صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ الفتاوى الكبرى - ابن تيمية ]
الكتاب : الفتاوى الكبرى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
الناشر : دار المعرفة - بيروت
الطبعة الأولى ، 1386
تحقيق : حسنين محمد مخلوف
عدد الأجزاء : 5

179 - 263 - سئل : هل يقلد الشافعي حنفيا وعكس ذلك في الصلاة الوترية وفي جمع المطر ؟ أم لا ؟
الجواب : الحمد لله نعم ! يجوز للحنفي وغيره أن يقلد من يجوز الجمع من المطر لا سيما وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد
وقد كان عبد الله بن عمر يجمع مع ولاة الأمور بالمدينة إذا جمعوا في المطر وليس على أحد من الناس أن يقلد رجلا بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه ويستحبه إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم وما زال المسلمون يستفتون علماء المسلمين فيقلدون تارة هذا وتارة هذا فإذا كان المقلد يقلد في مسألة يراها أصلح في دينه أو القول بها أرجح أو نحو ذلك جاز هذا باتفاق جماهير علماء المسلمين لم يحرم ذلك لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد
وكذلك الوتر وغيره ينبغي للمأموم أن يتبع فيه إمامه فإن قنت قنت معه وإن لم يقنت لم يقنت وإن صلى بثلاث ركعات موصولة فعل ذلك وإن فصل فصل أيضا ومن الناس من يختار للمأموم أن يصل إذا فصل إمامه والأول أصح والله أعلم

(2/321)


264 - / 180 - سئل : عما إذا أدرك مع الإمام بعض الصلاة وقام ليأتي بما فاته فائتم به آخرون هل يجوز أم لا ؟
الجواب : إذا أدرك مع الإمام بعضا وقام يأتي بما فاته فائتم به آخرون : جاز ذلك في أظهر قولي العلماء

(2/322)


265 - 181 - سئل : عن إمام يصلي صلاة الفرض بالناس ثم يصلي بعدها صلاة أخرى ويقول : هذه عن صلاة فاتتكم هل يسوغ هذا ؟
أجاب : الحمد لله ليس للإمام الراتب أن يعتاد أن يصلي بالناس الفريضة مرتين فإن هذه بدعة مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وسنة خلفائه الراشدين ولم يستحب ذلك أحد من أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم لا أبي حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد بن حنبل بل هم متفقون على أن الإمام إذا أعاد بأولئك المأمومين الصلاة مرتين دائما أن هذا بدعة مكروهة ومن فعل ذلك على وجه التقريب كان ضالا
وإنما تنازعوا في الإمام إذا صلى مرة ثانية بقوم آخرين غير الأولين
منهم من يجيز ذلك كالشافعي وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين ومنهم من يحرم ذلك كأبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه
ومن عليه فوائت فإنه يقضيها بحسب الإمكان أما كون الإمام يعيد الصلاة دائما مع الصلاة الحاضرة وأن يصلوا خلفه فهذا ليس بمشروع وإن قال : إني أفعل ذلك لأجل ما عليهم من الفوائت وأقل ما في هذا أنه ذريعة إلى أن يتشبه به الأئمة فتبقى به سنة يربو عليها الصغير وتغير بسببها شريعة الإسلام في البوادي ومواضع الجهل والله أعلم

(2/322)


182 - 266 - مسألة : في رجل صلى مع الإمام ثم حضر جماعة أخرى فصلى بهم إماما فهل يجوز ذلك ؟ أم لا ؟
الجواب : هذه المسألة هي مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل فإن الإمام كان قد أدى فرضه فإذا صلى بغيره إماما فهذا جائز في مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه وفيها قول ثالث في مذهب أحمد : أنه يجوز للحاجة ولا يجوز لغير حاجة فإذا كان ذلك الإمام هو القارئ وهو المستحق للإمامة دونهم ففعل ذلك في مثل هذه الحال حسن والله أعلم

(2/323)


183 - 267 - سئل : عن إمام مسجدين هل يجوز الاقتداء به ؟ أم لا ؟
أجاب : إذا أمكن أن يرتب فى كل مسجد إمام راتب فلا يصلح أن يرتب إمام في مسجدين فإذا صلى إماما في موضعين ففي صحة الصلاة الثانية لمن يؤدي فريضته خلاف بين العلماء فمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين أن الفرض لا يسقط عن أهل المسجد الثاني والله أعلم

(2/323)


184 - 269 - سئل : عمن يصلي الفرض خلف من يصلي نفلا ؟
الجواب : يجوز ذلك في أظهر قولي العلماء وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه

(2/323)


269 - / 185 - سئل : عما يفعله الرجل شاكا في وجوبه على طريق الاحتياط هل يأثم به المفترض ؟
أجاب : قياس المذهب أنه يصح لأن الشاك يؤديها بنية الوجوب إذا كما قلنا في نية الاغماء وإن لم نقل بوجوب الصوم كما قلنا فيمن شك في انتقاض وضوئه يتوضأ
وكذلك صور الشك في وجوب طهارة أو صيام أو زكاة أو صلاة أو نسك أو كفارة أوغير ذلك بخلاف ما لو اعتقد الوجوب ثم تبين له عدمه فإن هذه خرج فيها خلاف لأنها في الحقيقة نفل لكنها في اعتقاده واجبة والمشكوك فيها هي في قصده واجبة والاعتقاد متردد

(2/323)


270 - / 186 - مسألة : فيمن وجد جماعة يصلون الظهر فأراد أن يقضي معهم الصبح فلما قام الإمام للركعة الثالثة فارقه بالسلام فهل تصح هذه الصلاة ؟ وعلى أي مذهب تصح ؟
الجواب : هذه الصلاة لا تصح في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وتصح في مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى والله أعلم

(2/324)


271 - / 187 - سئل : عمن وجد الصلاة قائمة فنوى الائتمام وظن أن إمامه زيد فتبين أنه عمرو هل يضره ذلك ؟ وكذلك لو ظن الإمام في المأموم مثل ذلك ؟
الجواب : إذا كان مقصوده أن يصلي خلف إمام تلك الجماعة كائنا من كان وظن أنه زيد فتبين أنه عمرو صحت صلاته كما لو اعتقد أنه أبيض فتبين أنه أسود أو اعتقد أن عليه كساء فتبين أنه عباءة ونحو ذلك من خطأ الظن الذي لا يقدح في الائتمام
وإن كان مقصوده أن يصلي خلف زيد ولو علم أنه عمرو لم يصل خلفه وكان عمرو فهذا لم يأتم به وإنما الأعمال بالنيات
وهل هو بمنزلة من صلى بلا ائتمام ؟ أو تبطل صلاته ؟ فيه نزاع كما لو كانت صلاة الإمام باطلة والمأموم لا يعلم فلا يضر المؤتم الجهل بعين الإمام إذا كان مقصوده أن يصلي خلف الإمام الذي يصلي بتلك الجماعة وكذلك الإمام لم يضره الجهل بعين المأمومين بل إذا نوى الصلاة بمن خلفه جاز
وقد قيل : إنه إذا عين فأخطأ بطلت صلاته مطلقا والصواب : الفرق بين تعيينه بالقصد بحيث يكون قصده أن لا يصلي إلا خلفه وبين تعيين الظن بحيث يكون قصده الصلاة خلف الإمام مطلقا لكن ظن أنه زيد والله أعلم

(2/324)


188 - 272 - مسألة : فيمن عمن صلى خلف الصف منفردا هل تصح صلاته أم لا ؟ والأحاديث الواردة في ذلك هل هي صحيحة أم لا ؟ والأئمة القائلون بهذا من غير الأئمة الأربعة : كحماد بن أبي سليمان وابن المبارك وسفيان الثوري والأوزاعي قد قال عنهم رجل - أعني عن هؤلاء الأئمة المذكورين - هؤلاء لا يلتفت إليهم فصاحب هذا الكلام ما حكمه ؟ وهل يسوغ تقليد هؤلاء الأئمة لمن يجوز له التقليد ؟ كما يجوز تقليد الأئمة الأربعة ؟ أم لا ؟
الجواب : الحمد لله من قول العلماء أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف لأن في ذلك حديثين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أمر المصلي خلف الصف بالإعادة وقال : [ لا صلاة لفذ خلف الصف ] وقد صحح الحديثين غير واحد من أئمة الحديث وأسانيدهما مما تقوم بهما الحجة بل المخالفون لهما يعتمدون في كثير من المسائل على ما هو أضعف إسنادا منهما وليس فيهما ما يخالف الأصول بل ما فيهما هو مقتضى النصوص المشهورة والأصول المقررة فإن صلاة الجماعة سميت جماعة لاجتماع المصلين في الفعل مكانا وزمانا فإذا أخلوا بالاجتماع المكاني أو الزماني مثل أن يتقدموا أو بعضهم على الإمام أو يتخلفوا عنه تخلفا كثيرا لغير عذر كان ذلك منهيا عنه باتفاق الأئمة وكذلك لو كانوا مفترقين غير منتظمين مثل أن يكون هذا خلف هذا وهذا خلف هذا كان هذا من أعظم الأمور المنكرة بل قد أمروا بالاصطفاف بل أمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بتقويم الصفوف وتعديلها وتراص الصفوف وسد الخلل وسد الأول فالأول كل ذلك مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه بحسب الإمكان ولو لم يكن الاصطفاف واجبا لجاز أن يقف واحد خلف واحد وهلم جرا وهذا مما يعلم كل أحد علما عاما أن هذه ليست صلاة المسلمين ولو كان هذا مما يجوز لفعله المسلمون ولو مرة بل وكذلك إذا جعلوا الصف غير منتظم مثل : أن يتقدم هذا على هذا ويتأخر هذا عن هذا لكان ذلك شيئا قد علم نهي النبي صلى الله عليه و سلم عنه والنهي يقتضي التحريم بل إذا صلوا قدام الإمام كان أحسن من مثل هذا
فإذا كان الجمهور لا يصححون الصلاة قدام الإمام إما مطلقا وإما لغير عذر فكيف تصح الصلاة بدون الاصطفاف فقياس الأصول يقتضي وجوب الاصطفاف وإن صلاة المنفرد لا تصح كما جاء به هذان الحديثان ومن خالف ذلك من العلماء فلا ريب أنه لم تبلغه هذه السنة من وجه يثق به بل قد يكون لم يسمعها وقد يكون ظن أن الحديث ضعيف كما ذكر ذلك بعضهم
والذين عارضوه احتجوا بصحة صلاة المرأة منفردة كما ثبت في الصحيح : [ أن أنسا واليتيم صفا خلف النبي صلى الله عليه و سلم وصفت العجوز خلفهما ] وقد اتفق العلماء على صحة وقوفها منفردة إذا لم يكن في الجماعة امرأة غيرها كما جاءت به السنة واحتجوا أيضا بوقوف الإمام منفردا واحتجوا بحديث أبي بكرة لما ركع دون الصف ثم دخل في الصف فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : زادك الله حرصا ولا تعد وهذه حجة ضعيفة لا تقاوم حجة النهي عن ذلك وذلك من وجوه :
أحدها : أن وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروها وهل تبطل صلاة من يحاذيها ؟ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره
أحدهما : تبطل كقول أبي حنيفة وهو اختيار أبي بكر وأبي حفص من أصحاب أحمد
والثاني : لا تبطل كقول مالك والشافعي وهو قول ابن حامد والقاضي وغيرهما مع تنازعهم في الرجل الواقف معها : هل يكون فذا أم لا ؟ والمنصوص عن أحمد بطلان صلاة من يليها في الموقف
وأما وقوف الرجل وحده خلف الصف فمكروه وترك للسنة باتفاقهم فكيف يقاس المنهى بالمأمور به وكذلك وقوف الإمام أمام الصف هو السنة فكيف يقاس المأمور به بالمنهى عنه والقياس الصحيح إنما هو قياس المسكوت على المنصوص أما قياس المنصوص على منصوص يخالفه فهو باطل باتفاق العلماء كقياس الربا على البيع وقد أحل الله البيع وحرم الربا
والثاني : أن المرأة وقفت خلف الصف لأنه لم يكن لها من تصافه ولم يمكنها مصافة الرجال : ولهذا لو كان معها في الصلاة امرأة لكان من حقها أن تقوم معها وكان حكمها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال
ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفا إلا خلف الصف فهذا فيه نزاع بين المبطلين لصلاة المنفرد وإلا ظهر صحة صلاته في هذا الموضع لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز وطرد هذا صحة صلاة المتقدم على الإمام للحاجة كقول طائفة وهو قول في مذهب أحمد
وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ذلك يسقط بالعجز فكذلك الاصطفاف وترك التقدم وطرد هذا بقية مسائل الصفوف كمسألة من صلى ولم ير الإمام ولا من وراءه [ مع ] سماعه للتكبير وغير ذلك وأما الإمام فإنما قدم ليراه المأمومون فيأتمون به وهذا منتف في المأموم
وأما حديث أبي بكرة فليس فيه أنه صلى منفردا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركا للركعة فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام فإن هذا جائز باتفاق الأئمة وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله : ولا تعد وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة كما في حديث الفذ فإنه أمره بإعادة الصلاة وهذا مبين مفسر وذلك مجمل حتى لو قدر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإمام - كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره - لكان سائغا في مثل هذا دون ما أمر فيه بالإعادة فهذا له وجه وهذا له وجه
وأما التفريق بين العالم والجاهل كقول في مذهب أحمد فلا يسوغ فإن المصلي المنفرد لم يكن عالما بالنهي وقد أمره بالإعادة كما أمر الأعرابي المسيء في صلاته بالإعادة
وأما الأئمة المذكورون : فمن سادات أئمة الإسلام فإن الثوري إمام أهل العراق وهو عند أكثرهم أجل من أقرانه : كابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي وأبي حنيفة وغيره وله مذهب باق إلى اليوم بأرض خراسان والأوزاعي إمام أهل الشام وما زالوا على مذهبه إلى المائة الرابعة بل أهل المغرب كانوا على مذهبه قبل أن يدخل إليهم مذهب مالك وحماد بن أبي سليمان : هو شيخ أبي حنيفة ومع هذا فهذا القول هو قول أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وغيرهما ومذهبه باق إلى اليوم وهو مذهب داود بن علي وأصحابه ومذهبهم باق إلى اليوم فلم يجمع الناس اليوم على خلاف هذا القول بل القائلون به كثير في المشرق والمغرب
وليس في الكتاب والسنة فرق في الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص فمالك والليث بن سعد والأوزاعي والثوري هؤلاء أئمة في زمانهم وتقليد كل منهم كتقليد الآخر لا يقول مسلم إنه يجوز تقليد هذا دون هذا ولكن من منع من تقليد أحد هؤلاء في زماننا فإنما منعه لأحد شيئين :
أحدهما : إعتقاده أنه لم يبق من يعرف مذاهبهم وتقليد الميت فيه نزاع مشهور فمن منعه قال : هؤلاء موتى ومن سوغه قال : لا بد أن يكون في الاحياء من يعرف قول الميت
والثاني : أن يقول الإجماع اليوم قد انعقد على خلاف هذا القول وينبني ذلك على مسألة معروفة في أصول الفقه وهي : أن الصحابة مثلا أو غيرهم من أهل الأعصار إذا اختلفوا في مسألة على قولين ثم أجمع التابعون أو أهل العصر الثاني على أحدهما فهل يكون هذا إجماعا يرفع ذلك الخلاف ؟ وفي المسألة نزاع مشهور في مذهب أحمد وغيره من العلماء فمن قال : إن مع إجماع أهل العصر الثاني لا يسوغ الأخذ بالقول الآخر واعتقد أن أهل العصر أجمعوا على ذلك يركب من هذين الاعتقادين المنع
ومن علم أن الخلاف القديم حكمه باق لأن الأقوال لا تموت بموت قائليها فإنه يسوغ الذهاب إلى القول الآخر للمجتهد الذي وافق اجتهاده
وأما التقليد فينبني على مسألة تقليد الميت وفيها قولان مشهوران أيضا في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما
وأما إذا كان القول الذي يقول به هؤلاء الأئمة أو غيرهم قد قال به بعض العلماء الباقية مذاهبهم فلا ريب أن قوله مؤيد بموافقة هؤلاء ويعتضد به ويقابل بهؤلاء من خالفهم من أقرانهم فيقابل بالثوري والأوزاعي أبا حنيفة ومالك إذ الأمة متفقة على أنه إذا اختلف مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة لم يجز أن يقال قول هذا هو الصواب دون هذا إلا بحجة والله أعلم

(2/325)


