صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الروض المعطار في خبر الأقطار
المؤلف : محمد بن عبد المنعم الحِميري
المحقق : إحسان عباس
الناشر : مؤسسة ناصر للثقافة - بيروت - طبع على مطابع دار السراج
الطبعة : 2 - 1980 م
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

رحبة مالك بن طوق (1) :
هي مدينة في شرقي الفرات حصينة عامرة عليها سور تراب ولها أسواق وعمارات وكثير من التمر، ومنها مع الفرات إلى الخابور مرحلتان.
رخج:
بضم أوله وتشديد ثانيه وهو خاء منقوطة بعدها جيم، كورة من كور فارس، ورأيت في موضع آخر أنها من أعمال سجستان (2) .
ردمان (3) :
باليمن، فيه مات عبد المطلب بن هاشم، وفي ذلك يقول الشاعر يرثي من مات له:
ميت بردمان وميت بسل؟ ... مان وميت بين غزات
الرذ (4) :
قرية من ماسبذان، فيها مات المهدي الخليفة العباسي سنة تسع وستين ومائة، وقبره هناك، ويقال إنه أحد المسمومين، سمته حسنة جاريته لغيرة نالتها فأصابه ذلك.
ركلة (5) :
مدينة بالأندلس بقرب سرقسطة وقلعة أيوب، عالية البنيان على وادي شلون، وبساتينها تسقى منه. ونزل بمدينة ركلة في أيام بني هود برد عظيم حطم أغصان شجر الكمثرى حتى تركها دون أغصان، وجد في زنة واحدة منها في اليوم الثاني من نزوله ثلاثة أرطال بالبغدادي، فسبحان من له القدرة الباهرة.
الرملة (6) :
بالشام، سمتها الرملة لما غلب عليها الرمل، وهي من كور فلسطين، وبينها وبين القدس ثمانية عشر ميلاً، ومدينة الرملة واسطة بلاد فلسطين وهي مدينة مسورة ولها اثنا عشر باباً (7) : باب القدس، وباب عسقلان، وباب يافا، وباب يازور، وباب نابلس، ولها أربعة أسواق متصلة من هذه الأبواب إلى وسطها وهناك مسجد جامعها، فمن باب يافا يدخل في سوق القماحين حتى يتصل بمسجد جامعها، وهي سوق حسنة يباع فيها أنواع السلع، ويتصل بباب القدس سوق القطانين إلى سوق المشاطين الكبار إلى العطارين إلى المسجد الجامع، ويتصل سوق الخشابين من باب يازور ثم سوق الجزارين ثم السقائين إلى المسجد الجامع، ويتصل سوق الخشابين من باب يازور بآخر من أسواقها: سوق الأكافين وسوق الصياقلة ثم سوق السراجين إلى المسجد الجامع، ويقال إن الرملة أربعة آلاف ضيعة، وبين الرملة وايليا ثمانية عشر ميلاً في صحار ووهاد.
وبمدينة الرملة نزل صالح النبي عليه السلام ومن آمن معه بعد أن أهلك الله قومه حين عقروا الناقة، وقيل لما رأى أنها دار قد سخط الله عليها ارتحل هو ومن معه وأهلوا بالحج حتى وردوا مكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا، فقبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة والحجر.
الرمادة (8) :
موضع بين الإسكندرية وبرقة، وهي أول منزل من منازل البربر يسكنها قوم من مزاتة وغيرهم من العجم الفدم وبها قوم من العرب من بلي وجهينة وبني مدلج وأخلاط.
وأعوام الرمادة في زمان عمر رضي الله عنه أعوام جدب تتابعت على الناس وجعلت الأرض رماداً.
ويوسف بن هارون الكندي الرمادي الشاعر القرطبي (9) أظن أصله من الرمادة هذه، وكان معاصراً للمتنبي، وهو القائل:
لا تنكروا غزر الدموع فكل ما ... ينحل من جسمي يصير دموعا
والعبد قد يعصي وأحلف أنني ... ما كنت إلا سامعاً ومطيعا
__________
(1) قارن بياقوت (رحبة مالك بن طوق).
(2) عند ياقوت: كورة ومدينة من نواحي كابل؛ وعند الكرخي: 14 أن رخج اسم الإقليم الواقع بين بلدي الداور وبالس، وهي بذلك من كور سجستان.
(3) ص ع: ردهان؛ وانظر معجم ما استعجم 2: 649، وياقوت (ردمان). والمقبور بردمان المطلب بن عبد مناف والذي بسلمان: نوفل، وأما الذي بغزو فهو قبر هاشم بن عبد مناف.
(4) قارن بياقوت (الرذ) والطبري 3: 523.
(5) بروفنسال: 78، والترجمة: 98 (Ricla).
(6) لم تورد المصادر المتيسرة هذه التفصيلات، قارن بأكثرها تفيلاً: المقدسي: 164 - 165 وناصر خسرو: 19، وياقوت (الرملة) وصبح الأعشى 4: 99.
(7) لم يعد جميع الأبواب.
(8) قارن بالبكري: 4.
(9) راجع دراسة عنه كتابي ((تاريخ الأدب الأندلسي - عصر سيادة قرطبة)): 205 - 222 (الطبعة الثانية). والأغلب أن الرمادي ترجمة للقبه في الإسبانية ((أبو جنيش)). ولفظة ((جنيش)) تعني الرماد.

(1/268)


قولوا لمن أخذ الفؤاد مسلماً ... يمنن علي برده مصدوعا وقال أبو عبيد: الرمادة مدينة بالشام افتتحها أبو عبيدة هي واليرموك والجابية.
الرمانية (1) :
هي جزائر تنيف على ثلثمائة وخمسين جزيرة من عمل صاحب القسطنطينية، والروم يحذرون أهلها كحذر المسلمين لأنهم لا صلح بينهم.
رندة (2) :
بالأندلس من مدن تاكرنا، وهي مدينة قديمة بها آثار كثيرة، وهي على نهر ينسب إليها، واجتلب الماء إليها من قرية بشرقيها ومن جبل طلوبرة بغربيها، فيوافي الماء داخلها من شرقيها وغربيها، ويتوارى نهرها في غار فلا ترى جريته أميالاً ثم يظهر حتى يقع في نهر لكه. وبقرب مدينة رندة عين تعرف بالبراوة وتجري من أول الربيع إلى آخر الصيف فإذا دخل الخريف نضب ماؤها فلا تبض بقطرة إلى أول الربيع من عام ثان.
الرصافة (3) :
كثيرة منها رصافة هشام بن عبد الملك بالشام، وهي قصور وحولها مساكن وقرى عامرة وأسواق وبيع وشراء وأخذ وعطاء، وهي قنسرين وفيها توفي هشام بن عبد الملك سنة خمس وعشرين ومائة وفيها بويع الوليد بن يزيد بعد هشام، وهي التي عنى الفرزدق بقوله:
متى تردي الرصافة تسريحي ... من التهجير والدبر الدوامي وإياها عنى الوليد بن يزيد بن عبد الملك في قوله حين جاءه نعي هشام:
إني سمعت خليلي ... نحو الرصافة رنه
أقبلت أسحب ذيلي ... أقول ما حالهنه
إذا بنات هشام ... يندبن والدهنه
يدعون، ويلاً وعولاً ... والويل حل بهن ورصافة أخرى بشرقي بغداد، فيها اختط المهدي قصره إلى جانب المسجد الجامع الذي في الرصافة وحفر نهراً يأخذ من النهروان سماه نهر المهدي، وفيها تربة الخلفاء العباسيين.
ورصافة (4) أخرى بالأنبار بناها أبو العباس، وقال لعبد الله بن الحسن ادخل فانظر، ودخل معه فلما رآه تمثل:
ألم تر حوشباً أضحى يبني ... بناء نفعه لبني بقيله
يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليله فاحتملها أبو العباس ولم يجبه بشيء.
ورصافة (5) أخرى بقرطبة في الجهة الجوفية منها.
ورصافة أخرى ببلنسية بينها وبين البحر، وأظن منها الرصافي الشاعر مادح عبد المؤمن بن علي (6) .
رضاء (7) :
بيت كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، كانوا يعبدونها في الجاهلية وفيها يقول المستوغر بن ربيعة حين هدمها الإسلام:
ولقد شددت على رضاء شدة ... فتركتها قفراً بقاع أسحما
رضوى (8) :
جبل ضخم من جبال تهامة وهو من ينبع على يوم ومن المدينة على تسع (9) مراحل ميامنة طريق المدينة وعلى ليلتين من البحر وبقرب خيبر، وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية ورأسه من ينابيع الماء كخضرة البقل، وغلاة الشيعة تزعم أن محمد بن الحنفية لم يمت وأنه حي بجبل رضوى، وفي ذلك يقول السيد الحميري في كلمة له:
__________
(1) رحلة ابن جبير: 314.
(2) بروفنسال: 79، والترجمة 98 (Ronda).
(3) قارن بياقوت مادة (رصافة) مضافة إلى عدة أماكن.
(4) ياقوت (رصافة أبي العباس).
(5) بروفنسال: 78، والترجمة: 97.
(6) راجع ديوانه ومقدمته (ط. دار الثقافة 1963).
(7) ياقوت (رضاء).
(8) معجم ما استعجم 2: 655، وياقوت: (رضوى).
(9) البكري: سبع.

(1/269)


وما ذاق ابن خولة طعم موت ... ولا وارت له أرض عظاما
لقد أمسى بمورق شعب رضوى ... تراجعه الملائكة السلاما
وإن له لرزقاً من طعام ... وأشربة يعل بها الطعاما
الرقة (1) :
مدينة بالعراق مما يلي الجزيرة، وكل أرض إلى جانب واد ينبسط عليها الماء عند المد فهي رقة، وبه سميت المدينة.
والرقة (2) واسطة بلاد مضر، ومن مدنها الرها وسروج وشمشاط ورأس العين وغيرها، والرقة على شارعة الفرات في الشمال منه، وعليها سوران، وهي في فحص يبعد عن الجبال على مسافة أكثر من يومين، وفي شرقيها جبلان يسميان المنخرين.
وفتح الرقة عياض بن غنم (3) سنة ثمان عشرة، فإنه لما مات أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف عياضاً فورد عليه كتاب عمر رضي الله عنه بتوليه حمص وقنسرين والجزيرة فصار إليها في خمسة آلاف، على مقدمته ميسرة بن مسروق العبسي، وعلى ميمنته سعيد بن عامر الجمحي، وعلى ميسرته صفوان بن المعطل السلمي، ويقال إن خالد بن الوليد رضي الله عنه كان على ميسرته، ويقال أيضاً إن خالداً رضي الله عنه لم يسر تحت لواء أحد بعد أبي عبيدة رضي الله عنه ولزم حمص حتى توفي سنة إحدى وعشرين. فانتهت طليعة لعياض إلى الرقة فأغاروا على حاضر كان حولها للعرب وعلى قوم من الفلاحين فأصابوا مغنماً، وهرب من نجا من أولئك فدخلوا مدينة الرقة، وأقبل عياض في عسكره حتى نزل ببابها المعروف بباب الرها في تعبئته، ثم تأخر عنها لئلا تبلغه حجارتهم وسهامهم وركب فطاف حول المدينة ووضع على أبوابها روابط، ثم رجع إلى عسكره وبث السرايا فآبت بالأسرى من القرى بالأطعمة الكثيرة، فلما مضت خمسة أيام أو ستة وهم على ذلك أرسل بطريق المدينة إلى عياض يطلب الأمان وقال: الأرض لنا قد وطئناها وأحرزناها (4) ، فصالحه عياض على أن أمن جميع أهلها على أنفسهم وذراريهم وأموالهم ومدينتهم فأقرها في أيديهم على الخراج، ووضع الجزية على رقابهم وألزم كل رجل منهم ديناراً في كل سنة وقمحاً وشيئاً من زيت وخل وعسل، ويقال إن عمر رضي الله عنه كتب إليه فألزم كل امرئ منهم أربعة دنانير كما ألزم أهل الذهب، وفتحوا أبواب المدينة وأقاموا للمسلمين سوقاً وكتب لهم عياض كتاباً.
وكان أبو جعفر (5) المنصور شخص إلى بيت المقدس فصلى فيه ثم انثنى إلى الرقة فأتى فيها منصور بن جعونة فقتله، وسبب ذلك أن المنصور قال فيما يقول: إن الله تعالى قد رفع الطاعون عن الشام ببركتنا ويمن ولايتنا، فقال له: ما كان الله ليجمعكم والطاعون في بلد.
وبالرقة قتل أنس بن أبي شيخ (6) وصلب، وكان أحد البلغاء وكان انقطاعه إلى جعفر بن يحيى، وكان يرمى بالزندقة، وحضر عرساً لجعفر فجعل أنس يذكر أهل بيت رسول الله ونسلهم حتى ذكر فاطمة بنت رسول الله بسوء، والبيت غاص بوجوه الناس، قال معاوية بن بكير: فقمت إليه فقلت: يا ابن الزانية، وأخذت بحلقه ورميت به تحتي وأقبلت أخنقه وهو يصيح: قتلني وأيم الله، لو كان معي سيفي لقتلته، قال: فخليت عنه، فبلغ الخبر الرشيد، فلما خرج الرشيد إلى الرقة نظر إلي يوماً فقال: يا معاوية، قلت: لبيك يا سيدي، ثم التفت فقال: يا سندي علي بأنس بن أبي شيخ، وذكر ما كان بيني وبينه، فأحضر ودعاني فأمرني فضربت عنقه وصلبه، وكان الرشيد لما انصرف عن الري اجتاز ببغداد فطواها ولم ينزلها وجعلها طريقه إلى الرقة فأمر بإحراق جثة جعفر بن يحيى عند اجتيازه بها، وبالرقة توفي يحيى بن خالد في حبسه بها سنة تسع وثمانين ومائة وصلى عليه ابنه الفضل قبل خروجه. وفيها مات عبد الملك بن صالح (7) بن علي فدفن بقصر الرشيد بالرقة وكان من أفصح بني هاشم في أيامه، ويقال إن الرشيد لما دخل منبج قال: لمن هذا؟ يعني بستاناً وقصراً أعجباه، فقال: هو لك ولي بك، قال:
__________
(1) معجم ما استعجم 2: 666.
(2) نزهة المشتاق: 196.
(3) فتوح البلدان: 206.
(4) زيادة من فتوح البلدان.
(5) الطبري 3: 129.
(6) انظر في قتله الطبري 3: 680، وفي أخباره الجهشياري 238 - 240.
(7) مروج الذهب 6: 437 وبعض أخباره 6: 302 - 305، وانظر ابن خلكان 6: 30.

(1/270)


وكيف بناؤه؟ يريد القصر، قال: دون منازل أهلي وفوق نازل الناس، قال: وكيف مدينتك؟ قال: عذبة الماء باردة الهواء طيبة الوطاء قليلة الأدواء، قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله.
وذكر المسعودي (1) إن الرقة هي عين البذندون التي مات فيها المأمون وأن مولده اقتضى أنه يموت بمكان يقال له الرقة فكان كذلك وحمل إلى طرسوس فدفن بها.
رقادة (2) :
على أربعة أميال من قيروان إفريقية وكانت مدينة كبيرة دورها أربعة وعشرون ألف ذراع وأربعون ذراعاً، وكانت أكثر بلاد إفريقية بساتين وفواكه، وليس بإفريقية أعدل هواء من رقادة ولا أرق نسيماً ولا أطيب تربة، ويقال إن من دخلها لم يزل ضاحكاً مستبشراً مسروراً من غير سبب كالذي يحكى عن أرض تبت، وكان أحد ملوك الأغالبة أصابه أرق شديد أياماً فعالجه إسحاق المتطبب، وهو الذي ينسب إليه الأطريفل (3) ، فأمر الملك بالخروج والتنزه والمشي، فلما وصل إلى موضع رقادة نام، فسميت رقادة من يومئذ واتخذت موضع فرجة ومتنزهاً للملوك، ويقال إن إبراهيم بن أحمد الأغلبي هو الذي بناها وجعلها دار مملكته ومسكنه، قالوا: ومنع بيع النبيذ بالقيروان وأذن فيه في رقادة بسبب جنده وعبيده، وقال بعض المجان في ذلك:
يا سيد الناس وابن سيدهم ... ومن إليه القلوب منقاده
ما حرم الشرب في مدينتنا ... وهو حلال بأرض رقاده وبرقادة بويع عبيد الله الشيعي، ثم إن رقادة خربت وانتقل الناس عنها ولم يبق لها عين ولا أثر.
الرقيم (4) :
قال الله تعالى: " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً " قيل المعنى إنكار اعتقاد كون ذلك عجباً، أي لا يعظم ذلك فإن سائر آيات الله تعالى أعظم من قصتهم وأعجب، وهذا هو الأشهر، وقيل يجوز أن يكون المراد: هل علمت أن أصحاب الكهف كانوا عجباً . بمعنى إثبات أنهم عجب، والكهف: اللحف المتسع في الجبل، فإن صغر فهو الغار، والرقيم القرية التي كانت بإزاء الكهف، وقيل الوادي الذي كان بازائه وهو واد بين بيسان وأيلة دون فلسطين، وقيل هو الجبل الذي فيه الكهف، وقيل الصخرة التي كانت على الكهف، هذا قول من جعله موضعاً وحيزاً، والآخرون قالوا: هو كتاب مرقوم، وكان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى أو غيره في لوح نحاس أو رصاص أو حجارة، على اختلافهم في ذلك.
وكانوا فتية في غابر الدهر فروا بدينهم، فدخلوا كهفاً خائفين من ملكهم وكان عابد وثن. قالوا: مر ابن عباس رضي الله عنهما في بعض غزواته مع ناس على موضع الكهف وجبله فمشى الناس إليه فوجدوا عظاماً فقالوا: هذه عظام أهل الكهف، فقال لهم ابن عباس رضي الله عنهما: أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة، فسمعه راهب فقال: ما كنت أحسب أن أحداً من العرب يعرف هذا، فقيل له: هذا ابن عباس ابن عم نبينا صلى الله عليه وسلم، فسكت.
قال ابن عطية: وبالشام، على ما سمعت من ناس كثير، كهف فيه موتى يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلب رمة. قال (5) : وفي الأندلس في جهة أغرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، قال: ودخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهما بناء رومي يسمى الرقيم كأنه قصر مخلق وقد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاة من الأرض خربة، وبأعلى حضرة أغرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيوس وجدنا في آثارها غرائب وقبوراً.
وقال المسعودي (6) : قيصر فلبس هو الذي دعي إلى دين
__________
(1) راجع ما تقدم في مادة ((البذندون)).
(2) البكري: 27، وابن الوردي: 14.
(3) الاطريفل: دواء مركب فيه بعض الاهليلجات او كلها، ويزداد فيه بحسب الحاجة من الأقوايه (مفيد العلوم: 8).
(4) انظر زاد المسير 5: 107 وكذلك سائر كت التفسير، كالطبري والكشاف والرازي... الخ. وقارن بياقوت (الرقيم).
(5) أورد الزهري تفصيلات كثيرة حول الكهف القريب من لوشة (ص 94 - 95) وقد رآه ورأى من فيه سنة 532.
(6) التنبي والأشراف: 133.

