صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ جلاء الأفهام - ابن قيم الجوزية ]
الكتاب : جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام
المؤلف : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
الناشر : دار العروبة - الكويت
الطبعة الثانية ، 1407 - 1987
تحقيق : شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط
عدد الأجزاء : 1

النوع الثاني صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم وخيرهم محمد
فاختلف الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال
أحدها أنها رحمته قال إسماعيل حدثنا نصر بن علي حدثنا محمد بن سواء عن جويبر عن الضحاك قال صلاة الله رحمته وصلاة الملائكة الدعاء // سنده ضعيف //
وقال المبرد أصل الصلاة الرحم فهي من الله رحمة ومن الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين
والقول الثاني أن صلاة الله مغفرته قال إسماعيل ثنا محمد بن أبي بكر ثنا محمد بن سواء عن جويبر عن الضحاك هو الذي يصلي عليكم قال صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الدعاء // ضعيف جدا //
وهذا القول من جنس الذي قبله وهما ضعيفان لوجوه
أحدها أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته فقال تعالى وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون البقرة 157 فعطف الرحمة على الصلاة فاقتضى ذلك تغايرهما هذا أصل العطف وأما قولهم
وألفى قولها كذبا ومينا

(1/158)


فهو شاذ نادر لا يحمل عليه أفصح الكلام مع أن المين أخص من الكذب
الوجه الثاني أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين وأما رحمته فوسعت كل شيء فليست الصلاة مرادفة للرحمة لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمرتها ومقصودها وهذا كثيرا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن والرسول يفسر اللفظة بلازمها وجزء معناها كتفسير الريب بالشك والشك جزء مسمى الريب وتفسير المغفرة بالستر وهو جزء مسمى المغفرة وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان وهو لازم الرحمة ونظائر ذلك كثيرة قد ذكرناها في أصول التفسير
الوجه الثالث أنه لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين واختلف السلف والخلف في جواز الصلاة على الأنبياء على ثلاثة أقوال سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى فعلم أنهما ليسا بمترادفين
الوجه الرابع أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال اللهم ارحم محمدا وآل محمد وليس الأمر كذلك
الوجه الخامس أنه لا يقال لمن رحم غيره ورق عليه فأطعمه أو سقاه أو كساه إنه صلى عليه ويقال إنه قد رحمه
الوجه السادس أن الإنسان قد يرحم من يبغضه ويعاديه فيجد في قلبه له رحمة ولا يصلي عليه

(1/159)


الوجه السابع أن الصلاة لا بد فيها من كلام فهي ثناء من المصلي على من يصلي عليه وتنويه به وإشارة لمحاسنه ومناقبه وذكره
ذكر البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه عند الملائكة // سنده قابل للتحسن //
وقال إسماعيل في كتابه حدثنا نصر بن علي حدثنا خالد بن يزيد عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية إن الله وملائكته يصلون على النبي الأحزاب 56 قال صلاة الله عز و جل ثناؤه عليه وصلاة الملائكة عليه الدعاء
الوجه الثامن أن الله سبحانه فرق بين صلاته وصلاة ملائكته وجمعهما في فعل واحد فقال إن الله وملائكته يصلون على النبي وهذه الصلاة لا يجوز أن تكون هي الرحمة وإنما هي ثناؤه سبحانه وثناء ملائكته عليه ولا يقال الصلاة لفظ مشترك ويجوز أن يستعمل في معنييه معا لأن في ذلك محاذير متعددة
أحدها أن الاشتراك خلاف الأصل بل لا يعلم انه وقع في اللغة من واضع واحد كما نص على ذلك أئمة اللغة منهم المبرد وغيره وإنما يقع وقوعا عارضا اتفاقيا بسبب تعدد الواضعين ثم تختلط اللغة فيقع الاشتراك
الثاني أن الأكثرين لا يجووزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز وما حكي عن

(1/160)


الشافعي رحمه الله من تجويزه ذلك فليس بصحيح عنه وإنما أخذ من قوله إذا أوصى لمواليه وله موال من فوق ومن أسفل تناول جميعهم فظن من ظن أن لفظ المولى مشترك بينهما وأنه عند التجرد يحمل عليهما وهذا ليس بصحيح فإن لفظ المولى من الألفاظ المتواطئة فالشافعي في ظاهر مذهبه وأحمد يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ وهو عنده عام متواطئ لا مشترك
واما ما حكي عن الشافعي رحمه الله أنه قال في مفاوضة جرت له في قوله أو لامستم النساء وقد قيل له قد يراد بالملامسة المجامعة قال هي محمولة على الجس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا فهذا لا يصح عن الشافعي ولا هو من جنس المألوف من كلامه وإنما هذا من كلام بعض الفقهاء المتأخرين وقد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المشترك في معنييه معا بضعة عشر دليلا في مسألة القرء في - كتاب التعليق على الأحكام -
فإذا كان معنى الصلاة هو الثناء على الرسول والعناية به وإظهار شرفه وفضله وحرمته كما هو المعروف من هذه اللفظة لم يكن لفظ الصلاة في الآية مشتركا محمولا على معنييه بل قد يكون مستعملا في معنى واحد وهذا هو الأصل وسنعود إلى هذه المسألة إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي الأحزاب 56
الوجه التاسع أن الله سبحانه أمر بالصلاة عليه عقب إخباره بأنه وملائكته يصلون عليه والمعنى أنه إذا كان الله وملائكته

(1/161)


يصلون على رسوله فصلوا أنتم عليه فأنتم أحق بأن تصلوا عليه وتسلموا تسليما لما نالكم ببركة رسالته ويمن سفارته من شرف الدنيا والآخرة ومن المعلوم أنه لو عبر عن هذا المعنى بالرحمة لم يحسن موقعه ولم يحسن النظم فينقض اللفظ والمعنى فإن التقدير يصير إلى أن الله وملائكته ترحم ويستغفرون لنبيه فادعوا أنتم له وسلموا وهذا ليس مراد الآية قطعا بل الصلاة المأمور بها فيها هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته وهي ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه فهي تتضمن الخبر والطلب وسمي هذا السؤال والدعاء منا نحن صلاة عليه لوجهين
أحدهما أنه يتضمن ثناء المصلي عليه والإشادة بذكر شرفه وفضله والإرادة والمحبة لذلك من الله تعالى فقد تضمنت الخبر والطلب
والوجه الثاني أن ذلك سمي منا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به وضد هذا في لعنة أعدائه الشانئين لما جاء به فإنها تضاف إلى الله وتضاف إلى العبد كما قال تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون البقرة 159 فلعنة الله تعالى لهم تتضمن ذمه وإبعاده وبغضه لهم ولعنة العبد تتضمن سؤال الله تعالى أن يفعل ذلك بمن هو أهل للعنته
وإذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه لو كانت الصلاة هي

(1/162)


الرحمة لم يصح أن يقال لطالبها من الله مصليا وإنما يقال له مسترحما له كما يقال لطالب المغفرة مستغفرا له ولطالب العطف مستعطفا ونظائره ولهذا لا يقال لمن سأل الله المغفرة لغيره قد غفر له فهو غافر ولا لمن سأله العفو عنه قد عفا عنه وهنا قد سمي العبد مصليا فلو كانت الصلاة هي الرحمة لكان العبد راحما لمن صلى عليه وكان قد رحمه برحمة ومن رحم النبي مرة رحمه الله بها عشرا وهذا معلوم البطلان
فإن قيل ليس معنى صلاة العبد عليه رحمته وإنما معناها طلب الرحمة له من الله قيل هذا باطل من وجوه
أحدها أن طلب الرحمة مطلوب لكل مسلم وطلب الصلاة من الله يختص رسله صلوات الله وسلامه عليهم عند كثير من الناس كما سنذكره إن شاء الله تعالى
الثاني أنه لو سمي طالب الرحمة مصليا لسمي طالب المغفرة غافرا وطالب العفو عافيا وطالب الصفح صافحا ونحوه
فإن قيل فأنتم قد سميتم طالب الصلاة من الله مصليا
قيل إنما سمي مصليا لوجود حقيقة الصلاة منه فإن حقيقتها الثناء وإرادة الإكرام والتقريب وإعلاء المنزلة وهذا حاصل من صلاة العبد لكن العبد يريد ذلك من الله عز و جل والله سبحانه وتعالى يريد ذلك من نفسه أن يفعله برسوله
وأما على الوجه الثاني وأنه سمي مصليا لطلبه ذلك من الله فلأن الصلاة نوع من الكلام الطلبي والخبري والإرادة وقد وجد ذلك من المصلي بخلاف الرحمة والمغفرة فإنها أفعال لا تحصل من الطالب وإنما تحصل من المطلوب منه والله أعلم

(1/163)


الوجه العاشر أنه قد ثبت عن النبي في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا وأنه سبحانه وتعالى قال له إنه من صلى عليك من أمتك مرة صليت عليه بها عشرا وهذا موافق للقاعدة المستقرة في الشريعة أن الجزاء من جنس العمل فصلاة الله على المصلي على رسوله جزاء لصلاته هو عليه ومعلوم أن صلاة العبد على رسول الله ليست هي رحمة من العبد لتكون صلاة الله عليه من جنسها وإنما هي ثناء على الرسول وإرادة من الله تعالى أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا والجزاء من جنس العمل فمن أثنى على رسول جزاه الله من جنس عمله بأن يثني عليه ويزيد تشريفه وتكريمه فصح ارتباط الجزاء بالعمل ومشاكلته له ومناسبته له كقوله من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة
ومن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار // حديث صحيح // ومن صلى على النبي مرة صلى الله عليه بها عشرا ونظائره كثيرة

(1/164)


الوجه الحادي عشر أن أحدا لو قال عن رسول الله رحمه الله أو قال رسول الله رحمه الله بدل لبادرت الأمة إلى الإنكار عليه وسموه مبتدعا غير موقر للنبي ولا مصل عليه ولا مثن عليه بما يستحقه ولا يستحق أن يصلي الله عليه بذلك عشر صلوات ولو كانت الصلاة من الله الرحمة لم يمتنع شيء من ذلك
الوجه الثاني عشر أن الله سبحانه وتعالى قال لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا النور 63 فأمر سبحانه ألا يدعى رسوله بما يدعو الناس بعضهم بعضا بل يقال يا رسول الله ولا يقال يا محمد وإنما كان يسميه باسمه وقت الخطاب الكفار وأما المسلمون فكانوا يخاطبونه يا رسول الله وإذا كان هذا في خطابه فهكذا في مغيبه لا ينبغي أن يجعل ما يدعى به له من جنس ما يدعو به بعضنا لبعض بل يدعى له بأشرف الدعاء وهو الصلاة عليه ومعلوم أن الرحمة يدعى بها لكل مسلم بل ولغير الآدمي من الحيوانات كما في دعاء الاستسقاء اللهم ارحم عبادك وبلادك وبهائمك
الوجه الثالث عشر أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلا والمعروف عند العرب من معناها

(1/165)


إنما هو الدعاء والتبريك والثناء قال
وإن ذكرت صلى عليها وزمزما ...
أي برك عليها ومدحها ولا تعرف العرب قط صلى عليه بمعنى الرحمة فالواجب حمل اللفظة على معناها المتعارف في اللغة
الوجه الرابع عشر أنه يسوغ بل يستحب لكل أحد أن يسأل الله تعالى أن يرحمه فيقول اللهم ارحمني
كما علم النبي الداعي أن يقول اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فلما حفظها قال أما هذا فقد ملأ يديه من الخير
ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول اللهم صل علي بل الداعي بهذا معتد في دعائه والله لا يحب المعتدين بخلاف سؤال الرحمة فإن الله تعالى يحب أن يسأله عبده مغفرته ورحمته فعلم أنه ليس معناهما واحدا
الوجه الخامس عشر أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع فيها الصلاة كقوله تعالى ورحمتي وسعت كل شيء الأعراف 156
وقوله إن رحمتي سبقت غضبي

(1/166)


وقوله إن رحمة الله قريب من المحسنين الأعراف 56
وقوله وكان بالمؤمنين رحيما الأحزاب 43
وقوله إنه بهم رؤوف رحيم التوبة 117
وقول النبي لله ارحم بعباده من الوالدة بولدها
وقوله ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء // الحديث صحيح //
وقوله من لا يرحم لا يرحم
وقوله لا تنزع الرحمة إلا من شقي // سنده حسن //
وقوله والشاة إن رحمتها رحمك الله // إسناده صحيح //

(1/167)


فمواضع استعمال الرحمة في حق الله وفي حق العباد لا يحسن أن تقع الصلاة في كثير منها بل في أكثرها فلا يصح تفسير الصلاة بالرحمة والله أعلم
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما إن الله وملائكته يصلون على النبي قال يباركون عليه وهذا لا ينافي تفسيرها بالثناء وإرادة التكريم والتعظيم فإن التبريك من الله يتضمن ذلك ولهذا قرن بين الصلاة عليه والتبريك عليه وقالت الملائكة لإبراهيم رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت هود 73
وقال المسيح وجعلني مباركا أينما كنت مريم 31
قال غير واحد من السلف معلما للخير أينما كنت وهذا جزء المسمى فالمبارك كثير الخير في نفسه الذي يحصله لغيره تعليما وإقدارا ونصحا وإرادة واجتهادا ولهذا يكون العبد مباركا لأن الله بارك فيه وجعله كذلك والله تعالى متبارك لأن البركة كلها منه فعبده مبارك وهو المتبارك تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الفرقان 1 وقوله تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الملك 1 وسنعود إلى هذا المعنى عن قريب إن شاء الله تعالى
وقد رد طائفة من الناس تفسير الصلاة من الله بالرحمة بأن قال الرحمة معناها رقة الطبع وهي مستحيلة في حق الله سبحانه وتعالى كما أن الدعاء منه سبحانه مستحيل وهذا الذي

(1/168)


