صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

هذه الكبائر يكون منا فكل مؤمن كامل الإيمان فهو من النبي والنبي منه وقوله في ابنه حمزة أنت منى وأنا منك وقوله لزيد أنت أخونا ومولانا لا يختص يزيد بل كل مواليه كذلك
وكذلك قوله لأعطين الراية 0000 الخ هو أصح حديث يروى فى فضله وزاد فيه الكذابين انه أخذها أبو بكر وعمر فهربا وفى الصحيح أن عمر قال ما أحببت الإمارة إلا يومئذ فهذا الحديث رد على الناصبة الواقعين فى على وليس هذا من خصائصه بل كل مؤمن كامل الإيمان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال تعالى فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه وهم الذين قاتلوا أهل الردة وامامهم أبو بكر وفى الصحيح أنه سأله أى الناس أحب إليك قال عائشة قال فمن الرجال قال أبوها وهذا من خصائصه
وأما قوله أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى قاله فى غزوة تبوك لما استخلفه على المدينة فقيل استخلفه لبغضه إياه وكان النبى إذا غزا استخلف رجلا من أمته وكان بالمدينة رجال من المؤمنين القادرين وفى غزوة تبوك لم يأذن لأحد فلم يتخلف أحد إلا لعذر أو عاص فكان ذلك الاستخلاف ضعيفا فطعن به المنافقون بهذا السبب فبين له أنى لم استخلفك لنقص عندى فإن موسى استخلف هارون وهو شريكه فى الرسالة أفما ترضى بذلك ومعلوم أنه استخلف غيره قبله وكانوا منه بهذه

(4/416)


المنزلة فلم يكن هذا من خصائصه ولو كان هذا الاستخلاف أفضل من غيره لم يخف على على ولحقه يبكى
ومما بين ذلك أنه بعد هذا أمر عليه أبا بكر سنة تسع وكونه بعثه لنبذ العهود ليس من خصائصه لأن العادة لما جرت أنه لا ينبذ العهود ولا يعقدها إلا رجل من أهل بيته فأى شخص من عترته نبذها حصل المقصود ولكنه أفضل بنى هاشم بعد رسول الله فكان أحق الناس بالتقدم من سائرهم فلما أمر أبا بكر بعد قوله أما ترضى 000 الخ علمنا أنه لا دلالة فيه على أنه بمنزلة هارون من كل وجه وإنما شبهه به فى الاستخلاف خاصة وذلك ليس من خصائصه
وقد شبه النبى أبا بكر بإبراهيم وعيسى وشبه عمر بنوح وموسى عليهم الصلاة والسلام لما أشارا فى الاسرى وهذا أعظم من تشبيه على بهارون ولم يوجب ذلك أن يكونا بمنزلة أولئك الرسل وتشبيه الشيء بالشيء لمشابهته فى بعض الوجوه كثير فى الكتاب والسنة وكلام العرب
وأما قوله من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه 0000 الخ فهذا ليس فى شيء من الامهات الا فى الترمذى وليس فيه الا من كنت مولاه فعلى مولاه وأما الزيادة فليست فى الحديث وسئل عنها الإمام أحمد فقال زيادة كوفية ولا ريب أنها كذب لوجوه

(4/417)


أحدها أن الحق لا يدور مع معين الا النبى لأنه لو كان كذلك لوجب اتباعه فى كل ما قال ومعلوم أن عليا ينازعه الصحابة واتباعه فى مسائل وجد فيها النص يوافق من نازعه كالمتوفى عنها زوجها وهى حامل وقوله اللهم انصر من نصره 00000 الخ خلاف الواقع قاتل معه أقوام يوم صفين فما انتصروا وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا كسعد الذى فتح العراق لم يقاتل معه وكذلك اصحاب معاوية وبنى أمية الذين قاتلوه فتحوا كثيرا من بلاد الكفار ونصرهم الله
وكذلك قوله للهم وال من والاه وعاد من عاداه مخالف لأصل الاسلام فإن القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغى بعضهم على بعض وقوله من كنت مولاه فعلى مولاه فمن اهل الحديث من طعن فيه كالبخارى وغيره ومنهم من حسنه فان كان قاله فلم يرد به ولاية مختصا بها بل ولاية الإيمان النى للمؤمنين والموالاة ضد المعاداة ولا ريب إنه يجب موالاة المؤمنين على سواهم فيه رد على النواصب وحديث التصدق بالخاتم فى الصلاة كذب باتفاق أهل المعرفة وذلك مبين بوجوه كثيرة مبسوطة فى غير هذا الموضع
وأما قوله يوم غد يرخم أذكركم الله فى اهل بيتى فليس من الخصائص

(4/418)


بل هو مساو لجميع اهل البيت وابعد الناس عن هذه الوصية الرافضة فإنهمم يعادون العباس وذريته بل يعادون جمهور اهل البيت ويعينون الكفار عليهم وأما آية المباهلة فليست من الخصائص بل دعا عليا وفاطمة وابنيهما ولم يكن ذلك لأنهم أفضل الأمة بل لأنهم أخص أهل بيته كما فى حديث الكساء اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا
فدعا لهم وخصهم و الأنفس يعبر عنها بالنوع الواحد كقوله ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقال فاقتلوا أنفسكم أى يقتل بعضكم بعضا وقوله أنت منى وأنا منك ليس المراد أنه من ذاته ولا ريب أنه أعظم الناس قدرا من الاقارب فله من مزية القرابة والايمان مالا يوجد لبقية القرابة فدخل فى ذلك المباهلة وذلك لا يمنع أن يكون فى غير الاقارب من هو أفضل منه لان المباهلة وقعت فى الاقارب وقوله هذا خصمان 0000 الآية فهى مشتركة بين على وحمزة وعبيدة بل وسائر البدريين يشاركونهم فيها
وأما سورة هل أتى على الإنسان فمن قال إنها نزلت فيه وفى فاطمة وابنيهما فهذا كذب لانها مكية والحسن والحسين إنما ولدا فى المدينة وبتقدير صحته فليس فيه أنه من أطعم مسكنيا ويتيما وأسيرا أفضل الصحابة بل الآية عامة مشتركة فيمن فعل هذا وتدل على استحقاقه للثواب على هذا العمل مع أن غيره من الاعمال من الايمان بالله والصلاة فى وقتها والجهاد أفضل منه

(4/419)


وسئل عمن يقول لا أفضل على على غيره وإذا ذكر على صلى عليه مفردا هل يجوز له أن يخصه بالصلاة دون غيره
فأجاب
ليس لاحد أن يخص أحدا بالصلاة عليه دون النبى لا أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليا ومن فعل ذلك فهو مبتدع بل إما أن يصلى عليهم كلهم أو يدع الصلاة عليهم كلهم
بل المشروع أن يقول اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم فى العالمين إنك حميد مجيد
ومن قال لا أفضل على على غيره فهو مخطئ مخالف للادلة الشرعية
والله أعلم

(4/420)


سئل
عن قول الشيخ أبى محمد عبد الله بن أبى زيد فى آخر عقيدته وأن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه و سلم وآمنوا به ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر وعمر وعثمان وعلى فما الدليل على تفضيل أبى بكر على عمر وتفضيل عمر على عثمان وعثمان على على فاذا تبين ذلك فهل تجب عقوبة من يفضل المفضول على الفاضل أم لا بينوا لنا ذلك بيانا مبسوطا مأجورين ان شاء الله تعالى
فأجاب
الحمد لله رب العالمين اما تفضيل أبى بكر ثم عمر على عثمان وعلى فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالامامة فى العلم والدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم وهو مذهب مالك وأهل المدينة والليث بن سعد وأهل مصر والاوزاعي وأهل الشام وسفيان الثورى وأبى حنيفة وحماد ابن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم من أهل العراق وهو مذهب الشافعى واحمد واسحق وأبى عبيد وغير هؤلاء من أئمة الاسلام الذين لهم لسان صدق فى الامة وحكى مالك اجماع أهل المدينة على ذلك فقال ما ادركت أحدا ممن أفتدى به يشك فى تقديم أبى بكر وعمر

(4/421)


وهذا مستفيض عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب وفى صحيح البخارى عن محمد بن الحنفية انه قال لابيه على بن أبى طالب يا أنت من خير الناس بعد الرسول الله صلى الله عليه و سلم قال يا بنى أو ما تعرف قلت لا قال أبو بكر قلت ثم من قال عمر ويروى هذا عن على بن ابى طالب من نحو ثمانين وجها وانه كان يقوله على منبر الكوفة بل قال لا اوتى باحد يفضلنى على ابى بكر وعمر الا جلدته حد المفترى فمن فضله على ابى بكر وعمر جلد بمقتضى قوله رضى الله عنه ثمانين سوطا
وكان سفيان يقول من فضل عليا على ابى بكر فقد أزرى بالمهاجرين وما ارى انه يصعد له إلى الله عمل وهو مقيم على ذلك وفى الترمذى وغيره روى هذا التفضيل عن النبى صلى الله عليه و سلم وانه قال يا على هذان سيدا كهول اهل الجنة من الأولين والآخرين وإلا النبيين والمرسلين وقد استفاض فى الصحيحين وغيرهما عن النبى من غير وجه من حديث ابى سعيد وابن عباس وجندب بن عبد الله وابن الزبير وغيرهم ان النبى صلى الله عليه و سلم قال لو كنت متخذا من اهل الأرض خليلا لاتخذت ابا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله يعنى نفسه
وفى الصحيح انه قال على المنبر ان امن الناس على فى صحبته وذات يده ابو بكر ولو كنت متخذا من اهل الأرض خليلا لاتخذت ابا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله الا لا يبقين فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة

(4/422)


ابى بكر وهذا صريح فى انه لم يكن عنده من اهل الأرض من يستحق المخالة لو كانت ممكنة من المخلوقين الا ابا بكر فعلم انه لم يكن عنده افضل منه ولا احب اليه منه وكذلك فى الصحيح انه قال عمرو بن العاص اى الناس أحب اليك قال عائشة قال فمن الرجال قال أبوها
وكذلك فى الصحيح أنه قال لعائشة ادعى لى أباك وأخاك حتى أكتب لأبى بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدى ثم قال يأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر وفى الصحيح عنه أن امرأة قالت يا رسول الله أرأيت ان جئت فلم أجدك كأنها تعنى الموت قال فأتى أبا بكر وفي السنن عنه إنه قال اقتدوا باللذين من بعدى ابي بكر وعمر وفي الصحيح عنه إنه كان في سفر فقال إن يطع القوم ابا بكر وعمر يرشدوا وفى السنن عنه انه قال رأيت كانى وضعت فى كفة والأمة فى كفة فرجحت بالأمة ثم وضع ابو بكر فى كفة والأمة فى كفة فرجح ابو بكر ثم وضع عمر فى كفة والأمة فى كفة فرجح عمر
وفى الصحيح انه كان بين ابى بكر وعمر كلام فطلب ابو بكر من عمر ان يستغفر له فلم يفعل فجاء ابو بكر الى النبى فذكر ذلك فقال اجلس يا أبا بكر يغفر الله لك وندم عمر فجاء إلى منزل ابى بكر فلم يجده فجاء إلى النبى فغضب النبى صلى الله عليه و سلم وقال ايها الناس انى جئت اليكم فقلت انى رسول فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت فهل أنتم تاركوا لى صاحبى فهل أنتم تاركوا لى صاحبى فهل أنتم تاركوا لى

(4/423)


صاحبى فما اوذى بعدها وقد تواتر فى الصحيح والسنن ان النبى صلى الله عليه و سلم لما مرض قال مروا با بكر فليصل بالناس مرتين او ثلاثا حتى قال إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا ابا بكرأن يصلى بالناس
فهذا التخصيص والتكرير والتوكيد فى تقديمه فى الامامةعلى سائر الصحابة مع حضور عمر وعثمان وعلى وغيرهم مما بين للامة تقدمه عنده على غيره وفى الصحيح ان جنازة عمر لما وضعت جاء على بن ابى طالب يتخلل الصفوف ثم قال لأرجو ان يجعلك الله مع صاحبيك فانى كثيرا ما كنت اسمع النبى يقول دخلت انا وابو بكر وعمر وخرجت انا وابو بكر وعمر وذهبت انا وابو بكر وعمر فهذا يبين ملازمتهما للنبى فى مدخله ومخرجه وذهابه
ولذلك قال مالك للرشيد لما قال له يا ابا عبد الله اخبرنى عن منزلة ابى بكر وعمر من النبى فقال يا امير المؤمنين منزلتهما منه فى حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته فقال شفيتنى يا مالك وهذا يبين انه كان لهما من اختصاصهما بصحبته وموازرتهما له على امره ومباطنتهما مما يعلمه بالاضطرار كل من كان عالما بأحوال النبى واقواله وافعاله وسيرته مع اصحابه
ولهذا لم يتنازع فى هذا أحد من اهل العلم بسيرته وسنته وأخلاقه وإنما

(4/424)


ينفى هذا أو يقف فيه من لا يكون عالما بحقيقة أمور النبى وإن كان له نصيب من كلام أو فقه أو حساب او غير ذلك او من يكون قد سمع أحاديث مكذوبة تناقض هذه الأمور المعلومة بالاضطرار عند الخاصة من أهل العلم فتوقف فى الامر أو رجح غير أبى بكر
وهذا كسائر الامور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنه رسول الله وإن كان غيرهم يشك فيها أو ينفيها كالاحاديث المتواترة عندهم فى شفاعته وحوضه وخروج أهل الكبائر من النار والاحاديث المتواترة عندهم فى الصفات والقدر والعلو والرؤية وغير ذلك من الاصول التى اتفق عليها أهل العلم بسنته كما تواترت عندهم عنه وان كان غيرهم لا يعلم ذلك كما تواتر عند الخاصة من أهل العلم عنه الحكم بالشفعة وتحليف المدعى عليه ورجم الزانى المحصن واعتبار النصاب فى السرقة وأمثال ذلك من الاحكام التى ينازعهم فيها بعض أهل البدع
ولهذا كان أئمة الاسلام متفقين على تبديع من خالف فى مثل هذه الاصول بخلاف من نازع من مسائل الاجتهاد التى لم تبلغ هذا المبلغ السنن فى تواتر اتر السنن عنه كالتنازع بينهم فى الحكم يشاهد ويمين وفى القسامة والقرعة وغير ذلك من الامور التى لم يبلغ هذا المبلغ
وأما عثمان وعلى فهذه دون تلك فإن هذه كان قد حصل فيها نزاع

(4/425)


فإن سفيان الثورى وطائفة من أهل الكوفة رجحوا عليا على عثمان ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره وبعض أهل المدينة توقف فى عثمان وعلى وهى إحدى الروايتين عن مالك لكن الرواية الاخرى عنه تقديم عثمان على على كما هو مذهب سائر الأئمة كالشافعى وأبى حنيفة وأصحابه واحمد بن حنبل وأصحابه وغير هؤلاء من أئمة الإسلام
حتى ان هؤلاء تنازعوا فيمن يقدم عليا على عثمان هل يعد من أهل البدعة على قولين هما روايتان عن أحمد وقد قال أيوب السختيانى واحمد بن حنبل والدارقطنى من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والانصار وأيوب هذا امام اهل السنة وامام اهل البصرة روى عنه مالك فى الموطأ وكان لا يروى عن أهل العراق وروى انه سئل عن الرواية عنه فقال ما حدثتكم عن أحد إلا وايوب أفضل منه وذكره ابو حنيفة فقال لقد رأيته قعد مقعدا فى مسجد رسول الله ما ذكرته إلا اقشعر جسمى
والحجة لهذا ما أخرجاه في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر إنه قال كنا نفاصل على عهد رسول الله كنا نقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وفي بعض الطرق يبلغ ذلك النبي فلا ينكرة
وأيضا فقد ثبت بالنقل الصحيح في صحيح البخاري وغير البخاري أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جعل الخلافة شورى في ستة انفس عثمان وعلى

(4/426)