(1/271)


النصرانية فأجاب، وترك ما كان عليه من مذاهب الصابئين، واتبعه على ذلك خلق كثير من أهل مملكته، فآل ذلك إلى تحزبهم واختلاف كلمتهم في الديانة، وكان ممن خالف عليه بطريق من بطارقته يقال له داقيوس، فقتل فلبس واستولى على الملك، وملك سنتين، وتتبع النصارى فقتل منهم مقتلة عظيمة، ومنه هرب الفتية أصحاب الكهف، وهم في جبل من جبال الروم يعرف بخاوس (1) شرقي مدينة افسيس وعلى نحو ألف ذراع منها، وكانت هذه المدينة على البحر الرومي فبعد البحر عنها.
وقال جماعة: أصحاب الكهف غير أصحاب الرقيم، وكلا موضعيهما بأرض الروم، وقد مر في حرف الخاء، في ذكر مدينة خارمي، ذكر هذا الكهف، فلنكتف بهذا القدر هنا.
الرقمتان (2) :
تثنية رقمة، موضعان، قال مالك بن الريب:
فلله دري يوم أترك طائعاً ... بني بأعلى الرقمتين وماليا وقال زهير:
ودار لها بالرقمتين كأنها ... مواضع وشم في نواشر معصم وقيل هما روضتان: إحداهما قريب من البصرة والأخرى بنجد، وقيل: بل كل روضة رقمة، وقيل: الرقمتان في أطراف اليمامة، وفي شعر مهيار الديلمي:
سقى دارها بالرقمتين وحياها ... ملث يحيل الترب في الدار أمواها
الرس (3) :
واد بنجد، وهو أيضاً الركية التي لم تطو، وهو أيضاً نهر يأخذ من مدينة قالي قلا على فرسخين ثم يشق مغرباً إلى دبيل، وخلف الرس، فيما يقال، ثلثمائة وستون مدينة خراباً وهو قول الله عز وجل: " وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيراً " ، وقيل: الرس بناحية صيهد من أرض اليمن، وذكر الهمداني حنظلة بن صفوان وقال: وجد في قبره لوح مكتوب فيه: أنا حنظلة بن صفوان، أنا رسول الله، بعثني الله إلى حمير وهمدان والعريب من اليمن فكذبوني وقتلوني، وذكره المسعودي (4) في الأنبياء، وكان من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام فأرسل إلى أصحاب الرس، وكانوا من ولد إسماعيل عليه السلام، وهم قبيلتان: قدمان ويامن، فقام فيهم حنظلة بن صفوان بأمر الله فقتلوه، فأوحى الله إلى نبي من بني إسرائيل من سبط يهوذا أن يأمر البخت ناصر أن يسير إليهم، فأتى عليهم، فذلك قوله تعالى: " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون " .
رسوب (5) :
هو جبل الأحقاف في عمان، وقد تقدم ذكر الأحقاف وقوم عاد في حرف الألف، ورسوب متصل بأرض الأحقاف، وهو بلد واسع غلب عليه الرمل بسوافي الرياح فعفا أثره، وهو الذي ذكره الله عز وجل، والبحر يضرب بسفح الجبل، ويركب منه البحر إلى جزيرتين ينزلهما قوم من مهرة بأغنامهم، طولهما اثنا عشر فرسخاً.
رستقباذ (6) :
موضع بين الكوفة والبصرة، قريب من دستوا، كان الحجاج خرج إليه فثار الناس به هناك مع عبد الله بن الجارود وأصحابه، وذلك سنة خمس وسبعين، فاقتتلوا، فقتل عبد الله بن الجارود، وبعث الحجاج بثمانية عشر رأساً من أصحابه فنصبت برامهرمز للناس، وكان الحجاج قام في الناس فقال: إن الزيادة التي زادكم ابن الزبير في أعطياتكم زيادة فاسق منافق ولست أجيزها، فقال له عبد الله بن الجارود العبدي: ليست بزيادة فاسق ولا منافق ولكنها زيادة عبد الملك أمير المؤمنين وقد أثبتها لنا، فكذبه وتوعده، فخرج ابن الجارود على عبد الملك وبايعه وجوه الناس فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل ابن الجارود في جماعة من أصحابه وبعث برؤوس عشرة من أصحابه إلى المهلب.
رشيد (7) :
من مدن البلاد المصرية كبيرة على كثيب رمل عظيم،
__________
(1) ص ع: بحانوس - دون اعجام - .
(2) معجم ما استعجم 2: 667.
(3) قارن بياقوت: (الرس).
(4) مروج الذهب 1: 125.
(5) ص ع: رسوف، وأثبت ما في البكري (مخ): 67 والمؤلف ينقل عنه، ولا أدري ما صلته ب ((ريسوت))، قال الهمداني (صفة: 51) وفي المنتصف من هذا الساحل شرقاً بين عمان وعدن: ريسوت، وهو مائل كالقلعة بل قلعة مبنية بنياناً على جبل والبحر محيط بها إلا من جانب واحد.
(6) الطبري 2: 874.
(7) الاستبصار: 89، وصبح الأعشى 3: 400، وقارن بالأدريسي (د): 162، وابن دقمقان 5: 113 - 114.

(1/272)


إذا هبت الريح الغربية ملأت عليهم سككهم وبيوتهم رملاً، فلا يقدرون على التصرف في أسواقهم، وهي على ضفة النيل، وضفة النيل (1) من مصر إلى مدينة رشيد هذه من أعجب متنزهات الدنيا، وليس لغلات هذه الناحية نظير في الدنيا، ورئي في تلك الجهات ضيعة لأحد المصريين يغل رمانها وموزها خاصة خمسة عشر ألف مثقال في العام، وهناك كانت ضيعة الليث بن سعد وكان يقول: يدخل علي كل سنة خمسون ألف دينار ما وجبت علي زكاتها قط.
الرها (2) :
بضم الراء والمد، مدينة من أرض الجزيرة متصلة بحران، وإليها ينسب الورق الجيد من ورق المصاحف، وهي مدينة ذات عيون كثيرة عجيبة تجري منها الأنهار، وبينها وبين حران ستة فراسخ.
والرها مدينة رومية عليها سور حجارة، تدخل منها أنهار وتخرج عنها، وهي سهلية جبلية كثيرة البساتين والخيرات، مسندة إلى جبل مشرفة على بساط من الأرض ممتد إلى حران، ولها أربعة أبواب منها في الجنوب باب حران وفي الشرق الباب الكبير، وعلى هذا الباب حصن منيع جداً تحصن فيه المسلمون بعد أخذ الروم للرها ستة أشهر ولم ينزلوا إلا على اختيارهم؛ وفي الشمال باب سبع وفي الغرب باب الماء، وبساتينها في الشرق منها ويشق بعضها نهر يسمى بالسكيرات، وتخرج من الرها عين تسمى بعين مياس، وليس في جميع بلاد الجزيرة أحسن منها منتزهات ولا أكثر منها فواكه، وعنابها على قدر التفاح، وقد ذكر أنه لم يوجد بناء خشب أحسن من بناء كنيستها لأنها مبنية بخشب العناب، وليس بمدينة الرها ربض، والفرات منها في ناحية المغرب على مسيرة يومين، وفي ناحية الشمال على مسيرة يوم، وهي من حران ما بين المغرب والشمال، وبينهما نحو أربعة فراسخ، وهذا خلاف ما تقدم.
ويمتاز أهل الرها من أهل تلك الناحية بجمال الصور وكمال الخلق. قال العلاء بن أبي عائشة: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله: سل أهل الرها هل عندهم صلح، فسألتهم، فأتاني أسقفهم بحق فيه كتاب صلحهم فإذا فيه: كتاب من عياض بن غنم ومن كان معه من المسلمين لأهل الرها، إني أمنتهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم وبلادهم إذا أدوا الحق الذي عليهم، شهد الله وملائكته. قال: فأجازه لهم عمر بن عبد العزيز.
وذكر أن عياضاً لما صالح أهل الرها دخل أهل الجزيرة فيما دخلوا فيه من الصلح. ولما نزل (3) عياض على حران سنة ثمان عشرة فحاصرها كلمه أهلها أن يصير إلى الرها، فما صالحوه عليه صالحوه بمثله، ورضي النصارى بذلك، فأتى الرها فخرجت مقاتلتهم فهزمهم المسلمون حتى ألجأوهم إلى المدينة فطلبوا الأمان والصلح فأجابهم عياض إليه وكتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عياض بن غنم لأسقف الرها، إنكم إن فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدوا لي عن كل رجل منكم ديناراً ومديي قمح فأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم ومن تبعكم، عليكم إرشاد الضال وإصلاح الجسور والطرق ونصيحة المسلمين، شهد الله وكفى به شهيداً. وصالح عياض أهل حران على مثل صلح الرها وفتحوا له أبوابها، وولاها رجلاً ثم سار إلى شمشاط (4) .
وقد استولى الروم بعد عشرين وأربعمائة على مدينة الرها وكان في كنيستها مال عظيم من قبل أن يفتتحها المسلمون في سرب في جوف الكنيسة كان أهلها يراعونه ويكتمون أمره، فلما دخلها الروم أظهروه وأخرجوه وحملوه إلى القسطنطينية.
قالوا (5) : وبنى كنيسة الرها يسطانياس الملك، وهو الذي شيد مدن النصرانية وأظهر مذهب الملكية. وكنيسة الرها إحدى عجائب العالم والهياكل التي فيها. قالوا: وكان في هذه الكنيسة منديل يعظمه أهل النصرانية، وهو أن إيشوع الناصري حين أخرج من ماء المعمودية نشف به، فلم يزل هذا المنديل يتداول إلى أن حصل بكنيسة الرها، فلما اشتد أمر الروم على المسلمين وحاصروها سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة أعطي هذا المنديل للروم فجنحوا إلى الهدنة، وكان للروم عند تسليمهم هذا المنديل فرح عظيم.
قال حمزة الشامي: اجتزت بكنيسة الرها عند مسيري إلى العراق فدخلتها لأشاهد ما كنت أسمعه عنها، فبينا أنا أطوف فيها
__________
(1) زيادة ضرورية؛ وفي الاستبصار: وهم على ضفة النيل قرب البحر، ومن أعجب منتزهات الدنيا ضفة النيل من مصر إلى مدينة رشيد هذه.
(2) قارن بنزهة المشتاق: 200، وصبح الأعشى 4: 139، وياقوت (الرهاء)، وابن الفقيه: 134، والكرخي: 54، والمقدسي: 141، 147، ومعجم ما استعجم 2: 678.
(3) فتوح البلدان: 206.
(4) الفتوح: سميساط.
(5) مروج الذهب 2: 331.

(1/273)


رأيت على ركن من أركانها مكتوباً بحمرة: حضر فلان بن فلان وهو يقول: من إقبال ذي الفطنة إذا ركبته المحنة انقطاع الحياة وحضور الوفاة، وأشد العذاب تطاول الأعمار في حال الإدبار وأنا القائل:
ولي همة أدنى منازلها السهى ... ونفس تعالى في المكارم والبها
وقد كنت ذا حال بمرو قوية ... فبلغت الآمال في بيعة الرها
ولو كنت معروفاً بها لم أقم حياً ... ولكنني أصبحت ذا غربة بها
ومن عادة الأيام إبعاد مصطفى ... وتفريق مجموع وتبغيض مشتهى
رهاط (1) :
بضم أوله، قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة بها كان سواع، صنم لهذيل، وقال أبو صخر:
فماذا ترجي بعد آل محرق ... عفا منهم وادي رهاط إلى رحب
روذبار (2) :
هو اسم لساحل جيحون كله.
روذان (3) :
بلدة حسنة من كور الجبل، وهي إقليم حسن وناحية شريفة، ومنها إلى نهاوند عشرون ميلاً، وبينها وبين همذان ثلاثة فراسخ، ويعمل بها الزعفران، فهي تعرف ببلد الزعفران.
روذة (4) :
بضم أوله وبالذال المعجمة، موضع من قرى نهاوند، قالوا: خرج عمرو بن معدي كرب الزبيدي في جماعة من بني مذحج زمان عثمان رضي الله عنه يريد الري ودستبى، فنزلوا خاناً من تلك الخانات، وكان عمرو إذا أراد الحاجة لم يستعجل عنها، فأمعن عمرو في حاجته وأبطأ، وأرادوا الرحيل، وكره كل منهم أن يدعوه وذلك من إعظامهم إياه حتى طال عليهم، فجعلوا يقولون: أي أبا ثور، أي أبا ثور، وجعلوا يسمعون علزاً ونفساً شديداً، قال: فخرج عليهم محمرة عيناه مائل الشق والوجه مفلوجاً، وإذا الشيطان قد ساوره، فسار معهم محمولاً مرحلة أو دونها فمات فدفن بروذة، وقالت امرأته ترثيه:
لقد غادر الركب الذين تحملوا ... بروذة شخصاً لا ضعيفاً ولا غمرا وروي أيضاً أنه شهد فتح نهاوند مع النعمان بن مقرن وقاتل يومئذ فأثبتته الجراحات، فحمل فمات بروذة من قرى نهاوند، وقال ابن دريد: مات عمرو بن معدي كرب على فراشه من حية لسعته.
رومة (5) :
بضم أوله، بئر رومة بالمدينة، وكانت ليهودي يبيع المسلمين ماءها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين وله بها مشرب في الجنة " ؟ فاشتراها عثمان رضي الله عنه بعشرين ألفاً.
ومن بئر رومة كانت تحمل المرأة الزريقية الماء إلى تبع في القرب فأثابها، فلذلك صار ولدها أكثر بني زريق مالاً.
ورومة أيضاً مدينة عظيمة للنصارى هي ركن من أركانهم وكرسي من كراسيهم (6) ، وبأنطاكية كرسي، وبالإسكندرية أيضاً كرسي، وببيت المقدس كرسي لكنه محدث لم يكن في أيام الحواريين واتخذ بعدهم ليعظم بيت المقدس. ويذكر أن محيطها تسعة أميال ولها سوران من الحجر، وعرض السور الداخل اثنا عشر شبراً وسمكه اثنان وسبعون ذراعاً.
وكانت (7) رومة دار مملكة الروم، ونزلها من ملوكهم تسعة وعشرون ملكاً ثم نزل بعمورية (8) منهم ملكان، ثم انتقلت مملكتهم إلى رومة فنزلها ملكان ثم ملك بها قسطنطين الأكبر فانتقل إلى القسطنطينية.
__________
(1) معجم ما استعجم 2: 678.
(2) معجم ما استعجم 2: 684، وعند ياقوت عدو مواضع بهذا الاسم.
(3) قارن بياقوت (روذان).
(4) معجم ما استعجم 2: 684.
(5) معجم ما استعجم 2: 685.
(6) أول المادة عن الادريسي (م): 73، وانظر مروج الذهب 3: 407، وصبح الأعشى 5: 407، وابن الوردي: 50.
(7) البكري (ح): 192، وبضعه عند ابن خرداذبه: 104، ومروج الذهب 2: 311.
(8) ابن خرداذبه: نقمودية.

(1/274)


ورومة هي مدينة الحكام.
وهي (1) في سهل من الأرض تحيط بها الجبال على بعد، عليها منها جبل عوذية (2) بينها وبينه ستة أميال، ودور (3) مدينة رومة أربعون ميلاً وقطرها اثنا عشر ميلاً، يشقها نهر يسمى تيبرس وينقسم قسمين ثم يلتقيان آخرها، وفي وسط هذه المدينة حصن يسمى منت أقوط (4) في صخرة مرتفعة لم يظفر بهذا الحصن عدو قط. ورومة قد تغلب عليها ثلاث مرات، ولها سبعة أبواب، وبين رومة والبحر الشامي اثنا عشر ميلاً، وكذلك بينها وبين البحر الجوفي، وأهل رومة أجبن خلق الله تعالى ويدبر أمرهم برومة البابه، ويجب على كل ملك من ملوك النصارى إذا اجتمع بالبابه أن ينبطح على الأرض بين يديه، فلا يزال يقبل رجلي البابه ولا يرفع رأسه حتى يأمره البابه بالقيام. وكانت رومة القديمة تسمى رومة (5) بالية، أي عجوز، وكان النهر يعترضها فبنى يوانش الأسقف خلف الوادي مدينة أخرى فلذاك صار النهر يشقها، وفرش النهر بلبن الصفر وألزقه بالقصدير والرصاص، وألبست حيطانه بمثل ذلك.
وفي داخل رومة كنيسة شنت باطر، وفيها صورة قارله من ذهب بلحيته وجميع هيئته، وهو في خلق عبوس قد رفع عن الأرض في خشبة مصلوباً، وفي وسط هذه الكنيسة صورة أخرى لبعض ملوكهم من ذهب أيضاً، ولهذه الكنيسة أربعة أبواب من فضة سبكاً واحداً، وهي كلها مسقفة بقراميد الصفر ملصقة بالقصدير، وحيطانها كلها نحاس أصفر رومي، وأعمدتها وأساطينها من بيت المقدس، وهي في غاية الحسن والجمال، ويزعمون أن تحت هذه الكنيسة أبنية وبيوتاً وسوراً فيها آلات وعدة، وفي وسط صحنها صورة مثقبة من رخام تنساب منها المياه، وصحنها مرتفع جداً يرقى إليه على ثلاثين درجة، ويزعمون أن في هذه الكنيسة مخلبين من مخاليب العنقاء، طول كل مخلب منهما اثنا عشر شبراً، وداخل هذه الكنيسة بيت بني باسم بطرش وبولش الحواريين، وطول هذه الكنيسة ثلثمائة ذراع وسمكها مائتا ذراع.
والذي (6) فرش النهر، في مدينة رومة، بلبن الصفر في ملكه على ما ذكر مؤرخو العجم قيصر أكتبيان في السنة الرابعة من دولته، عهد إلى جميع عماله مع دور الأرض والبحر المحيط بضرب ضرائب الصفر على الناس وأدائها إليه، فلما اجتمع أمر بضربه صفائح وبسط بها قعر نهر رومة وفرش به وذلك مسافة عشرين ميلاً، وبهذا النهر يؤرخ الروم فيقولون: من تاريخ عام الصفر.
ومدينة رومة كثيرة الطواعين وذلك أنهم لا يدفنون موتاهم، وإنما يدخلونهم في مغارات ويدعونهم بها فيستوبئ هواؤهم إذا استحروا، وهم يجتنبون أكثر ثمارها لوقوع ذبان الموتى عليها، والدليل على أن العلة في ذلك أجساد موتاهم، أن الطاعون لا يتعدى رومة وما دونها بعشرين ميلاً.
ومما (7) يذكر من الأعاجيب برومة أن فيها كنيسة بها برج طوله في الهواء مائة ذراع، وعلى رأس البرج قبة مبنية بالرصاص، وعلى رأس القبة زرزور من صفر فإذا كان أوان إدراك الزيتون انحشرت إليه الزرازير من الأقطار البعيدة وفي منقار كل زرزور زيتونة وفي رجليه زيتونتان، وموضع الكنيسة لا زيتون فيه، فيطرحها على ذلك البرج، فيستصبح بدهن تلك الزيتون في الكنيسة عامة العام، ويقال: إن قسطنطين الملك بناها في شهر حزيران، وهو أول من تنصر، وإن في هذه الكنيسة قبر رجلين من الحواريين.
ويزعم النصارى، وهو من تكاذيبهم وفاسد نواميسهم، أن في هذه الكنيسة أو غيرها برومة، قبر حواري يفتح عنه الملك كل عام في يوم فصحهم، ويدخله فيحلق رأس الحواري ولحيته ويقلم أظفاره، ثم يقسم لكل رجل من أهل مملكته شعرة شعرة، ويخص كبارهم بفسيط من قلامة أظفاره.
وأهل رومة (8) أجمعون يحلقون لحاهم، ويحلقون أوساط هامهم، ويزعمون أن كل من لم يحلق لحيته لا يكون نصرانياً خالصاً، ويقول علماؤهم إن سبب ذلك أن شمعون الصفا جاءهم والحواريون، وهم قوم مساكين ليس مع كل واحد منهم إلا عصا وجراب، قالوا: ونحن ملوك نلبس الديباج
__________
(1) البكري (ح): 201.
(2) ص البكري: عودية.
(3) ص: وذرع.
(4) ع: اقرط؛ ص: افرط؛ البكري: أرفوط.
(5) مسقط من ع، وهو ثابت في ص والبكري.
(6) هذا لم يرد عند البكري.
(7) قال بالزهري: 75، وياقوت (رومية)، وابن الفقيه: 72.
(8) البكري (ح): 205 حتى آخر النص، وقارن بالمسعودي: مروج الذهب 1: 60 وبما ورد في البدء والتاريخ 4: 46 - 48.

