صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : أنساب الأشراف
المؤلف : أنساب الأشراف
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وكان معاوية ولى النعمان الكوفة بعد عبد الرحمن بن أم الحكم، وكان النعمان عثمانياً مجاهراً ببغض علي، سيء القول فيه، وبعثوا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وال التيمي فقدما بالكتاب على الحسين لعشر ليال خلون من شهر رمضان بمكة، ثم سرحوا بعد ذلك بيومين قيس بن مسهر بن خليد الصيداوي من بني أسد، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدر الأرحبي وعمارة بن عبد السلولي، فحملوا معهم نحواً من خمسين صحيفة، الصحيفة من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة، وكتبوا معهما: أما بعد فحي هلا، فإن الناس منتظرون لا إمام لهم غيرك، فالعجل، ثم العجل، ثم العجل، والسلام.
قالوا: وكتب إليه أشراف أهل الكوفة شبث بن ربعي اليربوعي، ومحمد بن عمير بن عطارد بن حاجب التميمي، وحجار بن أبجر العجلي، ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني، وعزرة بن قيس الأحمسي، وعمرو بن الحجاج الزبيدي: أما بعد فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، فإذا شئت فأقدم علينا فإنما تقدم على جند لك مجند، والسلام.
فتلاحقت الرسل كلها واجتمعت عنده فأجابهم على آخر كتبهم وأعلمهم أن قد قدم مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليعرف طاعتهم وأمرهم، ويكتب إليه بحالهم ورأيهم، ودعا مسلماً فوجهه مع قيس بن مسهر وعمارة بن عبد، وعبد الرحمن بن عبد الله بن ذي الكدر، فكتب إليه مسلم من الطريق: إني توجهت مع دليلين من أهل المدينة فضلا عن الطريق واشتد عليهما العطش حتى ماتا، وصرنا إلى الماء فلم ننج الا بحشاشة أنفسنا، وقد تطيرت من وجهي هذا، فإن رأيت أن تعفيني منه وتبعث غيري فافعل.
فكتب إليه الحسين: أما بعد فقد خشيت أن يكون الذي حملك على الكتاب إلي بالاستعفاء من وجهك الجبن، فامض لما أمرتك به.
فمضى لوجهه، وكان من حين مقتله ما قد ذكرناه في خبر ولد عقيل بن أبي طالب، وكان مخرج مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة ستين، ويقال يوم الأربعاء لتسع خلون من ذي الحجة سنة ستين، يوم عرفة بعد خروج الحسين من مكة مقبلاً إلى الكوفة بيوم.
وكان الحسين خرج من المدينة إلى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث ليال خلون من شعبان، فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان، وشوال، وذو القعدة، ثم خرج منها يوم الثلاثاء لثمان ليال خلون من ذي الحجة يوم التروية وهو اليوم الذي خرج فيه مسلم بالكوفة، وقد يقال إنه خرج بالكوفة يوم الأربعاء وهو يوم عرفة.
وحدثني بعض قريش أن يزيد كتب إلى ابن زياد: بلغني مسير حسين إلى الكوفة وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعوذ عبداً كما يعتبد العبيد.
خروج الحسين بن علي
من مكة إلى الكوفة
قالوا: ولما كتب أهل الكوفة إلى الحسين بما كتبوا به فاستخفوه للشخوص، جاءه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي بمكة فقال له: بلغني أنك تريد العراق وأنا مشفق عليك من مسيرك لأنك تأتي بلداً فيه عماله وامراؤه ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه، فقال له: قد نصحت ويقضي الله.
وأتاه عبد الله بن عباس فقال له: يا بن عم إن الناس قد أرجفوا بأنك سائر العراق فقال: نعم. قال ابن عباس، فإني أعيذك بالله من ذلك، أتذهب رحمك الله إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم، فإن كانوا قد فعلوا فسر إليهم وان كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله يجبون خراج بلادهم فإنما دعوك إلى الحرب والقتال، فلا آمن من أن يغروك ويكذبوك ويستنفروا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك ؟ قال الحسين: فاني أستخير الله وأنظر.
ثم عاد ابن عباس إليه فقال: يا بن عم إني أتصبر فلا أصبر، إني أتخوف عليك الهلاك إن أهل العراق قوم غدر، فأقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز، فإن أرادك أهل العراق وأحبوا نصرك فاكتب إليهم أن ينفوا عدوهم ثم صر إليهم، وإلا فإن في اليمن جبالاً وشعاباً وحصوناً ليس بشيء من العراق مثلها، واليمن أرض طويلة عريضة ولأبيك بها شيعة فأتها ثم أبثث دعاتك وكتبك يأتك الناس.

