صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ أبجد العلوم - القنوجي ]
الكتاب : أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم
المؤلف : صديق بن حسن القنوجي
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت ، 1978
تحقيق : عبد الجبار زكار
عدد الأجزاء : 3

وكانت كتابة العرب بدوية مثل كتابتهم أو قريبا من كتابتهم لهذا العهد أو نقول : إن كتابتهم لهذا العهد أحسن صناعة لأن هؤلاء أقرب إلى الحضارة ومخالطة الأمصار والدول
وأما مضر فكانوا أعرق في البدو أبعد عن الحضر من أهل اليمن وأهل العراق وأهل الشام ومصر فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة ولا إلى التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها

(1/158)


ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه و سلم - وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه كما يقتفي لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صوابا وأين نسبة ذلك من الصحابة فيا كتبوه فاتبع ذلك وأثبت رسما ونبه العلماء بالرسم على مواضعه ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط
وإن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل بل لكلها وجه ويقولون في مثل زيادة الألف في ( لا أذبحنه ) إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع وفي زيادة الياء في ( بأييد ) إنه تنبيه على كمال القدرة الربانية وأمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض وما حملهم ( 1 / 159 ) على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط وحسبوا أن الخط كمال فنزهوهم عن نقصه ونسبوا إليهم الكمال بإجادته وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه وذلك ليس بصحيح

(1/158)


واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية كما رأيته فيما مر والكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لأجل دلالته على ما في النفوس وقد كان - صلى الله عليه و سلم - أميا وكان ذلك كمالا في حقه وبالنسبة إلى مقامه لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران كلها وليست الأمية كمالا في حقنا نحن إذ هو منقطع إلى ربه ونحن متعاونون على الحياة الدنيا شأن الصنائع كلها حتى العلوم الاصطلاحية فإن الكمال في حقه هو تنزهه عنها جملة بخلافنا
ثم لما جاء الملك للعرب وفتحوا الأمصار وملكوا الممالك ونزلوا البصرة والكوفة واحتاجت الدولة إلى الكتابة استعملوا الخط وطلبوا صناعته وتعلمه وتداولوه فترقت الإجادة فيه واستحكم وبلغ في الكوفة والبصرة رتبة من الإتقان إلا أنها كانت دون الغاية والخط الكوفي معروف الرسم لهذا العهد

(1/159)


ثم انتشر العرب في الأقطار والممالك وافتتحوا إفريقية والأندلس واختط بنو العباس بغداد وترقت الخطوط فيها إلى الغاية لما استبحرت في العمران وكانت دار الإسلام ومركز الدولة العربية وكان الخط البغدادي معروف ( 1 / 160 ) الرسم وتبعه الإفريقي المعروف رسمه القديم لهذا العهد ويقرب من أوضاع الخط المشرقي وتحيز ملك الأندلس بالأمويين فتميزوا بأحوالهم من الحضارة والصنائع والخطوط فتميز صنف خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد
وطما بحر العمران والحضارة في الدول الإسلامية في كل قطر وعظم الملك ونفقت أسواق العلوم وانتسخت الكتب وأجيد كتبها وتجليدها وملئت بها القصور والخزائن الملوكية بما لا كفاء له وتنافس أهل الأقطار في ذلك وتناغوا فيه
ثم لما انحل نظام الدولة الإسلامية وتناقصت تناقص ذلك أجمع ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة فانتقل شأنها من الخط والكتابة بل والعلم إلى مصر والقاهرة فلم تزل أسواقه بها نافقة لهذا العهد وله بها معلمون يرسمون لتعليم الحروف بقوانين في وضعها وأشكالها متعارفة بينهم فلا يلبث المتعلم أن يحكم أشكال تلك الحروف على تلك الأوضاع ولقد لقنها حسا وحذق فيها دربه وكتابا وأخذها قوانين علمية فتجيء أحسن ما يكون

(1/159)


وأما أهل الأندلس فافترقوا في الأقطار عند تلاشي ملك العرب بها ومن خلفهم من البربر وتغلبت عليهم أمم النصرانية فانتشروا في عدوة المغرب وإفريقية من لدن الدول اللمتونية إلى هذا العهد وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع وتعلقوا بأذيال الدولة فغلب خطهم على الخط الإفريقي وعفى عليه ونسي خط القيروان والمهدية بنسيان عوائدهما وصنائعهما وصارت خطوط أهل إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس وما إليها لتوفر أهل الأندلس بها عند الجالية من شرق ( 1 / 161 ) الأندلس وبقي منه رسم ببلاد الجريد الذين لم يخالطوا كتاب الأندلس ولا تمرسوا بجوارهم إنما كان يفدون على دار الملك بتونس فصار خط أهل إفريقية من أحسن خطوط أهل الأندلس حتى إذا تقلص ظل الدولة الموحدية بعض الشيء وتراجع أمر الحضارة والترف بتراجع العمران نقص حينئذ حال الخط وفسدت رسومه وجهل فيه وجه التعليم بفساد الحضارة وتناقص العمران وبقيت فيه آثار الخط الأندلسي تشهد بما كان لهم من ذلك لما قيل من أن الصنائع إذا رسخت بالحضارة فيعسر محوها
وحصل في دولة بني مرين من بعد ذلك بالمغرب الأقصى لون من الخط الأندلسي لقرب جوارهم وسقوط من خرج منهم إلى فاس قريبا واستعمالهم إياهم سائر الدولة ونسي عهد الخط فيما بعد عن سدة الملك وداره كأنه لم يعرف فصارت الخطوط بإفريقية والمغربين مائلة إلى الرداءة بعيدة عن الجودة وصارت الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل لمتصفحها منها إلا العناء والمشقة لكثرة ما يقع فيها من الفساد والتصحيف وتغيير الأشكال الخطية عن الجودة حتى لا تكاد تقرأ إلا بعد عسر ووقع فيه ما وقع في سائر الصنائع بنقص الحضارة وفساد الدول والله أعلم

(1/160)


قف : إن الصنائع تكسب صاحبها عقلا وخصوصا الكتابة والحساب وذلك أن النفس الناطقة للإنسان إنما توجد فيه بالقوة وأن خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولا ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا فتكون ذاتا روحانية وتستكمل حينئذ وجودها . فوجب لذلك أن يكون كل نوع من العلم والنظر يفيدها عقلا فريدا والصنائع أبدا يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة
فلهذا كانت الحنكة ( 1 / 162 ) في التجربة تفيد عقلا والملكات الصناعية تفيد عقلا والحضارة الكاملة تفيد عقلا لأنها مجتمعة من صنائع في شأن تدبير المنزل ومعاشرة أبناء الجنس وتحصيل الآداب في مخالطتهم ثم القيام بأمور الدين واعتبار آدابها وشرائطها
وهذه كلها قوانين تنتظم علوما فيحصل منها زيادة عقل والكتابة من بين الصنائع أكثر إفادة لذلك لأنها تشتمل على العلوم والأنظار بخلاف سائر الصنائع . وبيانه أن في الكتابة انتقالا من الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية في الخيال ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في النفس ويكون ذلك دائما فيحل لها ملكة الانتقال من الأدلة إلى المدلولات وهو معنى النظر العقلي الذي يكسب العلوم المجهولة فيكسب بذلك ملكة من التعقل تكون زيادة عقل ويحصل به قوة فطنة وكيس في الأمور لما تعودوه من ذلك الانتقال
ولذلك قال كسرى في كتابه لما رآهم بتلك الفطنة والكيس ( ديوانه ) أي شياطين وجنون . قالوا : وذلك أصل اشتقاق الديوان لأهل الكتابة . ويلحق بذلك الحساب فإن في صناعة الحساب نوع تصرف في العدد بالضم والتفريق يحتاج فيه إلى استدلال كثير فيبقى متعودا للاستدلال والنظر وهو معنى العقل . والله أعلم بالصواب

(1/161)


الإفهام الرابع : في أوائل ما ظهر من العلم والكتاب

(1/162)


اعلم أنه يقال : إن آدم عليه الصلاة و السلام كان عالما بجميع اللغات لقوله سبحانه وتعالى : ( ( وعلم آدم الأسماء كلها ) ) قال الإمام الرازي : المراد أسماء كل ما خلق الله سبحانه وتعالى من أجناس المخلوقات بجميع اللغات التي يتكلم بها ولده اليوم وعلم أيضا معانيها وأنزل عليه ( 1 / 163 ) كتابا وهو كما ورد في حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : ( ( يا رسول الله أي كتاب أنزل على آدم ؟ قال : كتاب المعجم قلت : أي كتاب المعجم ؟ قال : أ . ب . ت . ث . ج قلت : يا رسول الله كم حرفا ؟ قال تسعة وعشرون حرفا . ) ) الحديث
وذكروا أنه عشر صحف فيها سور مقطعة الحروف وفيها الفرائض والوعد والوعيد وأخبار الدنيا والآخرة وقد بين أهل كل زمان وصورهم وسيرهم مع أنبيائهم وملوكهم وما يحدث في الأرض من الفتن والملاحم

(1/162)


ولا يخفى أنه مستبعد عند أصحاب العقول القاصرة وأما من أمعن النظر في ( الجفر ) ولا حظ شموله على غرائب الأمور فعنده ليس ببعيد سيما في الكتب المنزلة . هكذا قيل ولكن في صحة كتاب ( الجفر ) كلام كما بيناه في ( لقطة العجلان )
وروي أن آدم عليه السلام وضع كتابا في أنواع الألسن والأقلام قبل موته بثلاثمائة سنة كتبها في الطين ثم طبخه فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه من خطه فأصاب إسماعيل عليه السلام الكتاب العربي وكان ذلك من معجزات آدم عليه السلام . ذكره السيوطي في ( المزهر ) وهذا أبعد مما قبله
وفي رواية أن آدم عليه السلام كان يرسم الخطوط بالبنان وكان أولاده تتلقاها بوصيته منه وبعضهم بالقوة القدسية القابلة وكان أقرب عهد إليه إدريس عليه ( 1 / 164 ) السلام فكتب بالقلم واشتهر عنه من العلوم ما لم يشتهر عن غيره ولقب بهرمس الهرامسة والمثلث بالنعمة لأنه كان نبيا ملكا حكيما
وجميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عنه في قول كثير من العلماء وهو هرمس الأول أعني إدريس بن يرد بن مهلايل بن أنوش بن شيث ابن آدم عليه السلام المتمكن بصعيد مصر الأعلى

(1/163)


وقالوا : إنه أول من تكلم في الأجرام العلوية والحركات النجومية وأول من بنى الهياكل وعبد الله تعالى فيها وأول من نظر في الطب وألف لأهل زمانه قصائد في البسائط والمركبات وأنذر بالطوفان ورأى أنه آفة سماوية تلحق الأرض فخاف ذهاب العلم فبنى الأهرام التي في صعيد مصر الأعلى وصور فيها جميع الصناعات والآلات ورسم صفات العلوم والكمالات حرصا على تخليدها ثم كان الطوفان وانقرض الناس فلم يبق علم ولا أثر سوى من في السفينة من البشر وذلك مذهب جميع الناس إلا المجوس فإنهم لا يقولون بعموم الطوفان
ثم أخذ يتدرج الاستئناف والإعادة فعاد ما اندرس من العلم إلى ما كان عليه مع الفضل والزيادة فأصبح مؤسس البينان مشيد الأركان لا زال مؤيدا بالملة الإسلامية إلى يوم الحشر والميزان . والله تعالى أعلم . ( 1 / 165 )

(1/164)


الفصل الثاني : في منشأ إنزال الكتب واختلاف الناس وانقسامهم

(1/165)


وفيه : إفصاحات

(1/165)


الإفصاح الأول : في حكمة إنزال الكتب

(1/165)


اعلم أن الإنسان لما كان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من نوعه في إقامة معاشه والاستعداد لمعاده وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التمانع والتعاون حتى يحفظ بالتمانع ما هو له ويحصل بالتعاون ما ليس له من الأمور الدنيوية والأخروية
وكان في كثير منها مالا طريق للعقل إليه وإن كان فيه فبأنظار دقيقة لا تتيسر إلا لواحد بعد واحد اقتضت الحكمة الإلهية إرسال الرسل وإنزال الكتب للتبشير والإنذار وإرشاد الناس إلى ما يحتاجون إليه من أمور الدين والدنيا
فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملة والطريق الخاص الذي يصل به إلى هذه الهيئة هو المنهاج والشريعة فالشريعة ابتدأت من نوح عليه السلام والحدود الأحكام ابتدأت من آدم وشيث وإدريس عليهم السلام وختمت بأتمها وأكلمها
فمن الناس من آمن بهم واهتدى ومنهم من اختار الضلالة على الهدى فظهر اختلاف الآراء والمذاهب من الكفار والفرق الإسلامية ( كل حزب بما لديهم فرحون ) ( 1 / 166 )

(1/165)


الإفصاح الثاني : في أقسام الناس بحسب : المذاهب والديانات

(1/166)


اعلم أن التقسيم الضابط أن يقال : إن من الناس من لا يقول بمحسوس ولا بمعقول وهم السوفسطائية فإنهم أنكروا حقائق الأشياء
ومنهم من يقول بالمحسوس ولا يقول بالمعقول وهم الطبيعية كل منهم معطل لا يرد عليه فكره براد ولا يهديه عقله ونظره إلى اعتقاد ولا يرشده ذهنه إلى معاد قد ألف المحسوس وركن إليه وظن أن لا عالم وراء العالم المحسوس ويقال لهم الدهريون أيضا فإنهم يثبتون معقولا
ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول ولا يقول بحدود ولا أحكام وهم الفلاسفة فكل منهم قد رقى عن المحسوس وأثبت المعقول لكنه لا يقول بحدود وأحكام وشريعة وإسلام ويظن أنه إذا حصل له المعقول وأثبت للعالم مبدأ ومعادا وصل إلى الكمال المطلوب من جنسه فيكون سعادته على قدر إحاطته وعلمه وشقاوته بقدر جهله وسفاهته وعقله هو المستبد بتحصيل هذه السعادة . وهؤلاء الذين كانوا في الزمن الأول دهرية وطبيعية وإلهية لا الذين أخذوا علومهم عن مشكاة النبوة

(1/166)


ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود الأحكام ولا يقول بالشريعة والإسلام وهم الصابئة فهم قوم يقرب من الفلاسفة ويقولون بحدود وأحكام عقلية ربما أخذوا أصولها وقوانينها من مؤيد بالوحي
إلا أنهم اقتصروا على الأول منهم وما تعدوا إلى الآخر وهؤلاء هم الصابئة الأولى الذين قالوا بغازيمون وهرمس وهما شيث وإدريس عليهما السلام ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء . ( 1 / 167 )
ومنهم من يقول هذه كلها شريعة ما وإسلام ولا يقول بشريعة محمد - صلى الله عليه و سلم - وهم المجوس والنصارى واليهود
ومنهم من يقول بهذه كلها وهم المسلمون وكانوا عند وفاة النبي - صلى الله عليه و سلم - على عقيدة واحدة إلا من كان يبطن النفاق
ثم نشأ الخلاف فيما بينهم أولا في أمور اجتهادية وكان غرضهم منها إقامة مراسم الدين كاختلافهم في التخلف عن جيش أسامة وفي موته - صلى الله عليه و سلم - وفي موضع دفنه وفي الإمامة وفي ثبوت الإرث عنه - صلى الله عليه و سلم - وفي قتال مانعي الزكاة وفي خلافة علي ومعاوية وكاختلافهم في بعض الأحكام الفرعية ثم يتدرج ويترقى إلى آخر أيام الصحابة - رضي الله عنهم -
فظهر قوم خالفوا في القدر ولم يزل الخلاف يتشعب حتى تفرق أهل الإسلام إلى ثلاث وسبعين فرقة كما أشار إليه رسول الله - صلى الله عليه و سلم - وكان من معجزاته ولكن كبار الفرق الإسلامية ثمان وهم المعتزلة والشيعة والخوارج والمرجئة والنجارية والجبرية والمشبهة والناجية ويقال لهم أهل السنة والجماعة هذا ما ذكروه في كتب الفرق

(1/166)


الإفصاح الثالث : في أقسام الناس بحسب : العلوم

(1/167)


اعلم أنهم باعتبار العلم والصناعة قسمان : قسم اعتنى بالعلم فظهرت منهم ضروب المعارف فهم صفوة الله من خلقه وفرقة لم تعتن بالعلم عناية يستحق بها اسمه
فالأولى : أمم منهم أهل مصر والروم والهند والفرس والكلدانيون واليونانيون والعرب والعبرانيون . ( 1 / 168 )
والثانية : بقية الأمم لكن الأنبه منهم الصين والترك . وفي ( الملل والنحل ) : ( ( إن كبار الأمم أربعة : العرب والعجم والروم والهند ثم إن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الروحانية . والعجم والروم يتقاربان على مذهب واحد وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية . ) ) انتهى
وفي بيان هذه الأمم : تلويحات

(1/167)


التلويح الأول : في أهل الهند

(1/168)


اعلم أن لون الهندي وإن كان في أول مراتب السودان فصار بذلك من جبلتهم إلا أنه سبحانه وتعالى جنبهم سوء أخلاق السودان ودناءة شيمهم وسفاهة أحلامهم وفضلهم على كثير من السمر والبيض وعلل ذلك بعض أهل التنجيم بأن زحل وعطارد يتوليان بالقسمة لطبيعة الهند فلولاية زحل اسودت ألوانهم ولولاية عطارد خلصت عقولهم ولطفت أذهانهم فهم أهل الآراء الفاضلة والأحلام الراجحة لهم التحقق بعلم العدد والهندسة والطب والنجوم والعلم الطبيعي والإلهي
فمنهم براهمة : وهي فرقة قليلة العدد ومذهبهم إبطال النبوات وتحريم ذبح الحيوان . ومنهم صابئة وهم جمهور الهند ولهم في تعظيم الكواكب وأدوارها آراء ومذاهب والمشهور في كتبهم مذهب السندهند أي دهر الدهر ومذهب الأرجهيز ومذهب الأركند ولهم في الحساب والأخلاق والموسيقى تأليفات ( 1 / 169 )

(1/168)


التلويح الثاني : في الفرس

(1/169)


وهم أعدل الأمم وأوسطهم دارا وكانوا في أول أمرهم موحدين على دين نوح - عليه السلام - إلى أن تمذهب طهمورث بمذهب الصابئين وقسر الفرس على المتشرع به فاعتقدوه نحو ألف سنة إلى أن تمسجوا جميعا بسبب زرادشت ولم يزالوا على دينه قريبا من ألف سنة إلى أن انقرضوا ولخواصهم عناية بالطب وأحكام النجوم ولهم أرصاد ومذاهب في حركاتها واتفقوا على أن أصح المذاهب في الأدوار مذهب الفرس ويسمى سني أهل فارس وذلك أن مدة العالم عندهم جزء من اثني عشر ألفا من مدة السند هند وهي أن السيارات وأوجاتها وجوز هراتها تجتمع كلها في رأس الحمل في كل ستة وثلاثين ألف سنة شمسية مرة واحدة ولهم في ذلك كتب جليلة وفي كتاب ( الفهرس ) يقال : إن أول من تكلم بالفارسية كيومرث وتسميه الفرس ( كل شاه ) أي ملك الطين وهو عندهم آدم أبو البشر - عليه السلام

(1/169)


وأول من كتب بالفارسية بيوراسب المعروف بالضحاك وقيل أفريدون وقال ابن عبدوس في كتاب ( الوزراء ) : ( كانت الكتب والرسائل قبل ملك كشتاسب قليلة ولم يكن لهم اقتدار على بسط الكلام وإخراج المعاني من النفوس ولما ظهر ملك زرادشت صاحب شريعة المجوس وأظهر كتابه العجيب بجميع اللغات وأخذ الناس بتعلم الخط والكتاب فزادوا ومهروا ) وقال ابن المقفع : لغات الفارسية : الفهلوية والدرية والفارسية والخوزية والسريانية . ( 1 / 170 )
أما الفهلوية : فمنسوبة إلى فهلة اسم يقع على خمسة بلدان وهي : أصفهان والري وهمذان ونهاوند وأذربيجان
وأما الدرية : فلغة المدائن وبها كان يتكلم من بباب الملك وهي منسوبة إلى الباب لأن الباب بالفارسية در والغالب عليها من لغة أهل خراسان والمشرق لغة أهل بلخ
فأما الفارسية : فيتكلم بها الموابذة والعلماء وهي لغة أهل فارس
وأما الخوزية : فبها كان يتكلم الملوك والأشراف في الخلوة مع حاشيتهم
وأما السريانية : فكان يتكلم بها أهل السواد والمكاتبة في نوع من اللغة بالسرياني فارسي
وللفرس ستة أنواع من الخطوط وحروفهم مركبة من : ( أبجد هوزي كلمن سف رش ثخذغ ) فالتاء المثناة والحاء المهملة والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والقاف سواقط

(1/169)


التلويح الثالث : في الكلدانيين

(1/170)


وهم أمة قديمة مسكنهم أرض العراق وجزيرة العرب منهم النماردة ملوك الأرض بعد الطوفان وبخت نصر منهم ولسانهم سرياني ولم يبرحوا إلى أن ظهر عليهم الفرس وغلبوا مملكتهم وكان منهم علماء وحكماء متوسعون في الفنون ولهم عناية بأرصاد الكواكب وإثبات الأحكام والخواص
ولهم هياكل وطرائق لاستجلاب ( 1 / 171 ) قوى الكواكب وإظهار طبائعها بأنواع القاربين فظهرت منهم الأفاعيل الغريبة من إنشاء الطلسمات وغيرها ولهم مذاهب نقل منها بطليموس في ( المجسطي )

(1/170)


ومن أشهر علمائهم : أبرخس واطصفن وفي ( الفهرس ) أن النبطي أفصح من السرياني وبه كان يتكلم أهل بابل وأما النبطي الذي يتكلم به أهل القرى فهو سرياني غير فصيح وقيل : اللسان الذي يستعمل في الكتب الفصيحة بلسان أهل سوريا وحران
وللسريانيين ثلاثة أقلام أقدم الأقلام ولا فرق بينه وبين العربي في الهجاء إلا أن الثاء المثلثة والخاء والذال والضاد والظاء والغين كلها معجمات سواقط وكذا اللام ألف وتركيب حروفها من اليمين إلى اليسار

(1/171)


التلويح الرابع : في أهل يونان

(1/171)


هم أمة عظيمة القدر بلادهم بلاد روم إيلي وأناطولي وقرامان وكانت عامتهم صابئة عبدة الأصنام وكان الإسكندر منهم الذي أجمع ملوك الأرض على الطاعة لسلطانة وبعده البطالسة إلى أن غلب عليهم الروم وكان علماؤهم يسمون فلاسفة إلهيين أعظمهم خمسة : بندقليس كان في عصر داود - عليه السلام - ثم فيثاغورس ثم سقراط ثم أفلاطون ثم أرساطاطاليس . ( 1 / 172 )
ولهم تصانيف في أنواع الفنون وهم من أرفع الناس طبقة وأجل أهل العلم منزلة لما ظهر منهم من الاعتناء الصحيح بفنون الحكمة من العلوم الرياضية والمنطقية والمعارف الطبيعية والإلهية والسياسات المنزلية والمدنية وجميع العلوم العقلية مأخذوة عنهم ولغة قدمائهم تسمى الإغريقية وهي من أوسع اللغات
ولغة المتأخرين تسمى اللطيني لأنهم فرقتان : الإغريقيون واللطينيون وكان ظهور أمة اليونان في حدود سنة ثمان وستين وخمسمائة من وفاة موسى - عليه السلام - وقبل ظهروا الإسكندر بخمس وأربعين وثمانمائة سنة

(1/171)


التلويح الخامس : في الروم

(1/172)


وهم أيضا صابئة إلى أن قام قسطنيطين بدين المسيح وقسرهم على التشرع به فأطاعوه ولم يزل دين النصرانية يقوى إلى أن دخل فيه أكثر الأمم المجاورة للروم وجميع أهل مصر وكان لهم حكماء علماء بأنواع الفلسفة وكثير من الناس يقول : إن الفلاسفة المشهورين روميون والصحيح أنهم يونانيون ولتجاور الأمتين دخل بعضهم في بعض واختلط خبرهم وكلا الأمتين مشهور العناية بالفلسفة إلا أن لليونان من المزية والتفضيل مالا ينكر وقاعدة مملكتهم رومية الكبرى . ولغتهم مخالفة للغة اليونان
وقيل لغة اليونان الإغريقية ولغة الروم اللطينية وقلم اليونان والروم من اليسار إلى اليمين مرتب على ترتيب أبجد وحروفهم : ( ايج وزطي كلمن شعفص قرشت ثخ ظغ ) فالدال والهاء والحاء والذال والضاد ( 1 / 173 ) ولام ألف سواقط ولهم قلم يعرف بالساميا ولا نظير له عندنا فإن الحرف الواحد منه يحيط بالمعاني الكثيرة ويجمع عدة كلمات
قال جالينوس في بعض كتبه : ( كنت في مجلس عام فتكلمت في التشريح كلاما عاما فلما كان بعد أيام لقيني صديق لي فقال : إن فلانا يحفظ عليك في مجلسك أنك تكلمت بكلمة كذا وأعاد علي ألفاظي فقلت من أين لك هذا ؟ فقال : إني لقيت بكاتب ما هر بالساميا فكان يسبقك بالكتابة في كلامك وهذا العلم يتعلمه الملوك وجلة الكتاب ويمنع منه سائر الناس لجلالته . ) كذا قال النديم في ( الفهرس )
وذكر أيضا : ( أن رجلا متطببا جاء إليه من بعلبك سنة ثمان وأربعين وزعم أنه يكتب بالساميا قال : فجربنا عليه فأصبناه إذا تكلمنا بعشر كلمات أصغى إليها ثم كتب كلمة فاستعدناها فأعادها بألفاظنا . ) انتهى

(1/172)


قف : ذكر في السبب الذي من أجله يكتب الروم من اليسار إلى اليمين بلا تركيب أنهم يعتقدون أن سبيل الجالس أن يستقبل المشرق في كل حالاته فإنه إذا توجه إلى المشرق يكون الشمال عن يساره فإذا كان كذلك فاليسار يعطي اليمين فسبيل الكاتب أن يبتدئ من الشمال إلى الجنوب وعلل بعضهم بكون الاستمداد عن حركة الكبد على القلب

(1/173)


التلويح السادس : في أهل مصر

(1/173)


وهم أخلاط من الأمم إلا أن جمهرتهم قبط وإنما اختلطوا لكثرة ( 1 / 174 ) من تداول ملك مصر من الأمم كالعمالقة واليونانيين والروم فخفي أنسابهم فانتسبوا إلى موضعهم وكانوا في السلف صابئة ثم تنصروا إلى الفتح الإسلامي
وكان لقدمائهم عناية بأنواع العلوم ومنهم هرمس الهرامسة قبل الطوفان وكان بعده علماء بضروب الفلسفة خاصة بعلم الطلسمات والنيرنجات والمرايا المحرقة والكيمياء
وكانت دار العلم بها مدينة منف فلما بنى الإسكندر مدينة رغب الناس في عمارتها فكانت دار العلم والحكمة إلى الفتح الإسلامي . فمنهم الإسكندرانيون الذين اختصروا كتب جالينوس وقيل : إن القبط اكتسب العلم الرياضي من الكلدانيين

(1/173)


التلويح السابع : في العبرانيين

(1/174)


وهم بنو إسرائيل وكانت عنايتهم بعلوم الشرائع وسير الأنبياء فكان أحبارهم أعلم الناس بأخبار الأنبياء وبدء الخليقة وعنهم أخذ ذلك علماء الإسلام لكنهم لم يشتهروا بعلم الفلسفة
ولغتهم تنسب إلى عابر بن شالخ والقلم العبراني اليمين إلى اليسار وهو من ( أ بجد ) إلى آخر ( قرشت ) وما بعده سواقط وهو مشتق من السرياني

(1/174)


التلويح الثامن : في العرب

(1/174)


