صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : أنساب الأشراف
المؤلف : أنساب الأشراف
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

خالي الذي اعتسر الهذيل وخيله ... تردى بمعترك من الأبطال
وقال المفضل: غزت بنو عامر بن تميم وضبة، وعلى ضبة حسان بن وبرة، وكان أخا النعمان لأمه، وهو كلب عمله أخوه على الرباب، فأسر يزيد بن الصعق حسان، وانهزم القوم فلما رأى ذلك عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب شد على ضرار بن عمرو الضبي فقال لابنه أدهم بن ضرار: اغنه عني، فشد عليه فتحول من سرجه إلى جنب الدابة ثم لحقه فقال لأحد ابنيه: اغنه عني، ففعل مثل ذلك فقال: ما هذا إلا ملاعب الأسنة، فسمي ملاعب الأسنة، ثم قال له ضرار: أنا أعلم أنك تحب اللبن، ولن تصل إلي مع بني. قال عامر: فأحلني فأحاله على حبيش بن دلف بن الهون، فشد عليه عامر فأسره فأعطاه مائة ناقة، وفدى حسان نفسه من يزيد بألف بعير، وهذا في يوم القرنتين.
وقال الكلبي: قتل حبيش يوم القرنتين.
ومن ضبة: عذام بن شتير.
قالوا: رمى عمر بن هبيرة الفزاري إلى عذام بخاتم له فصه فيروزج، فعقد عذام في الخاتم سيراً وطرحه إلى ابن هبيرة، وإنما أراد ابن هبيرة بعذام قول زياد الأعجم:
لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر ... كما كلّ ضبي من اللؤم أزرق
وأراد عذام قول الشاعر:
لا تأمننّ فزارياً خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
الجزء الثاني عشر
نسب ولد مر بن أدبن طابخة
وولد مر بن أد بن طابخة: تميم بن مر، وأمه الحوأب بنت كلب بن وبرة. وبكر بن مر وأمه الشعيراء بنت ضبة بن أد، وهم في بني مقاعس يعرفون بأمهم. والغوث بن مر، وهو صوفة، وهو الربيط. كان لا يعيش لأمه ولد فنذرت لئن عاش ولدها لتربطن برأسه صوفة ولتجعلنه ربيطاً للكعبة، فقلعت وجعلته خادماً في البيت حتى بلغ، ثم نزعته فسمي الربيط. وثعلبة بن مر وهو ظاعنة، وله يقول العرب: على كره ظعنت ظاعنة. ومحارب بن مر. وعامر بن مر درج. وكامل بن مر درج. ومازن. وسلمة وأمهما الحوأب بنت كلب بن وبرة، وإليها ينسب الماء الذي يقال له ماء الحوأب في طريق مكة من البصرة. ويقال: ويعفر بن مر. وشبك بن مر. وإراش بن مر.فأما ظاعنة فإنهم ظعنوا فنزلوا مع بني الحارث ذهل بن شيبان فبدوهم معهم، وحاضرهم مع بني عبد الله بن دارم. وولد ثعلبة الذي يقال لولده ظاعنة: فاضل بن ثعلبة. وعبد الله. وأما محارب بن مر فولده: عوف بن محارب. وأسلم بن محارب. فولد عوف: أنمار بن عوف، وهم في بني الهجيم يقولون أنمار بن الهجيم. فولد أنمار: ذياد بن أنمار. وعمرو بن أنمار. وولد أسلم بن محارب: أمرؤ القيس، وهم في بني زهير بن تيم من بني تغلب، ثم انصرفوا حديثاً إلى قومهم. وأما بنو الغوث بن مرو فإنهم الذين كانوا يجيزون بالحاج متى فنوا ودرجوا، فتحول ذلك منهم إلى كرب بن صفوان بن جناب بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن خربوذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل بقي من صوفة أحد يدفع بالناس؟ فقيل: لا إلا امرأة. فقال: لا ينبغي لامرأة أن تدفع بالناس.قال ابن الكلبي: ومن الغوث بن مر وهو صوفة: آل شرحبيل بن حسنة، وكانوا حلفاء في بني جمح، وقد كان لهم عز وشرف، ولا أعلم لهم بقية. وقال غير الكلبي: صار بنو الغوث بن مر، الذين يقال لهم صوفة، باليمن ولهم هناك عدد، وبالشام منهم قوم، وكان الفرزدق نزل على رجل منهم بالشام فقال:
تقول ابنة الغوثي مالك ههنا ... وأنت عراقي من الشرق جانبه
وكان شرحبيل بن حسنة وهي أمه، وأبوه عبد الله بن ربيعة بن المطاع من مهاجرة الحبشة، ومات بالشام، وكان ممن وجهه أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى ما هناك. وقال غير الكلبي وهو الواقدي: أبوه عبد الله بن المطاع وهو من كندة. وقال الهيثم بن عدي: هو من حمير، وقال: هو حليف لبني زهرة، وهو الكلبي أثبت. وأما يعفر فولد: المعافر، ويزعمون أنهم الذين باليمن، وأن المعافر كتب على قبره: أنا المعافر بن مر مضري حر ولست من حمير يطر. قال: والمعافر اليوم يقولون: معافر بن يعفر بن مالك بن الحارث بن مر بن أدد بن زيد بن يشجب. وقال بعض من يروى عنه النسب: أم تميم وبكر ابني مر: هند بنت اليهة بن النخع وانشد لبعضهم:
اسعياً مع النعمان يوم غويتم ... وأمكم هند وأم تميم

(4/73)


ويقال أم أن تميم وبكر: هند بنت الحارث بن كعب. وأصح ذلك أن أم تميم الحوأب بنت كلب بن وبرة. وكان لمر بن أد من النساء: برة أم النضر. ومالك، وملكان ابني كنانة بن مدركة، وهي أم أسد بن خزيمة، لأنها كانت تحت خزيمة فخلف عليها كنانة بعد أبيه نكاح مقت. وهند بنت مر أم بكر. وتغلب. والشخيص. وعنز بن وائل بن قاسط بن هنب. وتكمة بنت مر، ولدت غطفان. وأعصر ابني سعد بن قيس بن غيلان، وهي أيضاً أم: سليم وسلامان ابني منصور بن عكرمة. وجديلة بنت مر وهي أم: نهم. وعدوان، وإليها ينسبون. وعاتكة وهي ام سعد هذيم من قضاعة. وقال أبو اليقظان: بكر بن مر هو الشعيراء، وإنما قيل له الشعيراء لأن أمه هند من النخع كانت ترقصه وتقول: وابأبي شعيراتك، ويقال إنه قتل يوم الجمل من بني الشعيراء أربعة وعشرون مع عائشة رضي الله عنها. قال: وكان من الشعيراء: عائشة بنت جعدة تحدث عنه أنه قال: كنت في قوم مر بهم النبي صلى الله عليه وسلم فرش عليهم ماء، ودعا لهم، فأصابني من ذلك الماء. وهو الذي خطب إليه صعصعة بن معاوية عم الأحنف بن قيس فأبى أن يزوجه لأنه قال: لا أنزل عن دابتي حتى تزوجني. وكانت جدة الأحنف أم أمه من بني الشعيراء، وأم عامر بن عبد قيس العابد من بني الشعيراء، واسمها الخضيراء بنت كاهل، ومنازل بني الشعيراء قريبة من البحرين. من بني الشعيراء: أبو بكر بن صيفي، كان له قدر، وغزا السند مع ابن يقال له بكر فمات بالسند، فقال الشاعر:
لعى الناعون من بكر فتاها ... وسيدها وسيد من سواها
أبا بكر تهلل دمع عيني ... وكيف واستمر بها قذاها
فمن للحرب بعدك يا بن صيفي ... ومن للعيس تنفح من براها
وله عقب. قال أبو اليقظان: وكان من بني ظاعنة - وزعم أن ظاعنة أمهم - : قتب، وهو أحد من لطم عين المنذر بن الزبير منصراً للبيد بن عطارد، وذلك أن عمرو بن الزبير كان لطم عين لبيد، وسنذكر خبره إن شاء الله، وليس قوله إن ظاعنة اسم امرأة بشيء.وولد تميم بن مر بن أد: زيد مناة بن تميم وأمه صفية بنت القين بن جسر. وعمرو بن تميم. والحارث بن تميم. ويربوع بن تميم درج، وأمهم سلمى بنت كعب أخت الحارث بن كعب، ويقال أمهم الذوفاء بنت ضبة بن أد. فولد الحارث بن تميم: شقرة واسمه معاوية وإنما سمي شقرة لقوله:
وقد أحمل الرمح الأصم كعوبه ... به من دماء القوم كالشقرات
فولد معاوية بن الحارث بن تميم وهو شقرة: عوف بن شقرة. وجشم بن شقرة. ورمنا بن شقرة. وكعب بن شقرة، وهم قليل، حلفاء في بني نهشل، وهم رهط المسيب بن شريك بن مجربة بن ربيعة المحدث. ونصر بن حرب بن مجربة بن ربيعة، وعدادهم من بني نهشل. ومنهم عبد الله بن سويد، وهو ابن رمثة الشاعر. قال أبو اليقظان: كانت عند تميم بن مر العوراء بنت ضبة، فلما حملت منه انطلق إلى الكاهن فقال له: أن امرأتي حامل فانظر ما تلد، فرأى صرداً على شجرة يصوت فقال له: يولد لك غلام يكون في عقبه قلة إلا أنه يكون منهم الرجل المشهور، فولدت له الحارث بن تميم أبو شقرة، ثم حملت الثانية فأتى الكاهن فسأله عما تلد فرأى ضبعاً، فقال له: يولد لك غلام في عقبه شدة وانتشار، فولدت له عمراً، ثم حملت الثالثة فأتى الكاهن فقال ما ترى فنظر فإذا السماء تمطر وإذا الأودية ممتلئة فقال: يولد لك غلام يكون في عقبه كثرة وعدد كبير، فولدت زيد مناة بن تميم، ومات تميم فدفن بمران. وقال جرير بن عطية:
إني إذا الشاعر المغرور حربني ... جار لقبرٍ على مران مرموس
قد كان أشوس آباء فأورثنا ... شغباً على الناس في أبنائه الشوس
وقال أبو اليقظان: قتل الحارث بن تميم وائل أبو عكل في شربة لبن بمكان يقال له غن، فقال شاعر الرباب:
نحن قتلنا يوم غن قتيلها ... وقلنا ليأت الدهر ما هو صانع
قال: وقتل معاوية بن الحارث بن تميم وائلاً هذا بأبيه وقال:
وقد أحمل الرمح الأصم كعوبه ... به من دماء القوم كالشفرات

(4/74)


ومن بني شقرة:عطية بن أبي، وكان له مال دثر في الجاهلية، فأغار عليه القعقاع بن معبد فاستاق ابله فيقال إن خالد بن مالك النهشلي غرم ذلك للشقري. قال: ومنهم خرشة بن مسعود بن وثيمة صاحب قلعة خرشة بفسا من فارس وكان ابن الأشعث ولاه در أبجرد، فلما قتل ابن الأشعث تحصن في القلعة، ثم أمن وحمل إلى الحجاج فمات بواسط وولده بنسا.
ومن بني شقرة: نصر بن حرب بن مجربة بن ربيعة. وكان حرب بن مجربة مع خرشة فأخذه الحجاج فألقاه في الديماس، ثم نجا، وكان نصر من قواد أبي جعفر أمير المؤمنين، فولاه فارس ثم عزله. ومنهم يزيد بن هزيل الشقري، وكانت له سروة وقدر، وهو القائل:
قد كنت أدعو الله في البيت خالياً ... ليمكنني من حربه ورجال
فأترك فيها ذكر طلحة خاملاً ... ويحمد فيها موقفي وفعالي
يعني طلحة الطلحات. قال الكلبي: ومنهم عبد الله بن سويد، وهو ابن أم رمثة الشاعر. وولد زيد مناة وهو مكسر، وهم في بني حمان بن عبد العزى بن كعب بن سعد بن زيد مناة، وثعلبة بن زيد مناة. ومبشر بن زيد مناة. وجنح بن زيد مناة ويقال جناح درجوا، وأمهم المفداة بنت ثعلبة بن دودان بن أسد. وأمرؤ القيس بن زيد مناة، وهم مع بني عوف بن سعد. وعامر بن زيد مناة وهم قليل مع بني مجاشع بن دارم، وأمهم رقاش بنت كبير بن غالب من جرم قضاعة. وقال أبو اليقظان، فمن ولد عامر بن زيد مناة: عبد الله بن ياسرة الذي غلب على زرنج من سجستان في فتنة ابن الزبير، وعثرت به فرسه في حرب كانت بين بني تميم ورجل من الزبيريين ولاه القباع سجستان، فقتل ابن ياسرة فقال فيه الشاعر:
ألا لا فتى بعد ابن ياسرة الفتى ... ولاشيء إلا قد تولى فأدبرا
فتى دارمي ما تزال يمينه ... تجود بمعروف وتنكر منكرا
لكان حصاداً للمنايا ازدرعنه ... فهلا تركن النبت ما كان أخضرا
في أبيات. وقال غيره إنه كان حنظلياً. فولد مالك بن زيد مناة: حنظلة بن مالك. وربيعة بن مالك، وهم مع بني نهشل بن دارم. وقيس بن مالك. ومعاوية بن مالك، هما الكردوسان، وهما في بني فقيم بن جرير بن دارم، وأمهم النوار بنت جل بن عدي بن عبد مناة، ويقال أن أم الكردوسين قيس ومعاوية: السوداء ابنة عمرو بن تميم. فولد حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ثمانية نفر: مالك بن حنظلة، وأمه أسية بنت عمرو بن زباية بن عامر بن امرىء القيس بن فتية بن النمر بن وبرة من قضاعة. وقيس بن حنظلة. ويربوع بن حنظلة. وربيعة بن حنظلة مع بني يربوع. وعمرو بن حنظلة، وأمهم جندلة بنت فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وكانت جندلة امرأة جزلة الخلق، وكان زوجها حنظلة شيخاً كبيراً، فأصابتهم ليلة ريح ومطر وبرق، فخرجت تصلح طنب بيتها وعليها إصدار لها ، فأكبت على الطنب تصلحه، وبرقت السماء برقة فأبصرها مالك بن عمرو بن تميم وهي مجبية فشد عليها فخالطها، فقالت:
يا مالك بن حنظل لحرها ... شفاؤها من ليلة وقرها

(4/75)


فاقبل بنوها وزوجها فقالوا: مالك؟ قالت: لدغت. قالوا: أين؟ قالت: حيث لا يضع الراقي أنفه. فذهبت مثلاً ومات حنظلة فتزوجها مالك بن عمرو بن تميم فولدت له نفراً منهم: مازن. وعمرو. ومرة بن حنظلة وهو الظليم، وأمه لميس،وياقل لبنى بنت الحر بن مازن بن كاهل بن أسد، وأخوه لأمه همام بن مرة بن ذهل بن شيبان. وغالب بن حنظلة. وكلفة بن حنظلة، وأمهما عدية بنت مخضب بن زيد بن نهد من قضاعة، فالبراجم من بني حنظلة: عمرو، والظليم. وقيس. وكلفة وغالب. قال لهم رجل منهم يقال له حارثة بن عامر بن عمرو بن حنظلة: ايتها القبائل التي عددها تعالوا فلنتجمع لنكون كبراجم يدي هذه ففعلوا، فسلموا البراجم وهم يد مع بني عبد الله بن دارم. والبراجم ملتقى رؤوس السلاميات إذا قبض القابض كفه شخصت وارتفعت. وفولد مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مالك بن زيد مناة بن تميم عشرة نفر: دارم بن مالك. وربيعة بن مالك.ورازم بن مالك في بني نهشل، وأمهم ابنة الأحب بن مالك بن عدي بن مراغم بن سعد الله بن فران بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وزيد بن مالك. والصدي بن مالك. ويربوع بن مالك،وأمهم العدوية وهي الحرام بنت خزيمة بن تميم بن الدؤل بن جل بن عدي بن عبد مناة، بها يعرفون. وأبا سويد بن مالك. وعوف بن مالك وأمهما ملهية بنت عبشمس بن سعد بها يعرفون. وحشيش بن مالك وأمه حظي بنت ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن عمرو. ومن بني تغلب نهشل بن وارم وجرير بن وارم وأمهما رقاش بنت شهبرة بن قيس بن مالك بن زيد بن مناة، بها يعرفون وإليها ينسبون. وكعب بن مالك وأمه الصحارية، وصحار هو سعد بن زيد، وجهينة بن زيد، بها يعرفون وهم مع بني فقيم. كان سعد بن زيد وجهينة أول من نزل الصحراء من العرب فهما صحار، فيقال لربيعة ورزام وكعب بني مالك بن حنظلة الخشاب، ويقال لطهية العدوية الجمار، وهم مع بني يربوع، وفي ذلك يقول جرير:
اثعلبة الفوارس أو رياحاً ... عدلت بهم طهية والخشابا
فولد دارم بن مالك: عبد الله بن دارم. ومجاشع بن دارم. وسدوس بن دارم. وخيبري بن دارم وأمهم ماوية بنت ظالم بن دنين بن سعد بن أشرس بن زيد مناة، بنت عمرو ومن بني تغلب نهشل بن دارم وجرير بن دارم وأمهما رقاش بنت شهبرة بن قيس بن مالك بن زيد بن مناة وأبان بن دارم، وهم مع بني فقيم. والجوال بن دارم. وشيطان بن دارم درجا، وأمهم هند بنت الحارث بن تميم الله بن ثعلبة بن عكابة. ومناف بن دارم، وهم مع بني قطن بن نهشل بن وارم وأمه ليلى بنت لاي بن عبد مناف بن الحارث بن سعد هذيم من قضاعة، ويقول بعض العرب لمناف:
إن منافاً نفر من عذره ... دعي الجدال واعمدي لثبره
قال فولد جرير بن دارم: فقيم بن جرير، ويقال إنه كان له فقم وأمه كفافة بنت جلهمة بن عوف بن عبشمس من بني سعد، وإخوته لأمه بنو مرة بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة من ربيعة بن نزار. فولد فقيم: زهير بن فقيم. وعبد الله بن فقيم. ومرة بن فقيم ودحداحة بن فقيم، ومظهر بن فقيم. وخشنة بن فقيم، وبعضهم يقول خشينة والأول أثبت. ومؤالة بن فقيم. وفيهم يقول الفرزدق:
وإذا دعوت بني فقيم جاءني ... زيد هو العدد الذي لا يعدل
وولد مناف بن دارم: لأي بن مناف. وحصين بن مناف. والحارث بن مناف. وزيد بن مناف. وحبيش بن مناف. وولد سدوس: الحارث بن سدوس. فولد الحارث نفراً وأمهم بسة بنت سفيان بن مجاشع بن دارم وبها يعرفون، يقال لهم بنو بسة. وولد خيبري بن دارم: معرض بن خيبري. وضباب بن خيبري. فولد معرض: ثلاثة نفر، وأمهم بسة بها يعرفون خلف عليها بعد عمه.
نسب بني عبد الله بن دارم

(4/76)


فولد عبد الله بن دارم ستة: زيد بن عبد الله وأمه الشنباء من بني عمرو بن حنظلة. وأمية بن عبد الله. ومعاوية بن عبد الله. وقشة بن عبد الله. ووهب بن عبد الله. وعبد مناة بن عبد الله، وأمهم ليلى بنت جهور بن غوي بن جروة بنت أسيد بن عمرو بن تميم. وذؤيب بن عبد الله ولم يعرفه الكلبي. وولد زيد بن عبد الله بن دارم: عدس بن زيد، وحق بن زيد. ومرة بن زيد. وحارثة بن زيد. وربيعة بن زيد وجناب بن زيد وعبد الله بن زيد. ومالك بن زيد وأمهم فاطمة بنت نهشل بن دارم. فالأحلاف من بني دارم: بنو زيد بن عبد الله كلهم غير عدس بن زيد فإنهم يد مع سائر بني عبد الله. وقال هشام ابن الكلبي: كل عدس في العرب يقال لهم بضم العين وفتح الدال غير عدس بن زيد فإنهم مضموم العين والدال وكل سدوس في العرب فمفتوح السين إلا سدوس من طيء فإنه مضموم السين. فمن بني عبد الله بن دارم: حاجب بن زرارة بن زيد بن عبد الله بن دارم، كان شريفاً شهد يوم جبلة فانهزم فلحقه ذو الرقيبة مالك بن سلمة بن قشير بن كعب فقال: استاسر فألقى رمحه واستأسر، وقد كان الزهرمان وهما: زهدم وقيس ابنا حزن بن وهب بن عوير بن رواحة العبسيان. ويقال هما: زهدم وكردم ابنا حزن حاولا أن يستأسر لهما فلم يفعل، فلما استأسر لذي الرقيبة، وثب زهدم فاعتنقه، فافتدى حاجب نفسه بألف ومائتي ناقة ألف لمالك ذي الرقيبة ومائة لزهدم ومائة لأخيه قيس أو كردم. وفي ذلك يقول معقر بن أوس بن حمار البارقي:
هوى زهدم تحت الغبار لحاجب ... كما انقض أقنى ينفض الطل ماهر

