صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : رحلة ابن جبير
المؤلف : ابن جبير
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار
ابتدئ بتقييدها يوم الجمعة الموفي ثلاثين لشهر شوال سنة ثمان وسبعين وخمس مئة على متن البحر بمقابلة جبل شليرعرفنا الله السلامة بمنه.
وكان انفصال أحمد بن حسان ومحمد بن جبير من غرناطة، حرسها الله للنية الحجازية المباركة، قرنها الله بالتيسير والتسهيل وتعريف الصنع الجميل، أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال المذكور وبموافقة اليوم الثالث لشهر فبرير الأعجمي. وكان الاجتياز على حيان لقضاء بعض الأسباب، ثم كان الخروج منها أول ساعة من يوم الاثنين التاسع عشر لشهر شوال المذكور وبموافقة اليوم الرابع عشر لشهر فبرير المذكور أيضاً.
وكانت مرحلتنا الأولى منها حصن القبذاق ثم منه حصن قبرة ثم منه مدينة استجة ثم منها حصن أشونة ثم منه شلير ثم منه حصن أركش ثم منه قرية تعرف بقرية القشمة من قرى مدينة ابن السليم ثم منها جزيرة طريف، وذلك يوم الاثنين السادس والعشرين من الشهر المؤرخ.
فلما كان ظهر يوم الثلاثاء من اليوم الثاني، يسر الله علينا في عبور البحر قصر مصمودة تيسيراً عجيباً، والحمد لله. ونهضا منه سبتة غدوة يوم الأربعاء الثامن والعشرين منه، وألقينا بها مركبا للروم الجنويين مقلعاً الإسكندرية بحول الله، عز وجل، فسهل الله علينا في الركوب فيه.
وأقلعنا ظهر يوم الخميس التاسع والعشرين منه، وبموافقة الرابع والعشرين من فبرير المذكور، بحول الله تع وعونه، لارب غيره. وكان طريقنا في البحر محاذياً لبر الأندلس. وفار قناه يوم الخميس السادس لذي القعدة بعده عندما حاذينا دانية. وفي صبيحة يوم الجمعة السابع من الشهر المذكور آنفاً قابلنا بر جزيرة يابسة ثم يوم السبت بعده قابلنا جزيرة منورقة. ومن سبتة إليها نحو ثمانية بحارٍ، والمجرى مئة ميل.
وفارقنا برهذه الجزيرة المذكورة، وقام معنا بر جزيرة سردانية أول ليلة الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور، وهو الثامن من مارس، دفعة واحدة على نحو ميلٍ أو أقل. وبين الجزيريتين سردانية ومنورقة نحو الأربع مئة ميل،فكان قطعاً مستغرباً في السرعة.
أهوال البحر
وطرأ علينا من مقابلة البر في الليل هول عظيم، عصم الله منه بريح أرسلها الله تع في الحين من تلقاء البر، فأخرجنا عنه، والحمد لله على ذلك. وقام علينا نوء هال له البحر صبيحة يوم الثلاثاء المذكور، فبقينا مترددين بسببه حول بر سردانية يوم الأربعاء بعده فأطلع الله علينا في حال الوحشة وانغلاق الجهات بالنوء فلا نميز شرقاً من غرب، مركباً للروم قصدنا أن حاذانا، فسئل عن مقصده، فأخبر أنه يريد جزيرة صقلية وأنه من قرطاجنة عمل مرسية وقد كنا استقبلنا طريقه التي جاء من غير علم، فأخذنا عند ذلك في اتباع أثره، والله الميسر لارب سواه. فخرج علينا طرف من بر سردانية المذكور، فأخذنا في الرجوع عوداً على بدء أن وصلنا طرفاً من البر المذكور يعرف بقوسمركة، وهو مرسى معروف عندهم. فأرسينا به ظهر يوم الأربعاء المذكور والمركب المذكور معنا. وبهذا الموضع المذكور أثر لبنيان قديم ذكر لنا أنه كان منزلاً لليهود فيما سلف.
ثم إنا أقلعنا منه ظهر يوم الأحد السادس عشر من الشهر المذكور، وفي مدة مقامنا بالمرسى المذكور جددنا فيه الماء والحطب والزاد. وهبط واحد من المسلمين ممن يحفظ اللسان الرومي مع جملة من الروم أقرب المواضع المعمورة منا فأعلمنا أنه رأى جملة من أسرى المسلمين نحو الثمانين بين رجال ونساء يباعون في السوق. وكان ذلك عند وصول العدو، دمره الله، بهم من سواحل البحر ببلاد المسلمين، والله يتداركهم برحمته.ووصل المرسى المذكور، يوم الجمعة الثالث من يوم أرسينا فيه، سلطان الجزيرة المذكورة، مع جملة من الخيل.فنزل إليه أشياخ المركب من الروم واجتمعوا به، وطال مقامهم عنده، ثم انصرفوا وانصرف موضع سكناه. وتركنا المركب المذكور في موضع إرسائه، بسبب مغيب بعض أصحابه في البلد، عند هبوب الريح الموافقة لنا.

(1/1)


وفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر لذي القعدة المذكور والخامس عشر من شهر مارس المذكور أيضاً، وفي الربع الباقي منها، فارقنا بر سردانية المذكورة، وهو بر طويل جرينا بحذائه نحو المثتي ميل. ومنتهى دور الجزيرة، على ماذكر لنا، أزيد من خمس مئة ميل، ويسر الله علينا في التخلص من بحرها، لأنه أصعب ما في الطريق، والخروج منه يتعذر في أكثر الأحيان، والحمد لله على ذلك.
وفي ليلة الأربعاء بعدها من أولها عصفت علينا ريح هال لها البحر وجاء معها مطر ترسله الرياح بقوة، كأنه شآبيب سهام. فعظم الخطب واشتد الكرب وجاءنا الموج من كل مكان أمثال الجبال السائرة. فبقينا على تلك الحال الليل كله، واليأس قد بلغ منا مبلغه، وارتجينا مع الصباح فرجة تخفف عنا بعض ما نزل بنا، فجاء النهار، وهو يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي القعدة، بما هو اشد هولاً وأعظم كرباً، وزاد البحر اهتياجاً واربدت الآفاق سواداً، واستشرت الريح والمطر عصوفاً، حتى لم يثبت معها شراع. فلجأ استعمال الشرع الصغار. فأخذت الريح أحدها ومزقته وكسرت الخشبة التي ترتبط الشرع فيها، وهي المعروفة عندهم بالقرية. فحينئذ تمكن اليأس من النفوس وارتفعت أيدي المسلمين بالدعاء الله عز وجل. وأقمنا على تلك الحال النهار كله. جن الليل فترت الحال بعض فتور، وسرنا في هذه الحال كلها بريح الصواري سيراً سريعاً.
وفي ذلك اليوم حاذينا بر جزيرة صقلية. وبتنا تلك الليلة، التي هي ليلة الخميس التالية لليوم المذكور، مترددين بين الرجاء واليأس. فلما أسفر الصبح نشر الله رحمته، وأقشعت السحاب وطاب الهواء وأضاءت الشمس وأخذ في السكون البحر. فاستبشر الناس وعاد الأنس وذهب اليأس، والحمد لله الذي أرانا عظيم قدرته، ثم تلافى بجميل رحمته ولطيف رأفته،حمداً يكون كفاءً لمنته ونعمته.
وفي هذا الصباح المذكور ظهر لنا بر صقلية وقد أجزنا أكثره ولم يبق منه إلا الأقل. وأجمع من حضر من رؤساء البحر من الروم وممن شاهد الأسفار والأهوال في البحر من المسلمين أنهم لم يعاينوا قط مثل هذا الهول فيما سلف من أعمارهم،والخبر عن هذه الحال يصغر في خبرها.
وبين البرين المذكورين بر سردانية وبر صقلية نحو الأربع مئة ميل.
واستصحبنا من بر صقلية أزيد من مئتي ميل، ثم ترددنا بحذائه بسبب سكون الريح. فلما كان عصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور أقلعنا من الموضع الذي كنا أرسينا فيه، وفارقنا البر المذكور أول تلك الليلة. وأصبحنا يوم السبت وبيننا وبينه مسافة بعيدة، وظهر لنا إذ ذاك الجبل الذي كان فيه البركان، وهو جبل عظيم مصعد في جو السماء قد كساه الثلج. وأعلمنا أنه يظهر في البحر مع الصحو على أزيد من مسيرة مئة ميل. فأخذنا ملججين وأقرب ما نؤمله من البر إلينا جزيرة أقر يطش، وهي من جزائر الروم ونظرها صاحب القسطنطينية، وبينها وبين جزيرة صقلية مسيرة سبع مئة ميل، والله كفيل بالتيسير والتسهيل بمنه. وفي طول هذه الجزيرة، جزيرة أقر يطش المذكورة، نحو من ثلاث مئة ميل.
وفي ليلة الثلاثاء الخامس والعشرين من الشهر المذكور، وهو الثاني والعشرون من شهر مارس، حاذينا البر المذكور تقديراً لا عياناً. وفي صبيحة اليوم المذكور فارقناه متوجهين لقصدنا. وبين هذه الجزيرة المذكورة وبين الإسكندرية ستمئة ميل أو نحوها.
وفي صبيحة يوم الأربعاء السادس والعشرين منه ظهر لنا البر الكبير المتصل بالإسكندرية المعروف ببر الغرب، وحاذينا منه موضعاً يعرف بجزائر الحمام على ما ذكر لنا، وبينه وبين الإسكندرية نحو الأربع مئة ميل على ما ذكر لنا فأخذنا في السير والبر المذكور منا يميناً.
البشرى بالسلامة
وفي صبيحة يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر المذكور أطلع الله علينا البشرى بالسلامة بظهور منار الإسكندرية على نحو العشرين ميلاً، والحمد لله على ذلك حمداً يقتضي المزيد من فضله وكريم صنعه.

(1/2)


وفي آخر الساعة الخامسة منه كان إرساؤنا بمرس البلد، ونزولنا اثر ذلك، والله المستعان فيما بقي بمنه. فكانت أقامتنا على متن البحر ثلاثين يوماً، ونزلنا في الحادي والثلاثين، لأن ركوبنا إياه كان يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر شوال، ونزولنا عنه في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة، وبموافقة السادس والعشرين من مارس، والحمد لله على ما من به من التيسير والتسهيل، وهو سبحانه المسؤول بتتميم النعمة علينا ببلوغ الغرض من المقصود، وتعجيل الإياب الوطن على خير وعافية، انه المنعم بذلك لارب سواه. وكان نزولنا بها بفندق يعرف بفندق الصفار بمقربة من الصبانة.
شهر ذي الحجة من السنة المذكورة
أوله يوم الأحد، ثاني يوم نزولنا بالإسكندرية.
فمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع أمناء المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه. فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحداً واحداً وكتبت أسماؤهم وصفاتهم وأسماء بلادهم، وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناض ليؤدي زكاكة ذلك كله دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل. وكان أكثرهم تشخصين لأداء الفريضة لم يستصحبوا سوى زاد لطريقهم، فازموا أداء زكاة ذلك دون أن يسأل احال عليه الحول أم لا واستنزل احمد بن حسان منا ليسأل عن أنياء المغرب وسلع المركب.فطيف به مرقباً على السلطان أولاً ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ثم على جماعة من حاشية السلطان. وفي كل يستفهم ثم يقيد قوله. فخلي سبيله، وأمر المسلمون بتنزيل أسبابهم وما فضل من أزودتهم، وعلى ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم وبحمل جيمع ما أنزلوه الديوان. فاستدعوا واحداً وأحضر ما لكل واحد من الأسباب، والديوان قد غص بالز . فوقع التفتيش لجميع الأسباب، ما دق منها وماجل، واختلط بعضها ببعض، أدخلت الأيدي أوساطهم بحثاً عما عسى أن يكون فيها. ثم استحلفوا بعد ذلك هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا.
وفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام، ثم أطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم، نسأل الله أن يعظم الأجر بذلك. وهذه لا محالة من الأمور الملبس فيها على السلطان الكبير المعروف بصلاح الدين، ولوعلم بذلك على ما يؤثر عنه من العدل وإيثار الرفق لأزال ذلك، وكفى الله المؤمنين تلك الخطة الشاقة واستؤدوا الزكاة على أجمل الوجوه. وما لقينا ببلاد هذا الرجل ما يلم به قبيح لبعض الذكر سوى هذه الأحدوثة التي هي من نتائج عمال الدواوين.
ذكر بعض أخبار الإسكندرية وآثارها
فأول ذلك حسن وضع البلد واتساع مبانيه، حتى إنا ما شاهدنا بلداً أوسع مسالك منه ولا أعلى مبنى ولا أعتق ولا أحفل منه، وأسواقه في نهاية من الاحتفال أيضاً. ومن العجب في وصفه أن بناءه تحت الأرض كبنائه فوقها وأعتق وأمتن، لأن الماء من النيل يخترق جميع ديارها وأزقتها تحت الأرض فتتصل الآبار بعضها ببعض ويمد بعضها بعضاً.
وعانيا فيها ايضاً من سواري الرخام وألواحه كثرة وعلواً واتساعاً وحسناً مالا يتخيل بالوهم، حتى انك تلفي في بعض الممرات بها سواري يغص الجو بها صعوداً لا يدرى ما معناه ولا لم كان أصل وضعها. وذكر لنا أنه كان عليها في القديم مبان للفلاسفة خاصة ولأهل الرئاسة في ذلك الزمان، والله أعلم، ويشبه أن يكون ذلك للرصد.
منار الإسكندرية
ومن أعظم ما شدهاناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه الله عز وجل على يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر بر الإسكندرية، يظهر على أزيد من سبعين ميلاً. ومبناه في غابة العتاقة والوثاقة طولاً وعرضاً، يزاحم الجو سمواً وارتفاعاً، يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف، الخبر عنه يضيق والمشاهدة له تتسع.
ذرعنا أحد جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفاً وخمسين باعاً ويذكر أن في طوله أزيد من مئة وخمسين قامة. وأما داخله فمر أي هائل، اتساع معارج ومداخل وكثرة مساكن، حتى أن المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضل. وبالجملة لا يحصلها القول، والله لا يخليه من دعوة الإسلام ويبقيه.
وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه، وطلعنا إليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة المورخ وصلينا في المسجد المبارك المذكور.

(1/3)


وشاهدنا من شأن عجباً لا يستوفيه وصف واصف.
مناقب الإسكندرية
ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة سلطانه: المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطب والتعبد، يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكناً يأوي إليه ومدرساً يعلمه الفن الذي يريد تعلمه وإجراء يقوم به في جميع أحواله. واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها متى احتاجوا ذلك، ونصب لهم مارستاناً لعلاج من مرض منهم، ووكل بهم أطباء يتفقدون أحوالهم، وتحت أيديهم خدام يأمرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء. وقد رتب أيضاً فيه أقوام برسم الزيارة للمرضى الذين يتنزهون عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة، وينهون الأطباء أحوالهم ليتكفلوا بمعالجتهم.
ومن اشرف هذه المقاصد أيضاً أن السلطان عين لأبناء السبيل من الغاربة خبزتين لكل إنسان في كل يوم بالغاً ما بلغوا، ونصب لتفريق ذلك كل يوم انساناً اميناً من قبله. ينتهي في اليوم ألفي خبزة أو أزيد بحسب القلة والكثرة، وهكذا دائماً، ولهذا كله أوقاف من قبله حاشا ما عينه من زكاة العين لذلك. وأكد على المتولين لذلك متى نقصهم من الوظائف المرسومة شيء أن يرجعوا صلب ماله. وأما أهل بلده ففي نهاية من الترفيه واتساع الأحوال لا يلزمهم وظيف البتة. ولافائد للسطان بهذا البلد سوى الأوقاف المحبسة المعينة من قبله لهذه الوجوه وجزية اليهود والنصارى وما يطرأ من زكاة العين خاصة، وليس له منها سوى ثلاثة أثمانها والخمسة الأثمان مضافة للوجوه المذكورة.
وهذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة ورسم هذه الرسوم الكريمة على عدمها في المدة البعيدة هو صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، وصل الله صلاحه وتوفيقه.
ومن أعجب ما اتفق للغرباء أن بعض من يريد التقرب بالنصائح السلطان ذكر أن أكثر هؤلاء يأخذون جراية الخبز ولا حاجة لهم بها رغبة في المعيشة لأنهم لا يصلون الا يزاد يقلهم. فكاد يؤثر سعي هذا المتنصح. فلما كان في أحد الأيام خرج السلطان المذكور على سبيل التطلع خارج بلده، فتلقى منهم جماعة قد لفظتهم الصحراء المتصلة بطرابلس، وهم قد ذهبت رسومهم عطشاً وجوعاً.
فسألهم عن وجهتهم واستطلع ما لديهم. فأعلموه أنهم قاصدون بيت الله الحرام وأنهم ركبوا البر وكابدوا مشقة صحرائية. فقال: لو وصل هؤلاء وهم قد اعتسفوا هذه المجاهل التي اعتسفوها وكايدوا من الشقاء ما كايدوه وبيد كل واحد منهم زنته ذهباً وفضة لوجب أن يشاركوا ولا يقطعوا عن العادة التي أجريناها، لهم فالعجب ممن يسعى على مثل هؤلاء ويروم التقرب إلينا بالسعي في قطع ما أوجبناه لله عز وجل خالصاً لوجهه.
ومآثر هذا السلطان ومقاصده في العدل ومقاماته في الذب عن، فمنهم من يقول ثمانية آلاف ومنهم من يقول غير ذلك. وبالجملة فهي كثيرة جداً تكون منها الأربعة والخمسة في موضوع وربما كانت مركبة وكلها بآثمة مرتبين من قبل السلطان، فمنهم من له الخمسة دنانير مصرية في الشهر، وهي عشرة مؤمنية، ومنهم من له فوق ذلك ومنهم من له دونه. وهذه منقبة كبيرة من مناقب السلطان. غير ذلك مما يطول ذكره من المآثر التي يضيق عنها الحصر.
ثم كان الانفصال عنها على بركة الله تع وحسن عونه صبيحة يوم الأحد الثامن لذي الحجة المذكور، وهو الثالث لأبريل، فكانت مرحلتنا منه موضع يعرف بدمنهور، وهو بلد مسور في بسيط من الأرض أفيح، متصل من الإسكندرية إليه مصر. والبسيط كله محرث يعمه النيل بفيضه،والقرى فيه يميناً وشمالاً لا تحصى كثرة.
ثم في اليوم الثاني وهو يوم الاثنين، أجزنا النيل بموضع يعرف بصافي مركب تعدية. واتصل سيرنا موضع يعرف ببرمة فكان مبيتنا بها، وهي قرية كبيرة فيها السوق وجميع المرافق. ثم بكرنا منها يوم الثلاثاء، وهو يوم عيد النحر من سنة ثمان وسبعين وخمس مئة المؤرخة، فشاهدنا الصلاة بموضع يعرف بطندته، وهي من القرى الفسيحة الآهلة، فأبصرنا بها مجمعاً حفيلاً، وخطب الخطيب بخطبة بليغة جامعة. واتصل سيرنا موضع يعرف بسبك وكان مبيتنا بها.

