صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : خريدة العجائب وفريدة الغرائب
المؤلف : ابن الوردي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب. عالم الغيب، راحم الشيب، منزل الكتاب. ساتر العيب، كاشف الريب، مزلل الصعاب. مغيث الملهوف، دافع الصروف، رب الأرباب. خالق الخلق، باسط الرزق، مسبب الأسباب. مالك الملك، مسخر الفلك، مسير السحاب. رافع السبع الطباق مخيمة على الآفاق تخييم القباب. ساطح الغبراء، على متن الماء، ممسكة بحكمته عن الاضطراب. منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم يوم الحشر والمآب.
أحمده وهو المحمود بكل لسان ناطق، وأشكره وهو المشكور في المغارب والمشارق.
وأشهد ان لا إله إلا الله لا شريك له، شهادة ركن الإيمان أركانها، وشيد الإتقان بنيانها، ومهد الإذعان أوطانها، وأكد البرهان إدمانها. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. المستولي على شانئه بشأنه، ونبيه المفضل بمعاني علومه وبدائع بيانه، ورسوله الصادع بدليله وبرهانه، القائل: زينت لي مشارق الأرض ومغاربها كشفاً واطلاعاً بسره وعيانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأعوانه، صلاة تبلغ من آمن به غاية أمنه وأمانه، وتسكن روعته في الدارين، بعفو الله وغفرانه، وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن خالق الخلق والبريئة، ومن له الإرادة والمشيئة، قد ميز الملوك والرعاة عمن دونهم من الرعية، فلذلك قد خصوا بالهمم العلية، والأخلاق السامية الزكية، ورغبوا في الاطلاع على الأمور الغامضة الخفية، ليكونوا فيما ندبوا له من الاسترعاء على بيضاء نقية، ويحصلوا من أخبار العالم على الأشياء الصادقة الجلية، فحينئذ أشار إلى الفقير الخامل من إشارته الكريمة محمولة بالطاعة على الرؤوس، وسفارته المستقيمة بين الإمام المعظم والسودان الأعظم قد سطرت في التواريخ والطروس وهو المقر الأشرف العالي المولوي الأميني الناصحي السيدي المالكي المخدومي السيفي شاهين المؤيد، مولانا نائب السلطنة الشريفة بالقلعة المنصورة الجليلة، أعز الله أنصاره؛ ورفع درجته وأعلى مناره إن أضع له دائرة مشتملة على دائرة الأرض، صغيرة توضح ما اشتملت عليه من الطول والعرض، والرفع والخفض؛ ظناً منه أحسن الله إليه أني أقوم بهذا الصعب الخطير؛ وأنا والله لست بذلك، والفقير في دائرة هذا العالم أحقر حقير. فأنشدت:
إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم
وتوسلت إلى رب الأرباب ومذلل الصعاب؛ وابتهلت إليه ابتهال المستغيث المصاب. ففتح سبحانة من فيضان لطفه أحسن باب؛ وسهل بامتناع عطفه ذلك الصعب المهاب؛ ويسر برأفته ما لم يخطر في بال وحساب؛ فنهضت مبادراً إلى السجود شاكراً لذي الإنعام والجود. ثم أقبلت على مطالعة حكماء الأنام، وتصانيف علماء الهيئة الأعلام؛ كشرح التذكرة لنصر الدين الطوسي، وجعفر الأنبياء لبطليموس، وتقويم البلاد للبلخي؛ ومروج الذهب للمسعودي، وعجائب المخلوقات لابن الأثير الجزري والمسالك والممالك للمراكشي؛ وكتاب الابتداء، وغيرها من الكتب المعينة على تحصيل المطلوب.
ومعلوم أن الكتب الموضوعة بين الناس في هذا الغرض لم تخل من خلل والتباس؛ فإن ذلك أمر موهوم، لكنه وهم حسن. وكما قيل: بين اليقين والوهم بون كما بين اليقظة والوسن. والله سبحانه هو المتجاوز عن الخطأ والخلل والخطل، والموفق لصالح القول والعمل. وقد وضعت دائرة، مستعيناً بالله تعالى، على صورة شكل الأرض في الطول والعرض، بأقاليمها وجهاتها، وبلدانها، وصفاتها وعروضها وهيئاتها، وأقطارها وممالكها، وطرقها ومسالكها، ومفاوزها ومهالكها، وعامرها وغامرها، وجبالها ورمالها، وعجائبها وغرائبها، وموقع كل مملكة وإقليم من الأخرى، وذكر ما بينهما من المتالف والمعاطب براً وبحراً، وذكر الأمم المقيمة في الجهات والأقطار طراً، وسد ذي القرنين في سالف الأحقاب على يأجوج ومأجوج كما في نص الكتاب، وسميته: خريدة العجائب وفريدة الغرائب.
وبالله سبحانه الاعتصام، وهو حسبي على الدوام، ومنه أسأل السداد والتوفيق، فإنه أهل الإجابة والتحقيق. وهذه الدائرة المذكورة.
وهذه رسالة لطيفة باهرة كالشرح في توضيح ما في هذه الدائرة، تبين للناظر فيها أحوال الجبال، والجهات، والبحار والفلوات، وما اشتملت عليه من الممالك، مستوعباً فيها لذلك، إن شاء الله تعالى.

(1/1)


ولنشرع أولاً في ذكر جبل قاف: قال الله عز وجل في كتابه العزيز " ق، والقرآنِ المَجيدِ " وفي تفسير " ق " ستة أقوال للمفسرين، منها: أنه جبل من زبرجدة خضراء، قاله أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. وروى عكرمة عن ابن عباس أيضاً رضي الله عنهما قال: خلق الله جبلاً يقال له قاف، محيطاً بالعالم السفلي، وعروقه متصلة بالصخرة التي عليها الأرض، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان عليه السلام حيث قال: " يا بُنّي إنها إن تك مثقالَ حبّةٍ من خردلٍ فتكُنْ في صخرة أو في السموات أو في الأرض " الآية. فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل قرية في الأرض أمر ذلك الجبل أن يحرك العرق الذي يلي تلك القرية، فتزلزل في الوقت. وقال مجاهد: هو جبل محيط بالأرض والبحار. وروي عن الضحاك أنه زمردة خضراء، وعليه كنفا السماء كالخيمة المسبلة. وخضرة السماء منه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما ذكر البحار: فأعظم بحر على وجه الأرض: المحيط المطوق بها من سائر جهاتها، وليس له قرار ولا ساحل إلا من جهة الأرض، وساحله من جهة الخلو البحر المظلم، وهو محيط بالمحيط كإحاطة المحيط بالأرض، وظلمته من بعده عن مطلع الشمس ومغربها، وقرب قراره. والحكمة في كون ماء البحر ملحاً أُجاجاً لا يذاق ولا يساغ، لئلا ينتن من تقادم الدهور والأزمان، وعلى ممر الأحقاب والأحيان، فيهلك من نتنه العالم الأرضي، ولو كان عذباً لكان كذلك. ألا ترى إلى العين التي ينظر بها الإنسان الأرض والسماء والعالم والألوان، وهي شحمة مغمورة في الدمع، وهو ماء مالح، والشحم لا يصان إلا بالملح فكان الدمع مالحاً لذلك. المعنى: قاف محيط بالكل، كما تقدم. وفي الظلمات: عين الحياة، التي شرب الخضر عليه السلام منها، وهي في القطعة بين المغرب والجنوب. وفي المحيط: الأرض التي فيها عرش إبليس اللعين، هو في التي بين المشرق والمغرب والجنوب، وهو إلى المشرق أقرب في مقابلة الربع الخراب من الأرض. والله أعلم.
وأما الخلجان الآخذة من المحيط فهي ثلاثة: أعظمها وأهولها بحر فارس، وهو البحر الآخذ من المحيط الشرقي من حد أرض بلاد الصين إلى لسان القلزم الذي أغرق الله فيه فرعون، وضرب لموسى وقومه فيه طريقاً يبساً، ثم بحر الروم الآخذ من المحيط الغربي من حد الأندلس والجزيرة الخضراء، إلى أن يخالط خليج قسطنطينية. فأما إذا قطعت من لسان القلزم إلى حد الصين على حد مستقيم، كان مقدار تلك المسافة نحو مائتي مرحلة. وكذلك إذا شئت أن تبقطع من القلزم إلى أقصى حد بالمغرب على خط مستقيم، كان نحو مائة وثمانين مرحلة، وإذا قطعت من القلزم إلى حد العراق في البرية على خط مستقيم، وشققت أرض السماوة، ألفيته نحو شهر.
ومن العراق إلى نهر بلخ نحو شهرين، ومن نهر بلخ إلى آخر بلاد الإسلام في حد فرغانة نيف وعشرون مرحلة، ومن هذا المكان إلى بحر المحيط من آخر عمل الصين نحو شهرين، هذا في البر.
وأما من أراد قطع هذه المسافة من القلزم إلى الصين في البحر طالت المسافة عليه، وحصلت له المشقة العظيمة، لكثرة المعاطف والتواء الطرق واختلاف الرياح في هذه البحور، وأما بحر الروم فإنه يأخذ من المحيط الغربي، كما تقدم بين الأندلس وطنجة. حتى ينتهي إلى ساحل بلاد الشام، ومقدار ما ذكر في المسافة أربعة أشهر. وهذا البحر أحسن استقامة واستواء من بحر فارس، وذلك أنك إذا أخذت من فم هذا الخليج، يعني من مبدئه، إلى المحيط أتتك ريح واحدة إلى أكثر هذا البحر. وبين القلزم الذي هو لسان بحر فارس وبين بحر الروم، على سمت القبلة، أربع مراحل. وزعم بعض المفسرين في قوله تعالى: " بينهما برزَخٌ لا يَبْغيان " أنه هذا الموضع.
فصل في
ذكر المسافات
فمن مصر إلى أقصى الغرب نحو مائة وثلاثين مرحلة، فكان ما بين أقصى المغرب وأقصاها بالمشرق نحو أربعمائة مرحلة. وأما عرضها من أقصاها في حد الشمال إلى أقصاها في حد الجنوب فإنك تأخذ من ساحل البحر المحيط حتى ينتهي إلى يأجوج ومأجوج ثم يمر على الصقالبة وتقطع أرض البلغار الداخلة وتمضي في بلاد الروم إلى الشام وأرض مصر والنوبة، ثم تمتد في برية بين بلاد السودان وبلاد الزنج حتى تنتهي إلى البحر المحيط. فهذا خط ما بين جنوب الأرض وشمالها.

(1/2)


وأما مسافة هذه الأرض وهذا الخط فمن ناحية يأجوج ومأجوج إلى بلغار وأرض الصقالبة نحو أربعين مرحلة، ومن أرض الصقالبة في بلد الروم إلى الشام نحو ستين مرحلة، ومن أرض الشام إلى أرض مصر نحو ثلاثين مرحلة، ومنها إلى أقصى النوبة نحو ثمانين مرحلة حتى تنتهي إلى هذه البرية. فذلك مائتان وعشر مراحل كلها عامرة.
وأما ما بين يأجوج ومأجوج والبحر المحيط في الشمال، وما بين براري السودان والبحر المحيط في الجنوب، فقفر خراب، فليس فيه عمارة ولا حيوان ولا نبات ولا يعلم مسافة هاتين البريتين إلى المحيط كم هي. وذلك أن سلوكها غير ممكن لفرط البرد الذي يمنع من العمارة والحياة في الشمال وفرط الحر المانع من العمارة والحياة في الجنوب. وجميع ما بين الصين والغرب فمعمور كله والبحر المحيط محتف به كالطوق ويأخذ البحر الرومي من المحيط ويصب فيه ويأخذ البحر الفارسي من المحيط أيضاً ولكن لا يصب فيه.
وأما بحر الخزر فليس يأخذ من المحيط ولا من غيره شيئاً أصلاً غير أنه مخلوق من مكانه من غير مادة، لكن يصب المحيط بواسطة خليج القسطنطينية. وهو بحر هائل لو سار السائر على ساحله من الخزر على أرض الديلم وطبرستان وجرجان ومفازة سياه كوه لعاد إلى المكان الذي سار منه من غير أن يمنعه مانع إلا نهراً يقطع فيه. وأما بحيرة خوارزم فكذلك غير أن لا مصب لها في المحيط فهذه الأبحر الأربعة العظام التي على وجه الأرض.
وفي أراضي الزنج وبلدانهم خلجان تأخذ من المحيط، وكذلك من وراء أرض الروم خلجان وبحار لا تذكر لقصورها عن هذه البحار وكثرتها. ويأخذ من البحر المحيط أيضاً خليج حتى ينتهي على ظهر أرض الصقالبة نحو شهرين ويقطع أرض الروم على القسطنطينية حتى يقع بحر الروم. وأما أرض الروم فحدها من هذا البحر المحيط على بلاد الجلالقة وافرنجة ورومية وأشيناس إلى القسطنطينية ثم إلى أرض ويشيدان يكون نحو مائة وسبعين مرحلة. وذلك أن من حد الثغور في الشمال إلى أرض الصقالبة نحو شهرين، وقد بينت لك أن من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مائتي مرحلة وعشر مراحل.
وأما الروم المحض من حد رومية إلى حد الصقالبة وما ضمته إلى بلاد الروم من الأفرنجية والجلالقة وغيرهم فإن ألسنتهم مختلفة، غير أن الدين واحد والمملكة واحدة، كما أن في مملكة الإسلام ألسنة مختلفة والملك واحد، وأما مملكة الصين على ما زعم أبو إسحق الفارسي وأبو إسحق إبراهيم بن السكيت حاجب ملك خراسان فأربعة أشهر في ثلاثة أشهر الساكيت فإذا أخذت من فم الخليج حتى تنتهي إلى ديار الإسلام مما وراء النهر فهو نحو ثلاثة أشهر، وإذا أخذت من حد المشرق حتى تقطع إلى حد المغرب في أرض التبت. وتمتد في أرض التغزغز وخرخير وعلى ظهل كيماك إلى البحر فهو نحو شهر، ثم في أرض الصين ومملكته السنة مختلفة وجميع الأتراك من التغزغز وخرخير وكيماك والغزية وإلى الخزلجية ألسنتهم واحدة، وبعضهم يفهم عن بعض، ومملكة الصين كلها منسوبة إلى الملك المقيم بالقسطنطينية، وكذلك مملكة الإسلام كانت منسوبة إلى المقيم ببغداد، ومملكة الهند منسوبة إلى الملك المقيم بقنوج، وفي بلاد الأتراك ملوك متميزون بممالكهم.
وأما الغزية فإن حدود ديارهم ما بين الخزر وكيماك وأرض الخزلجية وأطراف بلغار، وحدود الديلم ما بين جرجان إلى فاراب واسبيجاب وديار الكيماكية. وأما يأجوج ومأجوج فهم في ناحية الشمال إذا قطعت ما بين الكيماكية، والصقالبة، والله أعلم بمقاديرهم، وبلادهم شاهقة لا ترقاها الدواب ولا يصعدها إلا الرجالة. قال: ولم يخبر أحد عنهم خبراً أوجه من أبي إسحق صاحب خراسان فإنه أخبر أن تجارتهم إنما تصل إليهم على ظهور الرجال وأصلاب المعز، وأنهم ربما أقاموا في صعود الجبل ونزوله الأسبوع والعشرة أيام، وأما خرخير فإنهم ما بين التغزغز وكيماك والبحر المحيط وأرض الخزلجية والغزية.
وأما التغزغز فقوم من أطراف التبت وأرض الخزلجية وخرخير وأرض الصين. والصين ما بين البحر المحيط والتغزغز والتبت والخليج الفارسي. وأما أرض الصقالبة فعريضة طويلة نحو شهرين في شهرين.

(1/3)


وبلغار مدينة صغيرة ليس لها أعمال كثيرة وكانت مشهورة لأنها كانت ميناء وفرضة لهذه الممالك فاكتسحتها الروس وأتل وسمندر في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة فأضعفتها. والروس قوم بناحية بلغار فيما بينها وبين الصقالبة، وقد انقطعت طائفة من الترك عن بلادهم فصاروا ما بين الخزر والروم، ويقال لهم اليخياكية. وليس موضعهم بدار لهم على قدم الأيام.
وأما الخزر فإنهم جنس من الترك على هذا البحر المعروف بهم. وأما أتل فهم طائفة أخرى قديمة وسموا باسم نهرهم أتل الذي يصب في هذا البحر، وبلدهم أيضاً تسمى أتل وليس لهذا البلد سعة رزق ولا خفض عيش ولا اتساع مملكة، وهو بلد بين الخزر واليخياكية والسرير.
وأما التبت: فإنه بين أرض الصين والهند وأرض التغرغر الخزلجية وبحر فارس، وبعض بلاده في مملكة الهند وبعضها في مملكة الصين ولهم ملك قائم بنفسه يقال إن أصله من التبابعة ملوك اليمن. والله أعلم.
وأما جنوبي الأرض من بلاد السودان التي في أقصى المغرب على البحر المحيط فبلاد منقطعة ليس بينها وبين شيء من الممالك اتصال، غير أن حداً لها ينتهي إلى المحيط، وحداً لها ينتهي إلى برية بينها وبين أرض المغرب، وحداً لها إلى برية بينها وبين بلاد مصر على الواحات، وحداً لها إلى البرية التي ذكرنا أن لا نبات بها ولا حيوان ولا عمارة لشدة الحر، وقيل إن طول أرضهم سبعمائة فرسخ في مثلها غير أنها من البحر إلى ظهر الواحات وهو طولها وهو أطول من عرضها.
وأما أرض النوبة: فإن حداً لها ينتهي إلى بلاد مصر، وحداً لها إلى هذه البرية المهلكة التي ذكرناها، وحداً لها ينتهي بين بلاد السودان وبلاد مصر المتقدم ذكرها أيضاً، وحداً لها إلى أرض البجة. وأما أرض البجة فإن ديارهم صغيرة وهم فيها بين الحبشة والنوبة وهذه البرية التي لا تسلك.
وأما الحبشة فإنها على بحر القلزم وهو بحر فارس فينتهي حد لها إلى بلاد الزنج، وحد لها إلى البرية التي بين النوبة وبحر القلزم، وحد لها إلى البجة، والبرية لا تسلك. وأما أرض الزنج فإنها أطول أراضي بلاد السودان ولا تتصل بمملكة من الممالك أصلاً غير بلاد الحبشة وهي في مجاورة اليمن وفارس وكرمان في الجنوب إلى أن تحاذي أرض الهند.
وأما أرض الهند: فإن طولها من عمل مكران في أرض المنورة والبدهة وسائر بلاد السند إلى أن ينتهي إلى قنوج، ثم تحوزه إلى أرض التبت، نحو من أربعة أشهر، وعرضها من بحر فارس على أرض قنوج نحو من ثلاثة أشهر.
وأما مملكة الإسلام: فإن طولها من حد فرغانة حتى تقطع خراسان والجبال والعراق وديار العرب إلى سواحل اليمن فهو نحو خمسة أشهر، وعرضها من بلاد الروم حتى تقطع الشام والجزيرة والعراق وفارس وكرمان إلى أرض المنصورة على شاطئ بحر فارس نحو أربعة أشهر. وإنما تركت في ذكر طول مملكة الإسلام حد المغرب إلى الأندلس لأنه مثل الكم في الثوب، وليس في شرقي المغرب ولا في غربيه إسلام، لأنك إذا جاوزت شرقي أرض المغرب كان جنوبي المغرب بلاد السودان وشماله بحر الروم ثم أرض الروم. ولو صلح أن يجعل من أرض فرغانة إلى أرض المغرب والأندلس طول الإسلام لكان مسيرة مائتي مرحلة وزيادة، لأن من أقصى المغرب إلى مصر نحو تسعين مرحلة، ومن مصر إلى العراق نحو ثلاثين مرحلة، ومن العراق إلى بلخ نحو ستين مرحلة، ومن بلخ إلى فرغانة نحو عشرين مرحلة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل في
صفة الأرض وتقسيمها
من غير الوجه الذي تقدم ذكره
قال الله عز وجل: " ألم نَجعلِ الأَرْضَ مِهاداً والجِبالَ أوْتاداً " وقال عز من قائل: " الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء " . وقال سبحانه وتعالى: " والله جعل لكم الأرض بساطاً " قال قوم من المفسرين: معنى المهاد والبساط: القرار عليها والتمكن منها والتصرف فيها.