(1/275)


ونجلس على كراسي الذهب، فدعونا إلى النصرانية فلم نجبهم، وأخذناهم فعذبناهم وحلقنا رؤوسهم ولحاهم، ولما ظهر لنا صدق قولهم، حلقنا لحانا، كفارة لما ركبنا من حلق لحاهم.
وإنما صار النصارى يعظمون الأحد لأنهم يزعمون أن المسيح قام في القبر ليلة الأحد وارتفع إلى السماء ليلة الأحد بعد اجتماعه مع الحواريين، وهم لا يرون الغسل من الجنابة ولا وضوء عندهم للصلاة وإنما عبادتهم النية، ولا يأخذون القربان حتى يقولوا: هذا لحمك ودمك، يريدون المسيح، والسكر عندهم حرام، ولا يتكلم أحدهم إذا أخذ القربان حتى يغسل فمه (1) ، وإذا تقربوا قبل بعضهم بعضاً وتعانقوا، ولا يتزوج أحد منهم أكثر من امرأة واحدة ولا يتسرى عليها، فإن زنت باعها وإن زنا باعته، وليس لهم طلاق، ويورثون النساء جزأين والذكور جزءاً، ومن سننهم أن لا يلبس الجباب الحمر إلا ملك، وهم يخففون الحكم عن الشريف ويثقلون على الوضيع حتى يبلغ به البيع، ومن أحكامهم أن من زنا بأمة غيره في دار سيدها فعليه حد معروف، فإن زنا بها خارج الدار فلا شيء عليه كأنه لم يأت ريبة، ومن أولد عندهم أمته فولده منها زنيم ولا يجوز لذلك الولد عندهم رتبة القسيسية ولا يرث أباه إذا كان له ولد من حرة، وولد الحرة يحيط بميراثه، وإن لم يكن له ولد غير ولد الأمة ورثه، وهم يفطرون في صومهم يومين من كل جمعة، وهما: يوم السبت ويوم الأحد، وأمر الصوم عندهم خفيف ليس بالشديد اللزوم وإنما أصله عندهم الصوم الذي كان صامه المسيح بزعمهم استدفاعاً لإبليس، وكان صومه أربعين يوماً موصولة بلياليها في قولهم، وهم لا يصومون يوماً كاملاً ولا ليلة كاملة، ومن كان بين المسلمين منهم يؤخر الفطر حياء منهم، وهم في موضع مملكتهم لا يصومون إلا نصف النهار أو نحوه، والمواظب منهم للصلوات والجماعات من شهد الكنيسة يوم الأحد وليلته وأيام القرابين السبعة، ولو غاب عنها عمره كله لم يطعن عليه بذلك طاعن ولا عابه عائب، وليس يشتمل مصحف النصارى الذي هو ديوان فقههم وكنز علمهم وعليه معولهم في أحكامهم واعتمادهم في شرائعهم إلا على خمسمائة وسبع وخمسين مسئلة، ومن هذه المسائل على قلتها مسائل موضوعة لا معنى لها ولا حاجة بهم إلى تقييدها لم تقع في سالف الزمن ولا تقع في غابره. وليست سنتهم مأخوذة من تنزيل ولا رواية عن نبي وإنما جميعها عن ملوكهم، وأيمانهم التي لا بعدها: بالله الذي لا بعده (2) غيره ولا يدان إلا له، وإلا فخلع النصرانية وبرئ من المعمودية وطرح على المذبح حيضة يهودية، وإلا فلعنه البطريق الأكبر والشمامسة والديرانيون وأصحاب الصوامع ومقربة القربان، وإلا فبرئ من الثلثمائة والثمانية عشر أسقفاً الذين خرجوا من بيوتهم حتى أقاموا دين النصرانية، وإلا فشق الناقوس وطبخ فيه لحم جمل وأكل يوم الإثنين مدخل الصوم، وإلا تلقى الله بعمل إسحاق طرى اليهودي.
رومية المدائن (3) :
هي إحدى بلدان المدائن التي كان ينزلها كسرى ملك الفرس بالعراق، يقال لها رومية المدائن، والمدائن على مسافة بعض يوم من بغداد، ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة على جانبي دجلة شرقاً وغرباً، ودجلة يشق بينها، ولذلك سميت المدائن، والغربية منها تسمى بهرسير والمدينة الشرقية تسمى العتيقة، وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه، وتتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التي كانت الملوك تنزلها، وفيها الإيوان إيوان كسرى العجيب البنيان، الشاهد بضخامة ملك بني ساسان، ويقال إن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذي بناه، وهو من أكابر ملوكهم، كما بنى ببلاد فارس وخراسان مدناً كثيرة. وكان الإسكندر، وقيل إنه ذو القرنين، بلغ مشارق الأرض ومغاربها وله في كل إقليم أثر، فبنى بالمغرب الإسكندرية، وبخراسان سمرقند ومدينة الصغد، وبخراسان السفلى مرو وهراة، وبناحية الجبل جي وهي أصبهان، ومدناً كثيرة في نواحي الأرض وأطرافها، وجال الدنيا كلها فلم يختر منها منزلاً سوى المدائن، بناها مدينة عظيمة وجعل عليها سوراً أثره باق، وهي التي تسمى الرومية في جانب دجلة الشرقي، وبها مات، وحمل إلى الإسكندرية لمكان والدته، فإنها كانت إذ ذاك باقية هناك.
وفي رومية كان إيقاع أبي جعفر المنصور بأبي مسلم بالقتل سنة ست وثلاثين ومائة، وكان المنصور بعث إليه بعد ظفره بعسكر عبد الله بن علي وكان خرج على المنصور وحاربه أشهراً، ثم انهزم عبد الله وظفر أبو مسلم بعسكره، فبعث المنصور يقطين بن
__________
(1) ص ع: دمه.
(2) ص والبكري: يعبد.
(3) راجع ما تقدم مادة ((بهرسير)) و((خطرنية)) و((دير الأعور))؛ وانظر مروج الذهب 6: 177 - 183.

(1/276)


موسى لقبض الخزائن، فلما دخل يقطين على أبي مسلم قال: السلام عليك أيها الأمير، قال: لا سلم الله عليك يا ابن اللخناء، أؤتمن على الدماء ولا أؤتمن على الأموال؟! فقال له: فما الذي أبدى منك هذا أيها الأمير؟ قال: أرسلك صاحبك لقبض ما في يدي من الخزائن، فقال له: امرأتي طالق ثلاثاً إن كان أمير المؤمنين وجهني إليك لغير تهنئتك بالظفر، فاعتنقه أبو مسلم وأجلسه إلى جانبه، فلما انصرف قال لأصحابه: إني والله أعلم أنه قد طلق، ولكنه وفى لصاحبه.
وسار أبو مسلم من الجزيرة، وقد أجمع على خلاف المنصور، فأخذ طريق خراسان منكباً عن العراق، وسار المنصور من الأنبار فنزل رومية المدائن وكتب إلى أبي مسلم: إني قد أردت مذاكرتك بأشياء لم يخلصها الكتاب فأقبل فإن مقامك عندنا قليل، فقرأ الكتاب ومضى إلى وجهه، فسرح إليه المنصور جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي وكان واحد زمانه دهاء ومعرفة، وكانت المعرفة بينهما قديمة فقال له: أيها الأمير ضربت الناس عن عرض لأهل هذا البيت ثم تنصرف على هذه الحال؟ ما آمن من يعيبك من هناك وهاهنا وإن يقال طلب ثار قوم ثم نقض بيعتهم فيخالفك من تأمن مخالفته إياك وإن الأمر لم يبلغ عند خليفتك ما تكره ولا أرى أن تنصرف على هذه الحال، فأراد أن يجيب إلى الرجوع، فقال له مالك بن الهيثم: لا تفعل فقال: لقد بليت بإبليس، يعني الجريري، فلم يزل به حتى أقبل به إلى البصرة. فكان أبو مسلم يجد خبره في الكتب السالفة وأنه يقتل بالروم، وكان يكثر من قول ذلك وأنه مميت دولة ومحيي أخرى، فلما دخل على المنصور رحب به وعانقه وقال له: كدت أن تمضي قبل أن أفضي إليك بما أريد، قال: قد أتيت يا أمير المؤمنين فمر بأمرك، فأمره بالانصراف إلى منزله وانتظر به الغوائل، ثم بعد ذلك ركب أبو مسلم إلى مضرب المنصور، وهو على دجلة برومية المدائن، فجلس تحت الرواق والمنصور يتوضأ، وكان تقدم إلى صاحب حرسه عثمان بن نهيك في عدة أن يقوموا خلف السرير الذي وراء أبي مسلم، فإذا صفق بيد على يد فليظهروا وليضربوا عنقه وما أدركوا منه بسيوفهم، وجلس المنصور فدخل عليه أبو مسلم، فسلم، فرد عليه وأذن له في الجلوس وحادثه ساعة ثم أقبل يعاتبه ويقول: فعلت وفعلت، فقال أبو مسلم: ليس يقال لي هذا بعد بلائي وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة وإنما فعلت ذلك بجدنا وحظوظنا ولو كان مكانك أمة سوداء لأجزت، ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك، والكاتب إلي تخطب فلانة بنت علي وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن العباس؟! لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقى صعباً، فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال المنصور، وهو آخر ما كلمه: قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه القوم، فضربه عثمان بن نهيك ضربة خفيفة بالسيف قطعت نجاد سيفه، وضربه آخر فقطع رجله واعتورته السيوف فقضت عليه، والمنصور يصيح: اضربوا قطع الله أيمانكم، وقد تقدم في حرف الخاء طرف آخر من هذا الفصل.
الرويثة (1) :
بضم أوله وفتح ثانيه وبالثاء المثلثة، قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخاً، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سرحة ضخمة عن يمين الطريق، ووجاه الطريق، في مكان سهل حتى يفضي من أكمة دون الرويثة بميلين وتكون الرويثة آهلة أيام الحاج، وفيها برك للماء يقال لها الأحساء، ومن الرويثة إلى العرج أربعون ميلاً.
الروحاء (2) :
قرية جامعة لمزينة على ليلتين من المدينة، بينهما أحد وأربعون ميلاً. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثنينهما، وروى غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وقد صلى في المسجد الذي ببطن الروحاء عند عرق الظبية: " هذا واد من أودية الجنة، قد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبياً، وقد مر به موسى بن عمران حاجاً أو معتمراً في سبعين ألفاً من بني إسرائيل على ناقة له ورقاء، عليه عباءتان قطويتان يلبي، وصفاح الروحاء تجاوبه " . وقال مالك: إذا كانت القرية متصلة البيوت كالروحاء وشبهها لزمتهم الجمعة.
قيل: وسميت الروحاء لكثرة أرواحها، وفيها ما يزعمون أنه قبر مضر بن نزار. والروحاء هي السيالة (3) وفيها أهل وسوق صغير،
__________
(1) معجم ما استعجم 2: 686.
(2) معجم ما استعجم 2: 681 - 683.
(3) كذا، وقال البكري (السيالة): ومنها إلى الروحاء اثنا عشر ميلاً: وقال عرام (ص: 17) وهو يعد القرى الواقعة في جبل ورقان: وبسفحه من عن يمين السيالة ثم الروحاء ثم الرويئة وقال الشيخ الجاسر في تعليقاته على ((بلاد العرب)) (407) والروحاء لا تزال معروفة، بعد قرية المسيجيد للمتوجه إلى المدينة، والسيالة بعد الروحاء إلى المدينة.

(1/277)


وماؤها من الآبار وتباع بها شواهين وصقور.
ومن قصيدة لأبي عبد الله بن الأبار الكاتب ذكر فيها البقاع الحجازية يتشوق إليها ويتطلب إلى ممدوحه الأمير الأجل أبي زكريا ملك إفريقية تسريحه إلى الحجاز:
ويرتاح للروحاء قلبي وفجها ... إذا سلكت شعباً ركابي أو فجا
رودس (1) :
بضم أوله جزيرة في البحر من الثغور الشامية، افتتحها جنادة بن أبي أمية عنوة في خلافة معاوية. وعن مجاهد قال، قال لي شيخ في غزوة رودس وقد كان أدرك الجاهلية، قال: كنت أسوق لأى لنا، يعني بقرة، فسمعت من جوفها: يال ذريح، قول نصيح، رجل يصيح، يقول: لا إله إلا الله، قال: فقدمنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة.
ورودس هو حصن إغريقيا، وهو في الأرض الكبيرة مقدار عشرين ميلاً، وبينها وبين قبرس عشرون ميلاً، وبين ساحل الإسكندرية أربعة أيام. وذكر أبو نصر الفارابي أن هذه الجزيرة كانت مقراً لتعليم الفلسفة قبل انتقال التعليم إلى الإسكندرية، ورودس بلغة الإغريقيين: الورد.
الرويان:
مدينة في حد الديلم اسمها كجة (2) ، منها بزرجمهر ابن البختكان وزير كسرى أنوشروان وصاحب خزانة كتبه، وهو الذي جلب إليه كتاب " كليلة ودمنة " من الهند، وألف كتاباً في سير أنوشروان تولى فيه تقريظه، وسماه " كتاب العدل " فحظي بذلك عنده، وهو منشئ كتاب " مزدك " (3) الذي هو مسرح كل أديب، ومخيلة كل كاتب، يتنافسون في اكتتابه، ويديمون مطالعته لما يكتسبون من آدابه، ويحتذون من أمثلته، ولم يزل بزرجمهر في رسم من يدعى رأس الكتاب، بقية (4) دولة أنوشروان إلى أن قتله أبرويز، فكتب إليه أبرويز (5) : جنت لك ثمرة العلم القتل، فقال بزرجمهر: لما كان معي الجد كنت أنتفع بثمرة العلم، وإن فقدت كثيراً من الخير فقد استرحت من كثير من الشر.
والرويان مدينة عظيمة جليلة كثيرة الأهل، وأكثرهم شيعة من الزيدية.
الرود (6) :
جزيرة في البحر المحيط أو غيره من البحار فيها الرود، وهم خلق ذوو أجنحة وشعور وخراطيم يمشون على رجلين كمشي الناس، وعلى أربع كالبهائم ويطيرون في الهواء مع الطير.
الري (7) :
كورة معروفة تنسب إلى الجبل وليست منه بل هي أقرب إلى خراسان، وهي بقرب دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان.
ولما فتح نعيم بن مقرن الري خرب مدينتها القديمة، وهي التي يقال لها العتيقة، وبنى الري الحديثة. وهي مدينة ليس بعد بغداد في المشرق مدينة أعمر منها إلا نيسابور فإنها أكبر منها عرصة وأوسع رقعة، فأما اشتباك البناء وكثرة العمارة فالري أعمر من نيسابور، ومقدار الري فرسخ في مثله، ويخترقها نهر يقال له روذة (8) ، وقدام المسجد الجامع قلعة الري على قنة الجبل صعبة المرتقى متكائدة المطلع، فإذا صرت فيها اطلعت على طسوج الري كلها، وأبواب الري باب باطاق (9) يخرج منه إلى الجبال والعراق، وباب بليستان (10) يخرج منه إلى قزوين، وباب كوهك يخرج منه إلى طبرستان، وباب هشام يخرج منه إلى قومس، وباب خراسان (11)
__________
(1) معجم ما استعجم 2: 683.
(2) عن ابن رسته (150) الرويان كورة مفردة عن طبرستان، وقال كانت فيما مضى من بلاد الديلم، وعد كجة مدينة من بلاد الرويان، وانظر ابن الفقيه: 302، وعند ياقوت أن الرويان اسم يطلق على كورة وعلى مدينة، وقد خلط ياقوت بين كلار وكجة فاعتبرهما مدينة واحدة، والصحيح أن كلار والرويان مدن متقاربة أو هي جميعاً أسماء لمدينة واحدة.
(3) ص ع: مندوك.
(4) ص ع: بينه.
(5) انظر مروج الذهب 2: 224، وكان أبرويز حبسه، وكتب إليه ما كتبه وهو محبوس.
(6) ص: الروي. وعند البكري (مخ): 38 الذود، والمؤلف ينقل عنه.
(7) معجم ما استعجم 2: 690، وقارن باليعقوبي: 275، وابن حوقل: 321، وابن الوردي: 30، واكرخي: 122، ونزهة المشتاق: 203، وياقوت (الري)، والمقدسي: 390، وآثار البلاد: 375.
(8) في نزهة المشتاق: ولها واديان أحدهما يشق المدينة ويمر بسوق الرودة، واسم هذا الوادي سورا.
(9) الكرخي: طاق، ابن حوقل: ما طاق، وفي ص ع: ساطر.
(10) ع: مرمستان، ص: مريسان.
(11) كذا وفي المصادر: وباب سين.