(1/4)


واجتزنا في ذلك اليوم على موضع حسن يعرف بمليج، والعمارة متصلة والقرى منتظمة في طريقنا كلها. ثم بكرنا منها يوم الأربعاء بعده. فمن أحسن بلد مررنا عليه موضع يعرف بقليوب على ستة أميال من القاهرة فيه الأسواق الجميلة ومسجد جامع كبير حفيل البنيان، ثم بعده المنية، وهو موضع أيضاً حفيل، ثم منها القاهرة، وهي مدينة السلطان الحفيلة المتسعة، ثم منها مصر المحروسة. وكان دخولنا فيها إثر صلاة العصر من يوم الأربعاء، وهو الحادي عشر من ذي الحجة المذكور والسادس من أبريل، عرفنا الله فيها الخير والخبرة وتمم علينا صنعه الجميل بالوصول الغرض المأمول ولا أخلانا من التيسير والتسهيل بعزته وقدرته، أنه على ما يشاء قدير.
وفي يوم الأربعاء المذكور أجزنا القسم الثاني من النيل في مركب تعدية أيضاً بموضع يعرف بدجة، وذلك وقت الغداة الصغرى، وكان نزولنا في مصر بفندق أبي الثناء في زقاق القناديل بمقربة من جامع عمرو بن العاص، رضي الله عنه، في حجرة كبيرة على باب الفندق المذكور.
ذكر مصر والقاهرة
فأول مانبدأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التي ببركتها يمسكها الله عز وجل: فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض قد بني عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه ولايحيط الإدراك به، مجلل بأنواع الديباج، محفوف بأمثال العمد الكبار شمعاً أبيض ومنه ما هو دون ذلك، قد وضع أكثرها في أتوار فضة خالصة ومنها مذهبة، وعلقت عليه قناديل فضة، وحف أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهباً في مصنع شبيه الروضة يقيد الأبصار حسناً وجمالاً، فيه من أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعة البديع الترصيع مالا يتخيله المتخيلون ولا يلحق أدنى وصفه الواصفون.
والمدخل هذه الروضة على مسجد على مثالها في التأنق والغرابة، حيطانه كلها رخام على الصفة المذكورة، وعن يمين الروضة المذكورة وشمالها بيتان من كليهما المدخل إليها وهما أيضاً على تلك الصفة بعينها. والأستار البديعة الصنعة من الديباج معلقة على الجميع.
ومن أعجب ما شاهدناه في دخولنا هذا المسجد المبالاك حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل شديد السواد والبصيص، يصف الأشخاص كلها كأنه المرآة الهندية الحديثة الصقل. وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك،واحدا قهم به وانكبابهم عليه وتمسحم بالكسوة التي عليه وطوافهم حوله مزدحمين باكين متوسلين الله سبحانه وتع ببركة التربة المقدسة، ومتضرعين ما يذيب الأكباد ويصدع الجماد. والأمر فيه أعظم، ومرأى الحال أهوال، نفعنا الله ببركة ذلك المشهد الكريم. وإنما وقع الإلماع بنبذة من صفته مستدلاً على ما وراء ذلك إذا لا ينبغي لعاقل أن يتصدى لوصفه لأنه يقف موقف التقصير والعجز. وبالجملة فما أظن في الوجود كله مصنعاً أحفل منه، ولا مرأى من البناء أعجب ولا أبدع، قدس الله العضو الكريم الذي فيه بمنه وكرمه.
وفي ليلة اليوم المذكور بتنا بالجبانة المعروفة، وهي أيضاً إحدى عجائب الدنيا لما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء صلوات الله عليهم، وأهل البيت رضوان الله عليهم، والصحابة والتابعين والعلماء والزهاد والأولياء ذوي الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة. وإنما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته فمنها قبر ابن النبي صالح، وقبر روبيل بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم أجمعين، وقبر آسية امرأة فرعون رضي الله عنها، ومشاهد أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين، مشاهد أربعة عشر من الرجال،وخمس من النساء. وعلى كل واحد منها بناء حفل. فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد وكل بها قومه يسكنون فيها ويحفظونها. ومنظرها منظر عجيب، والجرايات متصلة لقوامها في كل شهر.
ذكر مشاهد أهل البيت رضي الله عنهم

(1/5)


مشهد علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه، ومشهدان لإبني جعفر بن محمد الصادق، رضي الله عنهم،ومشهد القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين المذكور، رضي الله عنهم، ومشهدان لابنية الحسن والحسين رضي الله عنهما،ومشهد ابنه عبد الله بن القاسم، رضي الله عنه، ومشهد ابنه يحيى بن القاسم، ومشهد علي بن عبد الله بن القاسم رضي الله عنهم، ومشهد أخيه عيسى بن عبد الله، رضي الله عنهما، ومشهد يحيى بن الحسن بن زيدين الحسن، رضي الله عنهم، ومشهد محمد بن عبد الله بن محمد الباقر بن علي زين العابدين الحسين بن علي، رضي الله عنهم، ومشهد جعفر بن محمد من ذرية علي بن الحسين، رضي الله عنهم، وذكر لنا أنه كان ربيب الإمام مالك، رضي الله عنه.
مشاهد الشريفات رضي الله عنهن
مشهد السيدة أم كلثوم ابنة القاسم بن محمد بن جعفر، رضي الله عنهم، ومشهد السيدة زينب ابنة يحيى بن زيد بن علي بن الحسين، رضي الله عنهم، ومشهد أم كلثوم ابنة محمد بن جعفر الصادق، رضي الله عنهم، ومشهد السيدة أم عبد الله بن القاسم بن محمد، رضي الله عنهم.
وهذا ذكر ما حصله العيان من هذه المشاهد العلوية المكرمة وهي أكثر من ذلك. وأخبرنا أن في جملتها مشهداً مباركاً لمريم ابنة علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. وهو مشهور لكن لم نعاينه. وأسماء أصحاب هذه المشاهد المباركة إنما تلقيناها من التواريخ الثابتة عليها مع تواتر الأخبار بصحة ذلك، والله أعلم بها.
وعلى كل واحد منها بناء حفيل، فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد وكل بها قومه يسكنون فيها ويحفظونها. ومنظرها منظر عجيب. والجرايات متصلة لقوامها في كل شهر.
ذكر مشاهد بعض أصحاب النبي
بالقرافة المذكورة ومشاهد التابعين والأثمة والعلماء والزهاد والأولياء المشتهرين بالكرامات رضي الله عنهم أجمعين.
والمقيد يبرأ من القطع بصحة ذلك وإنما رسم من أسمائهم ما وجده مرسوماً في تواريخها، وبالجملة فالصحة غالبة لايشك فيها، إن شاء الله عز وجل: مشهد معاذ بن جبل رضي الله عنه، مشهد عقبة بن عامر الجهني حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مشهد صاحب بردة صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مشهد أبي الحسن صائغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مشهد سارية الجبل رضي الله عنه، مشهد محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، مشهد أولاده رضي الله عنهم، مشهد أحمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، مشهد أسماء ابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، مشهد ابن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، مشهد عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مشهد ابن حليمة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم،
مشاهد الأئمة العلماء الزهاد
مشهد الإمام الشافعي رضي الله عنه، وهو من المشاهد العظيمة احتفالاً واتساعاً. وبني بإزائه مدرسة لم يعمر بهذه البلاد مثلها، لا أوسع مساحة ولا أحف بناء، يخيل لمن يطوف عليها أنها بلد مستقل بذاته، بإزائها الحمام، غير ذلك من مرافقها، والبناء فيها حتى الساعة، والنفقة عليها لا تحصى. وتولى ذلك بنفسه الشيخ الإمام الزاهد العالم المعروف بنجم الدين الخبوشاني وسلطان هذه الجهات صلاح الدين يسمح له بذلك كله، ويقول: زد احتفالاً وتأنقاً وعلينا القيام بمؤونة ذلك كله، فسبحان الذي جعله صلاح دينه كاسمه.

(1/6)


ولقينا هذا الرجل الخبوشاني المذكور تبركاً بدعائه لأنه قد كان ذكر لنا أمره بالأندلس. فألفيناه في مسجده بالقاهرة وفي البيت الذي يسكنه داخل المسجد المذكور، وهو بيت ضيق الفناء، فدعا لنا، وانصرفنا ولم نلق من رجال مصر سواه. مشهد المزني صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه، مشهد أشهب صاحب مالك رضي الله عنه، مشهد عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك رضي الله عنهما، مشهد أصبغ صاحب مالك رضي الله عنهما، مشهد القاضي عبد الوهاب رضي الله عنه، مشهد عبد الله بن عبد الحكم ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم رضي الله عنهما، مشهد الفقيه الواعظ الزاهد أبي الحسن الدينوري رضي الله عنه، مشهد بنان العابد رضي الله عنه، مشهد الرجل الصالح العابد الزاهد المعروف بصاحب الإبريق، وقصته عجيبة في الكرامة، مشهد أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه، مشهد المرأة الصالحة المعروفة بالعيناء رضي الله عنها، مشهد الروذباري رضي الله عنه، مشهد محمد بن مسعود بن محمد بن هارون الرشيد المعروف بالسبتي رضي الله عنه، مشهد الرجل الصالح مقبل الحبشي رضي الله عنه، مشهد ذي النون بن إبراهيم المصري رضي الله عنه، مشهد القاضي الأنباري، قبر الناطبق الذي سمع عند وضعه في لحده يقول: اللهم أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين، رضي الله عنه، مشهد العروس ولها أثر من الكرامة في حال جلوتها على زوجها لم يسمع أعجب منه، مشهد الصامت الذي يحكى عنه انه لم يتكلم أربعين سنة، مشهد العصافيري، مشهد عبد العزيز بن أحمد بن الحسن الخوارزمي، مشهد الفقيه الواعظ الأفضل الجوهري ومشاهد أصحابه بازائه رضي الله عنهم أجمعين، مشهد شقران شيخ ذي النون المصري، مشهد الرجل الصالح المعروف بالأقطع المغربي، مشهد المقرىء ورش، مشهد الطبري، مشهد شيبان الراعي.
والمشاهد الكريمة بها أكثر من أن تضبط بالتقييد أو تتحصل بالإحصاء وإنما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته.
وبقبلة القرافة المذكورة بسيط متسع يعرف بموضع قبور الشهداء، وهم الذين استشهدوا مع سارية رضي الله عن جميعهم. والبسيط المذكور مسنم كله للعيان على مثال أسنمة القبور دون بناء. ومن العجب أن القرافة المذكورة كلها مساجد مبنية ومشاهد معمورة يأوي إليها الغرباء والعلماء والصلحاء والفقراء، والإجراء على كل موضع منها متصل من قبل السلطان في كل شهر، والمدارس التي بمصر والقاهرة كذلك، وحقق عندنا أن الإجراء على ذلك كله نيف على آلفي دينار مصرية في الشهر، وامع الخطبة اليوم، يأخذ الخطيب فيها مأخذ سني يجمع فيها الدعاء للصحابة، رضي الله عنهم، وللتابعين ومن سواهم ولأمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ولعميه الكريمين حمزة والعباس، رضي الله عنهما، ويلطف الوعظ ويرقق التذكير حتى تخشع القلوب القاسية وتتفجر العيون الجامدة. ويأتي للخطبة لابساً السواد على رسم العباسية. وصفة لباسه بردة سوداء عليها طيلسان شرب أسود، وهو الذي يسمى بالغرب الإحرام، وعمامة سوداء، متقلداً سيفاً. وعند صعوده المنبر يضرب بنعل سيفه المنبر في أول ارتقائه ضربة يسمع بها الحاضرين كأنها إيذان بالإنصات، وفي توسطه أخرى، وفي انتهاء صعوده ثالثة. ثم يسلم على الحاضرين يميناً وشمالاً ويقف بين رايتين سواد وين فيهما تجزيع بياض قد ركزنا في أعلى المنبر.
ودعاؤه في هذا التاريخ للإمام العباسي أبي العباس أحمد الناصر لدين الله ابن الإمام أبي محمد الحسن المستضيء بالله ابن الإمام أبي المظفر يوسف المستنجد بالله، ثم لمحيي دولته أبي المظفر يوسف بن أيوب صلاح الدين، ثم لأخيه ولي عهده أبي بكر سيف الدين.
قلعة القاهرة
وشاهدنا أيضاً بنيان القلعة وهو حصن يتصل بالقاهرة حصين المنعة، يريد السلطان أن يتخذه موضع سكناه، ويمد سوره حتى ينتظم بالمدينتين مصر والقاهرة. والسخرون في هذا البنيان والمتولون لجميع امتهاناته ومؤونته العظيمة كنشر الرخام ونحت الصحور العظام وحفر الخندق المحدق بسور الحصن المذكور وهو خندق ينقر بالمعاول نقراً في الصخر عجباً من العجائب الباقية الآثار، العلوج الاسارى من الروم، وعددهم لا يحصى كثرة، ولا سبيل أن يمتهن في ذلك البنيان أحد سواهم.

(1/7)


وللسلطان أيضاً بمواضع أخر بنيان والأعلاج يخدمونه فيه، ومن يمكن استخدامه من المسلمين في مثل هذه المنفعة العامة مرفه عن ذلك كله ولا وظيفة في شيء من ذلك على أحد.
مارستان المجانين
ومما شاهدناه أيضاً من مفاخر هذا السلطان المارستان الذي بمدينة القاهرة. وهو قصر من القصور الرائقة حسناً واتساعاً أبرزه لهذه الفضيلة تأجراً واحتساباً وعين قيماً من أهل المعرفة وضع لديه خزائن العقاقير ومكنه من استعمال الأشربة واقامتها على اختلاف أنواعها. ووضعت في مقاصير ذلك القصر أسرة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسى. وبين يدي ذلك القيم خدمة يتكفلون بتفقد أحوال المرضى بكرة وعشية، فيقابلون من الأغذية والاشربة بما يليق بهم.
وبازاء هذا الموضع موضع مقتطع للنساء المرضى. ولهن أيضاً من يكفلهن. ويتصل بالموضعين المذكورين موضع آخر متسع الفناء فيه مقاصير عليها شبابيك الحديد اتخذت محابس للمجانين.
ولهم أيضاً من يتفقد في كل يوم أحوالهم ويقابلها بما يصلح لها. والسلطان يتطلع هذه الأحوال كلها بالبحث والسؤال ويؤكد في الاعناء بها والثابرة عليها غاية التأكيد. وبمصر مارستان آخر على مثل ذلك الرسم بعينه.
مسجد ابن طولون
وبين مصر والقاهرة المسجد الكبير المنسوب أبي العباس أحمد بن طولون، وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة الواسعة البنيان، جعله السلطان مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه، وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر. ومن أعجب ما حدثنا به أحد المتخصصين منهم أن السلطان جعل أحكامهم إليهم ولم يجعل يداً لأحد عليهم. فقدموا من أنفسهم حاكماً يمتثلون أمره ويتحاكمون في طوارئ أمورهم عنده، واستصحبوا الدعة والعافية، وتفرغوا لعبادة ربهم، ووجدوا من فضل السلطان أفضل معين على الخير الذي هم بسبيله.
مآثر السلطان ومفاخره
وما منها جامع من الجوامع ولا مسجد من المساجد ولا روضة من الروضات المبنية على القبور ولا محرس من المحارس ولا مدرسة من المدارس إلا وفضل السلطان يعم جميع من يأوي إليها ويلزم السكنى فيها، تهون عليه في ذلك نفقات بيوت الاسوال.
ومن مآثره الكريمة المعربة عن اعتنائه بأمور المسلمين كافة أنه أمر بعمارة محاضر ألزمها معلمين لكتاب الله، عز وجل، يعلمون أبناء الفقراء والأيتام خاصة وتجرى عليهم الجراية الكافية لهم.
ومن مفاخر هذا السلطان وآثاره الباقية المنفعة للمسلمين القناطر التي شرع في بنائها بغربي مصر، وعلى مقدار سبعة أميال منها، بعد رصيف أبتدئ به من حيز النيل بازاء مصر كأنه جبل ممدود على الأرض، تسير فيه مقدار ستة أميال حتى يتصل بالقنطرة المذكورة، وهي نحو الأربعين قوساً من أكبر ما يكون من قسي القناطر. والقنطرة متصلة بالصحراء التي يفضي منها الإسكندرية، له في ذلك تدبير عجيب من تدابير الملوك الحزمة اعداداً لحادثة تطرأ من عدو يدهم جهة ثغر الإسكندرية عند فيض النيل وانغمار الأرض به وامتناع سلوك العساكر بسببه. فأعد ذلك مسلكاً في كل وقت إن احتيج ذلك. والله يدفع عن حوزة المسلمين كل متوقع ومحذور بمنه.
ولاهل مصر في شأن هذه القنطرة إنذار من الإنذارات الحد ثانية يرون أن حدوثها يذان باستيلاء الموحدين عليها وعلى الجهات الشرقية، والله أعلم بغيبه، لا إله سواه.
معجزة البناء وبمقربة من هذه القنطرة المحدثة الأهرام القديمة، المعجزة البناء، الغريبة المنظر، المربعة الشكل، كأنها القباب المضروبة قد قامت في جو السماء، ولا سيما الاثنان منها، فانهما يغص الجو بهما سمواً، في سعة الواحد منها من أحد أركانه الركن الثاني ثلاث مئة خطوة وست وستون خطوة. قد أقيمت من الصخور العظام المنحوتة. وركبت تركيباً هائلاً بديع الإلصاق دون أن يتخللها ما يعين على إلصاقها، محددة الأطراف في رأي العين، وربما أمكن الصعود إليها على خطر ومشقة فتلفى أطرافها المحددة كأوسع ما يكون من الرحاب، لورام أهل الأرض نقض بنائها لأعجزهم ذلك.
للناس في أمرها اختلاف: فمنهم من يجعلها قبوراً لعاد وبنيه، ومنهم من يزعم غير ذلك. وبالجملة فلا يعلم شأنها إلا الله عز وجل.

