صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : البلدان
المؤلف : اليعقوبي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ومن المدينة إلى مكة عشر مراحل عامرة آهلة: فأولها: ذو الحليفة ومنها يحرم الحاج إذا خرجوا من المدينة، وهي على أربعة أميال من المدينة، ومنها إلى الحفيرة وهي منازل بني فهر من قريش، وإلى ملل وهي في هذا الوقت منازل قوم من ولد جعفر بن أبي طالب، وإلى السيالة وبها قوم من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عم وكان بها قوم من قريش وغيرهم، وإلى الروحاء وهي منازل مزينة، وإلى الرويثة وبها قوم من ولد عثمان بن عفان وغيرهم من العرب، وإلى العرج وهي أيضاً منازل مزينة، وإلى سقيا بني غفار وهي منازل بني كنانة، وإلى الأبواء وهي منازل أسلم، وإلى الجحفة وبها قوم من بني سليم وغدير خم من الجحفة على ميلين عادل عن الطريق، وإلى قديد وبها منازل خزاعة، وإلى عسفان، وإلى مر الظهران وهي منازل كنانة، وإلى مكة.
مكة وأعمالها
ومن المدينة إلى مكة مائتان وخمسة وعشرون ميلاً. والحاج ينزلون هذه المنازل وغيرها من المناهل، ويطول قوم ويقصر آخرون على ما يذهبون إليه في المسير من السرعة والإبطاء، فيدخل الناس إلى مكة من ذي طوى - وهي أسفل مكة، ومن عقبة المدنيين - وهي أعلى مكة - ومنها دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومكة بين جبال عظام وهي أودية ذات شعاب، فجبالها المحيطة بها: أبو قبيس الجبل الأعظم منه تشرق الشمس على المسجد الحرام، وقعيقعان، وفاضح، والمحصب، وثور عند الصفا، وحراء، وثبير، وتفاحة، والمطابخ، والفلق، والحجون، وسقر. ولها من الشعاب: شعب الحجون، وشعب دار مال الله، وشعب البطاطين، وشعب فلق ابن الزبير، وشعب ابن عامر، وشعب الجوف، وشعب الخوز، وشعب أذاخر، وشعب خط الحزامية، وشعب الصفا، وشعب الرزازين، وشعب الجبيريين، وشعب الجوف، وشعب الجزارين، وشعب زقاق النار، وشعب جبل تفاحة، وشعب الحجاج، وشعب العطارين، وشعب جياد الكبير، وشعب جياد الصغير، وشعب النفر، وشعب ثور وخيام عنقود، وشعب يرنى، وشعب علي، وشعب ثنية المدنيين، وشعب الحامام.
والمسجد الحرام بين جياد وقعيقعان، وآخر من بنى المسجد الحرام، وزاد فيه، ووسعه، حتى صارت الكعبة في وسطه المهدي في سنة أربع وستين ومائة، فذرع المسجد الحرام مكسراً مائة ألف ذراع وعشرون ألف ذراع، وطول المسجد من باب بني جمح إلى باب بني هاشم، الذي عند العلم الأخضر أربعمائة ذراع وأربع أذرع، وعرضه من باب الندوة إلى باب الصفا ثلثمائة ذراع وأربع أذرع، وفيه من العمد الرخام أربعمائة وأربعة وثمانون عموداً، طول كل عمود عشر أذرع، وفيه أربعمائة طاق وثمانية وتسعون طاقاً، وثلاثة وعشرون باباً. والمهدي أمير المؤمنين بنى العلمين الأخضرين اللذين بين الصفا والمروة، وبين كل علم وصاحبه مائة واثنتا عشرة ذراعاً، وبين الصفا والمروة سبعمائة ذراع وأربع وخمسون ذراعاً، وارتفاع سمك الكعبة ثماني وعشرون ذراعاً، ومن الركن الأسود إلى الركن الشأمي خمس وعشرون ذراعاً، ومن الركن الغربي في الحجر إلى الركن الشأمي اثنتان وعشرون ذراعاً، ومن الركن الغربي إلى الركن اليماني خمس وعشرون ذراعاً، ومن الركن اليماني إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود إحدى وعشرون ذراعاً.
وشرب أهل مكة من آبار ملحة ومن القنوات التي حفرتها أم جعفر بنت جعفر ابن أمير المؤمنين المنصور، في خلافة الرشيد أمير المؤمنين، وأجرتها من الموضع الذي يقال له المشاش في قنوات رصاص، وبينهما اثنا عشر ميلاً، فشرب أهل مكة والحاج من بركة أم جعفر.
والطائف من مكة على مرحلتين، والطائف منازل ثقيف، وهي من أعمال مكة، مضمومة إلى عامل مكة.
ولمكة من الأعمال: رعيلاء الهوذة، ورعيلاء البياض، وهي معادن سليم وهلال وعقيل من قيس، وتبالة وأهلها خثعم، ونجران لبني الحارث ابن كعب كانت منازلهم في الجاهلية، والسراة وأهلها الأزد، وعشم معدن ذهب، وبيش، والسرين، والحسبة، وعثر، وجدة وهي ساحل البحر، ورهاط، ونخلة، وذات عرق، وقرن، وعسفان ومر الظهران، والجحفة. وحول مكة من قبائل العرب من قيس: بنو عقيل، وبنو هلال، وبنو نمير، وبنو نصر. ومن كنانة: غفار، ودوس، وبنو ليث، وخزاعة، وخثعم، وحكم، والأزد. ولمكة عيون كثيرة، بها أموال الناس بمر الظهران، وعرفة، ورهاط، وتثليث وبها معدن ذهب بعشم وذو علق، وعكاظ. وخراجها من أعشار وصدقات، والميرة تحمل إليها من مصر إلى ساحلها وهو جدة.

(1/34)


ومن مكة إلى اليمن
من مكة إلى صنعاء إحدى وعشرون مرحلة: فأولها الملكان، ثم يلملم ومنها يحرم حاج اليمن، ثم الليث، ثم عليب، ثم قربا، ثم قنونا، ثم يبة، ثم المعقر، ثم ضنكان، ثم زنيف، ثم ريم، ثم بيش، ثم العرش من جازان، ثم الشرجة، ثم السلعاء، ثم بلحة، ثم المهجم، ثم العارة، ثم المروة، ثم سودان، ثم صنعاء وهي المدينة العظمى التي ينزلها الولاة وأشراف العرب.
ولليمن أربعة وثمانون مخلافاً وهي شبيه بالكور والمدن وأسماؤها: اليحصبين، ويكلى، وذمار، وطموء، وعيان، وطمام، وهمل، وقدم، وخيوان، وسنحان، وريحان، وجرش، وصعدة، والأخروج، ومجنح، وحراز، وهوزن، وقفاعة، والوزيرة، والحجر، والمغافر، وعنة، والشوافى، وجبلان، ووصاب، والسكون، وشرعب، والجند، ومسور، والثجة، والمزرع، وحيران، ومأرب، وحضور، وعلقان، وريشان، وجيشان، والنهم، وبيش، وضنكان، وقنونا، ويبة، وزنيف، والعرش من جازان، والخصوف، والساعد، وبلجة، وهي مور، والمهجم، والكدراء وهي سهام، والمعقر وهي ذوال، وزبيد، ورمع، والركب، وبني مجيد، ولحج، وأبين، وبين الواديين، وألهمان، وحضرموت، ومقرا، وحيس، وحرض، والحقلين، وعنس، وبني عامر، ومأذن، وحملان، وذي جرة، وخولان، والسرو، والدثينة، وكبيبة، وتبالة.
ولليمن من الجزائر
زيلع وهي حيال المندب، ثم دهلك وهي حيال غلافقة وهي جزيرة النجاشي، ورحسوا وهي حيال الدهلك، وباضع وهي حيال عثر وهي ساحل بيش بلاد كنانة.
وأما سواحلها
فعدن: وهي ساحل صنعاء، وبها مرفأ مراكب الصين، وسلاهط والمندب، وغلافقة، والحردة، والشرجة وهي شرجة القريص، وعثر، والحسبة، والسرين، وجدة.
تسمية من يسكن كل بلد من قبائل العرب باليمن
بيش: أهلها الأزد وبها قوم من بني كنانة. والخصوف والساعد: أهلها حا وحكم. والكدراء والمهجم: أهلها عك. والحصيب: أهلها زبيد والأشعريون. وحيس: وهي مدينة الركب وبني مجيد. وحرض: مدينة المعافر. والجند: مدينة شرعب ومدينة جيشان: لحمير. وتبالة: لخثعم. ونجران: لبني الحارث بن كعب. وصعدة: لخولان. وشرعب وقفاعة والحجر بلاد كندة.
الربع الثالث الجربي وهو ربع الشمال
قد ذكرنا التيمن وهو ربع القبلة، فلنذكر الآن ربع الجربي وهو ربع الشمال، وما فيه من المدائن والكور. من أراد من بغداد إلى المدائن، وما والاها مما على حافتي دجلة من المدن والطساسيج، وواسط والبصرة، والأبلة، واليمامة، والبحرين، وعمان، والسند، والهند، خرج من بغداد، فسلك أي الجانبين أحب، الشرقي من دجلة، أو الغربي في قرى عظام، فيها ديار الفرس، حتى يصير إلى المدائن، وهي على سبعة فراسخ من بغداد.
والمدائن دار ملوك الفرس، وكان أول من نزلها أنوشروان، وهي عدة مدن في جانبي دجلة، فالجانب الشرقي فيه المدينة التي يقال لها العتيقة، وفيها القصر الأبيض القديم الذي لا يدرون من بناه، وفيها المسجد الجامع، الذي بناه المسلمون لما افتتحت. وفي الجانب الشرقي أيضاً المدينة التي يقال لها أسبانبر وفيها إيوان كسرى العظيم، الذي ليس للفرس مثله، ارتفاع سمكه ثمانون ذراعاً. وبين المدينتين مقدار ميل، وفي هذه المدينة كان ينزل سلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان وبها قبراهما. ثم تلي هاتين المدينتين، مدينة يقال لها الرومية التي يقال إن الروم بنتها لما غلبت على ملك فارس، وبها كان أمير المؤمنين المنصور لما قتل أبا مسلم. وما بين هذه المدن الثلاث متقارب الميلان والثلاثة الأميال.
في الجانب الغربي من دجلة مدينة يقال لها بهرسير ثم ساباط المدائن على فرسخ من بهرسير فما كان من جانب دجلة الشرقي فشربه من دجلة، وما كان من جانب دجلة الغربي فشربه من الفرات، يأتي من نهر يقال له نهر الملك يأخذ من الفرات. افتتحت هذه المدائن كلها سنة أربع عشرة، افتتحها سعد بن أبي وقاص. ومن المدائن إلى واسط خمس مراحل.
أولها دير العاقول: وهي مدينة النهروان الأوسط وبها قوم دهاقين أشراف.
ثم جرجرايا: وهي مدينة النهروان الأسفل، وهي ديار أشراف الفرس، ومنها رجاء بن أبي الضاحك وأحمد بن الخصيب.
ثم النعمانية: وهي مدينة الزاب الأعلى، ويقرب منها منازل آل نوبخت، وفي مدينة النعمانية دير هزقل الذي يعالج فيه المجانين.
ثم جبل: وهي مدينة قديمة عامرة.

