هذا حاله فلما فلما ظهر ذلك أنكر ذلك طائفة من الصحابة والتابعين كأسماء بنت ابى بكر وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين ونحوهم
والمنكرون لهم مأخذان منهم من ظن ذلك تكلفا وتصنعا يذكر عن محمد بن سيرين انه قال ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ على

(11/7)


احدهم وهو على حائط فان خر فهو صادق ومنهم من انكر ذلك لأنه رآه بدعة مخالفا لما عرف من هدى الصحابة كما نقل عن اسماء وابنها عبد الله
والذي عليه جمهور العلماء ان الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ينكر عليه وان كان حال الثابت أكمل منه ولهذا لما سئل الامام أحمد عن هذا فقال قرىء القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشى عليه ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد فما رأيت أعقل منه ونحو هذا وقد نقل عن الشافعى أن اصابه ذلك وعلى بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة وبالجملة فهذا كثير ممن لا يستراب فى صدقه لكن الأحوال التى كانت فى الصحابة هى المذكورة فى القرآن وهي وجل القلوب ودموع العين واقشعرار الجلود كما قال تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون وقال تعالى الله نزل احسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله وقال تعالى إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا وقال وإذا سمعوا ما انزل إلى

(11/8)


الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق وقال ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا وقد يذم حال هؤلاء من فيه من قسوة القلوب والرين عليها والجفاء عن الدين ما هو مذموم وقد فعلوا ومنهم من يظن أن حالهم هذا أكمل الأحوال واتمها واعلاها وكلا طرفى هذه الامور ذميم
بل المراتب ثلاث احدها حال الظالم لنفسه الذى هو قاسى القلب لا يلين للسماع والذكر وهؤلاء فيهم شبه من اليهود قال الله تعالى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو اشد قسوة وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون وقال تعالى ألم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون و الثانية حال المؤمن التقى الذى فيه ضعف عن حمل ما يرد على قلبه فهذا الذى يصعق صعق موت أو صعق غشى فان ذلك

(11/9)


إنما يكون لقوة الوارد وضعف القلب عن حمله وقد يوجد مثل هذا فى من يفرح أو يخاف أو يحزن أو يحب امورا دنيوية يقتله ذلك أو يمرضه أو يذهب بعقله ومن عباد الصور من امرضه العشق أو قتله أو جننه وكذلك فى غيره ولا يكون هذا إلا لمن ورد عليه امر ضعفت نفسه عن دفعه بمنزلة ما يرد على البدن من الاسباب التى تمرضه أو تقتله أو كان احدهم مغلوبا على ذلك فإذا كان لم يصدر منه تفريط ولا عدوان لم يكن فيه ذنب فيما اصابه فلا وجه للريبة كمن سمع القرآن السماع الشرعى ولم يفرط بترك ما يوجب له ذلك
وكذلك ما يرد على القلوب مما يسمونه السكر والفنا ونحو ذلك من الامور التى تغيب العقل بغير اختيار صاحبها فانه إذا لم يكن السبب محظورا لم يكن السكران مذموما بل معذورا فان السكران بلا تمييز وكذلك قد يحصل ذلك بتناول السكر من الخمر والحشيشة فانه يحرم بلا نزاع بين المسلمين ومن استحل السكر من هذه الأمور فهو كافر وقد يحصل بسبب محبة الصور وعشقها كما قيل ... سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران

(11/10)


وهذا مذموم لأن سببه محظور وقد يحصل بسبب سماع الأصوات المطربة التى تورث مثل هذا السكر وهذا أيضا مذموم فانه ليس للرجل أن يسمع من الأصوات التى لم يؤمر بسماعها ما يزيل عقله إذ إزالة العقل محرم ومتى افضى إليه سبب غير شرعى كان محرما وما يحصل فى ضمن ذلك من لذة قلبية أو روحية ولو بأمور فيها نوع من الايمان فهى مغمورة بما يحصل معها من زوال العقل ولم يأذن لنا الله ان نمتع قلوبنا ولا أرواحنا من لذات الايمان ولا غيرها بما يوجب زوال عقولنا بخلاف من زال عقله بسبب مشروع أو بأمر صادفه لا حيلة له فى دفعه وقد يحصل السكر بسبب لا فعل للعبد فيه كسماع لم يقصده يهيج قاطنه ويحرك ساكنه ونحو ذلك وهذا لاملام عليه فيه وما صدر عنه فى حال زوال عقله فهو فيه معذور لأن القلم مرفوع عن كل من زال عقله بسبب غير محرم كالمغمى عليه والمجنون ونحوهما ومن زال عقله بالخمر فهل هو مكلف حال زوال عقله فيه قولان مشهوران وفى طلاق من هذه حاله نزاع مشهور
ومن زال عقله بالبنج يلحق به كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعى واحمد وقيل يفرق بينه وبين الخمر لأن هذا يشتهى وهذا لا يشتهى ولهذا

(11/11)


أوجب الحد فى هذا دون هذا وهذا هو المنصوص عن أحمد ومذهب أبى حنيفة ومن هؤلاء من يقوى عليه الوارد حتى يصير مجنونا إما بسبب خلط يغلب عليه واما بغير ذلك ومن هؤلاء عقلاء المجانين الذين يعدون فى النساك وقد يسمون المولهين قال فيهم بعض العلماء هؤلاء قوم اعطاهم الله عقولا واحوالا فسلب عقولهم وأسقط ما فرض بما سلب فهذه الاحوال التى يقترن بها الغشى أو الموت أو الجنون أو السكر أو الفناء حتى لا يشعر بنفسه ونحو ذلك إذا كانت اسبابها مشروعة وصاحبها صادقا عاجزا عن دفعها كان محمودا على ما فعله من الخير وما ناله من الايمان معذورا فيما عجز عنه واصابه بغير اختياره وهم اكمل ممن لم يبلغ منزلتهم لنقص إيمانهم وقسوة قلوبهم ونحو ذلك من الأسباب التى تتضمن ترك ما يحبه الله أو فعل ما يكرهه الله ولكن من لم يزل عقله مع انه قد حصل له من الايمان ما حصل لهم أو مثله أو اكمل منه فهو افضل منهم
وهذه حال الصحابة رضى الله عنهم وهو حال نبينا صلى الله عليه و سلم فانه اسرى به إلى السماء واراه الله ما اراه واصبح كبائت لم يتغير عليه حاله فحاله أفضل من

(11/12)


حال موسى الذى خر صعقا لما تجلى ربه للجبل وحال موسى حال جليلة علية فاضلة لكن حال محمد أكمل واعلا وأفضل
والمقصود أن هذه الأمور التى فيها زيادة فى العبادة والاحوال خرجت من البصرة وذلك لشدة الخوف فان الذى يذكرونه من خوف عتبة الغلام وعطاء السليمى وامثالهما امر عظيم ولا ريب ان حالهم أكمل وأفضل ممن لم يكن عنده من خشية الله ما قابلهم أو تفضل عليهم ومن خاف الله خوفا مقتصدا يدعوه إلى فعل ما يحبه الله وترك ما يكرهه الله من غير هذه الزيادة فحاله أكمل وأفضل من حال هؤلاء وهو حال الصحابة رضى الله عنهم وقد روى ان عطاء السليمى رضى الله عنه رؤى بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال قال لى يا عطاء اما استحيت منى أن تخافى كل هذا اما بلغك أنى غفور رحيم
وكذلك ما يذكر عن أمثال هؤلاء من الأحوال من الزهد والورع والعبادة وأمثال ذلك قد ينقل فيها من الزيادة على حال الصحابة رضى الله عنهم وعلى ما سنه الرسول أمور توجب ان يصير الناس طرفين
قوم يذمون هؤلاء وينتقصونهم وربما اسرفوا فى ذلك

(11/13)


وقوم يغلون فيهم ويجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق واعلاها والتحقيق انهم فى هذه العبادات والأحوال مجتهدون كما كان جيرانهم من أهل الكوفة مجتهدين فى مسائل القضاء والامارة ونحو ذلك وخرج فيهم الرأى الذى فيه من مخالفة السنة ما انكره جمهور الناس وخيار الناس من أهل الفقه والرأى فى أولئك الكوفيين على طرفين
قوم يذمونهم ويسرفون فى ذمهم وقوم يغلون فى تعظيمهم ويجعلونهم أعلم بالفقه من غيرهم وربما فضلوهم على الصحابة كما أن الغلاة فى أولئك العباد قد يفضلونهم على الصحابة وهذا باب يفترق فيه الناس
والصواب للمسلم أن يعلم أن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه و سلم وخير القرون القرن الذى بعث فيهم وان أفضل الطرق والسبل الى الله ما كان عليه هو وأصحابه ويعلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا الله بحسب اجتهادهم ووسعهم كما قال الله تعالى فاتقوا الله ما أستطعتم وقال

(11/14)


إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وقال لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وان كثيرا من المؤمنين المتقين اولياء الله قد لا يحصل لهم من كمال العلم والايمان ما حصل للصحابة فيتقى الله ما استطاع ويطيعه بحسب اجتهاده فلابد أن يصدر منه خطأ اما فى علومه وأقواله وأما فى اعماله واحواله ويثابون على طاعتهم ويغفر لهم خطاياهم فان الله تعالى قال آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير إلى قوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله تعالى قد فعلت فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء أو طريق أحد من العباد والنساك أفضل من طريق الصحابة فهو مخطىء ضال مبتدع ومن جعل كل مجتهد فى طاعة اخطأ فى بعض الأمور مذموما معيبا ممقوتا فهو مخطىء ضال مبتدع ثم الناس فى الحب والبغض والموالاة
والمعاداة هم أيضا مجتهدون يصيبون تارة ويخطئون تارة وكثير من الناس إذا علم من الرجل ما يحبه أحب الرجل مطلقا وأعرض عن سيئاته وإذا علم منه ما يبغضه أبغضه مطلقا واعرض عن حسناته محاط وحال من

(11/15)


يقول بالتحافظ وهذا من اقوال أهل البدع والخوارج والمعتزلة والمرجئة وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والاجماع وهو ان المؤمن يستحق وعد الله وفضله الثواب على حسناته ويستحق العقاب على سيئاته وإن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه وما يعاقب عليه وما يحمد عليه وما يذم عليه وما يحب منه وما يبغض منه فهذا هذا
وذا عرف ان منشأ التصوف كان من البصرة وأنه كان فيها من يسلك طريق العبادة والزهد مما له فيه اجتهاد كما كان فى الكوفة من يسلك من طريق الفقه والعلم ما له فيه اجتهاد وهؤلاء نسبوا الى اللبسة الظاهرة وهى لباس الصوف فقيل فى احدهم صوفى وليس طريقهم مقيدا بلباس الصوف ولا هم اوجبوا ذلك ولا علقوا الأمر به لكن اضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال
ثم التصوف عندهم له حقائق وأحوال معروفة قد تكلموا فى حدوده وسيرته وأخلاقه كقول بعضهم الصوفى من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر واستوى عنده الذهب والحجر التصوف كتمان المعانى وترك الدعاوى واشباه ذلك وهم يسيرون بالصوفى إلى

(11/16)


معنى الصديق و أفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون كما قال الله تعالى أولئك الذين انعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ولهذا ليس عندهم بعد الأنبياء أفضل من الصوفى لكن هو فى الحقيقة نوع من الصديقين فهو الصديق الذى اختص بالزهد والعبادة على الوجه الذى اجتهدوا فيه فكان الصديق من أهل هذه الطريق كما يقال صديقو العلماء وصديقو الأمراء فهو اخص من الصديق المطلق ودون الصديق الكامل الصديقية من الصحابة والتابعين وتابعيهم فإذا قيل عن أولئك الزهاد والعباد من البصريين أنهم صديقون فهو كما يقال عن أئمة الفقهاء من أهل الكوفة أنهم صديقون أيضا كل بحسب الطريق الذى سلكه من طاعة الله ورسوله بحسب اجتهاده وقد يكونون من أجل الصديقين بحسب زمانهم فهم من أكمل صديقى زمانهم والصديق فى العصر الأول أكمل منهم والصديقون درجات وانواع ولهذا يوجد لكل منهم صنف من الأحوال والعبادات حققه واحكمه وغلب عليه وان كان غيره فى غير ذلك الصنف أكمل منه وأفضل منه
ولأجل ما وقع فى كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس فى طريقهم فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا أنهم

(11/17)