(1/8)


ولأحد الكبيرين منها باب يصعد إليه على نحو القامة من الأرض أو أزيد ويدخل منه بيت كبير سعته نحو خمسين شبراً وطوله نحو ذلك. وفي جوف ذلك البيت رخامة طويلة مجوفة شبه التي تسميها العامة البيلة يقال أنها قبر والله أعلم بحقيقة ذلك.
ودون الكبير هرم سعته من الركن الواحد الركن الثاني مئة وأربعون خطوة.ودون هذا الصغير خمسة صغار وثلاثة متصلة والاثنان على مقربة منها متصلان.
وعلى مقربة من هذه الأهرام بمقدار غلوة صورة غريبة من حجر قد قامت كالصومعة على صفة آدمي هائل المنظر، وجهة الأهرام وظهره القبلة مهبط النيل، تعرف بأبي الأهوال.
وبمدينة مصر المسجد الجامع المنسوب لعمر بن العاص رضي الله عنه. وله أيضاً بالإسكندرية جامع آخر هو مصلى الله عليه وسلم الجمعة للمالكيين. بمدينة مصر آثار من الخراب الذي أحدثه الإحراق الحادث بها وقت الفتنة عند اتساخ دولة العبيديين، وذلك سنة أربع وستين وخمس مئة، وأكثرها الآن مستجد والبنيان بها متصل. وهي مدينة كبيرة والآثار القديمة حولها، وعلى مقربة منها ظاهرة تدل على عظمة اختطا طها فيما سلف.
روضة النيل
وعلى شط نيلها مما يلي غربيها، والنيل معترض بينهما، قرية كبيرة حفيلة البنيان تعرف بالجيزة. لها كل يوم أحد سوق من الأسواق العظيمة يجتمع إليها.
ويعترض بينها وبين مصر جزيرة فيها مساكن حسان وعلالي مشرفة وهي مجتمع اللهو والنزهة، وبينها وبين مصر خليج من النيل يذهب بطولها نحو الميل ولها مخرج له. وبهذه الجزيرة مسجد جامع يخطب فيه. ويتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة النيل عند فيضه كل سنة. واستشعار ابتدائه في شهر يونيه، ومعظم انتهائه أغشت، وآخره أول شهر أكتوبر. وهذا المقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر فيه الماء عند انسيابه إليه، وهو مفصل على اثنتين وعشرين ذراعاً مقسمة على أربعة وعشرين قسماً تعرف بالأصابع. فإذا انتهى الفيض عندهم أن يستوفي الماء تسع عشرة ذراعاً منغمرة فيه فهي الغاية عندهم في طيب العام. وربما كان الغامر منه كثيراً بعموم الفيض. والمتوسط عندهم ما ستوفى سبع عشرة ذراعاً، وهو الأحسن عندهم من الزيادة المذكورة.
والذي يستحق به السلطان خراجه في بلاد مصر ست عشرة ذراعاً فصاعداً، وعليها يعطي البشارة الذي يراعي الزيادة في كل يوم والزيادة في أقسام الذراع المذكورة ويعلم بها مياومة حتى تستوفي الغاية التي يقضي بها. وان قصر عن ست عشرة ذراعاً فلا مجبى للسلطان في ذلك العام ولا خراج.
وذكر لنا أن بالجيزة المذكورة قبر كعب الأحبار رضي الله عنه. وفي صدر الجيزة المذكورة أحجار رخام قد صورت فيها التماسيح، فيقال: إن بسببها لا تظهر التماسيح فيما يلي البلد من النيل مقدار ثلاثة أميال علواً وسفلاً، والله أعلم بحقيقة ذلك.
عدل صلاح الدين
ومن مفاخر هذا السلطان المزلفة من الله تع وآثاره التي أبقاها ذكراً جميلاً للدين والدنيا: إزالته رسم المكس المضروب وظيفة على الحجاج مدة دولة العبيديين. فكان الحجاج يلاقون من الضغط في استيدائها عنتاً مجحفاً ويسامون فيها خطة خسف باهظة. وربما ورد منها من لافضل لديه على نفقته ولا نفقة عنده فيلزم أداء الضريبة المعلومة، وكانت سبعة دنانير ونصف دينار من الدنانير المصرية التي هي خمسة عشر ديناراً مؤمنية على كل رأس، ويعجز عن ذلك، فيتناول بأليم العذاب بعيذاب. كاسمها مفتوحة العين.

(1/9)


وربما اخترع له من أنواع العذاب التعليق من الأنثيين أو غير ذلك من الأمور الشنيعة، نعوذ بالله من سوء قدره. وكان بجدة أمثال هذا التنكيل وأضعافه لمن لم يؤد مكسه بعيذاب ووصل اسمه غير معلم عليه علامة الأداء فمحا هذا السلطان هذا الرسم اللعين ودفع عوضاً منه مايقوم مقامه من أطعمة وسواها،وعين مجبى موضع معين بأسره لذلك، وتكفل بتوصيل جميع ذلك الحجاز لأن الرمس المذكور كان باسم ميرة مكة والمدينة، غمرهما الله، فعوض من ذلك أجمل عوض، وسهل السبيل للحجاج، وكانت في حيز الانقطاع وعدم الاستطلاع، وكفى الله المؤمنين على يدي هذا السلطان العادل حادثاً عظيماً وخطباً أليماً. فترتب الشكر له على كل من الناس أن حج البيت الحرام إحدى القواعد الخمس من الإسلام، حتى يعم جميع الآفاق ويوجب الدعاء له في كل صقع من الأصقاع وبقمة من البقاع، والله من وراء مجازاة المحسنين، وهو، جلت قدرته،لا يضيع أجر من أحسن عملاً . مكوس كانت في البلاد المصرية وسواها ضرائب على كل ما يباع ويشترى مما دق أوجل، حتى كان يؤدى على شرب ماء النيل المكس فضلاً عما سواه. فمحا هذا السلطان هذه البدع اللعينة كلها وبسط العدل ونشر الأمن.
زمن عدل هذا السلطان وتأمينه للسبل أن الناس في بلاده لا يخلعون لباس الليل تصرفاً فيما يعنيهم، ولا يستشعرون لسواده هيبة تثنيهم. على مثل ذلك شاهدنا أحوالهم بمصر والإسكندرية حسبما تقدم ذكره.
شهر محرم سنة تسع وسبعين
استهل هلاله ليلة الثلاثاء، وهو اليوم السادس والعشرون من أبريل، ونحن بمصر، يسر الله علينا مرامنا.
وفي صبيحة يوم الأحد السادس من محرم المذكور كان انفصالنا من مصر وصعودنا في النيل على الصعيد قاصدين قوص. عرفنا الله عادته الجميلة من اليسير وحسن المعونة بمنه، ووافق يوم إقلاعنا المذكور أول يوم من مايه بحول الله عز وجل. والقرى في طريقنا متصلة في أيضاً بغربي النيل ميامناً لنا، وذلك كله يوم إقلاعنا المذكور وفي الثاني منه، المدينة القديمة المنسوبة ليوسف الصديق صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وبها موضع السجن الذي كان فيه، وهو الآن ينقض وينقل أحجاره القلعة المبتناة الآن على القاهرة، وهو حصن حصين المنعة.
وبهذه المدينة المذكورة مخازن الطعام التي اختزنها يوسف، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وهي مجوفة على ما يذكر.
ومنها الموضع المذكور بمنية ابن الخطيب وهو بلد على شط النيل ميامناً للصاعد فيه كبير فيه الأسواق والحمامات وسائر مرافق المدن، اجتزنا عليه ليلة الأحد الثالث عشر لمحرم المذكور، وهو الثامن من يوم إقلاعنا من مصر، لأن الربح سكنت عنا فتربصنا في الطريق.
ولو ذهبنا رسم كل موضع يعترضنا في شطي النيل يميناً وشمالاً لضاق الكتاب عنه، ولكن نقصد من ذلك الأكبر الأشهر.
وقابلنا على مقربة من هذا الموضع مياسراً لنا المسجد المبارك المنسوب لإبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله عليه وعلى نبينا، وهو مسجد مذكور مشهور معلوم بالبركة مقصود، ويقال: إن بفنائه أثر الدابة التي كان يركبها الخليل،صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.
ومنها موضع يعرف بأنصنا مياسراً لنا، وهي قرية فسيحة جميلة بها آثار قديمة، وكانت في السالف مدينة عتيقة، وكان لها سور عتيق هدمه صلاح الدين وجعل على كل مركب منحدر في النيل وظيفة من حمل صخره القاهرة فنقل بأسره إليها.
وفي صبيحة يوم الاثنين الرابع عشر من محرم المذكور، وهو التاسع من إقلاعنا من مصر، اجتزنا بالجبل المعروف بجبل المقلة وهو بالشط الشرقي من النيل مياسراً للصاعد فيه، وهو نصف الطريق قرص، من مصر إليه ثلاثة عشر بريداً، ومنه قوص مثلها.
ومما يجب ذكره على جهة التعجب أن من حيز مصر في شط النيل الشرقي مياسراً للصاعد فيه حائطاً متصلاً قديم البنيان، منه ما قد تهدم ومنه ما بقي أثره، يتمادى على الشط المذكور أسوان آخر صعيد مصر، وبين أسوان وبين قوص ثمانية برد. والأقوال في أمر هذا الحائط تتشعب وتختلف، وبالجملة فشأنه عجيب ولا يعلم سره إلا الله عز وجل. وهو يعرف بحائط العجوز، ولها خبر مذكور، أظن هذه العجوز هي الساحرة المذكور خبرها في المسالك والممالك التي كانت لها المملكة بها مدة.
ذكر ما استدرك خبره

(1/10)


وذلك أنا لما حللنا الإسكندرية في الشهر المؤرخ أولاً عاينا مجتمعاً من الناس عظيماً بروزاً لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال ووجوههم اذنابها وحولهم الطبول والأبواق. فسألنا عن قصتهم، فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد إشفاقا وجزعاً. وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشأوا مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم ثم حملوا أنقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه، فلما حصلوا بساحل البحر سمروا مراكبهم وأكملوا إنشاءها وتأليفا ودفعوها في البحر وركبوها قاطعين بالحجاج، وانتهوا بحر النعم فأحرقوا فيه نحو ستة عشر مركباً وانتهوا عيذاب فأخذوا فيها مركباً كان يأتي بالحجاج من جدة، واخذوا أيضاً في البر قافلة كبيرة تأتي من قوص عيذاب، وقتلوا الجميع ولم يحيوا أحداً. وأخذوا مركبين كانا مقبلين بتجار من اليمن، وأحرقوا أطعمة كثيرة على ذلك الساحل كانت معدة لميرة مكة والمدينة أعزهما الله، وأحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام ولا انتهى رومي ذلك الموضع قط.
ومن أعظمها حادثة ستد المسامع شناعة وبشاعة، وذلك انهم كانوا عازمين على دخول مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وإخراجه من الضريح المقدس.
أشاعوا ذلك وأجروا ذكره على ألسنتهم. فآخذهم الله باجتراثهم عليه وتعاطيهم ما تحول عناية القدر بينهم وبينه. ولم يكن بينهم وبين المدينة أكثر من مسيرة يوم. فدفع الله عاديتهم بمراكب مرت من مصر والإسكندرية دخل فيها الحاجب المعروف بلؤلؤ مع أنجاد المغربة البحريين. فلحقوا العدو وهو قد قارب النجاة بنفسه فأخذوا عن آخرهم. وكانت آية من آيات العنايات الجبارية، وأدركوهم عن مدة طويلة كانت بينهم من الزمان نيف على شهر ونصف أو حوله.وقتلوا واسروا، وفرق من الأسارى على البلاد ليقتلوا بها، ووجه منهم مكة والمدينة. وكفى الله بجميل صنعه الإسلام والمسلمين أمراً عظيماً، والحمد لله رب العالمين.
رجع الذكر
ومن المواضع التي اجتزنا عليها في الصعيد بعد جبل المقلة الذي ذكرنا أنه نصف الطريق من مصر قوص، حسبما تقدم ذكره، موضع يعرف بمنفلوط بمقربة من الشط الغربي ميامناً للصاعد في النيل، فيه الأسواق وسائر ماتحتاج إليه من المرافق، وهي بلدة في نهاية من الطيب ليس في الصعيد مثلها، وقمحها بجلب مصر لطيبه ورزانة حبته، قد اشتهر عندهم بذلك. فالتجار يصعدون في المراكب لاستجلابه.
ومنها مدينة أسيوط، وهي من مدن الصعيد الشهيرة، بينها وبين الشط الغربي من النيل مقدار ثلاثة أميال. وهي جميلة المنظر، حولها بساتين النخل، وسورها سور عتيق.
ومنها موضع يعرف بأبي تيج، وهو بلد فيه الأسواق وسائر مرافق المدن، وهو في الشط الغربي من النيل، ومنها مدينة أخميم،وهي أيضاَ من مدن الصعيد الشهيرة المذكورة بشرقي النيل وبشطه، قديمة الاختطاط عتيقة الوضع،فيها مسجد ذي النون المصري، ومسجد داود أحد الصالحين المشتهرين بالخير والزهادة، وهما مسجدان موسومان بالبركة، دخلنا إليها متبركين بالصلاة فيهما، وذلك يوم السبت التاسع عشر لمحرم المذكور.

(1/11)


ويهذه المدينة المذكورة آثار ومصانع من بنيان القبط وكنائس معمورة الآن بالمعاهدين من نصارى القبط. ومن أعظم الهياكل المتحدث بغرائبها في الدنيا هيكل عظيم في شرقي المدينة المذكورة وتحت سورها، طوله مئتا ذراع وعشرون ذراعاً، وستعه مئة وستون ذراعاً، يعرف عند أهل هذه الجهة بالبربا وكذلك يعرف كل هيكل عندهم وكل مصنع قديم. قد قام هذا الهيكل العظيم على أربعين سارية، حاشا حيطانه، دور كل سارية منها خمسون شبراً، وبين كل سارية وسارية ثلاثون شبراً، ورؤوسها في نهاية من العظم والإتقان قد نحتت نحتاً غريباً فجاءت مركنة بديعة الشكل كأن الخراطين تناولوها، وهي كلها مرقشة بأنواع الأصبغة اللازوردية وسواها. والسواري كلها منقوشة من أسفلها أعلاها. وقد انتصب على رأس كل سارية منها رأس صاحبتها التي تليها لوح عظيم من الحجر المنحوت، من أعظمها ما كلنا فيه ستة وخمسين شبراً طولاً وعشرة أشبار عرضاً وثمانية أشبار ارتفاعاً وسقف هذا الهيكل كله من ألواح الحجارة المنتظمة ببديع الإلصاق، فجاءت كأنها فرش واحد. وقد انتظمت جميعه التصاوير البديعة والأصبغة الغريبة، حتى يخيل للناظر فيها أنها سقف من الخشب المنقوش.
والتصاوير على أنواع في كل بلاط من بلاطانه، فمنها ما قد جللته طيور بصور رائعة باسطة أجنحتها توهم الناظر إليها أنها تهم بالطيران، ومنها ما قد جللته تصاوير آدمية رائقة المنظر رائعة الشكل. قد أعدت لكل صورة منها هيئة هي عليها، كإمساك تمثال بيدها، أو سلاح، أو طائر، أو كأس، أو شارة شخص آخر بيده، أو غير ذلك، مما يطول الوصف له ولاتتأتى العبارة لاستيفائه.
وداخل هذا الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير كلها مختلفات الأشكال والصفة، ومنها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الآدميين يستشعر الناظر إليها رعباً ويتملأ منها عبرة وتعجباً. وما فيه مغرز اشفى ولاابرة إلا وفيه صورة أو نقش أو خط بالمسند لا يفهم. قد عم هذا الهيكل العظيم الشأن كله هذا النقش البديع. ويتأتى في صم الحجارة من ذلك مالا يتأتى في الرخو من الخشب، فيحسب الناظر استعظاماً له أن عمر الزمان لو شغل بترقيشه وترصيعه وتزيينه لضاق عنه. فسبحان الموجد للعجائب لا اله سواه.
وعلى أعلى هذا الهيكل سطح مفروش بألواح الحجارة العظيمة على الصفة المذكورة، وهو في نهاية الارتفاع، فيحار الوهم فيها، ويضل العقل في الفكرة في تطليعها ووضعها.
وداخل هذا الهيكل من المجالس والزوايا والمداخل والمخارج والمصاعد والمعارج والمسارب والموالج ما تضل فيه الجماعات من الناس ولا يهتدي بعضهم لبعض إلا بالنداء العالي، وعرض حائظه ثمانية عشر شبراً، وهو كله من حجارة مرصوصة على الصفة التي ذكرناها.
وبالجملة فشأن هذا الهيكل عظيم ومرآه إحدى عجائب الدنيا التي لا يبلغها الوصف ولا ينتهي إليها الحد، وإنما وقع الإلماع بنبذة من وصفه دلالة عليه، والله المحيط بالعلم فيه والخبير بالمعنى الذي وضع له. فلا يظن المتصفح لهذا المكتوب أن في الإخبار عنه بعض غلو، فإن كل مخبر عنه، لو كان قساً بياناً، أو سحباباً يقف موقف العجز والتقصير، والله المحيط بكل شيء علماً، لا اله سواه.
مواقف خزي ومهانة

(1/12)


