صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

و السؤال من الأسباب التى ينال بها مغفرته و رحمته و هذاه و نصره و رزقه و إذا قدر للعبد خيرا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاءوما قدره الله و علمه من أحوال العباد و عواقبهم فإنما قدره الله بأسباب يسوق المقادير إلى المواقيت فليس فى الدنيا و الآخرة شيء إلا بسبب و الله خالق الأسباب و المسببات
ولهذا قال بعضهم الإلتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد و محو الأسباب أن تكون أسبابا نقص فى العقل و الإعراض عن الأسباب بالكلية قدح فى الشرع و مجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب فإن المطر إذا نزل و بذر الحب لم يكن ذلك كافيا فى حصول النبات بل لابد من ريح مربية بإذن الله و لابد من صرف الإنتفاء عنه فلابد من تمام الشروط و زوال الموانع و كل ذلك بقضاه الله و قدره و كذلك الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء فى الفرج بل كم من إنزل و لم يولد له بل لا بد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة و تربيه فى الرحم و سائر مايتم به خلقه من الشروط و زوال الموانع
وكذلك أمر الأخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة بل هي سبب و لهذا قال النبى صلى الله عليه و سلم أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا و لا أنت يا رسول الله قال و لا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه و فضل و قد قال أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون فهذه باء السبب أى بسبب أعمالكم و الذى نفاه النبى صلى الله عليه و سلم باء المقابلة كما يقال إشتريت هذا بهذا أي ليس العمل عوضا و ثمنا كافيا فى دخول الجنة بل لابد من عفو الله

(8/70)


و فضله و رحمته فبعفوه يمحوا السيئات و برحمته يأتى بالخيرات و بفضله يضاعف البركات
وفى هذا الموضع ضل طائفتان من الناس
فريق آمنوا بالقدر و ظنوا أن ذلك كاف فى حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية و الأعمال الصالحة و هؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله و رسله و دينه
و فريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر متكلين على حولهم و قوتهم و عملهم و كما يطلبه المماليك و هؤلاءجهال ضلال فإن الله لم يأمرالعباد بما أمرهم به حاجة إليه و لا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به و لكن أمرهم بما فيه صلاحهم و نهاهم عما فيه فسادهم و هو سبحانه كما قال ياعبادى إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني فالملك إذا أمر مملوكيه بأمر أمرهم لحاجته إليهم و هم فعلوه بقوتهم التى لم يخلقها لهم فيطالبون بجزاء ذلك و الله تعالى غني عن العالمين فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم و إن أساؤا فلها لهم ماكسبوا و عليهم ما اكتسبوا من عمل سالحا فلنفسه و من أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد
وفى الحديث الصحيح عن الله تعالى أنه قال ياعبادى أني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ياعبادى أنكم تخطئون بالليل

(8/71)


و النهار و أنا أغفرالذنوب جميعا و لا أبالي فاستغفروني أغفر لكم يا عبادى كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم ياعبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ياعبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ياعبادى لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئا ياعبادى لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم مانقص ذلك من ملكي شيئا ياعبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم إجتمعوا فى صعيد و احد فسألونى فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك فى ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة و احدة ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن و جد خيرا فليحمد الله و من و جد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
وهو سبحانه مع غناه عن العالمين خلقهم و أرسل إليهم رسولا يبين لهم ما يسعدهم و ما يشقيهم ثم أنه هدى عباده المؤمنين لما إختلفوا فيه من الحق بإذنه فمن عليهم بالإيمان و العمل الصالح فخلقه بفضله و إرساله الرسول بفضله و هدايته لهم بفضله و جميع ما ينالون به الخيرات من قواهم و غير قواهم هي بفضله فكذلك الثواب و الجراء هو بفضله و إن كان أوجب ذلك على نفسه كما حرم على نفسه الظلم و وعد بذلك كما قال كتب ربكم على نفسه الرحمة و قال تعالى و كان حقا علينا نصر المؤمنين فهو و اقع لامحالة و اجب بحكم إيجابه و وعده

(8/72)


لأن الخلق لا يوجبون على الله شيئا أو يحرمون عليه شيئا بل هم أعجز من ذلك و أقل من ذلك و كل نعمة منه فضل و كل نقمة منه عدل كما فى الحديث المتقدم إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن و جد خيرا فليحمد الله و من و جد غيرذلك فلا يلومن إلا نفسه
وفى الحديث الصحيح سيد الإستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت أعوذ بك من شرما صنعت أبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبى فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة فقوله أبوء لك بنعمتك على و أبوء بذنبى إعتراف بإنعام الرب و ذنب العبد كما قال بعض السلف أنى أصبح بين نعمة تنزل من الله علي و بين ذنب يصعد مني إلى الله فأريد أن أحدث للنعمة شكرا و للذنب إستغفارا
فمن أعرض عن الأمر والنهي و الوعد و الوعيد ناظرا إلى القدر فقد ضل و من طلب القيام بالأمر والنهي معرضا عن القدر فقد ضل بل المؤمن كما قال تعالى إياك نعبد و إياك نستعين فنعبده إتباعا للأمر و نستعينه إيمانا بالقدر و فى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال المؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف و فى كل خير أحرص على ما ينفعك و استعن بالله و لا تعجزن و إن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا و كذا و لكن قل قدر الله و ما شاء فإن لو تفتح عمل الشيطان

(8/73)


فأمره النبى صلى الله عليه و سلم بشيئين أن يحرص على ما ينفعه و هو إمتثال الأمر و هو العبادة و هو طاعة الله و رسوله و أن يستعين بالله و هو يتضمن الإيمان بالقدر أنه لا حول و لا قوة إلا بالله و أنه ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن
فمن ظن أنه يطيع الله بلا معونته كما يزعم القدرية و المجوسية فقد جحد قدرة الله التامة و مشيئته النافذة و خلقه لكل شيء و من ظن أنه إذا أعين على ما يريد و يسر له ذلك كان محمودا سواء و افق الأمر الشرعي أو خالفه فقد جحد دين الله و كذب بكتبه و رسله و وعده و وعيده و إستحق من غضبه و عقابه أعظم ما يستحقه الأول
فإن العبد قد يريد ما يرضاه و يحبه و يأمر به و يقرب إليه و قد يريد ما يبغضه الله و يكرهه و يسخطه و ينهى عنه و يعذب صاحبه فكل من هذين قد يسر له ذلك كما قال النبى صلى اللله عليه و سلم كل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة و أما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة و قد قال تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا و من أراد الآخرة و سعى لها سعيها و هو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاءربك محظورا و قال تعالى فأما

(8/74)


الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربى أكرمن و أما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا
بين سبحانه أنه ليس كل من إبتلاه فى الدنيا يكون قد أهانه بل هو يبتلى عبده بالسراء و الضراء فالمؤمن يكون صبارا شكورا فيكون هذا و هذا خيرا له كما فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال لايقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له و ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له و إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له و المنافق هلوع جزوع كما قال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا و إذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون و الذين في أموالهم حق معلوم للسائل و المحروم إلى قوله جنات مكرمون
ولما كان العبد ميسرا لمالا ينفعه بل يضره من معصية الله و البطر و الطغيان و قد يقصد عبادة الله و طاعته و العمل الصالح فلا يتأتى له ذلك أمر فى كل صلاة بأن يقول إياك نعبد و إياك نستعين و قد صح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال يقول الله عزوجل قسمت الصلاة بينى و بين عبدي نصفين نصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدى ما سأل فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدنى عبدي فإذا قال إياك نعبد و إياك نستعين قال هذه الآية بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل فإذا قال إهدنا الصراط

(8/75)


المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين قال فهؤلاء لعبدى و لعبدي ما سأل و قال بعض السلف أنزل الله عز و جل مائة كتاب و أربعة كتب جمع علمها فى الكتب الأربعة التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان و جمع الأربعة فى القرآن و علم القرآن في المفصل و علم المفصل فى الفاتحة و علم الفاتحة في قوله إياك نعبد و إياك نستعين
فكل عمل يعمله العبد و لا يكون طاعة لله و عبادة و عملا صالحا فهو باطل فإن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله و إن نال بذلك العمل رئاسة و مالا فغاية المترئس أن يكون كفرعون و غاية المتمول أن يكون كقارون و قد ذكر الله فى سورة القصص من قصة فرعون و قارون ما فيه عبرة لأولي الألباب و كل عمل لا يعين الله العبد عليه فإنه لا يكون و لا ينفع فما لا يكون به لا يكون و ما لا يكون له لا ينفع و لا يدوم فلذلك أمرالعبد أن يقول إياك نعبد و إياك نستعين
والعبد له في المقدور حالان حال قبل القدر و حال بعده فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله و يتوكل عليه و يدعوه فإذا قدر المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به و إن كان بفعله و هو نعمة حمد الله على ذلك و إن كان ذنبا إستغفر إليه من ذلك
وله فى المأمور حالان حال قبل الفعل و هو العزم على الإمتثال

(8/76)


و الإستعانة بالله على ذلك و حال بعد الفعل و هو الأستغفار من التقصير و شكر الله على ما أنعم به من الخير و قال تعالى فاصبرإن و عد الله حق و استغفر لذنبك أمره أن يصبر على المصائب المقدرة و يستغفر من الذنب و إن كان إستغفار كل عبد بحسبه فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين و قال تعالى و إن تصبروا و تتقوا فإن ذلك من عزم الأمور و قال يوسف إنه من يتق و يصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين فذكرالصبر على المصائب و التقوى بترك المعائب و قال النبى صلى الله عليه و سلم إحرص على ما ينفعك و استعن بالله و لا تعجزن و إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا و كذا و لكن قل قدر الله و ما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان
فأمره إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر و لا يتحسر على الماضي بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه و أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه فالنظر إلى القدر عند المصائب و الإستغفار عند المعائب قال تعالى ما أصاب من مصيبة فى الأرض و لا في أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم و قال تعالى ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله و من يؤمن بالله يهد قلبه قال علقمة و غيره هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى و يسلم و الله سبحانه و تعالى أعلم

(8/77)


وسئل عن الباري سبحانه هل يضل و يهدى فأجاب إن كل ما فى الوجود فهو مخلوق له خلقه بمشيئته و قدرته و ما شاء كان و مالم يشأ لم يكن و هو الذي يعطى و يمنع و يخفض و يرفع و يعز و يذل و يغني و يفقر و يضل و يهدى و يسعد و يشقى و يولى الملك من يشاء و ينزعه ممن يشاء و يشرح صدر من يشاء للإسلام و يجعل صدر من يشاء ضيقا كأنما يصعد فى السماء و هو يقلب القلوب ما من قلب من قلوب العباد إلا و هو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه و إن شاء أن يزيغه أزاغه و هو الذى حبب إلى المؤمنين الإيمان و زينه فى قلوبهم و كره إليهم الكفر و الفسوق و العصيان أولئك هم الراشدون
وهو الذي جعل المسلم مسلما و المصلي مصليا قال الخليل ربنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة لك و قال ربى إجعلني مقيم الصلاة و من ذريتى و قال تعالى و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و قال عن آل فرعون و جعلناهم أئمة يدعون إلى النار و قال تعالى إن الإنسان خلق

(8/78)


هلوعا إذا مسه الشر جزوعا و إذا مسه الخير منوعا و قال و اصنع الفلك بأعيننا و وحينا و قال و يصنع الفلك
والفلك مصنوعة لبني آدم و قد أخبرالله تبارك و تعالى أنه خلقها بقوله وخلقنا لهم من مثله ما يركبون و قال و الله جعل لكم من بيوتكم سكنا و جعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم و يوم إقامتكم و من أصوافها و أوبارها الآيات و هذه كلها مصنوعة لبني آدم
وقال تعالى أتعبدون ما تنحتون و الله خلقكم و ما تعملون فما بمعنى الذي و من جعلها مصدرية فقد غلط لكن إذا خلق المنحوت كما خلق المصنوع و الملبوس و المبنى دل على أنه خالق كل صانع و صنعته و قال تعالى من يهدي الله فهو المهتد و من يضلل فلن تجد له و ليا مرشدا و قال فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا و هو سبحانه خالق كل شيء و ربه و مليكه و له فيما خلقه حكمة بالغة و نعمة سابغة و رحمة عامة و خاصة و هو لا يسأل عما بفعل و هم يسألون لا لمجرد قدرته و قهره بل لكمال علمه و قدرته و رحمته و حكمته
فإنه سبحانه و تعالى أحكم الحاكمين و أرحم الراحمين و هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها و قد أحسن كل شيء خلقه و قال تعالى و ترى الجبال

(8/79)


تحسبها جامدة و هي تمرمر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء و قد خلق الأشياء بأسباب كما قال تعالى و ما أنزل الله من السماء من ماء فأحياء به الأرض بعد موتها و قال فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات و قال تعالى يهدى به الله من إتبع رضوانه سبل السلام

(8/80)


سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق و انشاء الأنام و هل يخلق لعلة أو لغير علة فإن قيل لا لعلة فهو عبث تعالى الله عنه و أن قيل لعلة فإن قلتم أنها لم تزل لزم أن يكون المعلوم لم يزل و إن قلتم أنها محدثة لزم أن يكون لها علة و التسلسل محال
فأجاب الحمد لله رب العالمين هذه المسألة كبيرة من أجل المسائل الكبار التى تكلم فيها الناس و أعظمها شعوبا و فروعا و أكثرها شبها و محارات فإن لها تعلقا بصفات الله تعالى و بأسمائه و أفعاله و أحكامه من الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و هي داخلة فى خلقه و أمره فكل ما فى الوجود متعلق بهذه المسألة فإن المخلوقات جميعها متعلقة بها و هي متعلقة بالخالق سبحانه و كذلك الشرائع كلها الأمر و النهي و الوعد و الوعيد متعلقة بها و هي متعلقة بمسائل القدر و الأمر و بمسائل الصفات و الأفعال و هذه جوامع علوم الناس فعلم الفقه الذي هو الأمر و النهي متعلق بها

(8/81)


وقد تكلم الناس فى تعليل الأحكام الشرعية و الأمر و النهي كالأمر بالتوحيد الصدق و العدل و الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج و النهي عن الشرك و الكذب و الظلم و الفواحش هل أمر بذلك لحكمة و مصلحة و علة إقتضت ذلك أم ذلك لمحض المشيئة و صرف الإرادة و هل علل الشرع بمعنى الداعى و الباعث أو بمعنى الإمارة و العلامة و هل يسوغ فى الحكمة أن ينهى الله عن التوحيد و الصدق و العدل و يأمر بالشرك و الكذب و الظلم أم لا
و تكلم الناس في تنزيه الله تعالى عن الظلم هل هو منزه عنه مع قدرته عليه أم الظلم ممتنع لنفسه لا يمكن و قوعه
وتكلموا في محبة الله و رضاه و غضبه و سخطه هل هي بمعنى إراته أو هى الثواب و العقاب المخلوق أم هذه صفات أخص من الإرادة
وتنازعوا فيما و قع فى الأرض من الكفر و الفسوق و العصيان هل يريده و يحبه و يرضاه كما يريد و يحب سائر ما يحدث أم هو و اقع بدون قدرته و مشيئته و هو لا يقدر أن يهدى ضالا و لا يضل مهتديا أم هو و اقع بقدرته و مشيئته و لا يكون فى ملكه ما لا يريد و له فى جميع خلقه حكمة بالغة و هو يبغضه و يكرهه و يمقت فاعه و لا يحب الفساد و لا يرضى لعباده الكفر و لا يريده الإرادة الدينية المتضمنة لمحبته و رضاه و إن أراده الإرادة الكونية التى تتناول ما قدره و قضاه و فروع هذا الأصل كثيرة لا يحتمل هذا الموضع إستقصاءها