(1/4)


وقد اختلف العلماء في هيئة الأرض وشكلها: فذكر بعضهم أنها مبسوطة مستوية السطح في أربع جهات المشرق والمغرب والجنوب والشمال. وزعم آخرون أنها كهيئة المائدة. ومنهم من زعم أنها كهيئة الطبل. وذكر بعضهم أنها تشبه نصف الكرة كهيئة القبة وأن السماء مركبة على أطرافها. والذي عليه الجمهور أن الأرض مستديرة كالكرة وأن السماء محيطة بها من كل جانب كإحاطة البيضة بالمحة، فالصفرة بمنزلة الأرض، وبياضها بمنزلة الماء وجلدها بمنزلة السماء، غير أن خلقها ليس فيه استطالة كاستطالة البيضة بل هي مستديرة كاستدارة الكرة المستديرة المستوية الخرط، حتى قال مهندسوهم: لو حفر في الوهم وجه الأرض لأدى إلى الوجه الآخر، ولو نقب مثلاً بأرض الأندلس لنفذ الثقب بأرض الصين. وزعم قوم أن الأرض مقعرة، وسطها كالجام.
واختلف في كمية عدد الأرضين قال الله عز وجل وهو أصدق القائلين: " الذي خلق سبع سمواتٍ ومن الأرضِ مثلهنّ " فاحتمل هذا التمثيل أن يكون في العدد والطباق. فروي في بعض الأخبار أن بعضها فوق بعض، وغلظ كل أرض مسيرة خمسمائة عام، حتى عدد بعضهم لكل أرض أهلاً على صفة وهيئة عجيبة، وسمى كل أرض باسم خاص، كما سمى كل سماء باسم خاص. وزعم بعضهم أن في الأرض الرابعة حيات أهل الدنيا وفي الأرض السادسة حجارة أهل النار، فمن نازعته نفسه إلى الاستشراف عليها نظر في كتب وهب بن منبه وكعب ومقاتل. وعن عطاء بن يسار في قول الله عز وجل: " سبع سموات ومن الأرض مثلهن " قال: في كل أرض آدم مثل آدمكم، ونوح مثل نوحكم، وإبراهيم مثل إبراهيمكم. والله أعلم.
وليس هذا القول بأعجب من قول الفلاسفة: إن الشموس شموس كثيرة والأقمار أقمار كثيرة ففي كل اقليم شمس وقمر ونجوم. وقال القدماء الأرض سبع على المجاورة والملاصقة وافتراق الإقليم، لا على المطابقة والمكابسة. وأهل النظر من المسلمين يميلون إلى هذا القول، ومنهم من يرى أن الأرض سبع على الانخفاض والارتفاع كدرج المراقي. ويزعم بعضهم أن الأرض مقسومة خمس مناطق وهي: المنطقة الشمالية والجنوبية والمستوية والمعتدلة والوسطى، واختلفوا في مبلغ الأرض وكميتها، فروي، عن مكحول أنه قال: مسيرة ما بين أقصى الدنيا إلى أدناها خمسمائة سنة، مائتان من ذلك في البحر، ومائتان ليس يسكنها أحد، وثمانون فيها يأجوج ومأجوج، وعشرون فيها سائر الخلق.
وعن قتادة قال: الدنيا أربعة وعشرون ألف فرسخ، منها اثنا عشر ألف فرسخ ملك السودان، وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ، وملك العجم والترك ثلاثة آلاف فرسخ، وملك العرب ألف فرسخ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ربع من لا يلبس الثياب من السودان أكثر من جميع الناس.
وقد حدد بطليموس مقدار قدر الأرض واستدارتها في المجسطي بالتقريب، قال: استدارة الأرض مائة ألف وثمانون ألف اسطاربوس؛ والاسطاربوس أربعة وعشرون ميلاً فيكون هذا الحكم مائة ألف ألف وأربعمائة وأربعين ألف فرسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف ذراع بالملكي، والذراع ثلاثة أشبار، وكل شبر اثنا عشر أصبعاً، والأصبع الواحد خمس شعيرات مضمومات بطون بعضها إلى بعض، وعرض الشعيرة الواحدة ست شعيرات من شعر بغل. والإسطاربوس اثنان وسبعون ألف ذراع، قال: وغلظ الأرض وهو قطرها سبعة آلاف وستمائة وثلاثون ميلاً فيكون ألفين وخمسمائة فرسخ وخمسة وأربعين فرسخاً وثلثي فرسخ. قال: فبسط الأرض كلها مائة واثنان وثلاثون ألف ألف وستمائة ألف ميل فيكون مائتي ألف وثمانية وثمانين ألف فرسخ، فإن كان ذلك حقاً فهو وحي من الحق سبحانه أو إلهام، وإن كان قياساً واستدلالاً فقريب أيضاً من الحق. والله أعلم.
وأما قول قتادة ومكحول فلا يوجب العلم اليقين الذي يقطع على الغيب به.
واختلفوا في البحار والمياه والأنهار، فروى المسلمون أن الله خلق ماء البحار مراً زعافاً وأنزل من السماء ماء عذباً كما قال الله تعالى: " أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المُزْن أم نحن المُنْزِلون، لو نشاء لجعلناه أجاجاً فَلَوْلا تشكرون " وقال تعالى " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض " فكل ماء عذب من بئر أو نهر أو عين فمن ذلك الماء المنزل من السماء، فإذا اقتربت الساعة بعث الله ملكاً معه طست لا يعلم عظمته إلا الله تعالى فجمع تلك المياه فردها إلى الجنة.

(1/5)


وزعم أهل الكتاب أن أربعة أنهار تخرج من الجنة: الفرات وسيحان وجيحان ودجلة. وذلك أنهم يزعمون أن أهل الجنة في مشارق الأرض. وروي أن الفرات جزر في أيام معاوية رضي الله عنه، فرمى برمانة مثل البعير البارك، فقال كعب: إنها من الجنة. فإن صدقوا فليست هي بجنة الخلد ولكنها من جنان الأرض. وعند القدماء أن المياه من الاستحالات، فطعم كل ماء على طعم أرضه وتربته؛ وأما نحن فلا ننكر قدرة الله تعالى على إحالة الشيء على ما يشاء كما تحول النقطة علقة والعلقة مضغة، ثم كذلك حالاً بعد حال إلى أن يفنيه كما يشاء وكما أنشأه. فسبحان من قدرته صالحة لكل شيء.
واختلفوا أيضاً في ملوحة البحر: فزعم قوم أنه لما طال مكثه وألحت الشمس عليه بالإحراق صار مراً ملحاً واجتذب الهواء ما لطف من أجزائه فهو بقية ما صفته الأرض من الرطوبة فغلظ لذلك. وزعم آخرون أن في البحر عروقاً تغير ماء البحر ولذلك صار مراً زعافاً.
واختلفوا في المد والجزر، فزعم أرسطاطاليس أن علة ذلك من الشمس إذا حركت الريح، فإذا ازدادت الرياح كان منها المد، وإذا نقصت كان منها الجزر. وزعم كيماويش أن المد بانصباب الأنهار في البحر والجزر بسكونها. والمنجمون منهم من زعم أن المد بامتلاء القمر والجزر بنقصانه. وقد روي في بعض الأخبار أن الله جعل ملكاً موكلاً بالبحار، فإذا وضع قدمه في البحر مد وإذا رفعه جزر؛ فإن صح ذلك والله أعلم كان اعتقاده أولى من المصير إلى غيره مما لا يفيد حقيقة. ولو ذهب ذاهب إلى أن ذلك الملك هو مهب الرياح التي تكون سبباً للمد وتزيد في الأنهار وتفعل ذلك عند امتلاء المقر حتى يكون توفيقاً وجمعاً بين الكل لكان ذلك مذهباً حسناً. والله أعلم.
واختلفوا في الجبال. قال الله تعالى: " وألقى في الأرض رواسيَ أن تميدَ بكم " وقال تعالى: " ق، والقرآنِ المجيد " . قال بعض المفسرين. إن من جبل قاف إلى السماء مقدار قامة رجل طويل. وقال آخرون. بل السماء منطبقة عليه. وقال قوم: من وراء قاف عوالم وخلائق لا يعلمها إلا الله تعالى. ومنهم من يقول: ما وراءه فهو من حد الآخرة ومن حكمها، وأن الشمس تطلع منه وتغيب فيه وهو الساتر لها عن الأرض؛ ومنهم من يزعم أن الجبال عظام الأرض وعروقها.
واختلفوا فيما تحت الأرض: أما القدماء فأكثرهم يزعمون أن الأرض يحيط بها الماء، وهذا ظاهر، والماء يحيط به الهواء؛ والهواء تحيط به النار، والنار تحيط بها السماء الدنيا ثم السماء الثانية ثم الثالثة إلى السبع، ثم يحيط بالكل فلك الكواكب الثابتة؛ ثم يحيط بالكل الفلك الأعظم الأطلس المستقيم، ثم يحيط بالكل عالم النفس، وفوق عالم النفس عالم العقل، وفوق عالم العقل عالم الروح وفوق عالم الروح والأمر الحضرة الإلهية " وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير " .
وعلى قاعدة مذهب القدماء يلزم أن تحت الأرض سماء كما فوقها. وروي أن الله تعالى لما خلق الأرض كانت تتكفأ كما تتكفأ السفينة، فبعث الله ملكاً فهبط حتى دخل تحت الأرض فوضعها على كاهله ثم أخرج يديه، إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، ثم قبض على الأرضين السبع فضبطها فاستقرت. ولم يكن لقدم الملك قرار، فأهبط الله ثوراً من الجنة له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة فجعل قرار قدمي الملك على سنامه، فلم تصل قدماه إلى سنامه، فبعث الله تعالى ياقوتة خضراء من الجنة، غلظها مسيرة كذا ألف عام، فوضعها على سنام الثور فاستقرت عليها قدماً الملك وقرون الثور خارجة من أقطار الأرض ممتدة إلى العرش، ومنخر الثور في ثقبين من تلك الياقوتة الخضراء تحت البحر، فهو يتنفس في كل يوم نفسين، فإذا تنفس مد البحر وإذا رد النفس جزر البحر، ولم يكن لقوائم الثور قرار، فخلق الله كثيباً من رمل كغلظ سبع سموات وسبع أرضين، فاستقرت عليه قوائم الثور، ثم لم يكن للكثيب مستقر، فخلق الله حوتاً يقال له البهموت فوضع الكثيب على وبر الحوت والوبر: الجناح الذي يكون في وسط ظهره وذلك الحوت مزموم بسلسلة من القدرة كغلظ السموات والأرض مراراً.
قال: وانتهى إبليس لعنه الله إلى ذلك الحوت فقال له: ما خلق الله خلقاً أعظم منك فلم لا تزيل الدنيا عن ظهرك ؟ فهم بشيء من ذلك فسلط الله عليه بقة في عينيه فشغلته. وزعم بعضهم أن الله سلط عليه سمكة وشغله بها فهو ينظر إليها ويهابها ويخافها.

(1/6)


قيل: وأنبت الله عز وجل من تلك الياقوتة جبل قاف، وهو من زمردة خضراء وله رأس ووجه وأسنان، وأنبت من جبل قاف الجبال الشواهق كما أنبت الشجر من عروق الشجر. وزعم وهب رضي الله عنه أن الثور والحوت يبتلعان ما ينصب من مياه الأرض في البحار، فلذلك لا تؤثر في البحور زيادة فإذا امتلأت أجوافها من المياه قامت القيامة. وزعم قوم أن الأرض على الماء والماء على الصخرة والصخرة على سنام الثور والثور على كثيب من الرمل متلبداً، والكثيب على ظهر الحوت والحوت على الريح العقيم والريح العقيم على حجاب من ظلمة والظلمة على الثرى. وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، ولا يعلم ما وراء ذلك أحد إلا الله عز وجل الذي له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى.
وهذه الأخبار مما يتولع به الناس ويتنافسون فيه، ولعمري إن ذلك مما يزيد المرء بصيرة في دينه وتعظيماً لقدرة ربه، وتحيراً في عجائب خلقه، فإن صحت فما خلقها على الصانع بعزيز، وإن يكن من اختراع أهل الكتاب وتنميق القصاص، فكلها تمثيل وتشبيه ليس بمنكر. والله أعلم.
وقد روى شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال: هل تدرون ما هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان، هذه زوايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه. ثم قال: هل تدرون ما الذي فوقكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع، سقف محفوظ وموج مكفوف. ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فوقه العرش وبينه وبين السماء كبعد ما بين سماءين أو كما قال ثم قال: أتدرون ما تحتكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الأرض، وتحتها أرض أخرى بينهما خمسمائة عام. ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم أُدليتم بحبل لهبطتم على الله. ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: " هو الأول والآخر والظاهر والباطن " الآية: فهذا الخبر يشهد بصدق كثير مما يروون، إن صح. والله أعلم.
ولنرجع الآن إلى ما نحن بصدده من ذكر شرح الدائرة المذكورة، وتفصيل البلدان وذكرها، وذكر عجائبها وأخبارها.
فهرست ما نذكره إن شاء الله تعالى من الفصول المتضمنة ذلك:
فصل في ذكر البلدان والأقطار. فصل في الخلجان والبحار. فصل في الجزائر والآثار. فصل في العجائب للاعتبار. فصل في مشاهير الأنهار. فصل في العيون والآبار. فصل في الجبال الشواهق الكبار. فصل في خواص الأحجار ومنافعها. فصل في المعادن والجواهر وخواصها. فصل في النباتات والفواكه وخواصها. فصل في الحبوب وخواصها. فصل في البقول وخواصها. فصل في حشائش مختلفة وخواصها. فصل في البذور وخواصها. فصل في الحيوانات والطيور وخواصها. خاتمة الكتاب في ذكر الملاحم وعلامات الساعة وظهور الفتن والحوادث، ولها فصول تذكر عند الشروع في كتابتها إن شاء الله تعالى. وبإتمامه يتم الكتاب، والله تعالى الموفق للصواب.
فصل في
ذكر البلدان والأقطار
أعلم وفقنا الله وإياك أن بين مطلع الشمس ومغربها مدناً وبلاداً وأنهاراً لا تحصى كثرةً، ولا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى. ولكن نذكر منها ما ذكره فائدة واعتبار من البلاد المشهورة، ونضرب صفحاً عن ذكر ما ليس بمشهور، ولا اعتبار ولا فائدة في ذكره خوفاً من التطويل والسآمة، والله تعالى المستعان.
فنبتدئ أولاً بذكر بلاد المغرب إلى المشرق، ثم نعود إلى بلاد الجنوب وهي بلاد السودان، ثم نعود إلى بلاد الشمال وهي بلاد الروم والأفرنج والصقالبة وغيرهم، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى: أرض المغرب أولها البحر المحيط، وهو بحر مظلم لم يسلكه أحد ولا يعلم سر ما خلفه. وبه جزائر عظيمة كثيرة عامرة يأتي ذكرها عند ذكر الجزائر، منها جزيرتان تسميان الخالدتين، على كل واحدة منهما صنم طوله مائة ذراع بالملكي، وفوق كل صنم منها صورة رجل من نحاس يشير بيده إلى خلف، أي: ما ورائي شيء ولا مسلك. والذي وضعهما وبناها لم يذكر له اسم.

(1/7)


فأول بلاد المغرب السوس الأقصى وهو إقليم كبير فيه مدن عظيمة أزلية وقرى متصلة وعمارات متقاربة، وبه أنواع الفواكه الجليلة المختلفة الألوان والطعوم، وبه قصب السكر الذي ليس على وجه الأرض مثله طولاً وغلظاً وحلاوة حتى قيل: إن طول العود الواحد يزيد على عشرة أشبار في الغالب، ودوره شبر، وحلاوته لا يعادلها شيء حتى قيل: إن الرطل الواحد من سكره يحمل عشرة أرطال من الماء وحلاوته ظاهرة. ويحمل من بلاد السوس من السكر ما يعم جميع الأرض لو حمل إلى البلاد، وبها تعمل الأكسية الرفيعة الخارقة، والثياب الفاخرة السوسية المشهورة في الدنيا، ونساؤها في غاية الحسن والجمال والظرف والذكاء، وأسعارها في غاية الرخص، والخصب بها كثير.
فمن مدنها المشهورة ما رودنت وهي مدينة العظماء من ملوك المغرب، بها أنهار جارية وبساتين مشتبكة وفواكه مختلفة وأسعار رخيصة. والطريق منها إلى أغمات أريكة في أسفل جبل، ليس في الأرض مثله إلا القليل في العلو والارتفاع وطول المسافة واتصال العمارة وكثرة الأنهار والتفاف الأشجار والفواكه الفاخرة التي يباع منها الحمل بقيراط من الذهب. وبأعلى هذا الجبل أكثر من سبعين حصناً وقلعة، منها حصن منيع هو عمارة محمد بن تومرت، ملك المغرب، إذا أراد أربعة من الناس أن يحفظوه من أهل الأرض حفظوه لحصانته، اسمه تأتملت. ولما مات محمد بن تومرت المذكور بجبل الكواكب حمل ودفن في هذا الحصن.
وأذكى: وهي أول مراقي الصحراء وهي مدينة متسعة، وقيل إن النساء التي فيها لا أزواج لهن، إذا بلغت إحداهن أربعين سنة تتصدق بنفسها على الرجال فلا تمتنع ممن يريدها.
سجلماسة: من مدنها المشهورة، وهي واسعة الأقطار عامرة الديار رائعة البقاع فائقة القرى والضياع. غزيرة الخيرات كثيرة البركات. يقال إنه يسير السائر في أسواقها نصف يوم فلا يقطعها، وليس لها حصن بل قصور شاهقة وعمارات متصلة خارقة، وهي على نهر يأتي من جهة المشرق وبها بساتين كثيرة وثمار مختلفة، وبها رطب يسمى النوبي، وهو أخضر اللون حسن المظهر أحلى من الشهد ونواه في غاية الصغر. ويقال إنهم يزرعون ويحصدون الزرع ويتركون جذوره وأصوله في الأرض على حالها قائمة، فإذا كان في العام المقبل وعمه الماء نبت ثاني مرة واستغله أربابه، من غير بذر، وبها يأكلون الكلاب والجراذين وغالب أهلها عمش العيون.
ورفادة: وهي مدينة عظيمة حصينة خصيبة. ذكر أهل الطبائع أنه يحصل للرجال بها الضحك من غير عجب، والسرور من غير طرب، وعدم الهم والنصب، ولا يعلم لذلك موجب ولا سبب.
أغمات: وهي مدينتان: أغمات أريكة وهي مدينة عظيمة في ذيل جبل كثير الأشجار والثمار والأعشاب والنباتات، ونهرها يشقها وعلى النهر أرحية كثيرة تدور صيفاً وفي الشتاء يجمد الماء ويجوز عليه الناس والدواب، وبها عقارب قتالة في الحال، وأهلها ذوو أموال ويسار ولهم على أبوابهم علامات تدل على مقادير أموالهم. وأغمات إيلان وهي مدينة كبيرة في أسفل جبل يسكنها يهود تلك البلاد.
فاس: وهي مدينة كبيرة ومدينة صغيرة يشقها نهر كبير يأتي من عيون صنهاجة وعليه أرحاء كثيرة. وتسمى إحدى هاتين المدينتين الأندلس ومياهها قليلة والأخرى القرويس وهي ذات مياه كثيرة يجري الماء في كل شارع منها، وسوق وزقاق وحمام ودار، وفي كل زقاق ساقية متى أراد أهل الزقاق أن يجروها أجروها وإذا أرادوا قطعها قطعوها.
المهدية: مدينة حسنة حصينة بناها المهدي الفاطمي وحصنها وجعل لها أبواباً من حديد، في كل باب ما يزيد على مائة قنطار، ولما بناها وأحكمها قال: أمنت الآن على الفاطميين.
سبتة: مدينة في بر العدو قبالة الجزيرة الخضراء، وهي سبعة أجبل صغار متصلة عامرة ويحيط بها البحر من ثلاث جهاتها. وفيها أسماك عظيمة ليست في غيرها. وبها شجر المرجان الذي لا يفوقه شيء حسناً وكثرة، وبها سوق كبيرة لإصلاح المرجان، وبها من الفواكه وقصب السكر شيء كثير جداً.
طنجة: هي في العدوة أيضاً وكذلك فاس وباقي المدن المشهورة كافريقية وتاهرت ووهران والجزائر والمقل والقيروان فكلها مدن حسنة متقاربة المقادير. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1/8)