(1/35)


ثم مادرايا وهي منزل أشراف العجم قديمة. ثم المبارك نهر قديم. وبعد النعمانية من الجانب الغربي من دجلة القرية المعروفة بنعماباذ وهي فرضة ينتقل منها مير دجلة إلى النيل، ثم نهر سابس وهي في الجانب الغربي وهي بإزاء المبارك، لأن مدينة المبارك من الجانب الشرقي، منها يسلك إلى طسوجي بادرايا وباكسايا. ثم قناطر الخيزران من الجانب الشرقي. ثم فم الصلح وبه منازل الحسن بن سهل، وإلى هذا الموضع صار المأمون لما زار الحسن بن سهل، وابتنى بابنته بوران، ثم واسط وهي مدينتان على جانبي دجلة، فالمدينة القديمة في الجانب الشرقي من دجلة، وابتنى الحجاج مدينة في الجانب الغربي، وجعل بينهما جسراً بالسفن، وبنى الحجاج قصره بهذه المدينة الغربية، والقبة الخضراء التي يقال لها خضراء واسط، والمسجد الجامع وعليها السور، نزلتها الولاة بعد الحجاج، وبها كان يزيد بن عمر ابن هبيرة الفزاري لما انهزم من أصحاب قحطبة وتحصن فيها حتى أعطي الأمان؛ وسكان هاتين المدينتين أخلاط من العرب والعجم، ومن كان من الدهاقين فمنزله بالمدينة الشرقية وهي مدينة كسكر، وخراجها داخل في خراج طساسيج السواد، وإنما سميت واسط لأن منها إلى البصرة خمسين، وإلى الكوفة خمسين، وإلى الأهواز خمسين فرسخاً، وإلى بغداد خمسين فرسخاً، فلذلك سميت واسط. ويتصل بها نهرابان وبه يصنع الفرش الذي يعمل منه الارمني، ثم يحمل إلى أرمينية، فيغزل وينسج، ثم إلى عبداسي، ثم إلى المذار وهي مدينة ميسان ومدينة المذار على دجلة أيضاً، ومما يلي المذار كورة أبزقباذ والمدينة يقال لها فسى. ومن واسط إلى البصرة في البطائح، وإنما سميت البطائح لأنه تجتمع فيها عدة مياه، ثم يصير من البطائح في دجلة العوراء، ثم يصير إلى البصرة فيرسي في شط نهر ابن عمر.
البصرة
والبصرة كانت مدينة الدنيا ومعدن تجاراتها وأموالها، وهي مدينة مستطيلة، تكون مساحتها على أصل الخطة التي اختطت عليها في وقت افتتاحها في ولاية عمر بن الخطاب في سنة سبع عشرة، فرسخين في فرسخ، فالباطنة منها وهي الجانب الذي يلقى الشمال، تشرع على نهرين لها أحدهما نهر يعرف بنهر ابن عمر وهو نهر...
وخرشنة خمسمائة فارس، وسلوقية خمسمائة فارس، وتراقية خمسة آلاف فارس، ومقدونية ثلاثة آلاف فارس، فجميع جيش بلاد الروم من الجند الموظف على الرساتيق والقرى أربعون ألف فارس، وليس فيهم مرتزق، وإنما هم حينئذ. يوظف عل كل ناحية رجال يخرجون مع بطريقها في وقت الحرب. وقد ذكرنا أخبار بلاد الروم، ورجالها، ومدنها وحصونها، وموانيها، وجبالها، وشعابها، وأوديتها، وبحيراتها، ومواضع الغارات عليها في كتاب غير هذا، فهذه المسالك إلى الثغور وما اتصل بها.
ومن أراد أن يسلك من حلب الطريق الأعظم إلى المغرب، خرج من حلب إلى مدينة قنسرين، ثم إلى الموضع الذي يقال له تلمنس وهو أول عمل جند حمص.
جند حمص
ثم منها إلى مدينة حماة، وهي مدينة قديمة على نهر يقال له الأرنط، وأهل هذه المدينة قوم من يمن، والأغلب عليهم بهراء وتنوخ. ثم من مدينة حماة إلى مدينة الرستن، ثم إلى مدينة حمص.

(1/36)


ومدينة حمص من أوسع مدن الشأم، ولها نهر عظيم منه شرب أهلها. وأهل حمص جميعاً يمن من طيء، وكندة، وحمير، وكلب، وهمدان، وغيرهم من بطون اليمن. افتتحها أبو عبيدة بن الجراح سنة ست عشرة صلحاً، وانتقضت بعد الفتح فصالحها أهلها ثانية. وبحمص أقاليم منها التمة وأهلها كلب، والرستن، وحماة وهي مدينة على نهر عظيم وأهلها بهراء، وتنوخ، وصوران وبه قوم من أياد، وسلمية وهي مدينة في البرية، كان عبد الله بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابتناها وأجرى إليها نهراً، واستنبط أرضها حتى زرع فيها الزعفران، وأهلها من ولد عبد الله ابن صالح الهاشمي ومواليهم، وأخلاط من الناس تجار وزراعين، وتدمر وهي مدينة قديمة عجيبة البناء، يقال لكثرة ما فيها من عجائب الآثار أن سليمان ابن داود النبي عم بناها وأهلها كلب، وتلمنس وهي مساكن أياد وكان ابن أبي دؤاد بناها منزلاً، ومعرة النعمان مدينة قديمة خراب وأهلها تنوخ، والبارة وأهلها بهراء، ومدينة فامية وهي مدينة رومية قديمة خراب على بحيرة عظيمة، وأهلها عذرة بهراء. ومدينة شيزر وأهلها قوم من كندة ومدينة كفرطاب. والأطميم وهي مدينة قديمة وأهلها قوم من يمن من سائر البطون وأكثرهم كندة وعلى ساحل البحر من جند حمص أربع مدن: مدينة اللاذقية وأهلها قوم من يمن من سليح وزبيد وهمدان ويحصب وغيرهم. ومدينة جبلة وأهلها همدان وبها قوم من قيس ومن أياد. ومدينة بلنياس وأهلها أخلاط. ومدينة أنظرظوس وأهلها قوم من كندة. وخراج حمص القانون القائم يبلغ سوى الضياع مائتي ألف وعشرين ألف دينار.
جند دمشق
ومن حمص إلى مدينة دمشق أربع مراحل: فالمرحلة الأولى جوسية: وهي من حمص. والثانية قارا: وهي أول عمل جند دمشق. والثالثة القطيفة: وبها منازل لهشام بن عبد الملك بن مروان ومنها إلى مدينة دمشق. ومن سلك من حمص على طريق البريد أخذ من جوسية إلى البقاع، ثم إلى مدينة بعلبك وهي إحدى مدن الشأم الجليلة، وبها بنيان عجيب بالحجارة، وبها عين عجيبة يخرج منها نهر عظيم، وداخل المدينة الأجنة والبساتين، ومن مدينة بعلبك إلى عقبة الرمان ثم إلى مدينة دمشق.
ومدينة دمشق مدينة جليلة قديمة، وهي مدينة الشأم في الجاهلية والإسلام، وليس لها نظير في جميع أجناد الشأم في كثرة أنهارها وعمارتها، ونهرها الأعظم يقال له بردا. افتتحت مدينة دمشق في خلافة عمر بن الخطاب سنة أربع عشرة، افتتحها أبو عبيدة بن الجراح من باب لها يقال له باب الجابية صلحاً، بعد حصار سنة ودخل خالد بن الوليد من باب لها يقال له باب الشرقي بغير صلح، فأجاز أبو عبيدة الصلح في جميعها، وكتبوا إلى عمر ابن الخطاب، فأجاز ما عمل به أبو عبيدة. وكانت دمشق منازل ملوك غسان، وبها آثار لآل جفنة، والأغلب على مدينة دمشق أهل اليمن، وبها قوم من قيس، ومنازل بني أمية وقصورهم أكثر منازلها، وبها خضراء معاوية، وهي دار الإمارة ومسجدها، الذي ليس في الإسلام أحسن منه بالرخام والذهب، بناه الوليد بن عبد الملك بن مروان في خلافته.