(8/82)


ولأجل تجاذب هذا الأصل و وقوع الإشتباه فيه صار الناس فيه إلى التقديرات الثلاثة المذكورة فى سؤال السائل و كل تقدير قال به طوائف من بنى آدم من المسلمين و غير المسلمين
فالتقدير الأول هو قول من يقول خلق المخلوقات و أمر بالمأمورات لا لعلة و لا لداع و لا باعث بل فعل ذلك لمحض المشيئة و صرف الإرادة و هذا قول كثيرممن يثبت القدر و ينتسب إلى السنة من أهل الكلام و الفقه و غيرهم و قد قال بهذا طوائف من أصحاب مالك و الشافعى و أحمد و غيرهم و هو قول الأشعرى و أصحابه و قول كثير من نفاة القياس في الفقه الظاهرية كإبن حزم و أمثاله
ومن حجة هؤلاء أنه لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصا بدونها مستكملا بها فإنه إما أن يكون و جود تلك العلة و عدمها بالنسبة إليه سواء أو يكون و جودها أولى به فإن كان الأول إمتنع أن يفعل لأجلها و إن كان الثانى ثبت أن و جودها أولى به فيكون مستكملا بها فيكون قبلها ناقصا
ومن حجتهم ما ذكره السائل من أن العلة إن كانت قديمة و جب قدم المعلول لأن العلة الغائية و إن كانت متقدمة على المعلول فى العلم و القصد كما يقال أول الفكرة آخر العمل و أول البغية آخر الدرك و يقال أن العلة الغائية بها صارالفاعل فاعلا فلا ريب أنها متأخرة فى الوجود عنه فمن فعل فعلا

(8/83)


لمطلوب يطلبه بذلك الفعل كان حصول المطلوب بعد الفعل فإذا قدر أن ذلك المطلوب الذي هو العلة قديما كان الفعل قديما بطريق الأولى
فلو قيل أنه يفعل لعلة قديمة لزم أن لا يحدث شيء من الحوادث و هو خلاف المشاهدة و إن قيل أنه فعل لعلة حادثة لزم محذوران
أحدهما أن يكون محلا للحوادث فإن العلة إذا كانت منفصلة عنه فإن لم يعد إليه منها حكم إمتنع أن يكون و جودها أولى به من عدمها و إذا قدر أنه عاد إليه منها حكم كان ذلك حادثا فتقوم به الحوادث
المحذورالثاني أن ذلك يستلزم التسلسل من و جهين أحدهما أن تلك العلة الحادثة المطلوبة بالفعل هي أيضا مما يحدثه الله تعالى بقدرته و مشيئته فإن كانت لغير علة لزم العبث كما تقدم و إن كانت لعلة عاد التقسيم فيها فإذا كان كل ما أحدثه أحدثه لعلة و العلة مما أحدثه لزم تسلسل الحوادث الثاني أن تللك العلة إما أن تكون مرادة لنفسها أو لعلة أخرى فإن كانت مرادة لنفسها إمتنع حدوثها لأن ما أراده الله تعالى لذاته و هو قادر عليه لا يؤخر أحداثه و أن كانت مرادة لغيرها فالقول في ذلك الغير كالقول فيها و يلزم التسلسل فهذا و نحوه من حجج من ينفي تعليل أفعال الله تعالى و أحكامه
و التقدير الثانى قول من يجعل العلة الغائية قديمة كما يجعل العلة الفاعلية

(8/84)


قديمة كما يقول ذلك طوائف من المسلمين كما سيأتى بيانه و كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفه القائلين بقدم العالم و هؤلاء أصل قولهم أن المبدع للعالم علة تامة تستلزم معلولها لا يجوز أن يتأخر عنها معلولها و أعظم حججهم قولهم أن جميع الأمور المعتبرة فى كونه فاعلا إن كانت موجودة فى الأزل لزم و جود المفعول في الأزل لأن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها فإنه لو تأخر لم تكن جميع شروط الفعل و جدت فى الأزل فإنا لا نعني بالعلة التامة إلا ما يستلزم المعلول فإذا قدر أنه تخلف عنها المعلول لم تكن تامة و إن لم تكن العلة التامة التى هي جميع الأمور المعتبرة فى الفعل و هي المقتضى التام لوجود الفعل و هي جميع شروط الفعل التى يلزم من و جودها و جود الفعل إن لم يكن جميعها فى الأزل فلا بد إذا و جد المفعول بعد ذلك من تجدد سبب حادث و إلالزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح و إذا كان هناك سبب حادث فالقول فى حدوثه كالقول فى الحادث الأول و يلزم التسلسل قالوا فالقول بإنتفاءالعلة التامة المستلزمة للمعفول يوجب إما التسلسل و إما الترجيح بلا مرجح
ثم أكثر هؤلاء يثبتون علة غائية للفعل و هي بعينها الفاعلية و لكنهم متناقضون فإنهم يثبتون له العلة الغائية و يثبتون لفعله العلة الغائية و يقولون مع هذا ليس لله إرادة بل هو موجب بالذات لا فاعل بالإختيار و قولهم باطل من و جوه كثيرة

(8/85)


منها أن يقال هذا القول يستلزم أن لا يحدث شيء و أن كل ما حدث حدث بغير إحداث محدث و معلوم أن بطلان هذا أبين من بطلان التسلسل و بطلان الترجيح بلا مرجح و ذلك أن العلة التامة المستلزمة لمعلولها يقترن بها معلولها و لا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها فكل ما حدث من الحوادث لا يجوز أن يحدث عن هذه العلة التامة و ليس هناك ما تصدر عنه الممكنات سوى الواجب بنفسة الذي سماه هؤلاء علة تامة فإذا إمتنع صدور الحوادث عنه و ليس هناك ما يحدثها غيره لزم أن تحدث بلا محدث
و أيضا فلو قدر أن غيره أحدثها فإن كان و أجبا بنفسه كان القول فيه كالقول فى الواجب الأول و أصل قولهم أن الواجب بنفسه علة تامة تستلزم مقارنة معلوله له فلا يجوز أن يصدر على قولهم عن العلة التامة حادث لا بواسطة و لا بغير و اسطة لأن تلك الواسطة إن كانت من لوازم و جوده كانت قديمة معه فإمتنع صدور الحوادث عنها و إن كانت حادثة كان القول فيها كالقول فى غيرها
وإن قدر أن المحدث للحوادث غير و اجب بنفسه كان ممكنا مفتقرا إلى موجب يوجب به ثم إن قيل أنه محدث كان من الحوادث و إن قيل أنه قديم كان له علة تامة مستلزمة له و إمتنع حينئذ حدوث الحوادث عنه فإن الممكن لا يوجد هو و لا شيء من صفاته و أفعاله إلا عن الواجب بنفسه فإذا قدر حدوث الحوادث عن ممكن قديم معلول لعلة قديمة قيل هل حدث فيه سبب

(8/86)


يقتضي الحدوث أم لا فإن قيل لم يحدث سبب لزم الترجيح بلا مرجح و إن قيل حدث سبب لزم التسلسل كما تقدم
الوجه الثاني الذى يبين بطلان قولهم أن يقال مضمون الحجة أنه إذا لم يكن ثم علة قديمة لزم التسلسل أو الترجيح بلا مرجح و التسلسل عندكم جائز فإن أصل قولهم أن هذه الحوادث متسلسلة شيئا بعد شيء و أن حركات الفلك توجب إستعداد القوابل لأن تفيض عليها الصورالحادثة من العلة القديمة سواء قلتم هي العقل الفعال أو هي الواجب الذي يصدر عنه بتوسط العقول أو غير ذلك من الوسائط و إذا كان التسلسل جائزا عندكم لم يمتنع حدوث الحوادث عن غير علة موجبة للمعلول و إن لزم التسلسل بل هذا خير في الشرع و العقل من قولكم و ذلك أن الشرع أخبر أن الله خلق السموات و الأرض فى ستة أيام و هذا مما أتفق عليه أهل الملل المسلمون و اليهود و النصارى فإن قيل إنه خلقها بسبب حادث قبل ذلك كان خيرا من قولكم أنها قديمة أزلية معه فى الشرع و كان أولى فى العقل لأن العقل ليس فيه ما يدل على قدم هذه الأفلاك حتى يعارض الشرع و هذه الحجة العقلية إنما تقتضى أنه لايحدث شىء إلا بسبب حادث فإذا قيل أن السموات و الأرض خلقها الله تعالى بما حدث قبل ذلك لم يكن فى حجتكم العقلية ما يبطل هذا
الوجه الثالث أن يقال حدوث حادث بعد حادث بلا نهاية إما أن يكون ممكنا فى العقل أو ممتنعا فإن كان ممتنعا فى العقل لزم أن الحوادث جميعها

(8/87)


لها أول كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام و بطل قولهم بقدم حركات الأفلاك و إن كان ممكنا أمكن أن يكون حدوث ما أحدثه الله تعالى كالسموات و الأرض موقوفا على حوادث قبل ذلك كما تقولون أنتم فيما يحدث فى هذا العالم من الحيوان و النبات و المعادن و المطر و السحاب و غير ذلك فيلزم فساد حجتكم على التقديرين
ثم يقال أما أن تثبتوا المبدع العالم حكمة و غاية مطلوبة و أما أن لا تثبتوا فإن لم تثبتوا بطل قولكم بإثبات العلة الغائية و بطل ما تذكرونه من حكمة الباري تعالى فى خلق الحيوان و غير ذلك من المخلوقات و أيضا فالوجود يبطل هذا القول فإن الحكمة الموجودة فى الوجود أمر يفوق العد و الإحصاء كإحداثه سبحانه لما يحدثه من نعمته و رحمته و قت حاجة الخلق إليه كإحداث المطر و قت الشتاء بقدر الحاجة و إحداثه للإنسان الآلات التى يحتاج إليها بقدر حاجته و أمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه و إن أثبتم له حكمة مطلوبة و هي بإصطلاحكم العلة الغائية لزمكم أن تثبتوا له المشيئة و الإرادة بالضرورة فإن القول بأن الفاعل فعل كذا لحكمة كذا بدون كونه مريدا لتلك الحكمة المطلوبة جمع بين النقيضين و هؤلاء المتفلسفة من أكثر الناس تناقضا و لهذا يجعلون العلم هو العالم و العلم وهو الإرادة و الإرادة هي القدرة و أمثال ذلك كما قد بسط الكلام عليهم فى غير هذا الموضع
و أما التقديرالثالث و هو أنه فعل المفعولات و أمر بالمأمورات لحكمة

(8/88)


محمودة فهذا قول أكثرالناس من المسلمين و غيرالمسلمين و قول طوائف من أصحاب أبى حنيفة و الشافعي و مالك و أحمد و غيرهم و قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة و الكرامية و المرجئة و غيرهم و قول أكثر أهل الحديث و التصوف و أهل التفسير و قول أكثر قدماءالفلاسفة و كثير من متأخريهم كأبى البركات و أمثاله لكن هؤلاء على أقوال
منهم من قال أن الحكمة المطلوبة مخلوقة منفصلة عنه أيضا كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة و الشيعة و من و افقهم و قالوا الحكمة فى ذلك إحسانه إلى الخلق و الحكمة فى الأمر تعويض المكلفين بالثواب و قالوا أن فعل الإحسان إلى الغير حسن محمود فى العقل فحلق الخلق لهذه الحكمة من غير أن يعود إليه من ذلك حكم و لا قام به فعل و لا نعت
فقال لهم الناس أنتم متناقضون فى هذا القول لأن الإحسان إلى الغير محمود لكونه يعود منه على فاعله حكم يحمد لأجله إما لتكميل نفسه بذلك و إما لقصده الحمد و الثواب بذلك و أما لرقة و ألم يجده فى نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم و إما للتذاذه و سروره و فرحه بالإحسان فإن النفس الكريمة تفرح و تسر و تلتذ بالخيرالذي يحصل منها إلى غيرها فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله أما إذا قدر أن و جود الإحسان و عدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه بل مثل هذا يعد عبثا فى عقول العقلاء و كل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة و لا

(8/89)


مصلحة و لا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة و لا آجلة كان عابثا و لم يكن محمودا على هذا و أنتم عللتم أفعاله فرارا من العبث فوقعتم في العبث فإن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة و لا منفعة و لا فائدة تعود على الفاعل و لهذا لم يأمرالله تعالى و لا رسوله صلى الله عليه و سلم و لا أحد من العقلاء أحدا بالإحسان إلى غيره و نفعه و نحو ذلك إلا لما له فى ذلك من المنفعة و المصلحة و الا فأمر الفاعل بفعل لا يعود إليه منه لذة و لا سرور و لا منفعة و لا فرح بوجه من الوجوه لافي العاجل و لا فى الآجل لايستحسن من الآمر
ونشأ من هذا الكلام نزاع بين المعتزلة و غيرهم و من و افقهم في مسألة التحسين و التقبيح العقلي فأثبت ذلك المعتزلة و غيرهم و من و افقهم من أصحاب أبى حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد و أهل الحديث و غيرهم و حكوا ذلك عن أبي حنيفة نفسه و نفى ذلك الأشعرية و من و افقهم من أصحاب مالك و الشافعي و أحمد و غيرهم و إتفق الفريقان على أن الحسن و القبح إذا فسرا يكون الفعل نافعا للفاعل ملائما له و لكونه ضارا للفاعل منافرا له أنه يمكن معرفته بالعقل كما يعرف بالشرع و ظن من ظن من هؤلاء أن الحسن و القبح المعلوم بالشرع خارج عن هذا و هذا ليس كذلك بل جميع الأفعال التى أوجبها الله تعالى و ندب إليها هي نافعة لفاعليها و مصلحة لهم و جميع الأفعال التى نها الله عنها هي ضارة لفاعليها و مفسدة في حقهم و الحمد و الثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل و مصلحة له و الذم العقاب المترتب على معصيته ضار للفاعل و مفسدة له

(8/90)


والمعتزلة أثبتت الحسن فى أفعال الله تعالى لا بمعنى حكم يعود إليه من أفعاله و منازعوهم لما إعتقدوا أن لأحسن و لا قبح فى الفعل إلا ما عاد إلى الفاعل منه حكم نفوا ذلك و قالوا القبيح في حق الله تعالى هو الممتنع لذاته و كل ما يقدر ممكنا من الأفعال فهو حسن إذا لافرق بالنسبة إليه عندهم بين مفعول و مفعول و أولئك أثبتوا حسنا و قبحا لا يعود إلى الفاعل منه حكم يقول بذاته إذ عندهم لايقوم بذاته لا و صف و لا فعل و لا غير ذلك و إن كانوا قد يتناقضون
ثم أخذوا يقيسون ذلك على مايحسن من العبد و يقبح فجعلوا يوجبون على الله سبحانه ما يوجبون على العبد و يحرمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد و يسمون ذلك العدل و الحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته و عدله و لا يثبتون له مشيئة عامة و لا قدرة تامة فلا يجعلونه على كل شيء قدير و لايقولون ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن و لا يقرون بأنه خالق كل شيء و يثبتون له من الظلم ما نزه نفسه عنه سبحانه فإنه قال و من يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا يخاف ظلما و لا هضما أي لايخاف أن يظلم فيحمل عليه من سيئات غيره و لا يهضم من حسناته و قال تعالى مايبدل القول لدي و ما أنا بظلام للعبيد و قال النبى صلى الله عليه و سلم فى حديث البطاقة الذي رواه الإمام أحمد و الترمذي و غيرهما يجاء برجل من أمتى يوم القيامة فتنشر له تسعة و تسعون سجلا كل سجل مد البصر فيقال له هل تنكر من هذا شيئا فيقول لا يارب فيقال له ألك عذر أ لك حسنة فيقول لا يارب فيقول بلى

