صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ الفتاوى الكبرى - ابن تيمية ]
الكتاب : الفتاوى الكبرى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
الناشر : دار المعرفة - بيروت
الطبعة الأولى ، 1386
تحقيق : حسنين محمد مخلوف
عدد الأجزاء : 5

فصل
ومع هذا فقد حفظ عن أئمة الصحابة كعلي وابن مسعود وابن عباس هذا القول وفي ذلك حجة على من يزعم أن أقوال هؤلاء الأئمة بدون الصحابة ليس بحجة فروى اللالكائي من طريقين من طريق محمد بن المصفى ومن طريق الفضل بن عبد الله الفارسي كلاهما عن عمرو بن جميع أبي المنذر عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال : لما حكم علي الحكمين قالت له الخوارج : حكمت رجلين ؟ قال ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن
ورواه عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناد آخر إلى علي وقال : حدثنا محمد بن حجاج الحضرمي المضري حدثنا يعلى بن عبد العزيز حدثنا عتبة بن السكن الفزاري حدثنا الفرج بن يزيد الكلاعي قال : قالوا لعلي يوم صفين حكمت كافرا أو منافقا ؟ قال : ما حكمت مخلوقا ما حكمت إلا القرآن
وهذا السياق يبطل تأويل من يفسر كلام السلف بأن المخلوق هو المفتري المكذوب والقرآن غير مفتر ولا مكذوب فإنهم لما قالوا : حكمت مخلوقا إنما أرادوا مربوبا مصنوعا خلقه الله لم يريدوا مكذوبا
فقوله : ما حكمت مخلوقا نفي لما ادعوه وقوله : ما حكمت إلا القرآن نفي لهذا الخلق عنه وقد روي ذلك عن علي من طريق ثالث
وأما قول ابن مسعود فمن المحفوظ الثابت عنه الذي رواه الناس من وجوه كثيرة صحيحة من حديث يحيى بن سعيد القطان وغيره عن سفيان الثوري عن الأعمش عن عبدالله بن مرة عن أبي كنف قال : قال عبدالله : من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين قال : فذكرت ذلك لابراهيم قال فقال عبدالله : من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع
وروى محمد بن هرون الروياني حدثنا أبو الربيع حدثنا أبو عوانة عن أبي سنان عن عبدالله بن أبي الهذيل عن حنظلة بن خويلد العنزي قال : أخذ عبدالله بيدي فلما أشرفنا على السد إذ نطر إلى السوق قال : اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها قال : فمر برجل يحلف بسورة من القرآن وآية قال فغمزني عبدالله بيدي
ثم قال : أتراه مكفرا ؟ أما إن كل آية فيها يمين ولا نزاع بين الأمة أن المخلوقات لا يجب في الحلف بها يمين كالكعبة وغيرها إلا ما نازع فيه بعضهم من الحلف برسول الله صلى الله عليه و سلم لكون الإيمان به أحد ركني الإيمان وقوله : عليه كل آية يمين قد اتبعه الأئمة وعملوا به كالإمام أحمد وإسحق وغيرهما لكن هل تتداخل الأيمان إذا كان المحلوف عليه واحدا ؟ كما لو حلف بالله لا يفعل ثم حلف بالله لايفعل هذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد
وأما قول ابن عباس فقال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا بن صالح بن جابر الانماطي حدثنا علي بن عاصم عن عمران بن حدير عن عكرمة قال : كان ابن عباس في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال : اللهم رب القرآن اغفر له فوثب إليه ابن عباس فقال مه القرآن منه زاد الصهيبي في حديثه فقال ابن عباس : القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود
فلما ابتدعت الجهمية هذه المقالات في أثناء المائة الثانية أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها ثم استفحل أمرهم في أوائل المائة الثالثة بسبب من أدخلوه في شركهم وفريتهم من ولاة الأمور وجرت المحنة المشهورة وكان أئمة الهدى على ما جاءت به الرسل عن الله من أن القرآن كلام الله تكلم به هو سبحانه وهو منه وقائم به وما كان كذلك لم يكن مخلوقا إنما المخلوق ما يخلقه من الأعيان المحدثة وصفاتها وكثير منهم يرد قول الجهمية بإطلاق القول بأن القرآن كلام الله لأن حقيقة قولهم أنه ليس كلامه ولا تكلم ولا يتكلم به ولا بغيره فإن المستقر في فطر الناس وعقولهم ولغاتهم أن المتكلم بالكلام لا بد أن يقوم به الكلام فلا يكون متكلما بشيء لم يقم به بل هوقائم بغيره كما لا يكون عالما بعلم قائما بغيره ولا حيا بحياة قائمة بغيره ولا مريدا بإرادة قائمة بغيره ولا محبا ومبغضا ولا راضيا وساخطا بحب وبغض ورضى وسخط قائم بغيره ولا متألما ولا متنعما وفرحا وضاحكا يتألم وتنعم وفرح وضحك قائم بغيره فكل ذلك عند الناس من العلوم الضرورية البديهية الفطرية التي لا ينازعهم فيها إلا من أحيلت فطرته
وكذلك عندهم لا يكون آمرا وناهيا بأمر ونهي لا يقوم به بل يقوم بغيره ولا يكون مخبرا ومحدثا ومنبأ بخبر وحديث ونبأ لا يقوم به بل بغيره ولا يكون حامدا أو ذاما ومادحا ومثنيا بحمد وذم ومدح وثناء لا يقوم به بل بغيره ولايكون مناجيا ومناديا وداعيا بنجاء ودعاء ونداء لا يقوم به بل لا يقوم إلا بغيره ولا يكون واعدا وموعدا بوعد ووعيد لا يقوم به بل لا يقوم إلا بغيره ولا يكون مصدقا ومكذبا بتصديق وتكذيب لا يقوم به بل لا يقوم إلا بغيره ولا يكون حالفا ومقسما موليا بحلف وقسم ويمين لا يقوم به ولا يقوم إلا بغيره بل من أظهر العلوم الفطرية الضرورية التي علمها بنوآدم وجوب قيام هذه الأمور بالموصوف بها وامتناع أنها لا تقوم إلا بغيره
فمن قال أن الحمد والثناء والأمر والنهي والنبأ والخبر والوعد والوعيد والحلف واليمين والمناداة والمناجاة وسائر ما يسمى ويوصف به أنواع الكلام يمتنع أن تكون قائمة بالآمر الناهي المناجي المنادي المنبىء المخبر الواعد المتوعد الحامد المثني الذي هو الله تعالى ويجب أن تكون قائمة بغيره فقد خالف الفطرة الضرورية المتفق عليها بين الآدميين وبدل لغات الخلق أجمعين ثم مع مخالفته للمعقولات واللغات فقد كذب المرسلين أجمعين ونسبهم إلى غاية التدليس والتلبيس على المخاطبين لأن الرسل أجمعين أخبروا أن الله أمر ونهى وقال ويقول وقد علم بالاضطرار أن مقصودهم أن الله هو نفسه الذي أمر ونهى وقال : لا إن ذلك شيء لم يقم به بل خلقه في غيره
ثم لو كان مقصودهم ذلك فمعلوم أن هذا ليس هو المعروف من الخطاب ولا المفهوم منه لا عند الخاصة ولا عند العامة : بل المعروف المعلوم أن يكون الكلام قائما بالمتكلم فلو أرادوا بكلامه وقوله إنه خلق في بعض المخلوقات كلاما لكانوا قد أضلوا الخلق على زعم الجهمية ولبسوا عليهم غاية التلبيس وأرادوا باللفظ ما أعلم يدلوا الخلق عليه والله تعالى قد أخبر أن الرسل بلغت البلاغ المبين فمن نسبهم إلى هذا فقد كفر بالله ورسوله
وهذا قول الزنادقة المنافقين الذين هم أصل الجهمية الذين يصفون الرسل بذلك من المتفلسفة والقرامطة ونحوهم بل كون المتكلم الآمر الناهي لا يوصف بذلك إلا لقيام الكلام بغيره مع امتناع قيامه به أمر لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازا
وزعمت الجهمية الملحدة في أسماء الله وآياته المحرفة للكلم عن مواضعه المبدلة لدين الله من المعتزلة ونحوهم أن المتكلم في اللغة من فعل الكلام وإن كان قائما بغيره كالجني المتكلم الى لسان الإنسي المصروع فإنه هو المتكلم بما يسمع من المصروع لأنه فعل ذلك وإن كان الكلام لم يقع إلا بالإنسي دون الجني وهذا من التمويه والتدليس فأما قولهم المتكلم من فعل الكلام فقد نازعهم فيه طائفة من الصفاتية وقالوا بل المتكلم من قام به الكلام وإن لم يفعله كما يقوله الكلابية والأشعرية وبين الفريقين في ذلك نزاع طويل

(6/377)


وأما السلف والأئمة وأكثر الناس فلم ينازعوهم هذا النزاع بل قالوا : الكلام وإن قيل أنه فعل للمتكلم فلا بد أن يكون قائما به فلا يكون الكلام لازما لمتكلم يمتنع أن يقوم به الكلام وجميع المسموع من اللغات والمعلوم في فطرة البريات يوافق ذلك وأما تكلم الجني على لسان الإنسي فلا بد أن يقوم بالجني كلام ولكن تحريكه مع ذلك لجوارح الإنسي يشبه تحريك روح الإنسي لجوارحه بكلامه ويشبه تحريك الإنسان بكلامه وحركته وتصويته كما يصوت بقصبة ونحوها مع أنه في ذلك كله قد قام به من الفعل ما يصح به نسبة ذلك إليه وقولهم : المتكلم من فعل الكلام وإن كان قائما بغيره كلام متناقض فإن الفعل أيضا لا يقوم بغير الفاعل وإنما الذي يقوم بغيره هوالمفعول
وأما قول من يقول : إن الخلق لا يكون إلا بمعنى المخلوق فهو من بدع الجهمية وعامة أهل الإسلام على خلاف هذا وكذلك قال الأئمة مثل ما ذكره الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية قال : ففيما يسأل عنه الجهمي يقال له : تجد في كتاب الله أنه يخبر عن القرآن أنه مخلوق ؟ فلا يجد فيقال له : فيم قلت فيقول : من قول الله : { إنا جعلناه قرآنا عربيا } وزعم أن كل مجعول مخلوق فادعى كلمة من الكلام المتشابه يحتج بها من أراد أن يلحد في تنزيلها ويبتغي الفتنة في تأويلها
وذلك أن جعل في القرآن من المخلوقين على وجهين على معنى التسمية وعلى معنى فعل من أفعالهم قوله : { الذين جعلوا القرآن عضين } قالوا : هو شعرا وأنباء الأولين وأضغاث أحلام فهذا على معنى التسمية وقال : { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } يعني أنهم سموهم إناثا ثم ذكر جعل على غير معنى التسمية فقال : { يجعلون أصابعهم في آذانهم } فهذا على معنى فعل من أفعالهم وقال : { حتى إذا جعله نارا } هذا على معنى فعل هذا جعل المخلوقين
ثم ذكر جعل من الله على معنى خلق وجعل على غير معنى خلق والذي قال الله جل ثناؤه جعل على معنى خلق لا يكون إلا خلقا ولا يقوم إلا مقام خلق لا يزول عن المعنى فما قال الله جعل على معنى خلق كذلك قوله : { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور } بمعنى خلق الظلمات والنور { وجعلنا الليل والنهار آيتين } يقول خلقنا الليل والنهار آيتين قال : { وجعل الشمس سراجا } وقال : { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } يقول خلق منها زوجها خلق من آدم حواء وقال : { وجعل لها رواسي } ومثله في القرآن كثير فهذا وما كان مثاله لا يكون مثاله إلا على معنى خلق وقوله : { ما جعل الله من بحيرة } لا يعني ما خلق الله من بحيرة
وقال الله لإبراهيم : { إني جاعلك للناس إماما } لا يعني أني خالقك للناس إماما لأن خلق إبراهيم كان متقدما قال إبراهيم : { رب اجعل هذا بلدا آمنا } وقال : { رب اجعلني مقيم الصلاة } لا يعني خلقني مقيم الصلاة وقال : { يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة } لا يعني يريد الله أن لا يخلق لهم حظا في الآخرة
وقال لأم موسى : { إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } لا يعني وخالقوه من المرسلين لأن الله تعالى وعد أم موسى أن يرده إليها ثم يجعله من بعد ذلك مرسلا وقال : { ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم } لا يعني فيخلقه في جهنم وقال : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } وقال : { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } لا يعني خلقه دكا ومثله في القرآن كثير وما كان على مثاله يكون على معنى خلق فإذا قال تعالى جعل على معنى خلق وقال جعل على غير معنى خلق فبأي حجة قال الجهمي جعل على معنى الخلق فإن رد الجهمي الجعل إلى المعنى الذي وصفه الله فيه وإلا كان من الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون فلما قال الله عز و جل : { إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } يقول جعله جعلا على معنى فعل من أفعال الله على غيرمعنى خلق
وقال في سورة يوسف : { إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } قال : { بلسان عربي مبين } وقال : { فإنما يسرناه بلسانك } فلما جعل الله القرآن عربيا ويسره بلسان نبيه كان ذلك فعلا من أفعال الله جعل به القرآن عربيا ففي هذا بيان لمن أراد الله هداه
وقال البخاري في صحيحه باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق وهو فعل الرب وأمره فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون
وقال الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الجهمية بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله كلم موسى صلى الله عليه و سلم وعلى نبينا وعلى سائر الأنبباء
قلنا : لم أنكرتم ذلك ؟ قالوا : لأن الله لم يتكلم ولا يتكلم إنما كون شيئا فعبرعن الله وخلق صوتا فسمع
فزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان فقلنا فهل يجوز لمكون أو لغير الله أن يقول لموسى لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري وأني أنا ربك ؟ فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمية أن الله كون شيئا كان يقول ذلك المكون يا موسى إن الله رب العالمين ولا يجوز أن يقول إني أنا الله رب العالمين وقد قال الله جل ثناؤه وكلم الله موسى تكاليما وقال { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } وقال : إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فهذا منصوص القرآن قال : وأما ما قالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم
فكيف يصنعون بحديث سليمان الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان ] قال وأما قولهم إن الكلام لايكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان
أليس الله عز و جل قال للسموات والأرض : { ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } أتراه أنها قالت بجوف وشفتين ولسان ؟ وقال الله : { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن } أتراها أنها سبحت بفم وجوف ولسان وشفتين والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا : { لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } أتراها نطقت بجوف وشفتين وفم ولسان ولكن الله أنطقها كيف شاء من غير أن يقول فم ولسان وشفتان
قال : فلما خنقته الحجج قال : إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره فقلنا وغيره مخلوق ؟ قال : نعم قلنا : هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم تدفعون الشنعة عن أنفسكم بما تظهرون وحديث الزهري [ قال لما سمع موسى كلام ربه قال يارب هذا الكلام الذي سمعته هو كلامك قال نعم ياموسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأنا أقوى من ذلك وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك ولو كلمتك بأكثر من ذلك مت قال : فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك فقال سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم قالوا تشبهه قال : أسمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلا حلاوة سمعتموها فكأنه مثله ] قال وقلنا للجهمية : من القائل لعيسى يوم القيامة يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله أليس الله هو القائل قالوا : يكون الله شيئا يعبر عن الله كمايكون فعبر لموسى فقلنا : فمن القائل : { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين }
أليس الله هو الذي يسأل ؟ قالوا : هذا كله إنما يكون الله شيئا فيعبر عن الله قلنا قد أعظمتم على الله الفرية حتى زعمتم أن الله لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول عن مكان إلى مكان فلما ظهرت عليه الحجة قال أقول إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا : وكذلك بنوآدم كلامهم مخلوق ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد جمعتم بين كفر وتثسبيه فتعالى الله عن هذه الصفة بل نقول إن الله جل ثناؤه لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علما فعلم ولا نقول إنه قد كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورا ولا نقول إنه كان ولا عظمة حتى خلق لنفسه عظمة
فقالت الجهمية لنا لما وصفنا من الله هذه الصفات : إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته فقلنا : لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره ولكن نقول : لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر
فقالوا : لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا كان الله ولا شيء فقلنا : نحن نقول كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته وضربنا لهم مثلا في ذلك فقلنا لهم : أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذوع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها اسم واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله جل ثناؤه وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد لا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة له حتى خلق قدرة والذي ليس له قدر ة هو عاجز ولا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا علم له حتى خلق فعلم والذي لا يعلم فهو جاهل ولكن نقول لم يزل الله قادرا عالما مالكا لامتى ولا كيف وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال : { ذرني ومن خلقت وحيدا } أو قد كان لهذا الذي سماه وحيدا عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة فقد سماه الله وحيدا بجميع صفاته فكذلك الله وله المثل الأعلى هو بجميع صفاته إله واحد
وكذلك ذكر الأشعري في المقالات اختلاف المعتزلة في أن الباري متكلم فقال : اختلفت المعتزلة في ذلك فمنهم من أتبت الباري متكلما ومنهم من امتنع أن يثبت الباري متكلما ولو أثبته متكلما لأثبته منفصلا والقائل لهذا الأسكافي وعباد بن سليمان قلت : وأما نقل أبي الحسين البصري اتفاق المسلمين على أن الباري متكلم ونقل من أخذ ذلك عنه كالرازي وغيره فليس بمستقيم فإن أبا الحسين كان يأخذ ما يذكره مشايخه البصريون وما نقلوه وهؤلاء يوافقون المسلمين على إطلاق القول بأن الله متكلم فيوافقون أهل الإيمان في اللفظ وهم في المعنى قائلون بقول من نفى ذلك فإذا ذكر الاجماع على هذا الإطلاق ظن المستمع لذلك أن النزاع في تغيير اللفظ كالنزاع في تغيير بعض آيات القرآن وليس كذلك بل النفاة حقيقة قولهم نفي أن يكون الله متكلما كما يصرح بذلك من يصرح منهم ولكن وافقوا المسلمين على إطلاق اللفظ نفاقا من زنادقتهم وجهلا من سائرهم
وهذا الذي بينه الإمام أحمد هو محض السنة وصريحها الذي كان عليه أئمتها وقد خلصه تخليصا لا يعرف قدره إلا خواص الأمة الذين يعرفون مزال أقدام الأذكياء الفضلاء في هذه المهمة الغبراء حتى كثر بين الفرق من الخصومات والأهواء وسائر الناس يقولون بذلك من وجه دون وجه قال الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة : قرأت في كتاب شاكر عن أبي زرعة قال : إن الذي عندنا أن القوم لم يزالوا يعبدون خالقا كاملا لصفاته ومن زعم أن الله كان ولا علم ثم خلق علما فعلم بخلقه أو لم يكن متكلما فخلق كلاما ثم تكلم به أو لم يكن سميعا بصيرا ثم خلق سمعا وبصرا : فقد نسبه إلى النقص وقائل هذا كافر لم يزل الله كاملا بصفاته لم يحدث فيه صفة ولا تزول عنه صفة قبل أن يخلق الخلق وبعد ما خلق الخلق كاملا بصفاته فمن وجه أن الرب تبارك وتعالى يتكلم كيف يتكلم بشفتين ولسان ولهوات فهذه السموات والأرض قال لهما : إئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين أفهاهنا شفتان ولسان ولهوات قلت : أبو زرعة الرازي كان يشبه بأحمد بن حنبل في حفظه وفقهه ودينه ومعرفته و أحمد كان عظيم الثناء عليه داعيا له وهذا المعنى الذي ذكره هو في كلام الإمام أحمد في مواضع كما ذكره الخلال في كتاب السنة عن حنبل وقد ذكره حنبل في كتبه مثل كتاب السنة والمحنة لحنبل
قال حنبل : سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا وأن الله يرى وأن الله يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبوعبدالله : نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ولا نرد منها شيئا ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله ولا يوصف الله تبارك وتعالى بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شيء
وقال حنبل في موضع آخر ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه وقد أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء فنعبد الله بصفات غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه قال الله تبارك وتعالى : { وهو السميع البصير }
قال حنبل في موضع آخر : وهو سميع بصير بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغه الواصفون وصفاته منه وله ولا نتعدى القرآن الحديث فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت ووصف وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه

(6/380)


هذا كله يدل على أن الله تبارك وتعالى يرى في الآخرة والتحديد في هذا بدعة والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا بما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلما عالما غفورا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب فهذه صفات وصف بها نفسه لا ترد ولا تدفع وهو على العرش بلا حد
كما قال تعالى { ثم استوى على العرش } كيف شاء المشيئة إليه عز و جل والاستطاعة له ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم لأبيه { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر } فثبت أن الله سميع بصير صفاته منه لا تتعدى القرآن والحديث
والخبر بضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول وتبيين القرآن لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة قلت له : والمشبهة ما يقولون ؟ قال : من قال بصركبصري ويد كيدي - وقال حنبل في موضع آخر - وقدم كقدمي فقد شبه الله بخلقه وهذا يحده وهذا كلام سوء وهذا محدود الكلام في هذا لا أحبه
قال عبد الله : جردوا القرآن وقال النبي - صلى الله عليه و سلم - : [ يضع قدمه ] نؤمن به ولا نحده ولا نرده على رسول الله صلى الله عليه و سلم - بل نؤمن به قال الله تبارك وتعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } فقد أمرنا الله عز و جل بالأخذ بما جاء والنهي عما نهى وأسماؤه وصفاته غير مخلوقة ونعوذ بالله من الزلل والإرتياب والشك إنه على كل شيء قدير قال الخلال : وناداني أبو القاسم أين الجبلي من حنبل في هذا الكلام وقال تبارك وتعالى : { لا إله إلا هو الحي القيوم } { لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر } هذه صفات الله عز و جل وأسماؤه تبارك وتعالى وقد روى البخاري في صحيحه عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال : قال رجل لابن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } { ولا يكتمون الله حديثا } { والله ربنا ما كنا مشركين } فقد كتموا في هذه الآية وقال : { أم السماء بناها } - إلى قوله - { دحاها } فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ثم قال : { أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } - إلى - { طائعين } فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء وقال : وكان الله غفورا رحيما عزيزا حكيما سميعا بصيرا فكأنه كان ثم مضى فقال لا أنساب في النفخة الأولى ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون وأما قوله : ما كنا مشركين ولا يكتمون الله حديثا فإن الله لا يغفرلأهل الإخلاص ذنوبهم قال المشركون تعالوا نقل لم نكن مشركين فختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم حديثا وعنده يود الذين كفروا الآية وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض ودحاها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام ومابينهما في بومين آخرين فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السموات في يومين وكان الله غفورا رحيما سمى نفسه ذلك وذلك قوله إني لم أزل كذلك فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب فيه الذي أراد فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله هكذا [ رواه البخاري ] مختصرا ورواه البرقاني في صحيحه من الطريق الذي أخرجها البخاري بعينها من طريق شيخ البخاري بعينه بألفاظه التامة أن ابن عباس جاءه رجل فقال : يا بن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي فقد وقع ذلك في صدري فقال ابن عباس : أتكذيب ؟ فقال الرجل ما هو بتكذيب ولكن اختلاف قال : فهلم ما وقع في نفسك فقال له الرجل : اسمع الله يقول : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } وقال في آية أخرى : { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } وقال في آية أخرى ؟ { ولا يكتمون الله حديثا }
وقال في آية أخرى : { والله ربنا ما كنا مشركين } فقد كتموا في هذه الآية وفي قول : { أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها } فذكر في هذه الآية : خلق السماء قبل الأرض
وقال في الآية الأخرى : { أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } وقوله : { وكان الله غفورا رحيما } { وكان الله عزيزا حكيما } { وكان الله سميعا بصيرا } وكأنه كان ثم انقضى فقال ابن عباس : هات ما في نفسك من هذا فقال السائل : إذا أنبأتني بهذا فحسبي قال ابن عباس قوله : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فهذا في النفخة الأولى ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ثم إذا كان في النفخة الأخرى قاموا فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون
وأما قول الله عز و جل : { والله ربنا ما كنا مشركين } وقوله : { ولا يكتمون الله حديثا } فإن الله تعالى يوم القيامة يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم لايتعاظم عليه ذنب أن يغفره ولا يغفر شركا فلما رأى المشركون قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك تعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين فقال الله تعالى أما إذا كتموا الشرك فاختم على أفواههم فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون فعند ذلك عرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا فذلك قوله : { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا }
وأما قوله : { أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها } فإنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين يعني ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشق فيها الأنهار وجعل فيها السبل وخلق الجبال والرمال والآكام وما فيها في يومين آخرين فذلك قوله : { والأرض بعد ذلك دحاها } وقوله : { أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين } وجعلت السموات في يومين آخرين
وأما قوله : { وكان الله سميعا بصيرا } { غفورا رحيما } { وكان الله عزيزا حكيما } فإن الله جعل نفسه ذلك وسمى نفسه ذلك ولم ينحله أحد غيره وكان الله أي لم يزل كذلك ثم قال ابن عباس : احفظ عني ما حدثتك واعلم أن ما اختلف عليك من القرآن أشباه ما حدثتك فإن الله لم ينزل شيئا إلا أصاب به الذي أراد ولكن الناس لا يعلمون فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله
وهكذا رواه يعقوب بن سفيان في تاريخه عن شيخ البخاري كما رواه البرقاني وإنما يختلفان في يسير من الأحرف وما ذكره أئمة السنة والحديث متعين لما جاء في الآثار من أنه سبحانه لم يزل كاملا بصفاته لم تحدث له صفة ولا تزول عنه صفة ليس لمخالف لقولهم أنه ينزل كما شاء ويجيء يوم القيامة كما يشاء وأنه استوى على العرش بعد أن خلق السموات وأنه يتكلم إذا شاء وأنه خلق آدم بيديه ونحو ذلك من الأفعال القائمة بذاته فإن الفعل الواحد من هذه الأفعال ليس مما يدخل في مطلق صفاته ولكن كونه بحيث يفعل إذا شاء هو صفته والفرق بين الصفة والفعل ظاهر فإن تجدد الصفة أو زوالها يقتضي تغير الموصوف واستحالته ويقتضي تجدد كمال له بعد نقص أو تجدد نقص له بعد كمال كما في صفات الموجودات كلها إذا حدث للموصوف ما لم يكن عليه من الصفات مثل تجدد العلم بما لم يكن يعلمه والقدرة على ما لم يكن يقدر عليه ونحو ذلك أو زال عنه ذلك بخلاف الفعل

(6/387)


وهكذا يقوله طوائف من أهل الكلام المخالفين للمعتزلة والذين هم أقرب إلى السنة منهم من المرجئة والكرامية وطوائف من الشيعة كما نقلوا عن الكرامية الذين يقولون إنه تحله الحوادث من القول والإرادة والاستمتاع والنظر ويقولون مع ذلك : لم يزل الله متكلما ولم يزل بمشيئته القديمة ولم يزل سميعا بصيرا أجمعوا على أن هذه الحوادث لا توجب لله سبحانه وصفا ولا هي صفات له سبحانه والذين ينازعون في هذا من المعترلة ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم فيقولون لو قام فعل حادث بذات القديم لاتصف بها وصار الحادث صفة له إذ لا معنى لقيام المعاني واختصاصها بالذوات إلا كونها صفات لها فلو قامت الحوادث من الأفعال والأقوال والارادات بذات القديم لاتصف بها كما اتصف بالحياة والقدرة والعلم والمشيئة ولو اتصف بها لتغير بها والتغير عليه ممتنع وهذا نزاع لفظي فإن تسمية هذا صفة وتغيرا لا يوافقهم الأولون عليه وليست اللغة أيضا موافقة عليه فإنها لا تسمي قيام الانسان وقعوده تغيرا له ولا يطلق القول بأنه صفة له وإن أطلق ذلك فالنزاع اللفظي لا يضر إلا إذا خولفت ألفاظ الشريعة وليس في الشريعة ما يخالف ذلك ولكن هؤلاء كثيرا ما يتنازعون في الألفاظ المجملة المتشابهة وقد قيل أكبر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء
قال الإمام أحمد في وصف أهل البدع فهم مخالفون الكتاب مختلفون في الكتاب مجتمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم ويتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم والذين يبين أن مجرد الحركة في الجهات ليست تغيرا ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ] فأمر بتغيير المنكر باليد أو اللسان ومعلوم أن تغيير المنكر هو ما يخرجه عن أن يكون منكرا وذلك لا يحصل إلا بإزالة صورته وصفته بتحريكه من حيز إلى حيز فتغيير الخمر لا يحصل بمجرد نقلها من حيزإلى حيز بل بإراقتها أو إفسادها مما فيه استحالة صورتها وكذلك من رأى من يقتل غيره لم يكن تغيير ذلك بمجرد النقل الذي ليس فيه زوال صورة القتل بل لا بد من زوال صورة القتال وكذلك الزانيان وكذلك المتكلم بالبدعة والداعي ليس تغيير هذا المنكر بمجرد التحويل من حيز إلى حيز وأمثال ذلك كثيرة فإذا كان النبي صلى الله عليه و سلم قد أمر بتغيير المنكر وذلك لا يحصل قط بمجرد النقل في الأحياز والجهات إذ الأحياز والجهات متساوية فهومنكر هنا كما أنه منكر هناك علم أن هذا لا يدخل في مسمى التغيير بل لا بد في التغيير من إزالة صورة موجودة وإن ذاك قد يحصل بالنقل لكن الغرض أن مجرد الحركة كحركة الشمس والقمر والكواكب لا يسمى تغيرا بخلاف ما يعرض للجسد من الخوف والمرض والجوع ونحو ذلك مما يغير صفته
قلت وفي هذا الذي لا ذكره الإمام أحمد ردعلى الطائفتين المختلفتين في معنى قول أحمد وسائر السلف في معنى أن القرآن غير مخلوق هل المراد أنه قديم لازم لذاته لا يتعلق بالمشيئة والقدرة كالعلم أو المراد أنه لم يزل متكلما كما يقال لم يزل خالقا وقد ذكر الخلاف في ذلك عن أصحاب الإمام أحمد أبو بكر عبد العزيز في كتاب المقنع وذكره عنه القاضي أبو يعلى في كتاب البيان في القرآن مع أن القاضي وأتباعه يقولون بالقول الأول ويتأولون كلام أحمد المخالف لذلك على الأسماع ونحوه وليس الأمر كذلك وهذه المسألة هي التي وقعت الفتنة بها بين الإمام أبي بكر بن خزيمة وبعض أصحابه
وكلام أحمد والأئمة ليس هو قول هؤلاء ولا قول هؤلاء بل فيه ما أثبته هؤلاء من الحق وما أثبته هؤلاء من الحق وكل كل من الطائفتين أثبت من الحق ما أثبته فإن الإمام أحمد قد بين أنه لم يزل الله متكلما إذا شاء وإذا نظر ذلك بالعلم والقدرة والنور فليس كالمخلوقات الباينة عنه لأن الكلام من صفاته وليس كالصفة القائمة به التي لا تتعلق
بمشيئته ولهذا قال أحمد في رواية حنبل : لم يزل الله متكلما عالما غفورا وقد ذكرنا كلام ابن عباس في دلالة القرآن على ذلك فذكر أحمد ثلاث صفات متكلما عالما غفورا فالتكلم يشبه العلم من وجه ويشبه المغفرة من وجه فلا يشبه بأحدهما دون الآخر فالطائفة التي جعلته كالعلم من وجه والطائفة التي جعلته كالمغفرة من كل وجه قصرت في معرفته وليس هذا وصفا له بالقدرة على الكلام بل هو وصف له بوجود الكلام إذا شاء وسيجيء كلام أحمد في رواية المروزي
وقوله : إن الله لم يخل من العلم والكلام وليسا من الخلق لأنه لم يخل منهما ولم يزل الله متكلما عالما فقد نفى عنه الخلق في ذاته أو غير ذاته وبين أنه لم يخل منهما وهنا يبين أنه لم يخلق القرآن لا في ذاته ولا خارجا عنه وفي كلامه دليل على أن قول القائل تحله الحوادث أو لا تحله الحوادث كلاهما منكر عنده وهو تقتضي أصوله لأن في نفي ذلك بدعة وفي إثباته أيضا بدعة ولهذا أنكر أحمد على من قال القرآن محدث إذ كان معناه عندهم معنى الخلق المخلوق كما روى الخلال عن الميموني أنه قال لأبي عبد الله ما تقول فيمن قال إن أسماء الله محدثة فقال : كافر
ثم قال لي : الله من أسمائه فمن قال إنها محدثة فقد زعم أن الله مخلوق وأعظم أمرهم عنده وجعل يكفرهم وقرأ علي { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } وذكر آية أخرى
وقال الخلال سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يحكي عن أبيه كلامه في داود الأصبهاني وكتاب محمد بن يحيى النيسابوري فقال : جاءني داود فقال : تدخل على أبي عبد الله وتعلمه قصتي وأنه لم يكن مني يعني ما حكوا عنه قال : فدخلت على أبي فذكرت له ذلك قال : ولم أعلم أنه على الباب فقال لي : كذب قد جاءني كتاب محمد بن يحيى هات تلك الاضبارة قال الخلال وذكر الكلام فلم أحفظه جيدا فأخبرني أبو يحيى عن زكريا أبو الفرج الرازي قال : جئت يوما إلى أبي بكر المروزي وإذا عنده عبد الله بن أحمد فقال له أبو بكر : أحب أن تخبر أبا يحيى ما سمعت من أبيك في داود الأصبهاني فقال عبدالله : لما قدم داود من خراسان جاءني فسلم علي فسلمت عليه فقال لي قد علمت شدة محبتي لكم وللشيخ وقد بلغه عني كلام فأحب أن تعذرني عنده وتقول له أن ليس هذا مقالتي أوليس كما قيل لك فقلت : لا تريد ؟
فأبى فدخلت إلى أبي فأخبرته أن داود جاء فقال إنه لا يقول بهذه المقالة وأنكر قال : جئني بتلك الاضبارة [ الكتب ] فأخرج منها كتابا فقال هذا كتاب محمد بن يحيى النيسابوري وفيه أنه يعني داود الأصبهاني أحل في بلدنا الحال والمحل

(6/391)