(1/278)


يخرج منه إلى قم. وزي أهلها زي العراق ولهم دهاء وتجارات، وبها قبر محمد بن الحسن الفقيه الكوفي وقبر الكسائي وقبر الفزاري المنجم. ولما نزلها المهدي في خلافة المنصور لما توجه لمحاربة عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي ولد له بها الرشيد.
وافتتحها قرظة بن كعب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كذا وجدت في بعض الأخبار، وهو خلاف ما تقدم إلا أن يكون نعيم بن مقرن قدمه لذلك فباشر الحرب أو بالعكس أو تكرر فتحها والله أعلم، فأما أصحاب المغازي فقالوا (1) : خرج نعيم بن مقرن إلى الري فلقيه أبو الفرخان مسالماً ومخالفاً لملك الري يومئذ سياوخش بن مهران، وكان سياوخش قد استمد أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان وقال: قد علمتم أن هؤلاء إن حلوا الري أنه لا مقام لكم فاحتشدوا له، فناهدهم المسلمون، فالتقوا بصفح جبل الري الذي إلى جانب مدينتها فاقتتلوا به، وقد كان أبو الفرخان قال لنعيم: إن القوم كثير وأنت في قلة، فابعث معي خيلاً أدخل مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لك، فبعث معه نعيم من الليل خيلاً عليها ابن أخته (2) المنذر بن عمرو فأدخلهم المدينة ولا يشعر القوم، وبيتهم نعيم بياتاً فشغلهم عن مدينتهم فاقتتلوا وصبروا حتى سمعوا التكبير من ورائهم، فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا فيها بالقصب، وأفاء الله على المسلمين بالري نحواً من فيء المدائن، وصالح أبو الفرخان نعيماً على أهل الري، فلم يزل بعد شرف الري في آله وسقط آل بهرام، وأخرب نعيم مدينة الري وهي التي يقال لها العتيقة وأمر أبا الفرخان ببناء مدينة الري الحدثى، وكتب لهم نعيم كتاباً أعطاهم فيه الأمان لهم ولمن كان معهم من غيرهم على أن على كل حالم من الجزية طاقته في كل سنة وعلى أن ينصحوا ولا يغلوا ولا يسلوا وينزلوا المسلم ويقروه يوماً وليلة ويفخموه، فمن سب مسلماً أو استخف به نهك عقوبة، ومن ضربه قتل، ومن بدل منهم فلم يسلم برمته فقد غر جماعته، وقال أبو نجيد في يوم الري:
ألا هل أتاها أن بالري معشراً ... شفوا سقماً لما استجابوا وقتلوا
لهم موطنان عاينوا الملك فيهما ... بأيد طوال لم يخنهن مفصل
وخيل تعادى لا هوادة عندها ... وراد وكمت تمتطى ومحجل
ودهم وشقر ينشر العتق بينها ... إذا ناهدت قوماً تولوا وأوهلوا
قتلناهم بالسفح مثنى وموحداً ... وصار لنا منهم مراد ومأكل
جزى الله خيراً معشراً عصبوهم ... وأعطاهم خير العطاء الذي ولوا وبالري واد عظيم يأتي من بلاد الديلم يقال له نهر موسى.
ولما مات بها محمد بن الحسن والكسائي قال الرشيد: دفنت الفقه والعربية بالري.
ويرتفع من الري إلى البلاد الثياب المنيرة من الزهيري (3) والبرود والأكسية.
والإمام الحافظ المصنف فخر الدين أبو عبيد الله محمد بن عمر الرازي كان والده خطيب الري، والنسبة إلى الري رازي على غير قياس.
ريدان (4) :
بلد باليمن، وهو قصر المملكة بظفار.
الريدال (5) :
بالألف واللام، موضع فيه كانت بساتين القيروان وجناتها ومتنزهاتها زمان عمارتها وعظم شأنها.
ريا:
مدينة على رأس قنديلة حيث بحر فاران الذي فيه غرق فرعون، وهي مدينة صغيرة لها رساتيق ونخل ومياه طيبة على قرب متناول، وبها مسجد جامع متقن البناء، ولها ساحل.
ريه (6) :
كورة من كور الأندلس في قبلي قرطبة نزلها جند الأردن
__________
(1) قارن بالطبري 1: 2653.
(2) الطبري: ابن أخيه، وفي بعض الأصول ((ابن أخته)).
(3) ص ع: الدهيري.
(4) معجم ما استعجم 2: 687. والإكليل 8: 23.
(5) ع: والريدان؛ ص: والريلان؛ ولم أجدها في المصادر.
(6) بروفنسال: 79، والترجمة: 99.

(1/279)


من العرب، وهي كثيرة الخيرات.
ريو (1) :
مدينة من بلاد قلورية على ضفة المجاز إلى صقلية، وبين ريو ومدينة مسيني من جزيرة صقلية سبعة أميال، وذلك سعة المجاز بين المدينتين. وريو مدينة صغيرة فيها فواكه كثيرة وبقول وهي متحضرة ولها أسواق عامرة وحمامات، وسورها حجر، وهي على نحر البحر في الضفة الشرقية من المجاز.
الريب (2) :
موضع باليمن، وأنشدوا لبعض بني قشير:
خليلي ممن يسكن الريب قد بدا ... هواي ولا أدري على م هواكما
فإن كنتما مثلي مصابين في الهوى ... فروحا فإني قد مللت ثواكما
ريام (3) :
بيت كان لحمير باليمن يعظمونه في الجاهلية ويتجرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال لتبع ملك اليمن حبران من يهود المدينة كان استصحبهما: إنما هو شيطان يعينهم فحل بيننا وبينه، قال: فشأنكما به، فاستخرجا منه، فيما يزعم أهل اليمن، كلباً أسود فذبحاه ثم هدما البيت فبقاياه فيها أثر الدماء التي كانت تهراق عليه، كذا حكى ابن إسحاق (4) .
ريغة (5) :
قرية ريغة بقرب مليانة، وبالقرب من جبل وانشريس، وهي قرية أرضها متسعة ذات حروث ممتدة وفواكه كثيرة وبساتين، ولها سوق في كل يوم جمعة تقصد من الجهات، وبها مياه كثيرة وعيون مطردة.
ريميه (6) :
مدينة بالأندلس تعرف بمدينة بني راشد، بها أنشام عادية تأوي إليها عقبان كثيرة فلا تؤذيهم في شيء من دجاجهم وهي تأتي على ما في سائر القرى المجاورة لها، وإذا حصرها الثلج هناك ومنعها من التصرف صرصرت من الجوع وارمقت بأصواتها فيلقي إليها أهل ريميه من فضول ما عندهم فتأكل وتسكن.
ريزو (7) :
جزيرة في بحر إفريقية تتصل بجزيرة جربة من بعض نواحيها، وقد تقدم ذكرها مع جربة في حرف الجيم.
__________
(1) الإدريسي (م): 59 - 60 (Reggio) وعند ابن جبير: 323 ريه.
(2) الهمداني: 148 - 149، قال: وهو واد رغاب ضخم فيه بطون من قشير، وقال أيضاً: 164 الريب لبني مريح ولبني عبيدة ولحيدة، وهذه البطون من معاوية بن قشير؛ أه؟. وهذا يجعل الريب بعيداً عن اليمن، لا كما قال مؤلف الروض، وقال ياقوت: الريب ناحية باليمامة فيها قرى ومزارع لنبي قشير.
(3) قارن بياقوت (رئام).
(4) السيرة 1: 27 - 28.
(5) الإدريسي (د/ ب): 85/ 58، وقارن بياقوت (ريغ).
(6) بروفنسال: 79، والترجمة: 99؛ وفي ص: رميه، وعند ياقوت (ويمية): مدينة بالأندلس من كورة جيان؛ وقد ذكر البكري (مخ) ريميه وقال أن نهر قرطبة مخرجه من ناحيتها وأن نهر ((أنه)) ينبعث من بين الجبل المسمى بالبويرة وبين مدينة روقول الواقعة فوق مدينة ريميه.
(7) هي عند الإدريسي (د): 128 - 129 زيزو، وفي بعض أصول النزهة: ريزو كما أثبتها المؤلف هنا؛ وقد أثبتناها ((بالزاي)) في مادة ((جربة)).

(1/280)


حرف الزاي
الزابان (1) :
ويقال الزابيان بزيادة الياء، نهران أسفل الفرات، قال محمد بن سهل: هي ثلاثة زواب معروفة من سواد العراق: الزاب الأعلى والزاب الأوسط والزاب الأسفل.
قالوا: وإذا اجتمع الزابان كانا نصف دجلة وأكثر، وهما واردان من بلاد أرمينية وأذربيجان، ومدينة الزاب بينها وبين هيت ستة وثلاثون ميلاً، وهي مدينة عامرة ذات قرى وبساتين وعمارة، وهي ما بين المدائن وواسط، وهي النعمانية (2) وفيها دير هزقل الذي يعالج فيه المجانين، قال المسعودي (3) : الزاب اسم ملك من ملوك الفرس احتفر النهرين المعروفين بالزابين: الصغير والكبير الخارجين من بلاد أرمينية الصابين في دجلة.
وبالزاب من أرض الموصل كان التقاء إبراهيم بن (4) الأشتر النخعي بعبيد الله بن زياد سنة سبع وستين فقتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء وحرق بالنار.
وعلى الزاب (5) الصغير نزل مروان بن محمد وأتاه عبد الله بن علي في عساكر أهل خراسان وقوادهم وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فالتقيا وقد كردس مروان خيله كراديس ألفاً وألفين، وكانت على مروان فانهزم وقتل، وغرق من أصحابه خلق عظيم، وكان في من غرق في الفرات ذلك (6) اليوم من بني أمية ثلثمائة رجل دون من غرق من سائر الناس، ومضى مروان في هزيمته حتى أتى الموصل فمنعه أهلها من دخولها وأظهروا السواد لما رأوه من تولي الأمر عنه، وأتى حران فكانت داره وبها مقامه إلى أن كان من أمره ما كان (7) .
والزاب (8) :
أيضاً على أطراف الصحراء في سمت البلاد الجريدية من عمل إفريقية وهو مثلها في حر هوائها وكثرة نخيلها، وهو مدن كثيرة وأنظار واسعة وعمائر متصلة فيها المياه السائحة والأنهار والعيون الكثيرة، ومن مدنها المسيلة ونقاوس وطبنة وبسكرة وتهودة وغيرها وأقرب ما لقلعة حماد من بلاد الزاب المسيلة، وبين الزاب والقيروان عشر مراحل، وهذا الزاب هو المذكور في قصيدة محمد بن هانئ الأندلسي التي مدح بها جعفر بن علي بن حمدون صاحب بلاد الزاب هذه، وأولها (9) :
أحبب بتياك القباب قبابا ... يقول فيها:
قد طيب الأفواه طيب ثنائه ... فمن أجل ذا تجد الثغور عذابا
آليت أصدر عن ركابك بعدما ... (10) جئت السماء ففتحت أبوابا
__________
(1) معجم ما استعجم 2: 691، وابن حوقل: 209.
(2) النعمانية مدينة الزاب الأعلى، وانظر اليعقوبي: 321.
(3) مروج الذهب 2: 130 - 131.
(4) زيادة لازمة، والمشهور أن اللقاء بين ابن الأشتر وابن زياد كان بالخازر.
(5) مروج الذهب 6: 73.
(6) ص ع: يوم.
(7) راجع تتمة ما حدث لمروان في مادة ((بوصير)).
(8) الاستبصار: 171، وانظر اليعقوبي: 350، وياقوت: (الزاب).
(9) ديوان ابن هانئ: 198 وما بعدها.
(10) رواية الديوان.
آليت أصدر عن بحارك بعدما ... قست البحار بها فكن سرابا
لم تدنني أرض إليك وإنما ... جئت السماء ففتحت أبوابا

(1/281)


ورأيت حولي وفد كل قبيلة ... حتى توهمت العراق الزابا
أرض وطئت الدر رضراضاً بها ... والمسك ترباً والرياض حبابا
وسمعت فيها كل خطبة فيصل ... حتى حسبت ملوكها أعرابا
ورأيت أجبل أرضها منقادة ... فحسبتها مدت إليك رقابا
وسألت ما للدهر فيها أشيباً ... فإذا به من هم (1) بأسك شابا
زاقة (2) :
موضع أو قرية عند باجة من الأعمال الإفريقية بها واد بهيج المنظر، اجتاز مرة عليه أمير إفريقية حينئذ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص فأعجبه فقال لكاتبه محمد بن أحمد بن نخيل (3) قل فيه، فقال على البديهة:
واد بزاقة قد حفت جوانبه ... بالدوح ملتفة الأغصان منتظمه
يسيل رهواً على حصباء قد ظهرت ... من الضياء كدر أعجز النظمه
طربت فيه إلى راح مشعشعة ... وكف أحور أبدى أنفه شممه
إذا بدا الكأس منظوم الحباب به ... وريح رياه طيباً خلت ثم فمه
ثم انثنيت على الساقي وقهوته ... وريقه كضريب يبرئ السقمه
من سيد عظمت فينا مكارمه ... فغاية الغيث أن يحكي لنا كرمه
أعدى على النظم فكري فاهتديت له ... ولم أكن ناظماً من قبله كلمه
سما إلى المجد مذ شدت تمائمه ... وهام بالمجد حتى صار ذاك سمه
زالع (4) :
ومن الناس من يقول زيلع بالياء المنقوطة من أسفل بدل الألف، مدينة على ساحل البحر الحبشي المالح المتصل بالقلزم، ومن زالع إلى ساحل البحر ثلاث مجار مقدرة الجري، وهي صغيرة القطر كثيرة الناس، والمسافر إليها كثير، وأكثر مراكب القلزم تصل إلى هذه المدينة بأنواع من التجارات التي يتصرف بها في بلاد الحبشة، ويخرج منها الرقيق والفضة، والذهب بها قليل، وشرب أهلها من الآبار.
الزارة (5) :
مدينة من مدن فارس، وهي التي بارز البراء بن مالك مرزبانها فقطع يديه وأخذ سواريه ومنطقه، فقال عمر رضي الله عنه: كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء بلغ مالاً وأنا مخمسه، فكان أول سلب خمس في الإسلام، وكان ذلك السلب بلغ ثلاثين ألفاً.
زالة (6) :
بين أوجلة التي بأرض برقة وبين زالة هذه عشرة مراحل، وهي مدينة صغيرة عامرة وفيها أخلاط من البربر ومن هوارة، وبها تجارات، وفي أهلها مروءة، ومن زالة يدخل إلى مدينة زويلة، ومن زالة إلى أرض ودان ثلاثة أيام.
الزابوقة:
موضع قريب من البصرة، وهو الموضع الذي كانت فيه وقيعة يوم الجمل، قاله أبو عبيد (7) .
__________
(1) الديوان: هول.
(2) ص : زاغة (في موضع واحد)؛ وعند البكري: 54، 57 موضع يسمى زانة، ولا أدري صلته بهذا الذي يذكره المؤلف.
(3) انظر الفارسية: 105.
(4) الإدريسي (د): 25 زالغ (بالغين المعجمة) (OG: 44)،وانظر تقويم البلدان: 160 وياقوت (زيلع)، وابن الوردي: 37.
(5) معجم ما استعجم 2: 692، وقوله من مدن فارس فيه تجوز، فقد ذكر ياقوت إنها قرية بالبحرين.
(6) الإدريسي (د، ب): 132/ 99.
(7) معجم ما استعجم 2: 691.