وببلاد هذا الصعيد المعترضة في الطريق الحجاج والمسافرين، كإخميم وقوص ومنية ابن الخصيب من التعرض لمراكب المسافرين وتكشفها والبحث عنها وإدخال الأيدي أوساط التجار، فحصاً عما تأبطوه أو احتضنوه من دراهم أو دنانير، ما يقبح سماعه وتشنع الأحدوثة عنه، كل ذلك برسم الزكاة دون مراعاة لمحها أو مايدرك النصاب منها، حسبما ذكرناه في ذكر الإسكندرية من هذا المكتوب. وربما الزموهم الأيمان على ما بأيديهم، وهل عندهم غير ذلك، ويحضرون كتاب الله العزيز تقع اليمين عليه. فيقف الحجاج بين أيدي هؤلاء المتناولين لها مواقف خزي ومهانة تذكرهم أيام المكوس. وهذا أمر يقع القطع على أن صلاح الدين لا يعرفه. ولو عرفه لأمر بقطعه كما أمر بقطع ما هو أعظم منه، ولجاهد المتناول له، فان جهادهم من الوجبات لما يصدر عنهم من التعسف وعسير الإرهاق وسوؤ المعاملة مع غرباء انقطعوا الله عز وجل، وخرجوا مهاجرين حرمه الأمين، ولو شاء اله لكانت عن الخطة مندوحة في اقتضاء الزكاة على أجمل الوجوه من ذوي البضائع في التجارات مع مراعاة رأس كل حول الذي هو محل الزكاة، وبتجنب اعتراض الغرباء المنقطعين ممن تجب الزكاة له لا عليه، وكان يحافظ على جانب هذا السلطان العادل الذي قد شمل البلاد عدله وسار في الآفاق ذكره، ولا يسعى فيما يسيئ الذكر بمن قد حسن الله ذكره، ويقبح المقالة في جانب من اجمل الله المقالة عنه.
أشنع ما شاهدناه
ومن أشنع ما شاهدناه من ذلك خروج شرذمة من مردة أعوان الزكاة، في أيديهم المسال الطوال ذوات الأنصبة، فيصعدون المراكب استكشافاً لما فيها، فلا تركون عكماً ولا غرارة إلا ويتخللونها بتلك المسال الملعونة مخافة أن يكون في تلك الغرارة أو العكم اللذين لا يحتويان سوى الزاد شيء غيب عليه من بضاعة أو مال. وهذا أقبح ما يؤثر في الأحاديث الملعنة، وقد نهى الله عن التجسس، فكيف عن الكشف لما يرجى ستر الصون دونه من حال لايريد صاحبها أن يطلع عليها، إما تستحقاراً أو استنفاساً دون بخل بواجب يلزمها، والله الآخذ على أيدي هؤلاء الظلمة بيد هذا السلطان العادل وتوفيقه، إن شاء الله.
ما اجتزنا من المواضع
ومن المواضع التي اجتزنا عليها بعد إخميم المذكورة موضع يعرف بمنشأة السودان على الشط الغربي من النيل، وهي قرية معمورة، ويقال: إنها كانت في القديم مدينة كبيرة. وقد قام أمام هذه القرية، بينها وبين النيل، رصيف عال من الحجارة كأنه السور يضرب فيه النيل ولا يعلوه عند فيضه ومده فالقرية بسببه في آمن من أتيه.
ومنها موضع يعرف بالبلينة، وهي قرية حسنة كثيرة النخل، بالشط الغربي من النيل، بينها وبين قوص أربعة برد.
ومنها موضع يعرف بدشنة بالشط الشرقي من النيل، وهي مدينة مسورة فيها جميع مرافق المدن، وبينها وبين قوص بريدان.
ومنها موضع بغربي النيل وعلى مقربة من شطه يعرف بدندرة، وهي مدينة من مدن الصعيد كثيرة النخل مستحسنة المنظر مشتهرة بطيب الرطب، بينها وبين قوص بريد وذكر لنا إن فيها هيكلاً عظيماً، وهو المعروف عند أهل هذه الجهات بالبربا، حسبما ذكرنا عند ذكر اخميم، وهيكلها يقال أن هيكل دندرة احفل منه واعظم.
ومنها مدينة قنا، وهي من مدن الصعيد، بيضاء أنيقة المنظر ذات مبان حفيلة، ومن مآثرها المأثورة صون نساء أهلها والتزامهن البيوت، فلا تظهر في زقاق من أزقتها امرأة البتة، صحت بذلك الأخبار عنهن، وكذلك نساء دشنة المذكورة قبيل هذا. وهذه المدينة المذكورة في الشط الشرقي من النيل، وبينها وبين قوص نحو البريد.
ومنها قفط، وهي مدينة بشرقي النيل وعلى مقدار ثلاثة أميال من شطه. وهي من المدن المذكورة في الصعيد حسناً نظافة بنيان وإتقان وضع.

(1/13)


ثم كان الوصول قرص يوم الخميس الرابع والعشرين لمحرم المؤرخ وهو التاسع عشر من مايه، فكان مقامنا في النيل ثمانية عشر يوماً ودخلنا قوص في التاسع عشر. وهذه المدينة حفيلة الأسواق متسعة المرافق كثيرة الخلق لكثرة الصادر والوارد من الحجاج والتجار اليمنيين والهنديين وتجار أرض الحبشة، لأنها مخطر للجميع، ومحط للرحال ومجتمع الرفاق، وملتقى الحجاج المغاربة والمصريين والإسكندريين ومن يتصل بهم، ومنها يفوزون بصحراء عيذاب، واليها انقلابهم في صدرهم من الحج، وكان نزولنا فيها بفندق ينسب لأبن العجمي بالمنية، وهي ربض كبير خارج المدينة، على باب الفندق المذكور.
ستهل هلاله ليلة الأربعاء، وهو الخامس والعشرين من شهر مايه، ونحن بقوص نروم السفر عيذاب، يسر الله علينا مرامنا بمنه وكرمه.
وفي يوم الاثنين الثالث عشر منه، وهو السادس من يونيه، أخرجنا جميع رحالنا من زاد وسواه المبرز، وهو موضع بقبلي البلد وعلى مقربة منه، فسيح الساحة، محدق بالنخيل، يجتمع فيه رحال الحاج والتجار وتشد فيه ومنه يستقلون ويرحلون، وفيه يوزن ما يحتاج وزنه على الجمالين. فلما كان إثر صلاة العشاء الآخرة رفعنا منه ماء يعرف بالحاجر فبتنا به. أصبحنا يوم الثلاثاء بعده مقيمين به بسبب تفقد بعض الجمالين من العرب لبيوتهم، وكانت على مقربة منهم، وفي ليلة الأربعاء الخامس عشر منه، ونحن بالحاجر المذكور، خسف القمر خسوفاً كلياً أول الليل وتمادى هدء منه. ثم أصبحنا يوم الأربعاء المذكور ظاعنين، وقلنا بموضع بقلاع الضياع. ثم كان المبيت بموضع يعرف بمحط اللقيطة، كل ذلك في صحراء لاعمارة فيها.
ثم غدونا يوم الخميس فنزلنا على ماء ينسب للعبدين، ويذكر انهما ماتا عطشاً قبل إن يرداه فسمي ذلك الموضع بهما، وقبراهما به، رحمهما الله. ثم تزودنا منه الماء لثلاثة أيام، وفوزنا سحر يوم الجمعة السابع عشر منه، وسرنا في الصحراء نبيت منها حيث جن علينا الليل، والقوافل العيذابية والقوصية صادرة ووراردة، والمفازة معمورة أمناً.
فلما كان يوم الاثنين الموفي عشرين منه نزلنا على ماء بموضع يعرف بدنقاش، وهي بئر معينة يرد فيها من الأنعام والأنام مالا يحصيهم إلا الله عز وجل، ولا يسافر في هذه الصحراء إلا على الإبل لصبرها على الظماء. واحسن ما يستعمل عليها ذوو الترفيه الشقاديف، وهي أشباه المحامل، واحسن أنواعها اليمانية لأنها كالأشاكيز السفرية مجلدة متسعة، يوصل منها الاثنان بالحبال الوثيقة وتوضع على البعير ولها اذرع قد حفت بأركانها يكون عليها مظلة، فيكون الراكب فيها مع عديله في كن من لفح الهاجرة ويقعد مستريحاً في وطائه ومتكئاً ويتناول مع عديله ما يحتاج إليه من زاد وسواه ويطالع متى شاء المطالعة في مصحف أو كتاب. ومن شاء، ممن يستجيز اللعب بالشطرنج، أن يلاعب عديله تفكها واجماماً للنفس لاعبه. بالجملة فإنها مريحة من نصب السفر. واكثر المسافرين يركبون الإبل على أحمالها فيكابدون من مشقة سموم الحر غماً ومشقة.
وفي هذا الماء وقعت بين بعض جمالي العرب اليمنيين أصحاب طريق عيذاب وضمانها، وهم من بلي من أفخاذ قضاعة، وبين بعض الأغزاز بسبب التزاحم على الماء، مهاوشة كادت تفضي الفتنة ثم عصم الله منها.
والقصد عيذاب من قوص على طريقين: أحدهما يعرف بظريق العبدين، وهي هذه التي سلكناها، وهي اقصر مسافة، والآخر طريق دون قنا، وهي قرية على شاطئ النيل. ومجتمع هاتين الطريقين على مقربة من ماء دنقاش المذكور. ولهما مجتمع آخر على ماء يعرف بشأغب أمام ماء دنقاش بيوم.
فلما كان عشاء يوم الاثنين المذكور تزودنا الماء ليوم وليلة ورفعنا ماء بموضع يعرف بشاغب، فوردناه ضحوة يوم الأربعاء الثاني والعشرين لصفر المذكور وهذا الماء ثماد يحفر عليه في الأرض فتسمح به قريباً غير بعيد إلا أنه زعاق. ثم رحلنا مه سحر يوم الخميس بعده وتزودنا الماء لثلاثة أيام ماء بموضع يعرف بأمتان، وتركنا طريق الماء بموضع يعرف با... يساراً، وليس بينه وبين شاغب غير مسافة يوم، والطريق عليه وعر للإبل.

(1/14)


فلما كان ضحوة يوم الأحد السادس والعشرين لصفر المذكور نزلنا بأمتان المذكور، وفي هذا اليوم المذكور كان فراغنا من حفظ كتاب الله عز وجل له الحمد وله الشكر على ما يسر لنا من ذلك. وهذا الماء بأمتان المذكور هو في بئر معينة قد خصها الله بالبركة. وهو أطيب مياه الطريق وأعذبها، فيلقى فيها من دلاء الوارد مالا يحصى كثرة فتروي القوافل النازلة عليها على كثرتها وتروي من الإبل البعيدة الإظماء مالو وردت نهراً من الأنهار لأنضبته وانزفته.
ورمنا في هذه الطريق إحصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا، ولا سيما القوافل العيذابية المتحملة لسلع الهند الواصلة اليمن، ثم من اليمن عيذاب. وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل، فلقد خيل إلينا لكثرته أنه يوازي التراب فيمة. ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك تلتقي بقاعة الطريق أحمال افلفل والقرفة وسائرها من السلع مطروحة لا حارس لها تترك بهذه السبيل إما لإعياء الإبل الحاملة لها أو غير ذلك من الأعذار، وتبقى بموضعها أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات على كثرة المارة عليها من أطوار الناس.
ثم كان رفعنا من امتان المذكور صبيحة يوم الاثنين بعد الأحد المذكور. ونزلنا على ماء بموضع يعرف بمجاج بمقربة من الطريق ظهر يوم الاثنين المذكور. ومنه تزودنا الماء لأربعة أيام ماء بموضع يعرف بالعشراء على مسافة يوم من عيذاب. ومن هذه المرحلة المجاجية يسلك الوضح، وهي رملة ميثاء تتصل بساحل بحر جدة يمشى فيها عيذاب إن شاء الله، وهي أفيح من الأرض مد البصر يميناً وشمالاً.
وفي ظهر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور كان رفعنا من مجاج المذكور سالكين على الوضح.
شهر ربيع الأول استهل هلاله ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شهر يونيه ونحنن بآخر الوضح على نحو ثلاث مراحل من عيذاب، وفي وقت الغداة من يوم الجمعة المذكور كان نزولنا على الماء بموضع يعرف بالعشراء على مرحلتين من عيذاب، وبهذا الموضع كثير من شجر العشر، وهو شبيه بشجر الأترج لكن لاشوك له. وماء هذا الموضع ليس بخالص العذوبة، وهو في بئر غير مطوية. وألفينا الرمل قد انهال عليها وغطى ماءها، فرام الجمالون حفرها واستخرج مائها فلم يقدروا على ذلك وبقيت القافلة لاماء عندها.
فأسرينا تلك الليلة، وهي ليلة السبت الثاني من الشهر المذكور، فنزلنا ضحوة على ماء الخبيب، وهو بموضع بمرأى العين من عيذاب، يستقي منه القوافل وأهل البلد يعم الجميع، وهي بئر كبيرة كأنها الجب الكبير.
أحفل مراسي الدنيا
فلما كان عشي يوم السبت دخلنا عيذاب، وهي مدينة على ساحل بحر جدة غير مسورة، اكثر بيوتها الأخصاص، وفيها الآن بناء مستحدث بالجص. وهي من أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائداً مراكب الحجاج الصادرة والواردة. وهي في صحراء لانبات فيها ولا يؤكل فيها شيء إلا مجلوب، ولكن أهلها بسبب الحجاج تحت مرافق كثير ولا سيما مع الحاج، لأن لهم على كل حمل طعاماً يحملونه ضريبة معلومة خفيفة المؤونة بالإضافة الوظائف المكوسية التي كانت قبل اليوم التي ذكرنا رفع صلاح الدين لها، ولهم أيضاً من المرافق من الحجاج اكراء الجلاب منهم وهي المراكب.
فيجتمع لهم من ذلك مال كثير في حملهم جدة وردهم وقت انفضا ضهم من أداء الفريضة. وما من أهلها ذوي اليسار إلا من له الجلية والجلبتان، فهي تعود عليهم برزق واسع. فسبحان قاسم الأرزاق على اختلاف أسبابها، لا اله سواه.
وكان نزولنا فيها بدار تنسب لمونح أحد قوادها الحبشيين الذين تأثلوا بها الديار والرباع والجلاب، وفي بحر عيذاب مغاص على اللؤلؤ في جزائر على مقربة منها، وأوان الغوص عليه في هذا التاريخ المقيدة فيه هذه الأحرف، وهو شهر يونيه العجمي والشهر الذي يتلوه، ويستخرج منه جوهر نفيس، له قيمة سنية، يذهب الغائصون عليه تلك الجزائر في الزوارق ويقيمون فيها الأيام فيعودون بما قسم الله لكل واحد منهم بحسب حظه من الرزق.

(1/15)


والمغاص منها قريب القعرليس ببعيد. ويستخرجونه في أصداف لها أزواج كأنها نوع من الحيتان أشبه شيء بالسلحفاة. فإذا شقت ظهرت الشقتان من داخلها كأنهما محارتا فضة، ثم يشقون عليها فيجدون فيها الحبة من الجوهر قد غطى عليها لحم الصدف. فيجتمع لهم من ذلك بحسب الحظوظ والأرزاق. فسبحان مقدرها لا اله سواه. لكنهم ببلدة لا رطب فيها ولا يابس قد ألفوا بها عيش البهائم؛ فسبحان مجبب الأوطان أهلها، على أنهم أقرب الوحش منهم الأنس.
آفة الحجاج
والركوب من جدة إليها آفة للحجاج عظيمة إلا الأقل منهم ممن يسلمه الله عز وجل، وذلك إن الرياح تلقيها علي الأكثر في مراس بصحارى تبعد منها مما يلي الجنوب، فينزل إليهم البجاة، وهم نوع من السودان ساكنون بالجبال، فيكرون منهم الجمال ويسلكون بهم غير طريق الماء. فربما ذهب أكثرهم عطشاً حصلوا على ما يخلفهم من نفقة أو سواها. وربما كان من الحجاج من يتعسف تلك المجهلة على قدميه فيضل ويهلك عطشاً. الذي يسلم منهم يصل عيذاب كأنه منشر من كفن، شاهدنا منهم مدة مقامنا أقواماً قد وصلوا على هذه الصفة في مناظرهم المستحيلة وهيثاتهم المتغيرة، آية للمتوسمين.
وأكثر هلاك الحجاج بهذه المراسي. ومنهم من تساعده الريح أن يحط بمرسى عيذاب، وهو الأقل.
والجلاب التي يصرفونها في هذا البحر الفرعوني ملفقة الإنشاء لا يستعمل فيها مسمار البتة إنما هي مخيطة بأمراس من القنبار، وهو قشر جوز النارجيل يدرسونه أن يتخيط ويفتلون منه أمراساً يخيطون بها المراكب ويخللونها بدسر من عيدان النخل، فإذا فرغوا من إنشاء الجلبة على هذه الصفة سقوها بالسمن أو بدهن الخروع أو بدهن القرش، وهو أحسنها، وهذا القرش حوت عظيم في البحر يبتلع الغرقى فيه. ومقصدهم في دهان الجلبة ليلين عودها ويرطب لكثرة الشعاب المعترضة في هذا البحر.
ولذلك لا يصرفون فيه المركب المسماري.
وعود هذا الجلاب مجلوب من الهند واليمن، وكذلك القنبار المذكور.
ومن أعجب أمر هذه الجلاب أن شرعها منسوجة من خوص شجر المقل.
فمجموعها متناسب في اختلال البنية ووهنها، فسبحان مسخرها على تلك الحال والمسلم فيها لا اله سواه.
ولأهل عيذاب في الحجاج أحكام الطواغيت وذلك انهم يشحنون بهم الجلاب حتى يجلس بعضهم على بعض وتعود بهم كأنها أقفاص الدجاج المملوءة، يحمل أهلها على ذلك الحرص والرغبة في الكراء حتى يستوفي صاحب الجلبة منهم ثمنها في طريق واحدة ولا يبالي بما يصنع البحر بها بعد ذلك، ويقولون: علينا بالألواح، وعلى الحجاج وبالأرواح. وهذا مثل متارف بينهم. فأحق بلاد الله بحسبة يكون السيف درتها هذه البلدة، والأولى بمن يمكنه ذلك أن لا يراها وأن يكون طريقه على الشام العراق، ويصل مع أمير الحاج البغدادي، وان لم يمكنه ذلك أولاً فيمكنه آخراً عند انفضاض الحاج، يتوجه مع أمير الحاج المذكور بغداد ومنها عكة، فان شاء دخل منها الإسكندرية، وان شاء صقلية أو سواهما. ويمكن أن يجد مركباً من الروم يقلع سبتة أو سواها من بلاد المسلمين. وان طال طريقه بهذا التحليق فيهون لما يلقى بعيذاب ونحوها.
أهل عيذاب
أهلها الساكنون بها من قبيل السوادان يعرفون بالبجاة، ولهم سلطان من أنفسهم يسكن معهم في الجبال المتصلة بها. وربما وصل في بعض الأحيان واجتمع بالوالي الذي فيها من الغز إظهاراً للطاعة. ومستنابه مع الوالي في البلد، والفوائد كلها له إلا البعض منها.
وهذه الفرقة من السودان المذكورين فرقة أضل من الأنعام سبيلاً واقل عقولاً لا دين لهم سوى كلمة التوحيد التي ينطقون بها إظهاراً للإسلام، ووراء ذلك من مذاهبهم الفاسدة وسيرهم مالا يرضى ولا يحل، ورجالهم ونساؤهم يتصرفون عراة الاخرقاً يسترون بها عوراتهم، وأكثرهم لايسترون. وبالجملة فهم أمة لا أخلاق لهم، ولاجناح على لاعنهم.
أهوال بحر فرعون

(1/16)


وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين لربيع الأول المذكور، وهو الثامن عشر من يوليه، ركبنا الجلبة للعبور جدة. فأقمنا يومنا ذلك بالمرسى لركود الريح ومغيب النواتية، فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء أقلعنا على بركة الله، عز وجل، وحسن عونه المأمول. فكانت مدة المقام بعيذاب، حاشا يوم الاثنين المذكور، ثلاثة وعشرين يوماً، محتسبة عند الله، عز وجل، لشظف العيش وسوء الحال واختلال الصحة لعدم الأغذية الموافقة، وحسبك من بلد كل شيء فيه مجلوب حتى الماء، والعطش أشهى النفس منه. فأقمنا بين هواء يذيب الأجسام وماء يشغل المعدة عن اشتهاء الطعام، فما ظلم من غني عن هذه البلدة بقوله:
ماء زعاق وجو كله لهب
فالحول بها م أعظم المكاره التي حف بها السبيل البيت العتيق، زاده الله تشريفاً وتكريماً، وأعظم أجور الحجاج على ما يكابدونه ولاسيما في تلك البلدة الملعونة ومما لهج الناس بذكره قبائحها حتى يزعمون أن سليمان ابن داود، على نبينا وعليه السلام، كان اتخذها سجناً للعفارتة، أراح الله الحجاج منها بعمارة السبيل القاصدة بيته الحرام، وهي السبيل التي من مصر على عقبة أيلة المدينة المقدسة، وهي مسافة قريبة يكون البحر منها يميناً وجبل الطور المعظم يساراً، لكن للإفرنج بمقربة منها حصن مندوب يمنع الناس من سلوكه والله ينصر دينه ويعز لكمته بمنه.
فتمادى سيرنا في البحر يوم الثلاثاء السادس والعشرين لربيع الأول المذكور ويوم الأربعاء بعده بريح فاترة المهب. فلما كان العشاء الآخرة من ليلة الخميس ونحن قد استبشرنا برؤية الطير المحلقة من بر الحجاز، لمع برق من جهة البر المذكور، وهي جهة الشرق، ثم نشأ نوء أظلم له الأفق أن كسا الآفاق كلها، وهبت ريح شديدة صرفت المركب عن طريقه راجعاً وراءه، وتمادى عصوف الرياح واشتدت حلكة الظلمة وعمت الآفاق، فلم ندر الجهة المقصودة منها، أن ظهر بعض النجوم فاستدل بها بعض الاستدلال وحط القلع اسفل الدقل، وهو الصاري.
واقمنا ليلتنا تلك في هول يؤذن باليأس، وارانا بحر فرعون بعض أهواله الموصوفة، أن أتى الله بالفرج مقترناً مع الصباح. فهدأ قياد الريح وأقشع الغيم وأصحت السماء ولاح لنا بر الحجاز على بعد لانبصر منه إلا بعض جباله، وهي شرق من جدة، زعم ربان المركب وهو الرائس، أن بين تلك الجبال التي لاحت لنا وبر جدة يومين، والله يسهل لنا كل صعب وييسر لنا كل عسير بعزته وكرمه.
فجرينا يومنا ذلك، وهو يوم الخميس المذكور، بريح رخاء طيبة، ثم أرسينا عشية في جزيرة صغيرة في البحر على مقربة من البر المذكور بعد أن لقينا شعاباً كثيرة يكثر فيها الماء ويضحل علينا، فتخللنا أثناءها على حذر وتحفظ.
وكان الربان بصيراً حاذقاً فيها، فخلصنا الله منها، حتى أرسينا بالجزيرة المذكورة، ونزلنا إليها وبتنا بها ليلة الجمعة التاسع والعشرين لربيع الأول المذكور، واصبح الهواء راكداً والريح غير متنفسة إلا من الجهة التي لا توافقنا فأقمنا بها يوم الجمعة المذكور. فلما كان يوم السبت الموفي ثلاثين تنفست الريح بعض التنفس، فأقلعنا بذلك النفس نسير سيراً وريداً. وسكن البحر حتى خيل لناظره صحن زجاج ازرق. فأقمنا على تلك الحال نرجو لطيف صنع الله عز وجل.
وهذه الجزيرة تعرف بجزيرة عائقة السفن، فعصمنا الله عز وجل من قال اسمها المذموم، وله الحمد والشكر على ذلك.
؟؟؟ شهر ربيع الآخر
استهل هلاله ليلة السبت ونحن بالجزيرة المذكورة ولم يظهر تلك الليلة للأبصار بسبب النوء لكن ظهر في الليلة الثانية كبيراً مرتفعاً، فتحققنا إهلاله ليلة السبت المذكور، وهو الثالث والعشرون من شهر يوليه، وفي عشي يوم الأحد ثانية أرسينا بمرسى يعرف بأبحر، وهو على بعض يوم من جدة، وهو من أعجب المراسي وضعاً، وذلك أن خليجاً من البحر يدخل البر والبر مطيف به من كلتا حافتيه فترسي الجلاب منه في قرارة مكنة هادئة.

(1/17)


فلما كان سحر يوم الاثنين بعده أقلعنا منه على بركة الله تع بريح فاترة، والله الميسر لارب سواه فلما جن الليل أرسينا على مقربة من جدة وهي بمرأى العين منا. وحالت الريح صبيحة يوم الثلاثاء بعده بيننا وبين دخول مرساها، ودخول هذه المراسي صعب المرام بسبب كثرة الشعاب والتفافها. وأبصرنا من صنعة هؤلاء الرؤساء والنواتية في التصرف بالجلبة أثناءها أمراً ضخماً، يدخلونها على مضايق ويصر فونها خلالها تصريف الفارس للجواد الرطب العنان السلس القياد، ويأتون في ذلك بعجب يضيق الوصف عنه.
وفي ظهر يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر المذكور، وهو السادس والعشرون من شهر يوليه، كان نزولنا بجدة حامدين لله عز وجل وشاكرين على السلامة والنجاة من هول ماعايناه في تلك الثمانية الأيام طول مقامنا على البحر، وكانت اهوالاً شتى، عصمنا الله منها بفضله وكرمه، فمنها ما كان يطرأ من البحر واختلاف رياحه وكثرة شعابه المعترضة فيه. ومنها ما كان يطرأ من ضعف عدة المركب واختلالها واقتسامها المرة بعد المرة عند رفع الشراع ؟ حطه أو جذب مرساة من مراسيه، وربما سنحت الجلبة بأسفلها على شعب من تلك الشعاب أثناء تخللها فنسمع لها هداً يؤذن باليأس، فكنا فيها نموت مراراً ونحيا مراراً، والحمد لله على ما من به من العصمة وتكفل به من الوقاية والكفاية حمداً يبلغ رضاه ويستهدي المزيد من نعماهن بعزته وقدرتهن لا اله سواه.
وكان نزولنا فيها بدار القائد علي وهو صاحب جدة من قبل أمير مكة المذكور، في صرح من تلك الصروح الخوصية التي يبنونها في أعالي ديارهم ويخرجون منها سطوح يبيتون فيها. وعند احتلالنا جدة المذكورة عاهدنا الله عز وجل، سروراً بما أنعم الله به من السرمة، إلا يكونه انصرفنا على هذا البحر الملعون إلا أن طرأت ضرورة تحول بيننا وبين سواه من الطرق، والله ولي الخيرة في جميع ما يقضيه ويسنيه بعزته.
جدة
وجدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور اكثر بيوتها اخصاص، وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطين وفي أعلاها بيوت من الأخصاص كالغرف، ولها سطوح يستراح فيها بالليل من أذى الحر. وبهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة، وأثر سورها المحدق بها باق اليوم. وبها موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنه كان منزل حواء أم البشر، صلى الله عليه وسلم الله عليها، عند توجهها مكة، فبني ذلك المبنى عليه تشهيراً لبركته وفضله، والله أعلم بذلك.
وفيها مسجد مبارك منسوب عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ومسجد آخر له ساريتان من خشب الآبنوس ينسب ايضاً إليه، رضي الله عنه، ومنهم من ينسبه هارون الرشيد، رحمة الله عليه.
واكثر سكان هذه البلدة مع ما يليها من الصحراء والجبال أشراف علويون: حسنيون وحسينيون وجعفريون، رضي الله عن سلفهم الكريم. وهم من شظف العيش بحال يتصدع له الجماد إشفاقا، ويستخدمون أنفسهم في كل مهنة من المهن: من اكراء جمال إن كانت لهم، أو مبيع لبن أو ماء، غير ذلك من تمر يلتقطونه أو حطب يحتطبونه. وربما تناول ذلك نساءهم الشريفات بأنفسهن،فسبحان المقدر لما يشاء. ولاشك أنهم أهل بيت ارتضى الله لهم الآخرة ولم يرتض لهم الدنيا. جعلنا الله ممن يدين بحب أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وبخارج هذه البلدة مصانع قديمة تدل على قدم اختطا طها، ويذكر أنها كانت من مدن الفرس. وبها جباب منقورة في الحجر الصلد يتصل بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة وهي داخل البلد وخارجه، حتى انهم يزعمون إن التي خارج البلد ثلاث مئة وستون جباً ومثل ذلك داخل البلد. وعاينا نحن جملة كثيرة لا يأخذها الإحصاء. وعجائب الموضوعات كثيرة، فسبحان المحيط علماً بها.
استغلال الحجاج

(1/18)


وأكثر هذه الجهات الحجازية وسواها فرق وشيع لا دين لهم قد تفرقوا على مذاهب شتى. وهم يعتقدون في الحاج مالا يعتقد في أهل الذمة، قد صيروهم من أعظم غلاتهم التي يستغلونها: ينتهبونهم انتهاباً، ويسببون لاستجلاب ما بأيديهم استجلاباً. فالحاج معهم لا يزال في غرامة ومؤونة أن ييسر الله رجوعه وطنه.ولولا ما تلافى الله به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين لكانوا من الظلم في أمر لينادي وليده ولا يلين شديده. فانه رفع ضرائب المكوس عن الحاج وجعل عوض ذلك مالاً وطعاماً يأمر بتوصيلها مكثر أمير مكة، فمتى أبطأت عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأمير ترويع الحاج وإظهار تثقيفهم بسبب المكوس. واتفق لنا من ذلك أن وصلنا جدة، فأمسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير المذكور. فورد أمره أن يضمن الحاج بعضهم بعضاً ويدخلوا حرم الله، فإن ورد المال والطعام اللذان يرسمه من قبل صلاح الدين والا فهو لا يترك ماله قبل الحاج. هذا لفظه، كأن جرم الله ميراث بيده محلل له اكتراؤه من الحاج. فسبحان مغير السنن ومبدلها.
والذي جعل له صلاح الدين، بدلاً من مكس الحاج، ألفا دينار اثنان وألفا اردب من القمح، وهو نحو الثمانمائة قفيز بالكيل الإشبيلي عندنا، حاشا إقطاعات أقطعها بصعيد مصر وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور. ولو لا مغيب هذا السلطان العادل صلاح الدين بجهة الشام في حروب له هناك مع الإفرنج لما صدر عن هذا الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاج. فأحق بلاد الله بأن يطهرها السيف ويغسل أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل الله هذه البلاد الحجازية لما هم عليه من حل عرى الإسلام واستحلال أموال الحاج ودمائهم.
فمن يعتقد من فقهاء أهل الأندلس إسقاط هذه الفريضة عنهم فاعتقاده صحيح لهذا السبب وبما يصنع بالحاج مما لا يرتضيه الله عز وجل. فراكب هذا السبيل راكب خطر ومعتسف غرر. والله قد أوجد الرخصة فيه على غير هذه الحال، فكيف وبيت الله الآن بأيدي أقوام قد اتخذوه معيشة حرام وجعلوه سبباً استلاب الأموال واستحقاقها من غر حل ومصادرة الحجاج عليها وضرب الذلة والمسكنة الدينة عليهم، تلافاها الله عن قريب بتطهير يرفع هذه البدع المجحفة عن المسلمين بسيوف الموحدين أنصار الدين، وحز الله أولي الحق والصدق، والذابين عن حرم الله عز وجل، والغائرين على محارمه، والجادين في إعلاء كلمته وإظهار دعوته ونصر ملته، انه على ما يشاء قدير، وهو نعم المولى ونعم النصير.
لا إسلام إلا في المغرب
وليتحقق المتحقق ويعتقد الصحيح الاعتقاد أنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب، لأنهم على جادة واضحة لاينيات لها. وما سوى ذلك مما بهذه الجهات المشرقية فأهواء وبدع، وفرق ضالة وشيع، إلا من عصم الله عز وجل من أهلها. كما أنه لا عدل ولاحق ولا دين على وجهه إلا عند الموحدين، أعزهم الله، فهم آخر أئمة العدل في الزمان. وكل من سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة يعشرون تجار المسلمين كأنهم أهل ذمة لديهم، ويستجلبون أموالهم بكل حيلة وسبب، ويركبون طرائق من الظلم لم يسمع بمثلها، اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين، الذي قد ذكرنا سيرته ومناقبه، لو كان له أعوان على الحق... مما أريد الله عز وجل يتلافى المسلمين بجميل نظره ولطيف صنعه.
الدعوة المؤمنية الموحدية
ومن عجيب ما شاهدناه في أمر الدعوة المؤمنية الموحدية وانتشار كلمتها بهذه البلاد واستشعار أهلها لملكتها أن أكثر أهلها بل الكل منهم يرمزون بذلك رمزاً خفياً حتى يؤدي ذلك بهم التصريح، وينسبون ذلك لآثار حدثانية وقعت بأيدي بعضهم أنذرت بأشياء من الكوائن فعاينوها صحيحة.
فمن بعض الآثار المؤذنة بذلك عندهم أن بين جامع ابن طولون والقاهرة برجين مقتربين عتيقي البناء، على أحدهما تمثال ناظر جهة المغرب وكان على الآخر تمثال ناظر المشرق، فكانوا يرون أن أحدهم إذا سقط أنذر بغلبة أهل الجهة التي كان ناظراً إليها على ديار مصر وسواها. وكان من الاتفاق العجيب أن وقع التمثال الناظر المشرق فتلا وقوعه استيلاء الغز(1) على الدولة العبيدية وتملكهم ديار مصر وسائر البلاد. وهم الآن متوقعون سقوط التمثال الغربي وحدثان مايؤملونه من ملكة أهله لهم إن شاء الله.

(1/19)


ولم يبق إلا الكائنة السعيدة من تملك الموحدين لهذه البلاد، فهم يستطلعون بها صبحاً جلياً ويقطعون بصحتها، ويرتقبونها ارتقاب الساعة التي لا يمترون في إنجاز وعدها. شاهدنا من ذلك بالإسكندرية مصر وسواهما مشافهة وسماعاً أمراً غريباً يدل على أن ذلك الأمر العزيز أمر الله الحق ودعوته الصدق. ونمي إلينا أن بعض فقهاء هذه البلاد المذكورة وزعمائها قد حبر خطباً أعدها للقيام بها بين يدي سيدنا أمير المؤمنين، أعلى الله أمره، وهو يرتقب ذلك اليوم ارتقاب يوم السعادة وينتظره انتظار الفرج بالصبر الذي هو عبادة، والله عز وجل يبسطها من كلمة، ويعليها من دعوة انه على ما يشاء قدير.
من جدة حرم الشريف
وفي عشي يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور، وهو الثاني من شهر أغشت، كان انفصالنا من جدة بعد أن ضمن الحجاج بعضهم بعضاً، وثبتت أسماؤهم في زمام عند قائد جدة علي بن موفق، حسبما نفذ إليه ذلك من سلطانه صاحب مكة مكثر بن عيسى المذكور وهذا الرحل مكثر من ذرية الحسن بن علي، رضوان الله عليهما، لكنه ممن يعمل غير صالح، فليس من أهل سلفه الكريم، رضي الله عنهم.
وأسرينا تلك الليلة أن وصلنا القرين مع طلوع الشمس. وهذا الموضع هو منزل الحاج ومحط رحالهم، ومنه يحرمون وبه يريحون اليوم الذي يصبحونه.
فإذا كان في عشية رفعوا وأسروا ليلتهم وصبحوا الحرم الشريف، زاده الله تشريفاً وتعظيماً. والصادرون من الحج ينزلون به ايضاً ويسرون منه جدة وبهذا الموضع المذكور بئر معينة عذبة، والحاج بسببها لايحتاجون تزود الماء غير ليلة إسرائهم إليه. فأقمنا بياض يوم الأربعاء المذكور مريحين بالقرين. فلما حان العشي رحنا منه محرمين بعمرة، فأسرينا ليلتنا تلك، فكان وصولنا مع الفجر قريب الحرم. فنزلنا مرتقبين لانتشار الضوء.
ودخلنا مكة، حرسها الله، في الساعة الأولى من يوم الخميس الثالث عشر لربيع المذكور، وهو الرابع من شهر أعشت، على باب العمرة، وكان إسراؤنا تلك الليلة المذكورة، والبدر قد ألقى على البسيطة شعاعه، والليل قد كشف عنا قناعه، والأصوات تصك الآذان بالتلبية من كل مكان، والألسنة تضج بالدعاء وتبتهل الله بالثناء، فتارة تشتد بالتلبية، وآونة تتضرع بالأدعية.فيما لها ليلة كانت في الحسن بيضة العقر، فهي عروس ليالي العمر وبكر بنيات الدهر. أن وصلنا، في الساعة المذكورة من اليوم المذكور، حرم الله العظيم ومبوأ الخليل إبراهيم. فألفينا الكعبة الحرام عروساً مجلوة مزفوفة جنة الرضوان ومحفوفة بوفود الرحمن، فطفنا طواف القدوم، ثم صلينا بالمقام الكريم وتعلقنا بأستار الكعبة عند الملتزم، وهو بين الحجر الأسود والباب، وهو موضع استجابة الدعوة. ودخلنا قبة زمزم وشرينا من مائها وهو لما شرب له، كما قال، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. ثم سعينا بين الصفا والمروة، ثم حلقنا أحللنا. فالحمد لله الذي كرمنا بالوفادة عليه وجعلنا ممن انتهت الدعوة الإبراهيمية إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكان نزولنا فيها بدار تعرف بالنسبة الحلال قريباً من الحرم، من باب السدة أحد أبوابه في حجرة كثيرة المرافق المسكنية مشرفة على الحرم وعلى الكعبة المقدسة.
شهر جمادى الأول
استهل هلاله ليلة الاثنين الثاني والعشرين لأغشت، وقد كمل لنا بمكة، شرفها الله تع، ثماينة عشر يوماً، فهلال هذا الشهر أسعد هلال اجتلته أبصارنا فيما سلف من أعمارنا. طلع علينا وقد تبوأنا مقعد الجدار الكريم وحرم الله العظيم والقبة التي فيها مقام إبراهيم، مبعث الرسول ومهبط الروح الأمين جبريل بالوحي والتنزيل، فأوزعنا الله شكر هذه المنة وعرفنا قدر ما خصنا به من نعمة، وختم لنا بالقبول، وأجرانا على كريم عوائده من الصنيع الجميل ولطيف التيسير والتسهيل بعزته وقدرته، لا اله سواه.
البيت المكترم له أربعة أركان. وهو قريب من التربيع. واخبرني زعيم الشيبيين الذين إليهم سدانة البيت، وهو محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن من ذرية عثمان بن طلحة بن شيبة بن طلحة بن عبد الدار صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وصاحب حجابة البيت: أن اربتفاعه في الهواء من الصفح الذي يقابل باب الصفا، وهو من الحجر الأسود، الركن اليماني، تسع وعشرون ذراعاً وسائر الجوانب ثمان وعشرون، بسبب انصباب السطح الميزاب.