وذكر في كتابه أنه قال القرآن محدث فقلت له إنه ينكر ذلك فقال : محمد بن يحيى أصدق منه لا نقبل قول عدو الله أو نحو ما قال أبو يحيى وأخبرني أبو بكر المروزي بنحو ذلك قال الخلال وأخبرني الحسين بن عبدالله - يعني الخرقي - والد أبي القاسم صاحب المختصر قال : سألت أبا بكر المروزي عن قصة داود الأصبهاني وما أنكر عليه أبو عبد الله فقال : كان داود خرج إلى خراسان إلى إسحاق بن راهويه فتكلم بكلام شهد عليه أبو نصر بن عبد المجيد وشيخ من أصحاب الحديث من قطيعة الربيع شهدوا عليه أنه قال القرآن محدث فقال لي أبوعبدالله : من داود بن علي الأصبهاني لا فرج الله عنه فقلت : هذا من غلمان أبي ثور قال جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري أن داود الأصبهاني قال ببلدنا : إن القرآن محدث ثم إن داود قدم إلى ههنا فذكر نحو قصة عبد الله قال المروزي : وحدثني محمد بن إبراهيم النيسابوري أن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه لما سمع كلام داود في بيته وثب عليه إسحاق فضربه وأنكرعليه هذه قصته
قال الخلال أخبرني محمد بن جعفر الراشدي قال : لقيت ابن محمد بن يحيى بالبصرة عند بندار فسألته عن داود فأخبرني بمثل ما كتب به محمد بن يحيى إلى أحمد بن حنبل وقال : خرج من عندنا من خراسان بأسوأ حال وكتب لي بخطه وقال شهد عليه بهذا القول بخراسان علماء نيسابور
قلت : أما الذي تكلم به عند إسحاق فأظنه كلامه في مسألة اللفظ فإنه قال : الأمرين كما قال الخلال سمعت أحمد بن محمد بن عبدالله بن صدقة سمعت أبا عبدالله محمد بن الحسن بن صبيح قال سمعت داود ألأصبهاني يقول : القرآن محدث ولفظي بالقرآن مخلوق قلت فأنكر الأئمة على داود قوله أن القرآن محدث لوجهين :
أحدهما : إن معنى هذا عند الناس كان معنى قول من يقول القرآن مخلوق
وكانت الواقفة الذين يعتقدون أن الخلق مخلوق ويظهرون الوقف فلا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق ويقولون إنه محدث ومقصودهم مقصود الذين قالوا هو مخلوق فيوافقونهم في المعنى ويستترون بهذا اللفظ فيمتنعون عن نفي الخلق عنه وكان إمام الواقفة في زمن أحمد محمد بن شجاع الثلجي يفعل ذلك وهو تلميذ بشر المريسي وكانوا يسمونه ترس الجهمية ولهذا حكى أهل المقالات عنه ذلك
قال الأشعري في كتاب المقالات القول في القرآن قالت المعتزلة والخوارج وأكثر الزيدية والمرجئة وكثير من الرافضة : إن القرآن كلام الله وإنه مخلوق لله لم يكن ثم كان وقال هشام بن الحكم ومن ذهب مذهبه أن القرآن صفة لله لا يقال مخلوق ولا أنه خالق هذه الحكاية عنه وزاد الثلجي في الحكاية عنه أنه قال : لا يقال غير مخلوق أيضا كما لا يقال مخلوق لأن الصفات لا توصف
وحكى زرقان عنه أن القرآن على ضربين إن كنت تريد المسموع فقد خلق الله الصوت المقطع وهو رسم القرآن وأما القرآن ففعل الله مثل العلم والحركة منه لاهو هوولا هوغيره
قال محمد بن شجاع الثلجي ومن وافقه من الواقفة : إن القرآن كلام الله وإنه محدث كان بعد أن لم يكن وبالله كان وهو الذي أحدثه وأمتنعوا من إطلاق القول بأنه مخلوق أو غير مخلوق وقال زهير : ألا يرى أن القرآن كلام الله محدث غير مخلوق وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد وبلغني عن بعض المتفقهين كان يقول : إن الله لم يزل متكلما بمعنى أنه لم يزل قادرا على الكلام ويقول : إن كلام الله محدث غير مخلوق قال وهذا قول داود الأصبهاني وقال أبو معاذ التومني : القرآن كلام الله حدث وليس بمحدث وفعل ليس بمفعول وامتنع أن يزعم أنه خلق ويقول ليس يخلق ولا مخلوق وأنه قائم بالله ومحال أن يتكلم الله بكلام قائم بغيره كما يستحيل أن يتحرك بحركة قائمة بغيره وكذلك يقول في إرادة الله ومحبته وبغضه أن ذلك أجمع قائم بالله وكان يقول : إن بعض القرآن أمر وهو الإرادة من الله الإيمان لأن معنى أن الله أراد الإيمان هو أنه أمر به وحكى زرقان عن معمر أنه قال : إن الله تعالى خلق الجوهر والأعراض التي هي فيه هي فعل الجوهر إنما هي فعل الطبيعة فالقرآن فعل الجوهرالذي هوفيه بطبعه فهو لا خالق ولا مخلوق وهو محدث للشيء الذي هو حال فيه بطبعه وحكي عن ثمامة بن أشرس النميري أنه قال : يجوز أن يكون من الله
ويجوز أن يكون الله تعالى يبتدؤه فإن كان الله أبتدأه فهو مخلوق وإن كان فعل الطبيعة فهو لا خالق ولا مخلوق قال وهذا قول عبد الله بن كلاب
قال عبدالله بن كلاب : إن الله لم يزل متكلما وإن كلام الله صفة له قائمة به وأنه قديم بكلامه وأن كلامه قائم به كما أن العلم قائم به والقدرة قائمة به وهو قديم بعلمه وقدرته وأن الكلام ليس بحرف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير وأنه معنى واحد بالله تعالى وأن الرسم هو الحروف المتغايرة دون قراءة القارىء وأنه خطأ أن يقال كلام الله هو هو أو بعضه أو غيره وأن العبارات عن كلام الله تعالى تختلف وتتغاير وكلام الله ليس بمختلف ولا متغاير كما أن ذكرنا الله يختلف ويتغاير والمدلول لا يختلف ولا يتغاير وإنما سمي كلام الله عربيا لأن الرسم الذي هو العبارة عنه وهو قراءته عربي فسمي عربيا لعلة وكذلك سمي عبرانيا لعلة وهي أن الرسم الذي هو عبارة عنه عبراني وكذلك سمي أمرا لعلة ونهيا وخبرا لعلة ولم يزل الله متكلما قبل أن يسمى كلامه أمرا قبل وجود العلة التي بها يسمى كلامه أمرا وكذلك القول في تسمية كلامه نهيا وزجرا وأنكر أن يكون البارىء لم يزل مخبرا أو لم يزل ناهيا وقال إن الله لا يخلق شيئا إلا قال له كن فيكون فيستحيل أن يكون قوله كن مخلوقا قال : وزعم عبد الله بن كلاب أن ما يسمع الناس يتلونه هو عبارة عن كلام الله وأن موسى سمع الله متكلما بكلامه وأن معنى قوله : { فأجره حتى يسمع كلام الله } معناه حتى يفهم كلام الله قال ويحتمل على مذهبه أن يكون معناه حتى يسمع التالين يتلونه قال : وقال بعض من أنكر خلق القرآن أن القرآن قد يكتب ويسمع وأنه متغاير غير مخلوق وكذلك العلم غير القدرة والقدرة غير العلم وأن الله تعالى لايجوز أن يكون غير صفاته وصفاته متغايرة وهو غير متغاير قال
وقد حكي عن صاحب هذه المقالة أنه قال : بعض القرآن مخلوق وبعضه غير مخلوق فما كان منه مخلوقا فمثل صفات المخلوقين وغير ذلك والأخبار عن أفعالهم قال وزعم هؤلاء أن الكلام غير محدث وأن الله تعالى لم يزل به متكلما وأنه مع ذلك حروف وأصوات وأن هذه الحروف الكثيرة لم يزل الله متكلما بها وحكي عن ابن الماجشون : إن نصف القرآن مخلوق ونصفه غير مخلوق وحكى بعض من يخبر عن المقالات : أن قائلا من أصحاب الحديث قال ما كان علما من علم الله في القرآن فلا نقول مخلوق ولا نقول غير الله وما كان منه أمرا أو نهيا فهو مخلوق وحكى هذا الحاكي عن سليمان بن جرير قال وهو معه عندي قال وحكى محمد بن شجاع أن فرقة قالت أن القرآن هو الخالق وأن فرقة قالت هو بعضه وحكى زرقان أن القائل بهذا وكيع بن الجراح وأن فرقة قالت : إن الله هو بعض القرآن وذهب إلى أنه مسمى فيه فلما كان اسم الله في القرآن والاسم هو المسمى كان الله في القرآن وأن فرقة قالت هو أولى قائم بالله لم يسبقه قال الأشعري وكل القائلين بأن القرآن ليس بمخلوق كنحوعبد الله بن كلاب ومن قال إنه محدث كنحو زهير ومن قال إنه محدث كنحو أبي معاذ التوني يقولون إن القرآن ليس بجسم ولا عرض قلت : محمد بن شجاع وزر قال ونحوهما هم من الجهمية ونقلهم عن أهل السنة فيه تحريف في النقل

(6/394)