وهم فرقتان : بائدة وباقية والبائدة : كانت أمما كعاد وثمود ( 1 / 175 ) انقرضوا وانقطع عنا أخبارهم
والباقية : متفرعة من قحطان وعدنان ولهم حال الجاهلية وحال الإسلام
فالأولى : منهم التبابعة والجبابرة ولهم مذهب في أحكام النجوم لكن لم يكن لهم عناية بأرصاد الكواكب ولا بحث عن شيء من الفلسفة
وأما سائر العرب بعد الملوك فكانوا أهل مدر ووبر فلم يكن فيهم عالم مذكور ولا حكيم معروف وكانت أديانهم مختلفة وكان منهم من يعبد الشمس والكواكب ومنهم من تهود ومنهم من يعبد الأصنام حتى جاء الإسلام
ولسانهم أفصح الألسن وعلمهم الذي كانوا يفتخرون به علم لسانهم ونظم الأشعار وتأليف الخطب وعلم الأخبار ومعرفة السير والأعصار

(1/174)


قال الهمداني : ( ليس يوصل إلى أحد خبر من أخبار العرب والعجم إلا بالعرب وذلك أن من سكن بمكة أحاطوا بعلم العرب العاربة وأخبار أهل الكتاب وكانوا يدخلون البلاد للتجارات فيعرفون أخبار الناس وكذلك من سكن الحيرة وجاور الأعاجم علم أخبارهم وأيام حمير ومسيرها في البلاد وكذلك من سكن الشام خبر بأخبار الروم وبني إسرائيل واليونان ومن وقع في ا لبحرين وعمان فعنه أتت أخبار السند والهند وفارس ومن سكن اليمن علم أخبار الأمم جميعا لأنه كان في ظل الملوك السيارة
والعرب أصحاب حفظ ورواية ولهم معرفة بأوقات المطالع والمغارب وأنواء الكواكب وأمطارها لاحتياجهم إليه في المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق والتدرب في العلوم . وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله سبحانه وتعالى شيئا منه ولا هيأ طباعهم للعناية به إلا نادرا . ) وقد ذكرنا في ( لقطة العجلان ) أحوال الأمم الماضية على سبيل الإيجاز فإن شئت فارجع إليه . ( 1 / 176 )

(1/175)


الفصل الثالث : في أهل الإسلام وعلومهم

(1/176)


وفيه : إشارات

(1/176)


الإشارة الأولى : في صدر الإسلام

(1/176)


اعلم أن العرب في آخر عصر الجاهلية حين بعث النبي - صلى الله عليه و سلم - قد تفرق ملكها وتشتت أمرها فضم الله سبحانه وتعالى به شاردها وجمع عليه جماعة من قحطان وعدنان فآمنوا به ورفضوا جميع ما كانوا عليه والتزموا شريعة الإسلام من الاعتقاد والعمل
ثم لم يلبث رسول الله - صلى الله عليه و سلم - إلا قليلا حتى توفي وخلفه أصحابه - رضي الله عنهم - فغلبوا الملوك وبلغت مملكة الإسلام في أيام عثمان بن عفان من الجلالة والسعة إلى حيث نبه - عليه الصلاة و السلام - في قوله : ( ( زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ) ) . فأباد الله تعالى بدولة الإسلام دولة الفرس بالعراق وخراسان ودولة الروم بالشام ودولة القبط بمصر
فكانت العرب في صدر الإسلام لا تعتني بشيء من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها وبصناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم لحاجة الناس طرا إليها وذلك منهم صونا لقواعد الإسلام وعقائده ( 1 / 177 ) عن تطرق الخلل من علوم الأوائل قبل الرسوخ والإحكام حتى يروى انهم أحرقوا ما وجدوا من الكتب في فتوحات البلاد

(1/176)


وقد ورد النهي عن النظر في التوراة والإنجيل لاتحاد الكلمة واجتماعها على الأخذ والعمل بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - واستمر ذلك إلى آخر عصر التابعين ثم حدث اختلاف الآراء وانتشار المذاهب فآل الأمر إلى التدوين والتحصين

(1/177)


الإشارة الثانية : في الاحتياج إلى التدوين

(1/177)


اعلم أن الصحابة والتابعين لخلوص عقيدتهم ببركة صحبة النبي - صلى الله عليه و سلم - وقرب العهد إليه ولقلة الاختلاف والواقعات وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات كانوا مستغنين عن تدوين علم الشرائع والأحكام حتى إن بعضهم كره كتابة العلم واستدل بما روي عن أبي سعيد الخدري أنه استأذن النبي - صلى الله عليه و سلم - في كتابة العلم فلم يأذن له
وروي عن ابن عباس أنه نهى عن الكتابة وقال : إنما ضل من كان قبلكم بالكتابة
وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس فقال : إني كتبت كتابا أريد أن أعرضه عليك فلما عرض عليه أخذ منه ومحا بالماء فقيل له : لماذا فعلت ؟ قال : لأنهم إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم
واستدل أيضا بان الكتاب مما يزاد فيه وينقص ويغير والذي حفظ لا يمكن تغييره لأن الحافظ يتكلم بالعلم والذي يخبر عن الكتابة يخبر بالظن والنظر . ( 1 / 178 )

(1/177)


ولما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار وتفرقت الصحابة في الأقطار وحدثت الفتن واختلاف الآراء وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء أخذوا في تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن واشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد والأصول وترتيب الأبواب والفصول وتكثير المسائل بأدلتها وإيراد الشبه بأجوبتها وتعيين الأوضاع والاصطلاحات وتبيين المذاهب والاختلافات
وكان ذلك مصلحة عظيمة وفكرة في الصواب مستقيمة فرأوا ذلك مستحبا بل واجبا لقضية الإيجاب المذكور مع قوله - صلى الله عليه و سلم - ( ( العلم صيد والكتابة قيد قيدوا - رحمكم الله تعالى - علومكم بالكتابة ) ) الحديث . قلت : ولعل هذا الحديث لم يصح

(1/178)


الإشارة الثالثة : في أول من صنف في الإسلام

(1/178)


اعلم أنه اختلف في أول من صنف فقيل : الإمام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري المتوفى سنة خمس وخمسين ومائة وقيل أبو النضر سعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة ست وخمسين ومائة ذكرهما الخطيب البغدادي
وقيل ربيع بن صبيح المتوفى سنة ستين ومائة قاله أبو محمد الرامهرمزي ثم صنف سفيان بن عيينة ومالك بن أنس بالمدينة المنورة وعبد الله بن وهب بمصر ومعمر وعبد الرزاق باليمن وسفيان الثوري ومحمد بن فضيل بن غزوان بالكوفة وحماد بن سلمة وروح بن عبادة بالبصرة وهشيم بواسط وعبد الله بن مبارك بخراسان وكان مطمح نظرهم ومطرح ( 1 / 179 ) بصرهم بالتدوين ضبط معاقد القرآن والحديث ومعانيهما ثم دونوا فيما هو كالوسيلة إليهما

(1/178)


الإشارة الرابعة : في اختلاط علوم الأوائل والإسلام

(1/179)


اعلم أن علوم الأوائل كانت مهجورة في عصر الأموية ولما ظهر آل العباس كان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور وكان - رحمه الله تعالى - مع براعته في الفقه مقدما في علم الفلسفة وخاصة في النجوم محبا لأهلها
ثم لما أفضت الخلافة إلى السابع عبد الله المأمون بن الرشيد تمم ما بدأ به جده فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخراجه من معادنه بقوة نفسه الشريفة وعلو همته المنيفة فداخل ملوك الروم وسألهم وصلة ما لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إليه منها بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطو وبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس وغيرهم
وأحضر لها مهرة المترجمين فترجموا له على غاية ما أمكن ثم كلف الناس قراءتها ورغبهم في تعلمها إذ المقصود من المنع هو إحكام قواعد الإسلام ورسوخ عقائد الأنام وقد حصل وانقضى على أن أكثرها مما لا تعلق له بالديانات
فنفقت له سوق العلم وقامت دولة الحكمة في عصره وكذلك سائر الفنون فأتقن جماعة من ذوي الفهم في أيامه كثيرا من الفلسفة ومهدوا أصول الأدب وبينوا منهاج الطلب ثم أخذ الناس يزهدون في العلم ويشتغلون عنه بتزاحم الفتن تارة وجمع الشمل أخرى إلى أن كاد يرتفع جملة

(1/179)


وكذا شأن سائر الصنائع والدول ( 1 / 180 ) فإنها تبتدئ قليلا قليلا ولا يزال يزيد حتى يصل إلى غاية هي منتهاه ثم يعود إلى النقصان فيؤول أمره إلى الغيبة في مهاد النسيان
والحق أن أعظم الأسباب في رواح العلم وكساده هو رغبة الملوك في كل عصر وعدم رغبتهم فإنا لله وإنا إليه راجعون . ( 1 / 181 )

(1/179)


الفصل الرابع : في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع

(1/181)


وذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق ذلك الفن المتناول حاصلا
وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك الفن وبين من هو مبتدئ فيه وبين العامي الذي لم يحصل علما وبين العالم النحرير والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من سواهما فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي
والملكات كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ من الفكر وغيره كالحساب والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند كل أهل أفق وجيل
ويدل أيضا على أن تعليم العلم صناعة لاختلاف الاصطلاحات فيه فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها فدل على أن ذلك الاصطلاح ليس من العلم وإلا لكان واحدا عند جميعهم
ألا ترى إلى علم الكلام كيف تخالف في تعليمه اصطلاح ( 1 / 182 ) المتقدمين والمتأخرين وكذا أصول الفقه وكذا العربية وكذا كل علم تتوجه إلى مطالعته تجد الاصطلاحات في تعليمه متخالفة فدل على أنها صناعات في التعليم والعلم واحد في نفسه

(1/181)


وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن سند تعليم العلم لهذا العهد قد كاد أن ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتتاقض الدول فيه وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها كما مر
وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستبحر عمرانهما وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما وما كان فيهما من الحضارة
فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا كان في دولة الموحدين بمراكش مستفادا منها ولم ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدولة الموحدية في أولها وقرب عهد انقراضها بمبدئها فلم تتصل أحوال الحضارة فيها إلا في الأقل
وبعد انقراض الدولة بمراكش ارتحل إلى المشرق من إفريقية القاضي أبو القاسم بن زيتون لعهد أواسط المائة السابعة فأدرك تلميذ الإمام ابن الخطيب فأخذ عنهم ولقن تعليمهم وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى تونس بعلم كثير وتعليم حسن وجاء على أثره من المشرق أبو عبد الله بن شعيب الدكالي
كان ارتحل إليه من المغرب فأخذ عن مشيخة مصر ورجع إلى تونس واستقر بها وكان تعليمه مفيدا فأخذ عنهما أهل تونس واتصل سند تعليمهما في تلاميذهما جيلا بعد جيل حتى انتهى إلى القاضي محمد بن عبد السلام شارح ( مقدمة ابن الحاجب ) وتلميذه
وانتقل من تونس إلى تلمسان في ابن الإمام وتلميذه فإنه قرأ مع ابن عبد السلام على مشيخة واحدة وفي مجالس بأعيانها وتلميذ ابن عبد السلام بتونس وابن الإمام بتلمسان لهذا العهد إلا أنهم من القلة بحيث يخشى انقطاع ( 1 / 183 ) سندهم
ثم ارتحل من زواوة في آخر المائة السابعة أبو علي ناصر الدين المشدالي وأدرك تلميذ أبي عمرو بن الحاجب وأخذ عنهم ولقن تعليمهم وقرأ مع شهاب الدين القرافي في مجالس واحدة . وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى المغرب بعلم كثير وتعليم مفيد ونزل ببجاية واتصل سند تعليمه في طلبتها وربما انتقل إلى تلمسان عمران المشدالي من تلميذه وأوطنها وبث طريقته فيها وتلميذه لهذا العهد ببجاية وتلمسان قليل أو أقل من القليل

(1/182)


وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم
وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم
ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علم . وما أتاهم القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع سنده وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك
ومما يشهد بذلك في المغرب أن المدة المعينة لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم ست عشرة سنة وهي بتونس خمس سنين وهذه المدة بالمدارس على التعارف هي أقل ما يتأتى فيها لطالب العلم حصول مبتغاه من الملكة العلمية أو اليأس من تحصيلها فطال أمدها في المغرب لهذه المدة الأجل عسرها من قلة الجودة في التعليم خاصة لا مما سوى ذلك . ( 1 / 184 )

(1/183)


وأما أهل الأندلس فذهب رسم التعليم من بينهم وذهبت عنايتهم بالعلوم لتناقص عمران المسلمين بها منذ مئين من السنين ولم يبق من رسم العلم فيهم إلا فن العربية والأدب اقتصروا عليه وانحفظ سند تعليمه بينهم فانحفظ بحفظه وأما الفقه بينهم فرسم خلي وأثر بعد عين وأما العقليات فلا أثر لها ولا عين وما ذاك إلا لانقطاع سند التعليم فيها بتناقص العمران وتغلب العدو على عامتها إلا قليلا بسيف البحر شغلهم بمعايشهم أكثر من شغلهم بما بعدها والله غالب على أمره
وأما المشرق فلم ينقطع سند التعليم فيه بل أسواقه نافقة وبحوره زاخرة لاتصال العمران الموفور واتصال السند فيه وإن كانت الأمصار العظيمة التي كانت معادن العلم قد خربت مثل بغداد والبصرة والكوفة إلا أن الله تعالى قد أبدل فيها بأمصار أعظم من تلك وانتقل العلم منها إلى عراق العجم بخراسان وما وراء النهر من المشرق ثم إلى القاهرة وما إليها من المغرب فلم تزل موفورة وعمرانها متصلا وسند التعليم بها قائما
فأهل المشرق على الجملة أرسخ في صناعة تعليم العلم بل وفي سائر الصنائع حتى إنه ليظن كثير من رحالة أهل المغرب إلى المشرق في طلب العلم أن عقولهم على الجملة أكمل من عقول أهل الغرب وأنهم أشد نباهة وأعظم كيسا بفطرتهم الأولى وأن نفوسهم الناطقة أكمل بفطرتها من نفوس أهل المغرب . ويعتقدون التفاوت بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانية ويتشيعون لذلك ويولعون به لما يرون من كيسهم في العلوم والصنائع
وليس كذلك وليس بين قطر المشرق والمغرب تفاوت بهذا المقدار الذي هو تفاوت في الحقيقة الواحدة اللهم إلا الأقاليم المنحرفة مثل الأول والسابع فإن الأمزجة فيها منحرفة والنفوس ( 1 / 185 ) على نسبتها كما مر
وإنما الذي فضل به أهل المشرق أهل المغرب هو ما يحصل في النفس من آثار الحضارة من العقل المزيد كما في تقدم الصنائع ونزيده الآن تحقيقا وذلك أن الحضر لهم آداب في أحوالهم في المعاش والمسكن والبناء وأمور الدين والدنيا وكذا سائر أعمالهم وعاداتهم ومعاملاتهم وجميع تصرفاتهم فلهم في ذلك كله آداب يوقف عندها في جميع ما يتناولونه ويتلبسون به من أخذ وترك حتى كأنها حدود لا تتعدى وهي مع ذلك صنائع يتلقاها الآخر عن الأول منهم