طلحة والزبير وسعد وعبدالرحمن بن وعوف ولم يدخل معهم سعيد ابن زيد وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وكان من بنى عدى قبيلة عمر وقال عن ابنه عبدالله يحضركم عبدالله وليس له من الأمر شيء ووصى أن يصلى صهيب بعد موته حتى يتفقوا على واحد فلما توفى عمر واجتمعوا عند المنبر قال طلحة ما كان لى من هذا الأمر فهو لعثمان وقال الزبير ما كان لى من هذا الأمر فهو لعلى وقال سعد ما كان لى من هذا الامر فهو لعبد الرحمن بن عوف فخرج ثلاثة وبقى ثلاثة فاجتمعوا فقال عبد الرحمن بن عوف يخرج منا واحد ويولى واحدا فسكت عثمان وعلى فقال عبد الرحمن أنا أخرج وروى أنه قال عليه عهد الله وميثاقه أن يولى أفضلهما ثم قام عبد الرحمن بن عوف ثلاثة بلياليها يشاور المهاجرين والانصار والتابعين لهم بإحسان ويشاور أمهات المؤمنين ويشاور أمراء الأمصار فإنهم كانوا فى المدنية حجوا مع عمر وشهدوا موته حتى قال عبد الرحمن بن عوف إن لى ثلاثا ما اغتمضت بنوم فلما كان اليوم الثالث قال لعثمان عليك عهد الله وميثاقه إن وليتك لتعدلن ولئن وليت عليا لتسمعن ولتطيعن قال نعم وقال لعلى عليك عهد الله وميثاقه إن وليتك لتعدلن ولئن وليت عثمان لتسمعن ولتطيعن قال نعم فقال انى رأيت الناس لا يعدلون بعثمان على وعبد الرحمن وسائر المسلمين بيعة رضى واختيار من غير رغبة اعطاهم إياها ولا رهبة خوفهم بها

(4/427)


وهذا اجماع منهم على تقديم عثمان على على فلهذا قال ايوب واحمد ابن حنبل والدارقطنى من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وإن لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح دينى ومن نسبهم الى الجهل والظلم فقد أزرى بهم
ولو زعم زاعم أنهم قدموا عثمان لضغن كان فى نفس بعضهم على على وان أهل الضغن كانوا ذوى شوكة ونحو ة ونحو ذلك مما يقوله أهل الأهواء فقد نسبهم إلى العجز عن القيام بالحق وظهور أهل الباطل منهم على أهل الحق هذا وهم فى أعز ما كانوا وأقوى ما كانوا فانه حين مات عمر كان الإسلام من القوة والعز والظهور والاجتماع والائتلاف فيما لم يصيروا فى مثله قط وكان عمر أعز أهل الايمان واذل أهل الكفر والنفاق إلى حد بلغ فى القوة والظهور مبلغا لا يخفى على من له أدنى معرفة بالأمور
فمن جعلهم فى مثل هذه الحال جاهلين أو ظالمين أو عاجزين عن الحق فقد أزرى بهم وجعل خير أمة أخرجت للناس على خلاف ما شهد الله به لهم
وهذا هو أصل مذهب الرافضة فإن الذي ابتدع الرفض كان يهوديا أظهر الإسلام نفاقا ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها في أصل الإيمان ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة فإنه يكون الرجل واقفا ثم يصير

(4/428)


مفضلا ثم يصير سبابا ثم يصير جاحدا معطلا ولهذا انضمت إلى الرافضة أئمة الزنادقة من الإسماعيلية والنصرية وأنواعهم من القرامطة والباطنية والدرزية وأمثالهم من طوائف الزندقة والنفاق
فإن القدح فى خير القرون الذين صحبوا الرسول قدح فى الرسول عليه السلام كما قال مالك وغيره من أئمة العلم هؤلاء طعنوا فى أصحاب رسول الله وإنما طعنوا فى أصحابه ليقول القائل رجل سوء كان له أصحاب سوء ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين
وايضا فهؤلاء الذين نقلوا القران والاسلام وشرائع النبى وهم الذين نقلوا فضائل على غيره فالقدح فيهم يوجب أن لا يوثق بما نقلوه من الدين وحينئذ فلا تثبت فضيلة لا لعلى ولا لغيره و الرافضة جهال ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين ولا دنيا منصورة فانه لو طلب منهم الناصبى الذى يبغض عليا ويعتقد فسقه أوكفره كالخوارج وغيرهم أن يثبتوا إيمان على وفضله لم يقدروا على ذلك بل تغلبهم الخوارج فإن فضائل على إنما نقلها الصحابة الذين تقدح فيهم الرافضة فلا يتيقن له فضيلة معلومة على أصلهم فاذا طعنوا فى بعض الخلفاء بما يفترونه عليهم من أنهم طلبوا الرياسة وقاتلوا على ذلك كان طعن الخوارج فى على بمثل ذلك واضعافه أقرب من دعوى ذلك على من أطيع بلا قتال ولكن الرافضة جهال متبعون الزنادقة

(4/429)


والقرآن قد اثنى على الصحابة فى غير موضع كقولة تعالى والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وقولة تعالى لايستوى منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل اولئك اعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى
وقال تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من اثر السجود ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الانجيل كزرع اخرج شطأة فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقة يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وقال تعالى لقد رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم فأنزل السكينة عليهم واثابهم فتحا قريبا وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبى انه قال لا يدخل النار احد بايع تحت الشجرة وفى الصحيحين عن ابى سعيد ان النبى قال لا تسبوا اصحابى فوالذى نفسى بيده لو ان احدكم انفق مثل احد ذهبا ما بلغ مد احدهم ولا نصيفه وقد ثبت عنه فى الصحيح من غير وجه إنه قال خير القرون القرن الذى بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وهذه الاحاديث مستفيضه بل متواترة فى فضائل الصحابة والثناء عليهم وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون فالقدح فيهم قدح فى القرآن والسنة ولهذا تكلم الناس فى تكفير الرافضة بما قد بسطناه فى غير هذا الموضع والله سبحانه وتعالى أعلم

(4/430)


وسئل رضى الله عنه
عما شجر بين الصحابة على ومعاوية وطلحة وعائشة هل يطالبون به أم لا
فأجاب
قد ثبت بالنصوص الصحيحة أن عثمان وعليا وطلحة والزبير وعائشة من أهل الجنة بل قد ثبت فى الصحيح أنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة
وأبو موسى الأشعرى وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبى سفيان هم من الصحابة ولهم فضائل ومحاسن
وما يحكى عنهم كثير منه كذب والصدق منه إن كانوا فيه مجتهدين فالمجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر وخطأه يغفر له

(4/431)


وإن قدر أن لهم ذنوبا فالذنوب لا توجب دخول النار مطلقا الا اذا انتفت الاسباب المانعة من ذلك وهى عشرة منها
التوبة ومنها الاستغفار ومنها الحسنات الماحية ومنها المصائب المكفرة ومنها شفاعة النبى صلى الله عليه و سلم ومنها شفاعة غيره ومنها دعاء المؤمنين ومنها ما يهدى للميت من الثواب والصدقة والعتق ومنها فتنة القبر ومنها أهوال القيامة
وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه قال خير القرون القرن الذى بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
وحينئذ فمن جزم فى واحد من هؤلاء بأن له ذنبا يدخل به النار قطعا فهو كاذب مفتر فإنه لو قال ما لا علم له به لكان مبطلا فكيف اذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه فمن تكلم فيما شجر بينهم وقد نهى الله عنه من ذمهم أو التعصب لبعضهم بالباطل فهو ظالم معتد
وقد ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال عن الحسن ان ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين

(4/432)


وفى الصحيحين عن عمار أنه قال تقتله الفئة الباغية وقد قال تعالى فى القران وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء الى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ان الله يحب المقسطين
فثبت بالكتاب والسنة واجماع السلف على أنهم مؤمنون مسلمون وأن على بن أبى طالب والذين معه كانوا أولى بالحق من الطائفة المقاتلة له والله أعلم

(4/433)


قال شيخ الاسلام ابن تيمية
فائدة ومما ينبغى أن يعلم أنه وان كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة والاستغفار للطائفتين جمعيا وموالاتهم فليس من الواجب اعتقاد أن كل واحد من العسكر لم يكن الا مجتهدا متأولا كالعلماء بل فيهم المذنب والمسىء وفيهم المقصر فى الاجتهاد لنوع من الهوى لكن اذا كانت السيئة فى حسنات كثيرة كانت مرجوحة مغفورة
وأهل السنة تحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم لكن لا يعتقدون العصمة من الاقرار على الذنوب وعلى الخطا فى الاجتهاد الا لرسول الله ومن سواء فيجوز عليه الإقرار على الذنب والخطأ لكن لهم كما قال تعالى اولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم الآية
وفضائل الأعمال انما هى بنتائجها وعواقبها لا بصورها

(4/434)


فصل في أعداء الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين
الخلفاء الراشدون الأربعة ابتلوا بمعاداة بعض المنتسبين إلى الإسلام من أهل القبلة ولعنهم وبغضهم وتكفيرهم فأبو بكر وعمر أبغضتهما الرافضة ولعنتهما دون غيرهم من الطوائف ولهذا قيل للإمام أحمد من الرافضى قال الذى يسب أبا بكر وعمر وبهذا سميت الرافضة فإنهم رفضوا زيد بن على لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما هو الرافضى وقيل إنما سموا رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر
وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق وأظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه وادعى العصمة له ولهذا لما كان مبدأه من النفاق قال بعض السلف حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق وحب بنى هاشم إيمان وبغضهم نفاق
وقال عبد الله بن مسعود حب أبى بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة أى من شريعة النبى التى أمر بها فإنه قال اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر ولهذا كان معرفة فضلهما على من بعدهما واجبا لايجوز التوقف فيه بخلاف عثمان وعلى ففى جواز التوقف فيهما قولان
وكذلك هل يسوغ الاجتهاد فى تفضيل على على عثمان فيه رواتيان
احداهما لا يسوغ ذلك فمن فضل عليا على عثمان خرج من السنة الى البدعة لمخالفته لإجماع الصحابة ولهذا قيل من قدم عليا على عثمان فقد

(4/435)


أزرى بالمهاجرين والأنصار يروى ذلك عن غير واحد منهم أيوب السختيانى وأحمد بن حنبل والدارقطنى
و الثانية لا يبدع من قدم عليا لتقارب حال عثمان وعلى اذ السنة هى الشريعة وهى ما شرعه الله ورسوله من الدين وهو ما أمر به أمر ايجاب أو استحباب فلا يجوز اعتقاد ضد ذلك
وأما عثمان فأبغضه أو سبه أو كفره أيضا مع الرافضة طائفة من الشيعة الزيدية والخوارج
وأما على فأبغضه وسبه أو كفر والخوارج وكثير من بنى أمية وشيعتهم الذين قاتلوه وسبوه فالخوارج تكفر عثمان وعليا وسائر أهل الجماعة
وأما شعيه على الذي شايعوه بعد التحكيم و شيعة معاوية التى شايعتة بعد التحكيم فكان بينهما من التقابل وتلا عن بعضهم وتكافر بعضهم ما كان ولم تكن الشيعة التى كانت مع على يظهر منها تنقص لآبى بكر وعمر ولا فيها من يقدم عليا على أبى بكر وعمر ولا كان سب عثمان شائعا فيها وانما كان يتكلم به بعضهم فيرد عليه آخر
وكذلك تفضيل على عليه لم يكن مشهورا فيها بخلاف سب على فإنه كان

(4/436)


شائعا فى اتباع معاوية
ولهذا كان على واصحابه أولى بالحق وأقرب الى الحق من معاوية واصحابه كما فى الصحيحن عن أبى سعيد عن النبى قال تمرق مارقة على حين فرفة من المسلمين فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق وروى فى الصحيح أيضا أدنى الطائفتين الى الحق وكان سب على ولعنه من البغى الذى استحقت به الطائفة أن يقال لها الطائفة الباغية كما رواه البخارى فى صحيحه عن خالد الحذاء عن عكرمة قال قال لى ابن عباس ولابنه على انطلقا إلى أبى سعيد واسمعا من حديثه فانطلقنا فإذا هو فى حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى به ثم أنشأ يحدثنا حتى اذا أتى على ذكر بناء المسجد فقال كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فرآه النبى فجعل ينفض التراب عنه ويقول ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار قال يقول عمار أعوذ بالله من الفتن
ورواه مسلم عن أبى سعيد أيضا قال أخبرنى من هو خير منى أبو قتادة أن رسول الله قال لعمار حين جعل يحفر الخندق جعل يمسح رأسه ويقول بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية ورواه مسلم أيضا عن أم سلمه عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال تقتل عمارا الفئة الباغية وهذا أيضا يدل على صحة أمامة على ووجوب طاعته وأن الداعى إلى طاعته داع إلى الجنة والداعى إلى مقاتلته داع إلى النار وإن كان متأولا وهو

(4/437)


دليل على أنه لم يكن يجوز قتال على وعلى هذا فمقاتله مخطىء وإن كان متأولا أو باغ بلا تأويل وهو أصح القولين لأصحابنا وهو الحكم يتخطئه من قاتل عليا وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين
وكذلك انكر يحيى بن معين على الشافعى استدلاله بسيرة على فى قتال البغاة المتأولين قال أيجعل طلحة والزبير بغاة رد عليه الامام احمد فقال ويحك وأى شيء يسعه ان يضع فى هذا المقام يعنى ان لم يقتد بسيرة على فى ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين فى قتال البغاة
والقول الثانى أن كلا منهما مصيب وهذا بناء على قول من يقول كل مجتهد مصيب وهو قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والاشعرية وفيها قول ثالث ان المصيب واحد لا بعينه ذكر الأقوال الثلاثة ابن حامد والقاضى وغيرهما وهذا القول يشبه قول المتوقفين ين فى خلافة على من أهل ا لبصرة وأهل الحديث وأهل الكلام كالكرامية الذين يقولون كلاهما كان إماما ويجوزون عقد الخلافة لاثنين
لكن المنصوص عن أحمد تبديع من توقف فى خلافة على وقال هو أضل من حمار أهله وأمر بهجرانه ونهى عن مناكحته ولم يتردد احمد ولا أحد من أئمة السنة فى انه ليس غير على أولى بالحق منه ولا شكوا فى ذلك فتصويب أحدهما لا بعينه تجويز لأن يكون غير على اولى منه بالحق وهذا لا يقوله إلا مبتدع ضال فيه نوع من النصب وإن كان متأولا لكن قد

(4/438)


يسكت بعضهم عن تخطئة احد كما يمسكون عن ذمه والطعن عليه امساكا عما شجر بينهم وهذا يشبه قول من يصوب الطائفتين
ولم يسترب أئمة السنة وعلماء الحديث أن عليا أولى بالحق وأقرب اليه كما دل عليه النص وإن استرابوا فى وصف الطائفة الآخرى بظلم أو بغى ومن وصفها بالظلم والبغى لما جاء من حديث عمار جعل المجتهد فى ذلك من أهل التأويل يبقى أن يقال فالله تعالى قد أمر بقتال الطائفة الباغية فيكون قتالها كان واجبا مع على والذين قعدوا عن القتال هم جملة أعيان الصحابة كسعد وزيد وابن عمر وأسامة ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة وهم يروون النصوص عن النبي في القعود عن القتال في الفتنة وقوله القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعى والساعى فيها خير من الموضع وقوله يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن وأمره لصاحب السيف عند الفتنة أن يتخذ سيفا من خشب وبحديث أبي بكرة للأحنف بن قيس لما أراد أن يذهب ليقاتل مع علي وهو قوله إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار الحديث والإحتجاج على ذلك بقوله لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وهذا مذهب أهل الحديث وعامة أئمة السنة حتى قال لا يختلف أصحابنا أن قعود على عن القتال كان أفضل

(4/439)


له لو قعد وهذا ظاهر من حاله في تلومه في القتال وتبرمه به ومراجعة الحسن ابنه له في ذلك وقوله له ألم أنهك يا أبت وقوله لله در مقام قامه سعد بن مالك وعبدالله بن عمر إن كان برا إن أجره لعظيم وإن كان إثما إن خطأه ليسير وهذا يعارض وجوب طاعته وبهذا احتجوا على الإمام أحمد فى ترك التربيع بخلافته فإنه لما أظهر ذلك قال له بعضهم إذا قلت كان إماما واجب الطاعة ففى ذلك طعن على طلحة والزبير حيث لم يطيعاه بل قاتلاه فقال لهم أحمد أنى لست من حربهم فى شيء يعنى أن ما تنازع فيه على وإخوانه لا أدخل بينهم فيه لما بينهم من الإجتهاد والتأويل الذى هم أعلم به منى وليس ذلك من مسائل العلم التى تعنينى حتى أعرف حقيقة حال كل واحد منهم وأنا مأمور بالإستغفار لهم وأن يكون قلبى لهم سليما ومأمور بمحبتهم وموالاتهم ولهم من السوابق والفضائل مالا يهدر ولكن إعتقاد خلافته وإمامته ثابت بالنص وما ثبت بالنص وجب اتباعه وان كان بعض الأكابر تركه كما أن إمامة عثمان وخلافته ثابتة الى حين انقراض أيامه وإن كان فى تخلف بعضهم عن طاعته أو نصرته وفى مخالفة بعضهم له من التأويل ما فيه اذ كان أهون ما جرى فى خلافة على
وهذا الموضع هو الذى تنازع فيه اجتهاد السلف والخلف فمن قوم يقولون بوجوب القتال مع على كما فعله من قاتل معه وكما يقول كثير