وقد ذكر الأشعري في أول كتابه في المقالات أنه وجد ذلك في نقل المقالات فإنه قال :
أما بعد فإنه لا بد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات ورأيت الناس في حكاية يحكون من ذكر المقالات ويصنفون في النحل والديانات من بين مقصر فيما يحكيه وغالط فيما يذكر من قول مخالفيه وبين معتمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من خالفه ومن بين تارك للتقضي في حكايته لما يرويه من اختلاف المختلفين ومن بين منم يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به قال : وليس هذا سبيل الديانين ولا سبيل ألفاظ المتميزين فحداني ما رأيت من ذلك على شرح ما التمست شرحه من أمر المقالات واختصار ذلك
قلت : وهو نفسه وإن تحرى فيما ينقله ضبطا وصدقا لكنه أكثر ما ينقله من مذاهب الذين لم يقف على كتبهم وكلامهم هومن نقل هؤلاء المصنفين في المقالات كزرقان وهو معتزلي وابن الراوندي وهو شيعي وكتب أبي علي الجبائي ونحوهم فيقع في النقل ما فيه من جهة هؤلاء مثل هذا الموضع فإن ما ذكره محمد بن شجاع عن فرقة أنها قالت إن القرآن هو الخالق وفرقة قالت هو بعضه وحكاية زرقان أن القائل بهذا هو وكيع بن الجراح هو من باب النقل بتأويلهم الفاسد وكذلك قوله أن فرقة قالت إن الله بعض القرآن وذهب إلى أنه مسمى فيه فلما كان اسم الله في القرآن والاسم هو المسمى كان الله في القرآن وذلك أن الذي قاله وكيع وسائر الأئمة أن القرآن من الله يعنون أن القرآن صفة الله وأنه تعالى هو المتكلم به وأن الصفة هي مما تدخل في مسمى الموصوف كما روى الخلال حدثني أبو بكر السالمي حدثنى ابن أبي أويس سمعت مالك بن أنس يقول : القرآن كلام الله من الله وليس شيء من الله مخلوق ورواه اللالكائي من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني عبد الله بن يزيد الواسطي سمعت أبا بكر أحمد بن محمد المعمري سمعت ابن أبي أويس يقول : سمعت خالي مالك بن أنس وجماعة العلماء بالمدينة يذكرون القرآن فقالوا : كلام الله وهو منه ليس من الله شيء مخلوق وقال الخلال : أخبرنا علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول : أدركت الناس ما يتكلمون في هذا ولاعرفنا هذا إلا بعد منذ سنين القرآن كلام الله منزل من عند الله لا يؤول إلى خالق ولا مخلوق منه بدأ وإليه يعود هذا الذي لم نزل عليه ولا نعرف غيره قال الخلال : أنبأنا المروزي أخبرني أبو سعيد بن أخي حجاج الأنماطي أنه سمع عمه يقول : القرآن كلام الله وليس من الله شيء مخلوق وهو منه
وروى اللالكائي من حديث حمد بن الحسن الصوفي حدثنا عبد الصمد مردويه قال : اجتمعنا إلى اسماعيل بن علية بعد ما رجع من كلامه فكنت أنا وعلي فتى هشيم وأبو الوليد خلف الجوهري وأبو كنانة الأعور وأبو محمد سرور مولى المعلى صاحب هشيم فقال له علي فتى هشيم : نحب أن نسمع منك ما نؤديه إلى الناس في أمر القرآن ققال : القرآن كلام الله وليس من الله شيء مخلوق ومن قال إن شيئا من الله مخلوق فقد كفر وأنا أستغفر الله مما كان مني في المجلس
وروى من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال أخبرت عن محرز بن عون قال محمد بن يزيد الواسطي : علمه وكلامه منه وهو غير مخلوق وقال عبد الله أنبأنا إسحاق بن البهلول سمعت ابن أبي أويس يقول : القرآن كلام الله ومن الله وما كان من الله فليس بمخلوق وقال الخلال في كتاب السنة أخبرني محمد بن سليمان قال قلت : لأبي عبد الله أحمد بن حنبل ما تقول في القرآن عن أي قالة تسأل قلت كلام الله قال كلام الله وليس بمخلوق ولا تجزع أن تقول ليس بمخلوق فإن كلام الله من الله ومن ذات الله وتكلم الله به وليس من الله شيء مخلوق
وروى عن جماعة عن أحمد بن الحسن الترمذي قال سألت أحمد فقالت : يا أبا عبدالله قد وقع في أمر القرآن ما قد وقع فإن سئلت عنه ماذا أقول فقال لي ألست أنت مخلوقا ؟ قلت نعم فقال أليس كل شيء منك مخلوقا ؟ قلت : نعم قال فكلام الله أليس هومنه ؟ قلت : نعم قال : فيكون شيء من الله عزوجل مخلوقا قال الخلال وأخبرني عبيد الله بن حنبل حدثني حنبل سمعت أبا عبد الله يقول : قال الله في كتابه العزيز : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } فجبريل سمعه من الله تعالى وسمعه النبي صلى الله عليه و سلم من جبريل صلى الله عليه و سلم وسمعه أصحاب النبي من النبى صلى الله عليه و سلم فالقرآن كلام الله غير مخلوق ولا نشك ولا نرتاب فيه وأسماء الله تعالى في القرآن وصفاته في القرآن إن القرآن من علم الله وصفاته منه فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وقد كنا نهاب الكلام في هذا حتى أحدث هؤلاء ما أحدثوا وقالوا ما قالوا ودعوا الناس إلى ما دعوهم إليه فبان لنا أمرهم وهو الكفر بالله العظيم ثم قال أبوعبد الله لم يزل الله عالما متكلما نعبد الله بصفات غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف بها نفسه سميع عليم غفوررحيم عالم الغيب والشهادة علام الغيوب فهذه صفات الله تبارك وتعالى وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما قال : { ثم استوى على العرش } كيف شاء المشيئة إليه والإستطاعة له ليس كمثله شيء وهو السميع البصيرلا يبلغه صفة الواصفين وهوكما وصف نفسه نؤمن بالقرآن محكمه ومتشابهه كل من عند ربنا قال الله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } نترك الجدال في القرآن والمراد فيه لا نجادل ولا نماري ونؤمن به كله ونرده إلى عالمه تبارك وتعالى فهو أعلم به منه بدأ وإليه يعود قال أبو عبد الله وقال : لي عبد الرحمن بن إسحاق كان الله ولا قرآن فقلت : مجيبا له كان الله ولا علم فالعلم من الله وله وعلم الله منه والعلم غير مخلوق فمن قال إنه مخلوق فقد كفر بالله وزعم أن الله مخلوق فهذا الكفر البين الصراح
قال وسمعت عبدالله بن أحمد قال ذكر أبو بكر الأعين قال سئل أحمد بن حنبل عن تفسيرقوله القرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود فقال أحمد : منه خرج هو المتكلم له وإليه يعود قال الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني حدثنا أبو يعقوب إسحق بن إبراهجم يعني ابن راهويه عن سفيان بن عيينة عن عمروبن دينار قال : أدركت الناس منذ سبعين سنة أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فمن دونهم يقولون الله خالق وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله منه خرج وإليه يعود قال الخلال حدثني عبد الله بن أحمد حدثني محمد بن إسحاق الصافاني حدثني أبو حاتم الطويل قال قال وكيع : من قال إن كلام الله ليس منه فقد كفر ومن قال إن شيئا منه مخلوق فقد كفر وروى أبو القاسم اللالكائي قال ذكر أحمد بن فرح الضرير وحدثني علي بن الحسين الهاشمي حدثنا عمي قال سمعت وكيع بن الجراح يقول : من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله مخلوق فقلت يا أبا سفيان من أين قلت هذا ؟ قال : لأن الله يقول : { ولكن حق القول مني } ولا يكون شيء من الله مخلوقا قال اللالكائي وكذلك فسره أحمد بن حنبل ونعيم بن حماد والحسن بن الصباح البزار وعبد العزيز بن يحيى الكناني فهذا لفظ وكيع بن الجراح الذي سماه زرقان وهو لفظ سائر الأئمة الذين حرف محمد بن شجاع قولهم فإن قولهم كلام الله من الله يريدون به شيئين :
أحدهما : إنه صفة من صفاته والصفة مما تدخل في مسمى اسمه وهذا كما قال الإمام أحمد فالعلم من الله وله وعلم الله منه وكقوله وقول غيره من الأئمة ما وصف الله من نفسه وسمى من نفسه ولا ريب أن هذا يقال في سائر الصفات كالقدرة والحياة والسمع والبصر وغير ذلك فإن هذه الصفات كلها من الله أي مما تدخل في مسمى اسمه
والثاني : يريدون بقولهم كلام الله منه أي خرج منه وتكلم به كقوله تعالى : { كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } وذلك كقوله : { ولكن حق القول مني } وقوله : { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } وهذا اللفظ والمعنى مما استفاضت به الآثار كما تقدم رواية ابن عباس أنه كان في جنازة فلما وضع الميت في اللحد قام رجل وقال اللهم رب القرآن أغفر له فوثب إليه ابن عباس فقال مه القرآن منه وفي الرواية الأخرى فقال ابن عباس : القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود
وقد رواه الطبراني في كتاب السنة أيضا حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري حدثنا عاصم بن علي حدثنا أبي عمر ان بن حدير عن عكرمة قال كان ابن عباس في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال : الله رب القرآن أوسع عليه مدخله الله رب القرآن أغفر له فالتفت إليه ابن عباس فقال : مه القرآن كلام الله وليس بمربون منه خرج وإليه يعود - وقال الخلال حدثني المروذي في الكتاب الذي عرضه على أحمد بن حنبل قال وقد أخبرني شيخ أنه سمع ابن عيينة يقول القرآن خرج من الله قال وحدثنا أبو عبدالله يعني أحمد بن حنبل حدثنا ابن مهدي عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحرث بن زيد بن أرطاة عن جبير بن نفير قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه ] يعني القرآن قال وحدثنا عباس الوراق وغيره عن أبي النضر هاشم بن القاسم حدثنا بكر بن حنيس عن ليث بن أبي سليم عن زيد بن أرطاة عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه ] يعني القرآن الحديث
قلت : والأول المرسل أثبت من هذا وقد رواهما الترمذي فقال : حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو الضر حدثنا بكر بن خنيس عن ليث بن أبي سليم عن زيد بن أرطأة عن أبي أمامة قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما وأن البر ليذر على رأس العبد ما دام في صلاته وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه ]
قال أبو النضر يعني القرآن قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وبكر بن حنيس قد تكلم فيه ابن المبارك وتركه في آخر أمره وقد روى هذا الحديث عن زيد بن أرطأة عن جبير بن نفير عن النبي صلى الله عليه و سلم - مرسلا حدثنا بذلك إسحاق بن منصور حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن معاوية عن العلاء بن الحرث عن زيد بن أرطأة عن جبير بن نقير قال قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه يعني القرآن ]
وروى أبو القاسم اللالكائي حديث عمرو بن دينار المتقدم وذكره من طريق محمد بن جرير الطبري حدثنا محمد بن أبي منصور الأيلي حدثنا الحكم بن محمد أبو مروان الأيلي حدثنا ابن أبي عيينة سمعت عمرو بن دينار يقول : أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود قال اللالكائي روى عبدالعزيز بن منيب المروذي عن ابن عيينة بهذا اللفظ قال ورواه عبدالرحمن بن أبي حاتم عن محمد بن عمار بن حريث حدثنا أبو مروان الطبري بمكة وكان فاضلا حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمعت شيختنا منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق
قال محمد بن عمار وأن شيخته أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ابن عباس وجابر وذكر جماعة قال ورواه محمد بن مقاتل المروذي سمعت أبا وهب وكان من ساكني مكة وكان رجل صدق عين ابن عيينة بهذا اللفظ وكذلك رواه يزيد بن وهب عن سفيان ومحمد بن عبدالله بن مسرة عن سفيان بهذا اللفظ
قلت : وكذلك رواه البخاري عن الحكم بهذا اللفظ لكنه اقتصر به على سفيان فقال حدثني الحكم بن محمد الطبري كتبت عنه بمكة حدثنا سفيان بن عيينة قال : أدركت شيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون القرآن كلام الله وليس بمخلوق ولم يروه اللالكائي هكذا عن غير البخاري وإسحاق بن راهوية قد أثبت اللفظين جميعا عن ابن عيينة عن عمرو مكتمل الإسناد والمتن وإنما سمى والله أعلم زرقان وكيعا لأنه كان من أعلم الأئمة بكفر الجهمية وباطن قولهم وكان من أعظمهم ذما لهم وتنفيرا عنهم فبلغ الجهمية من ذمه لهم ما لم يبلغهم من ذم غيره إذ هم من أجهل الناس بالآثار النبوية وكلام السلف والأئمة كما يشهد بذلك كتبهم ومحمد بن شجاع هذا مجروح منهم في روايته وترجمته في كتب الجرح والتعديل وترجمة معروفة وتجريح حكام الجرح والتعديل له مشهور
قال البخاري في كتاب الله خلق الأفعال حدثني أبو جعفر محمد بن عبدالله حدثني محمد بن قدامة اللال الأنصاري قال سمعت وكيعا يقول لا تستخفوا بقولهم القرآن مخلوق فإنه شر قولهم إنما يذهبون إلى التعطيل
قال البخاري وقال وكيع الرافضة شر من القدرية والحرورية شر منهما والجهمية شر هذه الأصناف قال الله تعالى : { وكلم الله موسى تكليما } ويقولون لم يكلم ويقولون الإيمان بالقلب
قال البخاري : وقال وكيع إحذروا هؤلاء المرجئة وهؤلاء الجهمية والجهمية كفار والمريسي جهمي وعلمتم كيف كفروا قالوا تكفيك المعرفة وهذا كفر والمرجئة يقولون الإيمان قول بلا فعل وهذا بدعة فمن قال القرن مخلوق فهو كافر بما أنزل على محمد صلى الله عليه و سلم يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه قال : وقال وكيع على المريسي لعنه الله يهودي هو أن نصراني فقال له رجل كان أبوه أو جده يهوديا أو نصرانيا قال وكيع وعلى أصحابه لعنة الله القرآن كلام الله وضرب وكيع إحدى يديه على الآخرى فقال هو ببغداد يقال له المريسي يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه
قال البخاري : وسئل عبد الله بن إدريس عن الصلاة خلف أهل البدع فقال لم يزل في الناس إذا كان فيهم مرضى أو عدل فصل خلفه فقلت : فالجهمية قال لا هذه من المقاتل هؤلاء لا يصلي خفلهم ولا يناكحون وعليهم التوبة وسئل حفص بن غياث فقال فيهم ما قال ابن إدريس قيل فالجهمية قال لا أعرفهم قيل له قوم يقولون القرآن مخلوق قال : لا جزاك الله خيرا أوردت على قلبي شيئا لم يسمع به قط قلت فإنهم يقولونه قال : هؤلاء لا يناكحون ولا تجوز شهادتهم
وسئل ابن عيينة فقال نحو ذلك قال : فأتيت وكيعا فوجدته من أعلمهم بهم فقال : يكفرون من وجه كذا ويكفرون من وجه كذلك حتى أكفرهم من كذا وكذا وجها
قلت : وهكذا رأيت الجاحظ قد شنع على حماد بن سلمة ومعاذ بن معاذ قاضي البصرة بما لم يشنع به على غيرهما لأن حمادا كان معتنيا بجمع أحاديث الصفات وإظهارها ومعاذ لما تولى القضاء رد شهادة الجهمية والقدرية فلم يقبل شهادة المعتزلة ورفعوا عليه إلى الرشيد فلما اجتمع به حمده على ذلك وعظمته فلأجل معاداتهم لمثل هؤلاء الذين هم أئمة في السنة يشنعون عليهم بما إذا حقق لم يوجد مقتضيا لذم
وأما ما حكاه الأشعري عن محمد بن شجاع أن فرقة قالت إن القرآن هو الخالق وفرقة قالت هو بعضه فقد ذكر الخلال في كتاب السنة ترجمة محمد بن شجاع وسبب أمر أحمد أهل السنة بهجره فروي الخلال من مسائل أبي الحارث قال : قلت لأبي عبدالله قال لي ابن الثلاج سمعت رجلا يقول القرآن هو الله فقال لي عمه إنا بتنا عند أحمد بن نصر وكان ابن الثلاج معنا وكان عباس الأعور فتلا ابن عباس هذه الآية : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله } قال : إلى كتاب الله فهو يتأول عليه هذا قلت له إنا قلنا لابن الثلاج يقول إن لله علما قال أنا لا أقول إن لله علما فقال أبو عبدالله استغفر الله وقلت له إني سمعته يقول كلام الله غير الله فقال دعه يقول ما شاءكم يقول لي قال ابن الثلاج وشكاني
قلت : فقد تبين بهذا أصل حكايته وهو أن ذكر أن الرد إلى الله هو الرد إلى القرآن فنقل عنه أن القرآن هو الله ولعله كان مقصود ذالك أن يستدل على أن القرآن صفة الله وأن الرد إليه هو الرد إلى الله نفسه لأنه هو كلامه القائم به كما أن الرد إلى الرسول هو الرد إلى كلامه الذي قام به وأنه لو كان القرآن إنما هو قائم ببعض الأجسام المخلوقة لكان الرد إليه ردا إلى ذلك الجسم المخلوق لا إلى الله تعالى فنقل عنه أنه جعل القرآن هو الخالق وهذا ابن الثلاج كان من أصحاب بشر المريسي فأظهر التوبة من ذلك وأظهر الوقف في لفظ المخلوق دون لفظ المحدث كما حكاه الأشعري عنه ومقصوده مقصود من يقول هو مخلوق وعرف الأئمة حقيقة حاله فلم يقبل الإمام أحمد وسائر أهل السنة هذه التوبة لأنه توبة غير صحيحة حتى كان يعادي أهل السنة ويكذب عليهم حتى كذب على الإمام أحمد غير مرة
وقد ذكر قصته أبو عبدالله الحسين بن عبدالله الخرقي خليفة المروذي والد أبي القاسم صاحب المختصر في الفقه في قصص الذين أمر أحمد بهجرانهم ومسألته للمروذي عنهم واحدا واحدا وأخبار المروذي له بما كان عنده في ذلك ونقل الخلال أخباره في كتاب السنة مما يوضح الأمر فقال أخبرني الحسين بن عبدالله قال سألت أبا بكر المروذي عن قصة ابن الثلاج فقال : قال لي أبو عبدالله جاءني هارون الحمال فقال إن ابن الثلاج تاب عن صحبة المريسي فأجيء به إليك قال قلت لا ما أريد أن يراه أحد على بابي قال أحب أن أجيء به بين المغرب والعشاء فلم يزل يطلب إلي قال قلت هو ذا يقول أجب فأي شيء أقول لك قال : فجاء به فقلت له إذهب حتى تصح توبتك وأظهرها ثم رجع قال فبلغنا أنه اظهر الوقف
قال أبو بكر المروذي فمضيت ومعي نفسان من أصحابنا فقلت له : قد بلغني عنك شيء ولم أصدق به قال : وما هو ؟ قلت : نقف في القرآن فقال : أنا أقول ككلام الله فجعل يحتج بيحيى بن آدم وغيرهم أنهم وقفوا فقلت له : هذا من الكتاب الذي أوصى لكم بن عبيد بن نعيم فقال : لا تذكر الناس
فقلت له : أليس أجمع المسلمون جميعا أنه من حلف بمخلوق أنه لا كفارة عليه ؟ قال : نعم قلت فمن حلف بالقرآن أليس قد أوجبوا عليه كفارة لأنه حلف بغير مخلوق ؟ فقال : هذا متاع أصحاب الكلام ثم قال إنما أقول كلام الله كما أقول أسماء الله فإنه من الله ثم قال وأي شيء قام به أحمد بن حنبل ثم قال علموكم الكلام وأومأ إلى ناحية الكرخ يريد أبا ثور وغيره فقمنا من عنده فما كلمناه حتى مات
وروى الخلال من وجهين عن زياد بن أيوب قال قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل : يا أبا عبدالله وعلماء الواقفة جهمية ؟ قال : ثم مثل ابن الثلاج وأصحابه الذين يجادلون
قلت : ولو فرض أن بعض أهل الإثبات أطلق القول بأن القرآن أو غيره من الصفات بعضه فهذا إما أن ينكر لأن يقال الصفة القائمة بالموصوف كالعلم والكلام لا يقال هي بعضه أو لأن الرب تبارك وتعالى لا يقال أن له بعضا كما للأجسام بعض فإن كان الإنكار لأجل الأول فأهل الكلام متنازعون في صفات الجسم هل يقال أنها بعض الجسم أو يقال هي غيره أو لا يقال هي غيره فذكر الأشعري عن ضرار بن عمرو أنه قال الألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والرقة أبعاض الأجسام وأنها متجاوز قال وحكى عنه مثل ذلك في الاستطاعة والحياة وزعم أن الحركات والسكون وسائر الأفعال التي تكون من الأجسام أعراض لا أجسام

(6/397)