(1/184)


ولا شك أن كل صناعة مرتبة يرجع منها إلى النفس أثر يكسبها عقلا جيدا تستعد به لقبول صناعة أخرى ويتهيأ بها العقل لسرعة الإدراك للمعارف
ولقد بلغنا في تعليم الصنائع عن أهل مصر غايات لا تدرك مثل أنهم يعلمون الحمر الإنسية والحيوانات العجم من الماشي والطائر مفردات من الكلام والأفعال يستغرب ندورها ويعجز أهل المغرب عن فهمها
وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس إذ النفس إنما تنشأ بالإدراكات وما يرجع إليها من الملكات فيزدادون بذلك كيسا لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية فيظنه العامي تفاوتا في الحقيقة الإنسانية وليس كذلك
ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو كيف تجد الحضري متحليا بالذكاء ممتلئا من الكيس حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاقه في حقيقة إنسانيته وعقله وليس كذلك وما ذاك إلا لإجادته في ملكات الصنائع والآداب في العوائد والأحوال الحضرية مالا يعرفه البدوي
فلما امتلأ الحضري من الصنائع وملكاتها وحسن تعليمها ظن كل من قصر عن تلك الملكات أنها الكمال في عقله وأن نفوس أهل البدو قاصرة بفطرتها وجبلتها عن فطرته وليس ( 1 / 186 ) كذلك فإنا نجد من أهل البدو من هو في أعلى رتبة من الفهم والكمال في عقله وفطرته إنما الذي ظهر على أهل الحضر من ذلك هو رونق الصنائع والتعليم فإن لها آثارا ترجع إلى النفس
وكذا أهل المشرق لما كانوا في التعليم والصنائع أرسخ رتبة وأعلى قدما وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة ظن المغفلون في بادئ الرأي أنه لكمال في حقيقة الإنسانية اختصوا به عن أهل المغرب وليس ذلك بصحيح فتفهمه والله يزيد في الخلق ما يشاء وهو إله السموات والأرض

(1/185)


قف : إن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة والسبب في ذلك أن تعليم العلم من جملة الصنائع وأن الصنائع إنما تكثر في الأمصار وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة لأنه أمر زائد على المعاش
فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان وهي العلوم والصنائع ومن تشوف بفطرته إلى العلم ممن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو ولا بد له من الرحلة في طلبه إلى الأمصار المستبحرة شأن الصنائع كلها
واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لما كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أربوا على المتقدمين وفاقوا المتأخرين ولما تناقص عمرانها وابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة وفقد العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام . ( 1 / 187 )
ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستبحر وحضارته مستحكمة منذ آلاف من السنين فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت ومن جملتها تعليم العلم وأكد ذلك فيها حفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا
وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء ولما يخشى من معاطب الملك وكباته فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركا لولدهم ينظر عليها أو يصيب منها مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في المقاصد والأفعال
فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلات والفوائد وكثر طالب العلم ومعلمه بكثرة جرايتهم منها وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها والله يخلق ما يشاء وهو العليم الحكيم . ( 1 / 188 )

(1/186)


الباب الثالث : في المؤلفين والمؤلفات والتحصيل

(1/188)


وفيه : ترشيحات

(1/188)


الترشيح الأول : في أقسام التدوين وأصناف المدونات

(1/188)


اعلم أن كتب العلم كثيرة لاختلاف أغراض المصنفين في الوضع والتأليف ولكن تنحصر من جهة المعنى في قسمين :
الأول : إما أخبار مرسلة وهي كتب التواريخ وإما أوصاف وأمثال ونحوها قيدها النظم وهي دواوين الشعر
والثاني : قواعد علوم وهي تنحصر من جهة المقدار في ثلاثة أصناف :
الأول : مختصرات تجعل تذكرة لرؤوس المسائل ينتفع بها المنتهي للاستحضار وربما أفادت بعض المبتدئين الأذكياء لسرعة هجومهم على المعاني من العبارات الدقيقة
والثاني : مبسوطات تقابل المختصرات وهذه ينتفع بها للمطالعة
والثالث : متوسطات وهذه نفعها عام

(1/188)


ثم إن التأليف على سبعة أقسام : لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها وهي إما ( 1 / 189 ) شيء لم يسبق إليه فيخترعه أو شيء ناقص يتممه أو شيء مغلق يشرحه أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه أو شيء متفرق يجمعه أو شيء مختلط يرتبه أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه
وينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سبق إليه أن لا يخلو كتابه من خمس فوائد : استنباط شيء كان معضلا أو جمعه إن كان مفرقا أو شرحه إن كان غامضا أو حسن نظم وتأليف أو إسقاط حشو وتطويل
وشرط في التأليف : إتمام الغرض الذي وضع الكتاب لأجله من غير زيادة ولا نقص وهجر اللفظ الغريب وأنواع المجاز اللهم إلا في الرمز والاحتراز عن إدخال علم في علم آخر وعن الاحتجاج بما يتوقف بيانه على المحتج به عليه لئلا يلزم الدور
وزاد المتأخرون اشتراط : حسن الترتيب ووجازة اللفظ ووضوح الدلالة وينبغي آن يكون مسوقا على حسب إدراك أهل الزمان وبمقتضى ما تدعوهم إليه الحاجة فمتى كانت الخواطر ثاقبة والإفهام للمراد من الكتب متناولة قام الاختصار لها مقام الإكثار وأغنت بالتلويح عن التصريح وإلا فلا بد من كشف وبيان وإيضاح وبرهان ينبه الذاهل ويوقظ الغافل
وقد جرت عادة المصنفين بأن يذكروا في صدر كل كتاب تراجم لتعرب عنه سموها الرؤوس وهي ثمانية : الغرض وهو الغاية السابقة في الوهم المتأخرة في الفعل والمنفعة ليتشوق الطبع
والعنوان الدال بالإجمال على ما يأتي تفصيله وهو قد يكون بالتسمية وقد يكون بألفاظ وعبارات تسمى براعة الاستهلال والواضع ليعلم قدره ونوع العلم وهو الموضوع ليعلم مرتبته وقد يكون الكتاب مشتملا على نوع من العلوم وقد يكون جزءا من أجزائه وقد يكون مدخلا - كما سبق في بحث الموضوع - ومرتبة ذلك الكتاب أي متى يجب ( 1 / 190 ) أن يقرأ وترتيبه ونحو التعليم المستعمل فيه وهو بيان الطريق المسلوك في تحصيل الغاية

(1/188)


وأنحاء التعليم : خمسة
الأول : التقسيم والقسمة المستعملة في العلوم قسمة العام إلى الخاص وقسمة الكل إلى الجزء أو الكلي إلى الجزئيات وقسمة الجنس إلى الأنواع وقسمة النوع إلى الأشخاص وهذه قسمة ذاتي إلى ذاتي وقد يقسم الكلي إلى الذاتي والعرضي والذاتي إلى العرضي والعرضي إلى الذاتي والعرضي إلى العرضي والتقسيم الحاصر هو المردد بين النفي والإثبات
والثاني : التركيب وهو جعل القضايا مقدمات تؤدي إلى المعلوم
والثالث : والتحليل وهو إعادة تلك المقدمات
والرابع : التحديد وهو ذكر الأشياء بحدودها الدالة على حقائقها دلالة تفصيلية
والخامس : البرهان وهو قياس صحيح عن مقدمات صادقة وإنما يمكن استعماله في العلوم الحقيقية وأما ما عداها فيكتفي بالإقناع

(1/190)


الترشيح الثاني : في الشرح وبيان الحاجة إليه والأدب فيه

(1/190)


اعلم أن كل من وضع كتابا إنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح وإنما احتيج إلى الشرح لأمور ثلاثة :
الأمر الأول : كمال مهارة المصنف فإنه لجودة ذهنه وحسن ( 1 / 191 ) عبارته يتكلم على معان دقيقة بكلام وجيز كاف في الدلالة على المطلوب وغيره ليس في مرتبته فربما عسر عليه فهم بعضها أو تعذر فيحتاج إلى زيادة بسط في العبارة لتظهر تلك المعاني الخفية ومن ههنا شرح بعض العلماء تصنيفه
الأمر الثاني : حذف بعض مقدمات الأقيسة اعتمادا على وضوحها أو لأنها من علم آخر أو أهمل ترتيب بعض الأقيسة فأغفل علل بعض القضايا فيحتاج الشارح إلى أن يذكر المقدمات المهملة ويبين ما يمكن بيانه في ذلك العلم ويرشد إلى أماكن فيما لا يليق بذلك الموضع من المقدمات ويرتب القياسات ويعطي علل ما لم يعط المصنف
الأمر الثالث : احتمال اللفظ لمعان تأويلية أو لطافة المعنى عن أن يعبر عنه بلفظ يوضحه أو للألفاظ المجازية واستعمال الدلالة الالتزامية فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنف وترجيحه وقد يقع في بعض التصانيف مالا يخلو البشر عنه من السهو والغلط والحذف لبعض المهمات وتكرار الشيء بعينه بغير ضرورة إلى غير ذلك فيحتاج أن ينبه عليه

(1/190)


ثم إن أساليب الشرح على ثلاثة أقسام :
الأول : الشرح ب ( قال أقول ) ك ( شرح المقاصد ) و ( شرح الطوالع ) للأصفهاني و ( شرح العضد ) وأما المتن فقد يكتب في بعض النسخ بتمامه وقد لا يكتب لكونه مندرجا في الشرح بلا امتياز
الثاني : الشرح بقوله ك ( شرح البخاري ) لابن حجر والكرماني ونحوهما وفي أمثاله لا يلتزم المتن وإنما المقصود ذكر المواضع المشروحة ومع ذلك قد يكتب بعض النساخ متنه تماما إما في الهامش وإما في المسطر فلا ينكر نفعه . ( 1 / 192 )
والثالث : الشرح مزجا ويقال له : ( شرح ممزوج ) تمزج فيه عبارة المتن والشرح ثم تمتاز إما بالميم والشين وإما بخط يخط فوق المتن وهو طريقة أكثر الشراح المتأخرين من المحققين وغيرهم لكنه ليس بمأمون عن الخلط والغلط

(1/191)


ثم إن من آداب الشارح وشرطه : أن يبذل النصرة فيما قد التزم شرحه بقدر الاستطاعة ويذب عما قد تكفل إيضاحه بما يذب به صاحب تلك الصناعة ليكون شارحا غير ناقض وجارح ومفسرا غير معترض اللهم إلا إذا عثر على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح فحينئذ ينبغي أن ينبه عليه بتعريض أو تصريح متمسكا بذيل العدل والإنصاف متجنبا عن الغي والاعتساف لأن الإنسان محل النسيان والقلم ليس بمعصوم من الطغيان فكيف بمن جمع المطالب من محالها المتفرقة
وليس كل كتاب ينقل المصنف عنه سالما من العيب محفوظا له عن ظهر الغيب حتى يلام في خطئه فينبغي أن يتأدب عن تصريح الطعن للسلف مطلقا ويكني بمثل : ( قيل وظن ووهم وأعترض وأجيب وبعض الشراح والمحشي أو بعض الشروح والحواشي ) ونحو ذلك من غير تعيين
كما هو دأب الفضلاء من المتأخرين فإنهم تأنقوا في أسلوب التحرير وتأدبوا في الرد والاعتراض على المتقدمين بأمثال ما ذكر تنزيها لهم عما يفسد اعتقاد المبتدئين فيهم وتعظيما لحقهم وربما حملوا هفواتهم على الغلط من الناسخين لا من الراسخين
وإن لم يمكن ذلك قالوا : لأنهم لفرط اهتمامهم بالمباحثة والإفادة لم يفرغوا لتكرير النظر والإعادة وأجابوا عن لمز بعضهم بأن ألفاظ ( كذا وكذا ) ألفاظ فلان بعبارته بقولهم : إنا لا نعرف كتابا ليس فيه ذلك فإن تصانيف المتأخرين بل المتقدمين ( 1 / 193 ) لا تخلو عن مثل ذلك لا لعدم الاقتدار على التغيير بل حذرا عن تضييع الزمان فيه وعن مثالبهم بأنهم عزوا إلى أنفسهم ما ليس لهم بأنه إن أتفق فهو من توارد الخواطر كما في تعاقب الحوافر على الحوافر

(1/192)


الترشيح الثالث : في أقسام المصنفين وأحوالهم

(1/193)


اعلم أن المؤلفين المعتبرة تصانيفهم فريقان :
الأول : من له في العلم ملكة تامة ودربة كافية وتجارب وثيقة وحدس صائب وفهم ثاقب فتصانيفهم عن قوة تبصرة ونفاذ فكر وسداد رأي ك ( النصير والعضد والسيد والسعد والجلال وأمثالهم ) فإن كلا منهم يجمع إلى تحرير المعاني تهذيب الألفاظ وهؤلاء أحسنوا إلى الناس كما أحسن الله سبحانه وتعالى إليهم وهذه لا يستغني عنها أحد
والثاني : من له ذهن ثاقب وعبارة طلقة طالع الكتب فاستخرج دررها وأحسن نظمها وهذه ينتفع به المبتدئون والمتوسطون . ومنهم ( 1 / 194 ) من جمع وصنف للاستفادة لا للإفادة فلا حجر عليه بل يرغب إليه إذا تأهل فإن العلماء قالوا : ينبغي للطالب أن يشتغل بالتخرج والتصنيف فيما فهمه منه إذا احتاج الناس إليه بتوضيح عبارته غير مائل عن المصطلح مبينا مشكله مظهرا ملتبسه كي يكسبه جميل الذكر وتخليده إلى آخر الدهر