(8/91)


إن لك عندنا حسنة و أنه لا ظلم عليك اليوم قال فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله فتوضع البطاقة فى كفة و السجلات فى كفة فطاشت السجلات و ثقلت البطاقة فقد أخبر النبى صلى الله عليه و سلم أنه لا يظلم بل يثاب على ما أتى به من التوحيد كما قال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره
وجمهور هؤلاء الذين يسمون أنفسهم عدلية يقولون من فعل كبيرة و احدة أحبطت جميع حسناته و خلد فى نار جهنم فهذا الذي سماه الله و رسوله ظلما يصفون الله به مع دعواهم تنزيهه عن الظلم و يسمون تخصيصه من يشاء برحمته و فضله و خلقه ما خلقه لما له فيه من الحكمة البالغة ظلما و الكلام فى هذه الأمور مبسوط فى غير هذا الموضع و لكن نبهنا على مجامع أصول الناس فى هذا المقام
وهؤلاءالمعتزلة و من و افقهم من الشيعة يوجبون على الله سبحانه أن يفعل بكل عبد ما هو الأصلح له فى دينه و تنازعوا فى و جوب الأصلح فى دنياه و مذهبهم أنه لا يقدر أن يفعل مع مخلوق من المصلحة الدينية غير ما فعل و لا يقدر أن يهدي ضالا و لا يضل مهتديا
وأما سائر الطوائف الذين يقولون بالتعليل من الفقهاء و أهل الحديث و الصوفية و أهل الكلام كالكرامية و غيرهم و المتفلسفة أيضا فلا يوافقونهم على

(8/92)


هذا بل يقولون أنه يفعل ما يفعل سبحانه لحكمة يعلمها سبحانه و تعالى و قد يعلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه و قد لايعلمون ذلك
الأمور العامة التى يفعلها تكون لحكمة عامة و رحمة عامة كإرسال محمد صلى الله عليه و سلم فإنه كما قال تعالى و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين فإن إرساله كان من أعظم النعمة على الخلق و فية أعظم حكمة للخالق و رحمة منه لعباده كما قال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و قال تعالى و كذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين و قال و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا و سيجزى الله الشاكرين و قال تعالى ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا قالوا هو محمد صلى الله عليه و سلم
فإذا قال قائل فقد تضرر برسالته طائفة من الناس كالذين كذبوه من المشركين و أهل الكتاب كان عن هذا جوابان
أحدهما أنه نفعهم بحسب المكان فإنه أضعف شرهم الذي كانوا يفعلونه لولا الرسالة بإظهار الحجج و الآيات التى زلزلت ما فى قلوبهم و بالجهاد و الجزية التى أخافتهم و أذلتهم حتى قل شرهم و من قتله منهم مات قبل أن يطول عمره فى الكفر فيعظم كفره فكان ذلك تقليلا لشره و الرسل صلوات الله عليهم

(8/93)


بعثوا بتحصيل المصالح و تكميلها و تعطيل المفاسد و تقليلها بحسب الإمكان
و الجواب الثاني أن ما حصل من الضرر أمر مغمور فى جنب ما حصل من النفع كالمطر الذي عم نفعه إذا خرب به بعض البيوت أو إحتبس به بعض المسافرين و المكتسبين كالقصارين و نحوهم و ما كان نفعه و مصلحته عامه كان خيرا مقصودا و رحمة محبوبة و إن تضرر به بعض الناس و هذا الجواب أجاب به طوائف من المسلمين و أهل الكلام و الفقه و غيرهم من الحنفية و الحنبلية و غيرهم و من الكرامية و الصوفية و هو جواب كثير من المتفلسفة
وقال هؤلاء جميع ما يحدثه فى الوجود من الضرر فلا بد فيه من حكمة قال الله تعالى صنع الله الذي أتقن كل شيء و قال الذي أحسن كل شيءخلقه و الضرر الذي يحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شرا مطلقا و إن كان شرا بالنسبة إلى من تضرر به و لهذا لايجيء في كلام الله تعالى و كلام رسوله صلى الله عليه و سلم إضافة الشر و حده إلى الله بل لا يذكر الشر إلا على أحد و جوه ثلاثة إما أن يدخل فى عموم المخلوقات فإنه إذا دخل فى العموم أفاد عموم القدرة و المشيئة و الخلق و تضمن ما إشتمل عليه من حكمة تتعلق بالعموم و إما أن يضاف إلى السبب الفاعل و إما أن يحذف فاعله فالأول كقوله تعالى الله خالق كل شيء و نحو ذلك و من هذا الباب أسماء الله المقترنة كالمعطي المانع و الضارالنافع المعز المذل الخافض الرافع

(8/94)


فلا يفرد الإسم المانع عن قرينه و لا الضارعن قربنه لإن إقترانهما يدل على العموم و كل مافى الوجود من رحمة و نفع و مصلحة فهو من فضله تعالى و ما فى الوجود من غير ذلك فهو من عدله فكل نعمة منه فضل و كل نقمة منه عدل كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل و النهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات و الأرض فإنه لم يغض ما فى يمينه و بيده الأخرى القسط يخفض و يرفع فأخبر أن يده اليمنى فيها الإحسان إلى الخلق و يده الأخرى فيها العدل و الميزان الذى به يخفض و يرفع فحفضه و رفعه من عدله و إحسانه إلى خلقه من فضله
وأما حذف الفاعل فمثل قول الجن و انا لا ندري أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا و قوله تعالى في سورة الفاتحة صراط الذين أنعمت عليهم غيرالمغضوب عليهم و لا الضالين و نحو ذلك
و إضافته إلى السبب كقوله من شر ما خلق و قوله فأردت أن أعيبها مع قوله فأراد ربك أن يبلغا أشدهما و يستخرجا كنزهما و قوله تعالى ماأصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك و قوله ربنا ظلمنا أنفسنا و قوله تعالى أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند أنفسكم و أمثال ذلك

(8/95)


ولهذا ليس من أسماء الله الحسنى أسم يتضمن الشر و إنما يذكر الشر فى مفعولاته كقوله نبىء عبادي إني أنا الغفور الرحيم و أن عذابي هو العذاب الأليم و قوله إن ربك لسريع العقاب و أنه لغفور رحيم و قوله اعلموا أن الله شديد العقاب و أنه لغفور رحيم و قوله إن بطش ربك لشديد أنه هو يبدىء و يعيد و هو الفغور الودود فبين سبحانه أن بطشه شديد و أنه هوالغفور الودود
وإسم المنتقم ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبى صلى الله عليه و سلم و إنما جاء في القرآن مقيدا كقوله تعالى أنا من المجرمين منتقمون و قوله إن الله عزيز ذو إنتقام و الحديث الذي في عدد الأسماء اللحسنى الذى يذكر فيه المنتقم فذكر في سياقه البر التواب المنتقم العفو الرؤوف ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبى صلى الله عليه و سلم بل هذا ذكره الوليد إبن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أو عن بعض شيوخه و لهذ لم يروه أحد من أهل الكتب المشهورة إلا الترمذى رواه عن طريق الوليد بن مسلم بسياق و رواه غيره بإختلاف فى الأسماء و فى ترتيبها يبين أنه ليس من كلام النبى صلى الله عليه و سلم و سائر من روى هذا الحديث عن أبى هريرة ثم عن الأعرج ثم عن أبى الزناد لم يذكروا أعيان الأسماء
بل ذكروا قوله صلى الله عليه و سلم إن لله تسعة و تسعين إسما مائة إلا و احدا من أحصاها دخل الجنة و هكذا أخرجه أهل الصحيح كالبخارى و مسلم و غيرهما و لكن روي عدد الأسماء من

(8/96)


طريق أخرى من حديث محمد بن سيرين عن أبى هريرة و رواه إبن ماجه و إسناده ضعيف يعلم أهل الحديث أنه ليس من كلام النبى صلى الله عليه و سلم و ليس فى عدد الأسماء الحسنى عن النبى صلى الله عليه و سلم إلا هذان الحديثان كلاهما مروى من طريق أبى هريرة و هذا مبسوط فى موضعه
والمقصود هنا التنبيه على أصول تنفع فى معرفة هذه المسألة فإن نفوس بني آدم لايزال يحوك فيها من هذه المسألة أمر عظيم
وإذا علم العبد من حيث الجملة أن لله فيما خلقه و ما أمر به حكمة عظيمة كفاه هذا ثم كلما إزداد علما و إيمانا ظهر له من حكمة الله و رحمته ما يبهر عقله و يبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه حيث قال سنريهم آياتنا في الآفاق و فى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق فإنه صلى الله عليه و سلم قال فى الحديث الصحيح لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها و فى الصحيحين عنه أنه قال إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة أنزل منها رحمة و احدة فبها يتراحم الخلق حتى أن الدابة لترفع حافرها عن و لدها من تلك الرحمة و إحتبس عنده تسعا و تسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم بها عباده أو كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
ثم هؤلاء الجمهور من المسلمين و غيرهم كأئمة المذاهب الأربعة و غيرهم من السلف و العلماء الذين يثبتون حكمته فلا ينفونها كما نفاها الأشعرية و نحوهم

(8/97)


الذين لم يثبتوا إلا إرادة بلا حكمة و مشيئة بلا رحمة و لا محبة و لا رضى و جعلوا جميع المخلوقات بالنسبة إليه سواء لا يفرقون بين الإرادة و المحبة و الرضى بل ماوقع من الكفر و الفسوق و العصيان قالوا أنه يحبه و يرضاه كما يريده و إذا قالوا لايحبه و لا يرضاه دينا قالوا إنه لا يريده دينا و ما لم يقع من الإيمان و التقوى فإنه لايحبه و لا يرضاه عندهم كمالا يريده و قد قال تعالى إذ يبيتون مالا يرضى من القول
فأخبر أنه لايرضاه مع أنه قدره و قضاه لا يوافقون المعتزلة على إنكار قدرة الله تعالى و عموم خلقه و مشيئته و قدرته و لا يشبهونه بخلقه فيما يوجب و يحرم كما فعل هؤلاء و لا يسلبونه ما وصف به نفسه من صفاته و أفعاله بل أثبتوا له ما أثبته لنفسه من الصفات و الأفعال و نزهوه عما نزه عنه نفسه من الصفات و الأفعال و قالوا إن الله خالق كل شيء و مليكه و ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن و هو على كل شيء قدير و هو يحب المحسنين و المتقين و المقسطين و يرضى عن السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار و الذين إتبعوهم بإحسان و لا يحب الفساد و لا يرضى لعباده الكفر ولا يرضى بالقول المخالف لأمر الله و رسوله
وقالوا مع أنه خالق كل شيء و ربه و مليكه فقد فرق بين المخلوقات أعيانها و أفعالها كما قال تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين و كما قال أم حسب الذين إجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم ساء ما يحكمون و قال تعالى أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار و قال تعالى

(8/98)


و ما يستوي الأعمى و البصير و لا الظلمات و لا النور و لا الظل و لا الحرور و ما يستوي الأحياء و لا الأموات و أمثال ذلك مما يبين الفرق بين المخلوقات و إنقسام الخلق إلى شقي و سعيد كما قال تعالى هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن و قال تعالى فريقا هدى و فريقا حق عليهم الضلالة و قال تعالى يدخل من يشاء فى رحمته و الظالمين أعد لهم عذابا أليما و قال تعالى و يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون و أما الذين كفروا و كذبوا بآياتنا و لقاء الآخرة فأولئك فى العذاب محضرون و نظائر هذا فى القرآن كثيرة
وينبغي أن يعلم أن هذا المقام زل فيه طوائف من أهل الكلام و التصوف و صاروا فيه إلى ماهو شر من قول المعتزلة و نحوهم من القدرية فإن هؤلاء يعظمون الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و طاعة الله و رسوله و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر لكن ضلوا فى القدر و إعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة و قدرة شاملة و خلقا متناولا لكل شيء لزم من ذلك القدح فى عدل الرب و حكمته و غلطوا فى ذلك
فقابل هؤلاء قوم من العلماء و العباد و أهل الكلام و التصوف فأثبتوا القدر و آمنوا بأن الله رب كل شيء و مليكه و أنه ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن و أنه خالق كل شيء و ربه و مليكه و هذا حسن و صواب لكنهم قصروا في الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و أفرطوا حتى خرج غلاتهم إلى الإلحاد فصاروا من جنس المشركين الذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا و لا آباؤنا و لا حرمنا

(8/99)


من شيء فأولئك القدرية و إن كانوا يشبهون المجوس من حيث أنهم أثبتوا فاعلا لما أعتقدوه شرا غير الله سبحانه فهؤلاء شابهوا المشركين الذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا و لا آباؤنا و لا حرمنا من شيء فالمشركون شر من المجوس فإن المجوس يقرون بالجزية بإتفاق المسلمين و قد ذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم و طعامهم
وأما المشركون فإتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم و طعامهم و مذهب الشافعي و أحمد فى المشهور عنه و غيرهما أنهم لا يقرون بالجزية و جمهور العلماء على أن مشركي العرب لايقرون الجزية و إن أقرت المجوس فإن النبى صلى الله عليه و سلم لم يقبل الجزية من أحد من المشركين بل قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله و أنى رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على الله عزوجل
والمقصود هنا أن من أثبت القدر و إحتج به أبطال الأمر والنهي فهو شر ممن أثبت الأمر و النهي و لم يثبت القدر و هذا متفق عليه بين المسلمين و غيرهم من أهل الملل بل بين جميع الخلق فإن من إحتج بالقدر و شهود الربوبية العامة لجميع المخلوقات و لم يفرق بين المأمور و المحظور و المؤمنين و الكفار و أهل الطاعة و أهل المعصية لم يؤمن بأحد من الرسل و لا بشيء من الكتب و كان عنده آدم و إبليس سواء و نوح و قومه سواء و موسى و فرعون سواء و السابقون الأولون و كفار مكة سواء
وهذا الضلال قد كثر في كثير من أهل التصوف و الزهد و العبادة لاسيما

(8/100)


إذا قرنوا به توحيد أهل الكلام المثبتين للقدر و المشيئة من غير إثبات المحبة و البغض و الرضى و السخط الذين يقولون التوحيد هو توحيد الربوبية و الإلهية عندهم هي القدرة على الإختراع و لا يعرفون توحيد الإلهية و لا يعلمون أن الأله هو المألوه المعبود و أن مجرد الإقرار بأن الله رب كل شيء لا يكون توحيدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله كما قال تعالى و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون قال عكرمة تسألهم من خلق السموات و الأرض فيقولون الله و هم يعبدون غيره و هؤلاء يدعون التحقيق و الفناء فى التوحيد و يقولون أن هذا نهاية المعرفة و أن العارف إذا صار فى هذا المقام لايستحسن حسنة و لا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة و القيومية الشاملة و هذا الموضع و قع فيه من الشيوخ الكبار من شاء الله و لا حول و لا قوة إلا بالله
وهؤلاء غاية توحيدهم هو توحيد المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام الذين قال الله عنهم قل لمن الأرض و من فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع و رب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء و هو يجير و لا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون و قال تعالى و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض و سخر الشمس و القمر ليقولن الله فأنى يؤفكون الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده و يقدر له إن الله بكل

(8/101)