(4/77)


قال: وبقي ذو الرقيبة إلى زمن معاوية ومعه ألف امرأة يقلن يا أبتاه ويا عماه. وكانت جبلة قبل مولد النبي صلى الله عليه السلام بسبع عشرة سنة وكان الذي هاجم يوم جبلة أن بني عبس بن بغيض خرجوا هاربين من بني ذبيان بن بغيض وحاربوا قومهم بقوا متلددين متحيرين، فأجارهم الأحوص بن جعفر بن كرب، فلما عرف خبرهم بنو ذبيان استعدوا واجتمعوا وعليهم حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، ومعه بنو اسد، وكانوا وبنو ذبيان حلفاء، وكانت بنو عبس قتلت حذيفة بن بدر يوم الهباءة، ودست لسانه في استه، فكان يطلب بدم ابيه، وأقبل معهم معاوية بن شرحبيل الكندي، وكان من ولد الجون، وهو معاوية بن آكل المرار، وسمي الجون لسواده، وأقبلت بنو حنظلة بن مالك والرباب عليهم لقيط بن زرارة يطالبون بدم معبد بن زرارة، وأسرته بنو كلاب يوم رحرحان فمات في أيديهم، فأقتتلوا قتالاً شديداً. قالوا: وكان النبي صلى الله عليه وسلم دعا على مضر، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم ابعث عليهم سنين كسني يوسف. فتوالى القحط عليهم سبع سنين حتى هلكوا. وفي ذلك نزلت:يوم تأتي السماء بدخان مبين. فلما رأى حاجب مانال الناس من الجهد، جمع بني زرارة، ومضى حتى أتى إياس بن قبيصة عامل كسرى على الحيرة ومن يليها من العرب، وقيل إنه أتى كسرى نفسه وقيل أنه أتى رئيس الأساورة الذين على حد العرب والعجم فشكا إليه ماهم فيه من الجهد وإشراف الأموال على العطب ، فقال: إنكم معشر العرب أهل حرص وغدر، فإنه أذنت لكم في المقام بأطراف الريف لم آمن إفسادكم البلاد وإغارتكم على الرعية. قال: فإني ضامن لأحداثهم. قال:ومن لنا بذلك؟ قال: أرهنك قوسي هذه. فضحك قوم من الأعاجم فقال إياس، أو الفارسي: إنه والله لا يدعها ولا يؤثر على الوفاء شيئاً إذا رهنها، فقبلت منه القوس، ودخلوا الريف، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للعرب لما شكوا إليه جهدهم فأخصبت البلاد ونزلت السقيا وارتفع القحط. وقد مات حاجب وارتحلت العرب إلى بلادهم، فارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى لطلب قوس أبيه، فقال كسرى: ما أنت بالذي وضعتها. قال: أجل، ولكن أبي هلك وقد وفى له قومه، ووفى للملك: فقال: ردوها عليه، وكساه حلة، ثم إنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الكسوة، فلم يقبلها فباعها من الزبير بن ياطا اليهودي بأربعة آلاف درهم، وقيل إن عمال كسرى أوفدوه على كسرى، فدفع القوس إليه. وقال أبو الحسن المدائني عن أبي اليقظان: كان اسم حاجب زيداً، وسمي حاجباً لعظم حاجبيه، وكان يكنى أبا عكرشة. فولد حاجب عطارداً. وعكرشة أمهما سلامة. وليلى تزوجها القعقاع بن معبد بن زرارة. وكان عطارد سيداً في الجاهلية والاسلام. قال: وبقيت القوس عند آل حاجب، وقدم المدينة فجعل يبيع كسوة كسرى التي كساه، فقال عمر: يا رسول الله لو اشتريت من هذه الكسوة؟ فقال: يا عمر تلك ثياب من لاخلاق له وكانت من ثياب العجم، فباعها من الزبير اليهودي. قالوا: وكان لبيد بن عطارد بن حاجب شريفاً سيداً، يكنى أبا نعيم، وكان جواداً كريماً، وكان مع المصعب بن الزبير فوفى له، وحبق أسيد بن عطارد بن حاجب في مجلس زياد فأمر له بمال، فعير جرير محمد بن عمير بن عطارد فقال:
ألقوا السلام إلى آل عطارد ... وتعاوروا ضرطاً على الدكان
وولد للبيد: عمرو. وإسحاق لأم ولد تدعى كبشة، ولهم عقب بالكوفة. وفيه يقول لقيط بن عطارد أخوه:
إذا ذكرت نفسي لبيداً تعرضت ... معاريض من سوء البلاء له عندي
وما كنت أنأى عن لبيدٍ لبغضه ... ولا كان مالي دونه محكم العقد
لعل لبيداً إن أتته منيتي ... ومرة يوماً أن يسوءهما فقدي

(4/78)


ومرة رجل من بني دارم، وكان معاوية وجه لقيط بن عطارد إلى ملك الروم ليرى جماله، ويعرف بيانه وعقله، وكانت أسماء بنت عطارد بن حاجب عند عبيد الله بن عمر بن الخطاب، فلما قتل يوم صفين خلف عليهما الحسين بن علي، وتزوج ليلى بنت عطارد عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي. وكان عمير بن عطارد بن حاجب سيداً، ونزل بالكوفة فولده بها. فولد عمير: محمد بن عمير بن عطارد، كان سيد أهل الكوفة في زمانه، وكان صاحب ربع تميم وهمدان حتى مات، وكان على اذربيجان فانهزم إليه ألف رجل من بكر بن وائل كانوا في بعث فحملهم، حمل ألف بكري على ألف فرس قارح، وكان جواداً. وقال الهيثم بن عدي والمدائني: أتى بنو تميم محمد بن عمير بن عطارد في حمالة، فقال: يقسم على بني عمر كذا، وعلى بني حنظلة كذا، وعلى بني سعد كذا، فقال شبث بن ربعي: بل كلها علي. فقال ابن عمير: نعم العون على المروءة الجدة. قالوا: وتزوج عبيد الله بن زياد هند بنت أسماء بن خارجة، فعاب ذلك محمد بن عمير بن عطارد على أسماء فيمن عابه، فزوج أخاه عثمان بن زياد ابنه محمد بن عمير قسراً. وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن عوانه وغيره. وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن عياش قالا: أذن ابن زياد إذناً عاماً فزحم غسان بن نباتة أخو الصبغ بن نباته المجاشعي عمرو بن الزبير، فلطم عمرو بن الزبير لبيد بن عطارد بن حاجب بن زرارة، فغضبت له بنو تميم، وكلم الناس لبيداً فقال: لا أطلبها أبداً. وبلغ الخبر أهل الكوفة فقال عبد الله بن الزبير الأسدي:
لا يصرم الله اليمين التي علت ... على البغض والشحناء أنف لبيد
فآب بنو ولد استها بمضاعف ... من اللطم لا يحصونه بعديد
نمت بك أعراق الزبير وهاشم ... وعمرو نما من خالد بن سعيد
وأم عمرو بنت خالد بن سعيد بن العاص أبي أحيحة.وأم الزبير صفية بنت عبد المطلب بن هاشم. فقال مسكين بن عامر بن أنيف الدارمي:
معاذ الله أن تلفى ركابي ... سرعاً إذ وردن على ضمير
طوال الدهر أو يرضى لبيد ... وكان الضيف محفوفاً بخير
سنلطم منذراً أو وجه عمرو ... ولو دخلا بيثرب في أست عير
فإن تك لطمة أدركتموها ... فلما يدركوا بدم الزبير
وكان المنذر بن الزبير صديقاً لعبيد الله بن زياد، فوقد عليه حين ولي الكوفة، فرصدة رجال من بني تميم منهم: نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، ورجل من بني ظاعنة يقال له قتب وظاعنة أخوة تميم وحاضرتهم مع بني عبد الله بن دارم، وثالث معهم، وجاء المنذر بن الزبير يوم جمعة يريد المسجد فلطمه أحدهم، ثم الثاني، ثم الثالث، فدخل المنذر على عبيد الله فقال له: ما أتيتك حتى ظننت أن الجدران ستلطمني، فأرسل ابن زياد إلى محمد بن عمير بن عطارد، ولم يكن فيمن لطمه، إلا أنه قد أمرهم بلطمه، فحبسه في السجن، وأخذ نعيماً وأصحابه فضربهم بالسياط، ويقال إنه قطع أيديهم. وقال ابن الأعرابي: قال المفضل: لما قدم منذر بن الزبير على ابن زياد بعد لطم عمرو لبيداً، لطم محمد بن عمير منذراً، فأخذه ابن الزبير فضربه، وجاءت بنو أسد بن خزيمة لتلطم تميماً غضباً لآل الزبير، لأن أم خويلد بن أسد بن عبد العزى أبي العوام وجده الزبير زهرة بنت عمرو بن حنثر من بني كاهل بن أسد بن خزيمة، فيقال إنه لم يبق تميمي ظهر لهم إلا لطموه فقال شاعر بني تميم:
ونحن لطمنا منذراً يوم جمعة ... إذا نهلت منا الأكف نعيدها
لطمناه حتى أسبلت بدمائها ... خياشيم كانت مستكناً قصيدها
رأى منذر دفاع موجٍ عرمرم ... وكثرة أيدٍ لم تجد من يذودها
فقل لبني العوام ينهوا سفيههم ... عن الجهل لا تنكأ بلطم خدودها
وقال بعض بني أسد:
لطمناكم ألفاً بلطمة منذر ... بأيد كرام لم تجد من يذودها

(4/79)


ويقال إن عمر بن سعد بن أبي وقاص نازع ابن أم الحكم عند معاوية فأجابه عنه لبيد بن عطارد، عن ابن أم الحكم وكان ابن أم الحكم مائلاً إلى بني حنظلة، فقام معاوية فدخل إلى أهله، فقال عمر بن سعد: يا معاشر قريش أما أحد منكم يكفيني هذا الكلب التميمي، فقال عمرو بن الزبير لغلام له: إئت صاحب العمامة الحمراء فاكسر أنفه، ففعل الغلام ذلك، فصاح لبيد يا أمير المؤمنين أيفعل هذا بي في دارك؟ فخرج معاوية وأمر بضرب الغلام، فقال لبيد: ما يقنعني هذا. فقال معاوية: أيضربك الغلام واضرب عمراً؟ لست بفاعل، وبلغ الخبر بني تميم ففعلوا بمنذر ما فعلوا. وقال ابن همام السلولي لعبد الله بن الزبير، في قصيدته التي رفع فيها على العمال يذكر محمد بن عمير لأن ولايته أذربيجان كانت من قبله.
وآخران من العمال عندهما ... بعض المنالة إن تأخذهما ننل
محمد بن عمير والذي كذبت ... بكر عليه غداة الروع والوهل
وكان الحجاج بعث إلى محمد بن عمير يوم رستاقاباذ يأمره أن ينصره، فقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، فلما ظهر قال له: يا بن دهمان. أنت القائل لا ناقة لي في هذا ولا جمل، لا يجعل الله لك في مثلها ناقة ولا جملاً ولا رحلاً، وكان يقال أن عميراً أباه صدر عن عكاظ، فمر ببني دهمان فأخذوا امرأته، ثم ردوها حاملاً. وكتب عبد الملك إلى محمد بن عمير: من سراة أهل العراق، فاكتب إلي بسيرة الحجاج، فأتاه بالكتاب وكتب بكل ما أراد فشكره على ذلك. وقال أبو عبيدة: دخل الكوفة قوم من الخوارج مما يلي الحيرة فأخذوا بأفواه السكك مما يلي الحيرة، وكان حوشب بن يزيد على شرطة الكوفة،فتحصن في القصر، وذلك في أيام بشر بن مروان، ويقال في ايام الحجاج فحارب الخوارج إياس بن حصين بن زياد بن عقفان بن سويد بن خالد بن أسامة بن العنبر بن يربوع بن حنظلة بن مالك في بيته وقومه، فقتلهم إلا من هرب منهم، وهجا جرير بن عطية محمد بن عمير بن عطارد، وقد كان محمد بن عمير وهو والي اذربيجان غزا موقان، وقد جاش أهلها وهاجوا وظاهروا قوماً من الديلم فهزموه، وأخذوا رايته فسار إليهم عتاب بن ورقاء وهو قزوين والري ودستبى، فقتل منهم خلقاً وأسر، وأخذ راية محمد بن عمير فقال جرير:
هلا طعنت الحيل يوم لقيتها ... طعن الفوارس من بني عقفان
ردوا السلاح إلي آل عطاردٍ ... وتعاوروا ضرطاً على الدكان
فعيره بانهزامه وبضرطة لبيد عند زياد بن أبي سفيان، وقال جرير أيضاً
ما كان من ملك ولا من سوقةٍ ... رجل ينفره على عتاب
أنت اسئلبت لنا لواء محمد ... وأقمت بالجبلين سوق ضراب
وقال بعضهم: كان بنو عقفان مع عتاب فضاربوا وصبروا، وكان لهم غناء. وقد روي في تفسير قول جرير في محمد بن عمير قول غير هذا، وسنذكره في خبر يربوع إن شاء الله. وولد عمير أيضاً: عطارد بن عمير، وأمه وأم محمد بن عمير واحدة، وهي عمرة بنت حنظلة بن بشر بن عمرو. والعباس بن عمير. وجعفر بن عمير.وولد محمد بن عمير بن عطارد: عمرو بن محمد. وقعقاع بن محمد. وحصين بن محمد، وكان يقال فتيان الكوفة ثلاثة: عمرو بن محمد عمير بن عطارد. وخالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي. وحوشب بن يزيد بن رويم. قال الشاعر:
فلست بمحمود ولا بمحمد ... ولكنما أنت الخبط الحباتر
ولست كعتاب ولا ابنك كابنه ... إذا الشول أمست وهي حدب حدائر
وقال الشاعر:
ارى خالداً يختال مشياً كأنه ... من البغي فينا معبداً أو عطارد
ولم يبق لمحمد بن عمير عقب. أما عطارد بن عمير بن عطارد بن حاجب فولد: ضرار بن عطارد، وكان القعقاع بن ضرار بن عمير ولي شرطة الكوفة لعيسى بن موسى، وولي ضرار فساو دار أبجرد لخالد بن عبد الله وتزوج مسلمة بن عبد الملك أسماء ابنة ضرار وقال ابن شبرمة في القعقاع بن ضرار بن عطارد بن عمير:
إني نعي لي قعقاع فأوجعني ... وهل لنا في تميم مثل قعقاع
وولي عمر بن العباس بن عمير سجستان لأمير المؤمنين أبي العباس، وفيه يقول الراجز:
لذي الفعال عمر بن عباس ... أروع بسام كريم المعطاس

(4/80)


فخرج جنده عليه فقتلوه وكانت قوي حاجب ولد جعفر بن عمير. ومن ولد حاجب بن زرارة: قيس بن عطارد بن حاجب بن زرارة، وابنه مسعود بن قيس ولي ولايات، وفيه يقول ابن همام السلولي:
والدارمي يطوف الهرمزان به ... في هيئة بدلت من رعيه الإبل
فخرج مع ابن الأشعث، فأخذ أسيراً، وأتي به الحجاج فأراد أن يخلي عنه، فقال يزيد بن علاقة السكسكي: أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر؟ فقدمه الحجاج فضرب عنقه. وأما لقيط بن زرارة بن عدس فكان يكنى أبا دختنوس، وكان يأتي كسرى فيحبوه ويكسوه، وسمى ابنته دختنوس باسم امرأة من العجم، وكانت كنيته أولاً أبا نهشل أيضاً، وقال أبوه: لقد علت بك الخيلاء، فلو كنت نكحت بنت قيس بن مسعود أو أفأت مائة من عصافير الملك ماعدا الكذب، فتزوج ابنة الملك مائة من عصافيره، وفيه يقول مسكين الدارمي:
وذا القرنين آخاه لقيط ... وكان صفيه دون الرجال
وذو القرنين: المنذر بن المنذر. وشهد لقيط بن زرارة يوم شعب جبلة، وكان على تميم والرباب، وأقبل يومئذ على برذون مجفف بديباج، وعليه سرج مذهب من سروج كسرى، وكان أول عربي جفف. وجعل يقول:
إن الشواء والنشيل والرغف ... والقينة الحسناء والكأس والأنف
وصفوة القدر وتعجيل الكتف ... للطاعنين الخيل والخيل قطف
عرفتكم فالدمع بالعين يكف ... لفارس أتلفتموه ما خلف
يعني معبد بن زرارة هلك عند بني عامر وهو في أيديهم، وحمي لقيط وبينه وبين شريح بن الأحوص جرف منكر فجعل شريح يقول له:
إن كنت ذا صدق فاقحمه الجرف ... وقرب الأشقر حتى تعترف
فجعل لقيط يقول لفرسه: إن تقدم تنحر، أو تأخر تعقر، وأقحمه الجرف فطعنه شريح فسقط مرتثاً، ويقال إن الذي طعنه: جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب، وأنه القائل له: أقحمه الجرف. وقال قوم: إن الذي طعنه عوف بن المنتفق بن عامر العقيلي، والأول أثبت، وبنو تميم يقولون إن لقيط اقتحم الجرف فوقصه فرسه. وقال الكلبي: لما طعنه شريح فارتث جعل يقول عند موته:
يا ليتت شعري عنك دختنوس ... إذا أتاها خبر المرموس
أتحلق القرون أم تميس ... لا بل تميس إنها عروس
وجعل بنو عبس يضربونه وهو ميت فبلغ ذلك دختنوس فقالت:
لقد ضربوا وجهاً عليه مهابة ... وما أن تبالي الصخرة الصلد من ردا
فلو أنكم بتم غداة لقيتم ... لقطاً صبرتم للأسنة والقنا
ويقال إن الربيع بن زياد العبسي قال للقيط: إن كنت صادقاً فأوثب فرسك الجرف وكانت دختنوس بنت لقيط عند عمرو بن عمرو بن عدس، وكان أبرص شيخاً ردىء الفم، فوضع رأسه في حجرها فسال لعابه فتأففت فقال: أتحبين أن أفارقك؟ قالت: نعم. فطلقها فنكحها فتى من بني زرارة جسيم ووسيم.
ثم إن بكر بن وائل أغارت على بني دارم فنبهته دختنوس وهي تظن به خيراً، وكانت قبل ذلك تنهبة للصبوح فيقول: لو لغارة أيقظتني. فلما نبهته قالت: الغارة يا فلان. فجعل يحبق ويقول: الغارة الغارة حتى كاد يموت فضربت العرب به المثل فقالت: أجبن من المنزوف ضرطاً. وأدركتهم الخيل فأخذت دختنوس فحمل عمرو بن عمرو الأبرص فقتل من القوم ثلاثة، وتخلص دختنوس وانصرف بها وقال:
أي زوجيك وجدت خيراً ... أألعظيم فيشه وأيرا
أم الذي يأتي العدو سيرا

(4/81)