(1/37)


ولجند دمشق من الكور: الغوطة وأهلها غسان وبطون من قيس، وبها قوم من ربيعة. وحوران ومدينتها بصرى، وأهلها قوم من قيس من بني مرة خلا السويدا، فإن بها قوماً من كلب. والبثنية ومدينتها أذرعات، وأهلها قوم من يمن ومن قيس. والظاهر: ومدينتها عمان. والغور: ومدينتها ريحا، وهاتان المدينتان أرض البلقاء، وأهلها قوم من قيس، وبها جماعة من قريش. وجبال: ومدينتها عرندل، وأهلها قوم من غسان، ومن بلقين وغيرهم. ومآب وزغر: وأهلها أخلاط من الناس، وبها القرية المعروفة بمؤتة التي قتل فيها جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة. والشراة: ومدينتها أذرح، وأهلها موالي بني هاشم، وبها الحميمة منازل علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وولده. والجولان: ومدينتها بانياس، وأهلها قوم من قيس، أكثرهم بنو مرة، وبها نفر من أهل اليمن. وجبل سنير: وأهلها بنو ضبة وبها قوم من كلب. وبعلبك: وأهلها قوم من الفرس، وفي أطرافها قوم من اليمن. وجبل الجليل: وأهلها قوم من عاملة. ولبنان صيدا: وبها قوم من قريش ومن اليمن. ولجند دمشق من الكور على الساحل كورة عرقة، ولها مدينة قديمة، فيها قوم من الفرس ناقلة، وبها قوم من ربيعة من بني حنيفة، ومدينة أطرابلس: وأهلها قوم من الفرس كان معاوية بن أبي سفيان نقلهم إليها ولهم مينا عجيب يحتمل ألف مركب. وجبيل وصيدا وبيروت: وأهل هذه الكور كلها قوم من الفرس نقلهم إليها معاوية بن أبي سفيان. وكل كورة دمشق افتتحها أبو عبيدة بن الجراح في خلافة عمر بن الخطاب سنة أربع عشرة وخراج دمشق سوى الضياع يبلغ ثلثمائة ألف دينار.
جند الأردن
ومن مدينة دمشق إلى جند الأردن أربع مراحل: أولها جاسم من عمل دمشق. وخسفين من عمل دمشق. وفيق ذات العقبة المذكورة، ومنها إلى مدينة طبرية وهي مدينة الأردن، وهي في سفل جبل على بحيرة جليلة، يخرج منها نهر الأردن المشهور، وفي مدينة طبرية مياه تنبع حارة، تفور في الصيف والشتاء، ولا تنقطع فتدخل المياه الحارة إلى حماماتهم، ولا يحتاجون لها إلى وقود. وأهل مدينة طبرية قوم من الأشعريين هم الغالبون عليها.
ولجند الأردن من الكور: صور: وهي مدينة السواحل، وبها دار الصناعة، ومنها تخرج مراكب السلطان لغزو الروم، وهي حصينة جليلة، وأهلها أخلاط من الناس. ومدينة عكا: وهي من السواحل. وقدس: وهي من أجل كوره. بيسان، وفحل، وجرش، والسواد، وأهل هذه الكور أخلاط من العرب والعجم، افتتحت كور الأردن في خلافة عمر ابن الخطاب، افتتحها أبو عبيدة بن الجراح خلا مدينة طبرية، فإن أهلها صالحوه وغيرها من كور جند الأردن. افتتحها خالد بن الوليد وعمرو ابن العاص من قبل أبي عبيدة بن الجراح سنة أربع عشرة. وخراج جند الأردن يبلغ سوى الضياع مائة ألف دينار.
جند فلسطين
ومن جند الأردن إلى جند فلسطين ثلاث مراحل، ومدينة فلسطين القديمة كانت مدينة يقال لها لد ، فلما ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة ابتنى مدينة الرملة، وخرب مدينة لد، ونقل أهل لد إلى الرملة.

(1/38)


الرملة مدينة فلسطين ولها نهر صغير منه شرب أهلها، ونهر أبي فطرس منها على اثني عشر ميلا، وشرب أهل الرملة من ماء الآبار ومن صهاريج يجري فيها ماء المطر، وأهل المدينة أخلاط من الناس من العرب والعجم وذمتها سامرة. ولفلسطين من الكور: كورة إيليا: وهي بيت المقدس، وبها آثار الأنبياء عم. وكورة لد: ومدينتها قائمة بحالها إلا أنها خراب. وعمواس ونابلس: وهي مدينة قديمة فيها الجبلان المقدسان، وتحت المدينة مدينة منقورة في حجر وبها أخلاط من العرب والعجم. والسامرة وسبسطية: وهي مضافة إلى نابلس. وقيسارية: وهي مدينة على ساحل البحر، كانت من أمنع مدن فلسطين، وهي آخر ما افتتح من مدن البلد، افتتحها معاوية بن أبي سفيان في خلافة عمر بن الخطاب. ويبنا: وهي مدينة قديمة على قلعة، وهي التي يروى أن أسامة بن زيد قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجهني، فقال: اغد على يبنا صباحا ثم حرق . وأهل هذه المدينة قوم من السامرة. ويافا: وهي على ساحل البحر إليها ينفر أهل الرملة. وكورة بيت جبرين: وهي مدينة قديمة وأهلها قوم من جذام، وبها البحيرة الميتة التي تخرج الحمرة وهي الموميا. ومدينة عسقلان: على ساحل البحر. ومدينة غزة: على ساحل البحر وهي رأس الإقليم الثالث، وبها قبر هاشم بن عبد مناف، وأهل جند فلسطين أخلاط من العرب من لخم، وجذام، وعاملة، وكندة، وقيس، وكنانة، افتتحت أرض فلسطين سنة ست عشرة بعد طول محاصرة، حتى خرج عمر ابن الخطاب فصالح أهل كورة إيليا وهي بيت المقدس، وقالوا لا نصالح إلا الخليفة، فسار إليهم حتى صالحهم وافتتحت أكثر كور فلسطين خلا قيسارية، فخلف عليها أبو عبيدة ابن الجراح معاوية بن أبي سفيان، فافتتحها سنة ثمان عشرة. ومبلغ خراج جند فلسطين مع ما صار في الضياع يبلغ ثلثمائة ألف دينار.
ومن أراد أن يسلك من الشأم على فلسطين إلى مكة سلك جبالا خشنة حزنة، حتى يصير إلى أيلة، ثم إلى مدين، ثم يستمر به الطريق مع أهل مصر والمغرب.
مصر وكورها
ومن خرج من فلسطين مغربا يريد مصر خرج من الرملة إلى مدينة يبناثم إلى مدينة عسقلان، وهي على ساحل البحر، ثم إلى مدينة غزة وهي على الساحل أيضا، ثم إلى رفح وهي آخر أعمال الشأم، ثم إلى موضع يقال له الشجرتين وهي أول حد مصر، ثم إلى العريش وهي أول مسالح مصر وأعمالها، ويسكن العريش قوم من جذام وغيرهم وهي قرية على ساحل البحر، ومن العريش إلى قرية يقال لها البقارة، ومنها إلى قرية يقال لها الورادة في جبال من رمال، ثم إلى الفرما وهي أول مدن مصر وبها أخلاط من الناس، وبينها وبين البحر الأخضر ثلاثة أميال، ومن الفرما إلى قرية يقال لها جرجير مرحلة، ومنها إلى قرية يقال لها فاقوس مرحلة، ومنها إلى قرية يقال لها غيفة، ثم الفسطاط، وكانت الفسطاط تعرف بباب أليون وهو الموضع المعروف بالقصر، فلما افتتح عمرو ابن العاص باب أليون في خلافة عمر بن الخطاب سنة عشرين، اختطت قبائل العرب حول فسطاط عمرو بن العاص فسميت الفسطاط لهذا، ثم اتسعوا في البلد فاختطواعلى النيل، واختطت قبائل العرب في المواضع المنسوبة إلى كل قبيلة، وبنى عمرو بن العاص مسجد جامعها، ودار إمارتها المعروفة بدار الرمل، وجعل الأسواق محيطة بالمسجد الجامع في الجانب الشرقي من النيل، وجعل لكل قبيلة محرساً وعريفاً، وابتنى حصن الجيزة في الجانب الغربي من النيل، وجعله مسلحة للمسلمين، وأسكنه قوما وكتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه لا تجعل بيني وبين المسلمين ماء. وافتتح عمر كور مصر صلحاً، خلا الإسكندرية، فإنه أقام يحارب أهلها ثلاث سنين، ثم فتحها سنة ثلاث وعشرين، لأنه لم يكن في البلد مدينة تشبهها حصانة وسعة وكثرة عدة.

(1/39)


وكور مصر منسوبة إلى مدنها، لأن لكل كورة مدينة مخصوصة بأمر من الأمور. فمن مدن الصعيد وكورها: مدينة منف وهي مدينة قائمة خراب، يقول أهل مصر: إنها المدينة التي كان فرعون يسكنها. ومدينة بوصير كوريدس، ومدينة دلاص وإليها ينسب اللجم الدلاصية. ومدينة الفيوم وكان يقال في متقدم الأيام مصر والفيوم لجلالة الفيوم، وكثرة عمارتها، وبها القمح الموصوف وبها يعمل الخيش. ومدينة القيس وبها تعمل الثياب القيسية والأكسية الصوف الجياد. ومدينة البهنسا وبها تعمل الستور البهنسية. ومدينة أهناس وبها تعمل الأكسية، وبها شجر اللبخ. ومدينة طحا وبها القمح الموصوف، والكيزان التي يسميها أهل مصر البواقيل. وأنصنا وهي مدينة قديمة يقال إن سحرة فرعون كانوا منها، وإن بها بقية من السحر، وهي في الجانب الشرقي من النيل. ومدينة الأشمونين وبها فرهة الخيل والدواب والبغال، وهي من مدن مصر العظام. ومدينة أسيوط وهي من عظام مدن الصعيد، بها يعمل الفرش القرمز الذي يشبه الأرمني. وقهقاوة وبها مدينة قديمة يقال لها بوتيج ومدينة يقال لها بشمور وبها القمح اليوسفي المجزع. ومدينة أخميم وهي في الجانب الشرقي من النيل، ولها ساحل وبها يعمل الفرش القطوع والجلود الأخميمية. والدير المعروف بدير بو شنودة ويقال إن فيه قبر رجلين من حواري المسيح. ومدينة أبشاية يقال لها البلينا. ومن أبشاية تسلك إلى الواحات في مفازة وجبال خشنة ست رحلات، ثم إلى ألواح الخارجة وهي بلاد فيها حصون، ومزارع، وعيون مطردة، ومياه جارية، ونخل وأصناف الشجر، والكروم، ومزدع أرز وغير ذلك. ثم إلى ألواح الداخلة ولها مدينة يقال لها الفرفرون وأهلها أخلاط من الناس من أهل مصر وغيرهم. ومن مدينة أبشاية التي يقال لها مدينة البلينا إلى مدينة هو. ومدينة هو مدينة قديمة كان بها أربع كور: كورة هو، وكورة دندرة من غربي النيل، وكورة فاو، وكورة قنا من الجانب الشرقي، فخربت وقلت عمارتها لكثرة من يخرج إليها في الناحية من الأعراب والخارجين وقطاع الطريق، وانتقل الناس عنها إلى ما هو أعمر منها. ومن مدينة هو إلى مدينة قفط مرحلتان، وهي مدينة في الجانب الشرقي فيها آثار الملوك المتقدمين وبربا، ومن قفط تسلك إلى معادن الزمرذ وهو معدن يقال له: خربة الملك، على ثمان رحلات من مدينة فقط، وفيه جبلان: يقال لأحدهما العروس، وللآخر الخصوم، فيهما معادن الزمرد، وفيه موضع يقال له كوم الصابوني، وكوم مهران، ومكابر، وسفسيد، وكل هذه معادن يوجد فيها الجوهر وتسمى الحفائر، التي يخرج منها الجوهر شيم واحدتها شيمة وكان بها معدن قديم يقال له دمرومط، وهو معدن كان في الجاهلية، وكذلك معدن مكابر.
ومن المعدن الذي يقال له خربة الملك إلى جبل صاعد وهو معدن تبر مرحلة، وإلى الموضع الذي يقال له الكلبي، وموضع يقال له الشكري، وموضع يقال له العجلي، وموضع يقال له العلاقي الأدنى، وموضع يقال له الريفة، وهو ساحل بحر خربة الملك، وكل هذه معادن تبر، ومن الخربة إلى معدن يقال له رحم، معدن تبر ثلاث مراحل، وبرحم قوم من بلي وجهينة وغيرهم من أخلاط الناس، يقصدون للتجارات. فهذه معادن الجوهر وما يتصل بها من معادن التبر القريبة.
ومن مدينة قفط إلى مدينة الأقصر وهي مدينة قد خربت وصارت مكانها مدينة قوص، وهي على ساحل النيل من الجانب الشرقي من النيل، وكورة أسنا ومدينة أسنا في الجانب الغربي من النيل. ويقال إن أهلها المريس ومنها الحمير المريسية، ثم كورة أتفو، وهي في الجانب الغربي من النيل، وكورة بيبان وهي من الجانب الغربي، ثم مدينة أسوان العظمى، وبها تجار المعادن، وهي في الجانب الشرقي من النيل، وهي ذات نخل كثير، ومزدرع وتجارات، مما يأتي من بلاد النوبة، والبجة، وآخر مدن بلاد الإسلام من هذه الناحية مدينة في جزيرة في وسط النيل يقال لها بلاق عليها سور حجارة، ثم حد بلاد النوبة بموضع يقال له القصر على مقدار ميل من بلاق.
معادن التبر