شيء عليم و لئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لايعقلون و قال تعالى و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون و قال تعالى و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون و قال تعالى قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع و الأبصار و من يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي و من يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا إنهم لا يؤمنون قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لايهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون و قال تعالى أمن خلق السموات و الأرض و أنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارا و جعل خلالها أنهارا و جعل لها رواسي و جعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أمن يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء و يجعلكم خلفاءالأرض أإله مع الله قليلا ماتذكرون أمن يهديكم فى ظللمات البر و البحر و من يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون أمن يبدأ الخلق ثم يعيده و من يرزقكم من السماء و الأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين

(8/102)


فإن هؤلاء المشركين كانوا مقرين بأن الله خالق السموات و الأرض و خالقهم و بيده ملكوت كل شيء بل كانوا مقرين بالقدر أيضا فإن العرب كانوا يثبتون القدر فى الجاهلية و هو معروف عنهم فى النظم و النثر و مع هذا فلما لم يكونوا يعبدون الله و حده لا شريك له بل عبدوا غيره كانوا مشركين شرا من اليهود و النصارى فمن كان غاية توحيده و تحقيقه هو هذا التوحيد كان غاية توحيده توحيد المشركين
وهذا المقام مقام و أى مقام زلت فيه أقدام و ضلت فيه أفهام و بدل فيه دين المسلمين و التبس فيه أهل التوحيد بعباد الأصنام على كثير ممن يدعون نهاية التوحيد و التحقيق و المعرفة و الكلام
ومعلوم عند كل من يؤمن بالله و رسوله أن المعتزلة و الشيعة القدرية المثبتين للأمر و النهي و الوعد و الوعيد خير ممن يسوي بين المؤمن و الكافر و البر و الفاجر و النبى الصادق و المتنبىء الكاذب و أولياء الله و أعدائه و يجعل هذا غاية التحقيق و نهاية التوحيد و هؤلاء يدخلون في مسمى القدرية الذين ذمهم السلف بل هم أحق بالذم من المعتزلة و نحوهم كما قال أبو بكر الخلال فى كتاب السنة الرد على القدرية و قولهم أن الله أجبر العباد على المعاصي و ذكر عن المروذي قال قلت لأبي عبد الله رجل يقول أن الله أجبر العباد فقال هكذا لا تقول و أنكر ذلك و قال يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء و ذكر عن المروذي أن رجلا قال أن الله لم يجبر العباد على المعاصي

(8/103)


فرد عليه آخر فقال أن الله جبر العباد أراد بذلك إثبات القدر فسألوا عن ذلك أحمد بن حنبل فأنكر عليهما جميعا على الذي قال جبر و على الذي قال لم يجبر حتى تاب و أمر أن يقال يضل الله من يشاء و يهدى من يشاء
وذكر عن عبد الرحمن بن مهدى قال أنكر سفيان الثوري جبر و قال إن الله جبل العباد قال المروذي أراد قول النبى صلى الله عليه و سلم لأشج عبد القيس يعنى قوله إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم و الإناءة فقال أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهم فقال بل خلقين جبلت عليهما فقال الحمد لله الذي جبلنى على خلقين يحبهما
وذكر عن أبي إسحاق الفزاري قال قال الأوزاعي أتانى رجلان فسألانى عن القدر فأجبت أن آتيك بهما تسمع كلاهما و تجيبهما قلت رحمك الله أنت أولى بالجواب قال فأتانى الأوزاعي و معه الرجلان فقال تكلما فقالا قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا فى القدر و نازعناهم فيه حتى بلغ بنا و بهم إلى أن قلنا أن الله جبرنا على مانهانا عنه وحال بيننا و بين ما أمرنا به و رزقنا ما حرم علينا فقلت يا هؤلاء إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد إبتدعوا بدعة و أحدثوا حدثا و أنى أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه فقال أصبت و أحسنت يا أبا إسحاق و
ذكر عن بقية بن الوليد قال سألت الزبيدي و الأوزاعي عن الجبر

(8/104)


فقال الزبيدي أمر الله أعظم و قدرته أعظم من أن يجبرأو يعضل و لكن يقضي و يقدر و يخلق و يجبل عبده على ما أحب و قال الأوزاعي ما أعرف للجبر أصلا من القرآن و السنة فأهاب أن أقول ذلك و لكن القضاء والقدر و الخلق و الجبل فهذا يعرف في القرآن و الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
وقد قال مطرف بن الشخير لم نوكل إلى القدر و إليه نصير و قال ضمرة إبن ربيعة لم نؤمر أن نتكل على القدر و إليه نصير
وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ما منكم من أحد إلا و قد علم مقعده من الجنة و مقعدة من النار قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل و نتكل على الكتاب فقال لا إعمللوا فكل ميسر لما خلق له و هذا باب و اسع
والمقصود هنا أن الخلال و غيره من أهل العلم أدخلوا القائلين بالجبر في مسمى القدرية و إن كانوا لا يحتجون بالقدر على المعاصي فكيف بمن يحتج به على المعاصي و معلوم أنه يدخل فى ذم من ذم الله من القدرية من يحتج به على إسقاط الأمر و النهي أعظم مما يدخل فيه المنكر له فإن ضلال هذا أعظم
ولهذا قرنت القدرية بالمرجئة فى كلام غير و احد من السلف و روي فى ذلك حديث مرفوع لأن كلا من هاتين البدعتين تفسد الأمر و النهي و الوعد و الوعيد فالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد و يهون أمر الفرائض و المحارم

(8/105)


و القدري أن إحتج به كان عونا للمرجىء و إن كذب به كان هو والمرجىء قد تقابلا هذا يبلغ في التشديد حتى لا يجعل العبد يستعين بالله على فعل ماأمر به و ترك ما نهى عنه و هذا يبالغ فى الناحية الأخرى
ومن المعلوم ان الله تعالى ارسل الرسل وانزل الكتب لتصدق الرسل فيما اخبرت وتطاع فيما امرت كما قال تعالى وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله وقال تعالى من يطع الرسول فقد اطاع الله والايمان بالقدر من تمام ذلك فمن اثبت القدر وجعل ذلك معارضا للامر فقد اذهب الاصل
ومعلوم ان من اسقط الامر والنهى الذى بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى بل هؤلاء قولهم متناقض لا يمكن احدا منهم ان يعيش به ولا تقوم به مصلحة احد من الخلق ولا يتعاشر عليه اثنان فان القدر ان كان حجة فهو حجة لكل احد والا فليس حجة لاحد فاذا قدر ان الرجل ظلمه ظالم او شتمه شاتم او اخذ ماله او افسد اهله او غير ذلك فمتى لامه او ذمه او طلب عقوبته ابطل الاحتجاج بالقدر ومن ادعى ان العارف اذا شهد القدر سقط عنه الامر كان هذا الكلام من الكفر الذى لا يرضاه لا اليهود ولا النصارى بل ذلك ممتنع فى العقل محال فى الشرع فان الجائع يفرق بين الخبز والتراب والعطشان يفرق بين الماء والسراب فيحب ما يشبعه ويرويه دون ما لا ينفعه والجميع مخلوق لله تعالى فالحى وان

(8/106)


كان من كان لابد ان يفرق بين ما ينفعه وينعمه ويسره وبين ما يضره ويشقيه ويؤلمه وهذا حقيقة الامر والنهى فان الله تعالى امر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم
والناس فى الشرع والقدر على اربعة انواع فشر الخلق من يحتج بالقدر لنفسه ولا يراه حجة لغيره يستند اليه فى الذنوب والمعائب ولا يطمئن اليه فى المصائب كما قال بعض العلماء انت عند الطاعة قدرى وعند المعصية جبرى اى مذهب وافق هواك تمذهبت به وبازاء هؤلاء خير الخلق الذين يصبرون على المصائب ويستغفرون من المعائب كما قالل تعالى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك وقال تعالى ما اصاب من مصيبة فى الارض ولا فى انفسكم الا فى كتاب من قبل ان نبرأها ان ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما اتاكم وقال تعالى ما اصاب من مصيبة الا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه قال بعض السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم انها من عند الله فيرضى ويسلم قال تعالى والذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا نفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون
وقد ذكر الله تعالى عن ادم عليه السلام انه لما فعل من فعل قال ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وعن ابليس انه قال فبما اغويتنى لازينن لهم فى الارض ولا غوينهم اجمعين فمن تاب اشبه

(8/107)


اباه آدم ومن اصر واحتج بالقدر اشبه ابليس والحديث الذى فى الصحيحين فى احتجاج ادم وموسى عليهما السلام لما قال له موسى انت ادم ابو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلمك اسماء كل شىء لماذا اخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له ادم انت موسى الذى اصطفاك الله برسالته وبكلامه وخط لك التوراة بيده فبكم وجدت مكتوبا على قبل ان اخلق وعصى ادم ربه فغوى قال بكذا وكذا سنة قال فحج ادم موسى وهذا الحديث فى الصحيحين من حديث ابى هريرة وقد روى باسناد جيد من حديث عمر رضى الله عنه
فآدم عليه السلام انما حج موسى لان موسى لامه على ما فعل لاجل ما حصل لهم من المصيبة بسبب اكله من الشجرة لم يكن لومه له لاجل حق الله فى الذنب فان ادم كان قد تاب من الذنب كما قال تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه وقال تعالى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وموسى ومن هو دون موسى عليه السلام يعلم انه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب وآدم اعلم بالله من ان يحتج بالقدر على الذنب وموسى عليه السلام اعلم بالله تعالى من ان يقبل هذه الحجة فان هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لابليس عدو آدم وحجة لفرعون عدو موسى وحجة لكل كافر وفاجر وبطل امر الله ونهيه بل انما كان القدر حجة لآدم على موسى لانه لام غيره لاجل المصيبة التى حصلت له بفعل ذلك وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه

(8/108)


وقد قال تعالى ما اصاب من مصيبة الا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه وقال انس خدمت النبى عشر سنين فما قال لى اف قط ولا قال لشىء فعلته لم فعلته ولا لشىء لم افعله لم لا فعلته وكان بعض اهله اذا عاتبنى على شىء يقول دعوه فلو قضى شىء لكان وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت ما ضرب رسول الله بيده خادما ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط الا ان يجاهد فى سبيل الله ولا نيل منه شىء قط فانتقم لنفسه الا ان تنتهك محارم الله فاذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شىء حتى ينتقم لله وقد قال لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ففى امر الله ونهيه يسارع الى الطاعة ويقيم الحدود على من تعدى حدود الله ولا تاخذه فى الله لومة لائم واذا آذاه مؤذ او قصر مقصر فى حقه عفا عنه ولم يؤاخذه نظرا الى القدر
فهذا سبيل الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا وهذا اوجب فيما قدر من المصائب بغير فعل ادمى كالمصائب السماوية او بفعل لا سبيل فيه الى العقوبة كفعل ادم عليه السلام فانه لا سبيل الى لومه شرعا لاجل التوبة ولا قدرا لاجل القضاء والقدر واما اذا ظلم رجل رجلا فله ان يستوفى مظلمته على وجه العدل وان عفا عنه كان افضل له كما قال تعالى والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له

(8/109)


وأما الصنف الثالث فهم الذين لا ينظرون الى القدر لا فى المعائب ولا فى المصائب التى هى من افعال العباد بل يضيفون ذلك كله الى العبد واذا اساؤا استغفروا وهذا حسن لكن اذا اصابتهم مصيبة بفعل العبد لم ينظروا الى القدر الذى مضى به عليهم ولا يقولون لمن قصر فى حقهم دعوه فلو قضى شىء لكان لا سيما وقد تكون تلك المصيبة بسبب ذنوبهم فلا ينظرون اليها وقد قال تعالى اولما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثيلها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم وقال تعالى وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم وقال تعالى وان تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم فان الانسان كفور
ومن هذا قوله تعالى اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك فان هذه الاية تنازع فيها كثير من مثبتى القدر ونفاته هؤلاء يقولون الافعال كلها من الله لقوله تعالى قل كل من عند الله وهؤلاء يقولون الحسنة من الله والسيئة من نفسك لقوله ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك
وقد يجيبهم الاولون بقراءة مكذوبة فمن نفسك بالفتح على معنى الاستفهام وربما قدر بعضهم تقديرا اى افمن نفسك وربما قدر بعضهم القول فى قوله تعالى ما اصابك فيقولون تقدير الآية فمال هؤلاء القوم لا يكادون

(8/110)


يفقهون حديثا يقولون فيحرفون لفظ القرآن ومعناه ويجعلون ما هو من قول الله قول الصدق من قول المنافقين الذين انكر الله قولهم ويضمرون فى القرآن ما لا دليل على ثبوته بل سياق الكلام ينفيه فكل من هاتين الطائفتين جاهلة بمعنى القرآن وبحقيقة المذهب الذى تنصره
وأما القرآن فالمراد منه هذا بالحسنات والسيئات النعم والمصائب ليس المراد الطاعات والمعاصى وهذا كقوله تعالى ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا وكقوله ان تصبك حسنة تسؤهم وان تصبك مصيبة يقولوا قد اخذنا امرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون قل لن يصيبنا الا كا كتب الله لنا هو مولانا الآية ومنه قوله تعالى وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون كما قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون اى بالنعم والمصائب
وهذا بخلاف قوله من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها وأمثال ذلك فان المراد بها الطاعة والمعصية وفى كل موضع ما يبين المراد باللفظ فليس فى القرآن العزيز بحمد الله تعالى اشكال بل هو مبين وذلك انه اذا قال ما اصابك وما مسك ونحو ذلك كان من فعل غيرك بك كما قال ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك وكما قال تعالى ان تصبك حسنة تسؤهم وقال تعالى وان تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم

(8/111)


وإذا قال من جاء بالحسنة كانت من فعله لانه هو الجائى بها فهذا يكون فيما فعله العبد لا فيما فعل به وسياق الاية يبين ذلك فانه ذكر هذا فى سياق الحض على الجهاد وذم المتخلفين عنه فقال تعالى يا ايها الذين امنوا خذوا حذركم فانفروا ثباتت او انفروا جميعا وان منكم لمن ليبطئن فان اصابتكم مصيبة قال قد انعم الله على اذ لم اكن معهم شهيدا ولئن اصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتنى كنت معهم فافوز فوزا عظيما
فأمر سبحانه بالجهاد وذم المثبطين وذكر ما يصيب المؤمنين تارة من المصيبة فيه وتارة من فضل الله فيه كما اصابهم يوم احد مصيبة فقال او لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم واصابهم يوم بدر فضل من الله بنصره لهم وتاييده كما قال تعالى ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة ثم انه سبحانه قال فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالاخرة ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل او يغلب فسوف نؤتيه اجرا عظيما وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الى قوله اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك فهذا من كلام الكفار والمنافقين اذا اصابهم نصر وغيره من النعم قالوا هذا من عند الله وان اصابهم ذل وخوف وغير ذلك من المصائب قالوا

(8/112)


هذا من عند محمد بسبب الذى جاء به فإن الكفار يضيفون ما اصابهم من المصائب الى فعل اهل الايمان
وقد ذكر نظير ذلك فى قصة موسى وفرعون قال تعالى ولقد اخذنا ال فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فاذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه الا انما طائرهم عند الله ونظيره قوله تعالى فى سورة يس قالوا ربنا انا اليكم لمرسلون وما علينا الا البلاغ المبين قالوا انا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرججمنكم وليمسنكم منا عذاب اليم فاخبر الله تعالى ان الكفار كانوا يتطيرون بالمؤمنين فاذا اصابهم بلاء جعلوه بسبب اهل الايمان وما اصابهم من الخير جعلوه لهم من الله عز و جل فقال تعالى فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا والله تعالى نزل احسن الحديث فلو فهموا القرآن لعلموا ان الله امرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر امر بالخير ونهى عن الشر فليس فيما بعث الله به رسله ما يكون سببا للشر بل الشر حصل بذنوب العباد فقال تعالى ما اصابك من حسنة فمن الله اى ما اصابك من نصر ورزق وعافية فمن الله نعمة انعم بها عليك وان كانت بسبب اعمالك الصالحة فهو الذى هداك واعانك ويسرك لليسرى ومن عليك بالايمان وزينه فى قلبك وكره اليك الكفر والفسوق والعصيان
وفى اخر الحديث الصحيح الالهى حديث ابى ذر عن النبى فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى يا عبادى انما هى اعمالكم احصيها لكم