(1/282)


الزاوية (1) :
بالعراق عند البصرة بينهما فرسخان، قال البخاري: كان أنس بن مالك رضي الله عنه في قصره بالزاوية (2) أحياناً يجمع وأحياناً لا يجمع.
ولما توجه (3) علي رضي الله عنه إلى البصرة بعد مخرج طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم إليها للطلب بدم عثمان رضي الله عنه سار حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية، فصلى أربع ركعات وعفر خديه في التراب وقد خالط ذلك دموعه ثم رفع رأسه يدعو: اللهم رب السموات وما أظلت والأرضين وما أقلت ورب العرش العظيم رب محمد، هذه البصرة، أسألك من خيرها وأعوذ بك من شرها، اللهم أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين، اللهم إن هؤلاء القوم قد بغوا علي وخلعوا طاعتي ونكثوا بيعتي، اللهم احقن دماء المسلمين. وبعث إليهم من يناشدهم الله تعالى في الدماء وقال علام تقاتلونني؟ فأبوا إلا الحرب، فاقتتلوا، فقتل الزبير وطلحة رضي الله عنهما في خلق من الناس وعقر جمل عائشة رضي الله عنها، فقام علي رضي الله عنه خطيباً في الناس رافعاً صوته يقول: أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيراً، ولا تتبعوا مولياً، ولا تطلبوا مدبراً ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل، ولا تهتكوا ستراً، ولا تقربوا شيئاً من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد أو أمة، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله تعالى وقصة الجمل على طولها مشهورة فليقتصر على هذا القدر.
وبالزاوية هذه أيضاً كانت الوقيعة بين الحجاج بن يوسف وبين عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس وكان عبد الرحمن قد خلع الحجاج وعبد الملك وبايعه الناس على ذلك وبايعه عليه أهل الفضل والقراء وقاموا منكرين لأمر الحجاج، فكانت بينهم وقائع كثيرة هذه منها، وذلك سنة اثنتين وثمانين أو في سنة ثلاث وثمانين، وكان دخل البصرة فبايعه أهلها على حرب الحجاج وخلع عبد الملك وكان هزم الحجاج وملك البصرة وبعد ذلك انهزم عبد الرحمن ولحق بالكوفة ثم توالت عليه الهزائم إلى أن فر عبد الرحمن إلى رتبيل ملك الترك واستجار به، فبعث إليه الحجاج من ضمن له الأموال فأسلمه فقتل نفسه، فسيق رأسه إلى الحجاج وكانوا أولاً تزاحفوا فاشتد قتالهم وهزمهم أهل العراق حتى انتهوا إلى الحجاج وحتى قاتلوهم على خنادقهم، ثم إنهم تزاحفوا فانهزم أهل العراق فخر الحجاج فيه ساجداً، وأقبل عبد الرحمن نحو الكوفة وتبعه أهل القوة من أصحابه إلى أن كان من أمره ما ذكرناه وكانت بينهم وقائع ننبه عليها حين يأتي ذكر شيء من مواضعها.
الزاهرة (4) :
مدينة متصلة بقرطبة من البلاد الأندلسية، بناها المنصور بن أبي عامر لما استولى على دولة خليفته هشام، قال ابن حيان (5) : كان الخليفة الحكم وقف من الأثر على البقعة التي بنيت فيها الزاهرة، وكانت ملوك المروانية قبله تتخوف ذلك، وكان ألهجهم بشأنها الحكم، فنظر فيها وقاس على مجالها (6) البقعة المدعوة بألش، بفتح اللام، وهي بغربي مدينة الزهراء، ووجد انتقال الملك إليها فأمر حاجبه أبا أحمد الصقلي (7) بالسبق إلى بنائها طمعاً في مزية سعدها، ولا يخرج الأمر عن يده ولده فأنفق عليها مالاً عظيماً، فمن الغرائب أن محمد بن أبي عامر تولى له شأنها ولا يعلم يومئذ به ثم وقع إلى الحكم أن البقعة بغير ذلك الموضع (8) وأنها بشرقي مدينة قرطبة وأنفذ بفتاه (9) للوقوف عليها فانتهى إلى منزل ابن بدر المسمى ألش مضمومة اللام. وأصاب هناك عجوزاً مسنة وقفته على حد الارتياد وقالت له: سمعنا قديماً أن مدينة تبنى هنا ويكون على هذه البئر نزول ملكها، فكم تعنى (10) أمير المؤمنين بالسؤال عنها وأمر الله تعالى واقع لا محالة فعاد الرسول بالجلية فلم تطل المدة حتى بناها محمد بن أبي عامر وبنوا أرجاء تلك البئر قرارة.
قال الفتح بن خاقان (11) : لما استفحل أمره واتقد جمره وجل شأنه وظهر استبداده وكثر حساده وخاف على نفسه من الدخول إلى قصر السلطان وخشي أن يقع لطالبه في أشطان توثق لنفسه. وكشف له ما ستره عنه في أمسه من الاعتزاز عليه. ورفض الاستناد
__________
(1) معجم ما استعجم 2: 693.
(2) ذكر ياقوت (الزاوية) أن الزاوية التي فيها قصر أنس على فرسخين من المدينة.
(3) مروج الذهب 4: 313.
(4) بروفنسال: 80، والترجمة: 100.
(5) ابن عذاري 2: 275.
(6) بروفنسال: جهاتها؛ ع: مجانها؛ ص: هجانها.
(7) بروفنسال: المصحفي، ص: المصقلي.
(8) ص ع: اليوم
(9) بروفنسال: رسوله؛ وفي ص ع: بفسه.
(10) بروفنسال: سعى؛ ع: يعتني.
(11) ابن عذاري 2: 294 - 297، والنفح 1: 578.

(1/283)


إليه، وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه، ويحله بأهله وذويه، ويضم إليه رياسته ويتم به تدبيره وسياسته ويجمع فيه فتيانه وغلمانه ويحشر إليه صنائعه، فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهرة، الموصوفة بالمشيدات الباهرة، وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم، وشرع في بنائها سنة ثمان وستين وثلثمائة فحشر إليها الصناع والفعلة، وأبرزها بالذهب واللازورد متوجة منعلة، وجلب نحوها الآلات الجليلة، وسربلها بما يرد العيون كليلة، وتوسع في اختطاطها وتولع في انتشارها في البسيط وانبساطها (1) ، وبالغ في رفع أسوارها وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها، وأوثق أبوابها وأتقن مضايقها (2) فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة، وصار بناؤها من الأبنية الغريبة، وبني معظمها في عامين، وفي سنة سبعين وثلاثمائة انتقل المنصور إليها ونزلها بخاصته وعامته، فتبوأها وشحنها بجميع أسلحته، وأمواله وأمتعته،، واتخذ فيها الدواوين للعمال، ترتفع فيها ضروب الأعمال، والاصطبلات لأنواع الكراع، وعمل داخلها الأهراء، وأطلق بساحتها الأرحاء، ثم أقطع وزراءه وكتابه، وقواده وحجابه، القطائع الواسعة فابتنوا بأكنافها كبار الدور، وجليلات القصور، واتخذوا خلالها المستغلات المفيدة، والمنازه المثيرة، فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة وقامت فيها الأسواق، وكثرت فيها الأرزاق، وتنافس الناس في النزول بأكنافها، والحلول بأطرافها، للدنو من صاحب الدولة، حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة، وكان الفراغ منها سنة سبعين وثلثمائة. وفي هذه السنة نزل فيها بخاصته وعامته وخلع الخليفة إلا من الاسم الخلافي، ورتب فيها جلوس وزرائه، ورؤوس أمرائه، وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة في أن تحمل إلى مدينته تلك الأموال والجبايات، ويقصدها أصحاب الولايات، فانحشد إليها الناس من جميع الأقطار وحجر على خليفته كل تدبير، واتفق له ذلك بسرعة بطشه، وأقام الخليفة منذ نقل عنه الملك إلى قصر الزاهرة، مهجور الفناء، محجور الغناء، خفي الذكر، مسدود الباب، محجوب الشخص، لا يخاف منه باس ولا يرجى منه إنعام، وليس له إلا الرسم السلطاني في السكة والدعوة والاسم الخلافي، وأزال أطماع الناس منه وصيرهم لا يعرفونه، واشتد ملكه منذ نزل قصر الزاهرة، وتوسع مع الأيام في تشييد أبنيتها وتجنيد أفنيتها حتى كملت أحسن كمال، وجاءت في نهاية الحسن والجمال، وما زالت هذه المدينة رائقة متناسقة السعود، تراوحها الفتوح وتغاديها، لا تزحف منها راية إلا إلى الفتح، ولا يصدر عنها تدبير إلا بنجح، إلى أن حان يومها العصيب، وقيض لها من المكروه نصيب، فتولت فقيدة، وخلت من بهجتها كل عقيدة.
زيان (3) :
حصن بالمغرب له نهر كثير الثمار والأشجار، وبالقرب منه حصن العروس (4) ، وهو على قنة جبل على ضفة البحر، وبالقرب من هذا الحصن الوردانية وحصن هنين، ومرساه مقصود وله بساتين كثيرة.
زبالة (5) :
من قرى المدينة، سميت بضبطها الماء وأخذها منه كثيراً (6) ، وقيل سميت بزبالة بنت مسعود من العماليق نزلت موضعها فسميت بها.
وكانت (7) فيما سلف مدينة، وما بها الآن إلا رسم محيل وموضع يأوي إليه المسافرون، وليست بمدينة ولا حصن.
زبيد (8) :
مدينة باليمن بقرب الجند ومعاثر (9) ، تسير في صحراء ورمال حتى تنتهي إلى زبيد، وليس باليمن بعد صنعاء أكبر من زبيد ولا أغنى أهلاً ولا أكثر خيراً منها، وهي واسعة البساتين كثيرة المياه والفواكه والموز وغيره، ومن زبيد إلى عدن على الساحل عشر مراحل في برية ليس فيها عمارة ولا يركبها إلا السابلة والصيادون.
والمسافرون إلى زبيد كثير، وبها مجتمع التجار من أرض الحجاز وأرض الحبشة وأرض مصر الصاعدون في مراكب جدة، وأهل الحبشة يجلبون رقيقهم إلى زبيد، وتخرج منها ضروب الأفاويه
__________
(1) زيادة من بروفنسال، وكذلك كل ما يرد بين معقفين.
(2) وأوثق... مضايقها: لم يرد عند بروفنسال.
(3) الاستبصار: 135، والبكري: 79 (حصن ابن زيني)، ويبدو أن المؤلف اعتبره ((زيان)) بالباء الموحدة حتى أورده في هذا الموضع.
(4) الاستبصار والبكري: الفروس.
(5) معجم ما استعجم 2: 694، وقارن بياقوت (زبالة)، وهي حسب تحديده أقرب إلى الكوفة.
(6) يقال فلان شديد الزبل للقربة: إذا احتملها على شدته.
(7) نزهة المشتاق: 120.
(8) البكري (مخ): 67 وبعضه عن نزهة المشتاق: 20، وقارن بياقوت (زيد، والمقدسي: 84، وابن الوردي: 42.
(9) كذلك وردت هذه اللفظة عند البكري أيضاً.

(1/284)


الهندية والمتاع الصيني وغيره، وهي على نهر صغير، ومنها إلى صنعاء مائة ميل واثنان وثلاثون ميلاً.
زبطرة (1) :
من الثغور الجزرية، بينها وبين ملطية أربعة فراسخ وزبطرة حصن منيع كثير الأهل قديم رومي، فتحه حبيب بن مسلمة الفهري وكان قائماً إلى أن أخربته الروم أيام الوليد بن يزيد، فبني بناء غير محكم فهدمته الروم في فتنة مروان، فأعاده المنصور فهدمته الروم فبناه الرشيد وشحنه، فطرقته الروم في خلافة المأمون وأغاروا على سرح أهله فأمر المأمون بمرمته وتحصينه.
ثم خرجت الروم (2) إلى زبطرة أيام المعتصم بالله عليهم توفيل بن ميخائيل ملك الروم في عساكره، ومعه ملوك برجان والبرغز والصقالبة وغيرهم ممن جاورهم من ملوك الأمم، فنزلوا على زبطرة وذلك سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وفتحها بالسيف، وقتل الصغير والكبير، وسبى وأغار على ملطية، فضج الناس في الأمصار واستغاثوا في المساجد والديار، ودخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم فأنشده قصيدة طويلة منها:
يا غيرة الله قد عاينت فانتقمي ... تلك النساء وما منهن يرتكب
هب الرجال على إجرامها قتلت ... ما بال أطفالها بالذبح تنتهب ويقال إن المعتصم بلغه أن رومياً لطم أسيرة في زبطرة فصاحت: وامعتصماه، فأحفظه ذلك وأغضبه، فخرج من فوره نافراً عليه دراعة من الصوف بيضاء قد تعمم بعمة الغزاة، فعسكر غربي دجلة، ونودي في الأمصار بالنفير والسير مع أمير المؤمنين، فسالت العساكر والمطوعة من سائر بلاد الإسلام، فمن مكثر يقول: سار في خمسمائة ألف، ومقلل يقول: سار في مائتي ألف، ولقي الأفشين أحد قواده ملك الروم فهزمه وقتل أكثر بطارقته ووجوه أصحابه، وفتح المعتصم حصوناً، ونزل على عمورية ففتحها الله على يديه، وخرج إليه لاوي (3) البطريق منها وأسلمها إليه،
وأسر منها البطريق الكبير باطس (4) ، وقتل فيها ثلاثين ألفاً، وأقام المعتصم عليها أربعة أيام يهدم ويحرق. وفي وصف هذه الحال يقول أبو تمام حبيب بن أوس الطائي قصيدته المشهورة التي أولها:
السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب يقول فيها:
يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... منك المنى حفلاً معسولة الشنب
ألفيت جد بني الإسلام في صعد ... والمشركين وجد الشرك في صبب يقول فيها للمعتصم:
لبيت صوتاً زبطرياً هرقت له ... كأس الكرى ورضاب الخرد العرب يعني صوت التي صاحت: وامعتصماه، ثم أمر المعتصم ببناء زبطرة وشحنها، فرامها العدو بعد ذلك فلم يقدر عليها.
زحالة (5) :
في البلاد الإفريقية وبناحية الأربس، بها وصل الخبر بمقتل عبد العزيز بن إبراهيم وأصحابه إلى أحمد بن مرزوق وهو في الجنود الإفريقية متوجه إليه، فاختلت محلة عبد العزيز وفسد أمره وقتل، وسيق رأسه إلى أحمد بن مرزوق، وظهر صنع الله تعالى في البغاة، وبسط هذا مذكور في افرن.
الزرادة (6) :
مدينة بناحية اليمن، كان أبو سعيد الجنابي، وهو من جزيرة جنابا، من جملة من قام بدعوة القرامطة، وكان يبيع الطعام بالزرادة، وكان بها أيضاً رجل يعرف بإبراهيم الصائغ وكان
__________
(1) (Sozopetra) قارن بياقوت (زبطرة)، والتنبيه والأشراف: 169، وتقويم البلدان: 234، والكرخي: 47.
(2) مروج الذهب 7: 133.
(3) ص ع: الدي.
(4) ع: باطيش؛ ص: باطيس.
(5) انظر مادة أفرن؛ ولم أجد ((زحالة)) في المصادر المتيسرة.
(6) ينقل المؤلف عن البكري (مخ) 68 وهو المصدر الوحيد الذي ورد عنده اسم هذا الموضع (الزرادة) - فيما أعلم - ، ولا أدري هل التبست هنا ب؟((الزارة)) إحدى مدن البحرين أو لا، على أن البكري نفسه ورد الأسم لديه في صورة ((الواردة))؛ وذكر الاسم في الترجمانة: 492. وقارن بالطبري 3: 2124 وأخبار القرامطة: 113.

(1/285)


داعيتهم أيضاً وجهوه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز لدعاء الناس، وكان قيام القرمطي بالقطيف.
وكان ابتداء أمرهم أن رجلاً منهم قدم إلى (1) سواد الكوفة من ناحية خوزستان، فأقام بموضع يعرف بالنهرين يظهر الزهد والتقشف ويأكل من كسبه ويكثر الصلاة، ويبتاع كل ليلة من عمل يده رطل تمر يفطر عليه، وإذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا، وعلمه أن المفروض على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة حتى فشا ذلك عنه، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام عدل من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يزل على ذلك يقصد إليه الجماعة بعد الجماعة والفوج من الناس بعد الفوج، فيخبرهم بما يعلق بقلوبهم إلى أن أجابه أهل تلك الناحية وما والاها واتخذ منهم اثني عشر نقيباً، أمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه، وقال لهم: أنتم كحواريي عيسى، فاشتغل أكثر أهل ذلك الصقع عن أعمالهم بما رسمه لهم من الخمسين صلاة، وكانت للهيصم (2) في تلك الناحية ضياع أنكر تقصير الأكرة فيها وفي عمارتها فأعلم أن ذلك من أجل اشتغالهم بالصلاة عن أعمالهم، فوجه الهيصم في طلبه حتى أتي به إليه، فسأله عن أمره، فأخبره بمذهبه، فآلى ليقتلنه، ثم أمر بحبسه في بيت من بيوت الدار وأقفل عليه ووضع المفتاح تحت وساده وتشاغل بالشراب عنه، وكانت جارية من جواريه سمعت يمينه ليقتلنه فرقت له، فلما نام الهيصم أخذت المفتاح ففتحت عنه القفل وأرسلته ثم ردت المفتاح تحت الوسادة: فلما أصبح الهيصم أخذ المفتاح ففتح الباب فلم يجد أحداً، فشاع خبر القرمطي وازداد أهل الناحية به فتنة، وزعموا أنه رفع ثم ظهر في مكان آخر ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم، وزعم أن أحداً لا يقدر عليه بسوء، فعظم في أعينهم ثم خاف على نفسه فخرج إلى الشام وتسمى كرميتة.
وذكر أن ابتداء أمرهم أن رجلاً كان يعرف بيحيى بن المعلى صدر من ناحية الكوفة إلى القطيف فنزل على رجل يعرف بعلي (3) بن المعلى بن حمدان كان يترفض وأظهر أنه رسول المهدي المنتظر وذلك سنة إحدى وثمانين ومائتين، وأنه خرج يتبع شيعته في البلاد ويدعوهم إلى المسارعة في أمره وأن خروجه قد قرب، وأظهر كتاباً زعم أنه من المهدي، وكان في من أجابه أبو سعيد الجنابي من جزيرة جنابا، كان يبيع الطعام بالزرادة، كما قلنا، ويحسب لهم حسابهم، ولا يعرف من كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم حرفاً، وكان قميئاً قبيحاً، وكان بالزرادة رجل يعرف بإبراهيم الصائغ، كان داعية لهم، وجهزه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز لدعاء الناس، قال ابن أبي الطاهر: فجاءني يوماً وقال لي: اعلم أن هؤلاء القوم على ضلال، كنت أمس مع أبي سعيد الجنابي وقد قدم عليه رجل من أهل جنابا فأكلنا عنده، فلما فرغ قام فأخرج امرأته ثم أدخلها مع يحيى في بيت وقال لها: إذا أرادك الولي فلا تمنعيه نفسك فإنه أحق بك مني.
قال أبو علي عريب بن سعيد: وكان قيام القرمطي سنة سبع وثمانين ومائتين بدخول أبي سعيد القرمطي هجر بعد حصار أربع سنين، فوصل إلى قوم هلكى ضراً وهزلاً بعد أن كان الوباء وقع فيهم فمات منهم خلق كثير فقتل منهم القرمطي ثلاثمائة ألف وطرحهم أحياء في النار، ونجا قليل منهم إلى جزيرة أوال، ولم يبق من أهل هجر يومئذ إلا عشرون رجلاً، وسار جماعة من أصحاب الجنابي إلى حصن يقال له الفلج بينه وبين هجر ستة أيام، وبين هذا الحصن وبين مكة سبعة أيام. وقال قتادة: إن أصحاب الرس الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه كانوا أهل فلج.
زرنج (3) :
هي المدينة العظمى من بلاد سجستان وهي كبيرة عامرة الأسواق وأسواقها دائرة بالمسجد الجامع ولها أرباض عامرة، وفي كل مكان منها أسواق على غاية العمارة. ولها سور حصين وخندق دائر بالحصن الذي بها ولها على أرباضها حصون وخنادق وفي الخندق المستدير بسور الحصن ماء نابع ينبع من مكانه ويقع فيه جمل من فضول المياه التي في المدينة، وللمدينة خمسة أبواب، وللربض ثلاثة عشر باباً وبناؤها بالطين آزاجاً معقودة لأن الخشب بها يسوس فلا يقيم، ومسجدها الجامع في المدينة دون الربض، وفي داخل المدينة ثلاثة أنهار تدخل على أبوابها وهي كلها صغار مفرقة في دور المدينة وبساتينها وحماماتها، وأرض زرنج سبخة رملية في سهل متصل لا يرى فيه شيء من الجبال، وهي حارة لا يقع فيها ثلج وأكثر ما بها الرياح العواصف
__________
(1) ص ع والبكري: من.
(2) ص ع: للمعتصم، وترد ((الهيضم)) أحياناً عند البكري.
(3) زيادة من البكري.
(3) زيادة من البكري.