(1/40)


ومن أراد المعادن معادن التبر خرج من أسوان إلى موضع يقال له الضيقة بين جبلين، ثم البويب، ثم البيضية، ثم بيت ابن زياد، ثم عذيفر، ثم جبل الأحمر، ثم جبل البياض، ثم قبر أبي مسعود، ثم عفار، ثم وادي العلاقي، وكل هذه المواضع معادن التبر، يقصدها أصحاب المطالب، ووادي العلاقي كالمدينة العظيمة به خلق من الناس، وأخلاط من العرب والعجم، أصحاب المطالب؛ وبها أسواق وتجارات، وشربهم من آبار تحفر في وادي العلاقي، وأكثر من بالعلاقي قوم من ربيعة من بني حنيفة، من أهل اليمامة، انتقلوا إليها بالعيالات والذرية. ووادي العلاقي وما حواليه معادن للتبر، وكل ما قرب منه يعتمل فيه الناس، لكل قوم من التجار وغير التجار، عبيد سودان يعملون في الحفر، ثم يخرجون التبر كالزرنيخ الأصفر، ثم يسبك.
ومن العلاقي إلى موضع يقال له وادي الجبل مرحلة، ثم إلى موضع يقال له عنب، ثم إلى موضع يقال له كبان، يجتمع الناس به لطلب التبر، وبه قوم من أهل اليمامة من ربيعة.
ومن العلاقي إلى معدن يقال له بطن واح مرحلة، ومن العلاقي إلى موضع يقال له أعماد مرحلتان، وإلى معدن يقال له ماء الصخرة مرحلة، وإلى معدن يقال له الأخشاب مرحلتان، وإلى معدن يقال له ميزاب تنزله بلي وجهينة أربع مراحل، وإلى معدن يقال له عربة بطحا مرحلتان، ومن العلاقي إلى عيذاب أربع مراحل، وعيذاب ساحل البحر المالح، يركب الناس منه إلى مكة والحجاز واليمن، ويأتيه التجار فيحملون التبر والعاج وغير ذلك في المراكب. ومن العلاقي إلى بركان وهي آخر معادن التبر، التي يصير إليها المسلمون ثلاثون مرحلة. ومن العلاقي إلى موضع يقال له دح ينزله قوم من بني سليم وغيرهم من مضر عشر مراحل، ومن العلاقي إلى معدن يقال له السنطة وبه قوم من مضر وغيرهم عشر مراحل، ومن العلاقي إلى معدن يقال له الرفق عشر مراحل، ومن العلاقي إلى معدن يقال له شختيت عشر مراحل، فهذه المعادن التي يصل إليها المسلمون ويقصدونها لطلب التبر.
بلاد النوبة
فأما من قصد من العلاقي إلى بلاد النوبة الذين يقال لهم علوة، فيسير ثلاثين مرحلة بعضها إلى كبان، ثم إلى موضع يقال له الأبواب، ثم إلى مدينة علوة العظمى، التي تسمى سوبة، وبها ينزل ملك علوة. والمسلمون يختلفون إليها، ومنها يأتي خبر ابتداء النيل، ويقال إن جزيرة علوة متصلة بجزيرة السند، والنيل يجري من وراء علوة إلى أرض السند في النهر الذي يقال له مهران، كما يجري في نيل مصر، ويزيد فيه في وقت زيادته بمصر. وفي الجزيرة التي بأرض علوة، مثل ما بجزائر السند من الفيلة والكركدنات وأشباه ذلك. وفي نهر مهران التماسيح، كما في نيل مصر.
ومن أسوان إلى أول بلاد النوبة الذين يقال لهم مقرا وهو موضع يقال له ماوا، وبهذا الموضع كان زكرياء بن قرقي خليفة أبيه قرقي ملك النوبة، ومن ماوا إلى مدينة النوبة العظمى التي ينزلها ملك النوبة وهي سال ودنقلة ثلاثون مرحلة.
بلاد البجة
ومن العلاقي إلى أرض البجة الذين يسمون الحداربة والكدس خمس وعشرون مرحلة، ومدينة ملك البجة الحداربة يقال لها هجر، يأتيها الناس من المسلمين للتجارات. والبجة ينزلون خيام جلود، وينتفون لحاهم، وينزعون فلك ثدي الغلمان لئلا يشبه ثديهم ثدي النساء، ويأكلون الذرة وما أشبهها، ويركبون الإبل، ويحاربون عليها كما يحارب على الخيل، ويرمون بالحراب فلا يخطئون. ومن العلاقي إلى أرض البجة الذين يقال لهم الزنافجة خمس وعشرون مرحلة. والمدينة التي يسكنها ملك الزنافجة يقال لها بقلين. وربما صار المسلمون إليها للتجارات، ومذهبهم مثل مذهب الحداربة، وليس لهم شريعة إنما كانوا يعبدون صنماً يسمونه ححاخوا.
فأما مدن مصر التي بأسفل الأرض: فأولها مدينة إتريب: ولها كورة واسعة وبها القرية المعروفة ببنها التي بها العسل الموصوف. ثم مدينة عين شمس: وهي مدينة قديمة، يقال إن بها مساكن لفرعون، وبها آثار عجيبة، وفيها مسلتان شاهقتان عظيمتان من حجارة صلدة، مكتوب عليهما باللسان القديم يقطر من رأس إحداهما ماء، لا يدري ما سببه. ثم مدينة نتو، ومدينة بسطة، ومدينة طرابية، ومدينة قربيط، ومدينة حبان، ومدينة ابليل، هذه التسع المدن تسمى كور الحوف.

(1/41)


ثم مدينة بنا: وهي مدينة جليلة قديمة؛ ومدينة بوصير: وهي نظيرة بنا في العظم والجلالة؛ ومدينة سمنود، ومدينة نوسا، ومدينة الأوسية: وهي مدينة دميرة؛ ومدينة البجوم. وهذه الست المدن في الجانب الشرقي من النيل تسمى كور بطن الريف.
ومدينة سخا، ومدينة تيدة، ومدينة الأفراحون، ومدينة طوه، ومدينة منوف السفلى. وهذه المدن والكور السبع في جزيرة من النيل بين خليج دمياط، وخليج الغرب.
فأما المدن التي على ساحل البحر المالح: فأولها الفرما وهي المدينة القديمة التي تدخل إلى مصر منها. ثم مدينة تنيس يحيط بها البحر الأعظم المالح، وبحيرة يأتي ماؤها من النيل، وهي مدينة قديمة تعمل بها الثياب الرفيعة الصفاق والرقاق من الدبيقى والقصب والبرود، والمخمل، والوشي، وأصناف الثياب، وبها مرسى المراكب الواردة من الشأم والمغرب. ثم مدينة شطا: وهي على ساحل البحر وبها تعمل الثياب الشروب الشطوية. ثم مدينة دمياط: وهي على ساحل البحر وإليها ينتهي ماء النيل، ثم يفترق من دمياط فيخرج بعضه إلى بحيرة تنيس، وهي بحيرة تجري فيها السفن والمراكب العظام، ويجري باقي ماء النيل إلى البحر المالح؛ وتعمل بدمياط الثياب الصفاق الدبيقية والثياب الشروب والقصب. وبورة: وهي حصن على ساحل البحر من عمل دمياط، تعمل بها الثياب والقراطيس. ثم حصن نقيزة على ساحل البحر.ثم مدينة البرلس: على ساحل البحر المالح، وهي موضع الرباط. ثم مدينة رشيد: وهي مدينة عامرة آهلة، لها مينا يجري فيه ماء النيل إلى البحر المالح، وتدخله المراكب من البحر حتى تصير في النيل. ومدينة اخنو: وهي على ساحل البحر.
والمدينة يقال له وسيمة: يعمل بها القراطيس. ثم مدينة الإسكندرية العظيمة الجليلة التي لا توصف سعة، وجلالة، وكثر آثار الأولين، ومن عجائب الآثار التي بها المنارة التي على ساحل البحر على فوهة المينا الأعظم وهي منارة متقنة محكمة، طولها مائة وخمس وسبعون ذراعاً، وعليها مواقيد توقد فيها النيران، إذا نظر النواظير إلى مراكب في البحر على مسافة بعيدة، وبها مسلتان من حجارة مجزعة على سرطانات نحاس، وعليهما كتاب قديم وآثارها وعجائبها كثيرة، ولها خليج يدخله الماء العذب من النيل ثم يصب في البحر المالح. وللإسكندرية من الكور مما ليس على ساحل البحر المالح، وهو على ساحل خلجان النيل: كورة البحيرة، وكورة مصيل، وكورة المليدس، وهذه الكور على خليج الإسكندرية الذي يدخل المدينة، وكورة ترنوط، وكورة قرطسا وكورة خربتا، وهي أيضاً على هذا الخليج، وكورة صا، وكورة شباس، وكورة الخير، وكورة البدقون. وقورة الشراك وهذه الكور على خليج من النيل يقال له النسترو. وللإسكندرية بعد ذلك من الكور كورة مريوط، وهي كورة عامرة ولها كروم وشجر ولها ثمار موصوفة، ثم كورة لوبية، ثم كورة مراقية، وهاتان الكورتان على ساحل البحر المالح ينزل أداني قراها قوم من بني مدلج من كنانة، وينزل أكثرها قوم من البربر وبها قرى وحصون.
افتتحت كور مصر كلها في خلافة عمر بن الخطاب، والأمير عمرو ابن العاص بن وائل السهمي، وبلغ خراج مصر على يد عمرو في خلافة عمر في أول سنة من جزية رؤوس الرجال أربعة عشر ألف ألف دينار، ثم جباها عمرو في السنة الثانية عشرة آلاف ألف؛ فكتب إليه عمر يا خائن؛ وجباها عبد الله ابن سعد بن أبي سرح في خلافة عثمان بن عفان اثني عشر ألف ألف دينار.
ثم أسلم رجالها فبلغ خراج الأرض في أيام معاوية مع جزية رؤوس الرجال خمسة آلاف ألف دينار. وبلغ في أيام هارون الرشيد أربعة آلاف ألف دينار، ثم وقف مال مصر على ثلاثة آلاف ألف دينار. وشرب مصر وجميع قراها من ماء النيل صيفاً وشتاء، يزيد في أيام الصيف، ويأتي من أرض علوة، مخرجة من عيون، وزيادته من أمطار تأتي في الصيف، فينتشر على وجه الأرض حتى يطبق جميع الأرضين ثم يبتدئ في شهر من شهور القبط يقال له بابه وهو تشرين الأةل، فيبتدىء الناس بالعمارة وزرع الغلات، لأن أرض مصر لا تمطر إلا المطر اليسير إلا ما كان منها على السواحل. وعجم مصر جميعاً القبط، فمن كان بالصعيد يسمون المريس، ومن كان بأسفل الأرض يسمون البيما.
طريق مكة من مصر