مبتدعون خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة فى ذلك من الكلام ما هو معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام وطائفة غلت فيهم وادعوا انهم افضل الخلق واكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفى هذه الأمور ذميم
والصواب أنهم مجتهدون فى طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذى هو من أهل اليمين وفى كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطىء وفيهم من يذنب فيتوب او لا يتوب
ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه وقد انتسب اليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلا فان أكثر مشائخ الطريق انكروه واخرجوه عن الطريق مثل الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى فى طبقات الصوفية وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب فى تاريخ بغداد فهذا أصل التصوف ثم انه بعد ذلك تشعب وتنوع وصارت

(11/18)


الصوفية ثلاثة أصناف صوفية الحقائق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم فأما صوفية الحقائق فهم الذين وصفناهم وأما صوفية الأرزاق فهم الذين وقفت عليهم الوقوف كالخوانك فلا يشترط فى هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق فان هذا عزيز وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك ولكن يشترط فيم ثلاثة شروط
أحدها العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم و الثانى التأدب بآداب أهل الطريق وهى الآداب الشرعية فى غالب الأوقات وأما الآداب البدعية الوضعية فلا يلتفت إليها و الثالث ان لا يكون احدهم متمسكا بفضول الدنيا فاما من كان جماعا للمال أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة ولا يتأدب بالآداب الشرعية أو كان فاسقا فانه لا يستحق ذلك وأما صوفية الرسم فهم المقتصرون على النسبة فهمهم فى اللباس

(11/19)


والآداب الوضعية ونحو ذلك فهؤلاء فى الصوفية بمنزلة الذى يقتصر على زى أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة امره أنه منهم وليس منهم
وأما اسم الفقير فانه موجود فى كتاب الله وسنة رسوله لكن المراد به فى الكتاب والسنة الفقير المضاد للغنى كما قال النبى والفقراء والفقر أنواع فمنه المسوغ لأخذ الزكاة وضده الغنى المانع لأخذ الزكاة كما قال النبى لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى مكتسب والغنى الموجب للزكاة غير هذا عند جمهور العلماء كمالك والشافعى واحمد وهو ملك النصاب وعندهم قد تجب على الرجل الزكاة ويباح له أخذ الزكاة خلافا لأبى حنيفة والله سبحانه قد ذكر الفقراء فى مواضع لكن ذكر الله الفقراء المستحقين للزكاة فى آية والفقراء المستحقين للفىء فى آية فقال فى الأولى ان تبدوا الصدقات فنعما هى وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم إلى قوله للفقراء المهاجرين الذين احصروا فى سبيل

(11/20)


الله لا يستطيعون ضربا فى الأرض يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا وقال فى الثانية ما افاء الله على رسوله من أهل القرى الآية إلى قوله للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون وهؤلاء الفقراء قد يكون فيهم من هو أفضل من كثير من الأغنياء وقد يكون من الأغنياء من هو أفضل من كثير منهم
وقد تنازع الناس أيما أفضل الفقير الصابر أو الغنى الشاكر والصحيح أن أفضلهما اتقاهما فان استويا فى التقوى استويا فى الدرجة كما قد بيناه فى غير هذا الموضع فان الفقراء يسبقون الاغنياء الى الجنة لأنه لا حساب عليهم ثم الأغنياء يحاسبون فمن كانت حسناته أرجح من حسنات فقير كانت درجته فى الجنة أعلى وان تأخر عنه فى الدخول ومن كانت حسناته دون حسناته كانت درجته دونه لكن لما كان جنس الزهد فى الفقراء اغلب صار الفقر فى اصطلاح كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد وهو من جنس التصوف فإذا قيل هذا فيه فقر أو ما فيه فقر لم يرد به عدم المال

(11/21)


ولكن يراد به ما يراد باسم الصوفى من المعارف والأحوال والأخلاق والأدب ونحو ذلك
وعلى هذا الاصطلاح قد تنازعوا أيما أفضل الفقير أو الصوفى فذهب طائفة إلى ترجيح الصوفى كأبى جعفر السهروردي ونحوه وذهب طائفة إلى ترجيح الفقير كطوائف كثيرين وربما يختص هؤلاء بالزوايا وهؤلاء بالخوانك ونحو ذلك وأكثر الناس قد رجحوا الفقير والتحقيق أن أفضلهما اتقاهما فان كان الصوفى اتقى لله كان أفضل منه وهو أن يكون أعمل بما يحبه الله وأترك لما لا يحبه فهو أفضل من الفقير وان كان الفقير أعمل بما يحبه الله وأترك لما لا يحبه كان أفضل منه فان استويا فى فعل المحبوب وترك غير المحبوب استويا فى الدرجة و أولياء الله هم المؤمنون المتقون سواء سمى أحدهم فقيرا أو صوفيا أو فقيها أو عالما أو تاجرا أو جنديا أو صانعا أو أميرا أو حاكما أو غير ذلك
قال الله تعالى ألا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون

(11/22)


وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى قال يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه وهذا الحديث قد بين فيه أولياء الله المقتصدين أصحاب اليمين والمقربين السابقين
فالصنف الأول الذين تقربوا إلى الله بالفرائض والصنف الثانى الذى تقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض وهم الذين لم يزالوا يتقربون إليه بالنوافل حتى احبهم كما قال تعالى وهذان الصنفان قد ذكرهم الله فى غير موضع من كتابه كما قال ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات وكما قال الله تعالى إن الأبرار لفى نعيم عل الارائك ينظرون تعرف فى وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون قال ابن عباس يشرب

(11/23)


بها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا وقال تعالى ويسقون فيا كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا وقال تعالى وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقربون وقال تعالى فاما ان كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم واما ان كان من اصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وهذا الجواب فيه جمل تحتاج إلى تفصيل طويل لم يتسع له هذا الموضع والله أعلم

(11/24)


وسئل ما تقول الفقهاء رضى الله عنهم فى رجل يقول ان الفقر لم نتعبد به ولم نؤمر به ولا جسم له ولا معنى وأنه غير سبيل موصل إلى رضا الله تعالى وإلى رضا رسوله وإنما تعبدنا بمتابعة أمر الله واجتناب نهيه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم وان اصل كل شىء العلم والتعبد به والعمل به والتقوى والورع عن المحارم والفقر المسمى على لسان الطائفة والأكابر هو الزهد فى الدنيا والزهد فى الدنيا يفيده العلم الشرعى فيكون الزهد فى الدنيا العمل بالعلم وهذا هو الفقر فإذا الفقر فرع من فروع العلم والأمر على هذا وما ثم طريق أو صل من العلم والعمل بالعلم على ما صح وثبت عن النبى ويقول ان الفقر المسمى المعروف عند أكثر أهل الزى المشروع فى هذه الاعصار من الزى والألفاظ والاصطلاحات المعتادة غير مرضى لله ولا لرسوله فهل الأمر كما قال أو غير ذلك افتونا مأجورين

(11/25)


فأجاب الشيخ تقى الدين ابن تيمية رضى الله عنه
الحمد لله أصل هذه المسألة ان الألفاظ التى جاء بها الكتاب والسنة علينا ان نتبع ما دلت عليه مثل لفظ الايمان والبر والتقوى والصدق والعدل والاحسان والصبر والشكر والتوكل والخوف والرجاء والحب لله والطاعة لله وللرسول وبر الوالدين والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه الله ورسوله من القلب والبدن فهذه الأمور التى يحبها الله ورسوله هى الطريق الموصل إلى الله مع ترك ما نهى الله عنه ورسوله كالكفر والنفاق والكذب والاثم والعدوان والظلم والجزع والهلع والشرك والبخل والجبن وقسوة القلب والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك فعلى كل مسلم ان ينظر فيما أمر الله به ورسوله فيفعله وما نهى الله عنه ورسوله فيتركه هذا هو طريق الله وسبيله ودينه الصراط المستقيم صراط الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
وهذا الصراط المستقيم يشتمل على علم وعمل علم شرعى وعمل شرعى فمن علم ولم يعمل بعلمه كان فاجرا ومن عمل بغير علم كان ضالا وقد امرنا الله سبحانه ان نقول اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال النبى اليهود مغضوب عليهم والنصارى

(11/26)


ضالون وذلك ان اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به والنصارى عبدوا الله بغير علم
ولهذا كان السلف يقولون احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فان فتنتهما فتنة لكل مفتون وكانوا يقولون من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى فمن دعا إلى العلم دون العمل المأمور به كان مضلا ومن دعا الى العمل دون العلم كان مضلا واضل منهما من سلك فى العلم طريق أهل البدع فيتبع امورا تخالف الكتاب والسنة يظنها علوما وهى جهالات وكذلك من سلك فى العبادة طريق أهل البدع فيعمل أعمالا تخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات وهي ضلالات فهذا وهذا كثير فى المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر يجتمع فيه انه يدعو إلى العلم دون العمل والعمل دون العلم ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة وطريق الله لا تتم إلا بعلم وعمل يكون كلاهما موافقا الشريعة فالسالك طريق الفقر والتصوف والزهد والعبادة ان لم يسلك بعلم يوافق الشريعة والا كان ضالا عن الطريق وكان ما يفسده اكثر مما يصلحه والسالك من الفقه والعلم والنظر والكلام ان لم يتابع الشريعة ويعمل بعلمه والا كان فاجرا ضالا عن الطريق فهذا هو

(11/27)


الأصل الذى يجب اعتماده 2 على كل مسلم وأما التعصب لأمر من الامور بلا هدى من الله فهو من عمل الجاهلية ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله
ولا ريب ان لفظ الفقر فى الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين وتابعيهم لم يكونوا يريدون به نفس طريق الله وفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه والأخلاق المحمودة ولا نحو ذلك بل الفقر عندهم ضد الغنى و الفقراء هم الذين ذكرهم الله فى قوله إنما الصدقات للفقراء والمساكين وفى قوله للفقراء الذين احصروا فى سبيل الله وفى قوله للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم و الغنى هو الذى لا يحل له اخذ الزكاة أو الذى تجب عليه الزكاة او ما يشبه ذلك لكن لما كان الفقر مظنة الزهد طوعا أو كرها إذ من العصمة ان لا تقدر وصار المتأخرون كثيرا ما يقرنون بالفقر معنى الزهد والزهد قد يكون مع الغنى وقد يكون مع الفقر ففى الأنبياء والسابقين الأولين ممن هو زاهد مع غناه كثير
و الزهد المشروع ترك ما لا ينفع فى الدار الآخرة وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله فليس تركه من الزهد المشروع

(11/28)


بل ترك الفضول التى تشغل عن طاعة الله ورسوله هو المشروع
وكذلك فى اثناء المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك بلفظ الصوفى لان لبس الصوف يكثر فى الزهاد ومن قال ان الصوفى نسبة إلى الصفة أو الصفا أو الصف الأول أو صوفة بن بشر بن اد بن طابخة أو صوفة القفا فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى لكن من الناس من قد لمحوا الفرق فى بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار ولا يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه فيكون ناقص الايمان بحسب ما سوى بين الابرار والفجار ويكون معه من الايمان بدين الله تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين أوليائه واعدائه
ومن أقر بالامر والنهى الدينيين دون القضاء والقدر وكان من القدرية كالمعتزلة ونحوهم الذين هم مجوس هذه الامة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من اتباع ابليس الذى اعترض على الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه فهذا التقسيم فى القول والاعتقاد وكذلك هم فى الأحوال والأفعال فالصواب منها حالة المؤمن الذى يتقى الله فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما يصيبه

(11/29)


من المقدور فهو عند الأمر والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما قال تعالى إياك نعبد وإياك نستعين وإذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ولا يرى المخلوق حجة على رب الكائنات بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما فى الحديث الصحيح الذى فيه سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم انت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ابوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى فاغفر لى فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت فيقر بنعمة الله عليه فى الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما قال بعضهم اطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك فاسألك بوجوب حجتك على وانقطاع حجتى إلا غفرت لى
وفى الحديث الصحيح الالهى يا عبادى إنما هى أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وهذا له تحقيق مبسوط فى غير هذا الموضع
وآخرون قد يشهدون الأمر فقط فتجدهم يجتهدون فى الطاعة حسب الاستطاعة لكن ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب

(11/30)


لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر الله ورسوله واتباع شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم يريدون ان يعبدوه ولا يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينه والقسم الرابع شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه فلا هو مع الشريعة الأمرية ولا مع القدر الكونى وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل المقدور من توكل واستعانة ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم فى التقوى وهى طاعة الأمر الدينى والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكونى أربعة أقسام
أحدها أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم أهل السعادة فى الدنيا والآخرة
والثانى الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات لكن إذا اصيب أحدهم

(11/31)