189 - 273 - مسألة : هل التبليغ وراء الإمام كان على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ أو في شيء من زمن الخلفاء الراشدين ؟ فإن لم يكن فمع الأمن من إخلال شيء من متابعة الإمام والطمأنينة المشروعة واتصال الصفوف والاستماع للإمام من وراءه إن وقع خلل مما ذكر هل يطلق على فاعله البدعة ؟ وهل ذهب أحد من علماء المسلمين إلى بطلان صلاته بذلك ؟ وما حكم من اعتقد ذلك قربة فعله أو لم يفعله بعد التعريف ؟
الجواب : لم يكن التبليغ والتكبير ورفع الصوت بالتحميد والتسليم على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا على عهد خلفائه ولا بعد ذلك بزمان طويل إلا مرتين مرة صرع النبي صلى الله عليه و سلم عن فرس ركبه فصلى في بيته قاعدا فبلغ أبو بكر عنه التكبير كذا رواه مسلم في صحيحه ومرة أخرى في مرض موته بلغ عنه أبو بكر وهذا مشهور
مع أن ظاهر مذهب الإمام أحمد أن هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتما فيها بالنبي صلى الله عليه و سلم وكان إماما للناس فيكون تبليغ أبي بكر إماما للناس وإن كان مؤتما بالنبي صلى الله عليه و سلم وهكذا قالت عائشة رضي الله عنها : كان الناس يأتمون بأبي بكر وأبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه و سلم ولم يذكر أحد من العلماء تبليغا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا هاتين المرتين : لمرضه
والعلماء المصنفون لما احتاجوا أن يستدلوا على جواز التبليغ لحاجة لم يكن عندهم سنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا هذا وهذا يعلمه علما يقينيا من له خبرة بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم
ولا خلاف بين العلماء إن هذا التبليغ لغير حاجة ليس بمستحب بل صرح كثير منهم أنه مكروه ومنهم من قال : تبطل صلاة فاعله وهذا موجود في مذهب مالك وأحمد وغيره وأما الحاجة لبعد المأموم أو لضعف الإمام وغير ذلك فقد اختلفوا فيه في هذه والمعروف عند أصحاب أحمد أنه جائز في هذا الحال وهو أصح قولي أصحاب مالك وبلغني أن أحمد توقف في ذلك وحيث جاز ولم يبطل فيشترط أن لا يخل بشيء من واجبات الصلاة
فأما إن كان المبلغ لا يطمئن بطلت صلاته عند عامة العلماء كما دلت عليه السنة وإن كان أيضا يسبق الإمام بطلت صلاته في ظاهر مذهب أحمد وهو الذي دلت عليه السنة وأقوال الصحابة وإن كان يخل بالذكر المفعول في الركوع والسجود والتسبيح ونحوه ففي بطلان الصلاة خلاف وظاهر مذهب أحمد أنها تبطل ولا ريب أن التبليغ لغير حاجة بدعة ومن اعتقده قربة مطلقة فلا ريب أنه إما جاهل وإما معاند وإلا فجميع العلماء من الطوائف قد ذكروا ذلك في كتبهم حتى في المختصرات قالوا : ولا يجهر بشيء من التكبير إلا أن يكون إماما ومن أصر على اعتقاد كونه قربة فإنه يعزر على ذلك لمخالفته الاجماع هذا أقل أحواله والله أعلم

(2/329)


274 - 190 - مسألة : هل يجوز أن يكبر خلف الإمام ؟
الجواب : لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام الذي هو المبلغ لغير حاجة : باتفاق الأئمة فإن بلالا لم يكن يبلغ خلف النبي صلى الله عليه و سلم هو ولا غيره ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين لكن لما مرض النبي صلى الله عليه و سلم صلى بالناس مرة وصوته ضعيف وكان أبو بكر يصلي إلى جنبه يسمع الناس التكبير فاستدل العلماء بذلك على أنه يشرع التكبير عند الحاجة : مثل ضعف صوته فأما بدون ذلك فاتفقوا على أنه مكروه غير مشروع
وتنازعوا في بطلان صلاة من يفعله على قولين : والنزاع في الصحة معروف في مذهب مالك وأحمد وغيرهما غير أنه مكروه باتفاق المذاهب كلها والله أعلم

(2/330)


191 - 275 - مسألة : في التبليغ خلف الإمام : هل هو مستحب أو بدعة ؟
الجواب : إما التبليغ خلف الإمام لغير حاجة فهو بدعة غير مستحبة باتفاق الأئمة وإنما يجهر بالتكبير الإمام كما كان النبي صلى الله عليه و سلم وخلفاؤه يفعلون ولم يكن أحد يبلغ خلف النبي لكن لما مرض النبي صلى الله عليه و سلم ضعف صوته فكان أبو بكر - رضي الله عنه - يسمع بالتكبير
وقد اختلف العلماء : هل تبطل صلاة المبلغ ؟ على قولين في مذهب مالك وأحمد وغيرهما

(2/331)


276 - / 192 - مسألة : هل تجزئ الصلاة قدام الإمام أو خلفه في المسجد وبينهما حائل أم لا ؟
الجواب : أما صلاة المأموم قدام الإمام ففيها ثلاثة أقوال للعلماء :
أحدها : إنها تصح مطلقا وإن قيل إنها تكره وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك والقول القديم للشافعي
والثاني : إنها لا تصح مطلقا كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما
والثالث : إنها تصح مع العذر دون غيره مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة الإقدام الإمام فتكون صلاته قدام الإمام خيرا له من تركه للصلاة وهذا قول طائفة من العلماء وهو قول في مذهب أحمد وغيره وهو أعدل الأقوال وأرجحها وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجبا من واجبات الصلاة في الجماعة والواجبات كلها تسقط بالعذر وإن كانت واجبة في أصل الصلاة فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام والقراءة واللباس والطهارة وغير ذلك
وأما الجماعة فإنه يجلس في الأوتار لمتابعة الإمام ولو فعل ذلك مفردا عمدا بطلت صلاته وإن أدركه ساجدا أو قاعدا كبر وسجد معه وقعد معه لأجل المتابعة مع أنه لا يعتد له بذلك ويسجد لسهو الإمام وإن كان هو لم يسه
وأيضا ففي صلاة الخوف لا يستقبل القبلة ويعمل العمر الكثير ويفارق الإمام قبل السلام ويقضي الركعة الأولى قبل سلام الإمام وغير ذلك مما يفعله لأجل الجماعة ولو فعله لغير عذر بطلت صلاته
وأبلغ من ذلك أن مذهب أكثر البصريين وأكثر أهل الحديث : أن الإمام الراتب إذا صلى جالسا صلى المأمومون جلوسا لأجل متابعته فيتركون القيام الواجب لأجل المتابعة كما استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ]
والناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال :
قيل : لا يؤم القاعد القائم وأن ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه و سلم : كقول مالك ومحمد بن الحسن
وقيل : بل يؤمهم ويقومون وأن الأمر بالقعود منسوخ كقول أبي حنيفة والشافعي
وقيل : بل ذلك محكم وقد فعله غير واحد من الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم كأسيد بن حضير وغيره وهذا مذهب حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وغيرهما وعلى هدا فلو صلوا قياما ففي صحة صلاتهم قولان
والمقصود هنا : أن الجماعة تفعل بحسب الإمكان فإذا كان المأموم لا يمكنه الائتمام بإمامه إلا قدامه كان غاية [ ما ] في هذا أنه قد ترك الموقف لأجل الجماعة وهذا أخف من غيره ومثل هذا أنه منهي عن الصلاة خلف الصف وحده فلو لم يجد من يصافه ولم يجذب أحدا يصلي معه صلى وحده خلف الصف ولم يدع الجماعة كما أن المرأة إذا لم تجد امرأة تصافها فإنها تقف وحدها خلف الصف باتفاق الأئمة وهو إنما أمر بالمصافة مع الإمكان لا عند العجز عن المصافة

(2/331)


فصل
وأما صلاة المأموم خلف الإمام : خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائل فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة وإن كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن ففيه قولان معروفان هما روايتان عن أحمد :
أحدهما : المنع كقول أبي حنيفة
والثاني : الجواز كقول الشافعي
وأما إذا كان بينهما حائل يمنع الرؤية والاستطراق ففيها عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره قيل : يجوز وقيل : لا يجوز وقيل : يجوز في المسجد دون غيره وقيل : يجوز مع الحاجة ولا يجوز بدون الحاجة ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقا : مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة أو تكون المقصورة التي فيها الإمام مغلقة أو نحو ذلك
فهنا لو كانت الرؤية واجبة لسقطت للحاجة كما تقدم فإنه قد تقدم أن واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر وأن الصلاة في الجماعة خير من صلاة الإنسان وحده بكل حال

(2/333)


193 - 277 - سئل : عمن يصلي مع الإمام وبينه وبين الإمام حائل بحيث لا يراه ولا يرى من يراه : هل تصح صلاته ؟ أم لا ؟
أجاب : الحمد لله نعم ! تصح صلاته عند أكثر العلماء وهو المنصوص الصريح عن أحمد فإنه نص على أن المنبر لا يمنع الاقتداء والسنة في الصفوف أن يتموا الأول فالأول ويتراصون في الصف
فمن صلى في مؤخر المسجد مع خلو ما يلي الإمام كانت صلاته مكروهة والله أعلم

(2/334)


194 - 278 - سئل : عن إمام يصلي خلفه جماعة وقدامه جماعة فهل تصح صلاة المتقدمين على الإمام ؟ أم لا ؟
أجاب : الحمد لله أما الذين خلف الإمام فصلاتهم صحيحة بلا ريب وأما الذين قدامه فللعلماء فيهم ثلاثة أقوال قيل : تصح وقيل : لا تصح وقيل : تصح إذا لم يمكنهم الصلاة معه إلا تكلفا وهذا أولى الأقوال والله أعلم

(2/334)


279 - / 195 - مسألة : في الحوانيت المجاورة للجامع من أرباب الأسواق إذا اتصلت بهم الصفوف فهل تجوز صلاة الجمعة في حوانيتهم ؟
الجواب : أما صلاة الجمعة وغيرها فعلى الناس أن يسدوا الأول فالأول كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ؟ قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : يسدون الأول فالأول ويتراصون في الصف ] فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد ومن فعل ذلك استحق التأديب ولمن جاء بعده تخطيه ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة فإن هذا لا حرمة له
كما أنه ليس لأحد أن يقدم ما يفرش له في المسجد ويتأخر هو وما فرش له لم يكن له حرمة بل يزال ويصلي مكانه على الصحيح بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم
وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء
وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء
وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد الأول فالأول والله أعلم

(2/334)


280 - 196 - مسألة : في صلاة الجمعة في الأسواق وفي الدكاكين والطرقات اختيارا هل تصح صلاته ؟ أم لا ؟
الجواب : إن اتصلت الصفوف فلا بأس بالصلاة لمن تأخر ولم يمكنه إلا ذلك
وأما إذا تعمد الرجل أن يقعد هناك ويترك الدخول إلى المسجد كالذين يقعدون في الحوانيت فهؤلاء مخطئون مخالفون للسنة فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ؟ قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : يكملون الأول فالأول ويتراصون في الصف ] وقال : [ خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ]
وأما إذا لم تتصل الصفوف بل كان بين الصفوف طريق ففي صحة الصلاة قولان للعلماء هما روايتنا عن أحمد
أحدهما : لا تصح كقول أبي حنيفة
والثاني : تصح كقول الشافعي والله أعلم

(2/335)


197 - 281 - سئل : عن جامع بجانب السوق بحيث يسمع التكبير منه : هل تجوز صلاة الجمعة في السوق ؟ أو على سطح السوق ؟ أو في الدكاكين ؟ أم لا ؟
أجاب : الحمد لله إذا امتلأ الجامع جاز أن يصلي في الطرقات فإذا امتلأت صلوا فيما بينها من الحوانيت وغيرها وأما إذا لم تتصل الصفوف فلا وكذلك فوق الأسطحة والله أعلم

(2/336)


198 - 282 - سئل : عن رجل شيخ كبير وقد انحلت أعضاؤه لا يستطيع أن يأكل أو يشرب ولا يتحرك ولا يستنجي بالماء وإذا سجد ما يستطيع الرفع فكيف يصلي ؟
الجواب : أما الصلاة فإنه يفعل ما يقدر عليه ويصلي قاعدا إذا لم يستطع القيام ويوميء برأسه إيماء بحسب حاله وإن سجد على فخذه جاز ويمسح بخرقة إذا تخلى ويوضئه غيره إذا أمكن ويجمع بين الصلاتين فيوضيه في آخر وقت الظهر فيصلي الظهر والعصر بلا قصر ثم إذا دخل وقت المغرب صلى المغرب والعشاء ويوضيه الفجر
وإن لم يستطع الصلاة قاعدا صلى على جنبه ووجهه إلى القبلة وإن لم يكن عنده من يوضئه ولا ييممه صلى على حسب حاله سواء كان على قفاه ورجلاه إلى القبلة أو على جنبه ووجهه إلى القبلة
وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة صلى إلى أي جهة توجه شرقا أو غربا والله سبحانه وتعالى أعلم

(2/336)


199 - 283 - سئل : هل تجوز صلاة المرأة قاعدة مع قدرتها على القيام ؟
أجاب : وأما صلاة الفرض قاعدا مع القدرة على القيام فلا تصح لا من رجل ولا امرأة بل قد قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك ]
ولكن يجوز التطوع جالسا ويجوز التطوع على الراحلة في السفر قبل أي جهة توجهت بصاحبها فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان يصلي على دابته قبل أي جهة توجهت به ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة
ويجوز للمريض إذا شق عليه القيام أن يصلي قاعدا فإن لم يستطع صلى على جنبه وكذلك إذا كان رجل لا يمكنه النزول إلى الأرض صلى على راحلته والخائف من عدوه إذا نزل يصلي على راحلته والله أعلم

(2/336)


284 - 200 - سئل : هل القصر في السفر سنة أو عزيمة ؟ وعن صحة الحديث الذي رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت : كل ذلك قد فعل النبي صلى الله عليه و سلم قصر الصلاة وأتم
أجاب : أما القصر في السفر فهو سنة النبي صلى الله عليه و سلم وسنة خلفائه الراشدين فإن النبي صلى الله عليه و سلم لم يصل في السفر قط إلا ركعتين وكذلك أبو بكر وعمر وكذلك عثمان في السنة الأولى من خلافته لكنه في السنة الثانية أتمها يمنى لأعذار مذكورة في غير هذا الموضوع
وأما الحديث المذكور فلا ريب أنه خطأ على عائشة وإبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى المدني القدري وهو وطلحة بن عمرو المكي ضعيفان باتفاق أهل الحديث لا يحتج بواحد منهما فيما هو دون هذا وقد ثبت في الصحيح عن عائشة أنها قالت : [ فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ] وقيل لعروة : فلم أتمت عائشة الصلاة ؟ قال : تأولت كما تأول عثمان فهذه عائشة تخبر بأن صلاة السفر ركعتان وابن اختها عروة أعلم الناس بها : يذكر أنها أتمت بالتأويل لم يكن عندها بذلك سنة وكذلك ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال : [ صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ]
وأيضا فإن المسلمين قد نقلوا بالتواتر أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يصل في السفر إلا ركعتين ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعا قط ولكن الثابت عنه أنه صام في السفر وأفطر وكان أصحابه منهم الصائم ومنهم المفطر
وأما القصر فكل الصحابة كانوا يقصرون منهم أهل مكة وغير أهل مكة بمنى وعرفة وغيرهما وقد تنازع العلماء في التربيع : هل هو محرم ؟ أو مكروه ؟ أو ترك للأولى ؟ أو مستحب ؟ أو هما سواء على خمسة أقوال :
أحدها : قول من يقول أن الإتمام أفضل كقول للشافعي
والثاني : قول من يسوي بينهما كبعض أصحاب مالك
والثالث : قول من يقول القصر أفضل : كقول الشافعي الصحيح وإحدى الروايتين عن أحمد
والرابع : قول من يقول الإتمام مكروه كقول مالك في إحدى الروايتين وأحمد في الرواية الأخرى
والخامس : قول من يقول أن القصر واجب كقول أبي حنيفة ومالك في رواية
وأظهر الأقوال : قول من يقول إنه سنة وأن الإتمام مكروه ولهذا لا تجب نية القصر عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد في أحد القولين عنه في مذهبه

(2/337)