(1/42)


ومن أراد الحج من مصر وخرج من مصر إلى مكة فأول منزل يقال له جب عميرة، به مجتمع الحاج يوم خروجهم، ثم منزل يقال له القرقرة في صحراء لا ماء بها، ثم منزل يقال له عجرود، به بئر قديمة بعيدة الرشاء، زعقة الماء. ثم إلى جسر القلزم فمن أراد أن يدخل مدينة القلزم: وهي مدينة على ساحل البحر عظيمة فيها التجار الذين يجهزون الميرة من مصر إلى الحجاز وإلى اليمن، وبها مرسى المراكب، وأهلها أخلاط من الناس، تجارها أهل يسار. ومن القلزم ينزل الناس في برية وصحراء ست مراحل إلى أيلة ويتزودون الماء لهذه الست المراحل.
ومدينة أيلة: مدينة جليلة على ساحل البحر المالح، وبها يجتمع حاج الشأم، وحاج مصر والمغرب، وبها التجارات الكثيرة، وأهلها أخلاط من الناس، وبها قوم يذكرون أنهم موالي عثمان ابن عفان، وبها برد حبرة يقال أنه برد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقال إنه وهبه لرؤبة بن يحنة، لما صار إلى تبوك. ومن إيلة إلى شرف البعل، ومن شرف البعل إلى مدين: وهي مدينة قديمة عامرة، بها العيون الكثيرة، والأنهار المطردة العذبة، والأجنة، والبساتين، والنخل، وأهلها أخلاط من الناس. ومن أراد أن يخرج منها إلى مكة، أخذ على ساحل البحر المالح إلى موضع يقال له عينونا، فيه عمارة ونخل، وبه مطالب يطلب الناس فيها الذهب، ثم إلى العونيد وهي مثلها، ثم إلى الصلا، ثم إلى النبك، ثم إلى القصيبة، ثم إلى البحرة، ثم إلى المغيثة وهي تبعل، ثم إلى ظبة، ثم إلى الوجه، ثم إلى منخوس وبمنخوس غاصة يخرجون اللؤلؤ، ثم إلى الحوراء، ثم إلى الجار، ثم إلى الجحفة، ثم إلى قديد، ثم إلى عسفان، ثم إلى بطن مر.
ومن أراد أن يسلك على طريق مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ من مدين إلى منزل يقال له أغراء، ثم إلى قالس، ثم إلى شغب، ثم إلى بداً، ثم إلى السقيا، ثم إلى ذي المروة، ثم إلى ذي خشب، ثم إلى المدينة. فهذه المنازل من مصر إلى مكة والمدينة.
المغرب
فأما من أراد أن يسلك من مصر إلى برقة وأقاصي المغرب، نفذ من الفسطاط في الجانب الغربي من النيل، حتى يأتي ترنوط، ثم يصير إلى منزل يعرف بالمنى، قد أقفر أهله، ثم إلى الدير الكبير المعروف ببومينا، وفيه الكنيسة الموصوفة، العجيبة البناء، الكثيرة الرخام؛ ثم إلى المنزل المعروف بذات الحمام، وفيه مسجد جامع وهو من عمل كورة الإسكندرية؛ ثم يصير في منازل لبني مدلج في البرية، بعضها على الساحل، وبعضها بالقرب من الساحل، منها المنزل المعروف بالطاحونة، والمنزل المعروف بالكنائس، والمنزل المعروف بجب العوسج. ثم يصير في عمل لوبية وهي كورة تجري مجرى كور الإسكندرية، منها منزل يعرف بمنزل معن، ثم المنزل المعروف بقصر الشماس؛ ثم خربة القوم؛ ثم الرمادة وهي أول منازل البربر، يسكنها قوم من مزاتة وغيرهم من العجم القدم، وبها قوم من العرب من بلي وجهينة وبني مدلج وأخلاط. ثم يصير إلى العقبة، وهي على ساحل البحر المالح، صعبة المسلك، حزنة خشنة مخوفة، فإذا علاها صار إلى منزل يعرف بالقصر الأبيض، ثم مغاير رقيم، ثم قصور الروم، ثم جب الرمل، وهذه ديار البربر من ماصلة بن لواتة وأخلاط من الناس. ثم يصير إلى وادي مخيل وهو منزل كالمدينة، به المسجد الجامع، وبرك الماء، وأسواق قائمة، وحصن حصين، وفيه أخلاط من الناس، وأكثرهم البربر من ماصلة، وزنارة، ومصعوبة، ومراوة، وفطيطة. ومن وادي مخيل إلى مدينة برقة ثلاث مراحل في ديار البربر، مراوة، ومفرطة ومصعوبة، وزكودة وغيرهم من بطون لواتة.
برقة
ومدينة برقة في مرج واسع وتربة حمراء شديدة الحمرة، وهي مدينة عليها سور، وأبواب حديد، وخندق؛ أمر ببناء السور المتوكل على الله.
وشرب أهلها ماء الأمطار، يأتي من الجبل في أودية إلى برك عظام، قد عملتها الخلفاء والأمراء، لشرب أهل مدينة برقة. وحوالي المدينة أرباض لها يسكنها الجند وغير الجند، وفي دور المدينة والأرباض أخلاط من الناس، وأكثر من بها جند قدم، قد صار لهم الأولاد والأعقاب.

(1/43)


وبين مدينة برقة وبين ساحل البحر المالح ستة أميال، وعلى ساحل البحر مدينة يقال لها أجية، بها أسواق، ومحارس، ومسجد جامع، وأجنة، ومزارع، وثمار كثيرة. وساحل آخر يقال له طلميثة، ترسي المراكب فيه في بعض الأوقات. ولبرقة جبلان: أحدهما يقال له الشرقي فيه قوم من العرب من الأزد، ولخم، وجذام، وصدف، وغيرهم من أهل اليمن. والآخر يقال له الغربي فيه قوم من غسان، وقوم من جذام، والأزد، وتجيب، وغيرهم من بطون العرب، وقرى بطون البربر من لواتة من زكودة، ومفرطة، وزنارة، وفي هذين الجبلين عيون جارية، وأشجار، وثمار، وحصون، وآبار للروم قديمة.
ولبرقة أقاليم كثيرة تسكنها هذه البطون من البربر، ولها من المدن: برنيق: وهي مدينة على ساحل البحر المالح، ولها ميناء عجيب في الاتفاق والجودة، تحوز فيه المراكب، وأهلها قوم من أبناء الروم القدم، الذين كانوا أهلها قديماً، وقوم من البربر من تحلالة، وسوة، ومسوسة، ومغاغة، وواهلة، وجدانة. وبرنيق من مدينة برقة على مرحلتين، ولها أقاليم منسوبة إليها. ومدينة أجدابية: وهي مدينة عليها حصن، وفيها مسجد جامع، وأسواق قائمة، من برنيق إليها مرحلتان، ومن برقة إليها أربع مراحل، وأهلها قوم من البربر، من زنارة، وواهلة، ومسوسة، وسوة، وتحلالة وغيرهم وجدانة وهم الغالبون عليها، ولها أقاليم، وساحل على البحر المالح، على مقدار ستة أميال من المدينة، ترسي به المراكب، وهي آخر ديار لواتة من المدن. وبطون لواتة يقولون: إنهم من ولد لواتة بن بر بن قيس عيلان، وبعضهم يقول: إنهم قوم من لخم، كان أولهم من أهل الشأم، فنقلوا إلى هذه الديار، وبعضهم يقول: إنهم من الروم.
سرت
ومن مدينة أجدابية إلى مدينة سرت على ساحل البحر المالح خمس مراحل: مرحلة منها من ديار لواتة، وفيهم قوم من مزاتة، وهم الغالبون عليها، منها الفاروج، وقصر العطش، واليهودية، وقصر العبادي، ومدينة سرت. وأهل هذه المنازل وأهل مدينة سرت من منداسة، ومحنحا، ومنطاس وغيرهم، وآخر منازلهم على مرحلتين من مدينة سرت، بموضع يقال له تورغة، وهو آخر حد برقة ومزاتة كلها اباضية على أنهم لا يفقهون ولا لهم دين.
وخراج برقة قانون قائم كان الرشيد وجه بمولى له يقال بشار، فوزع خراج الأرض بأربعة وعشرين ألف دينار، على كل ضيعة شيء معلوم سوى الأعشار والصدقات الجوالي، ومبلغ الأعشار والصداقات والجوالي خمسة عشر ألف دينار، ربما زاد، وربما نقص، والأعشار للمواضع التي لا زيتون بها ولا شجر ولا قرى مقراة. ولبرقة عمل يقال له أوجلة، وهو في مفازة مغرب لمن أراد الخروج إليها ينحرف إلى القبلة، ثم يصير إلى مدينتين يقال لأحداهما جالو، وللأخرى ودان. ولهما النخل والتمر والقسب الذي لا شيء أجود منه، وأرض ودان لآنقهما.
ودان
ومن أعمال برقة المضافة كانت إليها ودان، وهو بلد يؤتى من مفازة، وهو مما يضاف إلى عمل سرت. ومن مدينة سرت إليه مما يلي القبلة خمس مراحل. وبه قوم مسلمون، يدعون أنهم عرب من يمن، وأكثرهم من مزاتة، وهم الغالبون عليه، وأكثر ما يحمل منه التمر، فإن به أصناف التمرو، وإنما يتولاه رجل من أهله، وليس له خراج.
زويلة
ووراء ذلك بلد زويلة مما يلي القبلة، وهم قوم مسلمون أباضية كلهم. يحجون البيت الحرام وأكثرهم رواية، ويخرجون الرقيق السودان من الميريين، والزغاويين، والمرويين، وغيرهم من أجناس السودان لقربهم منهم، وهم يسبونهم. وبلغني أن ملوك السودان يبيعون السودان من غير شيء ولا حرب. ومن زويلة الجلود الزويلية، وهي أرض نخل، ومزدرع ذرة وغيرها، وبها أخلاط من أهل خراسان، ومن البصرة، والكوفة.
ووراء زويلة على خمس عشرة مرحلة مدينة يقال لها كوار، بها قوم من المسلمين من سائر الأحياء، أكثرهم بربر، وهم يأتون بالسودان. وبين زويلة ومدينة كوار وما يلي زويلة إلى طريق أوجلة وأجدابية قوم يقال لهم لمطة، أشبه شيء بالبربر، وهم أصحاب الدرق اللمطية البيض.
فزان
وجنس يعرف بفزان، أخلاط من الناس، لهم رئيس يطاع فيهم، وبلد واسع، ومدينة عظيمة، وبينهم وبين مزاتة حرب لاقح أبداً.

