صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تاج المفرق في تحلية علماء المشرق
المؤلف : البلوي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فما رمقه طرف إلا وأحب أن يفديه بسواده، ولا نال أحد دعوته إلا ورأى بركتها في نفسه وماله وأولاده، نفعنا الله تعالى به، وبالصالحين من عباده بمنه وقد أثبت سماعي عليه واستوفيته في غير هذا، وأجازني الإجازة التامة، ومولده رضي الله عنه في شهر رمضان المعظم من عام اثنين وأربعين وستمائة بمدينة إعزاز )بالعين المهملة والزاي قبل الألف وبعده( وهي من أعمال حلب، ومن جملة ما قرأت عليه بلفظي بحيث ذكر وهو عال جميع الأربعين حديثا لأبى بكر محمد بن الحسين الآجري وحدثني أنه سمع جميعها على الشيخ أبى العباس بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي يوم الجمعة العاشر لربيع الأول سنة خمسين وستمائة بحق سماعه لها من الثقى بسماعه من أبى علي الحداد بسماعه من الحافظ أبى نعيم بسماعه من المؤلف أبى بكر الآجري، ومن جملة ما سمعت عليه جميع الأربعين حديثا البلدانية للحافظ أبى طاهر السلفى رحمه الله، وحدثني بها إجازة عن الشيخ أبى عبد الله محمد بن عبد الهادي بن قدامة بإجازته من السلفى ان لم يكن سماعاه ولنطرز ذكر هذا القطر باسم سيده ووحيده شيخ الشيوخ إمام الأئمة، قدوة الفقهاء نخبة النحاة والأدباء ودرة العلماء الفضلاء، وحجة العرب العرباء، أثير الدين أبى الحيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفرى الأندلسي الغرناطي، هو من سفر عن بدر الكمال الزاهر، وسجر ببحر الكلام الزاخر، وحسر عن ساعد الجد في اقتناء المعالي والمفاخر، فشأى كل ذي شأو ومغرب، وأوتي منه زمانه بكل بديع مغرب، تبلج منه الأفق الأندلسي الغرناطي عن غرة غار منها فلق الصباح المشرق، واشتمل منه الجو المصري والمجلس السلطاني على نحرير، أقرت بفضله صناديد المشرق، فكيف يوصف هطل غمام، أو ينصف أفضل إمام، لا يدانيه لقس اياد، ولا موئل منه لسبحان وائل، وايم الله ان المسرف في وصفه لمقتصد، وغير الرامي في تعريضه لمقتصد، نجم نجم سعوده الموذن بإنجاز وعوده، وإبراز موعده، فتنقل في سماء السعادة بدر أوحل في ذروة الإجادة صدرا، وبلغ من فنون العلم وضروب الأدب إلى أعلى المنازل وأسنى الرتب حتى طار ذكره في الأفاق، وسار متواترا على السن الرفاق، وضربت إليه أباط الإبل واجياد العتاق، وشدت إلى لقائه الرحال من أقاليم الشام وأقاصي العراق، فروى من بحوره العذبة ظماء الأكباد، وغذى بأسرار علومه قلب الحاضر والباد، وغير كثير، في وصف الأثير، نثر الدر المنظوم، ونظم الدر النثير، دخلت عليه منتزهه الذي دنا له النيل، فالزمان يخوله فيه يناء وينيل والدهر قد سفر له عن محياه، والزهر قد تبسم له وحياه، والطير بين يديه يخاطب إياها وتخاطب إياه، فاقبل علي بالبشر والترحيب، ومهد إلى أرجاء جانبه، وأراني بشاشة المحب عند لقاء الحبيب، وتتبع أخبار الأندلس وأهلها، وأعرب عن سيرها الحميدة وفضلها، وأنشدني من أبيات له:
وبيننا نسب ترعى وان بعدت ... لكوننا ننتمي فيها لأندلس


قرأت عليه بعض القرآن العظيم بالقراءات السبع بقراءة الإمام أبى عمرو الداني وبالإدغام الكبير لابن عمرو بن العلاء وبقراءات يعقوب الحضومي جمعا بين روايتي روح ورويس عنه، وأخبرني أنه قرأ بحرفي الحرمين جمعا ما عدا من أول سورة مريم إلى آخر القرآن على أبي جعفر أحمد بن سعيد بن أحمد بن بشير الأنصاري شهر بالفزاز بسنده المشهور، وقرأ عليه جميع كتاب التيسير ثم سمعه ثانيا عليه، وأخبرني أيضا أنه قرأ بالقراءات السبع على الشيخ أبى العباس أحمد بن علي بن عيسى بن عباس الرعينى الشهير بالطباع، وأخبره أنه قرأ بها على الخطيب الجليل المجاب الدعوة أبى محمد عبد الله بن محمد بن حسين العبدري الشهير بالكواب، وقرأ أبو محمد الكواب على الأستاذ الجليل أبى بكر محمد بن علي بن حسون الحميدي على شريح بن محمد ابن شريح بسنده، )وقرأ أيضا( بالقراءات السبع جمعا في ختمة واحدة على الشيخ أبى الطاهر إسماعيل بن هبة الله بن المليخى بقرائته للسبع على أبى الجود غياث بن فارس بن مكي اللخمي المنذري، وقرأ أبو الجود على أبى الفتوح ناصر بن الحسين الزيدي الخطيب بمصر، وقرأ أبو الفتوح على أبى الحسن علي بن أحمد الأبهري الصيني الضرير، وقرأ على الاهوزى، وقرأ أبو الفتوح أيضا على أبى الحسن بن يحيى ابن الفرج بن الخشاب المصري، وقرأ على أبى العباس بن النفيس، وأخبرني أنه قرأ بالقراءات الثمان على الشيخ رشيد الدين أبى محمد عبد النصير بن علي بن يحيى الهمداني عرف بالمريوطي وقرأ على جعفر الهمداني وعلي الصفراوي وقرأ على بن خلف الله، وقرأ ابن خلف الله على ابن الفحام صاحب كتاب )التجريد( بأسانيده وهذا كله إسناد عال في القراءات وقرأت عليه بعض كتاب التيسير للحافظ أبى عمر الداني، وناولنيه ثم قرأت جميعه عليه بعيد ذلك وحدثني به بأسانيده فيه في هذا، وسمعت من لفظه حديث الرحمة المسلسل بشرطه، وقرأت عليه جميع الأرجوزة الألفية في علم العربية نظم أبى زكرياء يحيى بن معط بن عبد النور وحدثني بها قراءة عن الشيخ رضي الدين أبى بكر بن عجن بن علي القسنطيني الشافعي عن ناظمها قراءة، وقرأت عليه جميع القصيدة البائية الشهيرة التي من نظم الإمام شمس الدين أبى عبد الله محمد بن محمد بن المنعم الأنصاري محمد الخيمي وأولها:
يا مطلبا ليس لي في غيره أرب ... إليك آل التقصى، وانتهى الطلب
وحدثني بها عن ناظمها المذكور سماعا عليه، وقرأت عليه جميع ثلاثيات الإمام أبى عبد الله البخارى رضي الله عنه في أصله منها الذي بخط يده، ووهبه لي أثر القراءة وجميع أسانيده فيها مسطورة فيه بخطه وتخريجه وقد قرأت جميع الثلاثيات هذه، وسمعتها على جماعة كثيرة من أهل الأندلس وغرب العدوة وغيرهم وأفردت لأسانيدي فيها كتابا مجموعا، وقرأت عليه جميع قصيدته اللامية التي سماها )بعقد اللئالى( في القراءات السبع العوالي، وقرأت عليه بعض تآليفه اختصر فيه نهاية ابن رشد رحمه الله، وسمعت عليه جميع الجزء الذي أملاه في الفوائد والفرائد المنتقاة والغرائب عن الشيوخ العوالي، ونقلته من أصله وصححت بقرائتي عليه بعض تآليفه المسمى بالبحر المحيط في تفسير القرآن العظيم، وبعض تآليفه المسمى بارتشاف الضرب، من لسان العرب في النحو، وجميع المقدمة في النحو التي سماها الشذرة، وتناولت جميع هذه الكتب من يده وقرأت عليه كثيرا من ديوان شعره ومن رسائله ونثره، ونقلت من نظمه جملة فوائد فريدة، وصححتها بقراءتي عليه، وسمعت عليه مروياته، وسمعت غير ما رسمت هنا وذكرت، وأجازني إجازة تامة وكتب لي بخطه، ومولده بغرناطة في آخر شعبان من عام أربعة وخمسين وستمائة وأنشدني لنفسه:
لم أؤخر عمن أحب كتابي ... لقلى فيه أو لترك هواه
غير أني إذا كتبت كتابا ... غلب الدمع مقلتي ومحاه
وأنشدني لنفسه أيضا:
سبق الدمع بالمسير المطايا ... إذ نوى من أحب عني نقله
وأجاد السطور في صفحة الخ ... د ولم لا يجيد، وهو ابن مقله
وأنشدني لنفسه أيضا:
عداتي لهم فضل علي ومنة ... فلا أبعد الرحمان عني إلا عاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا


وجمعت الضيافة في منزله المذكور بيني وبين نائبه في التدريس، الشيخ الفقيه الإمام برهان الدين أبى إسحاق إبراهيم بن الشيخ الإمام القدوة المرحوم نور الدين أبى الحسن علي المالكي، فعرفني الشيخ رضي الله عنه بجلالة قدره ورسوخ قدمه في العلم وطهارة فجره ثم تمادى المجلس، فشهدت فيه على العيان، ورأيت منه إمام العصر واحد الزمان، عالما من علماء القاهرة وفقيها من فقهائهم، وصدرا في آبائهم، ومتقدما في علمائهم، حافظا للغة العربية، بصيرا بالغريب والنادر، قيما بالشاهد والمثل، عالما بالخبر والآثار، تام العناية بالفقه والسنة ان فاتحته في هذه الجهة فجرت منه بحرا زاخرا، وان عدلت به إلى الأدب ظننت أنه لا يحسن سواه فصيح اللسان، حسن البيان، صحيح الألفاظ واضح المعاني ناصع البراعة جيد البلاغة شاعرا مطبوعا أبرز ذلك الميدان منه فارسا مجلا وكان يوما أغر محجلا:
حيث الغدير وقد أجادت نقشه ... كف النسيم ومرها في جوشن
وغصون دوح النيرين يهزها ... نغم القمارى بالغناء المحسن
من كل لدن كالقوام يميل من ... شرخ الشباب إلى الدلال فينثني
ما بين ثغر بالأقاح مفلج ... وجبين نهربا لنسيم مغصن
ووجوه هاتيك الرياض سوافر ... غيد تزان من المياه باعين
والأرض تجلى في رداء أخضر ... والجو يبرز في قناع أدكن
وأمره الشيخ أن يسمعني ويجيزني فامتثل أمره، وأسعف رغبته، وهو أعزه الله أهل لذلك، وجاز من طريق الشيخ على أهدى المسالك وما ظنك بخليفة ابن حيان ولم يقعد في موضعه غيره لا فلان ولا فلان سمعت منه بمحضر الشيخ وأجازني إجازة تامة وأستنشدته لي من شعره فأنشدني لنفسه من قصيدة:
أراك النقاهل يبلغ الجزع آعله؟ ... وهل آئب يوما إلى الحي راحله؟
وهل لي وجد في دارك مقيله ... أناشده عن أهله وأسائله
وهل عائد عهدي بمنعرج اللوى ... يغازلني ظبي النقا وأغازله
غزال ومكنون الصدور كناسه ... هلال واحناء الضلوع منازله
فلا خمر إلا من سلافة ريقه ... ولا سحر إلا بين جفنيه بابله
ولا ليل إلا ما أجن جبينه ... ولا صبح إلا ما محياه شامله
ولا الغصن المياس إلا قوامه ... ولا الزهر المرموق إلا شمائله
ومن يك موليه الصبابة والضنى ... فما عادل في شرعة الحب عاذله
وأنشدني في غير ذلك مما كتبته في غير هذا، فلما فرغ من إنشاده جعل مجاوبتي إياه من اعتماده فقال لي أنت قد جبت كل مخوفة وجلبت كل أطروفة، فأنشدنا من طرف ما لديك وإلا حاكمناك إلى مولانا الشيخ فيحكم عليك، فقلت السمع والطاعة ولم أجد إلى العذر من استطاعة وأنشدته من شعر الإمام الشريف أبى القاسم علي ن الحسن الملقب بالمرتضى أخي الشريف الرضي قوله من قصيدة طويلة يفخر فيها:
لو لم تعالجه النوى لتحيرا ... وقصاره وقد انتأوا أن يقصرا
أو كلما راح الخليط تصوبت ... عبرات عين لم تقل فتكثرا
قد أوقدت حرق الفراق صبابة ... لم تستعر، وجرين دمعا قد جرى
شغف يكتمه الحياء ولوعة ... خفيت، وحق لمثلها أن يظهرا
وأنى الركائب لم يكن ما خلته ... صبرا ولكن كان ذاك تصبرا
لبين داعية النوى فأريننا ... بين القباب البيض موتا أحمرا
وبعدين بالبين المشتت ساعة ... فكأنهن بعدن عنا أشهرا
عاجوا على ثمد البطاح وحبهم ... أجرى العيون غداة بانوا أبحرا
وتنكبوا وعر الطريق وخلفوا ... ما في الجوانح من هواهم أوعرا
أما السلوى فانه لا يهتدي ... قصد القلوب وقد خشين تذكرا
قد رمت ذاك فلم أجده وحق من ... فقد السبيل إلى الهوى ان يعذرا
أهلا بطيف خيال مانعة لنا ... يقظى ومفضلة علينا في الكرا
ما كان أنعمنا بها من زورة ... لو باعدت وقت الورود المصدرا
جزعت لو خطأت المشيب وإنما ... بلغ الشباب مدى الكمال فنورا
والشيب ان فكرت فيه مورد ... لابد يورده الفتى ان عمرا
يبيض بعد سواده الشعر الذي ... ان لم يزره الشيب واراه الثرا
ومن الشبيبة لأعدتك تحية ... وسناك منهمر الحيا ما استغزرا
فلطالما أضحى ردائي ساحبا ... في ظلك الوافي وعودي اخضرا


أيام يرمقني الغزال إذا رنا ... شغفا ويطرقني الخيال إذا سرا
وأنشدته من شعر ابن المعلم الواسطي المشهور برقة الغزل قصيدة بارعة منها قوله:
خذ من عيونهم الأمان! وهل لمن ... حمل الغرام من العيون أمان؟
كم في البراقع من قسي حواجب ... يصمى القلوب وثيرها المران
رحلوا بأفئدة الرجال وغادروا ... بصدودها فكرا من الأحزان
واستقبلوا الوادي فأطرقت المها ... وتحيرت بغصونها الكثبان
كأنما اعترفت لهم بقدورها ... الأغصان أو بعيونها الغزلان
وأنشدته من شعر ابن الخياط البغدادي قوله من قصيدة:
وابعث لهن الزافرات لا الصبا ... واستمطر الجفون لا السحائبا
أين عداك الركب يا دار الحما ... منكبا لقد تعدى الواجبا
وقفت أدرى فيك دمعا سائلا ... ينشد من قبلك ربعا ذاهبا
لا زال دمع العاشقين والحيا ... يهمى عليك هاطلا وساكبا
حتى يرى فيك الربيع ناشرا ... على الربا من نوره عجائبا
يهدى إلى تلاعه مطارفا ... منه ويكسو جوها جلاببا
أين الأولى ظمئت مذ فارقتهم ... إذ لا أزال للدموع شاربا
بانوا فما أنظر إلا نازحا ... يجري وما أسمع إلا ناعبا
وخلفوا من الهوى بي حادثا ... لمسمعي عن الملام حاجبا
فما أخاف اليوم إلا واشيا ... حيث أمنت عادلا أو عائبا
خذ بيدي وليس تلقى لي يدا ... تأخذها إذا لقيت جاذبا
دمعي وقد كان مصونا جامدا ... اصاره البين مذالا ذائبا
ذبت فلم يبصر بجمسي عائدى ... لو لم أكن لعائدى مخاطبا
بي يقتدي أهل الهوى لأنني ... لهم شرعت في الهوى المذاهبا
فانسب إلى العشق لا إليهم ... ان كنت من إلى الغرام ناسبا
وطيب أذيال النسيم ما جرى ... بها على تلك الخيام ساحبا
حوى أريجا كلما استنشقته ... أقصى الأسى وقرب الحبائبا
وذكرت له ما حفظته من كتاب سورة الألباب، وذخيرة الكتاب، تآليف أبى محمد الحسن بن الفرج بن إبراهيم الكاتب قال فيه دخلت يوما على الوزير أبى القاسم الحسن بن علي المغربي بالموصل، وفي يدي شيء من شعر أبي النجيب شداد بن إبراهيم المعروف بالظاهر الجزرى فسألني عما في يدي فأخبرته بفضل هذا الرجل وفصاحته وبليغ عبارته ومليح استعارته وبديع إشارته فأستنشدني منها شيئا فأنشدته:
يا منكرا شغفي به ... ومكذبا طول اشتياقي
في أي أحوالي تشك ... فهي أحوال السياق
أ مدامعي أم ضر جسمي ... أم ضناي أم احتراقي
كلى إذا انصفتى ... حجج عليك بما ألاقى
فاستحسن ذلك وعمل في الحال:
الله يعلم أنني ... ألتذ فيكم باشتياق
وأكاد من انس التذك ... ر لا أذم يد الفراق
وأغض طرفي بعدما ... ولأته غزلان العراق
وأفر من خجل العتا ... ب متى سعدنا بالتلاق
وأنشدته لبعضهم:
أيها الراكب الميمم أرضي ... بلغن بعضي السلام لبعضي
ان جسمي كما تراه بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض
قد قضى الله بيننا بافتراق ... فعسى باجتماعنا سوف يقضى
فلما أنشدته هذه الأبيات فاضت الدموع، ولحق الخشوع فقال لي المولى الشيخ حيا الله بلادك وبلغك من جمع شملك مرادك، وانفصل المجلس الكريم وخصصت بالمقام مبالغة في التكريم، ومما سمعت منه وأخذت عنه الشيخ العالم الأوحد أبو الأصبغ عيسى بن مخلوف المغيلى أحد الأعلام الجلة، وعلماء الإسلام والملة إمام الأنام وعلم الأعلام، سيما في الفروع والأصول وعلم الكلام، مصيبا في كل ما يعتمده في اختياراته، من استقصاء واستيفاء واقتصار واختصار قد فات قدره في ضبط الفوائد الأقدار، وبحرا يأمن وارد صفوه الأكدار، ويوجب فضله الشبق إليه والابتدار، فهو على الإطلاق العالم الصدر العالي القدر، قد جمع إلى معارفه بين الكرم والمروءة والظرف والفتوة، وتشبت بأهداب آداب وتمسك من الرواية بأسباب إلى عقل وحصاة وفضائل غير مستقصاة، رحل إلى آفاق العراق، فأحرز بما اجتلب خصال السباق، وبرز بما اكتسب بخط يده من الأصول العتاق، مما صحح وحدق إلى طريق الصواب عيونه:
ويبدو لها بشر ونشر كأنما ... تبلج وجه الصبح أو نفح الند