ثم إنهم أجدبوا فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبة، فقال عمرو لرسولها: قل لها: الصيف ضيعت اللبن. فذهبت مثلاً. فلما رجع الرسول بالرسالة إليها أحاطت على منكب زوجها وقالت: هذا ومذقه خير. وحدثني أبو عدنان عن أبي زيد عن أبي عمرو بن العلاء قال: عير زرارة لقيطاً بالزهو والخيلاء وقال له: لو كنت نكحت ابنة قيس بن مسعود وأفدت مائة من العصافير ما زدت على ما أنت عليه، فلما دخل الشهر الحرام استتبع رجلاً من بني دارم يقال له قراد بن حنيفة فركبا حتى أتيا بني شيبان فوقفا على مجلس بني همام بن مرة فقالا: انعموا صباحاً. فقال القوم: وأنتما. فقال لقيط: أفيكم قيس بن مسعود؟ فقالوا: هو هذا. فقال: قيس: ما حاجتك؟ قال: جئتك خاطباً إليك . فغضب قيس وقال: ألا كان هذا في السر؟ فقال: ولم يا عم، فو الله إنك لرفعة وما بي قصاة، ولئن سارزتك لا أخدعك وإن عالنتك لا أفضحك. قال: من أنت؟ قال: لقيط بن زرارة.قال كفؤ كريم أنخ فقد أنكحتك القدور بنت قيس، وبعث قيس إلى أمها إني قد أنكحت ابنتك لقيط بن زرارة ولا يجمل بنا أن يبيت فينا عزباً وله فينا امرأة فمري بالبلق أن يضرب ويصلح ما يحتاج إليه، وجلس لقيط مع القوم فتذاكروا الغزو فقال لقيط: الغزو أحد للرماح وأدر للقاح، والمقام أحب إلى النساء وأسمن للجمال، فأعجب قيساً كلامه، وبعثت أم الجارية بمجمر فيها دخنة وقالت لجاريتها: إن ردها فما فيه الخير، وإن جعلها تحته فما عنده خير، فلما جاءته بالمجمر دخن شعره من كلا جانبيه ثم رد المجمر، فقالت المرأة: إنه لخليق للخير، فلما أجن عليه الليل أدخلت الجارية عليه في البلق فضمها إلى نفسه وطرح عليها خميصتة فذهب به النوم، فلما رأته الجارية قد نام قامت وذهبت إلى أهلها فانتبه فلم يرها فقام وركب وصاحبه راحلتيهما سراً ومضيا، فقال القوم حين أصبحوا: غدر بك. فقال: كلا إنه لأكرم من أن يغدر. ومضى حتى أتى وإلى الحيرة فأعلمه تزويجه وسأله فأعطاه مائة من الإبل فبعث بها إلى قيس بن مسعود مع قراد وقال: قل له هذا صداق ابنتك، ثم مضى إلى كسرى فأعطاه ديباجاً وجوهراً، ثم رجع إلى قومه. وجهز قيس ابنته وحملها إلى لقيط فلم تلد حتى قتل لقيط يوم جبلة، فبعث إليها أبوها يقسم عليها ألا تخمش وجهاً ولا تحلق، وأمر فحملت إليه فقالت حين استقلت بها ناقتها: نعم الأحماد كنتم فجعل الله مالكم في خياركم، وحبب بين نسائكم وعادى رجالكم، وزوجها أبوها رجلاً من قومه فجعلت لا تنسى لقيطاً. فقال لها: ما أراك تنسينه؟ فقالت: وكيف أنساه؟ لقد ركب فرسه وأخذ رمحه وخرج يتصيد فعرضت له بقرة فعقرها واشتوى من لحمها، ثم أقبل فقمت إليه فضمني ضمة وشمني شمة فوجدت منا أطيب رائحة، قال ففعل زوجها مثل ذلك فضمها إليه ثم قال: كيف ترين؟ قالت مرعى ولا كالسعدان وماء ولا كصدى. وقال أبو عمرة بن العلاء: كانت أم دختنوس من بني سحيم من بني حنيفة وتزوج دختنوس عمرو بن عمرو، وكان عمرو أبرص أبخر يقال لولده أفواه الكلاب، ثم تزوجها عمير بن معبد بن زرارة، فمات عنها. وقال الكلبي: أن القذور قالت: أوصيكم بالغرائب شراً، فو الله ما رأيت مثل لقيط لم يحلق عليه شعر، ولم يخمش وجه. وأما علقمة بن زرارة بن عدس فكان رئيساً، وغزا بكر بن وائل فقتله بنو قيس بن ثعلبة، فجمع لقيط فغزاهم فقتل أشيم أحد بني عوف بن مالك بن قيس بن ثعلبة وقال:
آليت لا آسى على هلك هالك ... ولا رزء يومٍ بعد يومك علقما
فإن يقتلوا منا كريماً فإننا ... أبانا به مولى الصعاليك أشيما
جدعنا به أنف اليمامة كلها ... واصبح عرنين اليمامة أكشما
ومن ولد علقمة بن زرارة: المأموم بن شيبان بن علقمة بن زرارة، واسم المأموم حنظلة، وأمه عكرشة بنت حاجب بن زرارة، والمقعد بن شيبان بن علقمة، وأمه ابنة عمرو بن عمرو بن عدس. ويزيد بن شيبان. وفيه تقول أمه مهدد، وهي من ببني قيس بن ثعلبة:
هلا غلام ولدته مهدد ... ليس بمأموم ولا هو مقعد
وكان نسأبا عالماً وكان له قدر وسؤدد وفيه يقول أبو شذرة الهجيمي:
لقد مات بالقرعاء من آل دارم ... فتى لم يكن في أمره بمؤنب
يزيد بن شيبان بن علقمة الذي ... إذا قلت ذاك المصطفى لم أكذب

(4/82)


وكان يكنى أبا حنظلة، وقتل حنظلة بن شيبان بن علقمة بن زراررة يوم خو وهو يوم كان بين هذا البطن فيه وبين بني عبد بن خزيمة بن زرارة قتال بسبب قتل قيس بن ضرار بن القعقاع بن معبد المقدام بن جحش، ويقال ابن جحوش، وهو أثبت. وقتل سبعة عشر رجلاً منهم ابن لمعبد بن القعقاع وقال ابن أصيلة أحد بني عبيد:
وسائلة عن يوم خوٍ ولو رأت ... مصارعنا لاستعبرت وأرنت
قالوا وسمي حنظلة بن شيبان المأموم لأن إبراهيم بن القعقاع بن معبد ضربه على رأسه فأمه. وكان من ولده: عثجل بن المأموم أسرته بكر بن وائل يوم الوقيظ، وهو يوم تجمعت فيه بنو ثعلبة بن عكابة وبنو عجل وعنزة بن أسد بن ربيعة على بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، واقتتلوا فطعن بشر بن العوراء من بني تميم اللات ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة. وبارز عمرو بن قيس العجلي عثجل بن المأموم بن شيبان بن علقمة بن زرارة فأسره، ومن عليه ففخر بذلك أبو النجم العجلي وهو الفضل بن قدامة فقال:
وهن يرفضن الحصى المزملا ... بالقاع إذ بارز عمرو عثجلا
فقال جرير لغمامة بنت الطود بن عبيد بن خزيمة بن زرارة بن عدس، وكانت أخذت يومئذ
أغمام لو شهد الوقيظ فوارسي ... ما قيد يعتل عثجل وضرار
وزعموا أن طيسلة العجلي اسر حنظلة المأموم، فاشتراه رجل من بني تميم الات بمائة بعير، ثم حبسه عنده وقدم به الكوفة ليفاديه وبالكوفة علي بن أبي طالب عليه السلام فانتزعه وقال: لا أسار في الاسلام. وتزوج عبد الله بن عبد الملك بن مروان ابنة معاوية بن يزيد بن شيبان أخي المأموم، وتزوج إليه محمد بن القاسم بن محمد الثقفي. وكان لقيط بن يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة سيد يقري الأضياف، فقال الشاعر صدر بن الأعور من ولد الحارث بن زرارة:
فإنك لم تشهد لقيطاً وفعله ... وإن أنت أطعمت الأرز مع السمن
يعني لقيط بن يزيد وكان المأموم محدثاً، ولقي الحسين بن علي عليهما السلام، وروى عنه أحاديث. وأما أبو الحارث بن زرارة فكان اصغر ولد زرارة وسبى ابنته أمامة الديان الحارثي في الجاهلية. وقال:أتتكم أمامة، وما أمامة، بيضاء كرامة بخدها علامة خال لها وشامة، فولدت في بني الديان، ولحق عبيدة بن الحارث ببني الحارث بن كعب فكان لقيط بن زرارة ينشده بالموسم فيقول
يا من أخس عبدنا عبيده ... وأمه من قيننا تليده
فانصرف من عند بني الحارث إلى حاجب بن زرارة، فسأله فلم يعطه، فأغار على إبل أكثم بن صيفي فذهب منها بإبل كثيرة، فأتى أكثم حاجباً فقال له حاجب: اختر من إبلي عدة إبلك، فاختار ذلك، وانصرف عبيدة إلى بني الحارث، فتزوج امرأة من جرم، فمن ولده شريح بن عامر بن عبد، وهو الأعور، فلما ولي الربيع بن زياد الحارثي خراسان أتاه فولاه بعض أعمال سجستان، فأصاب مالاً فتزوج ابنة ضرار بن القعقاع، فولدت له صدر الأعور واسمه بشر، وقال رجل من بني ضبة يهجوا صدراً واسمه بشر:
أنخت إلى صدر قلوصي وليتني ... نفذت وجاوزت الصدور إلى القفر
نمت بك للأنساب أم كريمة ... حصان ولكن من أخس أبا صدر
فإنك لم تشبه لقيطاً وفعله ... وإن أنت أطعمت الأرز مع التمر
وقال الفرزدق يهجوه، وذلك أن رجلاً من البراجم قطع أنف رجل من بني تميم فحملت ديته، فأتى صدراً فلم يعنه فقال:
لحى الله صدراً من منادى إلى التي ... بأمثالها ضاقت صدور البراجم
فلو كان صدر دارمياً أجابنا ... ولكن صدراً ليس من صلب دارم
ومن ولد الحارث بن زرارة: امرىء القيس ويكنى أبا شوال وذكره جرير فقال:
أبنو طهية يعدلون فوارسي ... وفوارساً فيهم أبو شوال
وجاء الإسلام وعنده ابنة امرأته فرفع ذلك عوف بن القعقاع إلى عمر رضي الله عنه، ففرق بينهما. ومن ولد امرىء القيس هذا: عبيدة بن الربيع بن امرىء القيس، وكان اصطحب والفرزدق من القرعاء، فضل عبيدة وكان دليل القوم، ثم وقع على الطريق فساق الفرزدق، الإبل وارتجز فقال:
يا بن ربيع ما رأيت أحد ... يبقى على الأيام أو مخلدا
كأنما كان عبيداً إذا هدى ... بالغور حتى أنجدت وأنجدا

(4/83)


قلائصاً إذا علون فدفدا ... يرمين بالطرف النجاد الأبعدا
فإنهن إذا جعلن ثهمدا ... ذات اليمين وافترشن الفرقدا
تفوح منهن نعاماً أبدا وأما خزيمة بن زرارة، وبه كان يكنى زرارة، وكان أكبر ولد زرارة، وكان شريفاً، وكان من ولده عبد الله بن خزيمة، وكان حاجب في غارة فعقر فرس حاجب فعطف عليه وقال: اركب أبا العكرش فأردفه، فقال عبد الله في ذلك:
أتنسى إذا عطفت وأنت تدعو ... بذات الرمث إذا سقط اللواء
فإن تكفر ولا تشكر بلائي ... فعند الله يلتمس الجزاء
وكان قد وقع بين بني القعقاع بن معبد بن زرارة، وبني عبيد بن خزيمة بن زرارة وإخوته شر فاقتتلوا بخو، فقتل بينهم قتلى، فقتل المخش سيد بني عبيد، فقال شاعر من بني عبيد.
وسائلة عن يوم خو ولو رأت ... مصارعنا لاستعبرت وأرنت
هم وردوا ورد الكرام وأنهلوا ... صدور القنا بالطعن حتى أسبغلت
عمرت ونفسي بالمخش ضنينة ... حذار الردى لو عوفيت حين ضنت
فلم تلق قعقاع لها في لقائنا ... هواها ولا من أمرنا ما تمنت
وأخذ رجل من بني خزيمة بن زرارة يقال له خزيمة بالمدينة فقدمه مورق بن قيس بن عوف بن قعقاع إلى يحيى بن الحكم وهو على المدينة، فأقاده له فقال مورق:
شفى النفس يوم بالبقيع شهدته ... على آل طودٍ شره متطاول
غداة اجتمعنا عند يحيى أخي التقى ... فكان أبو مروان أكرم فاعل
مشى بين أعلى منكبيه ورأسه ... طويل نجاد السيف رخو الحمائل
يعني الذي ضرب عنق الرجل. والطود هو ابن عبيد بن خزيمة بن زرارة بن عدس، وكان الطود شريفاً. ومن بني عبيد بن خزيمة: حنظلة بن أصيلة وأمه بنت البياع، وله يقول جرير:
قيس تعد لك السيليل ومعبداً ... وفخرت يا بن أصيل بالبياع
قيس بن ضرار بن معبد بن زرارة والسيليل الشيباني، وأم قيس من ولد السيليل. وقال الأشهب بن رميلة في يوم خو:
فإن الذي مارت بخو دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
هم ساعد القوم الذي يتقى به ... وما خير كفٍ لا تنوء بساعد
أويت لعبد الله مما أصابها ... وغبت ولم تنفع شهادة شاهد
أسود شرىً لاقت أسود خفية ... تساقوا على لوح دماء الأساود
وأما لبيد بن زرارة فولد: صامت بن لبيد وبقيتهم قليلة. وأما معبد بن زرارة فكان يمنى أبا القعقاع وقد رأس، فأسرته بنو عامر بن صعصعة يوم رحرحان، فصيروه بالطائف عند أبي عقيل جد الحجاج، فكان يؤتى بن الموسم في كل سنة ليفدى وطلبوا فداءه ألف ببعير، فقال لقيط: صبراً أبا القعقاع فإنا لا نقدر على هذا. فقال معبد: ماكان ليلقاني أحد من إخوتي أشد بغضاً لي منك. فمات هزلاً وضعفاً وكانوا يأتونه باللبن فيقول: كيف اقبل قراكم وأنا في القد، إني إذاً لمهياف، أي عطشان، فكانوا يعمدون إلى شظاظ فيجعلونه بين أسنانه ويوجرونه لئلا يموت ثم إنه هلك عندهم. وكان سبب يوم رحرحان أن خالد بن جعفر بن كلاب جمع لبني عبس وحاربهم، فاضطرب وزهير بن جذيمة بن رواحة العبسي بسيفيهما، وسقط زهير تحت خالد فضربه خندج بن البكاء فقتله، ومضى خالد بن جعفر إلى النعمان فاستجار به خوفاً من أن يطلبه قومه بني عبس بدم زهير، وغضبت غطفان لقتل زهير، فضمن لهم الحارث بن ظالم أن يفتك بخالد، فقدم على النعمان فحياه وواكله، ثم إنه دخل على خالد فقتله، ثم جاء إلى بني زرارة بن عدس فكان المتولي لإيوائه معبد بن زرارة، وكان يحوطه، فلما علم الأحوص بن جعفر بذلك خرج ببني عامر يريد بني دارم ليطلب حارثاً بدم أخيه خالد، فالتقوا برحرحان فاقتتلوا، وطعن معبد بن زرارة في كدرة الخيل وكبتها، فسند في هضبة فابصره عضروط لعامر والطفيل ابني مالك، وهو رجل من غني فحدره إليهما وهو يستدمي، فأسراه وأثأبا الغنوي عشرين بعيراً، وقال عوف بن الخرع التيمي يعير لقيطاً:
هلا كررت على ابن أمك معبد ... والعامري يقوده بصفاد
وذكرت من لبن المحلق شربة ... والخيل تعدو بالصعيد بداد
وقال عامر بن الطفيل:

(4/84)


قضينا الحي من عبس وكانت ... منية معبد فينا هزالا
فولد معبد بن زرارة: القعقاع أمه معاذة بنت ضرار بن عمرو الضبي، وعمير بن معبد. وعدس بن معبد. وظالم بن معبد. وناهش بن معبد. وليس لهم عقب إلا القعقاع، وتزوج دختنوس عمير بن معبد، وهلك فقالت:
أعيني ألا فابكي عمير بن معبد ... وكان ضروباً باليدين وباليد
قالوا:وكان القعقاع بن عبد بن زرارة يكنى أبا الحصين، وكان يأخذ المرباع ونفر القعقاع على خالد بن مالك النهشلي، نفره عليه ربيعة بن جدار السدي وكانا تنافرا إليه . ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة وفيه يقول المسيب بن علس الضبعي:
ولأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع
أنت الوفي فلا يذم وبعضهم ... يودي بذمته عقاب ملاح
وإذا السراة تدافعت أركانها ... فضلت فوق أكفهم بذراع
ولذاكم زعمت تميم أنه ... أهل السماحة والندى والباع
وأدرك القعقاع بن معبد الإسلام، ووفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع خالد بن مالك النهشلي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله استعمل هذا، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله استعمل ذاك، فاستعمل واحداً منهما، وزعموا إنه نزلت فيهما: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، وذلك أنهما تكلما ورفعا أصواتهما. فولد القعقاع بن معبد: حصين بن القعقاع وأمه ليلى بنت حاجب بن زرارة. وضرار بن القعقاع. ونعيم بن القعقاع. والأهتم بن القعقاع. والمجشر بن القعقاع، وأمهم عميرة بنت عطارد بن حاجب بن زرارة. وعوف بن القعقاع. ومعبد بن القعقاع، وشهاب بن القعقاع. وخولة كانت عند طلحة بن عبيد الله، فهلك عنها فتزوجها أبو جهم بن حذيفة العدوي. وقال الكلبي: كان يقال للقعقاع بن معبد بن زرارة تيار الفرات لجوده. وكان حصين بن القعقاع مخضرماً، وكان شاعراً وقتل يوم القادسية، وكان يكنى أبا جهمة، وجهمة ابنة له.
وكان ضرار بن القعقاع، سيداً ويكنى أبا نعيم ومن ولده النجم بن بسطام وأخوه بدر بن ضرار بن القعقاع، كان سيداً بالبصرة. وبسطام بن ضرار القائل:
أنا ابن زرارة من تميم ... ومن شيبان في الحسب الجسيم
وتزوج جعفر بن سليمان بن علي أم عمر بنت النجم بن بسطام، وكانت أم بسطام شيبانية. وكان نعيم بن ضرار بن القعقاع اعتزل الحرب التي كانت بين أهله وبين بني عبيد وقال:
لا ينتهي نوكاكم قبل وقعة ... لها في وجوه الظالمين وشوم
فيظعن بيت العز عنكم لجهلكم ... ويصبح بيت الذل وهو مقيم
وقال بسطام بن ضرار بن القعقاع يعير نعيماً وأخاه قعقاع بن ضرار بقعودهما عنه:
رايتكما ابني بنت سعد بن صامت ... لئيمين إذا هز الثقاف قفاكما
تقاعستما عني وقد حمس الوغى ... وأسلمتما عند الحفاظ أخاكما
فإنكما لن تنفعا إن نصرتما ... وإن تخذلاني لا يضرني رداكما
وكان ممن لم يحضر تلك الحرب يوم خو قيس بن ضرار بن القعقاع لأنه هرب إلى أخواله بالجزيرة فقال جرير:
وترى القتال مع الكرام محرماً ... وترى الزناء عليك غير حرام
ومات قيس بالجزيرة.
وأما نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة فقتله بشر بن مروان بن الحكم بالكوفة أيام ولايته إياها، لأن حوشب بن يزيد سعى إليه به، وقد ذكرنا خبره مع خبر بشر بن مروان. وولد نعيم: الهلقام بن نعيم بن القعقاع قتله الحجاج لخروجه مع ابن الأشعث، ولما أتي به أسيراً، قال: أخرجت مع هذا الحائك بن الحائك؟ فقال الهلقام: خرجت معه لألي العراق كما وليته. فقال لحوشب بن يزيد: قم فاضرب عنقه فقتله وقد ذكرناه في خبر ابن الأشعث في أيام عبد الملك بن مروان.