(4/440)


من أهل الكلام والرأى الذين صنفوا فى قتال أهل البغى حيث أوجبوا القتال معه لوجوب طاعته ووجوب قتال البغاة ومبدأ ترتيب ذلك من فقهاء الكوفة وأتبعهم آخرون
ومن قوم يقولون بل المشروع ترك القتال فى الفتنة كما جاءت به النصوص الكثيرة المشهورة كما فعله من فعله من القاعدين عن القتال لأخبار النبى أن ترك القتال فىالفتنة خير و أن الفرار من الفتن باتخاذ غنم فى رؤوس الجبال خير من القتال فيها وكنهيه لمن نهاه عن القتال فيها وأمره باتخاذ سيف من خشب ولكون على لم يذم القاعدين عن القتال معه بل ربما غبطهم فى آخر الأمر
ولأجل هذه النصوص لا يختلف أصحابنا أن ترك على القتال كان أفضل لأن النصوص صرحت بأن القاعد فيها خير من القائم والبعد عنها خير من الوقوع فيها قالوا ورجحان العمل يظهر برجحان عاقبته ومن المعلوم أنهم إذا لم يبدأوه بقتال فلو لم يقاتلهم لم يقع أكثر مما وقع من خروجهم عن طاعته لكن بالقتال زاد البلاء وسفكت الدماء وتنافرت القلوب وخرجت عليه الخوارج وحكم الحكمان حتى سمى منازعه بأمير المؤمنين فظهر من المفاسد ما لم يكن قبل القتال ولم يحصل به مصلحة راجحة
وهذا دليل على أن تركه كان أفضل من فعله فان فضائل الأعمال إنما هى

(4/441)


بنتائجها وعواقبها
والقرآن إنما فيه قتال الطائفة الباغية بعد الإقتتال فإنه قال تعالى وان طائقتان من المؤمنين إقتتلوا فأصحلوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى الآية فلم يأمر بالقتال إبتداء مع واحدة من الطائفتين لكن أمر بالإصلاح وبقتال الباغية
و إن قيل الباغية يعم الابتداء والبغى بعد الإقتتال
قيل فليس فى الآية أمر لأحدهما بأن تقاتل الأخرى وإنما هو أمر لسائر المؤمنين بقتال الباغية والكلام هنا إنما هو فى أن فعل القتال من على لم يكن مأمورا به بل كان تركه أفضل وأما اذا قاتل لكون القتال جائزا وان كان تركه أفضل أو لكونه مجتهدا فيه وليس بجائز فى الباطن فهنا الكلام فى وجوب القتال معه للطائفة الباغية أو الإمساك عن القتال فى الفتنة وهو موضع تعارض الادلة واجتهاد العلماء والمجاهدين من المؤمنين بعد الجزم بأنه وشيعته أولى الطائفتين بالحق فيمكن وجهان
أحدهما أن الأمر بقتال الطائفة الباغية مشروط بالقدرة والإمكان ان ليس قتالهم بأولى من قتال المشركين والكفار ومعلوم أن ذلك مشروط بالقدرة والإمكان فقد تكون المصلحة المشروعة أحيانا هى التألف بالمال والمسالمة والمعاهدة كما فعله النبى غير مرة والإمام اذا اعتقد وجود القدرة ولم تكن حاصلة كان الترك فى نفس الأمر أصلح

(4/442)


ومن رأى أن هذا القتال مفسدته أكثر من مصلحته علم أنه قتال فتنة فلا تجب طاعة الإمام فيه اذ طاعته إنما تجب فى ما لم يعلم المأمور أنه معصية بالنص فمن علم أن هذا هو قتال الفتنة الذى تركه خير من فعله لم يجب عليه أن يعدل عن نص معين خاص الى نص عام مطلق فى طاعة أولى الأمر ولا سيما وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالرد إلى الله والرسول
ويشهد لذلك أن الرسول أخبر بظلم الأمراء بعده وبغيهم ونهى عن قتالهم لأن ذلك غير مقدور إذ مفسدته أعظم من مصلحته كما نهى المسلمون فى أول الإسلام عن القتال كما ذكره بقوله ألم تر الى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وكما كان النبى وأصحابه مأمورين بالصبر على أذى المشركين والمنافقين والعفو والصفح عنهم حتى يأتى الله بأمره
الوجه الثاني أنها صارت باغية في أثناء الحال بما ظهر منها من نصب إمام وتسميته أمير المؤمنين ومن لعن إمام الحق ونحو ذلك فإن هذا بغى بخلاف الإقتتال قبل ذلك فإنه كان قتال فتنة وهو سبحانه قد ذكر اقتتال الطائفتين من المؤمنين ثم قال فإن بغت إحداهما على الأخرى فلما أمر بالقتال إذا بغت إحدى الطائفتين المقتتلتين دل على أن الطائفتين المقتتلتين قد تكون إحداهما باغية في حال دون حال
فما ورد من النصوص بترك القتال في الفتنة يكون قبل البغى وما ورد من الوصف بالبغى يكون بعد ذلك وحينئذ يكون القتال مع على واجبا لما

(4/443)


حصل البغى وعلى هذا يتأول ما روى ابن عمر إذا حمل على القتال في ذلك وحنيئذ فبعد التحكيم والتشيع وظهور البغى لم يقاتلهم على ولم تطعه الشيعة في القتال ومن حينئذ ذمت الشيعة بتركهم النصر مع وجوبه وفي ذلك الوقت سموا شيعة وحنيئذ صاروا مذمومين بمعصية الإمام الواجب الطاعة وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولما تركوا ما يجب من نصره صاروا أهل باطل وظلم إذ ذاك يكون تارة لترك الحق تارة لتعدى الحق
فصار حينئذ شعية عثمان الذين مع معاوية أرجح منهم ولهذا إنتصروا عليهم ولهذا قال النبى لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على من خالفهم وبذلك استدل معاوية وقام مالك بن يخامر فروى عن معاذ ابن جبل أنهم بالشام وعلى هو من الخلفاء الراشدين ومعاوية أول الملوك فالمسألة هى من هذا الجنس وهو قتال الملوك المسلطين مع أهل عدل واتباع لسيرة الخلفاء الراشدين فإن كثيرا الناس يبادر الى الامر بذلك لاعتقاده أن فى ذلك إقامة العدل ويغفل عن كون ذلك غير ممكن بل تربو مفسدته على مصلحته
ولهذا كان مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم الى أن يستريح بر أو يستراح من فاجر وقد يكون هذا من أسرار القرآن فى كونه لم يأمر بالقتال ابتداء وإنما أمر بقتال الطائفة الباغية بعد إقتتال الطائفتين وأمر بالإصلاح بينهما فإنه اذا اقتتلت طائفتان من أهل

(4/444)


الأهواء كقيس ويمن اذ الآية نزلت فى نحو ذلك فإنه يجب الإصلاح بينهما والإ وجب على السلطان والمسلمين أن يقاتلوا الباغية لأنهم قادرون على ذلك فيجب عليهم أداء هذا الواجب وهذا يبين رجحان القول ابتداء ففى الحال الأول لم تكن القدرة تامة على القتال ولا البغى حاصلا ظاهرا وفى الحال الثانى حصل البغى وقوى العجز وهو أولى الطائفتين بالحق وأقربهما اليه مطلقا والأخرى موصوفة بالبغى كما جاء ذلك فى الحديث الصحيح من حديث أبى سعيد كما تقدم
وقد كان معاوية والمغيرة وغيرهما يحتجون لرجحان الطائفة الشامية بما هو فى الصحيحين عن النبى أنه قال لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة فقام مالك بن يخامر فقال سمعت معاذ بن جبل يقول وهم بالشام فقال معاوية وهذا مالك بن يخامر يذكر أنه سمع معاذا يقول وهم بالشام وهذا الذى فى الصحيحين من حديث معاوية فيهما أيضا نحوه من حديث المغيرة ابن شعبة عن النبى قال لا تزال من أمتى أمة ظاهرة على الحق يأتى أمر الله وهم على ذلك وهذا يحتجون به فى رجحان أهل الشام بوجهين
أحدهما أنهم الذين ظهروا وانتصروا وصار الأمر اليهم بعد الإقتتال والفتنة وقد قال النبى لا يضرهم من خالفهم وهذا يقتضى

(4/445)


أن الطائفة القائمة بالحق من هذه الأمة هى الظاهرة المنصورة فلما انتصر هؤلاء كانوا أهل الحق
والثانى أن النصوص عينت أنهم بالشام كقول معاذ وكما روى مسلم فى صحيحة عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال لا يزال أهل الغرب ظاهرين قال الإمام أحمد وأهل الغرب هم أهل الشام وذلك أن النبى كان مقيما بالمدينة فما يغرب عنها فهو غربه وما يشرق عنها فهو شرقه وكان يسمى أهل نجد وما يشرق عنها أهل المشرق كما قال إبن عمر قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا فقال النبى ان من البيان لسحرا
وقد استفاضت السنن عن النبى فى الشر أصله من المشرق كقوله الفتنة من ها هنا الفتنة من ها هنا ويشير الى المشرق وقوله رأس الكفر نحو المشرق ونحو ذلك فأخبر أن الطائفة المنصورة القائمة على الحق من أمته بالمغرب وهو الشام وما يغرب عنها والفتنة ورأس الكفر بالمشرق وكان أهل المدينة يسمون أهل الشام أهل المغرب ويقولون عن الأوزاعى أنه إمام أهل المغرب ويقولون عن سفيان الثورى ونحوه إنه مشرقى إمام أهل المشرق وهذا لأن متنهى الشام عند الفرات هو على مسامتة مدينة الرسول صلى الله عليه و سلم طول كل منهما وبعد ذلك حران والرقة ونحوهما على مسامتة مكة ولهذا كانت قبلتهم أعدل

(4/446)


القبلة بمعنى أنهم يستقبلون الركن الشامى ويستدبرون القطب الشامى من غير انحراف الى ذات اليمن كأهل العراق ولا الى ذات الشمال كأهل الشام
قالوا فإذا دلت هذه النصوص على أن الطائفة القائمة بالحق من أمته التى لايضرها خلاف المخالف ولا خذلان الخاذل هى بالشام كان هذا معارضا لقوله تقتل عمارا الفئة الباغية ولقوله تقتلهم أولى الطائفتين بالحق وهذا من حجة من يجعل الجميع سواء والجميع مصيبين أو يمسك عن الترجيح وهذا اقرب وقد احتج به من هؤلاء على أولئك لكن هذا القول مرغوب عنه وهو من أقوال النواصب فهو مقابل بأقوال الشيعة والرافض هؤلاء أهل الأهواء وإنما نتكلم هنا مع أهل العلم والعدل
ولا ريب أن هذه النصوص لا بد من الجمع بينها والتأليف فيقال أما قوله لايزال أهل الغرب ظاهرين ونحو ذلك مما يدل على ظهور أهل الشام وانتصارهم فهكذا وقع وهذا هو الأمر فإنهم ما زالوا ظاهرين منتصرين
وأما قوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله ومن هو ظاهر فلا يقتضى أن لا يكون فيهم من فيه بغى ومن غيره أولى بالحق منهم بل فيهم هذا وهذا
وأما قوله تقتلهم أولى الطائفتين بالحق فهذا دليل على أن عليا

(4/447)


ومن معه كان أولى بالحق إذ ذاك من الطائفة الأخرى واذا كان الشخص أو الطائفة مرجوحا فى بعض الأحوال لم يمنع أن يكون قائما بأمر الله وأن يكون ظاهرا بالقيام بأمر الله عن طاعة الله ورسوله وقد يكون الفعل طاعة وغيره أطوع منه
وأما كون بعضهم باغيا فى بعض الأوقات مع كون بغيه خطأ مغفورا أو ذنبا مغفورا فهذا أيضا لا يمنع ما شهدت به النصوص وذلك أن النبى أخبر عن جملة أهل الشام وعظمتهم ولا ريب أن جملتهم كانوا أرجح فى عموم الأحوال
وكذلك عمر بن الخطاب كان يفضلهم فى مدة خلافته على أهل العراق حتى قدم الشام غير مرة وامتنع من الذهاب الى العراق واستشار فأشار عليه أنه لا يذهب اليها وكذلك حين وفاته لما طعن أدخل عليه أهل المدينة أولا وهم كانوا إذ ذلك أفضل الأمة ثم أدخل عليه أهل الشام ثم أدخل عليه أهل العراق وكانوا آخر من دخل عليه هكذا فى الصحيح
وكذلك الصديق كانت عنايته بفتح الشام أكثر من عنايته بفتح العراق حتى قال لكفر من كفور الشام أحب الى من فتح مدينة بالعراق
و النصوص التى فى كتاب الله وسنة رسوله وأصحابه فى فضل الشام وأهل الغرب على نجد والعراق وسائر أهل المشرق أكثر من أن تذكر هنا بل عن

(4/448)


النبى من النصوص الصحيحة فى ذم المشرق وأخباره بأن الفتنة ورأس الكفر منه ما ليس هذا موضعه وإنما كان فضل المشرق عليهم بوجود أمير المؤمنين على وذاك كان أمرا عارضا ولهذا لما ذهب على ظهر منهم الفتن والنفاق والردة والبدع ما يعلم به أن أولئك كانوا ارجح
وكذلك أيضا لا ريب أن فى أعيانهم من العلماء والصالحين من هو أفضل من كثير من أهل الشام كما كان على وابن مسعود وعمار وحذيفة ونحوهم أفضل من أكثر من الشام من الصحابة لكن مقابلة الجملة وترجيحها لا يمنع اختصاص الطائفة الأخرى يأمر راجح
والنبى ميز أهل الشام بالقيام بأمر الله دائما الى آخر الدهر وبأن الطائفة المنصورة فيهم الى آخر الدهر فهو إخبار عن أمر دائم مستمر فيهم مع الكثرة والقوة وهذا الوصف ليس لغير الشام من أرض الإسلام فإن الحجاز التى هى أصل الإيمان نقص فى آخر الزمان منها العلم والإيمان والنصر والجهاد وكذلك اليمن والعراق والمشرق
وأما الشام فلم يزل فيها العلم والإيمان ومن يقاتل عليه منصورا مؤيدا فى كل وقت فهذا هذا والله أعلم
وهذا يبين رجحان الطائفة الشامية من بعض الوجوه مع أن عليا كان أولى

(4/449)


بالحق ممن فارقه ومع أن عمارا قتلته الفئة الباغية كما جاءت به النصوص فعلينا أن نؤمن بكل ما جاء من عند الله ونقر بالحق كله ولا يكون لنا هوى ولا نتكلم بغير علم بل نسلك سبل العلم والعدل وذلك هو إتباع الكتاب والسنة فأما من تمسك ببعض الحق دون بعض فهذا منشأ الفرقة والإختلاف
ولهذا لما اعتقدت طوائف من الفقهاء وجوب القتال مع على جعلوا ذلك قاعدة فقهية فيما اذا خرجت طائفة على الإمام بتأويل سائغ وهى عنده راسلهم الامام فان ذكروا مظلمة أزالها عنهم وإن ذكروا شبهة بينها فان رجعوا والا وجب قتالهم عليه وعلى المسلمين
ثم إنهم ادخلوا فى هذه القاعدة قتال الصديق لمانعى الزكاة و قتال على للخوارج المارقين وصاروا فيمن يتولى أمور المسلمين من الملوك والخلفاء وغيرهم يجعلون أهل العدل من اعتقدوه لذلك ثم يجعلون المقاتلين له بغاة لا يفرقون بين قتال الفتنة المنهى عنه والذى تركه خير من فعله كما يقع بين الملوك والخلفاء وغيرهم واتباعهم كاقتتال الأمين والمأمون وغيرهما وبين قتال الخوارج الحرورية المرتدة والمنافقين كالمزدكية ونحوهم
وهذه تجده فى الأصل من رأى بعض فقهاء أهل الكوفة وأتباعهم ثم الشافعى وأصحابه ثم كثير من أصحاب احمد الذين صنفوا باب قتال أهل البغى نسجوا على منوال أولئك تجدهم هكذا فإن الخرقى نسج على منوال

