صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : أنساب الأشراف
المؤلف : أنساب الأشراف
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ويضرب صفاتهم بمعاوله، لولا مكانك كان أخف على رقابنا من فراشة، وأذل في أنفسنا من خشاشة، ولئن ملك أعنة خيل تنقاد له ليركبن منك طبقاً تخافه، فقال معاوية: إن يطلب الأمر فقد يطمع فيه من هو دونه، وإن يتركه يتركه لمن هو فوقه، وما أراكم يا معشر قريش بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف على أحد منكم بقرابة، ولا يذكركم في ملمة، يسومكم الخسف ويوردكم التلف، قال ابن الزبير: إذاً والله يا معاوية نطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل الجراد، لها دوي كدوي الريح، تتبع غطريفاً من قريش لم تكن أمه براعية ثلة، فقال معاوية: أنا ابن هند، أطلقت عقال الحرب، وأكلت عبيط السنام، وشربت عنفوان المكرع، فليس للآكل بعدي إلا الفلذة، ولا للشارب إلا الرنق، فقال ابن الزبير: رب آكل عبيط سيغص، وشارب صفوٍ سيشرق ويقال قال: رب آكل عبيطٍ سيقد، والقداد حر في الصدر.
المدائني عن حفص بن عمر عن معاوية بن عمرو عن ابن سيرين قال: دخل معاوية البيت الحرام ومعه عبد الله بن الزبير، فكلمه ابن الزبير في حاجة للحسين بن علي فأباها معاوية، فأخذ ابن الزبير بيده فغمزها، فقال له معاوية: خلني ويحك، قال: لا والله أو تقضي حاجة الحسين وإلا كسرتها، قال: فإني أفعل، فخلى يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين أكنت ترى أنني أكسر يدك؟ قال: وما يؤمنني ذلك منك؟ حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال حدثني ابن عياش عن أبي الهيثم الرحبي، قال: دخل ابن الزبير على معاوية وهو خالٍ، فأخذ يده فغمزها غمزة شديدة تأوه لها معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين ما يؤمنك أن أقتلك؟ قال: لست من قتالي الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره، قال: يا أمير المؤمنين إني قد استجفيتك، قال: ولم؟ فسأله حوائج فقضاها.
وقد قيل: إن معاوية خرج من مكة ليلاً مستخفياً، وبلغ ابن الزبير خروجه فلحقه وسايره ساعة، ثم قال: لو شئت يا أمير المؤمنين لقتلتك مذ الليلة، قال: كلا لست من قتالي الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره.
قال الهيثم بن عدي: أراد معاوية أن يأخذ أرضاً لعمرو بن العاص فكتب اليه عمرو بشعر هجي به خفاف بن ندبة:
أبا خراشة إما كنت ذا نفرٍ ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع
وكل قومك يخشي منك بائقةٍ ... فانظر قليلاً وأبصرها بمن تقع
فالسالم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها الجرع
المدائني عن أبي عبد الرحمن العجلاني قال: قال معاوية يوماً وهو في جماعة من أهل بيته: من يكفيني ابن الزبير، فوالله ما أردت أمرا إلا عاند فيه، ولا تكلمت في شيء إلا اعترض في قولي، وهو بعد غلام من غلمان قريش، إلا أنه غير معروف بالأفن وإن كان حديث السن، فقال عمرو بن العاص: ضمنت لك يا أمير المؤمنين أن ألين عريكته، وأذهب نخوته، وأخرس لسانه، وأعدمه بيانه، حتى أدعه ألين من خميرة مريثة، وأذل من نقدة على أن ترفدني وتقضي حوائجي، قال: نعم؛ وجاء ابن الزبير وقد بلغه الخبر، فنكت عمرو بن العاص في الأرض ثم قال:
إني لنار ما يرام آصطلاؤها ... لدى كل أمرٍ معضلٍ متفاقم
فقال ابن الزبير مجيباً له:
وإني لبحر ما يسامى عبابه ... متى يلق بحري حر نارك تخمد

(2/100)


فقال عمرو: مهلاً يا بن الزبير فإنك لا تزال متجلبباً جلابيب التيه، مؤتزراً بوصائل التهكم، تعاطى الأقورين ولست من قريش في لباب حسبها ولا مؤنق جوهرها، فقال ابن الزبير: أما ما ذكرت من تجلببي جلابيب التيه وائتزاري بوصائل التهكم فمعاذ الله من ذلك، لقد عرف من عرفني أن الأبهة ليست من شأني، وإنك لأنت المتوه في وادي الضلالة، المستشعر جخائف الكبر، اللابس للسبة، المتجرثم جراثيم البطالة، الساهي عن كل مروءة وخير، وأيم الله لتنتهين عن تناولك القلل الشامخة والذرى الباسقة أو لأرمينك بلسانٍ صارم من أريب مراجم، يلدغك بحسبان، فإنك ذو خدع ومكر، قتات عياب مغتاب، تقلب لسانك في قريش كتقليب المحالة، ووالله لتدعن وقيعتك في الرجال أو لأسمنك بسمة تدعك شناراً وتكسبك عاراً، فقال عمرو: كلا يا بن الزبير لقد أحكمتني التجارب، وجرستني الدهور، وعرفت نظائر الأمور، وحلبت الزمان أشطره، ورضعت أفاويقه، فأغرق سهمي نزعاً، ولم تعرف لي نبوة في شدة، ولا جهالة عند الحدة، ولقد ضربت أمور الباطل بذرب الحق حتى أقمت ميلها، وثقفتها بعد اعوجاجها. فقال ابن الزبير: لقد قرب غورك، وضاق صدرك، فانتفخ سحرك، والتوى عليك أمرك، فأما ما ذكرت من تعاطي ما أتعاطاه فإني امرؤ سما بي إلى ذلك مالا تصول بمثله: أنفي حمي، وحسبي زكي، وقلبي ذكي، وأمري سديد، ورأيي رشيد، ولقد قعد بك عن ذلك ضعف جنانك، وصغير همتك، وأما ذمك نسبي وحسبي فقد حضرني وإياك النظراء الأكفاء العلماء بي وبك وأنشد:
تعالوا فإن العلم عند ذوي النهي ... من الناس كالبلقاء بادٍ حجولها
ننافركم بالحق حتى تبينوا ... على أينا تلقي الفروع أصولها
فقال معاوية ومن حضر: أنصفك، فقال ابن الزبير: أما والله لأغصنك بريقك، ولألينن أخدعيك، ولأقيمن صعر خديك، ولأبينن للناس كهامة لسانك، يا معشر قريش أأنا في نفسي خير أم هو، قالوا: أنت: قال: فأبي خير أم أبوه،قالوا: اللهم أبوك حواري رسول الله، قال: أفامي خير أم أمه؟ قالوا أمك والله أسماء بنت الصديق، قال: أفجدتي خير أم جدته؟ قالوا: جدتك صفية عمة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال: فظفر به ابن الزبير فأنشد:
قضت الغطارف من قريش بيننا ... فاصبر على رغمٍ لفصل قضائها
وإذا جريت فلا تجار مهذباً ... بذ الجياد لدى احتفال جرائها
ثم قال: والله يا عمرو لو أن الذي أمرك بهذا إياي واجه، لقصرت من سامي طرفه، ولجرجرت الغيظ في صدره، فوالله ما استغاث بكهف ولا لجأ إلى وزر، يعني معاوية. فلما خرج ابن الزبير قال معاوية لعمرو: والله لقد علاك بخصومته. وفلج عليك بحجته، وما زدت على أن فضحتنا ونفسك، فقال: يا أمير المؤمنين عجل علي بالمقالة، فقطعتم علي الشهادة، فقال معاوية: لله أبوك أفأردت أن نبهته لك؟! المدائني قال: قدم الزعل السلمي من الأزد على معاوية فقال: الحمد الله الذي لم يمتك حتى رأيتك، فقال: بك الوجبة، أتنعاني إلى نفسي لا أم لك؟! وابنه سفيان بن الزعل كان على شرطة عبد الملك بن المهلب، وعبد الملك يومئذ خليفة الحكم بن أيوب.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن اسماعيل بن عياش قال: قدمت رملة بنت معاوية على أبيها فقال: أطلقك عمرو؟ فقالت: لا، فقال: ليته فعل، وكانت هند بنت معاوية عند ابن عامر، فقال عبد الرحمن بن الحكم:
أيرجوا ابن هندٍ أن يموت ابن عامرٍ ... ورملة يوماً أن يطلقها عمرو
وحدثت عن عيسى بن يزيد الكناني قال: كان بين الوليد بن عقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص لحاء بين يدي معاوية، فقصبه عمرو، فقال له الوليد: اسكت يا عبد السلطان وأخا الشيطان، يا منزوع الحياء وطوع النساء، يا ألام أهل بيته وأذل عشيرته، لقد بلغ بك اللؤم الغاية القصوى المذلة لأهلها في الآخرة والأولى، فمنعت الحقوق ولزمت العقوق وما ريت أهل الفضل، فقال عمرو: إنك لتعلم أني مر المذاقة وأن ليس لك بي طاقة، وأني حية الوادي، وداهية الأعادي، لا أتبع الأفياء ولا أنتمي إلى غير الآباء، أحمي الذمار في المضمار، غير هيوبة للوعيد ولا فروقة رعديد، أطعم الطعام وأضرب الهام، أفبالبخل تعيرني وإياه حالفت وعليه جبلت؟! فقال معاوية: أقسمت لما سكتما، ثم أنشد:

(2/101)


وليد إذا ما كنت في القوم جالساً ... فهن وليكن منك الوقار على بال
ولا يأتين الدهر من فيك منطق ... بلا نظرٍ قد كان منك وإعمال
لرأيك فيه، خوف ما ليس راجعاً ... فما كل من تلقى ابن عم ولا خال
قال لي هشام بن عمار: نظرت في أحاديث معاوية عندكم فوجدت أكثرها مصنوعاً، وذكر هذا الحديث.
حدثني العمري عن الهيثم عن يعقوب بن داود عن يزيد بن بشر عن همام بن قبيصة وعن ابن عياش عن أبي الهيثم الرحبي قالا: كان عند عبد الله بن معاوية امرأة من بني مخزوم فأغارها، فشكت فعله إلى أخيها، فقال لمعاوية: إن عبد الله يسيء إلى أختي، ولولا مكانك لعدلته عن طريقته، فقال معاوية: أما والله إني لأقنى العرنين، أصمع الكعبين، أحذ القدمين، أعز قرشي في الجاهلية، ولم يزدني الإسلام إلا عزاً، فقال المخزومي: لم أرد هذا يا أمير المؤمنين، فدعا بعبد الله فقال: أحسن إلى امرأتك.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان معاوية معجباً بجارية له، فدخل عليه يزيد يوماً وهي جالسة على السرير، ومعاوية على الأرض، وفي يدها قضيب تلويه على رأسه، فقال يزيد: أو هذا أيضاً؟! وهم بها، فبادرت فدخلت بيتاً، فقال معاوية: ويحك شدي لزاز الباب دونه، وأراد يزيد دفع الباب فنهاه معاوية، ثم قال: من يعذرنا من هذا، يدخل علينا ويضرب جوارينا، ارجع يا بني فإن الجواري لعب، والرجل في بيته مع أهله بمنزلة الصبي، فاستحيا يزيد وخرج.
المدائني عن يعقوب بن عمر قال: ابن الزبير لمعاوية: والله لقد قاتلت علياً لحب عثمان فلم تجزني، فقال معاوية: قاتلت علياً مع أبيك فغلبكما بشماله، ووالله أن لولا بغضك علياً لجررت برجلٍ مع الضبع، فقال ابن الزبير: إنا قد أعطيناك عهداً سنفي لك به، ولكن سيعلم من بعدك، فقال معاوية: أما إني لا أخافك إلا على نفسك، وكأني بك قد تورطت في الحبالة فعلقتك الأنشوطة، فليتني عندك فاستشليتك منهما، ولبئس المولى أنت في تلك الساعة.
المدائني عن محمد بن علي بن الحكم قال: حضر ناجذ بن سمره وواثلة بن الأسقع الكناني باب معاوية فقال معاوية لآذنه، وهو أبو أيوب يزيد مولاه: ايذن لناجذ، فأذن له، فمنعه واثلة، وواثلة أحد بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وناجذ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فدخل الآذن فأعلم معاوية، فأمره أن يدخلهما معاً، فقال واثلة: يا أمير المؤمنين لم أذنت لهذا قبلي ولي صحبة برسول الله صلى الله عليه وسلم ولي السن عليه؟ قال معاوية: إني وجدت برد أسنانك بين ثديي، ووجدت كف هذا تدفع ذلك البرد، يعني يوم الفجار الذي كان بسبب البراض، وهو يوم نخلة، فقال: يا معاوية أبثأر الجاهلية تطالبني؟! أفلا آخذت الذي قال:
أغرك أن كانت لبطنك عكنة ... وأنك مكفي بمكة طاعم
فقال معاوية:
إذا جاءك البكري يحمل قصبه ... فقل قصب كلبٍ صاده وهو نائم
فقال واثلة:
فما منع العير الضروط ذماره ... ولا منعت مخزاة والدها هند
فقال معاوية: سوءة أجهلتنا وأجهلناك، وأسأنا إليك ولنا المقدرة عليك، ارفع إلينا حوائجك، فقضاها ووصله.
المدائني عن اسحاق بن أيوب قال: شهد أعرابي عند معاوية بشهادة فقال: كذبت، قال: الكاذب والله المتزمل في ثيابك، فقال معاوية: هذا جزاء من عجل.
حدثني هشام بن عمار قال: قال معاوية: خير الصنائع ما أبقى ذكراً حسناً، وخير الجود ما لم يعد سرفاً، وخير السلطان ما لم يورث صاحبه كبراً، ورب المعروف أفضل من ابتدائه.
المدائني عن مسلمة قال: قال معاوية يوماً: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد ابنه: أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين السماء والأرض لا يدعمه شيء من تحته ولا هو منوط بشيء من فوقه، وقال الضحاك بن قيس: أعجب الأشياء إكداء العاقل وحظ الجاهل، وقال سعيد بن العاص: أعجب الأشياء ما لم ير مثله، وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء غلبة من لا حق له ذا الحق على حقه، فقال معاوية: أعجب من ذلك إعطاء من لا حق له ما ليس له بحق من غير غلبة. وإنما عرض عمرو بمعاوية وعرض معاوية بعمرو في أمر مصر.

(2/102)


المدائني عن ابن المبارك عن هشام بن عوف أن مروان نازع ابن الزبير، فكان هوى معاوية مع مروان فقال ابن الزبير: يا أمير المؤمنين إن لك حقا وطاعة، ولنا بسطة وحرمة، فأطع الله نطعك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، ولا طاعة لك علينا إلا في حق الله، ولا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السخبر فإنه أقر صامت.
المدائني عن مسلمة بن محارب عن حرب بن خالد قال: كان عبد الرحمن بن أم الحكم ينازع يزيد بن معاوية كثيراً، فقال معاوية لأبي خداش بن عتبة بن أبي لهب: إن عبد الرحمن لا يزال يتعرض ليزيد، فتعرض له أنت حتى يسمع يزيد ما يجري بينكما، ولك عشرة آلاف درهم، فقال: عجلها، فحملت إليه، ثم التقيا عند معاوية فقال أبو خداش: يا أمير المؤمنين أعدني على عبد الرحمن فإنه قتل مولى لي بالكوفة، فقال عبد الرحمن: كذبت يا بن المتبوب التاب، فقال أبو خداش: يا بن تمدر، يا بن البريح يا بن أم قدح، فقال معاوية: حسبك رحمك الله، علي دية مولاك؛ فخرج أبو خداش ثم رجع فقال لمعاوية: أعطني عشرة آلاف درهم أخرى وإلا أعلمته أنك أمرتني بالكلام، فأعطاه عشرة آلاف درهم، ثم قال له: فسر ليزيد ما قلت لعبد الرحمن، قال: هن أمهات له حبشيات، وقد ذكرهن ابن الكلبية الثقفي فقال:
ثلاث قد ولدنك من حبوشٍ ... إذا تسمو جذبنك بالزمام
تمدر والبريح وأم قدحٍ ... ومحلوب يعد من آل حام
المدائني عن الأسود بن شيبان، حدثني أبو نوفل عن موسى بن عبيدة أن معاوية حج فدخل البيت الحرام وأرسل إلى عبد الله بن عمر، وبلغ ابن الزبير ذلك فجاء فحرك الباب، فقال معاوية: لا تفتحوا له، ثم جاء ابن عمر ففتح له ودخل، فقال معاوية: يا أبا عبد الرحمن أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث دخل البيت؟ فذكر السارية اليسرى، ثم دخل ابن الزبير بعد خروج ابن عمر فقال: يا معاوية أما هو إلا عبد الله بن عمر؟! قال: نعم يا بن الزبير، أما عرى الأمور التي هي عراها فلها قوم سواك، وفيما دون تلك أمور يستعان بك فيها، فقال ابن الزبير: والله يا معاوية لقد علمت أني أعلم من الذي سألت، ولكنك حسود فحسدتني، قال: يا أبا بكر لو شئت قلت أحسن من هذا القول.
المدائني عن اسحاق بن أيوب عن خالد بن عجلان قال: قال عبد الله بن الزبير لمعاوية: لقد أعظم الناس ولادة صفية إيانا حتى كأنه لم تلدنا حرة غيرها، فقال معاوية: هي والله أدنتك من الظل ولولا ذلك كنت ضاحياً، ويحك هل ولدك مثلها أو تجد مثلها إلا أختها أو عمتها، فقال ابن الزبير: والله يا معاوية إنها وبني أبيها مع قولك لرضفة بين جنبيك يوشك أن تطلع على قلبك، فقال معاوية: إن بيننا وبين ذلك زماناً وهم الرديف.
المدائني عن علي بن سحيم قال: خطب معاوية فقال: الحمد لله الذي أدالنا على عدونا ورد علينا زماننا، فقال رجل من أهل الشام: أما والله ما ذاك لكرامتك على الله يا معاوية، فقال عمرو بن العاص للشامي: ما أنت والكلام، وأنت من حثالة أهل الشام وسقاطهم وسفلتهم، فقال الشامي: يا عمرو ما عدوت صفتك، فقال معاوية:
إني أرى الحلم محموداً مغبته ... والجهل أردى من الأقوام أقواما
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي أن معاوية بعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلها، وأقسم على ابنه أن يأتي معاوية فيضرب بها وجهه، فانطلق حتى دخل على معاوية، فملا رآه قال: ما جاء بك يا بن أخي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن لأبي طيرة وفيه حدة، وقد قال لي كيت وكيت، وعزمه الشيخ على ما قد علمت، فوضع معاوية يده على وجهه وقال: افعل ما أمرك به أبوك وارفق بعمك، فرمى الدنانير، وأمر معاوية للأنصاري بألف دينار، وبلغ الخبر يزيد فدخل على معاوية مغضباً وقال: لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعد ذلك منك ضعفاً وجبناً، فقال: أي بني إنه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمة، فامض لشأنك.
وحدثني هشام بن عمار عن الوليد قال: بلغنا أن يزيد بن معاوية ضرب غلاماً له، فقال له معاوية: يا بني كيف طوعت لك نفسك ضرب من لا يستطيع امتناعاً منك؟!