285 - / 201 - سئل : هل لمسافة القصر قدر محدود عن الشارع صلى الله عليه و سلم ؟
الجواب : السنة أن يقصر المسافر الصلاة فيصلي الرباعية ركعتين هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم في جميع أسفاره هو وأصحابه ولم يصل في السفر أربعا قط وما روي عنه أنه صلى في السفر أربعا في حياته فهو حديث باطل عند أئمة الحديث
وقد تنازع العلماء في المسافر إذا صلى أربعا فقيل : لا يجوز ذلك كما ما لا يجوز أن يصلي الفجر والجمعة والعيد أربعا وقيل : يجوز ولكن القصر أفضل عند عامتهم - ليس فيه إلا خلاف شاذ ولا يفتقر القصر إلى نية بل لو دخل في الصلاة وهو ينوي أن يصلي أربعا - إتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد كان صلى الله عليه و سلم لما حج بالمسلمين حجة الوداع يصلي بهم ركعتين ركعتين إلى أن رجع وجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة والمسلمون خلفه ويصلي بصلاته أهل مكة وغيرهم جمعا وقصرا ولم يأمر أحدا أن ينوي لا جمعا ولا قصرا
وأقام بمنى يوم العيد وإمام منى يصلي بالمسلمين ركعتين ركعتين والمسلمون خلفه يصلي بصلاته أهل مكة وغيرهم وكذلك أبو بكر وعمر بعده ولم يأمر النبي صلى الله عليه و سلم ولا أبو بكر ولا عمر أحدا من أهل مكة أن يصلي أربعا لا بمنى ولا بغيرها فلهذا كان أصح قولي العلماء أن أهل مكة يجمعون بعرفة ومزدلفة ويقصرون بها وبمنى وهذا قول عامة فقهاء الحجاز كمالك وابن عيينة وهو قول إسحاق بن راهويه واختيار طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد كأبي الخطاب في عباداته
وقد قيل : يجمعون ولا يقصرون وهو قول أبي حنيفة وهو المنصوص عن أحمد وقيل : لا يقصرون ولا يجمعون كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد وهو أضعف الأقوال
والصواب المقطوع به أن أهل مكة يقصرون ويجمعون هناك كما كانوا يفعلون هناك مع النبي صلى الله عليه و سلم وخلفائه ولم ينقل عن أحد من المسلمين أنه قال لهم هناك أتموا صلاتهم فإنا قوم سفر ولكن نقل أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم داخل مكة وكذلك كان عمر يأمر أهل مكة بالإتمام إذا صلى بهم في البلد وأما بمنى فلم يكن يأمرهم بذلك
وقد تنازع العلماء في قصر أهل مكة خلفه فقيل : كان ذلك لأجل النسك فلا يقصر المسافر سفرا قصيرا هناك وقيل : بل كان ذلك لأجل السفر وكلا القولين قاله بعض أصحاب أحمد والقول الثاني هو الصواب وهو أنهم قصروا لأجل سفرهم ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وكانوا محرمين والقصر معلق بالسفر وجودا وعدما فلا يصلي ركعتين إلا مسافر وكل مسافر يصلي ركعتين كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : [ صلاة المسافر ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة النحر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير نقص ] : أي غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه و سلم وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : [ فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ]
وقد تنازع العلماء : هل يختص بسفر دون سفر ؟ أم يجوز في كل سفر ؟ وأظهر القولين أنه يجوز في كل سفر قصيرا كان أو طويلا كما قصر أهل مكة خلف النبي صلى الله عليه و سلم بعرفة ومنى وبين مكة وعرفة نحو بريد : أربع فراسخ
وأيضا فليس الكتاب والسنة يخصان بسفر دون سفر ولا تقصر ولا يفطر ولا تيمم ولم يحد النبي صلى الله عليه و سلم مسافة القصر بحد لا زماني ولا مكاني والأقوال المذكورة في ذلك متعارضة ليس على شيء منها حجة وهي متناقضة ولا يمكن أن يحد ذلك بحد صحيح
فإن الأرض لا تذرع بذرع مضبوط في عامة الأسفار وحركة المسافر تختلف والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع صلى الله عليه و سلم ويقيد ما يقيده فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر وكذلك جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر والصلاة على الراحلة والمسح على الخفين
ومن قسم الأسفار إلى قصير وطويل وخص بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا وجعلها متعلقة بالسفر الطويل فليس معه حجة يجب الرجوغ إليها والله سبحانه وتعالى أعلم

(2/338)


202 - 286 - سئل : إذا سافر إنسان سفرا مقدار ثلاثة أيام أو ثلاثة فراسخ هل يباح له الجمع والقصر أم لا ؟
أجاب : وأما الجمع والقصر في السفر القصير ففيه ثلاثة أقوال بل أربعة بل خمسة في مذهب أحمد
أحدها : أنه لا يباح لا الجمع ولا القصر
والثاني : يباح الجمع دون القصر
والثالث : يباح الجمع بعرفة ومزدلفة خاصة للمكي وإن كان سفره قصيرا
والرابع : يباح الجمع والقصر بعرفة ومزدلفة
والخامس : يياح ذلك مطلقا والذي يجمع للسفر هل يباح له الجمع مطلقا أو لا يباح إلا إذا كان مسافرا ؟ فيه روايتان عن أحمد مقيما أو مسافرا ولهذا نص أحمد على أنه يجمع إذا كان له شغل قال القاضي أبو يعلى كل عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة يبيح الجمع ولهذا يجمع للمطر والوحل وللريح الشديدة الباردة في ظاهر مذهب الإمام أحمد ويجمع المريض والمستحاضة والمرضع فإذا جد السير بالمسافر جمع سواء كان سفره طويلا أو قصيرا كما مضت سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم يجمع الناس بعرفة ومزدلفة المكي وغير المكي مع أن أهل مكة سفرهم قصير
وكذلك جمع صلى الله عليه و سلم وخلفاؤه الراشدون بعرفة ومزدلفة ومتى قصروا يقصر خلفهم أهل مكة وغير أهل مكة وعرفة من مكة بريد : أربعة فراسخ ولهذا قال مالك وبعض أصحاب أحمد كأبي الخطاب في العبادات الخمس : إن أهل مكة يقصرون بعرفة ومزدلفة وهذا القول هو الصواب وإن كان المنصوص عن الأئمة الثلاثة بخلافه : أحمد والشافعي وأبي حنيفة
ولهذا قال طائفة أخرى من أصحاب أحمد وغيرهم إنه يقصر في السفر الطويل والقصير لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يوقت للقصر مسافة ولا وقتا وقد قصر خلفه أهل مكة بعرفة ومزدلفة وهذا قول كثير من السلف والخلف وهو أصح الأقوال في الدليل ولكن لا بد أن يكون ذلك مما يعد في العرف سفرا مثل أن يتزود له ويبرز للصحراء فأما إذا كان في مثل دمشق وهو ينتقل من قراها الشجرية من قرية إلى قرية كما ينتقل من الصالحية إلى دمشق فهذا ليس بمسافر كما أن مدينة النبي صلى الله عليه و سلم كانت بمنزلة القرى المتقاربة عند كل قوم نخيلهم ومقابرهم ومساجدهم قباء وغير قباء ولم يكن خروج الخارج إلى قباء سفرا ولهذا لم يكن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه يقصرون في مثل ذلك فإن الله تعالى قال : { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة } فجميع الأبنية تدخل في مسمى المدينة وما خرج عن أهلها فهو من الأعراب أهل العمود والمنتقل من المدينة من ناحية إلى ناحية ليس بمسافر ولا يقصر الصلاة ولكن هذه مسائل اجتهاد فمن فعل منها بقول بعض العلماء لم ينكرعليه ولم يهجر
وهكذا اختلفوا في الجمع والقصر هل يشترط له نية ؟ فالجمهور لا يشترطون النية كمالك وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب أحمد وهو مقتضى نصوصه
والثاني : تشترط كقول الشافعي وكثير من أصحاب أحمد كالخرقي وغيره والأول أظهر ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه

(2/340)


287 - / 203 - سئل : عن سفر يوم من رمضان هل يجوز أن يقصر فيه ويفطر أم لا ؟
الجواب : هذا فيه نزاع بين العلماء والأظهر أنه يجوز له القصر والفطر في يوم من رمضان كما قصر أهل مكة خلف النبي صلى الله عليه و سلم بعرفة ومزدلفة وعرفة عن المسجد الحرام مسيرة بريد ولأن السفر مطلق في الكتاب والسنة

(2/342)


288 - / 204 - مسألة : في رجل مسافر إلى بلد ومقصوده أن يقيم مدة شهر أو أكثر فهل يتم الصلاة أم لا ؟
الجواب : إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم لما دخل مكة فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة وإن كان أكثر ففيه نزاع والأحوط أن يتم الصلاة
وأما إن قال غدا أسافر أو بعد غد أسافر ولم ينو المقام فإنه يقصر أبدا فإن النبي صلى الله عليه و سلم أقام بمكة بضعة عشر يوما يقصر الصلاة وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة والله أعلم

(2/342)


205 - 289 - سئل : عن رجل جرد إلى الخربة لأجل الحمى وهو يعلم أنه يقيم مدة شهرين فهل يجوز له القصر ؟ وإذا جاز القصر فالإتمام أفضل أم القصر ؟
أجاب : الحمد لله هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء منهم من يوجب الإتمام ومنهم من يوجب القصر والصحيح أن كلاهما سائغ فمن قصر لا ينكر عليه ومن أتم لا ينكرعليه
وكذلك تنازعوا في الأفضل : فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط فالإتمام أفضل وأما من تبينت له السنة وعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين ولم يحد السفر بزمان أو بمكان ولا حد الإقامة أيضا بزمن محدود لا ثلاثة ولا أربعة ولا إثنا عشر ولا خمسة عشر فإن يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل حتى كان مسروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها فأقام سنين يقصر الصلاة
وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر كما أقام النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه بعد فتح مكة قريبا من عشرين يوما يقصرون الصلاة وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان وكان النبي صلى الله عليه و سلم لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام وإذا كان التحديد لا أصل له فما دم المسافر مسافرا يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهورا والله أعلم كتبه أحمد بن تيمية

(2/343)


290 - / 206 - مسألة : هل الجمع بين الصلاتين في السفر أفضل أم القصر ؟ وما أقوال العلماء في ذلك ؟ وما حجة كل منهم ؟ وما الراجح من ذلك ؟
الجواب : الحمد لله بل فعل كل صلاة في وقتها أفضل إذا لم يكن به حاجة إلى الجمع فإن غالب صلاة النبي صلى الله عليه و سلم التي كان يصليها في السفر إنما يصليها في أوقاتها وإنما كان الجمع منه مرات قليلة
وفرق كثير من الناس بين الجمع والقصر وظنهم أن هذا يشرع سنة ثابتة والجمع رخصة عارضة وذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم في جميع أسفاره كان يصلي الرباعية ركعتين ولم ينقل أحد أنه صلى في سفره الرباعية أربعا بل وكذلك أصحابه معه
والحديث الذي يروى عن عائشة : أنها أتمت معه وأفطرت حديث ضعيف بل قد ثبت عنها في الصحيح : [ أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ] وثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب أنه قال : [ صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه و سلم ]
وأما قوله تعالى : { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } فإن نفي الجناح لبيان الحكم وإزالة الشبهة لا يمنع أن يكون القصر هو السنة كما قال : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } نفي الجناح لأجل الشبهة التي عرضت لهم من الطواف بينهما لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من كراهة بعضهم للطواف بينهما والطواف بينهما مأمور به باتفاق المسلمين وهو إما ركن وإما واجب وإما سنة مؤكدة
وهو سبحانه ذكر الخوف والسفر لأن القصر يتناول قصر العدد وقصر الأركان فالخوف يبيح قصر الأركان والسفر يبيح قصر العدد فإذا اجتمعا أبيح القصر بالوجهين وإن انفرد السفر أبيح أحد نوعي القصر والعلماء متنازعون في المسافر : هل فرضه الركعتان ؟ ولا يحتاج قصره إلى نية ؟ أم لا يقصر إلا بنية ؟ على قولين :
والأول : قول أكثرهم كأبي حنيفة ومالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد اختاره أبو بكر وغيره
والثاني : قول الشافعي وهو القول الآخر في مذهب أحمد اختاره الخرقي وغيره
والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي صلى الله عليه و سلم فإنه كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر ولا يأمرهم بنية القصر ولهذا لما سلم من ركعتين ناسيا قال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال : لم أنس ولم تقصر قال : بلى ؟ قد نسيت وفي رواية : لو كان شيء لأخبرتكم به ولم يقل لو قصرت لأمرتكم أن تنووا القصر وكذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمع قبل الدخول بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاة الأولى فعلم أيضا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأولى كقول الجمهور والمنصوص عن أحمد يوافق ذلك
وقد تنازع العلماء في التربيع في السفر : هل هو حرام ؟ أو مكروه ؟ أو ترك الأولى ؟ أو هو الراجح ؟ فمذهب أبي حنيفة وقول في مذهب مالك : أن القصر واجب وليس له أن يصلي أربعا ومذهب مالك في الرواية الأخرى وأحمد في أحد القولين بل أنصهما أن الإتمام مكروه ومذهبه في الرواية الأخرى ومذهب الشافعي في أظهر قوليه : أن القصر هو الأفضل والتربيع ترك الأولى وللشافعي قول أن التربيع أفضل وهذا أضعف الأقوال
وقد ذهب بعض الخوارج إلى أنه لا يجوز القصر إلا مع الخوف ويذكر هذا قولا للشافعي وما أظنه يصح عنه فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة : أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يصلي بأصحابه بمنى ركعتين ركعتين آمن ما كان الناس وكذلك بعده أبو بكر
وكذلك بعده عمر
وإذا كان كذلك فكيف يسوي بين الجمع والقصر ؟ ! وفعل كل صلاة في وقتها أفضل إذا لم يكن حاجة عند الأئمة كلهم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبيهما بل تنازعوا في جواز الجمع على ثلاثة أقوال
فمذهب أبي حنيفة أنه لا يجمع إلا بعرفة ومزدلفة ومذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين أنه لا يجمع المسافر إذا كان نازلا وإنما يجمع إذا كان سائرا بل عند مالك إذا جد به السير ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى أنه يجمع المسافر وإن كان نازلا
وسبب هذا النزاع ما بلغهم من أحاديث الجمع فإن أحاديث الجمع قليلة فالجمع بعرفة ومزدلفة متفق عليه وهو منقول بالتواتر فلم يتنازعوا فيه وأبو حنيفة لم يقل بغيره لحديث ابن مسعود الذي في الصحيح أنه قال : [ ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة وصلاة المغرب ليلة جمع ] وأراد بقوله : في الفجر لغير وقتها التي كانت عادته أن يصليها فيه فإنه جاء في الصحيح عن جابر : [ أنه صلى الفجر بمزدلفة بعد أن برق الفجر ] وهذا متفق عليه بين المسلمين أن الفجر لا يصلى حتى يطلع الفجر لا بمزدلفة ولا غيرها لكن بمزدلفة غلس بها تغليسا شديدا
وأما أكثر الأئمة فبلغتهم أحاديث في الجمع صحيحة كحديث أنس وابن عباس وابن عمر ومعاذ وكلها من الصحيح ففي الصحيحين عن أنس : [ أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فصلاهما جميعا وإذا ارتحل بعد أن تزبغ الشمس صلى الظهر والعصر ثم ركب ] وفي لفظ في الصحيح [ كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما ] وفي الصحيحين عن ابن عمر [ أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء ] وفي لفظ في الصحيح [ أن ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ] بعد أن يغيب الشفق ويقول : [ إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ]
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس [ أن النبي صلى الله عليه و سلم جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ] قال سعيد ابن جبير قلت لابن عباس : ما حمله على ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته وكذلك في صحيح مسلم عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل قال : [ جمع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال : فقلت : ما حمله على ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته ] بل قد ثبت عنه أنه جمع في المدينة كما في الصحيحين عن ابن عباس قال : [ صلى لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم الظهر والعصر جميعا من غير
خوف ولا سفر ] وفي لفظ في الصحيحين عن ابن عباس : [ أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ] قال أيوب لعله في ليلة مطيرة وكان أهل المدينة يجمعون في الليلة المطيرة بين المغرب والعشاء ويجمع معهم عبد الله بن عمر وروي ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه و سلم وهذا العمل من الصحابة
وقولهم : أراد أن لا يحرج أمته يبين أنه ليس المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها فإن مراعاة مثل هذا فيه حرج عظيم ثم إن هذا جائز لكل أحد في كل وقت ورفع الحرج إنما يكون عند الحاجة فلا بد أن يكون قد رخص لأهل الأعذار فيما يرفع به عنهم الحرج دون غير أرباب الأعذار
وهذا ينبني على أصل كان عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو : أن المواقيت لأهل الأعذار ثلاثة ولغيرهم خمسة فإن الله تعالى قال : { أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل } فذكر ثلاثة مواقيت والطرف الثاني يتناول الظهر والعصر والزلف يتناول المغرب والعشاء وكذلك قال : { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل } والدلوك هو الزوال في أصح القولين يقال : دلكت الشمس وزالت وزاغت ومالت فذكر الدلوك والغسق وبعد الدلوك يصلى الظهر والعصر وفي الغسق تصلى المغرب والعشاء ذكر أول الوقت وهو الدلوك وآخر الوقت وهو الغسق والغسق اجتماع الليل وظلمته
ولهذا قال الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وغيره : إن المرأة الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر وهذا مذهب جمهور الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد
وأيضا فجمع النبي صلى الله عليه و سلم بعرفة ومزدلفة يدل على جواز الجمع بغيرهما للعذر فإنه قد كان من الممكن أن يصلي الظهر ويؤخر العصر إلى دخول وقتها ولكن لأجل النسك والاشتغال بالوقوف قدم العصر ولهذا كان القول المرضي عند جماهير العلماء أنه يجمع بمزدلفة وعرفة من كان أهله على مسافة القصر ومن لم يكن أهله كذلك فإن النبي صلى الله عليه و سلم لما صلى صلى معه جميع المسلمين أهل مكة وغيرهم ولم يأمر أحدا منهم بتأخير العصر ولا بتقديم المغرب فمن قال من أصحاب الشافعي وأحمد : إن أهل مكة لا يجمعون فقوله ضعيف في غاية الضعف مخالف للسنة البينة الواضحة التي لا ريب فيها وعذرهم في ذلك أنهم اعتقدوا أن سبب الجمع هو السفر الطويل والصواب أن الجمع لا يختص بالسفر الطويل بل يجمع للمطر ويجمع للمرض كما جاءت بذلك السنة في جمع المستحاضة فإن النبي صلى الله عليه و سلم أمرها بالجمع في حديثين
وأيضا فكون الجمع يختص بالطويل فيه قولان للعلماء وهما وجهان في مذهب أحمد :
أحدهما : يجمع في القصير وهو المشهور ومذهب الشافعي لا
والأول أصح لما تقدم والله أعلم

(2/343)