الغرب الأوسط: وهو شرق بلاد البر، ومن مدنه بلاد الأندلس وسميت بالأندلس لأنها جزيرة مثلثة الشكل رأسها في أقصى المغرب في نهاية المعمورة، وكان أهل السوس وهم أهل المغرب الأقصى يضرون أهل الأندلس في كل وقت ويلقون إليهم الجهد الجهيد إلى أن اجتاز بهم الإسكندر فشكوا إليه حالهم فأحضر المهندسين وحضر إلى الزقاق، وكان له أرض جافة، فأمر المهندسين بوزن سطح الماء من المحيط والبحر الشامي، فوجدوا المحيط يعلو البحر الشامي بشيء يسير، فأمر برفع البلاد التي على ساحل البحر الشامي ونقلها من الحضيض إلى الأعلى، ثم أمر أن تحفر الأرض بين طنجة وبلاد الأندلس فحفرت حتى ظهرت الجبال السفلية وبنى عليها رصيفاً بالحجر والجير بناء محكماً وجعل طوله اثني عشر ميلاً، وهي المسافة التي كانت بين البحرين، وبنى رصيفاً آخر يقابله من ناحية طنجة وجعل بين الرصيفين ستة أميال. فلما أكمل الرصيفين حفر لها من جهة البحر الأعظم وأطلق فم الماء بين الرصيفين ودخل في البحر الشامي. ثم فاض ماؤه فأغرق مدناً كثيرة وأهلك أمماً عظيمة كانت على الشاطئين، وطغى الماء على الرصيفين إحدى عشرة قامة. فأما الرصيف الذي يلي بلاد الأندلس فإنه يظهر في بعض الأوقات إذا نقص الماء ظهوراً بيناً مستقيماً على خط واحد، وأهل الجزيرتين يسمونه القنطرة، وأما الرصيف الذي من جهة طنجة فإن الماء حمله في صدره واحتفر ما خلفه من الأرض اثني عشر ميلاً، وعلى طرفه من جهة الشرق الجزيرة الخضراء، وعلى طرفه من جهة الغرب جزيرة طريف. وتقابل الجزيرة الخضراء في بر العدوة سبتة، وبين سبتة والجزيرة الخضراء عرض البحر.
والأندلس به جزائر عظيمة كالخضراء، وجزيرة قادس، وجزيرة طريف، وكلها عامرة مسكونة آهلة. ومن مدنه إشبيلية وهي مدينة عامرة على ضفة النهر الكبير المعروف بنهر قرطبة، وعليه جسر مربوطة به السفن، وبها أسواق قائمة وتجارات رابحة وأهلها ذوو أموال عظيمة وأكثر متاجرهم في الزيت، وهي تشتمل على كثير من أقاليم الشرق، واقليم الشرق على تل عال من تراب أحمر مسافته أربعون ميلاً في مثلها، يمشي فيها المسافر في ظل الزيتون والتين، ولها على ما ذكر التجار ثمانية آلاف قرية عامرة بالأسواق العامرة والديار الحسنة والفنادق والحمامات.
ومن أقاليم الأندلس اقليم الكنانية ومن مدنه المشهورة قرطبة وهي قاعدة بلاد الأندلس ودار الخلافة الإسلامية، وهي مدينة عظيمة وأهلها أعيان البلاد، وسراة الناس في حسن المآكل والملابس والمراكب وعلو الهمة، وبها أعلام العلماء وسادات الفضلاء وأجلاء الغزاة وأمجاد الحروب؛ وهي في نفسها خمس مدن يتلو بعضها بعضاً، وبين المدينة والمدينة سور حصين حاجز، وبكل مدينة منها ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمامات والصناعات، وطولها ثلاثة أميال في عرض ميل واحد، وهي في سفح جبل مطل عليها يسمى جبل القروش.

(1/9)


ومدينتها الثالثة وهي الوسطى، فيها باب القنطرة وبها الجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله، طوله ذراع في عرض ثمانين ذراعاً وفيه من السواري الكبار ألف سارية، وفيه مائة وثلاث عشرة ثريا للوقود، أكبرها يحمل ألف مصباح، وفيه من النقوش والرقوم ما لا يقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول، وعلى فرجة المحراب سبع قسي قائمة على عمد طول كل قوس فوق القامة، تحير الروم والمسلمون في حسن وضعها. وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة، اثنان أخضران واثنان لازورديان، ليس لها قيمة. وبه منبر ليس على معمور الأرض مثله في حسن صنعته، وخشبه ساج وأبنوس وبقس وعود قاقلي. ويذكر في كتب تواريخ بني أمية أنه أحكم عمله ونقشه في سبع سنين، وكان يعمل فيه ثمانية صناع، لكل صانع في كل يوم نصف مثقال محمدي، وكان جملة ما صرف على المنبر أجرة لا غير عشرة آلاف مثقال وخمسي مثقال. وفي الجامع حاصل كبير ملآن من آنية الذهب والفضة لأجل وقوده. وبهذا الجامع مصحف فيه أربع ورقات من مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بخطه، أي بخط يده، وفيهن نقط من دمه. وله عشرون باباً مصفحات بالنحاس الأندلسي، مخرمات تخريماً يعجز البشر، وفي كل باب حلق، في نهاية الصنعة والحكمة. وبه الصومعة العجيبة التي ارتفاعها مائة ذراع بالملكي المعروف بالرشاشي، وفيها من أنواع الصنائع الدقيقة ما يعجز الواصف عن وصفه ونعته. وبهذا الجامع ثلاثة أعمدة حمر مكتوب على أحدها اسم محمد، وعلى الآخر صورة عصا موسى وأهل الكهف، وعلى الثالث صورة غراب نوح. والجميع خلقة ربانية.
وبمدينة قرطبة القنطرة العجيبة التي فاقت قناطر الدنيا حسناً وإتقاناً، وعدد قسيها سبعة عشر قوساً، كل قوس منها خمسون شبراً وبين كل قوسين خمسون شبراً. ومحاسن هذه المدينة أعظم من أن يحيط بها وصف.
ومن أقاليم جزيرة الأندلس إقليم أشبونة. ومن مدنه أشبونة وهي مدينة حسنة شمالي النهر المسمى باجة، الذي هو نهر طليطلة. والمدينة ممتدة مع هذا النهر، وهي على بحر مظلم وبها أسواق قائمة وفنادق عامرة وحمامات كثيرة، ولها سور منيع ويقابله على ضفة النهر حصن المعدن وسمي بذلك لأن البحر يمتد عند سيحانه فيقذف بالذهب التبر إلى نحو ذلك الحصن وما حوله، فإذا رجع الماء قصد أهل تلك البلاد نحو هذا الحصن فيجدون به الذهب إلى أوان سيحانه أيضاً. ومن أشبونة هذه كان خروج المغرورين في ركوب البحر المظلم الذي في أقصى بلاد الغرب وهو بحر عظيم هائل غليظ المياه كدر اللون شامخ الموج صعب الظهر، لا يمكن ركوبه لأحد من صعوبته وظلمة متنه وتعاظم أمواجه وكثرة أهواله وهيجان رياحه وتسلط دوابه. وهذا البحر لا يعلم أحد قعره ولا يعلم ما خلفه إلا الله سبحانه وتعالى، وهو غور المحيط ولم يقف أحد من خبره على الصحة ولا ركبه أحد ملججاً أبداً، إنما يمر مع ذيل الساحل لأن به أمواجاً كالجبال الشوامخ، ودوي هذا البحر كعظم دوي الرعد لكن أمواجه لا تنكسر، ولو تكسرت لم يركبه أحد، لا ملججاً ولا مسوحلاً.

(1/10)


حكاية: اتفق جماعة من أهل أشبونة، وهم ثمانية أنفس وكلهم بنو عم، فأنشئوا مركباً كبيراً وحملوا فيه من الزاد والماء ما يكفيهم مدة طويلة وركبوا متن هذا البحر ليعرفوا ما في نهايته ويروا ما فيه من العجائب، وتحالفوا أنهم لا يرجعون أبداً حتى ينتهوا إلى البر الغربي أو يموتوا. فساروا فيه ملججين أحد عشر يوماً، فدخلوا إلى بحر غليظ عظيم الموج كدر الريح مظلم المتن والقعر كثير القروش، فأيقنوا بالهلاك والعطب، فرجعوا مع البحر في الجنوب اثني عشر يوماً فدخلوا جزيرة الغنم وفيها من الأغنام ما لا يحصي عددها إلا الله تبارك وتعالى، وليس بها آدمي ولا بشر، ولا لها صاحب، فنهضوا إلى الجزيرة وذبحوا من ذلك الغنم وأصلحوه وأرادوا الأكل فوجدوا لحومها مرة لا تؤكل: فأخذوا من جلودها ما أمكنهم، ووجدوا بها عين ماء فملئوا منها وسافروا مع الجنوب اثني عشر يوماً آخر، فوافوا جزيرة وبها عمارة فقصدوها، فلم يشعروا إلا وقد أحاط بهم زوارق، بها قوم موكلون بها، فقبضوا عليهم وحملوهم إلى الجزيرة فدخلوا إلى مدينة على ضفة البحر وأنزلوهم بدار، ورأوا بتلك الجزيرة والمدينة رجالاً شقر الألوان طوال القدود، ولنسائهم جمال مفرط خارج عن الوصف، فتركوهم في الدار ثلاثة أيام. ثم دخل عليهم في اليوم الرابع إنسان ترجمان وكلمهم بالعربي وسألهم عن حالهم فأخبروه بخبرهم، فأحضروا إلى ملكهم فأخبره الترجمان بما أخبروه من حالهم، فضحك الملك منهم وقال للترجمان: قل لهم إني وجهت من عندي قوماً في هذا البحر ليأتوني بخبر ما فيه من العجائب، فساروا مغربين شهراً حتى انقطع عنهم الضوء وصاروا في مثل الليل المظلم، فرجعوا من غير فائدة، ووعدهم الملك خيراً. وأقاموا عنده حتى هبت ريحهم فبعثهم مع قوم من أصحابه في زورق وكتفوهم وعصبوا أعينهم وسافروا بهم مدة لا يعلمون كم هي، ثم تركوهم على الساحل وانصرفوا. فلما سمعوا كلام الناس صاحوا فأقبلوا إليهم وحلوا عن أعينهم وقطعوا كتافهم، وأخبروهم بخبر الجماعة، فقال لهم الناس: هل تدرون كم بينكم وبين أرضكم ؟ قالوا: لا قالوا: فوق شهر. فرجعوا إلى بلدهم. ولهم في أشبونة حارة مشهورة تسمى حارة المغرورين إلى الآن.
ومالقة: وهي مدينة كبيرة واسعة الأقطار عامرة الديار، قد استدار بها من جميع جهاتها ونواحيها شجر التين المنسوب إلى زيد، وهو أحسن التين لوناً وأكبره جرماً وأنعمه شحماً وأحلاه طعماً، حتى إنه يقال ليس في الدنيا مدينة عظيمة محيط بها سور من حلاوة. عرض السور يوم للمسافرين إلى مالقة، ويحمل منها التين إلى سائر الأقاليم حتى إلى الهند والصين، وهو مسافة سنة لحسنه وحلاوته وعدم تسويسه ونقاء صحته. ولها ربضان عامران: ربض عام للناس وربض للبساتين. وشرب أهلها من الآبار، وبينها وبين قرطبة حصون عظيمة.
ومن أقاليم جزيرة الأندلس إقليم السيارات ومن مدنه المشهورة غرناطة وهي مدينة محدثة. وما كان هناك مدينة مقصودة إلا البيرة فخربت وانتقل أهلها إلى غرناطة. وحسن الصنهاجي هو الذي مدنها وبنى قصبتها وأسوارها ثم زاد في عمارتها ابنه باديس بعده، وهي مدينة يشقها نهر الثلج المسمى سيدل وبدؤه من جبل سمكير، والثلج بهذا الجبل لا يبرح.

(1/11)


ومن المدن المشهورة المرية وكانت مدينة الإسلام في أيام التمكين، وكان بها من جميع الصناعات كل غريب، وكان بها لنسج الطرز الحريرية ثمانمائة نول. ولحلل الحرير النفيسة والديباج الفاخر ألف نول وللسفلاطون كذلك، وللثياب الجرجانية كذلك، وللأصبهاني مثل ذلك، وللعنابي والمعاجر المذهبة الستور والمكللة بالشرج، وكان يصنع بها صنوف آلات الحديد والنحاس والزجاج مما لا يوصف. وكان بها أنواع الفاكهة العجيبة التي تأتيها من وادي بجاية ما يعجز عنه الواصف حسناً وطيباً وكثرة، وتباع بأرخص ثمن، وهذا الوادي طوله أربعون ميلاً في مثلها، كلها بساتين مثمرة وجنات نضرة وأنهار مطردة وطيور مغردة. ولم يكن في بلاد الأندلس أكثر مالاً من أهلها ولا أكثر متاجر ولا أعظم ذخائر، وكان بها من الفنادق والحمامات ألف مغلق إلا ثلاثين، وهي بين جبلين بينهما خندق معمور، على الجبل الواحد قصبتها المشهورة بالحصانة، وعلى الجبل الآخر ربضها. والسور محيط بالمدينة والربض، وغربيهن ربض لها آخر يسمى ربض الحوض، ذو أسواق وحمامات وفنادق وصناعات، وقد استدار بها من كل جهة حصون مرتفعة وأحجار أزلية وكأنما غربلت أرضها من التراب، ولها مدن وضياع متصلة الأنهار.
قرطاجنة: مدينة أزلية كثيرة الخصب، ولها اقليم يسمى القندوق، قليل مثله في طيب الأرض ونمو الزرع. ويقال إن الزرع فيه يكتفي بمطرة واحدة. وكانت هذه المدينة في قديم الزمان من عجائب الدنيا لارتفاع بنائها واظهار القدرة فيه، وبها أقواس من الحجارة المقرنصة، وفيها من التصاوير والتماثيل وأشكال الناس وصور الحيوانات ما يحير البصر والبصيرة. ومن عجيب بنائها الدواميس، وهي أربعة وعشرون داموساً على صف واحد من حجارة مقرنصة طول كل داموس مائة وثلاثون خطوة في عرض ستين خطوة، وارتفاع كل واحد طول مائتي ذراع، بين كل داموسين أثقاب محكمة تصل فيها المياه من بعضها إلى بعض في العلو الشاهق، بهندسة عجيبة وإحكام بليغ، وكان الماء يجري إليها من شوتار وهي عين بقرب القيروان تخرج من جانب جبل، وإلى الآن يحفر في هدمها من سنة ثلثمائة فيخرج منها من أنواع الرخام والمرمر والجزع الملون ما يبهر الناظر، قاله الجواليقي. ولقد أخبرني بعض التجار أنه استخرج منها ألواحاً من الرخام طول كل لوح أربعون شبراً في عشرة أشبار، والحفر بها دائم على ممر الليالي والأيام لم يبطل أبداً، ولا يسافر مركب أبداً، في البحر في تلك المملكة إلا وفيه من رخامها. ويستخرج منها أعمدة طول كل عامود ما يزيد على أربعين شبراً. وغالب الدواميس قائمة على حالها.
شاطبة: وهي مدينة حسنة يضرب بحسنها المثل، ويعمل بها الورق الذي لا نظير له في الأقاليم حسناً.
قنطرة السيف: وهي مدينة عظيمة، وبها قنطرة عظيمة وهي من عجائب الدنيا، وعلى القنطرة حصن عظيم منيع الذرى.
طليطلة: وهي مدينة واسعة الأقطار عامرة الديار، أزلية من بناء العمالقة الأولى العادية ولها أسوار حصينة لم ير مثلها إتقاناً أو متاعاً، ولها قصبة عظيمة وهي على ضفة البحر الكبير يشقها نهر يسمى باجة ولها قنطرة عجيبة وهي قوس واحد، والماء يدخل من تحته بشدة جري، وفي آخر النهر ناعورة طولها تسعون ذراعاً بالرشاشي، يصعد الماء إلى أعلى القنطرة فيجري على ظهرها ويدخل إلى المدينة.
وكانت طليطلة دار مملكة الروم، وكان فيها قصر مقفل أبداً، وكلما تملك فيها ملك من الروم أقفل عليه قفلاً محكماً؛ فاجتمع على باب القصر أربعة وعشرون قفلاً، ثم ولي الملك رجل ليس من بيت الملك، فقصد فتح تلك الأموال على عدم فتحها فلم يرجع، وأزال الأقفال وفتح الباب فوجد فيها صور وحذروه وجهدوا به، فأبى إلا فتحها، فبذلوا له جميع ما بأيديهم من نفائس الأموال على عدم فتحها فلم يرجع، وأزال الأقفال الباب فوجد فيها صور العرب على خيلها وجمالها وعليهم العماثم المسبلة متقلدين السيوف وبأيديهم الرماح الطوال والعصي، ووجد كتاباً فيه: إذا فتح هذا الباب تغلب على هذه الناحية قوم من الأعراب على صفة هذه الصور، فالحذر من فتحه الحذر.