(2/103)


المدائني عن أبي زكريا العجلاني قال: دخل عبد الله بن العجلان أخو يعمر بن العجلان الزرقي على معاوية فشكا عمراً فقال: يا أمير المؤمنين إن ابن العاص بمصر ينبعق منه كلام لهو أشد من وخز الأشافي، لا يرعوي عن إساءة، ولا يرجو الله في عاقبة، فقال معاوية: يا أبا سعيد إن عمراً رجل حديد، فاحمل له قوله فإنه يفيء إلى خير، فقال: اكففه يا أمير المؤمنين فإنه راعٍ ونحن رعية، وربما ساق السيء الرعي الثلة إلى مجزرها، قال معاوية: أجل ثم تفلت، قال عبد الله: ذاك إذا كنت أنت الجازر، فأما اذا كان الجازر من قد كدحته السنة الحمراء فمن أنيابه تفلت؟ فقال معاوية: أويخالف أمري وتهمط رعيتي؟ إني إذاً لغافل مضيع، ألي تقول هذا يا عبد الله؟! ثم تمثل:
ألم تك قد جربتني قبل هذه ... وعضك مني حد نابٍ ومخلب
قال: فحلماً يا أمير المؤمنين وصفحاً، فضحك ثم قال: ذاك لك، وتقدم إلى عمرو في أمره.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن الكلبي عن عوانة عن أبيه قال: قال سعد بن أبي وقاص لمعاوية في كلام جرى: قاتلت علياً وقد علمت أنه أحق بالأمر منك، فقال معاوية: ولم ذاك؟ قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، ولفضله في نفسه وسابقته، قال: فما كنت قط أصغر في عيني منك الآن، قال سعد: ولم؟ قال: لتركك نصرته وقعودك عنه وقد علمت هذا من أمره.
المدائني عن عبد الله بن سلام قال: كتب معاوية إلى مروان والله لفلان أهون علي من ذرة، أو كلب من الحرة ثم قال للكاتب: امح الحرة واكتب من كلب من الكلاب.
المدائني عن عامر بن الأسود قال، قال عمرو بن العاص لمعاوية: رأيتك في منامي وقد ألجمك العرق وأنت تحاسب، فقال معاوية: فما رأيت ثم دنانير مصر؟ المدائني عن جعفر بن سليمان الضبعي عن مالك بن دينار قال: قال عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب لمعاوية، ولني، فقال: لام ألف.
المدائني عن ابن الزناد عن أبيه قال: لما بايع معاوية ليزيد قال رجل: أعوذ بالله من شر معاوية، فقال معاوية: تعوذ بالله من شر نفسك فشرها أضر عليك، وبايع رحمك الله فإن الله جعل في الكثرة خيراً كثيراً.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: مرض معاوية فأرجف به مصقلة بن هبيرة الشيباني وساعده قوم على ذلك، ثم تماثل معاوية وهم يرجفون به، فحمل زياد مصقلة إلى معاوية وكتب إليه: إن مصقلة كان يجمع مراقاً من مراق أهل العراق فيرجفون بأمير المؤمنين، وقد حملته إليك يا أمير المؤمنين لترى فيه رأيك، ويرى عافية الله بأمير المؤمنين، فلما قدم بمصقلة جلس معاوية للناس، فلما دخل مصقلة عليه قال له معاوية: ادن فدنا، فأخذ معاوية بيده فجذبه فسقط مصقلة، فقال معاوية للناس:
أبقى الحوادث من خلي ... لك مثل جندلة المراجم
قد رامني الأقوام قب ... لك فامتنعت من المظالم
فقال مصقلة: قد أبقى الله منك يا أمير المؤمنين ما هو أعظم من ذلك: حلماً يزينك، وكلأً ومرعى لأوليائك، وسماً ناقعاً لأعدائك، فمن يرومك وكان أبوك سيد أهل الجاهلية، وأنت في الإسلام أمير المؤمنين، فقال له: قم، وأمر بصلته وأذن له، فانصرف إلى الكوفة فقيل له: كيف تركت معاوية؟ فقال: زعمتم أنه لما به، والله لغمز يدي غمزة فكاد يحطمها، وجبذني جبذة فكاد يكسر مني عظماً.
المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري عن زياد بن حدير أن معاوية قال لرجل: هل تذكر أبا سفيان؟ فقال: نعم أذكره وقد تزوج هنداً، فأطعمنا في أول يوم لحم جزور وسقانا خمراً، وفي اليوم الثاني لحم غنم وسقانا نبيذ زبيب، وفي اليوم الثالث لحم طير وسقانا نبيذ عسل، وإن كانت لذات أزواج، فقال معاوية: كرامٍ.
المدائني عن عبد الحميد الأشج عن خالد بن سعيد قال: خرج عبد الملك ومعه نافع بن جبير بن مطعم، فوقف على راهب، فذكر الراهب معاوية فأطراه، فقال عبد الملك لنافع: لشد ما أطرى هذا الراهب ابن هند، فقال نافع: إن معاوية كان لذلك أهلاً، أصمته الحلم وأنطقه العلم، بجأش ربيط، وكف ندية.
المدائني قال: دخل معاوية المدينة فتلقاه بعض سودانها فقال: والله لكأن وجهك وجه هند، قال: وأين رأيتها؟ قال: في مأتم سودة بنت زمعة، فقال معاوية: إن كانت لكريمة المحيا والممات.

(2/104)


قال ابن دأب: خرج نابغة بني جعدة إلى صفين مع علي، فساق به يوماً فقال:
قد علم المصران والعراق ... أن علياً فحلها العتاق
أبيض جحجاح له رواق ... إن الألى جاروك لا أفاقوا
لكم سياق ولهم سياق
فلما قدم معاوية الكوفة قام النابغة بين يديه فقال:
ألم تأت أهل المشرقين رسالتي ... وإني نصيح لا يبيت على عتب
هلكتم وكان الشر آخر عهدكم ... لئن لم تدراككم حلوم بني حرب
وكان مروان قد أخذ أهل النابغة وماله، فدخل على معاوية فأنشده:
من راكب يأتي ابن هندٍ بحاجتي ... ومروان والأنباء تنمي وتجلب
فإن تأخذوا أهلي ومالي بظنةٍ ... فإني إذا ما ريم ظلمي أغضب
فقال معاوية لمروان: ما تقول؟ قال: لا نرد عليه، فقال معاوية: وما أهون عليك أن ينجحر هذا في غارٍ فيقطع عرضي بشعر تروبه العرب، فرد عليه ماله وأهله.
المدائني عن أبي عبد الرحمن بن إسماعيل بن هشام قال: قال ابن الزبير: الله در معاوية إن كان ليتخادع لنا وإنه ؟ لأدهى العرب، مع حلم لا ينادي وليده وإن كان ليتضاعف لنا وهو أنجد العرب، فكان كما قالت النادبة:
ألا يا عين فابكيه ... ألا كل النهى فيه
ولوددت أنه بقي لنا ما بقي أبو قبيس.
المدائني قال: قال عبد الله بن فائد: كانوا يذكرون عبد الملك ومعاوية فيقولون: معاوية أحلم وعبد الملك أحزم.
المدائني عن عوانة عن أبيه أن ابن عباس قال: لله در ابن هند ولينا عشرين سنة فما آذانا على ظهر منبر ولا بساطٍ، صيانةً منه لعرضه وأعراضنا، ولقد كان يحسن صلتنا ويقضي حوائجنا.
المدائني عن اسحاق بن ايوب ومسلمة بن محارب قالا: قدم رجل ممن كان في الصائفة على معاوية، فسأله معاوية عن الناس وحالهم، فبينا هو يحدثه إذ حبق الرجل فحصر وسكت، فقال معاوية: خذ أيها الرجل في حديثك فما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال زياد: لم يغلبني معاوية بالسياسة إلا في رجل من بني تميم استعملته فكسر الخراج ولحق به فآمنه، فكتبت اليه: إن في هذا مفسدةً للعمال وحملاً على سوء الأدب، فأبعث به إلي، فكتب إلي معاوية: إنه لا يصلح أن أسوس وتسوس الناس سياسةً واحدة، إنا إن نشتد جميعاً نهلك الناس ونحرجهم، وإن نلن جميعا نبطرهم، ولكن تلين وأشتد وتشتد وألين، فإذا خاف أحدهم وجد باباً فدخله.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا مجالد عن الشعبي عن زياد قال: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية إلا بواحدة، استعملت فلاناً فكسر الخراج وهرب إلى معاوية، فكتبت اليه: إن هذا أدب سوء لمن قبلي، فكتب إلي: إنه لا ينبغي لي ولك أن نسوس الناس سياسة واحدة، فنلين جميعاً نمرج الناس في العصبية، وأن لا نشتد جميعاً فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون أنت للغلظة والشدة، وأكون أنا للين والرأفة، أو قال: للرحمة.
المدائني عن اسحاق بن أيوب عن خليد بن عجلان قال: دخل سعد بن أبي وقاص على معاوية فقال له: يا معاوية أراك معجباً بما أنت فيه، والله ما أحب أني نلت ما أنت فيه وأني هرقت محجمةً من دم، قال: ولكنني وابن عمك قد هرقنا محجمة ومحجمة ومحاجم.
حدثني العمري عن لقيط المحاربي عن أشياخ من الزهريين قالوا: لما دخل سعد بن أبي وقاص الشام في ولاية معاوية، بعث معاوية قوماً ينعون عثمان ويلعنون قتلته ومن خذله وقعد عن نصرته، فقال سعد: هذا عمل الفاسق معاوية، فأتاه فدخل عليه فقال: يا معاوية قد سمعت قول هؤلاء الذين دسستهم، أفمن نهى عثمان عما فعله ثم كف عنه واعتزله خير أم من أمر عثمان بما فعله ثم خذله وخذل عنه؟ فقال معاوية: ما أراك أبا اسحاق رحمك الله إلا محتاجاً إلى عطائك، فقد حرمته مذ ولينا، فأمر له بذلك.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: ولي معاوية فلم يزل أمره مستقيماً، ولم تزل الأموال عليه دارة، فاستمال القلوب بالبذل والإعطاء، وكان يقول: البذل يقوم مقام العدل.

(2/105)


المدائني عن أزهر عن ابن عون عن مولى لأبي أيوب الأنصاري أن أبا أيوب قدم على معاوية فجلس معه على سريره، فقال له: يا أبا أيوب من قتل صاحب الفرس الأشقر الذي كان يجول؟ قال: أنا قتلته يوم كنت أنت وأبوك على الجمل الأحمر تحملان لواء المشركين.
المدائني عن إبراهيم بن محمد قال: قال معاوية: لو كانت بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف يا أمير المؤمنين؟ قال: إن جبذوها أرسلتها، وإن خلوها جبذتها.
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قد علمت بما كان معاوية يغلب الناس، كان إذا طاروا وقع وإذا وقعوا طار، وإذا قعدوا قام وإذا قاموا قعد.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة عن أبيه قال: أغزى معاوية الناس في سنة خمسين وعليهم سفيان بن عوف، وأمر يزيد بالغزو فتثاقل واعتل فأمسك عنه، وأصاب الناس في غزاتهم جوع وأمراض، فأنشأ يزيد يقول:
ما إن أبالي بما لاقت جموعهم ... بالقرقذونة من جوع ومن موم
إذا أتكأت على الأنماط في غرفٍ ... بدير مران عندي أم كلثوم
وأم كلثوم امرأته، وهي بنت عبد الله بن عامر بن كريز، فبلغ معاوية شعره، فأقسم عليه ليلحقن بسفيان في أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس ولو مات، فلحق به فرس أنطاكية وبعلبك وجماعةٍ أنهضهم معه، فبلغ بالناس الخليج، وضرب بسيفه باب الذهب وهزم الروم، وخرج وسفيان بالناس.
حدثني العمري عن الهيثم قال: ولى معاوية روح بن زنباع بعلبك فرحم امرأة ورجلاً، فقال الشاعر:
إن الجذامي روحاً في إقامته ... حد الإله لمعذور وإن عجلا
لو كان رفه عن حسناء ناعمةٍ ... وعن أخي غزلٍ لم يحسن الغزلا
فبلغ الشعر معاوية فكتب إلى روح: لا تعجلن بإقامة حد حتى تثبت في أمره، فتكون إقامتك إياه بإقرار ظاهرٍ، أو بأربعة شهداء مستورين.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن يعقوب بن داود قال: خطب معاوية فقال: إن عمر ولاني ما ولاني من الشام ثم عثمان بعده، فوالله ما غششت ولا استأثرت، ثم ولاني الله الأمر فأحسنت وأسأت، فقام اليه رجل فقال: يا معاوية بل استأثرت وأسأت ولم تحسن ولم تنصف، فقال له معاوية أجلس فما أنت والكلام؟! والله لكأني أنظر إلى بيتك بفخ تهفو الريح بجوانبه، بفنائه تيس وبهمة وأعنز، درهن نزر يحلبن في مثل محارةٍ ألقاها الموج، فقال: يا معاوية رأيت ذلك في شر زمان، وكان تحت ما رأيت حسب كريم غير دنس، فهل رأيتني قتلت مسلماً وانتهكت محرماً؟ قال: وأين أنت حتى أراك وأنت لا تبرز إلا في خمار، وأي مسلم تقوى عليه حتى تقتله، اجلس لا جلست، قال: لا أجلس ولكني سأذهب عنك إلى أبعد أرض وأسحقها، وقام الرجل فولى، فقال معاوية: ردوه، فردوه فقال: أستغفر الله، أما لقد رأيتك أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فرد عليك، وأهديت إليه فقبل منك، وأسلمت فحسن إسلامك، ولق غلظ عليك منا القول، فأذكر حاجتك فإني أعطيك حتى ترضى.
المدائني عن عبد الله بن سلم قال: خطب معاوية الناس فذكر تولية عمر أياه ثم قال: فوالله ما خنت ولا كذبت، ثم وليت هذا الأمر فتقدمت وتأخرت، وأصبت وأخطأت، وأحسنت وأسأت، فقام اليه رجل من كنانة يقال له سلمة فرد قوله، فقال له: وما أنت وذاك؟! كأني أنظر إلى حفش بيتك مربوطاً بطنب منه تيس، وبطنب بهمة، والريح تخفق به كأنه جناح نسر، ولك أعنز تحتلب في مثل قواره حافر عيرٍ، قال: رأيت ذلك في زمن علينا لا لنا، أما والله إن حشوه لحسب غير دنس؛ ثم ذكر باقي الحديث.
المدائني عن عبد الرحمن الأنصاري قال: قدم قوم من قريش على معاوية وفيهم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي وعبد الله بن الزبير، فوصلهم وفضل عبد الله بن جعفر عليهم، أعطاه ألف ألف درهم، فقال عبد الله بن صفوان: يا معاوية إنما صغرت أمورنا عندك لأنا لم نقاتلك كما قاتلك غيرنا، ولو كنا فعلنا كنا كابن جعفر، فقال معاوية: إني أعطيكم فتكونون إما رجلاً معداً بما أعطيه لحربي، وإما مضماً له مع بخل به، وإن عبد الله يعطي أكثر مما يأخذ، ثم لا يلبث أن يلزمه من الدين بتوسعه أكثر مما نعطيه، فخرج ابن صفوان وهو يقول: إن معاوية ليحرمنا حتى نيأس ويعطينا حتى نطمع.

(2/106)


المدائني عن مسلمة قال: أراد المغيرة أن يبلو ما عند معاوية، فكتب إليه يسأله أن يأذن له في إتيان الحجاز أو المصير اليه، فكتب إليه معاوية: إن شئت فأت الحجاز وإن شئت فصر الينا، فإنك كما قال الأول:
اختر لنفسك ما بدا لك راشداً ... ودع الخداع فقد كفاك الأول
فكتب إليه المغيرة:
إن الذي يرجو سقاطك والذي ... سمك السماء مكانها لمضلل
أجعلت ما ألقي إليك خديعةً ... حاشا الإله وترك ظنك أجمل
المدائني عن علي بن سليم قال: قال عمرو بن العاص في مجلس معاوية: احمدوا الله يا معشر قريش الذي جعل والي أمركم معاوية، من يغضي على القذى، ويتصام عن العوراء، ويجر ذيله على الخذائع، فقال عبد الله بن صفوان: لو لم يكن كذلك لمشينا إليه الضراء ودببنا له الخمر، وقلبنا له ظهر المجن، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا يعطيك مال مصر، فقال معاوية: يا معشر قريش حتى متى لا تنصفون من أنفسكم؟ فقال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: يا أمير المؤمنين إن عمراً وذويه أفسدوك علينا وأفسدونا عليك، لو أغضيت عن هذه، فقال معاوية: إن عمراً لي ناصح، فقال عبد الرحمن: فأطعمنا مصر كما أطعمته ثم خذنا بمثل نصيحته، إنا رأيناك تضرب عوام قريش بأياديك في خواصها، كأنك ترى أن كرامها جازوك عن لئامها، ولعمر الله إنك لتفرغ من وعاءٍ ضخم في إناءٍ فعم، وكأنك بالحرب قد حل عليك عقالها ثم لا ينظر إليك، فقال معاوية: يا بن أخي ما أحوج أهلك إليك؛ ثم قال معاوية
أغر رجالاً من قريشٍ تتايعوا ... على سفهٍ مني الحيا والتكرم
المدائني عن مسلمة قال: قال قوم من قريش: ما نظن معاوية أغضبه شيء قط، فقال بعضهم: بلى إذا ذكر من أمه غضب، فقال مالك بن أسماء المنى القرشي - وهي أمه، وإنما قيل لها المنى لجمالها - : والله لأغضبنه إن جعلتم لي جعلاً، فجعلوا له جعلاً رضي به، فأتى معاوية وقد حضر الموسم فقال له في جماعة: يا أمير المؤمنين ما أشبه عينيك بعيني أمك، قال: تانك عينان طال ما أعجبتا أبا سفيان، انظر يا بن أخي إلى ما أعطيت من الجعل فخذه، ولا تتخذنا متجراً، ثم دعا معاوية مولاه سعداً فقال له: أعدد لأسماء المنى دية ابنها فإني قد أقتلته فرجع مالك فأخذ جعله، فقال له رجل: لك ضعفا جعلك إن أتيت عمرو بن الزبير فقلت له كما قلت لمعاوية، وكان عمرو ذا نخوة وكبر، فأتاه فقال له: ما أشبهك بأمك يا عمرو، فأمر به فضرب حتى مات، فبعث معاوية بديته إلى أمه وقال:
ألا قل لأسماء المنى أم مالكٍ ... فإني لعمر الله أقتلت مالكا
المدائني عن ابن جعدبة قال: ذكروا عند معاوية قول حذيفة: إني لم أشرك في دم عثمان، فقال معاوية: بلى والله لقد شرك فيه، فقال عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث: الرجل كان أعلم بنفسه، فقال معاوية: وأنت قد شركت في دمه، قال: كلا والله، ولكني كنت أنهاه عما قيل فيه، وكنت تأمره به، فلما صعب الأمر عليه استغاث بك، فأبطأت عنه حتى قتل.
المدائني عن مسلمة قال: أوفد زياد عبيد الله بن كعب النميري إلى معاوية فقال معاوية: أخبرني عن زياد، قال: يستعمل على الجرأة والأمانة دون الهوى والمحاباة، ويعاقب فلا يعدو بالذنب قدره، ويسمر ويحب السمر ليستجم بحديث الليل تدبير النهار، قال: أحسن، إن التثقيل على القلب مضرة بالرأي، فكيف رأيه في حقوق الناس؟ قال: يأخذ ماله عفواً ويعطي ما عليه عفواً، قال: فكيف عطاياه؟ قال: يعطي حتى يقال جواد ويمنع حتى يقال بخيل، قال معاوية: إن العدل ضيق وفي البذل عوض من العدل، فكيف الشفاعة عنده؟ قال: ليس فيها بمطمع، ما أراد من خير جعله لك أو له.
المدائني قال: قال رجل من قريش لمعاوية: يا معاوية لا تباعدن منا ما قرب الله، ولا تصغرن ما عظم، ولا تقطعن منا ما أمر الله به أن يوصل، فقال معاوية: يرحمك الله، والله ما صغرت منكم شيئاً إلا بما أنزلتموه بأنفسكم، وما باعدت منكم إلا ما تباعدتم به مني، ولا قطعت إلا ما بدأتم بقطعه، هذا مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، وعمرو بن العاص شرفتهم بالمنابر، ووليتهم معالي الأمور، ثم لا تزال تأتيني منهم هنة كراغية البكر.