فى بدنه بمرض ونحوه أو ماله أو فى عرضه أو ابتلى بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه
والثالث قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ما يصيبهم فى مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام فى مثل ما يطلبونه من الغصب واخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك فى طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرياسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الاذى التى لا يصبر عليها كثير من الناس وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون فى مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الاذى والآلام وهؤلاء هم الذين يريدون علوا فى الأرض أو فسادا من طلاب الرياسة والعلو على الخلق ومن طلاب الأموال بالبغى والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة وغير ذلك يصبرون على انواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور وفعلوه من المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر

(11/32)


وأما القسم الرابع فهو شر الاقسام لا يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ابتلوا بل هم كما قال الله تعالى إن الانسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس واجبرهم إذا قدروا ومن اذل الناس وأجزعهم إذا قهروا ان قهرتهم ذلوا لك ونافقوك وحبوك واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن انفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم المسؤل وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا واقلهم رحمة واحسانا وعفوا كما قد جربه المسلمون فى كل من كان عن حقائق الايمان أبعد مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم فى كثير من أمورهم وان كان متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار بالحقائق فان الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم
فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها له من هذا الوجه وكان ما معه من الاسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الاسلام وما يظهرونه منه بل يوجد فى غير التتار المقاتلين من المظهرين للاسلام من هو أعظم ردة واولى بالاخلاق الجاهلية وابعد عن الأخلاق الاسلامية من التتار وفى الصحيح عن النبى أنه كان يقول فى خطبه خير الكلام كلام الله وخير

(11/33)


الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به اشبه كان إلى الكمال اقرب وهو به احق ومن كان عن ذلك ابعد وشبهه اضعف كان عن الكمال ابعد وبالباطل أحق والكامل هو من كان لله اطوع وعلى ما يصيبه اصبر فكلما كان اتبع لما يأمر الله به ورسوله واعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه وصبر على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك
وقد ذكر 2 الله تعالى الصبر والتقوى جميعا فى غير موضع من كتابه وبين أنه ينصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين والمعاهدين والمنافقين وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة قال الله تعالى بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وقال الله تعالى لتبلون فى أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا أذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من افواههم وما تخفى صدورهم

(11/34)


اكبر قد بينا لكم الآيات ان كنتم تعقلون ها أنتم أولا تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعملون محيط وقال أخوة يوسف له أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا اخى قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين
وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين وفى اتباع ما اوحى اليه التقوى كلها تصديقا لخبر الله وطاعة لامره وقال تعالى وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل وان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين وقال تعالى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار وقال تعالى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل وقال تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة إلا على الخاشعين وقال تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر

(11/35)


وقرن بين الرحمة والصبر فى مثل قوله تعالى وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة وفى الرحمة الاحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فان القسمة ايضا رباعية اذ من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع والمحمود هو الذى يصبر ويرحم كم قال الفقهاء فى صفة المتولى ينبغى ان يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العبد فان النصر مع الصبر وبالرحمة يC تعالى كما قال النبى إنما يرحم الله من عباده الرحماء وقال من لم يرحم لا يرحم وقال لا تنزع الرحمة إلا من شقى الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء والله أعلم انتهى

(11/36)


سئل شيخ الاسلام وقدوة الانام ومفتى الفرق وناصر السنة تقى الدين ابو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رضى الله عنه عن أهل الصفة كم كانوا وهل كانوا بمكة أو بالمدينة واين موضعهم الذى كانوا يقيمون فيه وهل كانوا مقيمين باجمعهم لا يخرجون إلا خروج حاجة أو كان منهم من يقعد بالصفة ومنهم من يتسبب فى القوت وما كان تسببهم هل يعملون بأبدانهم أم يشحذون بالزنبيل وفى من يعتقد ان أهل الصفة قاتلوا المؤمنين مع المشركين وفيمن يعتقد ان أهل الصفة أفضل من أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم ومن الستة الباقين من العشرة ومن جميع الصحابة وهل كان فيهم أحد من العشرة وهل كان فى ذلك الزمان أحد ينذر لأهل الصفة وهل تواجدوا على دف أو شبابة أو كان لهم حاد ينشد الاشعار ويتحركون عليها بالتصدية ويتواجدون وعن هذه الآية وهى قوله تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى هل هى مخصوصة بأهل الصفة أم هى

(11/37)


عامة وهل الحديث الذى يرويه كثير من العامة ويقولون إن رسول الله قال ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولى لله لا الناس يعرفونه ولا الولى يعرف انه ولى صحيح وهل تخفى حالة الأولياء أو طريقتهم على أهل العلم أو غيرهم ولماذا سمى الولى وليا وما المراد بالولى وما الفقراء الذين يسبقون الأغنياء إلى الجنة وما الفقراء الذين أوصى بهم فى كلامه وذكرهم سيد خلقه وخاتم أنبيائه ورسله محمد فى سنته هل هم الذين لا يملكون كفايتهم أهل الفاقة والحاجة أم لا
فأجاب شيخ الاسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضى الله عنه بقلمه ما صورته
الحمد لله رب العالمين
أما الصفة التى ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبى فكانت فى مؤخر مسجد النبى فى شمالى المسجد بالمدينة النبوية كان يأوى إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوى إليه وذلك ان الله سبحانه وتعالى أمر نبيه

(11/38)


والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن من آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج وبايعهم بيعة العقبة عند منى وصار للمؤمنين دار عز ومنعة جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة
وكان المؤمنون السابقون بها صنفين المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم والأنصار الذين هم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم بالقيد والحبس وآخرون كانوا مقيمين بين ظهرانى الكفار المستظهرين عليهم فكل هذه الأصناف مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم قال الله تعالى إن ا الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين أووا ونصرو أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم فهذا فى السابقين ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال والذين آمنوا من بعد

(11/39)


وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله ان الله بكل شىء عليم وقال الله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه الآية وذكر فى السورة الاعراب المؤمنين وذكر المنافقين من أهل المدينة ومن حولها وقال سبحانه وتعالى ان الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا
فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على الأنصار بأهله أو بغير أهله لأن المبايعة كانت على ان يؤووهم ويواسوهم وكان فى بعض الأوقات اذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل عنده منهم وكان النبى صلى الله عليه و سلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئا بعد شىء فان الاسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه والنبى يغزو الكفار تارة بنفسه وتارة بسراياه

(11/40)


فيسلم خلق تارة ظاهرا وباطنا وتارة ظاهرا فقط ويكثر المهاجرون إلى المدينة من الفقراء والأغنياء والاهلين والعزاب فكان من لم يتيسر له مكان يأوى اليه يأوى إلى تلك الصفة التى فى المسجد ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون فى وقت واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له ويجىء ناس بعد ناس فكانوا تارة يقلون وتارة يكثرون فتارة يكونون عشرة أو أقل وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين
وأما جملة من أوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد قيل كانوا نحو أربعمائة من الصحابة وقد قيل كانوا أكثر من ذلك ولم يعرف كل واحد منهم وقد جمع اسماءهم الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى فى كتاب تارخ أهل الصفة جمع ذكر من بلغه أنه كان من أهل الصفة وكان معتنيا بذكر اخبار النساك والصوفية والآثار التى يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم وجمع اخبار زهاد السلف واخبار جميع من بلغه انه كان من أهل الصفة وكم بلغوا واخبار الصوفية المتأخرين بعد القرون الثلاثة وجمع أيضا فى الأبواب مثل حقائق التفسير ومثل أبواب التصوف الجارية على ابواب الفقه ومثل كلامهم فى التوحيد والمعرفة والمحبة ومسألة السماع وغير ذلك من الاحوال وغير ذلك من الابواب وفيما جمعه فوائد كثيرة ومنافع جليلة

(11/41)


وهو فى نفس رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شىء كثير ويروى أحيانا أخبارا ضعيفة بل موضوعة يعلم العلماء أنها كذب
وقد تكلم بعض حفاظ الحديث فى سماعه
وكان البيهقى إذا روى عنه يقول حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وما يظن به وبأمثاله أن شاء الله تعمد الكذب لكن لعدم الحفظ والاتقان يدخل عليهم الخطأ فى الرواية فان النساك والعباد منهم من هو متقن فى الحديث مثل ثابت البنانى والفضيل بن عياض وامثالهما ومنهم من قد يقع فى بعض حديثه غلط وضعف مثل مالك بن دينار وفرقد السبخى ونحوهما
وكذلك ما يأثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين فى الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأفعال والأحوال فيه من الهدى والعلم شىء كثير وفيه احيانا من الخطأ اشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ وبعضه باطل قطعا مثل ما ذكر فى حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة وذكر عن بعض طائفة أنواعا من الاشارات التى بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة وبعضها من نوع الباطل واللغو

(11/42)


فالذى جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن ونحوه فى تاريخ أهل الصفة واخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب منه ما فيه من الروايات الباطلة ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة
وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمين وغيرهم يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شىء كثير وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذى بعث الله به رسوله ويوجد أحيانا عندهم من جنس الروايات الباطلة أو الضعيفة ومن جنس الآراء والأذواق الفاسدة او المحتملة شىء كثير
ومن له فى الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد فى جماهير أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم وعامته من موارد الاجتهاد التى يعذرون فيها وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس

(11/43)


فصل وأما حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا فى الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الاوقات فكما وصفهم الله تعالى فى كتابه حيث بين مستحقى الصدقة منهم ومستحقى الفىء منهم فقال إن تبدوا الصدقات فنعما هى وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير إلى قوله للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا فى الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وقال فى أهل الفىء للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون
وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند امكان الاكتساب الذى لا يصدهم عما هو أوجب أو احب إلى الله ورسوله من الكسب وأما إذا احصروا فى سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله وكان أهل الصفة ضيوف

(11/44)


الاسلام يبعث إليهم النبى بما يكون عنده فان الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق
وأما المسألة فكانوا فيها كما أدبهم النبى صلى الله عليه و سلم حيث حرمها على المستغنى عنها وأباح منا ان يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه من مال الله أو يسأل إذا كان لابد سائلا الصالحين الموسرين إذا احتاج إلى ذلك ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقا حتى كان السوط يسقط من يد احدهم فلا يقول لاحد ناولنى إياه
وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل وكلام العلماء لا يسعه هذا المكان مثل قوله لعمر بن الخطاب ما أتاك من هذا المال وانت غير سائل ولا مشرف فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك ومثل قوله من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطى احد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ومثل قوله من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشا أو خموشا أو كدوشا فى وجهه ومثل قوله لان يأخذ احدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس اعطوه أو منعوه إلى غير ذلك من الأحاديث

(11/45)


وأما الجائز منها فمثل ما أخبر الله تعالى عن موسى والخضر انهما اتيا أهل قرية فاستطعما أهلها ومثل قوله لا تحل المسألة الا لذى دم موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع ومثل قوله لقبيصة إبن مخارق الهلالى يا قبيصة لا تحل المسألة الا لثلاثة رجل اصابته جائحة اجتاحت ماله فسأل حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش ثم يمسك ورجل اصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجا من قومه فيقولون لقد أصابت فلان فاقة فسأل حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش ثم يمسك ورجل تحمل حمالة فسأل حتى يجد حمالته ثم يمسك وما سوى ذلك من المسألة فانما هي سحت يأكله صاحبه سحتا
ولم يكن فى الصحابة لا أهل الصفة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس ولا الالحاف فى المسألة بالكدية والشحاذة لا بالزنبيل ولا غيره صناعة وحرفة بحيث لا يبتغى الرزق الا بذلك كما لم يكن فى الصحابة أيضا أهل فضول من الاموال يتركون لا يؤدون الزكاة ولا ينفقون أموالهم فى سبيل الله ولا يعطون فى النوائب بل هذان الصنفان الظالمان المصران على الظلم الظاهر من مانعى الزكاة والحقوق الواجبة والمتعدين حدود الله تعالى فى أخذ اموال الناس كانا معدومين فى الصحابة المثنى عليهم

(11/46)


فصل وأما من قال إن احدا من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم او التابعين أو تابعى التابعين قاتل مع الكفار أو قاتلوا النبى أو أصحابه أو انهم كانوا يستحلون ذلك أو أنه يجوز ذلك فهذا ضال غاو بل كافر يجب ان يستتاب من ذلك فان تاب وإلا قتل ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا بل كان أهل الصفة وغيرهم كالقراء الذين قنت النبى يدعو على من قتلهم من أعظم الصحابة إيمانا وجهادا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ونصرا لله ورسوله كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون وقال محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا إلى قوله ومثلهم فى الانجيل كزرع اخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وقال من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة

(11/47)