وحكى عنه في التأليف أنه كان يثبته بعض الجسم فأما غيره ممن كان ينافي قوله في الأجسام فإنه كان يثبت التأليف والإجتماع والافتراق والاستطاعة غير الأجسام وقطع عنه الأشعري في موضع أنه كان يزعم أن الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل وأنها بعض المستطيع وأن الانسان أعراض مجتمعة وكذلك الجسم أعراض مجتمعة من لون وطعم ورائحة وحرارة وبرودة ومحبة وغير ذلك وأن الأعراض قد يجوز أن تنقلب أجساما وواقفة على ذلك حفص الفرد وغيره وأن الإنسان قد يفعل الطول والعرض والعمق وأن ذلك أبعاض الجسم
قال : وقال الأصم وهو عبدالرحمن بن كيسان الأصم أستاذ إبراهيم بن إسماعيل بن علية الذي كان يناظر قال الأشعري فقال الأصم لا أثبت إلا الجسم الطويل العريض العميق ولم يثبت حركة غير الجسم ولا يثبت سكونا غيره ولا قياما غيره ولا قعودا غيره ولا إجتماعا غيره ولا حركة ولا سكونا ولا لونا ولا صوتا ولا طعما غير ولا رائحة قال الأشعري فأما بعض أهل النظر ممن يزعم أن الأصم قد علم الحركات والسكون والألوان ضرورة وإن لم يعلم أنها غير الجسم فإنه يحكي عنه أنه كان لا يثبت الحركة والسكون وسائر الأفعال وغير الجسم ولا يحكي عنه أنه قال لا يثبت حركة ولا سكونا ولا قياما ولا قعودا ولا اجتماعا ولا افتراقا على وجه من الوجوه وكذلك يقول في سائر الأعراض
قلت : هذا القول الثاني أنها ثابتة لكن ليست غير الجسم هو الذي قد يقوله بعض العقلاء فأما نفي وجودها فهو سفسطة من جنس نفي الجسم وهذا القول هو قول غير هذا مثل هشام بن الحكم وغيره قال الأشعري وقال هشام بن الحكم الحركات وسائر الأفعال من القيام والقعود والإرادة والكراهة والطاعة والمعصية وسائر ما يثبت المثبتون أعراضا أنها صفات الأجسام لا هي الأجسام ولا غيرها إنها ليست بأجسام فيقع عليها التغاير قال وقد حكى هذا عن بعض المتقدمين وأنه كان يقول كما حكينا عن هشام وأنه لم يكن يثبت أعرضا غير الأجسام وحكي عن هشام أنه كان لا يزعم أن صفات الإنسان أشياء لأن الأشياء هي الأجسام عنده وكان يزعم أنها معان وليست بأشياء
قلت : وهشام يقول ذلك أيضا في صفات الله أنها ليست هو ولا غيره وطرد القول في جميع الصفات ودفع بذلك ما كانت المعتزلة تورده على الصفاتية من التناقض قال : قال قائلون منهم أبو الهذيل وهشام وبشر بن المعتمر وجعفر بن حرب والاسكافي وغيرهم الحركات والسكون والقيام والقعود والاجتماع والافتراق والطول والعرض والألوان والطعوم والروائح والأصوات والكلام والسكوت والطاعة والمعصية والكفر والإيمان وسائر أفعال الإنسان والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة أعراض غير الأجسام قال : وحكى رزقان عن جهم بن صفوان أنه كان يزعم أن الحركة جسم ومحال أن تكون غير الجسم لأن غير الجسم هو الله تعالى ولا يكون شيء يشبهه قال وكان إبراهيم النظام فيما حكي عنه يزعم أن الطول هو الطويل وأن العرض هو العريض وكان يثبت الألوان والطعوم والروائح والأصوات والآلام والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أجساما لطافا ويزعم أن حيز اللون هو حيز الطعم والرائحة وأن الأجسام اللطاف قد تحل في حيز واحد وكان لا يثبت عرضا إلا الحركة فقط
قال : وكان عباد بن سليمان يثبت الأعراض غير الأجسام فإذا قيل له تقول الحركة غير المتحرك والأسود غير السواد امتنع من ذلك وقال : قولي في الجسم متحرك إخبار عن جسم وحركة فلا يجوز أن أقول الحركة غير المتحرك قال : وقال قائلون من أصحاب الطبائع أن الأجسام كلها من أربعة طبائع حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة أن الطبائع الأربعة أجسام ولم يثبتوا شيئا إلا هذه الطبائع الأربعة وأنكروا الحركات وزعموا أن الألوان والطعوم والروائح هي الطبائع الأربع وقال قائلون منهم أن الأجسام من أربعة طبائع وأثبتوا الحركات ولم يثبتوا عرضا غيرها ويثبتون الألوان والروائح من هذه الطبائع وقال قائلون : الأجسام من أربعة طبائع روح سائحة فيها وأنهم لا يعقلون جسما إلا هذه الخمسة الأشياء وأثبتوا الحركات أعراضا قال : وقال قائلون بإبطال الأعراض والحركات والسكون وأثبتوا السواد وهو الشيء الأسود لا غيره وكذلك البياض وسائر الألوان وكذلك الحلاوة والحموضة وسائر الطعوم وكذلك قولهم في الروائح والحرارة أنها الشيء الحار وكذلك قولهم في الرطوبة والبرودة واليبوسة وكذلك قولهم في الحياة أنها هي الحي وهؤلاء منهم من يثبت حركة الجسم وفعله غيره ومنهم من لا يثبت عرضا غير الجسم على وجه من الوجوه
قلت : هذا القول في صفات المخلوقين يضاهي قول شيخ المعتزلة أبي الهذيل في صفات الله قال الأشعري : قال شيخهم أبو الهذيل العلاف أن علم الباري تعالى هو هو وكذلك قدرته وسمعه وبصره وحكمته وكذلك كان قول في سائر صفات ذاته وكان يزعم إذا زعم أن الباري عالم فقد أثبت علما هو الله ونفى عن الله جهلا ودل على معلوم كان أو يكون وإذا قال أن الباري قادر فقد أثبت قدرة هي الله تعالى ونفى عن الله عجزا ودل على مقدور كان أو يكون وكذلك كان قوله في سائر صفات الذات على هذا التثبيت وكان إذا قيل له حدثنا عن علم الله الذي هو الله أتزعم أنه قدرته أبي ذلك وإذا قيل له فهو غير قدرته أنكر ذلك وهذا نظير ما أنكره من قول مخالفيه أن علم الله لا يقال هو الله ولا يقال غيره وكان إذا قيل له فقل أن الله علم ناقض ولم يقل أنه علم الله هو الله قال وكان يسأل فيمن يزعم أن طول الشيء هو هو : وكذلك عرضة فيقول إن طوله هو عرضه قال وهذا راجع عليه في قوله أن علم الله هو الله وإن قدرته هي هو لأنه إذا كان علمه هو هو وقدرته هي هو فواجب أن يكون علمه هو قدرته والالزام التناقض قال : وهذا أخذه أبو الهذيل عن ارسطاطاليس وذلك أن ارسطاطاليس قال في بعض كتبه أن الباري علم كله قدرة كله حياة كله سمع كان بصر كله فحسن اللفظ عند نفسه وقال علمه هو هو
قلت : هو قول أرسطوا وأصحابه أن العقل والعاقل والمعقول شيء واحد وكذلك العناية
قلت : فهذه نقول أهل الكلام بعضهم عن بعض أنهم يجعلون الصفة هي الموصوف في الخالق والمخلوق فهو لا يناسب قولهم أن الكلام هو المتكلم
وأما أهل السنة والإثبات فقد ظهر كذب النقل عنهم وأما إطلاق القول بأن الصفة بعض الموصوف أنها ليست غيره فقد قال ذلك طوائف من أئمة أهل الكلام وفرسانهم وإذا حقق الأمر في كثير من هذه المنازعات لم يجد العاقل السليم العقل ما يخالف ضرورة العقل لغير غرض بل كثير من المنازعات يكون لفظيا أو اعتباريا فمن قال إن الأعراض بعض الجسم أو أنها ليست غيره ومن قال إنها غيره يعود النزاع بين محققيهم إلى لفظ واعتبار وإختلاف اصطلاح في مسمى بعض وغيره كما قد أوضحنا ذلك في بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ويسمى أيضا تخليص التلبيس من كتاب التأسيس الذي وضعه أبو عبدالله الرازي في نفي الصفات الخبرية وبين ذلك على أن ثبوتها يستلزم افتقار الرب تعالى إلى غيره وتركيبه من الأبعاض وبينا ما في ذلك من الألفاظ المشتركة الجملة فهذا إن كان أحد أطلق لفظ البعض على الذات وغيره من الصفات وقال إنه بعض الله وأنكر ذلك عليه لأن الصفة ليست غير الموصوف مطلقا وإن كان الإنكار لأنه لا يقال في صفات الله لفظ البعض فهذا للفظ قد نطق به أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم ذاكرين وآثرين
قال أبو القسم الطبراني في كتاب السنة : حدثنا حفص بن عمرو حدثنا عمرو ابن عثمان الكلابي حدثنا موسى بن أعين عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال : إذا أراد الله أن يخوف عباده أبدا عن بعضه للأرض فعند ذلك تزلزلت وإذا الله أن يدمدم على قول تجلى لها عز و جل
وقد جاء في الأحاديث المرفوعة في تجليه سبحانه للجبل ما رواه الترمذي في جامعه حدثنا عبدالله بن عبدالرحمن يعني الدرامي أبنأنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سملة عن ثابت بن أنس [ أن النبي صلى الله عليه و سلم - قرأ هذه الآية : { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } ] قال حماد هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة أصبعه اليمنى قال فساخ الجبل وخر موسى صقعا
قال الترمذي هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة
وقال أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب حدثنا حسين بن الأسود حدثنا عمرو بن محمد العنقري حدثنا أسباط عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس : { فلما تجلى ربه للجبل } قال ما تجلى منه إلا مثل الخنصر قال فجعله دكا قال ما تجلى منه إلا مثل الخنصر قال فجعله دكا قال ترابا وخر موسى صقعا غشي عليه فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك عن أن أسألك الرؤية وأنا أول المؤمنين قال أول من آمن بك من بن إسرائيل
ورواه الطبراني قال حدثنا محمد بن إدريس بن عاصم الحمال حدثنا إسحاق ابن راهوية حدثنا عمرو بن محمد العنقري فذكره عن ابن عباس : فلما تجلى ربه للجبل قال ماتجلى منه إلا مثل الخنصر فجعله دكا قال ترابا
ورواه البيهقي في كتاب إثبات الرؤية له أخبرنا محمد بن عبدالله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق يعني العدفاني حدثنا عمرو بن طلحة في التفسير حدثنا أسباط عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال : تجلى منه مثل طرف الخنصر فجعله دكا والصفاني ومن فوقه إلى عكرمة روى لهم مسلم في صحيحه ؟ وعكرمة روى له البخاري في صحيحه
وروى الثوري وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة بعضهم عن ابن أبي نجيح وبعضهم عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله داود : { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } قال يدينه حتى يمس بعضه وهذا متواتر عن هؤلاء وممن رواه الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عام النبيل في كتاب السنة حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد بن عبيد بن عمير { وإن له عندنا لزلفى } قال ذكر الدنو منه حتى أنه يمس بعضه وقال حدثنا أبو بكر حدثنا ابن فعنيل عن ليث عن جاهد : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } قال : يقعده معه على العرش
وقال الإمام أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة حدثنا فضيل بن سهل حدثنا عمرو بن طلحة القناد حدثنا أسباط بن نصر عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : { ولقد رآه نزلة أخرى } قال إن النبي صلى الله عليه و سلم - رأى ربه فقال له رجل أليس قد قال الله تعالى : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } فقال له عكرمة أليس ترى السماء ؟ قال بلى قال أفكلها ترى ؟ ففي هذه أن عكرمة أخبر قدام ابن عباس أن إدراك البصر هي رؤية المدرك كله دون رؤية بعضه فالذي يرى السماء ولا يراها كلها ولا يكون مدركا لها وجعل هذا تفسيرا لقوله : { لا تدركه الأبصار } وأقره ابن عباس على ذلك ومع هذا هؤلاء الذين نقل عنهم هذا اللفظ فقد نقل عنهم أيضا إنكار تبعضه سبحانه وتعالى وبين الناقلون معنى ذلك
قال الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة حدثني عبدالرحمن بن محمد الأملي عن موسى بن عيسى بن حماد بن زغبة حدثنا نعيم بن حماد حدثنا نوح بن مريم عن إبراهيم بن ميمون عن عكرمة قال : جاء نجدة الحروري إلى ابن عباس فقال يا أبا عباس نبئنا كيف معرفتك بربك تبارك وتعالى فإن من قبلنا اختلفوا علينا فقال ابن عباس : من نصب دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس مائلا عن المنهاج ظاعنا في الأعوجاج ضالا عن السبيل قائلا غير جميل أعرفه بما عرف به نفسه تبارك وتعالى من غير رؤية
قال نعيم في الدنيا واصفه بما وصف به نفسه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس معروف بغير شبيه ومتدان في بعده
قال نعيم : يقول هو على العرش ولا يخفى عليه خافية لا تتوهم ديموميته ولا يمثل بخليقته ولا يجور في قضية الخلق إلى ما علم منقادون وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماضون لا يعلمون بخلاف ما منهم علم ولا غيره يريدون فهو قريب غير ملتزق يعني قريبا بعلمه وبعيدا غير منقض يحقق ولا يمثل ويوجد ولا يبعض قال نعيم لا يقال بعضه على العرض وبعضه على الأرض يدرك بالآيات ويثبت بالعلامات هو الكبير المتعال تبارك وتعالى
قلت : هذا الكلام في صحته عن ابن عباس نظر والذي يغلب على الظن أنه ليس من كلام ابن عباس ونوح بن أبي مريم له مفاريد من هذا النمط ولكن لا ريب أن نعيم بن حماد ذكر ذلك في كتبه التي صنفها في الرد على الجهمية وهو قد نفى تبعيضه بالمعنى الذي فسره وهذا ما لا يستريب فيه المسلمون وهذا مما دل عليه قوله تعالى : { قل هو الله أحد * الله الصمد } كما قد بسطنا الكلام فيه في موضعه في الكلام على من تأول هذه السورة على غير تأويلها ولا ريب أن لفظ البعض والجزء والغير ألفاظ مجملة فيها إيهام وإبهام فإنه قد يقال ذلك على ما يجوز أن يوجد منه شيء دون شيء بحيث يجوز أن يفارق بعضه بعضا وينفصل بعضه عن بعض أو يمكن ذلك فيه
كما يقال : حد الغيرين ما جاز مفارقة أحدهما للآخر كصفات الأجسام المخلوقة من أجزائها وأعراضها فإنه يجوز أن تتفرق وتنفصل والله سبحانه منزه عن ذلك كله مقدس عن النقائص والآفات وقد يراد بذلك ما يعمل منه شيء دون شيء فيكون المعلوم ليس هو غير المعلوم وإن كان لازما له لا يفارقه والتغاير بهذا المعنى ثابت لك موجود فإن العبد قد يعلم وجود الحق ثم يعلم أنه قادر ثم أنه عالم ثم أنه سميع بصير وكذلك رؤيته تعالى كالعلم به فمن نفى عنه وعن صفاته التغاير والتبعيص بهذا المعنى فهو معطل جاحد للرب فإن هذا التغاير لا ينتفي إلا عن المعدوم

(6/405)


وهذا قد بسطناه في كتاب بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية في الكلام على سورة الإخلاص وغير ذلك بسطا بينا ومن علم ذلك زالت عنه الشبهات في هذا الباب فقول السلف والأئمة ما وصف الله من الله وصفاته منه وعلم الله من الله وله نحو ذلك مما استعملوا فيه لفظ من وإن قال قائل معناها التبعيض فهو تبعيض بهذا الإعتبار كما يقال إنه تغاير بهذا الاعتبار ثم كثيرا من الناس يمتنع أو ينفي لفظ التغاير والتبعيض ونحو ذلك وبعض الناس لا يمتنع من لفظ التغاير ويمتنع من لفظ التعيض وبعضهم لا يمتنع من اللفظين إذا فسر المعنى وأزيلت عنه الشبهة والإجمال الذي في اللفظ
ولا ريب أن الجهمية تقول في هذا الباب ما هم متناقضون فيه تناقضا معلوما بالبديهة ثم إن الذين ينفون أن لا يتصف إلا بالمعدوم فيتناقضون ويعطلون فإنهم يقولون إن كونه واحدا يمتنع أن يكون له صفة بوجه من الوجوه لأن ذلك يوجب الكثرة والعددية قالوا ويجب تنزيهه عن ثبوت عدد وكثرة في وصف أو قدرة ثم إنهم يضطرون إلى أن يقولوا هو قديم حق رب حي عليم قدير ونحو ذلك من المعاني التي يمكن علمنا ببعضها دون بعض والمعلوم ليس هو الذي ليس بمعلوم وذلك يقتضي ما فروا منه مما سموه تعددا وكثرة وتبعيضا وتغايرا فهذا تناقضهم ثم إن سلب ذلك لا يكون إلا عن المعدوم وأما الموجود فإما قديم وإما محدث وإما موجود بنفسه وإما ممكن مفتر إلى غيره وإن الموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره إلى غير ذلك من المعاني التي تميز بها الموجودات بعضها عن بعض إذ لكل موجود حقيقة خاصة يميز بها يعلم منها شيء دون شيء وذلك هو التبعيض والتغاير الذي يطلقون إنكاره وهذا أصل نفاة الجهمية المعطلة وهم كما قال الأئمة لا يثبتون شيئا في الحقيقة
ولهذا قال الإمام أبو عمر بن عبدالبر الذي أقول أنه إذا نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وعبدالرحمن وسائر المهاجرين والأنصار وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجا علم أن الله عز و جل لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين وبإعلامم النبوة ودلائل الرسالة لا من قبل حركة ولا سكون ولا من باب الكل والبعض ولا من باب كان ويكون ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبا وفي الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه لازما ما أضاعوه ولو أضاعوا الواجبات لما نطق القرآن يتزكيتهم وتقديمهم ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم ولو كان ذلك من علمهم مشهورا ومن أخلاقهم معروفا لاستفاض عنهم واشتهروا به كما اشتهروا بالقرآن والروايات وقول رسول الله صلى الله عليه و سلم [ ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ] عندهم مثل قول الله : { فلما تجلى ربه للجبل } ومثل قوله : { وجاء ربك والملك صفا صفا } كلهم يقول ينزل ويتجلى ويجيء بلا كيف ولا يقولون كيف يجيء وكيف يتجلى وكيف ينزل وفي قوله { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجليا للجبل وفي ما يفسر لك حديث التنزيل ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله تجلى ربه للجبل فلينظر في تفسير بقي بن مخلد وتفسير محمد ابن جرير وليقف على ما ذكرا من ذلك والله أعلم
وقد ذكر القاضي أبو يعلى في كتاب أبطال التأويلات لأخبار الصفات ما رواه عبدالله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا أبو المغيرة الخولاني حدثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال : إن الله إذا أراد أن يخوف عبادة أبدى عن بعضه إلى الأرض فعند ذلك تزلزل وإذا أراد أن يدمر على قول تجلى لها قال ورواه ابن فورك عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخوف أهل الأرض أبدى عن بعضه وإذا أراد أن يدمر عليها تجلى لها ثم قال أنه قوله أبدى عن بعضه فهو على ظاهره وأنه راجع إلى الذات إذ ليس في حمله على ظاهره وأنه راجع إلى الذات ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحق فإن قيل بل في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته لأنه يستحيل وصفاته بالكل والبعض والجزء فوجب حمله على إبداء بعض آياته وعلاماته تحذيرا وإنذارا قيل لا يمتنع إطلاق هذه الصفة على وجه لا يفضي إلى التجزئة والتبعيض كما أطلقنا تسمية يد ووجه لا على وجه التجزئة والتبعيض وإن كنا نعلم أن اليد في الشاهد بعض الجملة قال : وجواب آخر وهو أنه لو جاز أن يحمل قوله وإذا أبدى عن بعضه على بعض آياته لوجب أن يحمل قوله أراد أن يدمر على قوم تجلى لها على جميع آياته ومعلوم أنه لم يدمر قرية بجميع آياته لأنه قد أهلك بلادا كل بلد يغير ما أهلك به الآخر وكذلك قال الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الجهمية لما ذكر قول جهم قال فتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث النبي صلى الله عليه و سلم وزعم أن من وصف من الله شيئا مما يصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرا فبين أحمد في كلامه أن من الله ما يوصف وأنه يوصف بذلك فذلك موصوف والرب موصوف به وهذا كلام سديد فإن الله في كلامه وصف ما وصف من علمه وكلامه وخلقه بيديه وغير ذلك وهو موصوف بهذه المعاني التي وصفها ولذلك سميت صفات فإن الصفة أصلها وصفة مثل جهة أصلها وجهة وعدة وزنة أصلها وعدة ووزنة وهذا المثال وهو فعله قد يكون في الأصل مصدرا كالعدة والوعد فكذلك الصفة وموصف وقد يكون بمعنى المفعول كقولهم حلية ووجهه وشرعة وبدعة فإن فعلا يكون بمعنى المفعول كقوله [ بذبح عظيم ] أي بمذبوح والشرعة المشروعة والبدعة والوجة هي الجهة التي يتوجه إليها فكذلك قد يقال في لفظ الصفة إن لم تنقل عن المصدر أنها الموصوفة
وعلى هذا ينبني نزاع الناس هل الوصف والصفة في الأصل بمعنى واحد بمعنى الأقوال ثم استعملا في المعاني تسمية للمفعول باسم المصدر إذ الوصف هو القول الذي هو المصدر والصفة هي المفعول الذي يوصف بالقول وأكثر الصفاتية على هذا الثاني وقولهم أيضا يصح على القول الأول كما كنا نقرره قبل ذلك إذ أهل العرف قد يخصون أحد اللفظين بالنقل دون الآخر لكن تقرير قولهم على هذه الطريقة الثانية أكمل وأتم كما ذكرناه هنا
فقول أحمد وغيره : فمن وصف من الله شيئا مما يصف به نفسه فالشيء الموصوف هو الصفة كعلمه ويديه وهذه الصفة الموصوفة وصف الله بها نفسه أي أخبر بها عن نفسه وأنبتها لنفسه كقوله : { أنزله بعلمه } وقوله : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي }
ثم قال أحمد : فإن قيل لهم من تعبدون ؟ قالوا : نعبد من يدبر أمر هذا الخلق
فقلنا : هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة ؟ قالوا : نعم فقلنا : قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون إلى أن قال لهم فقد جمعتم في مسألة الكلام كما تقدم ذكر لفظه بين كفر وتشبيه فتعالى عن هذه الصفة إلى قول قال فقالوا : لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء فقلنا نحن نقول قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجيمع صفاته إله واحد لا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى خلق فعلم والذي لا يعلم هو جاهل ولكن نقول لم يزل الله عالما قادرا مالكا لا متى ولا كيف وقد سمي الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخرومي فقال : { ذرني ومن خلقت وحيدا } وقد كان الله سماه وحيدا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة فقد سماه وحيدا بجميع صفاته فكذلك الله وله المثل الأعلى هو بجميع صفاته إله واحد فقد بين أن ما لا يعرف بصفة فهو معدم وهذا حق وبين أنه متعال عن الصفة التي وصفه بها الجهمية وذكر أنه إذا قلنا لم يزل بصفاته كلها إنما نصف إلها واحدا وبين أن النبات والحيوان يسمى واحدا وإن كان له صفات هي كالجذع والكرب من النخلة وكاليد والرجل من الإنسان فالرب أولى أن يكون واحدا وإن كان له صفات إذ هو أحق بالوحدانية واسم الواحد من المخلوقات التي قد تتفرق صفاتها وتتبعض وتكون مركبة منها والرب تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد والمقصود أنه سمى هذه الأمور صفات أيضا
ونظير ذلك ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في التمهيد في شرح الموطأ بعد أن قال : أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يجدون فيه صفة محصورة