(8/113)


ثم اوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه وفى الحديث الصحيح سيد الاستغفار ان يقول العبد اللهم انت ربى لا اله الا انت خلقتنى وانا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت اعوذ بك من شر ما صنعت ابوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا انت من قالها اذا اصبح موقنا بها فمات من يومه ذلك دخل الجنة ومن قالها اذا امسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة
ثم قال تعالى و ما أصابك من سيئة من ذل و خوف و هزيمة كما أصابهم يوم أحد فمن نفسك أي بذنوبك و خطاياك و أن كان ذلك مكتوبا مقدرا عليك فإن القدر ليس حجة لأحد لا على الله و لا على خلقه و لو جاز لأحد أن يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات لم يعاقب ظالم و لم يقاتل مشرك و لم يقم حد و لم يكف أحد عن ظلم أحد و هذا من الفساد في الدين و الدنيا المعلوم ضرورة فساده للعالم بصريح المقول المطابق لما جاء به الرسول
فالقدر يؤمن به و لا يحتج به فمن لم يؤمن بالقدر ضارع المجوس و من إحتج به ضارع المشركين و من أقر بالأمر و القدر و طعن فى عدل الله و حكمته كان شبيها بإبليس فإن الله ذكر عنه أنه طعن في حكمته و عارضه برأيه و هواه و أنه قال فبما أغويتني لأزينن لهم فى الأرض
وقد ذكر طائفة من أهل الكتاب و بعض المصنفين فى المقالات كالشهر ستانى

(8/114)


أنه ناظر الملائكة فى ذلك معارضا لله تعالى في خلقه و أمره لكن هذه الناظرة بين إبليس و الملائكة التى ذكرها الشهر ستانى فى أول المقالات و نقلها عن بعض أهل الكتاب ليس لها إسناد يعتمد عليه ولو و جدناها فى كتب أهل الكتاب لم يجز أن نصدقها لمجرد ذلك فإن النبى صلى الله عليه و سلم ثبت عنه فى الصحيح أنه قال إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم و لا تكذبوهم فأما ان يحدثوكم بحق فنكذبونه و أما ان يحدثوكم بباطل فتصدقونه
ويشبه و الله أعلم أن تكون تلك المناظرة من و ضع بعض المكذبين بالقدر إما من أهل الكتاب و إما من المسلمين و الشهر ستانى نقلها من كتب المقالات و المصنفون في المقالات ينقلون كثيرا من المقالات من كتب المعتزلة كما نقل الأشعرى و غيره مانقله فى المقالات من كتب المعتزلة فإنهم من أكثر الطوائف و أولها تصنيفا فى هذا الباب و لهذا توجد المقالات منقولة بعباراتهم فوضعوا هذه المناظرة على لسان إبليس كما رأينا كثيرا منهم يضع كتابا أو قصيدة على لسان بعض اليهود أو غيرهم و مقصودهم بذلك الرد على المثبتين للقدر يقولون أن حجة الله على خلقه لاتتم إلا بالتكذيب بالقدر كما و ضعوا في مثالب إبن كلاب أنه كان نصرانيا لأنه أثبت الصفات و عندهم من أثبت الصفات فقد أشبه النصارى و تتلقى أمثال هذه الحكايات بالقبول من المنتسبين إلى السنة ممن لم يعرف حقيقة أمرها
والمقصود هنا أن الآية الكريمة حجة على هؤلاء و هؤلاء حجة على من يحتج بالقدر فإن الله تعالى أخبر أنه عذبهم بذنوبهم فلو كانت حجتهم مقبولة

(8/115)


لم يعذبهم بذنوبهم و حجة على من كذب بالقدر فإنه سبحانه أخبر أن الحسنة من الله و أن السيئة من نفس العبد والقدرية متفقون على أن العبد هو المحدث للمعصية كما هو المحدث للطاعة و الله عندهم ما أحدث لا هذا و لا هذا بل أمر بهذا و نهي عن هذا
وليس عندهم لله نعمة أنعمها على عباده المؤمنين فى الدين إلا و قد أنعم بمثلها على الكفار فعندهم أن على بن أبى طالب رضى الله عنه و أبا لهب مستويان فى نعمة الله الدينية إذ كل منهما أرسل إليه الرسول و أقدر على الفعل و أزيحت علته لكن هذا فعل الإيمان بنفسه من غير أن يخصه بنعمة آمن بها و هذا فعل الكفر بنفسه من غير أن يفضل الله عليه ذلك المؤمن و لا خصه بنعمة آمن لأجلها و عندهم أن الله حبب الإيمان إلى الكفار كأبي لهب و أمثاله كما حببه إلى المؤمنين كعلي رضي الله عنه و أمثاله و زينه فى قلوب الطائفتين و كره الكفر و الفسوق و العصيان إلى الطائفتين سواء لكن هؤلاء كرهوا ما كرهه الله إليهم بغير نعمة خصهم بها و هؤلاء لم يكرهوا ما كرهه الله إليهم
ومن توهم عنهم أو من نقل عنهم أن الطاعة من الله و المعصية من العبد فهو جاهل بمذهبهم فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية و لا يمكن أن يقوله فإن أصل قولهم أن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية كلاهما فعله بقدرة تحصل له من غير أن يخصه الله بإرادة خلقها فيه و لا قوة جعلها فيه تختص بأحدهما فإذا إحتجوا بهذه الآية على مذهبهم كانوا جاهلين بمذهبهم و كانت الآية حجة عليهم

(8/116)


لالهم لأنه تعالى قال قل كل من عند الله و عندهم ليس الحسنات المفعولة و لا السيئات المفعولة من عند الله بل كلاهما من العبد و قول تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك مخالف لقولهم فإن عندهم الحسنة المفعولة و السيئة المفعولة من العبد لا من الله سبحانه
وكذلك من إحتج من مثبتة القدر بالآية على إثباته إذا اختج بقوله تعالى قل كل من عند الله كان مخطئا فإن الله ذكر هذه الآية ردا على من يقول الحسنة من الله و السيئة من العبد و لم يقل أحد من طوائف الناس أن الحسنة المفعولة من الله و السيئة المفعولة من العبد
وأيضا فإن نفس فعل العبد و إن قال أهل الإثبات أن الله خلقه و هو مخلوق له و مفعول له فإنهم لا ينكرون أن العبد هو المتحرك بالأفعال و به قامت و منه نشأت و إن كان الله خلقها
و أيضا فإن قوله بعد هذا ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك يمتنع أن يفسر بالطاعة و المعصية فإن أهل الأثبات لا يقولون أن الله خالق إحداهما دون الأخرى بل يقولون أن الله خالق لجميع الأفعال و كل الحوادث
ومما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة مع قولهم الله خالق كل شيء

(8/117)


و ربه و مليكه و أنه ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن و أنه على كل شيء قدير و أنه هو الذي خلق العبد هلوعا إذا مسه الشر جزوعا و إذا مسه الخير منوعا و نحو ذلك أن العبد فاعل حقيقة و له مشيئة و قدرة قال تعالى لمن شاء منكم أن يستقيم و ما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين و قال تعلى إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا و ما تشاءون إلا أن يشاءالله و قال تعالى كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره و ما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى و أهل المغفرة
وهذا الموضع إضطرب فيه الخائضون فى القدر فقالت المعتزلة و نحوهم من النفاة الكفر و الفسوق و العصيان أفعال قبيحة و الله منزه عن فعل القبيح بإتفاق المسلمين فلا تكون فعلا له
وقال من رد عليهم من المائلين إلى الجبر بل هي فعله و ليست أفعالا للعباد بل هي كسب للعبد و قالوا إن قدرة العبد لاتأثير لها فى حدوث مقدورها و لا فى صفة من صفاتها و أن الله أجرى اللعادة بخلق مقدورها مقارنا لها فيكون الفعل خلقا من الله إبداعا و إحداثا و كسبا ممن العبد لوقوعه مقارنا لقدرته و قالوا إن العبد ليس محدثا لأ فعاله و لا موجدا لها و مع هذا فقد يقولون إنا لانقول بالجبر المحض بل نثبت قدرة حادثة و الجبري المحض الذي لا يثبت للعبد قدرة

(8/118)


وأخذوا يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه و بين الخلق فقالوا الكسب عبارة عن إقتران المقدور بالقدرة الحادثة و الخلق هو المقدور بالقدرة القديمة و قالو أيضا الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه و الخلق هو الفعل الخارج عن محل القدرة عليه
فقال لهم الناس هذا لا يوجب فرقا بين كون العبد كسب و بين كونه فعل و أوجد و أحدث و صنع و عمل و نحو ذلك فإن فعله و إحداثه و عمله و صنعه هو أيضا مقدور بالقدرة الحادثة و هو قائم فى محل القدرة الحادثة
و أيضا فهذا فرق لا حقيقة له فأن كون المقدور فى محل القدرة أو خارجا عن محلها لا يعود إلى نفس تأثير القدرة فيه و هو مبني على أصلين أن الله لايقدر على فعل يقوم بنفسه و أن خلقه للعالم هو نفس العالم و أكثر العقلاء من المسلمين و غيرهم على خلاف ذلك
و الثاني أن قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا في محل و جودها و لا يكون شيء من مقدورها خارجا عن محلها و فى ذلك نزاع طويل ليس هذا موضعه
و أيضا فإذا فسر التأثير بمجرد الإقتران فلا فرق بين أن يكون الفارق في المحل أو خارجا عن المحل
و أيضا قال لهم المنازعون من المستقر فى فطر الناس أن من فعل

(8/119)


العدل فهو عادل و من فعل الظلم فهو ظالم و من فعل الكذب فهو كاذب فإذا لم يكن العبد فاعلا لكذبه و ظلمه و عدله بل الله فاعل ذلك لزم أن يكون هو المتصف بالكذب و الظلم قالوا و هذا كما قلتم أنتم و سائر الصفاتية من المستقر فى فطر الناس أن من قام به العلم فهو عالم ومن قامت به القدرة فهو قادر و من قامت به الحركة فهو متحرك و من قام به التكلم فهو متكلم و من قامت به الإرادة فهو مريد و قلتم إذا كان الكلام مخلوقا كان كلاما للمحل الذي خلقه فيه كسائر الصفات فهذه القاعدة المطردة فيمن قامت به الصفات نظيرها أيضا من فعل الأفعال
وقالوا أيضا القرآن مملوء بذكر إضافة هذه الأفعال إلى العباد كقوله تعالى جزاء بما كنتم تعملون و قوله إعملوا ماشئتم و قوله و قل إعملوا فسيرى الله عملكم و قوله إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات و أمثال ذلك
و قالوا أيضا أن الشرع و العقل متفقان على أن العبد يحمد و يذم على فعله و يكون حسنة له أوسيئة فلو لم يكن الافعل غيره لكان ذلك الغير هو المحمود المذموم عليها
وفى المسألة كلام ليس هذا موضع بسطه لكن ننبه على نكت نافعة فى هذا الموضع المشكل فتقول

(8/120)


قول القائل هذا فعل هذا و فعل هذا لفظ فيه إجمال فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل و تارة يراد به مسمى المصدر فيقول فعلت هذا إفعله فعلا و عملت هذا إعمله عملا فإذا أريد بالعمل نفس الفعل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان و صيامه و نحو ذلك فالعمل هنا هو المعمول و قد إتحد هنا مسمى المصدر و الفعل و إذا أريد بذلك ما يحصل بعمله كنساجة الثوب و بناء الدار و نحو ذلك فالعمل هنا غيرالمعمول قال تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب و تماثيل و جفان كالجواب و قدور راسيات فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن و من هذا الباب قوله تعالى والله خلقكم و ما تعملون فإنه فى أصح القولين ما بمعي الذي و المراد به ما تنحتونه من الأصنام كما قال تعالى أتعبدون ما تنحتون و الله خلقكم و ما تعملون أي و الله خلقكم و خلق الأصنام التى تنحتونها و منه حديث حذيفة عن النبى صلى الله عليه و سلم أن الله خالق كل صانع و صنعته لكن قد يستدل بالآية على أن الله خلق أفعال العباد من و جه آخر فيقال إذا كان خالقا لما يعملونه من المنحوتات لزم أن يكون هو الخالق للتأليف الذي أحدثوه فيها فإنها إنما صارت أوثانا بذلك التأليف و إلا فهي بدون ذلك ليست معمولة لهم و إذا كان خالقا للتأليف كان خالقا لأفعالهم
والمقصود أن لفظ الفعل و العمل و الصنع أنواع و ذلك كلفظ البناء و الخياطة و النجارة تقع على نفس مسمى المصدر و على المفعول و كذلك لفظ التلاوة و القراءة و الكلام و القول يقع على نفس مسمى

(8/121)


المصدر و على ما يحصل بذلك من نفس القول و الكلام فيراد بالتلاوة و القراءة نفس القرآن المقروء المتلو كما يراد بها مسمى المصدر
والمقصود هنا أن القائل إذا قال هذه التصرفات فعل الله أو فعل العبد فإن أراد بذلك أنها فعل الله بمعنى المصدر فهذا باطل بإتفاق المسلمين و بصريح العقل و لكن من قال هي فعل الله و أراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر المخلوقات فهذا حق
ثم من هؤلاء من قال أنه ليس لله فعل يقوم به فلا فرق عنده بين فعله و مفعوله و خلقه و مخلوقه
وأما الجمهور الذين يفرقون بين هذا و هذا فيقولون هذه مخلوقه لله مفعوله لله ليست هي نفس فعله و أما العبد فهي فعله القائم به و هي أيضا مفعوله له إذا أريد بالفعل المفعول فمن لم يفرق في حق الرب تعالى بين الفعل و المفعول إذا قال أنها فعل الله تعالى و ليس لمسمى فعل الله عنده معنيان و حينئذ فلا تكون فعلا للعبد و لا مفعوله له بطريق الأولى و بعض هؤلاء قال هي فعل للرب و للعبد فأثبت مفعولا بين فاعلين
وأكثر المعتزلة يوافقون هؤلاء على أن فعل الرب تعالى لا يكون إلا بمعنى مفعوله مع أنهم يفرقون فى العبد بين الفعل و المفعول فلهذا عظم النزاع

(8/122)


و أشكلت المسألة على الطائفتين و حاروا فيها
وأما من قال خلق الرب تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته قال إن أفعال العباد مخلوقة كسائر المخلوقات ومفعولة للرب كسائر المفعولات ولم يقل أنها نفس فعل الرب وخلقه بل قال أنها نفس فعل العبد وعلى هذا تزول الشبهة
فأنه يقال الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلا له كما يفعلها العبد وتقوم به ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له إذا كان قد جعلها صفة لغيره كما أنه سبحانه لا يتصف بما خلقه فى غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال والمقادير والحركات وغير ذلك فإذا كان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به وإذا خلق رائحة منتنة أ و طعما مرا أ و صورة قبيحة ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح لم يكن هو متصفا بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة المكروهة والأفعال القبيحة ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها وسببا لذمه وعقابه وجالبة لألمه وعذابه وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به لا على الخالق الذي خلقها فعلا لغيره
ثم على قول الجمهور الذين يقولون له حكمة فيما خلقه فى العالم مما هو مستقبح وضار ومؤذ يقولون له فيما خلقه من هذه الأفعال القبيحة الضارة لفاعلها حكمة عظيمة كما له حكمة عظيمة فيما خلقه من الأمراض والغموم ومن يقول لا تعلل أفعاله لا يعلل لا هذا ولا هذا