(1/193)


فينبغي أن يفرغ قلبه لأجله إذا شرع ويصرف إليه كل شغله قبل أن يمنعه مانع عن نيل ذلك الشرف . ثم إذا تم لا يخرج ما صنفه إلى الناس ولا يدعه عن يده إلا بعد تهذيبه وتنقيحه وتحريره وإعادة مطالعته فإنه قد قيل : الإنسان في فسحة من عقله وفي سلامة من أفواه جنسه ما لم يضع كتابا أو لم يقل شعرا
وقد قيل : من صنف كتابا فقد استشرف للمدح والذم فإن أحسن فقد استهدف من الغيبة والحسد وإن أساء فقد تعرض للشتم والقذف . قالت الحكماء : من أراد أن يصنف كتابا أو يقول شعرا فلا يدعوه العجب به وبنفسه إلى أن ينتحله ولكن يعرضه على أهله في عرض رسائل أو أشعار فإن رأى الأسماع تصغي إليه ورأى من يطلبه انتحله وادعاه وإلا فليأخذ في غير تلك الصناعة

(1/194)


قف : ومن الناس من ينكر التصنيف في هذا الزمان مطلقا ولا وجه لإنكاره من أهله وإنما يحمله عليه التنافس والحسد الجاري بين أهل الأعصار ولله در القائل في نظمه :
قل لمن لا يرى المعاصر شيئا ... ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك القديم كان حديثا ... وسيبقى هذا الحديث قديما
واعلم أن نتائج الأفكار لا تقف عند حد وتصرفات ( 1 / 195 ) الأنظار لا تنتهي إلى غاية بل لكل عالم ومتعلم منها حظ يحرزه في وقته المقدر له وليس لأحد أن يزاحمه فيه لأن العالم المعنوي واسع كالبحر الزاخر والفيض الإلهي ليس له انقطاع ولا آخر والعلوم منح إلهية ومواهب صمدانية فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما لم يدخر لكثير من المتقدمين
فلا تغتر بقول القائل : ( ( ما ترك الأول للآخر ) ) بل القول الصحيح الظاهر : ( ( كم ترك الأول للآخر ) ) فإنما يستجاد الشيء ويسترذل لجودته ورداءته في ذاته لا لقدمه وحدوثه
ويقال : ليس كلمة أضر بالعلم من قولهم ما ترك الأول شيئا لأنه يقطع الآمال عن العلم ويحمل على التقاعد عن التعلم فيقتصر الآخر على ما قدم الأول من الظاهر وهو خطر عظيم وقول سقيم فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها كما قال صلى الله عليه و سلم : ( ( أمتي أمة مباركة لا يدري أو لها خيرا وآخرها ) ) وقال ابن عبد ربه في ( العقد ) ( ( إني رأيت آخر كل طبقة واضعي كل حكمة ومؤلفي كل أدب أهذب لفظا وأسهل لغة وأحكم مذاهب وأوضح طريقة من الأول لأنه ناقض متعقب والأول باد متقدم ) ) انتهى

(1/194)


وروي أن خواجه زاده كان يقول : ( ( ما نظرت في كتاب أحد بعد تصانيف السيد الشريف الجرجاني بنية الاستفادة ) ) وذكر صاحب ( الشقائق ) في ترجمة ( 1 / 196 ) شمس الدين الفناري : ( ( أن الطلبة إلى زمانه كانوا يعطلون يوم الجمعة يوم الثلاثاء فأضاف إليهما يوم الاثنين للاشتغال بكتابة تصانيف العلامة التفتازاني - رحمه الله - وتحصيلها ) ) انتهى

(1/195)


الترشيح الرابع : في بيان مقدمة العلم ومقدمة الكتاب

(1/196)


اعلم أن المقدمة - بكسر الدال المشددة وفتحها - تطلق على معان : منها ما يتوقف عليه الشيء وسواء كان التوقف عقليا أو عاديا أو جعليا وهي في عرف اللغة صارت اسما لطائفة متقدمة من الجيش وهي في الأصل صفة من التقديم بمعنى التقدم . ولا يبعد أن يكون من التقديم المتعدي لأنها تقدم أنفسها بشجاعتها على أعدائها في الظفر
ثم نقلت إلى ما يتوقف عليه الشيء وهذا المعنى يعم جميع المعاني الآتية . ومنها ما يتوقف عليه الفعل يؤيد ذلك ما قال السيد السند في ( حاشية العضدي ) في مسائل الوجوب في بحث الحكم ( ( المقدمة عند الأصوليين على ثلاثة أقسام : ما يتوقف عليه الفعل عقلا كترك الأضداد في فعل الواجب وفعل الضد في الحرام وتسمى مقدمة عقلية وشرطا عقليا . وما يتوقف عليه الفعل عادة كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه كله وتسمى مقدمة عادية وشرطا عاديا
وما لا يتوقف عليه الفعل بأحد الوجهين لكن الشارع يجعل الفعل موقوفا عليه وصيره شرطا له كالطهارة للصلاة وتسمى مقدمة شرعية وشرطا شرعيا ) ) انتهى . ( 1 / 197 )

(1/196)


ومنها ما يتوقف عليه صحة الدليل بلا واسطة كما هو المتبادر فلا ترد الموضوعات والمحمولات . وأما المقدمات البعيدة للدليل فإنما هي مقدمات لدليل مقدمة الدليل
ومنها قضية جعلت جزء قياس أو حجة وهذان المعنيان مختصان بأرباب المنطق ومستعملان في مباحث القياس صرح بذلك المولوي عبد الحكيم في ( حاشية شرح الشمسية ) وهي على قسمين : قطعية تستعمل في الأدلة القطعية وهي سبع : الأوليات والفطريات والمشاهدات والمجربات والمتواترات والحدسيات والوهميات في المحسوسات وظنية تستعمل في الإمارة وهي أربع : المسلمات والمشهورات والمقبولات والمقرونة بالقرائن كنزول المطر بوجود السحاب الرطب كذا يستفاد من ( شرح المواقف )
والمراد بالقياس ما يتناول الاستقراء والتمثيل أيضا وإردافه بلفظ أو حجة لدفع توهم اختصاص القياس بما يقابلهما . وقيل : أو للتنبيه على اختلاف الاصطلاح فقيل إنها مختصة بالحجة وقيل : يشمل ما جعلت جزءهما
وهذا المعنى مبائن للمعنى السابق . وقيل : أخص من الأول كما يستفاد من بعض حواشي ( شرح المطالع )

(1/197)


ومنها ما يتوقف عليه الباحث الآتية فإن كانت تلك المباحث الآتية العلم برمته تسمى مقدمة العلم وإن كانت بقية الباب أو الفصل تسمى مقدمة الباب أو الفصل . وبالجملة تضاف إلى الشيء الموصوف كما في ( الأطول )
وقد اشتهر بينهم أن مقدمة العلم ما يتوقف عليه الشروع في ذلك العلم والشروع في العلم لا يتوقف على ما هو جزء منه وإلا لدار بل على ( 1 / 198 ) ما يكون خارجا عنه . ثم الضروري في الشروع الذي هو فعل اختياري توقفه على تصور العام بوجه ما وعلى التصديق بفائدة تترتب عليه سواء كان جازما أو غير جازم مطابقا أو لا لكن يذكر من جملة مقدمة العلم أمور لا يتوقف الشروع عليها كرسم العلم وبيان موضوعه والتصديق بالفائدة المرتبة المعتد بها بالنسبة إلى المشقة التي لا بد منها في تحصيل العلم وبيان مرتبته وشرفه ووجه تسميته باسمه إلى غير ذلك
فقد أشكل ذلك على بعض المتأخرين واستصعبوه فمنهم من غير تعريف المقدمة إلى ما يتوقف عليه الشروع مطلقا أو على وجه البصيرة أو على وجه زيادة البصيرة ومنهم من قال : الأولى أن يفسر مقدمة العلم بما يستعان به في الشروع وهو راجع إلى ما سبق لأن الاستعانة في الشروع إنما تكون على أحد الوجوه المذكورة ومنهم من قال :
لا يذكر في مقدمة العلم ما يتوقف عليه الشروع وإنما يذكر في مقدمة الكتاب وفرق بينهما بأن مقدمة العلم ما يتوقف عليه مسائله ومقدمة الكتاب طائفة من الألفاظ قدمت أمام المقصود لدلالتها على ما ينفع في تحصيل المقصود سواء كان مما يتوقف المقصود عليه فيكون مقدمة العلم أو لا فيكون من معاني مقدمة الكتاب من غير أن يكون مقدمة العلم

(1/197)


وأيد ذلك القول بأنه يغنيك معرفة مقدمة الكتاب عن مظنة أن قولهم : المقدمة في بيان حد العلم والغرض منه وموضوعه من قبيل جعل الشيء ظرفا لنفسه وعن تكلفات في دفعه
فالنسبة بين المقدمتين هي المباينة الكلية والنسبة بين ألفاظ مقدمة العلم ونفس مقدمة الكتاب عموم من وجه لأنه اعتبر في مقدمة الكتاب التقدم ولم يعتبر التوقف واعتبر في مقدمة العلم التوقف ولم يعتبر التقدم وكذا بين مقدمة العلم ومعاني مقدمة الكتاب عموم ( 1 / 199 ) من وجه . وقال صاحب ( الأطول ) : ( ( والحق أنه لا حاجة إلى التغيير فإن كلا مما يذكر في المقدمة مما يتوقف عليه شروع في العلم هو إما أصل الشروع في العلم أو شروع على وجه البصيرة أو شروع على وجه زيادة البصيرة . فيصدق على الكل ما يتوقف عليه شروع ولحمل الشروع على ما هو في معنى المنكر مساغ أيضا كما في : ادخل السوق ) ) انتهى
وههنا أبحاث تركناها مخافة الإطناب فمن أراد الاطلاع عليها فعليه بالرجوع إلى شروح ( التلخيص )

(1/198)


قال الشيخ رفيع الدين الدهلوي في رسالته في هذا الباب : ( ( المقدمة تطلق على أمور جزء من أجزاء الكتاب عنون بهذا اللفظ وجزء كذلك يعنون مثله به وإن لم يعنون بذلك اللفظ وما يستحق أن يقدم سواء قدم وعنون بها أو لا
وهذا يسمى بمقدمة العلم والأول بل الأولان بمقدمة الكتاب فيفسر مقدمة الكتاب بما يفسر به الكتاب من الألفاظ والمعاني والنقوش وإن كان الثالث مجازيا في مثل : ( ( اشتريت الكتاب ) ) . و ( ( هذا كتاب فلان ) ) ولا يلتفت إليه في مثل : ( ( صنفت الكتاب ) ) و ( ( قرأته ) ) و ( ( هذا كتاب جيد متين ) ) و ( ( متن وشرح ( 1 / 200 ) وحاشية ) ) وتفسر مقدمة العلم بما يفسر به العلم من الإدراك والمدركات فيتحقق بينهما نسب مختلفة كالمتباين صدقا أو الكلية والجزئية أو العموم والخصوص المطلق
كما إذا اشتمل مقدمة الكتاب على غير مقدمة العلم أيضا والعموم من وجه إذا لم يقدم مقدمة العلم وقدم شيء من غيرها

(1/199)


هذا هو الكلام على العرف المشهور والذي يقتضيه النظر الصحيح أن يسمى بمقدمة الكتاب ماله دخل في خصوص الكتاب وبمقدمة العلم ماله دخل في العلم مطلقا . ويجتمعان إذا لم يكن مدخل في خصوص الكتاب إلا لما له دخل في العلم . وتحقيقهما باعتبار هذا النظر أن يقال : قد تبين في العلم الأعلى أن العلم التام بالأشياء ذوات الأسباب إنما يحصل بمعرفة عللها التامة وهي مجموع العلة الفاعلية والغائية والمادية والصورية وسائر ما يتوقف عليه حصول الشيء من الشروط والآلات والمعدات القريبة ونحو ذلك فيما يوجد فيه جميعها وبعضها فيما يوجد فيه
بعضها فنقول : إن المتقدمين لما أفرزوا من نتائج أفكارهم الأحكام المتعلقة لشيء واحد وحدة ما من جهة واحدة علوما متفرزة وشحنوا بها كتبهم وأرادوا بقاءها على مر الأعصار وعلموها تلامذتهم قرنا بعد قرن حتى وصلت إلينا فاستحسنوا تقديم بعض مبادئها عليها ليكون تسهيلا لطالبيها وتبصرة لشارعيها
وقد علمت وجه الضبط فاعلم أن ههنا أمرين أحدهما : العلم بما هو هو وذلك عبارة عن مسائل مخصوصة ومطالب معينة . وثانيهما : الكتاب وهو عبارة عن ألفاظ مقررة ومعان مرتبة . وربما كان كتاب واحد في علوم متعددة أو كتب متعددة في علم واحد ورب علم لم يدون ( 1 / 201 ) في كتاب أو كتاب لم يشتمل على علم بل على مسائل متفرقة وأحاديث ملهية من نظم أو نثر . وأيضا هما يختلفان في أمور كثيرة : كالمنفعة والمضرة والجودة والرداءة والضعف والقوة وغيرها

(1/200)