(4/85)


وأما الأهتم بن القعقاع، فله عقب بالبادية. وأما المجشر بن القعقاع فكان ناكساً، وكان له ابن يقال له سليمان. وأما عوف بن القعقاع بن معبد فكان أتيه الناس، وأعظمهم نخوة وأجفاهم، قال له رجل: الطريق يا عبد الله، فقال، لهدك عبد الله أنا إذا. فقال الحجاج: لو أدركته لتقربت إلى الله بدمه، وكان مخضرماً. ومن ولد عوف هذا: القباع بن عوف وأمه أم النعمان قتله هبيرة بن ضمضم بن شريح بن سيدان بن مرة بن سفيان بن مجاشع، وذلك أن زياد بن أبي سفيان بعثه إلى بني القعقاع ليأخذهم لأنهم قتلوا حكيم بن برق بقيس بن عوف بن القعقاع، وقتل قيس في حرب كانت بينهم وبين بني طهية بالقرعاء، وحكيم بن برق طهوي فخرج القباع إلى هبيرة بالسيف وهو يقول:
أنا القباع وابن أم الغمر ... من كان لا يدري فإني أدري
هل اقبلن إن قبلت ثأري وقتله ابن ضمضم فقال الفرزدق:
لعمري وما عمري على بهين ... لبئس المدى أجرى إليه ابن ضمضم
غزا من أصول النخل حتى إذا انتهى ... بكنهل أدى رمحه شر مغنم
فكنت كذئب السوء لما رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدم
فدفع هبيرة ابناً له صغيراً إلى عوف بن القباع فقتله بالقباع فقال الفرزدق:
وضيع أمري الأقعسان فاصبحا ... على ندم والشر يندم جانبه
فليتكما يا بني سفينة كنتما ... دماً عند رجليها يسيل سبائبه
الأقعسان: هبيرة وأخوه الأقعس ابنا ضمضم وسفينة أمهما. وليس للقباع عقب. وهلال بن عوف بن القعقاع كان من أعبد أهل زمانه وأطولهم صلاة وله عقب بالبصرة. وكان أنيف بن معبد بن القعقاع فاراً فعرض على الحجاج، فقال الحجاج: هذا من أهل بيت جفاء. فقال: غيرنا والله أجفى منا. فلم يعاقبه الحجاج. وكان شهاب بن القعقاع من نبلاء أصحابه، وكان قاعداً ذات يوم على ركية فتهدمت فسقط فيها وأخرج ميتاً فقال عوف بن القعقاع:
يا ليت فوقي يجذب الأسباب ... وعاش في أصحابه شهاب
يعني الحبال التي دليت حتى أخرج بها، يقول: ليتني الساقط في البئر.
خبر زرارة وبني تميم في يوم أوارة: حدثنا عباس بن هشام الكلبي عن أبيه وخراش بن إسماعيل وغيرهما قالوا: كان عمرو بن المنذر بن امرىء القيس، وهو عمرو بن هند بنت الحارث بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار الكندي، وعمرو وهو مضرط الحجارة، وسمي بذلك لهيبته وشراسته، عاقد طيئاً على ألا يراعوا ولا يغزوا، وأن عمراً غزا عبد القيس باليمامة لحدثٍ أحدثوه، فرجع على غير ظفر بشيء، فمر بطىء فقال له زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم: ابيت اللعن، أصب من هذا الحي شيئاً، فقال: ويلك إن لهم عقداً، قال: وإن كان. فلم يزل به حتى أصاب نسوة وأذواداً، فقال قيس بن جروة الاجائي.
تخب بصحراء الثوبة ناقتي ... كعدوى رباع قد أمخت نواهقه
إلى ابن امرىء القيس بن هند تزوره ... وأخلق به ألا تذم خلائقه
فإن نساء عين ما قيل باطل ... غنيمة سوء وسطهن مهارقه
فاقسمت لا أحتل إلا بصهوة ... حرام علي رمله وشقائه
وإن لم يغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين للعظم ذو أنت عارقه

(4/86)


فسمي عارقاً بهذا البيت فلما بلغ عمراً هذا الشعر غزا طيئاً، فأسر ناساً منهم فاستوهبهم حاتم الطائي، فوهبهم له. وكان المنذر بن ماء السماء، وهي أمه من النمر بن قاسط، وهو أبو عمرو مضرط الحجارة وضع ابناً له يقال له مالك، ويقال أسعد، عند زرارة، وكان صغيراً فلما صار رجلاً، خرج ذات يوم يتصيد فأخفق، فمر بإبل لسويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم، وكانت عنده ابنة زرارة بن عدس، فأمر مالك، ويقال اسعد، ببكرة منها فنحرت وسويد نائم، فلما انتبه شد على ابن المنذر فضربه بعصا على رأسه فقتله، وخرج هارباً إلى مكة فحالف بني نوفل بن عبد مناف بن قصي، فلما بلغ عمرو بن المنذر قتل أخيه فاضت عيناه وبكى، وبلغ ذلك زرارة فهرب وركب عمرو في طلبه فلم يقدر عليه فأخذ امرأته وهي حبلى فقال: ما فعل زرارة الغادر الفاجر المنتن؟ فقالت: إن كان ما علمته لطيب العرق سمين المزق لا ينام ليلة يخاف، ولا يشبع ليلة يضاف، فبقر بطنها وانصرف، فقال قوم لزرارة: ما أنت والله قتلت أخا عمرو بن هند فأته فاصدقه فإن الصدق نجاه، وهو نافع عنده فأتاها زرارة فاعتذر إليه وأخبره الخبر فأمره أن يجيء بسويد فقال: قد لحق بمكة. قال: فأحضرني ولده من ابنتك فأتاه بهم فأمر بأحدهم أن يقتل فجعل يتعلق بجده زرارة فقال زرارة: يا بعضي سرح بعضاً فذهب مثلاً. وقتلوا أجمعون، وآلى عمرو بن هند بآلية ليحرقن من بني دارم مائة رجل فخرج يريدهم وبعث على مقدمته عمرو بن ثعلبة بن ملقط الطائي، فوجد القوم قد نذروا به، فأخذ منهم ثمانية وتسعين رجلاً بأسفل أوارة من ناحية البحرين، ولحقه عمرو بن هند في الناس حتى انتهى إلى زرارة، فضرب له قبة، وأمر بإخدود فخد لهم، وأضرمت النار حتى إذا تلظت قذف بالثمانية والتسعين الرجل فيها فاحترقوا وأقبل راكب من البراجم من بني كلفة بن حنظلة، وقد رأى الدخان فأناخ بعيره وأقبل فاستطعم فقال عمرو بن هند: ممن أنت؟ قال: من البراجم. فقال عمرو: إن الشقي راكب فذهبت مثلاً، ورمى به في النار، فاحترق فهجت العرب بني تميم، وقال قائلهم:
ألا بلغ لديك بني تميم ... بآية ما يحبون الطعاما
وأقام عمرو بن هند ثلاثاً لا يرى أحداً فقيل له: أبيت اللعن، لو تحللت بامرأة منهم فقد أحرقت تسعة وتسعين، فدعا بامرأة من بني نهشل بن درام فقال لها إني لأظنك أعجمية فقالت: ما أنا بأعجمية.
وإني لابنة ضمرة بن جابر ساد معداً كابراً عن كابر.
وإني لأخت ضمرة بن ضمرة إذا البلاد لفت بغمرة فقال: والله لولا مخافة أن تلدي مثلك لصرفت النار عنك. قالت: أما والذي اسأله أن يضع وسادك، ويخفض عمادك، ويصغر حصانك، ويسلبك ملكك ما قتلت إلا نسياً أعلاها ثدي وأسفلها حلي، قال: فأمر بها فقذفت في النار، فقال ابن الصعق:
وفت مائة من آل دارم عنوة ... ووفاهموها البرجمي المخيب
وقال لقيط بن زرارة يعير بن مالك بخدمتهم الملك وإحراقه إياهم:
فابلغ لديك بني مالك ... مغلغلة وسراة الرباب
فإن امرأ أنتم حوله ... يحفون قبته في القباب
يهين سراتكم عامداً ... ويقتلكم مثل قتل الكلاب
فلو كنتم إبلا أملحت ... لقد نزعت للمياه العذاب
ولكنكم غنم تسترى ... ويترك سائرها للذئاب
وقال الأعشى:
من مبلغ عمراً فإن الم ... رء لم يخق صبارة
وحوادث الأيام لا يبق ... ى لها إلا الحجارة
ها إن عجرة أم ... ه بالسفح اسفل من أواره
فاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زرارة

(4/87)


ومن بني عبد الله بن دارم ثم من بني معاوية بن عبد الله: أسماء بن سمير، قتله عمرو بن هند يوم أواره، ولهم بقية. ومن بني ذؤيب بن عبد الله: ربيعة بن ذؤيب، وكان ذا رأى، وهو الذي بعثه حاجب بفدائه إلى مالك ذي الرقيبة القشيري، وهو ألف بعير فرد مالك على ربيعة منها ثلاثمائة. ولغثة، وأمية ابني عبد الله بن دارم بقية، ولوهب بقية أيضاً. وقال أبو اليقظان: ولد زيد بن عبد الله بن دارم: عبد الله بن زيد، فصار ولد عبد الله بن زيد بهجر، وقدموا البصرة فكانوا فيهم، ثم جاء صعب بن نهشل أحد بني عبد الله بن دارم في أيام مروان بن محمد الجعدي بكتابه إلى سلم بن قتيبة أن يلحقهم ببني عبد الله بن دارم، فقال رؤبة بن العجاج:
اشهد بالله العزيز العالم ... ما جاء صعب بحديث آثم
فالحق دارماً بدارم وقال شاعرهم:
فما هجر أم علمت ولا أب ... فانسب إلا للكريم ابن دارم
فلحقوا به فيهم. ومن بني زيد بن عبد الله بن دارم: خليد عينين، كان ينزل أرضاً يقال لها عينان، وهو القائل:
أيها الموقدان شبا سناها ... إن للضيف طار في وتلادي
واسعراها حتى أرى في سناها ... ناهضاً بادياً كصفر الجراد
وعرض خليد عينين لما قال جرير للصلتان العبدي:
أقول ولم أملك أمال ابن حنظل ... متى كان حكم الله في كرب النخل
فقال خليد:
أي بني كان من غير قرية ... وما الحكم يا بن اللؤم إلا مع الرسل
فقال الشاعر:
ذرن الفخر يا بن أبي خليد ... وأد خراج رأسك كل عام
لقد علقت يمينك رأس ثور ... وما علقت يمينك من لجام
وقال جرير أيضاً:
كم عمة لك يا خليد وخالة ... خضر نواجذها من الكراث
نشأت بمنبته فطاب لشمها ... ونأت عن القيصوم والجثجاث
فلم يجبه خليد فسقط. ومنهم قراد بن حنيفة بن عبد مناة بن زيد بن عبد الله كان شاعراً، وهو الذي خرج مع لقيط بن زرارة حين توجه إلى قيس بن مسعود لخطبة ابنته، وقد كتبنا خبره وفيه يقول لقيط:
انظر قراد بنفسي أنت معترضاً ... عرض الشقائق هل عانيت أظعانا
وهو قراد مية بنت زيد امرأة من رهطه، كانت عند حاجب بن زرارة، فقال لحاجب: طلقها فإني رأيت منها شيئاً لا أحب معه أن تكون عندك فطلقها حاجب فتزوجها قراد، وأنشأ يقول:
وطلق حاجب في غير شيءٍ ... حليلته لينكحها قراد
فأصبح زوجها قد كان منها ... مكان السيف من جفن الغماد
وقال قراد أيضاً:
تمنى حاجب وأخوه عمرو ... لقائي بالمغيب ليقتلاني
وما أجرمت شيئاً غير أني ... وصلت حبال مكملة حصان
يخوفنيكما عمرو بن قيس ... كأني من طهية أو أبان
فلو لم يخش غيركما عدواً ... لأصبح آمنا صعب المكان
وقال قراد أيضاً:
ألا تنهى عباية أو عليم ... بني الطوبان على ظلم الصديق
هم نذروا دمي من غير جرمٍ ... ولم يرعوا مراقبة الرفيق
إذا ما نطفة في قعر حوضٍ ... فلا إل يهاب من الشقيق
عباية وعليم من بني عمرو بن عمرو بن عدس. والطوبان من بني هرة بن زيد بن عبد الله بن دارم أم بني عمرو بن عمرو. وقوله: إذا ما نطفة يعني الماء، إنهم لا يسقونه شقيقاً، ولا أحداً، وهم يعابون بذلك فقتله حاجب بن زرارة لما ركبه به في امرأته، فتحالفت عند ذلك قبائل عبد الله: مرة، ومالك، وحارثة، ومعاوية، وحق وجناب وقثة، و وهب، وأمية على بني عدس بن زيد بن عبد الله، فقالوا لحاجب: أرضهم في حقهم وأعطهم رجلاً يقتلونه بقراد، فدفع إليهم امرىء القيس بن أبي الحارث بن زرارة فقال حنيفة أبو قراد: هذا والله القريب الرحم، القليل الجرم، ودخل سبيله. ومن بني مالك بن زيد بن عبد الله بن دارم: عبيد الله بن مضارب بن حيان وكان لسناً عالماً، وكان في حرب عدي بن أرطاة الفزاري على بعض بني تميم وفي ذلك يقول قدامة بن عبد الرحمن الهلالي:
لقد كثرت عهود الناس حتى ... تخوفنا من الحدث العظيم
وعبد الله والي أمر بكر ... وأنت ولي عهد بني تميم

(4/88)


عبد الله بن كليب السدوسي على بكر بن وائل. وقال المرقال، وهو زياد، مولى لبني عمرو بن عمرو، وكان مكاتباً، وكان أتى ابن مضارب فسأله فلم يعطه، وأتى الفرزدق فأعطاه جملاً:
إن تجف عني يا بن حيان يكفني ... وإياك حمال المئين ابن غالب
فتى كان خيراً من أبيك عصارة ... إذا عصر العيدان يا بن مضارب
دفوع عن الأحساب معترف له ... حقون دم المولى بحمل الرغائب
حباني لما جئت والمرء راجل ... بأصهب وجاف أمام الركائب
ومنهم خالد بن علقمة الشاعر الذي يقال له الطيتان، وهي أمه طائية. ومن بني مرة: زيد بن عبد الله بن دارم. وعروة بن شراحيل، كان شاعراً وهو القائل:
على باب مسروح تبغون حاجباً ... كما يبتغي الرعيان تالية الغنم
مسروح عبد كان لحاجب يقيم قراه لمن ضافه، وهجا القعقاع بن معبد فقال:
تخلج كالمجنون أو بك عرة ... كأنك قد قبضتني في شمالكا
وكاين ترى من طاعم لا تعوله ... ومن ذي عنىً ما ناله فضل مالكا
وإنك لو أحببتني ما نفعتني ... ولو رمت ضري ما اتسعت لذلكا
ومن بني حق بن زيد، وكان حق يلقب البضاع، فارس مشول، ولم يكن بالنبيه، وابنته أم شيبان بن علقمة بن زرارة بن عدس، وبقيتهم قليلة. ومن بني حارثة بن زيد: مرثد أبو المأموم بن غوية قتله مرداس بن حيان، رجل من بني معاوية بن عبد الله بن دارم، فأخذوا الدية، فقال رجل يهجو ابنيه:
بني مرثد إن الذي تشربونه ... دم غير أن اللون ليس بأحمرا
ومن بني ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم: سويد بن زيد بن ربيعة، ويقال سويد بن قيس بن ربيعة، وسويد هو الذي ضرب راس مالك بن المنذر بن ماء السماء، وهو أخو عمرو بن هند فأمه، فآلى عمرو بن هند أخو ليحرقن منهم فلحق بمكة، وحالف بني نوفل بن عبد مناف وقد ذكرنا خبره.
ومن ولده: أبو إهاب بن عبد عزيز بن قيس بن سويد بن ربيعة، كان فيمن سرق غزال الكعبة، وله يقول حسان بن ثابت:
أبا إهاب فبين لي حديثكم ... ابن الغزال عليه الدر من ذهب
وقد كتبنا خبر الغزال في حديث أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم، وآل أبي إهاب بمكة إلى اليوم، وكان ابو إهاب دس للفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم فلقيه طليب بن عمير فضربه بلحي جمل فشجه. وأما عدس بن زيد فقتله بنو ثمالة من الأزد. وقال أبو اليقظان: وكان شراحيل بن عدس شريفاً، وفي ولده صلاح وبقية حسنة.
منهم وضاح بن خيثمة بن زيد بن عاصم بن خيثمة بن شراحيل، وكان يزيد بن عاصم ممن شهد فتح الأبلة، وكانت من ولد شراحيل امرأة يقال لها زنيمة أخذ مروان ابنها فحبسه في تهمة دم فقالت:
تطاول هذا الليل من خشية الردى ... على ضيف مروان الذي في الحدائد
تبين هداك الله أن محمداً ... أبى أن يقيد الناس إلا بشاهد
وقال أبو اليقظان: ولد عمرو بن عدس: عمرو بن عمرو، واسمه طارق وإنما سمي باسم أبيه بعد موته لشبهه ببه، وكان عمرو أبرص أبخر، فيقال لولده أفواه الكلاب. وكان لزرارة موضع من كسرى ووهب له جارية اسمها المذابة، فولدت له. قال هشام الكلبي: ومن ولد عبد الله بن دارم: عروة بن شراحيل بن مرة بن زيد بن عبد الله بن دارم، كان شاعراً شريفاً. ومن بني عمرو بن عدس: هلال بن وكيع بن بشر بن عمرو بن عمرو بن عدس، قتل يوم الجمل مع عائشة رضي الله تعالى عنها. وعلقمة بن يعسوب بن عباية بن بشر بن عمرو بن عدس وكان شريفاً. ومن بني خزيمة بن زرارة: الطود بن عبيد بن خزيمة بن زرارة بن عدس كان شريفاً. ومن بني مالك بن زيد بن عبد الله: قراد بن حنيفة بن عبد مناة بن مالك بن زيد، وهو خال حاجب، وقتله حاجب لأنه كان يشبب بامرأته، وله يقول لقيط:
انظر قراد وهاتي نظرة جزعا ... عرض الشقائق هل بينت أظعانا

(4/89)