لقيته بالمدرسة الناصرية من القاهرة المعزية فسمعت فوائد من لفظه وقيدت شوارد من حفظه وقرأت عليه تفقها بعض مختصر التفريع لابن الجلاب اختصار قاضي القضاة ببغداد عز الدين حسين بن أبى القاسم النيلي وهو المختصر الأكبر وأذن لي في روايته عنه وحدثني انه قراه قراءة تفقه وبحث على مؤلفه المذكور ببغداد وإجازة إياه وأذن له في تدريسه وتبيينه إجازة تامة مطلقة عامة؟ وأنشدني لأبي العلاء المعري قوله:
لا تطلبن بآلة لك رتبة ... قلم البليغ بغير جد معزل
سكن السما كان السماء كلاهما ... هذاله رمح وهذا أعزل
وممن سمعت عليه وترردت إليه واحتفلت إلى منزله واعترفت بفضله وتطوله، الشيخ العالم الكبير تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي إمام من أئمة الشافعية، وعالم من كبار علماء الديار المصرية ومن يعترف له بالرتبة العلية، ويرشح للخطة الكبيرة القاضوية له عدالة الأصل وأصالة العدل وإصابة النقل ورزانة العقل وجزالة القول والفعل ومتانة الدين والفضل، إلى تحصيل وتفنن وتأصيل، في المنقولات والمعقولات وتمكن ونظر راجح وحفظ راسخ وتقدم في التحديث والرواية عال شامخ، كريم شهد له العيان إليه يعزي البيان، ومن بحره يخرج اللؤلؤ والمرجان، إلى آداب غضة وفضائل مرفضة ومساع كغرته مبيضة:
فمساعيه شهود أنه ... خير فرع جاء من أكرم أصل
لقيته بمنزله من القاهرة فتراكمت على سحائب أياديه الهامرة وأسمعني كل مسموع مفيد ولم أزل من كرمه الواكف كل يوم في عيد، ولما أكملت سماعي عليه واستوفيته لديه رسم لي الإجازة التامة العامة بخطه رسما كملت أوصانه وأوجبه فضله وإنصافه قرأت عليه كثيرا من شعر الإمام أبى عبد اله الشافعي رضي الله عنه فاستحسنت منه قوله:
لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من هم العداوات
أني أحيي عدوي حين أبصره ... لأدفع الشر عن بالتحيات
ولست أسلم ممن ليس يعرفني ... فكيف أسلم من أهل المودات
وممن سمعت عليه أياما وشفيت بري الرواية عنه أواما، الشيخ العالم المحدث تاج الدين أبو محمد عبد الله بن علي القلعي الأطفيحى أحد المشيخة الذين تقرظ بحلي أنبائهم الآذان مصيخة فتراشحوا للعلاء، وتوشحوا بغر الحلي، وكرعوا في بحر علم لا تكدره الدلاء، طلب العلم من صغره، ولازم كبراء رجاله، وعمر طويلا وروى وأسند كثيرا فتحلى من علو الرواية أجمل حلية، وأخذ عن جماعة من العلماء عليه فهو الرواية وحيد عصره، وفريد دهره، مع مشاركة في معارف أخرى واستيثار في جميع ذلك بالحظوة والأثر، وإذا يراجعك الحديث فخذ منه وحدث عن أبى ذر، لقيته مرار كثيرة وسمعت عليه جملا مفيدة، وكتاب شرف أصحاب الحديث للحافظ أبى بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، وسمعت جميعه عليه بقراءة شيخنا معين الدين ابن عبد الله محمد بن فتوح المصغونى زبقصد الرواية عمها بحق إجازتهما من الشيخ أبى العز عبد العزيز عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن هبة الله بن الصقيل الحراني النميري بسماعه عن أبى القاسم ضياء بن الخريف بسماعه من المصنف أبى بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري بسماعه من المصنف أبى بكر أحمد بن علي المذكور وأجازني الإجازة التامة وكتب لي بخطه، سمعت بها أيضا، وقرأت على سوى من ذكرت. )ثم( خرجنا منها في صبيحة يوم الاثنين الثامن والعشرين لرجب الفرد من عام سبعة وثلاثين المذكور مستقبلين الأرض الصحراء الجذبة الفقراء حتى تحار فيها القطا، ولا تهتدي إليها الخطا، ويعدم بها الماء، وتضن عليها السماء، ويفنى فيها الزاد، ويعيى بسلوكها العباد، نحدو بالجمال، ونخفض الاقتاب لرفع الرحال، ونقطع بالسير موصول تلك الرمال، حتى أشرفنا على مدينة )غزة( فدخلناها ضحوة يوم الثلاثاء السابع لشعبان المكرم من العام المذكور وقد:
تبسم ثغر الزهر عن شنب القطر ... ودب عذار الظل في صفحة النهر
فزينة الأرض مشهورة، وحلة الروض منشورة، والبسيطة مدت بساطا مفوفا، وأهدت من مطارف وشيها وزخارف نورها ألطافا وتحفا:
فالجو رقراق الشعاع مفرق ... والماء فياض الآتي معسجد
والأرض في حلى الربيع كأنما ... قطف الغمائم لؤلؤ وزبرجد


فأرحنا فيها تعب الأبدان، وسرحنا منها في بلد من أحسن تلك البلدان، بلد حسنه يفقه من كان بليدا، حتى يعود ليبدأ، فسيحة الساحة، مستطيلة المساحة، نزهة لعين مبصرها من النظافة والملاحة، ما شئت من منظر عجيب، وجانب رحيب، وبسيط خصيب، وساحل قريب، ومكان مؤنس لكل غريب، يزهر بالحسن المحض، والنور الغض، وناهيك بالشام، شامة الأرض كما قال عرقلة الدمشقي:
هذا هو الزمن الربيع المونق ... والعيشة الرغد التي هي تعشق
فعلام تصحو والحمام كأنها ... سكرى تغني تارة وتصفق
وتلوم في حب الديار جهالة ... هيهات يسلوها فؤاد شيق
والشام شامة وجنة الدنيا كما ... إنسان مقلتها الغضيضة جلق
من آسها لك جنة لا تنقضي ... ومن الشقيق جهنم لا تحرق
سيما وقد رقم الربيع ربوعها ... وشيا به حدق البرايا تحدق
في روضة ضحكت ثغور أقاحها ... لما بكاها العارض المتدفق
فبتنا ببعض بساتنها وهناك جريان الأنهار، وحفيف الأشجار، وتغريد الأطيار، ما أذكر قول ابن حصن كاتب المعتمد بن عباد:
وما هاجني إلا ابن ورقاء هاتف ... على فنن بين الجزيرة والنهر
مفستق طوق زوردي كلكل ... موشى الطلى أحوى القوادم والظهر
أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ ... وصاغ على الأجفان طوقا من التبر
حديد شبا المنقار داج كأنه ... شبا قلم من فضة مد في حبر
توسد من فرع الأراك أريكة ... ومال على طي الجناح من النحر
ولما رأى دمعي مراقا أرابه ... بكائي فاستولى على الغصن النضر
وحث جناحيه وصفق طائرا ... وطار بقلبي حيث طار ولا ادري!؟
وأقمنا حتى بدا النور، وتكلم العصفور، وسرنا نحث السرى، ونعاصى الكرا، حتى ذهب الظلام وأشرفنا على مدينة الخليل عليه السلام، وأشرقت لنا تلك الربا والأعلام، فدخلناها في ضحوة يوم الخميس التاسع لشعبان المذكور فحللت فيها قصرا عظيم البركة ظاهر الرحمة، لائح الأنوار، كريم المئاثر، والآثار، ينبى عن الشام بطيب أنبائها، وحسن آلائها. ورقة هوائها، وبهجة بهائها، وجدا جداولها، وجنا جذاذلها، وتضوع أريج أسحارها وتنوع بهيج أوهارها، وريا رياضها ورونق جواهرها وأعراضها، وغرة أرضها وصحة هوائها وقلة أمراضها:
بلاد بها الحصباء درو تربها ... عبير وأنفاس الرياح شمول
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الروض وهو عليل
وقدمت والزمان في عنفوانه، والربيع في ريعانه، والروض في حسنه وإحسانه والزهر في زهره وزهوه، والطير في شوقه، وشدوه، والدوح بالورق بين أوراقه في جدوه، والنوار قد شب وشاب، والهزار قد لب ولاب، والعندليب قد طرب وغنى، والحبيب قد ظرف وتجنى، وللأندية أنداء، وللأدوية أوداء، وللصبا صبابات، وللبيب لبانات وللشمال شمول، وللقبول قبول، وللعرار شميم، والباهر نسيم، وللنرجس عيون وللورد وجنة. وللكمام أجنة، وللغمام دجنة وللإقاح ثغور، باسمة وللأغصان قدود ناعمة وللأفنان فنون، وللحديث شجون ولجبهة الغدير من حركة النسيم غضون، ولهزة المساري أعطاف يقال لها غصون:
والماء تحت الغصن مطرد ... والغصن فوق الماء منعكس


فآويت إلى إيوان، ونزلت أحسن مكان، وأمكن إحسان، ثم دخلت المسجد الأعظم فرأيت من حسنه عجبا، ومن بنيانه ما شئت فضة وذهبا، لا تدرك مبانيه السامية، ولا تلحق أثاره العالية، له أواب حافلة من الحديد وشباك منه بديع، وبنيان بالرخام والأحجار العظام الهائلة المنحوتة الضخام، عددت في طول الحجر الواحد منها أربعة وثلاثين شبرا، وفيها أكبر من ذلك وأصغر، قد أسس ذلك المسجد العظيم عليها وبنى ظاهره وباطنه منها فجاء جامعا عجيبا واسع الساحة، بديع الصنعة، أحدق بجميعه سور جليل، بناؤه من الصخر الجسيم، قد جمع الحسن والحصانة والعلو والمتانة، يشرق بياضه على بعد المتأمل وكذلك حال المدينة منازلها وقصورها من الإشراق والبهجة التي تشوبها خضرة الحدائق الملتفة بها المكتنفة بساحتها، وداخل المسجد الأعظم موجه القبلة بالرخام المجزع المختلف الألوان، الغريب الترصيع الفائق الحسن قد أفرغ فيه الذهب المضروب والتبر الخالص افرغا، وفي وسط المسجد الكريم، التربة المقدسة تربة الخليل أبينا إبراهيم عليه السلام قد جن بها من الشماعات العظام المذهبة والأستار المكللة المطرزة والمصابيح البديعة المموهة كل حسن رائق رائع، وإمامه ضريح زوجه رضوان الله عليها وتجاه ذلك من الجانب الجوفي قبة أخرى عظيمة القدر متناهية الإتقان تحتها ضريح النبي يعقوب عليه السلام وأمامه زوجه رضى الله عنها وتحتها طبقة وقبة فيها ضريح النبي يوسف الصديق عليه السلام والأستار المدبجة والرسوم المذهبة بأسمائها المباركة على جميعها والله سبحانه وتعالى أعلم بصحة ذلك كله وما بين المسجد الكريم والقبة الجوفية صحن عظيم كبير جدا فيه في المسجد أيضا هو مجتمع الواردين والمقيمين من الأغنياء والفقراء والأمراء والكبراء للضيافة المباركة ضيافة لخليل عليه السلام في كل يوم بعد صلاة العصر على توالي أحقاب الدهر وفيه حضرتها مع جملتهم متبركا بذلك ثم اختلفت إلى لقاء الفضلاء وأخذت عمن بذلك القطر المبارك من العلماء، منهم شيخ الوقت سناء وسنا وعلما ودينا الشيخ العالم الصالح شمس الدين أبو عبد الله محمد بن كافل الشافعي رضي الله عنه شيخ العلم والوقار ومحل المناقب المغرسة في أرفع البقاع وأمنع القرار وأهل المكارم السنية الأنوار السنية الآثار نزيه الأحوال نبيه القدر زكي الخلال ما عرى من أثواب عفاف ولا تعطل من حلى برو إنصاف له الحكم الظاهرة والنباهة الحاصرة والنزاهة التي أذعنت لها الدنيا وترجى لها الآخرة فما قيس ابن عاصم منه بأحلم ولا عبد الرحمن بن القاسم بأعلم، ولا الأغلب ممن سالم بأجل في النفوس وأعظم ولي القضاء بعدما أكره عليه وجذب راغم الأنف إليه، فلم يعلق به طبع ولا زال من الزهد والورع بمرئي ومسمع ثم نبذ الأمر وخلاه، وأسلمه لمن ولاه، تخلى هو لعباده مولاه فهو الآن بذلك المسجد العظيم والمقام النيير الكريم لا يفتر من العبادة ولا يدخل منزله إلا للعادة، الله أكبر حين تسئله وحي على الفلاح. سمعت من لفظه هناك بين المنبر والمحراب أجزاء غير واحدة واستفدت في مجلسه غير ما فائدة وسألته عن أشياخه فأخبرني أنهم جماعة كبيرة منهم الشيخ الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الرقي الشافعي نزيل دمشق رحمه الله تعالى سمع عليه كثيرا وأنشدني لنفسه:
وصل الحبيب لسم الهجر ترياق ... وقربه لأسير البين إطلاق
أما السلو فدين لا أدين به ... وكيف يسلو عن الأحباب عشاق
أم كيف يجمل في سلوى جمالكم ... وبيننا في الهوى عهد وميثاق
قلبي القريح عليكم حشوه حرق ... ولوعة وصبابات وأشواق
لا غروان كان قلبي شيقا قلقا ... قلب المحب إلى الأحباب تواق
ان أبعدوني فأهل للبعاد وان ... هم قربوني فان القلب مشتاق


أنشدنيها عن ناظمها المذكور وكتبتها من إملائه وصححتها بعد قراءتي عليه ومن شيوخه أيضا الشيخ أبو الحسن علي الواسطي قال لي وكان رحمه الله ما انقطع عن الحج والزيارة مدة حياته فسأله أهله أن يقيم معهم ويدع الحج سنة واحدة فلما عزم على ذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له يا علي عزمت على الإقامة عنا. فقال سألني الأهل في ذلك فقال له أن أقمت عنا أقمنا غيرك مقامك، فلما استيقظ عزم على الحج والزيارة في ساعته وسأل الله تعالى أن يجعل قبره ما بين الحرمين الشريفين فتوفي ما بين بدر وحنين رحمه الله تعالى، وقد سمعت عليه أبعاض كتب كثيرة وتناولتها من يده وأجازني الإجازة التامة المطلقة العامة وكتب لي بخطه.
ومنهم علم الأعلام وإمام الإسلام الشيخ العالم الراوية شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم الأموي القرشي هو الإمام الذي رفعه العلم قبل شبابه وعرفه بركات ما مله الحميد وطلابه ومهد له من السعد في نيل القصد رحيب مغناه وفسيح جنابه، وسهل له آربا وأوطارا، ولم يزل مترسما من أشرف الأفعال وأعرق الأقوال من معالم المآثر ومآثر المعالم، وأعيان ذوي الأقدار والأخطار أعلاها مقدارا، متسنما من مراتب الصفات وصفات المراتب أقصاها منالا، وأسماها منارا، مترسما من أخلاق المجد ومجد الأخلاق أزهارها نظارة وأنظرها أزهارا، متحليا من الشيم الفاضلة بأنفسها دارا، ومتحليا في سعودها الشارقة بدرا متجنبا عن كل ما يعقب الإقبال على السعادات أدبارا، محرزا في ميدان طهارة الأردان خصل السباق، متميزا في عنفوان شبابه بحسن الخلق وإحسان الأخلاق، مثمرا لرأس مال العفاف، ساحبا من حلله الضافية الأفواف، مقبلا على ما يزيد مجده مآثرا وآثارا إلى رواية فاز بفريدها الثمين وعلقها، ونام على ليل إهمالها وقام بحقها ودار حول قطبها، ومرقى مطالع أفقها وأنعم بها سحا ومدارا إلى علوم حديث اقتصر عليه مع أدواته الثابتة الفضائل الواضحة الدلائل اختصارا، وهصر أفنان خمائله الباستل وقد تناءت مساقا وتناهت إيراقا وأزهارا، وكرع في مشارعها السلسبيلية ومناهلها الزلالية. آمنا صدرا واصدرا وعطف على محلها المرفوع، واستند إليها استنادا المحمول إلى الموضوع، وأسند من حديثها الحسن الصحيح لا المختلف الموضوع أثارا وأخبارا إلى المنصب الذي أحسب مناه والمنسب الذي أراه في المحتد القرشي متمناه والبيت الذي قر على عمد المجد قرارا، متخذا للورع دثارا. وللزهد شعارا، فاشتهرت في الغابر والسالف بفضلها التالد والطارف اشتهارا، وظهر في الطهارة والنزاهة علما يحمل نور الانارا، فعذب في مشارعها مشربا، وثبت في مناكبها كبكبا، وسرى في منازلها السعود كوكبا سيارا، والى مكانة في العلماء معروف قدرها، مشاهد بتصديق خبرها الحسن خبرها، ذائع عرفها ونشرها وجلالة في الحسباء لا تنكر معارفها ولا تخلق برودها الفضفاضة ومطارفها، ولا يتقلص من ظلالها السابغة ممدودها ووارفها إعظاما لمحلها الرفيع وإكبارا، فحين ساغ له هذا المشرب الزلالي العلمي العملي ورد وارتوى، وعلم أنه ظفر من ضالته المنشودة وبغيته المقصودة بما ابتغى، ونوى، فألقى عصى التسيار في مناهج لقاء أولى العلم الأخيار واستقرت بعد النوى استقرارا، وأقبلت على إفادة العلوم، بين تلك المعاهد الشريفة والرسوم بساحة سنية ورساخة علمية عالية منارا، ساطعة أنوارا متصلة عوائده الدينية وفوائده العلمية بقاء واستمرارا، فتجلى الشك عن اليقين، وتسفر عن مثل الصبح المبين أسفارا فها هو محمول من الترفيع والتعظيم على واجبه مكفول من البر والتكريم بمزيده ومتعاقبه قد تجلت له صور الرعاية والمبرة شموسا وأقمارا، وتحلت به من ذلك الأفق المقدس أزمانا وأعصارا، متصلة الإشراق ومشرقة الاتصال ليلا ونهارا:
كساها وقد عاث فيها المشيب ... برونق أيامها الاوله
فلا سلب الله ثوب البقاء ... عنه وهناه ما خوله