(8/123)


يوضح ذلك أن الله تعالى إذا خلق في الإنسان عمى ومرضا وجوعا وعطشا ووصبا ونصبا ونحو ذلك كان العبد هو المريض الجائع العطشان المتألم فضرر هذه المخلوقات وما فيها من الأذى والكراهة عاد إليه ولا يعود إلى الله تعالى شيء من ذلك فكذلك ما خلق فيه من كذب وظلم وكفر ونحو ذلك هي أمور ضارة مكروهة مؤذية وهذا معنى كونها سيئات وقبائح إي أنها تسوء صاحبا وتضره وقد تسوء أيضا غيره وتضره كما أن مرضه ونتن ريحه ونحو ذلك قد يسوء غيره ويضره
يبين ذلك أن القدرية سلموا أن الله قد يخلق فى العبد كفرا وفسوقا على سبيل الجزاء كما فى قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة وقوله فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم
ثم أنه من المعلوم أن هذه المخلوقات تكون فعلا للعبد وكسبا له يجزى عليها ويستحق الذم عليها والعقاب وهي مخلوقة لله تعالى فالقول عند أهل الإثبات فيما يخلقه من أعمال العباد إبتداء كالقول فيما يخلقه جزاء من هذا الوجه وإن إفترقا من وجه آخر وهم لا يمكنهم أن يفرقوا بينهما بفرق يعود إلى كون هذا فعلا لله دون هذا وهذا فعلا للعبد دون هذا ولكن يقولون أن هذا يحسن من الله تعالى لكونه جزاء للعبد وذلك لايحسن منه لكونه إبتداء للعبد

(8/124)


بما يضره وهم يقولون لايحسن منه أن يضرالحيوان إلا بجرم سابق أ و عوض لاحق
وأما أهل الإثبات للقدر فمن لم يعلل منهم لا يفرق بين مخلوق ومخلوق وأما القائلون بالحكمة وهم الجمهور فيقولون لله تعالى فيما يخلقه من أذى الحيوان حكم عظيمة كما له حكم في غير هذا ونحن لا نحصر حكمته فى الثواب والعوض فإن هذا قياس لله تعالى على الواحد من الناس وتمثيل لحكمة الله وعدله بحكمة الواحد من الناس وعدله
و المعتزلة مشبهة في الأفعال معطلة فى الصفات ومن أصولهم الفاسدة أنهم يصفون الله بما يخلقه فى العالم إذ ليس عندهم صفة لله قائمة به ولا فعل قائم به فيسمونه به ويصفونه بما يخلقه فى العالم مثل قولهم هو متكلم بكلام يخلقه فى غيره ومريد بإرادة يحدثها لا فى محل وقولهم أن رضاه وغضبه وحبه وبغضه هو نفس المخلوق الذي يخلقه من الثواب والعقاب وقولهم أنه لو كان خالقا لظلم العبد وكذبه لكان هو الظالم الكاذب وأمثال ذلك من الأقوال التى إذا تدبرها العاقل علم فسادها بالضرورة ولهذا إشتد نكير السلف والأئمة عليهم لا سيما لما أظهروا القول بأن القرآن مخلوق وعلم السلف أن هذا فى الحقيقة هو إنكار لكلام الله تعالى وأنه لو كان كلامه هو مايخلقه للزم أن يكون كل كلام مخلوق كلاما له فيكون إنطاقه للجلود يوم القيامة وإنطاقه للجبال والحصى بالتسبيح وشهادة الأيدى والأرجل ونحو ذلك كلاما له وإذا كان خالقا لكل

(8/125)


شيء كان كل كلام موجود كلامه وهذا قول الحلولية من الجهمية كصاحب الفصوص وأمثاله ولهذا يقولون ... وكل كلام فى الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه ...
وقد علم بصريح المعقول أن الله تعالى إذا خلق صفة فى محل كانت صفة لذلك المحل فإذا خلق حركة فى محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها إذا خلق لونا أو ريحا فى جسم كان هو المتلون المتروح بذلك وإذا خلق علما أ و قدرة أو حياة في محل كان ذلك المحل هو العالم القادر الحي فكذلك إذا خلق إرادة وحبا وبغضا في محل كان هو المريد المحب المبغض وإذا خلق فعلا لعبد كان العبد هو الفاعل فإذا خلق له كذبا وظلما وكفرا كان العبد هو الكاذب الظالم الكافر وإن خلق له صلاة وصوما وحجا كان العبد هو المصلي الصائم الحاج
والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته بل صفاته قائمة بذاته وهذا مطرد على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم ويقولون أن خلق الله للسموات والأرض ليس هو نفس السموات والأرض بل الخلق غير المخلوق لا سيما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله
ومن وافقهم من الجهمية والقدرية نقضوا هذا الأصل على من لم يقل أن الخلق غير المخلوق كالأشعرى ومن وافقه فقالوا

(8/126)


إذ قلتم أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره كما ذكرتم في الحركة والعلم والقدرة وسائر الأعراض إنتقض ذلك عليكم بالعدل والإحسان وغيرهما من أفعال الله تعالى فإنه يسمى عادلا بعدل خلقه فى غيره محسنا بإحسان خلقه فى غيره فكذا يسمى متكلما بكلام خلقه فى غيره
والجمهور من أهل السنة وغيرهم يجيبون بإلتزام هذا الأصل ويقولون إنما كان عادلا بالعدل الذي قام بنفسه ومحسنا بالإحسان الذي قام بنفسه وأما المخلوق الذي حصل للعبد فه و أثر ذلك كما أنه رحمن رحيم بالرحمة التى هي صفته وأما ما يخلقه من الرحمة فهو أثر الرحمة وإسم الصفة يقع تارة على الصفة التى هي مسمى المصدر ويقع تارة على متعلقها الذي هو مسمى المفعول كلفظ الخلق يقع تارة على الفعل وعلى المخلوق أخرى والرحمة تقع على هذا وهذا وكذلك الأمر يقع على أمره الذي هو مصدر أمر يأمر أمرا يقع على المفعول تارة كقوله تعالى وكان أمر الله قدرا مقدورا وكذلك لفظ العلم يقع على المعلوم و القدرة تقع على المقدور ونظائر هذا متعددة وقد إستدل الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في جملة ما إستدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله عليه السلام أعوذ بكلمات الله التامات ونحو ذلك وقالوا الإستعاذة لاتحصل بالمخلوق ونظير هذا قول النبى صلى الله عليه و سلم اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك

(8/127)


ومن تدبر هذا الباب ونحوه وجد أهل البدع والضلال لا يستطيلون على فريق من المنتسبين إلى السنة والهدى إلا بما دخلوا فيه من نوع بدعة أخرى وضلال آخر لا سيما إذا وافقوهم على ذلك فيحتجون عليهم بما وافقوهم عليه من ذلك ويطلبون لوازمه حتى يخرجوهم من الدين إن إستطاعوا خروج الشعرة من العجين كما فعلت القرامطة الباطنية والفلاسفة وأمثالهم بفريق فريق من طوائف المسلمين
و المعتزلة إستطالوا على الأشعرية ونحوهم من المثبتين للصفات والقدر بما وافقوهم عليه من نفي الأفعال القائمة بالله تعالى فنقضوا بذلك أصلهم الذي إستدلوا به عليهم فى أن كلام الله غير مخلوق وأن الكلام وغيره من الأمور إذا خلق بمحل عاد حكمه على ذلك المحل وإستطالوا عليهم بذلك فى مسألة القدر وإضطروهم إلى أن جعلوا نفس ما يفعله العبد من القبيح فعلا لله رب العالمين دون العبد ثم أثبتوا كسبا لا حقيقة له فأنه لا يعقل من حيث تعلق القدرة بالمقدور فرق بين الكسب والفعل ولهذا صار الناس يسخرون بمن قال هذا ويقولون ثلاثة أشياء لا حقيقة لها طفرة النظام وأحوال أبى هاشم وكسب الأشعري
وإضطروهم إلى أن فسروا تأثير القدرة فى المقدور بمجرد الإقتران العادي والإقتران العادي يقع بين كل ملزوم ولازمه ويقع بين المقدر والقدرة فليس جعل هذا مؤثرا فى هذا بأولى من العكس ويقع بين المعلول وعلته

(8/128)


المنفصلة عنه مع أن قدرة العباد عنده لا تتجاوز محلها ولهذا فر القاضي أبو بكر إلى قول وأبو اسحق الإسفرائيني إلى قول وأبو المعالي الجويني إلى قول لما رأوا ما فى هذا القول من التناقض والكلام على هذا مبسوط فى موضعه والمقصود هنا التنبيه
ومن النكت فى هذا الباب أن لفظ التأثير ولفظ الجبر ولفظ الرزق ونح و ذلك ألفاظ مجملة فإذا قال القائل هل قدرة العبد مؤثرة فى مقدورها أم لا قيل له أولا
لفظ القدرة يتناول نوعين
أحدهما القدرة الشرعية المصححة للفعل التى هي مناط الأمر والنهي
والثاني القدرة القدرية الموجبة للفعل التى هي مقارنة للمقدور لا يتأخر عنها فالأولى هي المذكورة فى قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا فإن هذه الإستطاعة لو كانت هي المقارنة للفعل لم يجب حج البيت إلا على من حج فلا يكون من لم يحجج عاصيا بترك الحج سواء كان له زاد وراحلة وهو قادر على الحج أو لم يكن وكذلك قول النبى صلى الله عليه و سلم لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب وكذا قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وقوله إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم لو أراد إستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لكان قد قال فافعلوا منه ما تفعلون فلا يكون من لم يفعل شيئا عاصيا

(8/129)


له وهذه الأستطاعة المذكورة فى كتب الفقه ولسان العموم
والناس متنازعون في مسمى الإستطاعة والقدرة فمنهم من لا يثبت إستطاعة إلا هذه ويقولون الإستطاعة لابد أن تكون قبل الفعل ومنهم من لايثبت أستطاعة إلا ما قارن الفعل وتجد كثيرا من الفقهاء يتناقضون فإذا خاضوا مع من يقول من المتكلمين المثبتين للقدر أن الإستطاعة لا تكون إلا مع الفعل وافقوهم على ذلك وإذ خاضوا فى الفقه أثبتوا الإستطاعة المتقدمة التى هي مناط الأمر والنهي
وعلى هذا تتفرع مسألة تكليف مالا يطاق فإن الطاقة هي الإستطاعة وهي لفظ مجمل فالإستطاعة الشرعية التى هي مناط الأمر و النهي لم يكلف الله أحد شيئا بدونها فلا يكلف مالا يطاق بهذا التفسير وأما الطاقة التى لا تكون إلامقارنة للفعل فجميع الأمر والنهي تكليف مالا يطاق بهذا الإعتبار فإن هذه ليست مشروطة فى شيء من الأمر والنهي بإتفاق المسلمين
وكذا تنازعهم فى العبد هل هو قادر على خلاف المعلوم فإذا أريد بالقدرة القدرة الشرعية التى هي مناط الأمر والنهي كالإستطاعة المذكورة في قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم فكل من أمره الله ونهاه فهو مستطيع بهذا الإعتبار وإن علم أنه لايطيعه وإن أريد بالقدرة القدرية التى لا تكون إلا مقارنة للمفعول فمن علم أنه لا يفعل الفعل لم تكن هذه القدرة ثابتة له

(8/130)


ومن هذا الباب تنازع الناس فى الأمر والإرادة هل يأمر بمالا يريد أولا يأمر إلا بما يريد فإن الإرادة لفظ فيه إجمال يراد بالإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكقوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء وقول نوح عليه السلام ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم أن كان الله يريد أن يغويكم ولا ريب أن الله يأمر العباد بما لايريده بهذا التفسير والمعنى كما قال تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها فدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه قد أمر كل نفس بهداها وكما إتفق العلماء على أن من حلف بالله ليقضين دين غريمه غدا إن شاء الله أوليردن وديعته أو غصبه أو ليصلين الظهر أو العصر إن شاء الله أو ليصومن رمضان إن شاء الله ونحو ذلك مما أمره الله به فإنه إذا لم يفعل المحلوف عليه لا يحنث مع أن الله أمره به لقوله إن شاء الله فعلم أن الله لم يشأه مع أمره به
وأما الإرادة الدينية فهي بمعنى المحبة والرضى وهى ملازمة للأمر كقوله تعالى يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ومنه قول المسلمين هذا يفعل شيئا لا يريده الله إذا كان يفعل بعض الفواحش أى أنه لا يحبه ولا يرضاه بل ينهى عنه ويكرهه
وكذلك لفظ الجبر فيه إجمال يراد به إكراه الفاعل على الفعل بدون

(8/131)


رضاه كما رضاه كما يقال أن الأب يجبر المرأة على النكاح والله تعالى أجل وأعظم من أن يكون مجبرا بهذا التفسير فإنه يخلق للعبد الرضاء والإختيار بما يفعله وليس ذلك جبرا بهذا الإعتبار ويراد بالجبر خلق مافى النفوس من الإعتقادات والإرادت كقول محمد بن كعب القرظي الجبار الذى جبر العباد على ما أراد وكما في الدعاء المأثور عن علي رضى الله عنه جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها والجبر ثابت بهذا التفسير
فلما كان لفظ الجبر مجملا نهى الأئمة الإعلام عن إطلاق إثباته أو نفيه
وكذلك لفظ الرزق فيه إجمال فقد يراد بلفظ الرزق ما أباحه أو ملكه فلا يدخل الحرام في مسمى هذا الرزق كما في قوله تعالى ومما رزقناهم ينفقون وقوله تعالى انفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت وقوله ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا وأمثال ذلك وقد يراد بالرزق ما ينتفع به الحيوان وإن لم يكن هناك إباحة ولا تمليك فيدخل فيه الحرام كما فى قوله تعالى وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها وقوله عليه السلام فى الصحيح فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقى أو سعيد
ولما كان لفظ الجبر والرزق ونحوهما فيها إجمال منع الأئمة من إطلاق ذلك نفيا أ و إثباتا كما تقدم عن الأوزاعي وأبى إسحاق الفزاري وغيرهما من الأئمة

(8/132)


وكذا لفظ التأثير فيه إجمال فإن القدرة مع مقدورها كالسبب مع المسبب والعلة مع المعلول والشرط مع المشروط فإن أريد بالقدرة القدرة الشرعية المصححة للفعل المتقدمة عليه فتلك شرط للفعل وسبب من أسبابه وعلة ناقصة له وإن أريد بالقدرة القدرة المقارنة للفعل المستلزمة له فتلك علة للفعل وسبب تام
ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة وسبب تام للحوادث بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصة فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن
وأما الأسباب المخلوقة كالنار فى الإحراق والشمس فى الإشراق والطعام والشراب فى الإشباع والإرواء ونحو ذلك فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده بل لابد من أن ينضم إليه سبب آخر ومع هذا فلهما موانع تمنعهما عن الأثر فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وإنتفاء الموانع وليس فى المخلوقات واحد يصدر عنه وحدة شيء
وهذا مما يبين لك خطأ المتفلسفة الذين قالوا الواحد لايصدر عنه إلا واحد واعتبروا ذلك بالآثار الطبيعية كالمسخن والمبرد ونحو و ذلك فإن هذا غلط فإن التسخين لا يكون إلا بشيئين أحدهما فاعل كالنار والثانى قابل كالجسم القابل للسخونه والإحتراق وإلا فالنار إذا وقعت على السمندل والياقوت لم تحرقه وكذلك الشمس فإن شعاعها مشروط بالجسم المقابل للشمس الذى ينعكس عليه الشعاع وله موانع من السحاب والسقوف وغير