(1/12)


قال ففتح في تلك السنة الأندلس طارق بن زياد في خلافة الوليد بن عبد الملك من بني أمية، وقتل ذلك الملك شر قتلة ونهب ماله وسبى من بها وغنم أموالها، ووجد بها ذخائر عظيمة، من بعضها مائة وسبعون تاجاً من الدر والياقوت والأحجار النفيسة، وإيوناً تلعب فيه الرماحة بأرماحهم قد ملئ من أواني الذهب والفضة مما لا يحيط به وصف، ووجد بها المائدة التي لنبي الله سليمان بن داود عليهما السلام، وكانت على ما ذكر من زمرد أخضر. وهذه المائدة إلى الآن في مدينة رومية باقية، وأوانيها من الذهب وصحافها من اليشم والجزع. ووجد فيها الزبور بخط يوناني في ورق من ذهب مفصل بجوهر، ووجد مصحفاً محلى فيه منافع الأحجار والنبات والمعادن واللغات والطلاسم وعلم السيمساء والكيمياء.
ووجد مصحفاً فيه صناعة أصباغ الياقوت والأحجار وتركيب السموم والترياقات، وصورة شكل الأرض والبحار والبلدان والمعادن والمسافات، ووجد قائمة كبيرة مملوءة من الأكسير، يرد الدرهم منه ألف درهم من الفضة ذهباً إبريزاً.
ووجد مرآة مستديرة عجيبة من أخلاط قد صنعت لسليمان عليه السلام، إذا نظر الناظر فيها رأى الأقاليم السبعة فيها عياناً ورأى مجلساً فيه من الياقوت والبهرمان وسق بعير. فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك، وتفرق العرب في مدنها. وبطليطلة بساتين محدقة وأنهار مغدقة ورياض وفواكه مختلفة الطعوم والألوان، ولها من جميع جهاتها أقاليم رفيعة ورساتيق مريعة وضياع وسيعة وقلاع منيعة، وشمالها جبل عظيم معروف بجبل الإشارات، به من البقر والغنم ما يعم البلاد كثرة وغزراً.
ذكر الغرب الأدنى
وهو الواحات وبرقة وصحراء الغرب والإسكندرية
فأما الواحات: فإن بها قوماً من السودان يسمون البربر، وهم في الأصل عرب مخضرمون وبها كثير من القرى والعمائر والمياه وهي أرض حارة جداً، وهي في ضفة الجبل الحائل بين أرض مصر والصحارى، وينتج بهذه الأرض وما اتصل بها من أرض السودان حمر وحشية منقوشة ببياض وسوداء بزي عجيب لا يمكن ركوبها، وإن خرجت عن أرضها ماتت في الحال. وكان في القديم يزرع بأرضها الزعفران كثيراً وكذلك البليلج والعصفر وقصب السكر، وبها حيات في رمال تضرب الجمل في خفة فلا ينقل حدوة حتى يطير وبره من ظهره وينهري.
شنترية: بها قوم من البربر وأخلاط العرب، وبها معدن الحديد والبريم، وبينها وبين الإسكندرية برية واسعة. يقولون: إن بها مدناً عظيمة مطلسمة من أعمال الحكماء والسحرة، ولا تظهر إلا صدفة.
فمنها ما حكي أن رجلاً أتى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وعمر رضي الله عنه يومئذ عامل على مصر وأعمالها، فعرفه أنه رأى في صحراء الغرب بالقرب من شنترية، وقد أوغل فيها في طلب جمل له ند منه، مدينة قد خرب الأكثر منها وأنه قد وجد فيها شجرة عظيمة بساق غليظ تثمر من جميع أنواع الفواكه، وأنه أكل منها كثيراً وتزود. فقال له رجل من القبط: هذه إحدى مدينتي هرمس الهرامسة وبها كنوز عظيمة. فوجه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مع ذلك الرجل جماعة من ثقاته واستوثقوا من الزاد والماء عن شهر، وطافوا تلك الصحارى مراراً فلم يقفوا على شيء من ذلك.
ويحكى: إن عاملاً من عمال العرب جار على قوم من الأعراب فهربوا من عنفه وجوره ودخلوا صحراء الغرب ومعهم من الزاد ما يكفيهم مدة، فسافروا يوماً أو بعض يوم فدخلوا جبلاً فوجدوا فيه عنزاً كثيرة وقد خرجت من بعض شعاب الجبل، فتبعوها فنفرت منهم فأخرجتهم إلى مساكن وأنهار وأشجار ومزارع وقوم مقيمين في تلك الناحية قد تناسلوا وهم في أرغد عيش وأنزه مكان، وهم يزرعون لأنفسهم ويأكلون ما يزرعون بلا خراج ولا مقاسمة ولا طلب. فسألوهم عن حالهم فأخبروهم أنهم لم يدخلوا إلى بلاد العرب ولا عرفوها. فرجع هؤلاء القوم الذين هربوا من العامل إلى أولادهم وأهليم ودوابهم فساقوها ليلاً وخرجوا بهم يطلبون ذلك المكان، فأقاموا مدة طويلة يطوفون في ذلك الجبل فلم يقفوا لهم على أثر، ولا وجدوا لهؤلاء من خبر.

(1/13)


ويحكى أن موسى بن نصير لما قلد الغرب ووليها في زمان بني أمية، أخذ في السير على ألواح الأقصى بالنجوم والأنواء وكان عارفاً بها فأقام سبعة أيام يسير في رمال بين مهبي الغرب والجنوب، فظهرت له مدينة عظيمة لها حصن عظيم بأبواب من حديد، فرام أن يفتح باباً منها فلم يقدر وأعياه ذلك لغلبة الرمل عليها، فأصعد رجلاً إلى أعلاه فكان كل من صعد ونظر إلى المدينه صاح ورمى بنفسه إلى داخلها ولا يعلم ماذا يصيبه ولا ما يراه، فلم يجد له حيلة، فتركها ومضى.
وحكي أن رجلاً من صعيد مصر أتاه رجل آخر وأعلمه أنه يعرف مدينة في أرض الواحات بها كنوز عظيمة. فتزودا وخرجا، فسافرا في الرمل ثلاثة أيام ثم أشرفا على مدينة عظيمة بها أنهار وأشجار وأثمار وأطيار ودور وقصور، وبها نهر محيط بغالبها وعلى ضفة النهر شجرة عظيمة، فأخذ الرجل الثاني من ورق الشجرة ولفها على رجليه وساقيه بخيوط كانت معه وفعل برفيقه كذلك، وخاضا النهر فلم يتعد الماء الورق ولم يجاوزه، فصعدا إلى المدينة فوجدا من الذهب وغيره ما لا يكيف ولا يوصف، فأخذا منه ما أطاقا حمله ورجعا بسلامة وتفرقا؛ فدخل الرجل الصعيدي إلى بعض ولاة الصعيد وعرفه بالقصة وأراه من عين الذهب، فوجه معه جماعة وزودهم زاداً يكفيهم مدة، فجعلوا يطوفون في تلك الصحارى ولا يجدون لذلك أثراً، وطال الأمر عليهم فسئموا ورجعوا بخيبة.
وأما أرض برقة فكانت في قديم الزمان مدناً عظيمة عامرة، وهي الآن خراب ليس بها إلا القليل من الناس والعمارة، وبها يزرع من الزعفران شيء كثير.
وأما الإسكندرية فهي آخر مدن الغرب، وهي على ضفة البحر الشامي وبها الآبار العجيبة والروم الهائلة التي تشهد لبانيها بالملك والقدرة والحكمة. وهي حصينة الأسوار عامرة الديار كثيرة الأشجار غزيرة الثمار؛ وبها الرمان والرطب والفاكهة والعنب، وهي من الكثرة في الغاية، ومن الرخص في النهاية. وبها يعمل من الثياب الفاخرة كل عجيب، ومن الأعمال الباهرة كل غريب، ليس في معمور الأرض مثلها؛ ولا في أقصى الدنيا كشكلها، يحمل منها إلى سائر الأقاليم في الزمن الحادث والقديم، وهي مزدحم الرجال ومحط الرحال ومقصد التجار من سائر القفار والبحار، والنيل يدخل إليها من كل جانب، من تحت أقبية إلى معمورها، ويدور بها وينقسم في دورها بصنعة عجيبة وحكمة غريبة، يتصل بعضها ببعض أحسن اتصال لأن عمارتها تشبه رقعة الشطرنج في المثال. وإحدى عجائب الدنيا فيها وهي المنارة التي لم ير مثلها في الجهات والأقطار، وبين المنارة والنيل ميل واحد وارتفاعه مائة ذراع بالشاشي لا بالساعدي، جملته مائتا قامة إلى القبة. ويقال إنه كان في أعلاها مرآة ترى فيها المراكب من مسيرة شهرة، وكان بالمرآة أعمال وحركات لحرق المراكب في البحر، إذا كان عدواً، بقوة شعاعها. فأرسل صاحب الروم يخدع صاحب مصر ويقول: إن الإسكندر قد كنز بأعلى المنارة كنزاً عظيماً من الجواهر واليواقيت واللعب والأحجار التي لا قيمة لها خوفاً عليها، فإن صدقت فبادر إلى استخراجه، وإن شككت فأنا أرسل لك مركباً موسوقاً من ذهب وفضة وقماش وأمتعة، ولا يقوم، ومكني من استخراجه ولك من الكنز ما تشاء. فانخدع لذلك وظنه حقاً فهدم القبة فلم يجد شيئاً مما ذكر، وفسد طلسم المرآة؛ ونقل أن هذه المنارة كانت وسط المدينة؛ وأن المدينة كانت سبع قصبات متوالية وإنما أكلها البحر ولم يبق منها إلا قصبة واحدة وهي المدينة الآن، وصارت المنارة في البحر لغلبة الماء على قصبة المنارة. ويقال إن مساجدها حصرت في وقت من الأوقات فكانت عشرين ألف مسجد.
وذكر الطبري في تاريخه أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما افتتحها أرسل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: قد افتتحت لك مدينة فيها أثنا عشر ألف حانوت تبيع البقل.
وكان يوقد في أعلى هذه المنارة ليلاً ونهاراً لاهتداء المراكب القاصدة إليها. ويقولون: إن الذي بنى المنارة هو الذي بنى الأهرام.

(1/14)


وبهذه المدينة المثلثان وهما حجران مربعان وأعلاهما ضيق حاد، طول كل واحد منها خمس قامات وعرض قواعدهما في الجهات الأربع كل جهة أربعون شبراً، عليها خط بالسرياني، حكي أنهما منحوتان من جبل برسم الذي هو غربي ديار مصر، والكتابة التي عليهما: أنا يعمر بن شداد، بنيت هذه المدينة حين لا هرم فاش، ولا موت ذريع، ولا شيب ظاهر، وإذا الحجارة كالطين وإذا الناس لا يعرفون لهم رباً، وأقمت أسطواناتها وفجرت أنهارها وغرست أشجارها، وأردت أن أعمل فيها شيئاً من الآثار المعجزة والعجائب الباهرة فأرسلت مولاي البتوت بن مرة العادي ومقدام بن عمرو بن أبي رغان الثمودي خليفة إلى جبل بريم الأحمر، فاقتطعا منه حجرين وحملاهما على أعناقهما فانكسرت ضلع من أضلاع البتوت، فوددت أن أهل مملكتي كانوا فداء له، وهما هذان. وأقامهما إلى القطن بن جارود المؤتفكي في يوم السعادة، وهذه المثلثة الواحدة في ركن البلد من الجهة الشرقية والمثلثة الأخرى ببعض المدينة.
ويقال إن المجلس الذي بجنوب المدينة المنسوب إلى سليمان بن داود عليهما السلام، بناه يعمر بن شداد المذكور، وأسطواناته وعضاداته باقية إلى الآن، وهو سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وهو مجلس مربع في كل رأس منه ست عشرة سارية، وفي الجانبين المتطاولين سبع وستون سارية، وفي الركن الشمالي أسطوانة عظيمة ورأسها عليها، وفي أسفلها قاعدة من الرخام مربعة، جرمها ثمانون شبراً، وطولها من القاعدة إلى الرأس تسع قامات، ورأسها منقوش مخروم بأحكم صنعة، وهي مائلة من تقادم الدهور ميلاً كثيراً، لكنها ثابتة، وبها عمود يقال عمود القمر، عليه صورة طير يدور مع الشمس.
أرض مصر: وهي غربي جبل جالوت، وهو إقليم العجائب ومعدن الغرائب، وأهله كانوا أهل ملك عظيم وعز قديم، وكان به من العلماء عدة كثيرة وهم متفننون في سائر العلوم مع ذكاء مفرط في جبلتهم وكانت مصر خمساً وثمانين كورة، ومنها أسفل الأرض خمس وأربعون كورة وفوق الأرض أربعون كورة، ونهرها يشقها، والمدن على جانبيه وهو النهر المسمى بالنيل، العظيم البركات المبارك الغدوات والروحات، وهو أحسن الأقاليم منظراً وأوسعها خيراً وأكثرها قرى، وهو من حد أسوان إلى الاسكندرية.
وفي أرض مصر كنوز عظيمة، ويقال إن غالب أرضها ذهب مدفون، حتى قيل إنه ما فيها موضع إلا وهو مشغول بشيء من الدفائن. وبها الجبل المقطم وهو شرقيها، ممتد من مصر إلى أسوان في الجهة الشرقية، يعلو في مكان وينخفض في مكان. وتسمى تلك التقاطيع منه اليحاميم وهو سود، ويوجد فيها المغرة والكلس، وفيه ذهب عظيم، وذلك أن تربته إذا دبرت استخرج منها ذهب خالص، وفيه كنوز وهياكل وعجائب غريبة. ومما يلي البحر الجبل المنحوت المدور الذي لا يستطيع أحد أن يرقاه لملاسته وارتفاعه، وفيه كنوز عظيمة لمقطم الكاهن الذي نسب إليه هذا الجبل، ولملوك مصر القديمة أيضاً من الذهب والفضة والأواني والآلات النفسية والتماثيل الهائلة والتبر والإكسير وتراب الصنعة ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
ومن مدنه المشهورة الفسطاط وهو فسطاط عمرو بن العاص، وهي مدينة عظيمة وبها جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان مكانه كنيسة للروم فهدمها عمرو بن العاص وبناها مسجداً جامعاً، وحضر بناءه جماعة من الصحابة. وشرقي الفسطاط خراب، وذكر أنها كانت مدينة عظيمة قديمة ذات أسواق وشوارع واسعة وقصور ودور وفنادق وحمامات، يقال إنها كان بها أربعمائة حمام فخربها شاور، وهو وزير العاضد، خوفاً من الفرنج أن يملكوها.
وسمي الفسطاط فسطاطاً لأن عمرو بن العاص نصب فسطاطه أي خيمته هنا مدة إقامته، ولما أراد الرحيل وهدم الفسطاط أخبر أن حمامة باضت بأعلاه فأمر بترك الفسطاط على حاله لئلا يحصل التشويش للحمامة بهدم عشها وكسر بيضها، وأن لا يهدم حتى تفقس عن فراخها وتطيرهم، وقال: والله ما كنا لنسيء لمن لجأ بدارنا واطمأن إلى جانبنا.

(1/15)


وقبالة الفسطاط الجزيرة المعروفة بالروضة، وهي جزيرة يحيط بها بحر النيل من جميع جهاتها، وبها فرج ونزه ومقاصف وقصور ودور وبساتين، وتسمى هذه الجزيرة دار المقياس، وكانت في أيام بعض ملوك مصر، يجتاز إليها على جسر من السفن فيه ثلاثون سفينة وكان بها قلعة عظيمة فخربت، وبها المقياس يحيط به أبنية دائرة على عمد، وفي وسط الدار فسقية عميقة ينزل إليها بدرج من رخام دائرة وفي وسطها عمود رخام قائم وفيه رسوم أعداد الأذرع والأصابع يعبر إليه الماء من قناة عريضة. ووفاء النيل ثمانية عشر ذراعاً وهذا المبلغ لا يدع من ديار مصر شيئاً إلا رواه، وما زاد على ذلك ضرر ومحل لأنه يميت الشجر ويهدم البنيان. وبناء مصر كلها طبقات بعضها فوق بعض يكون خمساً وستاً وسبعاً، وربما سكن في الدار الواحدة الجامعة مائة من الناس ولكل منهم منافع ومرافق مما يحتاج إليه. وأخبر الجواليقي أنه كان بمصر على أيامه دار تعرف بدار ابن عبد العزيز بالموقف، يصب لمن فيها من السكان في كل يوم أربعمائة راوية وفيها خمسة مساجد وحمامات وفرنان.
القاهرة المعزية: حرسها الله تعالى وثبت قواعد أركان دولة سلطانها وجعلها دار إسلام إلى يوم القيامة آمين. وهي مدينة عظيمة أجمع المسافرون غرباً وشرقاً وبراً وبحراً على أنه لم يكن في المعمورة أحسن منها منظراً ولا أكثر ناساً ولا أصح هواء ولا أعذب ماء ولا أوسع فناء، وإليها يجلب من أقطار الأرض وسائر الأقاليم من كل شيء غريب، ونساؤها في غاية الحسن والظرف، وملكها عظيم ذو هيبة وصيت كثير الجيوش حسن الرأي لا يماثله ملك في زيه وترتيبه، تعظمه ملوك الأرض وتخشى بأسه وترغب في مودته وتترضاه وهو سلطان الحرمين الزاهرين والحاكم على البحرين الزاخرين؛ وهي مدينة يعبر عنها بالدنيا، وناهيك من إقليم يحكم سلطانه على مواطن العبادة في الأرض المشرفة والمدينة الشريفة وبيت المقدس؛ ومواطن الأنبياء ومستقر الأولياء وأهل هذه المدينة في غاية الرفاهية والعيشة الهنية والهيئة البهية، وقد ورد في الخبر: مصر كنانة الله ما رماها أحد بسوء إلا أخرج من كنانته سهماً فرماه به وأهلكه.
عين شمس وهي شرق القاهرة، وكانت في القديم دار مملكة لهذا الإقليم، وبها من الأعمال والأعلام الهائلة والآثار العظيمة، وبها البستان الذي لا ينبت شيء من الأرض إلا وهو فيه، وهو بستان طوله ميل في ميل، والسر في بئره لأن المسيح عليه السلام اغتسل فيه.
وغربيها مدينة قليوب وهي مدينة عظيمة يقولون إنه كان بها ألف وسبعمائة بستان، ولكن لم يبق إلا القليل. وبها من أنواع الفاكهة شيء كثير في غاية الرخص، وبها السردوس الذي هو أحد نزه الدنيا، يسار فيه يومان بين بساتين مشتبكة وأشجار ملتفة وفواكه فاخرة ورياض ناضرة، وهي حفير هامان وزير فرعون. يقال إنه لما حفرها جعل أهل البلاد يخرجون إليه ويسألونه أن يجريها إليهم ويجعلون له على ذلك ما شاء من المال، ففعل وحصل من أهل البلاد مائة ألف ألف دينار فحملها إلى فرعون؛ فسأله من أين هذا المال الكثير؛ فأخبره أن أهل البلاد سألوا منه اجراء الماء إلى بلادهم وجعلوا هذا المال مقابلة لذلك فقال فرعون: بئس ما صنعت من أخذ هذه الأموال، أما علمت أن السيد المالك ينبغي له أن يعطف على عبيده ولا يأخذ منهم على إيصال منفعة أجراً ولا ينظر إلى ما بأيديهم ؟ اردد المال إلى أربابه ولا تأت بمثلها.