207 - 291 - سئل : عن الجمع وما كان النبي صلى الله عليه و سلم يفعله ؟
أجاب : وأما الجمع فإنما كان يجمع بعض الأوقات إذا جد به السير وكان له عذر شرعي كما جمع بعرفة ومزدلفة وكان يجمع في غزوة تبوك أحيانا كان إذا ارتحل قبل الزوال أخر الظهر إلى العصر ثم صلاهما جميعا وهذا ثابت في الصحيح
وأما إذا ارتحل بعد الزوال فقد روي أنه كان صلى الظهر والعصر جميعا كما جمع بينهما بعرفة وهذا معروف في السنن وهذا إذا كان لا ينزل إلى وقت المغرب كما كان بعرفة لا يفيض حتى تغرب الشمس وأما إذا كان ينزل وقت العصر فإنه يصليها في وقتها فليس القصر كالجمع بل القصر سنة راتبة وأما الجمع فإنه رخصة عارضة ومن سوى من العامة بين الجمع والقصر فهو جاهل بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وبأقوال علماء المسلمين
فإن سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فرقت بينهما والعلماء اتفقوا على أن أحدهما سنة واختلفوا في وجوبه وتنازعوا في جواز الآخر فأين هذا من هذا ؟ !
وأوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد فإنه نص على أنه يجوز الجمع للحرج والشغل بحديث روي في ذلك قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا : يعني إذا كان هناك شغل يبيح له ترك الجمعة والجماعة جاز له الجمع ويجوز عنده وعند مالك وطائفة من أصحاب الشافعي الجمع للمرض ويجوز عند الثلاثة الجمع للمطر بين المغرب والعشاء وفي صلاتي النهار نزاع بينهم ويجوز في ظاهر مذهب أحمد ومالك الجمع للوحل والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك
ويجوز للمرضع أن تجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة نص عليه أحمد وتنازع العلماء في الجمع والقصر : هل يفتقر إلى نية ؟ فقال جمهورهم : لا يفتقر إلى نية وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد وعليه تدل نصوصه وأصوله
وقال الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد : إنه يفتقر إلى نية وقول الجمهور هو الذي تدل عليه سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم كما قد بسطت هذه المسألة في موضعها والله أعلم

(2/348)


208 - 292 - سئل : عن صلاة الجمع في المطر بين العشائين هل يجوز من البرد الشديد ؟ أو الريح الشديدة ؟ أم لا يجوز إلا من المطر خاصة ؟
أجاب : الحمد لله رب العالمين يجوز الجمع بين العشائين للمطر والريح الشديدة الباردة والوحل الشديد وهذا أصح قولي العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك وغيرهما والله أعلم

(2/349)


293 - / 209 - مسألة : في رجل يؤم قوما وقد وقع المطر والثلج فأراد أن يصلي بهم المغرب فقالوا له : يجمع فقال : لا أفعل فهل للمأمومين أن يصلوا في بيوتهم ؟ أم لا ؟
الجواب : الحمد لله نعم يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء ونحو ذلك وإن لم يكن المطر نازلا في أصح قولي العلماء وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس فى المساجد جماعة وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين
والصلاة جمعا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع : كمالك والشافعي وأحمد والله تعالى أعلم

(2/350)


294 - / 210 - سئل : عن قوم مقيمين بقرية وهم دون أربعين ماذا يجب عليهم أجمعة ؟ أم ظهر ؟
الجواب : أما إذا كان في القرية أقل من أربعين رجلا فإنهم يصلون ظهرا عند أكثر العلماء : كالشافعي وأحمد في المشهورعنه
وكذلك أبو حنيفة لكن الشافعي وأحمد وأكثر العلماء يقولون : إذا كانوا أربعين صلوا جمعة

(2/350)


295 - / 211 - مسألة : في الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة هل فعله النبي صلى الله عليه و سلم ؟ أو أحد من الصحابة والتابعين والأئمة ؟ أم لا ؟ وهل هو منصوص في مذهب من مذاهب الأئمة المتفق عليهم ؟ وقول النبي صلى الله عليه و سلم : [ بين كل أذانين صلاة ] هل هو مخصوص بيوم الجمعة ؟ أم هو عام في جميع الأوقات ؟
الجواب : رضي الله عنه - الحمد لله رب العالمين أما النبي صلى الله عليه و سلم فإنه لم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئا ولا نقل هذا عنه أحد فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يؤذن على عهده إلا إذا قعد على المنبر ويؤذن بلال ثم يخطب النبي صلى الله عليه و سلم الخطبتين ثم يقيم بلال فيصلي النبي صلى الله عليه و سلم بالناس فما كان يمكن أن يصلي بعد الأذان لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه صلى الله عليه و سلم ولا نقل عنه أحد أنه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة ولا وقت بقوله : صلاة مقدرة قبل الجمعة بل ألفاظه صلى الله عليه و سلم فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت كقوله : من بكر وابتكر ومشى ولم يركب وصلى ما كتب له
وهذا هو المأثور عن الصحابة كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر فمنهم من يصلي عشر ركعات ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة ومنهم من يصلي ثمان ركعات ومنهم من يصلي أقل من ذلك ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت مقدرة بعدد لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي صلى الله عليه و سلم أو فعله وهو لم يسن في ذلك شيئا لا بقوله ولا فعله وهذا مذهب مالك ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه وهو المشهور في مذهب أحمد
وذهب طائفة من العلماء إلى أن قبلها سنة فمنهم من جعلها ركعتين كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد ومنهم من جعلها أربعا كما نقل عن أصحاب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد وقد نقل عن الإمام أحمد ما استدل به على ذلك
وهؤلاء منهم من يحتج بحديث ضعيف ومنهم من يقول : هي ظهر مقصورة وتكون سنة الظهر سنتها وهذا خطأ من وجهين
أحدهما : أن الجمعة مخصوصة بأحكام تفارق بها ظهر كل يوم باتفاق المسلمين وإن سميت ظهرا مقصورة فإن الجمعة يشترط لها الوقت فلا تقضى والظهر تقضى والجمعة يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام وغير ذلك والظهر لا يشترط لها شيء من ذلك فلا يجوز أن تتلقى أحكام الجمعة من أحكام الظهر مع اختصاص الجمعة بأحكام تفارق بها الظهر فإنه إذا كانت الجمعة تشارك الظهر في حكم وتفارقها في حكم لم يمكن إلحاق مورد النزاع بأحدهما إلا بدليل فليس جعل السنة من موارد الاشتراك بأولى من جعلها من موارد الافتراق
الوجه الثاني : أن يقال : هب أنها ظهر مقصورة فالنبي صلى الله عليه و سلم لم يكن يصلي في سفره سنة الظهر المقصورة لا قبلها ولا بعدها وإنما كان يصليها إذا أتم الظهر فصلى أربعا فإذا كانت سنته التي فعلها في الظهر المقصورة خلاف التامة كان ما ذكروه حجة عليهم لا لهم وكان السبب المقتضى لحذف بعض الفريضة أولى بحذف السنة الراتبة كما قال بعض الصحابة : لو كنت متطوعا لأتممت الفريضة فإنه لو استحب للمسافر أن يصلي أربعا لكانت صلاته للظهر أربعا أولى من أن يصلي ركعتين فرضا وركعتين سنة
وهذا لأنه قد ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم المتواترة أنه كان لا يصلي في السفر إلا ركعتين : الظهر والعصر والعشاء وكذلك لما حج بالناس عام حجة الوداع لم يصل بهم بمنى وغيرها إلا ركعتين وكذلك أبو بكر بعده لم يصل إلا ركعتين وكذلك عمر بعده لم يصل إلا ركعتين
ومن نقل عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه صلى الظهر أوالعصر أو العشاء في السفر أربعا فقد أخطأ والحديث المروي في ذلك عن عائشة هو حديث ضعيف في الأصل مع ما وقع فيه من التحريف فإن لفظ الحديث : أنها قالت للنبي صلى الله عليه و سلم : أفطرت وصمت ؟ وقصرت وأتممت ؟ فقال : أصبت يا عائشة فهذا مع ضعفه وقيام الأدلة على أنه باطل روي أن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يفطر ويصوم ويقصر ويتم فظن بعض الأئمة أن الحديث فيه أنها روت الأمرين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهذا مبسوط في موضعه
والمقصود هنا : أن السنة للمسافر أن يصلي ركعتين والأئمة متفقون على أن هذا هو الأفضل إلا قولا مرجوحا للشافعي وأكثر الأئمة يكرهون التربيع للمسافر كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في أنص الروايتين عنه ثم هؤلاء من يقول : لا يجوز التربيع كقول أبي حنيفة ومنهم من يقول : يجوز مع الكراهة : كقول مالك وأحمد فيقال : لو كان الله يحب للمسافر أن يصلي ركعتين ثم ركعتين لكان يستحب له أن يصلي الفرض أربعا فإن التقرب إليه ببعض الظهر أفضل من التقرب إليه بالتطوع مع الظهر ولهذا أوجب على المقيم أربعا فلو أراد المقيم أن يصلي ركعتين فرضا وركعتين تطوعا لم يجز له ذلك والله تعالى لا يوجب عليه وينهاه عن شيء إلا والذي أمره به خير من الذي نهاه عنه فعلم أن صلاة الظهر أربعا خير عند الله من أن يصليها ركعتين مع ركعتين تطوعا فلما كان سبحانه لم يستحب للمسافر التربيع بخير الأمرين عنده فلأن لا يستحب التربيع بالأمر المرجوح عنده أولى
فثبت بهذا الاعتبار الصحيح أن فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم هو أكمل الأمور وأن هديه خير الهدى وأن المسافر إذا اقتصر على ركعتي الفرض كان أفضل له من أن يقرن بهما ركعتي السنة
وبهذا يظهر أن الجمعة إذا كانت ظهرا مقصورة لم يكن من السنة أن يقرن بها سنة ظهر المقيم بل تجعل كظهر المسافر المقصورة وكان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي في السفر ركعتي الفجر والوتر ويصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت به ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة وهذا لأن الفجر لم تقصر في السفر فبقيت سنتها على حالها بخلاف المقصورات في السفر والوتر مستقل بنفسه كسائر قيام الليل وهو أفضل الصلاة بعد المكتوبة وسنة الفجر تدخل في صلاة الليل من بعض الوجوه فلهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يصليه في السفر لاستقلاله وقيام المقتضى له
والصواب أن يقال : ليس قبل الجمعة سنة راتبة مقدرة ولو كان الأذانان على عهده فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال : [ بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة : لمن شاء ] كراهية أن يتخذها الناس سنة فهذا الحديث الصحيح يدل على أن الصلاة مشروعة قبل العصر وقبل العشاء الآخرة وقبل المغرب وأن ذلك ليس بسنة راتبة وكذلك قد ثبت أن أصحابه كانوا يصلون بين أذاني المغرب وهو يراهم فلا ينهاهم ولا يأمرهم ولا يفعل هو ذلك فدل على أن ذلك فعل جائز
وقد احتج بعض الناس على الصلاة قبل الجمعة بقوله : [ بين كل أذانين صلاة ] وعارضه غير فقال : الأذان الذي على المنائر لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم ولكن عثمان أمر به لما كثر الناس على عهده ولم يكن يبلغهم الأذان حين خروجه وقعوده على المنبر ويتوجه أن يقال هذا الأذان لما سنه عثمان واتفق المسلمون عليه صار أذانا شرعيا وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائزة حسنة وليست سنة راتبة كالصلاة قبل صلاة المغرب وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه ومن ترك ذلك لم ينكر عليه وهذا أعدل الأقوال وكلام الإمام أحمد يدل عليه
وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يظنون أن هذه سنة راتبة أو أنها واجبة فتترك حتى يعرف الناس أنها ليست سنة راتبة ولا واجبة لا سيما إذا داوم الناس عليها فينبغي تركها أحيانا حتى لا تشبه الفرض كما استحب أكثر العلماء أن لا يداوم على قراءة السجدة يوم الجمعة مع أنه قد ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه و سلم فعلها فإذا كان يكره المداومة على ذلك فترك المداومة على ما لم يسنه النبي صلى الله عليه و سلم أولى وإن صلاها الرجل بين الأذانين أحيانا لأنها تطوع مطلق أو صلاة بين الأذانين كما يصلي قبل العصر والعشاء لا لأنها سنة راتبة فهذا جائز وإن كان الرجل مع قوم يصلونها فإن كان مطاعا إذا تركها - وبين لهم السنة - لم ينكروا عليه بل عرفوا السنة فتركها حسن وإن لم يكن مطاعا ورأى أن في صلاتها تأليفا لقلوبهم إلى ما هو أنفع أو دفعا للخصام والشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم وقبولهم له ونحو ذلك فهذا أيضا حسن
فالعمل الواحد يكون فعله مستحبا تارة وتركه تارة باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحته كما ترك النبي صلى الله عليه و سلم بناء البيت على قواعد إبراهيم وقال لعائشة : [ لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه ] والحديث في الصحيحين فترك النبي صلى الله عليه و سلم هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح وهو حدثان عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التنفير لهم فكانت المفسدة راجحة على المصلحة
ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدغ الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل بأن يسلم في الشفع ثم يصلي ركعة الوتر وهو يؤم قوما لا يرون إلا وصل الوتر فإذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه وكذلك لو كان ممن يرى المخافتة بالبسملة أفضل أو الجهر بها وكان المأمون على خلاف رأيه ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التي هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة كان جائزا حسنا
وكذلك لو فعل خلاف الأفضل لأجل بيان السنة وتعليمها لمن لم يعلمها كان حسنا مثل أن يجهر بالاستفتاح أو التعوذ أو البسملة ليعرف الناس أن فعل ذلك حسن مشروع في الصلاة كما ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب جهر بالاستفتاح فكان يكبر ويقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك قال الأسود بن يزيد : صليت خلف عمر أكثر من سبعين صلاة فكان يكبر ثم يقول ذلك رواه مسلم في صحيحه ولهذا شاع هذا الاستفتاح حتى عمل به أكثر الناس وكذلك كان ابن عمر وابن عباس يجهران بالاستعاذة وكان غير واحد من الصحابة يجهر بالبسملة وهذا عند الأئمة الجمهور الذين لا يرون الجهر بها سنة راتبة كان يعلم الناس أن قراءتها في الصلاة سنة كما ثبت في الصحيح أن ابن عباس صلى على جنازة فقرأ بأم القرآن جهرا وذكر أنه فعل ذلك ليعلم الناس أنها سنة وذلك أن الناس في صلاة الجنازة على قولين :
منهم من لا يرى فيها قراءة بحال كما قاله كثير من السلف وهو مذهب أبي حنيفة ومالك
ومنهم من يرى القراءة فيها سنة كقول الشافعي وأحمد لحديث ابن عباس هذا وغيره
ثم من هؤلاء من يقول القراءة فيها واجبة كالصلاة
ومنهم من يقول : بل هي سنة مستحبة ليست واجبة وهذا أعدل الأقوال الثلاثة فإن السلف فعلوا هذا وهذا وكان كلا الفعلين مشهورا بينهم كانوا يصلون على الجنازة بقراءة وغير قراءة كما كانوا يصلون تارة بالجهر بالبسملة وتارة بغير جهر بها وتارة باستفتاح وتارة بغير استفتاح وتارة برفع اليدين في المواطن الثلاثة وتارة بغير رفع اليدين وتارة يسلمون تسليمتين وتارة تسليمة واحدة وتارة يقرأون خلف الإمام بالسر وتارة لا يقرأون وتارة يكبرون على الجنازة أربعا وتارة خمسا وتارة سبعا كان فيهم من يفعل هذا وفيهم من يفعل هذا كل هذا ثابت عن الصحابة
كما ثبت عنهم أن منهم من كان يرجع في الأذان ومنهم من لم يرجع فيه
ومنهم من كان يوتر الإقامة ومنهم من كان يشفعها وكلاهما ثابت عن النبي صلى الله عليه و سلم
فهذه الأمور وإن كان أحدها أرجح من الآخر فمن فعل المرجوح فقد فعل جائزا وقد يكون فعل المرجوح أرجح للمصلحة الراجحة كما يكون ترك الراجح أرجح أحيانا لمصلحة راجحة وهذا واقع في عامة الأعمال فإن العمل الذي هو في جنسه أفضل قد يكون في مواطن غيره أفضل منه كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء ثم الصلاة بعد الفجر والعصر منهي عنها والقراءة والذكر والدعاء أفضل منها في تلك الأوقات وكذلك القراءة في الركوع والسجود منهى عنها والذكر هناك أفضل منها والدعاء في آخر الصلاة بعد التشهد أفضل من الذكر وقد يكون العمل المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين لكونه عاجزا عن الأفضل أو لكون محبته ورغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أكثر فيكون أفضل في حقه لما يقترن به من مزيد عمله وحبه وارادته وانتفاعه كما أن المريض ينتفع بالدواء الذي يشتهيه ما لا ينتفع بما لا يشتهيه وإن كان جنس ذلك أفضل
ومن هذا الباب صار الذكر لبعض الناس في بعض الأوقات خيرا من القراءة والقراءة لبعضهم في بعض الأوقات خيرا من الصلاة وأمثال ذلك لكمال انتفاعه به لا لأنه في جنسه أفضل
وهذا الباب باب تفضيل بعض الأعمال على بعض إن لم يعرف فيه التفضيل وأن ذلك قد يتنوع بتنوع الأحوال في كثير من الأعمال وإلا وقع فيها اضطراب كثير فإن في الناس من إذا اعتقد استحباب فعل ورجحانه يحافظ عليه ما لا يحافظ على الواجبات حتى يخرج به الأمر إلى الهوى والتعصب والحمية الجاهلية كما تجده فيمن يختار بعض هذه الأمور فيراها شعارا لمذهبه
ومنهم من إذا رأى ترك ذلك هو الأفضل يحافظ أيضا على هذا الترك أعظم من محافظته على ترك المحرمات حتى يخرج به الأمر إلى اتباع الهوى والحمية الجاهلية كما تجده فيمن يرى الترك شعارا لمذهبه وأمثال ذلك وهذا كله خطأ
والواجب أن يعطى كل ذي حق حقه ويوسع ما وسعه الله ورسوله ويؤلف ما ألف الله بينه ورسوله ويراعي في ذلك ما يحبه الله ورسوله من المصالح الشرعية والمقاصد الشرعية ويعلم أن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه و سلم وأن الله بعثه رحمة للعالمين بعثه بسعادة الدنيا والآخرة في كل أمر من الأمور وأن يكون مع الإنسان من التفصيل ما يحفظ به هذا الإجمال وإلا فكثير من الناس يعتقد هذا مجملا ويدعه عند التفصيل : إما جهلا وإما ظلما وإما اتباعا للهوى فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا

(2/351)


فصل
وأما السنة بعد الجمعة فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم [ أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ] كما ثبت عنه في الصحيحين [ أنه كان يصلي قبل الفجر ركعتين : وبعد الظهر ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين ]
وأما الظهر ففي حديث ابن عمر : [ أنه كان يصلي قبلها ركعتين ] وفي الصحيحين عن عائشة : [ أنه كان يصلي قبلها أربعا ]
وفي الصحيح عن أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة ] وجاء مفسرا في السنن : [ أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء
وركعتين قبل الفجر ] فهذه هي السنن الراتبة التي ثبتت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم بقوله وفعله مدارها على هذه الأحاديث الثلاثة : حديث ابن عمر وعائشة وأم حبيبة
وكان النبي صلى الله عليه و سلم يقوم بالليل : إما إحدى عشرة ركعة وإما ثلاث عشرة ركعة فكان مجموع صلاته بالليل والنهار فرضه ونفله نحوا من أربعين ركعة
والناس في هذه السنن الرواتب ثلاثة أقوال :
منهم من لا يوقت في ذلك شيئا كقول مالك فإنه لا يرى سنة إلا الوتر وركعتي الفجر وكان يقول إنما يوقت أهل العراق
ومنهم من يقدر في ذلك أشياء بأحاديث ضعيفة بل باطلة كما يوجد في مذاهب أهل العراق وبعض من وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد فإن هؤلاء يوجد في كتبهم من الصلوات المقدرة والأحاديث في ذلك ما يعلم أهل المعرفة بالسنة أنه مكذوب على النبي صلى الله عليه و سلم كمن روى عنه صلى الله عليه و سلم : أنه صلى قبل العصر أربعا أو أنه قضى سنة العصر أو أنه صلى قبل الظهر ستا أو بعدها أربعا أو أنه كان يحافظ على الضحى وأمثال ذلك من الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه و سلم
وأشد من ذلك ما يذكره بعض المصنفين في الرقائق والفضائل في الصلوات الأسبوعية والحولية : كصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت المذكورة في كتاب أبي طالب وأبي حامد وعبد القادر وغيرهم وكصلاة الألفية التي في أول رجب ونصف شعبان والصلاة الاثني عشرية التي في أول ليلة جمعة من رجب والصلاة التي في ليلة سبع وعشرين من رجب وصلوات أخر تذكر في الأشهر الثلاثة وصلاة ليلتي العيدين وصلاة يوم عاشوراء وأمثال ذلك من الصلوات المروية عن النبي صلى الله عليه و سلم مع اتفاق أهل المعرفة بحديثه أن ذلك كذب عليه ولكن بلغ ذلك أقواما من أهل العلم والدين فظنوه صحيحا فعملوا به وهم مأجورون على حسن قصدهم واجتهادهم لا على مخالفة السنة
وأما من تبينت له السنة فظن أن غيرها خير منها فهو ضال مبتدع بل كافر
والقول الوسط العدل هو ما وافق السنة الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه و سلم : وقد ثبت عنه أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين وفي صحيح مسلم عنه أنه قال : [ من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا ] وقد روي السبت عن طائفة من الصحابة جمعا بين هذا وهذا
والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها كما ثبت عنه في الصحيح [ أنه صلى الله عليه و سلم نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام ] فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس يصل السلام بركعتي السنة فإن هذا ركوب لنهي النبي صلى الله عليه و سلم وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض كما يميز بين العبادة وغير العبادة
ولهذا استحب تعجيل الفطور وتأخير السحور والأكل يوم الفطر قبل الصلاة ونهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين فهذا كله للفصل بين المأمور به من الصيام وغير المأمور به والفصل بين العبادة وغيرها وهكذا تتميز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها وأيضا فإن كثيرا من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر ويظهرون أنهم سلموا وما سلموا فيصلون ظهرا ويظن الظان أنهم يصلون السنة فإذا حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة وهذا له نظائر كثيرة والله سبحانه أعلم

(2/357)


296 - 212 - مسألة : في رجل خرج إلى صلاة الجمعة وقد أقيمت الصلاة : فهل يجري إلى أن يأتي الصلاة أو يأتي هونا ولو فاتته ؟
الجواب : الحمد لله إذا خشي فوت الجمعة فإنه يسرع حتى يدرك منها ركعة فأكثر وأما إذا كان يدركها مع المشي وعليه السكينة فهذا أفضل بل هو السنة والله أعلم

(2/360)


213 - 297 - مسألة : في الصلاة يوم الجمعة بالسجدة : هل تجب المداومة عليها أم لا ؟
الجواب : الحمد لله ليست قراءة ( الم تنزيل ) التي فيها السجدة ولا غيرها من ذوات السجود واجبة في فجر الجمعة باتفاق الأئمة ومن اعتقد ذلك واجبا أو ذم من ترك ذلك فهو ضال مخطئ يجب عليه أن يتوب من ذلك باتفاق الأئمة وإنما تنازع العلماء في استحباب ذلك وكراهيته فعند مالك يكره أن يقرأ بالسجدة في الجهر والصحيح أنه لا يكره كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه سجد في العشاء ب { إذا السماء انشقت } وثبت عنه في الصحيحين أنه كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة { الم * تنزيل } و { هل أتى } وعند مالك يكره أن يقصد سوره بعينها وأما الشافعي وأحمد فيستحبون ما جاءت به السنة مثل الجمعة والمنافقين في الجمعة والذاريات واقتربت في العيد والم تنزيل وهل أتى في فجر الجمعة
لكن هنا مسألتان نافعتان :
إحداهما : إنه لا يستحب أن يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة فليس الاستحباب لأجل السجدة بل للسورتين والسجدة جاءت اتفاقا فإن هاتين السورتين فيهما ذكر ما يكون في يوم الجمعة من الخلق والبعث
الثانية : إنه لا ينبغي المداومة عليها بحيث يتوهم الجهال أنها واجبة وأن تاركها مسيء بل ينبغي تركها أحيانا لعدم وجوبها والله أعلم

(2/360)


298 - / 214 - سئل : عمن قرأ سورة السجدة يوم الجمعة : هل المطلوب السجدة فيجزئ بعض السورة والسجدة في غيرها ؟ أم المطلوب السورة ؟
الجواب : الحمد لله بل المقصود قراءة السورتين { الم * تنزيل } و : { هل أتى على الإنسان } لما فيهما من ذكر خلق آدم وقيام الساعة وما يتبع ذلك فإنه كان يوم الجمعة وليس المقصود السجدة فلو قصد الرجل قراءة سورة سجدة أخرى كره ذلك والنبي صلى الله عليه و سلم يقرأ السورتين كلتاهما فالسنة قراءتهما بكمالهما ولا ينبغي المداومة على ذلك لئلا يظن الجاهل أن ذلك واجب بل يقرأ أحيانا غيرهما من القرآن والشافعي وأحمد اللذان يستحبان قراءتهما وأما مالك وأبو حنيفة فعندهما يكره قصد قراءتهما

(2/361)


215 - 299 - مسألة : فيمن أدرك ركعة من صلاة الجمعة ثم قام ليقضي ما عليه فهل يجهر بالقراءة أم لا ؟
الجواب : بل يخافت بالقراءة ولا يجهر لأن المسبوق إذا قام يقضي فإنه منفرد فيما يقضيه حكمه حكم المنفرد وهو فيما يدركه في حكم المؤتم ولهذا يسجد المسبوق إذا سها فيما يقضيه وإذا كان كذلك فالمسبوق إنما يجهر فيما يجهر فيه المنفرد فمن كان من العلماء مذهبه أن يجهر المنفرد في العشائين والفجر فإنه يجهر إذا قضى الركعتين الأوليين ومن كان مذهبه أن المنفرد لا يجهر فإنه لا يجهر المسبوق عنده والجمعة لا يصليها أحد منفردا فلا يتصور أن يجهر فيها المنفرد والمسبوق كالمنفرد فلا يجهر لكنه مدرك للجمعة ضمنا وتبعا ولا يشترط في التابع ما يشترط في المتبوع ولهذا لا يشترط لما يقضيه المسبوق العدد ونحو ذلك
لكن مضت السنة أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة فهو مدرك للجمعة كمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فإنه مدرك وإن كانت بقية الصلاة فعلت خارج الوقت والله أعلم

(2/361)


216 - 300 - مسألة : في صلاة الجمعة في جامع القلعة : هل هي جائزة مع أن في البلد خطبة أخرى مع وجود سورها وغلق أبوابها - أم لا ؟
الجواب : نعم ! يجوز أن يصلي فيها جمعة لأنها مدينة أخرى كمصر والقاهرة ولو لم تكن كمدينة أخرى فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز عند أكثر العلماء ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي وجمعة في الجانب الغربي وجوز ذلك أكثر العلماء وشبهوا ذلك بأن النبي صلى الله عليه و سلم في مدينته إلا في موضع يخرج بالمسلمين فيصلي العيد بالصحراء وكذلك كان الأمر في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان فلما تولى علي بن أبي طالب وصار بالكوفة وكان الخلق بها كثيرا قالوا : يا أمير المؤمنين ! إن بالمدينة شيوخا وضعفاء يشق عليهم الخروج إلى الصحراء فاستخلف علي بن أبي طالب رجلا يصلي بالناس العيد في المسجد وهو يصلي بالناس خارج الصحراء ولم يكن هذا يفعل قبل ذلك وعلي من الخلفاء الراشدين وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ] فمن تمسك بسنة الخلفاء الراشدين فقد أطاع الله ورسوله والحاجة في هذه البلاد وفي هذه الأوقات تدعو إلى أكثر من جمعة إذ ليس للناس جامع واحد يسعهم ولا يمكنهم جمعة واحدة إلا بمشقة عظيمة
وهنا وجه ثالث : وهو أن يجعل القلعة كأنها قرية خارج المدينة والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأحمد أن الجمعة تقام في القرى لأن في الصحيح عن ابن عباس أنه قال : أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بجواثى قرية من قرى البحرين وكان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قدم عليه وفد عبد القيس وكذلك كتب عمر بن الخطاب إلى المسلمين يأمرهم بالجمعة حيث كانوا وكان عبد الله بن عمر يمر بالمياه التي بين مكة والمدينة وهم يقيمون الجمعة فلا ينكر عليهم
وأما قول علي رضي الله عنه : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع فلو لم يكن له مخالف لجاز أن يراد به أن كل قرية مصر جامع كما أن المصر الجامع يسمى قرية وقد سمى الله مكة قرية بل سماها أم القرى بل وما هو أكبر من مكة كما في قوله : { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } وسمى مصر القديمة قرية بقوله : { واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها } ومثله في القرآن كثير والله أعلم

(2/362)


217 - 301 - مسألة : في رجلين اختلفا في الصلاة في جامع بني أمية هل هي بتسعين صلاة كما زعموا أم لا ؟ ذكروا أن فيه ثلاثمائة نبي مدفونين فهل ذلك صحيح أم لا ؟ وقد ذكروا أن النائم بالشام كالقائم بالليل بالعراق وذكروا أن الصائم المتطوع بالعراق كالمفطر بالشام وقد ذكروا أن الله خلق البركة أحد وسبعين جزأ منها جزء واحد بالعراق وسبعون بالشام فهل هذا صحيح أم لا ؟
الجواب : الحمد لله لم يرد في جامع دمشق في حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم بتضعيف الصلاة فيه ولكن هو من أكثر المساجد ذكرا لله تعالى ولم يثبت أن عدد الأنبياء المذكورين
وأما القائم بالشام أو غيره فالأعمال بالنيات فإن المقيم فيه بنية صالحة فإنه يثاب على ذلك وكل مكان يكون فيه العبد أطوع لله فمقامه فيه أفضل وقد جاء في فضل الشام وأهله أحاديث صحيحة ودل القرآن على أن البركة في أربع مواضع ولا ريب أن ظهور الإسلام وأعوانه فيه بالقلب واليد واللسان أقوى منه في غيره وفيه هن ظهور الإيمان وقمع الكفر والنفاق ما لا يوجد في غيره
وأما ما ذكر من حديث الفطر والصيام وأن البركة أحد وسبعون جزءا بالشام والعراق على ما ذكر فهذا لم نسمعه من أحد من أهل العلم والله أعلم

(2/363)


218 - 302 - مسألة : في رجلين تنازعا في العيد إذا وافق الجمعة فقال أحدهما : يجب أن يصلي العيد ولا يصلي الجمعة وقال الآخر : يصليها فما الصواب في ذلك ؟
الجواب : الحمد لله إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه تجب الجمعة على من شهد العيد كما تجب سائر الجمع للعمومات الدالة على وجوب الجمعة
والثاني : تسقط عن أهل البر مثل أهل العوالي والشواذ لأن عثمان بن عفان أرخص لهم في ترك الجمعة لما صلى بهم العيد
والقول الثالث : وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه : كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف
وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبي صلى الله عليه و سلم لما اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة وفي لفظ أنه قال : [ أيها الناس ! إنكم قد أصبتم خيرا فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون ]
وأيضا فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة فتكون الظهر في وقتها والعيد يحصل مقصود الجمعة وفي إيجابها على الناس تضييق عليهم وتكدير لمقصود عيدهم وما سن لهم من السرور فيه والانبساط
فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالابطال ولأن يوم الجمعة عيد ويوم الفطر والنحر عيد ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما في الأخرى كما يدخل الوضوء في الغسل وأحد الغسلين في الآخر والله أعلم

(2/364)


219 - 303 - مسألة : في رجل قال : إذا جاء يوم الجمعة يوم العيد وصلى العيد إن اشتهى أن يصلي الجمعة وإلا فلا فهل هو فيما قال مصيب أم مخطئ ؟
الجواب : الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إذا أجتمع يوم الجمعة ويوم العيد ففيها ثلاثة أقوال للفقهاء :
أحدها : أن الجمعة على من صلى العيد ومن لم يصله كقول مالك وغيره
والثاني : أن الجمعة سقطت عن السواد الخارج عن المصر كما يروى ذلك عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه صلى العيد ثم أذن لأهل القرى في ترك الجمعة واتبع ذلك الشافعي
والثالث : أن من صلى العيد سقطت عنه الجمعة لكن ينبغي للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من أحب كما في السنن عن النبي صلى الله عليه و سلم : أنه اجتمع في عهده عيدان فصلى العيد ثم رخص في الجمعة
وفي لفظ أنه صلى العيد وخطب الناس فقال : [ أيها الناس إنكم قد أصبتم خيرا فمن شاء منكم أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون ] وهذا الحديث روي في السنن من وجهين أنه صلى العيد ثم خير الناس في شهود الجمعة وفي السنن حديث ثالث في ذلك أن ابن الزبير كان على عهده عيدان فجمعهما أول النهار ثم لم يصل إلا العصر وذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعل ذلك وذكر ذلك لابن عباس - رضي الله عنه - فقال : قد أصاب السنة
وهذا المنقول هو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وخلفائه وأصحابه وهو قول من بلغه من الأئمة كأحمد وغيره والذين خالفوه لم يبلغهم ما في ذلك من السنن والآثار والله أعلم

(2/365)


220 - 304 - مسألة : في خطبة بين صلاتين كلاهما فرض لوقتها في ساعة مشكلة العين واعتبار الشرط فيها كما في غيرها من هيئة الدين كالظهر والسنن والوقت والقبلة أيضا بالتأذين
الجواب : الحمد لله هذه المسألة قد تنزل على عدة مسائل بعضها متفق عليه وبعضها متنازع فيه :
منها إذا اجتمع عيد وجمعة فمن قال : إن العيد فرض يقول : إن خطبة الجمعة هي خطبة بين صلاتين كلاهما فرض بخلاف خطبة العيد فإنه يقول ليست فرضا
وإما أن تنزل على ما إذا اعتقد جمعتان في موضع لا تصح فيه جمعتان فإنه تصح الأولى وتبطل الثانية إذا كانا بإذن الإمام فإن أشكل عين السابقة بطلتا جميعا وصلوا ظهرا فالخطبة التي قبل الثانية خطبة بين صلاتين كلاهما فرض إذا كان الإمام قد أذن في كل منهما واعتقدوا أن الجمعة لا تقام عندهم وكلاهما يعتقد أن جمعته فرض
ويمكن أن يريد السائل الفجر والجمعة فإن الفجر فرض في وقتها والجمعة فرض لوقتها وبينهما خطبة هي خطبة الجمعة
ومنها خطب الحج : فإن خطبة عرفة تكون بين الصلاة بعرفة وبين صلاة المغرب فكلاهما فرض والخطبة يوم النحر : تكون بين الفجر والظهر فكلاهما فرض

(2/366)