(4/450)


المزنى نسج على منوال مختصر محمد بن الحسن وان كان ذلك فى بعض التبويب والترتيب
والمصنفون فى الأحكام يذكرون قتال البغاة والخوارج جميعا وليس عن النبى فى قتال البغاة حديث الا حديث كوثر بن حكيم عن نافع وهو موضوع
وأما كتب الحديث المصنفة مثل صحيح البخارى والسنن فليس فيها الا قتال أهل الردة والخوارج وهم أهل الأهواء وكذلك كتب السنة المنصوصة عن الإمام أحمد ونحوه
وكذلك فيما أظن كتب مالك وأصحابه ليس فيها باب قتال البغاة وإنما ذكروا أهل الردة وأهل الأهواء وهذا هو الأصل الثابت بكتاب الله وسنة رسوله وهو الفرق بين القتال لمن خرج عن الشريعة والسنة فهذا الذى أمر به النبى
وأما القتال لمن لم يخرج إلا عن طاعة إمام معين فليس فى النصوص أمر بذلك فارتكب الأولون ثلاثة محاذير
الأول قتال من خرج عن طاعة ملك معين وان كان قريبا منه ومثله فى السنة والشريعة لوجود الإفتراق والإفتراق هو الفتنة

(4/451)


والثانى التسوية بين هؤلاء وبين المرتدين عن بعض شرائع الاسلام
والثالث التسوية بين هؤلاء وبين قتال الخوارج المارقين من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية ولهذا تجد تلك الطائفة يدخلون فى كثير من أهواء الملوك وولاة الأمور ويأمرون بالقتال معهم لاعدائهم بناء على أنهم أهل العدل وأولئك البغاة وهم فى ذلك بمنزلة المتعصبين لبعض أئمة العلم أو أئمة الكلام أو أئمة المشيخة على نظرائهم مدعين أن الحق معهم أوأنهم أرجح بهوى قد يكون فيه تأويل بتقصير لا بالإجتهاد وهذا كثير فى علماء الأمة وعبادها وأمرائها وأجنادها وهو من البأس الذى لم يرفع من بينها فنسأل الله العدل فإنه لا وحول ولا قوة الا به
ولهذا كان أعدل الطوائف أهل السنة أصحاب الحديث
وتجد هؤلاء إذا أمروا بقتال من مرق من الإسلام أو ارتد عن بعض شرائعه يأمرون أن يسار فيه بسيرة على فى قتال طلحة والزبير لا يسبى لهم ذرية ولا يغنم لهم مال ولا يجهز لهم على جريح ولا يقتل لهم أسير ويتركون ما أمر به النبى وسار به على فى قتال الخوارج وما أمر الله به رسوله وسار به الصديق فى قتال مانعى الزكاة فلا يجمعون بين ما فرق الله بينه من المرتدين والمارقين وبين المسلمين المسيئين ويفرقون بين ما جمع الله بينه من الملوك والائمة المتقاتلين على الملك وإن كان بتأويل والله سبحانه وتعالى أعلم

(4/452)


سئل الشيخ رحمه الله
عن إسلام معاوية بن أبى سفيان متى كان وهل كان إيمانه كإيمان غيره أم لا وما قيل فيه غير ذلك
فأجاب
إيمان معاوية بن أى سفيان رضى الله عنه ثابت بالنقل المتواتر وإجماع أهل العلم على ذلك كإيمان أمثاله ممن آمن عام فتح مكة مثل أخيه يزيد بن أبى سفيان ومثل سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل والحارث بن هشام وأبى أسد بن أبى العاص بن أمية وأمثال هؤلاء
فإن هؤلاء يسمون الطلقاء فإنهم آمنوا عام فتح النبى مكة قهرا واطلقهم ومن عليهم وأعطاهم وتألفهم وقد روى أن معاوية بن أبى سفيان أسلم قبل ذلك وهاجر كما أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحجى قبل فتح مكة وهاجروا الى المدينة فإن كان هذا صحيحا فهذا من المهاجرين

(4/453)


وأما إسلامه عام الفتح مع من ذكر فمتفق عليه بين العلماء سواء كان أسلم قبل ذلك أو لم يكن إسلامه الا عام فتح مكة ولكن بعض الكذابين زعم أنه عير أباه بإسلامه وهذا كذب بالإتفاق من أهل العلم بالحديث
وكان هؤلاء المذكورون من أحسن الناس إسلاما وأحمدهم سيرة لم يتهموا بسوء ولم يتهمهم أحد من أهل العلم بنفاق كما اتهم غيرهم بل ظهر منهم من حسن الاسلام وطاعة الله ورسوله وحب الله ورسوله والجهاد فى سبيل الله وحفظ حدود الله ما دل على حسن إيمانهم الباطن وحسن إسلامهم ومنهم من أمره النبي واستعمله نائبا له كما استعمل عتاب بن أسيد أميرا على مكة نائبا عنه وكان من خيار المسلمين كان يقول ياأهل مكة والله لا يبلغنى أن أحدا منكم قد تخلف عن الصلاة إلا ضربت عنقه
وقد استعمل النبى أبا سفيان بن حرب أبا معاوية على نجران نائبا له وتوفى النبى وأبو سفيان عامله على نجران
وكان معاوية أحسن إسلاما من أبيه باتفاق أهل العلم كما أن أخاه يزيد بن أبى سفيان كان أفضل منه ومن أبيه ولهذا استعمله أبو بكر الصديق رضى الله عنه على قتال النصارى حين فتح الشام وكان هو أحد الأمراء الذين استعملهم أبوبكر الصديق ووصاه بوصية معروفة نقلها أهل العلم واعتمدوا عليها وذكرها

(4/454)


مالك فى الموطأ وغيره ومشى أبو بكر رضى الله عنه فى ركابه مشيعا له فقال له يا خليفة رسول الله إما أن تركب وأما أن أنزل فقال لست بنازل ولست براكب احتسب خطائى هذه فى سبيل الله عز و جل
وكان عمرو بن العاص أحد الأمراء وأبو عبيدة بن الجراح أيضا وقدم عليهم خالد بن الوليد لشجاعتة ومنفعته فى الجهاد
فلما توفى أبو بكر ولى عمر بن الخطاب أبا عبيدة أميرا على الجميع لأن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان شديدا فى الله فولى أبا عبيدة لأنه كان لينا وكان أبو بكر رضى الله عنه لينا وخالد شديدا على الكفار فولى اللين الشديد وولى الشديد اللين ليعتدل الامر وكلاهما فعل ما هو أحب الى الله تعالى فى حقه فان نبينا أكمل الخلق وكان شديدا على الكفار والمنافقين ونعته الله تعالى بأكمل الشرائع كما قال الله تعالى فى نعت أمته أشداء على الكفار رحماء بينهم وقال فيهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لإئم
وقد ثبت في الصحيح أن النبي لما استشار أصحابه في أسارى بدر وأشار عليه أبو بكر أن يأخذ الفدية منهم وإطلاقهم وأشار عليه عمر بضرب أعناقهم قال النبي إن الله يلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من البز ويشدد قلوب رجالل فيه حتى تكون أشد من الصخر وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم الخليل إذ قال فمن تبعنى فإنه منى ومن

(4/455)


عصانى فإنك غفور رحيم ومثل عيسى بن مريم إذ قال إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ومثل موسى بن عمران إذ قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وكانا في حياة النبي كما نعمتها رسول الله وكانا هما وزيريه من أهل الأرض
وقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سرير عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لما وضع وجاء الناس يصلون عليه قال ابن عباس فالتفت فإذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال والله ما على وجه الأرض أحد أحب إلى من أن ألقى الله تعالى بعمله من هذا الميت والله إنى لأرجو أن يحشرك الله مع صاحبيك فإني كثيرا ما كنت أسمع النبي يقول دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر
ثم ثبت في الصحيح أنه لما كان يوم أحد انهزم أكثر المسلمين فإذا أبو سفيان وكان القوم المرام إذ قال أفى القوم محمد أفى القوم محمد أفى القوم محمد فقال النبي لا تجيبوه ثم قال أفى

(4/456)


القوم ابن أبي قحافة أفى القوم ابن أبي قحافة النبي لا تجيبوه فقال أفى القوم بن الخطاب أفى القوم ابن الخطاب أفى القوام ابن الخطاب فقال النبي لا تجيبوه الحديث بطوله فهذا أبو سفيان قائد الأحزاب لم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة عن النبي وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما لعلمه بأن هؤلاء هم رؤوس عسكر المسلمين
وقال الرشيد لمالك بن أنس أخبرنى عن منزلة أبى بكر وعمر من النبى فقال منزلتهما منه حياته كمنزلتهما بعد وفاته فقال شفيتنى يا مالك
فلما توفى رسول الله صلى الله عليه و سلم واستخلف أبا بكر جعل الله تعالى فيه من الشدة ما لم يكن فيه قبل ذلك حتى فاق عمر فى ذلك حتى قاتل أهل الردة بعد أن جهز جيش أسامة وكان ذلك تكميلا له لكمال النبى الذى صار خليفة له
ولما استخلف عمر جعل الله فيه من الرأفة والرحمة ما لم يكن فيه قبل ذلك تكميلا له حتى صار أمير المؤمنين ولهذا استعمل هذا خالدا وهذا أبا عبيدة
وكان يزيد بن أبى سفيان على الشام الى أن ولى عمر فمات يزيد بن أبى سفيان فاستعمل عمر معاوية مكان أخيه يزيد بن أبى سفيان وبقى معاوية

(4/457)


على ولايته تمام خلافته وعمر ورعيته تشكره وتشكر سيرته فيهم وتواليه وتحبه لما رأوا من حلمه وعدله حتى أنه لم يشكه منهم مشتك ولا تظلمه منهم متظلم ويزيد بن معاوية ليس من أصحاب النبى صلى الله عليه و سلم وإنما ولد فى خلافة عثمان وانما سماه يزيد باسم عمه من الصحابة
وقد شهد معاوية وأخوه يزيد وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام وغيرهم من مسلمة الفتح مع النبي غزوة حنين ودخلوا في قوله تعالى ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين وكانوا من المؤمنين الذين أنزل الله سكينته عليهم مع النبي وغزوة الطائف لما حاصروا الطائف ورماها بالمنجنيق وشهدوا النصارى بالشام وأنزل الله فيها سورة براءة وهي غزوة العسرة التى جهز فيها عثمان بن عفان رضي الله عنه جيش العسرة بألف بعير في سبيل الله تعالى فاعوزت وكملها بخمسين بعيرا فقال النبي ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم وهذا آخر مغازى النبي ولم يكن فيها قتال
وقد غز االنبي أكثر من عشرين غزاة بنفسه ولم

(4/458)


يكن القتال إلا في تسع غزوات بدر وأحد وبنى المصطلق والخندق وذى قرد وغزوة الطائف وأعظم جيش جمعه النبي كان بحنين والطائف وكانوا اثنى عشر ألفا واعظم جيش غزا مع النبي جيش تبوك فإنه كان كثيرا لا يحصى غير إنه لم يكن فيه قتال
وهؤلاء المذكورون دخلوا في قوله تعالى لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك اعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى فإن هؤلاء الطلقاء مسلمة الفتح هم ممن انفق من بعد الفتح وقاتل وقد وعدهم الله الحسنى فإنهم انفقوا بحنين والطائف وقاتلوا فيهما رضى الله عنهم
وهم أيضا داخلون فيمن رضي الله عنه حيث قال تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه فإن السابقين هم الذين أسلموا قبل الحديبية كالذين بايعوه تحت الشجرة الذين أنزل الله فيهم لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة كانوا أكثر من ألف وأربعمائة وكلهم من أهل الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة وكان فيهم حاطب بن ابى بلتعة وكانت له سيئات

(4/459)


معروفة مثل مكاتبته للمشركين بأخبار النبي واسائته إلى مماليكه وقد ثبت في الصحيح أن مملوكه جاء إلى النبي فقال والله يا رسول الله لا بد أن يدخل حاطب النار فقال له النبي كذبت إنه شهد بدرا والحديبية
وثبت في الصحيح أنه لما كتب إلى المشركين يخبرهم بمسير النبي إليهم أرسل علي بن أبي طالب والزبير إلى المرأة التى كان معها الكتاب فاتيا بها فقال ما هذا يا خاطب فقال والله يارسول الله ما فعلت ارتداد عن دينى ولا رضيت بالكفر بعد الإسلام ولكن كنت امرءا ملصقا في قريش لم أكن من أنفسهم وكان معك من أصحابك لهم بمكة قرابات يحمون بها أهاليهم فأحببت إذ فاتنى ذلك أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتى فقال عمر بن الخطاب دعنى أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي إنه قد شهد بدرا وما يدريك أن أن الله قال إعملوا ما شئتم قد غفرت لكم
وفي هذا الحديث بيان إن الله يغفر لهؤلاء السابقين كأهل بدر والحديبية من الذنوب العظيمة بفضل سابقتهم وإيمانهم وجهادهم ما لا يجوز لأحد أن يعاقبهم بها كما لم تجب معاقبة حاطب مما كان منه
وهذا مما يستدل به على أن ما جرى بين على وطلحة والزبير ونحوهم

(4/460)


فإنه أما أن يكون اجتهادا لا ذنب فيه فلا كلام فقد ثبت عن النبي أنه قال إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر
وإن كان هناك ذنب فقد ثبت أن هؤلاء رضي الله عنهم وغفر لهم ما فعلوه فلا يضرهم ما وقع منهم من الذنوب إن كان قد وقع ذنب بل إن وقع من أحدهم ذنب كان الله محاه بسبب قد وقع من الأسباب التى يمحص الله بها الذنوب مثل أن يكون قد كفر عنه ببلاء ابتلاه به فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذى إلا كفر الله من خطاياه
وأما من بعد هؤلاء السابقين الأولين وهم الذين أسلموا بعد الحديبية فهؤلاء دخلوا فى قوله تعالى وكلا وعد الله الحسنى وفى قوله تعالى والذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وقد أسلم قبل فتح مكة خالد ابن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحجبى وغيرهم وأسلم بعد الطلقاء أهل الطائف وكانوا آخر الناس اسلاما وكان منهم عثمان ابن أبى العاص الثقفى الذى أمره النبى صلى الله عليه و سلم على أهل الطائف وكان من خيار الصحابة مع تأخر إسلامه

(4/461)


فقد يتأخر اسلام الرجل ويكون أفضل من بعض من تقدمه بالاسلام كما تأخر اسلام عمر فانه يقال إنه أسلم تمام الاربعين وكان ممن فضله الله على كثير ممن أسلم قبله وكان عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبدالرحمن ابن عوف أسلموا قبل عمر على يد أبى بكر وتقدمهم عمر
وأول من أسلم من الرجال الأحرار البالغين أبو بكر ومن الأحرار الصبيان على ومن الموالى زيد بن حارثة ومن النساء خديجة أم المؤمينن وهذا باتفاق أهل العلم
وقد الله تعالى والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض إلى قوله تعالى والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم فهذه عامة وقال تعالى للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤا الدار الإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا

(4/462)


الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم
فهذه الآية والتى قبلها تتناول من دخل فيها بعد السابقين الأولين إلى يوم القيامة فكيف لا يدخل فيهال أصحاب رسول الله الذين آمنوا به وجاهدوا معه
وقد قال في الحديث الصحيح المهاجر من هجر ما نهى الله عنه فمن كان قد أسلم من الطلقاء وهجر ما نهى الله عنه كان له معنى هذه الهجرة فدخل في قوله تعالى والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم كما دخل في قوله تعالى وكلا وعد الله الحسنى
وقد قال تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوارة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجر عظيما فهذا يتناول الذين آمنوا مع الرسول مطلقا
وقد استفاض عن النبي في الصحاح وغيرها من غير

(4/463)