(1/44)


وتسمى برقة أنطابلس، هذا اسمها القديم، افتتحها عمرو بن العاص سنة ثلاث وعشرين صلحاً. ومن آخر عمل برقة من الموضع الذي يقال له تورغة إلى أطرابلس ست مراحل، وينقطع ديار مزاتة من تورغة ويصير في ديار هوارة، فأول ذلك ورداسة، ثم لبدة وهي حصن كالمدينة على ساحل البحر، وهوارة يزعمون أنهم من البربر القدم، وأن مزاتة ولواتة كانوا منهم فانقطعوا عنهم، وفارقوا ديارهم، وصاروا إلى أرض برقة وغيرهم. وتزعم هوارة أنهم قوم من اليمن، جهلوا أنسابهم. وبطون هوارة يتناسبون كما تتناسب العرب، فمنهم بنو اللهان، ومليلة وورسطفة. فبطون اللهان بنو درما، وبنو مرمزبان، وبنو ورفلة، وبنو مسر اتة، ومنازل هوارة من آخر عمل سرت إلى أطرابلس.
أطرابلس
أطرابلس مدينة قديمة جليلة على ساحل البحر عامرة آهلة، وأهلها أخلاط من الناس. افتتحها عمرو بن العاص سنة ثلاث وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب، وكانت آخر ما افتتح من المغرب في خلافة عمر. ومن أطرابلس إلى أرض نفوسة وهم قوم عجم الألسن، أباضية كلهم، لهم رئيس يقال له ألياس، لا يخرجون عن أمره؛ ومنازلهم في جبال أطرابلس، في ضياع، وقرى، ومزارع، وعمارات كثيرة؛ لا يؤدون خراجاً إلى سلطان، ولا يعطون طاعة إلا إلى رئيس لهم بتاهرت، وهو رئيس الأباضية، يقال له عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، فارسي. وديار نفوسة متصلة من حد بطرابلس مما يلي القبلة إلى قريب من القيروان، ولهم قبائل كثيرة، وبطون شتى. ومن أطرابلس على الجادة العظمى إلى مدينة يقال لها قابس - عظيمة على البحر المالح، عامرة كثيرة الأشجار، الثمار، والعيون الجارية، وأهلها أخلاط من العرب والعجم، والبربر، وبها عامل من قبل ابن الأغلب صاحب أفريقية - خمس مراحل عامرة، يسكنها قوم من البربر من زناتة، ولواتة، والأفارقة الأول. فأولها ويله أول مرحلة من أطرابلس، ثم صبرة وهي منزل بها أصنام حجارة قديمة، ثم قصر بني حبان، ثم بام وهي، ثم الفاصلات، ثم قابس.
القيروان
ومن قابس إلى مدينة القيروان أربع مراحل: أولها عين الزيتونة، غير آهلة، ثم للس قصر فيه عمارة، ثم غدير الأعرابي، ثم قلشانة. وهي موضع المعرس لمن خرج من القيروان وقدم إليها، ثم مدينة القيروان العظمى التي اختطها عقبة بن نافع الفهري سنة ستين، في خلافة معاوية، وكان عقبة الذي افتتح اكثر المغرب؛ على أن أول من دخل ارض أفريقية وافتتحها عبد الله بن سعد بن أبي سرح في خلافة عثمان ابن عفان سنة ست وثلاثين.
والقيروان مدينة كان عليها سور من لبن وطين، فهدمه زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، لما ثار عليه عمران بن مجالد وعبد السلام بن المفرج ومنصور الطنبذي، فإنهم ثاروا عليه بالقيروان، وهم من الجند القدم الذين كانوا قدموا مع ابن الأشعث. وشربهم من ماء المطر إذا كان الشتاء، ووقعت الأمطار والسيول، دخل ماء المطر من الأودية إلى برك عظام، يقال لها المؤاجل؛ فمنها شرب السقاة، ولهم وادٍ يسمى وادي السراويل في قبلة المدينة، يأتي فيه ماء مالح، لأنه في سباخ الناس يستعملونه فيما يحتاجون إليه. ومنازل بني الأغلب على ميلين من مدينة القيروان في قصور قد بني عليها عدة حيطان، لم تزل منازلهم حتى تحول عنها إبراهيم بن أحمد، فنزل بموضع يقال له الرقادة على ثمانية أميال من مدينة القيروان، وبنى هناك قصراً.
وفي مدينة القيروان أخلاط من الناس من قريش، ومن سائر بطون العرب، من مضر، وربيعة، وقحطان، وبها أصناف من العجم، من أهل خراسان، ومن كان وردها مع عمال بني هاشم من الجند، وبها عجم من عجم البلد البربر والروم وأشباه ذلك.
ومن القيروان إلى سوسة وهي على ساحل البحر المالح مرحلة، وبها دار صناعة، تعمل فيها المراكب البحرية وتردها المراكب. وأهل سوسة أخلاط من الناس.
ومن القيروان إلى الموضع الذي يقال له الجزيرة مرحلة، وهي جزيرة أبي شريك، موغلة في البحر، يحيط بها ماء البحر، كثيرة التجارة، وفيها قوم من رهط عمر بن الخطاب، وسائر بطون العرب والعجم، ولها عدة مدن ليست بالعظام، يتفرق فيها الناس، وعاملها ينزل مدينة يقال لها النواتية، وبالقرب من اقليبية التي يركب منها إلى سقلية.
ومن القيروان إلى مدينة بسفوطره مرحلتان خفيفتان، وهي مدينة كبيرة فيها قوم من قريش، ومن قضاعة وغيرهم.

(1/45)


ومن القيروان إلى مدينة تونس وهي على ساحل البحر، وبها دار صناعة، وهي مدينة عظيمة، منها كان حماد البربري مولى هارون الرشيد، وهو صاحب اليمن. وكان على تونس سور من لبن وطين، وكان سورها مما يلي البحر بالحجارة، فخالف أهلها على زيادة الله بن الأغلب، وكان منهم منصور الطنبذي، وحصين التجيبي، والقريع البلوي، فحاربهم فلما ظهر عليهم هدم سور المدينة، بعد أن قتل فيهم خلقاً عظيماً. ومن ساحل تونس يعبر إلى جزيرة الأندلس، وقد ذكرنا جزيرة الأندلس وأحوالها عن ذكرنا تاهرت.
ومن القيروان إلى مدينة باجة ثلاث مراحل، ومدينة باجة مدينة كبيرة، عليها سور حجارة قديم، وبها قوم من جند بني هاشم القدم، وقوم من العجم، ويلي مدينة باجة قوم من البربر، يقال لهم وزداجة، ممتنعين لا يؤدون إلى ابن الأغلب طاعة.
ومن القيروان إلى مدينة الأربس مرحلتان، وهي مدينة كبيرة عامرة بها أخلاط من الناس. ومن القيروان إلى مدينة يقال لها مجانة أربع مراحل، وبهذه المدينة معادن الفضة، والكحل، والحديد، والمرتك، والرصاص بين جبال وشعاب؛ وأهلها قوم يقال لهم السناجرة، يقال إن أولهم من سنجار من ديار ربيعة، وهو جند للسلطان، وبها أصناف من العجم من البربر وغيرهم.
ومن القيروان مما يلي القبلة إلى بلاد قمودة، وهو بلد واسع فيه مدن وحصون، والمدينة التي ينزلها العامل في هذا الوقت مذكورة، والمدينة القديمة العظمى هي التي يقال لها سبيطلة، وهي التي افتتحت في أيام عثمان بن عفان، وحصرها عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وأمير الجيش عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة سبع وثلاثين.
ومن بلد قمودة إلى مدينة قفصة، وهي مدينة حصينة، عليها سور حجارة، وفيها عيون ماء داخل المدينة، وهي مفروشة بالبلاط، وحولها عمارة كثيرة، وثمار موصوفة.
ومن قفصة إلى مدائن قسطيلية؛ وهي أربع مدائن في أرض واسعة، لها النخل والزيتون. فالمدينة العظمى يقال لها توزر، وبها ينزل العمال. والثانية يقال لها الحامة. والثالثة تقيوس. والرابعة نفطة. وحول هذه المدن أربع سباخ، وأهل هذه المدن قوم عجم من الروم القدم، والأفارقة، والبربر.
ومن مدائن قسطيلية إلى مدائن نفزاوة ثلاث مراحل، ونفزاوة عدة مدن: فالمدينة العظمى التي ينزلها العمال يقال لها بشرة، وبها قوم من الأفارقة العجم، ومن البربر، يحيط بالمدائن التي تلي القبلة الرمال. ومما يلي القبلة من القيروان بلد يقال له الساحل، ليس بساحل بحر، كثير السواد من الزيتون، والشجر، والكروم، وهي قرى متصلة بعضها في بعض كثيرة، ولهذا البلد مدينتان يقال لأحداهما سنه، وللأخرى قبيشة. ومن بلد الساحل إلى مدينة يقال لها أسفاقس يكون من سنه وقبيشة على مرحلتين، وهي على ساحل البحر يضرب البحر المالح سورها، وهي آخر بلد الساحل.
ومن أسفاقس إلى موضع يقال له بنزرت مسيرة ثمانية أيام، وفي جميع المراحل حصون متقاربة ينزلها العباد والمرابطون.