(2/107)


المدائني عن علي بن سليم قال: قال ابن الزبير: يا معاوية إذا استعتبناك من أمر فأعتبناه منه، ولا تحملنا على ما نكره، فإنك إن لم تحتمل رجال قريش عابوك وخذلوك وقاتلوك، وإذا هممت لنا بخير فهنئناه قبل المسألة، فإنك إذا ألجأتنا إلى المسألة أخذت ثمن عطيتك، فقال معاوية: والله ما استعتبموني من أمر قط إلا وجدتموني قد استعتبتكم من أعظم منه، وأما إعطائي إياكم قبل المسألة فمن سألنا أعطيناه ومن استغنى عنا وكلناه إلى غناه، وأحبكم إلينا السائل، فاعترفوا بذنوبكم، فقال عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه: ما لنا إليك ذنب فتعتذر منه، وإن خيرك علينا لقليل فقال معاوية متمثلاً:
إذا العفو لم ينفع ولم يشكر امرؤ ... وجاشت صدور منكم حشوها الغمر
فكيف أداوي داءكم ودواؤكم ... يكون لكم داء فقد عسر الأمر
المدائني عن جويرية بن أسماء قال: ذكر معاوية يوماً الوليد بن عقبة فتنقصه أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه وقال: إنه يرى أنه أحق بما أنت فيه منك لمكانه من عثمان، أخيه لأمه، فلم يجبه معاوية رضي الله تعالى عنه، وبلغ الوليد فدخل عليه فقال: يا معاوية إذا دبت الرجال إليك فينا بالباطل فلا تقبل منهم مالا تعرفنا به، وخذ منا عفو طاعتنا، ولا تجشمنا ما لا نريد، فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: إني لا أقبل فيكم إلا ما أعرفكم به، وكل ذنب عنكم موضوع ما خلا القدح في هذا الملك.
وحدثني أبو مسعود عن عوانة قال: دخل عدي بن حاتم الطائي على معاوية فقال له ابن الزبير: يا أبا طريف متى ذهبت عينك؟ قال: يوم فر أبوك وقتل خالك - يعني طلحة لأنه من بني تيم - وضربت على قفاك، وأنا مع الحق وأنت مع الباطل فقال معاوية: ما بقي من حبك لعلي؟ قال: هو على ما كان وكلما ذكر زاد، فقال معاوية: يا أبا طريف ما نريد بذكرك له إلا خلافه، قال: إن القلوب إذا بيدك يا معاوية، فقال معاوية: إن طيئاً كانوا لا يحجون البيت ولا يعظمون حرمته، فقال عدي: كنا كما قلت إذ كان البيت لا ينفع حجة ولا يضر تركه، فأما إذ نفع وضر تركه فإنا نغلب الناس عليه، وكانت طيء وخثعم لا يحجون فكانوا يدعون الأفجران.
المدائني عن عبد الله بن عبد الرحمن الهمداني قال: دخل أبو الطفيل عامر بن واثلة على معاوية فقال له معاوية: يا أبا الطفيل أنت من قتلة عثمان؟ قال: لا ولكني ممن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: منعني أن المهاجرين والأنصار لم ينصروه، ولا رأيت أحداً نصره، قال: أو ما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل وقال: يا معاوية أنت وعثمان كما قال الشاعر:
لا ألفينك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي
فقال معاوية: يا أبا الطفيل فما بقي من وجدك بعلي؟ قال: وجد العجوز المقلاة والشيخ الرقوب، قال: فكيف كان حبك له؟ قال: حب أم موسى لموسى، وأشكو إلى الله التقصير.
المدائني عن عامر بن حفص أن الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة والجون بن قتادة العبشمي والحتات بن يزيد المجاشعي وفدوا على معاوية، فوصلهم وفضل الأحنف وجارية، أعطاهما مائة ألف، وكان الأحنف بن قيس وجارية علويين وكان الحتات مع عائشة يوم الجمل: فقال: يا أمير المؤمنين فضلت من كان عليك على من كان لك، قال: إني اشتريت دينهم، قال: ومني فاشتر ديني، فألحقه بهما، فعرضت له علة مات منها قبل قبضه صلته، فحبس معاوية المال، فقال الفرزدق:
أبوك وعمي يا معاوي أورثا ... تراثا فيحتاز التراث أقاربه
فما بال ميراث الحتات حبسته ... وميراث حربٍ جامد لك ذائبه
ولو كان إذ كنا وللكف بسطة ... لصمم عضب فيك ماضٍ ضرائبه
فلو كان هذا الأمر في جاهليةٍ ... علمت من المولى القليل حلائبه
ولو كان في دينٍ سوى ذا عرفتم ... لنا حقنا أو غص بالماء شاربه
وكم من أبٍ لي يا معاوي لم يزل ... أغر يباري الريح مذ طر شاربه
نمته فروع المالكين ولم يكن ... أبوك الذي من عبد شمسٍ يخاطبه
تراه كنصل السيف يهتز للندى ... جواداً منيع الجار جزلاً مواهبه

(2/108)


فأنشد معاوية الشعر، فلما بلغ إلى قوله: ولم يكن أبوك الذي من عبد شمسٍ يخاطبه قال: صدق والله، ما كان قدره أن يخاطبه أبي.
وزعموا أن الفرزدق كان باع جملاً وصر ثمنه، فعيره رجل بصره وقال: لو كنت كريماً ما صررت هذا الصر، فرمى بالدراهم ونثرها حتى انتهبها الناس، وبلغ ذلك زياداً فقال: هذا أحمق يضري الناس بالنهب، فطلبه فلم يوجد وبلغه هذا الشعر فقال: من صاحبه؟ فقيل: الذي نثر الدراهم، فجد في طلبه، فكان يهرب من البصرة إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى البصرة، وذلك أن زياداً كان يأتي هذه مرة وهذه مرة.
وكان المنصور أمير المؤمنين إذا ذكر شعر الفرزدق في معاوية قال: قبح الله معاوية ورأيه، ما كان هذا لحلمٍ وما كان إلا ضعفاً.
المدائني قال: قال ابن أم الحكم ليزيد بن معاوية: خالي من قريش وخالك من كلب، فشكاه يزيد إلى معاوية، فقال معاوية: قل له فجئني بأبٍ مثل خالك.
ولما مات سعيد بن العاص قال معاوية لعمرو بن سعيد: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أوصى إلي ولم يوصى بي، فقال: إنه الأشدق.
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة وذكره المدائني عن جويرية أن عمرو بن العاص قال لعبد الله بن عباس: يا بني هاشم، أما والله لقد تقلدتم من دم عثمان كفرم الإماء العوارك، وأطعتم فساق أهل العراق في عيبه، واجزرتموه مراق أهل مصر، وآويتم قتلته، وإنما نظر الناس إلى قريش، ونظرت قريش إلى بني عبد مناف، ونظر بنو عبد مناف إلى بني هاشم، فقال ابن عباس لمعاوية: ما تكلم عمرو إلا عن رأيك، وإن أحق الناس أن لا يتكلم في قتل عثمان لأنتما، أما أنت يا معاوية فزينت له ما صنع، حتى إذا حصر طلب نصرك، فأبطأت وتثاقلت وأحببت قتله، وتربصت لتنال ما نلت، وأما أنت يا عمرو فأضرمت المدينة عليه ناراً، ثم هربت إلى فلسطين، فأقبلت تحرض عليه الوارد والصادر، فلما بلغك قتله دعتك عداوة علي إلى أن لحقت بمعاوية، فبعث دينك منه بمصر، فقال معاوية: حسبك يرحمك الله، عرضني لك ونفسه فلا جزي خيراً.
المدائني عن عبد الله بن المبارك قال: أراد عمرو بن العاص معاوية على أن يكتب له مصر طعمة ويبايعه، فقال معاوية: إني لا أحب أن يقول الناس إنك إنما بايعتني على تأمير لك وشكم، فقال له مروان: أبا عبد الله إن هذا ليس بيوم مسألة، وقد تدانت الأمور بك فلا تدبرن بعد إقبالها، فقال عمرو: يا مروان قدمت على معاوية وأمره زلق دحض منفرج انفراج القتب، فما برحت أبرمه قوة بعد قوة حتى تركته على مثل دائرة الفلكة، ولعمر الله إن تركته والشبه المشكلات لتهنن قواه حتى يدبر عنه ما قد تدانى منه، فقال مروان: إن يكن الله قد سهل بك أمراً، فمثلك سهل الله به الوعر وأعان به على حسن العاقبة، فقاربه فإنه مؤاتيك، ثم قال لمعاوية: أيها الرجل إن الأمور قد لزم بعضها بعضاً، فاكمش أمرك، واكتب له بما أراد، فليس مثل عمرو يبخل عليه بالجزيل يطلبه، فكتب له؛ وقال معاوية للكاتب: اكتب لا ينقض شرط طاعةً، فقال عمرو: لا ولكن اكتب ولا تنقض طاعة شرطاً.
فلما قتل محمد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما بمصر، غلب عمرو عليها، واستقامت الأمور لمعاوية، فلم يحمل عمرو إليه منها شيئاً، فكان أهل معاوية يسألونه أن يكتب إلى عمرو في هدايا مصر فيقول: عمرو جموح طموح منوع، فاعفوني من الكتاب إليه واكتبوا انتم، فكانوا يكتبون إليه فلا يبعث إليهم بشيء، فقالوا لمعاوية: اعزله، فقال: أما عزله فلا، ولكني أروعه بالقدوم فإنه شبيه بالعزل له، فكتب إليه فقدم، فقال معاوية: يا عمرو بلغني أنك تقوم على منبر مصر فتذكر بلاءك بصفين، فإن كان ذلك لله فأجرك عليه، وإن كان للدنيا فقد أعظمنا مكافأتك، فهل علمت أنك قد نقضت شرطك لردك كتبي؟ قال: ما رددت لك كتاباً أعلم أنه منك، ولكنه كانت تأتيني كتب على لسانك؛ فأما قيامي على المنبر فلم أرد به مناً عليك، وأما قولك إني أعظمت مكافأتك بمصر فعليها بايعتك، قال: انصرف إلى رحلك، فانصرف ثم عاد إليه من الغد، فقال: يا أمير المؤمنين لم أزل أقدح في غارب خير بمصر حتى رجعت إليك، وقد رأيت أن أحضرك ما قدمت به لترى فيه رأيك، فقال معاوية: أمسك عليك مالك، واعلم أنك اذا دعيت إلى مأدبة قوم أو قال مائدة قوم فقد عدك أهلها ممن يأكل، فإن شئت فكل وإن شئت فجع، وما أعطيتك مصر إلا لأنفعك، فارجع إلى عملك.

(2/109)


المدائني عن أبي زكرياء العجلاني عن عكرمة بن خالد قال: قدم معاوية المدينة يريد الحج، فلقيه الحسين عليه السلام فقال له: يا معاوية قد بلغني ذكرك وذكر ابن النابغة بني هاشم بالعيوب، فارجع إلى نفسك وسلط الحق عليها، فإنك تجد أعظم عيوبها أصغر عيب فيك، لقد تناولتنا بالعداوة وأطعت فينا عمراً، فوالله ما قدم إيمانه ولا حدث نفاقه، والله ما ينظر لك ولا يبقي عليك، فانظر لنفسك أو دع.
المدائني عن غسان بن عبد الحميد عن أبيه أن معاوية قال لشداد بن أوس: قم فاذكر علياً وتنقصه، فقام شداد فقال: الحمد الله الذي افترض طاعته، وجعل في التقوى رضاه، على ذلك مضى أول الأمة، وعليه يمضي آخرهم؛ أيها الناس إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، وإن الدنيا أجل حاضر، يأكل فيها البر والفاجر، وإن السامع المطيع لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة له، وإن الله إذا أراد بالناس صلاحاً عمل عليهم صلحاؤهم، وقضى بينهم فقاؤههم، وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بالعباد شراً عمل عليهم سفهاؤهم، وقضى بينهم جهلاؤهم، وجعل المال عند بخلائهم، وإن من صلاح الولاة أن تصلح قرابينها ووزراؤها، نصحك يا معاوية من أسخطك بالحق، وغشك من أرضاك بالباطل؛ فكره معاوية أن يجيء بشيء يكرهه فقال: اجلس رحمك الله، وأمر له بمال، فقال معاوية: ألست من السمحاء؟ قال: إن كان من مالك دون مال المسلمين مما تعهدته عند جمعه مخافة تبعته، تعهده لك من محضك النصح وآثر الحق، وإن كنت أصبته اقترافاً وأنفقته إسرافاً فإن الله يقول إن (المبذرين كانوا إخوان الشياطين " .
وقال العتبي: دخل عبد الرحمن بن شيحان، وكان أبوه حليفاً لحربٍ، على سعيد بن العاص فقال له سعيد: قلت:
إني لأشربها حتى تميل بنا ... كما تمايل وسنان بوسنان
قال: معاذ الله أن أشرب الخمر وأصفها، ولكني الذي أقول:
عمدت بحلفي للطوال وللذرى ... ولم تلقني كالنسي في ملتقى الحرب
فقال عمرو بن سعيد لأبيه: ما يمنعك من ضربه مائة سوط؟ قال؛ أي بني أضربه وهو حليف معاوية؟! فقال معاوية لسعيد: أمرك أحمقك أن تضرب حليفي، والله لو ضربته مائة سوط لضربتك مائتين، ولو قطعت يده لقطعت يديك، قال: غفراً يا أمير المؤمنين، فإنك ضربت حليفك عمرو بن جبلة، قال: إني آكل لحمي ولا أوكله.
المدائني عن جويرية بن أسماء قال: قال معاوية لشداد بن أوس: أنا أفضل أم علي، وأينا أحب أليك؟ قال: علي أقدم إسلاماً وهجرة، وأكرم بيتاً وعتره، وأقدم لنبي الله نصرة، وأشد إلى الخير سبقاً، وأشجع نفساً وأسلم قلباً، وأما الحب فقد مضى علي رحمه الله، وأنت اليوم عند الناس أرجى منه.
المدائني قال: قال معاوية لرجل من اليهود: هل تروي من شعر أبيك شيئاً؟ قال: أي شعره أردت؟ قال: أبياتاً كانت قريش تستحسنها، فأنشده:
هل أضرب الكبش في ملمومة قدماً ... أم هل سمعت بشر كان لي نشرا
أم هل يلومنني قوم إذا نزلوا ... أم هل يقولن يوماً قائل بسرا
نقربهم الوجه ثم البشر يتبعه ... لا يمنع العرف منا قل أو كثرا
فقال معاوية: أنا أحق بهذا الشعر من أبيك، فقال اليهودي: لا لعمرو الله لأبي أحق بها إذا سبق إليها، فاستلقى معاوية ووضع ساعده على وجهه، فقال الوليد بن عقبة وعبد الرحمن بن أم الحكم، اسكت يا بن اليهودية، وشتماه، فقال: كفا عن شتمي وإلا شتمت صاحب السرير، فرفع معاوية رأسه ضاحكاً ثم قال: كفا عنه يكف عني، ثم قال لليهودي: إنكم أهل بيت تجيدون صنعة الهريسة في الجاهلية، فكيف صنعتكم لها اليوم؟ قال: نحن اليوم يا أمير المؤمنين لها أجود صنعةً، قال: فاغد بها علي، وأمر له بأربعة آلاف درهم. فخرج، فقال الوليد وعبد الرحمن: كذبك وتأمر له بجائزةٍ؟! قال:أنتما أجزتماه بما شتمتماه، فأردت أن أسل سخيمته؛ وغدا بالهريسة فأكلها معاوية.
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: أغزى معاوية الناس، فحمل اليمانية في البحر، وحمل مضر في البر، فقال رجل من صداء متهدداً لمعاوية:
يا أيها القوم الذين تجمعوا ... بعكا أناس أنتم أم أباعر
أتترك قيس ترتعي في بلادكم ... ونحن نسامي البحر والبحر زاخر

(2/110)


فوالله ما أدري وإني لسائل ... أكندة تحمي أصلنا أم يحابر
أم الغر من حيي قضاعة إنهم ... هم أصلنا لو تستمر المرائر
أما كان في همدان حامي حقيقةٍ ... ولا كان في عك ولا في الأشاعر
فبلغ معاوية الشعر فقال: حتى صداء تهددني! ويقال إن معاوية غرب قوماً من اليمانية فحملهم في البحر، فقال شاعرهم هذا الشعر، وكان يقال ليزيد بن يزيد بن حرب بن علة: صداء.
المدائني عن عوانة قال: قدم زياد على معاوية ومعه شريك بن تمام الحارثي، فقال معاوية: ما هذا الرجل يا أبا المغيرة؟ فقال شريك: لم أر لك هفوةً قبل هذه، قال: ما رأيت رحمك الله؟ قال: إنكارك مثلي من رعيتك، فقال معاوية: عسى أن تكون معرفتي إياك متفرقة، أعرف وجهك إذا حضرت في الوجوه الحاضرة، وأعرف اسمك إذا ذكرت في الأسماء الكافية، فلا أعلم أن هذا الوجه هو لذلك الاسم، فما اسمك تجتمع لي معرفتك؟ قال: أنا شريك بن تمام الحارثي، فقال معاوية: الآن عرفتك.
المدائني عن عوانة قال، قال معاوية ليزيد: يا بني احفظ عني ما أقول لك: أكرم أهل مكة والمدينة فإنهم أصلك ومنصبك، ومن أتاك منهم فأكرمه، ومن لم يأتك فابعث إليه بصلة، وانظر أهل العراق فإنهم أهل طعن على أمرائهم وملالةٍ لهم، فإن سألوك أن تبدل كل يوم أميراً فافعل، وانظر أهل الشام فليكونوا عيبتك وحصنك، فمن رابك أمره فارمه بهم، فإذا فرغوا فأقفلهم فإني لا آمن الناس على إفسادهم، وقد كفاك الله عبد الرحمن بن أبي بكر، فليس يخالف عليك غير الحسين وابن الزبير فأما ابن عمر فقد وقذه الإسلام وأما ابن الزبير فخب خدع، فإذا هو شخص لك فالبد له فإنه ينفسخ على المطاولة، وأما الحسين فلست أشك في وثوبه، ثم يكفيكه الله بمن قتل أباه وجرح أخاه؛ إن بني أبي طالب مدوا أعناقهم إلى غايةٍ أبت العرب أن تعطيهم أياها، وهم محدودون.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن عوانة قال: هجا عقيبة بن هبيرة الأسدي عمرو بن قيس الأسدي فقال:
لعمرك إن اللؤم خدن وصاحب ... لعمرو بن قيسٍ ما دعا الله راغب
تراه عظيماً ذا رواءٍ ومنظرٍ ... وأجبن من منزوفٍ أن صاح ناعب
شجاع على جيرانه وصديقه ... وأجرأ منه في اللقاء الثعالب
فشكاه إلى معاوية فقال معاوية: قد هجانا بأشد من هذا، فقال:
أرى ابن أبي سفيان يزجي جياده ... ليغزو علياً ضلةً وتحامقا
وبئس الفتى في الحرب يوماً إذا بدت ... برازيق حيلٍ يتبعن برازقا
فهلم ندعو الله عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما غير هذا؟ قال: لا، وإن شئت هجوته.
حدثنا بعض أصحابنا عن عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي قال: دخل الحسن بن علي على معاوية، فلما أخذ مجلسه قال معاوية: عجباً لعائشة تزعم أني في غير ما أنا أهله، وأن الذي أصبحت فيه ليس لي بحق، ما لها ولهذا يغفر الله لها، إنما كان ينازعني في هذا الأمر أبوك، وقد استأثر الله به، فقال الحسن: أو عجب هذا يا معاوية؟قال: أي والله إن هذا لعجب: قال: أفلا أنبئك بأعجب منه؟ قال: وما هو؟ قال: جلوسك في صدر المجلس، وأنا عند رجليك، فضحك معاوية ثم قال: يا بن أخي بلغني أن عليك دينا، قال: إن علي دينا، قال: وكم هو؟ قال: مائة ألف، قال: فقد أمرنا لك بثلاثمائة ألف، ثم قال: مائة ألف لقضاء دينك، ومائة ألف تقسمها في أهل بيتك، ومائة ألف لخاصة بدنك، فاقبض صلتك؛ فلما خرج الحسن قال يزيد: تالله ما رأيت رجلاً استقبلك بما أستقبلك به، ثم أمرت له بثلاثمائة ألف درهم، فقال: يا بني إن الحق حقهم، فمن أتاك منهم فاحث له واحتفل.
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة عن عبد الملك بن عمير قال: قال قبيصة بن ذؤيب الأسدي: ما رأيت أحداً قط أعلم بالله من عمر بن الخطاب، ولا رأيت أحداً أطول بلاءً في الله من علي بن أبي طالب، ولا رأيت أحداً قط أعطى من طلحة، ولا رأيت أحداً قط أحمل لأحدٍ من معاوية لمصقلة بن هبيرة، ولا رأيت أحداً قط أظهر جلداً وظرفاً من عمرو بن العاص، ولا رأيت أحداً أيسر لصديق في عداوة العامة من المغيرة بن شعبة، ولا رأيت أحداً قط أخصب رفيقاً ولا أقل أذى لجليسه من زياد.