لقيته بالحرم الخليلي الشريف فسمعت عليه كثيرا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأجزاء والكتب في فنون شتى وأجازني الإجازة التامة المطلقة العامة وكتب لي بخطه، وأشياخه جماعة كثيرة من جدا ومولده رضي الله عنه بحلب المحروسة في سنة بضع وستين وستمائة خرجنا منها ضحوة يوم الأحد الثاني لشعبان المذكور عشي ذلك اليوم بنفسه دخلنا مدينة بيت المقدس كلأها الله تعالى.
هي بلدة الأفق المنير ونجمه، والنجم الذي لا تمتطي صهواته وصلناها والليل في سن الاكتهال وأيدينا ممتدة بالشكر لله تعالى والابتهال فوافينا مدينة واسعة الرقعة طيبة البقعة، سامية الاتفاع، مشرفة البقاع مباركة الأغوار والتلاع، عذبة المراد، منمنمة الابراد، ممرعة الجنبات، متنوعة النبات ممدودة الظلال، مودودة الخلال، مأمولة السعادة مسعودة الآمال، ضخمة البناء، واسعة الفناء، تشهد لسكانها بالثراء والسناء، قد أخذت من كل المحاسن نصيبا، وفوقت إلى هدف الفضائل سهما مصيبا وملئت ظرفا وأدبا وأوتيت من كل شيء سببا:
محل كأن الشمس تخجل كلما ... نضت توبها عن معطفيه مغيبا
تنم رياح الخلد منه لأهله ... وبطفح تسنيم ويرشح طيبا
ظل ظليل، وماء سلسبيل، تنساب مدانبه إنسياب الأراقم بكل سبيل، ورياضات تحي النفوس بنسيمها العليل تتبرح لناظرها بمجتلى صقيل، وتناديهم هلموا إلي معرس للحسن ومقيل، فنزلنا منها منزلا بديعا قد عذب ماؤه، وراق روضه، ورق صفاؤه وهواؤه، وتفسحت مساحاتها، وتأرجت أرجاؤه:
وكم مبسم للاقحوانة حوله ... مؤلفه ريق من الطل أشنب
ولمة حقف لم يرمها مخيل ... من الريح يسرى أو من السرب يلعب
يقر بعيني ان تفئ ظلاله ... وأن يتثنى دوحه المتأشب
وان كان لا يمضي النسيم بغصنه ... إذا اجتاز ألا خائفا يترقب
ثم قصدت الحرم الشريف، والمسجد العظيم المنيف، الذي بارك الله حوله، وعرفت كل أمة فضله، المسجد الأقصى موضع المعراج والإسراء، وكفى بهذا شرفا وفخرا، فرأيت بقعة لها نور، وفضل مأثور، وشرف معلوم مذكور، ومسجد له محرمات، ومقام تخطر فيه خطرات وتعرض مقامات، ومحل تفيض عليه بركات، وتستجاب فيه دعوات، ومكان يمكن فيه الالتفات، وتقصر عنه الصفات، وتكل في تصنيف محاسنه الياءات والألفات، قد جمع شرف المقدار إلى طيب التربة وفضيلة الدار، وشهرت مفاخره، فأية البقاع تفاخره؟ وراقت محاسنه فلا منظر يحاسنه! وفاقت مئاثره جميع من يكاثره، وأمتع بكل سليم الود سلم وحيا، وأطلع نور البشر في أفق المحيا:
كأنه من حسنه لم يزل ... يستخدم التوفيق وإلا سعدا
رست بجناه وعلا سمكه ... فطاول الجوزاء والفرقدا


وهذه المسجد الشريف هو أعظم مساجد الدنيا طوله سبعمائة وثمانون ذراعا وعرضه أربعمائة وخمسون ذراعا فيكون تكسيره في المراجع المغربية مائة مرجع، وسواريه أربعمائة وأربع عشرة سارية وأبوابه خمسون بابا يطيف به سور سعته ثلاث خطوات قد أسس بالحجارة العظيمة وألواحه الكبار المنحوتة الهائلة بنته الجن لسليمان عليه السلام والمفتوحة الآن من أبوابه اثنا عشر بابا كل باب منها له الوجه المنقش الحسن المرقش فيها باب مصفح بالعقيان واللجين مغمد بهما قد قام على ما راق الأبصار وأعجب الأنظار )ومنها باب الرحمة وباب التوبة بابان من الجهة الشرقية وروى المفسرون عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس أيضا في قوله تعالى فضرب بينهم بسور أنه سور بيت المقدس الشرقي له باب يسمى باب الرحمة من بيت المقدس قال: كعب باطنه المسجد. وظاهره وادي جهنم وفي الجهة القبلية المسجد الأعظم الحافل الذي عليه اليوم اسم المسجد الأقصى فيه الخطبة والجمعة والمنبر الذي جمع الله فيه من كل إبداع عجيب واختراع غريب والمقاصر التي لا نظير لها غرابة صنعة وجود إنشاء والسواري المفضضة الملونة من ألوان شتى من حمرة قانية وصفرة فاقعة وبياض ناصع ومن الجبرية الحالكة الصافية ومن الخبرية المجزعة العجيبة البديعة كلها مطلية الرؤوس بالذهب الذائب والتبر الخالص وقد قامت بين يد المحراب منتظمة، به عظيمة جليلة منقسمة على أفنان معقودة بأقواس محنية متراكبة مدخلة على ألوان شتى، وتصنيف غريب، مذهبة ما دخلها في التثمين والتسديد والتربيع بتذهيب مشجر مورق بالذهب مصنف محكم قد رونق الحسن استماتتها واستوفت من حظوظ البراعة أقسامها، لها منظر رائع ورواء لامع فتراها تشتعل ذهبا وتستقل عجبا، فيها تواريخ مكتوبة بالذهب في أرض فيروزية وفي أرض حمراء زنجفورية )وبأعلى المحراب( مكتوب بالذهب في أربعة أسطار ما نصه، أمر بتجديد هذا المحراب المقدس، وعمارة المسجد الأقصى الذي هو على التقوى مؤسس عبد الله ووليه يوسف بن أيوب المظفر الملك الناصر صلاح الدين والدنيا عندما فتحه الله على يديه في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وهو يسأل الله ايزاعه شكر هذه النعمة، واجزال حظه من المغفرة والرحمة )وبشرقي( هذا المسجد متصلا به وداخلا فيه المسجد المبارك، الذي بناه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبجوفه تربيعه خلفها محراب زكرياء عليه السلام، ومكتوب عليه بالذهب يا زكرياء انا بشرناك بغلام اسمه يحيى، وبخارج المسجد الأعظم من ناحية المشرق مسجد بقبتين، يعرف بمسجد عيسى، وفي شرقيه باب له مدارج كثيرة تفضي تحت الأرض إلى موضع كبير حسن كمسجد فيه مهد مصور من الحجر الصلد يذكر أنه مهد عيسى عليه السلام، وبغربيه مسجد حسن للمالكية يسمى بمسجد المغاربة تلاصقه من ناحية الغرب مدرسة حافلة تسمى الفخرية، وبخارج المسجد الأعظم صحن عظيم كبير مثمر بأنواع الثمار والأشجار الكبار المختلفة الأنواع ومن أكثرها الزيتون، وفيه أجياب كثيرة ذكر عبد الملك بن حبيب بسنده أن عمر بن الخطاب لما قدم بيت المقدس خرج رجل من أصحابه يستسقي في جب سليمان وهو جب في داخل المسجد فخرت دلوه في الجب فنزل بها يستخرجها فبينما هو يطوف في الجب إذا أتاه ملكان فأخذا بعاتقه فذهبا به حتى أدخلاه الجنة فجعل يسريان به فيها فكان كلما مرا به على شجرة لها ثمر يمد يده إلى ثمرها فيؤخره الملكان حتى مرا به على شجرة ذات أفنان فمد يده فأخذ ورقة واحدة فقال له الملكان لو ملكت يدك لسرنا بك اليوم إلى يوم القيامة ثم انصرفا به إلى الجب فخرج عند صلاة الظهر فأتى عمر فأخبره بالذي كان وضبط يده على الورقة فقال عمر، أضمم يدك عليها ثم بعث إلى كعب الأحبار فاتاه فقال يا أبا إسحاق! هل تجد في علمك أن رجلا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة ثم يخرج منها قال نعم يا أمير المؤمنين قال هل تسميه قال نعم فهو شريك بن حماشة النميري قال فأنظر هل تراه فنظر كعبا مليا ثم قال هو ذا فقيل لكعب صف الورقة قال نعم كانت مثل الكف العظيمة أشبه شئ بورق الزراقين يعني الخوخ ففي بيت المقدس اثنا عشر جبا، ليس فيها جب أطيب ولا أعذب ولا أبرد من هذا الجب وهو يسمى بيير الورقة انتهى، وفي هذا الصحن ساقية ماء تأتي من مسافة شاقة ومهوى بعيد من الأرض قطعت لها الجبال وصدعت لها الصخور


الجليلة صدعا بالمال الجسيم والأيدي الشديدة حتى انصبت منها المياه على المسجد الأقصى فأروت وأغدقت وفاضت وأفضت إلى )خسة( من رخام كبيرة أمام المسجد الأعظم في وسطها فوارة يجري فيها الماء )وفي وسط هذا الصحن( صحن آخر عال مرتفع يصعد إليه بأدراج عالية كثيرة من جهات ثمانية وهو مفروش بالرخام الأبيض وفي وسط هذا الصحن الأخير المرتفع القبة العظيمة القدر الكبيرة الخطر التي كان محاسن الدنيا مجموعة فيها ومحصورة في نواحيها فهي من أعاجيب الدهر وأحسن ما يرى بالبصر ويتخيل في الفكر )قبة الصخرة الكريمة( وهي مصنوعة من قبة مثمنة الحائط والأركان من داخلها وخارجها مستوية السقف، أعلاها ذهب مضروب في صنائع عجيبة وجوانبها كلها من داخلها ملبسة بألواح الرخام المنثور الملصق إلصاقا محكما مخططا بالخطوط الكحل تخطيط القدرة الربانية فجاء منها خواتم عجيبة وطوالع مختلفة الصناعة غريبة، وفي وسط هذه القبة المثمنة المستوية السقف قبة أخرى قد بعد في السماء مرتقاها حتى تساوي ثراها مع ثرياها وجازت الجوزاء سمتا وعزلت السماك الأعزل سمكا وارتقت في الهوى وأسرت إلى السماء النجوى، وانتهت في الحسن الغاية القصوى فكأنما صورت جنة الخلد وأشربت حبة القلب وأوسعت قرة العين، ونقشت في عرض الأرض وأبرزت في الإبريز الخالص المحض قد اتفق الذكر فيها وضرب المثل بتناهيها، وبلغ الخاصة والعامة خبرها وبعد فيهم، صيتها وارتفع ذكرها وعظم خطرها وتوافى الناس إليها من البعد والقرب والشرق والغرب متأملين لها متعجبين من مونق مرعاها ورونق سناها والتقى رجال برجال قد دخلوا البلدان واستبدلوا الأوطان وجالوا في الأمصار وجابوا في الأقطار فأقسم كل واحد منهم بجهد قسمه انه ما رأى لتمام محاسنها تماما ولا بئانق ما انتظمته مطالعها انتظاما ولا بعجيب ما تضمنه ايواؤها، ومنحته أفناؤها من النقوش السرية، والصنائع السنية التي لا يبلغها نقوش أهل الهند ولا تنتهيها نمنمة أهل الصين تدركها رقوم أهل رها، ولا تساميها دباسح تستر ولا يقارن بها وشي صنعاء ولو لم يكن لها إلا السطح المدد المشرف على الصحن الكبير والقبة وعجائب ما تضمنته من إتقان الصنعة وفخامة الهمة وحسن المستشرق وبراعة الملبس والحلة ما بين مرمر مسنون وذهب موضون، وعمد كأنها أفرغت في القوالب، أو أعيرت ملمس النضار الدلامس، ونقوش كقطع الحياض، وتشجير كألفات الرياض، يتسنم بين ذلك كله أنه سنام الدنيا، سلسل برود يفرغ أمامه من تماثيل عجيبة الأشخاص في خوابي رخام تهد الجبال ضخما ولا تهتدي الأوهام إلى سبيل الالفاء بها ولقد أخبرني الشيخ العالم القدوة شمس الدين الكركي قال بلغت زنة الرصاص الذي على سقف قبة الصخرة هذه ثلاثين ألف قنطار بالدمشقي وهو بالمومنى مائة ألف وعشرون ألف قنطار كاملة، وذكر عبد الملك بن حبيب رحمه الله أن عبد الملك بن مروان بنى القبة على الصخرة وجعل على الجانبة التي أعلا القبة ثمانية آلاف صفيحة من نحاس مطلية بالذهب في كل صفيحة سبعة مثقال وأفرغ على رأس الأعمدة مائة ألف مثقال ذهبا وفي وسطها مكتوب بالذهب في أرض سماوية لا زوردية على الدائرة ما نصه: - بسم الله الرحمن الرحيم - أمر بتجديد تذهيب هذه القبة الشريفة مولانا السلطان الملك الناصر العالم العادل المجاهد المؤيد من السماء ناصر الدنيا والدين محيي العدل في العالمين وظل الله في أرضه القائم بسنته وفرضه محرر ممالك الدنيا ومظهر كلمة الله العليا مشيد أركان الشريعة الشريفة، سلطان الإسلام الشهيد الملك المنصور قلاون تغمده ألله برحمته وذلك في شهور سنة ثمان عشرة وسبعمائة وتحت هذه القبة العجيبة الصخرة الشريفة التي هي كالجبل الراسي والطود العظيم معلقة وسط الفضاء بين الأرض والسماء لا صعودا ولا نزولا، إنما يمسكها الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، وقد انصنع بهذه الصخرة الشريفة والبنيان الدائر بها نوع مغارة كبيرة تفضي إليها أدراج جملتها خمسة عشر درجا وفيها سطح مفروش بالرخام المجزع المختلف الألوان البديع الصنعة وهو موضع مبارك للصلاة، وفي الطرف القبلي من الصخرة الشريفة أثر قدم النبي صلى الله عليه وسلم يتبرك به الناس ويمرغون خدودهم فيه وقد طاف بالصخرة الشريفة شباك من العود، وبعده شباك آخر من الحديد، ثلاثة أبواب وبين الشباكين فضاء واسع للصلاة، وللقبة


المثمنة أربعة أبواب فالباب الجوفي منها يسمى باب الجنة وبأعلاه مكتوب بالخط الحسن هذا باب الجنة وبأعلى الباب الثاني منه لوح نحاس كبير مكتوب فيه بالنقش المحكم ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لا شريك له الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد، عبد الله ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون آمنا بالله وبما أنزل على محمد وبما أوتي النبئون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، صلى الله عليه وسلم على محمد عبده ونبيه والسلام عليه ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، مما أمر به الإمام المأمون أمير المؤمنين أطال الله بقاءه في ولاية أخيه أمير المؤمنين أبي اسحاق أبن أمير المؤمنين الرشيد أبقاه الله وجرى على يده صالح بن يحيى مولى أمير المؤمنين في شهير ربيع الأخير سنة ست عشرة ومائتين، وأعلى الباب الثاني من الباب الشرقي لوح آخر من نحاس أيضا مكتوب هذا النص المذكور بجملته، وأمام باب الجنة المذكور قبة تغشى النواظر بشعاعها وتخطف الأبصار بالتماعها تسمى قبة السلسلة التي كان يحكم بها داوود عليه السلام وهي قبة عجيبة قامت على أسوار مختلفة وصناعة على الحسن مشتملة بوسطها تأريخان مكتوبان بالذهب أحدهما في أرض خضراء زرعية ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان، وكلا أتينا حكما وعلما، كمل تجديد بطن هذه القبة السلسة المباركة ونقش سقفها وتبليطها في شهور سنة ست وتسعين وخمسمائة، وفي الركن الغربي من هذا الصحن المرتفع المذكور مسجد فيه قبتان منتظمتان عجيبتان فيهما رسوم مذهبة وتواريخ مختلفة أقربها عهدا وهو ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلواته على خير خلق الله محمد وءاله وصحبه، أما بعد فما زلت همم ملوك الإسلام تناصر على إثبات مفاخر يبقى ذكرهم ببقائها وإنشاء محاسن يباهون الأمم ببهائها، فيحيون رسوما طالما نسجت عليها العناكب. ويرقمون على صفحات الأيام من الخيرات رقما تشرف إليه الكواكب فتظل عيون الأماني بمآثرهم قريرة وأعواد احبالهم بمفاخرهم مورقة نضيرة أعطاهم الله قدرة فصرفوها إلى رفع أقدارهم، وأتاهم الدنيا فلم يتركوها غفلا من محاسن ءاثاهم:


)فتراهم دون الرجام وذكرهم ... باق بها فكأنهم أحياء(
فلله در فتى تبقى مساعيه بعده مشكورة، ومناقبه ما بقيت أثارهم مذكورة، ولما تشعث السقف الذي كان أنشأه الملك المعظم الواقف المذكور رحمه الله انتدب لإحيائه عبد الله الفقير إليه أسد الدين عبد القادر سبط الواقف بحكم ما إليه من النظر الشرعي في أوقاف جده فجدده وبذل وسعه وطاقته فيه ابتغاء مرضاة الله تعالى وكان الفراغ منه في ربيع الأخير سنة تسع وعشر وسبعمائة من الهجرة النبوية وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وفي الجهة الغربية ثلاث صوامع وأسم المأذنة أو المنار أحق من أسم الصومعة لأن الصومعة هي التي للراهب وهي بفتح الميم. وفي الجهة الغربية والجوفية قباب مختلفة تركت وصفها اختصارا، منها قبة الركن المشرقي الحافلة وقبة المعراج وقبة الميزان الرخامية وقبة موسى البديعة وقبة سليمان الرائقة وفي كل مسجد من تلك المساجد ومدرسة من تلك المدارس، وقبة من تلك القباب أمام عاكف به قائم عليه، ولقد عددت مواضع الاشفاع وصلاة التراويح بها في شهر رمضان المعظم فألفينا نحو الأربعين موضعا وفي الجهة الغربية من الصحن الكبير المثمن مدرسة عجيبة غريبة الشكل غزيرة المياه حافلة الصنعة بابها ملاصق لباب الحرم تسمى الذنقيدية. ويسكنها الصوفية وقد حف بها من الرسوم المذهبة العجيبة والخطب الأدبية الغربية والألفاظ البعيدة القريبة كل من أتى بالعجب، وسفر عن الحسن المنتخب ووجب ان كتب هناك بذوب الذهب، اخترت أخصرها ونقلت أيسرها، فكان الذي ارتضاه الاختيار واقتضاه الاختصار ما قيدته من مباح الطبقة العليا ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي رفع لبيت المقدس في سائر الملل ذكرا، وفضله على أكثر البقاع شرفا وفخرا، وجمع القلوب على محبته تعظيما لرتبته، وقدرا، وأسرى بخير خلقه إليه ثم أنزل عليه صلوات الله عليه، سبحان الذي أسرى، فيا بشرى لمن بنا لله فيه بيتا ولو كان شبرا، ويا أسعد من أسدى للناس فيه ثوابا وبرا، لقوله تعالى وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا، فأي خير أعظم من إنشاء هذا المكان وبناء هذا الايوان، الذي باب الرحمة مفتوحا بين يديه، والطور أمامه والشجر وتحت قدميه، والجامع الأقصى كالقمر ناظر إليه، والصخرة الشريفة كالشمس مقبلة عليه، وهو كالهلال قد ظهر بين الشمس والقمر.
ما الشمس ما البدر في لالاء بهجته ... في كل ناحية من وجهه قمر