(1/16)


الجيزة: وهي مدينة عظيمة على ضفة النهر الغربية ذات قرى ومزارع، وبها خصب كثير وخير واسع، وبها القناطر التي لم يعمل مثلها وهي أربعون قوساً على سطر واحد، وبها الأهرام التي هي من عجائب الدنيا لم يبن على وجه الأرض مثلها في إحكامها وإتقانها وعلوها، وذلك أنها مبنية بالصخور العظام وكانوا حين بنوها يثقبون الصخر من طرفيه ويجعلون فيه قضيباً من حديد قائم ويثقبون الحجر الآخر وينزلونه فيه ويذيبون الرصاص ويجعلونه في القضيب بصنعة هندسية حتى كمل بناؤها، وهي ثلاثة أهرامات، ارتفاع كل هرم منها في الهواء مائة ذراع بالملكي، وهو خمسمائة ذراع بالذراع المعهود بيننا، وضلع كل هرم من جهاته ذراع بالملكي. وهي مهندسة من كل جانب محددة الأعالي من أواخر طولها على ثلثمائة ذراع. يقولون إن داخل الهرم الغربي ثلاثين مخزناً من حجارة صوان ملونة مملوءة بالجواهر النفيسة والأموال الجمة والتماثيل الغريبة والآلات والأسلحة الفاخرة التي قد دهنت بدهان الحكمة فلا تصدأ أبداً إلى يوم القيامة. وفيه الزجاج الذي ينطوي ولا ينكسر، وأصناف العقاقير المركبة والمفردة والمياه المدبرة. وفي الهرم الشرقي الهيئات الفلكية والكواكب، منقوش فيها ما كان وما يكون في الدهور والأزمان إلى آخر الدهر. وفي الهرم الثالث أخبار الكهنة في توابيت صوان مع كل كاهن لوح من ألواح الحكمة وفيه من عجائب صناعاته وأعماله. وفي الحيطان من كل جانب أشخاص كالأصنام تعمل بأيدها جميع الصناعات على المراتب. ولكل هرم منها خازن. وكان المأمون لما دخل الديار المصرية أراد هدمها فلم يقدر على ذلك فاجتهد وأنفق أموالاً عظيمة حتى فتح في أحدها طاقة صغيرة، يقال إنه وجد خلف الطاقة من الأموال قدر الذي أنفقه لا يزيد ولا ينقص، فتعجب من ذلك وقال:
انظر إلى الهرمين واسمع منهما ... ما يرويان عن الزمان الغابر
لو ينطقان لخبّرانا بالذي ... فعل الزمان بأوّلٍ وبآخر
وقال غيره:
خليلي ما تحت السماء بنيّةٌ ... تناسب في إتقانها هرمي مصر
بناء يخاف الدهر منه ... وكل على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر
وقال آخر:
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه، ما يومه، ما المصرع ؟
تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حيناً ويدركها الفناء فتصرع
الفيوم: وهي مدينة عظيمة بناها يوسف الصديق عليه السلام، ولها نهر يشقها. ونهرها من عجائب الدنيا، وذلك أنه متصل بالنيل وينقطع منه في أيام الشتاء وهو يجري على العادة. ولهذه المدينة ثلثمائة وستون قرية عامرة آهلة، كلها مزارع وغلال. ويقال إن الماء في هذا الوقت أخذ أكثرها. وكان يوسف عليه السلام قد جعلها على عدد أيام السنة فإذا أجدبت الديار المصرية كانت كل قرية تقوم بأهل مصر يوماً، وبأرض الفيوم بساتين وأشجار وفواكه كثيرة رخيصة وأسماك زائدة الوصف، وبها من قصب السكر شيء كثير، ويقال إنه كان على الفيوم وإقليمها كلها سور واحد.
سخا: مدينة حسنة، ولها إقليم واسع، بجامعها حجر أسود عليه طلسم بقلم الطير، إذا أخرج ذلك الحجر من الجامع دخله العصافير، وإذا دخل إليه خرجت العصافير.
وأما أنصنا والأشمونان وأبو صير: فمدن أزلية وبها آثار عجيبة وأعلام هائلة. ويقال إن سحرة فرعون كانوا من مدينة أبي صير، وبها الآن بقية منهم.
وأما أسيوط وأخميم ودندرا: فمدن أزلية بها آثار عجيبة وأعلام هائلة.
وزماخر: وهي مدينة حسنة كثيرة الفواكه يقرب منها جبل الطليمون وهو يأتي من جهة المغرب فيعترض مجرى نهر النيل، والماء ينصب إليه بقوة حتى يمنع المراكب فلا يقدرون على الجواز عليه إلى أسوان. ذكروا أن كرهية الساحرة كانت ساكنة بأعلى هذا الجبل في قصر عظيم، وكانت تتكلم على المراكب المقلعة في البحر فتقف.

(1/17)


وأسوان: وهي آخر الصعيد الأعلى، وهي مدينة صغيرة عامرة كثيرة اللحوم والأسماك والغزلان. وليس يتصل بأسوان من جهة المشرق بلد للإسلام إلا جبل العلاقي، وهو جبل في واد جاف لا ماء به لكن يحفر عليه فيوجد الماء قريباً فيسمى معيناً، وبه معدن الذهب والفضة وعلى جنوبه من النيل جبل في أسفله معدن الزمرد في برية منقطعة عن العمارة ليس في الأرض كلها معدن للزمرد سواه. ويتصل بأسوان من جهة المغرب أرض الواحات، وبديار مصر معدن الملح والنطرون، وهما من عجائب الدنيا.
وأما رمال الضليم: فإنها آية من آيات الله عز وجل، فإنه يؤخذ العظم فيدفن في ذلك الرمل سبعة أيام فيعود حجراً صلداً. وكان على أسوان وأرضها سور محيط من جانبيها فتهدم ويقال له حائط العجوز الساحرة.
أرض القلزم: وهي بين مصر والشام وهو بحر في ذاته، وفيه جبال فوق الماء، وفيه قروش وحيوانات مضرة ظاهرة ومخفية. وكانت القلزم مدينتين عظيمتين فتهدمتا من تسلط العرب على أهلهما وشربهما من عين سدير وهي وسط الرمل، وماؤه زعاق، وبين القلزم وهو منتهى بحر فارس الآخذ من المحيط الشرقي من الصين وبين البحر الشامي مسافة أربع مراحل يسمى بحصين التيه، وهو تيه بني إسرائيل، وهي أرض واسعة ليس بها وهدة ولا رابية ولا قلعة، ومسافتها خمسة أيام في خمسة.
ومن مدنه المشهورة عقبة أيلة وهي قرية مشهورة على جبل عال صعب المرتقى، يكون ارتفاعه والانحدار منه يوماً كاملاً. وهي طريق لا يمكن أن يجوز فيها إلا واحد واحد، على جانبها أودية بعيدة المهوى.
والحوزى: وهي قرية صغيرة بها معدن البرام، ويحمل منها إلى سائر أقطار الأرض. وشربهم من آبار عذبة. وهي على ساحل بحر القلزم.
مدينة مدين: وهي خراب، وبها البئر التي استسقى منها موسى لغنم شعيب عليهما السلام، وهي الآن معطلة.
أرض البادية: هي ما بين أرض الشام والحجاز وتسمى أرض الحجر.
أرض الشام: وهو إقليم عظيم كثير الخيرات جسيم البركات ذو بساتين وجنات وغياض وروضات وفرج ومنتزهات وفواكه مختلفة رخيصة. وبها اللحوم كثيرة، إلا أنها كثيرة الأمطار والثلوج. وهو يشتمل على ثلاثين قلعة وليس فيها أمنع من قلعة الكرك. وإقليم الشام يشتمل على مثل كورة فلسطين وكورة عمدان بينيا، وكورة يافا، وكورة قيسارية، وكورة طرابلس، وكورة سبيطة، وكورة عسقلان، وكورة حطين، وكورة غزة، وكورة بيت جبريل، وفي جنوبه فحصى التيه وكورة الشويك، وكورة الأردن وكورة لبنان، وكورة بيروت وكورة صيدا، وكورة التبينة، وكورة السامرة، وكورة عانة، وكورة ناصرة وكورة صور.
وأرض دمشق: من كورها كورة الغوطة وكورة البقاع وكورة بعلبك، وكورة جولان، وكورة ظاهر، وكورة الحولة، وكورة طرابلس، وكورة البلقاء، وكورة جبريل الغور، وكورة كفر طاب، وكورة عمان، وكورة السراة.
ومن مدن الشام الشهيرة دمشق المحروسة وهي أجمل بلاد الشام مكاناً وأحسنها بنياناً وأعدلها هواء وأغزرها ماء. وهي دار مملكة الشام ولها الغوطة التي لم يكن على وجه الأرض مثلها، بها أنهار جارية مخترقة وعيون سارحة متدفقة وأشجار باسقة وثمار يانعة وفواكه مختلفة وقصور شاهقة. ولها ضياع كالمدن.
وبدمشق الجامع المعروف ببني أمية الذي لم يكن على وجه الأرض مثله، بناه الوليد بن عبد الملك وأنفق عليه أموالاً عظيمة، قيل: إن جملة ما أنفق عليه أربعمائة صندوق من ذهب، وكل صندوق أربعة عشر ألف دينار. واجتمع في ترخيمه اثنا عشر ألف مرخم. وقد بني بأنواع الفصوص المحكمة والمرمر المصقول والجزع المكحول. ويقال إن العمودين اللذين تحت قبة النسر اشتراهما الوليد بألف وخمسمائة دينار، وهما عمودان مجزعان بحمرة لم ير مثلهما. ويقال إن غالب رخام الجامع كان معجوناً، ولهذا إذا وضع على النار ذاب. وفي وسط المحيط الفاصل بين الحرم والصحن عمودان صغيران يقال إنهما كانا في عرش بلقيس. ومنارة الجامع الشرقية يقال: إن المسيح ينزل عليها، وعندها حجر يقال إنه قطعة من الحجر الذي ضربه موسى بعصاه فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً. قال بعض السلف الصالح: مكثت أربعين سنة ما فاتتني صلاة من الخمس بهذا الجامع وما دخلته قط إلا وقعت عيني على شيء لم أكن رأيته قبل ذلك من صناعة ونقش وحكمة.

(1/18)


ومن باب دمشق الغربي وادي البنفسج، طوله اثنا عشر ميلاً في عرض ثلاثة أميال، مفروش بأجناس الثمار البديعة المنظر والمخبر، ويشقه خمسة أنهار. ومياه الغوطة كلها تخرج من نهر الزبداني وعين الفيجة، وهي عين تخرج من أعلى جبل وتنصب إلى أسفل بصوت هائل ودوي عظيم، فإذا قرب إلى المدينة تفرق أنهاراً وهي بردى ويزيد وتورة وقناة المزة وقنوات الصوف وقنوات بانياس وعقربا. واستعمال هذا النهر للشرب قليل لأن عليه مصب أوساخ المدينة. وهذا النهر يشق المدينة وعليه قنطرة. وكل هذه الأنهار يخرج منها سواق تخترق المدينة فتجري في شوارعها وأسواقها وأزقتها وحماماتها ودورها وتخرج إلى بساتينها.
والشام خمس شامات هكذا قرر في كتاب العقد الفريد: فالشام الأولى: غزة والرملة وفلسطين وعسقلان وبيت المقدس، ومدينتها الكبرى فلسطين. والشام الثانية: الأردن وطبرية والغور واليرموك وبيسان، ومدينتها الكبرى طبرية. والشام الثالثة الغوطة: ودمشق، وسواحلها. ومدينتها الكبرى دمشق. والرابعة: حمص وحماة وكفر طاب وقنسرين وحلب. والخامسة: أنطاكية والعواصم والمصيصة وطرسوس.
فأما فلسطين فهي أول أجواز الشام من الغرب، وماؤها من الأمطار والسيول وأشجارها قليلة لكنها حسنة البقاع. وهي من رفح إلى اللجون طولاً ومن يافا إلى زعر عرضاً، وهي مدينة قوم لوط، والبحيرة التي بها يقال لها البحيرة المنتنة. ومنها إلى بيسان وطبرية يسمى الغور لأنها بقعة بين جبلين وسائر مياه الشام تنحدر إليها.
نابلس: هي مدينة السامرية؛ وبها البئر التي حفرها يعقوب عليه السلام، وجلس عليه السلام يطلب من المرأة ماء للشرب. وعلى ذلك المكان كنيسة معهودة.
عسقلان: هي مدينة حسنة، ولها سوران، وهي ذات بساتين وثمار وبها من الزيتون والكروم واللوز والرمان شيء كثير. وهي في غاية الخصب.
بيت المقدس: ويسمى إيلياء وهي حسنة ولها سوران عظيمان بين جبلين. وفي طرفها الغربي باب المحراب وعليه قبة داود عليه السلام. وفي طرفها الشرقي باب الرحمة، وكان يقفل فلا يفتح من عيد الزيتون إلى عيد الزيتون. ومن الباب الغربي يسار إلى الكنيسة العظمى المسماة بكنيسة القيامة وهي المعروفة بكنيسة قمامة، وتحج إليها الروم من سائر الأقطار. ويقابلها من المشرق كنيسة الحبس الذي فيه المسيح عيسى عليه السلام. وبها مقابر الفرنج وشرقيه المسجد المعظم المسمى بالأقصى، وليس في الدنيا كلها مسجد على قدره إلا جامع قرطبة من بلاد الأندلس. وطول المسجد الأقصى مائتا باع في عرض مائة وثمانين. وفي وسطه قبة عظيمة تسمى قبة الصخرة. ويقال إن سقف جامع قرطبة أكبر من سقف الأقصى وصحن الأقصى أكبر من صحن جامع قرطبة. وبالقرب من باب الأسباط كنيسة حسنة كبيرة وفيها قبر مريم أم عيسى عليهما السلام وتعرف بالجسمانية. وهناك جبل يقال له جبل الزيتون، وبهذا الجبل قبر العاذر الذي أحياه الله للمسيح عليه السلام. وعلى الميامن من جبل الزيتون قرية منها جلب حمار المسيح. وقريب من قبر عاذر مدينة أريحاء وعلى الأردن كنيسة عظيمة على اسم يوحنا المعمدان. والأردن نهر يخرج من بحيرة طبرية ويحط في بحيرة سدوم وعامودا مدائن لوط. وبجنوب بيت المقدس كنيسة صهيون وهي التي فيها قلاية يقال إن المسيح أكل فيها مع حوارييه من المائدة لما أنزلت عليه؛ ويقال إن المائدة باقية فيها. وهي كنيسة حصينة وفيها على طرف الخندق كنيسة بطروس، وبهذا الخندق عين سلوان وهي التي أبرأ فيها المسيح الضرير الأعمى، ويقرب منها الحقل وهو مقابر الغرباء، وبها بيوت كثيرة منقورة في الصخر، وفيها رجال مقيمون قد حبسوا أنفسهم لله تعالى فيها.
وأما بيت لحم: فهي كنيسة حسنة البناء متقنة الصنعة، وهو الموضع الذي ولد فيه عيسى عليه السلام، وبينه وبين بيت المقدس ستة أميال، وفي وسط الطريق قبر راحيل أم يوسف الصديق عليه السلام. ويقرب من ذلك مسجد الخليل عليه السلام، وهو قرية ممتدة بها قبر الخليل إبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم السلام. وكل صاحب قبر من قبورهم تجاهه امرأته، وهو في وهدة بين جبلين، ملتفة الأشجار كثيرة الثمار.

(1/19)


طبرية: هي مدينة جليلة على جبل مطل، وأسفلها بحيرة عذبة، وبها مراكب سابحة ولها سور حصين ويعمل بها من الحصر السامان كل حسن بديع وبها حمامات حامية من غير نار وبها حمام يعرف بحمام الدماقر كبير وأول ما يخرج ماؤه يسمط الحدأة والدجاج ويسلق البيض، وهو مالح، وبها اللؤلؤ، وهو أصغر حماماتها وليس فيها حمام يوقد فيه نار إلا الصغير. وفي جنوبها حمام كبير مثل عين يصب إليها مياه حارة من عيون كثيرة، وإنما يقصده أهل البلاد ويقيمون به ثلاثة أيام فيبرؤون.
وأما حمص: فهي مدينة حسنة في مستوى من الأرض حصينة، مقصودة من سائر النواحي، وأهلها في خصب ورغد عيش، وفي نسائها جمال فائق. وكانت في قديم الزمان من أكبر البلاد. ويقال إنها مطلسمة لا يدخلها حية ولا عقرب، ومتى وصلت إلى باب المدينة هلكت. ويحمل من تراب حمص إلى سائر البلاد فيوضع على لسعة العقرب فتبرأ. وبها القبة العالية التي في وسطها صنم من نحاس على صورة انسان راكب على فرس تدور مع الريح كيفما دارت. وفي حائط القبة حجر فيه صورة عقرب، يأتي إليه الملدوغ والملسوع ومعه طين فيطبعه على تلك الصورة ويضعه على اللدغة أو اللسعة فتبرأ لوقتها. وجميع شوارعها وأزقتها مفروشة بالحجر الصلد؛ وبها جامع كبير. وأهلها موصوفون بالرقاعة وخفة العقل.
وأما بعلبك: فهي مدينة حسنة حصينة على رأس جبل مسفح، والماء يشقها ويدخل كثيراً في دورها. وعلى نهرها أرحية كثيرة وبها أنواع الفاكهة ووجوه الخصب والرخاء، وفيها قلعة من ثلاثة أحجار، وهي أعجوبة الزمان.
وأما حلب: فهي المدينة الشهباء. كانت في قديم الزمان من أوسع البلاد قطراً. قيل أوحى الله عز وجل إلى خليله إبراهيم عليه السلام أن يهاجر بأهله إلى الشونة البيضاء فلم يعرفها، فسأل الله تعالى في ارشاده إليها، فجاءه جبريل عليه السلام حتى أنزله بالتل الأبيض الذي عليه الآن قلعة حلب المحروسة، حماها الله من الغير والآفات، فاستوطنها وطابت له مدة، ثم أُمر بالمهاجرة إلى الأرض المقدسة فخرج منها، فلما بعد عنها ميلاً صلى هناك. والآن يعرف المكان بمقام الخليل قبلي حلب؛ فلما أراد الرحيل التفت إلى مكان استيطانه كالحزين الباكي لفراقها؛ ثم رفع يديه وقال: اللهم طيب ثراها وهواءها وماءها وحببها لأبنائها. فاستجاب الله دعاءه فيها وصار كل من أقام في بقعة حلب ولو مدة يسيرة أحبها، وإذا فارقها يعز ذلك عليه، وربما إذا فارقها التفت إليها وبكى. وهذا نقله الصاحب كمال الدين بن العديم في تاريخه المسمى بتاريخ حلب.
ولهذه المدينة أعني حلب نهر يأتيها من الشمال يقال له قويق فيخترق أرضها؛ وبها قناة مباركة تخترق شوارعها ودورها وحماماتها وسبلانها، وماؤها عذب فرات. ولها قلعة حصينة راسخة يقال إن في أساسها ثمانية آلاف عمود، وهي ظاهرة الرؤوس بسفحها. ولها قرية تسمى براق يقال إن بها معبداً يقصده أرباب الأمراض وينامون به؛ فإما أن يبصر المريض في نومه من يمسح بيده عليه فيبرأ، وإما أن يقال له استعمل كذا وكذا، فإذا أصبح واستعمله فإنه يبرأ.
وأما حماة: فهي مدينة قديمة على عهد سليمان بن داود عليهما السلام، واسمها باليونانية حاموثا؛ ولما فتحها أبو عبيدة رضي الله عنه جعل كنيستها جامعاً وهو جامع السوق الأعلى، وجدد في خلافة المهدي، وكان فيه لوح من الرخام مكتوب فيه أنه جدد من خارج حمص، وكانت حماة وشيزر من أعمال حلب، وكانت حمص في القديم كرسي هذه البلاد.
وأما بلاد الأرمن: فإقليمها عظيم واسع ممتنع القلاع والحصون، كثير الخصب والخير والفواكه الحسنة اللون والطعم، يقال إن بإقليمها ثلثمائة وستين قلعة، منها ست وعشرون قلعة لا تكاد أن ترام لشدة امتناعها، لا يصل أحد إلى واحدة منها لا بقوة ولا بحيلة البتة. ومن مدنها المشهورة أرمينية وهي أرمينيتان: الداخلة والخارجة، وهي مدينة عظيمة بها بحيرة تعرف ببحيرة كندوان، بها تراب تتخذ منه البوادق التي يسبك فيها.
وخلاط: وهي مدينة حسنة. وكانت في القديم قاعدة بلاد الأرمن فلما تغلبت الأرمن على الثغور انتقلوا إلى سيس. وبها يعمل من التكك البديعة الحسنة الغالية الثمن كل غريب. وبقرب خلاط حفائر يستخرج منها الزرنيخ الأحمر والأصفر.