على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم
وقد غزا النبى غزوات متعددة وكان القتال منها فى تسع مغاز مثل بدر واحد والخندق وخيبر وحنين وانكسر المسلمون يوم أحد وانهزموا ثم عادوا يوم حنين ونصرهم الله ببدر وهم أذلة وحصروا فى الخندق حتى دفع الله عنهم أولئك الاعداء وفى جميع المواطن كان يكون المؤمنون من أهل الصفة وغيرهم مع النبى لم يقاتلوا مع الكفار قط وإنما يظن هذا ويقوله من الضلال والمنافقين
قسم منافقون وان اظهروا الاسلام وكان فى بعضهم زهادة وعبادة يظنون ان الى الله طريقا غير الايمان بالرسول ومتابعته وان من اولياء الله من يستغنى عن متابعة الرسول كاستغناء الخضر عن متابعة موسى وفى هؤلاء من يفضل شيخه او عالمه او ملكه على النبى صلى الله عليه و سلم اما تفضيلا مطلقا او فى بعض صفات الكمال وهؤلاء منافقون كفار يجب قتلهم بعد قيام الحجة عليهم
فإن الله تعالى بعث محمدا الى جميع الثقلين انسهم وجنهم وزهادهم وملوكهم وموسى عليه السلام انما بعث الى

(11/48)


قومه لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا كان يجب على الخضر اتباعه بل قال له انى على علم من علم الله تعالى علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا اعلمه وقد قال النبى وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة وقال الله تعالى قل يا ايها الناس انى رسول الله اليكم جميعا الذى له ملك السموات والأرض وقال تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا
و القسم الثانى من يشاهد ربوبية الله تعالى لعباده التى عمت جميع البرايا ويظن أن دين الله الموافقة للقدر سواء كان فى ذلك عبادة الله وحده لا شريك له أو كان فيه عبادة الاوثان واتخاذ الشركاء والشفعاء من دونه وسواء كان فيه الايمان بكتبه ورسله أو الأعراض عنهم والكفر بهم وهؤلاء يسوون بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين فى الأرض وبين المتقين والفجار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويجعلون الايمان والتقوى والعمل الصالح بمنزلة الكفر والفسوق والعصيان وأهل الجنة كأهل النار وأولياء الله كأعداء الله وربما جعلوا هذا من باب الرضا بالقضاء وربما جعلوه التوحيد والحقيقة بناء على انه توحيد الربوبية الذى يقربه المشركون وأنه الحقيقة الكونية

(11/49)


وهؤلاء يعبدون الله على حرف فان أصابهم خير اطمأنوا به وان اصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم خسروا الدنيا والآخرة وغالبهم يتوسعون فى ذلك حتى يجعلوا قتال الكفار قتالا لله ويجعلون اعيان الكفار والفجار والأوثان من نفس الله وذاته ويقولون ما فى الوجود غيره ولا سواه بمعنى ان المخلوق هو الخالق والمصنوع هو الصانع وقد يقولون لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء ويقولون أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إلى نحو ذلك من الأقوال والأفعال التى هى شر من مقالات اليهود والنصارى بل ومن مقالات المشركين والمجوس وسائر الكفار من جنس مقالة فرعون والدجال ونحوهما ممن ينكر الصانع الخالق البارىء رب العالمين أو يقولون إنه هو أو أنه حل فيه
وهؤلاء كفار بأصلى الاسلام وهما شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله فان التوحيد الواجب أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا ولا نجعل له ندا فى إلهيته لا شريكا ولا شفيعا فأما توحيد الربوبية وهو الاقرار بأن خالق كل شىء فهذا قد اقربه المشركون الذين قال الله فيهم وما يؤمن اكثرهم بالله إلا وهم مشركون قال ابن عباس تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون

(11/50)


الله وهم يعبدون غيره وقال تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شىء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون فالكفار المشركون مقرون ان الله خالق السموات والأرض وليس فى جميع الكفار من جعل لله شريكا مساويا له فى ذاته وصفاته وافعاله هذا لم يقله أحد قط لا من المجوس الثنوية ولا من أهل التثليث ولا من الصائبة المشركين الذين يعبدون الكواكب والملائكة ولا من عباد الأنبياء والصالحين ولا من عباد التماثيل والقبور وغيرهم فان جميع هؤلاء وان كانوا كفارا مشركين متنوعين فى الشرك فهم مقرون بالرب الحق الذى ليس له مثل فى ذاته وصفاته وجميع أفعاله ولكنهم مع هذا مشركون به فى الوهيته بأن يعبدوا معه آلهة أخرى يتخذونها شفعاء أو شركاء أو فى ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب بعض الكائنات دونه مع اعترافهم بأنه رب ذلك الرب وخالق ذلك الخلق وقد أرسل الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب بالتوحيد

(11/51)


الذى هو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ألا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى ولقد بعثنا فى كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة وقال تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إنى بما تعملون عليم وإن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون
وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح وهود وصالح وغيرهم ان اعبدوا الله واتقوه واطيعون فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له والى طاعتهم والايمان بالرسل هو الاصل الثانى من أصلى الاسلام فمن لم يؤمن بأن محمدا رسول الله إلى جميع العالمين وانه يجب على جميع الخلق متابعته وان الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله والدين ما شرعه
فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين ونحوهم ممن يجوز الخروج عن دينه وشرعته وطاعته إما عموما واما خصوصا ويجوز اعانة الكفار والفجار على افساد دينه وشرعته

(11/52)


ويحتجون بما يفترونه ان أهل الصفة قاتلوه وانهم قالوا نحن مع الله من كان الله معه كنا معه يريدون بذلك القدر و الحقيقة الكونية دون الأمر و الحقيقة الدينية ويحتج بمثل هذا من ينصر الكفار والفجار ويخفرهم بقلبه وهمته وتوجهه من ذوى الفقر ويعتقدون مع هذا انهم من أولياء الله وان الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم وكل هذا ضلال وباطل وان كان لأصحابه زهد وعبادة فهم فى العباد مثل اوليائهم من التتار ونحوهم فى الاجناد فان المرء على دين خليله و المرء مع من احب هكذا قال النبى وقد جعل الله المؤمنين بعضهم أولياء بعض والكافرين بعضهم أولياء بعض
وقد أمر النبى بقتال المارقين من الاسلام مع عبادتهم العظيمة الذين قال فيهم النبى صلى الله عليه و سلم يحقر احدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية اينما لقيتموهم فان فى قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن ادركتهم لاقتلنهم قتل عاد وهؤلاء قاتلهم امير المؤمنين على بن أبى طالب لما خرجوا عن شريعة رسول الله

(11/53)


وسنته وفارقوا جماعة المسلمين فكيف بمن يعتقد ان المؤمنين كانوا يقاتلون النبى
ومثل هذا ما يرويه بعض هؤلاء المفترين ان أهل الصفة سمعوا ما خاطب الله به رسوله ليلة المعراج وان الله امره ان لا يعلم به احدا فلما اصبح وجدهم يتحدثون فانكر ذلك فقال الله تعالى انا امرتك ان لا تعلم به احدا لكن أنا الذى اعلمتهم به إلى امثال هذه الا كاذيب التى هى من أعظم الكفر وهى كذب واضح فان أهل الصفة لم يكونوا الا بالمدينة لم يكن بمكة أهل صفة والمعراج انما كان من مكة كما قال سبحانه وتعالى سبحان الذى اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
ومما يشبه هذا من بعض الوجوه رواية بعضهم عن عمر انه قال كان النبى يتحدث هو وأبو بكر وكنت كالزنجى بينهما وهذا من الافك المختلق ثم انهم مع هذا يجعلون عمر الذى سمع كلام النبى وصديقه وهو أفضل الخلق بعد الصديق لم يفهم ذلك الكلام بل كان كالزنجى ويدعون انهم هم سمعوه وعرفوه ثم كل منهم يفسره بما يدعيه من الضلالات الكفرية التى يزعم انها علم الاسرار والحقائق ويريدون بذلك اما الاتحاد واما تعطيل الشرائع ونحو ذلك مثل ما تدعى النصيرية

(11/54)


والاسماعيلية والقرامطة والباطنيةالثنوية والحاكمية وغيرهم من الضلالات المخالفة لدين الاسلام وما ينسبونه إلى على بن أبى طالب أو جعفر الصادق أو غيرهما من أهل البيت كالبطاقة والهفت والجدول والجفر وملحمة بن عنضب وغير ذلك من الا كاذيب المفتراة باتفاق جميع أهل المعرفة وكل هذا باطل فانه لما كان لآل رسول الله به اتصال النسب والقرابة وللأولياء الصالحين منهم ومن غيرهم به اتصال الموالاة والمتابعة وصار كثير ممن يخالف دينه وشريعته وسنته يموه باطله ويزخرفه بما يفتريه على أهل بيته وأهل موالاته ومتابعته وصار كثير من الناس يغلو إما فى قوم من هؤلاء أو من هؤلاء حتى يتخذهم آلهة أو يقدم ما يضاف إليهم على شريعة النبى وسنته وحتى يخالف كتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السلف الطيب من أهل بيته ومن أهل الموالاة له والمتابعة وهذا كثير فى أهل الضلال

(11/55)


فصل واما تفضيل أهل الصفة على العشرة وغيرهم فخطأ وضلال بل خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن امير المؤمنين على بن ابى طالب موقوفا ومرفوعا وكما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمة العلم والسنة وبعدهما عثمان وعلى وكذلك سائر أهل الشورى مثل طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن عوف وهؤلاء مع أبى عبيدة بن الجراح امين هذه الأمة ومع سعيد بن زيد هم العشرة المشهود لهم بالجنة قال الله عز و جل فى كتابه لا يستوى منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ففضل الله السابقين قبل فتح الحديبية الى الجهاد بأموالهم وانفسهم على التابعين بعدهم وقال الله تعالى لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة وقال تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه فرضى الله سبحانه عن السابقين الأولين من المهاجرين والانصار

(11/56)


وقد ثبت فى فضل البدريين ما تميزوا به على غيرهم وهؤلاء الذين فضلهم الله ورسوله فمنهم من هو من أهل الصفة اكثرهم لم يكونوا من أهل الصفة والعشرة لم يكن فيهم من هو من أهل الصفة الا سعد بن أبى وقاص فقد قيل إنه اقام بالصفة مرة واما أكابر المهاجرين والانصار مثل الخلفاء الأربعة مثل سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير وعباد بن بشر وأبى أيوب الانصارى ومعاذ بن جبل وابى بن كعب ونحوهم فلم يكونوا من أهل الصفة بل عامة أهل الصفة إنما كانوا من فقراء المهاجرين لأن الانصار كانوا فى ديارهم ولم يكن احد ينذر لأهل الصفة ولا لغيرهم
فصل
واما سماع المكاء والتصدية وهو الاجتماع لسماع القصائد الربانية سواء كان بكف أو بقضيب أو بدف أو كان مع ذلك شبابة فهذا لم يفعله احد من الصحابة لا من أهل الصفة ولا من غيرهم بل ولا من التابعين بل القرون المفضلة التى قال فيها النبى خير القرون الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم لم يكفن فيهم احد يجتمع على هذا السماع لا فى الحجاز ولا فى الشام

(11/57)


ولا فى اليمن ولا العراق ولا مصر ولا خراسان ولا المغرب
وإنما كان السماع الذى يجتمعون عليه سماع القرآن وهو الذى كان الصحابة من أهل الصفة وغيرهم يجتمعون عليه فكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم يقرأ والباقى يستمعون وقد روى ان النبى خرج على أهل الصفة وفيهم قارىء يقرأ فجلس معهم وكان عمر بن الخطاب يقول لأبى موسى يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وكان وجدهم على ذلك وكذلك ارادة قلوبهم وكل من نقل انهم كان لهم حاد ينشد القصائد الربانية بصلاح القلوب أو أنهم لما انشد بعض القصائد تواجدوا على ذلك أو أنهم مزقوا ثيابهم أو ان قائلا أنشدهم ... قد لسعت حية الهوى كبدى ... فلا طبيب لها ولا راقمه ...
... إلا الطبيب الذى شغفت به ... فعنده رقيتى وترياقى ...
أو أن النبى صلى الله عليه و سلم لما قال ان الفقراء يدخلون

(11/58)