قاله هذا عرق عرق جهمي ينضح من قلبه على لسانه وحقيقته إنكار رحمة الله جملة وكان جهم يخرج إلى الجذمي ويقول أرحم الراحمين يفعل هذا إنكارا لرحمته سبحانه
وهذا الذي ظنه هذا القائل هو شبهة منكري صفات الرب سبحانه وتعالى فإنهم قالوا الإرادة حركة النفس لجلب ما ينفعها ودفع ما يضرها والرب تعالى يتعالى عن ذلك فلا إرادة له والغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام والرب منزه عن ذلك فلا غضب له وسلكوا هذا المسلك الباطل في حياته وكلامه وسائر صفاته وهو من أبطل الباطل فإنه أخذ في مسمى الصفة خصائص المخلوق ثم نفاها جملة عن الخالق وهذا في غاية التلبيس والإضلال فإن الخاصة التي أخذها في الصفة لم يثبت لها لذاتها وإنما يثبت لها بإضافتها إلى المخلوق الممكن ومعلوم أن نفي خصائص صفات المخلوقين عن الخالق لا يقتضي نفي أصل الصفة عنه سبحانه ولا إثبات أصل الصفة له يقتضي إثبات خصائص المخلوق له كما أن ما نفي عن صفات الرب تعالى من النقائص والتشبيه لا يقتضي نفيه عن صفة المخلوق ولا ما ثبت لها من الوجوب والقدم والكمال يقتضي ثبوته للمخلوق ولا إطلاق الصفة على الخالق والمخلوق وهذا مثل الحياة والعلم فإن حياة العبد تعرض لها الآفات المضادة لها من المرض والنوم والموت وكذلك علمه يعرض له النسيان والجهل المضاد له وهذا محال في حياة الرب وعلمه فمن نفى علم الرب وحياته لما يعرض فيهما للمخلوق فقد أبطل وهو نظير نفي من نفى رحمة الرب وعلمه فمن نفى رحمة الرب عنه لما يعرض في رحمة المخلوق من رقة

(1/169)


الطبع وتوهم المتوهم أنه لا تعقل رحمة إلا هكذا نظير توهم المتوهم أنه لا يعقل علم ولا حياة ولا إرادة إلا مع خصائص المخلوق
وهذا الغلط منشؤه إنما هو توهم صفة المخلوق المقيدة به أولا وتوهم أن إثباتها لله هو مع هذا القيد وهذان وهمان باطلان فإن الصفة الثابتة لله مضافة إليه لا يتوهم فيها شيء من خصائص المخلوقين لا في لفظها ولا في ثبوت معناها وكل من نفى عن الرب تعالى صفة من صفاته لهذا الخيال الباطل لزمه نفي جميع صفات كماله لأنه لا يعقل منها إلا صفة المخلوق بل ويلزمه نفي ذاته لأنه لا يعقل من الذوات إلا الذوات المخلوقة
ومعلوم أن الرب سبحانه وتعالى لا يشبهه شيء منها وهذا الباطل قد التزمه غلاة المعطلة وكلما أوغل النافي في نفيه كان قوله أشد تناقضا وأظهر بطلانا ولا يسلم على محك العقل الصحيح الذي لا يكذب إلا ما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كما قال تعالى سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين الصافات 159 فنزه سبحانه وتعالى عما يصفه به كل أحد إلا المخلصين من عباده وهم الرسل ومن تبعهم كما قال في الآية الأخرى سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين الصافات 180 182 فنزه نفسه عما يصفه به الواصفون وسلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من كل نقص وعيب وحمد نفسه إذ هو الموصوف بصفات الكمال التي يستحق لأجلها الحمد ومنزه عن كل نقص ينافي كمال حمده

(1/170)


الفصل الثالث
في معنى اسم النبي واشتقاقه
هذا إلا سم هو أشهر أسمائه وهو اسم منقول من الحمد وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه هذا هو حقيقة الحمد وبني على زنة مفعل مثل معظم ومحبب ومسود ومبجل ونظائرها لأن هذا البناء موضوع للتكثير فإن اشتق منه اسم فاعل فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرة بعد مرة كمعلم ومفهم ومبين ومخلص ومفرج ونحوها وإن اشتق منه اسم مفعول فمعناه من كثر تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى إما استحقاقا أو وقوعا فمحمد هو كثر حمد الحامدين له مرة بعد أخرى أو الذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرى
ويقال حمد فهو محمد كما يقال علم فهو معلم وهذا علم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقه وإن كان علما محضا في حق كثير ممن تسمى به غيره
وهذا شأن أسماء الرب تعالى وأسماء كتابه وأسماء نبيه هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف فلا تضاد فيها العلمية الوصف بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين فهو الله الخالق

(1/171)


البارئ المصور القهار فهذه أسماء دالة على معان هي صفاته وكذلك القرآن والفرقان والكتاب المبين وغير ذلك من أسمائه
وكذلك أسماء النبي محمد وأحمد والماحي وفي حديث جبير بن مطعم عن النبي أنه قال إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر
فذكر رسول الله هذه الأسماء مبينا ما خصه الله به من الفضل وأشار إلى معانيها وإلا فلو كانت أعلاما محضة لا معنى لها لم تدل على مدح ولهذا قال حسان رضي الله عنه
وشق له من إسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
وكذلك أسماء الرب تعالى كلها أسماء مدح ولو كانت ألفاظا مجردة لا معاني لها لم تدل على المدح وقد وصفها الله سبحانه بأنها حسنى كلها فقال ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون الأعراف 18 فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ بل لدلالتها على أوصاف الكمال ولهذا لما سمع بعض العرب قارئا يقرأ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله المائدة 38 والله غفور رحيم قال ليس هذا كلام الله تعالى فقال القارئ أتكذب بكلام الله تعالى فقال لا ولكن ليس هذا بكلام الله فعاد إلى حفظه وقرأ والله عزيز حكيم فقال الأعرابي

(1/172)


صدقت عز فحكم فقطع ولو غفر ورحم لما قطع
ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب أو بالعكس ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه
وفي السنن من حديث أبي بن كعب قراءة القرآن على سبعة أحرف ثم قال ليس منهن إلا شاف كاف إن قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب // إسناده صحيح //
ولو كانت هذه الأسماء أعلاما محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أو بهذا
وأيضا فإنه سبحانه يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحا كقوله تعالى استغفروا ربكم إنه كان غفارا نوح 10 وقوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم البقرة 226 227 فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها بأنه غفور رحيم يعود على عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه والجزاء من جنس العمل فكما رجع إلى التي هي أحسن رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم فإن الطلاق لما كان لفظا يسمع ومعنى يقصد عقبه باسم السميع للنطق به العليم بمضمونه
وكقوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة

(1/173)


النساء أو اكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم البقرة 235
فلما ذكر سبحانه وتعالى التعريض بخطبة المرأة الدال على أن المعرض في قلبه رغبة فيها ومحبة لها وأن ذلك يحمله على الكلام الذي يتوصل به إلى نكاحها ورفع الجناح عن التعريض وانطواء القلب على ما فيه من الميل والمحبة ونفي مواعدتهن سرا فقيل هو النكاح والمعنى لا تصرحوا لهن بالتزويج إلا أن تعرضوا تعريضا وهو القول المعروف وقيل هو أن يتزوجها في عدتها سرا فإذا انقضت العدة أظهر العقد ويدل على هذا قوله ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله وهو انقضاء العدة ومن رجح القول الأول قال دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح وتحريم التصريح بنفي المواعدة سرا وتحريم عقد النكاح قبل انقضاء العدة فلو كان معنى مواعدة السر هو إسرار العقد كان تكرارا ثم عقب ذلك بقوله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه أن تتعدوا ما حد لكم فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون ثم قال واعلموا أن الله غفور حليم لولا مغفرته وحلمه لعنتم غاية العنت فإنه سبحانه مطلع عليكم يعلم ما في قلوبكم ويعلم ما تعملون فإن وقعتم في شيء مما نهاكم عنه فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار فإنه الغفور الحليم
وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة كقوله تعالى اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور

(1/174)


رحيم المائدة 98 وقال أهل الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور سبأ 34 لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قالوا إن ربنا لغفور شكور وفي هذا معنى التعليل أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته فإنه غفر لنا السيئات وشكر لنا الحسنات وقال تعالى ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما النساء 147 فهذا جزاء لشكرهم أي إن شكرتم ربكم شكركم وهو عليم بشكركم لا يخفى عليه من شكره ممن كفره
والقرآن مملوء من هذا والمقصود التنبيه عليه وأيضا فإنه سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشرك عنه ولو كانت أسماء لا معنى لها لم تدل على ذلك كقول هارون لعبدة العجل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن طه 90
وقوله سبحانه في القصة إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما طه 98
وقوله تعالى وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم البقرة 163
وقوله سبحانه في آخر سورة الحشر هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون الحشر 22 23 فسبح نزه نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده واستحالة إثبات شريك له

(1/175)


ومن تدبر هذا المعنى في القرآن هبط به على رياض من العلم حماها الله عن كل أفاك معرض عن كتاب الله واقتباس الهدى منه ولو لم يكن في كتابنا هذا إلا هذا الفصل وحده لكفى من له ذوق ومعرفة والله الموفق للصواب
وأيضا فإن الله تعالى يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما ولو كانت أعلاما محضة لم يصح فيها ذلك كقوله والله بكل شيء عليم الحجرات 16 والله عليم بالظالمين الجمعة 7 فإن الله عليم بالمفسدين آل عمران 63 و وكان بالمؤمنين رحيما الفرقان 43 إنه بهم رؤوف رحيم التوبة 117 والله على كل شيء قدير آل عمران 189 والله محيط بالكافرين البقرة 19 وكان الله بهم عليما النساء 49 وكان الله على كل شيء مقتدرا الكهف 45 إنه بما يعملون خبير هود 111 والله بصير بما تعملون الحجرات 18 إنه بعباده خبير بصير الشورى 27 ونظائره كثيرة
وأيضا فإنه سبحانه يجعل أسماءه دليلا على ما ينكره الجاحدون من صفات كماله كقوله تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير الملك 14
وقد اختلف النظار في هذه الأسماء هل هي متباينة نظرا إلى تباين معانيها وأن كل اسم يدل على غير ما يدل عليه الآخر أم هي مترادفة لأنها تدل على ذات واحدة فمدلولها لا تعدد فيه وهذا شأن المترادفات والنزاع لفظي في ذلك

(1/176)


والتحقيق أن يقال هي مترادفة بالنظر إلى الذات متباينة بالنظر إلى الصفات وكل اسم منها يدل على الذات الموصوفة بتلك الصفة بالمطابقة وعلى أحدهما وحده بالتضمن وعلى الصفة الأخرى بالالتزام

(1/177)


فصل
إذا ثبت هذا فتسميته بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسماه وهو الحمد فإنه محمود عند الله ومحمود عند ملائكته ومحمود عند إخوانه من المرسلين ومحمود عند أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضهم فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كل عاقل وإن كابر عقله جحودا أو عنادا أو جهلا باتصافه بها ولو علم اتصافه بها لحمده فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال ويجهل وجودها فيه فهو في الحقيقة حامد له وهو اختص من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره فإن اسمه محمد وأحمد وأمته الحمادون يحمدون الله على السراء والضراء وصلاة أمته مفتتحة بالحمد وخطبته مفتتحة بالحمد وكتابه مفتتح بالحمد هكذا عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحا بالحمد وبيده لواء الحمد يوم القيامة ولما يسجد بين يدي ربه عز و جل للشفاعة ويؤذن له فيها يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون
قال تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا الإسراء 79

(1/178)


على معنى المقام المحمود فليقف على ما ذكره سلف الأمة من الصحابة والتابعين فيه في تفسير هذه السورة كتفسير ابن أبي حاتم وابن جرير وعبد بن حميد وغيرها من تفاسير السلف
وإذا قام في المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أولهم وآخرهم وهو محمود بما ملأ الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعمل الصالح وفتح به القلوب وكشف به الظلمة عن أهل الأرض واستنقذهم من أسر الشيطان ومن الشرك بالله والكفر به والجهل به حتى نال به أتباعه شرف الدنيا والآخرة فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها فإنهم كانوا بين عباد أوثان وعباد صلبان وعباد نيران وعباد الكواكب ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله وحيران لا يعرف ربا يعبده ولا بماذا يعبده والناس يأكل بعضهم بعضا من استحسن شيئا دعا إليه وقاتل من خالفه وليس في الأرض موضع قدم مشرق بنور الرسالة وقد نظر الله سبحانه حينئذ إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على آثار من دين صحيح فأغاث الله به البلاد والعباد وكشف به تلك الظلم وأحيا به الخليقة بعد الموت فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة وكثر بعد القلة وأعز به بعد الذلة وأغنى به بعد العيلة وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فعرف الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة وأبدأ وأعاد واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين وانجابت سحائب الشك والريب

(1/179)


عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون العنكبوت 51
روى أبو داود في مراسيله عن النبي أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعة من التوراة فقال كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم الذي أنزل على نبيهم فأنزل الله عز و جل تصديق ذلك أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون العنكبوت 51 فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان وقدمه على كلام الله ورسوله
وعرفهم الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته ولم يدع حسنا إلا أمرهم به ولا قبيحا إلا نهى عنه كما قال ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به ولا من شيء يقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه
قال أبو ذر رضي الله عنه لقد توفي رسول الله وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما
وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف فكشف

(1/180)


الأمر وأوضحه ولم يدع بابا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه ولا مشكلا إلا بينه وشرحه حتى هدى الله به القلوب من ضلالها وشفاها به من أسقامها وأغاثها به من جهلها فأي بشر أحق بأن يحمد منه وجزاه عن أمته أفضل الجزاء
وأصح القولين في قوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء 107 أنه على عمومه وفيه على هذا التقدير وجهان
أحدهما أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته أما أتباعه فنالوا به كرامة الدنيا والآخرة وأما أعداؤه فالمحاربون له عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته وهم أقل شرا بذلك العهد من المحاربين له
وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره وأما الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته
الوجه الثاني أنه رحمة لكل أحد لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى والكفار ردوها فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم لكن لم يقبلوها كما يقال هذا دواء

(1/181)


لهذا المرض فإذا لم يستعمله المريض لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض
ومما يحمد عليه ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم فإن من نظر في أخلاقه وشيمه علم إنها خير أخلاق الخلق وأكرم شمائل الخلق فإنه كان أعلم الخلق وأعظمهم أمانة وأصدقهم حديثا وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احتمالا وأعظمهم عفوا ومغفرة وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما
كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال في صفة رسول الله في التوراة محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله وأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا
وأرحم الخلق وأرأفهم بهم وأعظم الخلق نفعا لهم في دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد وأصبرهم في مواطن الصبر وأصدقهم في مواطن اللقاء وأوفاهم بالعهد والذمة وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه وأشدهم تواضعا واعظمهم إيثارا على نفسه وأشد الخلق ذبا عن أصحابه وحماية