(1/20)


مليطية: مدينة عظيمة كثيرة الخير والأرزاق، ليس في بلاد تلك المملكة أحسن منها. وأهلها ذوو ثروة ورفاهية عيش. ذكر أنه كان بها اثنا عشر ألف نول تعمل الصوف، ولكن قد تلاشى أمرها.
ميافارقين: مدينة عظيمة، وهي من حدود الجزيرة وحدود أرمينية.
نصيبين: مدينة حسنة في مستوى من الأرض، وماؤها يشق دورها وقصورها. وإليها ينسب الورد النصيبي، وبها عقارب قتالة. وبأرض الأرمن النهران الكبيران المشهوران، وهما نهر الرأس ونهر الكرج المعروف بالكر، ومسيرهما من المغرب إلى المشرق، وعليهما مدن كثيرة وقرى متصلة من الجانبين. وبأرض الأرمن بركة فيها سمك كثير وطير عظيم، وماؤها غزير عميق، ويقيم بها الماء سبع سنين متوالية، وينشف منها سبع سنين أيضاً ثم يعود الماء. وهذا دأبه أبداً، وبها جبل يسمى غرغور، وفيه كهف وفي الكهف بئر بعيدة القعر إذا رمي فيها حجر يسمع لها دوي كدوي الرعد ثم يسكن ولا يعلم ما هو. وفي هذا الجبل معدن الحديد المسموم، متى جرح به حيوان مات في الحال.
أرض الجزيرة: وهي جزيرة ابن عمرو، وتشتمل على ديار ربيعة ومضر، وتسمى ديار بكر، وهي ما بين دجلة والفرات وكلها تسمى بالجزيرة، وبها مدن وقرى عامرة. وأكثر أهلها نصارى وخوارج. ومن مدنها المشهورة الموصل وهي قاعدة بلاد الجزيرة، وهي مدينة كبيرة صحية الهواء طيبة الثرى، ولها نهر حسن عميق في عمق ستين ذراعاً. وبساتينها قليلة إلا أن لها ضياعاً ومزارع ورساتيق ممتدة، وكورها كثيرة وهي المدينة التي بعث إليها يونس عليه السلام وهي غربي دجلة.
الرها: مدينة عظيمة قديمة واسعة الأقطار، وكانت عامرة الدير، وتتصل بأرض حران. والغالب على أهلها دين النصرانية، وبها من الكنائس ما يزيد على مائتي كنيسة ودير، ولم يكن للنصارى أعظم منها. وكان بكنيستها العظمى منديل المسيح الذي مسح به وجهه فأثرت فيه صورته فأرسل ملك الروم إلى الخليفة رسولاً وطلبه منه وبذل فيه أسارى كثيرة فأخذه وأطلق الأسارى.
مدينة الخضر: وهي الآن خراب. وكانت مدينة عظيمة في قديم الزمان وكان اسم صاحبها الساطرون، فحاصرها سابور بن أردشير بن بابك أربع سنين فلم يقدر عليها، وكانت مركبة على قناطر يدخل الماء من تحتها، وكان لساطرون ابنة جميلة في غاية الجمال بحيث إذا نظرها أحد حصل في عقله خبل وخلل، وكان اسمها نضيرة. وكانت عادة الروم إذا حاضت المرأة عندهم أنزلوها إلى ربض المدينة، فحاضت ابنة الساطرون فأنزلوها إلى الربض وسابور المذكور محاصر المدينة وهو راكب في جيشه دائر من خارج المدينة فرأت نضيرة بنة الساطرون سابور وهو في غاية الحسن فأحبته لأول نظرة، فأرسلت إليه تقول: إن أنا أخذت لك المدينة وأرحتك من العناء أتتزوج بي ؟ فقال سابور: نعم، قالت: فخذ حمامة زرقاء فاخضب رجليها بحيض جارية زرقاء بكر وأطلقها، فإنها تطير وتحط على السور فيسقط في الحال وتأخذ المدينة. ففعل سابور ذلك الأمر كما قالت نضيرة. فدخل المدينة وأخذها وهدم ما بقي من سورها وقتل الساطرون وسبى وغنم وتزوج نضيرة، فنامت عنده ليلة وهي تميل طول الليل إلى الصباح، فنظر سابور فإذا في الفراش ورقة آس فقال لها: كل هذا التميل من هذه الورقة ؟ قالت نعم. قال: فما كان أبوك يطعمك ؟ قالت كان يطعمني مخ العظم وشهد أبكار النحل والزبد ويسقيني الخمر المصفى أربعين مرة فقال: أهذا كان جزاؤه منك، ثم أمر بها فربطت بين فرسين جموحين، فضرباها حتى تمزقت أعضاؤها.
وأما جزيرة العرب: فهي ما بين نجران والعذيب.

(1/21)


أرض عراق العرب: وهي أرض طيبة ممتدة ذات أقاليم وقرى، وطولها من تكريت إلى عبادان، وعرضها من القادسية إلى حلوان. ومن مدنها المشهورة بغداد وهي مدينة عظيمة قاعدة أرض العراق، بناها المنصور في الجانب الغربي على الدجلة، وأنفق عليها أموالاً عظيمة، يقال إنه أنفق عليها أربعة آلاف دينار، ونقل أبواب واسط وركبها عليها وجعلها مدورة حتى لا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض، وبنى بها قصراً عظيماً بوسطها يقال إن دوره اثنا عشر ألف قصبة، والجامع في القصر، وقصر المهدي يقابل قصر المنصور في الضفة الأخرى وهما مدينتان يسقيهما نهر الدجلة وبينهما جسر من السفن، وبساتينها في الجانب الآخر الشرقي تسقى بماء النهروان وماء سامر، وهما نهران عظيمان. وأما نهر عيسى فتجري فيه السفن من بغداد إلى الفرات. وأما نهر السراة فلا تركبه سفينة أصلاً لكثرة الأرحية التي عليه.
وكانت بغداد في أيام البرامكة مدينة عظيمة يقال إن حماماتها حصرت في وقت من الأوقات فكانت ستين ألفاً. وكان بها من العلماء والوزراء والفضلاء والرؤساء والسادات ما لا يوصف. قال الطبري في تاريخه: أقل صفة بغداد أنه كان فيها ستون ألف حمام، كل حمام يحتاج على الأقل إلى ستة نفر، سواق ووقاد وزبال وقائم ومدولب وحارس، كل واحد من هؤلاء في مثل ليلة العيد يحتاج إلى رطل صابون لنفسه ولأهله وأولاده، فهذه ثلثمائة ألف رطل وستون ألف رطل صابوناً برسم فعلة الحمامات لا غير، فما ظنك بسائر الناس وما يحتاجون إليه من الأصناف في كل يوم ؟ المدائن: وهي مدينة قديمة جاهلية وبها آبار هائلة وبها إيوان كسرى المضروب به المثل في العظم والشماخة والارتفاع والإتقان، واقليمها يعرف بأرض بابل. وكان المنصور لما قصد أن يبني بغداد استشار خالد بن برمك في نقض الإيوان ونقله من المدائن إلى بغداد، فقال له خالد: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فقال له المنصور ملت إلى بقاء آثار أخوالك الفرس، لا بد من هدمه. وأمر المنصور بنقض القصر الأبيض، وهو شيء يسير من جانب الإيوان. فنقضت ناحية من القصر الأبيض فكان ما غرموا على نقضه أكثر من قيمة المنقوض فأزعج ذلك المنصور فقال لخالد: قد عزمت على ترك النقض، فقال له خالد: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فغضب المنصور وقال: أما والله إن أحد رأييك غش. فقال خالد بلى والله كلاهما نصح، فقال: صحح ما قلت، فقال: أما قولي في الأول: لا تنقض، حتى إن كل جيل يأتي في الدهر ويرى الإيوان ويستعظم أمره وأمر بانيه ثم يقول إن أمةً وملوكاً أزالت ملك الفرس وأخذت بلادها وأبادتها لأُمة عظيمة ولملوك عظيمة، فذلك من تعظيم الملة الإسلامية، وأما قولي الآخر: لا تفعل، يعني لا تترك النقض حتى إن من يأتي من الأجيال والخلق ويرى بعض النقض، والنقض أسهل من البنيان، فيقول إن أمة بنت هذا البنيان فأعجز نقضه من أتى بعدهم لأمة عظيمة فذلك تعظيم للفرس واستهانة بالملة الإسلامية. فلم يلتفت إلى مقاله وترك النقض.
والنيل: وهي مدينة حسنة وهي على الفرات العظمى، بين بغداد والكوفة وأصل تسميتها بالنيل أن الحجاج بن يوسف حفر نهراً من الفرات وسماه النيل باسم نيل مصر، وأجراه إليها وعليه مدن عظيمة وقرى ومزارع.
ونينوى: وهي مدينة أزلية قبالة الموصل وبينهما دجلة. ويقال إنها المدينة التي بعث إليها يونس بن متي عليه السلام.
الكوفة: مدينة علوية بناها علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهي كبيرة حسنة على شاطئ الفرات، لها بناء حصين وحصن حصين، ولها نخل كثيرة وثمره طيب جداً. وهي كهيئة بناء البصرة وعلى ستة أميال منها. وفيها قبة عظيمة يقال إن بها قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وما استدار بتلك القبة مدفن آل علي، والقبة بناء أبي العباس عبد الله بن حمدان في دولة بني العباس.

(1/22)


البصرة: وهي مدينة عمرية بناها المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهي مدينة حسنة رحبة. حكى أحمد بن يعقوب أنه كان بالبصرة سبعة آلاف مسجد. وحكى بعض التجار أنه اشترى التمر فيها خمسمائة رطل بدينار، وهو عشرة دراهم. وغربي البصرة البادية وشرقيها مياه الأنهار وهي تزيد على عشرة آلاف نهر تجري فيها السامريات، ولكل منها اسم ينسب إلى صاحبه الذي حفره، وإلى الناحية التي يصل إليها، وبها نهر يعرف بنهر الأيكة وهو أحد نزهات الدنيا، طوله اثنا عشر ميلاً وهو مسافة ما بين البصرة والأيكة، وعلى جانب النهر قصور وبساتين وفرج ونزه كأنها كلها بستان واحد وكأن نخلها كلها قد غرس في يوم واحد، وجميع أنهارها يدخل عليها المد والجزر، والغالب على هذه الأنهار الملوحة. وبين عمارات البصرة وقراها آجام وبطائح ماء معمورة بزوارق وسامريات.
واسط: وهي بين البصرة والكوفة، وهي مدينتان على جانبي دجلة، وبينهما قنطرة كبيرة مصنوعة على جسر من سفن يعبر عليها من جانب إلى جانب، فالغربية تسمى كسكران، والشرقية تسمى واسط العراق، وهما في الحسن والعمارة سواء، وهما أعمر بلاد العراق وعليهما معول ولاة بغداد.
وعبادان: وهي مدينة عامرة على شاطئ البحر في الضفة الغربية من الدجلة، وإليها مصب ماء الدجلة ويقال في المثل: ما بعد عبادان قرية. ومن عبادان إلى الخشبات وهي خشبات منصوبات في قعر البحر بإحكام وهندسة وعليها ألواح مهندسة يجلس عليها حراس البحر ومعهم زوارق، وهو البحر الفارسي شاطئه الأيمن للعراق والأيسر لفارس.
أرض الفرس: وهي بلاد فارس، ومسكنهم وسط المعمورة. وهي مدن عظيمة وبلاد قديمة وأقاليم كثيرة وهي ما دون جيحون ويقال لها إيذان، وأما ما وراء جيحون فهور أرض الترك ويقال لها قزوين. وأرض فارس كلها متصلة العمائر وهي خمس كور: الكورة الأولى: أرجان، وهي أصغرهن وتسمى كورة سابور، والكورة الثانية اصطخر وما يليها، وهي كورة عظيمة وبها أعظم بلاد الفرس. والكورة الثالثة: كورة سابور الثاني. الكورة الرابعة: الشاذروان وقاعدتها شيراز. الكورة الخامسة: كورة سوس.
أرض كرمان: هي بين أرض فارس وأرض مكران، وهو إقليم واسع ومن مدنها المشهورة يم، وهرمز.
أرض الجبال: أرض واسعة وإقليم عظيم، ويسمى إقليم خراسان وعراق العجم وله نحو خمسمائة مدينة قواعد، خارجة عن القرى والرساتيق، ومن مدنها همذان والسوس وششتر، وزرنج ونيسابور وسرخس وغزنة ومرو، والطالقان، وبلخ وفاراب وبدخشان وقم وقاشان وأصبهان، وجرجان والبيلقان وراعة، وأردبيل وطوس.
أرض طبرستان: وهي مشتملة على إقليم عظيم ومياه غزيرة وأشجار ملتفة، ومدينتها العظمى تسمى أيضاً طبرستان.
أرض الري: هي آخر الجبال من خراسان، وهو إقليم عظيم كثير القرى والأعمال والرساتيق.
جبال الديلم: وهي ثلاثة جبال منيعة يتحصن أهلوها بها. أحدها يسمى تردوسيان والثاني يسمى المرونج، والثالث يسمى واران. ولكل جبل منها رئيس. والجبل الذي فيه الملك يسمى الكروم وبه رياسة الديلم ومقام آل حسان، وبهذا الجبل والأولين أمم عظيمة من الديلم، وهي كثيرة الغياض والشجر والمطر وهي في غاية الخصب، ولها قرى وشعاب كثيرة وليس عندهم من الدواب ما ينقلون بها.
أرض خوارزم: إقليم عظيم منقطع عن أرض خراسان وبعيد عما وراء النهر، ويحيط به مفاوز من كل جانب، وأول أعماله الظاهرية: خوارزم، وهي قاعدة هذه الأرض، وهي مدينة عظيمة، وفي الوضع مدينتان شرقية وغربية، فالأولى على ضفة نهرها الشرقية تسمى درغاشا، والثانية على ضفته الغربية وتسمى الجرجانية.
بخارى: مدينة عظيمة ومملكة قديمة ذات قصور عالية وجنان متوالية وقرى متصلة العمائر، ودورها سبعة وثلاثون ميلاً في مثلها ويحيط بها جميعاً سور واحد وداخل هذا السور المحيط سور آخر يدور على نفس المدينة ومدائنها من الرساتيق، ولها قلعة حصينة ونهر يشق ربضها وعلى النهر أرحية كثيرة، وأهلها متمولون وذوو ثروة.
سمرقند: وهي مدينة تشبه بخارى في العمارة والحسن، لها قصور عالية شاهقة ونهور دافقة تخترق أزقتها ودورها وتشق جهاتها وقصورها، وقل أن تخلو من بقاعها المياه الجارية ويقال إنها بناء تبع الكبر وأتمها ذو القرنين.

(1/23)


وبحيرة خوارزم دورها ثلاثمائة ميل وماؤها ملح أجاج وليس لها مصب ولا مغيض، ويقع فيها جيحون على الدوام وسيحون وقتاً دون وقت، ويقع فيها أيضاً نهر الشاش ونهر الترك ونهر سرمازعا، وأنهار كثيرة صغيرة غيرها ولا يعذب ماؤها ولا يساغ ولا يزيد بما يقع فيها ولا ينقص. ويجمد نهر جيحون في الشتاء بالقرب من هذه البحيرة حتى تجوز عليه الدواب وعلى شطها جبل يعرف بحفرا نموية، يجمد فيه الماء فيصير ملحاً لأهل تلك المملكة، وفي هذه البحيرة شخص يظهر في بعض الأوقات عياناً على صورة إنسان يطفو على وجه الماء ويتكلم ثلاث كلمات أو أربع كلمات مقفلات غير مفهومات ثم يغوص في الماء في الحال وظهوره يدل على موت ملك من الملوك الأعزاز.
أرض خورستان: وهي من بلاد الجبال، وهي أرض سهلة معتدلة الهواء كثيرة المياه واسعة الخير والخصب، وبها مدن كثيرة وقرى عامرة. ومن مدنها المشهورة الأهواز وهو القطر الكبير الواسع، المعمور النواحي، وهي قاعدة هذه المملكة وبها أرزاق وخيرات زائدة الوصف، وبها تعمل الثياب الأهوازية التي لا نظير لها في الدنيا وكذلك البسط والحلل والستور وملابس ومراكيب الملوك، وبها يصنع كل نوع غريب.
أرض طخارستان: وهي أرض الهياطلة؛ وإقليمه واسع؛ وهو بين أرض الجبال وبلاد الأتراك، وبها مدن كثيرة وقرى عامرة وخصب.
أرض الصغد: وهي أرض واسعة ذات بساتين وأشجار وفواكه ومياه ومدن عامرة ولها نهر يسمى الصغد يخرج من جبال التيم ويمتد على ظهرها، ومدينتها العظمى تسمى الصغد وهي ذات قصور عالية وأبنية شاهقة والمياه تخترق أزقتها وشوارعها، وقل أن يكون بها قصر أو دار أو بستان بغير ماء.
أرض أشروسنة: وهي أرض قبل أرض فرغانة؛ وهي إقليم عظيم كالعراق، وبه مدن وقرى وخيرات وافرة وخصب إلى الغاية.
أرض التيم: وهي غربي بلاد فرغانة وهي أرض واسعة وبها جبال شاهقة بها معادن الذهب والفضة والنوشادر والزاج، وبها جبال شاهقة وطرق ممنعة، وفي الجبال خسوف تخرج منه النار في الليل فترى على مسافة خمسة أميال وفي النهار يخرج منه الدخان. وفي جبال التيم حصن شبيك الذي لم يطمع في الوصول إليه من يرومه من الأعداء؛ وهو كثير الخيرات وبه تعمل آلات الحديد والفولاذ وأنواع الأسلحة لتلك المملكة وغيرها.
أرض فرغانة: وهي مجاورة أرض التبت، وهي أرض واسعة ذات كور وأقاليم ومدن وقرى وضياع. ومن مدنها المشهورة فرغانة وهي إقليم واسع وهي قاعدة ذلك الملك وبها أمم عظيمة وأسواق وخيرات.
أرض التبت: إقليم واسع ومدينته تسمى به، وهو آخر مدن خراسان وهو مجاور بلاد الصين وبعض بلاد الهند، وهو بلاد الأتراك التبتية وهو إقليم على نشز من الأرض عال؛ وفي أسفله واد يمر على بحيرة نزوان مشرقاً. ويعمل بها ثياب ثخان الأجرام لها قيمة غالية. وأهلها يتجرون في الفضة والحديد والحجارة الملونة والمسك التبتي وجلود النمور، وليس على معمور الأرض أحسن ألواناً ولا أنعم أبداناً ولا أجمل أخلاقاً ولا أرق بشرة ولا أذكى رائحة من الترك الذين بتلك البلاد وهم يسرق بعضهم بعضاً ويبيعونه في البلاد.
ومن مدنه المشهورة يتنج وهي مدينة على رأس جبل، وعليها سور حصين ولها باب واحد لا غير، وبها صناعات كثيرة وأعمال بديعة. وبالجبل المتصل بالتبت ينبت السنبل، وفي غياضه دواب المسك ترعى منه وهي كغزلان الفلاة غير أن لها نابين معتقفين كأنياب الفيلة يخرج المسك من سرتها كالدمل فتحك سرتها في الحجر فينفجر وتجمد فتخرج التجار فتجمعه ويضعونه في النوافج. وبها فأرة المسك وهي فأرة يخرج المسك من سرتها أيضاً. وهذا المسك هو الغاية في قوة الرائحة وغاية الثمن. وبهذا الجبل من الراوند الصيني شيء كثير ويقرب منه جبل معطوف عليه كالدال وبه بئر بعيد القعر يسمع من أسفله خرير الماء ودوي جريانه ولا يدرك له قعر. ويتصل طرفا هذا الجبل بجبال الهند، وفي وسطه أرض وطيئة وفيها قصر عظيم مائل مربع البناء ولا باب له، وكل من قصد ومشى نحوه يجد في نفسه طرباً وسروراً كما يجد شارب الخمر من نشوة الخمر. ويقال إن من تعلق بهذا القصر وصعد إلى أعلاه ضحك ضحكاً شديداً ثم رمى بنفسه إلى داخله لا يدرى لأي شيء، ولا يمكن أحد أن يعلم ما سبب ذلك وما الذي في داخله ؟