أرجو لبانيه، أن يعطي أمانيه، وأن يفوز من الملك الجليل بالعطاء الجزيل والثناء الجميل والظل الظليل وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا الطور المذكور جبل عظيم منه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء فيما يذكر، وهو بشرقي هذا الحرم العظيم فيه تلعة مباركة في أعلاها مسجد شريف حافل مؤسس بالسواري الحسنة الضخمة والرخام الأبيض الصافي والحجر المنجور الجافي يقصده الناس تبركا ودونه بيسير قبة مباركة يفضي إليها أدراج تحتها تربة الصالحة الولية رابعة العدوية رحمها الله تعالى ودونها على بعد قبة كبيرة مختلفة فيها تربة مريم عليها السلام تفضي إليها أدراج هابطة إلى التربة الكريمة عددت فيها ثمانية وأربعين درجة وفي هذه المدينة الكريمة بقاع طاهرة عليها بركات ظاهرة وبها قبور الأنبياء صلوات الله عليهم وأثارهم نفع الله بالقصد والنية في زيارتها برحمته وما هذا الذي ذكرت في وصف تلك المشاهد الشريفة الذكر، والمساجد العظيمة القدر، والمعاهد الكريمة الفخر إلا كالنقطة الواقعة في البحر، والذرة الساقطة في القفر، والشرارة من الجمر، ولما لاحت نيرات هذه الأنوار، وفاحت نسيمات تلك الأسحار، وشاهدت أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد إليها إلا الرحال وعاينت الحرم الشريف حقيقة قد أحلني لديه الترحال، اخترت مجاورته وأثرت ملازمته وقلت أين أذهب عن موطن مهبط الرحمة وموضع محشر الأمة، ومحل تفرج الكربة والغمة، حدثني الشيخ الفقيه القاضي شمس الدين عبد الله محمد بن سالم بن عبد الناصر الكنانى الغربي الشافعي قاضي مدينة بيت المقدس حرسها الله تعالى سماعا مني عليه بحرم المسجد الأقصى الشريف بقراءة شقيقه الشيخ الإمام الأوحد، علم الدين أبي الربيع سليمان وبقصد الرواية عنهما ومن أصلها نقلت، قالا حدثنا الشيخ الإمام المحدث علاء الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم ابن داوود العطار رحمه الله، قال الأول منهما، سماعا عليه في رجب سنة أربع وعشرين وسبعمائة وقال الثاني قراءة عليه في يوم الجمعة ثاني صفر سنة سبع عشرة وسبعمائة بدمشق المحروسة يرفعه إلى أبي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى، رواه البخاري ومسلم، ولمسلم قال نما يسافر إلى ثلاثة مساجد الكعبة ومسجدي ومسجد ايلياء وبهذا السند إلى أبي العطار يرفعه إلى ذي الأصابع رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه، قال قلنا يا رسول الله أرأيت أن ابتلينا بالبقاء بعدك أين تأمرنا، فقال فعليك ببيت المقدس فعسى الله ان ينشئ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون، وبه انس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال، من زار بيت المقدس محتسبا لله عز وجل حرم الله لحمه وجسمه على النار، وبه عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أفضل صلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة وفي مسجدى ألف صلاة وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة وبه عن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله الصلاة هاهنا أفضل أم الصلاة في بيت المقدس، قال صلاة في مسجدي خير من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلي هو أرض المحشر والمنشر، وبه عن يزيد بن عبد الله رحمه الله قال من خرج إلى بيت المقدس بغير حاجة إلى الصلاة فيه فصلى فيه خمس صلوات صبحا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، وبه من أبى يزيد قال لما خلق الله بيت المقدس حزنت فقال لها الرب جل جلاله ما يحزنك، وقد سميتك من حبي باسمي أنا المقدس وأنت المقدسة قالت ربي فإذا فعلت هذا فمن أتاني فصلى في فتقبل منه، ومن سكنني فأرزقه، ومن مات في فاغفر له وارحمه، فقال لها الرب لك ما سألت وقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله قد سال سليمان عليه السلام ربه أن من قصد هذا المسجد لا يعنيه إلا الصلاة فيه ألا تصرف بصرك عنه ما دام مقيما فيه حتى يخرج منه، وان تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فأعطاه الله ذلك وقوله سبحانه الذي باركنا حوله، يعني بالماء والشجر وأقدام الأنبياء، كان كعب رضي الله عنه يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، ولو تتبعت الأحاديث المأثورة والأخبار لأملات وملأت ورويت ورويت هذا إلى ما أطلعه الله في ذلك الأفق المنير من بدور العلماء وامتنع من صدور


الأولياء الذين وردوا على طاهر تلك البقاع وقصدوا إلى العبادة فيها والانقطاع، فسن الله إلى البغية ولقيتهم أجمعين ورويت عنهم ولما كثر على تعدادهم وقل على نظراؤهم وأندادهم، انتقيت منهم هاهنا خمسة يتبرك بذكرهم وتعطر الاندية بشكرهم )فأولهم( في الحلبة و وأولاهم بالتقديم على هذه العصبة الشيخ الخطيب العالم زين الدين أبو البركات عبد الرحيم بن بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم أبن أبي الفضل بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر الكناني الشافعي سليل العلماء العالمين وقليل النظراء في عبادة الله الصالحين، تجلى من مراقب الفضائل والمعارف وتحلى بالمجد التليد والطارف قصرت الأوهام عند كنه فضله ونقصت الأحلام عن رجاحة عقله وعجزت الأقلام عن وصف مثله كنز من كنوز الكرم لا ينفذ على النفقة ولا يسئم من الصلة والصدقة من رجل ما زادته الرفعة إلا تواضعا عجبا، ولا أبقت له المعلومات في العجب أربا برع بأحسن صوره، ورفع من المجد ارفع سوره، وجمع جمال سمات وجمال سيرة زين به ذلك المسجد الشريف ومحرابه وعين للإمامة والخطابة فيه، وما بقل عذاره ولا كمل شبابه، فجلس على الكرسي الأكبر ورقى ذروة المنبر
لفو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليه المنبر
خطة ورثها من الفاضل أبيه ورتبة ما برح يتوخى فيها السنن الرضى ويقتفيه، ولو لم يكن لديه إلا اقتفاء سير أسلافه الصالحين والرواية عنهم وعن والده قاضي القضاة بدر الدين رضي الله عنهم أجمعين، لقيته بالمسجد الأقصى عمره الله تعالى بالذكر وضاعف لمجاوره جزيل الأجر فأدخلني إلى منزله الكريم الذي التصق بابه بمحراب ذلك المسجد العظيم فرأيت منزلا جليل القدر سامي الخطر مكلل الجوانب مرصع الأرز، فذهلت في نقشه وخجلت من وطئ فرشه ثم ذكرت ما أعده الله تعالى لأوليائه في دار كرامته من النعيم المقيم وتلوت: قل ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقد سفرت في زوايا مجالسه خدود الورد الغض، وتراكمت سحائبه بعضها فوق بعض، فعجبت من ظهوره في غير أيامه، وأكببت على انتشاقه والتثامه وذكرت به ما ذكره أبو الحسن جعفر بن الحاج اللورقي في كتاب مجد الشعر له وذلك أنه ورد الأديب أبو الحجاج يوسف بن هارون الرمادي رحمه الله على بني أرقم بمدينة وادي آش أهدي إليهم ورد في قمعه من مدينة بجانة أول ظهوره فأكب الرمادي عليه يقبله استشارا به وفرحا، ففهم المتعجب من فعله ذلك من حضر فأنشد ارتجالا:
يا خدود الحور في إخجالها ... قد عرتها حمرة مكتسبة
اغتربنا، أنت من بجابة ... وأنا مغترب من قرطبة
واجتمعنا عند اخوان صفا ... بالندي أموالهم منتهبة
عصبة ان سئلت عن نسبة ... فإلى أرقمها منتسبة
ان لثمي لك من بينهم ... ليس فيه حالة مستغربة
لاجتماع في اغتراب بيننا ... قبل المغترب المغتربة


فاستحسن رضي الله عنه ما ذكرته من ذلك، وأجزل صلتي مما حضر هناك، ولم أزل أتردد إليه واسمع منه، وأقرأ عليه حتى تحصلت لي منه جمل مفيدة، ومقيدات عديدة، ومما قرأت عليه بمنزله المذكور جميع الجزء الذي ألفه وخرجه عن شيوخه في أحاديث نبوية، وفوائد جمة، وجميع الجزء المسمى بتنقيح المناظرة، في تصحيح المخابرة، وجميع كتاب المنهل الروي في علوم الحديث النبوي، وهو اختصار كتاب ابن الصلاح رحمه الله تعالى، وجميع الخطب المختصرة من خطب ابن نباتة رحمه الله تعالى، ومما سمعت بلفظه بعض كتاب غرر التبيان لمن لم يسمع من القرآن، وبعض كتاب تجنيد الأجناد، في وجهات الجهاد، وبعض كتاب مستند الأجناد في آلات الجهاد، وكلها من تأليف والده سوى الجزء الأول، وتناولت ما لم يكمل لي سماعه عن يده المباركة وأخبرني بذلك سماعا عن المؤلف والده، المذكور وقرأت عليه وسمعت منه غيرها حسبما كتب لي لذلك وأجازني إجازة تامة. والثاني أعوذه بالمعوذتين والسبع المثاني الشيخ العالم الإمام الحافظ مفتي المسلمين صلاح الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله الملائي الشافعي الدمشقي نزيل بيت المقدس نفع الله تعالى به رجل من أكبر كبار المشرق. واستقبل بالإمامة في جميع فنون العلم ولما يشب له سواد المفرق، واستقر بالنيرين، نور علمه ونور جبينه المشرق، فجلى من حسن الصورة بما قصرت عنه مخدرات القصور، واتى من الشجاعة ما يرعد به مفارق ومفاصل الليث الهصور، ومنح من الكرم ما تخلى عنه أسخياء هذه الأزمة وكرماء هذه العصور، ولما أكمل تعالى عليه نعمته في كمال خلقته واعتدال قامته وبنيته أحب أن يزيد كمال حلاه البدنية، وصفاته بكمال نفسه السنية، وذاته البهية، فجمع في صدره ما تشتت من فنون العلم، وألقى عليه سكينة الوقار والتقى والحلم، والبس أديم الحسن ناعم ذلك الجسم، فلم تر عيني على عظيم ما رأيت من مخلوقات الله تبارك وتعالى رجلا أتم حسنا، ولا أكمل معنى، ولا أنبل تحصيلا، ولا أفضل جملة وتفضيلا، منه في صورته وسيرته وعمله، ولبسه وعقله وفضله، واعتداله وكماله وجزالته وبسالته وشجاعته وبراعته ودهائه وحيائه وحبائه وكرمه وكلمه وحفظه ولفظه وفصاحته وسماحته وذكائه ونباهته ونزاهته وعبادته وزهادته وورعه ودينه وإخلاصه ويقينه وحركاته وسكونه وتصرفاته في جميع فنونه.
لولا عجائب صنع الله ما ثبتت ... تلك الفضائل في لحم ولا عصب


يمينا بئاياته السافرة، وآياته السائرة ان الأحبار لفي حيرة بإفادته كالمحابر والمنابر، بإجادته، وان أوضح الملفوظات ما تلقاه فألقاه، وأصح المحفوظات، ما أحرزه فأبرزه ببصيرته يحتدي البصري، وبكفايته يقتدي الكوفي وبنكتته يستصحب الصاحب وعلى إنشائه يعتمد ابن العميد، وأما الآثار فعليه مدارها ولديه ينفق عندرها وبنذارها. لا جرم إن ذا التحصيل والرأي الأصيل، من طاف بسدة سيادته، وجنح لمعلم علمه فاستعدي الرشاد والسداد واستملي المتن والإسناد ليسعد جده بالحمل على الجادة، ويتحقق في كل صورة ومادة، بين الصبح لذي عينين، وما قلت إلا بالذي علمت سعد، لقد حضرت مجالس تدريسه التي هي منتدى الإعلام، ومنتهى جهد الأسماء الأعلام، وميدان فرسان الطروس والأقلام، وقلائد أعناق مدارس الإسلام. فكان كل من حضرها من علماء الأمصار يحلف انه ما سمع بمثلها من مثله في هذه الإعصار، وان الله أخلصه بخالصة ذكرى الدار، وجعله من أولي الأيدي والأبصار ولقد حل أول شهر رمضان معتكفا بالمسجد الأعظم لالتزام الأوراد والأذكار، والتسبيح والاستغفار، فما كان يبرز منه إلا للإفطار، وقضاء ما خف من الاوطار، ولقد شاهدته بطول الشهر المذكور وقد اختص به واحتل بمنزله من طلبة العلم وغيرهم ما ينيف على الأربعين رجلا سوى عائلته والجميع من عنده يأكلون وإليه ينضمون ويأوون، فسألت ذلك فقيل لي ذلك دأبه وعادته في رمضان كل سنة على تعاقب الدهور والأزمنة. وهذه نبذ من عظام فضائله، ولمع من حسان فعائله، فلنقف عندها، وهي تدل على ما بعدها، ثم نذكر بعض ما سمعت من لفظه ونقلت من خطه أو حفظت فمن ذلك كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض رحمه الله تعالى سمعت جميعه من لفضه بالمسجد الأقصى الشريف وحدثني به بسنده المكتتب بخطه في إجازته لي وقرأت بلفظه جميع كتاب الشفاء هذا، وسمعته بلفظ غيري على جماعة كثيرة من أهل الأندلس غرب العدوة وأثبت سندهم فيه في برنامج روايتي وسمعت عليه بعض كتاب مسلم بن الحجاج رضي الله عنه وجميع الجزء الذي صنفه في تقرير الوحدانية لله تعالى، يشتمل على تفسير قوله تعالى: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، الآية. وجميع بغية الملتمس في عوالي حديث مالك أبن أنس من تخريجه أيضا وهو ستة أجزاء خرجها من كتاب الموطأ، وقرأت وسمعت عليه غير ذلك مما هو مثبت بخطه كذلك وله شعر رائق ونثر فائق اسمعني من ذلك جملة وأنشدني. ومن خطه نقلت لشيخه الإمام العلامة فريد دهره ووحيد عصره قس الفصاحة ملك البلاغة شهاب الدين أبن أبي الثناء محمود بن سليمان الحلبي كاتب السلطان بدمشق كل فريدة غيداء وحديقة غناء رائقة النظم والرصف فائقة الوسم والوصف مالكة القلب والطرف.
يقود عنان السمع حسن نشيدها ... فتزري بالحان الغريض ومعبد
وأنا أول من جلب شعر شهاب الدين هذا فادخله بلاد المغرب وقصيدته اللامية الحافلة التي استوفت كثيرا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وهي من القصائد العجيبة والقلائد الغريبة أولها.
هذا اللقاء وما شفيت غليلا ... كيف احتيالي ان عزمت رحيلا
يا دار من أهوى وحقك لم أجب ... داعي التفرق لو وجدت سبيلا
وعددها مائة بيت وواحد وثمانون بيتا، وقال لي شيخي صلاح الدين رضي الله عنه قرأت وسمعت ذلك مع مجموع شعره عليه وأجازنيه، فمما أنشدني له على طريقة مهيار وكتب بها إلى محيي الدين أبن عبد الطاهر رضي الله عنه.
شام على الابرق برقا باديا ... فأنشأت أجفانه الغواديا
وعاج بالركب وقد بدا له ... برق الثنايا وكفاه هاديا
وساق بي العيش قطار دمعه ... لما غدا له الزفير حاديا
ما لاح عن قرب مدى وإنما ... قربه الشوق فكان نائيا
يا برق حق ما، رأى أم شوقه ... أدنى له ما ليس منك دانيا
حن إلى ماء النقي ولم ينزل ... إليه والماء كثير صاديا
يا حبذا ماء العذيب منهلا ... وحبذا وادي الاثيل واديا
وحبذا من النسيم شمألا ... فيه ومسرى رقة يمانيا
وحبذا والورق في غصونه ... تدرس في أوراقها الاماليا
حيث ترى الادمع في رياضه ... مستبقات والنسيم وانيا


والغصن الرطب وما أشبهه ... بالطل أو بالدمع فيه حاليا
ترى الاقاح بالثغور ضاحكا ... والغيث فيه كالجفون باكيا
وتحسب العشاق في عراصه ... لولا الأنين الرمم البواليا
فكم حوى الظل نحولا مثله ... لولا التهاب الوجد كان خافيا
وافاه معتل النسيم عائدا ... وجاءه ورق الحمام راقيا
يا برق اذكيت بقلبي حرقة ... منك فما شأن الحيا وشأنيا
جزت على دار الهوى فهل غدا ... زندك في رى ثراها واريا
عار على دمعي إذا ضن الحيا ... ان تعنذي أغصانها عواريا
إذ كرتني برق الثغور لائحا ... فظل دمعي رائحا وغاديا
بالله ان جزت بأرض رامة ... فصف وان لم يسألوك حاليا
وقل لهم خلفت في الحي لكم ... ميتا قضى وما قضى إلا مانيا
أرخص فيكم دمعة كروحه ... وكان كالصبر عزيزا غاليا
ومن حمى الوادي عريب أشرعوا ... دون القدود مثلها عواليا
جاورت فيهم والندى شعارهم ... فأطلقوا لي من دموعي جاريا
يا صاحبي قد ضاع قلبي فابكيا ... عليه في ناديهم وناديا
واستخبروا السرب ولا تتهما ... عليه في ذا الأعين الروانيا
فان أتى فحبذا وان أبى ... أرسلت دون ناعييه ناعيا
بي منهم ظبي رنا فصادني ... يفديه قلبي صائدا أورانيا
شاكي السلاح لا ترى بجفنه ... في الحي إلا باكيا وشاكيا
يا صارما جفونه جفونه ... فعلك أضحى في القلوب ماضيا
ويا قواما لحظه سنانه ... اذكرتني الطعن وكنت ناسيا
ويا وشاحا ضم خصرا مثله ... لا ترج مثلي من سقيم شافيا
ما لك والخلخال يشكو ربه ... مثل الذي جلت عليه ظاميا
ويا جبينا ما انجلى صباحه ... حتى طوى من فرعه لياليا
سامرت والأفلاك فيك مقتلي ... دون النجوم الادمع الحواليا
كأنني والجو روض ناظر ... بت لأسراب النجوم راعيا
كأنني في مدح محيي الدين قد ... حاولت أن أنظمها قوافيا
وأنشدني له أيضا:
ما ضر من شفع الصدود ببعده ... لو علل الكلف المشوق بوعده
أو لو شفاه بزورة بعد النوى ... ليرى الذي فعل البعاد ببعد
ظبي من الأتراك خال باله ... من حال ملئان الفؤاد بوجده
ريان من ماء الشباب إذا مشى ... يثني الغصون على تثني قدره
ما كنت أشكو من قساوة قلبه ... لو أنه أغرته رقة خده
أبكي ويضحكه التدلل عن سني ... برد شفاء محبة في برده
وأمير حسن ناظري، والقلب من ... أعوانه أبدا على وجنده
علما بان اللحظ منه صارم ... عضب وما حذرا مواقع حده
لو زارني لفضضت ختم رضابه ... وضممت ما ضمت معاقد بنده
وجنيت منه الروض غب سمائه ... وجليت منه البدر ليلة سعده
ووردت من وجناته ورضابه ... ما بغيتي في ورده أو ورده
وأجلت كفى من مجال نطاقه ... في غورة وكففتها عن نجده
قالوا به سقم فقلت لعله ... في جفنه أو خصره أو عهده
يا سالبي طيب الرقاد وإنما ... أسفي على فقد الخيال لفقده
لولا انتظار الطيف يطرق في الكرى ... ما راح دمعي سائلا من خده
وأنشدني له أيضا يعرض بالشيخ شمس الدين الايكي أحد المدرسين بدمشق وكان بلغه عنه أنه تنقص بالإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وذكره بسوء فانتصر له شهاب الدين أبو الثناء المذكور بهذه الأبيات:
بنت فبات الطيف لي مسعدا ... يبيحني جنة خديك
وطالما حاولتها قبلة ... فصد عنها سيف جفنيك
لو لم أخل حمام اللوى ... في الأيك يغني عن رقيبيك
لفر نوما كان مثل الصبا ... يعطف لي ان ملت بعطفيك
فلا راعي الله حمام اللوى ... ولعنه الله على الايكى
وأنشدني له أيضا:
إذا ما بدا مسفرا ضاحكا ... وقد ميلته الصبا والجنوب
فلاح الصباح وفاح الاقاح ... وماس القضيب وماج الكثيب