(1/182)


لهم ودفاعا عنهم وأقوم الخلق بما يأمر به وأتركهم لما ينهى عنه وأوصل الخلق لرحمه فهو أحق بقول القائل
برد على الأدنى ومرحمة ... وعلى الأعادي مارن جلد
قال علي رضي الله عنه كان رسول الله أجود الناس صدرا وأصدقهم لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله
فقوله كان اجود الناس صدرا أراد به بر الصدر وكثرة خيره وأن الخير يتفجر منه تفجيرا وأنه منطو على كل خلق جميل وكل خير كما قال بعض أهل العلم ليس في الدنيا كلها محل كان أكثر خيرا من صدر رسول الله قد جمع الخير بحذافيره وأودع في صدره
وقوله أصدق الناس لهجة هذا مما أقر له به أعداؤه المحاربون له ولم يجرب عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة قط دع شهادة أوليائه كلهم له به فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات مشركوهم وأهل الكتاب منهم وليس أحد منهم يوما من الدهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة
قال المسور بن مخرمة قلت لأبي جهل وكان خالي يا خال هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول مقالته فقال والله يا ابن أختي لقد كان محمد وهو شاب يدعى فينا الأمين فلما وخطه الشيب لم يكن

(1/183)


ليكذب قلت يا خال فلم لا تتبعونه فقال يا ابن أختي تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف فأطعموا وأطعمنا وسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا فلما تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي فمتى نأتيهم بهذه أو كما قال
وقال تعالى يسليه ويهون عليه قول أعدائه قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين الأنعام 33 34
وقوله ألينهم عريكة يعني سهل لين قريب من الناس مجيب لدعوة من دعاه قاض لحاجة من استقضاه جابر لقلب من قصده لا يحرمه ولا يرده خائبا إذا أراد أصحابه منه أمرا وافقهم عليه وتابعهم فيه وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم بل يشاورهم ويؤامرهم وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم
وقوله أكرمهم عشرة يعني أنه لم يكن يعاشر جليسا له إلا اتم عشرة وأحسنها وأكرمها فكان لا يعبس في وجهه ولا يغلظ له في مقاله ولا يطوي عنه بشره ولا يمسك عليه فلتات لسانه ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ونحوها بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان ويحتمل غاية الاحتمال فكانت عشرته لهم احتمال أذاهم وجفوتهم جملة لا يعاقب أحدا منهم ولا يلومه ولا يباديه بما يكره من خالطه يقول أنا احب الناس إليه لما يرى من لطفه به وقربه منه وإقباله عليه واهتمامه بأمره وتضحيته له وبذل

(1/184)


إحسانه إليه واحتمال جفوته فأي عشرة كانت أو تكون أكرم من هذه العشرة
قال الحسين رضي الله عنه سألت أبي عن سيرة النبي في جلسائه فقال كان النبي دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه راجيه ولا يخيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث المراء والإكثار وترك ما لا يعنيه كان لا يذم أحدا ولا يعيبه ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير فإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عند حديث أولهم يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام
وقوله من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه وصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدق والإخلاص وهما الإجلال والمحبة وكان قد ألقى عليه هيبة منه ومحبة فكان كل من يراه يهابه ويجله ويملأ قلبه تعظيما وإجلالا وإن كان عدوا له فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق فهو المجل المعظم المحبوب المكرم وهذا كمال المحبة أن تقرن بالتعظيم والهيبة فالمحبة

(1/185)


بلا هيبة ولا تعظيم ناقصة والهيبة والتعظيم من غير محبة كما تكون للغادر الظالم نقص أيضا والكمال أن تجتمع المحبة والود والتعظيم والإجلال وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يعظم لأجلها ويحب لأجلها
ولما كان الله سبحانه وتعالى أحق بهذا من كل أحد كان المستحق لأن يعظم ويكبر ويهاب ويحب ويود بكل جزء من أجزاء القلب ولا يجعل له شريك في ذلك وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله سبحانه أن يسوي بينه وبين غيره في هذا الحب قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله البقرة 165 فأخبر أن من أحب شيئا غير الله مثل حبه لله كان قد اتخذه ندا وقال أهل النار في النار لمعبودهم تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين الشعراء 97 98
ولم تكن تسويتهم بالله في كونهم خلقوا السماوات والأرض أو خلقوهم أو خلقوا آباءهم وإنما سووهم برب العالمين في الحب لهم كما يحب الله فإن حقيقة العبادة هي الحب والذل وهذا هو الإجلال والإكرام الذي وصف به نفسه في قوله سبحانه وتعالى تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام الرحمن 78
وأصح القولين في ذلك أن الجلال هو التعظيم والإكرام هو الحب وهو سر قول العبد لا إله إلا الله والله أكبر
ولهذا جاء في مسند الإمام احمد من حديث أنس رضي الله

(1/186)


عنه عن النبي أنه قال ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام // حديث صحيح // أي الزموها والهجوا بها
وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن بعض الصحابة أنه طلب أن يعرف اسم الله الأعظم فرأى في منامه مكتوبا في السماء بالنجوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام وكل محبة وتعظيم للبشر فإنما تجوز تبعا لمحبة الله وتعظيمه كمحبة رسوله وتعظيمه فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه فإن أمته يحبونه لحب الله له ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله له فهي محبة لله من موجبات محبة الله وكذلك محبة أهل العلم والإيمان ومحبة الصحابة رضي الله عنهم وإجلالهم تابع لمحبة الله ورسوله لهم
والمقصود أن النبي ألقى الله سبحانه وتعالى عليه منه المهابة والمحبة ولكل مؤمن مخلص حظ من ذلك
قال الحسن البصري رحمه الله إن المؤمن رزق حلاوة ومهابة يعني يحب ويهاب ويجل بما ألبسه الله سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صدره من رسول الله في صدر الصحابة رضي الله عنهم
قال عمرو بن العاص قبل إسلامه إنه لم يكن شخص أبغض إلي منه فلما أسلم لم يكن شخص أحب إليه منه ولا أجل في عينه منه قال ولو سئلت أن أصفه لكم لما أطقت لأني لم أكن

(1/187)


أملأ عيني منه إجلالا له
وقال عروة بن مسعود لقريش يا قوم والله لقد وفدت على كسرى وقيصر والملوك فما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله ما يحدون النظر إليه تعظيما له وما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فيدلك بها وجهه وصدره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه
فلما كان رسول الله مشتملا على ما يقتضي أن يحمد عليه مرة بعد مرة سمي محمدا وهو اسم موافق لمسماه ولفظ مطابق لمعناه
والفرق بين لفظ أحمد ومحمد من وجهين أحدهما أن محمدا هو المحمود حمدا بعد حمد فهو دال على كثرة حمد الحامدين له وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه وأحمد أفعل تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره فمحمد زيادة حمد في الكمية وأحمد زيادة في الكيفية فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر
والوجه الثاني أن محمدا هو المحمود حمدا متكررا كما تقدم وأحمد هو الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره فدل أحد الاسمين وهو محمد على كونه محمودا ودل الاسم

(1/188)


الثاني وهو احمد على كونه أحمد الحامدين لربه وهذا هو القياس فإن أفعل التفضيل والتعجب عند جماعة البصريين لا يبنيان إلا من فعل الفاعل لا يبنيان من فعل المفعول بناء منهم على أن أفعل التعجب والتفضيل إنما يصاغان من الفعل اللازم لا من المتعدي ولهذا يقدرون نقله من فعل وفعل إلى بناء فعل بضم العين قالوا والدليل على هذا أنه يعدى بالهمزة إلى المفعول فالهمزة التي فيه للتعدية نحو ما أظرف زيدا وأكرم عمرا وأصلهما ظرف وكرم
قالوا لأن المتعجب منه فاعل في الأصل فوجب أن يكون فعله غير متعد
قالوا وأما قولهم ما أضرب زيدا لعمرو وفعله متعد في الأصل
قالوا فهو منقول من ضرب إلى وزن فعل اللازم ثم عدي من فعل بهمزة التعدية
قالوا والدليل على ذلك مجيئهم باللام فيقولون ما أضرب زيدا لعمرو ولو كان باقيا على تعديه لقيل ما أضرب زيدا عمرا لأنه متعد إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بهمزة التعدية فلما عدي إلى المفعول بهمزة التعدية عدي إلى الآخر باللام فعلم أنه لازم فهذا هو الذي أوجب لهم أن قالوا لا يصاغ ذلك إلا من فعل الفاعل لا من الفعل الواقع على المفعول
ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا يجوز بناء فعل التعجب والتفضيل من فعل الفاعل ومن الواقع على المفعول تقول

(1/189)


العرب ما أشغله بالشيء وهذا من شغل به على وزن سئل فالتعجب من المشغول بالشيء لا من الشاغل وكذا قولهم ما أولعه بكذا من أولع به مبني للمفعول لأن العرب التزمت بناء هذا الفعل للمفعول ولم تبنه للفاعل وكذلك قولهم ما أعجبه بكذا هو من أعجب بالشيء وكذا قولهم ما أحبه إلي هو تعجب من فعل المفعول وكذا قولهم ما أبغضه إلي وامقته إلي
وهنا مسألة مشهورة ذكرها سيبويه وهي أنك تقول ما أبغضني له وما أحبني له وما أمقتني له إذا كنت أنت المبغض الكاره والمحب الماقت فيكون تعجبا من فعل الفاعل وتقول ما أبغضني إليه وما أمقتني إليه وما أحبني إليه إذا كنت أنت المبغض الممقوت أو المحبوب فيكون تعجبا من الفعل الواقع على المفعول فما كان باللام فهو للفاعل وما كان بإلى فهو للمفعول وكذلك تقول ما احبه إلي إذا كان هو المحبوب وما أبغضه إلي إذا كان هو المبغض وأكثر النحاة لا يعللون هذا
والذي يقال في علته والله أعلم أن اللام تكون للفاعل في المعنى نحو قولك لمن هذا الفعل فتقول لزيد فتأتي باللام وأما إلى فتكون للمفعول في المعنى لأنه يقول إلى من يصل هذا الفعل فتقول إلى زيد
وسر ذلك أن اللام في الأصل للملك أو الاختصاص والاستحقاق والملك والاستحقاق إنما يستحقه الفاعل الذي يملك ويستحق وإلى لانتهاء الغاية والغاية منتهى ما يقتضيه الفعل فهي بالمفعول أليق لأنه تمام مقتضى الفعل

(1/190)


ومن التعجب من فعل المفعول قول كعب بن زهير في النبي
فلهو أخوف عندي إذ أكلمه ... وقيل إنك محبوس ومقتول
من ضيغم من ضراء الأسد مخدره ... ببطن عثر غيل دونه غيل
فأخوف هنا من خيف لا من خاف وهو نظير أحمد من محمد كسئل لا من حمد كعلم وتقول ما اجنه من جن فهو مجنون
قال البصريون هذا كله شاذ لا يعول عليه
قال الآخرون هذا قد كثر في كلامهم جدا وحمله على الشذوذ غير جائز لأن الشاذ ما خالف استعمالهم ومطرد كلامهم وهذا غير مخالف لذلك
قالوا وأما تقديركم لزوم الفعل ونقله إلى بناء فعل المضموم فمما لا يساعد عليه دليل
وأما ما تمسكتم به من التعدية بالهمزة فليس كما ذكرتم والهمزة هنا ليست للتعدية وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل كألف فاعل وميم مفعول وتاء الافتعال والمطاوعة ونحوها من الحروف التي تلحق الفعل الثلاثي لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرد مدلوله فهذا هو السبب الجالب لهذه الألف لا مجرد تعدية الفعل
قالوا والذي يدل على هذا أن الفعل الذي يعدى بالهمزة

(1/191)


يجوز أن يعدى بحرف الجر وبالتضعيف تقول أجلست زيدا وجلسته وجلست به وأقمته وقومته وقمت به وأنمته ونومته ونمت به ونظائر ذلك وهنا لا يقوم مقام الهمزة غيرها فبطل أن تكون للتعدية
الثاني أنها تجامع باء التعدية فتقول أكرم به وأحسن به والمعنى ما أكرمه وما أحسنه والفعل لا تجمع عليه بين معديين معا
الثالث أنهم يقولون ما أعطى زيدا للدراهم وما أكساه للثياب وهذا من أعطى وكسا المتعدي ولا يصح تقدير نقله إلى عطو إذا تناول ثم أدخلت عليه همزة التعدية كما تأوله بعضهم لفساد المعنى فإن التعجب إنما وقع من إعطائه لا من عطوه وهو تناوله والهمزة فيه همزة التعجب والتفضيل وحذفت همزته التي في فعله فلا يصح أن يقال هي للتعدية
قالوا وأما قولكم إنه عدي باللام في قولهم ما أضربه لزيد ولولا انه لازم لما عدي باللام فهذا ليس كما ذكرتم من لزوم الفعل وإنما هو تقوية له لما ضعف بمنعه من الصرف وألزم طريقة واحدة خرج عن سنن الأفعال وضعف عن مقتضاه فقوي باللام وهذا كما يقوى باللام إذا تقدم معموله عليه وحصل له بتأخره نوع وهن جبروه باللام كما قال تعالى إن كنتم للرؤيا تعبرون يوسف 43 وكما يقوى باللام إذا كان اسم فاعل كما تقول أنا محب لك ومكرم لزيد ونحوه فلما ضعف هذا الفعل بمنعه من الصرف قوي باللام هذا المذهب هو الراجح كما تراه
والله أعلم

(1/192)


فلنرجع إلى المقصود وهو انه سمي محمدا وأحمد لأنه يحمد أكثر مما يحمد غيره وأفضل مما يحمد غيره فالاسمان واقعان على المفعول وهذا هو المختار وذلك أبلغ في مدحه وأتم معنى ولو أريد به معنى الفاعل لسمي الحماد وهو كثير الحمد كما سمي محمدا وهو المحمود كثيرا فإنه كان أكثر الخلق حمدا لربه فلو كان اسمه باعتبار الفاعل لكان الأولى أن يسمى حمادا كما أن اسم أمته الحمادون
وأيضا فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمدا وأحمد فهو الذي يحمده أهل الدنيا واهل الآخرة ويحمده أهل السماء والأرض فلكثرة خصائله المحمودة التي تفوت عد العادين سمي باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيل والزيادة في القدر والصفة والله أعلم

(1/193)