ونسبة الكتاب بمعانيه إلى العلم كنسبة العلم إلى الواقع بالمطابقة واللامطابقة فلكل منهما مبادئ متغايرة . فالأحق أن يجعل لكل منهما مقدمة مغايرة لمقدمة الآخر ويجعل مقدمة العلم من مقاصد الكتاب
ولكن من الناس من يجمعهما ومنهم من يكتفي بأحدهما ومنهم من يذكر مقدمة الكتاب في الديباجة ومقدمة العلم في جزء من الكتاب يصدر بالمقدمة ويذكر في كل ما يهمه ويتفق له . . ولكن مقدمة العلم ومقدمة الكتاب في الأغلب داخلتان في الكتاب وذلك لعدم إفرازهما بعناية النظر
ونحن نذكر مبادئ كليهما مع نوع ضبط فنقول : من المبادئ الفاعل أما فاعل العلم حقيقة فأول من أخرجه من القوة إلى الفعل ودونه وفصله كأرسطاطاليس لحكمة المشائين والمنطق وينوب منابه المهرة الذين هم أهل استنباط وتحقيق لقواعده
وأما فاعل الكتاب حقيقة فمصنفه وينوب منابه من عليه الاعتماد في روايته وتوجيهه وإصلاحه . ومنها الغاية وهي بيان الحاجة الماسة إلى تدوينه وتصنيفه
أما العلوم فلها غاية عامة هي تكمل النفس في القوة العلمية بمعرفتها وغاية خاصة تذكر في كل فن فن . وأما الكتب فلها أيضا غاية عامة وهي تسكين وهج القلب بإيراد ما يختلج فيه وإرادة الترويح والإبقاء كما قيل :
كل علم ليس في القرطاس ضاع ... ( 1 / 202 )
وغاية خاصة من توضيح مجمل أو تلخيص مطول أو تعميم انتفاع أو كتم عن رعاع أو إبانة حق أو إزالة شك أو إرضاء عظيم أو تبكيت لئيم إلى غير ذلك

(1/201)


ثم إن الغاية في الأفعال الاختيارية تتم بأمرين :
معرفة المطلوب حذرا من طلب المجهول المطلق . ومعرفة فائدته فرارا عن العبث . فوضعوا للأول معرفة الاسم ووجه التسمية للكتاب والرسم أيضا للعلم
والثاني : بيان الفائدة والمضرة ترغيبا في تحصيله ومعالجة عن إفساده ومنها المادة والصورة وعلمهما بالحقيقة إنما يكون بعد إتمام تحصيل العلم والكتاب لأن الصورة جزء آخر للمعلول والمادة مقارنة لها بل حصولهما هو عين حصول المعلول وذلك مناف لغرض المقدمة
فأقاموا مقامها شيئين آخرين : أما مقام المادة فللعلم بيان موضوعه الذي تنتهي إليه موضوعات مسائله كأنها شعب وتفصيلات ولواحق عارضة له وبيان حيثية البحث الذي تنتهي إليه محمولات المسائل كذلك . والكتاب بيان لغة ألفاظه أنها عربية أو فارسية وهي كثيرا ما تكون قليلة الجدوى . وبيان العلم الذي هو فيه فإن التحرير والتقرير إنما يقع فيه على صور شتى ووجوه مختلفة . وأما مقام الصورة فللعلم بيان أبوابه والإشارة إلى كليات أصوله وفروعه وللكتاب بيان ترتيبه وتفصيل أجزائه من المقالات والأبواب والفصول وغيرها وفهرستها

(1/202)


ومنها الشروط فبعضها عامة لكل علم في المعلم والمتعلم وزمان ( 1 / 203 ) التعليم والتصنيف . وقد حرر فيه رسائل تسمى آداب المتعلمين وآداب المصنفين . وبعضها خاصة فلكل طائفة من العلوم معلومات ما لم تعلم لم يعلم ولم يصح الجزم به مالم تستعمل وتسمى بالحدود . والعلوم المتعارفة والمصادرات والأصول الموضوعة . ولبعض الكتب رموز واصطلاحات ما لم تعلم أشكل فهم الكتاب
ومنها الآلات فإن الفاعل القريب لاكتساب العلوم هي الأفكار ولها طرق ووجوه يسهل التحصيل بها يسمى الأنحاء التعليمية وهي : التقسيم والتحليل والتحديد والبرهان . وللكتب شروح وحواش يسهل فهمها بأعمالها ومنها المعدات القريبة فيبين مرتبة العلم لتأخر عما يجب وتقدم على ما يجب وكذلك مرتبة الكتاب وبيان الكتب التي منها مأخذ الكتاب والعلوم التي يحصل منها استعداد العلم المطلوب . فهذا وجه لضبطها . وسائر المصنفين يكتفون ببعضها لما مر ولأن منها ما يكفي مؤنة غيرها ولكن توسعة للأمر قد يحث على استيفائها والعلم عند الله تعالى ) ) انتهى كلامه - رحمه الله

(1/202)


الترشيح الخامس : في التحصيل

(1/203)


قال الشيخ العلامة رفيع الدين الدهلوي في ( التكميل ) : ( ( غلب في تحصيل المجهولات التعلم على التفكر ولم يكن له قانون فدون والدي العارف الواصل والنحرير الكامل الشيخ ولي الله ابن الشيخ عبد الرحيم العمري لمزاولة الكتب تعليما ضوابط فأضفت إليه ما وفقني الله سبحانه وهي هذه ( 1 / 204 ) :
فتح فن التحصيل موضوعه العلوم المدونة من حيث تستفاد وتفاد . وغايته الخوض فيها على بصيرة والنجاة عن سوء الفهم لقاصدها وتمييز لبابها عن ذبابها وكسب الاقتدار والمهارة فيها وتفريق كامل الكتاب والمعلم من نقاصهما فليرسم بأحدهما وتكمل الناس في العلوم بدونه لا ينفي فائدته كمجتهدي الأمة وأساطين الحكمة ومدققي الهنود والإفرنج من المنطق ونظره في خمسة فإن التعلم بالتقرير ممن ينكر عليه مناظرة وممن يذعن له تدريس وتتلمذ وبالتحرير تصنيف ومطالعة

(1/203)


بسط المناظرة : توجه الخصمين في مطلب لإظهار الحق والتعرض للبيان أو المبين الحجة أو المعرف فمن الأول :

(1/204)


1 - حل المصطلح والمغلق

(1/204)


2 - تعيين المحذوف والمرجع والمحتمل لاشتراك وتجوز وتخصيص وتقييد

(1/204)


3 - دفع الإخلال لتعقيد وتبادر خلاف

(1/204)


4 - دفع الاستدراك

(1/204)


5 - سبب العدول عن ظاهر ومشهور

(1/204)


6 - تنبيه عن الإضرار بزيادة وتركها

(1/204)


7 - وعلى تعارض الكلامين صريحا أو التزاما

(1/204)


8 - وعلى تداخل الشقوق والأقسام ( 1 / 205 )

(1/204)


9 - طلب حكم مسكوت عنه منها

(1/205)


10 - خلو المدعى عن الفائدة

(1/205)


11 - استثبات الدعاوي خفية

(1/205)


12 - وظاهرا

(1/205)


ويجاب بالبيان

(1/205)


1 - 2 - إفهام القرينة

(1/205)


3 - وفائدة اللفظ

(1/205)


4 - والترجيح

(1/205)


5 - ودفع المضر

(1/205)


6 - والتوفيق

(1/205)


7 - والتمييز ولو في الجملة أو بالحقائق دون المصداق

(1/205)


8 - والدرج

(1/205)


9 - ووجه النفع

(1/205)


10 - والاطلاع

(1/205)


11 - 12 - أو يصلح في الكل ثم الاستدلال أو النقل

(1/205)


من الثاني ( 1 / 206 ) :

(1/206)


1 - تحقيق المذهب

(1/206)


2 - تصحيح النقل

(1/206)


3 - عدم الاعتداد به

(1/206)


4 - تغيير معناه

(1/206)


5 - منع المقدمات كلا أو بعضا كالصغرى والكبرى والملازمة والتنافي والوضع والرفع

(1/206)


6 - السند إن ادعى البديهة فالمساوي يفيدهما نفيا وإثباتا والأخص المعترض إثباتا والأعم المستدل نفيا

(1/206)


7 - فساد التأليف لفقد شرطه وعدم تكرر وسط ونفي حصر ويرددان على الشقين كثيرا

(1/206)


8 - مناسبة الأوسط لضد الأكبر والمقدم لضد التالي

(1/206)


9 - النقض بالتخلف عن المدعى

(1/206)


10 - وباستلزامه محالا

(1/206)


11 - المصادرة على المطلوب جزئية

(1/206)


12 - وتوقفا ولو باختلاف اللفظ

(1/206)


13 - القول بالموجب لعمومه أي الدليل عن الدعوى

(1/206)


14 - لقصور عنها لخصوصه

(1/206)


15 - المعارضة عليها

(1/206)


16 - وعلى مقدماتها ( 1 / 207 )

(1/207)


17 - إبطال المبني وهو غير القدح في دليله وذلك في المقدمات القريبة وأنفع منه لهدمه أساسا ولكن في طرفي المناظرة لئلا يشوش بالانتقال

(1/207)


18 - تساوي الدليل والدعوى قبولا وردا للاشتراك في أصل

(1/207)


19 - استثبات التفاريع عليها بعد الاعتراف تقديرا

(1/207)


20 - مخالفة النص أو إمام الفن

(1/207)


ويجاب :

(1/207)


1 - بالإعلام

(1/207)


2 - والعرض

(1/207)


3 - والتوثيق

(1/207)


4 - والترجيح بقرب وشهادة حاذق

(1/207)


5 - والاستدلال

(1/207)


6 - و 7 - التطبيق على القواعد

(1/207)


8 - ونفي المناسبة

(1/207)


9 - والفرق بين الصورتين

(1/207)


10 - و 11 - المتقدمتين

(1/207)


12 - وإبداء وسط يرفع التوقف

(1/207)


13 - وتوجيه التقريب

(1/207)


14 - و 15 - تبديل المنصب ( 1 / 208 )

(1/208)


16 - و 17 - أييد المبني بعد تحريره

(1/208)


18 - وقطع التفريع

(1/208)


19 - وتصحيح الفروع برفع الاستبعاد أو الإنكار

(1/208)


20 - والتأويل راجحا والجرح مرجوحا أو مرجوعا عنه لإعمال غيره وعند العجز الانتقال أو الإذعان

(1/208)


والثالث أي المعرف لا يحتمل النقض والمعارضة
ومنوع الأحكام الضمنية دعاوي يجب إثباتها :

(1/208)


1 - كالدور مصرحا ومضمرا

(1/208)


2 - فمنها للحمل

(1/208)


3 - والتصوري للبديهة والسور

(1/208)


4 - والجلاء مطلقا

(1/208)


5 - والمنع

(1/208)


6 - والجمع وافيا

(1/208)


7 - والتناول

(1/208)


8 - والاندراج للإطباق

(1/208)


9 - ووجه الشبه بالمبائن قاصرا

(1/208)


10 - والذاتية حدا لفقد أحكامها
وكله في الخفاء وبعد الظهور مجادلة لا يسامح فيها وقلما يلتزم إثبات شيء ( 1 / 209 )

(1/208)


التدريس :

(1/209)


تفهيم الكتاب باللسان وطريقه للقاصر الترجمة فقط فيتبلد الذهنان . وللفالي ذكر ما أمكن حفظا ومراجعة فيعسر اليسير بالتعجيل ويطول زمان التحصيل وللمستعجل الاكتفاء بصدور الكتب بالدقة فيحوج إلى شغل ثان للاستيفاء والاقتصار على العد في العلماء وللحاذق من كل علم مبسوط وفي البداية تعليم متن سهل لمعرفة الاصطلاحات وأصول القواعد وشرح مستوف لفوائد القيود والأدلة والأبحاث والاختلافات المشهورة وحاشية لملكة التدقيق جرحا وتعديلا وترجيحا والاعتياد بوصل الخارج وجمع المنتشر فإن احتيج زيد

(1/209)


ومن المختصر ما يكفي وضوابطه :

(1/209)


1 - ضبط المشكل بنوع الحركة والسكون والإعجام والإهمال والتقديم والتأخير

(1/209)


2 - شرح الغريب لغة واصطلاحا

(1/209)


3 - كشف المغلق صيغة وتركيبا

(1/209)


4 - تصوير المسألة بتمثيل وتشكيل

(1/209)


5 - تقريب الأدلة بتصريح المطويات والوصل بالأصل ( 1 / 210 )

(1/209)


6 - تحقيق القواعد بفوائد القيود وسد الانكسار بلا فضول ولا إغلاق

(1/210)


7 - تنقيح التعريفات بهما وبالاستنباط المشترك والمميز من التقسيمات

(1/210)


8 - وجه الحصر والترتيب في الأقسام والأبواب

(1/210)


9 - تفريق الملتبسين من التوجيهات والتعليلات والأقوال

(1/210)


10 - تطبيق المختلفين من كلامي واحد ومتحدي مذهب

(1/210)


11 - التنبيه على الاستثناءات والإيرادات الظاهرة الورود ودفعها

(1/210)


12 - تفتيش الحوالة عن محلها

(1/210)


13 - بيان المبهم من وجوه النظر والأولى والصواب والسؤال المقدر

(1/210)


14 - الترجيح بين التوجيهات وإبداء الأسلم والأقرب منها وما علي كل

(1/210)


15 - سبب تغيير الأسلوب المعروف

(1/210)


16 - تعيين السؤال والجواب بنوعه ومنشئه ومورده

(1/210)


17 - حسن التقرير بإيضاح موجز

(1/210)


18 - الترجمة بلغة الطالبين

(1/210)


19 - إعمال فكره في حل ما يمكن منه ( 1 / 211 )

(1/210)


20 - حفظ اللسان عن سوء الخلق

(1/211)


21 - حفظ وضع المعترض والمجيب

(1/211)


22 - تلخيص المتشتت

(1/211)


23 - توزيع الفروع والعلل على ملفوف أو ملحوظ

(1/211)


24 - التيقظ عند ترتيب الأسئلة والأجوبة لأصل الإثبات والنفي

(1/211)


25 - الحذر عما يوجب سوء الفهم ويستوي فيه المنقول والمعقول البرهاني والخطابي إلا أن الاعتبار في الأول بتحقيق العبارات والربط أكثر وفي الثاني بالوصل إلى البديهيات أصولا والمسلمات فروعا وفي الثالث بالمناسبات الظنية
فلا يزال ينبه عليها بما يتحمل حتى يتخذه ملكه بفكره ثم يعرض مطالعته على مطالعته وعلى الحواشي ويفهمه الغلط والحذر عنه ثم يمتحنه بتصنيف شرح أو حاشية يؤدي فيه حقه ويستحق الوثوق برأيه

(1/211)


التتلمذ :

(1/211)


فهم الكتاب بالاستماع بعد الصحة والمعاش ولو بالقناعة والشوق والجد ولو بالتحريص والفهم والحفظ ولو بالجهد والمداومة وحسن الظن مع الأستاذ ولو في الفن والكتاب الواضح الصحيح والأستاذ الماهر الشفيق ولو بالطمع - حقه ( 1 / 212 ) :