والثالث أكبرهم سنا. وأكثرهم بالمعاني الأدبية معنى الشيخ الفقيه المحدث الأديب علاء الدين أبو الحسن علي بن أيوب بن منصور المقدسي الشافعي أبقى الله بركته شيخ النظم والنثر وإمام الحديث في ذلك القطر خطب حسناء الأدب سنين، وانعقد النكاح بينهما بالرفاء والبنين، واعتنى بالرواية فأخذ عن جلة من الشيوخ الغابرين قطع في ذلك زمنه، وأطار فيه وسنه ولم يثن لغير العلم همته، ولا جر في سواه رسنه، فروى وقيد وشيد من مباني العلم ما شيد، فهو اليوم وان قرب من الفوت رحلة هذا الوقت له سبلة منسدلة يروق ايماضها ويفوق السواد بياضها، على وقار وسكينة وجلالة مكينة وحصاة رزينة وهيئة زينت بأحسن زينة ينصب مجالسه المباركة لعلوم الحديث في القديم من الزمان والحديث، فيعلوها منه الصدق ويغتنمها لديه الخلق ويطرق إليها من أقاصي البلاد، فيلحق فيها الأصاغر بالأكابر والإباء بالأولاد، سمعت عليه بمجلسه من المسجد الأقصى الشريف جميع صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه بعد أن كفت سمعت عليه جميع الثلاثيات المخرجة منه وحدثني به عن الشيخ الإمام تاج الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، وعن الشيخ الحافظ شرف الدين الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني قراءة منه على كل واحد منها بجميعه بدمشق المحروسة قالا أخبرنا الشيخ الصدوق أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن الزبيد أخبرنا الشيخ الثقة أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن الشجري أخبرنا الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن ابن محمد المظفر الداوردي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حموية السرخسي، أخبرنا أبو عبد الله البخاري، وقد كنت قرأت عليه بلفظه جميع صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري بالمسجد الأعظم من مدينة مالقة حرسها الله عام ثلاثة وعشرون وسبعمائة على الشيخ الخطيب الصالح الولي لله تعالى أبي عبد الله محمد بن أحمد الهاشمي الطنجالي، وسنده فيه مشهور لجودته، وسمعت على شيخي هذا بالمسجد الأقصى الشريف، جميع أحاديث الرباعيات المروية عن مسلم رضي الله عنه وجميع الجزء الذي فيه التساعيات من شيخه ابن البخاري، وجميع الجزء الذي فيه ثمانية وثمانون حديثا من مشيخته أيضا وجميع جزء الأنصاري وجميع الثمانية عشر حديثا وحديثين عن ثمانية عشر شيخا، وشيختين لأبن الطاهر، وأسانيد هذه الأجزاء كلها مستوفاة في برنامج روايتي، وسمعت عليه بحيث ذكر جميع قصيدته الرائيتين التين نظمهما في فضائل المسجد الأقصى شرفه الله تعالى، وأجازني بالإجازة التامة وكتب لي بخطه ومولده يؤخذ من قوله فيما كتب لي به في استدعاء وأنشدنيها بلفظه رضي الله عنه:
)أجازهم المسؤول فيه بشرطه ... علي بن أيوب بن منصور بالقدس(
)ومولده ما بين ستين حجة ... وسبعين بعد الستمائة بالحدس(
ورابعهم في التعداد، العديم الأقران والانداده، الشيخ الفقيه المقري الصالح شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي محمد بن مثبت الخولاني الأندلسي، أحد العباد الموفقين، والعباد المتقين، يذكرك سيرة السلف الصالح بعمله الموهوب، وعقله الراجح، ما تراه أو تلقاه إلا يروعك دينه وتقاه ولا تبصر مجلسه أو ممشاه إلا وتهابه وتخشاه اشتغل بما يعنيه، واشتمل دهره أما على علم ينجيه، أو إلى عمل يجنيه، قد عزل عن الناس نفسه وجعل بالله وبكتابه انسه، فليس له هم إلا في إقراء القرآن، وإيراده عند اغفاء الأجفان، أو في إطعام كبد جائع وإغاثة ملهوف مغترب شافع فهو مأوى الغرباء وجنان الفقراء ومظان قضاء حوائج الأخوان والأولياء:
قبلة في السماح يجتمع السا ... بق في فضلها مع المسبوق
رحل عن الأندلس فتى غرا فجرعه البين كأسه مرا، والى هلم جرا يذكر أوطانه فتفيض دموعه حمرا ويهب له منها نسيم فيذكي ضلوعه جمرا، لا جرم أن الزمان أخذ بيده، فبلغه أسنى مقصده وانجزه أكرم موعده فوعى وفهم وعمل بما علم واستقاد وأفاد، ورزق المال والأولاد فهم الآن بذلك الحرم الشريف من خيار المدرسين وكبار الرؤساء لا المرءوسين، كثيرا ما كنت أحضر مجالسه العلية وفوائده العلمية ودوله الفقيهية والنحوية فاغبط من حضر والتقط الدرر:
وأمنح الطرس من ألفاظه نبذا ... وأخلط العنبر الوردي بالعفر


ومما قصدت رواية لعلوه فيه، كتاب عوارف المعارف تأليف الإمام شهاب الدين أبي حفص السهرودي رحمه الله تعالى سمعت أكثره بلفظه وتناولته من يده فحدثني به عن الشيخ كمال الدين عمر بن الياس المرعني سماعا عليه بجمعيه حدثه به عن الشيخ الإمام قطب الدين أبي بكر بن محمد بن أحمد القسطلاني قراءة عليه عن المؤلف شهاب الدين المذكور سماعا عليه من لفظه أيضا، أكثر رسالة الشيخ أبي القاسم القشيري رحمه الله وناوليها، وحدثني بها عن الشيخ شهاب الدين أحمد أبن يحيى بن إسماعيل بن جهبل قراءة منه عليه لجميعها حدثه بها عن الشيخ شرف الدين بن هبة الله بن عساكر سماعا عليه عن الشيخ أبي محمد عبد الوهاب بن شاه الشاذا باخي سماعا، عن المؤلف المذكور وسمعت من لفظه جميع الأحاديث التي خرجها الشيخ الإمام فخر الدين أبو الحسن علي السعدي المقدسي الحنبلي، وحدثني بها عن الشيخ شهاب الدين بن أحمد بن جهبل المذكور، قراءة عليه حدثه بها عن مخرجها فخر الدين المذكور سماعا، قراءات وسمعت غير ذلك واجازني إجازة تامة وكتب لي بخطه )وأوترهم( بل أوثرهم بمسك الخاتم، وملك الكلام وخامس الأربعة الكرام، وحامل لواء البيان بين صناديد مصر وفحول الشام الشيخ الفقيه الأديب الابرع جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن بن صالح بن علي بن يحيى بن طاهر بن عبد الرحيم بن نباتة المصنف صاحب الخطب الشهيرة أبرع خلق الله إذا نظم أو كتب ومن جمع الله له الأدب والحسب، ورحب في تلك الطباع، املح الانطباع وأمد الباع ان تغرل أو نسب، الذي مد أرض البلاغة ودخلها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، يستخرج بن بحره اللؤلؤ المنظوم والمنثور فيسحر الحور ويفتن الحور ويطمع المهارق ويؤيس النحور، فرفقا يا دره النفس ومهلا يا مرجانة المسطور، غازلت الغزلان، وبدرت البدور، وعلمتنا ننبذ المباسم وننسى الثغور فنحن في روضة مدبجة نخرج من زهرة إلى زهرة، ولما ملكه الله تعالى ملاك هذه الطريقة الأدبية وقوامها وحطت لديه هذه الصناعة السنية رحلها وزمامها ومدت له في الأدب غاية كبا دونها أهل الآداب، ورفعت له في الشعر راية مشى تحتها كثيرا من الشعراء والكتاب، تنافست ملوك الشام في لقائه وتهافتت على اصطفائه وارتقائه فخولته مقاصد وقصورا ووهبته ولدانا وحورا، وأنالته نعيما وملكا كبيرا، فانضوى إليهم زمانا، وتلقى منى وأمانا فزهت في يمنيه الاقام، ونهت وأمرت بين يديه الليالي والأيام:
ورف إليهم بنات النهى ... فامهر نقدا ولم يخش نقدا
ونظمها بجبيين العلى ... فزانت كما زين الجيد عقدا
خطب حسناء المعالي فلم يغفله المهر، ونهى وأمر فامتثل إليه النهى والأمر، وأنيل أمله النظم والنثر، وحلل سحرهما وقد حرم السحر، فقرط وشنف، ودبج وفوف، وألف وصنف، وعنى ببنات فكره القلوب ممن عنى، وعنف، وسحرتني ألفاظه، ولقد كنت بعيدا من أن أصاب بسحر، إلا أنه اليوم قد آثر الراحة من حراسهم وحجا بهم، واستغنى بباب الله عن الوقوف إلى أبوابهم، فما يطأ لهم ناديا، ولا يبلي منهم مناديا، بل اقبل ما يعنيه، وأعرض عما كان يتعبه ويعنيه، بهمة تشرق فهي الشمس أو تسمو إلى الغايات فهي زحل.


لقيته بحرم المقدس أتاه من دمشق زائرا، وخرج من بيته مهاجرا، وقد كان عرف أني في الطريقة من أنسابه وعلى الحقيقة من المتعلقين بأهدابه، فحين رآني أسرع في القيام، وبادر إلى اللقاء والى السلام، فخجلت من فعله وعجبت من فضله واستنشدني من شعري، فأنشدته لي ولغيري، وتحصل بيني وبينه ذمام أكيد، وعهد بفضل الله حميد، ثم سألته في تقييد شئ من شعره فأخرج لي ما ارتضاه منه واختاره في نسخة تغار عليها حبات القلوب إذا تبديها، وتود الاحداق إذا رمقتها لو تبديها فياضها بياضها وسوادها بسوادها، فاستعرتها منه، وكتبتها عنه فلما رمق ما كتبته احب اقتناءه تجديدا للعهد وحفظا للود فاستوهبه مني محتشما، وأسعفته فيه فقبله وقبلت ضاحكا مبتسما، ووهبني أصله وأكمل لدى طوله وفضله فأنا أول من جلب ذلك الدر النفيس من بحره، وتقلد في جيده ونحره، وفاز بشرفه وفخره ولما قرأت عليه أخذ القلم بمحضري وكتب على ظهر الأصل ما نصه )الله الموفق قرأ على الشيخ الإمام العالم الكامل الفريد أبو البقاء خالد البلوي الأندلسي شكر الله بره المغدق وأصله المعرق، وحرس شخصه الذي تقول المحاسن أطلعه الغرب فأرنا مثله يا مشرق أكثر هذا النبذ من شعري والرسالة من إنشائي قراءة ملأ بها سمعا وذهنا، واربح بها للشعر نقدا ووزنا، وفضها سبط حلى فهو أما يقلد عنقا وأما يقرظ أذنا واحكمها ببيانته وصوته، فما سمعت أطيب من حالته إعرابا ولحنا، وأجزت له روايتها وجميع ما تجوز لي روايته معترفا بفوائده الممتازة، عالما أنه كان يجب أن أجيز من الجائزة لا من الإجازة متطوقا عوارفه التي عز بها الجيد ولا كرامة للدر، ولا عزازة، ونحلته هذه النسخة. وسألته إصلاحها بعد أن تعرضت عنها بنسخة من خطه الذي يتنافس فيه البصر والسمع، وقطرات أقلامه التي إذا نافستها أقلام الفضلاء تولوا وأعينهم تفيض من الدمع والله تعالى يرحم أسلافه، ويبقى منه على كرمه الطاهر ما أبقى الكرم من السلافة قال ذلك وكتبه محمد بن الخطيب بن نباته العبشهي المصري ثم الشافعي وذلك في شوال سنة سبع وثلاثين وسبعمائة بحرمة القدس الشريف وهذا الذي أثبته من نثره يدلك على جلالة قدره وحفاوة بره وها أنا اثبت من نظمه ما يسمعك عجبا ويريك ألفاظه ياقوتا ولجينا وذهبا:
من كل بيت لو تدفق طبعه ... ماء لغص به الفضاء مسيلا
وكل قصيدة للعقول مقصودة ومقطوعة، على الحسن مطبوعة، فمن ذلك قوله يمدح السلطان المؤبد صاحب حماة رحمه الله تعالى من قصيدة العينية:
سرى طيفها حيث العواذل هجع ... فنم علينا نشره المتضوع
وبات يعاطيني الأحاديث في دجى ... كأن الثريا فيه كاس مرصع
أجيراننا حيا الربيع دياركم ... وإن لم يكن فيها لطرفي مربع
شكوت إلى سفح النقا طول نأيكم ... وسفح النقا بالبين مثلي مروع
ولابد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
فديت حبيبا قد خلا عنه ناظري ... ولم يخل منه في فؤادي موضع
مقيم بأكناف الغضا وهي مهجة ... وإلا بوادي المنحنا وهي أضلع
أطال حجاز الصد بيني وبينه ... فمقلته حور ودمعي ينبع
لئن عارضت من دون زورته الفلا ... فيا رب روض ضمنا فيه مجمع
محل ترى فيه جوامع نزهة ... به تخطب الأطيار والقضب تركع
قرأنا به نحو الهنا فملابس ... تجر وأيد بالمدامة ترفع
وقد أمنتنا دولة شادوية ... فما نختشي اللاوى ولا نتخشع
وقال يمدح من قصيدة:
ملي الحسن حال المرشفين ... متى يقضي، وعود الوصل ديني
أبثك عن عاد لي المعنى ... رآك بعين حب مثل عيني
فحاكى قلبه قلبي خفوقا ... وحكمك الهوى في الخافقين
لمثل هواك تجنح كل نفس ... وتسفح كل ناظرة بعين
صددت فما الأسى عندي بقل ... و لا دمعي بدون القلتين
بروحي عاطر الأنفاس ألمي ... رشيق القد ساجي المقلتين
يهز مثقفا من معطفيه ... ومن جفنيه يجذب مرهفين
له خالان في دينار خد ... تباع له القلوب بحبتين
وحول نقا سوالفه عذار ... كما شعرت نقوش في لجين
أظل إذا نظرت لوجنتيه ... أنزه في النقا والرقمتين
فيا لله من غضن فريد ... وفي خديه كلتا الجنتين


أما وحباب مبسمه المفدى ... على معسول كأس المرشفين
لقد عذبت موارده ولكن ... ندى المنصور أحلى الموردين
وقال أيضا:
وأغيد تعرف من جفنه ... علامة التأنيث بالكسرة
أرخى على أعطافه شعره ... قد جذبتني فيه للحسرة
فأعجب لمن جار عليه الضنى ... حتى غذت تجذبه شعره
فقال يطلب الأذن:
ما يقوم المقام أيده الله ... ولا زال للسعود يحوز
في ولى ببابه تركب الخلق ... ووافى يجوز أم لا يجوز
وقال:
أهواه لدن القوام منعطفا ... يسل من مقلتيه سيفين
وهبت قلبي له فقال عسى ... نومك أيضا فقلت من عيني
وقال:
لله خال على خد حبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبث
أورثته حبة القلب القتيل له ... وكان عهدي ان الخال لا يرث
وقال أيضا:
بقلت وجنة المليح وقد ولى ... زمان الصبا الذي كنت أملك
يا عذار المليح دعني فإني ... لست في ذا الزمان من خل بقلك
وقال أيضا:
رأيت في جلق غزالا ... تحار في حسنه العيون
فقلت ما الاسم قال موسى ... قلت بذا تحلق الدقون
وقال أيضا:
أهواه معسول الرضاب منعما ... ولكم يعذبني الهوى بمنعم
يا قلب هذا شعره وجفونه ... صبرا على هذا السواد الأعظم
وقال:
لا ينكر الكاسر أجفانه ... دم الشهيد الصابر المغرم
فالريح، ريح المسك في خده ... كما ترى، واللون لون الدم
وقال:
علقتها غيداء حالية الطلا ... تجني على عقل المحب وقلبه
بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لاثم ... فغدت مطوقة بما بخلت به
وقال:
بروحي معسول المراشف أغيد ... كثير التجني ما أغر وما أغرا
تثنى قضييا فاح مسكا رنا طلا ... سطا أسد، غنى حماما بدا بدرا
وقال:
وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى
أجل نظرا في حاجبيه ولحظه ... تر السحر منه قاب قوسين أو أدنى
وقال:
وضعت سلاح الصبر عنه فما له ... يقابل بالالحاظ من لا يقابله
وسأل عذار فوق خديه جائر ... على مهجتي فليتق الله سائله
وحين ودعته تأسف للفراق وأعقب بإرسال دمعة المهراق وأنشدني وهو مما يجب أن يكتب على الاحداق لا على الأوراق فقالي لي:
أودعكم وأودعكم لقلبي ... وعون الله حسبكم وحسبي
فقلت مرتجلا:
وأرعى حبكم ما دمت حيا ... وأرجو فضلكم رعيا لحبي
ثم تألف بتلك المدينة الركب، واشتاق إلى البقاع الكريمة القلب فأعددت الزاد. وشددت الاقتاب والاقتاد، وخرجت من مدينة القدس الشريف. في عشي يوم الأربعاء الثاني عشر لشوال من العام المذكور. وقد تضمخ حبي الأصيل بالعبير، وكادت الشمس تسقط من الغرب على شفير، فبتنا بقرب سورها، وأخذنا من الأمور بميسورها، وودعت بمنزلنا ذلك أخي محمد المذكور المتقدم الذكر وداعا استولى على الفكر. فشغلت مقل بالدموع، وأكباد بالجمر، وطالت النوى لوجدان الأسى وعدم الصبر:
ومدت اكف للوداع وصافحت ... وكادت عيون للفراق تسيل
ولا بد للألفين من دمع لوعة ... إذا ما خليل بان منه خليل
ولما غاض نهر المجرة، وابتسمت أسنان الكواكب المفترة، سرنا إلى ان خيمنا بظلال روضات الغيور، وقد استل سيوف الجداول وترشح خمائل النور معدت حينئذ في صفة الشعراء:
وتحدث الماء الزلال مع الحصا ... فجرى النسيم عليه يسمع ما جرا
وكأن فوق الماء وشيا ظاهرا ... وكأن تحت الماء درا مضمرا
فترامينا على تلك المياه بين تلك الظلال مستقين وأنشدتهم لكتاب ميا فارقين:
وقانا وقدة الرمضاء ظل ... وقاه مضاعف الظل العميم
يراعي الشمس أني قابلتنا ... فيحجبها وبأذن للنسيم
وسقانا على ظمأ زلالا ... الذمن المدام لنديم
تروع حصاه حالية الغواني ... فتلمس جانب العقد النظيم