(8/133)


ذلك فهذا الواحد الذى قدروه فى أنفسهم لا وجود له فى الخارج وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع
فإن الواحد العقلي الذي يثبته الفلاسفة كالوجود المجرد عن الصفات وكالعقول المجردة وكالكليات التى يدعون تركب الأنواع منها وكالمادة والصورة العقليين وأمثال ذلك لا وجود لها فى الخارج بل إنما توجد فى الأذهان لا فى الأعيان وهي أشد بعدا عن الوجود من الجوهر الفرد الذى يثبته من أهل الكلام فإن هذا الواحد لا حقيقة له فى الخارج وكذلك الجوهر كما قد بسط فى موضعه
والمقصود هنا أن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث أو سبب يتوقف حدوث االحادث به على سبب آخر وإنتفاء موانع وكل ذلك بخلق الله تعالى فهذا حق وتأثير قدرة العبد فى مقدورها ثابت بهذا الإعتبار وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع فليس شيء من المخلوقات مؤثرا بل الله وحده خالق كل شيء لا شريك له ولا ند له فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده قل ادعوا الذين زعمتهم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له قل أرايتم ما تدعون من دون الله إن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أ و أرادنى برحمة هل هن

(8/134)


ممسكات رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ونظائر هذا فى القرآن كثيرة
فإذا عرف ما فى لفظ التأثير من الإجمال والإشتراك إرتفعت الشبهة وعرف العدل المتوسط بين الطائفتين فمن قال أن المؤمن والكافر سواء فيما أنعم الله عليهما من الأسباب المقتضية للإيمان وأن المؤمن لم يخصه الله بقدرة ولا إرادة آمن بها وأن العبد إذا فعل لم تحدث له معونة من الله وإرادة لم تكن قبل الفعل فقوله معلوم الفساد وقيل لهؤلاء فعل العبد من جملة الحوادث والممكنات فكل ما به يعلم أن الله تعالى أحدث غيره يعلم به أن الله أحدثه فكون العبد فاعلا بعد أن لم يكن أمر ممكن حادث فإن أمكن صدور هذا الممكن الحادث بدون محدث واجب يحدثه ويرجع وجوده على عدمه أمكن ذلك فى غيره فإنتقض دليل إثبات الصانع
ولا ريب أن كثيرا من متكلمة الإثبات القائلين بالقدر سلموا للمعتزلة أن القادر المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الأخر بلا مرجح وقالوا فى مسألة إحداث العالم أن القادر المختار أ و الإرادة القديمة التى نسبتها إلى جميع الحوادث والأزمنة نسبة واحدة رجحت أنواعا من الممكنات فى الوقت الذي رجحته بلا حدوث سبب إقتضى الرجحان وادعوا أن القادر المختار يمكنه الترجيح بلا مرجح أ و الإرادة القديمة ترجح بلا مرجح آخر فاعترض عليهم هناك من نازعهم من أهل الملل والفلاسفة القائلين بأن الله يحدث الحوادث

(8/135)


بأفعال تقوم بنفسه وأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام والقائلين بقدم العالم قالوا هذا الذي قلتموه معلوم الفساد بالضرورة وتجويز هذا يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب والترجيح بلا مرجح وذلك يسد باب إثبات الصانع
ثم أن هؤلاء المثبتين للقدر إحتجوا بهذه الحجة على نفاة القدر قالوا حدوث فعل العبد بعد أن لم يكن لا بد له من محدث مرجح تام غير العبد فإن ما كان من العبد فهو محدث أيضا وعند وجود ذلك المحدث المرجح التام يجب وجود فعل العبد وهذا الذي قالوه حق وهو حجة قاطعة على القدرية والمعتزلة لكنهم نقضوه وتناقضوا فيه فى فعل الرب تبارك وتعالى وادعوا هناك أن البديهة فرقت بين فعل القادر وبين الموجب بالذات فإن كان هذا الفرق صحيحا بطلت جحتهم على المعتزلة ولم يبطل قول القدرية وإن كان باطلا بطل قولهم في إحداث الله وفعله للعالم وهذا هو الباطل فى نفس الأمر فإن القول بأن الممكن لايترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام أمر معلوم بالفطرة الضرورية لايمكن القدح فيه وهو عام لاتخصيص فيه فالفرق المذكور باطل وذلك يبطل قولهم بأن خلق العالم هو العالم وأنه حدث بعد أن لم يكن بغير سبب حادث
ومن قال أن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التى خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسبابا أو أن وجودها كعدمها وليس هناك إلا مجرد إقتران

(8/136)


عادي كإقتران الدليل بالمدلول فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها ولا فى القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها ولا فى النار قوة تمتاز بها عن التراب تحرق بها وهؤلاء ينكرون ما فى الأجسام المطبوعة من الطبائع والغرائز
قال بعض الفضلاء تكلم قوم من الناس فى إبطال الأسباب والقوى والطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم
ثم أن هؤلاء لا ينبغى للإنسان أن يقول أنه شبع بالخبز وروى بالماء بل يقول شبعت عنده ورويت عنده فإن الله يحلق الشبع والري ونحو ذلك من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادة لا بها وهذا خلاف الكتاب والسنة فإن الله تعالى يقول وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات الآية وقال تعالى وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وقال تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وقال قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أ و بأيدينا وقال ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد وقال تعالى وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء وقال تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها وقال تعالى هوالذي أنزل من السماء ما ء لكم منه شراب ومنه شجر فيه

(8/137)


تسميون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات وقال تعالى إن الله لايستحى أن يضرب مثلا إلى قوله يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وقال قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من إتبع رضوانه سبل السلام ومثل هذا فى القرآن كثير وكذلك فى الحديث عن النبى صلى الله عليه و سلم كقوله لا يموتن أحد منكم إلا آذنتموني به حتى أصلي عليه فإن الله جعل بصلاتى عليه بركه ورحمة وقال صلى الله عليه و سلم إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وإن الله جاعل بصلاتي عليهم نورا ومثل هذا كثير
ونظير هؤلاء الذين أبطلوا الأسباب المقدرة فى خلق الله من أبطل الأسباب المشروعة في أمر الله كالذين يظنون أن ما يحصل بالدعاء والأعمال الصالحة وغير ذلك من الخيرات إن كان مقدرا حصل بدون ذلك وإن لم يكن مقدرا لم يحصل بذلك وهؤلاء كالذين قالوا للنبى أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب فقال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له
وفى السنن أنه قيل يارسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقى وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله ولهذا قال من قال من العلماء الإلتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد

(8/138)


ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير فى وجه العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع
والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات وجعل هذا سببا لهذا فإذا قال القائل إن كان هذا مقدرا حصل بدون السبب وإلا لم يحصل جوابه أنه مقدر بالسبب وليس مقدرا بدون السبب كما قال النبى أإن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم وقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة
وفى الصحيحين عن إبن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذالك ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال أكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح قال فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها

(8/139)


فبين أن هذا يدخل الجنة بالعمل الذى يعمله و يختم له به و هذا يدخل النار بالعمل الذي يعمله و يختم له به كما قال صلى الله عليه و سلم إنما الأعمال بالخواتيم و ذلك لأن جميع الحسنات تحبط بالردة و جميع السيئات تغفر بالتوبة و نظير ذلك من صام ثم أفطر قبل الغروب أ و صلى و أحدث عمدا قبل كمال الصلاة بطل عمله
و بالجملة فالذي عليه سلف الأمة و أئمتها ما بعث الله به رسله و أنزل كتبه فيؤمنون بخلق الله و أمره بقدره و شرعه بحكمه الكوني و حكمه الدينى و إرادته الكونية و الدينية كما قال فى الآية الأ و لى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كإنما يصعد فى السماء و قال نوح عليه السلام و لا ينفعكم نصحي أن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم و قال تعالى فى الإرادة الدينية يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر و قال يريد الله ليبين لكم و يهديكم سنن الذين من قبلكم و يتوب عليكم و الله عليم حكيم و قال ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج و لكن يريد ليطهركم و ليتم نعمته عليكم
و هم مع إقرارهم بأن الله خالق كل شيء و ربه و مليكه و أنه خلق الأشياء بقدرته و مشيئته يقر و ن بأنه لا إله إلا هو لا يستحق العبادة غيره و يطيعونه و يطيعون رسله و يحبونه و يرجونه و يخشونه و يتكلون عليه و ينيبون اليه ويوالون أولياءه و يعادون أعداءه و يقرون بمحبته لما أمر به و لعباده المؤمنين

(8/140)


و رضاه بذلك و بغضه لما أنهى عنه و للكافرين و سخطه لذلك و مقته له و يقر و ن بما إستفاض عن النبى صلى الله عليه و سلم من أن الله أشد فرحا بتوبة عبده التائب من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه و شرابه فطلبها فلم يجدها فقال تحت شجرة فلما إستيقظ إذا بدابته عليها طعامه و شرابه فالله أشد فرحا بت و بة عبده من هذا براحلته فه و إلههم الذي يعبدونه و ربهم الذي يسألونه كما قال تعالى الحمد لله رب العالمين إلى قوله إياك نعبد و إياك نستعين فهو المعبود المستعان والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل فهم يحبونه أعظم مما يحب كل محب محبوبه كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وكل ما يحبونه سواه فإنما يحبونه لأجله كما فى الصحيحين عن النبى أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يجب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وفي الترمذي وغيره أوثق عرى الإيمان الحب فى الله والبغض فى الله ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد إستكمل الإيمان
وهو سبحانه يحب عباده المؤمنين كمال الحب هو الخلة التى جعلها الله لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم فإن الله إتخذ إبراهيم خليلا وإستفاض

(8/141)


عن النبى فى الصحيح من غير وجه أنه قال إن الله أتخذني خليلا كما إتخذ إبراهيم خليلا وقال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله يعني نفسه ولهذا إتفق سلف الأمه وأئمتها وسائر أهل السنة وأهل المعرفة أن الله نفسه يحب ويحب
وأنكرت الجهمية ومن إتبعهم محبته وأول من أنكر ذلك الجعد بن درهم شيخ الجهم بن صفوان فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه
وهذا أصل ملة إبراهيم الذى جعله الله إماما للناس قال تعالى وإذا ابتلى إبراهبيم ربه بكلمات فأتمهن قال اني جاعلك للناس إماما وقال ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا
ومن قال إن المراد بمحبه الله محبة التقرب إلية فقوله متناقض فإن محبة التقرب إليه تبع لمحبته فمن أحب الله نفسه أحب التقرب إليه ومن كان لايحبه نفسه إمتنع أن يحب التقرب إليه وأما من كان لا يطيعه ولا يمتثل أمره إلا لأجل غرض آخر فهو فى الحقيقة إنما يحب ذلك الغرض الذي عمل لأجله وقد

(8/142)


جعل طاعة الله وسيلة إليه وقد ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة
فأخبر أن النظر إليه أحب إليهم من كل ما يتنعمون به ومحبة النظر إليه تبع لمحبته فإنما أحبوا النظر إليه لمحبتهم إياه وما من مؤمن إلا ويجد فى قلبه محبة الله وطمأنينة بذكره وتنعما بمعرفته ولذة وسرورا بذكره ومناجاته وذلك يقوى ويضعف ويزيد وينقص بحسب إيمان الخلق فكل من كان إيمانه أكمل كان تنعمه بهذا أكمل ولهذا قال فى الحديث الذي رواه أحمد وغيره حبب إلي من ديناكم النساء والطيب ثم قال وجعلت قرة عينى فى الصلاة وكان يقول أرحنا بالصلاة يا بلال وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع
والمقصود هنا أن عباده المؤمنين يحبونه وهو يحبهم سبحانه وتعالى وحبهم له بحسب فعلهم لما يحبه كما في صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى قال يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلي عبدى بمثل أداء ما إفترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر

(8/143)


به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن إستعاذنى لا عيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه
فقد بين أن العبد إذا تقرب إلى الله بما يحبه من النوافل بعد الفرائض أحبه الله فحب الله لعبده بحسب فعل العبد لما يحبه الله وما يحبه الله من عبادته وطاعته فهو تبع لحب نفسه وحب ذلك هو سبب حب عباده المؤمنين فكان حبه للمؤمنين تبعا لحب نفسه
فالمؤمنون وإن كانوا يحمدون ربهم ويثنون عليه فهم لا يحصون ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه كما فى الحديث الصحيح عنه أنه كان يقول اللهم أنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه وقال له الأسود بن سريع أنى حمدت ربى بمحامد فقال إن ربك يحب الحمد فهو يحب حمد العباد له ومحده لنفسه أعظم من حمد العباد له ويحب ثناءهم عليه وثناؤه على نفسه أعظم من ثنائهم عليه وكذلك حبه لنفسه وتعظيمه لنفسه فهو سبحانه أعلم بنفسه من كل أحد وهو الموصوف بصفات الكمال التى لا تبلغها عقول الخلائق فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه وفى الصحيح عن النبى صلى

(8/144)


الله عليه وسلم أنه قرأ على المنبر وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه قال يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك أنا القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئا أنا الذى اعيدها وفى رواية يمجد الرب نفسه سبحانه فهو يحمد نفسه ويثنى عليها ويمجد نفسه سبحانه وتعالى وهو الغنى بنفسه لا يحتاج إلى أحد غيره بل كل ما سواه فقير إليه يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو فى شأن وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد
فإذا فرح بتوبة التائب واحب من تقرب إليه بالنوافل ورضي عن السابقين الأولين ونحو ذلك لم يجز أن يقال هو مفتقر فى ذلك إلى غيره ولا مستكمل بسواه فأنه هو الذي خلق هؤلاء وهو الذي هداهم وأعانهم حتى فعلوا ما يحبه ويرضاه ويفرح به
فهذه المحبوبات لم تحصل إلا بقدرته ومشيئته وخلقه فله الملك لا شريك له وله الحمد فى الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون فهذا ونحوه يحتج به الجمهور الذين يثبتون لأفعاله حكمة تتعلق به يحبها ويرضاها ويفعل لأجلها

(8/145)


قالوا وقول القائل إن هذا يقتضي أنه مستكمل بغيره فيكون ناقصا قبل ذلك عنه أجوبه
أحدها أن هذا منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات فما كان جوابا فى المفعولات كان جوابا عن هذا ونحن لا نعقل فى الشاهد فاعلا إلا مستكملا بفعله
الثانى أنهم قالوا كما له أن يكون لا يزال قادرا على الفعل بحكمة فلو قدر كونه غير قادر على ذلك لكان ناقصا
الثالث قول القائل أنه مستكمل بغيره باطل فإن ذلك إنما حصل بقدرته ومشيئته لا شريك له في ذلك فلم يكن فى ذلك محتاجا إلى غيره وإذا قيل كمل بفعله الذى لا يحتاج فيه إلى غيره كان كما لو قيل كمل بصفاته أوكمل بذاته
الرابع قول القائل كان قبل ذلك ناقصا إن أراد به عدم ما تجدد فلا نسلم أن عدمه قبل الوقت الذي إقتضت الحكمة وجوده فيه يكون نقصا وإن أراد بكونه ناقصا معنى غير ذلك فهو ممنوع بل يقال عدم الشيء فى الوقت الذى لم تقتض الحكمة وجوده فيه من الكمال كما أن وجوده فى وقت إقتضاء الحكمة وجوده فيه كمال فليس عدم كل شيء نقصا بل عدم ما يصلح وجوده