(1/286)


الدائمة، حتى إنهم صنعوا أرحاء تطحن بالريح لكثرة رياحهم، والرمل في أكثر الأحوال يضربهم.
زرود (1) :
حبل رمل بين ديار بني عبس وديار بني يربوع، وبزرود أغار حزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت تغلب، وأسر حزيمة (2) وفي ذلك يقول الكلحبة اليربوعي من كلمة له (3) :
فقلت لكأس ألجميها فإنما ... حللت الكثيب من زرود لأفزعا ولما وجه عمر رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لحرب العراق، خرج فنزل فيد فأقام بها شهراً، ثم كتب إليه عمر أن يرتفع إلى زرود، فأتاها فأقام بها، وأتاه ممن حولها من بني تميم بن حنظلة وأتته سعد والرباب وعمرو، وكان ممن أتاه عطارد بن لبيد بن عطارد والزبرقان وحنظلة بن ربيعة اليشكري وربعي بن شبث بن ربعي وهلال بن علقمة التميمي والمنذر بن حسان الضبي، فقالت رؤساء حنظلة: يا بني تميم قد نزل بكم الناس، وهم قبائل الحجاز واليمن وأهل العالية، وقد لزمكم قراهم فشاطروهم الرسل ففعلوا، فمن كانت له لقحتان فض إحداهما عليهم، ومن كان له أكثر فعلى حساب ذلك، فقروهم شتوة بزرود، ونزل الناس معه في أول الشتاء بزرود وتفرقوا فيما حولها، وأقام سعد ينتظر اجتماع الناس، ثم كتب عمر إلى سعد أن سر حتى تنزل شراف واحذر على من معك من المسلمين، إلى أن كان من أمر القادسية ما كان.
زرند (4) :
قهندز عظيم من أعمال كرمان وهي الشيرجان، كان لمرزبان صرد كرمان ما حواليها من الضياع والرساتيق، وغلب عليها قوم من العرب أيام الجليلان المرزبان، وكان ولاة كرمان من العرب ينزلون الشيرجان، وبينها وبين زرند خمسون فرسخاً ومرزبان زرند في صلحهم يؤدي الخراج إليهم، فورد أعرابي على جليلان المرزبان واسمه محمد بن قرة كما يخرج الأعراب من البادية في يده جراب وعصا، واستأجره الجليلان ترجماناً ينفذ مع من يحمل الخراج إلى الشيرجان، فأنس منه رشداً، فأظهره وعرضه للمنافع حتى أنس به ووثق بناحيته وكسب مالاً وارتبط دواب، وكتب إلى البادية فاستقدم من أهله قوماً، وجعل يحمل المال كل سنة ويؤديه عن المرزبان، فلما كان في بعض السنين اتصل به موت عامل كرمان، وهو قد صدر بالمال ومبلغه ألف ألف ومائتا ألف درهم سوى الهدايا، فجمع هناك أهل بيته وغلمانه. بموضع يقال له جفار طارق، فاتصل الخبر بالجليلات، فأرسل رسولاً فتوعده، فزبر الرسول وطرده، فدعا الجليلان ولده وحاشيته وشاورهم فمنهم من يقول: أنا أذهب فأحمله إليك مقيداً، ومنهم من يقول: نأخذ منه المال ونرسله كما جاء، فقال المرزبان: ليس الوجه هذا، فإن هذه دولة جديدة، وقد جمع لنفسه من لفيف أهل بيته وصار له حشم فلأن نداريه ولا محالة أصلح. فغلب ابن قرة على أكثر ضياعهم وجعل المرزبان خولاً لنفسه وقوي أمره، إلا أنه ترك للمرزبان وأهل بيته ما يعيشون به، فكان هذا سبب ورود العرب الناحية، ثم جعلوا الشيرجان مأواهم وبنوا بها القصور واعتقدوا بها في رساتيقها الضياع.
زرق:
قرية على تسعة فراسخ من مرو بخراسان، وفيها قتل يزدجرد (5) آخر ملوك الفرس، وهو الذي حاربه المسلمون وخربوا ملكه، وكان آخر أمره أنه فر إلى مرو ونزل بهذه القرية عند طحان هناك متنكراً، فقتله الطحان أو دل عليه، وكان ذلك في أول سنة إحدى وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه، وكان نزل النهر فرآه رجل فقال: خذ خاتمي ومنطقتي وعم عني، فقال: اعطني أربعة دراهم، فقال له: الذي أعطيك أعظم من آلاف، فقال: إنما أريد أربعة دراهم، فضحك وقال: قد كان قيل لي إنك ستحتاج إلى أربعة دراهم ولا تجدها، فهجموا عليه، فقال: لا تقتلوني واحملوني إلى ملك العرب أصالحه عليكم وتأمنون، فأبوا، وقتلوه وألقي جسده في النهر، وبعد ذلك أخرج منه وجعل في تابوت وحمل إلى اصطخر، وفي اسم المرغاب من حرف الميم بقية هذا الخبر.
الزلاقة (6) :
بطحاء الزلاقة من إقليم بطليوس من غرب الأندلس
__________
(1) معجم ما استعجم 2: 696.
(2) هذا ما يعرف بيوم زرود الأول.
(3) من قصيدة له مفضلة.
(4) ص ع: زرنك، وانظر ياقوت (زرند).
(5) انظر في مقتله تاريخ الطبري 1: 2872 - 2884، وفتوح البلدان: 387 - 388. وراجع في التعريف بزرق معجم ياقوت.
(6) بروفنسال: 83، والترجمة: 103 (Sagrajas)وهذه المادة قد نقل أكثرها صاحب النفح 4: 357 - 360، 362 - 367، 368 - 370.

(1/287)


فيها كانت الوقيعة الشهيرة للمسلمين على الطاغية عظيم الجلالقة اذفونش بن فرذلند، بحميد سعي المعتمد محمد بن عباد، وكان ذلك في الموفي عشرين من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وكان السبب في ذلك فساد الصلح المنعقد بين المعتمد وبين الطاغية المذكور بسبب إفناء هذه الضريبة ما في أيدي المسلمين من كور فإن المعتمد اشتغل عن أداء الضريبة في الوقت الذي جرت عادته يؤديها فيه بغزو ابن صمادح صاحب المرية واستنقاذه ما في يديه بسبب ذلك، فتأخر لأجل ذلك أداء الإتاوة عن وقتها، فاستشاط الطاغية غضباً وتشطط فطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة، وأمعن في التجني فسأل في دخول امرأته القمطيجة إلى جامع قرطبة لتلد فيه من حمل كان بها حين أشار عليه بذلك القسيسون والأساقفة، لمكان كنيسة كانت في الجانب الغربي منه معظمة عندهم عمل عليها المسلمون المسجد الأعظم، وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بالمدينة الزهراء، غربي مدينة قرطبة، تنزل بها فتختلف منها إلى الجامع المذكور حتى تكون تلك الولادة بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة ذلك الموضع الموصوف من الجامع، وزعم أن الأطباء أشاروا عليه بالولادة في الزهراء كما أشار عليه القسيسون بالجامع، وسفر بذلك بينهما يهودي كان وزيراً لابن فرذلند، فتكلم بين يدي المعتمد ببعض ما جاء به من عند صاحبه فأيأسه ابن عباد من جميع ذلك، فأغلظ له اليهودي في القول وشافهه بما لم يحتمله، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه، فأنزلها على رأس اليهودي فألقى دماغه في حلقه وأمر به فصلب منكوساً بقرطبة، واستفتى ابن عباد الفقهاء لما سكت عنه الغضب عن حكم ما فعله باليهودي، فبدره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما يستوجب به القتل إذ ليس له أن يفعل ما فعل، وقال للفقهاء حين خرجوا: إنما بدرت بالفتوى خوفاً أن يكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدوة عسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجاً.
وبلغ الفنش ما صنع ابن عباد فأقسم بآلهته ليغزونه باشبيلية ويحصره في قصره، فجرد جيشين جعل على أحدهما كلباً من مساعير كلابه، وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس، ويغير على تلك التخوم والجهات ثم يمر على لبلة إلى اشبيلية، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه، ثم زحف ابن فرذلند بنفسه في جيش آخر عرمرم فسلك طريقاً غير طريق صاحبه، وكلاهما عاث في بلاد المسلمين ودمر حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد. وفي أيام مقامه هناك كتب إلى ابن عباد زارياً عليه: كثر بطول مقامي في مجلسي الذبان واشتد علي الحر فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها عن نفسي وأطرد بها الذباب عني، فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة: قرأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية في أيدي الجيوش المرابطية تريح منك لا تروح عليك إن شاء الله. فلما ترجم لابن فرذلند توقيع ابن عباد في الجواب أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك، وفشا في بلاد الأندلس خبر توقيع ابن عباد وما أظهر من العزيمة على إجازة الصحراويين والاستظهار بهم على ابن فرذلند فاستبشر الناس وفتحت لهم أبواب الآمال.
وانفرد ابن عباد بتدبير ما عزم عليه من مداخلة يوسف بن تاشفين، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ذلك فمنهم من كتب إليه ومنهم من شافهه، كلهم يحذره سوء عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعي الجمال خير من رعي الخنازير، أي إن كونه مأكولاً لابن تاشفين أسيراً يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقاً لابن فرذلند أسيراً يرعى خنازيره في قشتالة، وكان مشهوراً بوثاقة الاعتقاد، وقال لعذاله ولوامه: يا قوم أنا من أمري على حالين: حالة يقين وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى ابن فرذلند ففي الممكن أن يفي لي ويبقي علي ويمكن ألا يفعل، فهذه حالة شك، وأما حالة اليقين فهي إني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى ابن فرذلند أسخطت الله فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه؟ وحينئذ أقصر أصحابه عن لومه.
فلما عزم خاطب جاريه: المتوكل عمر بن محمد صاحب بطليوس وعبد الله بن حبوس بن ماكسين الصنهاجي صاحب غرناطة يأمرهما أن يبعث إليه كل واحد منهما قاضي حضرته، ففعلا، ثم استحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم وكان أعقل أهل زمانه. فلما اجتمع القضاة عنده باشبيلية، أضاف إليهم وزيره أبا بكر بن زيدون وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين، وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف وترغيبه في الجهاد، وأسند إلى ابن زيدون ما لا بد منه في تلك السفارة من إبرام العقود السلطانية. وكان يوسف بن تاشفين

(1/288)


لا يزال يفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين مجهشين بالبكاء ناشدين الله والإسلام مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته، فيستمع إليهم ويصغي إلى قولهم وترق نفسه لهم، فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد، وقد آذن صاحب سبتة بقصده الغزو وتشوفه إلى نصرة أهل الأندلس وسأله أن يخلي الجيوش تجوز في المجاز، فتعذر عليه، فشكا يوسف إلى الفقهاء فأفتوا أجمعين بما لا يسر صاحب سبتة.
ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم وأكرم مثواهم وجددوا الفتوى في حق صاحب سبتة بما يسره، واتصل ذلك بابن عباد فوجه من اشبيلية أسطولاً نحو صاحب سبتة، فانتظمت في سلك يوسف، ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات ثم انصرفت إلى مرسلها، ثم عبر يوسف البحر عبوراً هيناً حتى أتى الجزيرة الخضراء ففتحوا له، وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات، وجعلوا سماطاً أقاموا فيه سوقاً جلبوا إليها ما عندهم من سائر المرافق، وأذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيها، فامتلأت المساجد والرحبات بضعفاء المطوعين، وتواصوا بهم خيراً.
فلما عبر يوسف وجميع الجيوش انزعج إلى اشبيلية على أحسن الهيئات جيشاً بعد جيش وأميراً بعد أمير وقبيلاً بعد قبيل، وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف، وأمر عمال البلاد بجلب الأقوات والضيافات، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه، وتواردت الجيوش مع أمرائها على اشبيلية، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من اشبيلية في مائة فارس ووجوه أصحابه، وأتى محلة يوسف فركض نحو القوم وركضوا نحوه، فبرز إليه يوسف وحده والتقيا منفردين وتصافحا وتعانقا، وأظهر كل واحد منهما المودة والخلوص، فشكرا نعم الله وتواصيا بالصبر والرحمة وبشرا أنفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه مقرباً إليه، وافترقا فعاد يوسف لمحلته، ورجع ابن عباد إلى جهته، ولحق بابن عباد ما كان أعده من هدايا وتحف وألطاف أوسع بها محلة ابن تاشفين، وباتوا تلك الليلة، فلما صلوا الصبح ركب الجميع، وأشار يوسف على ابن عباد بالتقدم إلى إشبيلية ففعل، ورأى الناس من عزة سلطانه ما سرهم، ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من بادر وأعان وخرج وأخرج، وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف، بكل صقع من أصقاعه رابطوا وصابروا.
ولما تحقق ابن فرذلند جواز يوسف استنفر جميع أهل بلاده وما يليها وما وراءها، ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له من الجلالقة والافرنجة وما يليهم ما لا يحصى عدده، وجعل يصغي إلى أنباء المسلمين متغيظاً على ابن عباد حانقاً ذلك عليه متوعداً له، وجواسيس كل فريق تتردد بين الجميع، وبعث ابن فرذلند إلى ابن عباد أن صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاد بعيدة وخاض البحور، وأنا أكفيه العناء فيما بقي، ولا أكلفكم تعباً، أنا أمضي إليه وألقاكم في بلادكم رفقاً بكم وتوفيراً عليكم، وقال لأهل وده ووزرائه: إني رأيت إن أمكنتهم من الدخول إلى بلادي فناجزوني بين جدرها ربما كانت الدائرة علي فيكتسحون البلاد ويحصدون من فيها في غداة واحدة، لكن أجعل يومهم معي في حوز بلادهم، فان كانت علي اكتفوا بما نالوه ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبة أخرى، فيكون في ذلك صون لبلادي وجبر لمكاسري، وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أنا أن يكون منهم في وفي بلادي إذا ناجزوني في وسطها. ثم برز بالمختار من أنجاد جموعه على باب دربه وترك بقية جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره من جموعه: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء، فالمقلل يقول: كان هؤلاء المختارون من أجناده أربعين ألف دارع، ولا بد لمن هذه صفته أن يتبعه واحد واثنان، وأما النصارى فيعجبون ممن يزعم ذلك ويقوله، واتفق الكل أن عدة المسلمين كانت أقل من عدة المشركين.
ورأى ابن فرذلند في نومه كأنه راكب على فيل فضرب نقيرة طبل فهالته رؤياه وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه أحد، ودس يهودياً عن من يعلم تأويلها من المسلمين فدل على عابر فقصها عليه ونسبها إلى نفسه، فقال له العابر: كذبت، ما هذه الرؤيا لك، ولا بد أن تخبرني عن صاحبها وإلا لم أعبرها لك، فقال: اكتم ذلك، هو الفنش بن فرذلند، فقال العابر: قد علمت أنها رؤياه، ولا ينبغي أن تكون لغيره وهي تدل على بلاء عظيم ومصيبة فادحة تؤذن بصلبه عما قريب، أما الفيل فقد قال الله تعالى: " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " وأما ضرب النقيرة فقد قال الله (1) تعالى: " فإذا نقر في الناقور " ، فانصرف اليهودي إلى ابن
__________
(1) سقط من ع.

(1/289)


فرذلند وجمجم له ولم يفسرها له.
ثم خرج ابن فرذلند ووقف على الدروب ومال بجيوشه إلى الجهة الغربية من بلاد الأندلس فتقدم يوسف فقصده وتأخر ابن عباد لبعض الأمر ثم انزعج يقفو أثره بجيش فيه حماة الثغور ورؤساء الأندلس، وجعل ابنه عبد الله على مقدمته، وسار وهو يتفاءل لنفسه مكملاً البيت المشهور:
لا بد من فرج قريب ... يأتيك بالعجب العجيب
غزو عليك مبارك ... سيعود بالفتح القريب
لله سعدك إنه ... نكس على دين الصليب
لا بد من يوم يكو ... (1) ن أخاً له يوم القليب ووافت الجيوش كلها بطليوس فأناخوا بظاهرها وخرج إليهم صاحبها المتوكل عمر بن محمد فلقيهم بما يجب وبالأقوات والضيافات، وبذل مجهوده، ثم جاءهم الخبر بشخوص ابن فرذلند إليهم، ولما ازدلف بعضهم إلى بعض أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفاً عليهم من مكايد ابن فرذلند إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد، وجعل يتولى ذلك بنفسه حتى قيل إن الرجل من الصحراويين كان يخرج عن طرق محلاتهم لبعض شأنه أو لقضاء حاجته فيجد ابن عباد بنفسه مطيفاً بالمحلة بعد ترتيب الكراديس من خيل على أفواه طرق محلاتهم، فلا يكاد الخارج منهم عن المحلة يخطئ ذلك من لقاء ابن عباد لكثرة تطوافه عليهم.
ثم كتب يوسف إلى ابن فرذلند يدعوه إلى الإسلام أو إلى الجزية أو يأذن بحرب، فامتلأ غيظاً وراجعه بما دل على شقائه، وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا صلبهم ونشروا أناجيلهم، وخرجوا فتبايعوا على الموت، ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما، وقام الفقهاء والعباد يعظون الناس ويحضونهم على الصبر ويحذرونهم الفرار، وجاءت الطلائع تخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم، وهو يوم الأربعاء، فأصبح المسلمون وقد أخذوا مصافهم، فكع ابن فرذلند ورجع إلى إعمال الخديعة، فرجع الناس إلى محلاتهم وباتوا ليلتهم، ثم أصبح يوم الخميس فأخذ ابن فرذلند في إعمال الحيلة فبعث لابن عباد يقول: غداً يوم الجمعة، وهو عيدكم، وبعده الأحد وهو عيدنا، فليكن لقاؤنا بينهما وهو يوم السبت، فعرف المعتمد ذلك يوسف فقال: نعم، فقال له المعتمد: هذه خديعة من ابن فرذلند، إنما يريد غدر المسلمين فلا تطمئن إليه وليكن الناس على استعداد له طول يوم الجمعة على احتراس كثير، وابن عباد مواظب على احتراس جميع المحلات خائفاً عليها من كيد العدو، وبعد هزيع من الليل (2) انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي (3) - وكان في محلة ابن عباد - فرحاً مسروراً يقول إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فبشره بالفتح والشهادة له في صبيحة غد، وتأهب ودعا ودهن رأسه وتطيب، وانتهى ذلك إلى ابن عباد فبعث إلى يوسف يخبره بها تحقيقاً لما توقعه من غدر ابن فرذلند، فحذروا أجمعين ولم ينفع ابن فرذلند ما حاوله من الغدر.
ثم جاء في الليل فارسان من طلائع المعتمد يخبران أنهما أشرفا على محلة ابن فرذلند وسمعا ضوضاء الجيوش واضطراب الأسلحة ثم تلاحق بقية الطلائع محققين بتحرك ابن فرذلند، ثم جاءت الجواسيس من داخل محلات ابن فرذلند يقولون: استرقنا السمع الساعة، فسمعنا ابن فرذلند يقول لأصحابه: ابن عباد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصحراويون وإن كانوا أهل حفاظ وذوي بصائر في الجهاد، غير عارفين بهذه البلاد وإنما قادهم ابن عباد، فاقصدوه واهجموا عليه، وإن انكشف لكم هان عليكم هؤلاء الصحراويون بعده ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة. وعند ذلك بعث ابن عباد كاتبه أبا بكر بن القصيرة إلى يوسف يعرفه بإقبال ابن فرذلند ويستحث نصرته، فمضى ابن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين فعرفه جلية الأمر،
__________
(1) يعني يوم بدر.
(2) اختلف النص عند بروفنسال إذ جاء فيه: ((وليكن الناس على استعداد له طول يوم الجمعة، كل النهار، وبات الناس ليلتهم على أهبة واحتراس بجميع المحلات، خائفين من كيد العدو، وبعد مضي جزء من الليل... الخ)).
(3) أبو العباس أحمد بن محمد بن فرج الأنصاري يعرف بابن رميلة ((كان معتنياً بالعلم وصحبة الشيوخ، وله شعر حسن في الزهد، وكان كثير الصدقة وفعل المعروف)) (الصلة: 71).