(6/412)


وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود بلا سوف والحق فيما قاله القائلون بما ينطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله
روى حرملة بن يحيى سمعت عبدالله بن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول : من وصف شيئا من ذات الله مثل قوله وقالت اليهود يد الله مغلولة فأشار بيده إلى عنقه ومثل قوله وهو السميع البصير فأشار إلى عينه واذنه أو شيئا من يديه قطع ذلك منه لأنه شبه الله بنفسه ثم قال مالك :
أما سمعت قول البراء حين حدث أن النبي صلى الله عليه و سلم - لا يضحي بأربع من الضحايا وأشار البراء بيده كما أشار النبي صلى الله عليه و سلم - قال البراء ويدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه و سلم فكره البراء أن يصف يد رسول الله صلى الله عليه و سلم - إجلالا له وهو مخلوف فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء انتهى
والمقصود قوله من وصف شيئا من ذات الله فجعل الموصوف من ذات الله وغالب كلام السلف على هذا كقول عبدالعزيز بن عبدالله بن أبي سلمة الماجشون نظير مالك في كلامه المشهور في الصفات
وقد رواه بالإسناد أبو بكر الأثرم وأبو عمرو الطلمنكي وأبو عبدالله بن بطة في كتبهم وغيرهم قال : أما بعد فقد فهمت ما سئلت فيما تتابعت الجهمية ومن خلفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحسرت العقول دون معرفة قدره ردت عظمته العقول فلم تجد مساغا فرجعت خاسئة وإنما أمروا بالنظر والتكفير فيما خلق بالتقدير وإنما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا يبلى وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدره واصف على أنه الحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر مخلوقاته لا تكاد تراه صغيرا يحول ويزول ولا يرى له سمع ولا بصر لما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين وخالقهم وسيد السادة وربهم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير إعرف رحمك الله تعالى وغناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها إذا لم تعرف قدر ما وصف فما كلفك علم ما لم يصف هل يستدل بذلك على شيء من طاعته أو ينزجر به عن معصيته
فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا قد استهوته الشياطين في الأرض حيران فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب من وسمى نفسه بأن قال لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا فعمي عن البين بالخفي فجحد ما سمي الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله عز و جل : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } : فقال لا يراه أحد يوم القيامة فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونظرته إياهم في مقعد صدق عن مليك مقتدر فهم بالنظر إليه ينظرون إلى أن قال : وإنما جحد رؤيته يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا : قال مؤمنين وكان له جاحدا
وقال المسلمون [ يا رسول الله : هل نرى ربنا فقال رسول الله عليه وسلم : هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا : لا قال : فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك ]
وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لا تمتلىء النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط وينزوي بعضها إلى بعض ]
وقال لثابت بن قيس : [ لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة ] وقال فيما بلغنا : [ أن الله ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم فقال له رجل من العرب : إن ربنا ليضحك قال : نعم قال : لا نعدم من رب يضحك ] خيرا في أشباه لهذا مما لم يخصه
وقال الله تعالى : { وهو السميع البصير } وقال : { اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } وقال : { ولتصنع على عيني } وقال : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } وقال : { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } فوالله ما دلهم على عظم ما وصف من نفسه وما تحيط به قبضته الأصغر نظيرها منهم عندهم أن ذلك الذي ألقي في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم فما وصف الله من نفسه فسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه ولم نتكلف منه صفة ما سواه لا هذا ولا هذا لا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف

(6/415)


أعلم رحمك الله أن العصمة في الدين تنتهي حيث انتهى بك ولا تجاوز ما قد حد لك فإن من قوام الدين معرفة المعروف وإنكار المنكر فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارث علمه الأمة فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عينا ولا تكلفن بما وصف من ذلك قدرا وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في الحديث عن نبيك من ذكر ربك فلا تتكلفن علمه بعقلك ولا تصفه بلسانك واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه فإن تكلفك معرفة ما لم يصف به نفسه مثل إنكارك ما وصف منها فكما أعظمت ما جحد الجاحدون مما وصف من نفسه فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها فقدر الله عز و جل المسلمون الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه وما يبلغهم مثله عن نبيه فما مرض من ذكر هذا وتسميته من الرب قلب مسلم ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن
وما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما سمي ووصف الرب تعالى من نفسه والراسخون في العلم الواقفون حيث انتهى علمهم الواصفون لربهم بما وصف من نفسه التاركون لما ترك من ذكرها لا ينكرون صفة ما سمي منها جحدا ولا يتكلفون وصفة بما لم يسم تعمقا لأن الحق ترك ما ترك وسمى ما سمى فمن يتبع غير سبيل المؤمنين قوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا وهب الله لنا ولكم حكما وألحقنا بالصالحين
فتدبر كلام هذا الإمام وما فيه من المعرفة والبيان والمقصود هنا تكلمه بلفظ من في مواضع عديدة كقوله : وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهي يعرفه عارف أو يحد قدره واصف فذكر أن صفة شيء منه لا يعرف أحد حدها ولا قدرها ثم قال : الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفة أصغر مخلوقاته فجعل الصفة هنا له لا لشيء منه لأنه استدل بالعجز عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة المخلوق ثم أمر بمعرفة ما ظهر علمه بالكتاب والسنة والسكوت عما لم يظهر علمه وذم من نفى ما ذكر أو تكلف علم ما لم يذكر فقال : إعرف غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها فذكر أن من نفسه ما لم يصفه ونهى عن تكلف صفته لأن الذي وصفه من نفسه يعجز عن معرفة قدره فالعجز عما لم يذكر أولى قال : إذا لم تعرف قدر ما وصف فما كلفك علم ما لم يصف ثم قال : فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه تعمقا وتكلفا فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال لا بد إن كان له كذا من أن يكون له هذا فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها فذكر أيضا في هذا الكلام أن الرب وصف من نفسه وسمى من نفسه ما وصف وسمى وصمت عما لم يسم من نفسه وأن الجهمية يجحدون الموصوف المسمى من نفسه بأن ذلك يستلزم كذا وينفون اللازم الذي صمت الرب عنه فلم يذكره بنفي ولا إثبات
ثم بين أن الجهمي ينكر الرؤية لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحدا فذكر أن المؤمنين يرون منه يوم القيامة ما صدقوا به في الدنيا وجحدته الجهمية وأن الجهمي علم أن رؤيته تستلزم ثبوت ما جحده فلذلك أنكرها
وهكذا فإن الرؤية تستلزم ثبوت ذلك لا ريب ولهذا كان من أثبت الرؤية ووافق الجهمي على نفي لوازمها مخالفا للفطرة العقلية عند عامة العقلاء المثبتة والنافية ثم قال : لما ذكر قوله والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه فو الله ما دلهم على عظم ما وصف من نفسه وما تحيط به قبضته الأصغر نظيرها منهم
فذكر أن ما دلت عليه الآية هو ما وصفه من نفسه وأن هذا الموصوف منه نظيره منهم صغير فإذا كان هذا عظمة الذي هو صغير بالنسبة إلى ما لم يذكر فكيف بعظمة ما لم يصف من نفسه سبحانه وتعالى ثم قال : فما وصف من نفسه فسماه سميناه كما سماه ولم تتكلف من صفة ما سواه
فذكر أن نسمي ونصف ما سمي ووصف من نفسه ولا نتكلف أن نصف منه ما سوى ذلك لا نجحد الموصوف من نفسه ولا نتكلف معرفة ما لم يصفه من نفسه وسائر كلامه يوافق هذا يبين أنه وصف من نفسه موصوفات وسكت عما لم يصفه من نفسه كقوله فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه مثل إنكارك ما وصف منها فكما أعظمت ما جحد الجاحدون مما وصف من نفسه فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها
فقد والله عز المسلمون الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر ويسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه وما يبلغهم مثله عن نبيه فما مرض من ذكر هذا وتسميته من الرب قلب مسلم ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب قلب مؤمن
قوله في هذا الموضع يسمعون ما وصف الرب من نفسه من هذا في كتابه فالله قال هنا ما وصف الرب به نفسه من هذا وفي سائر المواضع يقول ما وصف من نفسه وذلك لأنه هنا قال يسمعون فلا بد أن يذكر الكلام الذي وصف الله به نفسه والمسموع يتضمن ما وصفه من نفسه فهذا قال يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا وفي غير هذا الموضع كقوله فما وصف من نفسه فسماه سميناه كما سماه أراد ما دل عليه الكلام وبينه ووصفه وهو الذي وصفه الله من نفسه وسماه وذلك يعلم ويعرف ويذكر ولا يسمع إلا إذا وصف وذكر وسيأتي بيان أن هذه الموصوفات التي وصفها الله من نفسه يوصف بها أيضا فهي موصوفة باعتبار والرب يوصف بها باعتبار
وذكر أبو الشيخ الاصبهاني في كتاب السنة له قال وفيما أجازني جدي رحمه الله قال : قال إسحق بن راهوية إن الله تبارك وتعالى وصف نفسه من كتابه بصفات استغنى الخلق كلهم عن أن يصفوه بغير ما وصف به نفسه وأجله في كتابه فإنما فسر النبي صلى الله عليه و سلم معنى إرادة الله تبارك وتعالى قال الله في كتابه حيث ذكر عيسى بن مريم فقال : { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } وقال في محكم كتابه : { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون * ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله } وقال : { بل يداه مبسوطتان } وقال : { يد الله فوق أيديهم } وقال : { خلقت بيدي } وقال في آيات كثيرة { وهو السميع البصير } وقال : { ولتصنع على عيني } وكل ما وصف الله به نفسه من الصفات التي ذكرناهما مما هي موجودة في القرآن وما لم نذكر فهو كما ذكر
وإنما يلزم العباد الاستسلام لذلك والتعبد لا نزيل صفة مما وصف الله به نفسه أو وصف الرسول عن جهته لا بكلام ولا بإرادة وإنما يلزم المسلم الأداء ويوقن بقلبه أن ما وصف به نفسه في القرآن إنما هي صفاته ولا يعقل نبي مرسل ولا ملك مقرب تلك الصفات إلا بالأسماء التي عرفهم الرب تبارك وتعالى فأما أن يدرك أحد من بني آدم معنى تلك الصفات فلا يدركه أحد
وذلك أن الله تعالى إنما وصف من صفاته قدر ما تحتمله عقول ذوي الألباب ليكون إيمانهم بذلك ومعرفتهم بأنه الموصوف بما وصف به نفسه ولا يعقل أحد منتهاه ولا منتهى صفاته وإنما يلزم المسلم أن يثبت معرفة صفات الله بالإتباع والإستسلام كما جاء فمن جهل معرفة ذلك حتى يقول إنما أصف ما قال الله ولا أدري ما معاني ذلك حتى يفضي إلى أن يقول بمعنى قول الجهمية يد نعمة ويحتج بقوله أيدينا أنعاما ونحو ذلك فقد ضل عن سواء السبيل
هذا محض كلام الجهمية حيث يؤمنون بجميع ما وصفنا من صفات الله ثم يحرفون معنى الصفات عن جهتها التي وصف الله بها نفسه حتى يقولوا معنى السميع هو البصير ومعنى البصير هو السميع ويجعلون اليد يد نعمة وأشباه ذلك يحرفونها عن جهتها لأنهم هم المعطلة
فقد تبين مستند حكاية ابن شجاع الثلجي وزرقان وغيرهما لما ينقلونه عن أهل الاثبات من التحريف كقولهم إن الله هو القرآن أو عن القرآن بعضه
وذكر أن محمد بن شجاع إمام الواقف هو وأصحابه الذين لا يقولون القرآن مخلوق ولا غير مخلوق يطلقون عليه أنه محدث بمعنى أنه أحدثه في غيره وهو معنى قول من قال إنه مخلوق ليس بينهما فرق إلا في اللفظ وقد سلك هذا المسلك طوائف من أهل البدع من الرافضة وغيرهم يقولون هو محدث مجعول ولا يقولون هو مخلوق ويزعمون أن لفظ الخلق يحتمل المفتري وهم في المعنى موافقون لأصحاب المخلوق
وقد وافقهم على الترادف طوائف الكلابية والأشعرية وطوائف من أهل الفقه والحديث والتصوف يقولون المحدث هو المخلوق في غيره لا يسمون محدثا إلا ما كان كذلك فهؤلاء كلهم يقولون من قال إنه محدث كان معنى قوله إنه مخلوق ولزمه القول بأنه مخلوق فهو أحد الوجهين للإنكار على داود الأصبهاني وغيره ممن قال إنه محدث وأطلق القول بذلك وإن كان داود وأبو معاذ وغيرهما لم يريدوا بقولهم أنه محدث أنه بائن عن الله كما يريد الذين يقولون أنه مخلوق بل ذهب داود وغيره ممن قال إنه محدث وليس بمخلوق من أهل الاثبات أنه هو الذي تكلم به وأنه قائم بذاته ليس بمخلوق منفصل عنه ولعل هذا كان مستند داود في قوله لعبد الله أحب أن تعذر بي عنده وتقول له ليس هذا مقالتي أو ليس كما قيل لك فإنه قد يكون قصد بذلك أني لا أقول أنه محدث بالمعنى الذي فهموه وأفهموه وهو أنه مخلوق وليس هذا مذهبي ولم يقبل أحمد قوله لأن هذا القول منكر ولو فسره بهذا التفسير لما ذكرناه ولأنه انكر مطلقا فلم يقربا للفظ الذي قاله وقد قامت عليه البينة به فلم يقبل إنكاره بعد الشهادة عليه ولأنه أظهر مع هذه البدعة بدعة أخرى وهي إباحة التحليل وهو مذهبه
وأهل الحديث لم يكونوا يتنازعون في تحريم ذلك كما جاءت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه و سلم والتابعين وكان محمد بن يحيى من أئمة أهل الحديث كما قال أبو نعيم الأصبهاني أنبأنا محمد بن عبدالله يعني الحاكم سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول سمعت خالي عبدالله بن علي بن الجارود يقول : سمعت محمد ابن سهل بن عسكر يقول : كنا عند أحمد بن حنبل فدخل محمد بن يحيى فقام إليه أحمد وتعجب منه الناس ثم قال لبنيه وأصحابه اذهبوا إلى أبي عبدالله فاكتبوا عنه وقد تنازع الناس في لفظ المحدث هل هو مرادف للفظ المخلوق أم ليس كذلك على قولين قال الأشعري في المقالات لما ذكر النزاع في الخلق والكسب والفعل قال واتفق أهل الاثبات على أن معنى مخلوق معنى محدث ومعنى محدث معنى مخلوق وهذا هو الحق عندي وإليه أذهب وبه أقول
وقال زهير الأبري وأبو معاذ التومني معنى مخلوق أنه وقع عن إرادة من الله وقوله له كن وقال كثير من المعتزلة بذلك منهم أبو الهذيل وقد قال قائلون معنى المخلوق أن له خلقا ولم يجعلوا الخلق قولا على وجه من الوجوه منهم أبو موسى وبشر بن المعتمر الفرق بين المخلوق والمحدث هو إصطلاح أئمة أهل الحديث وهو موافق للغة التي نزل بها القرآن ومنهم يفرق بين حدث ومحدث كما حكى القولين الأشعري
قال البخاري في صحيحه في كتاب الرد على الجهمية في أثناء أبواب القرآن باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق وهو فعل الرب وأمره فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان يفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون ثم قال بعد ذلك قال باب قول الله تعالى : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير } ولم يقل ماذا خلق ربكم وقال : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } وقال مسروق عن ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئا حتى إذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق قال : ويذكر عن جابر بن عبدالله عن عبدالله بن أنيس سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول [ يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان ]
ثم روي عن عكرمة عن أبي هريرة بلغ به النبي صلى الله عليه و سلم قال [ إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على الصفوان حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا : الحق وهو العلي الكبير ] ثم قال بعد أبواب باب قول الله تعالى كل يوم هو في شأن وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وقوله لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وقال ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ أن الله يحدث من أمره ما يشاء وأن ما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة ] وروى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدا بالله تقرأونه محضا لم يشك فيه وروي الزهري أخبرني عبيدالله بن عبدالله أن عبدالله بن عباس قال يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم أحدث الأخبار بالله محضا لم يشك فيه وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم الكتب وقالوا هو من الله ليشتروا بذلك ثمنا قليلا أو لا ينهاكم ما جائكم من العلم عن مسألتهم فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم
والذي كان عليه السلف والأئمة أهل السنة والإجماع أن القرآن الذي هو كلام الله هو القرآن الذي يعلم المسلمون أنه القرآن والقرآن وسائر الكلام له حروف ومعان فليس الكلام ولا القرآن إذا أطلق اسما لمجرد الحروف ولا أسماء لمجرد المعاني بل الكلام اسم للحروف والمعاني جميعا فنشأ بعد السلف والأئمة ممن هو موافق للسلف والأئمة على إطلاق القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق طائفتان
طائفة قالت كلام الله ليس إلا مجرد معنى قائم بالنفس وحروف القرآن ليست من كلام الله ولا تكلم الله بها ولا يتكلم الله بحرف ولا صوت وألم وطس ون وغير ذلك ليست من كلام الله الذي تكلم هو به ولكن خلقها ثم منهم من قال خلقها في الهواء ومنهم من قال خلقها مكتوبة في اللوح المحفوظ ومنهم من قال جبريل هو الذي أحدثها وصنفها بأقدار الله له على ذلك ومنه من زعم أن محمدا هو الذي أحدثها وصنفها بأقدار الله له على ذلك وهؤلاء وافقوا الجهمية في نفيهم عن الله من الكلام ما نفته الجهمية وفي أنهم جعلوا هذا مخلوقا كما جعلته الجهمية مخلوقا لكن فارقوهم في أنهم أثبتوا معنى القرآن غير مخلوق وقالوا أن كلام الله اسم لما يقوم به ويتصف به لا لما يخلقه في غيره وأطلقوا القول بأن القرآن غير مخلوق وإن كانوا لا يريدون جميع المعنى الذي أراده السلف والأئمة والعامة بل بعضه كما أن الجهمية تطلق القول بأن القول كلام الله ولا يعنون به المعنى الذي يعنيه السلف والأئمة والعامة ولكن هؤلاء منعوا أن تكون هذه الحروف من كلام الله والجهمية المحضة سموها كلام الله لكن قالوا هي مع ذلك مخلوقة وأولئك لا يجعلون ما يسمونه كلام الله مخلوقا
ومنهم من يقول يسمى كلام الله أيضا على سبيل الاشتراك وأكثرهم يقولون نسميها بذلك مجازا وأيضا فجعلت هذه الطائفة معنى واحدا قائما بذات الرب هو أمر ونهى وخبر واستخبار وهو معنى التوراة والانجيل والقرآن وكل ما تكلم الله به وهو معنى آية الكرسي وآية الدين وجمهور عقلاء بني آدم يقولون أن فساد هذا معلوم بضرورة العقل وفطرة بني آدم وهؤلاء عندهم أن الملائكة تعبر عن المعنى القائم بذات الله وأن الله نفسه لا يعبر بنفسه عن نفسه وذلك يشبه من بعض الوجوه الأخرى الأخرس الذي يقوم بنفسه معان فيعبر غيره عنه بعبارته وهم في ذلك مشاركون للجهمية الذين جعلوا غير الله يعبر عنه من غير أن يكون الله يتكلم لكن هؤلاء يقولون قام بنفسه معنى فتجعله كالأخرس والجهمية تجعله بمنزلة الصنم الذي لا يقوم به معنى ولا لفظ
فعارض هؤلاء طائفة قالت أن القرآن هو الحرف والصوت أو الحروف والأصوات وقالوا أن حقيقة الكلام هو الحروف والأصوات ولم يجعلوا المعاني داخلة في مسمى الكلام وهؤلاء وافقوا المعتزلة الجهمية في قولهم أن الكلام ليس هو إلا الحروف والأصوات لكن المعتزلة لا يقولون إن الله تكلم بكلام قائم به وحقيقة قولهم إن الله لم يتكلم بشيء وهؤلاء يقولون إن الله تكلم بذلك وأن كلام الله قائم به وأن كلام الله غير مخلوق وهؤلاء أخرجوا المعاني أن تكون داخلة في مسمى الكلام وكلام الله كما أخرج الأولون الحروف والأصوات أن تكون داخلة في مسمى الكلام وكلام الله لكن هؤلاء الذين يقولون أن الكلام ليس هو إلا الحروف والأصوات لا يمنعون أن يكون الكلام معنى بل الناس كلهم متفقون على أن الحروف والأصوات التي يتكلم بها المتكلم تدل على معان وإنما النزاع بينهم في شيئين :
أحدهما : إن تلك المعاني هل هي من جنس العلوم والإرادات أم هي حقيقة أخرى ليست هي العلوم والارادات فالألوان يقولون ذلك المعنى حقيقة غير حقيقة العلم والإرادة والآخرون يقولون ليست حقيقته تخرج عن ذلك
والنزاع الثاني : إن مسمى الكلام هل هو المعنى أو هو اللفظ فالذين يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق ويقولون الكلام هو الحروف والأصوات هم وإن وافقوا المعتزلة في مسمى الكلام فإنهم يقولون ان معنى الكلام سواء كان هو العلم والإرادة أو أو أمرا آخر قائما بذات الله والجهمية من المعتزلة وغيرهم نحوهم لا تثبت معنى قائما بذات الله بل هؤلاء يقلون إن الكلام الذي هو الحروف قائم بذات الله أيضا فموافقة هؤلاء المعتزلة أقل من موافقة الأولين بكثير والصواب الذي عليه سلف الأمة وأئمتها أن الكلام اسم للحروف والمعاني جميعا فاللفظ والمعنى داخل في مسمى الكلام والأقوال في ذلك أربعة :
أحدهما : إن الكلام حقيقة في اللفظ مجاز في المعنى كما تقوله الطائفة الثانية
والثاني : إنه حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ كما يقول جمهور الأولين
والثالث : إنه مشترك بينهما كما يقوله طائفة من الأولين
والرابع : إنه حقيقة في المجموع وإذا أريد به أحدهما دون الآخر احتاج إلى قرينة وهذا قول أهل الجماعة