فصل
وقد ظن طائفة منهم أبو القاسم السهيلي وغيره أن تسميته ب أحمد كانت قبل تسميته بمحمد فقالوا ولهذا بشر به المسيح باسمه أحمد وفي حديث طويل في حديث موسى لما قال لربه جل وعلا إني أجد أمة من شأنها كذا وكذا فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد يا موسى فقال اللهم اجعلني من أمة أحمد قالوا وإنما جاء تسميته بمحمد في القرآن خاصة لقوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد محمد 8 وقوله محمد رسول الله الفتح 29 وبنوا على ذلك أن اسمه أحمد تفضيل من فعل الفاعل أي أحمد الحامدين لربه ومحمد هو المحمود الذي تحمده الخلائق وإنما يترتب على هذا الاسم بعد وجوده وظهوره فإنه حينئذ حمده أهل السماء والأرض ويوم القيامة يحمده أهل الموقف فلما ظهر إلى الوجود وترتب على ظهوره من الخيرات ما ترتب حمده الخلائق حمدا مكررا فتأخرت تسميته بمحمد على تسميته بأحمد

(1/194)


وفي هذا الكلام مناقشة من وجوه أحدها أنه قد سمي بمحمد قبل الإنجيل كذلك اسمه في التوراة وهذا يقر به كل عالم من مؤمني أهل الكتاب ونحن نذكر النص الذي عندهم في التوراة
وما هو الصحيح في تفسيره
قال في التوراة في إسماعيل قولا هذه حكايته وعن إسماعيل سمعتك ها أنا باركته وأيمنته مما باد وذكر هذا بعد أن ذكر إسماعيل وأنه سيلد اثني عشر عظيما منهم عظيم يكون اسمه مماد باد وهذا عند العلماء المؤمنين من أهل الكتاب صريح في اسم النبي محمد
ورأيت في بعض شروح التوراة ما حكايته بعد هذا المتن قال الشارح هذان الحرفان في موضعين يتضمنان اسم السيد الرسول محمد لأنك إذا اعتبرت حروف اسم محمد وجدتها في الحرفين المذكورين لأن ميمي محمد وداله بإزاء الميمين من الحرفين وإحدى الدالين وبقية اسم محمد وهي الحاء فبإزاء بقية الحرفين وهي الباء والألفان والدال الثانية
قلت يريد بالحرفين الكلمتين قال لأن للحاء من الحساب ثمانية من العدد والباء لها اثنان وكل ألف لها واحد والدال بأربعة فيصير المجموع ثمانية وهي قسط الحاء من العدد الجملي فيكون الحرفان معنى الكلمتين وهما مماد باد قد تضمنا بالتصريح ثلاثة أرباع اسم محمد وربعه الآخر قد دل عليه بقية الحرفين بالكتابة بالطريق التي أشرت إليها
قال الشارح فإن قيل فما مستندكم في هذا التأويل قلنا

(1/195)


مستندنا فيه مستند علماء اليهود في تأويل أمثاله من الحروف المشكلة التي جاءت في التوراة كقوله تعالى يا موسى قل لبني إسرائيل أن يجعل كل واحد منهم في طرف ثوبه خيطا أزرق له ثمانية أرؤس ويعقد فيه خمس عقد ويسميه صيصيت قال علماء اليهود تأويل هذا وحكمته أن كل من رأى ذلك الخيط الأزرق وعدد أطرافه الثمانية وعقده الخمس وذكر اسمه ذكر ما يجب عليه من فرائض الله سبحانه وتعالى لأن الله تعالى افترض على بني إسرائيل ستمائة وثلاث عشرة شريعة لأن الصادين والياءين بمائتين والتاء بأربعمائة فيصير مجموع الاسم ستمائة والأطراف والعقد ثلاثة عشر كأنه يقول بصورته واسمه اذكر فرائض الله عز و جل
قال هذا الشارح وأما قول كثير من المفسرين إن المراد بهذين الحرفين جدا جدا لكون لفظ ماد قد جاءت مفردة في التوراة بمعنى جدا قال فهذا لا يصح لأجل الباء المتصلة بهذا الحرف فإنه ليس من الكلام المستقيم قول القائل أنا أكرمك بجدا فلما نقل هذا الحرف من التوراة الأزلية التي نزلت في ألواح الجوهر على الكليم بالخط الكينوني وهذا الحرف فيها موصولا بالباء علم أن المراد غير ما ذهب إليه من قال هي بمعنى جدا إذ لا تأويل يليق بها غير هذا التفسير بدليل قوله تعالى في غير هذا الموضع لإبراهيم عن ولده إسماعيل إنه يلد اثني عشر شريفا ومن شريف منهم يكون شخص اسمه مما باد فقد صرحت التوراة أن هذين الحرفين اسم علم لشخص شريف معين من ولد إسماعيل فبطل قول من قال إنه بمعنى المصدر للتوكيد فإن التصريح بكونه

(1/196)


اسم عين يناقض من يدعي أنه اسم معنى والله أعلم تم كلامه
وقال غيره لا حاجة إلى هذا التعسف في بيان اسمه في التوراة بل اسمه فيها أظهر من هذا كله وذلك أن التوراة هي باللغة العبرية وهي قريبة من العربية بل هي أقرب لغات الأمم إلى اللغة العربية وكثيرا ما يكون الاختلاف بينهما في كيفية أداء الحروف والنطق بها من التفخيم والترقيق والضم والفتح وغير ذلك واعتبر هذا بتقارب ما بين مفردات اللغتين فإن العرب يقولون لا والعبرانيين تقول لو فيضمون اللام ويأتون بالألف بين الواو والألف وتقول العرب قدس ويقول العبرانيون قدش وتقول العرب أنت ويقول العبرانيون أنا وتقول العرب يأتي كذا ويقول العبرانيون يوتى فيضمون الياء ويأتون بالألف بعدها بين الواو والألف وتقول العرب قدسك ويقول العبرانيون قد شحا وتقول العرب منه ويقول العبرانيون ممنو وتقول العرب من يهوذا ويقول العبرانيون مهوذا وتقول العرب سمعتك ويقول العبرانيون شمعيخا وتقول العرب من ويقول العبرانيون مي وتقول العرب يمينه ويقول العبرانيون مينو وتقول العرب له ويقول العبرانيون لو بين الواو والألف وكذلك تقول العرب أمة ويقول العبرانيون أموا وتقول العرب أرض ويقول العبرانيون إيرص وتقول العرب واحد ويقول العبرانيون إيحاد وتقول العرب عالم ويقول العبرانيون عولام وتقول العرب كيس ويقول العبرانيون كييس وتقول العرب يأكل ويقول العبرانيون يوخل وتقول العرب تين ويقول العبرانيون تيين وتقول العرب إله ويقول العبرانيون

(1/197)


أولوه وتقول العرب إلهنا ويقول العبرانيون ألوهينو وتقول العرب أبانا ويقول العبرانيون أبوتينا ويقولون باصباع إلوهيم يعنون إصبع الإله ويقولون مابنم يعنون الابن ويقولون حاليب بمعنى حلوب فإذا أرادوا يقولون لا تأكل الجدي في حليب أمه قالوا لو تدخل لذي ما حالوب أمو
ويقولون لو توخلوا أي لا تأكلوا ويقولون للكتب المشنا ومعناها بلغة العرب المثناة التي تثنى أي تقرأ مرة بعد مرة ولا نطيل بأكثر من هذا في تقارب اللغتين وتحت هذا سر يفهمه من فهم تقارب ما بين الأمتين والشريعتين
واقتران التوراة بالقرآن في غير موضع من الكتاب كقوله تعالى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين القصص 48 49
وقوله في سورة الأنعام ردا على من قال ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس الأنعام 91
ثم قال تعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه الأنعام 92

(1/198)


وقال في آخر السورة ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون الأنعام 154 155
وقال تعالى في أول سورة آل عمران ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس آل عمران 1 4
وقال تعالى ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون الأنبياء 48 50
ولهذا يذكر سبحانه وتعالى قصة موسى ويعيدها ويبديها ويسلي رسوله ويقول رسول الله عندما يناله من أذى الناس لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر
ولهذا قال النبي إنه كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في هذه الأمة من يفعله

(1/199)


فتأمل هذا التناسب بين الرسولين والكتابين والشريعتين أعني الشريعة الصحيحة التي لم تبدل والأمتين واللغتين فإذا نظرت في حروف محمد وحروف مماد باد وجدت الكلمتين كلمة واحدة فإن الميمين فيهما والهمزة والحاء من مخرج واحد والدال كثيرا ما تجد موضعها ذالا في لغتهم يقولون إيحاذ للواحد ويقولون قوذش في القدس والدال والذال متقاربتان فمن تأمل اللغتين وتأمل هذين الاسمين لم يشك أنهما واحد ولهذا نظائر في اللغتين مثل موسى فإنه في اللغة العبرانية موشى بالشين وأصله الماء والشجر فإنهم يقولون للماء مو وشا هو الشجر وموسى التقطه آل فرعون من بين الماء والشجر فالتفاوت الذي بين موسى وموشى كالتفاوت بين محمد ومماد باد
وكذا إسماعيل هو في لغتهم يشماعيل بياء بدل الألف وبشين بدل السين فالتفاوت بينهما كالتفاوت بين محمد ومماد باد وكذلك العيص وهو أخو يعقوب يقولون له عيسى وهو عيص ونظير هذا في غير الأعلام مما تقدم قوله يشماعون يعنون يسمعون ويقولون آقيم بمد الهمزة مع ضمها أي أقيم ويقولون مي قارب أي من قارب ووسط أخيهيم أي إخوتهم وهذا مما يعترف به كل مؤمن عالم من علماء أهل الكتاب
والمقصود أن اسم النبي في التوراة محمد كما هو في القرآن وأما المسيح فإنما سماه أحمد كما حكاه الله عنه في القرآن فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدا في التوراة ومتقدمة على تسميته محمدا في القرآن فوقعت بين

(1/200)


التسميتين محفوفة بهما وقد تقدم أن هذين الاسمين صفتان في الحقيقة والوصفية فيهما لا تنافي العلمية وإن معناهما مقصود فعرف عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها فمحمد مفعل من الحمد وهو الكثير الخصال التي يحمد عليها حمدا متكررا حمدا بعد حمد وهذا إنما يعرف بعد العلم بخصال الخير وأنواع العلوم والمعارف والأخلاق والأوصاف والأفعال التي يستحق تكرار الحمد عليها ولا ريب أن بني إسرائيل هم أولو العلم الأول والكتاب الذي قال الله تعالى فيه وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا بكل شيء الأعراف 45
ولهذا كانت أمة موسى أوسع علوما ومعرفة من أمة المسيح ولهذا لا تتم شريعة المسيح إلا بالتوراة وأحكامها فإن المسيح عليه السلام وأمته محالون في الأحكام عليها والإنجيل كأنه مكمل لها متمم لمحاسنها والقرآن جامع لمحاسن الكتابين
فعرف النبي عند هذه الأمة باسم محمد الذي قد جمع خصال الخير التي يستحق أن يحمد عليها حمدا بعد حمد وعرف عند أمة المسيح ب أحمد الذي يستحق أن يحمد أفضل مما يحمد غيره وحمده أفضل من حمد غيره فإن أمة المسيح أمة لهم من الرياضات والأخلاق والعبادات ما ليس لأمة موسى ولهذا كان غالب كتابهم مواعظ وزهد وأخلاق وحض على الإحسان والاحتمال والصفح حتى قيل إن الشرائع ثلاثة شريعة عدل وهي شريعة التوراة فيها الحكم والقصاص وشريعة فضل وهي شريعة الإنجيل مشتملة على العفو ومكارم الأخلاق والصفح والإحسان كقوله من أخذ رداءك فأعطه ثوبك ومن لطمك على

(1/201)


خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين وشريعة نبينا جمعت هذا وهذا وهي شريعة القرآن فإنه يذكر العدل ويوجبه والفضل ويندب إليه كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين الشورى 40 فجاء اسمه عند هذه الأمة بأفعل التفضيل الدال على الفضل والكمال كما جاءت شريعتهم بالفضل المكمل لشريعة التوراة وجاء في الكتاب الجامع لمحاسن الكتب قبله بالاسمين معا فتدبر هذا الفصل وتبين ارتباط المعاني بأسمائها ومناسبتها لها والحمد لله المان بفضله وتوفيقه
وقول أبي القاسم إن اسم محمد إنما ترتب بعد ظهوره إلى الوجود لأنه حينئذ حمد حمدا مكررا فكذلك أن يقال محمد أيضا سواء وقوله في اسمه أحمد إنه تقدم لكونه أحمد الحامدين لربه وهذا يقدم على حمد الخلائق له فبناء منه على أنه تفضيل من فعل الفاعل وأما على القول الآخر الصحيح فلا يجيء هذا وقد تقدم تقرير ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم

(1/202)


الفصل الرابع
في معنى الآل واشتقاقه وأحكامه
وفيه قولان أحدهما أن أصله أهل ثم قلبت الهاء همزة فقيل أأل ثم سهلت على قياس أمثالها فقيل آل قالوا ولهذا إذا صغر رجع إلى أصله فقيل أهيل قالوا ولما كان فرعا عن فرع خصوه ببعض الأسماء المضاف إليها فلم يضيفوه إلى أسماء الزمان ولا المكان ولا غير الأعلام فلا يقولون آل رجل وآل امرأة ولا يضيفونه إلى مضمر فلا يقال آله وآلي بل لا يضاف إلا إلى معظم كما أن التاء لما كانت في القسم بدلا عن الواو وفرعا عليها والواو فرعا عن فعل القسم خصوا التاء بأشرف الأسماء وأعظمها وهو اسم الله تعالى
وهذا القول ضعيف من وجوه
أحدها أنه لا دليل عليه
الثاني أنه يلزم منه القلب الشاذ من غير موجب مع مخالفة الأصل
الثالث أن الأهل تضاف إلى العاقل وغيره والآل لا تضاف إلا إلى عاقل
الرابع أن الأهل تضاف إلى العلم والنكرة والآل لا يضاف

(1/203)