الجنة قبل الاغنياء بنصف يوم أنشدوا شعرا وتواجدوا عليه فكل هذا وأمثاله إفك مفترى وكذب مختلق باتفاق أهل الاتفاق من أهل العلم والايمان لا ينازع فى ذلك الا جاهل ضال وان كان قد ذكر فى بعض الكتب شىء من ذلك فكله كذب باتفاق أهل العلم والإيمان مجلد فصل وأما قوله واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه فهى عامة فيمن تناوله هذا الوصف مثل الذين يصلون الفجر والعصر فى جماعة فانهم يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه سواء كانوا من أهل الصفة أو غيرهم أمر الله نبيه بالصبر مع عباده الصالحين الذين يريدون وجهه والا تعد عيناه عنهم تريد زينة الحياة الدنيا وهذه الآية فى الكهف وهى سورة مكية وكذك الآية التى فى سورة الأنعام ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء فتطردهم فتكون من الظالمين

(11/59)


وقد روى ان هاتين الآيتين نزلتا فى المؤمنين المستضعفين لما طلب المتكبرون ان يبعدهم النبى عنه فنهاه الله عن طرد من يريد وجه الله وان كان مستضعفا ثم امره بالصبر معهم وكان ذلك قبل الهجرة الى المدينة وقبل وجود الصفة لكن هى متناولة لكل من كان بهذا الوصف من أهل الصفة وغيرهم
والمقصود بذلك ان يكون مع المؤمنين المتقين الذين هم أولياء الله وان كانوا فقراء ضعفاء ولا يتقدم أحد عند الله بسلطانه وماله ولا بذله وفقره وإنما يتقدم عنده بالايمان والعمل الصالح فنهى الله نبيه ان يطيع أهل الرياسة والمال الذين يريدون إبعاد من كان ضعيفا أو فقيرا وامره ان لا يطرد من كان منهم يريد وجهه وان يصبر نفسه معهم فى الجماعة التى امر فيها بالاجتماع بهم كصلاة الفجر والعصر ولا يطيع امر الغافلين عن ذكر الله المتبعين لأهوائهم
فصل
وأما الحديث المروى ما من جماعة يجتمعون الا وفيهم ولى لله فمن الأكاذيب ليس فى شىء من دواوين الاسلام وكيف والجماعة قد يكونون كفارا أو فساقا يموتون على ذلك

(11/60)


فصل و اولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما ذكر الله تعالى فى كتابه وهم قسمان المقتصدون أصحاب اليمين والمقربون السابقون
فولى الله ضد عدو الله قال الله تعالى الا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون وقال تعالى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا إلى قوله ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون وقال تعالى لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء وقال ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون وقال افتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو وقد روى البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه فإذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لاعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد له منه

(11/61)


و الولى مشتق من الولاء وهو القرب كما ان العدو من العدو وهو البعد فولى الله من والاه بالموافقة له فى محبوباته ومرضياته وتقرب اليه بما امر به من طاعاته وقد ذكر النبى فى هذا الحديث الصحيح الصنفين المقتصدين من أصحاب اليمين وهم المتقربون إلى الله بالواجبات والسابقين المقربين وهم المتقربون اليه بالنوافل بعد الواجبات
وذكر الله الصنفين فى سورة فاطر و الواقعة و الانسان و المطففين واخبر ان الشراب الذى يروى به المقربون بشربهم إياه صرفا يمزج لأصحاب اليمين
و الولى المطلق هو من مات على ذلك فاما ان قام به الايمان والتقوى وكان فى علم الله انه يرتد عن ذلك فهل يكون فى حال ايمانه وتقواه وليا لله أو يقال لم يكن وليا لله قط لعلم الله بعاقبته هذا فيه قولان للعلماء وكذلك عندهم الايمان الذى يعقبه الكفر هل هو ايمان صحيح ثم يبطل بمنزلة ما يحبط من الاعمال بعد كماله أو هو ايمان باطل بمنزلة من افطر قبل غروب الشمس فى صيامه ومن احدث قبل السلام فى صلاته فيه ايضا قولان للفقهاء والمتكلمين والصوفية

(11/62)


والنزاع فى ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الامام أحمد وغيرهم وكذلك يوجدالنزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعى وغيرهم لكن أكثر أصحاب ابى حنيفة لا يشترطون سلامة العاقبة وكثير من أصحاب مالك والشافعى واحمد يشترط سلامة العاقبة وهو قول كثير من متكلمى أهل الحديث كالأشعرى ومن متكلمى الشيعة ويبنون على هذا النزاع ان ولى الله هل يصير عدوا لله وبالعكس ومن أحبه الله ورضى عنه هل ابغضه وسخط عليه فى وقت ما وبالعكس ومن أبغضه الله وسخط عليه هل أحبه الله ورضى عنه فى وقت ما على القولين
و التحقيق هو الجمع بين القولين فان علم الله القديم الأزلى وما يتبعه من محبته ورضاه وبغضه وسخطه وولايته وعداوته لا يتغير فمن علم الله منه انه يوافى حين موته بالايمان والتقوى فقد تعلق به محبة الله وولايته ورضاه عنه ازلا وأبدا وكذلك من علم الله منه انه يوافى حين موته بالكفر فقد تعلق به بغض الله وعداوته وسخطه أزلا وابدا لكن مع ذلك فان الله تعالى يبغض ما قام بالأول من كفر وفسوق قبل موته وقد يقال إنه يبغضه ويمقته على ذلك كما ينهاه عن ذلك وهو سبحانه وتعالى يأمر بما فعله الثانى من الايمان والتقوى ويحب ما يأمر به ويرضاه وقد يقال إنه يواليه حينئذ على ذلك والدليل على ذلك اتفاق الأئمة على ان من كان مؤمنا ثم ارتد

(11/63)


فإنه لا يحكم بأن إيمانه الاول كان فاسدا بمنزلة من افسد الصلاة والصيام والحج قبل الاكمال وانما يقال كما قال الله تعالى ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وقال لئن اشركت ليحبطن عملك وقال ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ولو كان فاسدا فى نفسه لوجب الحكم بفساد انكحته المتقدمة وتحريم ذبائحه وبطلان إرثه المتقدم وبطلان عباداته جميعها حتى لو كان قد حج عن غيره كان حجه باطلا ولو صلى مدة بقوم ثم ارتد كان عليهم ان يعيدوا صلاتهم خلفه ولو شهد أو حكم ثم ارتد لوجب أن تفسد شهادته وحكمه ونحو ذلك وكذلك أيضا الكافر اذا تاب من كفره لو كان محبوبا لله وليا له فى حال كفره لوجب ان يقضى بعدم احكام ذلك الكفر وهذا كله خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والاجماع
والكلام فى هذه المسألة نظير الكلام فى الارزاق والآجال وهى أيضا مبنية على قاعدة الصفات الفعلية وهى قاعدة كبيرة
وعلى هذا يخرج جواب السائل فمن قال ان ولى الله لا يكون الا من وافاه حين الموت بالايمان والتقوى فالعلم بذلك أصعب عليه وعلى غيره ومن قال قد يكون وليا لله من كان مؤمنا تقيا وان لم تعلم عاقبته فالعلم به اسهل

(11/64)


ومع هذا يمكن العلم بذلك للولى نفسه ولغيره ولكنه قليل ولا يجوز لهم القطع على ذلك فمن ثبتت ولايته بالنص وانه من أهل الجنة كالعشرة وغيرهم فعامة أهل السنة يشهدون له بما شهد له به النص واما من شاع له لسان صدق فى الامة بحيث اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل يشهد له بذلك هذا فيه نزاع بين أهل السنة والاشبه ان يشهد له بذلك هذا فى الأمر العام
وما خواص الناس فقد يعلمون عواقب اقوام بما كشف الله لهم لكن هذا ليس ممن يجب التصديق العام به فان كثيرا ممن يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ظانا فى ذلك ظنا لا يغنى من الحق شيئا وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة ويخطئون اخرى كأهل النظر والاستدلال فى موارد الاجتهاد ولهذا وجب عليهم جميعهم ان يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم وان يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآرائهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله ولا يكتفوا بمجرد ذلك فان سيد المحدثين والمخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو عمر بن الخطاب وقد كانت تقع له وقائع فيردها عليه رسول الله أو صديقه التابع له الآخذ عنه الذى هو أكمل من المحدث الذى يحدثه قلبه عن ربه
ولهذا وجب على جميع الخلق اتباع الرسول

(11/65)


وطاعته فى جميع أموره الباطنة والظاهرة ولو كان أحد يأتيه من الله ما لا يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنة لكان مستغنيا عن الرسول صلى الله عليه و سلم فى بعض دينه ولهذا من أقوال المارقين الذين يظنون ان من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع موسى ومن قال هذا فهو كافر
وقد قال الله تعالى وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم فقد ضمن الله للرسول وللنبى أن ينسخ ما يلقى الشيطان فى أمنيته ولم يضمن ذلك للمحدث ولهذا كان فى الحرف الآخر الذى كان يقرأ به ابن عباس وغيره وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى ولا محدث الا اذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته
ويحتمل والله اعلم ان لا يكون هذا الحرف متلوا حيث لم يضمن نسخ ما ألقى الشيطان فى أمنية المحدث فان نسخ ما ألقى الشيطان ليس الا الأنبياء والمرسلين إذ هم معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى ان يستقر فيه شىء من القاء الشيطان وغيرهم لا تجب عصمته من ذلك وان كان من أولياء الله المتقين فليس من شرط اولياء الله المتقين ان لا يكونوا مخطئين فى بعض الأشياء خطأ مغفورا لهم بل

(11/66)


ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقا بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذى تعقبه التوبة
وقد قال الله تعالى والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم اسوأ الذى عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون فقد وصفهم الله بأنهم هم المتقون و المتقون هم أولياء الله ومع هذا فأخبر انه يكفر عنهم اسوأ الذى عملوا وهذا امر متفق عليه بين أهل العلم والايمان
وانما يخالف فى ذلك الغالية من الرافضة واشباه الرافضة من الغالية فى بعض المشائخ ومن يعتقدون انه من الأولياء فالرافضة تزعم ان الاثنى عشر معصومون من الخطأ والذنب ويرون هذا من أصول دينهم والغالية فى المشائخ قد يقولون ان الولى محفوظ والنبى معصوم وكثير منهم ان لم يقل ذلك بلسانه فحاله حال من يرى ان الشيخ والولى لا يخطىء ولا يذنب وقد بلغ الغلو بالطائفتين الى ان يجعلوا بعض من غلوا فيه بمنزلة النبى وافضل منه وان زاد الامر جعلوا له نوعا من الالهية وكل هذا من الضلالات الجاهلية المضاهية للضلالات النصرانية فان فى النصارى من الغلو فى المسيح والأحبار والرهبان ما ذمهم الله عليه فى القرآن وجعل ذلك عبرة لنا لئلا

(11/67)


نسلك سبيلهم ولهذا قال سيد ولد آدم لا تطرونى كما اطرت النصارى عيسى بن مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله
فصل وأما الفقراء الذين ذكرهم الله فى كتابه فهم صنفان مستحقوا الصدقات ومستحقوا الفىء
أما مستحقوا الصدقات فقد ذكرهم الله فى كتابه فى قوله ان تبدوا الصدقات فنعما هى وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم وفى قوله إنما الصدقات للفقراء والمساكين وإذا ذكر فى القرآن اسم الفقير وحده و المسكين وحده كقوله أو اطعام عشرة مساكين فهما شىء واحد وإذا ذكرا جميعا فهما صنفان والمقصود بهما أهل الحاجة وهم الذين لا يجدون كفايتهم لا من مسألة ولا من كسب يقدرون عليه فمن كان كذلك من المسلمين استحق الأخذ من الصدقات المفروضة والموقوفة والمنذورة والموصى بها وبين الفقهاء نزاع فى بعض فروع المسألة معروف عند أهل العلم
وضد هؤلاء الاغنياء الذين تحرم عليهم الصدقة ثم هم

(11/68)


نوعان نوع تجب عليهم الزكاة وان كانت الزكاة تجب على من قد تباح له عند جمهور العلماء
ونوع لا تجب عليه الزكاة
وكل منهما قد يكون له فضل عن نفقاته الواجبة وهم الذين قال الله فيهم يسألونك ماذا ينفقون قل العفو وقد لا يكون له فضل وهؤلاء الذين رزقهم قوت وكفاف هم اغنياء باعتبار غناهم عن الناس وهم فقراء باعتبار انه ليس لهم فضول يتصدقون بها
وإنما يسبق الفقراء الأغنياءإلى الجنة بنصف يوم لعدم فضول الأموال التى يحاسبون على مخارجها ومصارفها فمن لم يكن له فضل كان من هؤلاء وإن لم يكن من أهل الزكاة ثم ارباب الفضول إن كانوا محسنين فى فضول اموالهم فقد يكونون بعد دخول الجنة أرفع درجة من كثير من الفقراء الذين سبقوهم كما تقدم أغنياء الأنبياء والصديقين من السابقين وغيرهم على الفقراء الذين دونهم ومن هنا قال الفقراء ذهب أهل الدثور بالأجور وقيل لما ساواهم الأغنياء فى العبادات البدنية وامتازوا عنهم بالعبادات المالية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فهذا هو الفقير فى عرف الكتاب والسنة