(1/411)


فقال له الحسين: يا بن عم، أنت الناصح الشفيق ولكني قد أزمعت المسير ونويته، فقال ابن عباس: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وأصبيتك فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه ينظرن إليه.
ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بابن الزبير فقال له: قرت عينك يا بن الزبير بشخوص الحسين عنك، وتخليته إياك والحجاز، ثم قال:
يا لك من قبّرةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقّري ما شئت أن تنقري
وروي أن ابن عباس خرج من عند حسين وهو يقول: واحسيناه أنعي حسيناً لمن سمع.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا شبابة بن سوار عن رجال - قال: أحسبه يحيى بن اسماعيل بن سالم الأزدي - عن الشعبي قال: لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة قال له ابن عمر حين أراد توديعه: أطعني وأقم ولا تخرج فوالله ما زواها الله عنكم إلا وهو يريد بكم خيراً. فلما ودعه قال: استودعك الله من قتيل.
وحدثني غير أحمد بن إبراهيم عن شبابه عن يحيى بن اسماعيل عن الشعبي ان ابن عمر كان بمكة فقدم المدينة، فأخبر بخروج الحسين فلحقه على مسيرة ثلاث ليال من المدينة فقال له: أين تريد ؟ قال: العراق، قال: لا تأتهم، لأنك بضعة من رسول الله، والله لا يليها منكم أحد أبداً، وما صرفها الله عنكم الا للذي هو خير لكم.
فقال: هذه بيعتهم وكتبهم، فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: استودعك الله من قتيل والسلام.
وحدثني الحسين بن علي عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش قال: كتب الأحنف إلى الحسين وبلغه أنه على الخروج " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون " .
قالوا: وعرض ابن الزبير على الحسين أن يقيم بمكة فيبايعه ويبايعه الناس، وإنما أراد بذلك أن لا يتهمه وأن يعذر في القول - فقال الحسين: لأن أقتل خارجا من مكة بشبر أحب إلي من أن أقتل فيها، ولأن أقتل خارجاً منها بشبرين أحب إلي من أن أقتل خارجاً منها بشبر.
قالوا: واعترضت الحسين رسل عمرو بن سعيد الأشدق وعليهم أخوه يحيى بن سعيد بن العاصي بن أبي أحيحة، فقالوا له: انصرف إلى أين تذهب، فأبى عليهم. وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط، ثم ان حسيناً وأصحابه امتنعوا منهم امتناعاً قوياً، ومضى الحسين على وجهه فنادوه: يا حسين ألا تتقي الله، أتخرج من الجماعة ؟ قالوا: ولقي الحسين بالتنعيم عيراً قد أقبل بها من اليمن بعث بها بجير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن، وعلى العير ورس وحلل، ورسله فيها ينطلقون إلى يزيد، فأخذها الحسين فانطلق بها معه وقال لأصحاب الإبل: لا أكرهكم من أحب أن يمضي معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض. فأوفى من فارقه حقه بالتنعيم، وأعطى من مضى معه وكساهم، فيقال إنه لم يبلغ كربلاء منهم الا ثلاثة نفر، فزادهم عشرة دنانير عشرة دنانير، وأعطاهم جملاً جملاً، وصرفهم.
ولما صار الحسين إلى الصفاح لقيه الفرزدق ابن غالب الشاعر فسأله عن أمر الناس وراءه فقال له الفرزدق: الخبير سألت، إن قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء من السماء، والله يفعل ما يشاء، فقال الحسين: صدقت.
وحدثني إسحاق الفروي أبو موسى عن سفيان بن عيينة عن لبطة بن الفرزدق عن أبيه قال: لقيني الحسين وهو خارج من مكة في جماعة عليهم يلامق الديباج فقال: ما وراءك ؟ قلت: أنت أحب الناس إلى الناس، والسيوف مع بني أمية، والقضاء من السماء.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة بن الحكم عن لبطة بن الفرزدق قال: أخبرني أبي قال: لقيت الحسين فقلت له: القلوب معك والسيوف مع بني أمية، وإذا في لسانه ثقل من برسام كان عرض له بالعراق.
حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير عن أبيه عن الزبير بن الخريت قال: سمعت الفرزدق قال: لقيت الحسين بذات عرق وهو يريد الكوفة، فقال لي: ما ترى أهل الكوفة صانعين، فإن معي جملاً من كتبهم. قلت: يخذلونك فلا تذهب فإنك تأتي قوماً قلوبهم معك وأيديهم عليك. فلم يطعني.
قالوا: ولحق الحسين عون بن عبد الله بن جعدة بن هبيرة بذات عرق بكتاب من أبيه يسأله فيه الرجوع، ويذكر ما يخاف عليه من مسيره، فلم يعجبه.
وبلغ ابن الحنفية شخوص الحسين وهو يتوضأ فبكى حتى سمع وقع دموعه في الطست.

(1/412)