(1/211)


1 - صحة القراءة

(1/212)


2 - وتمييز الجمل

(1/212)


3 - والاستماع بتفريغ القلب

(1/212)


4 - والتثبت في الفهم

(1/212)


5 - واستكشاف ما خفي

(1/212)


6 - وعرض الشبهة بالأدب

(1/212)


7 - وجمع سابق البحث ولاحقه في الذهن

(1/212)


8 - وتقدم النظر ليكون أوقع وعلى بصيرة وفي البداية بحضور المعلم أنفع

(1/212)


9 - والمعاودة ليستقر وبالتقرير أجود

(1/212)


10 - والتحفظ للإحضار حيث ينبغي ومع الكتابة أحسن

(1/212)


11 - والامتثال لما يراه أصلح

(1/212)


12 - والاجتناب عما ينقبض به الخاطر

(1/212)


13 - وعن التعرض لبعيد المناسبة

(1/212)


14 - وعن الضجر من الحوالة فيما تعسر جدا فإنه :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود

(1/212)


15 - ولطالب التحقيق سلخ الألفاظ المتخيلة عن صورة للشيء يطابقها جميع صفاته ويلائمها جميع فروعه المتفقة عليها ( 1 / 213 )

(1/212)


التصنيف :

(1/213)


تأليف الكلام لتحريره نثرا ونظما والمراد ما في العلوم فما لم يتعلق بغيره صريحا فمتن أو تعلق متصلا فشرح مدمج أو مفصولا ب ( ( قال أقول ) ) ونحوها أو على الطفرة فتعليق وحاشية ومن كل وجيز ووسيط وبسيط وله أغراض سياقه بحسبها

(1/213)


1 - اختراع جديد

(1/213)


2 - ضبط قديم

(1/213)


3 - ترويج خامل

(1/213)


4 - جمع متفرق

(1/213)


5 - تجريد عن زائد أو فاسد لفظا أو معنى

(1/213)


6 - تتميم بلاحق كاستثناءات وقيود وأمثلة وأدلة ومسائل ومآخذ

(1/213)


7 - إبانة حق بدءا أو نصرا أو ذبا

(1/213)


8 - إزاحة باطل بكشف شبهة أو ضلالة

(1/213)


9 - اشتراك في تفرد

(1/213)


10 - إصلاح ترتيب

(1/213)


11 - تسهيل مغلق بحل أو بسط

(1/213)


12 - انتزاع أصل من منتشر ( 1 / 214 )

(1/213)


13 - تفريع شعب لمجمل

(1/214)


14 - تحقيق مقام أو كتاب أو فن بجمع ماله وعليه

(1/214)


15 - تبديل نثر بنظم

(1/214)


16 - ولغة بلغة أخرى ودون له والدي - رحمه الله تعالى - قوانين الترجمة

(1/214)


17 - وتتركب كثيرا
فبعد إتقان اللغة والفن وسليقة الإيجاز والإطناب يستعان فيه بما مر ففي الشروح والحواشي الحل بضوابط التدريس وفي إعانة الحق بالمنطق وفي الرد بأسئلة المناظرة وفي التوجيه بأجوبتها مع النحو والبلاغة والأصول وفي بعض بسليقة البيان وفي طائفة بالتتبع والتبحر وأمثالها مع مزيد التحفظ في النقل والنقد وحسن التقرير إيجاز أو بسطا بحسب المحل وحفظ الوضع من المذهب والمنصب فإن من صنف استهدف . ويكون لخصوص الكتاب من المقدمات مثل ما في مقدمة العلم مع الزمان والمكان والرموز فليجمعها في واحدة أو ليقدم في الديباجة على مقدمة العلم

(1/214)


المطالعة :

(1/214)


النظر في الكتاب بفهم المراد والخلل وبعد اقتناء اللغة والاصطلاح وملكة الترجمة تتمم بأنظار ثلاثة تداخلت أو تعاقبت ( 1 / 215 ) :
الأول : للإحاطة بالمعاني الثانوية وتمييز المذكور عن المتروك وبعض الجمل عن بعض والطرفين عن القيود
والثاني : لمعرفة فوائدها والمعاني الأولية وجديد التصرف وربط الأدلة والأبحاث فيما بينها استقامة واعوجاجا بما في التدريس
والثالث : للنقد بالهدم والتشييد والنقد والترصيف ويفهم المعنى :

(1/214)


1 - بعبارة الكلام من لفظه بلا شبهة قصدا

(1/215)


2 - وإشارته كذلك ضمنا

(1/215)


3 - وعمومه لبيان الفردية

(1/215)


4 - والإدراج فيه لمبينها بعد خفاء لكمال أو نقص أو ثبوت الركن وفقد اللوازم العرفية ونحوها

(1/215)


5 - وتقديره لمحذوف يشهد له العرف بلا روية

(1/215)


6 - وإيمائه لترجيح أحد محتمليه بقاطع أو ظني كشهادة كلام ثان له أو عدم اجتماع الأوصاف في غيره وكونه أهم المقاصد . أو أدنى مصداق أو فائدة لولاه لبطل ولغي أو قربه معنى أو مزيد نفعه أو نحوه

(1/215)


7 - وإشعار من سياقه كالتقديم والتأخير والعدول وجواب الوهم والانطباق والحذف حيث يذكر والإدارة على الوصف والتعقيب بأن في التنزيل شبهها

(1/215)


8 - ومقامه كالتيسير والتشديد والفخامة والحقارة والتدقيق والمسامحة والاهتمام والتبعية ( 1 / 216 )

(1/215)


9 - وتجوزه لتعذر الحقيقة وقيام القرينة

(1/216)


10 - وكنايته لعدم وفاء الصريح بالغرض وإن صح

(1/216)


11 - وتعارفه من زيادة لفظ وبيانية إضافة والتكثير بالواحد والاعتبار لتكرار وعزمه وتعمم خاص وعكسه وإخراج المتكلم من الكلام

(1/216)


12 - وبالتزامه بالالتفات إلى ما لا ينفك ذهنا لعلاقة ذاتية كالملكة لعدمها وأحد المتضايفين للآخر أو عادة طبعية كالنور للكواكب والحرارة للنار أو عرفية كالسخاوة لحاتم والشجاعة لرستم

(1/216)


13 - ومنافاته لوجوب ارتفاع مقابلة

(1/216)


14 - واقتضائه لما يتوقف عليه صدقة عقلا أو شرعا أو عادة وهما بينان بالمعنى الأعم

(1/216)


15 - واستلزامه لما يترتب عليه ولا يعرف إلا بممارسة وفكر من غير البين

(1/216)


16 - وفحواه فيما عليته مناطة وحصوله في الفرع بالعرف واللغة

(1/216)


17 - والقياس عليه في مثله بالنظر

(1/216)


18 - واعتباره لاجتماع مباد في الذهن أورثت بسماعه ما لا ينقدح لغيره ( 1 / 217 )

(1/216)


19 - ومفهومه المخالف بشروطه حيث يتعين فائدة

(1/217)


20 - وتأليفه اقترانيا من مقدمتين في أثنائه مشتركتين في جزء واستئناثيا من شرطية أو فرع لأصل مع اعتراف أو إنكار لأحد طرفيها

(1/217)


21 - والاقتصار عليه عن الأبين والأرفق في معرض البيان
ويخل به - أي بفهم المعنى - الجهل :

(1/217)


1 - بالموضوع له

(1/217)


2 - والوضع

(1/217)


3 - وخواص التراكيب

(1/217)


4 - والمرجح

(1/217)


5 - والصارف

(1/217)


6 - والقرينة

(1/217)


7 - ثم توجه المفاسد

(1/217)


8 - والحذف

(1/217)


9 - والخلط

(1/217)


10 - والانتشار

(1/217)


فبعد سكب السليقة بالتتلمذ يستعان بالفحص عن معادنها والشروح والحواشي وكتب الفن وإمعان الفكر وأعظم نفعها في الكتاب والسنة
هذا ما تيسر لي بفضل الله وله المنة ومن ارتقى إلى الكمال فليزد ( 1 / 218 ) فيه ما شاء فإن العلوم تتزايد بتلاحق الأفكار والله سبحانه دائم الجود مفيض الأسرار والحمد لله ) ) انتهى . كلامه وهو الباب الثاني من كتابه على التمام والكمال

(1/217)


وقال الشيخ العلامة : عليم الله بن عبد الرزاق في شرح ( رسالة المطالعة ) ما عبارته :
( ( واعلم أن المطالعة علم يعرف به مراد المحرر بتحريره وغايته الفوز بمراده حقا والسلامة عن الخطأ والتخطئة باطلا . وموضوعه المحرر من حيث هو . فإذا أردت الشروع في المطالعة وهو صرف الفكر في مبحث ليتجلى معناه فانظر وتأمل في المبحث مبتدئا من أوله منتهيا إلى آخره نظرا إجماليا
لكن ينبغي أن يكون ذلك النظر على وجه ينتقش في ذهنك جملة المعنى المراد منه فإن انتقش في النظر الأول فذاك وإلا فذلك إما لخفاء في اللغة أو لغط أو لسهو أو لنسيان من النساخ بحذف أو زيادة أو قلب أو تصحيف أو لتعقيد أو لقصور فيك فراجع في الأول إلى كتب اللغة أو إلى من عنده علمها وفي الثاني والثالث والرابع إلى نسخة أصح منها وأما في الأخيرين فانظر نظرا ثانيا أو ثالثا فصاعدا حتى ينتقش المراد

(1/218)


ثم بعد الانتقاش لاحظ الأمور التصورية من كل قضية منه أولا فأولا على الترتيب بدقة النظر في تلك الملاحظة واستبصر في كل من تلك الأمور هل يرد على واحد منها أمر من الأمور القادحة فيها أم لا والمراد بالورود ههنا التوجه الذي هو أعم منه وبعد ظهور ذلك الأمر من القوادح استبصر ثانيا هل يمكن دفع ذلك الأمر منها أم لا وبعد ظهر الدافع ثالثا هل يمكن دفع ما يدفع ذلك الدافع ( 1 / 219 ) أم لا
وهكذا إلى حيث يتوطن الذهن وآية التوطن اختبار بتثنية النظر وتثليثه فصاعدا على حسب المقام وبعد الفراغ من تلك الملاحظة لاحظ الأمور التصديقية أيضا بدقة النظر واستبصر في لك منها هل يتوجه على واحد منها شيء من الأشياء التي يقدح فيها أم لا . وبعد ظهور شيء من القوادح استبصر ثانيا هل يسوغ ويمكن التقصي عنها أم لا . وبعد ظهور التقصي عنها ثالثا هل يمكن التقصي عن ذلك التقصي أم لا . وهكذا إلى حيث يحصل التوطن وآيته ههنا آيته هناك . وبعد الفراغ عن تينك الملاحظتين لا حظ الأمور القادحة الموردة التي أوردها عليها مورد سواء كانت محررة في شرح أو حاشية أولا
والغرض من هذه الملاحظة أن يظهر لك هل هي متوجهة كما هو في زعم المورد أم لا . فإن ظهرت غير متوجهة أصلا فلا تلتفت إليها إلا أن يكون المورد عظيم الشأن معتقد الكل أو الأكثر فهناك القصور فيك لا فيه فتوقف حينئذ واختبر نظرك بتكريره مرة بعد أخرى . ثم بالمطارحة مع الأقران ثم بالعرض على المشائخ والأستاذين فإن أزاحوا شبهتك فذاك وإلا فالتسليم والإحالة إلى وقت فتحه تعالى وإلا فاستبصر في دفعها هل هو ممكن أو لا . وبعد ظهور الدافع يمكن دفع ما يدفعه أم لا . وهكذا إلى حصول التوطن

(1/218)


فإذا نظرت في المبحث من أوله إلى آخره على هذا الوجه المذكور فلا يخلو حالك عن أحد هذه الأمور الثلاثة :
إما أن لا تكون أنت واجدا ومصيبا لشيء من القوادح أصلا فعدم ( 1 / 220 ) الوجدان والإصابة إما لقصور ذهنك عن إدراكه أو لعدمه لكمال من حرره في التحرير بحيث لا يتطرق إليه قدح ولا نقص أصلا أو لوقوع تحريره هذا كاملا
وإما أن تكون أنت واجد الشيء من الأشياء الواردة القادحة المدفوعة التي دفعها الناس أو أمكن دفعها
وإما أن تكون أنت واجد الشيء من الأشياء الواردة الغير المدفوعة
ولا قصور في شيء من هذه الأحوال التي هي في المورد الثلاثة المذكورة إلا في الحالة الأولى فإن القصور فيها محتمل كما تقدم . وإذا كانت ناشئة من القصور وظهر لك أن الحالة الأولى منشؤها قصور ذهنك عن دركه فلا تفتر جدك وجهدك في النظر والمطالعة بل استمر واثبت على ذلك فإن الممارسة لشيء والملازمة له تورث الكمال في ذلك الشيء . فإذا فرغت عن النظر في المبحث الأول بالطريقة المهدية إليها الهادية إلى الحق فانظر في المبحث الثاني من أوله إلى آخره على الوجه الذي أريناك فإن ظهر عليك أن القصور في نفسك باق بعد بأن لم تجد مدعاه أو شيئا من القوادح فلا تفتر جدك وجهدك في النظر والمطالعة بل أثبت فانظر في المبحث الثالث على ذلك الوجه وهكذا إلى أن يتم الكتاب

(1/219)


فإن حصل لك الكمال فذلك وإلا فإعادته إلى كتاب آخر فآخر إلى أن يحصل لكل الكمال . وعد نفسك محلا قابلا لفيضان الكمالات عليها ولا تيأس من فضل الله فإنك أيها العاقل لست من الذين قد محاهم المخاطبون عن دفاترهم وفضل الله على الخلق أوسع من خواطرهم . وإذا وقع جدك وجهدك في المطالعة على هذا النهج والطريق المذكور سنة أو أكثر إلى سنتين لا أظنك أن لا تترقى بل أجزم أن تترقى في المطالعة إلى وجه تقدر ( 1 / 221 ) على تمييز المقبول من الأحكام عن المردود منها فإذا صرت مقتدرا كامل القدرة على ذلك الطريق بحيث لا يحوم حولك قصور ولا خطأ ولا فتور فارتق إلى حيث خلقت نوعا أو شخصا له من المراتب العالية من الكمالات النفسية التي هي معرفة الله تعالى ذاتا وصفة حيث قال تعالى : ( ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ) أي ليعرفون كما فسر بعضهم