(11/69)


وقد يكون الفقراء سابقين وقد يكونون مقتصدين وقد يكونون ظالمى أنفسهم كالاغنياء وفى كلا الطائفتين المؤمن الصديق والمنافق الزنديق
وأما المستأخرون ف الفقير فى عرفهم عبارة عن السالك إلى الله تعالى كما هو الصوفى فى عرفهم أيضا ثم منهم من يرجح مسمى الصوفى على مسمى الفقير لأنه عنده الذى قام بالباطن والظاهر ومنهم من يرجح مسمى الفقير لأنه عنده الذى قطع العلائق ولم يشتغل فى الظاهر بغير الأمور الواجبة وهذه منازعات لفظية اصطلاحية و التحقيق ان المراد المحمود بهذين الاسمين داخل فى مسمى الصديق والولى والصالح ونحو ذلك من الأسماء التى جاء بها الكتاب والسنة فمن حيث دخل فى الأسماء النبوية يترتب عليه من الحكم ما جاءت به الرسالة واما ما تميز به مما يعده صاحب فضلا وليس بفضل أو مما يوالى عليه صاحبه غيره ونحو ذلك من الأمور التى يترتب عليها زيادة الدرجة فى الدين والدنيا فهى امور مهدرة فى الشريعة إلا إذا جعلت من المباحات كالصناعات فهذا لا بأس به بشرط ان لا يعتقد ان تلك المباحات من الأمور المستحبات وأما ما يقترن بذلك من الأمور المكروهة فى دين الله من أنواع البدع والفجور فيجب النهى عنه كما جاءت به الشريعة

(11/70)


وسئل عن قوم يقولون إن النبى صلى الله عليه و سلم جاء إلى باب أهل الصفة فاستأذن فقالوا من انت قال أنا محمد قالوا ماله عندنا موضع الذى يقول أنا فرجع ثم استأذن ثانية وقال أنا محمد مسكين فأذنوا له فهل يجوز التكلم بهذا أم هو كفر
فأجاب هذا الكلام من أعظم الكذب على النبى وعلى أهل الصفة فان أهل الصفة لم يكن لهم مكان يستأذن عليهم فيه إنما كانت الصفة فى شمالى مسجد رسول الله يأوى إليها من لا أهل له من المؤمنين ولم يكن يقيم بها ناس معينون بل يذهب قوم ويجىء آخرون ولم يكن أهل الصفة خيار الصحابة بل كانوا من جملة الصحابة ولم يكن أحد من الصحابة يستخف بحرمة النبى كما ذكر ومن فعل ذلك فهو كافر ومن اعتقد هذا بالنبى فهو كافر فانه يستتاب فان تاب والا قتل والله أعلم

(11/71)


سئل رحمه الله عن قوم يروون عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أحايث لا سند لهم بها فيقولون قال رسول الله صلى 2 الله عليه وسلم أنا من الله والمؤمنون من يتسمون بالأهوية منه فهل هذا صحيح أم لا ويقرأون بينهم أحايث ويزعمون ان عمر رضى الله عنه قال كان ابو بكر ورسول الله يتحدثان بحديث ابقى بينهما كأنى زنجى لا افقه فهل يصح هذا أم لا ويتحدثون عن أصحاب الصفة بأحايث كثيرة منها انهم يقولون ان رسول الله صلى الله عليه و سلم وجدهم على الاسلام من قبل ان يبعث فوجدهم على الطريق وانهم لم يكونوا يغزون معه حقيقة وانه الزمهم النبى صلى الله عليه و سلم مرة فلما فر المسلمون منهزمين ضربوا بسيوفهم فى عسكر النبى وقالوا نحن حزب الله الغالبون وزعموا انهم لم يقتلوا الا منافقين فى تلك المرة فهل يصح ذلك أم لا
والمسؤول تعيين أصحاب الصفة كم هم من رجل ومن كانوا من

(11/72)


الصحابة رضى الله عنهم ويزعمون ان الله سبحانه وتعالى لما عرج بنبيه صلى الله عليه و سلم أوحى الله اليه مائة الف سر وأمره ان لا يظهرها على احد من البشر فلما نزل الى الأرض وجد أصحاب الصفة يتحدثون بها فقال يارب اننى لم أظهر على هذا السر احدا فأوحى الله إليه انهم كانوا شهودا بينى وبينك فهل لهذه الأشياء صحة أم لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين جميع هذه الاحاديث اكاذيب مختلفة ليتبوأ مفتريها مقعده من النار لا خلاف بين جميع علماء المسلمين اهل المعرفة وغيرهم انها مكذوبة مخلوقة ليس لشىء منها أصل بل من اعتقد صحة مجموع هذه الاحاديث فانه كافر يجب ان يستتاب فان تاب والا قتل وليس لشىء من هذه الاحايث أصل ألبتة ولا توجد فى كتاب ولا رواها قط احد ممن يعرف الله ورسوله
فأما الحديث الأول قوله أنا من الله والمؤمنون منى فلا يحفظ هذا اللفظ عن رسول الله لكن قال النبي لعلي أنت مني وأنا منك كما قال الله سبحانه بعضكم من بعض أى أنتم نوع واحد متفقون فى القصد والهدى كالروحين اللتين تتفقان فى صفاتهما وهى الجنود المجندة التى

(11/73)


قال النبى الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف
واما ان يكون الخلق جزءا من الخالق تعالى فهذا كفر صريح يقوله اعداء الله النصارى ومن غلا من الرافضة وجهال المتصوفة ومن اعتقده فهو كافر نعم للمؤمنين العارفين بالله المحبين له من مقامات القرب ومنازل اليقين ما لا تكاد تحيط به العبارة ولا يعرفه حق المعرفة الا من ادركه وناله والرب رب والعبد عبد ليس فى ذاته شىء من مخلوقاته ولا فى مخلوقاته شىء من ذاته وليس احد من أهل المعرفة بالله يعتقد حلول الرب تعالى به أو بغيره من المخلوقات ولا اتحاده به
وان سمع شىء من ذلك منقول عن بعض اكابر الشيوخ فكثير منه مكذوب اختلقه الافاكون من الاتحادية المباحية الذين أضلهم الشيطان والحقهم بالطائفة النصرانية
والذى يصح منه عن الشيوخ له معان صحيحة ومنه ما صدر عن بعضهم فى حال استيلاء حال عليه الحقه تلك الساعة بالسكران الذى لا يميز ما يخرج منه من القول ثم اذا ثاب عليه عقله وتمييزه ينكر ذلك القول ويكفر من يقوله وما يخرج من القول فى حال غيبة

(11/74)


عقل الانسان لا يتخذه هو ولا غيره عقيدة ولا حكم له بل القلم مرفوع عن النائم والمجنون والمغمى عليه والسكران الذى سكر بغير سبب محرم مثل من يسقى الخمر وهو لا يعرفها أو اوجرها حتى سكر أو أطعم البنج وهو لا يعرفه فكذلك
وقد يشاهد كثير من المؤمنين من جلال الله وعظمته وجماله أمورا عظيمة تصادف قلوبا رقيقة فتحدث غشيا واغماء ومنها ما يوجب الموت ومنها ما يخل العقل وان كان الكاملون منهم لا يعتريهم هذا كما لا يعترى الناقصين عنهم لكن يعتريهم عند قوة الوارد على قلوبهم وضعف المحل المورود عليه فمن اغتر بما يقولونه أو يفعلونه فى تلك الحال كان ضالا مضلا
وإنما الاحوال الصحيحة مثل ما دل عليه ما رواه البخارى فى صحيحه من قول النبى فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولأن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن

(11/75)


قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد له منه فانظر كيف قال فى تمام الحديث فبى يسمع وبى يبصر ولئن سألنى ولئن استعاذنى فميز بين الرب وبين العبد ألا تسمع إلى قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بنى إسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار
وقال وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم إلى قوله ما المسيح بن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة كانا يأكلان الطعام وقال يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه إلى قوله ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا
وكذلك روى مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة أن رسول الله قال يقول الله تعالى يا بن آدم مرضت فلم تعدنى فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدى فلانا مرض فلوعدته لوجدتنى عنده وذكر فى الجوع والعرى مثل ذلك فانظر كيف عبر فى أول الحديث بلفظ

(11/76)


مرضت ثم فسره فى تمامه بأن عبدى فلانا مرض فلو عدته لوجدتنى عنده فميز بين الرب والعبد والعبد العارف بالله تتحد إرادته بارادة الله بحيث لا يريد إلا ما يريده الله امرا به ورضا ولا يحب الا ما يحبه الله ولا يبغض إلا ما يبغضه الله ولا يلتفت إلى عذل العاذلين ولوم اللائمين كما قال سبحانه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم
والكلام فى مقامات العارفين طويل
وانما الغرض ان يتفطن المؤمن للفرق بين هؤلاء الزنادقة الذين ضاهوا النصارى وسلكوا سبيل أهل الحلول والاتحاد وكذبوا على الله ورسوله وكذبوا الله ورسوله وبين العالمين بالله والمحبين له أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فانه قد يشتبه هؤلاء بهؤلاء كما اشتبه على كثير من الضالين حال مسيلمة الكذاب المتنبى بمحمد بن عبدالله رسول الله حقا حتى صدقوا الكاذب وكذبوا الصادق والله قد جعل على الحق آيات وعلامات وبراهين ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
وأما حديث عمر أنه كان كالزنجى بين النبى

(11/77)


وبين أبى بكر فكذب مختلق نعم كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه اقرب الناس إلى رسول الله وأولاهم به واعلمهم بمراده لما يسألونه عنه فكان النبى يتكلم بالكلام العربى الذى يفهمه الصحابة رضى الله عنهم ويزداد الصديق بفهم آخر يوافق ما فهموه ويزيد عليهم ولا يخالفه مثل ما فى الصحيحين عن أبى سعيد ان رسول الله خطب الناس فقال إن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ذلك العبد ما عند الله فبكى أبو بكر وقال بل نفديك بأنفسنا وأموالنا فجعل بعض الناس يعجب ويقول عجبا لهذا الشيخ يبكى ان ذكر رسول الله عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة قال فكان رسول الله هو المخير وكان ابو بكر اعلمنا به فالنبى ذكر عبدا مطلقا وهذا كلام عربى لا لغز فيه ففهم الصديق لقوة معرفته بمقاصد النبى أنه هو العبد المخير ومعرفة أن المطلق هذا المعين خارج عن دلالة اللفظ لكن يوافقه ولا يخالفه ولهذا قال أبو سعيد كان أبو بكر اعلمنا به
من هذا ان الصديق رضى الله عنه لما عزم على قتال

(11/78)


مانعى الزكاة قال له عمر كيف تقاتل الناس وقد قال النبى امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله عز و جل فقال أبو بكر الزكاة من حقها والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فان الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها الى رسول الله لقاتلتهم على منعها فرجع عمر وغيره إلى قول أبى بكر وكان هو افهم لمعنى كلام رسول الله وفى الصحيحين عنه انه قال امرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم واموالهم الا بحق الاسلام فهذا النص الصريح موافق لفهم أبى بكر
وكذلك قوله فى صلح الحديبية لعمر مثل ما كان النبى قال له وأمثال ذلك كثير فأما ان النبى كان يتكلم بكلام لا يفهمه عمر وامثاله بل يكون عندهم ككلام الزنجى فمن اعتقد هذا فهو جاهل ضال عليه من الله ما يستحقه
واما كون أهل الصفة كانوا قبل المبعث مهتدين فعلى من قال

(11/79)


هذا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين بل لا خلاف بين المسلمين انهم كانوا جاهلين بل لا خلاف بين المسلمين انهم كانوا كافرين جاهلين بالله وبدينه وإنما هداهم الله بكتابه وبرسوله محمد ولم يكن بين أهل الصفة وسائر الصحابة فرق فى الكفر والضلالة قبل ايمانهم برسول الله ولقد كان بعد الاسلام كثير ممن لم يكن من أهل الصفة كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم أعلم بالله وأعظم يقينا من عامة أهل الصفة
واما ما ذكر من تخلفهم عنه فى الجهاد فقول جاهل ضال بل هم الذين كانوا أعظم الناس قتالا وجهادا كما وصفهم القرآن فى قوله للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون وقال فى صفتهم للفقراء الذين احصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا فى الأرض يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا ولقد قتل منهم فى يوم واحد يوم بئر معونة سبعون حتى وجد عليهم النبى موجدة وقنت شهرا يدعو على الذين قتلوهم واخبر عنهم انهم بهم تتقى المكاره وتسد بهم الثغور وانهم أول الناس ورودا على الحوض وانهم الشعث رؤوسا الدنس ثيابا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب الملوك