وجه أنه قال خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
وثبت عنه فى الصحيح أنه كان بين عبد الرحمن وبين خالد كلام فقال يا خالد لا تسبوا أصحابى فوالذى نفسى بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدكم ولا نصيفه قال ذلك لخالد ونحوه ممن أسلم بعد الحديبية بالنسبة الى السابقين الاولين يقول اذا أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصف مده
وهؤلاء الذين أسلموا بعد الحديبية دخلوا فى قوله تعالى لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى بهذه المنزلة
وكيف يكون بعد أصحابه والصحبة اسم جنس تقع على من صحب النبى قليلا أوكثيرا لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك فمن صحبه سنة أوشهرا أو يوما أو ساعة أو رآه مؤمنا فله من الصحبة بقدر ذلك كما ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال يغزوا فئام من الناس فيقولون هل فيكم من صحب النبى وفى لفظ هل فيكم من رأى رسول الله فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزوا فئام من الناس فيقولون هل فيكم من صحب من صحب رسول الله

(4/464)


وفى لفظ هل فيكم من رآى من رآى رسول الله فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزوا فئام من الناس فيقولون هل فيكم من رآى من رآى من رآى رسول الله صلى الله عليه و سلم وفى لفظ من صحب من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقولون نعم فيفتح لهم وفى بعض الطرق فيذكر الطبقة الرابعة كذلك
فقد علق النبى الحكم بصحبته وعلق برؤيته وجعل فتح الله على المسلمين بسبب من رآه مؤمنا به
وهذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة ولو كانت اعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابه

(4/465)


فصل
إذا تبين هذا فمن المعلوم أن الطريق التى بها يعلم إيمان الواحد من الصحابة هى الطريق التى بها يعلم إيمان نظرائه والطريق التى تعلم بها صحبته هى الطريق التى يعلم بها صحبة أمثاله فالطلقاء الذين أسلموا عام الفتح مثل معاوية وأخيه يزيد وعكرمة ابن أبي جهل وصفوان بن أمية والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وقد ثبت بالتواتر عند الخاصةإسلامهم وبقاؤهم على الإسلام إلى حين الموت ومعاوية أظهر اسلاما من غيره فإنه تولى أربعين سنة عشرين سنة نائبا لعمر وعثمان مع ما كان فى خلافة على رضى الله عنه وعشرين سنة مستوليا وأنه تولى سنة ستين بعد موت النبى بخمسين سنة وسلم اليه الحسن بن على رضى الله عنهما الامر عام أربعين الذى يقال له عام الجماعة لاجتماع الكلمة وزوال الفتنة بين المسلمين
وهذا الذى فعله الحسن رضى الله عنه مما أثنى عليه النبى كما ثبت فى صحيح البخارى وغيره عن أبى بكر رضى الله عنه أن النبى صلى

(4/466)


الله عليه وسلم قال إن ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فجعل النبى مما أثنى به على ابنه الحسن ومدحه على أن أصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وذلك حين سلم الامر الى معاوية وكان قد سار كل منهما إلى الآخر بعساكر عظيمة
فلما اثنى النبى على الحسن بالاصلاح وترك القتال دل على أن الاصلاح بين تلك الطائفتين كان أحب الى الله تعالى من فعله فدل على أن الاقتتال لم يكن مأمورا به ولو كان معاوية كافرا لم يكن تولية كافر وتسليم الامر اليه مما يحبه الله ورسوله بل دل الحديث على أن معاوية وأصحابه كانوا مؤمنين كما كان الحسن وأصحابه مؤمنين وان الذى فعله الحسن كان محمودا عند الله تعالى محبوبا مرضيا له ولرسوله وهذا كما ثبت عن النبى فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى أنه قال تمرق مارقة على حين فرقة من الناس فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق وفى لفظ فتقتلهم ادناهم الى الحق فهذا الحديث الصحيح دليل على وأن كلا الطائفتين المقتتلتين على واصحابه ومعاوية واصحابه على حق وان عليا واصحابه كانوا اقرب الى الحق من معاوية واصحابه
فإن على بن أبى طالب هو الذى قاتل المارقين وهم الخوارج الحروية الذين كانوا من شيعة على ثم خرجوا عليه وكفروه وكفروا من والده ونصبوا له العداوة وقاتلوه ومن معه وهم الذين أخبر عنهم النبى صلى الله

(4/467)


عليه وسلم فىالاحاديث الصحيحة المستفيضة بل المتواترة حيث قال فيهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قرائتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن فى قتلهم أجرا عند الله يوم القيامة آيتهم أن فيهم رجلا مخدج اليدين له عضل عليها شعرات تدردر
وهؤلاء هم الذين نصبوا العداوة لعلى ومن والاه وهم الذين استحلوا قتله وجعلوه كافرا وقتله أحد رؤوسهم عبدالرحمن بن ملجم المرادى فهؤلاء النواصب الخوارج المارقون إذ قال إن عثمان وعلي بن أبي طالب ومن معهما كانوا كفار مرتدين فإن من حجة المسلمين عليهم ما تواتر من إيمان الصحابة وما ثبت بالكتاب والسنة الصحيحة من مدح الله تعالى لهم وثناء الله عليهم ورضاه عنهم واخباره بأنهم من أهل الجنة ونحو ذلك من النصوص ومن لم يقبل هذه الحجج لم يمكنه ان يثبت إيمان علي بن أبي طالب وأمثاله
فإنه لو قال هذا الناصبى للرافضى إن كان كافرا أو فاسقا ظالما وأنه قاتل على الملك لطلب الرياسة لا للدين وأنه قتل من أهل الملة من أمة محمد بالجمل وصفين وحروراء ألوفا مؤلفة ولم يقاتل بعد وفاة النبى كافرا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة ونحو هذا الكلام الذى تقوله النواصب المبغضون لعلى رضى الله عنه

(4/468)


لم يمكن أن يجيب هؤلاء النواصب إلا أهل السنة والجماعة الذين يحبون السابقين الأولين كلهم ويوالونهم
فيقولون لهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ونحوهم ثبت بالتواتر ايمانهم وهجرتهم وجهادهم وثبت فى القرآن ثناء الله عليهم والرضى عنهم وثبت بالأحاديث الصحيحة ثناء النبى عليهم خصوصا وعموما كقوله فى الحديث المستفيض عنه لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابا بكر خليلا وقوله إنه قد كان فى الأمم قبلكم محدثون فإن يكن فى أمتى أحد فعمر وقوله عن عثمان ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة وقوله لعلى لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه وقوله لكل نبى حواريون وحوارييى الزبير وأمثال ذلك
وأما الرافضى فلا يمكنه إقامة الحجة على من يبغض عليا من النواصب كما يمكن ذلك أهل السنة الذين يحبون الجميع فإنه ان قال اسلام على معلوم بالتواتر قال له وكذلك اسلام أبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية وغيرهم وأنت تطعن فى هؤلاء إما فى اسلامهم وإما فى عدالتهم
فإن قال ايمان ثبت بثناء النبى قلنا له هذه الاحاديث إنما نقلها الصحابة الذين تطعن أنت فيهم ورواة فضائلهم سعد بن أبى

(4/469)


وقاص وعائشة وسهل بن سعد الساعدى وأمثالهم والرافضة تقدح فى هؤلاء فان كانت رواية هؤلاء وأمثالهم ضعيفة بطل كل فضيلة تروى لعلى ولم يكن للرافضة حجة وان كانت روايتهم صحيحة ثبت فضائل على وغيره ممن روى هؤلاء فضائله كأبى بكر وعمر وعثمان وغيرهم
فان قال الرافضى فضائل على متواترة عند الشيعة كما يقولون إن النص عليه بالإمامة متواتر قيل له أما الشيعة الذين ليسوا من الصحابة فانهم لم يروا النبى ولا سمعوا كلامه ونقلهم نقل مرسل منقطع ان لم يسنده الى الصحابة لم يكن صحيحا
والصحابة الذين تواليهم الرافضة نفر قليل بضعة عشر وإما نحو ذلك وهؤلاء لا يثبت التواتر بنقلهم لجواز التواطؤ على مثل هذا العدد القليل والجمهور الاعظم من الصحابة الذين نقلوا فضائلهم تقدح الرافضة فيهم ثم اذا جوزوا على الجمهور الذين أثنى عليهم القرآن الكذب والكتمان فتجويز ذلك على نفر قليل أولى وأجوز
وأيضا فاذا قال الرافضى إن أبا بكر وعمر وعثمان كان قصدهم الرياسة والملك فظلموا غيرهم بالولاية قال لهم هؤلاء لم يقاتلوا مسلما على الولاية وانما قاتلوا المرتدين والكفار وهم الذين كسروا كسرى وقيصر وفتحوا بلاد فارس وأقاموا الاسلام وأعزوا الايمان وأهله وأذلوا الكفر وأهله

(4/470)


وعثمان هو دون أبى بكر وعمر فى منزلة ومع ذلك فقد طلبوا قتله وهو فى ولايته فلم يقاتل المسلمين ولا قتل مسلما على ولايته فان جوزت على هؤلاء أنهم كانوا ظالمين فى ولايتهم أعداء الرسول كانت حجة الناصبى عليك أظهر
واذا أسأت القول فى هؤلاء ونسبتهم الى الظلم والمعاداة للرسول وطائفته كان ذلك حجة للخوارج والنواصب المارقين عليك فانهم يقولون أيما أولى أن ينسب الى طلب الرياسة من قاتل المسلمين على ولايته ولم يقاتل الكفار وابتدأهم بالقتال ليطيعوه وهم لا يطيعونه وقتل من أهل القبلة الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون البيت العتيق ويصومون شهر رمضان ويقرءون القرآن ألوفا مؤلفة ومن لم يقاتل مسلما بل أعزوا أهل الصلاة والزكاة ونصروهم وآووهم أو من قتل وهو فى ولايته لم يقاتل ولم يدفع عن نفسه حتى قتل فى داره وبين أهله رضى الله عنه فإن جوزت على مثل هذا أن يكون ظالما للملك ظالما للسلمين بولايته فتجويزك هذا على من قاتل على الولاية وقتل المسلمين عليها أولى وأحرى
وبهذا وأمثاله يتبين أن الرافضة أمة ليس لها عقل صريح ولا نقل صحيح ولا دين مقبول ولا دنيا منصورة بل هم من أعظم الطوائف كذبا وجهلا ودينهم يدخل على المسلمين كل زنديق ومرتد كما دخل فيهم النصيرية

(4/471)


والاسماعيلية وغيرهم فإنهم يعمدون الى خيار الامة يعادونهم والى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم ويعمدون الى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه والى الكذب المختلق الذى يعلم فساده يقيمونه فهم كما قال فيهم الشعبى وكان من أعلم الناس بهم لو كانوا من البهائهم لكانوا حمرا ولو كانوا من الطير لكانوا رخما
ولهذا كانوا أبهت الناس واشدهم فرية مثل ما يذكرون عن معاوية فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمره النبى كما أمر غيره وجاهد معه وكان أمينا عنده يكتب له الوحى وما اتهمه النبى صلىالله عليه وسلم فى كتابه الوحى وولاه عمر بن الخطاب الذى كان من أخبر الناس بالرجال وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ولم يتهمه فى ولايته
وقد ولى رسول الله أباه أبا سفيان إلى أن مات النبي وهو على ولايته فمعاوية خير من أبيه وأحسن إسلاما متن أبيه باتفاق المسلمين وإذا كان النبي ولى أباه فلأن تجوز ولايته بطريق الأولى والاحرى ولم يكن من أهل الردة قط ولا نسبه أحد من أهل العلم إلى الردة فالذين ينسبون هؤلاء إلى الردة هم الدذين ينسبون أبا بكر وعمر وعثمان وعامة وأهل بيعة الرضوان وغيرهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى ما لا يليق بهم

(4/472)


والذين نسوا هؤلاء إلى الردة يقول بعضهم أنه مات ووجهه إلى الشرق والصليب على وجهه وهذا مما يعلم كل عاقل أنه من أعظم الكذب والفرية عليه ولو قال قائل هذا فيمن هو دون معاوية من ملوك بنى أمية وبنى العباس كعبد الملك بن مروان وأولاده وابي جعفر المنصور وولديه الملقبين بالمهدى والهادى والرشيد وأمثالهم من الذين تولوا الخلافة وأمر المؤمنين فمن نسب واحدا من هؤلاء إلى الردة وإلى أنه مات على دين النصارى لعلم كل عاقل أنه من أعظم الناس فرية فكيف يقال مثل هذا في معاوية وأمثاله من الصحابه
بل يزيد ابنه مع ما أحدث من الاحداث من قال فيه إنه كافر مرتد فقد افترى عليه بل كان ملكا من ملوك المسلمين كسائر ملوك المسلمين وأكثر الملوك لهم حسنات ولهم سيئات وحسناتهم عظيمة وسيئاتهم عظيمة فالطاعن فى واحد منهم دون نظرائه إما جاهل وإما ظالم
وهؤلاء لهم ما لسائر المسلمين منهم من تكون حسناته أكثر من سيئاته ومنهم من قد تاب من سيئاته ومنهم من كفر الله عنه ومنهم من قد يدخله الجنة ومنهم من قد يعاقبه لسيئاته ومنهم من قد يتقبل الله فيه شفاعة نبى او غيره من الشفعاء فالشهادة لواحد من هؤلاء بالنار هو من اقوال أهل البدع والضلال

(4/473)


وكذلك قصد لعنة أحد منهم بعينه ليس هو من أعمال الصالحين والأبرار وقد ثبت عن النبى أنه قال لعن الله الخمرة وعاصرها ومعتصرها وحاملها وساقيها وشاربها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها وصح عنه أنه كان على عهد رسول الله رجل يكثر شربها يدعى حمارا وكان كلما أتى به النبى صلىالله عليه وسلم جلده فأتى به اليه ليجلده فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به النبى فقال النبى صلىالله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله وقد لعن النبى شارب الخمر عموما ونهى عن لعنة المؤمن المعين
كما أنا نقول ما قال الله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون فى بطونهم نارا فلا ينبغى لأحد أن يشهد لواحد بعينه أنه فى النار لامكان أن يتوب أو يغفر له الله بحسنات ماحية او مصائب مكفرة أوشفاعة مقبولة او يعفو الله عنه أو غير ذلك
فهكذا الواحد من الملوك أو غير الملوك وان كان صدر منه ما هو ظلم فإن ذلك لا يوجب أن نلعنه ونشهد له بالنار ومن دخل فى ذلك كان من أهل البدع والضلال فكيف اذا كان للرجل حسنات عظيمة يرجى له بها المغفرة مع ظلمه كما ثبت فى صحيح البخارى عن ابن عمر عن النبى أنه

(4/474)


قال أول جيش يغزوا قسطنطينية مغفور له وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية وكان معه فىالغزاة أبو أيوب الانصارى وتوفى هناك وقبره هناك الى الأن ولهذا كان المقتصدون من أئمة السلف يقولون فى يزيد وأمثاله إنا لا نسبهم ولا نحبهم أى لا نحب ما صدر منهم من ظلم والشخص الواحد يجتمع فيه حسنات وسيئات وطاعات ومعاصى وبر وفجور وشر فيثيبه الله على حسناته ويعاقبه على سيئاته إن شاء أو يغفر له ويحب ما فعله من الخير ويبغض ما فعل من الشر
فأما من كانت سيئاته صغائر فقد وافقت المعتزلة على أن الله يغفرها
وأما صاحب الكبيرة فسلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة لا يشهدون له بالنار بل يجوزون أن الله يغفر له كما قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فهذه فى حق من لم يشرك فإنه قيدها بالمشيئة وأما قوله تعالى قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا فهذا فى حق من تاب ولذلك أطلق وعم
والخوارج والمعتزلة يقولون إن صاحب الكبيرة يخلد فى النار ثم انهم

(4/475)


قد يتوهمون فى بعض الأخيار أنه من أهل الكبائر كما تتوهم الخوارج فى عثمان وعلى وأتباعهما أنهم مخلدون فى النار كما يتوهم بعض ذلك فى مثل معاوية وعمرو ابن العاص وأمثالهما وينبون مذاهبهم على مقدمتين باطلتين
إحداهما أن فلانا من أهل الكبائر
والثانية أن كل صاحب كبيرة يخلد في النار
وكلا القولين باطل وأما الثاني فباطل على الإطلاق وأما الأول فقد يعلم بطلانه وقد يتوقف فيه
ومن قال عن معاوية وأمثاله ممن ظهرا اسلامه وصلاته وحجه وصيامه أنه لم يسلم وأنه كان مقيما على الكفر فهو بمنزلة من يقول ذلك فى غيره كما لو ادعى مدع ذلك فى العباس وجعفر وعقيل وفى أبى بكر وعمر وعثمان وكما لو ادعى أن الحسن والحسين ليسا ولدى على بن أبى طالب إنما هما أولاد سلمان الفارسى ولو ادعى أن النبى لم يتزوج ابنة أبى بكر وعمر ولم يزوج بنتيه عثمان بل إنكار إسلام معاوية أقبح من إنكار هذه الأمور فان منها مالا يعرفه إلا العلماء
وأما إسلام معاوية وولايته علىالمسلمين والإمارة والخلافة فأمر يعرفه جماهير الخلق ولو أنكر منكر إسلام علىأو إدعى بقاءه على الكفر لم يحتج