ثم عبرنا واديه الكبير، بعد أن لقينا الجهد الكثير، وسرنا سيرا مجدا، لم نأل فيه جهدا، إلى ان اجتمعتنا بالركب الصفدي بخارج حسبان. وصلناها والأصيل قد ولى، وعامل الضلال قد تولى، فبتنا جميعا بها ولم نفرق بين ظهور المطى وقتبها حتى عبث الابتسام بالوجوم، وفاض مهر المجرة على حصباء النجوم، فنهبنا أيدي المطى على سنة السكون وسرنا إلى أن وافينا مدينة )الكرك( المحروسة العيا، التي هي من امنع معقل، في الدنيا، فوصلنا إليها في ضحوة يوم الأحد الثالث والعشرين لشوال المذكور فرأيت مدينة عظيمة الجرم، سامية الرسم، كأنها على مرقب النجم. يحصر دونها الناظر ويقصر عنها العقاب الكاسر يكاد من علاها يعرف حوض الغمام، ويقف على همام السحاب والقتام، متناهية في الحصانة، موصوفة بالوثاقة، ممتنعة على الطلب والطلاب، مختصة بكقرة الحراس وشدة الحجاب منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب صماء عن الراقي، عالية على المرتقى نائية للمراقب لن تزدها الأيام إلا نبو أعطاف، واستصعاب جوانب وأطرف، فهو حمى لا يراع ومعقل لا يستطاع، كأن الأيام صافحتها على الإعفاء من الحوادث، والليالي عاهدتها على التسليم من القوارع ضخمة المأوى رحبة المثوى، معشوقة السكنى رائقة المغنى.
تحسب النجم في دجى الليل زهرا ... في رباها وتحسب الزهر نجما
قد ساوت الفرقد بالوهاد والنجد، وفتحت أبوابها أنقابا في وسط الحجر الصلد، والعجب كل العجب أنها على بعد مرقاها، وسمو مرتقاها، قد اينعت في أعلاها الثمار وتفجرت منها العيون والأنهار فكلما هب فيها النسيم غردت الأطيار.
فهي لا تسئل الغما ... م ولا تشتاق كالأرض كلها آذار
فنزلنا بخارجها في الثنية العلية، وقد وصل بوصلنا المحمل الدمشقي والمركب الحلبي وتألفت هنالك ركبان الشام وأعدت عدة السير لزيارة افضل الأنام عليه أتم الصلاة وأكمل السلام، ثم تجهز الركب الكركي للسير أولا على عادته الحسنة فتجهزت معه مبتغيا بركة التقدم والإسراع وقاصدا السبق أول وافد على تلك البقاع وخرجنا منها ضحوة يوم الاثنين من غد اليوم المذكور وهو اليوم الرابع والعشرون من شوال فسرنا في جيش كثيف وعدة تظاهر تحت أعلام فخمة وطبول هادرة، وأخذنا نجد السير ليلا ونهارا، ونصل السري اظلاما وأقمارا، ونقطع أرضا صحراء مخوفة القطع، جرداء كالنطع، سوداء مثل القطع، يخطي الدليل سمتها، ويضل السبيل عوجها وأمتها نخترق منها كل خرق وسبسب ونموذج فيها عند كل صباح وغيهب وتلك الجمال المباركة تمد أعناقها، وتحدق أحداقها، وتفري من الفيافي أزرارها وأطواقها، وتشكو إليها أسرارها وأشواقها، ويطربها الحداة فتبل دموعها محاجرها وآفاقها:
)تثنى إلى حداتها أعناقها ... كأنها تأخذ عنهم خبرا(
والنوم قد طار عن الأجفان، وكاد يسير بكبد الظمئان اللهفان، ويسري لبيت الرسول من الزوار ولله من الضيفان فأول ماء وردناه من مياه تلك الصحراء كان يعرف بالحساء وهو ماء عذب زلال، حوله أسس وأطلال، تنبئ عن استصعاب أبد، واقتراب من عهد لبد، فبتنا فيه ليلتنا واروينا فيه غلتنا، وسرنا صباحا نجد السير، ونسرع إسراع الطير، لا تستقر بنا حرارة منزل، ولا نبيت بحمى إلا والكري عنا بمعزل، إلى ان وردناه ماء مغان وهو ماء كثير عذب نمير، فبتنا به وقد عزمنا على الرحلة وأتينا صدقاتها نحلة، ثم سرنا في قفر صفر، واقتحمنا صدر فلاة تروع كل سعادة:
ومهامه كالبحر لا أثرا ... فيها لمفتقر ولا سنن
لو سار فيها النجم ضل بها ... حيران لا شام ولا يمن


إلى أن وصلنا إلى تبوك التي غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلدها اليوم خراب، وعلى كل جدار غراب، فوردنا البير المبارك التي فاضت ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرحنا بنزولها وسرحنا في ظل نخيلها ثم سرنا في مهامه تجمع بين النفس والجزع، وتتصيد عنقاء البسالة في شرك الفزع، إلى ان وصلنا إلى العلا بعد مدى بعيد، وعناء شديد، وهي بليدة ذات منظر جميل، كثير المياه والنخيل، وبينها وبين تبوك مسيرة ثمانية أيام، نهارا وليلا وهي مسافة لها مهابة ومخافة، تتعب فيها الركاب، وتفقد الرفقاء والصحاب: وتكابد الخطوب الصعاب، وقديما ضربت العامة بها مثلا فقالت: ترك أبوك بين العلا وتبوك، ثم رحلنا إلى العلا صباحا، وسرنا غدوا ورواحا، إلى أن وردنا بيرا يقال لها )بير الناقة( بقرب الموضع المعروف بمبرك الناقة. ويعنون بالناقة هاهنا ناقة النبي صالح صلى الله عليه وسلم فوافينا بجهد عظيم وعطش عميم، وهجير كأنما أرسل من نار الجحيم، فبتنا بها ثم أدلجنا منها، وتبلج الفجر ونحن نسير في مدن النبي صالح عليه السلام، فعاينت منها عجبا، بيوتا منحوتة من الصخر، ومجالس مكونة من الجبال لا تفنى إلى آخر الدهر، وغرفا معلقة في الهوا مأوى للنسر، وقصورا مقصورة على الوحوش والطير، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين فأدرك الناس العبر، وعاينوا منظرا لا تشرحه عبارة الخبرة، لا يخبر عنه إلا منظره، ولا يشفى من حديثه إلا محضره، وما عدا ذلك فنجم من سماء، ونقطة من ماء:
كما قابل الزند بركان نار ... وحقف الثماد القليل بحار
ولم نزل نسير، وقد جد المسير وحمى الهجير، وعدم الماء، وتحكم العناء، وعم العطش والإعياء وكاد ان يستولي علينا الفناء:
ولذة جسمي ذلك الضنى ... وراحة قلبي ذلك الألم
ولم تزل الحال كذلك حتى وردنا ماء هدبه فأغثنا به غلل الأكباد، وعادت الأرواح للأجساد، ولما شارفنا أرض هدية، تفاءلنا بأن تكون لنا هدية، وقصد عربان الفلا ان يتخذونا كاسمها ويجعلوننا في الدروس كرسمها، فضربوا على ذنب الركب في راس المضيق، وأذاقوه دون برد الماء بأطراف الأسنة عذاب الحريق، فآنبرى من الركب من صرفهم عن تلك النية وصافحهم بيد البلية، ثم حللنا عرى السفر، وحللنا بساحة هدية الظفر، فأحدقنا بها أحداق الهدب بالعين، وأطرنا بمختلس وصالها وغربان البين، واجتلينا منها عروسا قد مد بين يديها بساط الماء، وتوجت بالهلال وقرطت بالثريا ووشيت بنجوم السماء، وبتنا تلك الليلة مسرورين بالقرب مستبشرين، حامدين الله تعالى شاكرين مرتقبين لوشك الرحيل منتظرين:
طال الوقوف برسم الدار يا حادي ... فمن عسى خبر من جانب الوادي
عرج بمنعرج الوادي لعل به ... منهم شفاء لقلب الهائم الصادي
ثم ارتحلنا صبحا، وسرنا نتلقى نجحا، ولم نزل نفري الفلا ونجذب البرا، ونجد السير ونؤثر السرى، حتى بدت أعلام وادي القرى فدنا الأنس، وانشرحت النفس، ونسخ باليوم الأمس، كلما قيل غدا تدنو الدار، ويقرب المزار طربت على السماع، وترقبت الملتقى من ثنيات الوداع، وكفكفت العبرات، وتمثلت بهذه الأبيات:
قالوا غدا تدنو فوا حسرنا ... لو كان بالعمر غدا يشترى
اسمع بالقرب ولكنني ... لا تنطفي ناري حتى أرى
يا ليلة قد بقيت هل ترى ... احمد في صبح رجالك السرى
وحين وصلنا إلى ثنية )المدينة النبوية الكريمة( علما ان لمشاركة اسمها استحقت الثنايا القبل، ولما انجلت عنه من بارقة اللقاء اتصف بها الاشتراك واتصل، فشاهدنا نورا خالف العادة إشراقه، وعز على ضوء النسرين لحاقه عرفته البصائر قبل الأبصار وأنكرته النواظر لعلو جوهر نزره على الأنوار، ففسحت لطرف طرفي في ذلك الأفق مجالا، وأرسلت دمعي سجالا ونظمت ارتجالا:
الله أكبر حبذا إكباره ... لاح الهدى وبدت لنا أنواره
لاحت معالم يثرب وربوعها ... مثوى الرسول وداره وقراره
هذا النخيل وطيبة ومحمد ... خير الوري طرا وها أنا جاره
هذا المصلى والبقيع وهاهنا ... ربع الحبيب وهذه آثاره
هذه منازله المقدسة التي ... جبريل ردد بينها تكراره
هذه مواضع مهبط الوحي الذي ... تشفى الصدور من العمى اسطاره


هذه مواطئ خير من وطئ الثرى ... وعلا على السبع العلا استقراره
ملا الوجود حقيقة إشراقه ... فأضاء منه ليله ونهاره
والروضة الفيحاء هب نسيمها ... والبان بان ونم منه عراره
وتعطرت سلع فسل عن طيبها ... لم لا تطيب وحولها مختاره
بشرك يا قلبي فقد نلت المنى ... وبلغت ما تهوى وما تختاره
قد أمكن الوصل الذي أملته ... وكذلك حبي أمكنت أسراره
قد كان عندي لوعة قبل اللقا ... فالآن ضاعف لوعتي إبصاره
رفقا قليلا يا دموعي أقصري ... فالدمع يحسن في الهوى اقصاره
قد كانت العين الكريمة في غنى ... عن أن يفيض بتربها تياره
أيضيع من زار الحبيب وقد درى ... ان المزور بباله زواره
أيخيب من قصد الكريم وعنده ... حسن الرجاء شعاره ودثاره
أيؤم بابك مستقيل عاثر ... فيرد عنك ولا تقال عثاره
حاشا وكلا أن تخيب آملا ... فيعود صفرا خيبت أسفاره
يا سيد الإرسال ظهري مثقل ... فعسى تخف بجاهكم أوقاره
رحماك فيمن أوبقته ذنوبه ... فكأنما إقباله ادباره
ليس الصغار وقد تعاظم وزره ... والعفو تصغر عنده أوزاره
شط المزار ولا قرار وشدما ... يلقى محب شط عنك مزاره
وافي حماك يفر من زلاته ... وإليك يا خير الأنام فراره
وأتاك يلتمس الشفاعة والرجا ... اقتاده وظنونه أنصاره
والعبد معتذر ذليل خاضع ... ومقصر قد طولت أعذاره
متسول قد أغرقته دموعه ... متنصل قد أحرقته ناره
قدفت به في غربة أوطانه ... ورمت به لعلائكم أوطاره
فأمنن وسامح واعف وأصحف واغتفر ... فلانت ماح للخطأ غفاره
صلى عليك الله ما حيا الحيا ... روض الربا وترنمت أطياره
ثم تحدرنا من الهضاب، وقذفتنا بطون الأودية من أفواه الشعاب ولاحت لنا الأنوار النبوية من تلك القباب وشرفنا الجباه بوطء ذلك التراب:
ولما رأينا ربع من لم يدع لنا ... فؤادا لتذكار الديار ولالبا
نزلنا على الاكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه ان نلم به ركبا
ومن آداب الزيارة إذا أشرف الزائر على المدينة أو على البيت أن يترجل ولما قدم الجوهري المدينة ترجل وجعل يقول:
رفع الحجاب لنا فلاح لناظري ... قمر تقطع دونه الأوهام
وإذا المطى بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرحال حرام
قربتنا من خير من وطئ الثرا ... فلها علينا حرمة وذمام
ومشى حتى بلغ إلى المسجد وهو ينشد:
هذه دراهم وأنت محب ... ما احتباس الدموع في الاماق
والمغاني للصب فيها معان ... فهي تدعى مصارع العشاق
حل عقد الدموع وأحلل رباها ... وأهجر الصبر وآقض حق الفراق
ووصلنا إلى المدينة النبوية، المقدسة الشريفة المخصوصة بالصفحة الزهراء والتربة البيضاء، والبقعة المشرفة بمجد صلى الله عليه وسلم سيد الانبياء صلى اله عليه وسلم صلاة تتصل مع الأحيان والأناء، فنزلنا بها من ضحى يوم الخميس التاسع عشر لذي القعدة من العام المذكور ثم ابتدرنا إلى الحرم الشريف، والكرم قد فتح الباب ورفع الحجاب وملا بالبر الرحاب، فاستعظمنا الأقدام على المقام، وعجزنا عن أداء ما يجب من السلام فعبرت العبرات عن الكلام ووقفنا بين يدي ساكنه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فيا لها تحية أرق من النسيم إذا سرى وسلاما أندى على الأكباد من قطر الندى، والذي في الأجفان من سنة الكرى، وحين فزت بهذه النعمة فوزا عظيما، ودخلت مع تلك الفوحة مدخلا كريما، وثبت بعد الاستغفار بالتربة والرحمة لقوله تعالى ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ثوابا رحيما، وأخذت في تلاوة القرآن المنزل عليه في حضرته ومثلت نفسي جالسا بين يديه الكريمة أعرض عليه درسي بعد استيذانه ومشورته، ثم ختمت الختمة بالدعاء، وأضرمت نيران الأشواق بماء البكاء، وهنأت نفسي ببلوغ المنى وزوال العناء:
وعفرت خدي في شدا ذلك الثرى ... ومتعت طرفي بالحبيب ومسمعي


ثم أقبلت على ذلك الحرام الشريف. والمسجد الرفيع المنير، أتأمل محاسنه، وأتخيل فيه بين أصحابه الأبرار ساكنه، فمن أبدع ما رايته وأبرعه قصيدة فريدة كتبت بالخط المذهب الرائق البديع، وأثبتت في ألوان الأذهان التي تخجل زهر الربيع ورفعت أمام المقدسة في سقف المسجد الشريف الرفيع فنحلت القراطيس لؤلؤها، ونقلت كل ما كان قبلها وبعدها، وهاهي تسفر عن غرتها الواضحة، وتعبق عن نسمتها النافحة، وتشهد لناظمها بالقريحة الراجحة والعقيدة الصالحة: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم،
سلام كنشر الورد من مسقط الندا ... عليك رسول الله يا منزل الهدى
ويا مهبط الأملاك والوحي لم تزل ... أنيسا بزوراء الرسول ممجدا
ويا تربة المختار أفديك تربة ... بنفسي وان كانت أقل من الفدا
ويا بيته حيا ومثواه ميتا ... لك الفخر في حاليك بيتا ومشهدا
تضمنت أعضاء الرسول مبوءا ... مهادا من الفردوس فيك ممهدا
سقى الله منك الترب أفضل ما سقى ... وصلىعلى من حل فيك موسدا
فيا منزل الأبرار حييت منزلا ... ويا مسجد الأبرار شرفت مسجدا
كأني أرى صحب النبي محمد ... بأرجائك انبثوا ركوعا وسجدا
ففيك بدت من جنة الخلد روضة ... تطوف بها الأملاك مثنى ومفردا
سلام من الرحمن يذكو أريجه ... أخص به خير الامام محمدا
سلام ورضوان وروح ورحمة ... على روحه ما راح ساع وما غدا
فيا خير أهل الأرض بيتا وعنصرا ... وأشرف خلق الله نفسا ومحتدا
وأوسعهم خلقا وأزكى خلائقا ... وأطيبهم خيما وأطيب مولدا
ويا صفوة الرحمن من خير خلقه ... وأطولهم طولا وأعظم سؤددا
شهدت بأن الله لا رب غيره ... وان رسول الله حقا محمدا
وأشهد أن الله أهداك رحمة ... إلى خلقه وأختارك الله سيدا
فصلى عليك الله يا خير مرسل ... ويا خير من بالمعجزات تفردا
وصلى عليك الله ما لاح بارق ... وما ناح طير في الغضون مغردا
وصلي على الأبرار أهلك أنهم ... بنورهم يأتم من قد تزهدا
هم القوم عنهم اذهب الرجس كله ... وركب فيهم كل خير وأوجدا
وصلي على أصحابك الغر إنهم ... نجوم بها ينجو غدا من بها اهتدى
صلاة الاهي والسلام مضاعف ... على المصطفى المختار ما اتصل المدى