(1/220)


قف : اعلم أن الشارح والمحشي إذا زاد على الأصل شيئا فالزائد لا يخلو إما أن يكون بحثا أو اعتراضا أو تفصيلا لما أجمله أو تكميلا لما نقصه وأهمله والتكميل إن كان مأخوذا من كلام سابق أو لاحق فإبراز وإلا فاعتراض فعلى الأولين إما تفسير لما أبهمه فإن كان بكلمة ( ( أي ) ) أو بالبيان أو بالعطف فتفسير باللفظ وإن كان بكلمة ( ( يعني ) ) أو ما يرادفه فتفسير بالمعنى الظاهر
وصيغ الاعتراض مشهورة ولبعضها محل يشارك فيه الآخر فيرد و ( ( ما اشتق منه ) ) لما لا مدفع له بزعم المعترض ويتوجه و ( ( المشتق منه ) ) أعم منه ونحو ( ( إن قلت ) ) مما هو بصيغة المعلوم شرطا لما تحقق له الجواب مع قوة في البحث ونحو ( ( إن قيل له ) ) مع ضعف فيه و ( ( قد يقال ) ) ونحوه لما فيه ضعف شديد ونحوه ( ( لقائل ) ) لما فيه ضعف ضعيف ( ( وفيه بحث ) ) ونحوه لما فيه قوة سواء تحقق الجواب أولا وصيغة المجهول ماضيا كان أو مضارعا ولا يبعد ويمكن كلها صيغ التمريض يدل على ضعف مدخولها بحثا كان أو جوابا و ( ( أقول ) ) وقلت لما هو خاصة القائل

(1/221)


وقد اشتهر من الأستاذين أن ( ( لا يبعد أن ) ) ( شرح الكافية ) للشيخ الأجل الكامل في الكل الشيخ عبد الرحمن الجامي قدس سره من خواصه . وكذا ( 1 / 222 ) ( ( قد يقالات ) ) ( شرح المواقف ) للسيد سند الكل في الكل له خاصة . واختيار صيغ التمريض تواضع منهما رفع الله تعالى قدرهما
وإذا قيل ( ( حاصله ) ) أو ( ( محصله ) ) أو ( ( تحريره ) ) أو ( ( تنقيحه ) ) أو نحو ذلك فذاك إشارة إلى قصور في الأصل واشتماله على حشو وإيهام . وتراهم يقولون فيم قام إقامة شيء مقام آخر مرة ( ( نزل منزلته ) ) وأخرى ( ( أنيب منابه ) ) وأخرى ( ( أقيم مقامه ) ) فالأول في إقامة الأعلى مقام الأدنى والثاني بالعكس والثالث في المساواة وإذا رأيت واحدا منها مكان الآخر فهناك نكتة وإنما اختاروا في الأول التفعيل وفي الأخيرين الأفعال لأن تنزيل الأعلى مكان الأدنى يحوج إلى العلاج والتدريج
وربما يختم البحث بنحو ( ( تأمل ) ) فهو إشارة إلى دقة المقام مرة وإلى خدشة فيه أخرى سواء كان ب ( ( فيه ) ) أو بدونها إلا في مصنفات العلامة مولانا جلال الدين الدواني نور الله مرقده فإنه ب ( ( فيه ) ) إشارة إلى الثاني وبدونها إلى الأول . وهذا اصطلاح جديد له على ما نقله عنه بعض تلامذته مختص بها غير متجاوز عنها ) ) انتهى . ملخصا

(1/221)


أدب البحث :

(1/222)


هو علم يوصل به إلى كيفية الاحتراز عن الخطأ في ( 1 / 223 ) المناظرة . وموضوعه المناظرة إذ يبحث فيه عن أحوالها وكيفياتها وأوردنا ههنا ما هو المطلب الأعلى والاهتمام بشأنه هو المقصد الأقصى فنقول :
لا بد أن يعلم أولا أن المعلل ما دام في تقرير الأقوال والمذاهب وتحرير المباحث لا يتجه عليه ولا يطلب منه شيء سوى تصحيح النقل وتصريح أن فلانا قال كذا في كذا إن طولب به فإذا شرع في إقامة الدليل على ما ادعاه يتجه عليه طريق المناظرة

(1/222)


قف : اعلم أن كلام المناظرين إما أن يقع في التعريفات أو في المسائل فإن وقع في التعريفات فللسائل طلب الشرائط وإيراد النقض بوجود أحدهما بدون الآخر ولا يرد عليه المنع لأنه طلب الدليل والدليل على التصديق إلا أن يدعي الخصم حكما صريحا بان يقول هذا مفهومه لغة أو عرفا أو اصطلاحا أو ضمنا . فللسائل أن يمنع وللمعلل - أي المجيب - أن يجيب والجواب عن التعريف الاسمي سهل حاصله يرجع إلى الاصطلاح وإلى أن يقول المعلل :
( ( إن مرادي بهذا اللفظ هذا المعنى ) ) وعن التعريف الحقيقي أعني تعريف الماهيات الموجودة في الخارج صعب إذ لا مدخل فيه للاصطلاح بل يجب فيه العلم بالذاتيات بالذاتيان والعوارض والتفرقة بينهما بان يفرق بين الجنس والعرض العام والفصل والخاصة وهذا متعسر جدا في التعريف بل متعذر وكذا لا نرد عليه ( 1 / 224 ) المناقضة فإنها هي طلب الدليل الدال على نقيض المدعي والدليل منتف هنا وإن وقع في المسائل فإذا شرع المعلل في إقامة الدليل فالخصم إن منع مقدمة معينة من مقدماته أو كليهما على التعينين فذاك يسمى مناقضة ونقضا تفصيليا فلا يحتاج فيه إلى شاهد

(1/223)


وإن ذكر شيئا مما يتقوى به المنع يسمى سندا فإن لم يذكره لم يجز الاعتراض عليه إلا إذا ادعى مساواته المنع لأن السند ملزوم لثبوت المنع وانتفاء الملزوم لا يستلزم انتفاء اللازم لكن على تقدير المساواة يمكن انتفاؤه وأكثر ما يستند إليه يذكر مساويا فلذا شاع الكلام عليه
وإن منع مقدمة غير معينة بان يقول : ليس هذا الدليل بجميع مقدماته صحيحا بمعنى أن فيها خللا فذلك يسمى نقضا إجماليا ولا يسمع إلا أن يذكر الشاهد على الخلل وإن لم يمنع شيئا من المقدمات لا إجمالا ولا تفصيلا بل قابل بدليل دال على نقيض مدعاه يسمى معارضة ويصير السائل معللا وبالعكس

(1/224)


واعلم أن السؤال المتعلق بالإفهام يسمى الاستفسار وهو طلب بيان معنى اللفظ في الأغلب وإنما يسمع إذا كان في اللفظ إجمال أو غرابة وكذلك كل ما يمكن فيه الاستبهام حسن فيه الاستفهام وإلا فهو لجاج وتعنت ولفائدة المناظرة مفوت إذ يأتي في كل لفظ تفسير فيتسلسل والجواب عن الاستفهام ببيان ظهوره في مقصوده إما بالنقل عن أهل اللغة أو بالعرف العام أو الخاص أو بالقرائن المضمومة وإن عجز عن ذلك كله فالتفسير بما يصح لغة وإلا يكون من جنس اللعب فيخرج عما وضعت له المناظرة وإظهار الحق
وهذا الاستفهام يرد على تقرير المدعي وعلى جميع المقدمات وعلى جميع الأدلة فلا سؤال أعم منه ( 1 / 225 )

(1/224)


تنبيه : من الواجب على المعلل أن لا يستعجل بالجواب بل يطلب منه توجيه المنع وتحقيقه إذ ربما لا يتمكن المانع توجيهه أو يظهر فساده أو يتذكر جوابه فإذا أجيب فعلى المانع أو لا يستعجل بل ويطلب توجيه الجواب وتفصيله إذ ربما لا يقدر عليه أن يكون غلطا
ومما يجب على المتناظرين أن يتكلما في كل علم بما هو حده ووظيفته فلا يتكلما في اليقيني بوظائف الظني وبالعكس ( 1 / 226 )

(1/225)


الباب الرابع : في فوائد منثورة من أبواب العلم وفيه مناظر وفتوحات

(1/226)


المنظر الأول : في العلوم الإسلامية

(1/226)


اعلم أن العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد التي يخوض فيها البشر ويتداولونها فيما بينهم تحصيلا وتعليما هي على صنفين :
صنف طبيعي : للإنسان يهتدي إليه بفكره وصنف نقلي : يأخذه عمن وضعه
والأول : هي العلوم الحكمية الفلسفية وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها حتى يقفه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر
والثاني : هي العلوم النقلية الوضعية وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول لأن الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي بمجرد وضعه فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي إلا أن هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل وهو نقلي فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه . ( 1 / 227 )
وأصل هذه العلوم النقلية كلها هي : الشرعيات من الكتاب والسنة التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله وما يتعلق بذلك من العلوم التي نهيئها للإفادة ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملكة وبه نزل القرآن

(1/226)


وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة لأن المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو بالإجماع أو بالإلحاق فلا بد من النظر في الكتاب ببيان ألفاظه أولا وهذا هو : علم التفسير ثم بإسناد نقله وروايته إلى النبي - صلى الله عليه و سلم - الذي جاء به من عند الله واختلاف روايات القراء في قراءته وهذا هو : علم القراءات ثم بإسناد السنة إلى صاحبها والكلام في الرواة الناقلين لها ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارهم بعلم ما يجب العمل بمقتضاه من ذلك وهذه هي : علوم الحديث ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط وهذا هو : أصول الفقه وبعد هذا تحصل الثمرة بمعرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين وهذا هو : الفقه ثم إن التكاليف منها : بدني ومنها : قلبي وهو المختص بالإيمان وما يجب أن يعتقد وما لا يعتقد وهذه هي : العقائد الإيمانية في الذات والصفات وأمور الحشر والنعيم والعذاب والقدر والحجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو : علم الكلام ثم النظر في القرآن والحديث لا بد أن تتقدمه العلوم اللسانية لأنه متوقف عليها وهي أصناف فمنها : علم اللغة وعلم النحو وعلم البيان وعلم الأدب حسبما نتكلم عليها كلها

(1/227)


وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها وإن كانت ( 1 / 228 ) كل ملة على الجملة لا بد فيها من مثل ذلك فهي مشاركة لها في الجنس البعيد من حيث إنها علوم الشريعة المنزلة من عند الله تعالى على صاحب الشريعة المبلغ لها وأما على الخصوص : فمباينة لجميع الملل لأنها ناسخة لها وكل ما قبلها من علوم الملل فمهجورة والنظر فيها محظور فقد نهى الشرع عن النظر في الكتب المنزلة غير القرآن
قال - صلى الله عليه و سلم - : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد )
ورأى النبي - صلى الله عليه و سلم - في يد عمر - رضي الله عنه - ورقة من التوراة فغضب حتى تبين الغضب في وجهه ثم قال : ( ألم آتكم بها بيضاء نقية والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي )

(1/227)


ثم إن هذه العلوم الشرعية النقلية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لا فوقها وهذبت الاصطلاحات ورتبت الفنون فجاءت من وراء الغاية في الحسن والتنميق
وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه وأوضاع يستفاد منها التعليم واختص المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها وقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب لتناقص العمران فيه وانقطاع سند العلم والتعليم وما أدري ما فعل الله بالمشرق ؟ والظن به نفاق العلم فيه واتصال التعليم في العلوم وفي سائر الصنائع الضرورية والكمالية لكثرة عمرانه والحضارة ووجود الإعانة لطالب العلم بالجراية من الأوقاف التي اتسعت بها أرزاقهم - والله سبحانه وتعالى هو الفعال لما يريد وبيده التوفيق والإعانة - . ( 1 / 229 )

(1/228)


المنظر الثاني : في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم

(1/229)


وذلك من الغريب الواقع لأن علماء الملة الإسلامية في العلوم الشرعية والعقلية أكثرهم العجم إلا في القليل النادر وإن كان منهم العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي والسبب في ذلك : أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة وإنما أحكام الشريعة - التي هي : أوامر الله ونواهيه - كان الرجال ينقلونها في صدورهم وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين ولا دفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة وجرى الأمر على ذلك زمن الصحابة والتابعين وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله : ( القراء ) : أي الذين يقرؤون الكتاب وليسوا أميين لأن الأمية يومئذ صفة عامة في الصحابة بما كانوا عربا فقيل لحملة القرآن يومئذ : ( قراء ) إشارة إلى هذا فهم قراء لكتاب الله والسنة المأثورة عن رسول الله لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه ومن الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح
قال - صلى الله عليه و سلم - : ( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي )

(1/229)


فلما بعد النقل - من لدن دولة الرشيد فما بعد - احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييد الحديث مخافة ضياعه ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الناقلين للتمييز بين الصحيح من الأسانيد وما دونه ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج ( 1 / 230 ) إلى وضع القوانين النحوية وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في : الاستنباطات والاستخراج والتنظير والقياس واحتاجت إلى علوم أخرى وهي وسائل لها من : معرفة قوانين العربية وقوانين ذلك الاستنباط والقياس والذب عن العقائد الإيمانية بالأدلة لكثرة البدع والإلحاد فصارت هذه العلوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم فاندرجت في جملة الصنائع
وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر وأن العرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية وبعد عنها العرب وعن سوقها
والحضر لذلك العهد هم : العجم أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من : الصنائع والحرف لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس فكان صاحب صناعة النحو : سيبويه والفارسي من بعده والزجاج من بعدهما وكلهم عجم في أنسابهم وإنما ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيروه قوانين وفنا لمن بعدهم وكذا حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللغة والمربى وكان علماء أصول الفقه كلهم عجما - كما يعرف - وكذا حملة علم الكلام وكذا أكثر المفسرين ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم
وظهر مصداق قوله - صلى الله عليه و سلم - : ( لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس )

(1/229)