(2/111)


المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: دخل صعصعة بن صوحان على معاوية أول ما دخل عليه، وقد كان يبلغه عنه ما يكره، فقال له معاوية: ممن الرجل؟ قال: من نزار، قال: وما نزار؟ قال: كان إذا غزا احتوش، وإذا انصرف انكمش، وإذا لقي افترش، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ربيعة، قال: وما ربيعة؟ قال: كان يغزو بالخيل، ويغير بالليل، ويجود بالنيل، قال: فمن أي ربيعة؟ قال: من ولد أسد، قال: وما أسد؟ قال: كان إذا طلب أفضى، وإذا أدرك أرضى، وإذا آب أنضى، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من جديلة، قال: وما جديله قال: كان يطيل النجاد ويعد الجياد ويجيد الجلاد، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ولد دعمي قال: وما دعمي قال: كان نوراً ساطعاً وشراً قاطعاً وخيراً نافعاً، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ولد أفصى، قال: وما أفصى؟ قال: كان ينزل القارات ويغير الغارات ويحمي الجارات، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من عبد القيس، قال: وما عبد القيس؟ قال: أبطال ذادة جحاجحة سادة صناديد قادة، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ولد أفصى، قال: وما أفصى؟ قال: كانت رماحهم مشرعة وقدورهم مترعة وجفانهم مشبعة، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ولد عمرو، قال: وما عمرو؟ قال: كانوا يستعملون السيف ويكرمون الضيف في الشتاء والصيف، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ولد لكيز، قال: وما لكيز؟ قال: كان يباشر القتال ويعانق الأبطال ويبذر الأموال، قال:فمن أي ولده أنت: قال: من ولد عجل، قال: وما عجل؟ قال: الليوث الضراغمة الملوك القمامة القروم القشاعمة، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ذهل بن عجلان، قال: وما ذهل؟ قال: كان يغشى الحرب ويجيد الضرب ويكشف الكرب، قال: يا بن صوحان ما تركت لهذا الحي من قريش شيئاً، قال: تركت لهم أكثره وأكبره، تركت لهم الوبر والمدر والأبيض والأصفر والصفا والمشعر، والسرير والمنبر، والملك إلى المحشر، قال: يا بن صوحان لقد كان يسؤني أن أراك خطيباً، قال: وأنا والله لقد كان يسؤني أن أراك أمير المؤمنين، فرده ووصله. قالوا: هو صعصعة بن صوحان بن حجر بن الحارث بن الهجرس بن صبرة بن حدرجان بن عساس بن ليث بن حداد بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
المدائني عن عتاب بن إبراهيم أن معاوية استعمل على الصائفة وقد جاشت الروم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكتب له عهداً ثم قال له: ما تصنع بعهدي هذا؟ قال: أتخذه إماماً فلا أتجاوزه، قال: رد علي عهدي، فقال: أتعزلني ولم تخبرني؟ أما والله لو كنا ببطن مكة على السواء ما فعلت بي هذا؛ فقال: لو كنا ببطن مكة كنت معاوية بن أبي سفيان بن حرب، وكنت عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان منزلي بالأبطح، وكان منزلك بأجيادٍ، أعلاه مدرة وأسفله عذرة. ثم بعث إلى سفيان بن عوف الغامدي فقال له: قد وليتك الصائفة وهذا عهدي، فما أنت صانع به؟ قال: أتخذه إماماً ما أم الحزم، فإذا خالفه أعملت رأيي، وبالله التوفيق. قال معاوية: أنت لها، فلما ودعه قال: هذا والله الذي لا يدفع عن نطق، ولا يكفكف من عجلةٍ، ولا يضرب على الأمور ضرب الجمل الثفال؛ فغزا بالناس الصائفة، ثم هلك فاستخلف عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري وقال له: احرص على أن ترجع بالناس سالمين، فغزا بهم فأصيبوا ورجع منهزماً، وقد كان الشاعر قال فيه:
أقم يا بن مسعودٍ قناة قويمةً ... كما كان سفيان بن عوفٍ يقيمها
وسم يا بن مسعودٍ مدائن قيصرٍ ... كما كان سفيان بن عوفٍ يسومها
فلما قدم على معاوية قال: أقم يا بن مسعود فقال: يا أمير المؤمنين، قرنتني إلى رجل قل أشباهه في حزمه، فقال معاوية: إن من فضلك عندي معرفتك بفضل من هو أفضل منك، ولكنك قلت هذه أول ولا ياتي ومحني فحرصت فغررت، والله يغفر لك.

(2/112)


المدائني عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كتب معاوية إلى عبد الله بن عباس: أما بعد فإنكم معشر بني هاشم لستم إلى أحدٍ بالمساءة أسرع منكم إلى أنصار عثمان، فإن يك ذلك لسلطان بني أمية فقد وليها بنو تيم وعدي فأظهرتم الطاعة، وقد وقع من الأمر ما ترى معما كان من وقعة البصرة التي لم يخف عليك ما كان فيها من عظيم المصائب، وذهاب طلحة والزبير، وأخذ هذه الحرب منا ومنكم، حتى استوينا فيها، وقد رجونا غير الذي كان، وخشينا دون الذي وقع، ولستم بلاقينا اليوم بأحد من حدكم أمس، ولا غداً بأحد من حدكم اليوم، وقد منعنا بما كان منا الشام، ومنعتم بما كان العراق، فاتقوا الله في قريش فإنما بقي من رجالها سبعة نفر: رجلان بالشام ورجلان بالعراق وثلاثة بالحجاز، فأما الذي بالحجاز فسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأما اللذان بالشام فأنا وعمرو، وأما اللذان بالعراق فعلي وأنت، ومن السبعة رجلان ناصبان، ورجلان مدبران، وثلاثة وقوف عنا وعنك، وأنت رأس هذا الجمع اليوم، ولو بلغ الناس لك ما بعد عثمان كان إليك أسرع منا إلى علي والسلام. فلما قرأ ابن عباس كتابه ضحك ثم قال: حتى متى يخطب إلي معاوية عقلي وأجمجم له عما في نفسي؟! ثم كتب.
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عبد الله بن عباس إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد، فقد أتاني كتابك، فأما ما ذكرت من سرعتنا إلى أنصار عثمان بسلطان بني أمية فقد أدركت حاجتك بعثمان، لقد استنصرك فلم تنصره حتى صرت إلى ما صرت إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك الوليد بن عقبة وما كتب به إليك، وأما طلحة والزبير فإنهما طلبا الملك ونكثا البيعة، فقاتلناهما على النكث، وقاتلناك على البغي، وأما قولك لم يبق من قريش غير سبعة نفر، فما أكثر رجالها وأحسن بقيتها بحمد الله ونعمته، وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، وأما إغراؤك ؟إياي بتيم وعدي فأبو بكر وعمر خير من عثمان، كما أن عثمان خير منك، وماذا تقيس به نفسك بأبي بكر وعمر، وأما قولك إنا لن نلقاكم بمثل ما لقيناكم به بالأمس، فقد بقي لك منا يوم ينسيك ما قبله، ويخيفك ما بعده، وأما قولك إنه لو بايعني الناس استقمت لي، فقد بايعوا عليا وهو خير مني فلم تستقم له، وإن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان في الشورى، ممن سماه عمر، فما أنت والخلافة يا معاوية، وأنت طليق الإسلام، وابن رأس الأحزاب، وبان آكلة الأكباد؟! فلما أتى معاوية كتابه قرأه على عمرو، فقال له عمرو: أنت عرضت نفسك لهذا، فقال: لست والله أعود لمثلها.

(2/113)


حدثني أبو مسعود عن علي بن صالح عن عيسى بن يزيد المدني قال: قالت فاختة بنت قرظة امرأة معاوية: يا أمير المؤمنين، لم تصانع الناس وترى أنهم منصفون منك، فلو أخذتم من علٍ كانوا الأذلين وكنت لهم قاهراً، فقال: ويحك إن في العرب بقية بعد، ولولا ذلك لجعلت عاليها سافلها، فقالت: والله ما بقي أحد إلا وأنت عليه قادر، قال: فهل لك في أن أريك بعض ذلك منهم؟ قالت: نعم، فأدخلها بيتاً وأسبل عليها ستره، ثم أمر حاجبه أن يدخل عليه رجلاً من أشراف من بالباب، فأدخل عليه رجلاً من قيس يقال له الحارث، فقال له معاوية: يا حويرث، إيه أنت الذي طعنت في الخلافة وتنقصت أهلها؟ والله لقد هممت أن أجعلك نكالاً، فقال: يا معاوية إنما دعوتني لهذا؟ والله إن ساعدي لشديد، وإن رمحي لمديد، وإن سيفي لحديد، وإن جوابي لعتيد، ولئن لم تأخذ ما أعطيت بشكر لتنزعن عما نكره بصغر، فقال: أخرجوه عني، فأخرج فقالت فاختة: ما أجرأ هذا وأقوى قلبه؟! فقال معاوية: ما ذاك إلا لإدلاله بطاعة قومه له، ثم أمر الحاجب فأدخل عليه رجلاً من ربيعة يقال له جارية، فقال له معاوية، إيه يا جويرية، أنت الذي بلغني عنك تخبيب للجند وقلة من الشكر؟ فقال: وعلام نشكر؟ ما تعطي إلا مداراةً ولا تحلم إلا مصانعةً، فاجهد جهدك، فإن ورائي من ربيعة ركناً شديداً لم تصدا أدرعهم مذ جلوها، ولا كلت سيوفهم مذ شحذوها، فقال: أخرجوه، ثم أمر معاوية حاجبه فأدخل إليه رجلاً من أهل اليمن يقال له عبد الله، فقال له: إيه يا عبيد السوء، ألحقتك بالأقوام وأطلقت لسانك بالكلام، ثم يبلغني عنك ما يبلغني من سوء الإرجاف؟! لقد هممت أن أخرجك وأنت عبرة لأهل الشام، فقال: أيا معاوية ألهذا دعوتني، ثم صغرت اسمي ولم تنسبني إلى أبي؟ وإنما سميت معاوية باسم كلبة عاوت الكلاب، فاربع على ظلعك فذلك خير لك، فقال لحاجبه: أخرجه، فقالت فاختة: صانع الناس بجهدك، وسسهم برفقك وحلمك، فأخزى الله من لامك.
حدثني أبو حفص السامي قال: بلغنا أن يزيد بن معاوية قال لأبيه: يا أمير المؤمنين متى يكون العلم ضارا؟ قال: إذا نقصت القريحة وفصلت الرواية.
وقال معاوية: إذا لم يكن الهاشمي شجاعاً سخياً لم يشبه قومه ولم يشبه من هو منه؛ وقال: إذا لم يكن الأموي مصلحاً لماله، حليماً عند غضبه، لم يشبه من هو منه، ولن تعدم من الهاشمي لسناً أو سخاءً أو شجاعة، وربما اجتمع ذلك لبعضهم.
المدائني عن أبي إسحاق التميمي قال: سمع معاوية رجلاً يقول:
ومن رقاش ماجد سميدع ... يأبى الذي يكرهه فيمنع
فقال معاوية: ذلك منا، ذاك ابن الزبير.
المدايني عن سلام بن أبي مطيع عن قتادة قال: حرم مروان بن الحكم ابناً لصهيب عطاءه، فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه معاوية: إنك حفظت على ابن صهيب ما كان من أبيه في أمر عثمان، ونسيت ما كان من سابقته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاردد عليه عطاءه وأكرمه وأحسن مجاورته، إن شاء الله.
وقال معاوية لخالد بن معمر: كيف حبك لعلي؟ قال: شديد، أحبه لحلمه إذا غضب، وصدقه إذا قال، ووفائه إذا وعد، وجوده إذا سئل.
وقال عمرو بن العاص: عقم النساء أن يلدن مثل معاوية، وما استدر لمعاوية كلام قط فقطعه حتى يأمر بخير ويصيب الناس بفضل.
حدثني هشام بن عمار عن أبيه أو غيره قال: قدمت رملة بنت معاوية الشام من المدينة، وكانت عند عمرو بن عثمان بن عفان، وكان عمرو لها محبا إلا أنه كان ربما أغارها، فقال لها: أطلقك ابن عمي؟ فقالت: كلا، الكلب أضن بالشحمة، قال: ويقال: قالت بشحمته.
وقال هشام: كان معاوية يقول: زين الشرف العفاف.
وقال هشام: أتي معاوية بصريع فقال ليزيد: أما في أخوالك من يصارع هذا؟ قال: بلى، الزبان خالي، فأتي به فصرعه، فقال يزيد:
أقول له والعبد يكبو لوجهه ... لقد فعل الزبان ما كنت أعرف
وقال المدائني: قدم بحير بن ريسان الحميري على معاوية وعنده أبو الأسود الدولي فقال:
ألا إن خير الناس بعد نبيهم ... وبعد أمير المؤمنين بحير
وإني لأرجو من بحيرٍ وليدةً ... وذاك على الحر الكريم يسير
فقال بحير: بل وليدة ووليدة، ولو قلت ألف دينار لأعطيتك إياها.

(2/114)


وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: توفي خالد بن الوليد بن المغيرة بحمص سنة عشرين وأوصى إلى عمر بن الخطاب وكان عبد الرحمن بن خالد يلي الصوائف فيبلي ويحسن أثره، فعظم أمره بالشام، فدس إليه معاوية متطبباً يقال له ابن أثال ليقتله وجعل له خراج حمص، فسقاه شربة فمات، فاعترض خالد بن المهاجر بن خالد ويقال خالد بن عبد الرحمن بن خالد ابن أثال فضربه بالسيف فقتله، فرفع أمره إلى معاوية، فحبسه أياماً وأغرمه ديته ولم يقده به.
المدائني وغيره قالوا: غزاعبد العزيز بن زرارة الكلابي الصائفة مع يزيد بن معاوية فمات وبلغ معاوية ذلك فقال لأبيه: هلك والله فتى العرب، فقال: ابني أوه، قال:ابنك، فآجرك الله، وأمر فنودي ليعزي الناس أمير المؤمنين عن عبد العزيزي بن زرارة، فقال زرارة.
فإن يكن الموت أودي به ... وأصبح مخ الكلابي ريرا
فكل فتى شارب كأسه ... فإما صغيراً وإما كبيرا
المدائني قال: قال معاوية ذات يوم: إن الله بعث رسوله بفضل بين فلم يرد الدنيا ولم ترده، وكان بعده أبو بكر وعمر فلم يرداها ولم تردهما، ثم كان عثمان فنال منها ونالت منه، ثم آتانا الله هذا الأمر والمال فأعطينا كل ذي حق حقه، وفضل مال كثير عاث فيه أهل معاوية، فإن يغفر الله لهم فأهل ذاك هو، وإن يعذبهم فأهل ذاك هم.
المدائني قال: قال معاوية لسعية بن عريض اليهودي: أنشدني مرثية أبيك نفسه، فأنشده:
ياليت شعري حين أندب هالكاً ... ماذا تؤبنني به أنواحي
ولقد حملت على العشيرة ثقلها ... ولقد أخذت الحق غير ملاح
إن امرءاً أمن الحوادث جاهلاً ... ورجا الخلود كضاربٍ بقداح
فقال معاوية: صدق، وتغرغرت عيناه.
وزعموا أن معاوية كتب إلى علي رضي الله تعالى عنهما: يا أبا الحسن، إن لي فضائل كثيرة، كان أبي سيداً في الجاهلية، وولاني عمر في الإسلام، وأنا صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخال المؤمنين، وأحد كتاب الوحي، فلما قرأ علي كتابه قال: أبا لفضائل يفخر علي ابن آكلة الأكباد؟! يا غلام اكتب، فكتب:
محمد النبي أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يمسي ويضحي ... يطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمدٍ سكني وعرسي ... مسوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمدٍ ولداي منها ... فأيكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طراً ... غلاماً قبل حين أوان حلمي
فلما قرأه معاوية قال: يا غلام مزق الكتاب لئلا يقرأه أهل الشام فيميلوا إليه دوني. قالوا: وانتحل السيد الحميري هذه الأبيات فأدخلها في شعره.
ورحل حضين بن المنذر إلى معاوية في وفد من أهل العراق، فتأخر وصوله إليه من بينهم، فقال:
وكل صغير الشأن يسعى مشمراً ... إذا فتح البواب بابك إصبعا
ويبقى الجلوس الماكثون رزانةً ... حياءً إلى أن يفتح الباب أجمعا
فأمر معاوية أن يدخل أول الناس.