(6/418)


وقد يحكي الأولون عن الآخرين أنهم يقولون إن القرآن قديم غير مخلوق وإن القديم الذي ليس بمخلوق هو الحروف والأصوات القائمة بالمخلوقات وهي أصوات العباد ومداد المصاحف فيحكون عنهم أن نفس صوت العبد ونفس المداد قديم أزلي غير مخلوق وهذا ما يعلم كل أحد فساده بالحس والاضطرار وما وجدت أحدا من العلماء المعروفين يقر بذلك بل ينكرون ذلك ولكن قد يوجد مثل هذا القول في بعض الجهال من أهل البوادي والجبال ونحوه وإنكار ذلك مأثور عن الأئمة المتقدمين كما ذكره البخاري في كتاب خلق الأفعال قال وقال إسحاق بن إبراهيم فأما الأوعية فمن شك في خلقها قال الله تعالى : { وكتاب مسطور * في رق منشور } وقال : { بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ }
فذكر محمد بن نصر المروذي في كتابه عن أحمد بن عمر عن عبدان عن ابن المبارك قال الورق والمداد مخلوق فأما القرآن فليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله ولكنه منهم طائفة يقولون إن لفظهم بالقرآن أو الصوت المسموع منهم غير مخلوق أو أنه يسمع منهم الصوت المخلوق والصوت الذي ليس بمخلوق لكن هذا مما أنكره عليهم أئمتهم وجماهيرهم
والآخرون يحكون عن الأولين أنه ليس لله في الأرض كلام وإن هذا القرآن الذي يقرأه المسلمون ليس هو كلام الله وأنه ليس لله في الأرض كلام وإنما هذا حكاية أو عبارة عن كلام الله وهؤلاء صادقون في هذا النقل فإن هذا قول الأولين وهم أول من ابتدع في الإسلام القول بالحكاية والعبارة وهي البدعة التي أضافها المسلمون إلى ابن كلاب والأشعري فإن ابن كلاب قال الحروف حكاية عن كلام الله وليست من كلام الله لأن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم والله يمتنع أن يقوم به حروف وأصوات فوافق الجهمية والمعتزلة في هذا النفي فجاء الأشعري بعده وهو موافق لابن كلاب على عامة أصوله فقال الحكاية تقتضي أن تكون مثل المحكي وليس الحروف مثل المعنى بل هي عبارة عن المعنى ودالة عليه وهم وأتباعهم يقولون أن تسمية ذلك كلاما لله مجازا لا حقيقة ويطلقون القول الحقيقي بأن أحدا من المسلمين لم يسمع كلام الله وأمثال ذلك سواء قالوا إن الحروف تسمى كلاما مجازا أو بطريق الاشتراك بينهما وبين المعاني لأنها وإن سميت كلاما بطريق الاشتراك فالكلام عندهم وعند الجماعة لا بد أن يقوم بالمتكلم فيصح على أحد قولهم أن تكون الحروف والأصوات كلاما للعباد حقيقة لقيامها بهم ولا يصح أن تكون كلاما لله حقيقة لأنها لا تقوم به عندهم بحال فلو قال أحد منهم أن الحروف التي يخلقها الله في الهواء تسمى كلاما له حقيقة أو أن ما يسمع من العباد أو يوجد في المصاحف يسمى كلام الله حقيقة للزمه أن يجعل مسمى الكلام ما لا يقوم بالمتكلم بل يكون دلالة على ما يقوم المتكلم وإن كان مخلوقا له وهذا ما وجدته لهم وهو ممكن أن يقال لكن متى قالوه انتقض عليهم عامة الحجج التي أبطلوا بها مذهب المعتزلة عليهم وصار للمعتزلة حجة قوية
وقد يحكي الآخرون عن الأولين أنهم يستهينون بالمصاحف فيطأونها وينامون عليها ويجعلونها مع نعالهم وربما كتبوا القرآن بالعذرة وغير ذلك مما هو من أفعال المنافقين الملحدين وهذا يوجد في أهل الجفاء والغلو منهم لما ألقي إليهم أئمتهم أن هذا ليس هو كلام الله صاروا يفرعون على ذلك فروعا من عندهم لم يأمرهم بها أئمتهم وإنما هي من أفعال الزنادقة المنافقين وإلا فلا خلاف بين من يعتقد الإسلام في وجود إحترام المصاحف وإكرامها وإجلالها وتتزيهها وفي العمل يقول النبي صلى الله عليه و سلم : [ لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ] وإن كان أهل البدعة يتناقضون في الجمع بين ما جاءت به الشريعة وما اعتقدوه من البدعة لكن التناقض جائز على العباد وهو أيسر عليهم من التزام الزندقة والنفاق والإلحاد وإن كان تلك البدعة هي المرقاة إلى هذا الفساد وأما الطائفة الثانية التي جعلت القرآن هو مجرد الحروف والأصوات فإنهم وافقوا الجهمية من المعتزلة وغيرهم
وعلى ذلك فإن أولئك جعلوا القرآن وسائر الكلام هو مجرد الحروف والأصوات الدالة على المعاني لكنهم لم يجعلوا لله كلاما تكلم هو به وقام به ولا جعلوا لهذه الحروف معاني تقوم بالله أصلا إذ عندهم لم يقم بالله لا علم ولا إرادة ولا غير ذلك بل جعلوا الحروف والأصوات مخلوقة خلقها الله في بعض الأجسام كما يزعمون أنه خلق في نفس الشجرة صوتا سمعه موسى حروف ذلك الصوت إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ولا ريب أن هذا يوجب أن تكون الشجرة هي القائلة إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني إذا المتكلم بالكلام هو الذي يقوم به كما أن المتحرك بالحركة والعالم بالعلم وغير ذلك من الصفات والأفعال وغيرها هو من يقوم به الصفة ولا يجوز أن يكون لشيء متكلما بكلام يقوم بغيره ولا يقوم به أصلا كما لا يكون عالما قادرا بعلم وقدره لا تقوم إلا بغيره ومتحركا بحركة لا تقوم إلا بغيره وطرد ذلك عند المحققين من الصفاتية أنه لا يكون فاعلا خالفا ومكونا بفعل وخلق وتكوين لا يقوم إلا بغيره كما هو مذهب أهل الحديث والصوفية والفقهاء وطوائف من أهل الكلام
ومما ينبغي أن يعلم أن الجهمية لما كانت في نفس الأمر قولها قول أهل الشرك والتعطيل وليس هو قول أحد من أهل الكتب المنزلة ولكن لم يكن لهم بد من موافقة أهل الكتب في الظاهر كانوا في ذلك منافقين علامين بنفاق أنفسهم كما عليه طواغيتهم الذين علموا بمخالفة أنفسهم للرسل وأقدموا على ذلك وهؤلاء منافقون زنادقة
وأما الجهال بنفاق أنفسهم صاروا في الجمع بين تكذبيهم الباطن وتصديقهم الظاهر جامعين بين النقيضين مضطرين إلى السفسطة في العقليات والقرمطة في المسعيات مفسدين للعقل والدين وقولهم بخلق القرآن ونفي الصفات من أصول نفاقهم وذلك أنه من المعلوم ببداية العقول أن الحي لا يكون حيا إلا بحياة تقوم به ولا يكون حيا بلا حياة أو بحياة تقوم بغيره وكذلك العالم والقادر لا يكون عالما قادرا إلا بعلم وقدره تقوم به ولا يكون عالما قادرا بلا علم ولا قدرة أو بعلم وقدرة تقوم بغيره
وكذلك الحكيم والرحيم والمتكلم والمريد لا يكون حكيما ولا رحيما أو متكلما أو مريدا إلا بحكمة ورحمة أو كلام وإرادة تقوم به ولا يكون حكيما بلا حكمة ولا رحيما بلا رحمة أو بحكمة ورحمة تقوم بغيره ولا يكون متكلما ولا مريدا بلا كلام ولا إرادة أو بكلام وإرادة تقوم بغيره وكذلك من العلوم ببداية العقول أن الكلام والإرادة والعلم والقدرة لا تقوم إلا بمحل إذ هذه صفات لا تقوم بأنفسها ومن المعلوم ببداية العقول أن المحل الذي يقوم به العلم يكون عالما والذي تقوم به القدرة يكون قادرا والذي يقوم به الكلام يكون متكلما والذي تقوم به الرحمة يكون رحيما والذي تقوم به الإرادة يكون مريدا فهذه الأمور مستقرة في فطر الناس تعلمها قلوبهم علما فطريا ضروريا والألفاظ المعبرة عن هذه المعاني هي من اللغات التي اتفق عليها بنو آدم فلا يسمون عالما قادرا إلا من قام به العلم والقدرة ومن قام به العلم والقدرة سموه عالما قادرا وهذا معنى قول من قال من أهل الإثبات أن الصفة إذا قدمت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره أي إذا قام العلم والكلام بمحل كان ذلك المحل هو العالم المتكلم دون غيره
ومعنى قولهم أن الصفة إذا قامت بمحل اشتق له منها اسم كما يشتق لمحل العلم عليم ولمحل الكلام متكلم ومعنى قولهم أن صدق المشتق لا ينفك عن صدق المشتق منه أي أن لفظ العليم والمتكلم مشتق من لفظ العلم والكلام فإذا صدق على الموصوف أنه عليهم لزم أن يصدق حصول العلم والكلام له ولهذا كان أئمة السلف الذين عرفوا حقيقة قول من قال مخلوق وأن معنى ذلك أن الله لم يقوم به كلام بل الكلام قام بجسم من الأجسام غيره وعلموا أن هذا يوجب بالفطرة الضرورية أن يكون ذلك الجسم هو المتكلم بذلك الكلام دون الله وأن الله لا يكون متكلما أصلا وصاروا بذكرون قولهم بحسب ما هو عليه في نفسه وهو أن الله لا يتكلم وإنما خلق شيئا تكلم عنه وهكذا كانت الجهمية تقول أولا ثم أنها زعمت أن المتكلم من فعل الكلام ولو في غيره واختلفوا هل يسمى متكلما حقيقة أو مجازا على قولين فلهم في تسمية الله تعالى متكلما بالكلام المخلوق ثلاثة أقوال :
أحدها : وهو حقيقة قولهم وهم فيه أصدق لإظهارهم كفرهم أن الله لا تكلم ولا يتكلم
والثاني : وهم فيه متوسطون في النفاق أنه يسمى متكلما بطريق المجاز
والثالث : هم فيه منافقون نفاقا محضا أنه يسمى متكلما بطريق الحقيقة وأساس النفاق الذي بني عليه الكذب فلهذا كانوا من أكذب الناس في تسمية الله متكلما بكلام ليس قائما به وإنما هو مخلوق في غيره كما كانوا كاذبين مفترين في تسمية الله عالما قادرا مريدا متكلما بلا علم يقوم به ولا قدرة ولا إرادة ولا كلام فكانوا وإن نطقوا بأسمائه فهم كاذبون بتسميته بها وهم ملحدون في الحقيقة كإلحاد الذين نفوا عنه أن يسمى بالرحمن : { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا } وبذلك وصفهم الأئمة وغيرهم ممن خبر مقالاتهم كما قال الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الجهمية فإذا قيل لهم من تعبدون قالوا : نعبد من يدبر أمر هذا الخلق
قلنا : فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم قلنا قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئا إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون وقلنا لهم : هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى قالوا : لم يتكلم ولا يتكلم لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح عن الله منفية فإذا سمع الجاهر قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيما لله ولا يعلم أنهم إنما يقودون بقولهم إلى ضلالة وكفر
وقال بعد ذلك بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله كلم موسى صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء قلنا لم أنكرتم ذلك قالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم إنما كون شيئا فعبر عن الله وخلق صوتا فسمع وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم ولسان وشفتين فقلنا هو يجوز لمكون أو لغيره أن يقول يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني أو أني أنا ربك فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون الأشياء كأن يقول ذلك المكون يا موسى أنا الله رب العالمين لا يجوز أن يقول إني أنا الله رب العالمين وقد قال الله جل ثناؤه وكلم الله موسى تكليما وقال ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه وقال إني اصطفيتك على الناس برسالات وبكلامي فهذا منصوص القرآن وأما ما قالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم فكيف يصنعون بحديث سليمان الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان ]
وأما قولهم : إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان أليس الله قال للسموات والأرض إئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين أتراها أنها قالت بجوف وشفتين ولسان وقال الله جل ثناؤه وسخرنا مع داود الجبال يسبحن أتراها أنها سبحت بجوف وفم وشفتين ولسان والجوارج إذا شهدت على الكافر وقالوا لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء أتراها نطقت بجوف وفم وشفتين ولسان ولكن الله أنطقها كما شاء فكذلك تكلم الله كيف شاء من غير أن تقول جوف ولا فم ولا شفتان ولا لسان فلما خنقته الحجج قال إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره قلنا غيره مخلوق قال نعم قلنا هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم تدفعون الشنعة عن أنفسكم بما تظهرون وحديث الزهري قال لما سمع موسى كلام ربه قال يا رب هذا الكلام الذي سمعته هو كلامك قال نعم يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأنا أقوى من ذلك إنما كلمتك على قدر ما تطيق بذلك ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت قال فلما رجع موسى إلى قومه قالوا اتصف لنا كلام ربك قال سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم قالوا فشبهه لنا قال : أسمعتم الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله
وقلنا للجهمية من للقائل يوم القيامة يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إليهن من دون الله أليس الله هو القائل قالوا يكون الله شيئا فيعبر عن الله كما كون فعبر لموسى قلنا فمن القائل فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقص عليهم بعلم وما كنا غائبين أليس الله هو الذي يسأل قالوا هذا كله إنما يكون شيئا فيعبر عن الله قلنا قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أن الله لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله لأن الأصنام لا تكلم ولا تحرك ولا تزول من مكان إلى مكان
فما ظهرت عليه الحجة قال إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق فقلنا وكذلك بنو آدم عليه السلام وكلامهم مخلوق فقد شبهتم الله تعالى بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق ففي مذهبكم أن الله كان وفي وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله جل ثناؤه عن هذه الصفة بل نقول أن الله جل ثناؤه لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول أنه قد كان ولا يتكلم حتى خلق ولا نقول أنه قد كان لا يعلم حتى خلق فعلم ولا نقول أنه قد كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول أنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورا ولا نقول أنه قد كان ولا عظمة حيث خلق لنفسه عظمة فقالت الجهمية لنا لما وصفنا من الله هذه الصفات إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته فقلنا لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوه ولكن لم يزل بنوره وبقدرته لا متى قدر ولا كيف قدر فقالوا لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا كان الله ولا شيء فقلنا نحن نقول كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا أن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته وضربنا لهم مثلا في ذلك فقلنا لهم أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذوع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها اسم واحد سميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله جل ثناؤه وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد لا نقول أنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق والذي ليس له قدرة هو عاجز ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم حتى خلق فعلم والذي لا يعلم فهو جاهل
ولكن نقول لم يزل الله قادرا عالما مالكا لا متى ولا كيف وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال ذرني ومن خلقت وحيدا وقد كان الله سماه وحيدا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة فقد سماه وحيدا بجميع صفاته فكذلك الله وله المثل الأعلى هو بجميع صفاته إله واحد
وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات وهذا ذكر إختلاف الناس في الأسماء والصفات الحمد لله بصرنا خطأ المخطئين وعمى العمين وحيرة المتحيرين الذين نفوا صفات رب العالمين وقالوا إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لا صفات له وأنه لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر الصفات الله التي يوصف بها نفسه قال وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قدير وعبروا عنه بأن قالوا عين لم يزل لم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذي وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من ذلك
وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الأيادي كان ينتحل قولهم فزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة ومنهم رجل يعرف بعباد بن سليمان يزعم أنه لا يقال إن الباري عالم قادر سميع بصير حكيم جليل في حقيقة القياس قال لأني لو قلت إنه عالم في حقيقة القياس لكان لا عالم إلا هو وكان يقول القديم لم يزل في حقيقة القياس ينعكس لأن القديم لم يزل ومن لم يزل فقديم فلو كان الباري عالما في حقيقة القياس لكان لا عالم إلا هو قال وقد اختلفوا فيما بينهم اختلافا تشتت فيه أهواؤهم واضطربت فيه أقاويلهم ثم ساق اختلافهم
وكذلك قال : في الإبانة فصل وزعمت الجهمية أن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك فتابوا بمعناه لأنهم إذا قالوا لا علم لله ولا قدرة له فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم إن الله ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه وقالت إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع ومقصودنا والتنبيه على أنه من المستقر في المعقول والمسموع ما تقدم ذكرنا له مع أن الحي القادر المتكلم المريد لا بد أن تقوم به الحياة والعلم والقدرة والكلام والإرادة وإن ما قام به ذلك استحق أن يوصف بأنه حي عالم قادر متكلم مريد فهذه أربعة أمور ثبوت حكم الصفة لمحلها وانتفاؤه عن غير محلها وثبوت الاسم المشتق من اسمها لمحلها وانتفاء الاسم عن غير محلها والجهمية من المعتزلة وغيرهم خالفوا ذلك من ثلاثة أوجه :
أحدها : زعمهم أن الله حي عليم قدير من غير أن تقوم به حياة ولا علم ولا قدرة فأثبتوا الأسماء والأحكام مع نفي الصفات
الثاني : أبعد من ذلك من وجه أنهم قالوا هو متكلم بكلام يقوم بغيره وليس الجسم الذي قام به الكلام متكلما به فأثبتوا الاسم والحكم بدون الصفة ونفوا الاسم والحكم عن موضع الصفة لكنهم لم يجعلوا متكلما إلا من له كلام وجعلوا هناك عالما قادرا من لا علم له ولا قدرة
الثالث : أبعد من ذلك من وجه آخر وهو ما قالوه في الإرادة تارة ينفونها وتارة يقولون هو مريد بإرادة لا في محل فأثبتوا الاسم والحكم بدون الصفة وجعلوا الصفة تقوم بغير محل وكل هذه الأمور الثلاثة مما يعلم ببداية العقل وبما فطر الله عليه والعباد بالعلوم الضرورية أن ذلك باطل وهو من النفاق لكنهم احتجوا في ذلك بحجة ألزمها لهم الكلابية والأشعرية ومن وافقهم وهو الصفات الفعلية مثل كونه خالقا رازقا عادلا محييا مميتا وتسمى صفة التكوين وتسمى الخالق وتسمى صفة الفعل وتسمى التأثير فقالوا هو خالق فاعل مكون عادل من غير أن يقوم به خلق ولا تكوين ولا فعل ولا تأثير ولا عدل فكذلك المتكلم والمريد وقالوا إن الخلق هو نفس المخلوق واتبعهم على ذلك الكلابية والأشعرية فصار للأولين عليهم حجة بذلك وإنما قرن هؤلاء بين الأمرين لأنهم قالوا إن قلنا أن الكتوين قديم لزم قدم المكونات والمخلوقات كلها وهذا معلوم الفساد بالحس وإن قلنا أنه محدث لزم قيام الحوادث به