(1/290)


فقال له: قل له إني سأقرب منك إن شاء الله، وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي بكتيبة رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها ناراً ما دام ابن فرذلند مشتغلاً مع ابن عباد، وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد فلم يصله إلا وقد غشيه جنود ابن فرذلند، فصدمها ابن عباد صدمة قطعت آماله ولم ينكشف له، فحميت الحرب بينهما، ومال ابن فرذلند على المعتمد بجموعه وأحاطوا به من كل جهة فاستحر القتل فيهم، وصبر ابن عباد صبراً لم يعهد مثله لأحد، واستبطأ يوسف وهو يلاحظ طريقه، وعضته الحرب واشتد البلاء وأبطأ عليه الصحراويون، وساءت ظنون أصحابه، وانكشف بعضهم وفيهم ابنه عبد الله، وأثخن ابن عباد جراحات وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه، وجرحت يمنى يديه وطعن في أحد جانبيه وعقرت تحته ثلاثة أفراس كلما هلك واحد قدم له آخر وهو يقاسي حياض الموت يضرب يميناً وشمالاً، وتذكر في تلك الحال ابناً له صغيراً كان مغرماً به، كان تركه بإشبيلية عليلاً اسمه المعلى (1) وكنيته أبو هاشم فقال:
أبا هاشم هشمتني الشفار ... فلله صبري لذاك الأوار
ذكرت شخيصك تحت العجاج ... فلم يثنني ذكره للفرار ثم كان أول من وافى ابن عباد من قواد ابن تاشفين، داود بن عائشة، وكان بطلاً شهماً فنفس بمجيئه عن ابن عباد، ثم أقبل يوسف بعد ذلك وطبوله تصدع الجو، فلما أبصره ابن فرذلند وجه أشكولته إليه وقصده بمعظم جنوده، وقد كان علم حساب ذلك من أول النهار فأعد له هذه الأشكولة وهي معظم جنوده، فبادر إليه يوسف وصدمهم بجمعه فردهم إلى مركزهم وانتظم به شمل ابن عباد ووجد ريح الظفر وتباشر بالنصر، ثم صدقوا جميعاً الحملة فتزلزلت الأرض بحوافر خيولهم وخاضت الخيل في الدماء وصبر الفريقان صبراً عظيماً، ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف وحمل معه حملة نزل معها النصر، وتراجع المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين فصدقوا الحملة فانكشف الطاغية ومر هارباً منهزماً، وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنة بقي أثرها بقية عمره، فكان يخمع منها، فلجأ إلى تل كان يلي محلته في نحو الخمسمائة فارس كلهم مكلوم، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم، وعمل المسلمون بعد ذلك من رؤوسهم صوامع يؤذنون عليها، وابن فرذلند ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة فلا يرى إلا نكالاً محيطاً به وبأصحابه، وأقبل ابن عباد على يوسف فصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه، وشكر يوسف مقامه وحسن بلائه وجميل صبره، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه، فقال: هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك. ولما انحاز الطاغية بشرذمته جعل ابن عباد يحرض على اتباع الطاغية وقطع دابره، فأبى ابن تاشفين واعتذر بأن قال: إن اتبعناه اليوم لقي في طريقه أصحابنا المنهزمين راجعين إلينا منصرفين فيهلكهم، بل نصبر بقية يومنا حتى يرجع إلينا أصحابنا ويجتمعون بنا ثم نرجع إليه فنحسم داءه، وابن عباد يرغب في استعجال إهلاكه ويقول: إن فر أمامنا لقيه أصحابنا المنهزمون فلا يعجزون عنه، ويوسف مصر على الامتناع من ذلك، ولما جاء الليل تسلل ابن فرذلند وهو لا يلوي على شيء، وأصحابه يتساقطون في الطريق واحداً بعد واحد من أثر جراحهم، فلم يدخل طليطلة إلا في دون المائة.
وتكلم الناس في اختلاف ابن عباد وابن تاشفين، فقالت شيع ابن عباد: لم يخف على يوسف أن ابن عباد أصاب وجه الرأي في معاجلته لكن خاف أن يهلك العدو الذي من أجله استدعاه فيقع استغناء عنه، وقالت شيع يوسف: إنما أراد ابن عباد قطع حبال يوسف من العود إلى جزيرة الأندلس، وقال آخرون: كلا الرجلين أسر حسواً في ارتغاء (2) وإن كان ابن عباد كان أحرى بالصواب.
وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية: كتابي هذا من المحلة يوم الجمعة الموفي عشرين من رجب وقد أعز الله الدين، ونصر المسلمين وفتح لهم الفتح المبين، وأذاق المشركين العذاب الأليم والخطب الجسيم، فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه الهزيمة العظيمة والمسرة الكبيرة هزيمة أذفونش، أصلاه الله تعالى الجحيم ولا أعدمه الوبال العظيم، بعد إتيان النهب على محلاته واستئصال القتل في جميع أبطاله وأجناده وحماته وقواده، حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها، فلله الحمد على جميل صنعه،
__________
(1) بروفنسال: العلاء.
(2) يضرب مثلاً لمن يظهر أمراً ويريد غيره؛ والارتغاء: أخذ الرغوة واحتساؤها.

(1/291)


ولم يصبني بحمد الله إلا جراحات يسيرة آلمت، لكنها فرحت بعد ذلك وغنمت وأظفرت (1) .
ولما فرغ يوسف من وقيعة يوم الجمعة تواردت عليه أنباء من قبل السفن فلم يجد معها بداً من سرعة الكرة فانصرف إلى اشبيلية فأراح بظاهرها ثلاثة أيام ونهض نحو بلاده. ومشى ابن عباد معه يوماً وليلة، فعزم عليه يوسف في الرجوع، وكانت جراحاته تثعب، وتورم كلم رأسه، فرجع وأمر ابنه بالمسير بين يديه إلى فرضة المجاز حتى يعبر البحر إلى بلاده.
ولما دخل ابن عباد اشبيلية جلس للناس وهنئ بالفتح، وقرأت القراء وقامت على رأسه الشعراء فأنشدوه، قال عبد الجليل بن وهبون: حضرت ذلك اليوم وأعددت قصيدة أنشده إياها فقرأ القارئ: " إلا تنصروه فقد نصره الله " ، فقلت: بعداً لي ولشعري، والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره وأقوم به؛ واستشهد في هذا اليوم جماعة من أعيان الناس كابن رميلة المتقدم الذكر وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي وغيرهما، وطار ذكر ابن عباد بهذه الوقيعة وشهر مجده، ومالت إليه القلوب، وسالمته ملوك الطوائف، وخاطبوه جميعاً بالتهنئة، ولم يزل ملحوظاً معظماً إلى أن كان من أمره مع يوسف ما كان.
قال مؤلف هذا الكتاب رحمة الله عليه: خالفت بشرح هذه الوقيعة شرط الاختصار لحلاوة الظفر في وقت نزول الهمم ووقوعها في الزمن الخامل، والله سبحانه يفعل ما يشاء وهو المستعان.
زم (2) :
بضم أوله وتشديد ثانيه موضع ببلاد بني ربيعة، وقيل ببلاد بني قيس بن ثعلبة، قال الأعشى (3) :
ونظرة عين على غرة ... مكان الخليط بصحراء زم وزم أيضاً من حفائر عبد شمس بن عبد مناف بمكة، وبعضهم يقول في التي بمكة رم بالراء المهملة، والأول أثبت، وهي التي عند دار خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
وزم (4) أيضاً في خراسان على نهر بلخ من آمل طالعاً مع النهر أربع مراحل، وزم تقابل آمل في الكبر، وبها ماء جار وبساتين وعمارات وزروع وتجارات.
وقال يحيى بن يوسف الزمي: كنا عند مالك بن أنس وعنده رجل أحسبه من أهل الشام وهو يصف له الشام وخبره، فقال له مالك: ألا أحدثك بحديث هو خير من شامكم، حدثني جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قال كل يوم مائة مرة لا إله إلا الله الحق المبين أمن من الفقر ومن وحشة القبر واستجلب بها الغنى واستفتح بها باب الرحمة " .
زمزم (5) :
بئر مكة، ويقال لها زمزم وزمزم وزمزم وهي الشياعة وركضة جبريل وحفيرة عبد المطلب وطيبة وبرة والمضنونة وماؤها لما شرب له.
قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة، قال، قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة، قلت: وما المضنونة؟ ثم ذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر زمزم فقلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبداً ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل.
قال ابن إسحاق: فلما بين له شأنها ودل على موضعها غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فلما بدا لعبد المطلب الطي كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقاً فأشركنا معك فيها، فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، قالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها قال فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم حتى أحاكمكم إليه قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطلب في نفر من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة من
__________
(1) هذه العبارة قلقة، وعند بروفنسال، لكنها قرحت... وغنمت وظفرت؛ وفي النفح: فرجت.
(2) معجم ما استعجم 2: 702.
(3) ديوان الأعشى: 28.
(4) ضبطها ياقوت بفتح الزاي، وتحدث عن يحيى بن يوسف الزمي في المادة نفسها، وهو مختلف في سنة وفاته، بين 525، 526، 529. وقارن مادة زم بالكرخي: 157 وابن حوقل: 376 والمقدسي: 291.
(5) معجم ما استعجم 2: 700، والبكري (مخ): 72، والسيرة 1: 143.

(1/292)


قريش نفر، قال: والأرض إذ ذاك مفاوز، قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز نفد (1) ماء عبد المطلب ومن معه من بني عبد مناف وظمئوا حتى أيقنوا بالهلاك، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا أن يسقوهم وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم، فقال عبد المطلب لمن معه: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفيرة لنفسه فمن مات دفناه في حفرته، ففعلوا وجلسوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم قال لهم: اركبوا نطلب الماء، فركبوا وتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: قدر الله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبداً، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشداً، فرجع ورجعوا معه، فلم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها.
قال: فلما تمادى (2) في الحفر وجد فيها غزالين من ذهب وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة، ووجد فيها أسيافاً قلعية وأدراعاً، قال: فضرب الأسياف باباً للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة فيما يزعمون. ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج.
قال ابن إسحاق (3) : فعفت زمزم على البئار التي كانت قبلها يسقي عليها الحاج، وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام ولفضلها على ما سواها من المياه ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب.
قالوا (4) : وكانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام وتطوف به تعظيماً لجدها إبراهيم وتمسكاً بهديه، وكان ساسان إذا أتى البيت طاف بها وزمزم على بئر إسماعيل، وقيل إنما سميت زمزم لزمزمته عليها هو وغيره من فارس، وفي ذلك قيل قديماً:
زمزمت الفرس على زمزم ... وذاك في سالفها الأقدم وكان صنع خالد القسري فيما بين زمزم والحجر الأسود حوضاً كحوض العباس رضي الله عنه وجلب إليه الماء العذب من أصل جبل ثبير، وكان ينادي مناديه: هلموا إلى الماء العذب واتركوا أم الخنافس، يعني زمزم، أخزاه الله، فلما مضت دولة بني أمية غير أهل مكة تلك السقاية وهدموها ولم يتركوا لها أثراً.
زمخشر (5) :
قرية من قرى خوارزم منها محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري أبو القاسم الأستاذ صاحب التفسير المسمى ب " الكشاف عن حقائق التنزيل " العلامة النحوي، ذكره السمعاني، قال: كان ممن يضرب به المثل في علم الأدب والنحو واللغة، لقي الأفاضل الكبار وصنف التصانيف في التفسير وغريب الحديث والنحو وغيرها، ورد بغداد غير مرة، ودخل خراسان عدة نوب وما دخل بلدة إلا اجتمعوا إليه وسلموا له واستفادوا منه، وكان علامة الأدب ونسابة العرب، أقام بخوارزم تضرب إليه آباط الإبل وتحط بفنائه رحال الرجال، ثم خرج منها إلى الحج وأقام برهة من الزمان بالحجاز، ثم انكفأ راجعاً إلى خوارزم، وتوفي بها ليلة عرفة من سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. وله: " الكشاف " في التفسير و " الفائق " في غريب الحديث و " المفصل " في النحو وغيرها، وله يرثي أستاذه أبا مضر:
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين
فقلت هو الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني وله أشعار جيدة وغزل مليح، ومن شعر أبي الحسن علي بن عيسى (6) بن حمزة الحسني المالكي في الزمخشري:
__________
(1) السيرة: فني.
(2) منابع للنقل عن السيرة 1: 146.
(3) السيرة 1: 150.
(4) مروج الذهب 2: 148 - 149.
(5) قارن بياقوت (زمخشر)، وفي ترجمة الزمخشري انظر ابن خلكان 5: 168 وطبقات المعتزلة: 20 ولسان الميزان 6: 4، والجواهر المضية 2: 160، وإنباء الرواة 3: 265 ومرآة الجنان 3: 269، والأنساب واللباب: (زمخشري).
(6) زيادة من ياقوت.

(1/293)


جميع قرى الدنيا سوى القرية التي ... تبوأتها داراً فداء زمخشرا
وأحر بأن تزهى زمخشر بامرئ ... إذا عد من أسد الشرى زمخ الشرى
زنجان:
آخرها نون، في خراسان (1) بينها وبين النهر خمسة عشر فرسخاً. قالوا (2) : أذربيجان وقزوين وزنجان كور تلي (3) الجبل من بلاد العراق وتلي كور أرمينية من جهة المغرب، وهي تلي الزعفرانية في الجبل، بينها وبين همذان ثلاثة فراسخ، سميت بذلك لأن بها زعفراناً كثيراً يسافر به إلى البلدان.
وزنجان (4) كورة واسعة وهي أكبر من أبهر وأهل أبهر أحذق وأنبل طباعاً (5) ، غير أن زنجان يغلب على أهلها الغفلة.
زعورا (6) :
مدينة من مدائن قوم لوط. قالوا: لم ينج من العذاب سواها لأنها كانت مختصة بلوط عليه السلام وهلك ما عداها كما قال الله تعالى: " جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل " ، وبقية خبرهم يرد في ذكر سدوم.
زغوان (7) :
جبل عظيم بقرب جزيرة شريك من أعمال تونس، مشرف، يسمى كلب الرفاق لظهوره وعلوه واستدلال المسافرين به أينما توجهوا فإنه يرى على مسيرة الأيام الكثيرة، ولعلوه يرى السحاب دونه وكثيراً ما يمطر سفحه ولا يمطر أعلاه، وأهل إفريقية يقولون لمن يستثقلونه من الناس: هذا أثقل من زغوان وأثقل من جبل الرصاص وهو على تونس، وقال الشاعر يخاطب حمامة أرسلها بكتاب من القيروان إلى تونس:
وفي زغوان فاستعلي علواً ... وداني في تعاليك السحابا وبزغوان قرى كثيرة آهلة كثيرة المياه والثمار والبساتين، وفيه قوم عباد منقطعون عن الناس.
وقلعة زغوان قلعة قديمة رومية منيعة، كان حسان بن النعمان لما أغزاه عبد الملك بن مروان إفريقية بموضع فحص أبي صالح، وبه سمي، فقاتل أهلها ثلاثة أيام فلم يقدر عليهم، فرحل حسان إلى زغوان في خيل مجردة، ففتحها صلحاً ثم سار يريد قرطاجنة فحاصرها وملك فحص تونس وقرطاجنة، فلما رأت الروم قوته سألوه الصلح وأن يضع عليهم الخراج، فأجابهم إلى ذلك، فأدخلوا ثقلهم في مراكب كانت حاضرة وهربوا ليلاً من باب يقال له باب النساء، فمضى بعضهم إلى الأندلس وبعضهم إلى صقلية، فدخلها حسان وأخربها وأحرقها وبنى بها مسجداً ورجع إلى القيروان.
زغاوة (8) :
من بلاد السودان، بينها وبين أنجيمي ستة أيام، وزغاوة مجتمعة الكور كثيرة البشر، شرب أهلها من الآبار، ولهم تجارات يسيرة وبضائع (9) يتعاملون بها، وأكلهم الذرة ولحوم الجمال المقددة والحوت المصبر، والألبان عندهم كثيرة، ولباسهم الجلود المدبوغة يستترون بها، وهم أكثر السودان حزناً (10) ، وفي مانان يسكن أمير زغاوة وعاملها.
الزقاق (11) :
بحر الزقاق هو الداخل من البحر المحيط الذي عليه سبتة الذي يضيق من المشرق إلى المغرب حتى يكون عرضه ثلاثة أميال (12) وهو بساحل الأندلس الغربي، بمكان يقال له الخضراء ما بين طنجة من أرض المغرب وبين الأندلس، ثم يتسع الزقاق كلما امتد حتى يصير إلى ما لا ذرع له ولا نهاية، وهو مخرج بحر الروم المتصاعد إلى الشام، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى عند ذكر سبتة.
وفي بعض الأخبار (13) أنه قبل افتتاح المسلمين البلاد المصرية بمائة سنة طمى ماء البحر وزاد فأغرق القنطرة التي كانت بين بلاد
__________
(1) قوله في خراسان فيه وهم كثير، وهي عند ابن حوقل والكرخي وغيرهما من منطقة الديلم وطبرستان، وقال ياقوت: بلد كبير مشهور من نواحي الجبال بين أذربيجان وبينها.
(2) متابع للبكري في معجم ما استعجم 1: 129 (أذربيجان).
(3) الصواب ويليها؛ ولكن المؤلف ينقل عن البكري.
(4) ابن حوقل: 323، والكرخي: 124، ونزهة المشتاق: 205.
(5) زيادة من نزهة المشتاق.
(6) هي صاعورا عند المسعودي (مروج 1: 85) وساعور عند الثعلبي: 106.
(7) البكري: 45 - 46، وقارن بالإدريسي (د): 119.
(8) الإدريسي (د/ ب): 12/ 13 (OG: 29).
(9) الإدريسي: وصنائع.
(10) ص وبعض أصول الإدريسي: حرباً؛ الإدريسي (د/ ب): جرباً.
(11) بروفنسال: 83، والترجمة: 103.
(12) بروفنسال: ثمانية عشر ميلاً. وقارن بالإدريسي (د): 165 - 167.
(13) راجع مادة ((تنيس)) وانظر مادة ((صعيد)).