(1/46)


ومن القيروان إلى بلاد الزاب عشر مراحل، ومدينة الزاب العظمى طبنة، وهي التي ينزلها الولاة، وبها أخلاط من قريش، والعرب، والجند، والعجم، والأفارقة، والروم، والبربر. والزاب بلد واسع، فمنه مدينة قديمة يقال لها باغاية، بها قبائل من الجند، وعجم من أهل خراسان، وعجم من عجم البلد من بقايا الروم، حولها قوم من البربر من هوارة، بجبل جليل يقال له أوراس، يقع عليه الثلج. ومدينة يقال لها تيجس من عمل باغاية، حولها قوم بربر عجم يقال لها نفزة. ومدينة عظيمة جليلة، يقال لها ميلة، عامرة محصنة، لم يلها والٍ قط، ولها حصن دون حصن، فيه رجل من بني سليم، يقال له موسى بن العباس ابن عبد الصمد من قبل ابن الأغلب؛ وسواحل البحر تقرب من هذه المدينة ولها مرسى يقال له جيجل ومرسى يقال له قلعة خطاب، ومرسى يقال له أسكيدة، ومرسى يقال له مابر، ومرسى يقال له مرسى دنهاجة، وهذا البلد كله عامر، كثير الاشجار والثمار، وهم في جبال وعيون. ومدينة يقال لها سطيف، بها قوم من بني أسد بن خزيمة، عمال من قبل ابن الأغلب. ومدينة يقال لها بلزمة، أهلها قوم من بني تميم، وموالى لبني تميم، وقد خالفوا على ابن الأغلب في هذا الوقت. ومدينة يقال لها نقاوس، كثيرة العمارة، والشجر، والثمر، بها قوم من الجند، وحواليها البربر من مكنانة، بطن من زناتة، وحولهم قوم يقال لهم أوربة. وطبنة مدينة الزاب العظمى، وهي في وسط الزاب، وبها ينزل الولاة. ومدينة يقال لها مقرة، لها حصون كثيرة. والمدينة العظمى مقرة أهلها قوم من بني ضبة، وبها قوم من العجم، وحولها قوم من البربر، يقال لهم بنو زنداج، وقوم يقال لهم كربره، وقوم يقال لهم سارنبه، ومنها إلى حصون تسمى برحلس وطلمة وحرور بها قوم من بني تميم من بني سعد يقال لهم بنو الصمصامة، خالفوا على ابن الأغلب، وظفر ابن الأغلب ببعضهم فحبسهم. ومدينة احه، وهي على الجبل، وخالف أهلها على ابن الأغلب، وكان من خلفه قوم من هوارة، يقال لهم بنو سمعان، وبنو ورجيل وغيرهم. ومدينة أربة وهي آخر مدن الزاب مما يلي المغرب في آخر عمل بني الأغلب، ولم يتجاوزها الممودة.
وإذا خرج الخارج من عمل الزاب مغرباً، صار إلى قوم يقال لهم بنو برزال، وهم فخذ من بني دمر من زناتة وهم شراة كلهم.
وقد ذكرنا فتح أفريقية وأخبارها في كتاب أفردناه.
ومن هذا الموضع البلد الذي تغلب عليه الحسن بن سليمان ابن سليمان بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عم ، وأول المدن التي في يده مدينة يقال لها هاز، سكانها قوم من البربر القدم، يقال لهم بنو يرنيان من زناتة أيضاً، ثم مدن بعد ذلك سكانها صنهاجة، وزواوة، يعرفون بالبرانس، وهم أصحاب عمارة، وزرع، وضرع، وإلى هاز ينسب البلد، وبينها وبين عمل أدنة مسير ثلاثة أيام، ثم إلى قوم يقال لهم بنو دمر من زناتة في بلد واسع، وهم شراة كلهم، عليهم رئيس منهم يقال له مصادف بن جرتيل في بلد زرع، ومواشٍ، بينه وبين هاز مرحلة، ومنها إلى حصن يقال له حصن ابن كرام وليس أهله بشراة، ولكنهم جماعية، بلدهم بلد زرع. ثم يصير إلى بلد يقال له متيجة، تغلب فيه رجال من ولد الحسن ابن علي بن أبي طالب عم يقال لهم بنو محمد بن جعفر، وهو بلد واسع فيه عدة مدن وحصون، وهو بلد زرع، وعمارة، بين هذا البلد وبين حصن مصادف بن جرتيل، مسيرة ثلاثة أيام مما يلي البحر. ثم مدينة مدكرة، فيها ولد محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عم . ومدينة الخضراء، ويتصل بهذه مدن كثيرة، وحصون، وقرى، ومزارع، يتغلب على هذا البلد ولد محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن ابي طالب عم كل رجل منهم مقيم متحصن في مدينة وناحية، وعددهم كثير حتى إن البلد يعرف بهم، وينسب إليهم، وآخر المدن التي في أيديهم المدينة التي تقرب من ساحل البحر، يقال لها سوق إبراهيم، وهي المدينة المشهورة، فيها رجل يقال له عيسى بن إبراهيم ابن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن. ثم من هذه إلى تاهرت.

(1/47)


والمدينة العظمى مدينة تاهرت جليلة المقدار، عظيمة الأمر، تسمى عراق المغرب، لها أخلاط من الناس، تغلب عليها قوم من الفرس، يقال لهم بنو محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسي، وكان عبد الرحمن ابن رستم يتولى أفريقية، وصار ولده إلى تاهرت، فصاروا أباضية، ورأس الأباضية، فهم رؤساء أباضية المغرب ويتصل بمدينة تاهرت بلد عظيم ينسب إلى تاهرت في طاعة محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، والحصن الذي على ساحل البحر الأعظم ترسي به مراكب تاهرت يقال له مرسى فروخ.
جزيرة الأندلس ومدنها
ومن أراد جزيرة الأندلس نفذ من القيروان إلى تونس - على ما ذكرنا وهي على ساحل البحر المالح - فركب البحر المالح، يسير فيه مسيرة عشرة أيام مسحلاً غير موغل، حتى يحاذي جزيرة الأندلس من موضع يقال له تنس، بينه وبين تاهرت مسيرة أربعة أيام، أو صار إلى تاهرت يوافي الجزيرة، جزيرة الأندلس، فيقطع اللج في يوم وليلة، حتى يصير إلى بلد تدمير، وهو بلد واسع عامر، فيه مدينتان يقال لإحداهما العسكر، وللأخرى لورقة. في كل واحدة منبر، ثم يخرج منها إلى المدينة التي يسكنها المتغلب من بني أمية، وهي مدينة يقال له قرطبة فيسير ستة أيام من هذا الموضع في قرى متصلة، وعمارات، ومروج، وأودية، وأنهار، وعيون، ومزارع، وقبل أن يصير إلى مدينة قرطبة من تدمير يصير إلى مدينة يقال لها البيرة نزلها من كان قدم البلد من جند دمشق من مضر، وجلهم قيس، وأفناء قبائل العرب، بينها وبين قرطبة مسيرة يومين. وغربيها مدينة يقال لها رية نزلها جند الأردن، وهم يمن كلهم، من سائر البطون. وغربي رية مدينة يقال لها شدونة نزلها جند حمص، وأكثرهم يمن، وفيهم من نزار نفر يسير. وغربي شدونة مدينة يقال لها الجزيرة نزلها البربر وأخلاط من العرب قليل. وغربي المدينة التي يقال لها الجزيرة، مدينة يقال لها أشبيلية على نهر عظيم، وهو نهر قرطبة، دخلها المجوس الذين يقال لهم الروس سنة تسع وعشرين ومائتين، فسبوا، ونهبوا، وحرقوا، وقتلوا. وغربي أشبيلية مدينة يقال لها لبلة نزلها العرب أول ما دخل البلد مع طارق مولى موسى بن نصير اللخمي. وغربيها مدينة يقال لها باجة نزلها العرب أيضاً مع طارق. وغربيها على البحر المالح المحيط مدينة يقال لها الأشبونة. وغربيها على البحر أيضاً مدينة يقال لها أحسونبة وهي الأندلس، في الغرب على البحر الذي يأخذ إلى بحر الخزر. ومما يلي الشرق من هذه المدينة مدينة يقال لها ماردة على نهر عظيم، وبينها وبين قرطبة أربعة أيام، وهي غربي قرطبة، وهي محاذى أرض الشرك، وجنس منهم يقال لهم الجلالقة، وهي في الجزيرة. ثم يخرج من قرطبة مشرقاً إلى مدينة يقال لها جيان، وبها من كان من جند قنسرين والعواصم، وهم أخلاط من العرب من معد واليمن. ومن جيان ذات الشمال إلى مدينة طليطلة وهي مدينة منيعة جليلة، ليس في الجزيرة مدينة أمنع منها، وأهلها يخالفون على بني أمية، وهم أخلاط من العرب، والبربر، والموالي، ولها نهر عظيم يقال له دوير. ومن طليطلة لمن أخذ مشرقاً إلى مدينة يقال لها وادي الحجارة، كان عليها رجل من البربر، يقال له مبتل بن فرج الصنهاجي. يتولاها يدعو لبني أمية، ثم صار ولده وذريته بعده إلى هذه الغاية في البلد. ثم منها مشرقاً إلى مدينة سرقصطة، وهي من أعظم مدائن ثغر الأندلس، على نهر يقال له أبره. وذات الشمال منها مدينة يقال لها تطيلة، محاذية لأرض الشرك، الذين يقال لهم البسكنس. وذات الشمال من هذه المدينة مدينة يقال لها وشقة، وهي محادة من الأفرنج لجنس يقال لهم الجاسقس. ومن سرقصطة إلى القبلة مدينة يقال لها طرطوشة، وهي آخر ثغر الأندلس في الشرق، محادة للإفرنجيين، وهي على هذا النهر المنحدر من سرقصطة. ومن طرطوشة لمن أخذ مغربا إلى بلد يقال له بلنسية، وهو بلد واسع جليل، نزله قبائل البربر، ولم يعطوا بني أمية الطاعة، ولهم نهر عظيم ببلد يقال له الشقر. ومنها إلى بلد تدمير البلد الأول فهذه جزيرة الأندلس ومدنها.
رجعنا إلى ذكر تاهرت في معظم طريق المغرب