(1/24)


أرض اللان: وهي أرض واسعة عامرة. ومن مدنه المشهورة برذعة وهي مدينة عظيمة كثيرة الخصب، ويقرب منها موضع يقال له الاندروان مسيرة يوم في يوم، وهو من نزه الدنيا، كله عمارات وقصور وبساتين ومناظر وفواكه وثمار، وبه البندق والشاهبلوط الذي ليس له في الدنيا نظير في الطعم والكثرة حتى لو حمل ذلك إلى البلاد شرقها وغربها لكفاهم، وبها الريعان وهو نوع من العنبر الذي لا يوجد مثله في الدنيا. وهي على نهر الكر. وبها باب يعرف بباب الأكراد له سوق يعرف بسوق الكركي مقداره ثلاثة أميال.
أرض التغزغز: وهي بين أرض التبت والصين كما تقدم. ومن مدنها المشهورة أخوان وهي مدينة عظيمة آخذة من جهة المشرق على ضفة نهر وحولها مياه جارية ومزارع كثيرة، وهي مرابع الأتراك، وبها يعمل من الآلات الحديد الصيني كل غريب، وبها من الآنية الصينية ما لا يوجد في غيرها.
وأما أرض الصين: فإنها طويلة عريضة، طولها من المشرق إلى المغرب نحو ثلاثة أشهر، وعرضها من بحر الصين إلى بحر الهند في الجنوب، وإلى سد يأجوج ومأجوج في الشمال. وقد قيل إن عرضها أكثر من طولها. وهي تشتمل على الأقاليم السبعة. ويقال إن بها ثلثمائة مدينة قواعد كبار عامرة، سوى الرساتيق والقرى والجزائر. وعندهم معدن الذهب. قال الهروي: أبواب الصين اثنا عشر باباً وهي جبال في البحر، بين كل جبلين منها فرجة تصير إلى موضع بعيد من بلاد الصين فإذا جاوزت السفينة تلك الأبواب جازت في بحر فسيح وماء عذب فلا تزال كذلك حتى تصير إلى الموضع الذي تريد من بلاد الصين.
وأهل الصين أحسن الناس سياسة وأكثرهم عدلاً وأحذق الناس في الصناعات والنقوش والتصوير. وإن الواحد منهم ليعمل بيده من النقش والتصوير ما يعجر عنه أهل الأرض وكان من عادات ملوكهم أن الملك منهم إذا سمع بنقاش أو مصور في أقطار بلاده أرسل إليه بقاصد ومال ورغبه في الإشخاص إليه، فإذا حضر عنده وعده بالمال والرزق والصلات، وأمره أن يصنع تمثالاً مما يعلمه من النقش والتصوير، ويبذل في ذلك غاية جهده ومقدرته ويحضر به إليه، فإذا فعل وأحضره علق ذلك الصنع والتمثال بباب قصر الملك وتركه سنة كاملة، والناس يهرعون إليه في تلك المدة، فإذا مضت السنة ولم يظهر أحد من الناس على عيب به وخلل في صنعه، أحضر ذلك الصانع وخلع عليه وجعله من خواص الصناع في دار الصناعة، وأجرى عليه ما وعده به من المال والصلة والإدرار.
فبلغه عن نقاش ماهر في النقش والتصوير في بلاد الروم فأرسل إليه وأشخصه وأمره بعمل شيء مما يقدر عليه من النقش والتصوير مثالاً يعلقه بباب القصر على العادة فنقش له في رقعة صورة سنبلة حنطة خضراء قائمة وعليها عصفور، وأتقن نقشه وهيئته حتى إذا نظره أحد لا يشك في أنه عصفور على سنبلة خضراء ولا ينكر شيئاً من ذلك غير النطق والحركة. فأعجب الملك ذلك وأمر بتعليقة وبإدرار الرزق عليه إلى انقضاء مدة التعليق فمضت سنة إلا بعض أيام ولم يقدر أحد على إظهار عيب ولا خلل فيه، فحضر شيخ مسن ونظر إلى المثال وقال: هذا مختل وفيه عيب. فأحضر الملك وأحضر النقاش والمثال، وقال: ما الذي فيه من الخلل والعيب ؟ فاخرج عما وقعت فيه بوجه ظاهر ودليل وإلا حل بك الندم وما لا خير فيه. فقال الشيخ: أسعد الله الملك وألهمه السداد، مثال أي شيء هذا الموضع ؟ فقال الملك: مثال سنبلة من حنطة قائمة على ساقها وفوقها عصفور. فقال الشيخ: أصلح الله الملك: أما العصفور فليس به خلل، وإنما الخلل في وضع السنبلة. فقال الملك: وما الخلل ؟ وقد امتزج غضباً على الشيخ. فقال: الخلل في استقامة السنبلة لأن من العرف أن العصفور إذا حط على سنبلة أمالها لثقل العصفور وضعف ساق السنبلة، ولو كانت السنبلة معوجة مائلة لكان ذلك نهاية في الوضع والحكمة. فوافق الملك على ذلك وسلم.

(1/25)


وأهل الصين قصار القدود عظام الرؤوس، ومذاهبهم مختلفة؛ فمنهم أهل أوثان، وأهل نيران، وعباد حيات وغير ذلك. وأشرف ما يتحلون به قرون الكركند، لأنها إذا بشرت ظهرت منها صور مدهشة عجيبة كاملة النقش والتخطيط، فيتخذون منها مناطق ويفتخرون بها فتبلغ قيمة المنطقة الواحدة أربعة آلاف دينار. وفي تلك القرون المنشورة خاصية عظيمة إذا شدت على الجسم تحت الثياب فإنها إذا دخل على الملك سم قدم إليه طعام فيه سم تحركت على جسمه واختلجت. وأما صين الصين فهي نهاية العمارة في المشرق، وليس وراءها إلا البحر المحيط. ومدينة الصين العظمى تسمى السبلى، وأخبارهم منقطعة عنا لبعدهم. ويحكى أن الملك عندهم إذا لم يكن له مائة زوجة بمهور، وألف فيل برجالها وأسلحتها، لا يسمى بملك. وإذا كان للملك منهم عدة أولاد ثم مات لا يرث ملكه منهم إلا أحذقهم بالنقش والتصوير.
ومن مدن الصين المشهورة خانقو وهي أعظم مدن الصين وهي على نهر عظيم أعظم من دجلة والفرات، وبها أمم لا تحصى كثرة، ولها ملك ذو هيبة على مربطه ما يزيد على ألف فيل، وجنوده كثيرة وهي على خور من البحر الأعظم تدخل فيه المراكب إلى مسيرة شهرين، وبها الأرز والموز الغزير وقصب السكر والنارجيل.
وخانكو: وهي مدينة عظيمة تشبه خانقو في السعة والعمارة وكثرة الخلق. وهي كثيرة الفواكه الفاخرة وهي على خور من البحر. وبهذه البلاد الحيوانات الغريبة الشكل مثل الفيل والكركند والزرافة وغير ذلك من الصندل والأبنوس والكافور والخيزران والعطر وجميع الأفاويه ما لا يوصف، والليل والنهار في هذه البلاد متكافئان.
وباجة: مدينة عظيمة وبها أمم عظيمة، وبها جميع الفواكه إلا العنب والتين فإنهما لا يوجدان بها ولا ببلاد الصين والتبت والهند، وإنما عندهم شجر يسمى الشكى والبركى، يطرح ثمراً طول الثمرة أربعة أشبار مدور كالمخروط وله قشر أحمر، وهو لذيذ الطعم وفي جوف تلك الثمرة حب مثل حب الشاهبلوط يشوى في النار ويؤكل فيوجد فيه طعم التفاح وطعم الكمثرى وطعم الموز، وفي بلاد الهند شجر يسمى العنباء كشجر الموز وثمرته كالمقل يعمل بالخل فيكون كطعم الزيتون. وهذه المدينة هي سكنى البغبوغ وهو ملك الصين ومعناه ملك الملوك وله في دسته وموكبه زي عظيم.
وجمدان: وهي مدينة عظيمة يشقها نهرها الأعظم المسمى جمدان وأهلها ذوو أموال غزيرة، وهي قاعدة من قواعد الصين.
كاشغر: وهي مدينة عظيمة على ضفة نهر صغير يأتي من شمالها، يقع من جبل، وبهذا الجبل معادن الفضة الطيبة الفائقة السهلة التخلص.
وخيعون: وهي مدينة حسنة ذات بساتين وفرج، وبها غزال المسك الفائق، ودابة الزباد الفاخر، وهي دابة كالهرة في الخلق وأنفس منها في الجسم، يحك الزباد من آباطها بمعلقة فضة وهو عرق يخرج من آباطها.
اسفيريا: مدينة عظيمة على بركة ماء عذب لا يعرف لها قعر، وبه سمك له وجوه مثل البوم على رؤوسها كقلانس الديوك.
وطوخا: مدينة يعمل فيها ثياب الحرير الطوخية التي لا نظير لها.
وسوسة: وهي المدينة التي بها الفخار الصيني الفاخر الذي لا يعدله شيء من فخار الصين.
وقد ذكرنا من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق من المحيط إلى المحيط. ونرجع الآن إلى ذكر بلاد الجنوب وهي الواقعة بين المشرق والمغرب إن شاء الله تعالى، وهذه البلاد كلها بلاد السودان، وأولها من المغرب الأقصى إلى المشرق الأقصى، على حكم ربع الدائرة. فأول بلادهم من المغرب الأقصى: أرض مغرارة: ومن مدنها المشهورة المعظمة أولينى وهي في البحر، وبها الملاحة المشهورة التي يحمل منها إلى سائر السودان.
وصلي: وهي مدينة كبيرة على نهر النيل، وهي مجتمع السودان، وأهلها ذوو بأس ونجدة، وملكها مؤمن.
وتكرور: وهي في جنوب النيل وغربيه. وهي مدينة كبيرة وبها أمم عظيمة من السودان وهي مقر ملكهم وببلادهم معدن الذهب، ويسافر إليها أهل الغرب بالصوف والنحاس والخرز والودع، ولا يجلب منها إلا الذهب العين.
ولملم: وهي مدينة متوسطة. وعندهم معدن الذهب.
وباقي أرض مغرارة صحارى وبراري ومفاوز لا عمارة بها ولا مسالك، لقلة الماء والمراعي. وشمالها أرض غانة، وجنوبها الأرض من الربع الخراب.

(1/26)


وأرض نقارة: وهي شرقي أرض مغرارة، ويه أرض واسعة. ومن مدنها المشهورة ونقرة وهي بلاد التبر والطيب، وهي جزيرة على ضفة المحيط، وطولها ثلاثمائة ميل وعرضها مائة وخمسون ميلاً. والبحر محيط بها من جهاتها الثلاث. والنيل في زيادته يغطي أكثر هذه الجزيرة، وإذا نقص الماء عنها خرج أهل تلك البلاد يبحثون في أرضها على التبر، فيحل لكل واحد منهم ما قسمه الله، ويخرجون وهم أغنياء. ولملكهم أرض محمية مختصة لا يدخلها إلا أجناده فيجمعون له كنوزاً لا توصف، فيأتون به إلى مدينة سلجماسة في الغرب بها تبر فيضربونه دنانير ولذلك أهل سلجماسة جميعهم أغنياء بتلك الواسطة.
وسمقارة: وهي مدينة متوسطة، وفي شمالها قوم يقال لهم تعامة برابر، رحالة لا يقيمون في موضع، ويرعون جمالهم وأبقارهم على ساحل نهر يأتي من جهة المشرق يصب فيه النيل، ومعاشهم من اللحم واللبن والسمك.
وغينارة: وهي مدينة على ضفة النيل، وعليها خندق محيط بها، وأهلها ذوو بأس ونجدة، وهم يغيرون على بلاد لملم ويأسرون منهم ويبيعون في البلاد.
أرض الكرك: وهي مملكة عظيمة واسعة ولها ممالك كثيرة، ومدينتهم تسمى باسم إقليمهم كركرة وهي على نهر يخرج من ناحية الشمال، ويجوز عنها بأيام ويفيض في رمال في الصحراء كما يفيض الفرات، وبها من السودان أمم لا تحصى، وملكهم عظيم كثير الجنود، ولهم زي حسن، وحليهم الذهب الإبريز إلا العوام فإن لباسهم الجلود.
وهي متصلة ببلاد معادن الذهب، يقال إن الأرض عندهم كلها ذهب، ولهم خط لا يتجاوزه من وصل إليهم من التجار ومعه متاع، لكن إذا وصلوا إلى الخط وضعوا متاعهم عليه وانصرفوا، فإذا كان الغد أتوا إلى أمتعتهم فيجدون عند كل متاع شيئاً من الذهب، فإن رضي أحدهم أخذ الذهب وترك المتاع وإن لم يرض ترك المتاع والذهب إلى غد، فإن كان الغد وجد زيادة عند متاعه فإن رضي رفع الذهب وترك المتاع وإن لم يرض تركه إلى ثالث يوم، فمن وجد زيادة أخذ الذهب وإلا رفع متاعه وترك الذهب أو أخذ الذهب مع زيادة. وهكذا يفعل تجار القرنفل في بلادهم في القرنفل، وربما يتأخر بعض التجار بعد فراغه من البيع والمعاوضة ويضع النار في الأرض فيسيل منها الذهب فيسرقه ويهرب فإذا فطنوا لهم خرجوا في طلبهم فإن أدركوهم قتلوهم البتة.
وبأرض الكركر عود ينبت يسمى عود الحية، خاصيته أنه إذا وضع على حجر فيه حية خرجت مسرعة ويمسكها بيده فلا تضره أبداً.
أرض الدهام: يسار إليها من كركر على شاطئ البحر مغرباً، وهي مملكة عظيمة ولها ممالك كثيرة وجنود ذوو شدة ونجدة وتحت يد ملكهم ملوك وفي مملكته قلعة عليها سور، وفي أعلاه صورة امرأة يتألهون لها ويعبدونها ويحجون إليها، وهم أمة كالبهائم مهملون في أديانهم، وكلهم عرايا يأكل بعضهم بعضاً.
أرض غانة: وهي شمالي أرض مغرارة وهي مدينة سميت باسم إقليمها، وهي أكبر بلا السودان وأوسعها شجراً وهم في سعة من المال وهي مدينتان في ضفة النيل ويقصدها التجار من سائر البلاد وأرضها ذهب ظاهر. ولهم في النيل زوارق عظيمة وأهلها يستخرجون الذهب يصنعونه كاللبن ويسافر إليها التين والملح والنحاس والودع، ولا يحملون منها إلا الذهب العين، ولها ملك ضخم في جنود وعدد، وله ممالك عديدة فيها ملوك من تحت يده، وله قصر عظيم النيل، وفي قصره تبرة واحدة من ذهب كالصخرة العظيمة، وهي خلقة الله وفيها ثقب كالمربع وهو مربط فرس الملك ويقال إن ملكها مسلم.
أرض قمندوية: وهي شمال أرض مغرارة متصلة بالمحيط وشرقها صحراء ينسر وبهذه الصحراء حيات طوال القدود غلاظ الأجسام في غلظ الخروف السمين وطول الرمح، وأطول وأقصر، ويصيدها ملوك السودان ويسلخونها ويطبخونها بالملح والشيح ويأكلونها. وبها جبل قابان وهو عال جداً يقال إن السحاب يمر دونه وليس به شيء من النبات وفيه أحجار لماعة إذا طلعت الشمس تكاد تخطف الأبصار وليس لأحد سبيل إلى الوصول إلى ذروته ولا سفحه لأنه مزحلق، وفي أسفله عيون عذبة كأن مياهها قد مزجت بالعسل.
أرض الكاتم: وهي أرض منبسطة واسعة على شاطئ النيل، وأهلها مسلمون إلا القليل منهم، وهم على مذهب مالك رضي الله عنه.

(1/27)


أرض النوبة: أرض واسعة واقليم كبير ومسيرة مملكتهم ثلاثة أشهر، وهي في حدود مصر، وكثيراً ما يغزوهم عسكر مصر. ويقال: إن لقمان الحكيم الذي كان مع داود عليه الصلاة والسلام وهو المذكور في القرآن العظيم من النوبة، وأنه ولد بأيلة. ومنها ذو النون المصري رضي الله عنه، وبلال بن رباح خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤذنه.
وعندهم معدن الذهب ودينهم النصرانية، وملكهم ملك جليل كثير الجنود، وهم فرقتان فرقة يقال لها علوة ومدينتهم العظمى ويلولة وهي مدينة عظيمة وبها من السودان أمم لا تحصى، والفرقة الأخرى يقال لها النوبة ومدينتهم العظمى دنقلة وهي مثل ويلولة على ضفة النيل من غربيه، وأهلها أحسن السودان وجوهاً وأعدلهم شكلاً وفي بلادهم الفيلة والزرافات والقرود والغزلان.
ومن مدن النوبة المشهورة نوابية ويقال لها نوبة. وهي مدينة وسط وبينها وبين النيل أربعة أيام، وشرب أهلها من الآبار. وفي نساء هذه المدينة الجمال الفائق والحسن الكامل. ولهم حسن النطق وحلاوة اللفظ وطيب النعمة وليس في سائر السودان من شعورهم مسبلة غيرهم وبعض الهنود وبعض الحبوش لا غير. وقيمة الجارية الحسناء منهن ثلثمائة دينار وما فوقها.
وحكي أنه كان عند الوزير أبي الحسن المروف بالمصحفي جارية منهن لم ير أكمل منها قدراً ولا أحسن خلقاً ولا أملح شكلاً ولا أنعم جسماً ولا أحلى منطقاً ولا أتم محاسن، وكانت إذا تكلمت سحرت الألباب بمنطقها وحلاوة ألفاظها فاشتراها الصاحب بن عباد منه بأربعمائة دينار وأحبها حباً عظيماً ومدحها في بعض أشعاره. وقيل عنه إنه قبل مشتراها كانت همته قد ذهبت وشهوته انقطعت فلما اشتراها وضاجعها انبعثت شهوته ونهضت همته وتراجعت قوته، لطيب ما وجد عندها.
وطرمي: وهي مدينة كبيرة على البطيحة التي يجتمع بها ماء النيل. وعلى ضفة هذه البطيحة صنم كبير من حجر رافع يده إلى صدره يقال إنه كان رجلاً ظالماً فمسخ حجراً.
ويلاق: وهي مدينة كبيرة وهي مجتمع تجار النوبة وتجار الحبشة ومن ويلاق إلى جبل الجنادل ستة أيام، وإلى هذا الجبل تصل مراكب مصر والسودان.
الحبشة: وبلادهم تقابل بلاد الحجاز وبينهم البحر، وأكثرهم نصارى وهي أرض طويلة عريضة، مادة من شرقي النوبة إلى جنوبها، وهم الذين ملكوا اليمن قبل الإسلام في أيام الأكاسرة، وخصيان الحبشة أفضل خصيان، وفي نسائهم أيضاً جمال وحلاوة وحسن نغمة. ومن مدنها المشهورة كعبر وهي مدينتها العظمى وهي دار مملكة النجاشي رحمه الله تعالى، وبها من شجر الموز كثير، وأهل تلك البلاد لا يأكلون الموز ولا الدجاج أصلاً.
أرض الزيلع: وهي تجاور الحبشة من الشمال إلى الجنوب، وهم أمم عظيمة والغالب عليهم الإسلام والصلاح والانقياد إلى الخير.
أرض البجة: وأهلها تجاور الحبشة من الشمال وهي بين الحبشة والنوبة وهم السواد، عراة الأجسام يعبدون الأوثان. ولهم عدة ممالك، وهم أهل أنس مع التجار، وفي بلادهم معدن الذهب، وليس بأرضهم قرى ولا خصب وإنما هي بادية جدبة تصعد التجار منها إلى وادي العلافي، وهو واد فيه خلق كثير كالبلد الجامع، وفيه آبار عذبة يشربون منها. ومعدن الذهب عندهم متوسط في صحراء لا جبل حوله بل رماله لينة وسباسب سيالة، فإذا كان أولى ليالي الشهر العربي خاض الطلاب في تلك الرمال فينظرون التبر يضيء بين الرمال ويعلمون مواضعها ويصيحون فيجيء كل منهم إلى الكوم الرمل الذي علمه فيحمله على هجينة ويمضي إلى آبار فيغسله ويصوله ويستخرج منه التبر، ويلغمه بالزئبق ثم يسبكه في البوادق، فمن ذلك بلاغهم ومعاشهم وقد انضاف إليهم جماعة من العرب من ربيعة بن نزار وتزوجوا منهم.