(1/20)


فأول أركانه الركن الذي فيه الحجر الأسود، ومنه ابتداء الطواف، ويتقهقر الطائف عنه ليمر جميع بدنه به، والبيت المكرم عن يساره، وأول ما يلقى بعده الركن العراقي، وهو ناظر جهة الشمال. ثم الركن الشامي، وهو ناظر جهة الغرب. ثم الركن اليماني، وهو ناظر جهة الجنوب. ثم يعود الركن الأسود، وهو ناظر جهة الشرق. وعند ذلك يتم شوطاً واحداً.
وباب البيت الكريم في الصفح الذي بين الركن العراقي وركن الحجر الأسود، وهو قريب من الحجر بعشرة اشبار محققة. وذلك الموضع الذي بينهما من صفح البيت يسمى الملتزم، وهو موضع استجابة الدعاء والباب الكريم مرتفع عن الأرض بأحد عشر شبراً ونصف. وهو من فضة مذهبة، بديع الصنعة، رائق الصفة، يستوقف الأبصار حسناً وخشوعاً للمهابة التي كساها الله بيته.
وعضادناه كذلك، والعتبة العليا كذلك أيضاَ. وعلى رأسها لوح ذهب خالص ابريز في سعته مقدار شبرين. وللباب نقارنا فضة كبيرتان يتعلق عليهما قفل الباب، وهو ناظر للشرقِ، وسعته ثمانية أشبار، وطوله ثلاثة عشر شبراً وغلظ الحائط الذي ينطوي عليه الباب خمسة أشبار.
وداخل البيت الكريم مفروش بالرخام المجزع، وحيطانه رخام كلها مجزع.
قد قام على ثلاثة أعمدة من الساج مفرطة الطول، وبين كل عمود وعمود أربع خطاً. وهي على طول البيت متوسطة فيه. فأحد الأعمدة، وهو أولها، يقابل نصف الصفح الذي يحف به الركنان اليمانيان. وبينه وبين الصفح مقدارثلاث خطاً. والعمود الثالث، وهو آخرها، يقابل الصفح الذي يحف به الركنان العراقي والشامي.
ودائر البيت كله من نصفه الأعلى مطلي بالفضة المذهبة المستحسنة، يخيل للناظر إليها أنها صفيحة ذهب لغظها. وهي تحف بالجوانب الأربعة وتمسك مقدار نصف الجدار الأعلى.
وسقف البيت مجلل بكساء من الحرير الملون. وظاهر الكعبة كلها من الأربعة الجوانب مكسو بستور من الحرير الأخضر وسداها قطن وفي أعلاها رسم بالحرير الأحمر، فيه مكتوب: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكةالآية، واسم الإمام الناصر لدين الله في سعته قدر ثلاث أذرع يطيف بها كلها. قد شكل في هذه الستور من الصنعة الغريبة التي تبصرها أشكال محاريب رائقة ورسوم مقروءة مرسومة بذكر الله تع وبالدعاء للناصر العباسي المذكور الآمر باقامتها، وكل ذلك لايخالف لونها، وعدد الستور من الجوانب الأربعة أربعة وثلاثون ستراً. وفي الصفحين الكبيرين منها ثمنانية عشر، وفي الصفحين الصغيرين ستة عشر، وله خمسة مصاوئ، وعليها زجاج عراقي بديع النقش، أحدها في وسط السقف، ومع كل ركن مضوأ، والواحد منها لايظهر لأنه تحت القبو المذكور بعد. وبين الأعمدة أكواس من الفضة عددها ثلاث عشرة واحداها من ذهب.
واول مايلقى الداخل على الباب عن يساره الركن الذي خارجه الحجر الأسود، وفيه صندوقان فيهما مصاحف، وقد علاهما في الركن بويبان من فضة كأنهما طاقان ملصقان بزاوية الركن. وبينهما وبين الأرض ازيد من قامة. وفي الركن الذي يليه وهو اليماني كذلك لكنهما انقلعا وبقي العمود الذي كانا ملصقين عليه. وفي الركن الشامي كذلك وهما باقيان. وفي جهة الركن العراقي كذلك.
وعن يمينه الركن العراقي وفيه باب يسمى بباب الرحمة يصعد منه سطح البيت المكرم. وقد قام له قبو فهو متصل بأعلى سطح البيت داخله الأدراج.
وفي أوله البيت المحتوي على المقام الكريم. فتجد للبيت الكريم بسبب هذا القبو خمسة أركان، وفي سعة صفحيه قامتان، وهو محتو على الركن العراقي بنصفين من كل صفح، وثلثا قناة هذا القبو مكسوان بستر الحرير الملون كأنه قد لف فيه ثم وضع.
وهذا المقام الكريم الذي داخل هذا القبو هو مقام إبراهيم، صلى الله عليه وسلم الله على نبينا وعليه، وهو حجر مغشى بالفضة، وارتفاعه مقدار ثلاثة أشبار، وسعته مقدار شبرين، وأعلاه اوسع من اسفله، فكأنه، وله التنزيه والمثل الأعلى، كانون فخار كبير أو سطه يضيق عن اسفله وعن أعلاه، عايناه وتبركنا بلمسه وتقبيله، وصب لنا في أثر القدمين المباركتين ماء زمزم فشربناه، نفعنا الله به. وأثرهما بين وأثر الأصابع المكرمة المباركة. فسبحان من ألانه لواطئه حتى أثرت فيه ولاتأثير القدم في الرمل الوثير، سبحان جاعله من الآيات البينات.

(1/21)


ولمعاينته ومعاينة البيت الكريم هول يشعر النفوس من الذهول ويطيش الأفئدة والعقول، فلا تبصر إلا لحظات خاشعة وعبرات هامعة ومدامع باكية وألسنة الله، عز وجلن ضارعة داعية.
وبين الباب الكريم والركن العراقي حوض طوله اثناعشر شبراً، وعرضه خمسة اشبار ونصف، وارتفاعه نحو شبر، متصل من قبالة عضادة الباب التي تلي الركن المذكور آخذاً جهته، وهو علامة موضع المقامدة إبراهيم، عليه السلام إن صرفه النبي، صلى الله عليه وسلم، الموضع الذي هو الآن مصلى الله عليه وسلم. وبقي الحوض المذكور مصباً لماء البيت إذا غسل، وهو موضع مبارك، يقال:انه روضة من رياض الجنة، والناس يزدحمون للصلاة فيه. وأسفله مفروش برملة بيضاء وثيرة.
وموضع المقام الكريم هو الذي يصلى الله عليه وسلم خلفه، يقابل مابين الباب الكريم والركن العراقي، وهو الباب أميل بكثير، وعليه قبة خشب في مقدار القامة أو ازيد مركنة محددة بديعة النقش، سعتها من ركنها الواحد الثاني أربع أشبار، وقد نصبت على الموضع الذي كان فيه المقام وحوله تكفيف من حجارة نصبت على حرف كالحوض المستطيل في ارتفاعه نحو شبر، وطوله خمس خطاً، وعرضه ثلاث خطاً. وأدخل المقام الموضع الذي وصفناه في البيت الكريم احتياطاً عليه، وبينه وبين صفح البيت الذي يقابله سبع عشرة خطوة، والخطوة كلها فيها ثلاثة أشبار.
ولموضع المقام أيضاَ قبة مصنوعة من حديد موضوعة جانب قبة زمزم. فاذا كان في أشهر الحج وكثر الناس ووصل العراقيون والخراسانيون رفعت قبة الخشب ووضعت قبة الحديد لتكون أحمل للازدحام.
ومن الركن الذي فيه الحجر الأسود الركن العراقي أربعة وخمسون شبراً محققة. ومن الحجر الأسود الأرض ستة أشبار، وفالطويل يتطأمن إليه والقصير يتطاول إليه. ومن الركن العراقي الركن الشامي ثمانية واربعون شبراً محققة، وذلك داخل الحجر، واما من خارج فمنه إليه أربعون خطوة، وهو مئة وعشرون شبراً محققة، ومن خراجه يكون الطواف. ومن الركن الشامي الرسن اليماني ما من الركن الأسود العراقي لأنه الصفح الذي يقابله. ومن اليماني الأسود ما من العراقي الشامي داخل الحجر لأنه الصفح الذي يقابله.
وموضع الطواف مفروش بحجارة مبسوطة كأنه الرخام حسناً، منها سود وسمر وبيض قد الصق بعضها بعض، واتسعت عن البيت بمقدار تسع خطاً إلا في الجهة التي تقابل المقام، فانها امتدت إليه حتى احاطت به. وسائر الحرم مع البلاطات كلها مفروش برمل ابيض، وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة، وبين الركن العراقي وبين أول جدار الحجر مدخل الحجر سعته أربع خطاً وهي ست أذرع محققة كلناها باليد. وهذا الموضع الذي لم يحجر عليه هو الذي تركت قريش من البيت، وهو ست أذرع، حسبما وردت به الآثار الصحاح، ويقابله عند الركن الشامي مدخل آخر على مثال تلك السعة. وبين جدار البيت الذي تحت الميزاب والذي يقابله من جدار الحجر على خط استواء يشق وسط الصحن والمذكور أربعون شبراً، وسعته من المدخل المدخل ست عشرة خطوة، وهي ثمانية وأربعون شبراً، ودور الجدار رخام كله مجزع بديع الإلصاق... وهناك قضبان صفر مذهبة وضع منها في صفحة أشكال شطرنجية متداخلة بعضها على بعض وصفات محاريب، فاذا ضربت الشمس فيها لاح لها بصيص ولألاء يخيل للناظر إليها انها ذهب يرتمي بالأبصار شعاعه.

(1/22)


وفي ارتفاع جدار هذا الحجر الرخامي خمسة أشبار ونصف، وستعته أربعة أشبار ونصف. وداخل الحجر بلاط واسع ينعطف عليه الحجر كأنه ثلثا دائرة، وهو مفروش بالرخام المجزع المقطع في دور الكف دور الدينار مافوق ذلك، ثم الصق بانتظام بديع وتأليف معجز الصنعة غريب الإتقان رائق الترصيع والتجزيع رائع التركيب والرصف، يبصر الناظر فيه من التعاريج والتقاطيع والخواتم والأشكال الشطرنجية وسواها على اختلاف أواعها وصفاتها مايقيد بصره حسناً، فكأنه يجليه في أزهار مفروشة مختلفات الألوان محاريب قد انعطف عليها الرخام انعطاف القسي وداخلها هذه الأشكال الموصوفة والصنائع المذكورة وبازائها رخامتان متصلتان بجدار الحجر المقابل للميزاب أحدث الصانع فيهما من التوريق الرقيق والتشجير والتقضيب مالا يحدثه الصنع باليدين في الكاغد قطعاً بالجلمين. فمر آهما عجيب، أمر بصنعتهما على هذه الصفة إمام المشرق أبو العباس أحمد الناصر بن المستضيء بالله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف العباسي، رضي الله عنه.
ويقابل الميزاب في وسط الحجر وفي نصف جداره الرخامي رخامة قد نقشت أبدع نقش، وحفت بها طرة منقوشة نقشاً مكحلاً عجيباً، فيه مكتوب: مما أمر بعمله عبد الله وخليفته أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين، وذلك في نسة ست وسبعين وخمس مئة. والميزاب في اعلى الصفح الذي يلي الحجر المذكور، وهو من صفر مذهب، قد خرج الحجر بمقدار أربع أذرع، وسعته مقدار شبر. وهذا الموضع تحت الميزاب هو ايضاً مظنة استجابة الدعوة بفضل الله تع. وكذلك الركن اليماني ويسعى المستجار مايليه، وهذا الصفح المتصل به من جهة الركن الشامي.
وتحت الميزاب في صحن الحجر بمقربة من جدار البيت الكريم قبر اسماعيل، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وعلامته رخامة خضراء مستطيلة قليلاً شكل محراب تتصل بها رخامة خضراء مستديرة. وكلتاهما غريبة المنظر فيهما نكت تنفتح عن لونها الصفرة قليلاً كأنها تجزيع، وهي أشبه الأشياء بالنكت التي تبقى في البيدق من حل الذهب فيه. و جانبه مما يلي لاركن العراقي قبر أمه هاجر، رضي الله عنها، وعلامته رخامة خضراء سعتها مقدار شبر ونصف.يتبرك الناس بالصلاة في هذين الموضعين من الحجر. وحق لهم ذلك لأنهما من البيت العتيق وقد انطبقا على جسدين مقدسين مكرمين نورهما الله ونفع ببركتهما كل من صلى الله عليه وسلم عليهما. وبين القبرين المقدسين سبعة أشبار.
وقبة بئر زمزم تقابل الركن، ومنها إليه أربع وعشرون خطوة. والمقام المذكور الذي يصلى الله عليه وسلم خلفه عن يمين القبة، ومن ركنها إليه عشر خطاً. وداخليها مفروش بالرخام الأبيض الناصع البياض. وتنور البئر المباركة في وسطها مائل عن الوسط جهة الجدار الذي يقابل البيت المكرم، وعمقها احدى عشرة قامة حسبما ذرعناه. وعمق الماء سبع قامات على مايذكر. وباب القبة ناظر لشرق، وبابا العباس وقبة اليهودية ناظران الشمال.
والركن من الصفح الناظر البيت العتيق من القبة المنسوبة اليهودرة يتصل بالركن الأيسر من الصفح الأخير الناظر الشرق من القبة العباسية. فبينهما هذا القد من الانحراف. وتلي قبة بئر زمزم من وراثها قبة الشراب، وهي المنسوبة للعباس، رضي الله عنه. وتلي هذه القبة العباسية على انحراف عنها قبة تنسب لليهودية. وهاتان القبتان مخزنان لأوقاف البيت الكريم من مصاحف وكتب وأتوار شمع وغير ذلك. والقبة العباسية لم تخل من نسبتها الشرابية لأنها كانت سقاية الحاج وهي حتى الآن يبرد فيها ماء زمزم.
ويخرج مع الليل لسقي الحاج في قلال يسمونها الدوارق، كل دورق منها ذو مقبض واحد. وتنور بئر زمزم من رخام قد الصق بعضه ببعض الصاقاً لا تحيله الأيام وأفرغ في أثنائه الرصاص. وكذلك داخل التنور. وحفت به أعمدة الرصاص الملصقة إليه إبلاغاً في قوة لزه ورصه: اثنان وثلاثون عموداً قد خرجت لها رؤوس قابضة على حافة البئر دائرة بالتنور كله. ودوره أربعون شبراً، وارتفاعه أربعة أشبار ونصف، وغلظه شبر ونصف. وقد استدارت بداخل القبة سقاية سعتها شبر، وعمقها نحو شبرين، وارتفاعها عن الأرض خمسة أشبار، تملأ ماء للوضوء، وحولها مصطبة دائرة يرتفع الناس إليها ويتوضأون عليها.

(1/23)


والحجر الأسود المبارك ملصق في الركن الناظر جهة المشرق، ولا يدري قدر ما دخل في الركن، وقيل: إنه داخل في الجدار بمقدار ذراعين. وسعته ثلثا شبر، وطوله شبر وعقد، وفيه أربع قطع ملصقة. ويقال: أن القرمطي، لعنه الله، كان الذي كسره. وقد شدت جوانبه بصفيحة فضة يلوح بصيص بياضها على بصيص سواد الحجر ورونقه الصقيل فيبصر الرائي من ذلك منظراً عجيباً هو قيد الأبصار.
والحجر عند تقبيله لدونة ورطوبة يتنعم بها الفم حتى يود اللاثم أن يقلع فمه عنه، وذلك خاصة من خواص العناية الإلهية. وكفى أن النبي، صلى الله عليه وسلم اله عليه وسلم، قال: " إنه يمين الله في أرضه " . نفعنا الله لاستلامه ومصافحته، وأوفد عليه كل شيق إليه بمنه.
وفي القطعة الصحيحة من الحجر مما يلي جانبه الذي يلي يمين المستلم له إذا وقف مستقبله نقطة بيضاء صغيرة مشرقة تلوح كأنها خال في تلك الصفحة المباركة. وفي هذه الشامة البيضاء أثر: إن النظر إليها يجلو البصر. فيجب على المقبل أن يقصد بتقبيله موضع الشامة المذكورة ما استطاع.
والمسجد الحرام يطيف به ثلاث على ثلاث سوار من الرخام منتظمة كأنها بلاط واحد، ذرعها في الطول أربع مئة ذراع، وفي العرض ثلاث مئة ذراع. فيكون تكسيره محققاً ثمانية وأربع مرجعاً وما بين البلاطات فضاء كبير، وكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، صغيراً. وقبة زمزم خارجة عنه، وفي مقابلة الركن الشامي، رأس سارية ثابتة في الأرض منها كان حد الحرم أولاً.وبين رأس السارية وبين الركن الشامي المذكور اثنتان وعشرون جطوة، والكعبة في وسطجه على استواء من الجوانب الأربع، ما بين الشرق والجنوب والشمال والغرب. وعدد سواريه الرخامية التي عددتها بنفسي أربع مئة سارية واحد وسبعون سارية حاشا الجصية التي منها في دار الندوة، وهي التي زيدة في الحرم، وهي داخلة في البلاط الآخذ من الغرب الشمال، ويقابلها المقام مع الركن العراقي، وفضاؤها متسع يدخل من البلاط إليه. ويتصل بجدار هذا البلاط كله مصاطب تحت قسي حنايا يجلس فيها النساخون والمقرئون وبعض أهل صنعة الخياطة.
والحرم محدق بحلقات المدرسين وأهل العلم. وفي جدار البلاط الذي يقابله أيضاً مصاطب تحت حنايا على تلك الصفة، وهو البلاط الآخذ من الجنوب الشرق. سائر البلاطات تحت جداراتها مصاطب دون حنايا عليها، والبنيان فيها الآن على أكمل ما يكون. وعند باب إبراهيم مدخل آخر من البلاط الآخذ من الغرب الجنوب فيه أيضاً سوار جصية. ووجدت بخط أبي جعفر بن علي الفنكي القرطبي الفقيه المحدث: أن عدد سواريه أربع مئة وثمانون، لأني لم أحسب التي خارج باب الصفا.
وللمهدي محمد بن أبي جعفر المنصور العباسي في توسعة المسجد الحرام والتأنق في بنائه آثار كريمة. وجدت في الجهة التي من الغرب الشمال مكتوباً في أعلى جدار البلاط: " أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بتوسعة المسجد الحرام، لحجاج بيت الله وعماره، في سنة سبع وستين ومئة " .
وللحرم سبع صوامع: أربع في الأربعة جوانب، وواحدة في دار الندوة، وأخرى على باب الصفا، وهي أصغرها، وهي علم لباب الصفا، وليس يصعد إليها لضيقها، وعلى باب إبراهيم صومعة قد ذكرت عند باب إبراهيم فيما بعد.
وباب الصفاء يقابل الركن الأسود بالبلاط الذي من الجنوب الشرق، وفي وسط البلاط المقابل للباب ساريتان مقابلتان الركن المذكور فيهما منقوش: " أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بإقامة هاتين الأسطوانتين علماً لطريق رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، الصفا ليتأسى به حاج بيت الله وعماره، على يدي يقطين بن موسى وإبراهيم بن صالح، في سنة سبع وستين ومئة " .
وفي باب الكعبة المقدسة نقش بالذهب رائق الخط طويل الحروف غليظها، يرتمي الأبصار برونقه وحسنه، مكتوب فيه: " مما أمر بعمله عبد الله وخليفته الإمام أبو عبد الله محمد المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، صلى الله عليه وسلم الله عليه وعلى الأئمة آبائه الطاهرين، وخلد ميراث النبوة لديه، وجعلها كلمة باقية في عقبه يوم الدين، في سنة خمسين وخمس مئة " في صفحتي البابين على هذا النص المذكور.