إلا إلى معظم من شأنه أن غيره يؤول إليه
الخامس أن الأهل تضاف إلى الظاهر والمضمر والآل من النحاة من منع أضافته إلى المضمر ومن جوزها فهي شاذة قليلة
السادس أن الرجل حيث أضيف إلى آله دخل فيه هو كقوله تعالى أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر 46
وقوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين آل عمران 33
وقوله تعالى إلا آل لوط نجيناهم بسحر القمر 34
وقول النبي اللهم صل على آل أبي أوفى
وهذا إذا لم يذكر معه من أضيف إليه الآل وأما إذا ذكر معه فقد يقال ذكر مفردا وداخلا في الآل وقد يقال ذكره مفردا أغنى عن ذكره مضافا والأهل بخلاف ذلك فإذا قلت جاء أهل زيد لم يدخل فيهم وقيل بل أصله أول وذكره صاحب الصحاح في باب الهمزة والواو واللام قال وآل الرجل أهله وعياله وآله أيضا اتباعه وهو عند هؤلاء مشتق من آل يؤول إذا رجع فآل الرجل هم الذين يرجعون إليه ويضافون إليه ويؤولهم أي يسوسهم فيكون مآلهم إليه ومنه الإيالة وهي السياسة فآل الرجل هم الذين يسوسهم ويؤولهم ونفسه أحق بذلك من غيره فهو أحق بالدخول في آله ولكن لا يقال إنه مختص بآله بل هو داخل فيهم وهذه المادة موضوعة لأصل

(1/204)


الشيء وحقيقته ولهذا سمي حقيقة الشيء تأويله لأنها حقيقته التي يرجع إليها
ومنه قوله تعالى هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق الأعراف 53
فتأويل ما أخبرت به الرسل هو مجيء حقيقته ورؤيتها عيانا ومنه تأويل الرؤيا وهو حقيقتها عيانا ومنه تأويل الرؤيا الخارجية التي ضربت للرائي في عالم المثال ومنه التأويل بمعنى العاقبة كما قيل في قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا النساء 59
قيل أحسن عاقبة فإن عواقب الأمور هي حقائقها التي تؤول إليها ومنه التأويل بمعنى التفسير لأن تفسير الكلام هو بيان معناه وحقيقته التي يراد منه قالوا ومنه الأول لأنه أصل العدد ومبناه الذي يتفرع منه ومنه الآل بمعنى الشخص نفسه قال أصحاب هذا القول والتزمت العرب إضافته فلا يستعمل مفردا إلا في نادر الكلام كقول الشاعر
نحن آل الله في بلدتنا ... لم نزل آلا على عهد إرم
والتزموا أيضا إضافته إلى الظاهر فلا يضاف إلى مضمر إلا قليلا وعد بعض النحاة إضافته إلى المضمر لحنا كما قال أبو عبد الله بن مالك والصحيح انه ليس بلحن بل هو من كلام العرب لكنه قليل ومنه قول الشاعر
أنا الفارس الحامي والدي ... وآلي فما يحمي حقيقة آلكا

(1/205)


وقال عبد المطلب في الفيل وأصحابه
وانصر على آل الصلي ... ب وعابديه اليوم آلك
فأضافه إلى الياء والكاف وزعم بعض النحاة أنه لا يضاف إلا إلى علم من يعقل وهذا الذي قاله هو الأكثر وقد جاءت إضافته إلى غير من يعقل قال الشاعر
نجوت ولم يمنن علي طلاقه ... سوى ربد التقريب من آل أعوجا
وأعوج علم فرس قالوا ومن أحكامه أيضا أنه لا يضاف إلا إلى متبوع معظم فلا يقال آل الحائك ولا آل الحجام ولا آل رجل
وأما معناه فقالت طائفة يقال آل الرجل له نفسه وآل الرجل لمن يتبعه وآله لأهله وأقاربه فمن الأول قول النبي لما جاءه أبو أوفى بصدقته اللهم صل على آل أبي أوفى
وقوله تعالى سلام على آل ياسين الصافات 130
وقوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم
فآل إبراهيم هو إبراهيم لأن الصلاة المطلوبة للنبي هي الصلاة على إبراهيم نفسه وآله تبع له فيها
ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا لا يكون الآل إلا الأتباع والأقارب وما ذكرتموه من الأدلة فالمراد بها الأقارب وقوله

(1/206)


كما صليت على آل إبراهيم آل إبراهيم هنا هم الأنبياء والمطلوب من الله سبحانه أن يصلي على رسوله كما صلى على جميع الأنبياء من ذرية إبراهيم لا إبراهيم وحده كما هو مصرح به في بعض الألفاظ من قوله على إبراهيم وعلى آل إبراهيم
وأما قوله تعالى سلام على آل ياسين الصافات 130 فهذه فيها قراءتان إحداهما إلياسين بوزن إسماعيل وفيه وجهان
أحدهما أنه اسم ثان للنبي إلياس وإلياسين كميكال وميكائيل والوجه الثاني أنه جمع وفيه وجهان أحدهما أنه جمع إلياس وأصله إلياسيين بيائين كعبرانيين ثم خففت أحدى اليائين فقيل إلياسين والمراد أتباعه كما حكى سيبويه الأشعرون ومثله الأعجمون
والثاني أنه جمع إلياس محذوف الياء
والقراءة الثانية سلام على آل ياسين وفيه أوجه أحدها أن ياسين اسم لأبيه فأضيف إليه الآل كما يقال آل إبراهيم والثاني أن آل ياسين هو إلياس نفسه فيكون آل مضافة إلى يس والمراد بالآل يس نفسه كما ذكر الأولون

(1/207)


والثالث انه على حذف ياء النسب فيقال يس واصله ياسيين كما تقدم وآلهم أتباعهم على دينهم
والرابع أن يس هو القرآن وآله هم أهل القرآن
والخامس أنه النبي وآله أقاربه وأتباعه كما سيأتي
وهذه الأقوال كلها ضعيفة والذي حمل قائلها عليها استشكالهم إضافة آل إلى يس واسمه إلياس وإلياسين ورأوها في المصحف مفصولة وقد قرأها بعض القراء آل ياسين فقال طائفة منهم له أسماء يس وإلياسين وإلياس وقالت طائفة يس اسم لغيره ثم اختلفوا فقال الكلبي يس محمد سلم الله على آله وقالت طائفة هو القرآن وهذا كله تعسف ظاهر لا حاجة إليه والصواب والله أعلم في ذلك أن أصل الكلمة آل ياسين كآل إبراهيم فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال ودلالة الاسم على موضع المحذوف وهذا كثير في كلامهم إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها فحذفوا منها ما لا إلباس في حذفه وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه الأمثال ولهذا لا يحذفون النون من إني وأني وكأني ولكني ولا يحذفونها من ليتني ولما كانت اللام في لعل شبيهة بالنون حذفوا النون معها ولا سيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي وتغييرها له فيقولون مرة إلياسين ومرة إلياس ومرة ياسين وربما قالوا ياس ويكون على إحدى القراءتين قد وقع على المسلم عليه وعلى القراءة الأخرى على آله

(1/208)


وعلى هذا ففصل النزاع بين أصحاب القولين في الآل أن الآل إن أفرد دخل فيه المضاف إليه كقوله تعالى أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر 46 ولا ريب في دخوله في آله هنا
وقوله تعالى ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين الأعراف 130 ونظائره
وقول النبي اللهم صل على آل أبي أوفى ولا ريب في دخول أبي أوفى نفسه في ذلك وقوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم هذه أكثر روايات البخاري وإبراهيم هنا داخل في آله ولعل هذا مراد من قال آل الرجل نفسه
وأما إن ذكر الرجل ثم ذكر آله لم يدخل فيهم ففرق بين المجرد والمقرون فإذا قلت أعط لزيد وآل زيد لم يكن زيد هنا داخلا في آله وإذا قلت أعطه لآل زيد تناول زيدا وآله وهذا له نظائر كثيرة قد ذكرناها في غير هذا الموضع وهي أن اللفظ تختلف دلالته بالتجريد والاقتران كالفقير والمسكين هما صنفان إذا قرن بينهما وصنف واحد إذا أفرد كل منهما ولهذا كانا في الزكاة صنفين وفي الكفارات صنف واحد وكالإيمان والإسلام والبر والتقوى والفحشاء والمنكر والفسوق والعصيان ونظائر ذلك كثيرة ولا سيما في القرآن

(1/209)


فصل
واختلف في آل النبي على أربعة أقوال
فقيل هم الذين حرمت عليهم الصدقة وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء
أحدها أنهم بنو هاشم وبنو المطلب وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه
والثاني أنهم بنو هاشم خاصة وهذا مذهب أبي حنيفة والرواية الثانية عن أحمد واختيار ابن القاسم صاحب مالك
والثالث أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب فيدخل فيهم بنو المطلب وبنو أمية وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بني غالب وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك حكاه صاحب - الجواهر - عنه وحكاه اللخمي في التبصرة عن أصبغ ولم يحكه عن أشهب
وهذا القول في الآل أعني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي والقول الثاني أن آل النبي هم ذريته وأزواجه خاصة حكاه ابن عبد البر في التمهيد قال في

(1/210)


باب عبد الله بن أبي بكر في شرح حديث أبي أحمد حميد الساعدي استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم وأزواجه وذريته خاصة لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر وفي غير ما حديث
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وفي هذا الحديث يعني حديث أبي حميد اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته قالوا فهذا تفسير ذلك الحديث ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته قالوا فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد ومن ذريته صلى الله عليك إذا واجهه وصلى الله عليه إذا غاب عنه ولا يجوز ذلك في غيرهم
قالوا والآل والأهل سواء وآل الرجل وأهله سواء وهم الأزواج والذرية بدليل هذا الحديث
والقول الثالث أن آله اتباعه إلى يوم القيامة حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ذكره البيهقي عنه ورواه عنه سفيان الثوري وغيره واختاره بعض أصحاب الشافعي حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه ورجحه الشيخ محيي الدين النواوي في شرح مسلم واختاره الأزهري
والقول الرابع أن آله هم الأتقياء من أمته حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة

(1/211)


فصل
في ذكر حجج هذه الأقوال وتبيين ما فيها من الصحيح والضعيف
فأما القول الأول وهو أن الآل من تحرم عليهم الصدقة على ما فيهم من الاختلاف فحجته من وجوه
أحدها ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله يؤتى بالنخل عند صرامه فيجيء هذا بتمرة وهذا بتمرة حتى يصير عنده كوم من تمر فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه فنظر إليه رسول الله فأخرجها من فيه فقال أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة
ورواه مسلم وقال إنا لا تحل لنا الصدقة
الثاني ما رواه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال قام رسول الله يوما خطيبا فينا بماء يدعى خما بين مكة

(1/212)


والمدينة فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي عز و جل وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله عز و جل فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه وقال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال حصين بن سبرة ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال إن نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال ومن هم قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال أكل هؤلاء حرم عليهم الصدقة قال نعم
وقد ثبت أن النبي قال إن الصدقة لا تحل لآل محمد
الدليل الثالث ما في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة رضي الله عنها أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي مما أفاء الله على رسوله فقال أبو بكر رضي الله عنه إن رسول الله قال لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل
فآله لهم خواص منها حرمان الصدقة ومنها أنهم

(1/213)


لا يرثونه ومنها استحقاقهم خمس الخمس ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم
وقد ثبت أن تحريم الصدقة واستحقاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه فكذلك الصلاة على آله
الدليل الرابع ما رواه مسلم من حديث ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث قال لعبد المطلب بن ربيعة وللفضل بن العباس رضي الله عنهما ائتيا رسول الله فقولا له استعملنا يا رسول الله على الصدقات فذكر الحديث وفيه فقال لنا إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد
الدليل الخامس ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أن النبي أمر بكبش اقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فذكر الحديث وقال فيه فأخذ النبي الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به

(1/214)


هكذا رواه مسلم بتمامه وحقيقه العطف المغايرة وأمته أعم من آله
قال أصحاب هذا القول وتفسير الآل بكلام النبي أولى من تفسيره بكلام غيره

(1/215)


فصل
وأما القول الثاني أنهم ذريته وأزواجه خاصة فقد تقدم احتجاج ابن عبد البر له في حديث أبي حميد اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته وفي غيره من الأحاديث اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وهذا غايته أن يكون الأول منهما قد فسره اللفظ الآخر
واحتجوا أيضا بما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا
ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة لم تنل كل بني هاشم ولا بني المطلب لأنه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجدة وإلى الآن وأما أزواجه وذريته فكان رزقهم قوتا وما كان يحصل لأزواجه بعده من الأموال كن يتصدقن به ويجعلن رزقهن قوتا وقد جاء عائشة رضي الله عنها مال عظيم فقسمته كله في قعدة واحدة فقالت لها الجارية لو خبأت لنا درهما نشتري به لحما فقالت لها لو ذكرتني فعلت

(1/216)


واحتجوا أيضا بما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عز و جل
قالوا ومعلوم أن العباس وأولاده وبني المطلب لم يدخلوا في لفظ عائشة ولا مرادها
قال هؤلاء وإنما دخل الأزواج في الآل وخصوصا أزواج النبي تشبيها لذلك بالسبب لأن اتصالهن بالنبي غير مرتفع وهن محرمات على غيره في حياته وبعد مماته وهن زوجاته في الدنيا والآخرة فالسبب الذي لهن بالنبي قائم مقام النسب
وقد نص على الصلاة عليهن ولهذا كان القول الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد رحمه الله أن الصدقة تحرم عليهم لأنها أوساخ الناس وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم ويا لله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا وقوله في الأضحية اللهم هذا عن محمد وآل محمد
وفي قول عائشة رضي الله عنها ما شبع آل رسول الله من خبز بر
وفي قول المصلى اللهم صل على محمد وعلى آل

(1/217)


محمد ولا يدخلن في قوله إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد مع كونها من أوساخ الناس فأزواج رسول الله أولى بالصيانة عنها والبعد منها
فإن قيل لو كانت الصدقة حراما عليهم لحرمت على مواليهن كما أنها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم
وقد ثبت في - الصحيح - أن بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته ولم يحرمه النبي وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها
قيل هذا هو شبهة من أباحها لأزواج النبي
وجواب هذه الشبهة أن تحريم الصدقة على أزواج النبي ليس بطريق الأصالة وإنما هو تبع لتحريمها عليه وإلا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به فهن فرع في هذا التحريم والتحريم على المولى فرع التحريم على سيده فلما كان التحريم على بني هاشم أصلا استتبع ذلك مواليهم ولما كان التحريم على أزواج النبي تبعا لم يقو ذلك على استتباع مواليهن لأنه فرع عن فرع
قالوا وقد قال الله تعالى يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها

(1/218)


مرتين واعتدنا لها رزقا كريما يا نساء النبي لستن كاحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة الأحزاب 30 34 فدخلن في أهل البيت لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن فلا يجوز إخراجهن في شيء منه