(4/476)


عليه الا بمثل ما يحتج به على من أنكر إسلام أبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية وغيرهم وان كان بعضهم أفضل من بعض فتفاضلهم لا يمنع اشتراكهم فى ظهور إسلامهم
وأما قول القائل إيمان معاوية كان نفاقا فهو أيضا من الكذب المختلق فإنه ليس فى علماء المسلمين من اتهم معاوية بالنفاق بل العلماء متفقون على حسن إسلامه وقد توقف بعضهم فى حسن اسلام أبى سفيان أبيه وأما معاوية وأخوه يزيد فلم يتنازعوا فى حسن إسلامهما كما لم يتنازعوا فى حسن إسلام عكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمتة وأمثالهم من مسلمة الفتح وكيف يكون رجلا متوليا على المسلمين أربعين سنة نائبا ومستقلا يصلى بهم الصلوات الخمس ويخطب ويعظهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقيم فيهم الحدود ويقسم بينهم فيئهم ومغانمهم وصدقاتهم ويحج بهم ومع هذا يخفى نفاقه عليهم كلهم وفيهم من أعيان الصحابة جماعة كثيرة
بل أبلغ من هذا أنه ولله الحمد لم يكن من الخلفاء الذين لهم ولاية عامة من خلفاء بنى أمية وبنى العباس أحد يتهم بالزندقة والنفاق وبنو أمية لم ينسب أحد منهم الى الزندقة والنفاق وإن كان قد ينسب الرجل منهم الى نوع من البدعة أو نوع من الظلم لكن لم ينسب أحدا منهم من أهل العلم الى زندقة ونفاق

(4/477)


وإنما كان المعروفون بالزندقة والنفاق بنى عبيد القداح الذين كانوا بمصر والمغرب وكانوا يدعون انهم علويون وإنما كانوا من ذرية الكفار فهؤلاء قد اتفق أهل العلم على رميهم بالزندقة والنفاق وكذلك رمى بالزندقة والنفاق قوم من ملوك النواحى الخلفاء من بنى بويه وغير بنى بويه فأما خليفة عام الولاية فى الإسلام فقد طهر الله المسلمين أن يكون ولى أمرهم زنديقا منافقا فهذا مما ينبغى أن يعلم ويعرف فإنه نافع فى هذا الباب
وإتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة فان الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة وهو أول الملوك كان ملكه ملكا ورحمة كما جاء فى الحديث يكون الملك نبوة ورحمة ثم تكون خلافة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض وكان فى ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيرا من ملك غيره
وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة فإنه قد ثبت عن النبى أنه قال تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا وكان أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون الذين قال فيهم النبى صلى الله عليه و سلم عليكم بسنتى وسنة الخلفاء

(4/478)


الراشدين من بعدى تمسكوا بها وعضواعليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وقد تنازع كثير من الناس فى خلافة على وقالوا زمانه زمان فتنة لم يكن فى زمانه جماعة وقالت طائفة يصح أن يولى خليفتان فهو خليفة ومعاوية خليفة لأن الامة لم تتفق عليه ولم تنتظم فى خلافته
والصحيح الذى عليه الأئمة أن عليا رضى الله عنه من الخلفاء الراشدين بهذا الحديث فزمان على كان يسمى نفسه أمير المؤمنين والصحابة تسميه بذلك قال الإمام أحمدج بن حنبل من لم يربع بعلى رضى الله عنه فى الخلافة فهو أضل من حمار أهله ومع هذا فلكل خليفة مرتبة
فأبو بكر وعمر لا يوازنهما أحد كما قال النبى اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر ولم يكن نزاع شيعة على الذين صحبوه فى تقديم أبى بكر وعمر وثبت عن على من وجوه كثيرة أنه قال لا أوتى برجل يفضلنى على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى
وإنما كانوا يتنازعون فى عثمان وعلى رضى الله عنهما لكن ثبت تقديم عثمان على على باتفاق السابقين على مبايعة عثمان طوعا بلا كره بعد أن جعل عمر الشورى فى ستة عثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد

(4/479)


وعبدالرحمن بن عوف وتركها ثلاثة وهم طلحة والزبير وسعد فبقيت فى ثلاثة عثمان وعلى وعبد الرحمن فولى أحدهما فبقى عبد الرحمن يشاور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ثلاثة أيام ثم أخبر أنهم لم يعدلوا بعثمان
ونقل وفاته وولايته حديث طويل فمن أراده فعليه بأحاديث الثقات والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وسلم

(4/480)


قال شيخ الاسلام رحمه الله
فصل افترق الناس فى يزيد بن معاوية بن أبى سفيان ثلاث فرق طرفان ووسط
فأحد الطرفين قالوا إنه كان كافرا منافقا وأنه سعى فى قتل سبط رسول الله تشفيا من رسول الله وانتقاما منه وأخذا بثأر جده عتبة وأخى جده شيبة وخاله الوليد بن عتية وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبى بيد على بن أبى طالب وغيره يوم بدر وغيرها وقالوا تلك أحقاد بدرية وآثار جاهلية وأنشدوا عنه ... لما بدت تلك الخمول وأشرفت ... تلك الرؤوس على ربى جيرون ... نعق الغراب فقلت نح أولا تنح ... فلقد قضيت من النبى ديونى ...
وقالوا أنه تمثل بشعر ابن الزبعرى الذى أنشده يوم أحد ... ليت أشياخى ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل

(4/481)


قد قتلنا الكثير من أشياخهم ... وعدلناه ببدر فاعتدل ...
وأشياء من هذا النمط ... وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان فتكفير يزيد أسهل بكثير
والطرف الثانى يظنون أنه كان رجلا صالحا وإمام عدل وانه كان من الصحابه الذين ولدواعلى عهد النبى وحمله على يديه وبرك عليه وربما فضله بعضهم على ابى بكر وعمر وربما جعله بعضهم نبيا ويقولون عن الشيخ عدى او حسن المقتول كذبا عليه إن سبعين وليا صرفت وجوههم عن القبلة لتوقفهم فى يزيد
وهذا قول غالية العدوية والأكراد ونحوهم من الضلال فان الشيخ عديا كان من بنى أمية وكان رجلا صالحا عابدا فاضلا ولم ويحفظ عنه أنه دعاهم الا إلى السنة التى يقولها غيره كالشيخ أبى الفرج المقدسى فإن عقيدته موافقة لعقيدته لكن زادوا فى السنة أشياء كذب وضلال من الأحاديث الموضوعة والتشبيه الباطل والغلو فى الشيخ عدى وفى يزيد والغلو فى ذم الرافضة بأنه لا تقبل لهم توبة وأشياء أخر وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسير المتقدمين ولهذا لا ينسب الى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة ولا الى ذى عقل من العقلاء الذين لهم رأى وخبرة

(4/482)


والقول الثالث أنه كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد إلا فى خلافة عثمان ولم يكن كافرا ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين وفعل ما فعل بأهل الحرة ولم يكن صاحبا ولا من أولياء الله الصالحين وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة
ثم افترقوا ثلاث فرق فرقة لعنته وفرقة أحبته وفرقة لا تسبه ولا تحبه وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين
قال صالح بن أحمد قلت لأبي إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد فقال يا بنى وهل يجب يزيد أحد يؤمن بالله والآخر فقلت يا أبت فلماذا لا تلعنه فقال يا بنى ومتى رأيت أباك يلعن أحدا
وقال مهنا سألت أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فقال هو الذي فعل بالمدينة ما فعل قلت وما فعل قال قتل من أصحاب رسول الله وفعل قلت وما فعل قال نهبها قلت فيذكر عنه الحديث قال لا يذكر عنه حديث وهكذا ذكر القاضى أبو يعلى وغيره
وقال أبو محمد المقدسي لما سئل عن يزيد فيما بلغنى لا يسب ولا يحب
وبلغنى أيضا أن جدنا أبا عبد الله بن تيمية سئل عن يزيد فقال لاتنقص ولا تزيد وهذا أعدل الأقوال فيه وفي أمثاله وأحسنها

(4/483)


وهذا كما أن نصوص الوعيد عامة فى أكل أموال اليتامى والزانى والسارق فلا نشهد بها عامة على معين بأنه من أصحاب النار لجواز تخلف المقتضى عن المتقضى لمعارض راجح إما توبة وإما حسنات ماحية وإما مصائب مكفرة وإما شفاعة مقبولة واما غير ذلك كما قررناه فى غير هذا الموضع فهذه ثلاثة مآخذ
ومن اللاعنين من يرى أن ترك لعنته مثل ترك سائر المباحات من فضول القول لا لكراهة فى اللعنة وأما ترك محبته فلأن المحبة الخاصة إنما تكون للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وليس واحدا منهم وقد قال النبى صلى الله عليه و سلم المرء مع من أحب ومن آمن بالله واليوم الآخر لا يختار أن يكون مع يزيد ولا مع أمثاله من الملوك الذين ليسوا بعادلين

(4/484)


ولترك المحبة مأخذان
أحدهما أنه لم يصدر عنه من الأعمال الصالحة ما يوجب محبته فبقى واحدا من الملوك المسلطين ومحبة أشخاص هذا النوع ليست مشروعة وهذا المأخذ ومأخذ من لم يثبت عنده فسقه اعتقد تأويلا
والثاني أنه صدر عنه ما يقتضى ظلمه وفسقه في سيرته وأمر الحسين وأمر أهل الحرة
وأما الذين لعنوه من العلماء كأبىالفرج بن الجوزى والكيا الهراس وغيرهما فلما صدر عنه من الأفعال التى تبيح لعنته ثم قد يقولون هو فاسق وكل فاسق يلعن وقد يقولون بلعن صاحب المعصية وإن لم يحكم بفسقه كما لعن أهل صفين بعضهم بعضا فى القنوت فلعن على وأصحابه فى قنوت الصلاة رجالا معينين من أهل الشام وكذلك أهل الشام لعنوا مع أن المقتتلين من أهل التأويل السائغ العادلين والباغين لا يفسق واحد منهم وقد يلعن لخصوص ذنوبه الكبار وإن كان لا يلعن سائر االفساق كما لعن الرسول الله أنواعا من أهل المعاصى وأشخاصا من العصاة وان لم يلعن جميعهم فهذه ثلاثة مآخذ للعنته
وأما الذين سوغوا محبته أو أحبوه كالغزالى والدستى فلهم مأخذان

(4/485)


أحدهما أنه مسلم ولى أمر الأمة على عهد الصحابة وتابعه بقاياهم وكانت فيه خصال محمودة وكان متأولا فيما ينكر عليه من أمر الحرة وغيره فيقولون هو مجتهد مخطئ ويقولون إن أهل الحرة هم نقضوا بيعته أولا وأنكر ذلك عليهم ابن عمر وغيره وأما قتل الحسين فلم يأمر به ولم يرضى به بل ظهر منه التألم لقتله وذم من قتله ولم يحمل الرأس اليه وإنما حمل الى ابن زياد
والمأخذ الثانى أنه قد ثبت فى صحيح البخارى عن ابن عمر أن رسول الله قال أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له وأول جيش غزاها كان أميره يزيد
والتحقيق ان هذين القولين يسوغ فيهما الإجتهاد فان اللعنة لمن يعمل المعاصى مما يسوغ فيها الإجتهاد وكذلك محبة من يعمل حسنات وسيئات بل لا يتنافا عندنا أن يجتمع فىالرجل الحمد والذم والثواب والعقاب كذلك لا يتنافا أن يصلى عليه ويدعى له وأن يلعن ويشتم أيضا باعتبار وجهين
فإن أهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة وإن دخلوا النار أو استحقوا دخولها فإنهم لا بد أن يدخلوا الجنة فيجتمع فيهم الثواب والعقاب ولكن الخوارج والمعتزلة تنكر ذلك وترى أن من استحق الثواب لا يستحق العقاب لا يستحق الثواب والمسئلة مشهورة وتقريرها في غير هذا الموضع

(4/486)


وأما جواز الدعاء للرجل وعليه فبسط هذه المسألة فى الجنائر فإن موتى المسلمين يصلى عليهم برهم وفاجرهم وان لعن الفاجر مع ذلك بعينه أو بنوعه لكن الحال الاول أوسط وأعدل وبذلك أجبت مقدم المغل بولاى لما قدموا دمشق فى الفتنة الكبيرة وجرت بينى وبينه وبين غيره مخاطبات فسألنى فيما سألنى ما تقولون فى يزيد فقلت لا نسبه ولا نحبه فإنه لم يكن رجلا صالحا فنحبه ونحن لا نسب أحدا من المسلمين بعينه فقال أفلا تلعنونه أما كان ظالما أما قتل الحسين
فقلت له نحن اذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال الله فى القرآن الا لعنة الله على الظالمين ولا نحب أن نلعن أحدا بعينه وقد لعنه قوم من العلماء وهذا مذهب يسوغ فيه الإجتهاد لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن
وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضى بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا
قال فما تحبون أهل البيت قلت محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه فإنه قد ثبت عندنا فى صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال خطبنا رسول الله بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة فقال أيها الناس إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله فذكر كتاب الله وحض عليه ثم قال وعترتى

(4/487)


أهل بيتى أذكركم فى أهل بيتى أذكركم الله فى أهل بيتى قلت لمقدم ونحن نقول فى صلاتنا كل يوم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ابراهيم انك حميد مجيد قال مقدم فمن يبغض أهل البيت قلت من أبغضهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا
ثم قلت للوزير المغولى لأى شيء قال عن يزيد وهذا تترى قال قد قالوا له ان أهل دمشق نواصب قلت بصوت عال يكذب الذى قال هذا ومن قال هذا فعلية لعنة الله والله ما فى أهل دمشق نواصب وماعلمت فيهم ناصبيا ولو تنقض أحد عليا بدمشق لقام المسلمون عليه لكن كان قديما لما كان بنو أمية ولاة البلاد بعض بنو أمية ينصب العداوة لعلى ويسبه وأما اليوم فما بقى من أولئك أحد

(4/488)


سئل
عن جماعة اجتمعوا على امور متنوعة فى الفساد ومنهم من يقول ان الدين فسد من قبل هذه وهو حين أخذت الخلافة من على بن أبى طالب فان الذين تولوا مكانه لم يكونوا أهلا للولاية فلم تصح توليتهم ولم يصح للمسلمين بعد ذلك عقد من عقودهم لا عقد نكاح ولا غيره وأن جميع من تزوج بعد تلك الواقعة فنكاحه فاسد وكذلك العقود جميعها فاسدة والولايات وغيرها
ويزعم قائل هذا أن الله صليب وأن كل حرف من الجلالة على رأس خط من خطوط الصليب ويقرر للناس أن اليهود والنصارى على حق وكذلك المجوس وغيرهم
فأجاب
رحمه الله تعالى أما هذا الجاهل فهو شبيه فى جهله بالرافضة الذين يكذبون وخرافاتهم التىلا تروج الا على جاهل لا يعرف أصول الاسلام كالذين ذكروا فى هذا السؤال
وقيل انهم يقولون أن الدين فسد من حين أخذت الخلافة من على وذلك

(4/489)