(1/48)


ومن مدينة تاهرت وما يحوز عمل ابن أفلح الرستمي إلى مملكة رجل من هوارة: يقال له ابن مسالة الأباضي، إلا أنه مخالف لابن أفلح، يحاربه، ومدينته التي يسكنها يقال لها الجبل منها إلى مدينة يقال لها يلل تقرب من البحر المالح، مسيرة نصف يوم، ولها مزارع، وقرى، وعمارات، وزرع، واشجار. ثم من مملكة ابن مسالة الهواري إلى مملكة لبني محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن أيضاً، سوى المملكة التي ذكرناها، وهي مدينة مدكرة، ومسكنهم في المدينة العظمى التي يقال لها ثمطلاس، وأهل هذه المملكة قوم من بطون البربر، من سائر قبائلهم، وأكثرهم قوم يقال لهم بنو مطماطة، وهم بطون كثيرة؛ ولهم في مملكتهم مدينة عظيمة يقال لها ايزرج، بها بعضهم وأهل هذه المدينة مطماطة. ومدينة أيضاً يملكها رجل منهم يقال له عبيد الله تسمى المدينة الحسنة إذا فسرت من لسان البربر بالعربية. ثم إلى المدينة العظمى المشهورة بالمغرب، التي يقال لها تلمسان، وعليها سور حجارة، وخلفه سور آخر حجارة، وبها خلق عظيم، وقصور، ومنازل مشيدة، ينزلها رجل منهم يقال له محمد ابن القاسم بن محمد بن سليمان، وحول هذه المدينة قوم من البربر، يقال لهم مكناسة وسربية ثم إلى المدينة التي تسمى مدينة العلويين كانت في أيدي العلويين، من ولد محمد بن سليمان، ثم تركوها، فسكنها رجل من أبناء ملوك زناتة، يقال له علي بن حامد بن مرحوم الزناتي. ثم منها إلى مدينة يقال له نمالتة، فيها محمد بن علي ابن محمد بن سليمان، وآخر مملكة بني محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن مدينة فالوسن، وهي مدينة عظيمة، أهلها بطون البربر من مطماطة، وترجة، وجزولة، وصنهاجة، وأنجفة، وابحره. ثم بعد مملكة بني محمد بن سليمان مملكة رجل يقال له صالح بن سعيد، يدعي أنه من حمير، وأهل البلد يزعمون أنه من أهل البلد نفزي؛ واسم مدينته العظمى التي ينزلها ناكور وهي على البحر المالح. ومن هذه المدينة جاز رجل ولد هشام بن عبد الملك بن مروان ومن معه من آل مروان إلى جزيرة الأندلس، لما هربوا من بني العباس، ومملكة صالح بن سعيد الحميري مسيرة عشرة أيام في عمارات، وحصون، وقرى، ومنازل، وزرع، وضرع، وخصب؛ وآخر مملكته مدينة يقال لها مرحانة على جبل تحتها أنهار وأودية وعمارات. ثم يصير منها إلى مملكة بني إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عم ، وأول حد مملكتهم بلد يقال له غميرة، بها رجل يقال له عبيد الله بن عمر ابن إدريس. ثم إلى بلد يقال له ملحاص لخانة عنده يجتمع فيها حاج السوس الأقصى وطنجة، ويملكه علي بن عمر بن إدريس. ثم قلعة صدينة وهو بلد عظيم به محمد بن عمر بن إدريس. ثم من قلعة صدينة إلى النهر العظيم الذي يقال له لمهارنة، حصون وعمارات، وبلد واسع عليه رجل من ولد داود بن إدريس بن إدريس، وإلى نهر يقال له سبو عليه حمزة بن داود ابن إدريس بن إدريس، ثم يدخل إلى المدينة العظمى التي يقال لها مدينة أفريقيا على النهر العظيم، الذي يقال له فاس، بها يحيى بن يحيى بن إدريس بن إدريس، وهي مدينة جليلة، كثيرة العمارة، والمنازل.
ومن الجانب الغربي من نهر فاس وهو نهر يقال إنه أعظم من جميع أنهار الأرض، عليه ثلاثة آلاف رحاً، تطحن المدينة التي تسمى مدينة أهل الأندلس، ينزلها داود ابن إدريس، وكل واحد من يحيى بن يحيى وداود ابن إدريس يخالف على صاحبه، يدافعه ويحاربه. وعلى طرف فاس مدينة يقال لها.... تسكنها برقسانة، قوم من البربر القدم. وعلى نهر فاس عمارات جليلة، وقرى، وضياع، ومزارع من حافتيه، يأتي ماؤه من عيون قبلية، إلا أنهم يقولون إنه لا يزيد ولا ينقص، ويغيض في النهر الذي يقال له سبو، وقد ذكرناه، ويفرغ سبو في البحر المالح، ومملكة بني إدريس واسعة كبيرة.

(1/49)


حدثني أبو معبد عبد الرحمن بن محمد ابن ميمون بن عبد الوهاب ابن عبد الرحمن بن رستم التاهرتي قال: تاهرت مدينة كبيرة، آهلة بين جبال وأودية، ليس لها فضاء، بينها وبين البحر المالح مسيرة ثلاث رحلات، في مستوى من الأرض، وفي بعضها سباخ، ووادٍ يقال له وادي شلف، وعليه قرى وعمارة، يفيض كما يفيض نيل مصر، يزرع عليه العصفر، والكتان، والسمسم، وغير ذلك من الحبوب؛ ويصير إلى جبل يقال له أنقبق، ثم يخرج إلى بلد نفزة، ثم يصير إلى البحر المالح. وشرب أهل مدينة تاهرت من أنهار وعيون، يأتي بعضها من صحراء، وبعضها من جبل قبلي. يقال له جزول. لم يجذب زرع ذلك البلد قط، إلا أن يصيبه ريح أو برد. وهو جبل متصل بالسوس، يسميه أهل السوس درن، ويسمى بتاهرت جزول، ويسمى بالزاب أوراس.
ومن خرج من تاهرت سالك الطريق بين القبلة والغرب، سار إلى مدينة يقال لها أوزكا ثلاث مراحل، والغالب عليها فخذ من زناتة يقال لهم بنو مسرة، رئيسهم عبد الرحمن بن أودموت بن سنان، وصار بعده ولده، فانتقل ابن له يقال له زيد إلى موضع يقال له ثاربينة فولده به. ومن مدينة أوزكا لمن سلك مغرباً إلى أرض لزناتة، ثم يصير إلى مدينة سجلماسة، بعد أن يسير سبع مراحل أو نحوها، على حسب الجد في المسير والتقصير، ومسيره في قرى ليست بآهلة، وفي بعضها مفازة.
سجلماسة
وسجلماسة مدينة على نهر يقال له زير، وليس بها عين، ولا بئر. وبينها وبين البحر عدة مراحل، وأهل سجلماسة أخلاط، والغالبون عليها البربر، وأكثرهم صنهاجة، وزرعهم الدخن، والذرة، وزرعهم على الأمطار، لقلة المياه عندهم؛ فإن لم يمطروا لم يكن لهم زرع.
ومن مدينة سجلماسة قرى تعرف ببني درعة، وفيها مدينة ليست بالكبيرة تامدلت ليحيى بن إدريس العلوي، عليها حصن، كان منها عبد الله ابن إدريس. وحولها معادن ذهب وفضة. يوجد كالنبات، ويقال إن الرياح تسفيه. والغالب عليهم قوم من البربر يقال لهم بنو ترجا.
السوس الأقصى
ومن المدينة التي يقال لها تامدلت إلى مدينة يقال لها السوس - وهي السوس الأقصى - نزلها بنو عبد الله بن إدريس بن إدريس، وأهلها أخلاط من البربر، والغالب عليهم مداسة. ومن السوس إلى بلد يقال له أغمات، وهو بلد خصب فيه مرعى ومزارع في سهل وجبل، وأهله قوم من البربر من صنهاجة. ومن أغمات إلى ماسة، وماسة قرية على البحر، تحمل إليها التجارات، وفيها المسجد المعروف بمسجد بهلول، وفيه الرباط على ساحل البحر، ويلقى البحر عند مسجد بهلول المراكب الخيطية، التي تعمل بالأبلة، التي يركب فيها إلى الصين.
ومن سجلماسة لمن سلك متوجهاً إلى القبلة، يريد أرض السودان - من سائر بطون السودان - يسير في مفازة وصحراء مقدار خمسين رحلة، ثم يلقاه قوم يقال لهم أنبية، من صنهاجة، في صحراء ليس لهم قرار شأنهم كلهم أن يتلثموا بعمائمهم، سنة فيهم، ولا يلبسون قمصاً، إنما يتشحون بثيابهم، ومعاشهم من الإبل، ليس لهم زرع، ولا طعام، ثم يصير إلى بلد يقال له غسط، وهو وادٍ عامر، فيه المنازل وفيه ملك لهم لا دين له، ولا شريعة، يغزو بلاد السودان وممالكهم كثيرة.
تم كتاب البلدان، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، النبي وآله الطاهرين، كتبه عليّ بن أبي محمد بن علي الكندي الأنماطي، غفر الله له، ولما قال أمين، والحمد الله كفى أفضاله وصلواته على محمد وآله. ووافق فراغه في صبيحة يوم السبت الحادي والعشرين من شوال سنة سبع وستمائة، تأليف أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب.

(1/50)