221 - 305 - مسألة : هل قراءة الكهف بعد عصر الجمعة جاء فيه حديث أم لا ؟
الجواب : الحمد لله قراءة سورة الكهف يوم الجمعة فيها آثار ذكرها أهل الحديث والفقه لكن هي مطلقة يوم الجمعة ما سمعت أنها مختصة بعد العصر والله أعلم

(2/367)


222 - 306 - مسألة : عن فرش السجادة في الروضة الشريفة هل يجوز أم لا ؟
أجاب : ليس لأحد أن يفرش شيئا ويختص به مع غيبته ويمنع به غيره هذا غصب لتلك البقعة ومنع للمسلمين مما أمر الله تعالى به من الصلاة
والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه وأما من يتقدم بسجادة فهو ظالم ينهى عنه ويجب رفع تلك السجاجيد ويمكن الناس من مكانها
هذا مع أن أصل الفرش بدعة لا سيما في مسجد النبي صلى الله عليه و سلم فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه كانوا يصلون على الأرض والخمرة التي كان يصلي عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم صغيرة ليست بقدر السجادة
قلت فقد نقل ابن حزم في المحلى عن عطاء بن أبي رباح : أنه لا يجوز الصلاة في مسجد إلا على الأرض ولما قدم عبد الرحمن بن مهدي من العراق وفرش في المسجد أمر مالك بن أنس بحبسه تعزيرا له حتى روجع في ذلك فذكر أن فعل هذا في مثل هذا المسجد بدعة يؤدب صاحبها
وعلى الناس الإنكار على من يفعل ذلك والمنع منه لا سيما ولاة الأمر الذين لهم هنالك ولاية على المسجد فإنه يتعين عليهم رفع هذه السجاجيد ولو عوقب أصحابه بالصدقة بها لكان هذا مما يسوغ في الاجتهاد انتهى

(2/367)


223 - 307 - سئل : عن قول المؤذن يوم الجمعة وقت دخول الإمام المسجد : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم وB أصحاب رسول الله أجمعين وفي دعاء الإمام بعد صعوده على المنبر وفي قول المؤذن بعد الأذان الثاني : عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت أذلك مسنون أو مستحب أو مكروه في صلاة الجمعة ؟
فأجاب : الحمد لله ليس هذا من سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين العلماء لكن تبليغ الحديث فعله من فعله لأمر الناس بالانصات وهو من نوع الخطبة
وأما دعاء الإمام بعد صعوده ورفع المؤذنين أصواتهم بالصلاة فهذا لم يذكره العلماء وإنما يفعله من يفعله بلا أصل شرعي
وأما رفع المؤذنين أصواتهم وقت الخطبة بالصلاة وغيرها فهذا مكروه باتفاق الأئمة

(2/368)


308 - 224 - مسألة : في رجل مؤذن يقول عند دخول الخطيب إلى الجامع : إن الله وملائكته يصلون على النبي فقال رجل : هذا بدعة فما يجب عليه ؟
الجواب : جهر المؤذن بذلك كجهره بالصلاة والترضي عند رقي الخطيب المنبر أو جهره بالدعاء للخطيب والإمام ونحو ذلك : لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وخلفائه الراشدين ولا استحبه أحد من الأئمة
وأشد من ذلك الجهر بنحو ذلك في الخطبة وكل ذلك بدعة والله أعلم

(2/368)


225 - 309 - مسألة : هل يتعين قراءة بعينها في صلاة العيدين ؟ وما يقول الانسان بين كل تكبيرتين ؟
الجواب : الحمد لله مهما قرأ به جاز كما تجوز القراءة في نحوها من الصلوات لكن إذا قرأ بقاف واقتربت أو نحو ذلك مما جاء في الأثر كان حسنا
وأما بين التكبيرات : فإنه يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه و سلم ويدعو بما شاء هكذا روى نحو هذا العلماء عن عبد الله بن مسعود وإن قال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر اللهم صل على محمد وعلى آل محمد اللهم اغفر لي وارحمني كان حسنا وكذلك إن قال : الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ونحو ذلك وليس في ذلك شيء مؤقت عن النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة والله أعلم

(2/368)


226 - 310 سئل : عن صفة التكبير في العيدين ومتى وقته ؟
الجواب : الحمد لله أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة : أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة وصفة التكبير المنقول عند أكثر الصحابة : قد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه و سلم : [ الله أكبر الله أكبر لا إله إل الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ] وإن قال الله أكبر ثلاثا جاز ومن الفقهاء من يكبر ثلاثا فقط ومنهم من يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
وأما التكبير في الصلاة فيكبر المأموم تبعا للإمام وأكثر الصحابة رضي الله عنهم والأئمة يكبرون سبعا في الأولى وخمسا في الثانية
وإن شاء أن يقول بين التكبيرتين : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر اللهم اغفر لي وارحمني كان حسنا كما جاء ذلك عن بعض السلف والله أعلم

(2/369)


227 - 311 - مسألة : هل التكبير يجب في عيد الفطر أكثر من عيد الأضحى ؟ بينوا لنا مأجورين
الجواب : أما التكبير فإنه مشروع في عيد الأضحى بالاتفاق وكذلك هو مشروع في عيد الفطر : عند مالك والشافعي وأحمد وذكر ذلك الطحاوي مذهبا لأبي حنيفة وأصحابه والمشهور عنهم خلافه لكن التكبير فيه هو المأثور عن الصحابة رضوان الله عليهم والتكبير فيه أوكد من جهة أن الله أمر به بقوله : { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون }
والتكبير فيه : أوله من رؤية الهلال وآخره انقضاء العيد وهو فراغ الإمام من الخطبة على الصحيح
وأما التكبير في النحر فهو أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات وأنه متفق عليه وأن عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان وعيد النحر أفضل من عيد الفطر ولهذا كانت العبادة فيه النحر مع الصلاة والعبادة في ذاك الصدقة مع الصلاة والنحر أفضل من الصدقة لأنه يجتمع فيه العبادتان البدنية والمالية فالذبح عبادة بدنية ومالية والصدقة والهدية عبادة مالية ولأن الصدقة في الفطر تابعة للصوم لأن النبي صلى الله عليه و سلم فرضها طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ولهذا سن أن تخرج قبل الصلاة كما قال تعالى : { قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى } وأما النسك فإنه مشروع في اليوم نفسه عبادة مستقلة ولهذا يشرع بعد الصلاة كما قال تعالى : { فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر }
فصلاة الناس في الأمصار بمنزلة رمي الحجاج جمرة العقبة وذبحهم في الأمصار بمنزلة ذبح الحجاج هديهم
وفي الحديث الذي في السنن : [ أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القسر ] وفي الحديث الآخر الذي في السنن وقد صححه الترمذي [ يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب وذكر لله ] ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الأمصار يكبرون من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق لهذا الحديث ولحديث آخر رواه الدارقطني عن جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم ولأنه إجماع من أكابر الصحابة والله أعلم

(2/370)


228 - 312 - سئل : هل التهنئة في العيد وما يجري على ألسنة الناس : عيدك مبارك وما أشبهه هل له أصل في الشريعة ؟ أم لا ؟ وإذا كان له أصل في الشريعة فما الذي يقال ؟ أفتونا مأجورين
الجواب : أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد : تقبل الله منا ومنكم وأحاله الله عليك ونحو ذلك فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره
لكن قال أحمد : أنا لا أبتدئ أحدا فإن ابتدأني أحد أجبته وذلك لأن جواب التحية واجب وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأمورا بها ولا هو أيضا ما نهى عنه فمن فعله فله قدوة ومن تركه فله قدوة والله أعلم

(2/371)


كتاب الذكر والدعاء

(2/373)


1 - 313 - مسألة : في قوله صلى الله عليه و سلم : من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ومن صلى علي عشرا صلى الله عليه مائة ومن صلى علي مائة صلى الله عليه ألف مرة ومن لم يصل علي يبق في قلبه حسرات ولو دخل الجنة - إذا صلى العبد على الرسول صلى الله عليه و سلم فصلى الله على ذلك العبد أم لا
الجواب : الحمد لله رب العالمين ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ]
وفي السنن عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ وما اجتمع قوم في مجلس فلم يذكروا الله فيه ولم يصلوا فيه علي إلا كان عليهم ترة يوم القيامة ]
والترة : النقص والحسرة والله أعلم

(2/375)


2 - 314 - مسألة : فيمن يقول : الحمد لله مجازيا مكافئا ما وجه نصبها ؟ هل هي حال ؟ وإذا كانت حالا فحال مماذا ؟ وفي الجملة : فهل تباح مثل هذه المقالة الموهمة إذا أمكن وجه إعرابها ؟ وما وجه إعرابها المتوجه إن كان ؟
الجواب : الحمد لله رب العالمين هذا الحمد لا يعرف مأثورا عمن يحتج بقوله حتى يطلب توجيهه لكن يمكن أن يعني به المتكلم معنى صحيحا بأن يكون نصبها على الحال من اسم الله والعامل في الحال العامل في صاحبها وهو ما في الظرف من معنى الفعل والتقدير : الحمد مستقر أو استقر لله في حال كونه مجازيا مكافئا
والمعنى : أثبت الحمد لله في هذه الحال وأحمده في هذه الحال من غير أن يقصد بذلك تخصيص الحمد لله بهذه كما لو قال : الحمد لله على هذه النعمة فإنه حمده على نعمة معينة ولم يقصد تخصيص الحمد بتلك النعمة
وكذلك لو قيل : الحمد لله هاديا ونصيرا ونحو ذلك فإن التخصيص قد يكون سببه استحضار الحال التي يحمد عليها واستعظامها وأنه يستحق الحمد عليها لا نفي الحمد على غيرها مع أنه بعد وجود الخلق وأمرهم ونهيهم يكون مجازيا مكافئا فهو حال لازمة لا منتقلة
فالحمد لله في هذه الحال حمد له على كل حال لا سيما على قول أكثر الفقهاء والصوفية وأهل الحديث وكثير من المتكلمين الذين يقولون إنه يوصف بالخالق والرازق أزلا وأبدا ويقولون أنه لم يزل خالقا ورازقا وإن كان ما وجد منفصلا عنه فهو محدث ليس بقديم فعلى قولهم لا يزال محمودا بذلك والله أعلم

(2/375)


3 - 315 - مسألة : قال رجل : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قال لا إله إلا الله دخل الجنة
وقال آخر : إذا سلك الطريق الحميدة واتبع الشرع دخل ضمن هذا الحديث وإذا فعل غير ذلك ولم يبال ما نقص من دينه وزاد في دنياه لم يدخل في ضمن هذا الحديث قال له ناقل الحديث : أما لو فعلت كل ما لا يليق وقلت لا إله إلا الله دخلت الجنة ولم أدخل النار
الجواب : الحمد لله رب العالمين من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال : فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار وهم كثيرون بل المنافقون قد يصومون ويصلون ويتصدقون ولكن لا يتقبل منهم
قال الله تعالى : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا }
وقال تعالى : { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين * وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون }
وقال تعالى { إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا }
وقال تعالى : { يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون } وقوله : { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا }
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ]
ولمسلم : [ وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ]
وفي الصحيحين عنه أنه قال : [ أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ]
ولكن إن قال : لا إله إلا الله خالصا صادقا من قلبه ومات على ذلك فإنه لا يخلد في النار إذ لا يخلد في النار من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم لكن من دخلها من فساق أهل القبلة من أهل السرقة والزنا وشرب الخمر وشهادة الزور وأكل الربا وأكل مال اليتيم وغير هؤلاء فإنهم إذا عذبهم فيها عذبهم على قدر ذنوبهم كما جاء في الأحاديث الصحيحة منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حقويه ومكثوا فيها ما شاء الله أن يمكثوا أخرجوا بعد ذلك كالحمم فيلقون في نهر يقال له الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل ويدخلون الجنة مكتوب على رقابهم هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار وتفصيل هذه الجملة طويل لا يحتمله هذا الموضع والله أعلم

(2/376)


4 - 316 - مسألة : في الحمد والشكر ما حقيقتهما ؟ هل هما معنى واحد ؟ أو معنيان ؟ وعلى أي شيء يكون الحمد ؟ وعلى أي شيء يكون الشكر ؟
الجواب : الحمد لله رب العالمين الحمد يتضمن : المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان الإحسان إلى الحامد أو لم يكن والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر فمن هذا الوجه : الحمد أعم من الشكر لأنه يكون على المحاسن والإحسان فإن الله تعالى يحمد على ماله من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى وما خلقه في الآخرة والأولى ولهذا قال تعالى : { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا }
وقال : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور }
وقال : { الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة }
وقال : { الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء }
وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الأنعام فهو أخص من الحمد من هذا الوجه لكنه يكون بالقلب واليد واللسان كما قيل :
( أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا )
ولهذا قال تعالى : { اعملوا آل داود شكرا }
والحمد إنما يكون بالقلب واللسان فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه والحمد أعم من جهة أسبابه وفي الحديث : [ الحمد لله رأس الشكر ]
فمن لم يحمد الله لم يشكره وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها ] والله أعلم

(2/378)


5 - 317 - مسألة : فيمن قال : لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين إسما ولا يقول : يا حنان يا منان ولا يقول : يا دليل الحائرين فهل له أن يقول ذلك ؟
الجواب : الحمد لله هذا القول وإن كان قد قاله طائفة من المتأخرين كأبي محمد بن حزم وغيره فإن جمهور العلماء على خلافه وعلى ذلك مضى سلف الأمة وأئمتها وهو الصواب لوجوه :
أحدها : أن التسعة والتسعين إسما لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبي حمزة وحفاظ أهل الحديث يقولون هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن
مسلم عن شيوخه من أهل الحديث وفيها حديث ثان أضعف من هذا رواه ابن ماجه وقد روي في عددها غير هذين النوعين من جمع بعض السلف وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من القرآن
وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال هي التي يجوز الدعاء بها دون غيرها لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور فكل اسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور ويمكن أن يكون من المحظور وإن قيل : لا تدعوا إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة قيل : هذا أكثر من تسعة وتسعين
الوجه الثاني : أنه إذا قيل تعيينها على ما في حديث الترمذي مثلا ففي الكتاب والسنة أسماء ليست في ذلك الحديث مثل اسم ( الرب ) فإنه ليس في حديث الترمذي وأكثر الدعاء المشروع إنما هو بهذا الإسم كقول آدم : { ربنا ظلمنا أنفسنا } وقوله نوح : { رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم } وقول إبراهيم : { رب اغفر لي ولوالدي } وقول موسى : { رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي } وقول المسيح : { اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء }
وأمثال ذلك حتى أنه يذكر عن مالك وغيره أنهم كرهوا أن يقال : يا سيدي بل يقال : يا رب لأنه دعاء النبيين وغيرهم كما ذكر الله في القرآن
وكذلك اسم ( المنان ) ففي الحديث الذي رواه أهل السنن [ أن النبي صلى الله عليه و سلم سمع داعيا يدعو : اللهم إني أسألك بأن لك الملك أنت الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه و سلم : لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى ] وهذا رد لقول من زعم أنه لا يمكن في أسمائه المنان
وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه لرجل ودعه قل : يا دليل الحائرين دلني على طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين
وقد أنكر طائفة من أهل الكلام كالقاضي أبي بكر وأبي الوفا بن عقيل أن يكون من أسمائه ( الدليل ) لأنهم ظنوا أن الدليل هو الدلالة التي يستدل بها والصواب ما عليه الجمهور لأن الدليل في الأصل هو المعرف للمدلول ولو كان الدليل ما يستدل به فالعبد يستدل به أيضا فهو دليل من الوجهين جميعا
وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ إن الله وتر يحب الوتر ] وليس هذا الإسم في هذه التسعة والتسعين
وثبت عنه في الصحيح أنه قال : [ إن الله جميل يحب الجمال ] وليس هو فيها
وفي الترمذي وغيره أنه قال : [ إن الله نظيف يحب النظافة ] وليس هذا فيها وفي الصحيح عنه أنه قال : [ إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ] وليس هذا فيها وتتبع هذا يطول
ولفظ التسعة والتسعين المشهورة عند الناس في الترمذي : الله الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الجميل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحليم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد
ويروى : الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المعطي المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
ومن أسمائه التي ليست في هذه التسعة والتسعين اسمه : السبوح وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يقول : [ سبوح قدوس ] واسمه : الشافي
كما ثبت في الصحيح أنه كان يقول : [ أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما ]
وكذلك أسمائه المضافة مثل : أرحم الراحمين وخير الغافرين ورب العالمين ومالك يوم الدين وأحسن الخالقين وجامع الناس ليوم لا ريب فيه ومقلب القلوب وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة وثبت في الدعاء بها بإجماع المسلمين وليست من هذه التسعة والتسعين
الوجه الثالث : ما احتج به الخطابي وغيره وهو حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي وشفاء صدري وجلاء حزني وذهاب غمي وهمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا : يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال : بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن ] رواه الإمام أحمد في المسند وأبو حاتم بن حبان في صحيحه
قال الخطابي وغيره : فهذا يدل على أن له أسماء استأثر بها وذلك يدل على أن قوله : إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة وإن في أسمائه تسعة وتسعين من أحدها دخل الجنة كما يقول القائل : إن لي ألف درهم أعددتها للصدقة وإن كان ماله أكثر من ذلك والله في القرآن قال : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } فأمر أن يدعى بأسماء الحسنى مطلقا ولم يقل : ليست أسماؤه الحسنى إلا تسعة وتسعين اسما والحديث قد سلم معناه والله أعلم