(11/80)


وأما عددهم فقد جمع أبو عبد الرحمن السلمى تاريخهم وهم نحو من ستمائة أو سبعمائة أو نحو ذلك ولم يكونوا مجتمعين فى وقت واحد بل كان فى شمال المسجد صفة يأوى اليها فقراء المهاجرين فمن تأهل منهم أو سافر أو خرج غازيا خرج منها وقد كان يكون فى الوقت الواحد فيها السبعون أو أقل أو أكثر ومنهم سعد بن ابى وقاص احد العشرة وأبو هريرة وخبيب وسلمان وغيرهم
واما ما ذكر من انهم عرفوا ما اوحاه الله إلى نبيه ليلة المعراج فكذب ملعون قائله وكيف يكون ذلك والمعراج كان بمكة قبل الهجرة وأهل الصفة إنما كانوا بالمدينة بعد الهجرة وبناء مسجد الرسول بالمدينة الطيبة وهذا كله واضح عند من عرف الله ورسوله وكان مسلما حنيفا أو كان عالما بسيرة رسول الله وسيرة أصحابه معه وانما يقع فى هذه الجهالات اقوام نقص إيمانهم وقل علمهم واستكبرت انفسهم حتى صاروا بمنزلة فرعون وصاروا أسوأ حالا من النصارى
والله يتوب علينا وعليهم وعلى سائر اخواننا المسلمين ويهدينا واياهم صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين والله تعالى أعلم

(11/81)


وسئل عن الفتوة المصطلح عليها الخ
فأجاب رضى الله عنه قائلا أما ما ذكره من الفتوة التى يلبس فيها الرجل لغيره سراويل ويسقيه ماء وملحا فهذا لا أصل له ولم يفعلها احد من السلف لا علي ولا غيره والاسناد الذى يذكرونه فى الفتوة إلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب من طريقة الخليفة الناصر وغيره اسناد مظلم عامة رجاله مجاهيل لا يعرفون وليس لهم ذكر عند أهل العلم
وقد ذكر ان أصل ذلك أنه وضع سراويل عند قبر على فأصبح مسدودا وهذا يجرى عند غير على كما يجرى أمثال ذلك من الأمور التى يظن انها كرامة فى الكنائس وغيرها مثل دخول مصروع اليها فيبرأ بنذر يجعل للكنيسة ونحو ذلك وهذا إذا لم يكن كذبا فانه من فعل الشياطين كما يفعل مثل ذلك عند الأوثان وانا أعرف من ذلك وقائع متعددة

(11/82)


و المقصود هنا أن سراويل الفتوة لا أصل له عن على ولا غيره من السلف وما يشترطه بعضهم من الشروط إن كان مما أمر الله به ورسوله فانه يفعل لأن الله أمر به ورسوله وما نهى عنه مثل التعصب لشخص على شخص والاعانة على الأثم والعدوان فهو مما ينهى عنه ولو شرطوه
ولفظ الفتى فى اللغة هو الشاب كما ذكر ذلك أهل اللغة ومنه قول تعالى ودخل معه السجن فتيان وقوله إنهم فتية آمنوا بربهم وإذ قال موسى لفتاه وقد فتى يفتى فهو فتى أى بين الفتا والأفتا من الدواب خلاف المسان وقد يعبر بالفتى عن المملوك مطلقا كما قال تعالى من فتياتكم المؤمنات ولما كان الشاب الين عريكة من الشيخ صار فى طبعه من السخاء والكرم مالا يوجد فى الشيوخ فصاروا يعبرون بلفظ الفتى عن السخى الكريم يقال هو فتى بين الفتوة وقد يفتى ويفاتى والجمع فتيان وفتية
واستعمال لفظ الفتى بمعنى المتصف بمكارم الأخلاق موجود فى كلام كثير من المشائخ وقد يظن ان لفظ القرآن يدل على هذا ومنه قول بعض الشيوخ طريقنا تفتى وليس تنصر يعنى هو استعمال مكارم

(11/83)


الأخلاق ليس هو النسك اليابس ومنه قول أبى إسماعيل الأنصارى الفتوة ان تقرب من يقصدك وتكرم من يؤذيك وتحسن الى من يسىء اليك سماحة لا كظما وموادة لا مصابرة
ونقل عن احمد بن حنبل رضى الله عنه انه قال الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى كما قال تعالى واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فمن دعاإلى ما دعا اليه الله ورسوله من مكارم الأخلاق كان محسنا سواء سمى ذلك فتوة او لم يسمه ومن احدث فى دين الله ما ليس منه فهو رد
والغالب أنهم يدخلون فى الفتوة امورا ينهى عنها فينهون عن ذلك ويؤمرون بما أمر الله به ورسوله كما ينهون عن الالباس والاسقاء واسناد ذلك إلى على رضى الله عنه وأمثال ذلك

(11/84)


سئل الشيخ الامام العالم العلامة إمام الوقت فريد الدهر جوهر العلم لب الايمان قطب الزمان مفتى الفرق شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الامام شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الامام العلامة مؤيد السنة مجد الدين عبد السلام بن تيمية الحرانى رضى الله عنه ونفع به آمين
فى جماعة يجتمعون فى مجلس ويلبسون لشخص منهم لباس الفتوة ويديرون بينهم فى مجلسهم شربة فيها ملح وماء يشربونها ويزعمون ان هذا من الدين ويذكرون فى مجلسهم ألفاظا لا تليق بالعقل والدين
فمنها انهم يقولون إن رسول الله صلى الله عليه و سلم البس على إبن أبى طالب رضى الله تعالى عنه لباس الفتوة ثم امره ان يلبس من شاء ويقولون إن اللباس أنزل على النبى صلى الله عليه و سلم فى صندوق ويستدلون عليه بقوله تعالى يابنى آدم قد انزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم الآية فهل هو كما زعموا أم

(11/85)


كذب مختلق وهل هو من الدين أم لا وإذا لم يكن من الدين فما يجب على من يفعل ذلك أو يعين عليه ومنهم من ينسب ذلك الى الخليفة الناصر لدين الله إلى عبد الجبار ويزعم ان ذلك من الدين فهل لذلك أصل أم لا وهل الأسماء التى يسمون بها يعضهم بعضا من اسم الفتوة ورؤوس الاحزاب والزعماء فهل لهذا أصل أم لا ويسمون المجلس الذى يجتمعون فيه دسكرة ويقوم للقوم نقيب الى الشخ الذى يلبسونه فينزعه اللباس الذى عليه بيده ويلبسه اللباس الذى يزعمون أنه لباس الفتوة بيده فهل هذا جائز أم لا وإذا قيل لا يجوز فعل ذلك ولا الاعانة عليه فهل يجب على ولى الأمر منعهم من ذلك
وهل للفتوة أصل فى الشريعة أم لا وإذا قيل لا أصل لها فى الشريعة فهل يجب على غير ولى الأمر ان ينكر عليهم ويمنعهم من ذلك أم لا مع تمكنه من الانكار وهل احد من الصحابة رضى الله تعالى عنهم أو التابعين أو من بعدهم من أهل العلم فعل هذه الفتوة المذكورة أو أمر بها أم لا
وهل خلق النبى صلى الله عليه و سلم من النور أم خلق من الأربع عناصر أم من غير ذلك وهل الحديث الذى يذكره بعض الناس لولاك ما خلق الله عرشا ولا كرسيا ولا ارضا ولا سماء

(11/86)


ولا شمسا ولا قمرا ولا غير ذلك صحيح هو أم لا
وهل الأخوة التى يواخيها المشائخ بين الفقراء فى السماع وغيره يجوز فعلها فى السماع ونحوه أم لا وهل آخى رسول الله صلى الله عليه و سلم بين المهاجرين والأنصار أم بين كل مهاجرى وانصارى وهل آخى رسول الله على بن أبى طالب كرم الله وجهه أم لا بينوا لنا ذلك بالتعليل والحجة المبينة وابسطوا لنا الجواب فى ذلك بسطا شافيا مأجورين أثابكم الله تعالى
فأجاب الحمد لله أما ما ذكر من إلباس لباس الفتوة السراويل أو غيره واسقاء الملح والماء فهذا باطل لا أصل له ولم يفعل هذا رسول الله ولا احد من أصحابه ولا على بن أبى طالب ولا غيره ولا من التابعين لهم باحسان
والاسناد الذى يذكرونه من طريق الخليفة الناصر إلى عبد الجبار إلى ثمامة فهو اسناد لا تقوم به حجة وفيه من لا يعرف ولا يجوز لمسلم أن ينسب إلى النبى صلى الله عليه و سلم بمثل هذا الاسناد المجهول

(11/87)


الرجال امرا من الأمور التى لا تعرف عنه فكيف إذا نسب اليه ما يعلم انه كذب وافتراء عليه فان العالمين بسنته واحواله متفقون على ان هذا من الكذب المختلق عليه وعلى علي بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه وما ذكروه من نزول هذا اللباس فى صندوق هو من اظهر الكذب باتفاق العارفين بسنته
و اللباس الذى يوارى السوءة هو كل ما ستر العورة من جميع أصناف اللباس المباح أنزل الله تعالى هذه الآية لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة ويقولون ثياب عصينا الله فيها لا نطوف فيها فأنزل الله تعالى هذه الآية وانزل قوله خذوا زينتكم عند كل مسجد
والكذب فى هذا اظهر من الكذب فيما ذكر من لباس الخرقة وان النبى صلى الله عليه و سلم تواجد حتى سقطت البردة عن ردائه وانه فرق الخرق على أصحابه وان جبريل أتاه وقال له ان ربك يطلب نصيبه من زيق الفقر وانه علق ذلك بالعرش فهذا ايضا كذب باتفاق أهل المعرفة فان النبى صلى الله عليه و سلم لم يجتمع هو وأصحابه على سماع كف ولا سماع دفوف وشبابات ولا رقص ولا سقط عنه ثوب من ثيابه فى ذلك ولا قسمه على أصحابه وكل ما يروى من ذلك فهو كذب مختلق باتفاق أهل المعرفة بسنته

(11/88)


فصل والشروط التى تشترطها شيوخ الفتوة ما كان منها مما امر الله به ورسوله كصدق الحديث وأداء الامانة وأداء الفرائض واجتناب المحارم ونصر المظلوم وصلة الأرحام والوفاء بالعهد أو كانت مستحبة كالعفو عن الظالم واحتمال الاذى وبذل المعروف الذى يحبه الله ورسوله وان يجتمعوا على السنة ويفارق احدهما الآخر إذا كان على بدعة ونحو ذلك فهذه يؤمن بها كل مسلم سواء شرطها شيوخ الفتوة او لم يشرطوها وما كان منها مما نهى الله عنه ورسوله مثل التحالف الذى يكون بين أهل الجاهلية ان كلا منهما يصادق صديق الآخر فى الحق والباطل ويعادى عدوه فى الحق والباطل وينصره على كل من يعاديه سواء كان الحق معه أو كان مع خصمه فهذه شروط تحلل الحرام وتحرم الحلال وهى شروط ليست فى كتاب الله
وفى السنن عنه أنه قال المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما او حرم حلالا وكل ما كان من الشروط التى بين القبائل والملوك والشيوخ والأحلاف وغير ذلك فانها على هذا الحكم باتفاق علماء المسلمين ما كان من الأمر المشروط الذى قد أمر الله به ورسوله

(11/89)


فإنه يؤمر به كما أمر الله به ورسوله وان كان مما نهى الله عنه ورسوله فانه ينهى عنه كما نهى الله عنه ورسوله وليس لبنى آدم أن يتعاهدوا ولا يتعاقدوا ولا يتخالفوا ولا يتشارطوا على خلاف ما أمر الله به ورسوله بل على كل منهم ان يوفوا بالعقود والعهود التى عهدها الله إلى بنى آدم كما قال الله تعالى وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم وكذلك ما يعقده المرء على نفس كعقد النذر أو يعقده الاثنان كعقد البيع والاجارة والهبة وغيرهما أو ما يكون تارة من واحد وتارة من اثنين كعقد الوقف والوصية فانه فى جميع هذه العقود متى اشترط العاقد شيئا مما نهى الله عنه ورسوله كان شرطه باطلا وفى الصحيح عن عائشة رضى الله عنها عن النبى أنه قال من نذر ان يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصى الله فلا يعصه والعقود المخالفة لما أمر الله به ورسوله هى من جنس دين الجاهلية وهى شعبة من دين المشركين وأهل الكتاب الذين عقدوا عقودا امروا فيها بما نهى الله عنه ورسوله ونهوا فيها عما أمر الله به ورسوله
فهذا أصل عظيم يجب على كل مسلم ان يتجنبه