الهم أدم العز والتمكين والنصر والفتح المبين لعبدك المسكين، الذي أوليته أمور المسلمين واخترته على كثير من العالمين السلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين، وأبو المعالي محمد قسم أمير المؤمنين سلطان الإسلام والمسلمين، قاتل الكفرة والمشركين، قاهر الفجرة والمتمردين، حامي حوزة الدين، سلطان الديار المصرية والعراقية، والبلاد الشامية، ملك البحرين خادم الحرمين الشريفين، ولد السلطان المرحوم، الملك المنصور، سيف الدنيا والدين قلاون الصالحي أدام الله أيامه، ونشر في الخافقين رايته وأعلامه، وجعل السعد والإقبال حيثما توجد أمامه، وكان ابتداء العمل في شهر ربيع الأول، وانتهاؤه في جمادى مستهل الأخير سنة إحدى وسبعمائة للهجرة النبوية انتهى. والروضة المقدسة مع آخر الجهة القبلية من المسجد الشريف مما يلي الشرق، ولها خمسة أركان خمسة صفحات وشكلها عجيب، لا يكاد يتأتى تصويره لأحد ولا تمثيله، والصفحات الأربعة محرفة من القبلة تحريفا بديعا لا يتأتى لأحد استقبالها في صلاته، لأنه ينحرف عن القبلة وقيل أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه اخترع في تدبير بنائها مخافة ان يتخذها الناس مصلى، وفي الصفحة الغربية منها صندوق من أبنوس مختم بالصندل مصفح بالفضة مكوكب بها هو قبالة رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وطوله خمسة أشبار وعرضه ثلاثة وارتفاعه أربعة أشبار، وفي الصفحة القبلية أمام وجه النبي صلى الله عليه وسلم مسمار فضة هو قبالة الوجه الكريم فيقف الناس أمامه للسلام عليه صلى الله عليه وسلم وإلى قدميه رأس أبي بكر الصديق رضي الله عنه ورأس عمر الفاروق رضي الله عنه مما يلي كتفي أبي بكر رضي الله عنه فيقف المسلم مستدبر القبلة ومستقبل الوجه الكريم فيسلم ثم ينصرف إلى وجه أبي بكر، ثم إلى وجه عمر رضي الله عنهما، وأمام هذه الصفحة المكرمة نحو العشرين قنديلا معلقة من الفضة، وفيها اثنان من الذهب وتوقد كل ليلة مع غيرها من الشمع العظيم العجيب، فجميع سعة الروضة المباركة من جميع جهاتها مائة شبر واثنان وسبعون شبرا، مؤزرة بالرخام البديع النحت، الرائق النعت وينتهي منها إلى نحو الثلث والى حيز الرخام تنتهي الأستار من الديباج وهي لا زوردية اللون مختمة بخواتم بيض مثمنة ومربعة، ومنظرها منظر رائق بديع الشكل، والجدار المكرم قد علاه تضميخ المسلك والطيب متراكما عليه على طول الأزمنة وتعاقب الأيام، والذي يعلو مع علو الجدار شبابيك عود متصلة بالسمك الأعلى لان أعلى الروضة المقدسة متصل بسمك الجدار الشريف، وبين الروضة المقدسة والشبابيك المباركة مدى واسع، وللشبابيك أبواب مكتوبة على كل باب منها ما نصه )بسم الله الرحمن الرحيم خدم بهذه الدار بزينة للحرم الشريف مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين أبي الفتح بيبر الصالحي، قسيم أمير المؤمنين في سنة ثمان وستين وستمائة، وفي جوفي الروضة المقدسة حوض صغير مرخم في قبلته شكل محراب قيل انه كان بيت فاطمة رضي الله عنها وقيل أنه قبرها والله أعلم، وعن يمين الروضة المقدسة المنبر المبارك الذي قصر الصانعون عن صنعته ونبت الافهام عن مرام شبهه فقام في أدق نمنمة، وأوضح رقم من رفيع الأبنوس ونفيس الصندل الأحمر والأصفر والبقس واللبع والبقم والشوحط والقيقب بأحكم تصنيف وأبدع تركيب وما بينهما الروضة التي جاء فيها الحديث أنها من رياض الجنة فتزاحم الناس فيها للصلاة وحق لهم ذلك وبازاء الجهة القبيلة عود يقال أنه مطبق على بقية الجدع الذي حن للنبي صلى الله عليه وسلم وقطعة منه في وسط العمود ظاهرة يقبلها الناس ويتبركون بلمسها ومسح خدودهم فيها، وطول المسجد الكريم مائة وست وتسعون خطوة وسعته مائة وست وعشرون خطوة وهو بالذراع ثلاثمائة ذراع طولا ومائتان عرضا وتكسيره من المراجع المغربية أربعة وعشرون مرجعا، وعدد سواريه ثمانمائة وتحفة من جهاته الأربع بلاطات مستديرة به ووسطه كله مفروش بالحصا والرمل وفي صحنه قبة بيضاء كبيرة أمامها خمس عشرة نخلة نصف جدار القبة الأسفل رخام موضوع أزار على أزار مختلف الصنعة واللون مجزع أبدع تجزيع، والنصف الأعلى من الجدار منزل كله بالذهب قد أنتج الصناع فيه نتائج غريبة من الصنعة فيها تصاوير أشجار مختلفات الصنعة ماثلات الأغصان فيه بثمرها، والمسجد المكرم كله على تلك الضفة لكن الصنعة


في جدار القبلة أحفل والاحتفال في هذا المسجد المبارك أكثر من ان يأتي عليه الوصف وللمسجد الكريم أربعة أبواب كبار هي المفتوحة الآن في الغرب منها اثنان يسمى أحدها باب الرحمة والثاني باب الخشية وفي الشرق واثنان يعرف الواحد بباب جبريل عليه السلام، والثاني بباب الرخاء، ويقابل باب الرحمة مدرسة لم أر أحسن بناء منها ولا أبدع صنعة، ويقابل باب جبريل باب عثمان رضي الله عنه وهي التي استشهد بها وبازاء المقصورة لجهة الشرق خزانتان كبيرتان تحتوي على كتب ومصاحف موقفة على المسجد المبارك، ويخارجه لجهة الشرق دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبازائها دار عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودار ابنه عبد الله رضي الله عنه، وللحرم الشريف أربع صوامع في الأربعة الجوانب، وبظاهر المدينة الكريمة من جهة القبلة على ميلين اثنين منها مسجد قباء وهو مسجد حسن عدل التربيع مستوى الطول والعرض، ظاهر البركة كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه راكبا وماشيا، وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الصلاة في مسجد قباء كعمرة، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من توضأ فأحسن وضوءه ثم جاء مسجد قباء فركع فيه أربعة ركعات كان ذلك كعمرة على عمرة وفي وسطه مبرك الناقة بالنبي صلى الله عليه وسلم وعليه شبه روضة صغيرة يتبرك الناس بالصلاة فيه وفي صحته مما يلي القبلة شبه محراب على مصطبة هو موضع ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وبأعلى المحراب مكتوب ما نصه بسم الله الرحمن الرحيم لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق ان تقوم فيه، فيه رجال يحبون ان يتطهروا والله يحب المطهرين، هذا مقام النبي صلى الله عليه وسلم جدد هذا المسجد في تاريخ سنة إحدى وسبعين وستمائة وطول المسجد مائة وعشرون خطوة وعرضه كذلك وله باب واحد من جهة المغرب ومئذنته عالية جدا بيضاء تظهر على بعد، وأمام بابه بئر كبيرة عذبة معينة، يأتي الماء منها إلى المدينة، وفي قبلة المسجد دار أبى أيوب الأنصاري ويلي دار أبي أيوب وهي دار بني النجار دار عائشة وبازائها دار عمر ودار فاطمة ودار أبى بكر رضي الله عنهم، وقباء كانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة المكرمة والطريق أليها بين دائق النخيل المتصلة والنخيل يحدق بالمدينة وجهاتها كلها، وأعظمها نخلاً جهة القبلة وجهة الشرق وعند قفولنا من قباء. أتينا مسجد الفتح الذي أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم فيه صورة الفتح فتبركنا برؤيته وشفعنا ما شاء الله في بقعته، وبظاهر المدينة الكريمة من جهة الجوف على مقدار ثلاثة أميال منها جبل أحد وبه مشهد حمزة رضي الله عنه ومشاهد الشهداء بازائه وفي طريق أحد، مسجد علي رضي الله عنه ومسجد سليمان الفارسي رضي الله عنه، وبخارج المدينة الكبيرة من جهة الشرق بقيع الغرقد فأول ما يلقى الخارج من باب البقيع على يساره مشهد صفية عمة النبي صلى الله عليه وسلم أم الزبير بن العوام رضي الله عنهما وأمامه قبر مالك بن أنس رضي الله عنه وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء وأمامه قبر السلالة الطاهرة النبوية إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وعليه قبة بيضاء وبقربه عقيل بن أبي طالب وعبد الله بن أبي جعفر الطيار رضي الله عنهم، وبأزائهم روضة فيها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم بأزائها روضة صغيرة فيها ثلاث من بنات النبي صلى الله عليه وسلم تليها روضة العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي ورأس الحسن إلي رجلي العباس رضي الله عنهما وهي قبة كبيرة مرتفعة في الهواء والقبران مرتفعان عن الأرض متسعان مغشبان بألواح ملصقة أبدع إلصاق مرصعة بصفائح الصفر ومكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم بن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد ذي النورين رضي الله عنه، وعليه قبة كبيرة مختصرة عالية وعلى مقربة منه مشهد فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وعلى القبر مكتوب ما ضم قبر أم أحد كفاطمة بنت أسد رضي الله عنهما وعن بنيها ومشاهد هذا البقيع المكرم أكثر من ان تحصى لأنه مدفن الجمهور من الصحابة المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من مات في أحد الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب وفي طريق آخر بعث من الأمين يوم


القيامة وعن ابن عمر عنه عليه السلام من استطاع أن يمت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من جاءني زائرا لا يهمه إلا زيارتي كان حقا على الله سبحانه أن أكون له شفيعا، وروي عنه صلى الله عليه وسلم من زارني بعد وفاتي فكأنه زارني في حياتي.
وفي كتاب الشفاء لأبن سبع رحمه الله ان بعض العلماء قال ومما خص الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من الآيات الظاهرة والعلامات الزاهرة الشعاع الذي يرى فوق المدينة كالإكليل يتطاير من موضع لا يخفى على من يتأمله وهذه كرامة أفرد بها المدينة دون سائر البلدان. وللمدينة المكرمة أربعة أبواب وهي تحت سورين في كل سور باب يقابله باب آخر الواحد منها حديد كله ويعرف بباب الحديد ويليه باب الشريفة ثم باب القبلة ثم باب البقيع المذكور، وقبل سور المدينة من جهة الغرب بمقدار غلوة هو الخندق الشهير الذكر الذي صنعه النبي صلى الله عليه وسلم عند تحزب الأحزاب وبينه وبين المدينة المكرمة عن يمين الطريق العين المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم وعليها خلق عظيم وبنيان مستدير ومنبع العين وسطه كأنه الحوض المستطيل، وتحته سقايتان مستطيلتان باستطالة الخلق، فقد ضرب بين كل سقاية وبين الحوض المذكور جدار، فحصل الحوض محدقا بجدارين وهو يمد السقايتين المذكورتين ويهبط إليهما على أدراج عددها خمسة وعشرون درجا وماء هذه العين المباركة يعم أهل الأرض فضلا عن أهل المدينة، وللمدينة المكرمة سقاية ثالثة داخل باب الحديد يهبط إليها على أدراج وماءها معين وهو بمقربة من الحرم الكريم، والمدينة المكرمة في مستو من الأرض شريف نزيه وسماها عليه السلام طيبة لأن من توجه نحوها يجد رائحة طيبة على مسيرة أميال، والمدينة المكرمة متسعة الأرجاء مشرقة الأنحاء طيبة الهواء كثيرة النخيل والماء ممتدة التخطيط والاستواء حسنة الترتيب والبناء لم أر قط ولم أتنشق ءانق من رباها ولا أعبق من صباها ولا أمرع من روضها، ولا أمرح من أرضها ولا أصفى من جوها ولا أضوأ من ضوئها، ولا اشرق من نورها وأفتن من زهرها ولا ارق حاشية من أديمها ولا ألصق بنياط القلب من أرجها ونسيمها.
أحب الحما لأجل من سكن الحما ... ومن أجل من فيها تحب المنازل


ولم أزل ألازم ذلك الحرم الشريف مساءا وصباحا وأتنعم في روضته الجنة غدوا ورواحا، وأرسل دمع اللقاء مدرارا، وأناجي الحبيب ليلا ونهارا، فتهب نفحات القبول من ذلك الجناب، وتنفح أرواح الرحمة فأجلى المحبوب من وراء حجاب، ويزدحم الناس على الروضة المقدسة فتتلقاهم جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، وفي كل ليلة تتجدد لها من اللطائف والتحف، والطرائف والزلف، ما تقصر الألسن من نعتها، وما نرى من آية إلا وهي أكبر من أختها، وقد أثبت جميع ما سمعت، وجميع ما لقيت من ذلك الحرم النبوي الشريف في برنامج روايتي. وأكبر من لقيت به وأفضلهم وأعلمهم بالله تعالى وأزهدهم وأكملهم الشيخ الإمام الأوحد، ولى الله تعالى أبو محمد بن أسعد بن علي اليافعي، اليمني الشافعي، رضي الله عنه هو أجل العلماء العابدين وأفضل الأولياء الزاهدين، وأحفل الأدباء البلغاء الماجدين آثر الفقر عن الغنى، واختار الآخرة على الدنيا وتبدل من الجياد، بالوهاد، واعتاض من اللدونة بالخشونة فقطع العلائق، وهجر الخلائق، ورأى الدنيا ساعة فجعلها طاعة، وشمر للعبادة كل التشمير وبالغ في الزهادة حتى ما أبقى من فتيل ولا قطمير، فخرج من مواطنه إلى بلاد اليمن سائحا وانقطع لعبادة مولاه شابا صالحا، مفارقا للامرة، وهاجر دياره إلى دار الهجرة، فاشتهر علما وعقلا، واشتغل بالحق عن الخلق وكفى بالعبادة شغلا، واستنفذ في طاعة مولاه الجهد، واستشهد في دنياه الجهد، وآثر الرغبة عنا والزهد، وتسوغ صابها كما يتسوغ الشهد، وأطال في حنادسها السهد، وواصل الصيام والقيام حتى أفنى العظم والجلد، ولقد عاينته وقد الصق بالأرض الخد وأرسل دموعه حتى سقت الثرى والنجد، وعلا صياحه متأوها باكيا حتى كاد أن يبكي الحجر الصلد. فيرحمه من شاهدوه قد فني ويرتجي له الخلد. فاستقر بالحرم النبوي الشريف وقر في ذلك الجنات العالي المنيف، وقسم مجاورته الكريمة. بين الحرمين الشريفين مكة والمدينة فتارة يكون في جوار بيت الله، وتارة يسكن في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشرف وكرم. لم يزل على ذلك من سنين، فله من الحجج ما ينيف، على الخمسين، ما ملك زيادة على ستر عورته ولا علم أحد من أين يأتيه سد جوعته، وقد رفع العلم قدره، واحتقرت العين طمره، ولو اقسم على الله لأبره:
رب ذي طمرين نضو ... يأمن العالم شره
لا يرى إلا غنيا ... وهو لا يملك ذره
ثم لو اقسم في شيء ... على الله أبره
لقيته بالحرم النبوي الشريف فسمعت منه، ورويت عنه، وظهرت لي بركة لقائه، وإجابة دعاءه. نفعنا الله به وبأوليائه وسمعت من لفظه كثيرا من تأليفه الذي سماه كتاب الإرشاد والتطريز. في فضل ذكر الله وتلاوة كتابه العزيز، وفضل الأولياء والناسكين والفقراء والمساكين، وهو تأليف بديع السلك، وأجازه لي وأذن لي في روايته عنه وأجازني إجازة تامة وأنشدني منه قصائد عديدة لنفسه، من ذلك قصيدة طويلة أحسن فيها ما شاء وأجاد وأولها.
قفي حدثينا من حديث الأحبة ... وقد سكروا من كأس راح المحبة
وأقمار حسن قد تجلت ليجتلوا ... عرائس أنوار عن الوصف جلت
ومن ذلك قصيدته التي أولها:
تركت هوى ليلى وسعدي بمعزل ... وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق مهلا فهذه ... منازل من تهوى رويدك فانزل
وأنشدني لنجم الدين الاصبهاني:
وقد أوطأت نعلي كل أرض ... وقد أتعبت نفسي باغتراب
وقد طوفت في الأفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب


ومن أعظمهم رياسة، وأكرمهم سيادة وسياسة، الشيخ العالم الرئيس جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف الخزجي المصري السعدي العبادي رضي الله عنه ذو المجادة والأصالة، والسيادة المأثورة والجزالة، والحفظ لرسوم العلم والجلالة، الذي علم بالوفد، وشهد بالرفد، وتبوأ بحبوحة المجد، وسار سيرة الصلحاء الأخيار وورث الأعمال البرة من أسلافه، وتقليل ذروة العز المكينة، وأشير إليه بالسمت والعدالة والسكينة، كبير الرؤساء، وأثير الكرماء، وعارض النعماء، وفاضل العلماء وكامل السؤدد والعلاء، عكف على إسماع الحديث وإقامة السنة، لقضاء أوطار أهل الاوطار، لا واهي الهمة ولا ضعيف المنه، لقي الصدور الأكابر، فوعى صدره علما كبيرا وسقى زلال الحكمة فأحيا الله به إنعاما واناسى كثيرة.
جزته جوازي الخير عنهم فانه ... سقاهم بشؤبوب من العدل ساجم
فقد سار فيهم سيرة لم يسر بها ... من الناس إلا مثل كعب وحاتم
لقيته بالحرم النبوي الشريف تجاه الروضة المقدسة، فسمعت عليه كثيرا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأربعين حديثا التي خرجها له الأمام الحافظ علم الدين البرزالى الدمشقي في كتاب الزيارة لأبي اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب بن عساكر، وحدثني بها عن أبي اليمن بن عساكر المذكور سماعا عليه، وأجازنيها مع جميع ما يحمله ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة، ومولده في سنة ست وسبعين وستمائة وما برحت في ذلك الحرم النبوي الشريف في بلوغ سول، ومجاورة أكرم نبي، وافضل رسول، إلى أن وصلت الركبان الشامية التي كنا خلفنا خلفنا، فخرجنا بأثر وصولهم، وهبت علينا نفحات القبول والتكرم، والشوق في كل ذلك مكتنف ولا دمع إلا منذرف، ولا قلب إلا مختطف.
ولولا الترجي للمحبين لم تكن ... قلوبهم يوم النوى تعمر الدرا
وكان خروجنا من المدينة الكريمة في ضحوة يوم الاثنين الثالث والعشرين لذي القعدة المذكورة وسرنا نكفكف أمطار الدموع، ونخلف المدينة الكريمة بالطرف الرامق والقلب الولوع، وقلبي يتوقف ويتخوف على اللحاق، ويتخلف عن الرفاق من فرق الفراق، بعد فرح التلاق فصارعت مرامه وأنشدت أمامه:
لله أي هوى برامه ... حيث القلوب المستهامه
لم يبق قلب في الحمى ... إلا وقد أعطى زمامه
بالله يا حادي القلوب ... إذا رجعت مع السلامة
فاخدع فؤادي عله ... يرعى لمنزله ذمامه
حتى انتهينا إلى ذي الحليفة وهي على خمسة أميال من المدينة أحرم من هناك أكثر الناس بالحج مفردين، وقارنين ومتمتعين فأحرمت منها بحجة مفرد، ومنها أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها هو حرم المدينة الكريمة إلى مشهد حمزة رضي الله عنه إلى )قبا( ثم سرنا ملبين راغبين لله تعالى مبتهلين، ولم نزل نسير في تلك الأودية وهجيرها يلفح. وزفيرها لا يكف عنا ولا يصفح إلى أن وافينا وادي الصفراء فنزلنا على نعيمه الذي به حييت الذماء، وان هو إلا الاسودان التمر والماء، وسرنا إلى أن نزلنا ببدر وهناك يجتمع من مصر والشام الطريقان، ويتألف منهما الفريقان. وبمنزلنا ذلك اجتمعنا مع الركب المصري والمحمل الآمري فروينا من عذب ذلك الماء، وزرنا مشاهد الصحابة الشهداء. ثم رحلنا إلى أن وردنا ماء )رابغ( بقرب الجحفة فأحرم هنالك من كان دون إحرام. وارتحلنا محرمين إلى بلد حرام. إلى أن وصلنا )خليص( فوردنا من ماءها النمير. وتزودنا تمورها الكثير، وارتحلنا إلى أن وصلنا إلى بطن )مرو( وقد أنسنا بدنو المرام. والاقتراب من بيت الله الحرام. فأدركنا في تلك الطريق الظلال بقية المقيل، وخيمنا بين متكاثف ذلك النخيل، وسرنا إلى أن وصلنا مكة شرفها الله تعالى فدخلناها من كداء الثنية التي بأعلاها في ضحوة يوم السبت الخامس لذي الحجة من العام المذكور. والأصوات تصافح الآذان بالتلبية، والألسنة تضج بالرغبى والأدعية فياله يوماً طرز به العمر وانشرح له الصدر، ووضع فيه الوزر وأجزل الثواب والأجر. فاعظم بحرمة حرمته وأكرم بمسائه وصحبته وأعبق بكافور غدوته، وزعفران عشيته، وعنبر ليلته، وفي ذلك يقول صاحبنا نجم الدين أبو الحسن علي بن داوود بن يحيى بن كامل الحنفي الدمشقي ونظمها قبل الوصول إلى الكعبة شرفها الله تعالى.
ليلة الوصل بالمليحة أهلا ... بك يا غاية الأماني وسهلا