ومن بني عبد الله : الحصين بن عبد الله بن أنس بن أمية بن عبد الله بن دارم، وهو حليف لبني مخزوم بمكة. ومنهم المنذر بن ساوى من بني عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دارم صاحب هجر، كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه يدعوه إلى الاسلام، وكان على العرب من قبل الفرس، وكان يقال إن عبد الله هو الأسبذي. والأسبذ قرية بهجر كانوا ينزلون بها فنسب إليها، ويقال كان من الأسبذين قوم كانوا يعبدون الخيل. ومن بني عمرو بن عمرو بن عدس: سماعة بن عمرو بن عمرو بن عدس، كانت أمه عبسية فقتلت عبس إباه ، فقتل به منهم خاله فذلك قول مسكين بن عامر الدارمي:
وقاتل خاله بأبيه منا ... سماعة لم يبع حسباً بمال
كانوا عرضوا عليه الدية يقبلها. ومنهم مسكين بن عامر بن أنيف بن شرحيل بن عمرو بن عمرو بن عدس الشاعر الذي قال:
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي ينزل القدر
ما ضر جاراً لي أجاوره ... ألا يكون لبابه ستر
وكانت امرأته تماظة فقالت له: صدقت أن نارك ونار جارك واحدة لأن النار له وإليه ينزل قدره، فإن تفضل عليك أطعمك، وأما قولك:
ما ضر جاراً لي أجاوره ... ألا يكون لبابه ستر
فلو كان لبابه ستر لم ينفعه لأنك تهتكه. وقال أبو اليقظان: كان يقال لربعي بن عمرو بن عمرو ملاعب السنة. قال:وحنظلة بن بشر بن عمرو بن عمرو أسر الحوفزان وجز ناصيته وخلى عنه بلاء فداء.
نسب بني مجاشع بن دارم
وولد مجاشع بن دارم: سفيان بن مجاشع. والبيض بن مجاشع. وعامر بن مجاشع. وشيطان بن مجاشع درج. والحشر بن مجاشع درج. والخيبري درج، وأمهم شراف بنت بهدله بن عوف بن كعب بن سعد. ويقال هي شراف. وثعلبة بن مجاشع. والقداح بن مجاشع. وذريع بن مجاشع. ونعمان بن مجاشع. وحرام بن مجاشع. ومجاشع بن مجاشع. وعبد الله بن مجاشع، وأمهم ابنة أحمر ببن بهدلة واسمها الشريفاء. والجوال بن مجاشع. قالوا: وكان مجاشع بن دارم بذيئاً، وكان له لسان فقعد ونهشل عند ملك من الملوك فجعل الملك يقبل على نهشل ولا يجد عنه كلاماً، فلما خرجا من عنده جعل مجاشع يعلم نهشلاً الكلام فقال نهشل: إني والله ما أستطيع تكذابك، وتأثامك شولان البروق، يعني الناقة التي ضربها الفحل. فمن بني مجاشع: الأقرع بن حابس بن غفال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، واسم الأقرع فراس، وكان في رأسه قرع، وكان حصين بن القعقاع قال: مافي الأرض رجل له شرف ولأبيه إلا وأبوه أشرف منه فقال الأقرع: بل أنت اشرف من أبيك. قال: كذبت بل أبي أشرف منك ومن أبيك ومني، فغلبه القعقاع. وبلغ الخبر الحصين بن القعقاع فجاء وهما في مجلسهما عند أمير اليمامة فرجز بالأقرع فقال:
يا اقرع بن حابس قم فاستمع ... ذا الشعرات الزعر والرأس القرع
وكان الأقرع من فرسان بني تميم في الجاهلية، فاسره عمران بن مرة الشيباني يوم سلمان، وكان الأقرع على البراجم يومئذ، فقال جرير يهجو بني مجاشع:
ويلكم يا قضبان الجوفاء ... بئس الحماة يوم بطن سلمان
يوم يحوي اقرعيكم عمران الأقرع ورجل آخر من بني تميم مرثد أخو الأقرع ففدى نفسه ورجع إلى قومه يسألهم في فدائه، فقبح الحصين بن القعقاع فعله، وقال وهو يطلب بسبب فدائه ما يجمعه لنفسه فقال:
إذا تسال القوم سؤالا كالضرع ... جمعاً لما عزمت حتى يجتمع
وكان الأقرع أعرج فقال الحصين:
إنك يا أقيرع القذال ... وأعرج الرجل عن الشمال
تأبى وأدعوك إلى الفضال ... حيث يقيس المرء غير آل
مضارب الأعمام والأخوال يقول إلى المفاضلة أينا أفضل. قال:وتحاكم إلى الأقرع في الجاهلية جرير بن عبد الله البجلي والفرافصة بن الأحوص الكلبي، فجاء شاعر بجيلة وهو عمر بن الخثارم فجعل يحضض الأقرع، وينتمي إلى نزار فقال:
يا أقرع بن حابس يا اقرع ... إنك إن تصرع أخاك تصرع
وقال أيضاً:
يا بني نزارا أنصرا أخاكما ... إن أبي وجدته أباكما
لن يغلب اليوم أخ والاكما

(4/90)


فحكم الأقرع أن بجيلة أبوهم أنمار بن نزار بن معد، وأن قضاعة بن معد، وأن نزار أشرف من قضاعة، وأن أخس بني نزار أشرف من أفضل قضاعة. ولما أسلم الأقرع ولاه النبي صلى الله عليه وسلم بعض صدقات بني حنظلة، وكان الأقرع في وفد بني تميم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أبطأ قومك عن الاسلام. فقال: يا رسول الله ما أبطأ قوم عندك منهم ألف رجل. يعني مزينة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف علمك بقومك؟ قال: أنا بهم جد عالم: كنانة كاهلها التي تنوء به، وقريش مصابيحها التي تبصر بها وأبصارها التي تنظر بها، وتميم هامتها العظمى، وأسد لسانها الذي تنطق به، وقيس فرسانها وأسنتها التي تطعن بها. وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض غزواته فأعطاه مائة من الإبل مع المؤلفة قلوبهم، فقال الشاعر - عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع
وقال ابو اليقظان: استعمل عبد الله بن عامر بن كريز الأقرع على بعض خراسان، فسار إلى الجوزجان في الجيش، فاصيب بعض الجيش فقال ابن الغريزة النهشلي:
سقى صوب السحاب إذا استهلت ... مصارع فتية بالجوزجان
إلى القصرين من رستاق خوت ... أقادهم هناك الأقرعان
الأقرع وأخوه مرثد ابنا حابس ولهما عقب بخراسان. وكان الأقرع من حكام العرب في الجاهلية. وقال المدائني: وجه الأحنف بن قيس الأقرع بن حابس في خيل وقال: يا بني تميم تعاونوا وتباذلوا تعتدل أموركم، وابدأوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم، فسار فلقي العدو بالجوزجان فكانت في المسلمين جولة، ثم كروا فهزموا الكفرة، وفتحوا الجوزجان عنوة، فقال ابن الغريزة النهشلي، وهو كثير بن عبد الله يذكر من استشهد من بني تميم:
سقى صوب السحاب إذا استهلت ... مصارع فتيةٍ بالجوزجان
إلى القصرين من رستاق خوتٍ ... أبادهم هناك الأقرعان
حدثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن الأقرع بن حابس نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات فقال: يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين. فقال صلى الله عليه وسلم: ذلكم الله . ومنهم ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، كان ذا رأي، وكان من رجال بني تميم في الجاهلية، قال الفرزدق:
وناجية الذي كانت تميم ... تعيش برأيه أنى أشارا
ومنهم عقال بن شبه بن عقال بن صعصعة بن ناجية الخطيب في أيام هشام بن عبد الملك، وعاش إلى زمن أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، وهو القائل وتكلم عند سليمان بن علي بالبصرة:
ألا ليت أم الجهم في حيرة لما ... ترى حيث قمنا بالعراق مقامي
عشية بذ الناس جهري ومنطقي ... وبذ كلام الناطقين كلامي
وولده خطباء. وكان صعصة بن ناجية وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فاسلم، وهو الذي منع الوئيدة، وكان من خبره أنه اضل ناقتين له، فخرج في طلبهما ليلاً، ورفعت له نار فقصدها فجعلت كأنها تبعد عنه كلما سار، فقال: لئن بلغتها الليلة لا يسألني أحد تنفيس كربة إلا سارعت إليها. فسار حتى بلغها فوجد عندها صرحاً وإذا رجل من بني الهجيم بن عمرو بن تميم فوقف عنده فسلم فقال من أنت قال صعصعة بن ناجية بن عقال قال: مرحباً بسيدنا وابن سيدنا، انزل ما حاجتك؟ قال:أضللت ناقتين لي مذ الليلة، قال: هما تانك. قال: فما بالي أسمع ضجيج النساء وأرى نارك مذ اليلة لا تطفأ قال عندهن ما خض لنا تريد أن تضع، قال: فبينا هو ذلك إذا قلن قد جاء قد جاء، يعنين الولد. فصاح بهن الشيخ فقال: والله لئن كان غلاماً فما أدري ما أصنع، وإن كانت جارية فلا اسمع لها صوتاً ادققن عنقها وادسسنها في التراب، فقال صعصعة: ولم تفعل ذلك وتقتل بنتاً رزقها على الله؟ فقال الشيخ: إني أراك بها حفياً اشترها مني فاشتراها منه باللقوحين فقال: لا، زدني. فزاده جمله الذي تحته واستعاره منه فبلغ أهله، ثم دفعه إليه فجاء الاسلام وقد أحيا صعصعة مائة جارية ومنع أن يوءدن وابتاعهن، وفي ذلك يقول الفرزدق:
ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يوئد

(4/91)


وكان سفيان بن مجاشع أتى الشام فسمع راهباً يذكر أنه يكون من العرب نبي يسمى محمداً، فسمى ابنه محمداً طعماً في أن يكون النبي. وذكروا أن صعصعة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم: إذا زلزلت الأرض زلزالها فلما انتهى إلى قوله: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره قال صعصعة: حسبي إنا لنثاب على مثقال ذرة من خير، ونكافأ على مثقال ذرة من شر، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من ابرأ؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أباك. قال: ثم من؟ قال: أخاك. قال ثم من؟ قال: أدانيك أدانيك. وكان شبة بن عقال بن صعصعة يدعى ظل النعامة لطوله، وفيه يقول جرير:
فضح المنابر حين ألقى قائماً ... ظل النعامة شبة بن عقال
ومن ولده: يزيد بن عقال بن شبة بن عقال، وولي أذربيجان وغيرها. وكان لصعصعة بن ناجية عبيد قيون منهم: وقبان، وجبير، وديسم، فبذلك جعل جرير مجاشعاً قيوناً فقال:
فكيرك أصلح يا بن قين مجاشع ... ودع عنك أسباب العلى والمكارم
وقال أيضاً:
تصف السيوف وغيركم يعصى بها ... يا بن القيون وذاك فعل الصيفل
وقال ينسب غالباً أبا الفرزدق إلى جبير
وجدنا خبيراً أبا غالب ... بعيد القرابة من معبد
وقال ينسبهم إلى بني وقبان:
أبلغ بني وقبان أن حلومهم ... خفت فما يربون حبة خردل
فولد صعصعة: غالباً أمه ليلى بنت حابس . وحريثاً، وذهيلاً. وهماماً، وبه سمي الفرزدق. وعقيلا. وعامراً. وحنظلة. فأما نفر غالب فكان يكنى أبا خطل، وكان سيداً ببادية تميم، واجتمع ثلاثة نفر من كلب فاختاروا نفراً من سادات العرب: غالباً. وطلبة بن قيس بن عاصم، وعمير بن السليل فجعلوا لا يأتون رجلاً منهم فيسألونه إلا سألهم عن نسبهم فينصرفون عنه حتى أتوا غالباً فأعطاهم ولم يسألهم، ولم يقبلوا منه شيئاً وقالوا: إنما امتحناك وغيرك فوجدناك أفضلهم فقال الفرزدق:
وإذا نحبت كلب عن الناس أيهم ... أحق بتاج الماجد المتكرم
على نفر هم من نزار ذؤابة ... ولأهل الجراثيم التي لم تهدم
فلم يجل عن أحسابهم غير غالب ... جرى بعناني كل أبلج خضرم
وكان غالب أتى علي بن أبي طالب عليه السلام والفرزدق معه، فقال له علي: من هذا معك؟ قال: ابني وهو شاعر. فقال: علمه القرآن فإنه خير له من الشعر. ومات غالب فدفن بكاظمة فاستجار بقبره قوم في حمالة، فاحتملها الفرزدق وقال:
فلله عيناً من رأى مثل غالب ... قرى مائة ضيفاً ولم يتكلم
واستجار بقبره مكاتب لبني منقر فقال:
بقبر ابن ليلى غالب عذت بعدما ... خشيت الردى أو أن أرد على قسر
بقبر امرىءٍ تقري المئين عظامه ... ولم أر إلا غالباً ميتاً يقري
فقال لي استقدم أمامك إنما ... شكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر
فسأل الفرزدق فأعطاه جملاً. وكان ولد غالب أبي الفرزدق: الأخطل، والفرزدق وجعثن، أمهم لينة بنت قرظة الضبي. فأما الأخطل فكان أكبر من الفرزدق، وكان من وجوه قومه، وكان محمد بن الأخطل توجه مع عمه الفرزدق إلى الشام فمات فقال الفرزدق:
سقى أريحاء الغيث وهي بغيضة ... إلي ولكن كي ليسقاه هامها
فبت أقاسي ليل أقرب من مشى ... أبوه ابن أمي غاب عني نيامها
ألم ترنا رحنا ورحل محمد ... خلاء بمذعان مطوى زمامها
وكان إذا أرض أتاها تزينت ... لرؤيته صحراؤها وأكامها
فما من فتى كنا نبيع محمداً ... به إن أمور الناس غالت جسامها
وكانت العلية بنت الأخطل عند لبطة بن الفرزدق، فلما مات الفرزدق عمها أقامت على قبره سبعة أيام تنحر في كل يوم جزوراً.

(4/92)


وأما الفرزدق فاسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال، وكان قصيراً غليظاً فشبه بالفرزدقة وهي الجردقة التي تدق ويشربها النساء، ويكنى أبا فراس، وكان سبب قوله الشعر أن الأشهب بن ربيلة النهشلي كان يهجو غالباً أباه، فكان غالب يطلب مصالحته فيأباها، وكان الفرزدق يقول: لربما بكيت من الجزع لأن يهجو الأشهب أبي وقومي فأريد إجابته فلا يتأتى لي الشعر، فقلت أبياتاً فأنشدتها أبي فقال: ائت فلاناً فأنشده، فأنشدته فقال: قل يا بني على هذا، ثم لقي أبي فقال: يا أبا الأخطل إن عاش ابنك كان اشعر العرب، وماهو إلا شيء أعنت به على الأشهب لبغيه عليك. وجعل الفرزدق يهجو الأشهب، فلما أعيا الأشهب، طلب الأشهب الصلح بعد أن كان يعرض عليه فيأباه فتهدد زباب بن رميلة وأبوه ثور الفرزدق بالقتل، فهرب إلى الشام، وإن زبأبا نزل على غدير له فجاءه رجل من بني مناف بن دارم فخاض غديره فضرب زباب عنق بعيره فنفض بالشيخ فسقط أو كاد يسقط، فجاء قوم من بني دارم لينصروا الشيخ، فقاتلهم زبأبا فضرب أبا البدال بشير بن صبيح وقال:
قلت له تعساً أبا البدال ... تعلمن والله ما أبالي
ألا تؤوب آخر الليالي فلم يزالوا حتى دفع إليهم زبأبا فأوثقوه حتى مات، فلما قتل زبأبا قدم الفرزدق، فقال الأشهب بن رميلة:
لقد أخزاك في بدوات سعد ... وفي قيسٍ فرارك من زباب
وخرج الأشهب إلى مراون بن الحكم فشكاً قتل أخيه فقال: قتل بلا ثبت ولا حق، فوهب له خمسين بعيراً فقال الفرزدق:
ارفق بنفسك يا محرر مالك ... واذكر مقام أخيك يوم الأول
مروان يعلم إذ يسن دياتكم ... خمسين أن دياتكم لم تكمل
وكان الأشهب شاعر تميم حتى علاه الفرزدق.
وكان ولد الفرزدق: لبطة، وسبطة. وخبطة. وركضة. وزمعة. وكان زمعة شاعراً وهو القائل:
إني أنا ابن غالب بن صعصعة ... آوي إلى رواسخ ممنعة
وكان الفرزدق يقول: سميت باسم همام بن صعصعة. وهمام الذي يقول أو ابنه اهاب بن همام:
لعمرو أبيك فلا تكذبي ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
لئن فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شراً طويلاً
وقال ابن الكلبي: هو لإهاب بن همام أو لابن الغريزة النهشلي. قالوا: وخرج ركب من بني نهشل ومن بني مرة بن فقيم وأم فقيم ونهشل واحدة يريدون البصرة، فمروا بثمد القبينات وغالب أبو الفرزدق جالس فأرادوا أ يشربوا فقال لهم غالب: الماء بين أيديكم وهذا ماء قليل فابوا فمنعهم فأوثقوه وشربوا وبردوا، وبلع الخبر الفرزدق فتبعهم في جماعة فشقت اسقية القوم وأداويهم فقال الفرزدق:
لعمرو أبيك الخير ما رغم نهشل ... علي ولا حرداتها بكبير
وقد علمت يوم القبينات نهشل ... وحراداتها أن قد منوا بعسير
فكم شق من نحي هناك وقربة ... وأجرد ضخم الخصيتين عقير
قالوا وكانت جعثن بنت غالب، أخت الفرزدق، امرأة صالحة، وكان الفرزدق نزل في بني منقر، والحي خلوف، فقامت عجوز منهم توقظ ابنتها فإذا أسود سالخ ممتد معها فاستغاثت بالفرزدق فحثا على الأسود التراب حتى انساب، وغمز الفرزدق الجارية، وقبلها فانتهزته وأمها فقالت:
وملتفة الساقين مرتجة السلا ... لهوت بها فبات تحتي فريقها
وأهون عيب المنقرية أنها ... شديد ببطن الحنظلي لصوقها
فارسل بنو منقر رجلاً منهم يقال له عمرو بن مرة، ويقال عمران، وأمروه أن يعرض لجعثن أخت الفرزدق، فخرج حتى أتى منازل آل غالب فلم يزل يراصد الحرة حتى خرجت لحاجتها وعليها سواد من الليل، فغمز وركها ووضع يده على ساقها وجرها، فصاحت وخرجت الرجال تطلبه، ومر يمزع كمزع الظبي، وقال ابن محكان الربيعي يرد على الفرزدق:
لعمرك إن الجعثن ابنة غالب ... لكالراح مشغوف بها من يذوقها
وقال جرير بن عطية:
يقول المنقري وابركوها ... رخيص مهر جعثن غير غال
تقول قتلتني ويقول موتي ... وإن رغم الفرزدق لا أبالي
فقد واقعت منها وهي تحتي ... عظام البؤس واسعة المبال
وكان جرير هاجى البعيث المجاشعي فاعترضه الفرزدق دون البعيث فهاجاه وقال:

(4/93)


فقلت أظن ابن الخبيثة أنني ... شغلت عن الرامي الكنانة بالنبل
فإن يك قيدي كان نذراً نذرته ... فمالي عن أحساب قومي من شغل
وكان الفرزدق قيد نفسه، ونذر ألا يحل قيده حتى يجمع القرآن ويحفظه، وأما رامي الكنانة فهو رجل من بني أسد كان في نفسه شيء على رجل من قيس فنصب كنانته، ودعاه إلى أن يرميا الكنانة منتصلين في سبق بينهما، فاغتره الأسدي فرماه فقتله فضربه الفرزدق مثلاً، يقول: إنما أردتني لا البعيث كما أراد ذلك الرجل صاحبه لا الكنانة. وحدثني أبو الحسن المدائني قال: أنشد رجل الفرزدق شعراً فقال: لمن هذا الشعر؟ قال: لأمي، فضحك، ثم قال: كان يقال إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبح. قال: وقال الفرزدق لرجل: أتعرفني؟ قال: لا. قال: أما تعرف أبا فراس؟ قال: ومن أبو فراس؟ قال: الفرزدق. قال: لا أعرف الفرزدق إلا قرصة تجففها النساء ثم تدق ويشربنها.قال: فضحك وقال: الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم. وحدثني محمد بن حبيب المؤدب قال: سمع الفرزدق امرأتين تقولان: ليتنا وجدنا رجلاً أصم أخرس نبايته فنقضي منه ارباً ولا يفشي لنا حديثاً فتركهما، ثم رآهما في عشية ذلك اليوم منصرفتين فدنا منهما فزحمهما، ثم تخارس وتصام فقالتا: لقد جاءنا ما تمنينا ومضتا به فأقام معهما، ثم إنه عجز عنهما فقالت إحداهما: إنه قد اكسل واصفرت كمرته ولا خير عنده، فدلتاه في زنبيل فلما صار على الأرض قال: بآبائي أنتما أعود إذا احمررت كمرتي؟ فأيقنتا بالفضيحة. وفي ذلك يقول:
هما دلتاني من ثلاثين قامة ... كما انقض باز أسحم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره
فبلغ سكينة بنت الحسين عليه السلام شعره فقالت: قبحه الله ما كان عليه لو ستر على نفسه. قال: وبلغ إمرأته أنه يتعرض للنساء فتنكرت وتعرضت له ليلاً فغمزها، فاتبعته فصار إلى بيت مظلم فنال منها وأعطاها مطرفاً كان عليه، فلما قضى حاجته قالت له: يا فاسق هذا فعلك؟ فقال لها: وأنت هي أنت، والله على سبيل الحرام ألذ منك على سبيل الحلال. فقالت: اسكت قبحك الله. وحدثني ابن حبيب عن أبي فراس السامي عن أبيه قال: استسقى الفرزدق ماء من دار فخرجت إليه جارية بماء، فلما شرب قال لها يا سيدتي قبليني. فقالت: وراءك أوسع. فقال: يا سيدتي إني ميت قالت: إن مت دفناك فأين تحب أن تدفن؟ قال: في حرك وبطنك جعلني الله فداك. وحدثني التوزي عن الأصمعي عن سلمة بن عياش قال: دخلت على الفرزدق وقد قال صدر بيت وعجز عن تمامه، فأجزته فقال: ممن أنت؟ قلت: من قريش.؟ قال: كل أير حمار من قريش، من أي قريش؟ قلت: من بني عامر بن لؤي. قال: بئس القوم قومك كانوا في بعث إلى مروان فانتزعني من بني أظهرهم فلم يمنعوني. فقلت: بنو تميم في البصرة شر لك من بني عامر بالمدينة، بعث إليك مالك بن المنذر حرسياً فنزعك من اسطمة بني تميم ومعظمهم، فرمى بك في سجنه، فلم يمنعك أحد منهم، فسكت. المدائني أن الفرزدق مّر بمسجد الجامرة بالبصرة وفيه جماعة، منهم أبو الزرد الحنفي فضجوا من شيء قاله ابو الزرد في الفرزدق: فقال: يا بني حنيفة ما شيء لم يكن ولا يكون ولو كان حاجيتكم استقام فقالوا: لا ندري فما هو؟ قال: هو حر أم أبي الزرد لم يكن له أسنان ولا يكون ولو كانت لم يستقم. ودخل الفرزدق المدينة، فنادم قوماً منهم الأحوص وغيره، فإنه لمع فتيان من أهلها يشرب إذ عبث به رجلان فقال أحدهما:
إذا كنت متخذاً صاحباً ... فلا تصحبن امرأً دارمياً
وقال الآخر:
ولا سيما من بني غالب ... فلن يوجد الدهر إلا بذيا
فقال الفرزدق:
أتعلمان بي الهجاء وخلتني ... قد هزني وهجاني الثقلان
زعمت نساؤكما الفوارك إنما ... أيراكما وحراهما مثلان
فلقد زعمن وهن غير كواذب ... أن ليس فوق خصاكما أيران