(1/24)


ويكتنف البابين الكريمين عضادة غليظة من الفضة المذهبة البديعة النقش، تصعد العتبة المباركة تشف عليها وتستدير بجانبي البابين. ويعترض أيضاً بين البابين عند إغلاقهما شبه العضادة الكبيرة من الفضة المذهبة هي بطول البابين متصلة بالواحد منهما الذي عن يسار الداخل البيت.
وكسوة الكعبة المقدسة من الحرير الأخضر، حسبما ذكرناه. وهي أربع وثلاثون شقة: في الصفح الذي بين الركن اليماني والشامي منها تسع وفي الصفح الذي يقابله بين الركن الأسود والعراقي تسع أيضاً،وفي الصفح بين العراقي والشامي ثمان، وفي الصفح بين اليماني والأسود ثمان أيضاً، وقد وصلت كلها فجاءت كأنها ستر واحد يعم الأربعة جوانب. وقد أحاط بها من أسفلها تكفيف مبني بالجص، في إرتفاعه أزيد من شبر، وفي سعته شبران أو أزيد قليلاً، في داخله خشب غير ظاهر، وقد سمرت فيه أوتاد حديد في رؤوسها حلقات حديد ظاهرة قد أدخل فيها مرسى من القنب غليظ مفتول. واستدار بالجوانب الأربعة بعد أن وضع في أذيال الستور شبه حجز السراويلات وأدخل فيها ذلك المرس وخيط عليه بخيوط من القطن المفتولة الوثيقة.
ومجتمع الستور في الأركان الأربعة مخيط أزيد من قامة، ثم منها أعلاها تتصل بعري من حديد يدخل بعضها في بعض. واستدار أيضاً بأعلاها على جوانب السطح تكفيف ثان وقعت فيه أعالي الستور في حلقات حديد على تلك الصفة المذكورة. فجاءت الكسوة المباركة مخيطة الأعلى والأسفل، وثيقة الأزرار، لا تخلع إلا من عام عام عند تجديدها، فسبحان من خلد لها الشرف يوم القيامة، لا إله سواه.
وباب الكعبة الكريم يفتح كل يوم اثنين ويوم جمعة إلا في رجب فإنه يفتح في كل يوم. وفتحه أول بزوغ الشمس، يقبل سدنة البيت الشيبيون، فيبادر منهم من ينقل كرسياً كبيراً شبه المنبر الواسع له تسعة أدراج مستطيلة قد وضعت له قوائم من الخشب متطأمنة مع الأرض لها أربع بكرات كبار مصفحة بالحديد لمباشرتها الأرض، يجري الكرسي عليها حتى يصل البيت الكريم. فيقع درجه الأعلى متصلاً بالعتبة المباركة من الباب. فيصعد زعيم الشيبيين إليه، وهو كهل جميل الهيئة والشارة، وبيده مفتاح القفل البارك، ومعه من السدنة من يمسك في يده ستراً أسود يفتخ يديه به أمام الباب خلال ما يفتحه الزعيم الشيبي المذكور، فإذا فتح القفل قبل العتبة ثم دخل البيت وحده وسد الباب خلفه وأقام قدر ما يركع ركعتين. ثم يدخل الشيبيون ويسدون الباب أيضاً ويركعون. ثم يفتح الباب ويبادر الناس بالدخول، وفي أثناء محاولة فتح الباب الكريم يقف الناس مستقبلين إيها بأبصار خاشعة وأيد مبسوطة الله ضارعة وإذا انفتح الباب كبر الناس وعلا ضجيجهم ونادوا بألسنة مستهلة: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك،يا أرحم الراحمين. ثم دخلوا بسلام آمنين.
وف يالصفح المقابل للداخل فيه، الذي هو من الركن اليماني الركن الشامي، خمس رخامات منتصبات طولاً كأنها أبواب تنتهي مقدار خمسة أشبار من الأرض، وكل واحدة منها نحو القامة، الثلاث منها حمر والاثنان خضراوان. في كل واحدة منها تجزيع بياض فلم ير أحسن منظراً منه كأنه فيها تنقيط. فيتصل بالركن اليماني منها الحمراء ثم تليها بخمسة أشبار الخضراء، والموضع الذي يقابلها متقهقراً عنه بثلاث أذرع هو مصلى الله عليه وسلم النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فيزدحم الناس على الصلاة فيه تبركاً به. ووضعهن على هذا الترتيب، وبين كل واحدة وأخرى القدر المذكور. ويتصل بينهما رخام أبيض صافي اللون ناصع البياض، قد أحدث الله، عز وجل، في أصل خلقته أشكالاً غريبة مائلة الزرقة مشجرة مغصنة وفي التي تليها مثل ذلك بعينه من ا لأشكال كأنها مقسومة، فلو انطبقتا لعاد كل شكل يصافح شكله، فكل واحدة شقة الأخرى لا محالة عندما نشرت انشقت على تلك الأشكال فوضعت كل واحدة بإزاء أختها. والفاصل منها بين كل خضراء وحمراء رخامتان، سعتهما خمسة أشبار لأعداد الأشبار المذكورة. والأشكال فيها تختلف هيئاتها، وكل أخت منها بإزاء اختها.وقد شدت جوانب هذه الرخامات تكافيف غلظها قدر إصبعين من الرخام المجزع من الأخضر والأحمر المنقطين ولأبيض ذي الخيلان كأنها أنابيب مخروطة يجار الوهم فيها. فاعترضت في هذا الصفح المذكور من فرج الرخام الأبيض ست فرج.

(1/25)


وفي الصفح الذي عن يسار الداخل، وهو من الأسود الركن اليماني، أربع رخامات: اثنتان خضراوان، واثنتان حمراوان. وبينهما خمس فرج من الرخام الأبيض. وكل ذلك على الصفة المذكورة.
وفي الصفح الذي عن يمين الداخل، وهو من الركن الأسود العراقي، ثلاث: اثنتان حمراوان، وواحدة خضراء. وتصل بها ثلاث فرج من الرخام الأبيض وهذا الصفح هو المتصل بالركن الذي فيه باب الرحمة، وسعته ثلاث أشبار، وطوله سبعة، وعضادته التي عن يمينك إذا استقبلته رخامة خضراء في سعة ثلثي شبر.
وفي الصفح الذي من الشامي العراقي ثلاث: اثنتان حمروان، وواحدة خضراء. وتصل بها ثلاث فرج من الرخام الأبيض على الصفة المذكورة.
ويكلل هذا الرخاخم المذكور طرتان؛ واحدة على الأخرى، سعة كل واحدة منهما قدر شبرين، ذهب مرسوم في اللازورد قد خط فيه خط بديع. وتتصل الطرتان بالذهب المنقوش على نصف الجدار الأعلى. والجهة التي عن يمين الداخل لها طرة واحدة، وفي هاتين الطرتين بعض مواضع دراسة.
وفي كل ركن من الأركان الأربعة ما يلي الأرض رخامتان خضراوان صغيرتان تكتنفان الركن، وتكتنف أيضاً كل بابين من الفضة، اللذين في كل ركن كأنهما طاقان، عضادتان من الرخام الأخضر صغيرتان على قدر نقبيهما. وفي أول كل صفح من الصفحات المذكورة رخامة حمراء وفي آخره مثلها، والخضراء بينهما على الترتيب المذكور إلا الصفح الذي عن يسار الداخل، فأول رخامة تجدها متصلة بالركن الأسود رخامة خضراء، صم حمراء كمال الترتيب الموصوف.
وبإزاء المقام الكريم منبر الخطيب، وهو أيضاً على بكرات أربع شبه التي ذكرناها. فإذا كان يوم الجمعة وقرب وقت الصلاة ضم صفح الكعبة الذي يقابل المقام، وهو بين الركن الأسود والعراقي، فيسند المنبر إليه. ثم يقبل الخطيب داخلاً على باب النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وهو يقابل المقام في البلاط الآخذ من الشرق الشمال لابساً ثوب سواد مرسوماً بذهب ومتعمماً بعمامة سوداء مرسومة أيضاً وعليه طيلسان شرب رقيق، كل ذلك من كسا الخليفة التي يرسلها خطباء بلاده يرفل فيها وعليه السكينة والوقار، يتهادى رويداً بين رايتين سوداوين يمسكهما رجلان من قومة المؤذنين، وبين يديه ساعياً أحد القومة، وفي يده عود مخروط أخمر قد ربط في رأسه مرس من الأديم المفتول رقيق طويل في طرفه عذبة صغيرة ينفضها بيده في الهواء نفضاً فتأتي بصوت عال يسمع من داخل الحرم وخارجه كأنه ايذان بوصول الخطيب، ولا يزال في نفضها أن يقرب من المنبر، ويسمونها الفرقعة. فإذا قرب من المنبر عرج الحجر الأسود فقبله ودعا عنده ثم سعى المنبر والمؤذن الزمزمي، رئيس المؤذنين بالحرم الشريف، ساع أمامه لابساً ثياب السواد أيضاً وعلى عاتقه السيف يمسكه بيده دون تقلد له، فعند صعوده في أول درجة قلده المؤذن المذكور السيف. ثم ضرب بنعلة سيفه فيها ضربة أسمع بها الحاضرين ثم في الثانية. ثم في الثالثة. فإذا انتهى الدرجة العليا ضرب ضربة رابعة ووقف داعياً مستقبل الكعبة بدعاء خفي. ثم انفتل عن يمينه وشماله وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فيرد الناس عليه السلام. ثم يقعد ويبادر المؤذنون بين يديه في المنبر بالأذان على لسان واحد. فإذا فرغوا قام للخطبة فذكر ووعظ وخشع فأبلغ. ثم جلس الجلسة الخطيبية وضرب بالسيف ضربة خامسة. ثم قام للخطبة الثانية فأكثر بالصلاة على محمد، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وعلى آله ورضي عن أصحابه واختص الأربعة الخلفاء بالتسمية، رضي الله عن جميعهم، ودعا لعمي النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، حمزة والعباس وللحسن والحسين وو الترضي عن جميعهم. ثم دعا لأمهات المؤمنين زوجات النبي، صلى الله عليه وسلم، ورضى عن فاطمة الزهراء وعن خديجة الكبرى بهذا اللفظ. ثم دعا للخليفة العباسي أبي العباس أحمد الناصر، ثم لأمير مكة مكثر بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي هاشم الحسني، ثم لصلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب ولولي ههده أخيه أبي بكر بن ايوب. وعند ذكر صلاح الدين بالدعاء تخفق الآلسنة بالتأمين عليه من كل مكان.
واذا أحب الله يوماً عبده القى عليه محبةً للناس وحق ذلك عليهم لما يبذله من جميل الاعتناء بهم وحسن النظر لهم ولما رفعه من وظائف المكوس عنهم.

(1/26)


وفي هذا التاريخ أعلمنا بأن كتابه وصل الامير مكثر، وأهم فصوله التوصية بالحاج والتأكيد في مبرتهم وتأنيهم ورفع أيدي الاعتداء عنهم والايعاز في ذلك الخدام والاتباع والاوزاع، وقال: انه انما نحن وأنت متقلبون في بركة الحاج. فتأمل هذا المنزع الشريف والمقصد الكريم. واحسان الله يتضاعف من احسن عباده، واعتناؤه الكريم موصول لمن جعل همه الاعتناء بهم، والله عز وجل كفيل بجزاء المحسنين، انه ولي ذلك لارب سواه.
وفي أثناء الخطبة تركز الريتان السوداوان في أول درجة من المنبر ويمسكهما رجلان من المؤذنين، وفي جانبي باب المنبر حلقتان تلقى الرايتان فيهما مركوزتين. فإذا فرغ من الصلاة خرج والرايتان عن يمينه وشماله والفرقمة أمامه على الصفة التي دخل عليها، كأن ذلك أيضاَ ايذان بانصراف الخطيب والفراغ من الصلاة ثم أعيد المنبر موضعه بإزاء المقام.
وليلة أهل هلال الشهر المذكور، وهو جمادى الأول، بكر أمير مكة مكثر المذكور في صبيحتها الحرم الكريم مع طلوع الشمس، وقواده يحفون به والقراء يقرأون أمامه، فدخل علىباب النبي،صلى الله عليه وسلم ورجاله السودان الذين يعرفونهم بالحرابة يطوفون أمامه وبأيديهم الحراب. وهو في هيئة اختصار عليه السكينة والوقار وسمت سلفه الكريم، رضي الله عنهم، لابساً ثوب بياض متقلداً سيفه مختصراً متمتعاً بكرزية صوف بيضاء رقيقة، فلما انتهى بإزاء المقام الكريم وقف وبسط له وطاء كتان فصلى الله عليه وسلم ركعتين. ثم تقدم الحجر الأسود فقبله وشرع في الطواف، وقد علا في قبة زمزم صبي، هو أخو المؤذن الزمزمي، وهو أول المؤذنين أذاناً، به يقتدون وله يتبعون، وقد لبس أفخر ثيابه وتعمم، فعندما يكمل الأمير شوطاً واحداً ويقرب من الحجر يندفع الصبي في اعلى القبة رافعاً صوته بالدعاء ويستفتحه بصبح الله مولانا الأمير بسعادة دائمة ونعمة شاملة. ويصل ذلك بتهنئة الشهر بكلام مسجوع مطبوع حفيل الدعاء والثناء. ثم يختم ذلك بثلاثة أبيات أو أربعة من الشعر في مدحه سلفه الكريم وذكر سابقة النبوة، رضي الله عنهم، ثم يسكت،فإذا أطل من الركن اليماني يريد الحجر اندفع بدعاء على ذلك الاسلوب، ووصله بأبيات من الشعر غير الابيات الآخر في ذلك المعنى بعينه كأنها منتزعة من قصائد مدح بها. هكذا في السبعة الأشواط أن يفرغ منها. والقراء في اثناء طوافه أمامه. فينتظم من هذه الحال والأبهة وحسن صوت ذلك الداعي على صغره لأنه ابن احدى عشر سنة أو نحوها، وحسن الكلام الذي يورده نثراً ونظماً، وأصوات القراء وعلوها بكتاب الله، عز وجل، مجموع يحرك النفوس ويشجيها ويستوكف العيون ويبكيها، تذكراً لأهل البيت الذين أدهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. فإذا فرغ من الطواف ركع عند الملتزم ركعتين ثم جاء وركع خلف المقام ايضاً ثم ولى منصرفاً وحلبته تحف به. ولايظهر في الحرم إلا لمستهل هلال آخر، هكذا دائماً. والبيت العتيق مبني بالحجارة الكبار الصم السمر قد رص بعضها على بعض والصقت بالعقد الوثيق الصاقاً لاتحيله الأيام ولا تقصمه الأزمان. ومن العجيب أن قطعة انصدعت من الركن اليماني فسمرت بمسامير فضة واعيدت كأحسن ما كانت، والمسامير فيه ظاهرة.
ومن آيات البيت العتيق أنه قائم وسط الحرم كالبرج المشيد وله التنزيه الأعلى. وحمام الحرم لاتحصى كثرة، وهي من الأمن بحيث يضرب بها المثل، ولاسبيل أن تنزل بسطحه الأعلى حمامة ولاتحل فيه بوجه ولا على حال. فترى الحمام يتجلى على الحرم كله، فإذا فربت من البيت عرجت عنه يميناً أو شمالاً والطيور سواها كذلك. وقرأت في أخبار مكة أنه لاينزل عليه طائر إلا عند مرض يصيبه، فإما أن يموت في حينه أو يبرأ. فسبحان من أورثه التشريف والتكريم.
ومن آياته أن بابه الكريم يفتح في الأيام المعلومة المذكورة، والحرم قد غص بالخلق، فيدخله الجميع ولايضيق عنهم بقدرة الله، عز وجل، ولايبقى فيه موضع الاويصلي فيه كل أحد. ويتلاقى الناس عند الخروج منه، فيسأل بعضهم بعضاً: هل دخل البيت ذلك اليوم؟ فكل يقول: دخلت ومليت في موضع كذا وموضع كذا حيث صلى الله عليه وسلم الجميع. ولله الآيات البينات والبراهين المعجزات، سبحانه وتع.