من حين موت النبى وأن الخلفاء الراشدين لم يكونوا أهلا للولاية وأن عقود المسلمين باطلة وأن الله صليب ويقرر دين اليهود والنصارى والمجوس فإن هذا زنديق من شر الزنادقة من جنس قرامطة الباطنية كالنصرية والاسماعيلية وأتباعهم
ولهذا يتكلم بالتناقض فإن من يقرر دين اليهود والنصارى والمجوس ويطعن فى دين الخلفاء الراشدين المهديين والسابقين الاولين من المهاجرين والانصار لا يكون الا من أجهل الناس واكفرهم ولو كان من المؤمنين الذين يعلمون أن هذه الامة خير امة أخرجت للناس وان خير الامة القرن الاول ثم الذين يلونه لما كان مقررا لدين الكفار طاعنا فى دين المهاجرين والانصار والرد على هذا ونحوه مبسوط فىغير هذا الموضع
وقد ذكرنا فى ذلك فى الرد علىالرافضة مالا يتسع له هذا الموضع ومثل هذا القول لا يقوله من يؤمن بأن محمدا رسول الله فنجيب من يقر أن محمدا رسول الله فنبين له مما جاء به ما يزيل شبهته فأما من يطعن فى نبوته فنكلمه من وجه آخر ولكل مقام مقال

(4/490)


سئل رحمه الله
هل يصح عند أهل العلم أن عليا رضي الله عنه قاتل الجن في البئر ومد يده يوم خيبر فعبر العسكر عليها وأنه حمل في الأحزاب فافترقت قدامه سبع عشرة فرقة وخلف كل فرقة رجل يضرب بالسيف يقول أنا على وأنه كان له سيف يقال له ذو الفقار وكان يمتد ويقصر وإنه ضرب به مرحبا وكان على رأسه جرن من رخام فقصم له ولفرسه بضربة واحدة ونزلت الضربة في الأرض ومناد ينادى في الهواء لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على وأنه رمى في المنجنيق إلى حصن الغراب وإنه بعث إلى كل نبى سرا وبعث مع النبي جهرا وإنه كان يحمل في خمسين ألفا وفي عشرين ألفا وفي عشرين ألفا وفي ثلاثين ألفا وحده وأنه لما برز إليه مرحب من خيبر ضربه ضربة واحدة فقد طولا وقد الفرس عرضا ونزل السيف في الأرض ذراعين أو ثلاثة وأنه مسك حلقة باب خيبر وهزها فاهتزت المدينة ووقع من على السور شرفات فهل صح من ذلك شيء
أجاب الحمد لله هذه الأمور المذكورة كذب مختلق باتفاق أهل العلم والإيمان

(4/491)


لم يقاتل على ولا غيره من الصحابة الجن ولا قاتل أحد من الإنس لا فى بئر ذات العلم ولا غيرها
والحديث المروى فى قتاله للجن موضع مكذوب بإتفاق أهل المعرفة ولم يقاتل على قط على عهد رسول الله لعسكر كان خمسين ألفا أو ثلاثين ألفا فضلا عن أن يكون وحده قد حمل فيهم
ومغازيه التى شهدها مع رسول الله وقاتل فيها كانت تسعة بدرا وأحدا والخندق وخيبر وفتح مكة ويوم حنين وغيرها
وأكثر ما يكون المشركون فى الأحزاب وهى الخندق وكانوا محاصرين للمدينة ولم يقتتلوا هم والمسلمون كلهم وإنما كان يقتتل قليل منهم وقليل من الكفار وفيها قتل على عمرو بن عبدود العامرى ولم يبارز على وحده قط إلا واحدا ولم يبارز إثنين
وأما مرحب يوم خيبر فقد ثبت فى الصحيح أن النبى قال لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فأعطاها لعلى وكانت أيام خيبر أياما متعددة وحصونها فتح على يد على رضى الله عنه بعضها
وقد روى أثر أنه قتل مرحبا وروى انه قتله محمد بن مسلمة ولعلهما مرحبان وقتله القتل المعتاد ولم يقده جميعه ولا قد الفرس ولا نزل

(4/492)


السيف الى الارض ولا نزل لعلى ولا لغيره سيف من السماء ولا مديده ليعبر الجيش ولا اهتز سور خيبر لقلع الباب ولا وقع شيء من شرفاته وان خيبر لم تكن مدينة وانما كانت حصونا متفرقة ولهم مزارع
ولكن المروى انه ما قلع باب الحصن حتى عبره المسلمون ولا رمى فى منجنيق قط وعامة هذه المغازى التى تروى عن على وغيره قد زادوا فيها أكاذيب كثيرة مثل ما يكذبون فى سيرة عنترة والأبطال
وجميع الحروب التى حضرها على رضى الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثة حروب الجمل وصفين وحرب أهل النهروان والله أعلم

(4/493)


سئل عمن قال إن عليا قاتل الجن فى البئر وأنه حمل على اثنى عشر الفا وهزمهم
فأجاب
لم يحمل أحد من الصحابة وحده لا فى اثنى عشر الفا ولا فى عشرة آلاف لا على ولا غيره بل أكثر عدد اجتمع على النبى هم الاحزاب الذين حاصروه بالخندق وكانوا قريبا من هذه العدة وقتل على رجلا من الاحزاب إسمه عمرو بن عبدود العامرى
ولم يقاتل أحد من الإنس للجن لا على ولا غيره بل على كان أجل قدرا من ذلك والجن الذين يتبعون الصحابة يقاتلون كفار الجن لا يحتاجون فى ذلك الى قتال الصحابة معهم

(4/494)


سئل
عن فاطمة أنها أتت النبى صلى الله عليه و سلم وقالت يا رسول الله إن عليا يقوم الليالى كلها إلا ليلة الجمعة فانه يصلى الوتر ثم ينام الى أن يطلع الفجر فقال إن الله يرفع روح على كل ليلة جمعة تسبح فى السماء الى طلوع الفجر فهل ذلك صحيح أم لا وهل هذا صحيح عن على أنه قال اسألونى عن طرق السماء فإنى أعرف بها من طرق الارض
فأجاب
وأما الحديث المذكور عن على فكاذب ما رواه أحد من أهل العلم وأما قوله إسألونى عن طرق السماء قإنه قاله ولم يرد بذلك طريقا للهدى وإنما يريد هذا الكلام الاعمال الصالحة التى يتقرب بها والله أعلم

(4/495)


سئل رحمه الله
عن رجل قال عن على بن أبى طالب رضى الله عنه انه ليس من أهل البيت ولا تجوز الصلاة عليه والصلاة عليه بدعة
فأجاب
أما كون على بن أبى طالب من أهل البيت فهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين وهو أظهر عند المسلمين من أن يحتاج الى دليل بل هو أفضل أهل البيت وأفضل بنى هاشم بعد النبى وقد ثبت عن النبى أنه أدار كساءه على على وفاطمة وحسن وحسين فقال اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا
وأما الصلاة عليه منفردا فهذا ينبنى على أنه هل يصلى على غير النبى منفردا مثل أن يقول اللهم صل على عمرأوعلى وقد تنازع العلماء فى ذلك
فذهب مالك والشافعى وطائفة من الحنابلة الى أنه لا يصلى على غير النبى منفردا كما روى عن ابن عباس أنه قال لا أعلم الصلاة تنبغى على أحد الا على النبى

(4/496)


وذهب الإمام أحمد أكثر أصحابه الى أنه لا بأس بذلك لأن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال لعمر بن الخطاب صلى الله عليك وهذا القول أصح وأولى
ولكن افراد واحد من الصحابة والقرابة كعلى أو غيره بالصلاة عليه دون غيره مضاهاة للنبى صلى الله عليه و سلم بحيث يجعل ذلك شعارا معروفا بإسمه هذا هو البدعة

(4/497)


سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه
هل صح عند أحد من أهل العلم والحديث أومن يقتدى به فى دين الإسلام ان أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه قال اذا أنا مت فأركبونى فوق ناقتى وسيبونى فأينما بركت أدفنونى فسارت ولم يعلم أحد قبره فهل صح ذلك أم لا وهل عرف أحد من أهل العلم أين دفن أم لا وما كان سبب قتله وفى أى وقت كان ومن قتله
ومن قتل الحسين وما كان سبب قتله وهل صح أن أهل بيت النبى سبوا وأنهم أركبوا علىالإبل عراة ولم يكن عليهم ما يسترهم فخلق الله تعالى للإبل التى كانوا عليها سنامين إستتروا بها وأن الحسين لما قطع رأسه داروا به فى جميع البلاد وأنه حمل الى دمشق وحمل الى مصر ودفن بها وأن يزيد بن معاوية هو الذى فعل هذا بأهل البيت فهل صح ذلك أم لا
وهل قائل هذه المقالات مبتدع بها فى دين الله وما الذى يجب عليه اذا

(4/498)


تحدث بهذا بين الناس وهل اذا أنكر هذا عليه منكر هل يسمى آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر أم لا أفتونا مأجورين وبينوا لنا بيانا شافيا
فأجاب
الحمد لله رب العالمين أما ما ذكر من توصية أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه اذا مات أركب فوق دابته وتسيب ويدفن حيث تبرك وأنه فعل ذلك به فهذا كذب مختلق باتفاق أهل العلم لم يوص على بشئ من ذلك ولا فعل به شئ من ذلك ولم يذكر هذا أحد من المعروفين بالعلم والعدل وإنما يقول ذلك من ينقل عن بعض الكذابين
ولا يحل أن يفعل هذا بأحد من موتى المسلمين ولا يحل لأحد أن يوصى بذلك بل هذا مثله بالميت ولا فائدة فى هذا الفعل فإنه ان كان المقصود تعمية قبره فلا بد اذا بركت الناقة من أن يحفر له قبر ويدفن فيه وحينئذ يمكن أن يحفر له قبر ويدفن به بدون هذه المثلة القبيحة وهو أن يترك ميتا على ظهر دابة تسير فى البرية
وقد تنازع العلماء فى موضع قبره والمعروف عند أهل العلم أنه دفن بقصر الإمارة بالكوفة وأنه أخفى قبره لئلا ينبشه الخوارج الذين كانوا يكفرونه ويستحلون قتله فإن الذى قتله واحد من الخوارج وهو عبد الرحمن

(4/499)


ابن ملجم المرادى وكان قد تعاهد هو وآخران على قتل على وقتل معاوية وقتل عمرو بن العاص فانهم يكفرون وهؤلاء كلهم وكل من لا يوافقهم على أهوائهم
وقد تواترت النصوص عن النبى بذمهم خرج مسلم فى صحيحه حديثهم من عشرة أوجه وخرجه البخارى من عدة أوجه وخرجه أصحاب السنن والمساند من أكثر من ذلك قال صلى الله عليه و سلم فيهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وفى رواية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن فى قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة يقتلون أهل الاسلام
وهؤلاء إتفق الصحابة رضى الله عنهم على قتالهم لكن الذى باشر قتالهم وأمر به على رضى الله عنه كما فى الصحيحين عن أبى سعيد عن النبى قال تمرق مارقة على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق فقتلهم على رضى الله عنه بالنهروان وكانوا قد إجتمعوا فى مكان يقال له حروراء ولهذا يقال لهم الحرورية
وأرسل إليهم ابن عباس فناظرهم حتى رجع منهم نحو نصفهم ثم ان الباقين قتلوا عبد الله بن خباب وأغاروا على سرح المسلمين فأمر

(4/500)


على الناس بالخروج الى قتالهم رورى لهم أمر النبى بقتالهم وذكر العلامة التى فيهم أن فيهم رجلا مخدج اليدين ناقص اليد على ثديه مثل البضعة من اللحم تدردر ولما قتلوا وجد فيهم هذا المنعوت
فلما إتفق الخوارج الثلاثة على قتل أمراء المسلمين الثلاثة قتل عبد الرحمن بن ملجم عليا رضى الله عنه يوم الجمعة سابع عشر شهر رمضان عام أربعين اختبأ له فحين خرج لصلاة الفجر ضربه وكانت السنة أن الخلفاء ونوابهم الأمراء الذين هم ملوك المسلمين هم الذين يصلون بالمسلمين الصلوات الخمس والجمع والعيدين والاستسقاء والكسوف ونحو ذلك كالجنائز فأمير الحرب هو أمير الصلاة الذى هو إمامها
وأما الذى أراد قتل معاوية فقالوا انه جرحه فقال الطبيب أنه يمكن علاجك لكن لا يبقى لك نسل ويقال أنه من حينئذ إتخذ معاوية المقصورة فى المسجد وإقتدى به الأمراء ليصلوا فيها هم وحاشيتهم خوفا من وثوب بعض الناس على أمير المؤمنين وقتله وان كان قد فعل فيها مع ذلك مالا يسوغ وكره من كره الصلاة فى نحو هذه المقاصير
وأما الذى أراد قتل عمرو بن العاص فإن عمرا كان قد إستخلف ذلك اليوم رجلا إسمه خارجة فظن الخارجى أنه عمرو وقتله فلما تبين له قال أردت عمرا وأراد الله خارجة فصارت مثلا

(4/501)


فقيل إنهم كتموا قبر على وقبر معاوية وقبر عمرو خوفا عليهم من الخوارج ولهذا دفنوا معاوية داخل الحائط القبلى من المسجد الجامع فى قصر الإمارة الذى كان يقال له الخضراء وهو الذى تسميه العامة قبر هود وهود بإتفاق العلماء لم يجئ الى دمشق بل قبره ببلاد اليمن حيث بعث وقيل بمكة حيث هاجر ولم يقل أحد إنه بدمشق
وأما معاوية الذى هو خارج باب الصغير فإنه معاوية بن يزيد يزيد الذى تولى نحو أربعين يوما وكان فيه زهد ودين فعلى دفن هناك وعفى قبره فلذلك لم يظهر قبره
وأما المشهد الذى بالنجف فأهل المعرفة متفقون على أنه ليس بقبر على بل قيل أنه قبر المغيرة بن شعبة ولم يكن أحد يذكر أن هذا قبر على ولا يقصده أحد أكثر من ثلاثمائة سنة مع كثرة المسلمين من أهل البيت والشيعة وغيرهم وحكمهم بالكوفة
وإنما اتخذوا ذلك مشهدا فى ملك بنى بويه الأعاجم بعد موت على بأكثر من ثلاثمائة سنة ورووا حكاية فيها أن الرشيد كان يأتى الى تلك وأشياء لا تقوم بها حجة
وأما السؤال عن سبى أهل البيت واركابهم الإبل حتى لها سنامان وهى البخاتى ليستتروا بذلك فهذا من أقبح الكذب وأبينه وهو مما إفتراه الزنادقة

(4/502)


والمنافقون الذين مقصودهم االطعن فى الإسلام وأهله من أهل البيت وغيرهم فان من سمع مثل هذا وشهرته وما فيه من الكذب قد يظن أو يقول ان المنقول إلينا من معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء هو من هذا الجنس ثم اذا تبين أن الامة سبت أهل بيت نبيها كان فيها الطعن فى خير أمة أخرجت للناس مالا يعلمه الا الله اذ كل عاقل يعلم أن الإبل البخاتى كانت مخلوقة موجودة قبل أن يبعث الله النبى صلى الله عليه و سلم وقبل وجود أهل البيت كوجود غيرها من الإبل والغنم والبقر والخيل والبغال والمعز
وإنما هذا الكذب نظير كذبهم بأن عليا رضى الله عنه نصب يده بخيبر فوطئته البغلة فقال لها قطع الله نسلك فان كل عاقل يعلم ان البغلة لم يكن لها نسل قط هذا مع أنهم لم يكن معهم بخيبر بغلة بل لم يكن للمسلمين بغال وأول بغلة صارت لهم التى أهداها المقوقس صاحب مصر للنبى حتى مات وهى عنده
وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى أنه قال صنفان من أهل النار من أمتى لم أرهما بعد نساء كاسيات مائلات مميلات على رؤوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله فالنبى شبه أصحاب العصائب الكبار التى ستكون بعد موته بأسنمة البخاتى فلولا أنهم يعرفونها لم يفهموا وهذه العصائب قد

(4/503)


ظهرت بعده بمدة طويلة فى هذا الزمان ونحوه ثم إن البخاتى لا يستتر راكبها إذا كان عاريا ولو شاء الله أن يستتر من عرى بغير حق لستره بما يصلح له كما ستر إبراهيم الخليل لما جرد وألقى فى المنجنيق
ومما يبين ظهور الكذب فى هذا أن المسلمين ما زالوا يسبون الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ومع هذا فما علم أنهم قط كانوا يرحلون النساء مجردات بادية أبدانهن بل غاية ما يظهر من المرأة المسبية وجهها أو يداها أو قدمها
ولم يعلم فى الإسلام ان أهل البيت سبى أحدا منهم أحد من المسلمين فى وقت من الأوقات مع العلم بأنهم من أهل البيت اللهم إلا أن يقع فى أثناء ما تسبيه المسلمون من لا يعلم أنه من أهل البيت كامرأة سباها العدو ثم استنقذها المسلمون واذا تبين أنها كانت حرة الاصل أرسلوها وان كان فى ضمن ذلك من لا يعرف من يخفى نسبها ويستحل منها ما حرم الله من هو زنديق منافق فالله أعلم بحقيقة ذلك لكن لم يكن شئ من ذلك علانية فى الإسلام قط
وهذا مما يقوله هؤلاء الجهال أن الحجاج بن يوسف قتل الأشراف وأراد قطع دابرهم وهذا من الجهل بأحوال الناس فإن الحجاج مع كونه مبيرا سفاكا للدماء قتل خلقا كثيرا لم يقتل من أشراف بنى هاشم أحدا قط بل سلطانه عبد الملك بن مراون نهاه عن التعرض لبنى هاشم وهم الإشراف وذكر أنه أتى إلى الحرب لما تعرضوا لهم يعنى لما قتل الحسين