(8/146)


هو النقص كما أن وجود مالا يصلح وجوده نقص فتبين أن وجود هذه الأمور حين إقتضت الحكمة عدمها هو النقص لا أن عدمها هو النقص ولهذا كان الرب تعالى موصوفا بالصفات الثبوتية المتضمنه لكماله وموصوفا بالصفات السلبية المستلزمة لكماله أيضا فكان عدم ما ينفي عنه هو من الكمال كما أن وجودها ما يستحق ثبوته من الكمال وإذا عقل مثل هذا فى الصفات فكذلك فى الأفعال ونحوها وليس كل زيادة يقدرها الذهن من الكمال بل كثير من الزيادات تكون نقصا فى كمال المزيد كما يعقل مثل ذلك فى كثير من الموجودات والإنسان قد يكون وجود أشياء في حقه فى وقت نقصا وعيبا وفى وقت آخر كمالا ومدحا فى حقه كما يكون فى وقت مضرة له وفي وقت منفعة له
الخامس أنا إذا قدرنا من يقدر على إحداث الحوداث لحكمة ومن لا يقدر على ذلك كان معلوما ببديهة العقل أن القادر على ذلك أكمل مع أن الحوادث لا يمكن وجودها إلا حوادث لا تكون قديمة وإذا كانت القدرة على ذلك أكمل وهذ المقدور لا يكون إلا حادثا كان وجوده هو الكمال وعدمه قبل ذلك من تمام الكمال إذ عدم الممتنع الذى هو شرط فى وجود الكمال من الكمال
ثم هم هنا ثلاث فرق فرقة تقول إرادته وحبه ورضاه ونحو هذا قديم ولم يزل راضيا عمن علم أنه يموت مؤمنا ولم يزل ساخطا على من علم أنه يموت

(8/147)


كافرا كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية وأهل الحديث والفقهاء والصوفية فهؤلاء لا يلزمهم التسلسل لأجل حلول الحوادث لكن يعارضهم إلا كثرون الذين ينازعونهم فى الحكمة المحبوبة كما ينازعونهم فى الإرادة فانهم قالوا لهم إذا كانت الإرادة قديمة لم تزل ونسبتها إلى جميع الأزمنة والحوادث سواء فإختصاص زمان دون زمان بالحدوث ومفعول دون مفعول تخصيص بلا مخصص
قال أولئك الإرادة من شأنها أن تخصص قال لهم المعارضون من شأنها جنس التخصيص وأما تخصيص هذا المعين على هذا المعين فليس من لوازم الإرادة بل لابد من سبب يوجب إختصاص أحدهما بالإرادة دون الآخر والإنسان يجد من نفسه أنه يخصص بإرادته ولكنه يعلم أنه لا يريد هذا دون هذا إلا لسبب إقتضى التخصيص وإلا فلو تساوى ما يمكن إرادته من جميع الوجوه إمتنع تخصيص الإرادة لواحد من ذلك دون أمثاله فإن هذا ترجيح بلا مرجح ومتى جوز هذا إنسد باب إثبات الصانع قالو ومن تدبر هذا وأمعن النظر فيه علمه حقيقة وإنما ينازع فيه من يقلد قولا قاله غيره من غير إعتبار لحقيقته
وهكذا يقول لهم الجمهور إذا كان الله تعالى راضيا فى إزله ومحبا وفرحا بما يحدثه قبل أن يحدثه فإذا أحدثه هل حصل بإحداثه حكمة يحبها ويرضاها ويفرح بها أو لم يحصل إلا ما كان فى الأزل فإن قلتم لم يحصل إلا ما كان فى

(8/148)


الأزل قيل ذاك كان حاصلا بدون ما أحدثه من المفعولات فإمتنع أن تكون المفعولات فعلت لكي يحصل ذاك فقولكم كما تضمن أن المفعولات تحدث بلا سبب يحدثه الله تعالى يتضمن أنه يفعلها بلا حكمة يحبها ويرضاها قالوا فقولكم يتضمن نفي إرادته المقارنة و محبته و حكمته التى لا يحصل الفعل إلا بها
و الفرقة الثانية قالوا أن الحكمة المتعلقة به تحصل بمشيئته و قدرته كما يحصل الفعل بمشيئته و قدرته قالوا وإن قام ذلك بذاته فهو كقيام سائر ما أخبر به من صفاته و أفعاله بذاته
و المعتزلة تنفي قيام الصفات و الأفعال به و تسمى الصفات إعراضا و الأفعال حوادث ويقولون لا تقوم به الأعراض ولا الحوادث فيتوهم و هم من لم يعرف حقيقة قولهم أنهم يتنزهون الله تعالى عن النقائص والعيون والآفات ولا ريب أن الله يجب تنزيهه عن كل عيب و نقص وآفة فإنه القدوس السلام الصمد السيد الكامل فى كل نعت من نعوت لكمال كمالا يدرك الخلق حقيقته منزة عن كل نقص تنزيها لا يدرك الخلق كماله و كل كمال ثبت لموجود من غير إستلزام نقص فالخالق تعالى أحق به و أكمل فيه منه و كل نقص ينزة عنه مخلوق فالخالق أحق بتزيهه عنه وأولى ببراءته منه
روينا من طريق غير و احد كعثمان بن سعيد الدارمي و أبى جعفرالطبري و أبى بكر البيهقى و غيرهم فى تفسير على بن أبى طلحة عن أبن عباس فى قوله تعالى الصمد قال السيد الذي قد كمل فى سؤدده و الشريف الذي قد كمل

(8/149)


فى شرفه و العظيم الذي قد كمل فى عظمته و الحكيم الذي قد كمل في حكمته و الغنى الذى قد كمل فى غناه و الجبار الذى قد كمل فى جبروته و العالم الذى قد كمل فى علمه و الحليم الذى قد كمل في حلمه وهو الذى قد كمل فى أنواع الشرف و السؤدد وهو و الله عز و جل هذه صفة لا تنبغي إلاله ليس له كفؤ و ليس كمثله شيء سبحانه الواحد القهار و هذا التفسير ثابت عن عبد الله بن أبى صالح عن معا و ية بن صالح عن على بن أبى طلحة الوالبي لكن يقال أنه لم يسمع التفسير من إبن عباس و لكن مثل هذا الكلام ثابت عن السلف و روى عن سعيد بن جبير أنه قال الصمد الكامل فى صفاته و أفعاله و ثبت عن أبى و ائل شقيق بن سلمة أنه قال الصمد السيد الذى إنتهى سؤدده و هذه الأقوال و ما أشبهها لا تنافى ما قاله كثير من السلف كسعيد بن المسيب و سعيد بن جبير و مجاهد و الحسن و السدى و الضحاك و غيرهم من أن الصمد هو الذي لا جوف له وهذا منقول عن ابن مسعود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه موقوفا أو مرفوعا فإن كلا القولين حق كما بسط الكلام على ذلك فلا غير هذا الموضع و لفظ الأعراض فى اللغة قد يفهم منه ما يعرض للإنسان من الأمراض ونحوها وكذلك لفظ الحوادث والمحدثات قد يفهم ما يحدثه الإنسان

(8/150)


الأفعال المذمومة والبدع التي ليست مشروعه أو ما يحدث للإنسان من الأمراض ونحو ذلك والله سبحانه وتعالى يجب تنزيهه عما هو فوق ذلك مما فيه نوع نقص فكيف تننزيهه عن هذا الأمور ولكن لم يكن مقصود المعتزلة بقولهم هو ومنزة عن الأعراض والحوادث إلا نفي صفاته وأفعاله فعندهم لا يفوم به علم ولا قدرة ولا مشيئة ولا رحمة ولا حب ولا رضي ولا فرح ولا خلق ولا إحسان ولا عدل ولا اتيان ولا مجيء ولا نزول ولا استواء ولا غير ذلك من صفاته وأفعاله
وجماهير المسلمين يخالفونهم فى ذلك ومن الطوائف من ينازعهم فى الصفات دون الأفعال ومنهم من ينازعهم فى بعض الصفات دون بعض ومن الناس من ينازعهم فىالفعل القديم ويقول إن فعله قديم وأن كان المفعول محدثا كما يقول فى نظير ذلك من يقوله فى الإرادة وبسط هذه الأقوال وذكر قائليها وأدلتهم مذكور فى غير هذا الموضع
والمقصود هنا التنبيه على مجامع أجوبة الناس عن السؤال المذكور
وهذا الفريق الثانى إذا قال لهم الناس إذا أثبتم حكمة حدثت بعد أن لم تكن لزمكم التسلسل قالوا القول فى حدوث هذه الحكمة كالقول فى حدوث سائر ما أحدثه من المفعولات ونحن نخاطب من يسلم لنا أنه أحدث المحدثات بعد أن لم تكن فإذا قلنا إنه أحدثها بحكمة حادثة لم يكن له أن

(8/151)


يقول هذا يستلزم التسلسل بل نقول له القول فى حدوث الحكمة كالقول فى حدوث المفعول المستعقب للحكمة فما كان جوابك هذا كان جوابنا عن هذا
فلما خصم الفريق الثانى الفريق الأول قال لهم الفريق الثالث من أئمة الحديث والفقهاءوالصوفية وأهل الكلام هذه حجة جدلية الزامية ولم تشفوا الغليل بهذا الجواب وليس معكم من الأدلة الشرعية ولا العقلية ما ينفى هذا التسلسل بل التسلسل نوعان والدور نوعان
أحدهما التسلسل فى العلل والمعلولات فهذا ممتنع وفاقا
و الثانى التسلسل فى الشروط والآثار فهذا فى جوازه قولان معروفان للمسلمين وغيرهم وطوائف من أهل الكلام والحديث والفلسفة يجوزون هذا ومن هؤلاء السلف والأئمة الذين يقولون لم يزل الله متكلما إذا شاء وأنه لم يزل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها
وبين هؤلاء أن ما إستدل به منازعوهم على نفي التسلسل فى الآثار وإمتناع وجود ما لا يتناهى فى الماضى أدلة ضعيفة كدليل المطابقة بين الجملتين مع زيادة أحداهما وكدليل الشفع والوتر ونحو ذلك من الأدلة التى بين هؤلاء فسادها ونقضوها عليهم بالحوادث فى المستقبل وبعقود الأعداد وبمعلومات الله مع

(8/152)


مقدوراته وغير ذلك مما قد بسط فى موضعه
والدور نوعان فالدور القبلى السبقى ممتنع وهو أن لا يوجد هذا إلا بعد هذا ولا يوجد هذا إلا بعد هذا وهذا دور العلل وأما الدور المعي الإقترانى وهو أنه لا يكون هذا إلا مع هذا ولايكون هذا إلا مع هذا فهذا هو الدور فى الشروط وما أشبهها من المتضايفات والمتلازمات ومثل هذا جائز
فهذه مجامع أجوبة الناس عن هذا السؤال وهى عدة أقوال
الأول قول من لايعلل لا أفعاله ولا أحكامه
و الثانى قول من يعلل ذلك بأمور مباينة له منفصلة عنه من جملة مفعولاته
و الثالث قول من يعلل ذلك بأمور قائمة به قديمة
و الرابع قول من يعلل ذلك بأمور قائمة به متعلقة بقدرته ومشيئته لكن يقول جنسها حادث
و الخامس قول من يعلل ذلك بأمور متعلقة بمشيئته وقدرته فإن كان الفعل المقتضى للحكمة حادث النوع كانت الحكمة كذلك وإن قدر أنه قام به كلام أو فعل متعلق بمشيئته وأنه لم يزل كذلك كانت الحكمة كذلك فيكون النوع قديما وإن كانت آحاده حادثه
ويمكن الجواب عن السؤال بتقسيم حاصر بأن يقال لا ريب أن الله عز و جل يحدث مفعولات لم تكن فإما أن تكون الأفعال المحدثة يجب أن يكون لها إبتداء ويجوز أن تكون غير متناهية فى الإبتداء كما هي غير متناهية فى

(8/153)


الإنتهاء فإن وجب أن يكون لها إبتداء أمكن حدوث الحوادث بدون تسلسلها فإذا قال القائل لو فعل لعلة محدثة لكان القول فى حدوث تلك العلة كالقول فى حدوث معلولها ويلزم التسلسل كان جوابه على هذا التقدير أن الحوادث يجب أن يكون لها إبتداء وإذا فعل الفعل لحكمة محدثة كان الفعل وحكمته محدثين ولا يجب أن يكون للعلة المحدثة علة محدثة إلا إذا جاز أن لايكون للحوادث إبتداء فأما إذا جاز أن يكون لها إبتداء بطل هذا السؤال فكيف إذا وجب أن يكون لها إبتداء
وإن قيل يجوز أن تكون الحوادث غير متناهية فى الإبتداء كما أنها غير متناهية فى الإنتهاء عند المسلمين وسائر أهل الملل وجمهور الخلق ولم ينازع فى ذلك إلا بعض أهل البدع الذين يقولون بفناء الجنة والنار كما يقوله الجهم بن صفوان أ و بفناء حركات أهل الجنة كما يقوله أبو الهذيل فإن هذين أوجبا أن يكون لجنس الحوادث إنتهاء كما يجب أن يكون لها عندهم إبتداء وأكثر الذين وافقوهم على وجوب الإبتداء خالفوهم فى الإنتهاء وقالوا لها إبتداءوليس لها إنتهاء و الطائفة الثالثة قالت ليس لها إبتداء ولاإنتهاء والأقوال الثلاثة معروفة فى طوائف المسلمين
والمقصود هنا أن الجواب يحصل على التقديرين فمن جوز أن لا يكون لها نهاية فى الإبتداء جوز تسلسل الحوادث وقال هذا تسلسل فى الآثار والشروط لا تسلسل فى العلل والمؤثرات والممتنع إنما هو الثانى دون الأول

(8/154)


وقال أنه لا يقوم دليل على إمتناع الثاني كما يقول ذلك طوائف من متقدمي أهل الكلام ومتأخريهم ومتقدمي أهل الحديث ومتأخريهم ومن أوجب أن يكون لها إبتداء قال فى حدوث العلة ما يقوله فى حدوث المفعول إذلا فرق بينهما في هذا المعنى
ومن الأجوبة الحاصرة أن يقال خلق الله إما أن يجوز تعليله أولا فإن لم يجز تعليله كان هذا هو التقرير الأول وعلى هذا التقدير فلا يسمى هذا عبثا وإذا سماه المسمى عبثا لم تكن تسميته عبثا قدحا فيما تحقق فانا نتكلم على تقدير إمتناع التعليل وإذا كان التعليل ممتنعا وجب القول به ولو سماه المسمى بأي شيء سماه وإن جاز تعليله فلا يخلو إما أن يجوز تعليله بعلة حادثة وإما أن لا يجوز فإن قيل لا يجوز ذلك لزم كون العلة قديمة وامتنع على هذا التقدير قدم المعلول فإنا نتكلم على تقدير جواز تعليل المفعول الحادث بعلة قديمة وإن قيل يجوز تعليله بعلة حادثة أمكن القول بذلك
ثم إما أن يقال يجوز تعليل الحوادث بعلة متناهية للفاعل لئلا يلزم أن يقوم به شيء حادث يجب أن يقوم به لحكمة وأن كانت مقدورة مرادة له فإن قيل بالأول لزم كون العلة الحادثة منفصلة عنه ولزم على هذا كون الفاعل يحدث الحوادث بعد أن لم تكن لعلة حادثة بغيره من غير حدوث سبب يوجب أول الحوادث ولا قيام حادث بالمحدث وإن قيل بل لا يجوز أن

(8/155)