(1/219)


فصل
وأما القول الثالث وهو أن آل النبي أمته وأتباعه إلى يوم القيامة
فقد احتج له بأن آل المعظم المتبوع هم أتباعه على دينه وأمره قريبهم وبعيدهم
قالوا واشتقاق هذه اللفظة تدل عليه فإنه من آل يؤول إذا رجع ومرجع الأتباع إلى متبوعهم لأنه إمامهم وموئلهم
قالوا ولهذا كان قوله تعالى إلا آل لوط نجيناهم بسحر القمر 34 المراد به أتباعه وشيعته المؤمنون به من أقاربه وغيرهم
وقوله تعالى أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر 46 المراد به أتباعه
واحتجوا أيضا بأن واثلة بن الأسقع روى أن النبي دعا حسنا وحسينا فأجلس كل واحد منهما على فخذه وأدنى فاطمة رضي الله عنها من حجرة وزوجها ثم لف عليهم ثوبه ثم قال اللهم هؤلاء أهلي قال واثلة فقلت يا رسول الله وأنا من

(1/220)


أهلك فقال وأنت من أهلي رواه البيهقي // بإسناد جيد //
قالوا ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بني ليث بن بكر بن عبد مناة وإنما هو من أتباع النبي

(1/221)


فصل
وأما أصحاب القول الرابع أن آله الأتقياء من أمته فاحتجوا بما رواه الطبراني في معجمه عن جعفر بن إلياس بن صدقة حدثنا نعيم بن حماد حدثنا نوح بن أبي مريم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سئل رسول الله من آل محمد فقال كل تقي وتلا رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أولياؤه إلا المتقون الأنفال 38
قال الطبراني لم يروه عن يحيى إلا نوح تفرد به نعيم
وقد رواه البيهقي من حديث عبد الله بن أحمد بن يونس حدثنا نافع أبو هرمز عن أنس فذكره ونوح هذا ونافع لا يحتج بهما أحد من أهل العلم وقد رميا بالكذب
واحتج لهذا القول أيضا بأن الله عز و جل قال لنوح عن ابنه إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح هود 46 فأخرجه بشركه أن يكون من أهله فعلم أن آل الرسول هم أتباعه
وأجاب عنه الشافعي رحمه الله بجواب جيد وهو أن

(1/222)


المراد أنه ليس من أهلك الذين أمرنا بحملهم ووعدناك نجاتهم لأن الله سبحانه قال له قبل ذلك احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول هود 40 فليس ابنه من أهله الذين ضمن نجاتهم
قلت ويدل على صحة هذا أن سياق الآية يدل على أن المؤمنين به قسم غير أهله الذين هم أهله لأنه قال سبحانه احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل وهم الأهل والاثنان من كل زوجين
واحتجوا أيضا بحديث واثلة بن الأسقع المتقدم قالوا وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به وكأنه جعل واثلة في حكم الأهل تشبيها بمن يستحق هذا الاسم
فهذا ما احتج به أصحاب كل قول من هذه الأقوال
والصحيح هو القول الأول ويليه القول الثاني واما الثالث والرابع فضعيفان لأن النبي قد رفع الشبهة بقوله إن الصدقة لا تحل لآل محمد
وقوله إنما يأكل آل محمد من هذا المال
وقوله اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعا فأولى ما حمل عليه الآل في الصلاة الآل المذكورون في سائر ألفاظه ولا يجوز العدول عن ذلك
وأما تنصيصه على الأزواج والذرية فلا يدل على اختصاص الآل بهم بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم لما روى أبو داود من حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة رضي الله عنه في

(1/223)


الصلاة على النبي اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه امهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم فجمع بين الأزواج والذرية والأهل وإنما نص عليهم بتعيينهم ليبين أنهم حقيقيون بالدخول في الآل وأنهم ليسوا بخارجين منه بل هم أحق من دخل فيه وهذا كنظائره من عطف الخاص على العام وعكسه تنبيها على شرفه وتخصيصا له بالذكر من بين النوع لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه وهنا للناس طريقان
أحدهما أن ذكر الخاص قبل العام أو بعده قرينة تدل على أن المراد به بالعام ما عداه
والطريق الثاني أن الخاص ذكر مرتين مرة بخصوصه ومرة بشمول الاسم العام له تنبيها على مزيد شرفه وهذا كقوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم الأحزاب 7
وقوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين البقرة 98
وأيضا فإن الصلاة على النبي حق له ولآله دون سائر الأمة ولهذا تجب عليه وعلى آله عند الشافعي رحمه الله وغيره كما سيأتي وإن كان عندهم في الآل اختلاف ومن لم يوجبها فلا ريب أنه يستحبها عليه وعلى آله ويكرهها أو لا يستحبها لسائر المؤمنين أو لا يجوزها على غير النبي وآله فمن قال إن آله في الصلاة كل الأمة فقد أبعد غاية الإبعاد

(1/224)


وأيضا فإن النبي شرع في التشهد السلام والصلاة فشرع في السلام تسليم المصلي على الرسول أولا وعلى نفسه ثانيا وعلى سائر عباد الله الصالحين ثالثا
وقد ثبت عن النبي أنه قال فإذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه وعلى آله فقط فدل على أن آله هم أهله وأقاربه
وأيضا فإن الله سبحانه أمرنا بالصلاة عليه بعد ذكر حقوقه وما خصه به دون أمته من حل نكاحه لمن تهب نفسها له ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة بعده ومن سائر ما ذكر مع ذلك من حقوقه وتعظيمه وتوقيره وتبجيله
ثم قال تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما الأحزاب 53 ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عليهن وخلوتهم بهن ثم عقب ذلك بما هو حق من حقوقه الأكيدة على أمته وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم مستفتحا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يصلون عليه فسأل الصحابة رسول الله على أي صفة يؤدون هذا الحق فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها لأن ذلك

(1/225)


مما تقر به عينه ويزيده الله به شرفا وعلوا صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما
وأما من قال إنهم الأتقياء من أمته فهؤلاء هم أولياؤه فمن كان منهم من أقربائه فهو من أوليائه ومن لم يكن منهم من أقربائه فهم من أوليائه لا من آله فقد يكون الرجل من آله وأوليائه كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه ولا يكون من آله ولا من أوليائه وقد يكون من أوليائه وإن لم يكن من آله كخلفائه في أمته الداعين إلى سنته الذابين عنه الناصرين لدينه وإن لم يكن من أقاربه
وثبت في الصحيح عن النبي أنه قال إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إن أوليائي المتقون اين كانوا ومن كانوا
وغلط بعض الرواة في هذا الحديث وقال إن آل أبي بياض والذي غر هذا أن في الصحيح إن آل أبي ليسوا لي بأولياء وأخلى بياضا بين أبي وبين ليسوا فجاء بعض النساخ فكتب على ذلك الموضع بياض يعني أنه كذا وقع فجاء آخر فظن أن بياض هو المضاف إليه فقال أبي بياض ولا يعرف في العرب أبو بياض والنبي لم يذكر ذلك وإنما سمى قبيلة كبيرة من قبائل قريش والصواب لمن قرأها في ذلك النسخ أن يقرأها إن آل

(1/226)


أبي بياض بضم الضاد من بياض لا بجرها والمعنى وثم بياض أو هنا بياض
ونظير هذا ما وقع في كتاب مسلم في حديث جابر الطويل ونحن يوم القيامة أي فوق كذا انظر وهذه الألفاظ لا معنى لها هنا أصلا وإنما هي من تخليط النساخ والحديث بهذا السند والسياق في مسند الإمام أحمد ونحن يوم القيامة على كوم أو تل فوق الناس فاشتبه على الناسخ التل أو الكوم ولم يفهم ما المراد فكتب على الهامش انظر وكتب هو أو غيره كذا فجاء آخر فجمع بين ذلك كله وأدخله في متن الحديث سمعته من شيخنا أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله
والمقصود أن المتقين هم أولياء رسول الله وأولياؤه هم أحب إليه من آله
قال الله تعالى وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير التحريم 4
وسئل النبي أي الناس أحب إليك قال عائشة

(1/227)


رضي الله عنها قيل من الرجال قال أبوها رضي الله عنه // متفق عليه //
وذلك أن المتقين هم أولياء الله كما قال تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون يونس 62 63 وأولياء الله سبحانه وتعالى أولياء لرسوله
وأما من زعم أن الآل هم الأتباع فيقال لا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ الآل في بعض المواضع بقرينة ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ الآل يراد به الأتباع لما ذكرنا من النصوص والله أعلم

(1/228)


فصل
وأما الأزواج فجمع زوج وقد يقال زوجة والأول أفصح وبها جاء القرآن
قال تعالى يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة البقرة 35
وقال تعالى في حق زكريا عليه السلام وأصلحنا له زوجه الأنبياء 90
ومن الثاني قول ابن عباس رضي الله عنهما في عائشة رضي الله عنها إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة
وقال الفرزدق
وإن الذي يبغي ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
وقد يجمع على زوجات وهذا إنما هو جمع زوجة وإلا فجمع زوج أزواج
قال تعالى هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون يس 56

(1/229)


وقال تعالى أنتم وأزواجكم تحبرون الزخرف 70
وقد وقع في القرآن الإخبار عن أهل الإيمان بلفظ الزوج مفردا وجمعا كما تقدم
وقال تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم الأحزاب 6
وقال تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك الأحزاب 59
والإخبار عن أهل الشرك بلفظ المرأة
قال تعالى تبت يدا أبي لهب إلى قوله وامرأته حمالة الحطب المسد 1 4
وقال تعالى ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط التحريم 10 فلما كانتا مشركتين أوقع عليهما اسم المرأة وقال في فرعون وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون التحريم 11 لما كان هو المشرك وهي مؤمنة لم يسمها زوجا له
وقال في حق آدم اسكن أنت وزوجك الجنة
وقال للنبي إنا أحللنا لك أزواجك الأحزاب 50
وقال في حق المؤمنين ولهم فيها أزواج مطهرة البقرة 25
فقالت طائفة منهم السهيلي وغيره إنما لم يقل في حق هؤلاء الأزواج لأنهن لسن بأزواج لرجالهم في الآخرة ولأن التزويج حلية شرعية وهو من أمر الدين فجرد الكافرة منه كما جرد منها امرأة نوح وامرأة لوط

(1/230)


ثم أورد السهيلي على نفسه قول زكريا عليه السلام وكانت امرأتي عاقرا مريم 5
وقوله تعالى عن إبراهيم فأقبلت امرأته في صرة الذاريات 29
وأجاب بأن ذكر المرأة أليق في هذه المواضع لأنه في سياق ذكر الحمل والولادة فذكر المرأة أولى به لأن الصفة التي هي الأنوثة هي المقتضية للحمل والوضع لا من حيث كانت زوجا
قلت ولو قيل إن السر في ذكر المؤمنين ونسائهم بلفظ الأزواج أن هذا اللفظ مشعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران كما هو المفهوم من لفظه فإن الزوجين هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان أو المتساويان ومنه قوله تعالى احشروا الذين ظلموا وأزواجهم الصافات 22
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أزواجهم أشباههم ونظراؤهم
وقاله الإمام أحمد أيضا
ومنه قوله تعالى وإذا النفوس زوجت التكوير 7 أي قرن بين كل شكل وشكله في النعيم والعذاب
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الآية الصالح مع الصالح في الجنة والفاجر مع الفاجر في النار
وقاله الحسن وقتادة والأكثرون
وقيل زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين وأنفس الكافرين بالشياطين وهو راجع إلى القول الأول

(1/231)


قال تعالى ثمانية أزواج الأنعام 143 ثم فسرها من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين الأنعام 143 144 فجعل الزوجين هما الفردان من نوع واحد
ومنه قولهم زوجا خف وزوجا حمام ونحوه
ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى قطع المشابهة والمشاكلة بين الكافر والمؤمن
قال تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة الحشر 20
وقال تعالى في حق مؤمني أهل الكتاب وكافرهم ليسوا سواء من أهل الكتاب الآية آل عمران 113 وقطع المقارنة سبحانه بينهما في أحكام الدنيا فلا يتوارثان ولا يتناكحان ولا يتولى أحدهما صاحبه فكما انقطعت الوصلة بينهما في المعنى انقطعت في الاسم فأضاف فيها المرأة بلفظ الأنوثة المجرد دون لفظ المشاكلة والمشابهة
وتأمل هذا المعنى تجده أشد مطابقة لألفاظ القرآن ومعانيه ولهذا وقع على المسلمة امرأة الكافر وعلى الكافرة امرأة المؤمن لفظ المرأة دون الزوجة تحقيقا لهذا المعنى والله أعلم
وهذا أولى من قول من قال إنما سمى صاحبة أبي لهب امرأته ولم يقل لها زوجته لأن أنكحة الكفار لا يثبت لها حكم الصحة بخلاف أنكحة أهل الإسلام فإن هذا باطل بإطلاقه اسم المرأة على امرأة نوح وامرأة لوط مع صحة ذلك النكاح

(1/232)


وتأمل في هذا المعنى في آية المواريث وتعليقه سبحانه التوارث بلفظ الزوجة دون المرأة كما في قوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم النساء 12 إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب فلا يقع بينهما التوارث
وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين

(1/233)


فصل
وهذاأليق المواضع بذكر أزواجه
وأولاهن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب تزوجها بمكة وهو ابن خمس وعشرين سنة وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته فآمنت به ونصرته فكانت له وزير صدق وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في الأصح وقيل بأربع وقيل بخمس ولها خصائص رضي الله عنها
منها أنه لم يتزوج عليها غيرها
ومنها أن أولاده كلهم منها إلا إبراهيم عليه السلام فإنه من سريته مارية
ومنها أنها خير نساء الأمة
واختلف في تفضيلها على عائشة رضي الله عنها على ثلاثة أقوال ثالثها الوقف وسألت شيخنا ابن تيمية رحمه الله فقال اختص كل واحدة منها بخاصة فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام وكانت تسلي رسول الله وتثبته وتسكنه وتبذل دونه

(1/234)


مالها فأدركت عزة الإسلام واحتملت الأذى في الله وفي رسوله وكانت نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها وعائشة رضي الله عنها تأثيرها في آخر الإسلام فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة وانتفاع نبيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها هذا معنى كلامه
قلت ومن خصائصها أن الله سبحانه بعث إليها السلام مع جبريل عليه السلام فبلغها رسول الله ذلك
قال البخاري في صحيحه حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتى جبريل النبي فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب وهذه لعمر الله خاصة لم تكن لسواها
وأما عائشة رضي الله عنها فإن جبريل عليه السلام سلم عليها على لسان النبي