(2/115)


وذكروا أن معاوية أقبل على بني هاشم فقال: يا بني هاشم إن خيري لكم ممنوح، وبابي مفتوح، فلا تقطعوا خيري عنكم، ولا تغلقوا بابي دونكم، وقد رأيت أمري وأمركم متفاوتاً، ترون أنكم أحق بما في يدي مني، وأنا أرى أني أحق به منكم، فإذا أعطيتكم العطية فيها قضاء حقوقكم قلتم: أخذنا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب لا يحمد على ما أخذ منه، فبئست المنزلة نزلت بها منكم، أعطي فلا أشكر، وأمنع فلا أعذر، ونعمت المنزلة نزلتم بها مني: إنصاف قائلكم، وإعطاء سائلكم، فقال عبد الله بن عباس، والله ما منحتنا خيرك حتى طلبناه، ولا فتحت لنا بابك حتى قرعناه، ولئن قطعت عنا خيرك لله أوسع لنا منك، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفن أنفسنا عنك، فوالله ما أحفيناك في مسألة ولا سألناك باهظةً، فأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقان: حق الغنيمة وحق الفيء، فالغنيمة ما غلبنا عليه، والفيء ما اجتبيناه، فعلى أي وجهٍ خرج ذلك منك أخذناه وحمدنا الله عليه، ثم لم نخلك من شكر خير جرى على يدك، ولولا حقنا في هذا المال ما أتاك منا زائر يحمله خف ولا حافر، أكفاك أم أزيدك؟ فقال معاوية: حسبك يا أبا عباس فإنك تكوي ولا تغوي، فقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب:
ألا أبلغ معاوية بن صخرٍ ... فإن المرء يعلم ما يقول
لنا حقان حق الخمس وافٍ ... وحق الفيء جاء به الرسول
فكل عطيةٍ وصلت إلينا ... وإن سحبت لخدعتها الذيول
ففي حكم القران لنا مزيد ... على ما كان لا قال وقيل
أتأخذ حقنا وتريد حمداً ... له، هذاك تأباه العقول
فقال له ابن عباسٍ مجيباً ... فلم يدر ابن هندٍ ما يقول
فلا تهج ابن عباس مجيباً ... فإن جوابه جذع أصيل
حدثني محمد بن اسماعيل الواسطي عن الفرات العجلي عن أبيه عن قتادة قال: خطب معاوية بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه، وذكر علياً فنال منه ونسبه إلى قتل عثمان وإيواء قتلته، والحسن بن علي تحت المنبر، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا اهل الشام إن معاوية يخدعكم بهذا الخاتم الذي من كان في يده جازت كتبه في الآفاق، وادخر لعياله الذخائر، فقام رجل من أهل الشام فأراد أن يقطع على الحسن كلامه فقال: يا حسن قد وصفت لنا معاوية، فكيف صفتك للخراءة؟ قفال الحسن: يا أحيمق أبعد الممشى، وأنفي الأذى، وأستنجي باليسرى، فغاظ قوله من حضر من أهل المدينة، واستشاط الحسن، فلما رأى معاوية ذلك نزل عن منبره تخوفاً أن يأتي الحسن بشيء يكرهه، وأن يتشار الناس، فأخذ بيد الحسن وأدخله منزله، ثم دعا بماء وسويق فجدحه بيده، ثم قال: اشرب يا بن فاطمة فوالله ما جدحته لأحد قبلك، فأخذه الحسن فشرب منه الحسن، ثم ناوله معاوية وقال: اشرب يا بن هند فوالله ما ناولك مثلي، وإن بين الأمرين لبوناً بعيداً، فقال معاوية: أجل والله وما أردت بما قلت بأساً.
وقال معاوية لعقيل: إن فيكم ليناً قال: أجل في غير ضعف، وإن لنا لعزا في غير كبر، وأما أنتم فإن في لينكم غدراً، وإن في كبركم كفراً، فقال معاوية: دون هذا يا أبا يزيد، فقال عقيل:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
فقال معاوية:
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده ... وإن الفتى بعد السفاه ليحلم
فقام عقيل وهو يقول:
إن السفاهة قدماً من خلائقكم ... لا قدس الله أخلاق الملاعين
العمري عن الهيثم عن ابن عباس قال: قال معاوية: الرأي الثاقب كهانة، والحلم سؤدد.
المدائني وغيره قالوا: دخل شريك الحارثي على معاوية، وكان رجلاً دميماً آدم شديد الأدمة شريفاً في قومه، فلما استقر به المجلس أراد معاوية أن يضع منه فقال: إنك لشريك وما الله شريك، وإنك لابن الأعور والصحيح خير من الأعور، وإنك لدميم حنزقرة أسود، فكيف سودك قومك؟ فقال شريك: انك لمعاوية، وما معاوية إلا كلبه عاوت فاستعوت فسميت معاوية، وإنك لابن صخر والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب والسلم خير من الحرب، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ ثم خرج مغضباً وهو يقول:
أيشتمني معاوية بن صخر ... وسيفي صارم ومعي لساني

(2/116)


وحولي من ذوي يمن ليوث ... ضراغمة تهش إلى الطعان
يعير بالدمامة من سفاهٍ ... وربات الحجال هي الغواني
ذوات الحسن والرئبال جهم ... شتيم وجهه ماضي الجنان
فلا تبسط لسانك يا بن هندٍ ... علينا أن بلغت مدى الأماني
فإن تك للشقاء لنا أميراً ... فإنا لا نقيم على الهوان
وإن تك من أمية في ذراها ... فإني من بني عبد المدان
قالوا: وصعد معاوية المنبر فحمد الله وأثنى عليه، فلما اراد الكلام قطع عليه غلام من الأنصار قام فقال: يا معاوية ما جعلك وأهل بيتك أحق بهذه الأموال منا؟ وإنما أفاءها الله على المسلمين بسيوفنا ورماحنا، ومالنا عندك ذنب نعلمه إلا أنا قتلنا خالك وليداً وجدك عتبة وأخاك حنظلة، فقال معاوية: لا والله يا بن أخي، ما أنتم قتلتموهم ولكن الله قتلهم بملائكة بعد ملائكة، على يدي بني أبيهم، وما ذاك بعارٍ ولا منقصة، قال الأنصاري: فأين العار والمنقصة إذاً؟ قال: صدقت، أفلك حاجة؟ قال: نعم لي عجوز كبيرة وأخوات عواتق وقد عضنا الدهر وحل بنا الحدثان، فقال له معاوية: خذ من المال ما استطعت، وكان مالاً ورد من بعض النواحي، فحمل الغلام وقره، ومضى معاوية في خطبته حتى فرغ.
وقال سعيد بن عثمان لمعاوية: وليناك فما عزلناك ولا نازعناك، ووصلناك فما قطعناك، ثم حلأتنا ما نرى كله، فولاه خراسان، ويقال كتب إلى زياد في توليته.
وحدثت أن معاوية خطب الناس يوماً، فذكر عليا فتنقصه، فقال أبو الدرداء: كذبت يا معاوية ليس هو كما تقول، فنزل معاوية، فقال يزيد: أتحتمل هذا كله؟ فقال: إنه من عصبةٍ عاهدوا الله أن لا يسمعوا كذبة إلا ردوها.
المدائني قال: حج معاوية فلما قرب من المدينة تلقاه الناس، وتلقته الأنصار وأكثرها مشاة، فقال: ما منعكم من تلقي من بعدٍ كما تلقاني الناس من بعدٍ؟ فقال ابن لسعد بن عبادة يقال له سعيد: منعنا من ذلك قلة الظهر وخفة ذات اليد بإلحاح الزمان علينا وإيثارك بمعروفك غيرنا، فقال معاوية كالمعير لهم: فأين أنتم عن نواضح المدينة؟ قالوا: أحرثناها يوم بدر، يوم قتلنا حنظلة بن أبي سفيان، فأعرض معاوية عنه وتبسم وقال: حبجة بلبجةٍ، والبادئ أظلم.
وقال القحذمي: يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الحكم بن أبي العاص فقال: إذا بلغ ولده ثلاثين كان الأمر لهم، فشاجر معاوية مروان يوماً فقال: أنا أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة، فقال معاوية: لقد أخذتها من عينٍ صافية.
المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: قال معاوية يوماً: لقد أكرم الله الخلفاء أفضل الكرامة، أنقذهم من النار وأوجب لهم الجنة، وجعل أنصارهم أهل الشام، فقال صعصعة بن صوحان: تكلمت فهجرت، وليس الأمر كما ذكرت، أنى يكون خليفةً من ضرب الناس قسراً، وخدعهم مكراً، وساسهم خترا؟! فأما إطراؤك أهل الشام فلا أعلم أحداً أطوع لمخلوق في معصية خالق منهم، اشتريت أديانهم بالمال، فإن تدره عليهم يمنعوك وينصروك، وإن تقطعه عنهم يخذلوك، فاستبان الغضب في وجه معاوية ثم قال: لولا أن القدرة تذهب الحفيظة، وأن الحلم محمود المغبة، ما عدت لقولك يا صعصعة مرةً بعد مرة، ثم قال:
عفوت عن جهلهم حلماً ومكرمةً ... والحلم عن قدرةٍ من أفضل الكرم.
قالوا: واجتمع ذات يوم عند معاوية وهو بصفين عتبة بن أبي سفبان، والوليد بن عقبة بن أبي معيط وغيرهما، فقال عتبة: إن أمرنا وأمر علي لعجب، وذكر من قتل علي يوم بدر منهم، فقال معاوية: إن كان لينبغي أن تشجروه بالرماح طلباً لثأركم، فقام الوليد بن عقبة وهو يقول:
يقول لنا معاوية بن حربٍ ... أما فيكم لوتركم طلوب
يشد على ابي حسنٍ علي ... بأسمر لا تهجنه الكعوب
فقلت له أتلعب يا بن هندٍ ... كأنك بيننا رجل غريب
أتأمرنا بحية بطن وادٍ ... إذا نكزت فليس لها طبيب
كأن القوم لما عاينوه ... خلال النقع ليس لهم قلوب
لعمرو أبي معاوية بن حربٍ ... ورأي المرء يخطئ أو يصيب
لقد ناداه في الهيجا علي ... فأسمعه ولكن لا يجيب

(2/117)


وحدثني هشام قال: قال معاوية: ما غضبي على من أملك وأنا قادر عليه، وما غضبي على من لا أملك ويدي لا تناله.
العمري عن الهيثم بن عدي عن عوانة وغيره قالوا: قال علي بصفين: يا معاوية ما قتلك الناس بيني وبينك، ابرز لي فإن قتلتني كان الأمر إليك، وإن قتلتك كان الأمر إلي، فالتفت معاوية إلى عمرو كالمستشير له، فقال له عمرو: ما أرى الرجل إلا منصفاً، ولن تبل لك بالة عند أهل الشام إن لم تبارزه، فحقدها عليه وأمسك وعلم أنه يريد قتله، فقال:
يا عمرو إنك قد قشرت لي العصا ... برضاك لي وسط العجاج برازي
ما للملوك وللبراز وإنما ... حظ المبارز خطفة من باز
ولقد أعدت فقلت مزحة مازحٍ ... والمرء يفحمه مقال الهازي
فقال عمرو:
معاوي إن ثقلت عن البراز ... لك الخيرات فانظر من تنازي
وما ذنبي إذا نادى علي ... وكبش القوم يدعو للبراز
أجبناً في العجاجة يا بن هندٍ ... وعند السلم كالتيس الحجازي
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال قبيصة بن جابر: ما رأيت رجلاً أقرأ لكتاب الله ولا أشد في دين الله من عمر بن الخطاب، وما رأيت أحداً أسود من معاوية، ولا رجلاً أعطى لماله في غير ولاية من طلحة بن عبيد الله، ولا رأيت رجلاً أنصع ظرفاً ولا أحضر، جواباً ولا أكثر صواباً من عمرو بن العاص، ولا رأيت رجلاً المعرفة عنده أنفع منها عند المغيرة بن شعبة، ولا رأيت رجلاً أحلم جليساً ولا أخصب رفيقاً ولا أشبه سريرةً بعلانية من زياد.
وقال معاوية لعدي بن حاتم ودخل عليه: ما فعل الطرفات يا أبا طريف: طريف، وطرفة، وطراف؟ فقال: قتلوا يوم صفين، قال: ما أنصفك علي، أخر بنيه وقدم بنيك، قال: لئن فعل فقد قتل وبقيت، قال: قد بقيت قطرة من دمٍ عثمان عند قوم ولا بد من أن نطلب بها، قال عدي: اغمد سيفك، فإن السيف إذا سل سلت السيوف، قال: فالتفت معاوية إلى عمرو فقال له: ضعها في قرنك فإنها كلمة حكم.
المدائني عن إسحاق بن أيوب عن الوليد بن المغيرة عن حضين بن المنذر قال: قال لي معاوية: إن لك رأياً، فما فرق هذه الأمة وسفك دماءها وشق عصاها وشتت ملأها؟ قلت: قتل عثمان، قال: صدقت.
كتب معاوية إلى الحسين
قالوا: وكتب معاوية إلى الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم: أما بعد، فقد انتهت إلي عنك أمور أرغب بك عنها، فإن كانت حقاً لم أقارك عليها، ولعمري إن من أعطى صفقة يمينه وعهد الله وميثاقه لحري بالوفاء، وإن كانت باطلاً فأنت أسعد الناس بذلك، وبحظ نفسك تبدأ، وبعهد الله توفي، فلا تحملني على قطيعتك والإساءة بك، فإني متى أنكرك تنكرني، ومتى تكدني أكدك، فاتق شق عصا هذه الأمة وأن يرجعوا على يدك إلى الفتنة، فقد جربت الناس وبلوتهم، وأبوك كان أفضل منك، وقد كان اجتمع عليه رأي الذين يلوذون بك، ولا أظنه يصلح لك منهم ما كان فسد عليه، فانظر لنفسك ودينك ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.
جواب الحسين

(2/118)


فكتب إليه الحسين: أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أنه بلغتك عني أمور ترغب عنها، فإن كانت حقاً لم تقارني عليها، ولن يهدي إلى الحسنات ويسدد لها إلا الله، فأما ما نمي إليك فإنما رقاه الملاقون المشاؤون بالنمائم المفرقون بين الجميع، وما أريد حرباً لك ولا خلافاً عليك، وأيم الله لقد تركت ذلك وأنا أخاف الله في تركه، وما أظن الله راضياً عني بترك محاكمتك إليه، ولا عاذري دون الإعذار إليه فيك وفي أوليائك القاسطين الملحدين، حزب الظالمين وأولياء الشياطين، ألست قاتل حجر بن عدي وأصحابه المصلين العابدين، الذين ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائمٍ، ظلماً وعدواناً، بعد إعطائهم الأمان بالمواثيق والأيمان المغلظة؟ أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أبلته العبادة وصفرت لونه وأنحلت جسمه؟! أولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد عبد ثقيف، وزعمت أنه ابن أبيك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر، فتركت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفت أمره متعمداً، وابتعت هواك مكذباً، بغير هدى من الله، ثم سلطته على العراقين فقطع أيدي المسلمين وسمل أعينهم، وصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من الأمة وكأنها ليست منك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ألحق بقومٍ نسباً ليس لهم فهو ملعون، أولست صاحب الحضرميين الذين كتب إليك ابن سمية أنهم على دين علي، فكتبت إليه: اقتل من كان على دين علي ورأيه، فقتلهم ومثل بهم بأمرك، ودين علي دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يضرب عليه أباك، والذي انتحالك إياه أجلسك مجلسك هذا، ولولا هو كان أفضل شرفك تجشم الرحلتين في طلب الخمور، وقلت: انظر لنفسك ودينك والأمة واتق شق عصا الألفة وأن ترد الناس إلى الفتنة، فلا أعلم فتنةً على الأمة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي وديني أفضل من جهادك، فإن أفعله فهو قربة إلى ربي، وإن أتركه فذنب أستغفر الله منه في كثير من تقصيري، وأسأل الله توفيقي لأرشد أموري؛ وأما كيدك إياي فليس يكون على أحدٍ أضر منه عليك، كفعلك بهؤلاء النفر قتلتهم ومثلت بهم بعد الصلح من غير أن يكونوا قاتلوك ولا نقضوا عهدك، إلا مخافة أمرٍ لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوه، وأماتوا قبل أن يدركوه، فأبشر يا معاوية بالقصاص، وأيقن بالحساب، واعلم أن الله كتاباً لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة إلا أحصاها، وليس الله بناسٍ لك أخذك بالظنة، وقتلك أولياءه على الشبهة والتهمة، وأخذك الناس بالبيعة لابنك، غلامٍ سفيه يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ولا أعلمك إلا خسرت نفسك، وأوبقت دينك، وأكلت أمانتك، وغششت رعيتك، وبتوأت مقعدك من النار ف بعداً للقوم الظالمين.
المدائني قال، قال معاوية لصحار بن عياش العبدي: يا أزرق، قال: البازي أزرق، قال: يا أحمر، قال: الذهب أحمر، قال: يا صحار ما هذه البلاغة في عبد القيس؟ قال: شيء يعتلج في صدورنا فنلفظه كما يلفظ البحر الزبد، قال: فما رأس البلاغة؟ قال: أن تقول فلا تخطئ وتعجل فلا تبطئ؛ ثم قال: يا أمير المؤمنين، ومنا أعقل أهل زمانه، اشترط على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم الجنة؛ ومنا الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله الأناة والحلم " ؛ ومنا أزهد اهل زمانه هرم بن حيان؛ ومنا أشجع أهل زمانه حكيم بن جبلة العبدي الذي قطعت رجله فرمى بها قاطعه فقتله ثم توسده، فقيل له: من بك يا أبا نجيد؟ فقال: وسادي؛ ومنا أبلغ الناس في زمانه صعصعة بن صوحان؛ ومنا الحارث بن مرة، جمل في غزاةٍ على خمسمائة دابة؛ ومنا عبد الله بن سوار خرج في أربعة آلاف إلى ثغر السند ولم يوقد أحد في عسكره ناراً لطعام حتى أتى البلاد، ورأى في عسكره ناراً فسأل عنها فقيل امرأة ولدت فاتخذ لها خبيص، فأمر أن يطعم أهل العسكر كلهم الخبيص ثلاثة أيام، ومنا أرمى أهل زمانه عمرو بن مساور النكري؛ ومنا أيمن الناس في زمانه شعرا: الممزق، غزا النعمان بن المنذر بلاد عبد القيس فسايره وحدثه وأنشده فاعجبه فكلمه فيهم فعدل عنهم.