(1/27)


ومن عجائب اعتناء الله تبارك وتع به أنه لايخلوا من الطائفين ساعة من النهار ولا وقتاً من الليل. فلا تجد من يخبر أنه رآه دون طائف به، فسبحان من كرمه وعظمه وخلد له التشريف يوم القيامة.
وفي أعلى بلاطات الحرم سطح يطيف بها كلها من الجوانب الأربعة، وهو مشرف كله بشر فات مبسوطة مركنة، في كل جانب من الشرفة ثلاثة اركان كأنها أيضاًَ شرفات أخر صغار. والركن الأسفل منها متصل بالركن الذي يليه من الشرفة الأخرى. وتحت كل صلة منها ثقب مستدير في دور الشبر منفوذ يخترقه الهواء يضرب فيه شعاع الشمس أو القمر فيلوح كأنها أقمار مستديرة، يتصل ذلك بالجوانب الأربعة كلها، كأن الشرفات المذكورة بنيت شقة واحدة ثم احدثت فيها هذه التقاطيع والتراكين فجاءت عجيبة المنظر والشكل.
وفي النصف من كل جانب من الجوانب الأربعة المذكورة شقة من الجص معترضة بين الشرفات مخرمة فرجية طولها نحو الثلاثين شبراً تقديراً، تقابل كل شقة منها صفحاً من صفحات الكعبة المقدسة قد علت على الشرفات كالتاج.
وللصوامع أيضاً أشكال بديعة، وذلك أنها ارتفعت بمقدار النصف، مركنة من الأربعة جوانب بحجارة رائعة النقش عجيبة الوضع، قد أحاط بها شباك من الخشب الغريب الصنعة، وارتفع عن الشباك عمود في الهواء كأنه مخروط مختم كله بالآجر تختيماً يتداخل بعضه على بعض بصنعة تستميل الأبصار حسناً. وفي أعلى ذلك العمود الفحل وقد استدار به أيضاً شباك آخر من الخشب على تلك الصنعة بعينها. وهي متميزة الأشكال كلها لايشبه بعضها بعضاً. لكنها على هذا المثال المذكور، من كون نصفها الأول مركناً ونصفها الأعلى عموداً لاركن له.
وفي النصف الأعلى من قبة زمزم والقبة العباسية التي تسمى السقاية والقبة التي تليها منحرفة عنها يسيراً المنسوبة لليهودية، صنعة من قرنصة الخشب عجيبة، قد تأنق الصانع فيها وأحدق بأعلاها شباك مشرجب من الخشب رائق الخلل والتأريج وداخل شباك قبة زمزم شطح وقد قام في وسطه شبه فحل الصومعة.
وفي ذلك السطح يؤذن الزمزمي، وقد انخرط من ذلك الفحل عمود من الجص واستقر في رأسه صفحة حديد تتخذ مشعلاً في شهر رمضان المعظم.
وفي الصفح الناظر البيت العتيق من القبة سلاسل فيها قناديل من زجاج معلقة توقد كل ليلة. وفي الصفح الذي عن يمينه كذلك، وهو الناظر الشمال.
وفي كل جانب منها ثلاثة شراجيب مقومة كأنها أبواب قد قامت على سوار من الزجاج صغار لم ير أبدع منها صنعة، منها ماهو مفتول فتل السوار ولا سيما الجانب الذي يقابل الحجر الأسود من قبة زمزم، فإن سواريه في نهاية من اتقان الصنعة، قد أدير بكل سارية منها رؤوس ثلاثة أو أربعة، وتحت مابين كل رأس ورأس ... وأحدثت فيه صنائع من النقش عجيبة المنظر، وربما فتل بعضها عن الصفة السوارية.
وهذا الجانب الذي يقابل الحجر الأسود من القبة المذكورة تتصل به مصطبة من الرخام دائرة بالقبة يجلس الناس فيها معتبرين بشرف ذلك الموضع لأنه أشرف مواضع الدنيا المذكورة بشرف مواضع الآخرة، لأن الحجر الأسود أمامك والباب الكريم مع البيت قبالتك والمقام عن يمينك وباب الصفا عن يسارك وبئر زمزم وراء ظهرك. وناهيك بهذا! وينطبق على كل شرجب من تلك الشراجيب أعمدة حديد قد تركب بعضها على بعض كأنها شراجيب أخر. وأحد أركان شباك الخشب المحدق بالقبة العباسية بتصل بأحد أركان شباك القبة اليهودية حتى يتماسا. فمن يكون في أعلى سطح هذه ينفتل سطح الأخرى من الركنين المذكورين. وداخل هذه القباب صنعة من القرنصة الجصية رائقة الحسن.
وللحرم أربعة أثمة سنية وإمام خامس لفرقة تسمى الزيدية. واشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم، وهم يزيدون في الأذان: حي على خير العمل إثر قول المؤذن حي على الفلاح، وهم روافض سبابون، والله من وراء حسابهم وجزائهم، ولايجمعون مع الناس إنما يصلون ظهراً أربعاً، ويصلون المغرب بعد فراغ الأئمة من صلاتها.

(1/28)


فأول الأئمة السنية الشافعي، رحمه الله، وإنما قدمنا ذكره لأنه المقدم من الإمام العباسي. وهو أول من يصلي، وصلاته خلف مقام إبراهيم، صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا الكريم، إلا صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمة يصلونها في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها: يبدأ مؤذن الشافعي بالإقامة، ثم يقيم مؤذنو سائر الأئمة. وربما دخل في هذا الصلاة على المصلين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كل جهة. فربما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي أو سلم أحدهم بغير سلام إمامه. فترى كل أذن مصيخة لصوت إمامها أو صوت مؤذنه مخافة السهو. ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس. ثم المالكي، رحمه الله، وهو يصلي قبالة الركن اليماني، وله محراب حجر يشبه محاريب الطرق الموضوعة فيها. الحنفي، رحمه الله، وصلاته قبلة الميزاب تحت حطيم مصنوع له. وهو أعظم الأئمة أبهة وأفخرهم ألة من الشمع وسواها بسبب أن الدولة الأعجمية كلها على مذهبه، فالاحتفال له كثير، وصلاته آخراً . ثم الحنبلي، رحمه الله، وصلاته مع صلاة المالكي في حين واحد، موضع صلاته يقابل مابين الحجر الأسود والركن اليماني. ويصلي الظهر والعصر قريباً من الحنفي في البلاط الآخذ من الغرب الشمال، والحنفي يصليهما في البلاط الآخذ من الغرب الجنوب قبالة محرابه ولاحطيم له. والشافعي بازاء المقام حطيم حفيل.
وصفة الحطيم خئبنان موصول بينهما بأذرع شبه السلم تقابلهما خشبتان على تلك الصفة، قد عقدت هذه الخشب على رجلين من الجص غير بائنة الاتفاع. واعترض في أعلى الخشب خشبة مسمرة فيها قد نزلت منها طيف حديد فيها قناديل معلقة من الزجاج. وربما وصل بالخشبة المعترضة العليا شباك مشرجب بطول الخشبة.
وللحنفي بين الرجلين الجصيتين المتعقدتين على الخشب محراب يصلى الله عليه وسلم فيه. وللحنبلي حطيم معطل هو قريب من حطيم الحنفي، وهو منسوب لرامشت أحد الأعاجم ذوي الثراء، وكانت له في الحرم آثار كريمة من النفقات، رحمه الله. ويقابل الحجر حطيم معطل أيضاً ينسب للوزير المقدم بهذا اللفظ المجهول .
ويطيف بهذه المواضع كلها، دائر البيت العيتيق وعلى بعد منه يسيراً، مشاعيل توقد في صحاف حديد فوق خشب مركوزة فيتقد الحرم الشريف كله نوراً. ويوضع الشمع بين ايدي الأئمة في محاريبهم. والمالكي أقلهم شمعاً واضعفهم حالاً لأن مذهبه في هذه البلاد غريب. والجمهور على مذهب الشافعي وعليه علماء البلاد وفقهاؤها، إلا الإسكندرية وأكثر أهلها مالكيون وبها الفقيه ابن عوف، وهو شيخ كبير من أهل العلم، بقية الأئمة المالكية.
وفي إثر كل صلاة مغرب يقف المؤذن الزمزمي في سطح قبة زمزم، ولها مطلع على أدراج من عود في الجهة التي تقابل باب الصفا، رافعاً صوته بالدعاء للإمام العباسي أحمد الناصر لدين الله ثم للأمير مكثر ثم لصلاح الدين أمير الشام وجهات مصر كلها واليمن، ذي المآثر الشهيرة والناقب الشريفة، فإذا انتهى ذكره بالدعاء ارتفعت أصوات الطائفين بالتأمين بألسنة تمدها القلوب الخالصة والنيات الصادقة. وتخفق الألسنة بذلك خفقاً يذيب القلوب خشوعاً لما وهب الله لهذا السلطان العادل من الثناء الجميل وألقى عليه من محبة الناس وعباد الله شهدائه في أرضه. ثم يصل ذلك بدعاء لأمراء اليمن من جهة صلاح الدين ثم لسائر المسلمين والحجاج والمسافرين، وينزل. هكذا دأبه دائماً أبداً.
وفي القبة العباسية المذكورة خزانة تحتوي على تابوت مبسوط متسع وفيه مصحف أحد الخلفاء الأربعة أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبخط يد زيد بن ثابت، رضي الله عنه، منتسخ سنة ثماني عشرة من وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وينقص منه ورقات كثيرة. وهو بين دفتي عود مجلد بمغاليق من صفر، كبير الورقات واسعها، عايناه وتبركنا بتقبيله ومسح الخدود فيه. نفع الله بالنية في ذلك.

(1/29)


وأعلمنا صاحب القبة المتولي لمرضه علينا: أن أهل مكة متى أصابهم قحط أو نالتهم شدة في أسفارهم اخرجوا المصحف المذكور وفتحوا باب البيت الكريم ووضعوه في القبة المباركة مع المقام الكريم: مقام الخليل ابراهيم، صلى الله عليه وسلم نبينا وعليه، واجتمع الناس كاشفين رؤوسهم داعين متضرعين، وبالمصحف الكريم والمقام العغظيم الله متوسلين. فلا ينفصلون عن مقامهم ذلك إلا ورحمة الله عز وجل قد تداركتهم، والله لطيف بعباده، لااله سواه.
وبإزاء الحرم الشريف ديار كثيرة تطيف به لها مناظر وسطوح يخرج منها سطح الحرم فيبيت اهلها فيه ويبردون ماءهم في اعالي شرفاته، فهم من النظر البيت العتيق دائماً في عبادة متصلة، والله ينئهم ماخصهم به من مجاورة بيته الحرام بمنه وكرمه.
وألفيت بخط الفيه الزاهد الورع أبي جعفر الفنكي القرطبي: أن ذرع المسجد الحرام في الطول والعرض ماأثبته أولاً، وطول مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاث مئة ذراع، وعرضه مئتان، وعدد سواريه ثلاث مئة، ومناراته ثلاث، فيكون تكسيره أربعة وعشرين مرجعاً من المراجع المغربية، وهي خمسون ذراعاً في مثلها، وطول مسجد بيت المقدس، أعاده الله للإسلام، سبع مئة وثمانون ذراعاً، وعرضه اربع مئة وخمسون ذراعاً، وسواريه أربع مئة وأربع عشرة سارية، وقناديله خمس مئة، وأبوابه خمسون باباً، فيكون تكسيره من المراجع المذكورة مئة مرجع وأربعين مرجعاً وخمسي مرجع.
أبواب الحرم الشريف
للحرم تسعة عشر باباً أكثرها مفتح على ابواب كثيرة، حسمبما يأتي ذكره إن شاء الله.
باب الصفا: يفتح على خمسة أبواب، وكان يسمى قديماً بباب بني مخزوم.
باب الخلقيين. ويسمى بباب جياد الأصفر مفتح على بابين، هو محدث.
باب العباس، رضي الله عنه: هو يفتح على ثلاثة أبواب.
باب علي، رضي الله عنه: مفتح على ثلاثة أبواب.
باب النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: يفتح على بابين.
باب صغير أيضاً بإزاء باب بني شيبة المذكور: لااسم له.
باب بني شيبة: وهو يفتح على ثلاثة أبواب، وهو باب بني عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء.
باب دار الندوة: ثلاثة، البابان من دار الندوة منتظمان، والثالث في الركن الغربي من الدار.
فيكون عدد أبواب الحرم بهذا الباب المنفرد عشرين باباً.
باب صغير بإزاء بني شيبة شبه خوخة الأبواب: لااسم له، وقيل: انه يسمى باب الرباط، لأنه يدخل منه لرباط الصوفية.
باب صغير لدار العجلة: محدث.
باب السدة: واحد.
باب العمرة: واحد.
باب حزورة: على بابين.
باب ابراهيم، صلى الله عليه وسلم : واحد.
باب ينسب لحزورة أيضاً: على بابين باب جياد الأكبر: على بابين.
باب جياد الأكبر أيضاً: على بابين.
باب ينسب لجياد أيضاً على بابين. ومنهم من ينسب البابين من هذه الأبواب الأربعة الجيادية الدقاقين، والروايات فيها تختلف، لكنا اجتهدنا في اثبات الأقرب من اسمائها الصحة، والله المستعان لارب سواه.
وباب ابراهيم، صلى الله عليه وسلم، هو في زاوية كبيرة متسعة فيها دار المكناسي الفيه الذي كان إمام المالكية في الحرم، رحمه الله.
وفيها ايضاً غرفة هي خزانة للكتب المحبسة على المالكية في الحرم. والزاوية المذكورة متصلة بالبلاط الآخذ من الغرب الجنوب وخارجه عنه. وبازاء الباب المذكور عن يمين الداخل عليه صومعة على غير اشكال الصوامع المذكورة. فيها تخاريم في الجص، مستطيلة الشكل كأنها محاريب، قد حفت بها قرنصة غريبة الصنعة. وعلى الباب قبة عظيمة بائنة العلو يقرب من لاصومعة ارتفاعها، قد ضمن داخلها غرائب من الصنعة الجصية والتخاريم القرنصية يعجز عنها الوصف. وظاهرها ايضاً تقاطيع في الجص كأنها أرجل مدورة قد تركبت دائرة على دائرة. وفحل الصومعة المذكورة على أرجل من الجص مفتح مابين كل رجل ورجل. وخارج باب ابراهيم بئر تنسب إليه، عليه السلام.

(1/30)


وانما بدئ بباب الصفا لأنه أكبر الأبواب، وهو الذي يخرج عليه السعي. وكل وافد مكة، شرفها الله، يدخلها بعمرة فيستحب له الدخول على باب بني شيبة ثم يطوف سبعاً ويخرج على باب الصفا ويجعل طريقه بين الاسطوانتين اللتين أمر المهدي، رحمه الله، فإقامتها علماً لطريق رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، الصفا، حسبما تقدم ذكره. وبين الركن اليماني ست واربعون خطوة، ومنهما باب الصفا ثلاثون خطوة. ومن باب الصفا الصفا ست وسبعون خطوة. وللصفا أربعة عشر درجاً، وهو على ثلاثة أقواس مشرفة، والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة، وقد أحدقت به الديار، وفي سعته سبع عشرة خطوة.
وبين الصفا والميل الأخضر مايأتي ذكره. والميل سارية خضراء، وهي خضرة صباغية. وهي التي ركن الصومعة التي على الركن الشرقي من الحرم على قارعة المسيل المروة وعن يسار الساعي إليها. ومنها يرمل في السعي الميلين الأخضرين، وهما أيضاً ساريتان خضراوان على الصفة المذكورة، الواحدة منها بإزاء باب علي في جدار الحرم وعن يسار الخارج من الباب، والميل الآخر يقابله في جدار دار تتصل بدار الامير مكثر. وعلى كل واحدة منهما لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج ألفيت فيه منقوشاً برسم مذهب: أن الصفا والمروة من شعائر الله الآية. وبعدها أمر بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، أعز الله نصره، في سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة. وبين الصفا والميل الأول ثلاث وتسعون خطوة، وهي مسافة الرمل جائياً وذاهباً من الميل الميلين. ثم من الميلين الميل ومن الميلين المروة ثلاث مئة وخمس وعشرون خطوة. فجميع خطا الساعي من الصفا المروة اربع مئة خطوة وثلاث وتسعون خطوة.
وادراج المروة خمسة، وهي بقوس واحد كبير، وسعتها سعة الصفا سبع عشر خطوة. ومابين الصفا والمروة مسيل هو اليوم سوق حفيلة بجميع الفواكه وغيرها من الحبوب وسائر المبيعات الطعامية، والساعون لايكادون يخلصون من كثرة الزحام، وحوانيت الباعة يميناً وشمالاً، وماللبلدة سوق منتظمة سواها إلا البزازين والعطارين، فهم عند باب بني شسيبة تحت السوق المذكورة وبمقربة تكاد تتصل بها.
وعلى الحرم الشريف جبل أبي قبيس، وهو في الجهة الشرقية، يقابل ركن الحجر الأسود، وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلدة الطيبة، ومنه يظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة المقدسة القائمة وسطه. وقرأت في اخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي أنه أول جبل خلقه الله عز وجل، وفيه استودع الحجر زمن الطوفان، وكانت قريش تسميه الأمين لأنه أدى الحجر ابراهيم، صلى الله عليه وسلم، وفيه قبر آدم، صلوات الله عليه، وهو أحد أخشبي مكة، والاخشب الثاني الجبل المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية. صعدنا جبل أبي قبيس المذكور وصلينا في المسجد المبارك. وفيه موضع موقف النبي، صلى الله عليه وسلم، عند انشقاق القمر له بقدرة الله عز وجل. وناهيك بهذه الفضيلة والبركة! والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء حتى الجمادات من مخلوقاته، لااله سواه.
وفي أعلاه آثار بناء جص مشيد كان اتخذه معقلاً أمير البلد عيسى أبو مكثر المذكور، فهدمه عليه أمير الحاج العراقي لمخالفة صدرت عنه، فغادره خراباً.وألفيت منقوشاً على سارية خارج باب الصفا تقابل السارية الواحدة من اللتين أقيمتا علماً لطريق النبي، صلى الله عليه وسلم، الصفا داخل الحرم المتقدمتي الذكر: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله تع، بتوسعة المسجد الحرام ممايلي باب الصفا، لتكون الكعبة في وسط المسجد، في سنة سبع وستين ومئة. فدل ذلك المكتوب على أن الكعبة المقدسة في وسط المسجد، وكان يظن بها الانحراف جهة باب الصفا، فاختبرنا جوانبها المباركة بالكيل، فوجدنا الأمر صحيحاً حسبما تضمنه رسم السارية.
وتحت ذلك النقش في أسفل السارية منقوش أيضاً: امر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بتوسعة الباب الأوسط، الذي بين هاتين الأسطوانتين، وهو طريق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الصفا.

(1/31)