(4/504)


ولا يعلم فى خلافة عبد الملك والحجاج نائبه على العراق أنه قتل أحدا من بنى هاشم
والذى يذكر لنا السبى أكثر ما يذكر مقتل الحسين وحمل أهله إلى يزيد لكنهم جهال بحقيقة ما جرى حتى يظن الظان منهم أن أهله حملوا الى مصر وانهم قتلوا بمصر وأنهم كانوا خلقا كثيرا حتى إن منهم من اذا رأى موتى عليهم آثار القتل قال هؤلاء من السبى الذين قتلوا وهذا كله جهل وكذب والحسين رضى الله عنه ولعن من قتله ورضى بقتله قتل يوم عاشوراء عام إحدى وستين
وكان الذى حصن على قتله الشمر بن ذى الجوشن صار يكتب فى ذلك الى نائب السلطان على العراق عبيد الله بن زياد وعبيد الله هذا أمر بمقاتلة الحسين نائبه عمر بن سعد بن أبى وقاص بعد ان طلب الحسين منهم ما طلبه آحاد المسلمين لم يجئ معه مقاتلة فطلب منهم أن يدعوه الى ان يرجع الى المدنية أو يرسلوه الى يزيد بن عمه أو يذهب الى الثغر يقاتل الكفار فإمتنعوا إلا أن يستأسر لهم أو يقاتلوه فقاتلوه حتى قتلوه وطائفة من أهل بيته وغيرهم
ثم حملوا ثقله وأهله الى يزيد بن معاوية الى دمشق ولم يكن يزيد أمرهم بقتله ولا ظهر منه سرور بذلك ورضى به بل قال كلاما فيه ذما لهم حيث نقل عنه انه قال لقد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين وقال

(4/505)


لعن الله ابن مرجانة يعنى عبيد بن زياد والله لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله يريد بذلك الطعن فى إستلحافه حيث كان أبوه زياد استلحق حتى كان ينتسب الى أبى سفيان صخر بن حرب وبنو أمية وبنو هاشم كلاهما بنوا عبد مناف
وروى أنه لما قدم على يزيد ثقل الحسين وأهله ظهر فى داره البكاء والصراخ لذلك وأنه أكرم أهله وأنزلهم منزلا حسنا وخير ابنه عليا بين أن يقيم عنده وبين أن يذهب الى المدينة فإختار المدينة والمكان الذى يقال له سجن على بن الحسين بجامع دمشق باطل لا أصل له
لكنه مع هذا لم يقم حد الله على من قتل الحسين رضى الله عنه ولا انتصر له بل قتل أعوانه لإقامة ملكه وقد نقل عنه أنه تمثل فى قتل الحسين بأبيات تقتضى من قائلها الكفر الصريح كقوله ... لما بدت الحمول وأشرفت ... تلك الرؤوس الى ربى جيرون ... نعق الغراب فقلت نح أولا تنح ... فلقد قضيت من النبى ديونى ...
وهذا الشعر كفر
ولا ريب أن يزيد تفاوت الناس فيه فطائفة تجعله كافرا بل تجعله هو وأباه كافرين بل يكفرون مع ذلك أبا بكر وعمر ويكفرون عثمان وجمهور المهاجرين والأنصار وهؤلاء الرافضة من أجهل خلق الله وأضلهم وأعظمهم

(4/506)


كذبا على الله عز و جل ورسوله والصحابة والقرابة وغيرهم فكذبهم على يزيد مثل كذبهم على أبى بكر وعمر وعثمان بل كذبهم على يزيد أهون بكثير
وطائفة تجعله من أئمة الهدى وخلفاء العدل وصالح المؤمنين وقد يجعله بعضهم من الصحابة وبعضهم يجعله نبيا وهذا أيضا من أبين الجهل والضلال وأقبح الكذب والمحال بل كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات والقول فيه كالقول فى أمثاله من الملوك وقد بسطنا القول فى هذا فى غير هذا الموضع
وأما الحسين رضى الله عنه فقتل بكر بلاء قريب من الفرات ودفن جسده حيث قتل وحمل رأسه الى قدام عبيد الله بن زياد بالكوفة هذا الذى رواه البخارى فى صحيحه وغيره من الأئمة
وأما حمله الى الشام الى يزيد فقد روى ذلك من وجوه منقطعة لم يثبت شئ منها بل فى الروايات ما يدل على أنها من الكذب المختلق فإنه يذكر فيها أن يزيد جعل ينكت بالقضيب على ثناياه وأن بعض الصحابة الذين حضروه كأنس بن مالك وأبى برزة أنكر ذلك وهذا تلبيس فان الذى جعل ينكت بالقضيب إنما كان عبيد الله بن زياد هكذا فى الصحيح والمساند وإنما جعلوا مكان عبيد الله بن زياد يزيد وعبيد الله لا ريب أنه أمر بقتله وحمل الرأس الى بين يديه ثم أن ابن زياد قتل بعد ذلك لأجل ذلك

(4/507)


ومما يوضع ذلك أن الصحابة المذكورين كأنس وأبى برزة لم يكونوا بالشام وإنما كانوا بالعراق حينئذ وإنما الكذابون جهال بما يستدل به على كذبهم
وأما حمله مصر فباطل باتفاق الناس وقد اتفق العلماء كلهم على أن هذا المشهد الذى بقاهرة مصر الذى يقال له مشهد الحسين باطل ليس فيه رأس الحسين ولا شئ منه وإنما أحدث فى أواخر دولة بنى عبيد الله ابن القداح الذين كانوا ملوكا بالديار المصرية مائتى عام الى أن إنقرضت دولتهم فى أيام نور الدين محمود وكانوا يقولون إنهم من أولاد فاطمة ويدعون الشرف وأهل العلم بالنسب يقولون ليس لهم نسب صحيح ويقال ان جدهم كان ربيب الشريف الحسينى فادعوا الشرف لذلك
فأما مذاهبهم وعقائدهم فكانت منكرة بإتفاق أهل العلم بدين الإسلام وكانوا يظهرون التشيع وكان كثير من كبرائهم وأتباعهم يبطنون مذهب القرامطة الباطنية وهو من أخبث مذاهب أهل الارض أفسد من اليهود والنصارى ولهذا كان عامة من إنضم إليهم أهل الزندقة والنفاق والبدع المتفلسفة والمباحية والرافضة وأشباه هؤلاء ممن لا يستريب أهل العلم والايمان فى أنه ليس من أهل العلم والايمان
فأحدث هذا المشهد فى المائة الخامسة نقل من عسقلان وعقيب ذلك بقليل إنقرضت دولة ابتدعوه بموت العاضد آخر ملوكهم

(4/508)


والذى رجحه أهل العلم فى موضع رأس الحسين بن على رضى الله عنهما هو ما ذكره الزبير بن بكار فى كتاب أنساب قريش والزبير بن بكار هو من أعلم الناس وأوثقهم فى مثل هذا ذكر أن الرأس حمل الى المدينة النبوية ودفن هناك وهذا مناسب فإن هناك قبر أخيه الحسن وعم أبيه العباس وابنه على وأمثالهم
قال أبو الخطاب ابن دحية الذى كان يقال له ذو النسبين بين دحية والحسين فى كتاب العلم المشهورفى فضل الأيام والشهور لما ذكر ما ذكره الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن انه قدم برأس الحسين وبنو أمية مجتمعون عند عمرو بن سعيد فسمعوا الصياح فقالوا ما هذا فقيل نساء بنى هاشم يبكين حين رأين رأس الحسين بن على قال وأتى برأس الحسين إبن على فدخل به على عمرو فقال والله لوددت أن أمير المؤمنين لم يبعث به إلى قال ابن دحية فهذا الاثر يدل أن الرأس حمل إلى المدينة ولم يصح فيه سواه والزبير أعلم أهل النسب وأفضل العلماء العلماء بهذا السبب قال وما ذكر من أنه فى عسقلان فى مشهد هناك فشئ باطل لا يقبله من معه أدنى مسكة من العقل والإدراك فان بنى أمية مع ما أظهروه من القتل والعداوة والأحقاد لا يتصور أن يبنوا على الرأس مشهدا للزيارة
هذا وأما ما إفتعله بنو عبيد فى أيام أدبارهم وحلول بوارهم وتعجيل دمارهم فى أيام الملقب بالقاسم عيسى بن الظافر وهو الذى عقد له بالخلافة

(4/509)


وهو ابن خمس سنين وأيام لأنه ولد يوم الجمعة الحادى من المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة وبويع له صبيحة قتل أبيه الظافر يوم الخميس سلخ المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة وله من العمر ما قدمنا فلا تجوز عقوده ولا عهوده وتوفى وله من العمر إحدى عشرة سنة وستة أشهر وأيام لأنه توفى لليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة فافتعل فى أيامه بناء المشهد المحدث بالقاهرة ودخول الرأس مع المشهدى العسقلانى أمام الناس ليتوطن فى قلوب العامة ما أورد من الأمور الظاهرة وذلك شئ إفتعل قصدا أو نصب غرضا وقضوا ما فى نفوسهم لإ ستجلاب العامة عرضا والذى بناه طلائع بن رزيك الرافضى وفد ذكره جميع من الف فى مقتل الحسين ان الرأس المكرم ما غرب قط وهذا الذى ذكره أبو الخطاب بن دحية فى أمر هذا المشهد وأنه مكذوب مفترى هو أمر متفق عليه عند أهل العلم
والكلام فى هذا الباب وأشباهه متسع فإنه بسبب مقتل عثمان ومقتل الحسين وأمثالهما جرت فتن كثيرة وأكاذيب وأهواء وقع فيها طوائف من المتقدمين والمتأخرين وكذب على امير المؤمنين عثمان وأمير المؤمنين على بن ابى طالب أنواع من الاكاذيب يكذب بعضها شيعتهم ونحوهم ويكذب بعضها مبغضوهم لاسيما بعد مقتل عثمان فانه عظم الكذب والأهواء

(4/510)


وقيل فى امير على بن ابى طالب مقالات من الجانبين على برئ منها وصارت البدع والاهواء والكذب تزداد حتى أمور يطول شرحها
مثل ما ابتدعه كثير من المتاخرين يوم عاشورا فقوم يجعلونه مأتما يظهرون فيه النياحة والجزع وتعذيب النفوس وظلم البهائم وسب من مات من أولياء الله والكذب على أهل البيت وغير ذلك من المنكرات المنهى عنها بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم واتفاق المسلمين
والحسين رضى الله عنه ا اكرمه الله تعالى بالشهادة فى هذا اليوم وأهان بذلك من قتله أو أعان على قتله أو رضى بقتله وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء فإنه وأخوه سيدا اشباب أهل الجنة وكانا قد تربيا فى عز الإسلام لم ينالا من الهجرة والجهاد والصبر على الاذى فى الله ما ناله أهل بيته فأكرمهما الله تعالى بالشهادة تكميلا لكرامتهما ورفعا لدرجاتهما وقتله مصيبة عظيمة والله سبحانه قد شرع الإسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول إنا لله وانا اليه راجعون اللهم أجرنى فى مصييتى واخلف لى خيرا منها الا آجره الله فى مصيبته واخلف له خيرا منها ومن احسن ما يذكر هنا أنه قد روى الإمام احمد وابن ماجه عن فاطمة بنت

(4/511)


الحسين عن أبيها الحسين رضى الله عنه قال قال رسول الله ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وان قدمت فيحدث عندما استرجاعا كتب الله الله له مثلها يوم اصيب هذا حديث رواه عن الحسين ابنته فاطمة التى شهدت مصرعه
وقد علم أن المصيبة بالحسين تذكر مع تقادم العهد فكان فى محاسن الاسلام ان بلغ هو هذه السنة عن النبى صلى الله عليه وهوانه كلما ذكرت هذه المصيبة يسترجع لها فيكون للانسان من الأجر مثل الأجر يوم أصيب بها المسلمون
وأما من فعل مع تقادم العهد بها ما نهى عنه النبى عند حدثان العهد بالمصيبة فعقوبته اشد مثل لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية ففى الصحيحين عن عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وفى لصحيحين عن ابى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال انا بريء مما برئ منه رسول الله ان رسول الله صلى الله عليه و سلم برئ من الخالقة والصالقة والشاقة
وفى صحيح مسلم عن ابى مالك الاشعرى ان رسول الله قال اربع فى أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر بالاحساب

(4/512)


والطعن فى الانساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت وقال النائحة اذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب والاثار فى ذلك متعددة
فكيف اذا انضم الى ذلك ظلم المؤمنين ولعنهم وسبهم واعانة أهل الشقاق والإلحاد على ما يقصدونه للدين من الفساد وغير ذلك مما لايحصيه الا الله تعالى
وقوم من المتسننة رووا ورويت لهم أحاديث موضوعة بنوا عليها ما جعلوه شعارا فى هذا اليوم يعارضون به شعار ذلك القوم فقابلوا باطلا بباطل وردوا بدعة ببدعة وان كانت احداهما أعظم فى الفساد وأعون لأهل الإلحاد مثل الحديث الطويل الذى روى فيه من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام ومن اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام وأمثال ذلك من الخضاب يوم عاشوراء والمصافحة فيه ونحو ذلك فان هذا الحديث ونحوه كذب مخلق بإتفاق من يعرف علم الحديث وان كان قد ذكره بعض أهل الحديث وقال انه صحيح وإسناده على شرط الصحيح فهذا من الغلط الذى لاريب فيه كما هو مبين فى غير هذا الموضع
ولم يستحب أحد من أئمة المسلمين الإغتسال يوم عاشوراء ولا الكحل فيه والخضاب وأمثال ذلك ولا ذكره أحد من علماء المسلمين الذين يقتدى بهم

(4/513)


ويرجع اليهم فى معرفة ما أمر الله به ونهى عنه ولا فعل ذلك رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا على
ولا ذكر مثل هذا الحديث فى شئ من الدواوين التى صنفها علماء الحديث لا فى المسندات كمسند أحمد وإسحاق وأحمد بن منيع الحميدى والدالانى وأبو يعلى وأمثالها ولا فى المصنفات على الأبواب كالصحاح والسنن ولا فى الكتب المصنفة الجامعة للمسند والآثار مثل موطأ مالك ووكيع وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن ابى شيبة وأمثالها
ثم إن أهل الاهواء ظنت أن من يفعل هذا أنه يفعله على سبيل نصب العداوة لآهل البيت والإشتفاء منهم فعارضهم من تسنن وأجاب عن ذلك باجابة بين فيها براءتهم من النصب واستحقاقهم لموالاة أهل البيت وأنهم أحق بذلك من غيرهم وهذا حق لكن دخلت عليهم الشبهة والغلط فى ظنهم أن هذه الأفعال حسنة مستحبة والله أعلم بمن إبتدأ وضع ذلك وابتداعه هل كان قصده عداوة أهل البيت أو عداوة غيرهم فالهدى بغير دى من الله أو غير ذلك ضلالة
ونحن علينا أن نتبع ما أنزل الينا من ربنا من الكتاب والحكمة ونلزم الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين

(4/514)


والشهداء والصالحين ونعتصم بحبل الله جميعا ولا نتفرق ونأمر بما أمر الله به وهو المعروف وننهى عما نهى عنه وهو المنكر وأن نتحرى الاخلاص لله فىأعمالنا فان هذا هو دين الإسلام قال الله تعالى بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقال تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهومحسن وإتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ابراهيم خليلا
وقال تعالى واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وأدعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم إتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون
وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون الى قوله يوم تبيض وجوه وتسود وجوه قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه البدعة والفرقة
وقال تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شئ

(4/515)