(2/119)


حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش عن أبي الهيثم الرحبي قال: قال لي عبد الملك بن عمير وأنا أماشيه عند الباب الصغير بدمشق: مررنا بقبر معاوية فوقف عليه عبد الملك بن مروان فقيل له: لمن القبر؟ فقال: لرجل كان والله ما علمته يسكته الحلم وينطقه العلم، إذا أعطى أغنى، وإذا حارب أفنى، ثم عجل له الدهر ما أخر لغيره، وإنا لله ما يصنع الزمان، هذا قبر معاوية.
حدثني حفص عن الهيثم وغيره قالوا: اتي معاوية بشاب قد سرق فأمر بقطع يده فقال:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مكاناً يشينها
ولا خير في الدنيا وكانت حبيبةً ... إذا ما شمال فارقتها يمينها
ولو قد أتى الأخبار قومي لقلصت ... إليك المطايا وهي خوص عيونها
ودنت أمه وهي تبكي فقالت: يا أمير المؤمنين، واحدي اعف عنه، عفا الله عنك، فقال: ويحك إن هذا حد من حدود الله، فقالت: اجعل تركه يا أمير المؤمنين من ذنوبك التي تستغفر الله منها، فخلى سبيله وتصدق بمائة ألف درهم.
وروى المدائني عن أبي بكر الهذلي أنه قال: وقف عبد الملك بن مروان على قبر معاوية محمد بن جبير بن مطعم، فرأى على القبر ثمامة تهتز، فقال عبد الملك: يرحمك الله أبا عبد الرحمن. ثم قال لابن جبير: يا أبا سعيد ما كان علمك به؟ قال: كان والله ممن ينطقه العلم ويسكته الحلم، فقال عبد الملك: كذلك كان وولى وهو يقول:
وما الدهر والأيام إلا كما أرى ... رزيئة مالٍ أو فراق حبيب
المدائني عن مسلمة قال: قال رجل من ولد أمية بن خلف الجمحي لمعاوية: انا تركنا الحق وعلي يدعونا إليه، وبايعناك على ما تعلم، فلما تسهلت لك الأمور جعلت الدنيا لأربعة: سعيد بن العاص، وعمرو بن العاص السهمي، ومروان بن الحكم، والمغيرة بن شعبة، وتركتنا لا في عيرٍ ولا في نفيرٍ، فأطرق معاوية طويلا ثم قال: يا بن أخي إني ميلت بين معاتبتك وتركك فوجدت معاتبتك أبقى لك، إني أراك شديد التقحم رحب الذراع بالقول، ولست كلما شئت وجدت من يحمل لك سفهك.
المدائني عن عيسى بن يزيد قال: قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان، فقالت عائشة بنت عثمان بن عفان: وا أبتاه: وبكت فقال معاوية: ابنة أخي إن الناس أعطونا طاعةً تحتها حقد، وأظهرنا لهم حلماً تحته غضب، ومع كل إنسان سيف وهو يرى أنصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا يكون أو لنا، ولأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين.
المدائني عن عقبة الأصم عن عبد الله بن بريدة قال: كان معاوية يؤتى بالثريدة تكاد تستر الذي يواكله فيأكل ويدعو إلى طعامه عدة بعد عدة فيأكل معهم جيمعاً.
المدائني عن عامر بن الأسود قال: كان معاوية يأكل في اليوم أربع أكلات آخرهن أعضلهن وأشدهن، ويتعشى فيأكل ثردة عليها بصل كثير.
حدثنا أبو صالح الفراء ومحمد بن حاتم وإسحاق قالوا: حدثنا الحجاج بن محمد الأعور حدثنا شعبة عن أبي حمزة قال: سمعت ابن عباس يقول: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان فاختبأت منه خلف باب، فدعاني فحطأني حطأة ثم بعثني إلى معاوية؛ فرجعت إليه فقلت: هو يأكل، ثم بعثني إليه فقلت: هو يأكل بعد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :لا أشبع الله بطنه؛ قال أبو حمزة: فكان معاوية بعد ذلك لا يشبع.
المدائني عن أبي أيوب عن هشام بن حسان عن ابن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى معاوية ليكتب له شيئاً فقال الرسول: هو يأكل ثم أعاده فقال: هو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه.
حدثني مظفر بن مرجى حدثني هشام بن عمار حدثنا عبد العزيز بن السائب عن أبيه عن ابن عمر قال: كنت جالساً عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (الآن يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع معاوية، فقلت: هو هذا؟ قال: نعم هو هذا.
وحدثني إسحاق وبكر بن الهيثم قالا حدثنا عبد الرزاق بن همام انبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت على غير ملتي، قال: وكنت تركت أبي قد وضع له وضوء، فكنت كحابس البول مخافة أن يجيء، قال: فطلع معاوية فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هو هذا.

(2/120)


وحدثني عبد الله بن صالح حدثني يحيى بن آدم عن شريك عن ليث عن طاووس عن عبد الله بن عمرو قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت يوم يموت على غير ملتي، قال: وكنت تركت أبي يلبس ثيابه فخشيت أن يطلع، فطلع معاوية.
وحدثني مظفر بن مرجى حدثنا شبابة بن سوار حدثنا يوسف بن زياد التميمي عن محمد بن شعيب عن عقبة بن رويم اللخمي قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية فقال: (اللهم اهده واهد به وعلمه الكتاب والحساب وقه العذاب " .
وحدثني أبو بكر الأعين عن شبابة في هذا الإسناد بنحوه.
حدثني علي بن إبراهيم السواق حدثنا علي بن حيان حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبان حدثنا اسماعيل بن عياش عن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتاني جبريل فقال: يا محمد ائتمنني الله على وحيه وائتمنك وائتمن معاوية بن أبي سفيان.
وحدثني علي بن إبراهيم حدثنا علي بن حيان حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي حدثنا عبد الملك بن يزيد الواسطي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: أهدى جعفر بن أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع سفرجلات فأعطى معاوية منهن ثلاثاً وقال: القني بهن في الجنة.
حدثني علي بن إبراهيم عن علي بن حيان عن أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاوية يصب على يديه الماء، فلما فرغ من وضوئه أخذ كفا من ماء فضرب به وجه معاوية ثم قال: يا بن أبي سفيان كأني بك في الجنة.
حدثني علي بن إبراهيم حدثنا داود بن عبد الله الترمذي عن حماد بن منصور المنقري عن عبد الله بن كثير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في منزل أم حبيبة في يومها، فدق معاوية الباب فأذن له فدخل وعل أذنه قلم لم يمط به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما هذا على أذنك؟ قال: قلم أعددته لله ولرسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما إنه جزاك الله عن نبيك خيراً، والله ما استكتبتك إلا بوحي من السماء " .
حدثنا يوسف بن موسى وأبو موسى إسحاق الفروي قالا: حدثنا جرير بن عبد الحميد حدثنا إسماعيل والأعمش عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه " ؛ فتركوا أمره فلم يفلحوا ولم ينجحوا.
حدثني خلف بن هشام البزاز حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " معاوية في تابوت مقفل عليه في جهنم " .
حدثنا إسحاق بن أبي اسرائيل وأبو صالح الفراء الأنطاكي قالا: حدثنا حجاج بن محمد حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من الأنصار أراد قتل معاوية، فقلنا له: لا تسل السيف في عهد عمر حتى تكتب إليه، قال: إني سمعت روسل الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه " ، قال: ونحن قد سمعناه ولكن لا نفعل حتى نكتب إلى عمر، فكتبوا إليه فلم يأتهم جواب الكتاب حتى مات.
حدثنا خلف حدثنا عبد الوارث بن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً فمر أبو سفيان على بعير ومعه معاوية وأخ له أحدهما يوقود البعير والآخر يسوقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن الله الحامل والمحمول والقائد والسائق " .
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن عبيد الله بن موسى قال: ذكر معاوية عند الأعمش فقالوا: كان حليماً، فقال الأعمش: كيف يكون حليماً وقد قاتل علياً وطلب زعم بدم عثمان من لم يقتله، وما هو ودم عثمان، وغيره كان أولى بعثمان منه؟! وحدثت عن شريك عن الأعمش أنه قال: كيف يعد معاوية حليماً وقد قاتل علي بن أبي طالب؟ وحدثني الحسين بن علي بن الأسود عن يحيى عن عبد الله بن المبارك قال: ها هنا قوم يسألون عن فضائل معاوية، وبحسب معاوية أن يترك كفافاً.
المدائني عن عبد الله بن فائد عن أبي بكر الهذلي قال: قال الحسن:لو سلك معاوية بالناس غير سبيل الاحتمال والبذل والمدارة لاختطف اختطافاً.

(2/121)


وحدثنا يوسف وإسحاق قالا: جرير عن الأعمش عن أبي وائل قال: كنت مع مسروق بالسلسلة فمرت به سفائن فيها أصنام من صفرٍ تماثيل الرجال، فسألهم عنها فقالوا: بعث بها معاوية إلى أرض السند والهند تباع له، فقال مسروق: لو أعلم أنهم يقتلونني لغرقتها، ولكني أخاف أن يعذبوني ثم يفتنوني، والله ما أدري أي الرجلين معاوية، أرجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتع من الدنيا أم رجل زين له سوء عمله.
وحدثني إبراهيم بن العلاف البصري قال، سمعت سلاماً أبا المنذر يقول: قال عاصم بن بهدلة حدثني زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على المنبر فاضربوا عنقه " .
وروى الحكم بن ظهير عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود بمثله.
وحدثني الحرمازي عن محمد بن الحسن بن زيالة قال: سمع الزبير بن خبيب رجلاً من الطالبين يقول أمص معاوية، فقال له الزبير، وهو أشد لمعاوية بغضاً وعداوةً من الطالبين: أي رحمك الله ليس هكذا يقال، إنما يلعنه من عاداه أو يكفره، فأما أن يمصه فلا، هو يرتفع عن ذلك.
المدائني قال، قال معاوية لابن عباس: ما حالت الفتنة بيني وبين أحدٍ كان أعز علي فقداً وأحب إلي قرباً منك، فالحمد لله الذي قتل علياً، فقال ابن عباس: أو غير هذا، تدع لي ابن عمي وأدع لك ابن عمك؟ قال: ذاك لك، ثم قال: أخبرني عن أبي سفيان، قال: اللهم إنه تجر فأربح وأسلم فأفلح، وكان رأس الشرك حتى انقضى، فقال: يا بن عباس في علمك ما تسر به جليسك ولولا أن أقارضك الثناء لأخبرتك عن نفسك.
المدائني قال: لما مات المغيرة بن شعبة قال زياد: لم يبق للمعضلات إلا معاوية ورجل آخر، يعني نفسه.
وقال هشام بن عمار، قال معاوية بن حديج: أتيت عمرو بن العاص وقد ثقل فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوب، وأجد نجوي أكثر من رزئي، فما بقاء الكبير الفاني على هذا؟ فلما مات قال معاوية: مات ربع رأي الناس وإربهم. وقال المغيرة بن شعبة: ذهب نصف دهاء قريش، أراد أن النصف الباقي معاوية ولم يعد زياداً.
المدائني قال: قال عمرو بن العاص: أنا للبديهة، ومعاوية للأناة، والمغيرة للمعضلات، وزياد لصغار الأمور وكبارها.
المدائني قال: لما مات المغيرة بن شعبة قال معاوية: لله رأي دفن مع المغيرة، وقال معاوية حين مات ابن عامر بن كريز: بمن أباهي بعد ابن عامر؟ وقال معاوية حين أتاه موت سعيد بن العاص: ما مات من ترك مثل عمرو بن سعيد، وقال: قد مات من هو أكبر مني ومن أنا أكبر منه وأنشد:
إذا سار من خلف امرئ وأمامه ... واجمع يوماً رحلة فهو ظاعن
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: كانوا يقولون إن أبا سفيان بن حرب رجل شحيح بخيل له مال، وإنما سود لرأيه وعظم لماله، وهلك في أيام عثمان وله ثمان وثمانون سنة؛ وكانوا يقولون: إن معاوية كان ذا رأي وسخاءٍ.

(2/122)


وقال الواقدي: حدثني أصحابنا عن ابن جعدبة وغيره قالوا: كان لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أرض إلى جانب أرض لمعاوية، وكان وكيل معاوية بالمدينة النضير مولاه، فعمد إلى أرض عبد الرحمن فضمها إلى أرض معاوية وقال: هذه لأمير المؤمنين، فقال عبد الرحمن: عندي البينة ان أبا بكر بن أبي قحافة قطعها لي مقتل أبي باليمامة، فقال النضير: هذه قطيعة أمير المؤمنين، فخاصمه إلى مروان بن الحكم فقال: اصطلحا، وكره أن يجزم القضاء على معاوية، فأتى عبد الرحمن بن زيد الشام فلما صار إلى باب معاوية ألفاه جالساً بالخضراء بدمشق، فقال لأبي يوسف: استأذن لي على أمير المؤمنين، فاعتل عليه، فرفع صوته فقال: ما لي بد من الوصول إليه، فإنا إلى أن توصل أرحامنا وتثمر لنا أموالنا أحوج منا إلى أن يؤخذ منا ما في أيدينا، فسمعه معاوية فقال: أدخله، فدخل فسلم وقال: إن وكيلك بالمدينة تعدى علي، وعمد إلى ما قطع لي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجازه لي عمر فألجأه إلى أرضك، وزعم ان عنده كتاباً من عثمان بأنه قطعه لك، وكيف يقطع لك عثمان حقاً هو لي؟ فقال معاوية: تركت أرضك لم تعمرهاحتى عملتها، فلما غرست فيها خمسة آلاف ودية قلت: قطيعة أبي بكر، وقد روي عن عمر أنه بلغه أن قوماً يتحجرون الأرض ثم يدعونها عطلاً فيجيء آخرون فيزرعونها، أنها لمن زرعها، فقال: والله ما قلت الحق يا معاوية فأنصفني فقال: علي بالقاضي، وهو فضالة بن عبيد الأنصاري ثم الزرقي، فلم يأته وقال: في بيته يؤتى الحكم، فصار معاوية وعبد الرحمن إليه، فألقيت لهما وسادة وقيل اجلسا عليها، فتكلم عبد الرحمن بقوله الأول، وتكلم معاوية بقوله الأول، فرأى فضالة أن القول قول عبد الرحمن والحق معه، فقضى به، فقال معاوية: نقبل ما قلت، أرأيت ما غرست فيها؟ قال: يقوم ذلك لك، فإن شاء عبد الرحمن دفع إليك قيمة غراسك، وإن شاء ضمنك قيمة الأرض. فقال عبد الرحمن: قد أنصفت فقال فضالة: يا أمير المؤمنين أو بمثل زيد بن الخطاب وعمر يفعل هذا بعقبهما؟! فقال معاوية: فالغراس له، وما مد إليه يده من أرضي فهو له صلةً لرحمه، وكتب له بذلك إلى وكيله وقضى دينه وألحقه في شرف العطاء وقال: أنت مستحق لذلك يا بن أخي الفاروق والشهيد، وأعطاه مالاً، فقال فضالة لمعاوية حين مضى عبد الرحمن: والله لو فعلت غير هذا فقدم على أهل مدينة الهجرة وبقية الناس فشكاك لكان في ذلك ما لا يحسن ولا يجمل، فقال معاوية: جزاك الله على المعاونة على الحق خيراً، وانصرف ابن زيد فأخذ ماله.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: خطب معاوية فقال: أيها الناس والله لنقل الجبال الراسيات أيسر من اتباع أبي بكر وعمر في سيرتهما، ولكني سالك بكم طريقاً تقصر عمن تقدمني ولا يدركني فيها في بعدي.
حدثني الحرمازي عن جهم بن حسان قال: دخل عبد الرحمن بن سيحان على سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه فقال له سعيد أأنت القائل:
إنا لنشربها حتى تميل بنا ... كما تمايل وسنان بوسنان
فقال: معاذ الله ولكني أقول:
عمدت بحلفي للمعالي وللذرى ... ولم تلفني كالنسي في ملتقى الحرب
إذ ما حليف الذل أقعى مكانه ... ودب كما يمشي الكسير على العتب
وهصت الحصى لا أرهب الذل قائماً ... إذا أنا أرخى لي خناقي بنو حرب
فقال له ابنه عمرو الأشدق: اضربه، فقال: هذا حليف معاوية؛ فلما لقي سعيد معاوية قال له معاوية: أأمرك أحمقك أن تضرب حليفي؟! والله لو ضربته لضربتك، فقال سعيد: اللهم غفراً، قد ضربت حليفك عمرو بن جبلة، فقال معاوية: إني آكل لحمي ولا أوكله؛ وكان حليفاً لحرب. المدائني عن أبي اليقظان قال: قدم سحبان وائل الباهلي على معاوية فخطب ببابه، فقال له: يا سحبان أنت السح، فقال:
لقد علم الوفد العراقي أنني ... إذا قلت عند الباب أي خطيب
المدائني عن عبد الله بن أبي سعيد أن معاوية قال لجلسائه: أيكم ينشد قصيدةً أنصف فيها صاحبها ولم يخف لقومه؟ فلم يأتوا بشيء، فقال: يا غلام هات تلك الرقعة، فقرأ عليهم من قصيدةٍ للمفضل العبدي:
بكل قرارةٍ منا ومنهم ... بنان فتىً وجمجمة فليق
فأشبعنا الضباع وأشبعوها ... فراحت كلها تئق تفوق

(2/123)


قتلنا الفارس الوضاح منهم ... كأن فروع لمته العذوق
وقد قتلوا به منا غلاماً ... كريماً لم تخونه العروق
فأبكينا نساءهم وأبكوا ... نساءً ما يسوغ لهن ريق
حدثني محمد بن مصفى الحمصي عن بقية بن الوليد قال: بلغنا أن عمرو بن سعيد بن العاص وفد على معاوية بعد موت أبيه فقال له: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أوصى إلي ولم يوص بي، قال: فما كانت وصيته قال: أن أقضي دينه وألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه، فقال معاوية: ان ابن سعيد هذا الأشدق.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: كان ابن سبيحان المحاربي شاعراً حلو اللسان، وهو على ذلك يقارف الشراب، وكان نديماً للوليد بن عتبة، فخرج يوماً سكران، فدس مروان من غلمانه من أخذه وكان له عدوا وللوليد بن عتبة، فلما رأى الوليد أن مروان إنما أراد فضيحته ضربه الحد تحسناً عند الناس بذلك، فكتب معاوية إليه: من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة أما بعد: فالعجب من ضربك ابن سيحان فيما تشرب منه، ما زدت على أن أعلمت أهل المدينة أن شرابك الذي تشربه معه يوجب الحد. إذا جاءك كتابي فأبطل الحد عن ابن سيحان، وأطفه على حلق المسجد، وأعلمهم أن صاحب شرطك ظلمه، وأن أمير المؤمنين قد أبطل ذلك الظلم عنه؛ أو ليس ابن سيحان الذي يقول:
إني أمرؤ أنمي إلى أفضل الربى ... عديداً إذا أرفضت عصا المتخلف
إلى نضدٍ من عبد شمسٍ كأنهم ... هضاب أجا أركانها لم تقصف
ميامين يرضون الكفاية إن كفوا ... ويكفون ما ولوا بغير تكلف
غطارفة ساسوا البلاد فأحسنوا ... سياستها حتى أقرت لمردف
فمن يك منهم موسراً يفش فضله ... ومن يك منهم معسراً يعفف
وأمر له بخمسمائة دينار وإبل وغنم، وكتب إلى مروان يلومه على ما فعل.
وروى جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: قال معاوية بن أبي سفيان: من أولى الناس بهذا الأمر؟ قالوا: أنت، قال: لا ولكن علي بن الحسين، أمه ابنة أبي مرة عروة بن مسعود، وأمها بنت أبي سفيان، فيه شجاعة بني هاشم، وحلم بني أمية، ودهاء ثقيف. كذا روي هذا، والثبت أن غير معاوية قال ذلك.
أبو الحسن المدائني قال: كان عمر بن سعد بن أبي وقاص ولي خراج كورة همذان فبقي عليه مال، فلما ولى معاوية ابن أم الحكم الكوفة وقدمها أخذ عمر بذلك المال فقال له: إنه لا سلطان لك علي، وكان معاوية كتب له كتاباً بأنه لا سلطان لأحد عليه غيره، فاجتمعا عند معاوية بعد وجرى بينهما كلام، فقال ابن أم الحكم: أنت الذي ذهبت بمال الله قبلك فقال عمر: اسكت، قال: أنت أحق بالسكوت يا احمق، فأنا والله خير منك، قال: وكيف إنما تعرف بأمك وتنسب اليها كالبغل، يقال له من أبوك فيقول أمي الفرس، وأنا أعرف بأبي وأدعى له فاسكت يا بن تمدر، وهي جدة له سوداء، فقالت أم الحكم، وهي من وراء الستر: أيذكر هذا مني ما يذكر وأنت تسمع؟! فقال معاوية: من شتم الرجال شتموه، فقال ابن همام السلولي في ذلك وسأله حاجةً فلم يقضها:
لعمر أبي تمدر ما بنوها ... بمذكورين إن عد الفخار
فإن تفخر بأمك من قريشٍ ... فقد ينزو على الفرس الحمار
وحدثني عمر بن شبة عن القحذمي قال: استعدى عمر بن سعد معاوية على ابن أم الحكم وتظلم منه في ولايته الكوفة حتى تشاتما، فقال عمر: إنما كانت أم الحكم مجنونة فلم يرغب فيها رجال قريش، فزوجها أبو سفيان أباك، فنادت أم الحكم: لا وصلتك يا معاوية رحم، فقال: وما أصنع بك؟ ابنك جنى هذا عليك.
قال هشام بن الكلبي والهيثم بن عدي: كان سبب عزل معاوية ابن أم الحكم، وهو عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي، أنه قيل لمعاوية: إن ابن أختك خطب في يوم جمعة قاعداً، وإن كعب بن عجزة رآه فقال: ألا ترون هذا الأحمق وما فعل، والله يقول " انفضوا إليها وتركوك قائماً " وإنه اشتد في أمر الخراج حتى قتل ابن صلوبا، وكان صاحب شراب يشرب مع سعد بن هبار من ولد أسد بن عبد العزى بن قصي، فقال حارثة بن بدر الغداني فيه:
نهاره في قضايا غير عادلةٍ ... وليله في هوى سعد بن هبار