(1/294)


الأندلس وبين ساحل طنجة من أرض المغرب، وكانت قنطرة عظيمة لا يعلم لها في معمور الأرض نظير، يقال إنها من بناء ذي القرنين، مبنية بالحجارة تمر عليها الإبل والدواب من ساحل المغرب إلى الأندلس، وكان طولها اثني عشر ميلاً في عرض واسع وسمو كثير، وربما بدت هذه القنطرة لأهل المراكب تحت الماء فعرفوها، والناس يقولون: لا بد من ظهورها قبل فناء الدنيا.
الزهراء (1) :
مدينة في غربي قرطبة بناها الناصر عبد الرحمن بن محمد، كذا قالوا، ولا أدري أهي الزاهرة المتقدمة الذكر، أو غيرها وبينها وبين قرطبة خمسة أميال.
وكانت (2) قائمة الذات بأسوارها ورسوم قصورها، وكان فيها قوم سكان بأهاليهم وذراريهم، وكانت في ذاتها عظيمة، وهي مدينة فوق مدينة، سطح الثلث الأعلى على الحد الأوسط، وسطح الثلث الأوسط على الثلث الأسفل، وكل ثلث منها له سور، فكان الحد الأعلى منها قصوراً يعجز الواصفون عن وصفها، والحد الأوسط بساتين وروضات، والحد الأسفل فيه الديار والجامع.
ثم خرب ذلك كله وأصابه ما أصاب قرطبة وغيرها من بلاد الأندلس، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الزوراء (3) :
هو اسم يقع على عدة مواضع منها الزوراء المتصلة بالمدينة التي زاد عليها عثمان النداء الثالث يوم الجمعة لما كثر الناس، لأحيحة بن الجلاح.
والزوراء (4) موضع آخر في ديار بني أسد.
والزوراء (5) رصافة هشام بالشام كانت للنعمان بن جبلة، وفيها كان، وإليها كانت تنتهي غنائمه، وكان على بابها صليب لأنه كان نصرانياً، وأنشدوا قول النابغة (6) :
ظلت أقاطيع أنعام مؤبلة ... لدى صليب على الزوراء منصوب الزوراء (7) بالحيرة، هدمها أبو جعفر المنصور،، وتذاكروا عند الصادق الزوراء فقالوا: الزوراء بغداد، فقال الصادق: ليس الزوراء بغداد، لكن الزوراء الري.
وزوراء (8) بغير ألف ولام دار كانت بالحيرة لملوكهم.
وسميت بغداد بالزوراء لانعطافها بانعطاف دجلة، وتسمى به القوس لانعطافها، وفي مطلع قصيدة أبي العلاء (9) :
هات الحديث عن الزوراء أو هيتا ...
زواغة:
من بلاد إفريقية، سميت بزواغة قبيلة من البربر.
زريران (10) :
قرية بالعراق من أحسن قرى الأرض وأجملها منظراً وأفسحها ساحة وأكثرها بساتين ورياحين وحدائق نخيل، وكان بها سوق تقصر عنه أسواق المدن، وحسبك من شرف موضعها أن دجلة تسقي شرقيها والفرات يسقي غربيها، وهي كالعروس بينهما، والبسائط والقرى والمزارع متصلة بين هذين النهرين الشريفين المباركين، وبإزاء هذه القرية في جهة الشرق منها إيوان كسرى وأمامها بيسير مدائنه، وهذا الإيوان بناء عال في الهواء شديد البياض.
زويلة (11) :
مدينة كبيرة قديمة في الصحراء بقرب بلاد كانم من السودان وأظنها التي يقال لها زويلة ابن خطاب، وبينها وبين سويقة ابن مثكود ست عشرة مرحلة، وهي صغيرة بها أسواق،
__________
(1) بروفنسال: 95، والترجمة: 117.
(2) الادريسي (د): 212.
(3) معجم ما استعجم 2: 705.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه.
(6) قال ابن السكيت في شرح هذا البيت: الزوراء ماء لبني أسد (ياقوت).
(7) معجم ما استعجم 2: 705.
(8) لم يفرق ياقوت (الزوراء) بين المعرفة بأل وغير المعرفة، فقال: والزوراء دار بناها النعمان ابن المنذر بالحيرة؛ فهي إذن كالسابقة، والمؤلف ينقل عن مادة ((زوراء)) في معجم ما استعجم: 704 وفيه ورد قول النابغة ((بزوراء في حافاتها المسك كانع)) - بغير ألف ولام - وأنها كانت بالحيرة لملكوهم.
(9) عجز البيت: ((وموقد النار لا تكرى بتكريتا)) (شروح السقط: 1593).
(10) ص ع: زويران؛ وهذا هو الذي جعل المؤلف يضعها في هذا المكان، وهو ينقل عن رحلة ابن جبير: 215، وفي أصل مخطوطة الرحلة (زويران) كما قيدها المؤلف، ولكن ياقوت ضبطها براءين.
(11) مزج المؤلف المادة هنا ما نقل عن الاستبصار: 146، والادريسي (د/ ب): 133/ 99، والبكري: 10.

(1/295)


ومنها يدخل إلى بلاك السودان، وشرب أهلها من آبار عذبة، وبها نخل كثير وتمرها حسن، والعرب تجول بنواحيها وتضر بأهلها، وكان بناها عبد الله بن خطاب الهواري وسكنها هو وبنو عمه سنة ست وثلثمائة، وهي منسوبة إلى هذا الرجل، وهي الآن عامرة، وهي مجمع الرفاق، وإليها يجلب الرقيق ومنها يخرج إلى بلاد إفريقية وغيرها من البلاد.
ولما فتح (1) عمرو بن العاصي برقة وجبل نفوسة بعث عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة وافتتحها، وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين. وبقرب زويلة قصر واجان، وهو قصر عظيم على رأس جبل في طرف المفازة، وهو مثل المدينة، فسار إليهم خمسة عشر يوماً، فنزل عليهم وحاصرهم نحو شهر فلم يقدر عليهم، فمضى أمامه على قصور كوار ففتحها وأخذ ملكها فقطع إصبعه، فقال له: لم فعلت هذا. فقال له عقبة: إذا نظرت إلى إصبعك لم تقاتل العرب، وفرض عليهم ثلثمائة وستين رأساً، ثم سألهم هل وراءهم أحد، فلم يعلموا أن وراءهم أحداً، فكر راجعاً على قصر واجان فلم يعرض له ولا نزل عليه، وسار ثلاثة أيام، فلما رأوا أنه لم يعرض لهم أمنوا وانبسطوا، فأقام عقبة بموضع يسمى اليوم ماء الفرس، فنفد ماؤهم وأصابهم العطش حتى كاد يهلكهم، قال: فصلى عقبة بأصحابه ركعتين ودعوا الله تعالى، فجعل فرس عقبة يبحث بيده في الأرض حتى انكشف له صفاة فنبع ماء، فنادى عقبة الناس أن احفروا فاحتفروا، فوجدوا ماء معيناً زلالاً فسمي ماء الفرس، وكان يقال له عقبة المستجاب، ثم كر راجعاً إلى قصر واجان من غير طريقه الذي أقبل منه، فلم يشعروا حتى طرقهم ليلاً فوجدهم مطمئنين فاستباح ما في مدينتهم من ذراري وأموال ونساء، وقتل مقاتلتهم، ثم انصرف راجعاً إلى زويلة، ومن زويلة كر إلى غدامس بعد خمسة أشهر، وسار متوجهاً إلى المغرب وجانب طريق الجادة وأخذ أرض مزاتة، فافتتح قصورهم حتى انتهى إلى قفصة ففتحها وافتتح بلاد قصطيلية ثم انصرف إلى القيروان، فتوفي شهيداً بتهودة، من بلاد الزاب، حسبما يأتي ذكر ذلك في موضعه.
وزويلة (2) أيضاً إحدى المهديتين، كانت متصلة بالمهدية، وكان السلطان وخاصته وجنوده يسكنون المهدية، والأسواق والناس في زويلة، وكانت حسنة المباني والشوارع، وأهلها مياسير نبلاء ذوو أفهام ثاقبة وطريقة في المعاملات جيدة، وأسوارها عالية حصينة وهي مبنية بالحجر، وبها فنادق وحمامات جمة (3) ، ولها من جهة البر خندق كبير تستقر فيه مياه السماء، وبخارجها حمى كان قبل دخول العرب إفريقية وإفسادهم لها جنات وبساتين بسائر الثمار العجيبة والفواكه الطيبة، ولم يبق بها الآن من ذلك كله شيء بل خربت زويلة فلم يكد يبقى لها أثر، وحولها قرى كثيرة ومنازل وقصور يسكنها البداة، ولهم زروع ومواش وأغنام وأبقار وإصابات في القمح والشعير، وبها زيتون كثير يخرج منه زيت طيب عجيب يعم سائر البلاد الإفريقية، وكان يتجهز به إلى المشرق، وبين المدينتين (4) رملة قدر رمية قوس.
الزبداني (5) :
بلدة كثيرة المياه والأشجار بين دمشق وبعلبك، منها محمد بن هبة الله الأنصاري الزبداني قاضي الزبداني، كان إذا حل ملك كبير ببلده أظهر في ضيافته ما يتعجب منه كثرة واتقاناً، وهو القائل وقد مرض محبوب له:
قد قلت للدهر على أنني ... أنهاه كي يرجع عن حكمه
أمرضت من أهوى وعافيتني ... فقال موت المرء من فهمه
قد نلت من قلبك لما اشتكى ... أكثر مما نلت من جسمه وهو القائل وقد خدم أميراً جميل الصورة:
أحمد الله على ما تم لي ... أنجح السعي وصح الأمل
الذي أخدمه أعشقه ... فمديحي في علاه غزل
__________
(1) من هنا يستمر النقل عن البكري والاستبصار فقط.
(2) الادريسي (د/ ب): 109/ 79.
(3) ص ع: خمسة.
(4) يعني المهدية وزويلة.
(5) ص ع: الزيدان؛ وهو وهم جعل المؤلف يؤخر هذه المادة إلى هذا الموضع، وانظر ابن خلكان 4: 26 في ضبط الاسم وتحديد موقعه؛ وهي معروفة إلى اليوم.

(1/296)


حرف السين
ساوة (1) :
قرية في الطريق ما بين همذان والري بينهما اثنان وعشرون فرسخاً، وفي بعض كلام سطيح الكاهن في تفسير الرؤيا التي رآها كسرى أنوشروان بن قباذ ملك الفرس، وفيها أنه رأى ارتجاس الإيوان وخمود النيران وسقوط أربع عشرة شرفة من قصره ورؤيا الموبذان وأن بحيرة ساوه غاضت، فقال سطيح في حكاية طويلة: إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة وخمدت نار فارس، وغارت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة، فليست الشام لسطيح شاماً، إلى آخرها.
قال: وفي ساوة مات نصر بن سيار عامل مروان بن محمد على خراسان، فإنه لما أدبر الأمر عنه بظهور الدولة العباسية هرب فمات بهذه القرية كمداً.
ساباط المدائن:
بالعراق وفي الجانب الغربي من دجلة.
قالوا (2) : كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، لما خرج من كوثى، قدم زهرة بن الحوية إلى بهرسير في المقدمات، وتبعته المجنبات، وأخرج سعد بعده هاشماً في خيل وخرج سعد في أثره، وقد فل زهرة كتيبة كسرى التي كانت تدعى بوران حول المظلم. مظلم ساباط، وكان رجال يحلفون كل يوم بالله لا يزول ملك فارس ما عشنا. ولما انتهى هاشم إلى مظلم ساباط وقف لسعد حتى لحق به فلما نزله (3) قرأ: " أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال " ، ووافق ذلك رجوع " المقرط " أسد كان كسرى قد ألفه وتخيره من أسود المظلم فبادر المقرط الناس حتى انتهى إليهم سعد فنزل إليه هاشم فقتله فقبل سعد رأسه وقبل هاشم قدمه.
وقيل نظر هاشم إلى الناس قد أحجموا ووقفوا فقال: ما لهم؟ فقيل له: أسد قد منعهم، ففرج هاشم الناس وقصد له، فثاوره الأسد وضربه هاشم فقطع وصليه كأنما احتدم (4) غضباً ووقعت الضربة في خاصرته، وقيل ضربه على هامته فقتله.
وأغارت خيول سعد على ما بين دجلة وكان ما كان من إعزاز الله تعالى الإسلام ونصره أهله. ويقال إن المسلمين لما انتهوا إلى مظلم ساباط أشفقوا أن يكون به كمين للعدو، فتردد الناس وجبنوا عنه فكان أول من وصله بجيشه هاشم، فلما أجاز ألاح للناس بسيفه فعرف الناس أن ليس به شيء يخافونه، فأجاز بهم خالد بن عرفطة ثم لحق سعد بالناس حتى انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة الفرس فكانت وقعة جلولاء.
وبساباط (5) المدائن سجن كسرى أبرويز ملك الفرس النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وكان عدي بن زيد العبادي ترجمان أبرويز وكاتبه بالعربية فلما قتل عمرو بن هند وصف له عدي النعمان بن المنذر بن امرئ القيس وأشار عليه بتوليته العرب واحتال في ذلك حتى ولاه من بين إخوته وكان أذمهم وأقبحهم، ثم بلغ النعمان عن عدي شيء خافه، فاحتال حتى وقع في يده فحبسه فقال في ذلك أشعاراً بعث بها إليه منها قوله:
__________
(1) قارن بياقوت (ساوة)؛ وانظر حديث سطيح عند البكري (مخ): 52.
(2) الطبري 1: 2424.
(3) في ص ع: نازله. والضمير يعود إلى ((مظلم ساباط)).
(4) ص ع: احتلم.
(5) قارن بما جاء في الأغاني من قصة النعمان 2: 88 - 106.

(1/297)


ألا من مبلغ النعمان عني ... علانية وما يغني السرار فيها:
فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار تمثل به معاوية عند موته، ومنها قوله:
أبلغ النعمان عني مألكاً ... إنه قد طال حبسي وانتظاري
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري فلم يزل في حبسه حتى مات، ويقال إنه قتله.
وكان لعدي ابن يقال له زيد، فوصل إلى أبرويز حتى حل محل أبيه، ثم ذكر له بنت النعمان وجمالها، فأرسل فيها، فكتب إليه النعمان يحقر حالها وقال للرسول، وهو زيد بن عدي: يا زيد أما لكسرى في مها السواد كفاية حتى تخطى إلى العربيات!! فقال زيد: إنما أراد الملك إكرامك، أبيت اللعن، بصهرك، ولو علم أن ذلك يشق عليك لما فعل، وسأحسن ذلك عنده وأعذرك بما يقبله، فقال النعمان: فافعل فقد تعرف ما على العرب في تزويج العجم من الفضاضة والشناعة. فلما انصرف إلى كسرى أخبره أنه راغب عنه، وأدى إليه قوله في مها السواد على أقبح الوجوه وأوجده عليه، فقال: رب عبد قد صار من الطغيان إلى أقبح من هذا، فلما بلغت كلمته النعمان تخوفه، فخرج هارباً حتى أتى إلى طيء لصهر له فيهم، ثم خرج من عندهم حتى أتى بني رواحة بن ربيعة بن مازن، فقالوا له: أقم معنا فإنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، فجزاهم خيراً ورحل عنهم يريد كسرى ليرى فيه رأيه، وفي ذلك يقول زهير بن أبي سلمى:
ألم تر للنعمان كان بنجوة ... من الدهر لو أن امرءاً كان ناجياً
فلم أر مسلوباً له مثل ملكه ... أقل صديقاً معطياً ومواسيا
خلا أن حياً من رواحة حافظوا ... وكانوا أناساً يتقون المخازيا
فقال لهم خيراً وأثنى عليهم ... وودعهم توديع ألا تلاقيا وأقبل النعمان حتى أتى المدائن، فصف له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهن المصبغات صفين، فلما صار النعمان بينهن قلن له: أما فينا للملك غنى عن بقر السواد فعلم النعمان أنه غير ناج منه. ولقيه زيد بن علي، فقال له النعمان: فعلتها؟ لئن تخلصت لك لأسقينك بكأس أبيك، فقال زيد: امض نعيم فقد آخيت لك أخية لا يقطعها المهر الأرن، فأمر به كسرى فحبس بساباط المدائن، ثم أمر به فرمي تحت أرجل الفيلة، وقال بعضهم بل مات في محبسه بساباط، وقد ذكر ذلك الأعشى في قوله (1) :
ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي الصكوك ويأفق
ويقسم أمر الناس يوماً وليلة ... وهم ساكتون والمنية تنطق
فذاك وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محرزق وكان النعمان حين توجه إلى كسرى مستسلماً مر على بني شيبان فأودع سلاحه وعياله عند هانئ بن مسعود الشيباني، فلما أتى كسرى على النعمان بعث إلى هانئ بن مسعود يطالبه بتركته فامتنع وأبى أن يخفر الذمة، فكان ذلك السبب الذي هاج حرب ذي قار (2) .
وقال إبراهيم بن رزمان: كان لنا جار ينزل في دار الحسن بن شعيب الساباطي، وكان يعرف بخصيب من أهل أصبهان، وكان له كلب جاء به من الجبل، قال: فرأيته يوماً وقد وقع بينه وبين جار له كلام إلى أن تواثبا، فلما رأى الكلب الرجل قد وثب على صاحبه قفز إليه فوضع مخالبه في أخدعيه، فرأيت الدماء
__________
(1) ديوان الأعشى: 147.
(2) قد مر ذلك مفصلاً في ((ذو قار)).

(1/298)