طال عمر الصدود دونك حتى ... كدت اقضي أسى وأعدم عقلا
قد أشاب الفراق رأسي حتى ... ظنني الناس في الشبيبة كهلا
يا ليالي الوصال لا صرم الدهر ... لنا بعد ما بلغناك حبلا
كم بكيناك بالدموع اشتياقا ... لا نبالي في ذلك لوما وعذلا
وركبنا نجائب السهر نطوي ... من قفار الأفكار وعرا وسهلا
ولعمري جميع ذلك حلو ... غير أن الوصال والله أحلا
يا جفوني لك الهناء تقضي ... زمن البعد والجفا وتخلا
فتملى بما تمنيت هذا ... ربع مي وهذه مي تجلا
فاجعلي دمعك المصون نثارا ... فهو أعلى من اللئالي وأغلا
أترى هذه منازل مي ... عن يقين وهذه مي أم لا
وهل الدهر جامع لمحب ... بك يا حلوة الشمائل شملا
لا تلومي على الجهالة صبا ... لا يرى غير شغله بك شغلا
كان قبل الهوى عزيزا فلما ... ذاق طعم الهوى استكان وذلا
فغدا يبصر الشقاء نعيما ... ويعد الملام في الحب جهلا
طاب يا ربة الستور سقامي ... عندما طاب في هواك وجلا
وأذاب البعاد جسمي نحولا ... وانقضى بالصدود عمري وولا
ثم زال الشقا وفزت بوصل ... منك أعلى من الحياة محلا
وبلغت المنى فلست أبالي ... أقبل الدهر بعد ذا أم تولى
وحين حمدنا السرى، ووصلنا إلى أم القرى وعلمنا أننا أضياف الله فدخلنا منه بأحسن القرى وتبدت لنا الكعبة الغراء في أستارها، وتجلت لنا المليحة في حلل أنوارها
وضعنا جباها في الثرى قد تهللت ... أساريرها منها وزاد سرورها
وطفنا بها سبعا وزفت ظلالها ... على خائف مثلي أتى يستجيرها
وحين وقع نظري عليها، ومثلت لديها، أنشدت مرتجلا بلسان الخضوع، وكتبت خجلا بماء الدموع.
الهي هذا البيت بيتك جئته ... وعادة رب البيت أن يكرم الضيفا
فهب لي قرى فيه رضاك وأنني ... من النار خوفي فلتؤمني الخوفا
وأخذنا نطوف طواف القدوم، ونعرف ما لنا من الكرامة بموجوده على المعدوم، وقضينا الانساك مهتدين في قضائها، مقتدين في شروع أدائها، وعدنا إلى البيت الحرام نطوف به ونستلم، وتقبل أركانه ونلتزم، ونصبر عند تقبيل الحجر على الاصطدام والاظطرام، نغتفر الزحام عند الورود على منهله والمنهل العذب كثير الزحام، ونستنزل الألطاف ونستلذ المقام بين الركن والمقام، ونشرب من ماء زمزم ما يروي الاوام، ويبري من السقام، والقلب يتشبت بأهداب تلك الخيام، ويوطن نفسه دون بقية الجسد على المقام، والطرف يذرف دموع المذنب الخاطئ، واللسان يردد لنجم الدين مهلل بن محمد الدمياطي:
يروق لي منظر البيت العتيق إذا ... بدا لطرفي في الاصباح والطفل
كان حلته السوداء قد نسجت ... من حبة القلب أو من أسود المقل


والبيت المكرم له أربعة أركان، وهو قريب من التربيع وذكر أن ارتفاعه في الهواء من السطح الذي يقابل الصفا وهو بين الحجر الأسود واليماني تسع وعشرون ذراعا وسائر الجوانب ثمان وعشرون بسبب انصباب السطح إلى الميزاب فأول أركانه الركن الذي فيه الحجر الأسود ومنه ابتداء الطواف ويتقهقر الطائف عنده قليلا كأنه يمس جميعه بيده والبيت المكرم عن يساره وأول ما يلقى بعده الركن العراقي وهو ناظر إلى جهة الشمال ثم الركن الشامي وهو ناظر إلى جهة المغرب ثم الركن اليماني وهو ناظر إلى حيز الجنوب ثم يعود إلى الركن الأسود وهو ناظر إلى جهة المشرق وعند ذلك يتم الطائف شوطا واحدا ومن الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى الركن العراقي أربعة وخمسون شبرا وذلك داخل الحجر، وأما من خارجه فمنه إليه أربعون خطوة وهي مائة وعشرون شبرا ومن خارجه يكون الطواف. ومن الركن الشامي إلى الركن اليماني ما من الأسود إلى العراقي لأنه الصفح الذي يقابله ومن اليماني إلى الأسود ما من العراقي إلى الشامي داخل الحجر لأنه الصفح الذي يقابله أيضا وباب البيت المكرم في الصفح الذي بين ركن الحجر الأسود بعشرة أشبار وذلك الموضع الذي بينهما من صفح البيت يسمى الملتزم وهو موضع استجاب الدعوة على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن الحجر الأسود إلى الأرض ستة أشبار فالطويل يتطامن لتقبيله والقصير يتطاول له والحجر الأسود مرأى بديع ورونق صقيل هو قيد الأبصار حسنا وفي وسطه مما يلي جانبه الذي على يمين المستلم له إذا وقف نقطة بيضاء صغيرة مشرقة تلوح كأنها خال في تلك الصفحة المباركة، وفي هذه الشامة البيضاء أثر أن النظر إليها يجلو البصر فيجب على المقبل أن يقصد بتقبيله من الشامة المباركة ما استطاع، وللحجر عند تقبيله لدونة ورطوبة يتنعم بها الفم حتى يود اللاثم أن لا يقلع فمه عنه فهو أعذب من رضاب الكعاب، وأشهى من شم العرب الاتراب، وتلك من خواص العناية الالاهية فيه، روى الترمذي عن أبن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنزل الحجر من الجنة أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم. وروى الترمذي أيضا من طريق عبد الله بن عمر ان الحجر الأسود والركن اليماني ياقوتان من الجنة ولولا ما طمس من نورها لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب، وفي رواية غيره ولا براء من أستلمها من الخرس والجذام والبرص ومن حديث أبن عباس أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر والله ليبعثنه الله يوم القيامة به عينان يبصر بهما ولسان ينطق يشهد على من استلمه بحق وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت طائفا مع النبي صلى الله عليه وسلم بيت الله الحرام فقلت فذاك أبي وأمي ما هذا البيت. فقال يا علي أسس الله تعالى هذا البيت في دار الدنيا كفارة لذنوب أمتي. فقله: فذاك أبي وأمي يا رسول الله ما هذا الحجر الأسود. قال: تلك جوهرة كانت في الجنة أهبطها الله إلى الدنيا لها شعاع كشعاع الشمس فاشتد سوادها وتغير لونها مما مسها من أيدي المشركين.
وفي حديث آخر قال دحيت الأرض من مكة وأول من طاف بالبيت الملائكة وما من نبي هرب من قرية إلا هرب إلا الله بمكة يعبده بها حتى يموت وأن قبر نوح وهود وصالح وشعيب وإسماعيل فيما بين زمزم والمقام.
وفي حديث آخر أن حول الكعبة من قبور الأنبياء ثلاثمائة قبر نبي وان ما بين الركن اليماني والركن الأسود لقبور سبعين نبيا.
وروي عنه صلى الله عليه سلم أنه قال الركن يمين الله في الأرض يصافح بها عباده كما يصافح أحدكم أخاه وان الركن والمقام يأتيان يوم القيامة كل واحد منهما مثل أبي قبيس لهما عينان وشفتان يشهدان لمن وافاهما بالوفاء.
وروى صلى الله عليه سلم أنه قال ما أتيت الركن اليماني قط إلا وجدت جبريل عنده قائما يقول يا محمد أستلم.


وفي حديث آخر أنه قال ما أتيت الركن اليماني قط إلا وجدت عنده جبريل عليه السلام قائما يقول يا محمد استلم، وفي حديث آخر أنه قال ما أتيت الركن اليماني قط إلا وجدت عنده جبريل وهو يقول يا واحد يا ماجد لا تسلبني نعمة أنعمت بها علي، وفي حديث أبن عباس قال وقف جبريل عليه السلام وعليه عصابة خضراء قد علاها الغبار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا الغبار الذي علا عصابتك أيها الروح الأمين قال ان الملائكة أمروا بزيارة هذا البيت فازدحمت على الركن فهذا الغبار الذي ترى ما تثير الملائكة بأجنحتها.
وروي أن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال ان الله عز وجل ينزل كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناضرين. )والباب الكريم( مرتفع من الأرض بأحد عشرا شبرا أو نصف وهو من فصة مذهبة الصنعة رائق الصفة يستوقف الأبصار حسنا وخشوعا للمهابة التي كسا الله بيته وعضادته كذلك والعتبة العليا كذلك وعلى رأسها لوح ذهب خالص إبريز في سعته مقدار شبرين وللباب نقرتا فضة كبيرة تان يتعلق عليها قفل الباب وهو ناظر للشرق وسعته ثمانية أشبار وطوله ثلاثة عشر شبرا وغلظ الحائط الذي ينطوي عليه الباب خمسة أشبار وداخل البيت المكرم مفروش بالرخام المجزع وحياطنه كلها رخام مجزع قد قام على ثلاثة أعمدة من الساج مفرطة الطول متوسطة فيه وبين الأعمدة أقواس من الفضة عددها ثلاثة عشر، واحدها من ذهب خالص وظاهر البيت كله من الأربعة الجوانب مكسو ستورا من الحرير الأكحل وفي أعلاها رسم بالحرير الأبيض فيه مكتوب: )ان أول بيت وضع الناس الذي ببكة مباركا وهدي للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فان الله غني عن العالمين(، واسم الخليفة الإمام وفي سعته قدر ثلاثة أذرع يطيف بها كلها قد شكل في هذه الستور من الصنعة الغريبة أشكال محاريب رائقة ورسوم مقروة مرسومة بذكر الله تعالى وبالدعاء للإمام العباسي الآمر بإقامتها وعدد الستور من الجوانب الأربعة أربعة وثلاثون سترا، وقد وصلت كلها فجاءت كأنها ستر واحد يعم الجوانب الأربعة محيطة الأعلى والأسفل وثيقة العرى والأزرار لا تخلع إلا من عام إلى عام عند تجديدها، فسبحان من خلد لهذا البيت الكريم الشرف إلى يوم القيامة )والبيت العتيق( مبني بالحجارة الكبار الصم قد رص بعضها على بعض وألصقت بالعقد الوثيق إلصاقا لا تحيله الأيام ولا تفصمه الأزمان وله خمسة مضاو عليها زجاج عراقي بديع النقش وفيه باب يسمى باب الرحمة يصعد منه إلى سطح البيت الكريم داخله الأدراج ولمعاينة البيت الكريم هول يشعر النفوس الذهول، ويطيش الأفئدة والعقول، فلا تبصر إلا لحظات خاشعة وعبرات هامعة وألسنة إلى الله تعالى داعية ضارعة لا يمل النظر إليه ولا يسأم الطواف به، ولا يبرح التلفت له، ولا تزال القلوب مشغوفة بحبه إذا غابت عنه أبدا )هذا البيت المكرم( وهو عروس الفلك الأرضي، واقتضى النص أنه أول موضع للناس.
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع الناس فقال المسجد الحرام ثم بيت المقدس وسئل كم بين وضعهما فقال أربعون سنة وفي الخبر أول ما خلق الله القلم وأول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام وأول جبل وضع في الأرض أبو قيبس وقيل ان وقيل ان أول من بناه في الأرض آدم عليه السلام ولما أهبط من الجنة قالت له الملائكة طف حول هذا البيت فقد طفنا به قبلك بألفين ودحيت الأرض من تحته، وقيل أول من بناه إبراهيم عليه السلام ثمن بناه قوم من العرب من جرهم ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبنته قريش.


وروى أبو هريرة قال: كانت الكعبة زبدة بيضاء على وجه الماء عليها ملكان يسبحان الله تعالى قبل خلق الأرض بألفي سنة وسئل علي رضي الله عنه عن أول بيت وضع في الأرض فقال له انه كان قبل هذا البيت بيوت كثيرة ولكنه أول بيت وضع الناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة، وقد ورد في الآثار ان إبراهيم عليه السلام لما بنى الكعبة أمره الله سبحانه أن يقف على جبل من جبال الأرض وأحيا له الأولين والآخرين إلى يوم القيامة وأمره أن ينادي في الناس ان ربكم بنى بيتا فحجوه فأجابه كل من سبق القضاء بحجه وأحياهم حتى سمعوا خطابه وهو أحد الاحياءات الخمسة التي يتطور فيها الآدمي وينام فيها وقيل أنه كان من موضعه بيت فرفع إلى السماء الرابعة فالملائكة تطوف به في السماوات كالبيت الذي بمكة، وقد صح في الشريعة وتواتر أنه أحب بقاع الأرض إلى الله وإنما سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة وتقطعهم وقيل لأن الناس يتبكون فيها أي يزدحمون في أيام الحجيج وبكة ومكة اسمان على مسمى واحد وقيل مكة البلد وبكة موضوع المسجد والصحيح هو الأول والمراد من الوضع المذكور في الآية الكريمة أن الله سبحانه وضعه متعبدا للناس وقبلة لهم تنبيها على تخصيصه وتشريفه ووصفه بالبركة ظاهر لأنه يحمل لمن حجه أو اعتمره الخير والزيادة التامة وتكفير الذنوب والآيات التي فيه هي مقام إبراهيم وأمن من دخله، وأثر القدم في الصخرة الصماء وغوصه فيها إلى الكعبين. . .


وإثباته إلى الآن مع ذهاب سائر آيات الأنبياء وحفظه مع كثرة أعدائه كما قال تعالى ويتخطف الناس من حولهم )وورد في الأثر( أنه لما أرتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة وقام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه، ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قال مرحبا بك من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك. وفي الحديث عنه عليه السلام ما من أحد يدعو الله عند الركن الأسود إلا استجاب الله له، وكذلك عند الميزاب وعنه عليه السلام من صلى خلف المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وحشر يوم القيامة من الآمنين، ومن آيات البيت العتيق أنه قائم وسط الحرم الشريف كالبرج المشيد وله التنزيه الأعلى، وحمام الحرام لا تحصى كثرة وهي من الأمن بحيث يضرب المثل بها ولا سبيل أن تنزل بسطحه الأعلى حمامه ولا تحل بوجه ولا على حال فترى الحمام يتخلل على الحرم كله فإذا قربت من البيت عرجت عنه يمينا أو شمالا والطيور سواها كذلك وفي أخبار مكة أنه لا ينزل عليها طائر إلا عند مرض يصيبه فأما يموت لحينه أو يبرأ فسبحان من أورثه التشريف والتكريم، ومن آياته أيضا أن بابه الكريم يفتح في أيام معلومة والحرم قد غص بالخلق فيدخله الجميع ولا يضيق عنهم بقدرة الله عز وجل ولله الآيات البينات البراهين المعجزات. سبحانه وتعالى: ومن عجائب اعتناء الله تبارك وتعالى به أنه لا يخلو من الطائفين ساعة في النهار ولا وقتا من ليل فلا تجد من يخبر أنه رءاه دون طائف به فسبحان من كرمه وعظمه، وموضوع الطواف مفروش بالرخام البديع وقد اتسع عن البيت بمقدار تسع خطى وسائر الحرم مع البلاطات كلها مفروش برمل أبيض، وطواف النساء في آخر الرخام المفروش، وقد جدد ترصيعه ونمق تنميقا بديعا فيه تواريخ مرسومة ومنها ما نصه )بسم الله الرحمن الرحيم أمر بعمارة المطاف الشريف سيدنا ومولانا الإمام الأعظم، المفروض الطاعة على سائر الأمم أبو جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين، بلغه الله آماله، وزين بالصالحات أعماله، وذلك في شهر وسنة إحدى وثلاثين وستمائة وصلى الله على سيدنا محمد وآله )والحجر( من الركن العراقي إلى الركن الشامي يقابل الصفح الذي فيه الميزاب، وفي ارتفاع جدار الحجر ستة أشبار، وسمكه أربعة أشبار ونصف وداخل الحجر مفروش بالرخام المجزع المقطع في دور الكف إلى دور الدينار إلى ما فوق ذلك ودونه. ثم الصق بانتظام بديع وتأليف عجيب معجز الصنعة غريب الإتقان رائع الترصيع والتجزيع وفي صحن الحجر بمقربة من جدار البيت المكرم قبر إسماعيل عليه السلام، وإلى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر رضي الله عنها، والميزاب في أعلى الصفح الذي على الحجر المذكور من صفر مذهب يغشى الأبصار، وقد خرج عن صفح البيت بمقدار أربعة أذرع وسعته مقدار شبر، وهذا الموضع تحت الميزاب، وهو أيضا مظنة استجابة الدعوة )بفضل الله تعالى( وموضوع المقام الكريم وهو الذي يصلي خلفه يقابل ما بين الباب الكريم والركن العراقي، وعليه قبة خشب مركنة محدودة بديعة النقش، قد نصبت على الموضع الذي كان فيه المقام وبازاء المقام الكريم منبران كبيران حسنان فيهما ضروب من قطع الخشب الملون المتخير المنتقي المستجاد، والجديد منها منقش من جميع جهاته ووجوه درجه وتاجه المذهب بأبدع نقش وأحدقه، وصنائعه مقسومة على تصنيف وتشجير منطبعة كانطباع نسيج الديباج الهاشمي واليوسفي في الاعتدال والرونق مسمر بمسامير الفضة الخالصة المذهبة، مقضب بصفائح الفضة المرفشة منقوش عليه برسم الذهب ما نصه: )مما عمل برسم الحرم الشريف في شهور سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة(.