(2/124)


لا يسمع الناس أصواتاً لهم خفيت ... إلا دويا دوي النحل في الغار
فيصبح القوم أطلاحاً أضر بهم ... سير المطي وما كانوا بسفار
لا يرقدون ولا تغضي عيونهم ... ليل التمام وليل المدلج الساري
فبلغ الشعر خاله معاوية، وقدم أبو بردة بن أبي موسى الأشعري على معاوية فقال له: أيشرب عبد الرحمن؟ قال: لا، قال: أفيسمع الغناء؟ قال: لا، قال: فما تنقمون عليه؟ قال: إنكاره بيعة يزيد ابن أمير المؤمنين، وظنه أن الفئ له وأنه أحق به، قال معاوية: فما نصنع بأبيات ابن همام؟ قال: كذب عليه، قال: أنشدني إياها إن كنت ترويها، فأنشده فقال معاوية: شربها والله الخبيث، وعزله وولى النعمان بن بشير الأنصاري الكوفة.
وقال الهيثم: قدم الفرزدق متعرضا لمعروف ابن أم الحكم فشرب مع بعض الكوفيين فأخذه صاحب العسس، فقالوا لابن أم الحكم: إن الفرزدق في حبسك، فأمر بإطلاقه وأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال:
فداك من الأقوام كل مزندٍ ... قصير يد السربال مسترق الشبر
فأنت ابن بطحاوي قريشٍ وإن تشأ ... تكن من ثقيفٍ في أرومتها الكبر
وأنت ابن سوار اليدين إلى العلى ... تلقت بك الشمس المنيرة للبدر
فقيل له: فضلت أمه على أبيه، فقال: إنها بنت قريع البطحاء أبي سفيان، وهو ابن اخت أمير المؤمنين.
ومدح الفرزدق ابن أم الحكم فقال:
إليك ابن عبد الله حملت حاجتي ... على صبر الأخفاف خوص المدامع
نواعج كلفن الذميل فلم تزل ... مقلصةٍ أبصارها كالشراجع
وما ساقها من خلةٍ أجحفت بها ... إليك ولا من قلةٍ في مجاشع
ولكنها اختارت بلادك رغبةً ... على من سواها من ثنايا المطالع
المدائني قال: خطبت أم الحكم إلى معاوية ابنته على ابنها فأبى تزويجه فقالت: قد زوج أبوك أباه، وأنا خير من ابنتك، وهو خير من أبيه، فقال: أن أبا سفيان كان سوقةً ونحن اليوم ملوك، وكان أبو سفيان يحب الزبيب والزبيب عندنا كثر، فقال ابن أم الحكم:إن علياً زوج ابنته ابن أخته، فقال معاوية: إن عليا زوج قرشياً وأنت ثقفي.
قالوا: وكانت لابن الزير الأسدي منزلة من ابن أم الحكم، فقتل قوم من بني أسد رجلاً من بني عم ابن الزبير، فخرج ابن أم الحكم وافداً إلى معاوية وابن الزبير معه، وكان مع ابن أم الحكم قوم من بني أسد، فكلموه في فتكة الرجل، فكلم ابن أم الحكم ابن الزبير في أن يقبل ديتين فأبى، فغضب عليه ابن أم الحكم ورده عن الوفد وتوعده، فاستجار بيزيد بن معاوية، وكان يزيد يتقص ابن أم الحكم، فقال ابن الزبير:
أبلغ يزيد ابن الخليفة أنني ... لقيت من الظلم الأغر المحجلا
بأن ابن عودٍ قد أناخ مطيتي ... بجو لقد أثويت مثوى مضللا
وقال تعلم أن رحلك ماكث ... بجو ونادى وفده فترحلا
فلا هو أعطى الحق حين سألته ... ولا هو إذا رس العداوة أجملا
فلولا أمير المؤمنين ودفعه ... وراءك كنت العاجز المتذللا
عياذاً أمير المؤمنين فلا أكن ودفعه ... طريد ابن عودٍ أو أسيراً مكبلا
وكان عبد الله أبو ابن أم الحكم دخل بستاناً فأفسد فيه فيلم على ذلك ومنع من البستان، فقال: اجعلوني كعودٍ من عيدان البستان. وقال ابن الكلبي: وكان قد كتب في هدم داره وحبس أهله فقال:
ألست ببغلٍ أمه عربية ... أبوه حمار أدبر الظهر ينخس
أتاني من أهلي كتاب بأننا ... حبسنا ولم يترك من المال منفس
وأن بناء الدار فض فأصبحت ... أما ليس ما فيها لضيفٍ معرس
فلله عينا من رأى من مسيرٍ ... كأسماء إذ تمشي قليلاً وتجلس
دعت دعوةً إذ عض كلبك ساقها ... ومن دونها مستنة الآل بسبس
فلو كان أزمان الطعان تركتها ... ذميماً وقد مارت دماء وأنفس
وصدك عنها من خزيمة أسرة ... يقودهم ذو نخوةٍ متغطرس
تصاغرت إذ جئت ابن حربٍ ورهطه ... وفي أرضنا أنت الهمام القلمس

(2/125)


فهل يعمرن الأرض ردك رحلتي ... وأسماء محروساً عليها المخيس
فقالت أم الحكم لمعاوية: أما تسمع هذا الشاعر يشتمني ويهجوني؟ فقال معاوية: ما شتمك ولا هجاك ولكنه مدحك.
وقال ابن الزبير:
ألا إن ذلا أن أقيم ببلدةٍ ... مؤمرة فيها على ثقيف
فأبلغ بني دودان أن أخاهم ... رهين بأرطال الحديد رسوف
يرد عليه الهم باب مضبب ... وذو طنفٍ دون السماء منيف
الطنف الإفريز ببعض الحائط ويروى وأجرد من دون يعني الحائط .
وذو بردةٍ له عجرفية ... عنيف وبواب السجون عنيف
المدائني قال: هجا ابن الزبير ابن أم الحكم، فقال له معاوية: ما دعاك إلى هجاء ابن أختي؟ قال: إنه هدم داري، قال: فأنا كنت أبنيها، قال: وأين كنت يومئذ منك؟ فابنها الآن وأنا أكف عنه، فقال: ومن يعلم أنه هدمها؟ قال: عبد الله بن عامر. فسأل عبد الله فقال: ما أدري ولكني أعطيته أربعين الف درهم فاشترى بها ساجاً.
وقال ابن الزبير أيضاً.
ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ... فقد خرب السواد فلا سوادا
وإن جبالنا خربت وبادت ... فقد تركت لحالبها جمادا
فهل لك أن تدارك ما لدينا ... وترفع عن رعيتك الفسادا
فإن أمينكم لا الله يخشى ... ولا ينوي لأمتكم سدادا
إذ ما قلت أقصر عن هواه ... تمادى في ضلالته وزادا
وقال المدائني: نازع مروان ابن عامر، فقال عبد الرحمن ابن أم الحكم: أما تجد ريح الفرث من هذا؟ فقال ابن عامر؛ أمني تجد ريح الفرث؟ أما إني لو شئت أن أختنك على الصفاة التي ختنت عليها أخاك لفعلت؛ فغلبه ابن عامر.
حدثني الرفاعي عن عمه عن ابن عياش الهمداني قال: قدم وفد أهل الكوفة على معاوية يشكون ابن أم الحكم إليه وزعمهم هانئ بن عروة، فقال: عليكم لعنة الله من أهل بلدٍ لا ترضون عن أميرٍ، فقال أبو بردة: قد سمعتم وأنا أعزله لكم، فدخلوا على يزيد، فقال هانئ: ما ننقم على عبد الرحمن أن لا نكون أحظى أهل المصر عنده، ولكنا غضبنا لك، وذلك أنه أتي بجام من مها أي بلور فقال: ارفعوها حتى نهديها إلى يزيد يشرب فيها الخمر بماء بردى، فقال يزيد: ومن سمع ذلك؟ قال أبو بردة: أنا، وقال غيره: أنا، فقام يزيد فدخل إلى معاوية فأخبره بقولهم، فقال هذا أمر مصنوع، فالله الله في ابن عمتك، فقال: ما شاء فليكن، أليس قد سمع به الناس؟ فعزل ابن أم الحكم وولى النعمان بن بشير الأنصاري.
وحدثني الرفاعي عن عمه عن ابن عياش قال: ولى معاوية ابن أم الحكم مصر فقال له معاوية بن حديج الكندي: يا بن أخي انما بعث بك أهلك ليفكهوك بها. الحق بأهلك؛ ثم إن ابن حديج قدم على معاوية فقالت له أم الحكم: يا أمير المؤمنين دعني اكلمه قال: لا تفعلي، قالت: بالقرابة لما فعلت، قال: فأنت وذاك، فقالت: يا بن حديج، ولا جزاك الله خيراً عن واحدي، قال ابن حديج: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: أم الحكم بنت أبي سفيان، قال: اسكتي أيتها الورهاء، فقد تزوجت فما استكرمت، وولدت فما أنجبت، فقال معاوية: قد والله نهيتها فأبت.
محمد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد أن خارجة بن زيد بن ثابت حدثه أن أباه كتب إلى معاوية في آخر كتابه: والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ومغفرته.

(2/126)


حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور عن أبيها قال: كتب معاوية إلى مروان وهو على المدينة أن يخطب أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر، وأمها زينب بنت علي. وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ابنه يزيد ويقضي عن عبد الله دينه، وكان خمسين ألف دينار، ويعطيه عشرة آلاف دينار، ويصدقها أربعمائة ويكرمها بعشرة آلاف دينار، فبعث مروان إلى ابن جعفر فأخبره فقال: نعم واستثنى رضاء الحسين بن علي، فأتى الحسين فقال له: إن الخال والد وأمر هذه الجارية بيدك، فأشهد عليه الحسين بذلك، ثم قال للجارية: يا بنية إنا لم نخرج منا غريبة قط، أفأمرك بيدي؟ قالت: نعم؛ فأخذ بيد القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب فأدخله المسجد، وبنو هاشم وبنو أمية وغيرهم مجتمعون، فحمد مروان الله واثنى عليه ثم قال: ان أمير المؤمنين قد أحب أن يزيد القرابة لطفاً والحق عظماً، وأن يتلافى ما كان بين هذين الحيين بصهرهما، وعائدة فضله وإحسانه على بني عمه من بني هاشم، وقد كان من عبد الله في ابنته ما يحسن فيه رأيه، وولى أمرها الحسين خالها، وليس عند الحسين خلاف أمير المؤمنين؛ فتكلم الحسين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ان الإسلام دفع الخسيسة وتمم النقيصة وأذهب اللائمة، فلا لوم على مسلم إلا في أمر مأثم؛ وإن القرابة التي عظم الله حقها وأمر برعايتها، وأن يسأل نبيه الأجر له بالمودة لأهلها قرابتنا أهل البيت، وقد بدا لي أن أزوج هذه الجارية من هو أقرب نسباً وألطف سبباً، وهو هذا الغلام، وقد جعلت مهرها عنه البغيبغة؛ فغضب مروان وقال: غدراً يا بني هاشم؟! ثم قال لعبد الله بن جعفر: ما هذا بمشبهٍ أيادي أمير المؤمنين عندك، فقال عبد الله: قد أخبرتك أني جعلت إمرها إلى خالها فقال الحسين: رويدك، ألا تعلم يا مسور بن مخرمة ان حسين بن علي خطب عائشة بنت عثمان، حتى إذا كنا في مثل هذا المجلس، وقد أشفينا على الفراغ، وقد ولوك يا مروان أمرها قلت: قد رأيت ان أزوجها عبد الله بن الزبير؟ قال مروان: قد كان ذلك، قال الحسين: فأنتم أول الغدر وموضعه، ثم نهض فقال مروان للمسور: يا أبا عبد الرحمن والله لغيظي على عبد الله بن جعفر أشد من غيظي على الحسين، لرأي أمير المؤمنين فيه وأياديه عنده، ولأن الحسين وغر الصدر علينا وعبد الله سليم الصدر لأمير المؤمنين لصنائعه عنده، فقال المسور: لا تحمل على القوم، فالذي صنعوا أفضل، وصلوا رحماً ووضعوا كريمتهم حيث أرادوا، فأمسك مروان.
قال: وحدثني عبد الحميد بن حبيب عن أشياخه قالوا: لما أخذ معاوية البيعة ليزيد على أهل الحجاز وقدم الشام قال له: يا بني إني قد وطأت لك الأمور وأخضعت لك أعناق العرب، ولم يبق الا هؤلاء النفر وهم حسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، ولست أتخوف أن ينازعك في هذا الأمر غيرهم، فاما حسين فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه عليك، فإن قدرت فاصفح عنه، فلو أني الذي إلي أمره لعفوت عنه، وأما ابن عمر فرجل قد وقذته العبادة وقراءة القرآن وتخلى من الدينا، ولا أظنه يرى قتالك على هذا الأمر، ولا يريده ما لم يأته عفواً، وأما عبد الرحمن فشيخ عشمة هامة اليوم أو غدٍ وهو مشغول عنك بالنساء، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب، فهو عبد الله بن الزبير، فإذا فعلها واستمكنت منه فلا تبق عليه، قطعه إرباً إرباً إلا أن يلتمس منك صلحاً، فإن فعل فاقبل منه، واحقن دماء قومك ما استطعت. ولم يمكث إلا يسيراً حتى أتاه موت عبد الرحمن بن أبي بكر فدعا يزيد فبشره بذلك

(2/127)


وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن عوانة قال: قال معاوية لابنه في وصيته: يا بني إني قد وطأت لك الأشياء، وأذللت لك الأعداء، وأخضعت أعناق الناس ببيعتك، فانظر أهل مكة والمدينة فأكرمهم، فإنهم أصلك ومنصبك: من ورد عليك منهم فأكرمه، ومن لم يأتك فابعث إليه بصلته، وانظر أهل العراق فإنهم أهل طعنٍ على الأمراء وملالةٍ لهم، فإن يسألوك أن تبدل لهم كل يوم عاملاً فافعل، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك وحصنك، فمن رابك أمره فارمه بهم، فإذا فرغوا فأقفلهم إليك فإني لا آمن الناس على إفسادهم وقد كفاك الله عبد الرحمن بن أبي بكر، فلست أخاف عليك إلا: حسيناً، وابن عمر، وابن الزبير، فأما حسين فلست أشك في وثوبه عليك، فسيكفيكه من قتل أباه وجرح أخاه، إن آل أبي طالب قد مدوا أعناقهم إلى غايةٍ أبت العرب أن تعطيهم المقادة فيها، وهم محدودون، وأما ابن عمر فقد وقذه الإسلام وشغله عن منازعتك، وأما ابن الزبير فخب خدع فإذا شخص إليك فالبد له فإنه ينفسخ على المطاولة.
حدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بحبشي وهو على اثني عشر ميلاً من مكة فحمل ودفن بمكة، فلما قدمت عائشة مكة من المدينة أتت قبره فقالت:
وكنا كندماني جذيمة حقبةً ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
قالوا: وتوفيت عائشة سنة ثمان وخمسين. وروى بعضهم أن عبد الرحمن كان باقياً حتى مات معاوية، وذلك باطل.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة وغيره قالوا: لما حضرت معاوية الوفاة وذلك في سنة ستين كان يزيد غائباً، فدعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، وكان على شرطه، ومسلم بن عقبة بن رياح بن أسعد المري، فأوصى إليهما فقال: بلغا يزيد وصيتي، وكتب فيها: يا بني انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك فأكرم من قدم عليك منهم، وتعهد من غاب عنك من وجوههم، وانظر أهل العراق وإن سألوك أن تعزل عنهم في كل يوم عاملاً فافعل، فإن عزل عاملٍ أهون عليك من أن تشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فإنهم بطانتك وعيبتك فإذا رابك من عدو شيء فانتصر بهم ثم ردهم إلى بلادهم فإن هم أقاموا في غيرها فسدت أخلاقهم.
حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم وغيره قال: جامع معاوية جارية له خراسانية ثم حم من يومه فمات من مرضه ذلك.
حدثني هشام بن عمار قال: مات معاوية وعامله على مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري، وقد كان ولى ابن أم الحكم مصر بعد الكوفة.
وحدثني محمد بن مصفى عن بقية عن الزبيدي عن الزهري قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فشكر وأثنى، فقال: لكن أبا سفيان أعطي فلم يثن ولم يشكر، فبلغ ذلك معاوية فقال: إن أبي يرى له حقاً على الكرام.
قالوا: وولى معاوية روح بن زنباع الجذامي عملاً، فرجم رجلاً وامرأة فقال الشاعر:
إن الجذامي روحاً في إقامته ... حد الإله لمعذور وإن عجلا
فبلغ معاوية هذا البيت فقال: أولى الأمور بالتعجيل أداء حقوق الله.
وحدثني هشام بن عمار قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما أتى الشام رأى معاوية في موكبٍ يغدو ويروح فيه، فقال له: يا معاوية تروح في موكبٍ وتغدو في مثله، وبلغني أنك تصبح في منزلك وذوو الحاجات ببابك، فقال: يا امير المؤمنين إنا بأرضٍ عدونا قريب منها، وله علينا عيون ذاكية، فأردت أن يروا للإسلام عزاً، فقال عمر: إن هذا لكيد لبيبٍ أو خدعة أريبٍ، فقال معاوية: يا امير المؤمنين فأمرني بما شئت أنته إليه، قال: ويحك ما ناظرتك في أمر أعتب فيه عليك إلا تركتني منه في أضيق سبلي حتى ما أدري أآمرك أم أنهاك.
وقال هشام والمدائني: كان عمر يرى معاوية فيقول: هذا كسرى العرب.
وحدثني محمد بن مصفى الحمصي عن أشياخهم أن معاوية بنى الخضراء بدمشق من لبن وطين، فقدم عليه وفد صاحب الروم فقال لهم: كيف ترون بائي هذا؟ قالوا: ما أحسنه إلا أنك تبنيه لنفسك وللعصافير، يريدون أن العصافير تحفره وتنقره، ولم تبنه ليبقى لمن بعدك، فهدمها وبناها بالحجارة.