(11/90)


فصل
واما لفظ الفتى فمعناه فى اللغة الحدث كقوله تعالى انهم فتية آمنوا بربهم وقوله تعالى قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ابراهيم ومنه قوله تعالى واذ قال موسى لفتاه لكن لما كانت اخلاق الأحداث اللين صار كثير من الشيوخ يعبرون بلفظ الفتوة عن مكارم الأخلاق كقول بعضهم طريقنا تفتى وليس تنصر وقول بعضهم الفتوة ان تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك وتحسن إلى يسىء إليك سماحة لا كظما ومودة لا مضارة وقول بعضهم الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى وأمثال هذه الكلمات التى توصف فيها الفتوة بصفات محمودة محبوبة سواء سميت فتوة أو لم تسم وهى لم تستحق المدح فى الكتاب والسنة إلا لدخولها فيما حمده الله ورسوله من الأسماء كالفظ الاحسان والرحمة والعفو والصفح والحلم وكظم الغيظ والبر والصدقة والزكاة والخير ونحو ذلك من الأسماء الحسنة التى تتضمن هذه المعانى فكل اسم علق الله به المدح والثواب فى الكتاب والسنة كان أهله ممدوحين وكل اسم علق به الذم والعقاب فى الكتاب والسنة كان أهله مذمومين كلفظ الكذب والخيانة

(11/91)


والفجور والظلم والفاحشة ونحو ذلك
واما لفظ الزعيم فانه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين قال تعالى ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم فمن تكفل بأمر طائفة فانه يقال هو زعيم فان كان قد تكفل بخير كان محمودا على ذلك وان كان شرا كان مذموما على ذلك
واما رأس الحزب فانه رأس الطائفة التى تتحزب اى تصير حزبا فان كانوا مجتمعين على ماأمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم وان كانوا قد زادوا فى ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل فى حزبهم بالحق والباطل والأعراض عمن لم يدخل فى حزبهم سواء كان على الحق والباطل فهذا من التفرق الذى ذمه الله تعالى ورسوله فان الله ورسوله امرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الاثم والعدوان
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وفى الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين

(11/92)


أصابعه وفى الصحيح عنه انه قال المسلم اخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله وفى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل يا رسول الله انصره مظلوما فكيف انصره ظالما قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك اياه وفى الصحيح عنه أنه قال خمس تجب للمسلم على المسلم يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشمته إذا عطس ويجيبه اذا دعاه ويشيعه إذا مات وفى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه من الخير ما يحب لنفسه
فهذه الأحاديث وأمثالها فيها أمر الله ورسوله بما أمر به من حقوق المؤمنين بعضهم على بعض وفى الصحيحين عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله اخوانا وفى الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال ان الله يرضى لكم ثلاثا ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وان تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وان تناصحوا من ولاه الله امركم
وفى السنن عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال الا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال صلاح ذات البين فان

(11/93)


فساد ذات البين هى الحالقة لا اقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين فهذه الأمور مما نهى الله ورسوله عنها
واما لفظ الدسكرة فليست من الألفاظ التى لها أصل فى الشريعة فيتعلق بها حمد أو ذم ولكن هى فى عرف الناس يعبر بها عن المجامع كما فى حديث هرقل أنه جمع الروم فى دسكرة ويقال للمجتمعين على شرب الخمر انهم فى دسكرة فلا يتعلق بهذا اللفظ حمد ولا ذم وهو إلى الذم اقرب لأن الغالب فى عرف الناس انهم يسمون بذلك الاجتماع على الفواحش والخمر والغناء
والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض على كل مسلم لكنه من فروض الكفايات فإن قام بهما من يسقط به الفرض من ولاة الأمر أو غيرهم والا وجب على غيرهم ان يقوم من ذلك بما يقدر عليه
فصل والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم خلق مما يخلق منه البشر ولم يخلق احد من البشر من نور بل قد ثبت فى الصحيح عن النبى

(11/94)


صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال ان الله خلق الملائكة من نور وخلق ابليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض باعتبار ما خلقت منه فقط بل قد يخلق المؤمن من كافر والكافر من مؤمن كابن نوح منه وكابراهيم من آزر وآدم خلقه الله من طين فلما سواه ونفخ فيه من روحه واسجد له الملائكة وفضله عليهم بتعليمه اسماء كل شىء وبأن خلقه بيديه وبغير ذلك فهو وصالحوا ذريته افضل من الملائكة وان كان هؤلاء مخلوقين من طين وهؤلاء من نور وهذه مسألة كبيرة مبسوطة فى غير هذا الموضع فان فضل بنى آدم هو بأسباب يطول شرحها هنا وانما يظهر فضلهم اذا دخلوا دار القرار والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار والآدمى خلق من نطفة ثم من مضغة ثم من علقة ثم انتقل من صغر إلى كبر ثم من دار إلى دار فلا يظهر فضله وهو فى ابتداء احواله وإنما يظهر فضله عند كمال أحواله بخلاف الملك الذى تشابه أول امره وآخره ومن هنا غلط من فضل الملائكة على الأنبياء حيث نظر إلى أحوال الأنبياء وهم فى اثناء الأحوال قبل ان يصلوا إلى ما وعدوا به فى الدار الآخرة من نهايات الكمال

(11/95)


وقد ظهر فضل نبينا على الملائكة ليلة المعراج لما صار بمستوى يسمع فيه
صريف الأقلام وعلا على مقامات الملائكة والله تعالى اظهر من عظيم قدرته وعجيب حكمته من صالحى الآدميين من الأنبياء والأولياء ما لم يظهر مثله من الملائكة حيث جمع فيهم ما تفرق فى المخلوقات فخلق بدنه من الأرض وروحه من الملأ الأعلى ولهذا يقال هو العالم الصغير وهو نسخة العالم الكبير
ومحمد سيد ولد آدم وافضل الخلق وأكرمهم عليه ومن هنا قال من قال ان الله خلق من أجله العالم أو انه لولا هو لما خلق عرشا ولا كرسيا ولا سماء ولا ارضا ولا شمسا ولا قمرا لكن ليس هذا حديثا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا صحيحا ولا ضعيفا ولم ينقله احد من أهل العلم بالحديث عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بل ولا يعرف عن الصحابة بل هو كلام لا يدرى قائله ويمكن ان يفسر بوجه صحيح كقوله سخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض وقوله وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها وامثال ذلك من الآيات التى يبين فيها انه
خلق المخلوقات لبنى آدم ومعلوم أن لله فيها حكما عظيمة غير ذلك

(11/96)


وأعظم من ذلك ولكن يبين لبنى آدم ما فيها من المنفعة وما أسبغ عليهم
فإذا قيل فعل كذا لكذا لم يقتض ان لا يكون فيه حكمة اخرى وكذلك قول القائل لو لا كذا ما خلق كذا لا يقتضى ان لا يكون فيه حكم اخرى عظيمة بل يقتضى إذا كان أفضل صالحى بنى آدم محمد وكانت خلقته غاية مطلوبة وحكمة بالغة مقصودة اعظم من غيره صار تمام الخلق ونهاية الكمال حصل بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم
والله خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وكان آخر الخلق يوم الجمعة وفيه خلق آدم وهو آخر ما خلق خلق يوم الجمعة بعد العصر فى آخر يوم الجمعة وسيد ولد آدم هو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم آدم فمن دونه تحت لوائه قال صلى الله تعالى عليه وسلم إنى عند الله لمكتوب خاتم النبيين وان آدم لمنجدل فى طينته أى كتبت نبوتى واظهرت لما خلق آدم قبل نفخ الروح فيه كما يكتب الله رزق العبد واجله وعمله وشقى أو سعيد إذا خلق الجنين قبل نفخ الروح فيه فاذا كان الانسان هو خاتم المخلوقات وآخرها

(11/97)


وهو الجامع لما فيها وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقا ومحمد انسان هذا العين وقطب هذه الرحى وأقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات فى المخلوقات فما ينكر ان يقال انه لاجله خلقت جميعها وانه لولاه لما خلقت فاذا فسر هذا الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب والسنة قبل ذلك
واما إذا حصل فى ذلك غلو من جنس غلو النصارى باشراك بعض المخلوقات فى شىء من الربوبية كان ذلك مردودا غير مقبول فقد صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال لا تطرونى كما اطرت النصارى عيسى بن مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله وقد قال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق انما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم انما الله إله واحد
والله قد جعل له حقا لا يشركه فيه مخلوق فلا تصلح العبادة إلا له ولا الدعاء إلا له ولا التوكل الا عليه ولا الرغبة الا إليه ولا الرهبة إلا منه ولا ملجأ ولا منجأ منه إلا اليه ولا يأتى بالحسنات الا هو ولا يذهب السيئات الا هو ولا حول ولا قوة إلا به ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له من ذا الذى

(11/98)


يشفع عنده إلا باذنه ان كل من فى السموات والأرض الا آتى الرحمن عبدا لقد احصاهم وعدهم عدا وكلهم آيته يوم القيامة فردا وقال تعالى ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فاولئك هم الفائزون فجعل الطاعة لله وللرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده وكذلك فى قوله ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا الى الله راغبون فالايتاء لله والرسول وأما التوكل فعلى الله وحده والرغبة إلى الله وحده
فصل وأما المؤاخاة فان النبى صلى الله عليه و سلم آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة كما آخى بين سلمان الفارسى وين أبى الدرداء وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة حتى أنزل الله تعالى واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض فى كتاب الله فصاروا يتوارثون بالقرابة وفى ذلك أنزل الله تعالى والذين عقدت إيمانكم فآتوهم نصيبهم وهذا هو المحالفة
واختلف العلماء هل التوارث بمثل ذلك عند عدم القرابة والولاء محكم أو منسوخ على قولين

(11/99)


احدهما ان ذلك منسوخ وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد فى اشهر الروايتين عنه ولما ثبت فى صحيح مسلم عنه أنه قال لا حلف فى الاسلام وما كان من حلف فى الجاهلية فلم يزده الاسلام الا شدة
و الثانى ان ذلك محكم وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد فى الرواية الاخرى عنه
واما المؤاخاة بين المهاجرين كما يقال أنه آخى بين أبى بكر وعمر وانه آخى عليا ونحو ذلك فهذا كله باطل وان كان بعض الناس ذكر انه فعل بمكة وبعضهم ذكر انه فعل بالمدينة وذلك نقل ضعيف اما منقطع واما باسناد ضعيف والذى فى الصحيح هو ما تقدم ومن تدبر الأحاديث الصحيحة والسيرة النبوية الثابتة تيقن ان ذلك كذب
واما عقد الأخوة بين الناس فى زمامنا فان كان المقصود منها التزام الأخوة الايمانية التى اثبتها الله بين المؤمنين بقوله انما المؤمنون اخوة وقول النبى صلى الله عليه و سلم المسلم اخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه وقوله لا يبع احدكم على بيع اخيه ولا يستام على سوم اخيه ولا يخطب على خطبة اخيه وقوله والذى

(11/100)


نفسى بيده لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه من الخير ما يحبه لنفسه ونحو ذلك من الحقوق الايمانية التى تجب للمؤمن على المؤمن فهذه الحقوق واجبة بنفس الايمان والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما اوجب الله ورسوله وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن وان لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة وان كان المقصود منها اثبات حكم خاص كما كان بين المهاجرين والأنصار فهذه فيها للعلماء قولان بناء على أن ذلك منسوخ أم لا فمن قال أنه منسوخ كمالك والشافعى وأحمد فى المشهور عنه قال إن ذلك غير مشروع ومن قال انه لم ينسخ كما قال أبو حنيفة وأحمد فى الرواية الأخرى قال انه مشروع
وأما الشروط التى يلتزمها كثير من الناس فى السماع وغيره مثل أن يقول على المشاركة فى الحسنات وأينا خلص يوم القيامة خلص صاحبه ونحو ذلك فهذه كلها شروط باطلة فان الأمر يومئذ لله هو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا وكما قال تعالى ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون
وكذلك يشترطون شروطا من الأمور الدنيوية ولا يوفون بها

(11/101)


وما أعلم احدا ممن دخل فى هذه الشروط الزائدة على ما شرطه الله ورسوله وفى بها بل هو كلام يقولونه عند غلبة الحال لا حقيقة له فى المآل واسعد الناس من قام بما اوجبه الله ورسوله فضلا عن ان يوجب على نفسه زيادات على ذلك
وهذه المسائل قد بسطت فى غير هذا الموضع والله أعلم

(11/102)