(1/235)


قال البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال أبو سلمة إن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله يوما يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام فقالت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى ما لا أرى تريد رسول الله
ومن خواص خديجة رضي الله عنها أنها لم تسؤه قط ولم تغاضبه ولم ينلها منه إيلاء ولا عتب قط ولا هجر وكفى به منقبة وفضيلة
ومن خواصها أنها أول امرأة آمنت بالله ورسوله من هذه الأمة

(1/236)


فصل
فلما توفاها الله سبحانه وتعالى تزوج بعدها سودة بني زمعة رضي الله عنها وهي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي كبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لعائشة رضي الله عنها فأمسكها وهذا من خواصها أنها آثرت بيومها حب رسول الله تقربا إلى رسول الله وحبا له وإيثارا لمقامها معه فكان يقسم لنسائه ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله رضي الله عنها
وتزوج الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين وقيل بثلاث وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى وهي بنت تسع

(1/237)


ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة وتوفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع وأوصت أن يصلي عليها أبو هريرة رضي الله عنه سنة ثمان وخمسين
ومن خصائصها أنها كانت أحب أزواج رسول الله إليه كما ثبت عنه ذلك في البخاري وغيره وقد سئل أي الناس أحب إليك قال عائشة قيل فمن الرجال قال أبوها
ومن خصائصها أيضا أنه لم يتزوج امرأة بكرا غيرها
ومن خصائصها أنه كان ينزل عليه الوحي وهو في لحافها دون غيرها
ومن خصائصها أن الله عز و جل لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها فقال ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك فقالت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه وقلن كما قالت
ومن خصائصها أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وحيا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة وشهد لها بأنها من الطيبات ووعدها

(1/238)


المغفرة والرزق الكريم وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرا لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرا لها ولا عائبا لها ولا خافضا من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكرا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيا لها من منقبة ما أجلها
وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله رؤيا يبرئني الله بها
فهذه صديقة الأمة وأم المؤمنين وحب رسول الله وهي تعلم أنها بريئة مظلومة وأن قاذفيها ظالمون لها مفترون عليها قد بلغ أذاهم إلى أبويها وإلى رسول الله وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها فما ظنك بمن صام يوما أو يومين أو شهرا أو شهرين وقام ليلة أو ليلتين فظهر عليه شيء من الأحوال ولاحظوا بعين استحقاق الكرامات والمكاشفات والمخاطبات والمنازلات وإجابة الدعوات وأنهم ممن يتبرك بلقائهم ويغتنم صالح دعائهم وأنهم يجب على الناس احترامهم وتعظيمهم وتعزيرهم وتوقيرهم فيتمسح بأثوابهم ويقبل ثرى أعتابهم وأنهم من الله بالمكانة التي ينتقم لهم لأجلها ممن تنقصهم في الحال وأن يؤخذ ممن أساء الأدب عليهم من

(1/239)


غير إمهال وأن إساءة الأدب عليهم ذنب لا يكفره شيء إلا رضاهم ولو كان هذا من وراء كفاية لهان ولكن من وراء تخلف وهذه الحماقات والرعونات نتائج الجهل الصميم والعقل غير المستقيم فإن ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه غافل عن جرمه وذنوبه مغتر بإمهال الله تعالى له عن أخذه بما هو فيه من الكبر والإزراء على من لعله عند الله عز و جل خير منه
نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة وينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيما وهو عند الله حقير
ومن خصائصها رضي الله عنها أن الأكابر من الصحابة رضي الله عنهم كان إذا أشكل عليهم أمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها
ومن خصائصها أن رسول الله توفي في بيتها وفي يومها وبين سحرها ونحرها ودفن في بيتها
ومن خصائصها أن الملك أرى صورتها للنبي قبل أن يتزوجها في سرقة حرير فقال النبي إن يكن هذا من عند الله يمضه

(1/240)


ومن خصائصها أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يومها من رسول الله تقربا إلى الرسول فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه رضي الله عنهن أجمعين وتكنى أم عبد الله وروي أنها أسقطت من النبي سقطا ولا يثبت ذلك
وتزوج رسول الله حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وكانت قبله عند خنيس بن حذافة وكان من أصحاب رسول الله وممن شهد بدرا توفيت سنة سبع وقيل ثمان وعشرين
ومن خصائصها ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في السيرة أن النبي طلقها فأتاه جبريل فقال إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة
وقال الطبراني في المعجم الكبير حدثنا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى حدثنا جدي حرملة حدثنا ابن وهب حدثني عمرو بن صالح الحضرمي عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر أن النبي طلق حفصة فبلغ ذلك

(1/241)


عمر بن الخطاب رضي الله عنه فوضع التراب على رأسه وقال ما يعبأ الله بابن الخطاب بعد هذا فنزل جبريل عليه السلام على النبي فقال إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر رضي الله تعالى عنه
وتزوج رسول الله أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة بنت صخر بن حرب بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر بالحبشة وأتم الله لها الإسلام وتزوجها رسول الله وهي بأرض الحبشة وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار // إسناده صحيح // وبعث رسول الله عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يخطبها وولي نكاحها عثمان بن عفان وقيل خالد بن سعيد بن العاص
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه قال كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي ثلاث خلال أعطنيهن قال نعم قال عندي أحسن

(1/242)


العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم وتؤمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال نعم
قال أبو زميل ولولا أنه طلب ذلك من النبي ما أعطاه ذلك لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا قال نعم
وقد أشكل هذا الحديث على الناس فإن أم حبيبة تزوجها رسول الله قبل إسلام أبي سفيان كما تقدم زوجها إياه النجاشي ثم قدمت على رسول الله قبل أن يسلم أبوها فكيف يقول بعد الفتح أزوجك أم حبيبة فقالت طائفة هذا الحديث كذب لا أصل له قال ابن حزم كذبه عكرمة بن عمار وحمل عليه
واستعظم ذلك آخرون وقالوا أنى يكون في صحيح مسلم حديث موضوع وإنما وجه الحديث أنه طلب من النبي أن يجدد له العقد على ابنته ليبقى له وجه بين المسلمين وهذا ضعيف فإن في الحديث أن النبي وعده وهو الصادق الوعد ولم ينقل أحد قط أنه جدد العقد على أم حبيبة ومثل هذا لو كان لنقل ولو نقل واحد عن واحد فحيث لم ينقله أحد قط علم أنه لم يقع ولم يزد القاضي عياض على استشكاله فقال والذي وقع في مسلم من هذا غريب جدا عند أهل الخبر وخبرها مع أبي سفيان عند وروده إلى المدينة بسبب تجديد الصلح ودخوله عليها مشهور

(1/243)


وقالت طائفة ليس الحديث بباطل وإنما سأل أبو سفيان النبي أن يزوجه ابنته الأخرى عزة أخت أم حبيبة قالوا ولا يبعد أن يخفى هذا على أبي سفيان لحداثة عهده بالإسلام وقد خفي هذا على ابنته أم حبيبة حتى سألت رسول الله أن يتزوجها فقال إنها لا تحل لي فأراد أن يزوج النبي ابنته الأخرى فاشتبه على الراوي وذهب وهمه إلى أنها أم حبيبة وهذه التسمية من غلط بعض الرواة لا من قول أبي سفيان لكن يرد هذا أن النبي قال نعم وأجابه إلى ما سأل فلو كان المسؤول أن يزوجه أختها لقال إنها لا تحل لي كما قال ذلك لأم حبيبة ولولا هذا لكان التأويل في الحديث من احسن التأويلات
وقالت طائفة لم يتفق أهل النقل على أن النبي تزوج أم حبيبة رضي الله تعالى عنها وهي بأرض الحبشة بل قد ذكر بعضهم أن النبي تزوجها بالمدينة بعد قدومها من الحبشة حكاه أبو محمد المنذري وهذا من أضعف الأجوبة لوجوه
أحدها أن هذا القول لا يعرف به أثر صحيح ولا حسن ولا حكاه أحد ممن يعتمد على نقله
الثاني أن قصة تزويج أم حبيبة وهي بأرض الحبشة قد جرت مجرى التواتر كتزويجه خديجة بمكة وعائشة بمكة وبنائه بعائشة بالمدينة وتزويجه حفصة بالمدينة وصفية عام خيبر وميمونة في عمرة القضية ومثل هذه الوقائع شهرتها عند أهل العلم موجبة لقطعهم بها فلو جاء سند ظاهره الصحة يخالفها عدوه غلطا ولم يلتفتوا إليه ولا يمكنهم مكابرة نفوسهم في ذلك
الثالث أنه من المعلوم عند أهل العلم بسيرة النبي

(1/244)


وأحواله أنه لم يتأخر نكاح أم حبيبة إلى بعد فتح مكة ولا يقع ذلك في وهم أحد منهم أصلا
الرابع أن أبا سفيان لما قدم المدينة دخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله طوته عنه فقال يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني قالت بل هو فراش رسول الله قال والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر وهذا مشهور عند أهل المغازي والسير
الخامس أن أم حبيبة كانت من مهاجرات الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش ثم تنصر زوجها وهلك بأرض الحبشة ثم قدمت هي على رسول الله من الحبشة وكانت عنده ولم تكن عند أبيها وهذا مما لا يشك فيه أحد من أهل النقل ومن المعلوم أن أباها لم يسلم إلا عام الفتح فكيف يقول عندي أجمل العرب أزوجك إياها وهل كانت عنده بعد هجرتها وإسلامها قط فإن كان قال له هذا القول قبل إسلامه فهو محال فإنها لم تكن عنده ولم يكن له ولاية عليها أصلا وإن كان قاله بعد إسلامه فمحال أيضا لأن نكاحها لم يتأخر إلى بعد الفتح
فإن قيل بل يتعين أن يكون نكاحها بعد الفتح لأن الحديث الذي رواه مسلم صحيح وإسناده ثقات حفاظ وحديث نكاحها وهي بأرض الحبشة من رواية محمد بن إسحاق مرسلا والناس مختلفون في الاحتجاج بمسانيد ابن إسحاق فكيف بمراسيله فكيف بها إذا خالفت المسانيد الثانية وهذه طريقة لبعض المتأخرين في تصحيح حديث ابن عباس هذا

(1/245)


فالجواب من وجوه
أحدها أن ما ذكره هذا القائل إنما يمكن عند تساوي النقلين فيرجح بما ذكره وأما مع تحقيق بطلان أحد النقلين وتيقنه فلا يلتفت إليه فإنه لا يعلم نزاع بين اثنين من أهل العلم بالسير والمغازي وأحوال رسول الله أن نكاح أم حبيبة لم يتأخر إلى بعد الفتح ولم يقله أحد منهم قط ولو قاله قائل لعلموا بطلان قوله ولم يشكوا فيه
الثاني أن قوله إن مراسيل ابن إسحاق لا تقاوم الصحيح المسند ولا تعارضه فجوابه أن الاعتماد في هذا ليس على رواية ابن إسحاق وحده لا متصله ولا مرسله بل على النقل المتواتر عند أهل المغازي والسير وذكرها أهل العلم واحتجوا على جواز الوكالة في النكاح
قال الشافعي في رواية الربيع في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله قال إذا نكح الوليان فالأول أحق قال فيه دلالة على أن الوكالة في النكاح جائزة مع توكيل النبي عمرو بن أمية الضمري فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان
وقال الشافعي في كتابه الكبير أيضا رواية الربيع ولا يكون الكافر وليا لمسلمة وإن كانت بنته قد زوج ابن سعيد بن العاص النبي أم حبيبة بنت أبي سفيان وابو سفيان حي لأنها كانت مسلمة وابن سعيد مسلم ولا أعلم مسلما أقرب لها منه

(1/246)


ولم يكن لأبي سفيان فيها ولاية لأن الله قطع الولاية بين المسلمين والمشركين والمواريث والعقل وغير ذلك وابن سعيد هذا الذي ذكره الشافعي هو خالد بن سعيد بن العاص ذكره ابن إسحاق وغيره وذكر عروة والزهري أن عثمان بن عفان رضي الله عنه هو الذي ولي نكاحها وكلاهما ابن عم ابيها لأن عثمان هو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية وخالد هو ابن سعيد بن العاص بن أمية وابو سفيان هو ابن حرب بن أمية
والمقصود أن أئمة الفقه والسير ذكروا أن نكاحها كان بأرض الحبشة وهذا يبطل وهم من توهم أنه تأخر إلى بعد الفتح اغترارا منه بحديث عكرمة ابن عمار
الثالث أن عكرمة بن عمار راوي حديث ابن عباس هذا قد ضعفه كثير من أئمة الحديث منهم يحيى بن سعيد الأنصاري قال ليست أحاديثه بصحاح وقال الإمام أحمد أحاديثه ضعاف وقال أبو حاتم عكرمة هذا صدوق وربما وهم وربما دلس وإذا كان هذا حال عكرمة فلعله دلس هذا الحديث عن غير حافظ أو غير ثقة فإن مسلما في صحيحه رواه عن عباس بن عبد العظيم عن النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس هكذا معنعنا ولكن قد رواه الطبراني في معجمه فقال حدثنا محمد بن محمد الجذوعي حدثنا العباس ابن عبد العظيم حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا أبو زميل قال حدثني ابن عباس فذكره
وقال أبو الفرج بن الجوزي في هذا الحديث هو وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد وقد اتهموا به عكرمة بن عمار

(1/247)


راوي الحديث قال وإنما قلنا إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش وولدت له وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ثم تنصر وثبتت أم حبيبة على دينها فبعث رسول الله إلى النجاشي يخطبها عليه فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله أربعة آلاف درهم وذلك في سنة سبع من الهجرة وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فثنت بساط رسول الله حتى لا يجلس عليه ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ولا يعرف أن رسول الله أمر أبا سفيان آخر كلامه
وقال أبو محمد بن حزم هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار ولم يختلف في أن رسول الله تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر
فإن قيل لم ينفرد عكرمة بن عمار بهذا الحديث بل قد توبع عليه فقال الطبراني في معجمه حدثنا علي بن سعيد الرازي حدثنا محمد بن حليف بن مرسال الخثعمي قال حدثني عمي إسماعيل بن مرسال عن أبي زميل الحنفي قال حدثني ابن عباس قال كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يفاتحونه فقال يا رسول الله ثلاث أعطنيهن الحديث
فهذا إسماعيل بن مرسال قد رواه عن أبي زميل كما رواه عنه عكرمة بن عمار فبرئ عكرمة من عهدة التفرد