(6/426)


وأما الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وطوائف من أهل الكلام من الرادين على المعتزلة من المرجئة والشيعة والكرامية وغيرهم فيطردون ما ذكر من الأدلة ويقولون لا يكون فاعلا إلا بفعل يقوم بذاته وتكوين يقوم بذاته والخلق الذي يقوم بذاته غير الخلق الذي هو المخلوق وهذا هو ذكره الفقهاء من أصحاب أبي حنفية والشافعي وأحمد ومالك في كتبهم كما ذكره فقهاء الحنفية كالطحاوي وأبي منصور الماتريدي وغيرهم وكما ذكره البغوي في شرح السنة وكما ذكره أصحاب أحمد كأبي إسحاق وأبي بكر عبدالعزيز والقاضي وغيرهم لكن القاضي ذكر في الخلق هل هو المخلوق أو غيره قولين ولكن استقر قوله على أن الخلق غير المخلوق وإن خالفهم ابن عقيل وكما ذكره أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي في كتاب اعتقاد الصوفية وكما ذكر أئمة الحديث والسنة قال البخاري في أخر الصحيح في كتاب الرد على الجهمية والزنادقة باب ما جاء في تخليق السموات والأرض ونحوهما من الخلائق وهو فعل الرب وأمره فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون ولا ريب أن هذا القول الذي عليه أهل السنة والجماعة هو الحق
فإن ما ذكر من الحجة أن العالم القادر المتكلم المريد لا يكون إلا بأن يقوم به العلم والقدرة والكلام والإرادة هو بعينه يقال في الخالق والفاعل فإنه من المعلوم ببداية العقول وضرورتها إن الصانع الفاعل لا يكون صانعا فاعلا إلا أن يقوم به ما يكون به فاعلا صانعا ولا يسمى الفاعل فاعلا كالضارب والقاتل والمحسن والمطعم وغير ذلك إلا إذا قام به الفعل الذي يستحق به الإسم ولكن الجهمية نفت هذا كله وفروخهم وافقتهم في البعض دون البعض وأما أهل الأثبات فباقون على الفطرة كما وردت به الشريعة وكما جاء به الكتاب والسنة فإن الله وصف نفسه في غير موضع بأفعاله كما وصف نفسه بالعلم والقدرة ومن ذلك المجيء والاتيان والنزول والاستواء ونحو ذلك من أفعاله ولكن هنا أخبر بأفعاله وهناك ذكر أسماءه المتضمنة للأفعال ولم يفرق السلف والأئمة بين أسماء الأفعال وأسماء الكلام كما في صحيح البخاري عن سعيد بن جبير أن رجلا سأل ابن عباس قال إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي فذكر مسأئلة ومنها قال وقوله : { وكان الله غفورا رحيما } { وكان الله عزيزا حكيما } { وكان الله سميعا بصيرا } فكأنه كان ثم مضى
فقال ابن عباس : وقوله وكان الله غفورا رحيما سمي نفسه ذلك وذلك قوله أي لم أزل كذلك هذا لفظ البخاري بتمامه واختصر الحديث ورواه البرقاني من طريق شيخ البخاري بتمامه فقال ابن عباس فأما قوله وكان الله غفورا رحيما وكان الله عزيزا حكيما وكان الله سميعا بصيرا فإن الله جعل نفسه ذلك وسمي نفسه ذلك ولم ينحله أحد غيره وكان الله أي لم يزل كذلك هذا لفظ الحميدي صاحب الجمع ورواه البيهقي عن البرقاني من حديث محمد إبراهيم البوشنجي عن يوسف بن عدي شيخ البخاري قال إن الله سمى نفسه ذلك ولم ينحله غيره فذلك قوله وكان الله أي لم يزل كذلك ورواه البيهقي من رواية ابن يعقوب بن سفيان عن يوسف ولفظ المسائل فكأنه كان ثم مضى ولفظ ابن عباس فإن الله سمى نفسه وذلك ولم يجعله غيره فذلك قوله وكان الله أي لم يزل يقال جعلت زيدا عالما إذا جعلته في نفسك وجعلته عالما إذا جعلته في نفسي أي اعتقدته عالما كما قال تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أي اعتقدوهم وقد جعلتم الله عليكم كفيلا أي في نفوسكم بما عقدتموه من اليمين
فقوله جعل نفسه ذلك وسمى نفسه ذلك يخرج على الثاني أي هو الذي حكم بذلك وأخبر بثبوته له وسمي به نفسه لم ينحله ذلك أحد غيره
وقوله : وكان أي لم يزل كذلك والمعنى أنه أخبر أن هذا أمر لم يزل عليه وهو الذي حكم به لنفسه وسمي به نفسخ لم يكن الخلق هم الذين حكموا بذلك له وسموه بذلك فأراد بذلك أنه لو كان ذلك مستفادا من نحلة الخلق له لكان محدثا له بحدوث الخلق فأما إذا كان هو الذي سمي نفسه وجعل نفسه كذلك فهو سبحانه لم يزل ولا كذلك فلهذا أخبر بأنه كان كذلك ولهذا اتبع أئمة السنة ذلك كقول أحمد في رواية حنبل لم يزل الله عالما متكلما غفورا وقال في الرد على الجهمية لم يزل الله عالما قادرا مالكا لا متى ولا كيف ولهذا احتج الإمام أحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق بأن النبي صلى الله عليه و سلم استعاذ بكلمات الله في غير حديث فقال : [ أعوذ بكلمات الله التامة ] ففي البخاري عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسمل يعوذ الحسن والحسين [ أعيذكما بكلمات الله التامة ] وذكر الحديث وفي صحيح مسلم عن خولة بنت حكيم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ لو أن أحدكم إذا نزل منزلا قال أعوذ بكلمات الله التامات ] وذكر الحديث وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ من قال حين يمسي أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق ]
وذكر الحديث وذلك في أحاديث آخر قال أحمد وغيره ولا يجوز أن يقال أعيذك بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالملائكة أو بالعرش أو بالأرض أو بشيء مما خلق الله ولا يعوذ إلا بالله أو بكلماته وقد ذكر الإحتجاج بهذا البيهقي في كتاب الأسماء والصفات لكن نقل احتجاج أحمد على غير وجهه وعورض بمعارضة فلم يجب عنها ثم قال البيهقي ولا يصح أن يستعيذ من مخلوق بمخلوق فدل على أنه استعاذ بصفة من صفات ذاته وهي غير مخلوقة كما أمره الله أنه يستعيذ بذاته وذاته غير مخلوقة ثم قال وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه كان يستدل بذلك على أن القرآن غير مخلوق قال وذلك أنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص
قلت : احتجاج أحمد هو من الوجه الذي تقدم كما حكينا لفظ المروذي في كتابه الذي عرضه على أحمد والمقصود هنا ثم الكلام على قول الطائفة الثانية الذين قالوا أن القرآن هو الحروف والأوصوات دون المعاني ثم إن قولهم هذا متناقض في نفسه فإن الحروف والأصوات التي سمعها موسى عبرية والتي ذكرها الله عنه في القرآن عربية فلو لم يكن الكلام إلا مجرد الحروف والأصوات لم يكن بين الكلام الذي سمعه موسى والذي ذكره الله أنه سمعه قدر مشترك أصله بل كان يكون الأخبار بأنه سمع هذه الأصوات التي لم يسمعها كذب وكذلك سائر من حكى الله في القرآن أنه قال من الأمم المتقدمة الذين تكلموا بغير العربية فإنما تكلموا بلغتهم وقد حكى الله ذلك باللغة التي أنزل بها القرآن وهي العربية وكلام الله صدق فلو كان قولهم مجرد الحروف والأصوات والحروف والأصوات التي قالوها ليست مثل هذه لم تكن الحكاية عنهم مطلقا بل كلامهم كان حروفا ومعاني فحكى الله عنهم ذلك بلغة أخرى والحروف تابعة للمعاني والمعاني هي المقصود الأعظم
كما يترجم كلام سائر المتكلمين وهؤلاء المثبتة الذين وافقوا أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ووافقوا المعتزلة على أن الكلام ليس هو إلا مجرد الحروف والأصوات يقولون إن كلام الله القائم به ليس هو إلا مجرد الحروف والأصوات وهذا هو الذي بينته أيضا في جواب المحنة وبينت أن هذا لم يقله أحد من السلف ولا قالوا أيضا أنه معنى قائم بذاته بل كلاهما بدعة وأنا ليس في كلامي شيء من البدع ثم منهم من يقول هو مع ذلك قديم غير حادث لموافقتهم الطائفة الأولى على أن معنى قول السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق أنه صفة قديمة قائمة بذاته لا يتعلق بمشيئته واختياره قط ومنهم من لا يقول ذلك بل يقول هو وإن كان مجرد الحروف والأصوات وهو قائم به فإنه يتعلق بمشيئته واختياره وأنه إذا شاء تكلم بذلك وإذا شاء سكت وإن كان لم يزل كذلك
وظن الموافقون للسلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق من القائلين بأن الكلام ليس إلا معنى في النفس وكثير من القائلين بأنه ليس إلا الحروف والأصوات أن معنى قول السلف القرآن كلام الله غير مخلوق أنه صفة قديمة قائمة بذاته لا يتعلق بمشيئته واختياره وإرادته وقدرته
وهذا اعتقدوه في جميع الأمورالمضافة إلى الله أنها إما أن تكون مخلوقة منفصلة عن الله تعالى وإما أن تكون قديمة غير متعلقة بمشيئته وقدرته وإرادته ومنعوا أن يقال أنه يتكلم إذا شاء أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء أو أنه قادر على الكلام أو التكلم أو أنه يستطيع أن يتكلم بشيء أو أنه إن شاء تكلم وإن شاء سكت أو أنه يقدر على الكلام والسكوت كما يمتنع أن ياقل إنه يحيى إذا شاء أو أنه يقدر على أن يحيا وعلى أن لا يحيا أن الحياة صفة لازمة لذاته يمتنع أن يكون إلا حيا قيوما سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا فاعتقدوا هؤلاء في الكلام والإرادة والمحبة والبغض والرضاء والسخط والإتيان والمجيء والاستواء على العرش والفرح والضحك مثل الحياة
وأول من أظهر القول من الموافقين لأهل السنة في الأصول الكبار هو عبدالله بن سعيد بن كلاب وهذا مقتضى ما ذكره الأشعري في المقالات فإنه لم يذكر ذلك عن أحد قبله بل ذكر عن بعض المرجئة أنه يقول بقوله وذكر عن بعض الزيدية ما يحتمل أن يكون موافقا لبعض قوله وذكر أبو الحسن في كتاب المقالات قول أهل الحديث والسنة فقال هل هذه حكاية قول جملة أصحاب الحديث وأهل السنة
جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يريدون من ذلك شيئا والله تعالى إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى وأن له يدين بلا كيف كما قال خلقت بيدي وكما قال بل يداه مبسوطتان وأن له عينين بلا كيف كما قال تجري بأعيننا وأن له وجها كما قال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج وأقروا أن لله علما كما قال : { أنزله بعلمه } وكما قال : { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة وأثبتوا لله القوة كما قال : { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } وقالوا إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله وأن الأشياء بمشيئة الله تعالى : { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله }

(6/434)