(2/128)


المدائني قال: شخص سليمان بن قتة مولى بني تيم إلى سعيد بن عثمان فلم يصله، فقيل له: إنه يهجوك فقال: أويهجوني وانا ابن عثمان بن عفان؟! فبلغ ابن قتة قوله فقال: صدق والناس كلهم بنو آدم، فمنهم ذهب ومنهم فضة ومنهم نحاس فسعيد فلس بني عثمان؛ وقال:
سألت قريشاً عن سعيدٍ فأجمعوا ... عليه وقالوا معدن اللؤم والبخل
فقلت لنفسي حين أخبرت أنه ... بخيل ألا ليس ابن عثمان من شكلي
فكم من فتى كز اليدين مذممٍ ... وكان أبوه عصمة الناس في المحل
فأجمعت يأساً حين أيقنت أنه ... بخيل وقد ألقى على غاربي رحلي
فوجهت عنساً نحو عمروٍ فأسرعت ... مواشكةً تهوي مواشكة الفحل
إلى ماجد الجدين سبطٍ بنانه ... إذا سئل المعروف يهتز كالنصل
يعني عمرو بن سعيد بن العاص؛ فشكا سعيد حين قدم على معاوية ابن قتة، فقال له: كان ينبغي لك أن تفتدي منه عرضك، وأعطاه عمرو بن سعيد ألف دينار وجارية فقال:
ودون سعيدٍ إن أراد ظلامتي ... أغر كريم الوالدين نجيب
سيمنعني من خطة الضيم سيفه ... ورأي إذا حار الرجال صليب
فأعطاه سعيد بن عثمان ألفاً وجارية فقال:
لقد نالني سيب ابن عثمان بعدما ... يئست وكان المرء ترجى فضائله
فجاد كما جاد السحاب ولم يكن ... بكيئاً ولكن غرقتنا نوافله
وإن عاد عدنا للذي هو أهله ... وأحظى عباد الله بالخير فاعله
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده وشرقي بن القطامي قالا: ولي معاوية الشام لعمر وعثمان، فأتاه وهنو بالشام بحدل بن أنيف بن دلجة من ولد حارثة بن جناب الكلبي بابن أخ له قد قتل أخاه، وكان ابنا أخيه هذان خطبا ميسون بنت بحدل جميعاً فزوج المقتول، فإن رأسه لفي حجرها وهي تفليه إذ دخل عليه أخوه بصخرة فلق بها رأسه، فلما أتى معاوية قال له: عن شئت قتلته لك فذهب ابنا أخيك جيمعاً، وإن شئت فالدية، فقبل الدية.
ووجه معاوية بعد ذلك رسولاً إلى بهدل بن حسان بن عدي بن جبلة بن سلامة بن عليم بن جناب الكلبي ليخطب عليه ابنته، وكانت بكراً، فغلط فمضى إلى بحدل بن أنيف فخطب ابنته، فزوجه ميسون، فقال عمرو الزهري من كلب يهجو حسان بن مالك بن بحدل:
إذا ما انتمى حسان يوماً فقل له ... بميسون نلت المجد لا بابن بحدل
بخمصانةٍ ريا العظام كأنها ... من الوحش مكحول المدامع عيطل
ولولا ابن ميسونٍ لما ظلت عاملاً ... تخمط أبناء الأكارم من عل
وما كان يرجو مالك أن يرى ابنه ... على منبرٍ يقضي القضاء بفيصل
ألا بهدلاً كانوا أرادوا فضللت ... إلى بحدلٍ نفس الرسول المضلل
فشتان إن قايست بين ابن بحدلٍ ... وبين ابن ذي الشرط الأغر المحجل
وكان لعدي بن جبلة بن سلامة شرط في قومه: لا يدفنوا ميتاً حتى يكون هو الذي يخط له موضع قبره، وفيه يقول طعمة بن مدفع الكلبي:
عشية لا يرجو امرؤ دفن أمه ... إذا هي ماتت أو يخط لها قبرا
وقال المدائني: طلق معاوية ميسون وهي حامل، وكان زوجها الذي قتل عنها زامل بن عبد الأعلى فرماه بعض الأعراب؛ ولم يقل شيئاً، والصحيح أن الذي قتله أخوه.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي السائب قال: كان رأس معاوية كبيراً فقال أبو سفيان: والله ليسودن ابني هذا قريشاً، فقالت هند: إني لأرجو أن يسود العرب قاطبة.
حدثني عباس بن هشام عن ابيه عن عوانة قال: بلغ معاوية وهو مريض أن قريشاً ببابه تتباشر بموته، فلما دخلوا عليه دعوا له، فقال: أتتباشرون بموتي إذا خلوتم وتدعون لي إذا حضرتم؟! فانتفوا من ذلك واعتذروا، فقبل منهم، وقال:
وهل من خالدٍ إما هلكنا ... وهل في الموت يا للناس عار
حدثني هشام بن عمار قال: أغمي على معاوية في مرضه ثم فتح عينيه فقال: اتقوا الله فإن من اتقاه وقاه، ولا وقاء لمن لم يتق الله.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي السائب قال: لما احتضر معاوية رضي الله تعالى عنه قال:

(2/129)


إن تناقش يكن نقاشك يا ر ... ب عذاباً لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت رب غفور ... عن مسيءٍ ذنوبه كالتراب
حدثني أبو مسعود الكوفي عن أبي عوانة قال: لما حضرت معاوية الوفاة وضع رأسه في حجر رملة ابنته، فجعلت تقلبه فقال: انك لتقلبينه حولا قلباً، ثم تمثل قول الشاعر:
لا يبعدن ربيعة بن مكدمٍ ... وسقى الغوادي قبره بذنوب
وقال المدائني، قال معاوية لابنتيه وهما تقلبانه في مرضه: قلباه حولا قلباً، جمع المال من شب إلى دب، فليته لا يدخل النار، ثم تمثل:
لقد سعيت لكم سعي امرئٍ نصبٍ ... وقد كفيتكم التطواف والرحلا
المدائني عن بشر بن موسى وأبي ظبية الحماني قالا: أغمي على معاوية في مرضه الذي مات فيه فقالت رملة ابنته، أو امرأة من أهله، متمثلة بشعر الأشهب بن رميلة:
إذا مت مات الجود وانقطع الندى ... من الناس ألا من قليلٍ مصرد
وردت أكف السائلين وأمسكوا ... من الدين والدنيا بخلفٍ مجدد
ثم أفاق وأغمي عليه فأنشدت:
لو دام شيء لها لدام أبو ... حيان لا عاجز ولا وكل
الحول القلب الأريب وهل ... يدفع زور المنية الحيل
ويقال إن معاوية أفاق فأنشد البيتين. وكان معاوية ينشد:
وهل من خالدٍ إما هلكنا ... وهل في الموت يا للناس عار
وحدثت عن هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم أنه قال: جعل معاوية يهذي في مرضه ويقول: كم بيننا وبين الغوطة؟ فقالت ابنته: واحرباه، فأفاق وقال: إن تنفري فقد رأيت منفراً المدائني عن علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون عن أبيه أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني قميصاً فرفعته، وقلم أظفاره فأخذت قلامتها فجعلتها في قارورةٍ، فإذا مت فألبسوني القميص، واسحقوا تلك القلامة وذروها في عيني، واجعلوا القميص بين جلدي وكفني فعسى، ثم تمثل:
إذا مت مات الجود وانقطع الندى ... من الناس إلا من قليلٍ مصرد
وردت أكف السائلين وأمسكوا ... من الدين والدنيا بخلفٍ مجدد
فقالت رملة أو بعض أهله: بل يدفع الله عنك، فقال:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع
وحدثني هشام بن عمار عن عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: كنت أوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: ألا أكسوك قميصاً؟ قلت: بلى بأبي أنت وأمي، فنزع قميصاً كان عليه فكسانيه، وقلم أظفاره فأخذت قلامتها، فإذا مت فألبسوني القميص، وخذوا القلامة فاجعلوها في عيني، فعسى الله.
المدائني عن محمد بن الحكم عن أبيه أن معاوية أمر برد نصف ماله إلى بيت المال كأنه أراد أن يطيب له الباقي، وقال: إن عمر بن الخطاب قاسم عماله.
المدائني عن أبي زكريا العجلاني قال: دخل عمرو بن سعيد الأشدق على معاوية وهو ثقيل، فقال: كيف أصبحت يا امير المؤمنين؟ قال: أصبحت صالحاً، قال: أصبحت عينك غائرةً ولونك كاسفاً وأنفك ذابلاً، فاعهد أيها الرجل ولا تخدع نفسك، فتمثل معاوية:
وهل من خالدٍ إما هلكنا ... وهل في الموت يا للناس عار
فلما خرج قال له قائل: ما كنت أحب لك أن تسمعه هذا الكلام، فقال عمرو: والله ما أحب أنه سبقني بنفسه ولم أسمعه ما أسمعته من هذا الكلام.
المدائني عن إسحاق بن ايوب عن خالد بن عجلان قال: ثقل معاوية ويزيد بحوارين، فأتاه الرسول بخبره، فجاء وقد دفن معاوية، فلم يدخل منزله حتى أتى قبره، فترحم عليه ودعا له ثم انصرف إلى منزله وقال:
جاء البريد بقرطاسٍ يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا لك الويل ماذا في كتابكم ... قال الخليفة أمسى مثبتاً وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأن أغبر من أركانه انقلعا
ثم أنبعثنا على خوصٍ مزممةٍ ... نرمي الفجاج بها لا نأتلي سرعا
وما نبالي إذا بلغن أرحلنا ... ما مات منهن بالبيداء أو ظلعا

(2/130)


من لا تزل نفسه تشفي على تلفٍ ... توشك مقادير تلك النفس أن تقعا
لما انتهينا وباب الدار منصفق ... لصوت رملة ريع القلب فانصدعا
ثم ارعوى القلب شيئاً بعد طيرته ... والنفس تعلم أن قد أثبتت جزعا
أودى ابن هندٍ وأودى المجد يتبعه ... كانا جميعاً خليطاً قاطنين معا
أغر أبلج يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة وغيره قالوا: توفي معاوية للنصف من رجب سنة ستين وله اثنتان وثمانون سنة؛ فلما قبض صعد الضحاك بن قيس الفهري المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن معاوية أمير المؤمنين كان عود العرب وحدها ونابها، قطع الله به الفتنة وجمع به الكلمة، وملكة، وملكه خزائم العباد وفتح له البلاد، ألا وإنه قد مات وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها ثم مدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين ربه، ثم هو الهرج إلى يوم القيامة، فمن كان يريد أن يشهده فليحضر عند الظهر. قال هشام: وكانت اكفان معاوية في يد الضحاك وهو يخطب؛ قال هشام: ويقال إن معاوية مات في أول رجب سنة ستين، وكان عمره سبعاً وسبعين سنة.
أبو الحسن المدائني عن أبي أيوب عن عمرو بن ميمون قال: خرج الضحاك حين مات معاوية فقال: إن معاوية أمير المؤمنين كان عبداً من عبيد الله أطفأ الله به الفتن، وبسط به الدنيا، فقد قضى نحبه، ونحن رائحون به مدرجاً في أكفانه، ومدخلوه في قبره ومخلون بينه وبين ربه وعلمه، فإن شاء الله رحمه وإن شاء عاقبه.
حدثني العمري عن ابن عدي عن ابن عياش قال: كان يزيد بن معاوية حين مات أبوه بحوارين، فقدم وقد دفن أبوه عند الباب الصغير بدمشق، فاتى قبره فدعا له ثم انصرف فخطب فقال: إن معاوية كان عبداً من عبيد الله أنعم عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده ودون من قبله، ولا أزكيه على الله فهو أعلم، فإن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، ولن أني عن طلبٍ ولا أعتذر من تفريط، وعلى رسلكم إذا أراد الله شيئاً كان.
وحدثني الحسن بن علي الحرمازي عن علي القصير عن أبي يعقوب الثقفي قال: عزى عطاء بن أبي صيفي الثقفي يزيد حين مات معاوية فقال: ياأمير المؤمنين إنك رزئت الخليفة، وأعطيت الخلافة، قضى معاوية نحبه فغفر الله له ذنبه، ووليت الرئاسة وكنت أحق بالسياسة، فاحتسب عند الله عظيم الرزية، واشكره على حسن العطية، أعظم الله على أمير المؤمنين أجرك، وأحسن على الخلافة عونك.
وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن عوانة وابن عياش قالا: لما مات معاوية جاء عبد الله بن همام السلولي أو غيره فقال: يا أمير المؤمنين أعظم الله أجرك في الخليفة، وبارك لك في الخلافة، ثم أنشد:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقةً ... واشكر عطاء الذي بالملك أصفاكا
أصبحت لا زرء في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
أعطيت طاعة أهل الأرض كلهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا فقدت ولا نسمع بمنعاكا
قال أبو الدرداء العنبري يرثي معاوية:
ألا أنعى معاوية بن حربٍ ... نعاه الحل والشهر الحرام
نعته الناعجات لكل حي ... خواضع في الأزمة كالسهام
فهاتيك النجوم وهن خرس ... ينحن على معاوية الشآمي
قال أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:
رمى المقدار نسوة آل حربٍ ... بحادثةٍ سمدن لها سمودا
فرد شعورهن السود بيضاً ... ورد خدودهن البيض سودا
فإنك لو سمعت بكاء هندٍ ... ورملة إذ يلطمن الخدودا
بكيت بكاء موجعة بحزنٍ ... أصاب الدهر واحدها الفريدا
وقال الأحوص:
يا أيها الرجل الموكل بالصبا ... وصبا الكبير إذا صبا تضليل
قدم لنفسك قبل يومك صالحاً ... واعمل فليس إلى الخلود سبيل
إن الحمام لطالب لك لاحق ... والموت ربع إقامةٍ محلول
لابد من يومٍ لكل معمرٍ ... فيه لعدة عمره تكميل

(2/131)


والناس أرسال إلى أمدٍ لهم ... يمضي لهم جيل ويخلف جيل
إن امرءاً امن الزمان وقد رأى ... غير الزمان وريبه لجهول
أين ابن هندٍ وهو فيه عبرة ... أفما اقتديت بمن له معقول
ملك تدين له الملوك مبارك ... كادت لمهلكه الجبال تزول
تجبى له بلخ ودجله كلها ... وله الفرات وما سقى والنيل
والشام أجمع داره فبكله ... تلفى كتائب جمة وخيول
وبكل أرضٍ للعدى من غزوه ... حصن يخرب أو دم مطلول
يقضى فلا خرق ولا متتعتع ... لغباوةٍ في القول حين يقول
لو أنه وزن الجبال بحلمه ... لوفى بها ثقلاً بها ويميل
متأثل ما إن يظن لملكه ... عنه ولا لسروره تحويل
فأزال ذلك ريب يومٍ واحدٍ ... عنه وحكم ما له تبديل
حتى ثوى جدثاً كأن ترابه ... مما تطيره الصبا منخول
وهو الذي لو كان حي خالداً ... يوماً لكان على المنون يؤول
وحدثني هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش أبي عتبة عن صفوان بن عمرو أن عبد الملك مر بقبر معاوية فوقف عليه فترحم، فقال له رجل من قريش: قبر من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: قبر رجلٍ كان والله ما علمته ينطق عن علم ويسكت عن حلم، إذا أعطى أغنى وإذا حارب أفنى، ثم عجل له الدهر ما أخره لغيره ممن بعده، هذا قبر أبي عبد الرحمن معاوية يرحمه الله.
ووجدت في كتاب لعبد الله بن صالح العجلي: ولى معاوية المدينة مروان بن الحكم ثم عزله وولى سعيد بن العاص، ثم رد مروان ثم عزله وولى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وولى معاوية مكة عتبة بن أبي سفيان ثم عزله، وولى خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي ثم عزله، وولى عنبسة بن أبي سفيان وضم إليه الطائف، فلم يزل عليها حتى مات في سنة ثمان وأربعين، فضم مكة إلى مروان أشهراً، ثم عزله وولى سعيد بن العاص المدينة ومكة والطائف، فولى سعيد ابنه عمراً الأشدق مكة والطائف، فانشد عليهم وعسفهم، فشكاه عبد الله بن صفوان بن أمية، فعزل معاوية سعيداً عن عمله وولى مروان المدينة ومكة، فقال ابن صفوان لعمرو بن سعيد: الحمد الله الذي عزلك عن رقاب قريش، فقال: عزلني عن رقبتك ووضعني على رأسك، ثم عزل مروان وولى الوليد بن عتبة المدينة ومكة.
وقال أبو الحسن المدائني: كان كاتب معاوية سرجون مولاه، وكان على شرطه يزيد بن الحر العبسي، ثم زمل بن عمرو؛ وكان معاوية أول من اتخذ حرساً؛ وولى حرسه الضحاك بن قيس، ثم ولاه شرطه، وصير على حرسه يزيد بن الحر.
قال المدائني، قال معاوية للأحنف: من اعز أهل العراق؟ قال: بنو الحارث بن كعب: الربيع بن زياد على خراسان، وقطن بن عبد الله على أذربيجان، وشريك بن الأعور على فارس وكرمان، وكثير بن شهاب على الري، والسري بن وقاص على أعمال الكوفة، وزياد بن النضر على أصبهان، فكتب معاوية إلى زياد: رايت جل عمالك بني الحارث بن كعب، فكتب إليه زياد: وجدت فيهم خلتين لو كانتا في الزنج لوليتهم، معهما الأمانة والكفاية.
وقال المدائني عن جويرية بن أسماء: كتب مروان إلى معاوية يسأله تولية عبد الملك بن مروان ديوان المدينة ففعل، فكان عليه إلى آخر أيام يزيد.
المدائني عن جعفر بن سليمان الضبعي قال: ذكر محمد بن مسلمة الأنصاري عند معاوية قتل كعب بن الأشرف اليهودي، فقال يهودي كان عند معاوية: غدر به، فقال محمد: يا معاوية أتمسك عنه وقد نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغدر؟ فقال لليهودي: اخرج عنا، وطلبه محمد فلم يقدر عليه، وقال لمعاوية: والله لا كلمتك أبداً ولأقتلن اليهودي إن قدرت عليه.
المدائني قال: كتب عبد الله بن الزبير إلى معاوية: غنك كنت اذنت لي في سفينة من الجار، فكان لنا في ذلك مرفق، وقد قطعت ذلك، فإن أذنت لنا فيها فقد أحسنت، وإن أبيت فعسى أن يكون ذلك خيراً، وعندي فلانة وفلانة ولهن بك حرمه، وبهن إلى صلتك حاجة وهن أيتام فوصلهن.

(2/132)