(1/248)


قيل هذه المتابعة لا تفيده قوة فإن هؤلاء مجاهيل لا يعرفون بنقل العلم ولا هم ممن يحتج بهم فضلا عن أن تقدم روايتهم على النقل المستفيض المعلوم عند خاصة أهل العلم وعامتهم فهذه المتابعة أن لم تزده وهنا لم تزده قوة وبالله التوفيق
وقالت طائفة منهم البيهقي والمنذري رحمهما الله تعالى يحتمل أن تكون مسألة أبي سفيان النبي أن يزوجه أم حبيبة وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة بأرض الحبشة والمسألة الثانية والثالثة وقعتا بعد إسلامه فجمعها الراوي
وهذا أيضا ضعيف جدا فان أبا سفيان إنما قدم المدينة آمنا بعد الهجرة في زمن الهدنة قبيل الفتح وكانت أم حبيبة إذ ذاك من نساء النبي ولم يقدم أبو سفيان قبل ذلك إلا مع الأحزاب عام الخندق ولولا الهدنة والصلح الذي كان بينهم وبين النبي لم يقدم المدينة فمتى قدم وزوج النبي أم حبيبة فهذا غلط ظاهر
وأيضا فإنه لا يصح أن يكون تزويجه إياها في حال كفره إذ لا ولاية له عليها ولا تأخر ذلك إلى بعد إسلامه لما تقدم فعلى التقديرين لا يصح قوله أزوجك أم حبيبة
وأيضا فإن ظاهر الحديث يدل على أن المسائل الثلاثة وقعت منه في وقت واحد وانه قال ثلاث أعطنيهن الحديث ومعلوم أن سؤاله تأميره واتخاذ معاوية كاتبا إنما يتصور بعد إسلامه فكيف يقال بل سأل بعض ذلك في حال كفره وبعضه وهو مسلم وسياق الحديث يرده

(1/249)


وقالت طائفة بل يمكن حمل الحديث على محمل صحيح يخرج به عن كونه موضوعا إذ القول بأن في - صحيح مسلم - حديثا موضوعا مما ليس يسهل قال وجهه أن يكون معنى ازوجكها ارضى بزواجك بها فإنه كان على رغم مني وبدون اختياري وان كان نكاحك صحيحا لكن هذا اجمل واحسن واكمل لما فيه من تأليف القلوب قال وتكون اجابة النبي ب نعم كانت تأنيسا ثم اخبره بعد بصحة العقد فإنه لا يشترط رضاك ولا ولاية لك عليها لاختلاف دينكما حالة العقد قال وهذا مما لا يمكن دفع احتماله وهذا مما لا يقوى أيضا
ولا يخفى شدة بعد هذا التأويل من اللفظ وعدم فهمه منه فإن قوله عندي اجمل العرب ازوجكها لا يفهم منه أحد أن زوجتك التي هي عصمة نكاحك ارضى بزواجك بها ولا يطابق هذا المعنى أن يقول له النبي نعم فإنه إنما سأل النبي أمرا تكون الإجابة اليه من جهته فأما رضاه بزواجه بها فأمر قائم بقلبه هو فكيف يطلبه من النبي
ولو قيل طلب منه أن يقره على نكاحه إياها وسمى اقراره نكاحا لكان مع فساده اقرب إلى اللفظ وكل هذه تأويلات مستكرهة في غاية المنافرة للفظ ولمقصود الكلام
وقالت طائفة كان أبو سفيان يخرج إلى المدينة كثيرا فيحتمل أن يكون جاءها وهو كافر أو بعد إسلامه حين كان النبي آلى من نسائه شهرا واعتزلهن فتوهم أن ذلك الايلاء طلاق كما توهمه عمر رضي الله عنه فظن وقوع الفرقة به فقال هذا القول للنبي متعطفا له ومتعرضا لعله يراجعها فأجابه

(1/250)


النبي ب نعم على تقدير إن امتد الايلاء أو وقع طلاق فلم يقع شيء من ذلك
وهذا أيضا في الضعف من جنس ما قبله ولا يخفى أن قوله عندي اجمل العرب واحسنه أزوجك إياها انه لا يفهم منه ما ذكر من شأن الايلاء ووقوع الفرقة به ولا يصح أن يجاب ب نعم ولا كان أبو سفيان حاضرا وقت الايلاء اصلا فإن النبي اعتزل في مشربة له حلف أن لا يدخل على نسائه شهرا وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستأذن عليه في الدخول مرارا فأذن له في الثالثة فقال اطلقت نساءك فقال لا فقال عمر الله اكبر واشتهر عند الناس انه لم يطلق نساءه واين كان أبو سفيان حينئذ
ورأيت للشيخ محب الدين الطبري كلاما على هذا الحديث قال في جملته يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك كله قبل إسلامه بمدة تتقدم على تاريخ النكاح كالمشترط ذلك في إسلامه ويكون التقدير ثلاث أن اسلمت تعطينيهن أم حبيبة ازوجكها ومعاوية يسلم فيكون كاتبا بين يديك وتؤمرني بعد اسلامي فأقاتل الكفار كما كنت اقاتل المسلمين
وهذا باطل أيضا من وجوه
أحدها قوله كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا

(1/251)


يقاعدونه فقال يا نبي الله ثلاث أعضيهن فيا سبحان الله هذا يكون قد صدر منه وهو بمكة قبل الهجرة أو بعد الهجرة وهو يجمع الأحزاب لحرب رسول الله أو وقت قدومه المدينة وام حبيبة عند النبي لا عنده فما هذا التكلف البارد وكيف يقول وهو كافر حتى اقاتل المشركين كما كنت اقاتل المسلمين وكيف ينكر جفوة المسلمين له وهو جاهد في قتالهم وحربهم واطفاء نور الله وهذه قصة اسلام أبي سفيان معروفة لا اشتراط فيها ولا تعرض لشيء من هذا
وبالجملة فهذه الوجوه وامثالها مما يعلم بطلانها واستكراهها وغثاثتها ولا تفيد الناظر فيها علما بل النظر فيها والتعرض لابطالها من منارات العلم والله تعالى اعلم بالصواب
فالصواب أن الحديث غير محفوظ بل وقع فيه تخليط والله اعلم
وهي التي اكرمت فراش رسول الله أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة وقالت انك مشرك ومنعته من الجلوس عليه
وتزوج رسول الله أم سلمة واسمها هند بنت أبي امية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الاسد توفيت سنة اثنين وستين ودفنت بالبقيع وهي آخر ازواج

(1/252)


رسول الله موتا وقيل بل ميمونة
ومن خصائصها أن جبريل دخل على النبي وهي عنده فرأته في صورة دحية الكلبي ففي صحيح مسلم عن أبي عثمان قال انبئت أن جبريل اتى النبي وعنده أم سلمة قال فجعل يتحدث ثم قام فقال نبي الله لام سلمة من هذا أو كما قال قالت هذا دحية الكلبي قالت وايم الله ما حسبته إلا اياه حتى سمعت خطبة نبي الله يخبر خبر جبريل أو كما قال
قال سليمان التيمي فقلت لابي عثمان ممن سمعت هذا الحديث قال من اسامة بن زيد
وزوجها ابنها عمر من رسول الله
وردت طائفة ذلك بأن ابنها لم يكن له من السن حينئذ ما يعقل به التزويج ورد الأمام احمد ذلك وانكر على من قاله ويدل على صحة قوله ما روى مسلم في صحيحه أن عمر بن أبي سلمة ابنها سأل رسول الله عن القبلة للصائم فقال سل هذه يعني أم سلمة فأخبرته أن رسول الله يفعله فقال يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال

(1/253)


رسول الله إما والله أني اتقاكم لله واخشاكم له أو كما قال
ومثل هذا لا يقال لصغير جدا وعمر ولد بأرض الحبشة قبل الهجرة
وقال البيهقي وقول من زعم انه كان صغيرا دعوى ولم يثبت صغره بإسناد صحيح وقول من زعم انه زوجها البنوة مقابل بقول من قال انه زوجها بأنه كان من بني اعمامها ولم يكن لها ولي هو اقرب منه اليها لانه عمر بن أبي سلمة بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وام سلمة هند بنت أبي امية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم
وقد قيل أن الذي زوجها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا ابنها لان في غالب الروايات قم يا عمر فزوج رسول الله وعمر بن الخطاب هو كان الخاطب
ورد بأن في النسائي فقالت لابنها عمر قم فزوج رسول الله
واجاب شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزي بأن الصحيح في هذا قم يا عمر فزوج رسول الله واما لفظ ابنها فوقعت من بعض الرواة لانه لما كان اسم ابنها عمر وفي الحديث قم يا عمر فزوج رسول الله ظن الراوي انه ابنها واكثر الروايات في المسند وغيره قم يا عمر من غير ذكر ابنها قال ويدل

(1/254)


على ذلك أن ابنها عمر كان صغير السن لانه قد صح عنه قال كنت غلاما في حجر النبي وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال النبي يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك وهذا يدل على صغر سنه حين كان ربيب النبي والله اعلم
وذكر ابن إسحاق أن الذي زوجها ابنها سلمة بن أبي سلمة والله أعلم
وتزوج رسول الله زينب بنت جحش من بني خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر وهي بنت عمته اميمة بنت عبد الملطب وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة وطلقها فزوجها الله تعالى اياه من فوق سبع سماوات وانزل عليه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها الأحزاب 37 فقام فدخل عليها بلا استئذان وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج رسول الله وتقول زوجكن اهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماواته وهذا من خصائصها توفيت بالمدينة سنة عشرين ودفنت بالبقيع رضي الله عنها
وتزوج رسول الله زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت

(1/255)


تحت عبد الله بن جحش تزوجها سنة ثلاث من الهجرة وكانت تسمى أم المساكين لكثرة اطعامها المساكين ولم تلبث عند رسول الله إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة وتوفيت رضي الله عنها
وتزوج رسول الله جويرية بنت الحارث من بني المصطلق وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها فقضى رسول الله كتابتها وتزوجها سنة ست من الهجرة وتوفيت سنة ست وخمسين وهي التي اعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق وقالوا اصهار رسول الله وكان ذلك من بركتها على قومها رضي الله عنها // إسناده صحيح //

(1/256)


وتزوج رسول الله صفية بنت حيي من ولد هارون بن عمران اخي موسى سنة سبع فإنها سبيت من خيبر وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق فقتله رسول الله توفيت سنة ست وثلاثين وقيل سنة خمسين
ومن خصائصها أن رسول الله اعتقها وجعل عتقها صداقها قال انس امهرها نفسها وصار ذلك سنة للامة إلى يوم القيامة انه يجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها وتصير زوجته على منصوص الأمام احمد رحمه الله
قال الترمذي حدثنا اسحاق بن منصور وعبد بن حميد قالا حدثنا عبد الرزاق اخبرنا معمر عن ثابت عن انس قال بلغ صفية أن حفصة قالت صفية بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي وهي تبكي فقال ما يبكيك قالت قالت لي حفصة أني ابنة يهودي فقال النبي انك لابنة نبي وان عمك لنبي وانك لتحت نبي فبم تفخر عليك ثم قال اتق الله يا حفصة قال الترمذي هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه

(1/257)


وهذا من خصائصها رضي الله عنها
وتزوج رسول الله ميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها بسرف وبنى بها بسرف وماتت بسرف وهو على سبعة اميال من مكة وهي آخر من تزوج من امهات المؤمنين توفيت سنة ثلاث وستين وهي خالة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فإن أمه أم الفضل بنت الحارث وهي خالة خالد بن الوليد أيضا وهي التي اختلفت في نكاح النبي هل نكحها حلالا أو محرما فالصحيح انه تزوجها حلالا كما قال أبو رافع السفير في نكاحها وقد بينت وجه غلط من قال نكحها محرما وتقديم حديث من

(1/258)


قال تزوجها حلالا على عشرة اوجه مذكورة في غير هذا الموضع
فهؤلاء جملة من دخل بهن من النساء وهن احدى عشرة
قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره وعقد على سبع ولم يدخل بهن
فالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهن وتحريمهن على الأمة وانهن نساؤه في الدنيا والاخرة فمن فارقها في حياتها ولم يدخل بها لا يثبت لها احكام زوجاته اللاتي دخل بهن ومات عنهن وعلى أزواجه وذريته وسلم تسليما

(1/259)


فصل
واما الذرية فالكلام فيها في مسألتين
المسألة الأولى في لفظها وفيها ثلاثة اقوال
أحدها إنها من ذرأ الله الخلق أي نشرهم واظهرهم إلا انهم تركوا همزها استثقالا فأصلها ذريئة بالهمز فعيلة من الذرء وهذا اختيار صاحب الصحاح وغيره
والثاني أن أصلها من الذر وهو النمل الصغار وكان قياس هذه النسبة ذرية بفتح الذال وبالياء لكنهم ضموا اوله وهمزوا آخره وهذا من باب تغيير النسب
وهذا القول ضعيف من وجوه منها مخالفة باب النسب ومنها إبدال الراء ياء وهو غير مقيس
ومنها أن لا اشتراك بين الذرية والذر إلا في الذال والراء واما في المعنى فليس مفهوم أحدهما مفهوم الآخر
ومنها أن الذر من المضاعف والذرية من المعتل أو المهموز فاحدهما غير الآخر
والقول الثالث إنها من ذرا يذرو إذا فرق من قوله تعالى

(1/260)


تذروه الرياح الكهف 45 واصلها على هذا ذريوه فعلية من الذرو ثم قلبت الواو ياء لسبق إحداهما بالسكون
والقول الأول اصح لان الاشتقاق والمعنى يشهدان له فإن اصل هذه المادة من الذرء
قال الله تعالى جعل لكم من انفسكم ازواجا ومن الأنعام ازواجا يذرؤكم فيه الشورى 11
وفي الحديث أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ
وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس الاعراف 179
وقال تعالى وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه النحل 13
فالذرية فعلية منه بمعنى مفعولة أي مذروءة ثم ابدلوا همزها فقالوا ذرية
المسألة الثانية في معنى هذه اللفظة
ولا خلاف بين أهل اللغة أن الذرية تقال على الأولاد الصغار وعلى الكبار أيضا
قال تعالى واذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني

(1/261)