(4/94)


وحدثني الحسن بن علي الحرمازي قال: مر الفرزدق بمجلس لبني عتاب بن اسلب بن أبي العيص بالبصرة، وقد أكل رؤوساً فاستسقى ماء فعمد فتى منهم إلى طلاء رامهرمزي فملأ منه عساً ضخماً، ثم حلب عليه وأتاه به فأقبل يخفي الرغوة ويشرب الصريح حتى أتى عليه ثم قال : جعلني الله فداءك فإنك ما علمتك تخفي الصدقات. قال: وأتى الفرزدق رجلاً من أخواله من بني ضبة فأعطاه فأكثر فقال: والله وما أدري ما مكافأتك إلا أني أقتلك فتدخل الجنة وأدخل النار. فقال: بئست المكافأة هذه يا أبا فراس. حدثني عبد الله بن صالح عن ابن كناسة قال: قيل للفرزدق مدحت الحجاج فلما مات هجوته فقال: إنا نكون مع القوم ما كان الله معهم، فإذا تركهم تركناهم. وقال المدائني: دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة وعنده ناس من الأشعريين فضحكوا، فقال: يا أبا فراس أتدري لم ضحكوا؟ قال: لا. قال: ضحكوا لجفائك. قال: أصلح الله الأمير، حججت فإذا أنا برجل على عاتقه الأيمن صبي وعلى الأيسر صبي وامرأة آخذه بمئزره وهو يقول:
أنت وهبت زائداً ومزيدا ... وكهلة أسلك فيها الأجردا
وجعلت تقول: إذا شئت إذا شئت. فقلت:ممن أنت؟ فقال: من الأشعريين. أفأنا أجفى أم ذاك؟ قال بلال: لا حياك الله قد علمت أنهم لا يفلتون منك. وقال الفرزدق لامرأته نوار بنت أعين بن ضبيعة: كيف رأيتني وجريراً؟ قالت رايتك ظلمنه أولا ثم شغرت برجلك آخراً، ورأيته شاركك في مر الشعر وغلبك في حلوه. قالوا: ومر الفرزجق على نسوة وهو على بغلة فلما دنا منهن، لم تتمالك البغلة ضرطاً فضحكن فالتفت إليهن فقال: لاتضحكن فما حملتني أنثى إلا ضرطت. فقال إحداهن: ما حملت انثى قط أكثر مما حملتك أمك فليت شعري كيف كان ضرطها؟ فتشور. قال ومر الجسار العنبري بالفرزدق وكانت به سلعة، فقال له الفرزدق: ما هذا؟ فقال: ابن المنقري. يريد قول جرير في جعثن
..................... والمنقري يدوسها بالفشيل
قالوا: ومر الفرزدق بمضرس بن ربعي الأسدي وهو ينشد الناس بالمربد:
تحمل من وادي أسيفر حاضره..............
وقد اجتمعوا عليه، فقال له الفرزدق: يا أخا فقعس ما فعل المعمر؟ قال مضرس: بلصاف يبيض فيه الحمر. أراد الفرزدق قول نهشل بن حرى:
ضمن القيان لفقعس سوءاتها ... إن القيان لفقعس لمعمر
وأراد مضرس قول أبي المهوش:
قد كنت أحسبكم أسود خفيةٍ ... فإذا لصاف يبيض فيه الحمر
وكان عمر بن عبد العزيز أخرج الفرزدق عن مسجد المدينة أيام ولايته إياها فقال الشاعر:
نفاك الأغر ابن عبد العزيز ... بحقك ينفى عن المسجد
فلقي الفرزدق مخنثاً، فقال الفرزدق: إلى أين راحت عمتنا؟ فقال: إلى المسجد الذي نفاها عنه الأغر. حدثني محمد بن أنس قال: دخل الفرزدق الكوفة فأنشد، فرأى الكميت بن زيد يحسن الاستماع وهو غلام فقال الفرزدق: يا غلام أيسرك أني أبوك؟ فقال: لا ولكني يسرني أنك أمي فينال أير أبي من أطايبك. حدثني محمد بن الأعرأبي قال: دخل أبو شقفل - راوية الفرزدق - على الفرزدق وهو مغموم يكاد يبكي فقال له: مالك أبا فراس؟ فقال: أخاف أن يرجزني هذا المخنث، وأنا لا أحسن الرجز، يعني جريراً. وحدثني محمد بن حبيب عن خالد بن كلثوم قال: مر بالفرزدق نسوة يزففن عروساً فانشأ يقول:
أتتك النساء بأحراحها ... يقدن حراً ضيقاً حجره
إلى عاثر كذراع الفنيق ... قليل لذي مثله فتره
فقالت له امرأة من النساء:
وأمك قد لقيت عائراً ... فطال بعنبلها فطره
فوجم الفرزدق وسكت. وحدثني الحرمازي قال: هجا الفرزدق رجلاً من بني تميم، فجاءت أمه إلى قبر غالب فاستجارت به، فقال الفرزدق:
أتتني فعاذت من هجائي بغالب ... فلا والذي شق استها لا أضيرها
وقال المدائني: ولي تميم بن زيد القيني ثغر السند، فشخص معه في الجند فتى من تميم، ثم من يربوع يقال له حبيش، وأمه من طيء، إلى السند، فأتت الفرزدق فسألته أن يكتب إلى تميم في إقفاله، وعاذت بقبر غالب أبي الفرزدق، فكتب إليه:

(4/95)


أتتني فعاذت يا تميم بغالب ... وبالحفرة السافي عليه ترابها
فهب لي حبيشاً واتخذ فيه منة ... فحوبة أم ما يسوغ شرابها
فهب بن زيد لايكونن حاجتي ... بظهر فلا يخفى عليك جوابها
تميم بن زيد لا يكونن حاجتي ... يظهر فلا يخفى عليك جوابها
ولا يكثر الترداد فيها فإنني ... ملوك لحاجات بطىء طلابها
فلم يدر تميم ما أميم الفتى أهو حبيش أم حنيش، فأمر أن يقفل كل من كان اسمه على هذا الهجاء ممن في الجيش، فأقفل ثمانية عشر رجلاً.وقال الفرزدق لباب المكاري:
كم من حر يا باب ضخم حملته ... على الرجل فوق الأخدري المخذم
فقال باب بالفارسية: رحم الله النوار لقد حملتها كبيراً. المدائني عن بكر بن الأسود قال: لقي الفرزدق خليفة الأقطع، من ولد قيس بن ثعلبة بن عكابة فقال: يا أبا فراس من الذي يقول:
هو القين وابن القين لاقين مثله ... لضرب حديد أو لنحت أداهم
فقال الفرزدق: هو الذي يقول:
هو اللص وابن اللص لا لص مثله ... لنقب جدار أو لحل دراهم
حدثني أبو عدنان عن أبي عبيدة قال: لقي الفرزدق ابن عفراء الضبي فاستعتبة الفرزدق في شيء بلغه عنه، فقال ابن عفراء: والله لا أعلم شيئاً يسوءك إلا فعلته فقال الفرزدق لمن حضر: اشهدوا على ما يقول فقال ابن عفراء: نعم فاشهدوا. فقال الفرزدق: فإنه يسوءني أن تنيك أمك فنكها ففضحه وأخزاه. قالوا: وعرض الفرزدق جملاً للبيع فجعل التجار يصوبون في الجمل ويصعدون فقال: مهلاً فإنه لا يطلب أحد في شيء عيباً إلا وجده. حدجثنا محمد بن الاعرأبي قال: لقي الفرزدق جريراً في بعض السكك بالشام فقال له: يا ابا حزرة حتى متى تتمرغ في طواعين الشام؟ فقال جرير: إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبح. المدائني قال: قال خالد بن صفوان للفرزدق: يا أبا فراس ما أنت بالذي لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن فقال الفرزدق: وما أنت بالذي قالت الفتاة لأبيها: يا أبة استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: أتى الفرزدق الحسن البصري فقال له: يا أبا سعيد إني قد هجوت إبليس. فقال الحسن: عن لسانه تنطق. المدائني أن الفرزدق دخل على الهيثم بن الأسود وعنده حمزة بن بيض الحنفي فقال: يا أبا فراس أيما أحب إليك أن تسبق الخير أم يسبقك؟ فقال الفرزدق: إن سبقته فته وإن سبقني فاتني، ولكني أحب أن نكون معاً لا أسبقه ولا يسبقني، أفأسألك يا بن بيض؟ قال: سل. قال: أيما أحب إليك أن تنصرف إلى منزلك فتجد امرأتك قابضة على أير رجل، أو تجد رجلاً قابضاً على حرها فتشور ابن بيض وخزي. وقال الفرزدق: ما أعياني جواب كما أعياني جواب دهقان من أهل نهر تيرى لقيني فقال: أنت يرزدق الشاعر؟ قلت: أنا الفرزدق ويلك؟ قال: إن هجوتني أتخرب ضيعتي؟ قلت: لا. قال: أفتموت ابنتي عيشونة؟ قلت: لا. قال: أفتموت حمارتي؟ قلت: لا. قال: فمن رجلي إلى عنقي في حر أمك. قال: قلت ويلك فلم تركت رأسك؟ قال: لأنظر ما تصنع. وقال أبو عبيدة: أتى الفرزدق عبد الله بن الأهتم يسأله عفاً لبغلته فقال له: يا فرزدق لو كنت قتباً لكنت ملحاحاً عقرة. قال: ولم؟ قال: لأنك لا تخلو من مساءلة قومك وإخوانك، قال الفرزدق: فو الله ما مالك إلا من ألحف المسائل، فقال عبد الله: إني ألحف ولا أتلف وأنت تسأل الناس إلحافاً وتبذر إسرافاً. فقال الفرزدق:
لا ترج عبد الله يوماً فإنما ... أماني عبد الله اضغاث حالم
حدثني أبو عدنان، ثنا يزيد بن هارون عن أبي موسى التميمي قال: لما ماتت النوار امرأة الفرزدق شهد جنازتها الحسن بن أبي الحسن والناس معه، فلما أدخلت قبرها قال الحسن للفرزدق: يا أبا فراس: ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ ثمانون سنة، وأنشأ يقول:
أخاف وراء القبر إن لم تعافني ... أشد من القبر التهابا واضيقا
إذا جاء في يوم القيامة قائد ... عنيف وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول المقلد أزرقا

(4/96)


فبكى الحسن وبكى الفرزدق والناس. وقال أبو عبيدة: حدثني أيوب بن كسيب، من آل الخطفى، وأمه ابنة جرير بن عطية، قال: بينا جرير في مجلس بفناء داره بحجر إذا راكب قد اقبل فقال له جرير: من أين وضح الراكب؟ قال: من العراق، فسأله عن الخبر فأخبره بموت الفرزدق فقال جرير:
مات الفرزدق بعدما جدعته ... ليت الفرزدق كان عاش قليلا
ثم أسكت ساعة فظننا يقول شعراً فدمعت عيناه فقال القوم: يا سبحان الله أتبكي على الفرزدق؟ فقال: والله ما أبكي إلا على نفسي، أما والله إن بقائي خلافه لقليل، إنه قلما كان مثلنا زوجان يجتمعان على خير أو شر ويتهاديانه إلا كان أمد ما بينهما قريباً، ثم أنشأ يقول:
فجمعنا بحمال الديات ابن غالب ... وحامي يميم كلها والمراجم
بكيناك حدثان الفراق وإنما ... بكيناك شجواً للأمور العظائم
فلا حملت بعد ابن ليلى مهيرة ... ولا مد أنساع المطي الرواسم
ليلى بنت جابر جدته. وقال جرير يرثي الفرزدق أيضاً.
فلا حملت بعد الفرزدق مرضع ... ولا ذات بعل من نفاس تعلت
هو الوافد المحبو والراتق الثأي ... إذا النعل يوماً بالعشيرة زلت
قال أبو عبيدة: فما بقي جرير بعد الفرزدق إلا قليلاً حتى مات. وسمعت محمد بن زياد الأعرأبي يقول: بقي جرير بعد الفرزدق أربعين يوماً، وكان يوم بلغه موت الفرزدق عند المهاجر بن عبد الله الكلابي. وحدثنا أبو الحسن عن مسلمة وغيره قالوا: لما مرض الفرزدق مرضته التي مات فيها أوصى لمولاة له بثلاثمئة درهم، فلما اشتد وجعه انشأ يقول:
إلى من تفزعون إذا حثوتم ... بأيديكم علي من التراب
ومن هذا يقوم لكم مقامي ... إذا ما الخصم كل عن الجواب
فقالت مولاته التي أوصي لها: نفزع إلى الله. فقال: يا زانية، تأخذين مالي وتفزعين إلى غيري، لا تعطوها شيئاً، فلم يلبث أن مات. وحدثني أبو عدنان عن أبي اليقظان قال: أسن الفرزدق حتى قارب المائة فأصابته الدبيلة وهو بالبادية فقدم به إلى البصرة فأتي برجل من بني قيس متطبب فاشار بأن يكوى ويشرب النفط الأبيض فقال: أتعجلون لي النار في الدنيا، وجعل يقول:
أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جل عن العتاب
قالوا: وكانت حميدة الحمدية من ولد رزام بن مالك بن حنظلة تختلف إلى الفرزدق ويتهم بها، وهي التي رجمها الحجاج بن يوسف في الزنا، وكان يقال لزوجها معبد أحد بني سليط فقال جرير يرمي الفرزدق بها:
حميدة كانت للفرزدق جارة ... ينادم حوطاً عندها والمقطعا
حوط بن سنان من بني شيبان، وهو الذي رجمت بسببه. وفي حميدة يقول الشاعر:
رزامية كان السليطي معبد ... بها معجباً دلا يخاف الدوائرا
وحدثني ابو علي الحرمازي قال: تزوج النوار بنت أعين بن ضبيعة بن ناجية، رجل من بني مجاشع، فولدت ابنين، ثم مات عنها فخطبها رجل من قومها، فبعثت إلى الفرزدق: إنك أولى قومي بي فتول تزويجي، فقالت: نعم فأشهدي أنك قد جعلت أمرك بيدي ففعلت فلما شهد الشهود عليها ، قال: اشهدوا إني قد تزوجتها وأصدقها خمسة آلاف درهم. فأبت أن ترضى به، وقالت كلمته ليزوجني رجلاً قد رضيته، لم أوله أمري ليتزوجني. وشكت أمرها إلى بني أم النسير، وهم من بني ناجية بن عقال فأعانوها، وأتت معهم بني عاصم من بني ثعلبة بن يربوع فآووها، فقال الفرزدق:
بني عاصم إن تلجئوها فإنكم ... طلأبي للسوءات دسم العمائم
وأتاها قوم من ولد ناجية فقالوا: إنا لا نرضى لك به، ونحن نحملك إلى ابن الزبير حتى تستعديه عليه ففعلت، فاكتروا لها رجلاً يقال له زهير من بني عدي، ومضت إلى مكة فقال الفرزدق:
أطاعت بني أم النسير فأصبحت ... على قتب بطوي الفلاة دليلها
وقال الفرزدق:
ولولا أن تقول بنو عدي ... أليست أم حنظلة النوار
إذاً لأتى بني ملكان مني ... بضائع لا يقسمها التجار
ملكان بن عدي، والنوار بنت جل بن عدي أم حنظلة، وقال:
لنفس العبء تحمله زهير ... على أعجاز أقوام صرمته نوار
وقال أيضاً:
لعمري لقد اردى نوار وساقها ... إلى الغور أقوام خفافا عقولها

(4/97)


معارضة الركبان في شهر ناجر ... على قتب يعلو الفلاة دليلها
ثم تبعها حتى قدم مكة ونزلت النوار بنت أعين على أم هاشم بنت منظور بن زبان، وهي أم امرأة عبد الله بن الزبير، ونزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله بن الزبير، فجعلت ابنة منظور تشفع لها، وجعل بنو عبد الله يكلمون أباهم في الفرزدق، فرأى أن هوى عبد الله في النوار فقال:
أما بنوه فلم يقبل شفاعتهم ... وشفعت بنت منظور بن زبانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزراً ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
وجعلا يجتمعان عند ابن الزبير فيختصمان فقال الفرزدق:
ما خاصم الأقوام من ذي خصومة ... كورهاء مشنوءٍ لديها حليلها
فدونكها يا بن الزبير فإنها ... ملقنة يوهي الحجارة قيلها
ثم قال لها ابن الزبير: إن شاعر فإن شئت فرقت بينكما وضربت عنقه ولم أسلطه على عرضي، وإن شئت زوجتك إياه تزويجاً صحيحاً، وكتبت إلى مصعب بن الزبير أن يعطيك من الصداق ما ترضين به. قالت بل زوجني فزوجها منه، وكتب لها على مصعب، وقدما إلى منزل الفرزدق فولدت له ولد ثم إنه طلقها وقال:
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار
وكنت كفاقىءٍ عينيه عمداً ... فاصبح لا يضيء له النهار
ولو ضنت يداي بها ونفسي ... لأصبح لي على القدر الخيار
وماتت عند ولدها في منزله بالبصرة، فصلى عليها الحسن بن أبي الحسن البصري، وذكروا أن الفرزدق وكثير اتيا الأحوص بم محمد فقالا له: أنشدنا بعض ما أحدثت فأنشدهما قوله:
يا بيت عاتكة الذي اتجنب ... ذهب الزمان وجها لا يذهب
حتى أتى على أخرها فقال الفرزدق لكثير: قاتله الله ما أشعره لولا ما أفسد من نفسه يعني الخنث والأبنة. فقال كثير: ليس هذا فساداً، هذا خسف إلى التخوم. فقال الفرزدق: صدقت قالوا وأنشد الفرزدق بيت الأخطل:
وإني لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقولها
فقال الفرزدق: أجل إنه ليقوم مقام ما أقومها أنا ولا جرير. قيل: يا ابا فراس وما هي؟ قال: يقوم عند است القس يأخذ القربان. المدائني أن الفرزدق أنشد بلال بن أبي بردة الأشعري:
وإن أبا موسى خليل محمد ... وكفاه يمنى للندى وشمالها
فقال بلال: هلكت وخرقت وذهبت شعرك، أين هذا من شعرك في سعيد بن العاص وفلان فلان فقال: ائتني بحسب كأحسابهم أقول فيك كقولي فيهم، فغضب بلال حتى دعا بطست من ماء فغمس يده فيه، وكلم في أمره وقال جلساؤه: ستكفاه. فأمسك عنه فلم يحل عليه الحول حتى مات. ولما أنشد جرير قول الفرزدق لعمر بن لجأ التميمي:
فهل أنت إن قرما تميم تساميا ... أخا التميم إلا كالشظية في العظم
فقال جرير: ما أنصفني في شعر قط قبل هذا. حدثني الأثرم عن الأصمعي عن يونس قال: قال الفرزدق: أنا أشعر الناس ولربما كان قلع ضرس من أضراسي أهون علي من قول بيت.
حدثنا الحرمازي قال: انشد الفرزدق الحسن البصري قوله:
فإنك لو رايت ديار قومٍ ... وجيران لنا كانوا كرام
فقال الحسن: لو قلت كانوا كراماً. فقال: إنه لم تلدني ميسانية. وإنما عني الفرزدق: وجيران لنا كرام. وكان أبو الحسن من سبى ميسان. وكان الكلبي: أنشد عطية بن جعال بن مجمع بن قطن بن مالك بن عدانة بن يربوع، وكان نديماً للفرزدق قوله:
أبني عدانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال
فقال: جزي أخي خيراً، ثم أنشد:
لولا عطية لا جتدعت أنوفكم ... من بني ألأم أعين وسبال
فقال عطية: والله لسرع ما رجع في هبته أبو فراس. حدثني ابو عدنان بن أبي عبيدة قال: مات محمد بن يوسف ومحمد بن الحجاج، فبلغه موتهما في وقت واحد فقال الفرزدق وهو عنده:
جناحا عتيق فارقاه كلاهما ... ولو نزعا من غيره لتضعضعا
سميا نبي الله سماهما به ... أب لم يكن عند الحوادث أخضعا
فقال له الحجاج: حسبك، فخرج الفرزدق وهو يقول: والله لقد قال لي حسبك، وهو طلب مزيداً عندي ما وجده. وقالوا: جح الفرزدق فوافق جريراً وهو محرم فقال له:

(4/98)


إنك لاقٍ بالمحصب من منىً ... فخاراً فخبرني بمن أنت فاخر
أبا لقيس قيس أم بأمك تعتزي ... إذا هدرت تلك القروم الهوادر
أم كليب رقاش بنت شهر بن قيس بن مالك بن زيد مناة، فلم يجبه جرير، وقال: لبيك اللهم لبيك، ومضى في تلبيته. وقال الحرمازي: لما صارت النوار إلى مكة قال جعفر بن الزبير:
ألا اصبحت عرس الفرزدق جامحاً ... ولو رضيت رمح استه لاستقرت
فزبره عبد الله بن الزبير وقال: ما تعرضك للفرزدق. وكان عبد الله يكره خلعها منه مخافة أن يهجوه، فلم بزل يداريها حتى رضيت، وأصدق ابن الزبير النوار عنه خمسة آلاف، ويقال بل ساقه عنه سلم بن زياد. وكان الفرزدق يقول: خرجت والنوار متباغضين ورجعنا متحابين، وخرجت حائلاً ورجعت حاملاً. المدائني قال: تزوج الفرزدق على النوار حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود الشيباني فقالت له النوار: ويلك تزوجت نصرانية سوداء دقيقة الساقين على مائة بعير؟ وأخذت لحيته فجاذبها وخرج من عندها وقال:
قامت إلي نوار تنتف لحيتي ... بنتاف جعدة لحية الخشخاش
كلتاهما أسد إذا ما أغضبت ... وإذا رضين فهن خير معاش
الخشخاش رجل من عنزة. فقالت جعدة امرأته: ما يريد الفرزدق مني؟ وقال الفرزدق لنوارر يفضل عليها حدراء:
لجارية بين السليل عروقها ... وبين أبي الصهباء من آل خالد
أحق باغلاء المهور من التي ... ربت وهي تنزو في جحور الولائد
وكانت أم النوار أمة أعجمية. وقال:
لعمري لأعرابية في مظلة ... تظل بروقي بيتها الريح تخفق
كأم غزال أو كدرة غائصٍ ... تكاد إذا مرت لها الأرض تشرق
أحب إلينا من ضناك ضفنةٍ ... إذا وضعت عنها المراوح تعرق
كبطيخة البستان يعجب لونها ... صحيحاً ويبدو داؤها حين تفلق
وقال أيضاً:
لو أن حدراء تجزيني كما زعمت ... أن سوف تفعل من بذل وإكرام
من آل مرة بين المستضاء بهم ... من بين قيس بن مسعود وبسطام
فبعثت النوار إلى جرير فشكت الفرزدق إليه فقال:
يا زيق قد كنت من شيبان في حسب ... يا زيق ويحك من أنكحت يا زق
أنكحت ويحك قيناً باسته حمم ... يا زيق ويحك إذا بارت لك السوق
يا زيق أنكحت قوماً في صدورهم ... غل قديم في أخلاقهم ضيق
غاب المثنى فلم يشهد بحبهم ... والحوفزان ولم يشهدك مفروق
يا رب قائلة بعد البناء بها ... لا الصهر راضٍ ولا ابن القين معشوق
وقال جرير في قصيدة له:
جزى الله زيقاً وابن زيق ملامة ... على أنني في ود شيبان راغب
أأهديت يا زيق ابن زيقٍ غريبة ... إلى شر من يهدى إليه الغرائب
وما عدلت ذات الصليب قبيلة ... عتيبة والردفان منها وحاجب
فأجابه الفرزدق يقول فيه:
فلو كنت من أكفاء حدراء لم تلم ... على دارمي بين ليلى وغالب
فنل مثلها من مثلهم ثم لمهم ... بقوم الي مالٍ مراح وعازب
وإني لأخشى إن خطبت إليهم ... عليك الذي لاقى يسار الكواعب
هم أنكحوا قبلي لقيطاً وأنكحوا ... ضراراً وهم اكفاؤنا في المناصب
ولو تنكح الشمس النجوم بناتها ... نكحنا بنات الشمس قبل الكواكب
ولو قبلوا مني عطية سقته ... إلى آل زيق من وصيفٍ مقارب
وحدثني محمد بن أنس قال: رأى الفرزدق كثير عزة ينشد بالمدينة فحسده فقال: يافتى اشبهك بي شعراً وشكلاً، فهل دخلت أمك البصرة؟ فقال: لا ولكن دخلها أبي.
وقال ابو عبيدة: ولدت النوار للفرزدق: لبطة. وخبطة. وسبطة. وركضة . وزمعة. وقال أبو عبيدة قال الحجاج للفرزدق: أتزوجت أعرابية على مائة بعير؟ فقال عنبسة بن سعيد: إنما هي إنقاص قيمة البعير منها عشرون درهماً فقال الحجاج: ليس غير بلال يعطي الفرزدق ألفي درهم.

(4/99)


وقدم الفضيل بن ديسم بصدقات بكر بن وائل، فاشترى الفرزدق مائة بعير بألفي درهم وخمسمائة درهم، ثم أتى الحجاج فصلى معه الظهر فلما رآه قال: مهيم؟ فقال: إن الفضيل بن ديسم العنزي قد بصدقات بكر واشتريت منها مائة بعير بألفين وخمسمائة درهم فأمر الحجاج بدفع مائة بعير إليه، واثبتها الفضيل، ومنعته النوار أن يسوق المائة كلها فحبس بعضها وساق الباقي يريد به زيقاً، فلما وقف على بارية زيق وزيق جالس رحب به وقال: انزل فإن حدراء قد ماتت، وكان زيق نصرانياً فقال: قد عرفنا أنه يصيبك في دينكم نصف ميراثها، فلم يقبله الفرزدق، وقال الفرزدق شعراً يقول فيه:
يقولون زر حدراء والترب دونها ... وكيف بشيء وصله قد تقطعا
وأهون رزء لامرىءٍ غير عاجز ... رزية مرتج الروادف أفرعا
ولست وإن عزت علي بجائز ... تراباً على مرسومة قد تجمعا
فأجابه جرير بشعر يقول فيه:
ولما غررتم من إناسٍ كريمة ... لؤمتم وضقتم بالكرائم أذرعا
فإنك لو عاودت شيبان بعدها ... لأبت بمصلوم الخياشم أجدعا
وحدراء لو لم ينجها الله برزت ... إلى شر ذي حرثٍ دمالا ومزرعا
وقال جرير يدعي أن حدراء لم تمت ولكنهم منعوه إياها
لئن جمحت عرس الفرزدق والتوى ... بحدراء قوم لم يروه لها أهلا
رأوا أن صهر القين عار عليهم ... وأن لبسطام على دارم فضلا
دعت يا آل ذهل رغبة عن مجاشع ... وهل بعدها حدراء داعية ذهلا
قالوا: ودفع سليمان بن عبد الملك أسيراً إلى الفرزدق ليقتله فنبا عنه سيفه فقال جرير:
بسيف ابي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم
فقال الفرزدق:
وسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
يعني خالد بن جعفر بن كلاب. قالوا: ومر الفرزدق بالبصرة فإذا زياد بن جابر الأعجم ينشد والناس مجتمعون عليه فحسده، وأراد أن يضع منه فسلم عليه فحياه الأعجم، فقال له الفرزدق: ما زالت نفسي تنازعني إلى هجاء عبد القيس فقال الأعجم: ومايجريك على ذلك؟ فقال: يجريني أن كعباً الأشعري هجاهم فلم يصنع شيئاً، ولم ترد عليه في قوله:
إني وإن كنت فرع الأزد قد علموا ... أخزى إذا قلت عبد القيس أخوالي
بما يضارع ذلك أفيغلبك كعب وأعجز عنك؟ فقال الأعجم: إني باعث إليك بشعر فأجبني فكتب إليه بهذا الشعر:
ما ترك الهاجون لي إن هجوتهم ... مصحاً أراه في أديم الفرزدق
وما تركوا لحماً يرى فوق عظمةٍ ... لآكله أبقوه للمتعرق
أأحطم ما أبقوا له من عظامه ... وانكت مخ الساق مني وانتقي
فإنا وما تهدي لنا إن هجوتنا ... لكا لبحر مهما تلق في البحر يغرق
فلما أنشده الفرزدق دهيمة وهي من آل الحارث بن عباد فارس النعامة، فوقع بينها وبين النوار شر، فقال الفرزدق:
سوف تريك النجم والشمس ضحوة ... عقيلة آل الحارث بن عباد
ابوها الذي أدنى النعامة بعدما ... أبت وائل في الغي غير تماد
أقمت بها ميل النوار فأصبحت ... مقارنة لي بعد طول بعاد
ثم إنه طلقها وهجاها فقال:
لها بشر شثن كأن مضمه ... إذا عانقت بعلاً مضم قتاد
ومازلت حتى فرق الله بيننا ... له الحمد منها في أذى وجهاد
يجدد لي ذكرى عذاب جهنم ... له بلايا تمسيني بها وتغادي
قالوا واتخذ الفرزدق على النوار جارية سوداء فسماها مكية، ويقال بل أولدها جارية سماها مكية، فكانت إذا حمس الشر بينه وبين النوار اكتنى بها، وقال:
شاهد إذا ماكنت ذا حمية ... بدارمي أمة ضبيه
سمحمح مثل أبي مكية ومدح الزنج فقال:
يا رب خودٍ من بنات الزنج ... تحمل تنوراً شديد الوهج
أغبس مثل القدح الخلنج ... يزداد طيباً عند طول الهرج
محجتها بالعرد أي محج فقالت النوار: ريحها مثل ريحك. وقال للنوار:

(4/100)


إن يك خالها من آل حامٍ ... فحام كان أكرم من عقال
وغاب الفرزدق فكتبوا إليه يشكونها فقال:
كتبتم إلينا أنها ظلمتكم ... كذبتم وبيت الله بل تظلمونها
فإلا تعدوا أمها من نسائكم ... فإن ابن ليلى والد لا يشينها
وقال للنوار وكانت أمها بخارية:
أغرك منها أدمة غريبة ... علت لونها إن البخاري أحمر
يريد مكية. قالوا: ولقي الفرزدق جارية لبني نهشل، فنظر إليها نظراً شديداً فقالت: والله لو كان لي الف حر ما طمعت في واحد منها. قال: ولم يا لخناء؟ قالت: لأنك قبيح المنظر شيء المخبر. قال: أما والله لو جربتني لعفى خبري على منظري، قال ثم كشف لها عن مثل ذراع البكر فتضبعت له عن مثل سنام الناب، فعاجلها فقالت: أنكاحاً بنسيئة؟ هذا سوء قضية. فقال: ويحك ما معي إلا جبتي، ثم تسنمها وقال:
أولجت فيها كذراع البكر ... مدملك الرأس شديد الأسر
زاد على شبر ونصف شبر ... كأنني أولجته في جمر
يطير عند نفيان الشعر ... نفي شعور الناس يوم النحر
في أبيات فحملت منه وماتت بجمع فقال:
وغمد سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أن المنايا أخرته لياليا
كما مثله في مثلها قد وضعته ... ومازلت وثاباً أجر المخازيا
وقال جرير:
وكم لك يا بن القين إن جاء سائل ... من ابن قصير الباع مثلك حامله
أتيت به بعد العشاء ملففاً ... فألقيته للذئب فالذئب آكله
وآخر لم يشعر به قد أضعته ... وأودعته رحماً كبيراً غوائله
وقال أبو عبيدة وغيره: كان الفرزدق يحلف بطلاق النوار ويحنث فقالت له: يا هذا إنك مقيم معي على الحرام. قال: فما ترين؟ قالت: أشهد الحسن ومن في حلقتة على طلاقي، فأتاه وعبيد أبو شفقل راويته فقال: يا أبا سعيد إن النوار طالق مني ثلاثاً، فنظر إليه الحسن، ثم أكب، ثم رفع رأسه فقال: قد سمعت وسمع القوم ثم تولى فلما بلغ باب المسجد قال: يا أبا شفقل، والله ما طلقتها. فقال له: كذبت قد والله طلقتها وذهبت اباطيلك، أتدري من شهد عليك؟ الحسن وجلساؤه. فأنشأ يقول
ندمت ندمة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار
في أبيات. وتزوجت النوار ابن عم لها فلما حضرت النوار الوفاة أوصت أن يصلي عليها الحسن فصلى عليها الحسن، وشهد الفرزدق جنازتها، فلما دفنت قال الفرزدق: يا أبا سعيد يقول الناس شهد هذه الجنازة خير الناس وشر الناس يعنونك وأياي. فقال لست بخير الناس ولست بشرهم. وقال أبو عبيدة: حضر ابن سيرين جنازة النوار. حدثني التوزي عن الأصمعي، ثنا معتمر بن سليمان عن أبي محزوم عن أبي شفقل قال قالت لي النوار: كان بيني وبين هذا الشيخ ما علمت فكلمه أن يبين طلاقي فكلمته فقال: لا والله حتى أشهد الحسن وأصحابه فأتاه فأشهده. قالوا: وتزوج الفرزدق طيبة من بني مجاشع بعد النوار، وبعد أن أسن، وضعفت فتركها عند أمها بالبادية ولم يكن صداقها عنده، فكتب إلى أبان بن الوليد البجلي، وهو عامل خالد بن عبد الله على فارس فأعطاه فمدحه وساق إليها مهرها وقال:
لقد طال ما استودعت طيبة أمها ... فهذا زمان رد فيه الودائع
فلما دخلت عليه عجز عنها فقال:
يا لهف نفسي على أير فجعت به ... حين التقى الركب المحلوق والركب
فقال رجل من بني كوز من بني ضبة: عجزت عنها يا أبا فراس، فو الله إني لأحمل عليه جزة صوف ثم أدرج بها، فقال الفرزدق:
لنعم الأير ايرك يا بن كوز ... يقل جفالة الكبش الجزيز
فقال الكوزي: أنشدك الله والرحم. فقال لولا قرابتك لأتممتها عشراً. وخاصمته أم طيبة إلى المهاجر بن عبد الله الكلابي وجرير عنده بالقرب من منزل المهاجر باليمامة، فقال:
إن البلية وهي كل بلية ... شيخ يعلل نفسه بالباطل
ولسوف يقطع حبلها من حبله ... حكم المهاجر بالقضاء العادل

(4/101)


فقال المهاجر حين سمع شعر جرير: لو أتتني الملائكة لقضيت الفرزدق عليها، فلم تمكث معه إلا يسيراً حتى نشزت. وروي أن نفيع بن صفار المحاربي تعرض بالفرزدق، فرأته أمه، وهو يقول فيه شعراً، فقالت له: ما هذا؟ فأخبرها وقال: هذا شعر أهجو به كلب تميم. فقالت: يا بني لست والله تقرن به، وقد عرضتني لما أكره، وأنا غريبة فيكم ولا آمن أن يهجو قومي، فأبى فأتت قبر غالب فاستجارت به، فبلغ ذلك الفرزدق، فأتى القبر وسألها عن خبرها فأعلمته فقال الفرزدق.
وإن نفيعاً إذ هجاني لحينه ... كباحثة عن شفرة تستثيرها
لئن نافع لم يرع أرحام أمه ... وكانت كدلو لا يزال يعيرها
لبئس دم المولود بل ثيابها ... عشية نادى بالغلام بشيرها
حدثني أبو محمد التوزي عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: قال رجل للفرزدق: أيما أكبر أنت أم جرير؟ فقال: لقد طعن علي في فرجي قبل أن يولد جرير. وحدثنا عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: قال رجل لرؤية: من كان اشد الشعراء الذين هاجاهم جرير عليه؟ فقال: الفرزدق. وحدثت عن أبي عبيدة عن منتجع بن نبهان عن الأشهب بن رميلة قال: جاء الفرزدق إلى ناحيتنا فجعل الصبيان ينظرون إليه وهو على بغلة له، فقال: مالكم تنظرون إلي يا صبيان نظر التيوس إلى مدى الجزار؟ فصاحوا به: القرد مليح، القرد مليح. فجعل يفر من أيديهم ويضرب بغلته ويقول: عدس. حدثني الحرمازي عن مشايخه أن الفرزدق قال: ضوال الشعر أحب إلي من ضوال الإبل. وحدثني التوزي النحوي عن أبي عبيدة قال: كان الفرزدق يختلف إلى نباذ بالبصرة يقال له سنان، فغلا التمر فاستخفى سنان من دين عليه فقال الفرزدق:
غلا التمر واستخفى سنان وفرخت ... خفافيش في راقودة المثلم
وحدثني أبو عدنان، ثنا الأصمعي قال: كان بالبصرة مولى لبني حنيفة يكنى أبا الخشناء يتولى عمل البريد بالبصرة فمات، فسأله قوم من بني حنيفة أن يترثيه فقال:
ليبك أبا الخشناء بغل وبغلة ... ومخلاة سوء قد أبيد شعيرها
ومجرفة ومروحة ومجسة ... وطير أواري تداعت شطورها
وفرانق يبكي على رزق شهره ... ومقرعة صفراء بالٍ سيورها
وحدثت أن أبا عمرو بن العلاء قال: أتاني حماد الراوية فقال: كلم لي الفرزدق في أن يروني شعره، فكلمته فقال له الفرزدق:ممن أنت؟ قال: من بني شيبان. قال: أرويت أشعار قومك؟ قال: نعم. فقال: أتروي لفلان شيئاً؟ فذكر شاعراً لم يعرفه حماد، ثم ذكر شاعراً آخر فقال: لا أعرفه. فقال: أنت لا تروي أشعار قومك، أفتريد أن تكتب شعري؟ فقال حماد: فكنت آتيه فما خرجت من عنده قط إلا وأنا سكران فأنشدني:
ومات أبي والأقرعان كلاهما ... وعمرو بن كلثوم شهاب الأراقم
فقلت له أخبرني عن أبيك ما كان إذ قرنته بهؤلاء، فقال: كان والله لا يساوي عباءة. قال: ومر الفرزدق بجندل بن سفيح المنقري فصال به جمله فألقى إليه سيفه وقال: عرقبه، فضربه فلم يعرقبه، فقام رجل يقال له حمي قعرقبه فقال الفرزدق:
لعمرك ما أدري أعجز بجندل ... عن العود أم لم يدر أين مضاربه
فما كان عند الروع إلا وليدة ... ينوس لها بظر طويل ذباذبه
أعض حمي ساقه السيف بعدما ... رأى خابطاً يغشى من الموت صاحبه
قال وحج الفرزدق فلما قضى حجته أتى المدينة، فدخل على سكينة بنت الحسين بن علي مسلماً، فقالت له: يا فرزدق من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت، اشعر منك صاحبك جرير حين يقول:
بنفسي من تجنبه عزيز ... علي ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام
فخرج ثم عاد، فقالت له: يا فرزدق من اشعر الناس؟ قال: أنا. قالت. كذبت. صاحبك جرير أشعر منك حين يقول:
لولا الحياء لعادني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار
كانت إذا هجع الضجيع فراشها ... كتم الحديث وعفت الأسرار
لا يبرح القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار

(4/102)


فخرج ثم عاد إليها في اليوم الثالث وحولها مولدات لها كأنهن التماثيل، فنظر الفرزدق إلى جارية منهن فكاد يجن وبهت ينظر إليها، فقالت سكينة: من اشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت، صاحبك اشعر منك حين يقول:
إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن اضعف خلق الله أركانا
فقال: ائذني لي حتى أنشدك أجود من شعره، فلم تفعل. فقال: يا بنت رسول الله ضربت إليك من مكة للسلام عليك فكذبتني ومنعتني أن أنشدك شيئاً من شعري، وهذه المنايا تغدو وتروح ولعلي لا أفارق المدينة حتى أموت فإن أنا مت فأمري جعلت فداك أن أدفن في حر هذه الجارية، يعني التي أعجبته، فضحكت سكينة، ووهبت الجارية له، وقالت يا فرزدق أحسن صحبتها فقد آثرتك بها على نفسي. وقالوا: لقي ضرار بن القعقاع وابن أحوق العنبري الفرزدق فقالا له: أجب الأمير الجراح بن عبد الله الحكمي فتعتعاه وزلزلاه، وكان من أجبن الناس حتى إذا كاد يموت ضحكاً منه وتركاه فقال:
ما كنت لو فرقتماني كلا كما ... لأجزع مما تصنعان وأفرقا
لكنما فرقتماني بضيغم ... إذا علقت أنيابه القرن مزقا
لشر عريف من معد ومنكب ... ضرارا الخنا والعنبري ابن أحوقا
قالوا: ولما ولي يزيد بن المهلب صلاة العراق وأحداثه، وولي صالح بن عبد الرحمن الخراج لقي رجل الفرزدق فقال له: قد ولي يزيد بن المهلب الصلاة بأهل العراقين؛ والخراج بهما صالح بن عبد الرحمن. فقال الفرزدق: إنما هو شرطي لمولانا صالح بن عبد الرحمن يأمره بحبس من أراد ويجري له ما أراد. فقال الرجل: أما إني سأخبره بمقالتك. فقال الفرزدق:
سيمنع عبد الله ظلمي ونهشل ... وضبة بالبيض الحديث صقالها
ومأمومة فيها الحديد كثيفة ... إذا ما ارجحنت بالمنايا ظلالها
هنالك لو رام ابن دحمة ظلمنا ... رأى لامعات الموت يبرق حالها
قالوا: لما مر بنو نهشل وبنو مرة بن فقيم بن خازم بأبي الفرزدق بالقبينات فشربوا الماء الذي كان منعهم منه وأوثقوه، فمشى الفرزدق حتى شق أسقيتهم وقربهم وعقر بعض إبلهم تحمل غالب أبو الفرزدق يريد كاظمة، فعقروا بعيراً لغالب عليه معه أم الفرزدق فقال الذي عقره واسمه ذكوان:
لقد عض سيفي ساق عود فتاتهم ... وخر على ذات الجلاميد غالب
تكدح منه وجهه وجبينه ... فذلك منه إن تبينت جالب
وقال جرير:
لعمري لقد أخزى أباك بسعيه ... وأمك ذكوان الذي لا يصاوله
وكان الفرزدق وأخوه الأخطل غائبين. ابن الأعرابي قال: تزوج يزيد بن المهلب عاتكة بنت الملاءة، والملاءة أمها، وأبوها الفرات بن معاوية البكائي. وخرج بها إلى واسط فقتل عنها فقال الفرزدق:
إذا ما المزونيات أصبحن حسراً ... يبكين اشلاء على عقر بابل
فكن طالباً بنت الملائة إنها ... تذكر ريعان الشباب المزايل
أبو الحسن المدائني قال: استزار يزيد بن المهلب الفرزدق، ويزيد بجرجان، فأراد الخروج إليه ثم خافه فأنشأ يقول:
دعاني إلى جرجان والري دونه ... أبو خالد إني إذاً لزؤور
لأني من آل المهلب ثائر ... بأعراضهم والدائرات تدور
سآبي وتأبي لي تميم وربما ... أبيت فلم يقدر علي أمير
فلما بلغ يزيد هذا الشعر قال: لقد كنت أعددت له مائة ألف درهم اصله بها. فبلغ الفرزدق قوله فقال: صدق، كان يدفعها إلي، ثم يدس إلي من يقتلني ويردها عليه.
حدثني عمر بن شبه، حدثني ابن سلام الجمحي قال: قال الفرزدق في مديحه لسليمان بن عبد الملك:
وكم أطلقت كفاك من قيد يابس ... ومن عقد ما كان يرجى انحلالها
وكان الحجاج حبسه زماناً. قال: فخرجت فرأيت عظماً فكدت أنهشه من القرم. وحدثنا أبو عدنان عن أبي عبيدة قال: حدثني أعين بن لبطة بن الفرزدق عن أبيه لبطة قال: دخلت مع أبي على سليمان بن عبد الملك فأنشدت قصيدة أبي التي يقول فيها:
لئن نفر الحجاج آل معتب ... لقوا دولة كان العدو يدالها

(4/103)


لقد اصبح الأحياء منهم أذلة ... وفي الناس موتاهم كلوحاً سبالها
وكنا إذا قلنا اتق الله شمرت ... به عزة ما يستطاع جدالها
فقال سليمان: يا فرزدق إذا مدحتني فجود في الشعر، فلهزني أبي لهزة قعدت منها وأنشد:
طرقت نوار ودون مطرقها ... جذب البرى لنواحل صعر
وفيها يقول:
وإلى سليمان الذي سكنت ... أروى الهضاب له من الذعر
وتراجع الطراد إذ وثقوا ... بالأمن من رتبيل والشحر
قال أبو عبيدة: فلما خرج الفرزدق يومئذ من عند سليمان قال له رجل: يا أبا فراس رثيته حين ظننت أن ابنه يثبت على عمله، ثم هجوته بعد ذلك. فقال: إنما نكون مع القوم ما كان الله معهم، فإذا تركهم من يده تركناهم. قال: وكان الفرزدق رثى الحجاج، وابنه على صلاة العراق، ويزيد بن أبي مسلم على الخراج، ويزيد ابن أبي كبشة على الحرب لأنه لما حضرته الوفاة استخلفهم على ذلك، فقال الفرزدق شعراً يقول فيه:
فليت الأكف الدافنات ابن يوسف ... تقطعن إذا يحثين فوق السقائف
فما حملت انثى على الأرض مثله ... ولا خط نعي في بطون الصحائف
وقال أبو عبيدة: لما ولي فراس بن سمي بن رباط صلاة البصرة طلب الفرزدق، فقال له خلف بن زياد العمي، وكانت إليه نقابة بني مالك بن حنظلة: إن الفرزدق فروقه، وإن بلغه طلبك إياه هرب، فقال: ارسلوا إلى أبي فراس من يأتي به، وبلغه الخبر فهرب الفرزدق وقال فراس لخلف: أنت أنذرته، فحبسه وارسل النوار امرأة الفرزدق فحبسها، ولحق الفرزدق بالبادية، ثم لحق بيزيد بن عبد الملك وقال:
إني حملت الهم حين جمعته ... إليك وحزني للأسير المقيد
سبقت إليك الطالبين وأنهم ... لخلفي وقدامي على كل مرصد
في أبيات فكتب يزيد بتخليه خلف والنوار، وإيمان الفرزدق. وحدثني أبو عدنان عن أبي عبيدة قال: لما ولي عمر بن هبيرة العراق قال الفرزدق:
أمير المؤمنين وأنت عف ... كريم لست بالطمع الحريص
أأطعمت العراق ورافديه ... فزارياً أخذ يد القميص
ولم يك قبلها راعي مخاضٍ ... ليأمنه على وركي قلوص
تفهق بالعراق أبو المثنى ... وعلم قومه أكل الخبيص
فلما حبس خالد بن عبد الله عمر بن هبيرة قال الفرزدق:
لقد حبس القسري في سجن واسط ... فتى شيظمياً لا ينهنهه الزجر
فتى لم توركه الإماء ولم يكن ... غذاءً له لحم الخنازير والخمر
فقال ابن هبيرة: ما رأيت أكرم من الفرزدق مدحني أسيراً، وهجاني أميراً. المدائني قال: كتب بلال بن أبي بردة إلى الشماخ عامله على اليمامة في تسخير الإبل فسخر إبلاً لابن الفرزدق، فجعل ابن الفرزدق يعقرها، فضربه الشماخ مائة سوط، فاستعدى بلالا، فلم يعده فقال:
فلو كان من جهال قومي عذرته ... ولكن عبداً من شعاعة أحمرا
وكلم الفرزدق الزعل الجرمي في حاجة لراويته أبي شفقل فلم يقضها فقال:
سل الزعل عن آبائه ثم قل له ... الست ابن جرم معدن اللؤم والبخل
وما خلت جرماً يعرفون اباهم ... إذا حصلوا يوماً ونجلوا إلى الأصل
في أبيات فلام بلال الفرزدق على هذا الشعر، فقال: ليس هو لي، وإنما هو من قذائف الشيطان، فقضى بلال حاجته. وحدثني التوزي عن الأصمعي قال: كان الحجاج يقول: ما اشعر الفرزدق في قوله لي:
لا يألف البخل إن النفس باسلة ... والرأي مجتمع والجود منتشر
وحدثت عن أبي بكر الهذلي قال: كنا عند الحسن، فجاء رجل فقال: يا أبا سعيد الرجل يقول لا والله وبلى والله لا يعتقد اليمين. فقال الفرزدق: أما سمعت قولي في ذلك؟ فقال الحسن: وما قولك؟ فانشده:
ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم
فسكت الحسن ثم جاء رجل فقال: يا أبا سعيد إنا نكون في هذه المغازي فنصيب المرأة ذات زوج أفيحل غشيانها ولم يطلقها زوجها؟ فقال له الفرزدق: أما سمعت قولي:
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلالاً لمن يبني بها لم تطلق

(4/104)


فسكت الحسن. وحدثني بعض أشياخنا قال: دخل الفرزدق على عبد الملك، ويقال سليمان بن عبد الملك، فقال له: صف لي النساء ما بين عشرين إلى مائة سنة، فانشأ يقول:
متى تلق بنت العشر قد نض ثديها ... كلؤلؤة الغواص يؤنق جيدها
وصاحبة العشرين لا شيء مثلها ... فتلك التي يلهو بها من يفيدها
وبنت الثلاثين الشفاء حديثها ... من الموت لم تهرم ولم يذو عودها
وإن تلق بنت الأربعين فغبطة ... وخير نساء الأربعين ولودها
وصاحبة الخمسين فيها بقية ... لنائكها إن شاء صلب عمودها
وصاحبة الستين قد رق جلدها ... وفيها متاع للذي قد يريدها
وصاحبة السبعين لا خير عندها ... ولا لذة فيها لمن يستفيدها
وذات الثمانين التي قد تحشفت ... من الكبر المفني ولاح وريدها
وصاحبة التسعين يرجف راسها ... إن الليل ارسى قل فيه هجودها
ومن يطلب الأخرى فلا عقل عنده ... تظن بأن الناس طراً عبيدها
وقال الفرزدق لمخنث: ويلك لم تنتف لحيتك وهي جمال وجهك؟ فقال: يا أبا فراس ايسرك أن في استك مثلها؟ قال: لا. قال: فشيء ل ترضاه لأستك تأمرني أن ارضاه لوجهي؟ وزعموا أن الفرزدق قال لمجنون رآه: أتحسب؟ قال: نعم. قال: فخذ ستة ونكحتها وخذ سبعة ونكحتها وخذ أربعة ونكحتها كم معك؟ قال: سبعة عشر ونكحتها ثلاث مرات. ورآه مجنون بالكوفة وهو يسقي بغلته فعبث بها فزجره، فقال له المجنون: مالك يا كذوب الحنجرة زاني الكمرة. ومنهم: حنظلة بن عقال بن صعصعة وهو الذي يقول:
أعددت للفم ... رحيب المغلف
تكاد أطراف ... الرغيف تلتقي
على نواحي ... فمه المجردق
لقما بكفي ... درامي أشدق
وكان أكل عند سليمان بن عبد الملك،وكان سليمان أكولاً يحب أن يأكل عنده الرجل الأكول، وكان مساور بن حنظلة بن عقال على الموصل. ومنهم: سبيع بن ناجية ولم يكن له ذلك الذكر ومنهم: حنظلة بن صعصعة وكان له عقب بأدواء.
ومنهم عبد الله بن نوح بن عامر بن صعصعة بن ناجية.
ومنهم البعار الشاعر، وهو علقمة بن حوي بن سقيان بن مجاشع.
وقال غير الكلبي: هو عبد الله بن عامر بن صعصعة بن ناجية، وكان مع ابن الأشعث ثم إنه غدر به ومال عنه وضرب رأسه بعمود في مجلس رتبيل فشجه حين تبرأ رتبيل منه، وقد كتبنا خبره فيما تقدم.
ومنهم: ضبيعة بن ناجية بن عقال، وابنه أعين بن ضبيعة، وكان أعين دنا من خدر عائشة يوم الجمل فقالت، هتك الله سترك وأبدى عورتك.
ووجهه علي إلى البصرة، فنزل الحدان على البصرة بن شيمان فقتل، قتله بنو سعد، وقد ذكرت خبره فيما قتدم. وأعين بن ضبيعة أبو النوار امرأة الفرزدق، وأمها سلافة أم ولد خراسانية.
ومنهم في رواية أبي اليقظان: ابو حمار بن ناجية، وابنه حمار ابو عياض بن حمار، وهو الذي أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مشرك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لاأقبل زبد المشركين. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في الجاهلية إذا أتى مكة نزل على النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال هشام ابن الكلبي هو عياض بن حمار بن محمد بن سفيان بن مجاشع، وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم ومعه نجيبة يهديها إليه فقال: اسلمت؟ قال:لا. قال: فإن الله نهانا أن نقبل زبد المشركين، فاسلم فقبلها منه فقال، يا نبي الله الرجل من قومي أسفل مني يشتمني أفأنتصر منه؟ فقال صلى الله عليه وسلم المستبان شيطانان يتكاذبان. وكان الزبير سأل عن عياض يوم الجمل لينزل عليه حين انصرف، فلقي النعر زمام المجاشعي، فسأله عنه فقيل هو بالعرق، فذهب الزبير يريده فقتله ابن جرموز بوادي السباع، وقد روي عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم وله صحبه.

(4/105)


ومنهم: عرفجة بن ناجية ولد: ذؤيب بن عرفجة، وكان ذؤيب أسر في الجاهلية ففدي بزقين من خمر، فعير الفرزدق الخيار بن سبرة بن ذؤيب بن عرفجة بن ناجية بذلك، وكان الحجاج وجه الخيار بن سبرة إلى يزيد بن المهلب لينصرف إليه يعلم حاله وخبره، فأتاه فقال: جئتك من عند قوم أسرجوا ولم يلجموا، فبلغ ذلك ولد المهلب فحقدوا عليه، فولاه الحجاج عمان فاقام بها عاملاً، فكتب إليه الفرزدق يستهديه جاريه فقال:
كتبت إلي تستهدي جوارا ... لقد أنعظت من بلد بعيد
فقال الفرزدق:
لقد قال الخيار مقال جهل ... قد استهدى الفرزدق من بعيد
فلولا أن أمك كان جدي ... أباها كنت أخرس بالنشيد
وأن أبي ابن عم أبيك لحا ... وأنك حين تنسب من أسودي
شددت عليك شدة أعوجي ... يدق شكيم مجدول الحديد
ومات الحجاج والخيار على عمان، وولي يزيد بن المهلب العراق في أيام سليمان بن عبد الملك،فاستعمل زياد بن المهلب على عمان فقدمها، وقتل الخيار، فقال الفرزدق:
فلو كنت مثلي يا خيار لشمرت ... بك العيس سير العوهجي وداعر
الم تك في أرض المهاري مسلطاً ... على كل بادٍ من عمان وحاضر
فهلا شددت الحزم فوق متونها ... بكل علاقي من الميس قاتر
وللخيار عقب. فلما قتل هلال بن أحوز من قتل من آل المهلب، قال جرير يذكر إدراكه بدم الخيار، وغيره ممن قتل من آل المهلب:
تركت بقبر للخيار ومالك ... وقبر عدي في المقابر أقبرا
وأدرك ثار المسمعين بسيفه ... وأغضب في قتل الخيار فأنكرا
مالك بن مسمع، وعدي بن أرطاة الفزاري والمسمعان: مالك بن مسمع بن مالك بن مسمع، وعبد الله بن مسمع بن مالك بن مسمع. ومنهم: الحتان بن يزيد بن علقمة بن حوي بن سفيان بن مجاشع، وهو الذي قال: يا بني مجاشع كونوا كما قال الله في كتابه: لا يعجز القوم إذا تعاونوا. ووفد على معاوية فمات وقد أمر له بصلة فلم يقبضها، وقال الفرزدق:
أبوك وعمي يا معاوي أورثا ... تراثاً فيحتاز التراث أقاربه
فما بال ميراث الحتات حويته ... وميراث صخر جامد لك ذائبه
وقد كتبنا الخبر فيما تقدم، وكان اسم الحتات عامراً، وفيه يقول الأسود بن يعفر:
وما خلتني في الحنظليين قعدداً ... فيظلمني يا لهف أمي عامر
وأسلم الحتات في خرفة أبي بكر ووفد إلى عمر بن الخطاب. وقال سحيم بن حفص: وفد حتات على معاوية مع الأحتف، وجارية بن قدامة، فأعطى كل واحد منهما مائة ألف، وأعطاه سبعين ألفاً،فقبلها فلما كان في بعض الطريق قيل له إنهما فضلا عليك بثلاثين ألفاً فرجع إلى معاوية فقال: أعطيت مخذلاً ومحرفاً مائة ألف وأعطيتني سبعين ألفاً فقال:يا أبا منازل إني اشتريت منهم دينهم لأنهم كانوا من أصحاب علي، وأنت عثماني فقال: ومني فاشتر ديني فأكمل له مائة ألف درهم، ثم وفد إليه أيضاً فأعطاه أربعين ألفاً، فمات بالشام فارتجع معاوية المال، فقال فيه الفرزدق:
أبوك وعمي يا معاوي أورثا ... تراثاً فيحتاز التراث أقاربه
وكان للحتات قطيعة بالبصرة، أتاها ابنه المبارك فمرض بها فتطير الحتات فباعها، ومات المبارك قبله. وولي عبد الملك بن الحتات عمان في أيام معاوية، وكان علقمة بن نهاز بن عبد الله بن الحتات من جند أبي جعفر المنصور. ومنهم: عبد الله بن حكيم بن زياد بن العوي بن سفيان، كان شريفاً، وهو الذي حمل دماء أهل البصرة في أيام ابن زياد. وقال أبو اليقظان: جعل عبد الله بن حكيم رهينة أيام قتل مسعود في ربيعة والأزد، فقال الفرزدق:
ومنا الذي أعطى يديه رهينة ... لغاري نزار قبل ضرب الجماجم
كفى كل أم ما تخاف على ابنها ... وهن قيام رافعات المعاصم

(4/106)