(2/380)


6 - 318 - مسألة : في رجل ينكر على أهل الذكر يقول لهم : هذا الذكر بدعة وجهركم في الذكر بدعة وهم يفتتحون بالقرآن ويختتمون ثم يدعون للمسلمين الأحياء والأموات ويجمعون التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة ويصلون على النبي صلى الله عليه و سلم والمنكر يعمل السماع مرات بالتصفيق ويبطل الذكر في وقت عمل السماع
الجواب : الاجتماع لذكر الله واستمتاع كتابه والدعاء عمل صالح وهو من أفضل القربات والعبادات في الأوقات ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ إن لله ملائكة سياحين في الأرض فإذا مروا بقوم يذكرون الله تنادوا : هلموا إلى حاجتكم ] وذكر الحديث وفيه : [ وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ]
لكن ينبغي أن يكون هذا أحيانا في بعض الأوقات والأمكنة فلا يجعل سنة راتبة يحافظ عليها إلا ما سن رسول الله صلى الله عليه و سلم المداومة عليه في الجماعات من الصلوات الخمس في الجماعات ومن الجمعات والأعياد ونحو ذلك
وأما محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة أو القراءة أو الذكر أو الدعاء طرفي النهار وزلفا من الليل وغير ذلك فهذا سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم والصالحين من عباد الله قديما وحديثا فما سن عمله على وجه الاجتماع كالمكتوبات فعل كذلك وما سن المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل كذلك كما كان الصحابة رضي الله عنهم يجتمعون أحيانا يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وكان من الصحابة من يقول : اجلسوا بنا نؤمن ساعة وصلى النبي صلى الله عليه و سلم بأصحابه التطوع في جماعة مرات وخرج على الصحابة من أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم يستمع
وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب ودمع العين واقشعرار الجسوم فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة وأما الاضطراب الشديد والغشي والموت والصيحات فهذا إن كان صاحبه مغلوبا عليه لم يلم عليه كما قد كان يكون في التابعين ومن بعدهم فإن منشأه قوة الوارد على القلب مع ضعف القلب والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة وأما السكون قسوة وجفاء فهذا مذموم لا خير فيه
وأما ما ذكر من السماع فالمشروع الذي تصلح به القلوب ويكون وسيلتها إلى ربها بصلة ما بينه وبينها هو سماع كتاب الله الذي هو سماع خيار هذه الأمة لا سيما وقد قال صلى الله عليه و سلم [ ليس منا من لم يتغن بالقرآن ] وقال : [ زينوا القرآن بأصواتكم ] وهو السماع الممدوح في الكتاب والسنة لكن لما نسي بعض الأمة حظا من هذا السماع الذي ذكروا به ألقي بينهم العداوة والبغضاء فأحدث قوم سماع القصائد والتصفيق والغناء مضاهاة لما ذمه الله من المكاء والتصدية والمشابهة لما ابتدعه النصارى وقابلهم قوم قست قلوبهم عن ذكر الله وما نزل من الحق وقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة مضاهاة لما عابه الله على اليهود والدين الوسط هو ما عليه خيار هذه الأمة قديما وحديثا والله أعلم

(2/384)


7 - 319 - مسألة : في رجل إذا صلى ذكر في جوفه : بسم الله بابنا تبارك حيطاننا يس سقفنا فقال رجل : هذا كفر أعوذ بالله من هذا القول فهل يجب على ما قال هذا المنكر رد ؟ وإذا لم يجب عليه فما حكم هذا القول ؟
الجواب : الحمد لله رب العالمين ليس هذا كفر فإن هذا الدعاء وأمثاله يقصد به التحصن والتحرز بهذه الكلمات فيتقي بها من الشر كما يتقي ساكن البيت بالبيت من الشر والحر والبرد والعدو
وهذا كما جاء في الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه و سلم في الكلمات الخمس التي قام يحيى بن زكريا في بني إسرائيل قال : أوصيكم بذكر الله فإن مثل ذلك مثل رجل طلبه العدو فدخل حصنا فامتنع به من العدو فكذلك ذكر الله هو حصن ابن آدم من الشيطان أو كما قال
فشبه ذكر الله في امتناع الإنسان به من الشيطان بالحصن الذي يمتنع به من العدو والحصن له باب وسقف وحيطان ونحو هذا أن الأعمال الصالحة من ذكر الله وغيره تسمى جنة ولباسا كما قال تعالى : { ولباس التقوى ذلك خير } في أشهر القولين وكما قال في الحديث : [ خذوا جنتكم قالوا : يا رسول الله من عدو حضر ؟ قال : لا ولكن جنتكم من النار : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ]
ومنه قول الخطيب : فتدرعوا جنن التقوى قبل جنن السابري وفوقوا سهام الدعاء قبل سهام القسي ومثل هذا كثير يسمى سورا وحيطانا ودرعا وجنة ونحو ذلك
ولكن هذا الدعاء المسؤول عنه ليس بمأثور والمشروع للإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة فإن الدعاء من أفضل العبادات وقد نهانا الله عن الإعتداء فيه فينبغي لنا أن نتبع فيه ما شرع وسن كما أنه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره وإن كان من أحزاب بعض المشايخ الأحسن له أن لا يفوته الأكمل الأفضل وهي الأدعية النبوية فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك وإن قالها بعض الشيوخ فكيف يكون في عين الأدعية ما هو خطأ أو إثم أوغير ذلك
ومن أشد الناس عيبا من يتخذ حزبا ليس بمأثور عن النبي صلى الله عليه و سلم وإن كان حزبا لبعض المشايخ ويدع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيد بني آدم وإمام الخلق وحجة الله على عباده والله أعلم

(2/385)


8 - 320 - مسألة : فيمن يقرأ القرآن هل يقرأ سورة الإخلاص مرة أو ثلاثا ؟ وما السنة في ذلك ؟
الجواب : إذا قرأ القرآن كله ينبغي أن يقرأها كما في المصحف مرة واحدة كذا قال العلماء لئلا يزاد على ما في المصحف وأما إذا قرأها وحدها أو مع بعض القرآن فإنه إذا قرأها ثلاث مرات عدلت القرآن والله أعلم

(2/387)


321 - 9 - مسألة : فيمن يحفظ القرآن : أيما أفضل له تلاوة القرآن مع أن النسيان أو التسبيح وما عداه من الاستغفار والأذكار في سائر الأوقات مع علمه بما ورد في الباقيات الصالحات والتهليل ولا حول ولا قوة إلا بالله وسيد الاستغفار وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
الجواب : الحمد لله جواب هذه المسألة ونحوها مبني على أصلين :
فالأصل الأول : أن جنس تلاوة القرآن أفضل من جنس الأذكار كما أن جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء كما في الحديث الذي في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ]
وفي الترمذي عن أبي سعيد عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ]
وكما في الحديث الذي في السنن في الذي سأل النبي صلى الله عليه و سلم فقال : [ إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني في صلاتي قال : قل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ]
ولهذا كانت القراءة في الصلاة واجبة فإن الأئمة لا تعدل عنها إلى الذكر إلا عند العجز والبدل دون المبدل منه
وأيضا فالقراءة تشرط لها الطهارة الكبرى دون الذكر والدعاء وما لم يشرع إلا على الحال الأكمل فهو أفضل كما أن الصلاة لما اشترط لها الطهارتان كانت أفضل من مجرد القراءة كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ استقيموا ولن تحصوا إعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ] ولهذا نص العلماء على أن أفضل تطوع البدن الصلاة
وأيضا : فما يكتب فيه القرآن لا يمسه إلا طاهر وقد حكى إجماع العلماء على أن القراءة أفضل لكن طائفة من الشيوخ رجحوا الذكر ومنهم من زعم أنه أرجح في حق المنتهي المجتهد كما ذكر ذلك أبو حامد في كتبه ومنهم من قال : هو أرجح في حق المبتدئ السالك وهذا أقرب إلى الصواب
وتحقيق ذلك يذكر في الأصل الثاني وهو أن العمل المفضول قد يقترن به ما يصيره أفضل من ذلك وهو نوعان : أحدهما ما هو مشروع لجميع الناس والثاني : ما يختلف باختلاف أحوال الناس
أما الأول : فمثل أن يقترن إما بزمان أو بمكان أو عمل يكون أفضل مثل ما بعد الفجر والعصر ونحوهما من أوقات النهي عن الصلاة فإن القراءة والذكر والدعاء أفضل في هذا الزمان وكذلك الأمكنة التي نهى عن الصلاة فيها كالحمام وأعطان الإبل والمقبرة فالذكر والدعاء فيها أفضل وكذلك الجنب الذكر في حقه أفضل فإذا كره الأفضل في حال حصول مفسدة كان المفضول هناك أفضل بل هو المشروع
وكذلك حال الركوع والسجود فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا أو الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ]
وقد اتفق العلماء على كراهة القراءة في الركوغ والسجود وتنازعوا في بطلان الصلاة بذلك على قولين هما وجهان في مذهب الإمام أحمد وذلك تشريفا للقرآن وتعظيما له أن لا يقرأ في حال الخضوع والذل كما كره أن يقرأ مع الجنازة وكما كره أكثر العلماء قراءته في الحمام
وما بعد التشهد هو حال الدعاء المشروع بفعل النبي صلى الله عليه و سلم وأمره والدعاء فيه هو أفضل بل هو المشروع دون القراءة والذكر وكذلك بالطواف وبعرفة ومزدلفة وعند رمي الجمار والمشروع هناك هو الذكر والدعاء
وقد تنازع العلماء في القراءة في الطواف : هل تكره أم لا تكره ؟ على قولين مشهورين
والنوع الثاني : أن يكون العبد عاجزا عن العمل الأفضل إما عاجزا عن أصله كمن لا يحفظ القرآن ولا يستطيع حفظه كالأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه و سلم أو عاجزا عن فعله على وجه الكمال مع قدرته على فعل المفضول على وجه الكمال ومن هنا قال من قال : إن الذكر أفضل من القرآن فإن الواحد من هؤلاء قد يخبر عن حاله وأكثر السالكين بل العارفين منهم إنما يخبر أحدهم عما ذاقه ووجده لا يذكر أمرا عاما للخلق إذ المعرفة تقتضي أمورا معينة جزئية والعلم يتناول أمرا عاما كليا فالواحد من هؤلاء يجد في الذكر من اجتماع قلبه وقوة إيمانه واندفاع الوسواس عنه ومزيد السكينة والنور والهدى ما لا يجده في قراءة القرآن بل إذا قرأ القرآن لا يفهمه أو لا يحضر قلبه وفهمه ويلعب عليه الوسواس والفكر كما أن من الناس من يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره ما لا يجتمع في الصلاة بل يكون في الصلاة بخلاف ذلك
وليس كل ما كان أفضل يشرع لكل أحد بل كل واحد يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له
فمن الناس من تكون الصدقة أفضل له من الصيام وبالعكس وإن كان جنس الصدقة أفضل ومن الناس من يكون الحج أفضل له من الجهاد كالنساء وكمن يعجز عن الجهاد وإن كان جنس الجهاد أفضل قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ الحج جهاد كل ضعيف ] ونظائر هذا متعددة
إذا عرف هذان الأصلان عرف بهما جواب هذه المسائل
إذا عرف هذا فيقال الأذكار المشروعة في أوقات متعينة مثل : ما يقال عند جواب المؤذن هو أفضل من القراءة في تلك الحال وكذلك ما سنه النبي صلى الله عليه و سلم فيما يقال عند الصباح والمساء وإتيان المضطجع هو مقدم على غيره
وأما إذا قام من الليل فالقراءة له أفضل إذا أطاقها وإلا فليعمل ما يطيق والصلاة أفضل منهما ولهذا نقلهم عند نسخ وجوب قيام الليل إلى القراءة فقال : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن } الآية والله أعلم

(2/387)