(1/28)


عيذاب: وما يتصل بها من الصحراء المنسوبة إلى عيذاب وليس لها طريق معروفة إلا رمال سيالة، ولا يستدل عليها إلا بالحبال والكدي وربما أخطأها الدليل وهو ماهر. وعيذاب مدينة حسنة وهي مجمع التجار براً وبحراً، وأهلها يتعاملون بالدراهم عدداً ولا يعرفون الوزن، وبها وال من قبل البجة ووال من قبل سلطان مصر، يقسمان جباياتها نصفين، وعلى عامل مصر القيام بطلب الأوراق وعلى عامل البجة حمايتها من الحبشة. واللبن والعسل والسمن بها كثير، وبينها وبين الحجاز عرب البحر وبين النوبة قوم يقال لهم البليون أهل عزم وشجاعة يهابهم كل من حولهم من الأمم ويهادنونهم وهم نصارى خوارج على مذهب اليعقوبية.
أرض بربرة: وهي تتصل بأرض النوبة على البحر، وهي مقابلة اليمن، بها قرى عامرة متصلة وبها جبل يقال له قانوني وهو جبل له سبعة رؤوس خارجة وتمتد في البحر أربعة وأربعين ميلاً، وعلى رؤوس هذه الجبال بلاد صغيرة يقال لها الهاوية، وبعض أهل بربرة يأكلون الضفادع والحشرات والقاذورات ويتصيدون في البحر عوماً بشباك صغيرة.
ويلي هذه الأرض أرض الزنج وهي مقابل أرض السند وبينهما عرض بحر فارس، وهم أشد السودان سواداً وكلهم يعبدون الأوثان، وهل أهل بأس وقساوة، ويحاربون راكبين على بقر، وليس في بلادهم خيل ولا بغال ولا جمال. قال المسعودي: ولقد رأيت هذه البقرة تبرك كما تبرك الجمال ويحملونها وتثور كالجمال، ومساكنهم من حد الخليج المنصب إلى سفالة الذهب.
وواق الواق: وأرضهم واسعة وقراهم عامرة وكل قرية على خور وهي أرض كثيرة الذهب والخصب والعجائب، ولا يوجد البرد عندهم أصلاً ولا المطر، وكذلك غالب بلاد السودان، وليس لهم مراكب بل تدخل إليهم المراكب من عمان، والتجار يشترون أولادهم بالتمر ويبيعونهم في البلاد، وأهل بلاد الزنج كثيرون في العدد قليلون في العدد ويقال إن ملكهم يركب في ثلثمائة ألف راكب، كلهم على البقر. والنيل ينقسم فوق بلادهم عند جبل المقسم وأكثرهم يحددون أسنانهم ويبردونها حتى ترق، ويبيعون أنياب الفيلة وجلود النمور والحديد، ولهم خزائن يخرجون منها الودع ويتحلون به وبييعونه فيما بينهم بثمن له قيمة، ولهم ممالك واسعة.
أرض الدمادم: وبلادهم على النيل مجاورة للزنج، والدمادم هم تتر السودان، يخرجون عليهم كل وقت فيقتلون ويأسرون وينهبون وهم مهملون في أمر أديانهم وفي بلادهم الزرافات كثيرة، ومنهم يفترق النيل إلى أرض مصر إلى جهة الزنج.
أرض سفالة الذهب: وهي تجاور أرض الزنج من المشرق، وهي أرض واسعة وبها جبال فيها معادن الحديد يستخرجه أهل تلك البلاد. والهنود تأتي إليهم ويشترون منهم بأوفر ثمن مع أن في بلاد الهنود معادن الحديد، لكن معادن سفالة أطيب وأصح وأرطب، والهنود يصفونه فيصير فولاذاً قاطعاً. وبهذه البلاد معادن لضرب السيوف الهندية وغيرها ومع ذلك لا يتحلون إلا بالنحاس ويفضلونه على الذهب. وأرض سفالة متصلة بأرض واق الواق.
أرض الحجاز: وهي تقابل أرض الحبشة وبينهما عرض البحر. ومن مدنها المشهورة مكة المشرفة وهي مدينة قديمة. روى الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب البهجة قصة بناء البيت الحرام، قال: وهو حرم مكة وكعبة الإسلام وقبلة المؤمنين، والحج إليه أحد أركان الدين.
ابتداء البيت الحرام
واختلف العلماء في ابتداء بناء البيت الحرام على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الله تعالى وضعه، ليس ببناء أحد. ثم في زمان وضعه إياه قولان: أحدهما قبل خلق آدم عليه السلام. قال أبو هريرة رضي الله عنه: وكانت الكعبة خشفة على الماء وعليها ملكان يسبحان الله تعالى، الليل والنهار، قبل خلق الأرض بألفي عام. والخشفة الأكمة الحمراء.

(1/29)


قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما كان عرش الرحمن على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض بعث الله ريحاً فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة في موضع البيت كأنها قبة، فدحا الأرض من تحتها. وقال مجاهد: لقد خلق الله عز وجل موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي عام، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. وقال كعب الأحبار رضي الله عنه: كانت الكعبة غشاء على الماء قبل أن يخلق الله الأرض والسموات بأربعين سنة. وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كان قبل هبوط آدم عليه السلام ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة فلما هبط آدم إلى الأرض أنزل الله عليه الحجر الأسود فأخذه فضمه إليه استئناساً به. وحج آدم فقالت له الملائكة: لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. فقال آدم: رب اجعل له عماراً من ذريتي. فأوحى الله تعالى إليه: إني معمره ببناء نبي من ذريتك اسمه إبراهيم.
القول الثاني: أن الملائكة بنته. قال أبو جعفر الباقر رضي الله عنه: لما قالت الملائكة: " أتجعلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها " غضب الرب عز وجل عليهم فلاذوا بالعرش مستجيرين يطوفون حوله، يسترضون رب العالمين فرضي سبحانه وتعالى عنهم فقال عز وجل ابنوا لي بيتاً في الأرض يعوذ به كل من سخطت عليه كما فعلتم أنتم بعرشي.
القول الثالث: أن آدم لما أُهبط من الجنة أوحى الله إليه أن ابن لي بيتاً واصنع حوله كما صنعت الملائكة حول عرشي، وافعل كما رأيتهم يفعلون، فبناه.
أبو صالح عن ابن العباس، وروى عطية عنه أيضاً، قال: بنى آدم البيت في خمسة أجبل: لبنان وطورسينا وطوزيتا والجردى وحراء. قال وهب ابن منبه: لما مات آدم بناه بنوه بالطين والحجارة فنسفه الغرق. قال مجاهد: وكان موضعه بعد الغرق أكمة حمراء لا تعلوها السيول، وكان يأتيها المظلوم ويدعو عندها المكروب. وقال عز وجل: " وإذ يرفع إبراهيمُ القواعدَ من البيت وإسماعيلُ " وهما أول من بنى البيت بعد الطوفان على القواعد الأزلية الأولية، فنسب بناء البيت إلى إبراهيم الخليل وإسماعيل عليهما السلام، والله سبحانه وتعالى أعلم.
يثرب: وهي مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ودار هجرته الشريفة، وبها قبره صلى الله عليه وسلم وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة وهي مدينة في غاية الحسن في مستوى من الأرض، وعليها سور قديم. وحولها نخل كثير وتمرها في غاية الطيب والحلاوة. ولها مخاليف وحصون، منها وادي العقيق. وبها نخل مزارع أيضاً وقبائل من العرب، والبقيع كذلك. ووادي القرى وهو حصين بين الجبال وبه بيوت منقورة في الصخور، وتسمى تلك النواحي الأثالب وبها كانت ثمود، وبها الآن بئر ثمود ودومة الجندل، وهو حصن منيع. وتبوك وهي قرية حسنة ولها حصن من حجر. وفدك كانت خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومدين مقر شعيب عليه السلام.
أرض نجد: وهي أرض عظيمة واسعة كثيرة الخير، وهي بين الحجاز واليمن، وبها مياه جارية وثمار وأشجار في غاية الرخص.
وأما أرض اليمن: فهي تقابل أرض البربر وأرض الزنج وبينهما عرض البحر. واليمن على ساحل بحر القلزم من الغرب، وكان بين هذا البحر وأرض اليمن جبل يحول بينهما وبين الماء، وكان بين اليمن والبحر مسافة بعيدة فقطع بعض الملوك ذلك الجبل بالمعاول ليدخل منه خليجاً فيهلك بعض أعدائه وأطلق البحر في أرض اليمن، فاستولى على ممالك عظيمة ومدن كثيرة وأهلك أمماً عظيمة لا تحصى، وصار بحراً هائلاً.
ومن مدنها المشهورة زبيد وهي مدينة كبيرة عامرة على نهر صغير، وهي مجتمع التجار من أرض الحجاز والحبشة وأرض العراق ومصر، ولها جبايات كثيرة على الصادر والوارد.
وصنعاء: وهي مدينة متصلة العمارات كثيرة الخيرات معتدلة الهواء والحر والبرد، وليس في بلاد اليمن أقدم منها عهداً ولا أوسع قطراً ولا أكثر خلفاً وبها قصر غمدان المشهور، وهو على نهر صغير يأتي إليها من جبال هناك. وشمالي صنعاء جبل يقال له جبل المدخير وعلوه ستون ميلاً، وبه مياه جارية وأشجار وثمار ومزارع كثيرة وبها من الورس والزعفران كثير جداً.

(1/30)


عدن: وهي مدينة لطيفة، وإنما اشتهر اسمها لأنها مرسى البحرين، ومنها تسافر مراكب السند والهند والصين وإليها تجلب بضائع هذه الأقاليم من الحرير والسيوف، والكيمخت والمسك والعود والسروج، والأمتعة والأهليجات والحرارات والعطريات، والطيب والعاج والأبنوس، والحلل والثياب المتخذة من الحشيش الذي يفخر على الحرير والديباج والقصدير، والرصاص واللؤلؤ والحجارة المثمنة والزباد والعنبر، إلى ما لا نهاية لذكره. ويحيط بها من شمالها جبل دائر من البحر إلى البحر، وفي طرفيه بابان يدخل منهما ويخرج، وبينهما وبين اليابس مدينة الزنج مسيرة أربعة أيام.
تهامة: وهي قطعة من اليمن بين الحجاز واليمن، وهي جبال مشتبكة، حدها من الغرب بحر القلزم، ومن الشرق جبال متصلة، وكذا من الجنوب الشمالي وبأرض تهامة قبائل العرب. ومن مدنها المشهورة هجر.
أرض حضرموت: وهي شرقي اليمن وهي بلاد أصحاب الرس وكانت لهم مدينة اسمها الرس سميت بأسم نهرها. ومن أرض حضرموت المشهورة سبأ التي ذكرها الله تعالى في القرآن وكانت مدينة عظيمة؛ وكان بها طوائف من أهل اليمن. وعمان تسمى مدينة مأرب، وهو اسم ملك البلاد وبهذه المدينة كان السد الذي أرسل الله إليه سيل العرم.
وكان من حديثه أن أمرأة كاهنة رأت في منامها أن سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت ثم صعقت فأحرقت كل ما وقعت عليه؛ فأخبرت زوجها بذلك وكان يسمى عمراً، فذهب إلى سد مأرب فوجد الجرذ وهو الفأر يقلب برجليه حجراً لا يقلبه خمسون رجلاً؛ فراعه ما رأى وعلم أنه لا بد من كارثة تنزل بتلك الأرض، فرجع وباع جميع ما كان له بأرض مأرب وخرج هو وأهله وولده. فأرسل الله تعالى الجرذ على أهل السد الذي يحول بينهم وبين الماء فأغرقهم، وهو سيل العرم، فهدم السد وخرج أهل تلك الأرض فأغرقها كلها.
وهذا السد بناه لقمان الأكبر بن عاد، بناه بالصخر والرصاص، فرسخاً في فرسخ، ليحول بينهم وبين الماء وجعل فيه أبواباً ليأخذوا من مائه بقدر ما يحتاجون إليه. وكانت أرض مأرب من بلاد اليمن مسيرة ستة أشهر متصلة العمائر والبساتين، وكانوا يقتبسون النار بعضهم من بعض، وإذا أرادت المرأة الثمار وضعت على رأسها مكتلها وخرجت تمشي بين تلك الأشجار وهي تغزل، فما ترجع إلا والمكتل ملآن من الثمار التي بخاطرها، من غير أن تمس شيئاً بيدها البتة.
وكانت أرضهم خالية من الهوام والحشرات وغيرها فلا توجد فيها حية ولا عقرب ولا بعوض ولا ذباب ولا قمل ولا براغيث. وإذا دخل الغريب في أرضهم وفي ثيابه شيء من القمل أو البراغيث هلك من الوقت والحين وذهب ما كان في ثيابه من ذلك بقدرة القادر.
وأذهب الله تعالى جميع ما كانوا فيه من النعيم الذي ذكره في كتابه ولم يبق بأرضهم إلا الخمظ والأثل وهو الطرفاء والأراك وشيء من سدر قليل وقد قال الله تعالى: " وبدّلناهم بجَنَّتَيْهِمْ جنتين ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ " الآية وذلك بأنهم كفروا بنعمة الله تعالى وجحدوها فنزل بهم ما نزل من العذاب، قال الله جل ذكره " ذلك جزَيْناهم بما كفروا وهل نُجازي إلا الكفور " . وسبأ الآن خراب وكان بها قصر سليمان بن داود عليهما السلام، وقصر بلقيس زوجته، وهي ملكة تلك الأرض التي تزوجها سليمان، وقصتها مشهورة، وبأرضها جبل منيع صعب المرتقى لا يصعد إلى أعلاه إلا بالجهد العظيم، وفي أعلاه قرى كثيرة عامرة وبساتين وفواكه ونخل مثمر وخصب كثير، وبهذا الجبل أحجار العقيق وأحجار الحمشت وأحجار الجزع وهي مغشاة بأغشية ترابية لا يعرفها إلا طالبها والعارف بها، ولهم في معرفتها علامات فتصقل فيظهر حسنها.

(1/31)


الأحقاف: هي التلال من الرمل التي بين حضرموت وعمان، وهي قرى متفرقة. وروي عن عبد الله بن قلابة رضي الله عنه أنه خرج في طلب ابل له شردت فبينما هو في صحارى بلاد اليمن وأرض سبأ إذ وقع على مدينة عظيمة بوسطها حصن عظيم، وحوله قصور شاهقة في الجو، فلما دنا منها ظن أن بها سكاناً أو أناساً يسألهم عن إبله، فإذا هي قفر ليس بها أنيس ولا جليس، قال: فنزلت عن ناقتي وعقلتها ثم استللت سيفي ودخلت المدينة ودنوت من الحصن، فإذا ببابين عظيمين لم ير في الدنيا مثلهما في العظم والارتفاع، وفيهما نجوم مرصعة من ياقوت أبيض وأصفر يضيء بها ما بين الحصن والمدينة، فلما رأيت ذلك تعجبت منه وتعاظمني الأمر فدخلت الحصن وأنا مرعوب ذاهب اللب، وإذا الحصن كمدينة في السعة، وبه قصور شاهقة وكل قصر منها معقود على عمد من زبرجد وياقوت، وفوق كل قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف أيضاً وكلها مبنية بالذهب والفضة مرصعة باليواقيت الملونة والزبرجد واللؤلؤ، ومصاريع تلك القصور كمصاريع الحصن في الحسن والترصيع. وقد فرشت أراضيها باللؤلؤ الكبار وبنادق المسك والعنبر والزعفران. فلما عاينت ما عاينت من ذلك ولم أر مخلوقاً كدت أن أصعق فنظرت من أعالي الغرف فإذا بأشجار على حافات أنهار تخرق أزقتها وشوارعها، منها ما أثمرت ومنها ما لم تثمر، وحافات الأنهار مبنية بلبن من فضة وذهب. فقلت: لا شك أن هذه الجنة الموعود بها في الآخرة، فحملت من تلك البنادق واللؤلؤ ما أمكن وعدت إلى بلادي وأعلمت الناس بذلك.
فبلغ الخبر معاوية بن أبي سفيان وهو الخليفة يومئذ بالشام فكتب إلى عامله بصنعاء أن يجهزني إليه فوفدت عليه فاستخبرني عما سمع من أمري فأخبرته فأنكر معاوية إخباري فدفعت له من ذلك اللؤلؤ وقد اصفر وتغير، وكذلك بنادق العنبر والزعفران والمسك، ففتحها فإذا فيها بعض رائحة، فبعث معاوية رضي الله عنه إلى كعب الأخبار فلما حضر قال له: يا كعب إني دعوتك لأمر أنا من تحقيقه على قلق ورجوت أن يكون علمه عندك. فقال: ماذا يا أمير المؤمنين ؟ قال معاوية: هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية من ذهب وفضة عمدها من زبرجد وياقوت وحصباؤها لؤلؤ وبنادق مسك وعنبر وزعفران ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، هي إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، بناها شداد بن عاد الأكبر.
قال معاوية: حدثنا من حديثها، قال كعب: إن عاداً الأول كان له ولدان شديد وشداد، فلما هلك ملكا بعده البلاد، ولم يبق أحد من ملوك الأرض إلا دخل في طاعتهما. فمات شديد بن عاد، فملك شداد الملك بعده على الانفراد، وكان مولعاً بقراءة الكتب القديمة، وكلما مر به ذكر الجنة وما فيها من القصور والأشجار والثمار، وغيرها مما في الجنة، دعته نفسه أن يبني مثلها في الدنيا عتواً على الله عز وجل فأصر على ابتنائها، ووضع مائة ملك تحت يد كل ملك ألف قهرمان. ثم قال: انطلقوا إلى أطيب فلاة في الأرض وأوسعها فابنوا لي مدينة من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت ولؤلؤ، واجعلوا تحت عقود تلك المدينة أعمدة من زبرجد وأعاليها قصوراً وفوق القصور غرفاً مبنية من الذهب والفضة، واغرسوا تحت تلك القصور في أزقتها وشوارعها أصناف الأشجار المختلفة والثمار وأجروا تحتها الأنهار في قنوات من الذهب والفضة النضار، فإني أسمع في الكتب القديمة والأسفار صفة الجنة في الآخرة والعقبى وأنا أحب أن أجعل لي مثلها في الدنيا. فقالوا بأجمعهم: كيف نقدر على ما وصفت ؟ وكيف لنا بالزبرجد والياقوت الذي ذكرت ؟ فقال لهم، ألستم تعلمون أن ملك الدنيا كلها لي وبيدي وكل من فيها طوع أمري ؟ قالوا: نعم، نعلم ذلك، قال: فانطلقوا إلى معادن الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والفضة والذهب فاستخرجوها واحتفروا ما بها ولا تبقوا مجهوداً في ذلك، ومع ذلك فخذوا ما في أيدي العالم من أصناف ذلك ولا تبقوا ولا تذروا واحذروا وأنذروا.

(1/32)