322 - 10 - مسألة : فيما ذكر الأستاذ القشيري في باب الرضا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال : الرضا أن لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ من النار فهل هذا الكلام صحيح ؟
الجواب : الحمد لله رب العالمين الكلام على هذا القول من وجهين
أحدهما : من جهة ثبوته عن الشيخ
والثاني : من جهة صحته في نفسه وفساده
أما المقام الأول فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم لم يذكر هذا عن الشيخ أبي سليمان بإسناد وإنما ذكره مرسلا عنه وما يذكره أبو القاسم في رسالته عن النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة والتابعين والمشايخ وغيرهم تارة يذكره بإسناد وتارة يذكر مرسلا
وكثيرا ما يقول : وقيل كذا
ثم الذي يذكره بالإسناد تارة يكون إسناده صحيحا وتارة يكون ضعيفا بل موضوعا وما يذكره مرسلا ومحذوف القائل أولى وهذا كما يوجد ذلك في مصنفات الفقهاء فإن فيها من الأحاديث والآثار ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع فالموجود في كتب الرقائق والتصوف من الآثار المنقولة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع
وهذا الأمر متفق عليه بين جميع المسلمين لا يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا بل نفس الكتب المصنفة في التفسير فيها هذا وهذا مع أن أهل الحديث أقرب إلى معرفة المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم
والمصنفون قد يكونون أئمة في الفقه أو التصوف أو الحديث ويروون هذا تارة لأنهم لم يعلموا أنه كذب وهو الغالب على أهل الدين فإنهم لا يحتجون بما يعلمون أنه كذب وتارة يذكرونه وأن علموا أنه كذب إذا قصدهم رواية ما روي في ذلك الباب ورواية الأحاديث المكذوبة مع بيان كونه كذبا جائز
وأما روايتها مع الإمساك عن ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين ] وقد فعل ذلك كثير من العلماء متأولين أنهم لم يكذبوا وإنما نقلوا ما رواه غيرهم وهذا يسهل إذا رووه لتعريف أنه روي لا لأجل العمل به ولا الاعتماد عليه
والمقصود هنا أن ما يوجد في الرسالة وأمثالها من كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي صلى الله عليه و سلم وغيره من السلف فيه الصحيح والضعيف والموضوع فالصحيح الذي قامت الدلالة على صدقه والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبه والضعيف الذي رواه من لم يعلم صدقه : إما لسوء حفظه وإما لاتهامه ولكن يمكن أن يكون صادقا فيه فإن الفاسق قد يصدق والغالط قد يحفظ
وغالب أبواب الرسالة فيها الأقسام الثلاثة ومن ذلك باب الرضا فإنه ذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه و سلم نبيا ] وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وإن كان الأستاذ لم يذكر أن مسلما رواه لكنه رواه بإسناد صحيح
وذكر في أول هذا الباب حديثا ضعيفا بل موضوعا وهو حديث جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر فهو وإن كان أول حديث ذكره في الباب فإن حديث الفضل بن عيسى من أوهى الأحاديث وأسقطها ولا نزاع بين الأئمة أنه لا يعتمد عليها ولا يحتج بها فإن الضعف ظاهر عليها وإن كان هو لا يعتمد الكذب فإن كثيرا من الفقهاء لا يحتج بحديثهم لسوء الحفظ لا لاعتماد الكذب وهذا الرقاشي اتفقوا على ضعفه كما يعرف ذلك أئمة هذا الشأن حتى قال أيوب السختياني : لو ولد أخرس لكان خيرا له وقال سفيان بن عيينة : لا شيء وقال الإمام أحمد والنسائي : هو ضعيف وقال يحيى بن معين : رجل سوء وقال أبو حاتم وأبو زرعة : منكر الحديث
وكذلك ما ذكره من الآثار فإنه قد ذكر آثارا حسنة بأسانيد حسنة مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال : إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض فإن هذا رواه عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي بإسناده والشيخ أبو عبد الرحمن كانت له عناية بجمع كلام هؤلاء المشايخ وحكاياتهم وصنف في الأسماء كتاب طبقات الصوفية و كتاب زهاد السلف وغير ذلك وصنف في الأبواب كتاب مقامات الأولياء وغير ذلك ومصنفاته تشتمل على الأقسام الثلاثة
وذكر عن الشيخ أبي عبد الرحمن أنه قال : سمعت النصر آبادي يقول : من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه فإن هذا الكلام في غاية الحسن فإنه من لزم ما يرضى الله من امتثال أوامره واجتناب نواهيه لا سيما إذا قام بواجبها ومستحبها فإن الله يرضى عنه كما أن من لزم محبوبات الحق أحبه الله كما قال في الحديث الصحيح الذي في البخاري : [ من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبد بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته ] الحديث
وذلك أن الرضا نوعان :
أحدهما : الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ويتناول ما أباحه الله من غير تعد إلى المحظور كما قال : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } وقال تعالى : { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } وهذا الرضا واجب ولهذا ذم من تركه بقوله : { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون * ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون }
والنوع الثاني : الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل فهذا الرضا مستحب في أحد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل : إنه واجب والصحيح : أن الواجب هو الصبر كما قال الحسن : الرضا غريزة ولكن الصبر معول المؤمن وقد روى في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فإن لم تستطع فإن في الصبرعلى ما تكره خيرا كثيرا ]
وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان فالذي عليه أئمة الدين أنه لا يرضى بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال : { ولا يرضى لعباده الكفر } وقال : { والله لا يحب الفساد } وقال تعالى : { فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } وقال تعالى : { فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } وقال : { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } وقال تعالى : { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم } وقال تعالى : { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون } وقال تعالى : { فلما آسفونا انتقمنا منهم }
فإذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ويغضب عليهم فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك وأن لا يسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه
وإنما ضل هنا فريقان من الناس : قوم من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في مناظرة القدرية ظنوا أن محبة الحق ورضاه وغضبه وسخطه يرجع إلى إرادته وقد علموا أنه مريد لجميع الكائنات خلافا للقدرية وقالوا : هو أيضا محب لها مريد لها ثم أخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه فقالوا : لا يحب الفساد بمعنى لا يريد الفساد أي لا يريده للمؤمنين ولا يرضى لعباده الكفر أي لا يريد لعباده المؤمنين
وهذا غلط عظيم فإن هذا عندهم بمنزلة أن يقال : لا يحب الإيمان ولا يرضى لعباده الإيمان أي لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين
وقد اتفق أهل الإسلام على أن ما أمر الله به فإنه يكون مستحبا يحبه ثم قد يكون مع ذلك واجبا وقد يكون مستحبا ليس بواجب سواء فعل أو لم يفعل والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع
والفرق الثاني : من غالطي المتصوفة شربوا من هذه العين فشهدوا أن الله رب الكائنات جميعا وعلموا أنه قدر على كل شئ وشاءه وظنوا أنهم لا يكونوا راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان حتى قال بعضهم : المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب قالوا : والكون كله مراد المحبوب
وضل هؤلاء ضلالا عظيما حيث لم يفرقوا بين الإرادة الدينية والكونية والإذن الكوني والديني والأمر الكوني والديني والبعث الكوني والديني والإرسال الكوني والديني كما بسطناه في غير هذا الموضع
وهؤلاء يؤول الأمر بهم إلى أن لا يفرقوا بين المأمور والمحظور وأولياء الله وأعدائه والأنبياء والمتقين ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين كالفجار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع وربما سموا هذه حقيقة ولعمري أنه حقيقة كونية لكن هذه الحقيقة الكونية قد عرفها عباد الأصنام كما قال : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } وقال تعالى : { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون } الآيات
فالمشركون الذين يعبدون الأصنام كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان أقرب أن يكون كعباد الأصنام
والمؤمن إنما فارق الكفر بالإيمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا واتباع ما يرضاه الله ويحبه دون ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان ولكن يرضى بما أصابه من المصائب لا بما فعله من المعائب فهو من الذنوب يستغفر وعلى المصايب يصبر فهو كما قال تعالى : { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك } فيجمع بين طاعة الأمر والصبر على المصائب كما قال تعالى : { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } وقال تعالى : { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } وقال يوسف : { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين }
والمقصود هنا أن ما ذكره القشيري عن النصر آبادي من أحسن الكلام حيث قال : من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه وكذلك قول الشيخ أبي سليمان : إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض وذلك أن العبد إنما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها فإذا لم يحصل سخط فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم الله له من الرزق
وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي : الرضا أفضل من الزهد في الدنيا لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته كلام حسن لكن أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل
وكذلك ما ذكره معلقا قال : قال الشبلي بين يدي الجنيد : لا حول ولا قوة إلا بالله فقال الجنيد : قولك ذا ضيق الصدر وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء فإن هذا من أحسن الكلام وكان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة ومن أحسنهم تعليما وتأديبا وتقويما
وذلك أن هذه الكلمة كلمة استعانة لا كلمة استرجاع وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع ويقولها جزعا لا صبرا فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها إذ كانت حالا ينافي الرضى ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكرعليه
وفيما ذكرناه آثار ضعيفة مثل ما ذكره معلقا قال : وقيل : قال موسى : إلهي دلني على عمل إذا عملته رضيت عني فقال : إنك لا تطيق ذلك فخر موسى ساجدا متضرعا فأوحى الله إليه : يا بن عمران رضائي في رضاك عني فهذه الحكاية الإسرائيلية فيها نظر فإنه قد يقال : لا يصلح أن يحكى مثلها عن موسى بن عمران ومعلوم أن هذه الإسرائيليات ليس لها إسناد ولا يقوم بها حجة في شيء من الدين إلا
إذا كانت منقولة لنا نقلا صحيحا مثل ما ثبت عن نبينا أنه حدثنا به عن بني إسرائيل ولكن منه ما يعلم كذبه مثل هذه فإن موسى من أعظم أولي العزم وأكابر المسلمين فكيف يقال : إنه لا يطيق أن يعمل ما يرضى الله به عنه والله تعالى راض عن
السابقين الأولين من المهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان أفلا يرضى عن موسى بن عمران كليم الرحمن
وقال تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه }
ومعلوم أن موسى بن عمران عليه السلام من أفضل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم إن الله تعالى خص موسى بمزية فوق الرضا حيث قال : { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني }
ثم إن قوله في الخطاب : ( يا بن عمران ) مخالف لما ذكره الله من خطابه في القرآن حيث قال : { يا موسى } وذلك الخطاب فيه نوع غض منه كما يظهر
ومثل ما ذكر أنه قيل : كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري : أما بعد فإن الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر فهذا الكلام كلام حسن وإن لم يعلم إسناده
وإذا تبين أن فيما ذكره مسندا ومرسلا ومعلقا ما هو صحيح وغيره فهذه الكلمة لم يذكرها عن أبي سليمان إلا مرسلة وبمثل ذلك لا تثبت عن أبي سليمان باتفاق الناس فإنه وإن قال بعض الناس : أن المرسل حجة فهذا لم يعلم أن المرسل هو مثل الضعيف وغير الضعيف فأما إذا عرف ذلك فلا يبقى حجة باتفاق العلماء كمن علم أنه تارة يحفظ الإسناد وتارة يغلط فيه
والكتب المسندة في أخبار هؤلاء المشايخ وكلامهم مثل كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم وطبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن وصفة الصفوة لابن الجوزي وأمثال ذلك لم يذكروا فيها هذه الكلمة عن الشيخ أبي سليمان ألا ترى الذي رواه عنه مسندا حيث قال : قال لأحمد بن أبي الحواري : يا أحمد : لقد أوتيت من الرضا نصيبا لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضيا فهذا الكلام مأثور عن أبي سليمان بالإسناد ولهذا أسنده عنه القشيري من طريق شيخه أبي عبد الرحمن بخلاف تلك الكلمة فإنها لم تسند عنه فلا أصل لها عن الشيخ أبي سليمان
ثم إن القشيري قرن هذه الكلمة الثانية عن أبي سليمان بكلمة أحسن منها فإنه قبل أن يرويها قال : وسئل أبو عثمان الحيري النيسابوري عن قول النبي صلى الله عليه و سلم أسألك الرضا بعد القضا فقال : لأن الرضا بعد القضا هو الرضا فهذا الذي قاله الشيخ أبو عثمان كلام حسن سديد
ثم أسند بعد هذا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال : أرجو أن أكون قد عرفت طرقا من الرضا لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضيا
فتبين بذلك أن ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا وإنما هو عزم على الرضا وإنما الرضا ما يكون بعد القضا وإن كان هذا عزما فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ وما أكثر انفساخ العزائم خصوصا عزائم الصوفية ولهذا قيل لبعضهم : بماذا عرفت ربك قال : بفسخ العزائم في بعض الهمم
وقد قال تعالى لمن هو أفضل من هؤلاء المشايخ : { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون } وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون * إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص }
وفي الترمذي : أن بعض الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : لو علمنا أي العمل أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد قال تعالى : { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب } الآية
فهؤلاء الذين كانوا قد عزموا على الجهاد وأحبوه فلما ابتلوا به كرهوه وفروا منه وأين ألم الجهاد من ألم النار وعذاب الله الذي لا طاقة لأحد به ومثل هذا ما يذكرونه عن سمنون المحب أنه كان يقول :
( وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني )
فأخذ الأسر من ساعته أي حصر بوله فكان يدور على المكاتب ويفرق الجوز على الصبيان ويقول : ادعوا لعمكم الكذاب
وحكى أبو نعيم الأصبهاني عن أبي بكر الواسطي أنه قال سمنون : يا رب قد رضيت بكل ما تقضيه علي فاحتبس بوله أربعة عشر يوما فكان يتلوى كما تتلوى الحية يتلوى يمينا وشمالا فلما أطلق بوله قال : رب قد تبت إليك
قال أبو نعيم : فهذا الرضا الذي ادعى سمنون ظهر غلطه فيه بأدنى بلوى مع أن سمنونا هذا كان يضرب به المثل وله في المحبة مقام مشهور حتى روي عن إبراهيم ابن فاتك أنه قال : رأيت سمنونا يتكلم على الناس في المسجد الحرام فجاء طائر صغير فلم يزل يدنو منه حتى جلس على يده ثم لم يزل يضرب بمنقاره الأرض حتى سقط منه دم ومات الطائر قال : رأيته يوما يتكلم في المحبة فاصطفقت قناديل المسجد وكسر بعضها بعضا
وقد ذكر القشيري في باب الرضا عن رويم المقري رفيق سمنون حكاية تناسب هذا حيث قال : قال رويم : إن الرضا لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل الله أن يحولها عن يساره فهذا يشبه قول سمنون : فكيف ما شئث فامتحني وإذا لم يطق الصبر على عسر البول فيطيق أن تكون النار عن يمينه
والفضيل بن عياض كان أعلى طبقة من هؤلاء وابتلي بعسر البول فغلبه الألم حتى قال : بحبي لك ألا فرجت عني ففرج عنه
ورويم وإن كان من رفقاء الجنيد فليس هو عندهم من هذه الطبقة بل الصوفية يقولون أنه رجع إلى الدنيا وترك التصوف حتى روي عن جعفر الخلدي صاحب الجنيد أنه قال : من أراد أن يتكتم سرا فليفعل كما فعل رويم كتم حب الدنيا أربعين سنة فقيل : وكيف يتصور ذلك ؟ قال : ولي إسمعيل بن إسحق القاضي قضاء بغداد وكان بينهما مودة أكيدة فجذبه إليه وجعله وكيلا على بابه فترك لبس التصوف ولبس الخز والقصب والديبقى وأكل الطيبات وبنى الدور وإذا هو كان يكتم حب الدنيا ما لم يجدها فلما وجدها ظهر ما كان يكتم من حبها هذا مع أنه رحمه الله كان له من العبادات ما هو معروف وكان على مذهب داود
وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم أقواله وعواقبها لا تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلا ولكن قد يستدل بها على ما لصاحبها من الرضا والمحبة ونحو ذلك وما معه من التقصير في معرفة حقوق الطريق وما يقدر عليه من التقوى والصبر والرسل صلوات الله عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح فمن خرج عن سنتهم وسبيلهم كان منقوصا مخطئا محروما وإن لم يكن عاصيا أو فاسقا أو كافرا
ويشبه هذا الأعرابي الذي دخل عليه النبي صلى الله عليه و سلم وهو مريض كالفرخ فقال : هل كنت تدعو الله بشيء ؟ قال : كنت أقول : اللهم ما كنت معذبني به في الآخرة فاجعله في الدنيا فقال : سبحان الله لا تستطيعه ولا تطيقه هلا قلت { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار }
فهذا أيضا حمله خوفه من عذاب النار ومحبته لسلامة عاقبته على أن يطلب تعجيل ذلك في الدنيا وكان مخطئا في ذلك غالطا
والخطأ والغلط مع حسن القصد وسلامته وصلاح الرجل وفضله ودينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما من الخطأ والغلط بل ولا من الذنوب وأفضل أولياء الله بعد الرسل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لما عبر الرؤيا : [ أصبت بعضا وأخطأت بعضا ]
ويشبه والله أعلم أن أبا سليمان لما قال هذه الكلمة : لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضيا أن يكون بعض الناس حكاه بما فهمه من المعنى أنه قال : الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار
وتلك الكلمة التي قالها أبو سليمان مع أنها لا تدل على رضاه بذلك ولكن تدل على عزمه بالرضا بذلك فنحن نعلم أن هذا العزم لا يستمر بل ينفسخ وأن هذه الكلمة كان تركها أحسن من قولها وأنها مستدركة كما استدركت دعوى سمنون ورويم وغير ذلك فإن بين هذه الكلمة وتلك فرقا عظيما فإن تلك الكلمة مضمونها أن من سأل الجنة واستعاذ من النار لا يكون راضيا
وفرق بين من يقول : أنا إذ أفعل كذا كنت راضيا وبين من يقول : لا يكون راضيا إلا من لا يطلب خيرا ولا يهرب من شر
وبهذا وغيره يعلم أن الشيخ أبا سليمان كان أجل من أن يقول مثل هذا الكلام فإن الشيخ أبا سليمان من أجلاء المشايخ وساداتهم ومن أتبعهم للشريعة حتى أنه قال : إنه ليمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين الكتاب والسنة فمن لا يقبل نكت قلبه إلا بشاهدين يقول مثل هذا الكلام ؟
وقال الشيخ أبو سليمان أيضا : ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فإذا سمع فيه بأثر كان نورا على نور بل صاحبه أحمد بن أبي الحواري كان من أتبع المشايخ للسنة فكيف أبو سليمان
وتمام تزكية أبي سليمان من هذا الكلام تظهر بالكلام في المقام الثاني وهو قول القائل كائنا من كان : الرضا أن تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار وتقدم قبل ذلك مقدمة تبين بها أصل ما وقع في مثل هذه الكلمات من الاشتباه والاضطراب
وذلك أن قوما كثيرا من الناس من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة وغيرهم ظنوا أن الجنة التنعم بالمخلوق من أكل وشرب ونكاح ولباس وسماع أصوات طيبة وشم روائح طيبة ولم يدخلوا في مسمى الجنة نعيما غير ذلك ثم صاروا ضربين :
ضرب أنكروا أن يكون المؤمنون يرون ربهم كما ذهب إلى ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم ومنهم من أقر بالرؤية إما الرؤية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه و سلم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وإما برؤية فسروها بزيادة كشف أو علم أو جعلها بحاسة سادسة ونحو ذلك من الأقوال التي ذهب إليها ضرار بن عمرو وطوائف من أهل الكلام المنتسبين إلى نصر أهل السنة في مسألة الرؤية وإن كان ما يثبتونه من جنس ما تنفيه المعتزلة والضرارية والنزاع بينهم لفظي ونزاعهم مع أهل السنة معنوي ولهذا كان بشر وأمثاله يفسرون الرؤية بنحو من تفسير هؤلاء
والمقصود هنا أن مثبتة الرؤية منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤيته ربه قالوا : لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم كما ذكر ذلك الأستاذ أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية وكما ذكره أبو الوفا بن عقيل في بعض كتبه ونقلوا عن ابن عقيل أنه سمع رجلا يقول : أسألك لذة النظر إلى وجهك فقال : يا هذا هب أن له وجها أله وجه يتلذذ بالنظر إليه ! وذكر أبو المعالي أن الله يخلق لهم نعيما ببعض المقدرات مقارنا للرؤية فأما النعيم بنفس الرؤية فأنكره وجعل هذا من أسرار التوحيد
وأكثر مثبتي الرؤية يثبتون تنعم المؤمنين برؤية ربهم وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها ومشايخ الطريق كما في الحديث الذي في النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضا وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين ]
وفي صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد : يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون : ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال : فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه ] وكلما كان الشيء أحب كانت اللذة بنيله أعظم
وهذا متفق عليه بين السلف والأئمة ومشايخ الطريق كما روي عن الحسن البصري أنه قال : لو علم العابدون بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقا إليه وكلامهم في ذلك كثير
ثم هؤلاء الذين وافقوا السلف والأئمة والمشايخ على التنعم بالنظر إلى الله تعالى تنازعوا في مسألة المحبة التي هي أصل ذلك فذهب طوائف من والفقهاء إلى أن الله لا يحب نفسه وإنما المحبة محبة طاعته وعبادته وقالوا : هو أيضا لا يحب عباده المؤمنين وإنما محبته إرادته للإحسان إليهم وولايتهم ودخل في هذا القول من انتسب إلى نصر السنة من أهل الكلام حتى وقع فيه طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وأمثال هؤلاء
وهذا في الحقيقة شعبة من التجهم والاعتزال فإن أول من أنكر المحبة في الإسلام : الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن صفوان فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال : أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه
والذي دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ومشايخ الطريق أن الله يحب ويحب ولهذا وافقهم على ذلك من تصوف من أهل الكلام كأبي القاسم القشيري وأبي حامد الغزالي وأمثالهما ونصر ذلك أبو حامد في الإحياء وغيره وكذلك أبو القاسم ذكر ذلك في الرسالة على طريق الصوفية كما في
كتاب أبي طالب المسمى بقوت القلوب وأبو حامد مع كونه تابع في ذلك الصوفية استند في ذلك لما وجده من كتب الفلاسفة من إثبات نحو ذلك حيث قالوا : يعشق ويعشق
وقد بسط الكلام على هذه المسألة العظيمة في القواعد الكبار بما ليس هذا موضعه وقد قال تعالى : { يحبهم ويحبونه }
وقال تعالى : { والذين آمنوا أشد حبا لله }
وقال : { أحب إليكم من الله ورسوله }
وفي الصحيحين : عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ]
والمقصود هنا أن هؤلاء المتجهمة من المعتزلة ومن وافقهم الذين ينكرون حقيقة المحبة يلزمهم أن ينكروا التلذذ بالنظر إليه ولهذا ليس في الحقيقة عندهم إلا التنعم بالأكل والشرب ونحو ذلك وهذا القول باطل بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ومشايخها فهذا أحد الحزبين الغالطين

(2/390)