وحدثنا عباس بن هشام بن الكلبي، ثنا معاوية بن الحارث عن شمر أبي عمرو عن عروة بن عبد الله الجعفي قال: كان عبد الله بن يسار - ويسار هو أبو عقب - قدم علينا فقال: ان حسيناً قادم فانصروه وجعل يحض على القتال معه، وكان يقول: يقتلني رجل يقال له عبيد الله. فتطلبه ابن زياد فتوارى وتزوج امرأة من مراد، فأتاه عبيد الله بن الحر فاستخرجه ثم أتى به السبخة فقتله.
قالوا: ولما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين إلى الكوفة بعث الحصين بن تميم بن أسامة التميمي، ثم أحد بني جشيش بن مالك بن حنظلة، صاحب شرطه، حتى نزل القادسية ونظم الخيل بينها وبين خفان، وبينها وبين القطقطانة إلى لعلع.
وكتب الحسين حين بلغ الحاجر مع قيس بن مسهر الصيداوي من بني أسد إلى أهل الكوفة: أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملأكم على نصرنا، والطلب بحقنا فأثابكم الله على ذلك أعظم الأجر، فاكمشوا أمركم، وجدوا فيه فإني قادم عليكم في أيامي إن شاء الله، والسلام.
وقد كان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل ببضع وعشرين ليلة: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، ان جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تنظر في كتابي.
فلما صار قيس بن مسهر بالقادسية أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى ابن زياد فأمره ان يصعد القصر فيلعن علياً ويكذب الحسين على القصر، فلما رقيه قال: أيها الناس، إن الحسين بن علي خير خلق الله وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه وانصروه، ثم لعن زياداً وابنه واستغفر الله لعلي، فأمر ابن زياد فرمي به من فوق القصر فتقطع ومات رحمه الله.
قالوا: وكان زهير بن القين البجلي بمكة، وكان عثمانياً، فانصرف من مكة متعجلاً، فضمه الطريق وحسيناً فكان يسايره ولا ينازله، ينزل الحسين في ناحية وزهير في ناحية، فأرسل الحسين إليه في إتيانه فأمرته امرأته ديلم بنت عمرو أن يأتيه فأبى، فقالت: سبحان الله أيبعث إليك ابن بنت رسول الله فلا تأتيه ؟ فلما صار إليه ثم انصرف إلى رحله قال لامرأته: أنت طالق، فالحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خيراً، ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد، وصار مع الحسين.
ولقي الحسين ومن معه رجل يقال له بكر بن المعنقة بن رود فأخبرهم بمقتل مسلم بن عقيل وهانئ، وقال: رأيتهما يجران بأرجلهما في السوق، فطلب إلى الحسين في الانصراف، فوثب بنو عقيل فقالوا: والله لا ننصرف حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا. فقال حسين: ما خير في العيش بعد هؤلاء، فعلم أنه قد عزم رأيه على المسير، فقال له عبد الله بن سليم، والمدري بن الشمعل الأسديان: خار الله لك، فقال: رحمكما الله.
ثم سار إلى زبالة وقد اسكثر من الماء، وكان كلما مر بماء اتبعه منه قوم، وبعث الحسين أخاه من الرضاعة وهو عبد الله بن يقطر إلى مسلم قبل أن يعلم أنه قتل، فأخذه الحصين بن تميم وبعث به إلى ابن زياد، فأمر أن يعلى به القصر ليلعن الحسين وينسبه وأباه إلى الكذب، فلما علا القصر قال: اني رسول الحسين ابن بنت رسول الله اليكم لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي وابن الدعي لعنه الله، فأمر به فألقي من فوق القصر إلى الأرض فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه رجل فذبحه، فقيل له: ويحك ما صنعت ؟ فقال: أحببت أن أريحه. فلما بلغ الحسين قتل ابن يقطر خطب فقال: أيها الناس قد خذلتنا شيعتنا وقتل مسلم وهانئ وقيس بن مسهر ويقطر، فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف. فتفرق الناس الذين صحبوه أيدي سبأ، فأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من الحجاز.
وأقبل الحسين حين نزل أشراف فلما كان السحر أمر فتيانه فاستقوا الماء فأكثروا ثم سار من أشراف فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار، فما كان بأسر من أن طلعت عليهم هوادي الخيل فلما رأوها من بعيد حسبوها نخلاً ثم تبينوها، فأمر الحسين بأبنيته فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي حتى وقف الحر وخيله مقابلي الحسين وذلك في حر الظهيرة، فقال الحسين لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم ورشفوا الخيل ترشيفاً ففعلوا.

(1/413)


وكان مجيء الحر إليه من القادسية، قدمه الحصين بن تميم بين يديه في ألف، فلم يزل مواقفاً للحسين، وصلى الحسين فصلى خلفه، ثم قال للحر وأصحابه، إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن ذلك أرضى لله، وإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم وقدمت به علي رسلكم انصرفت عنكم، فقال له: والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكرها، فأخرج الحسين خرجين مملوءين صحفاً فنشرها بين أيديهم فقال الحر: فإنا ليس من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إن نحن لقيناك أن لا نقاتلك وأن نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد. فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك.
ثم قال لأصحابه قوموا فاركبوا فركبت النساء، ثم أراد الانصراف وأمر به أصحابه فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين ذلك، فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك، ما تريد ؟ فقال الحر: والله لو غيرك يقولها ما تركت ذكر أمه. ولكنه والله مالي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما أقدر عليه، فقال الحسين: فما تريد ؟ قال: أريد أن أقدمك على عبيد الله بن زياد، قال: فإني والله لا أتبعك، فقال الحر: وأنا والله لا أدعك.
فلما ترادا الكلام قال له الحر: لم أؤمر بقتالك وإنما أمرت أن أقدم بك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفاً حتى أكتب إلى الأمير عبيد الله بن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أحببت ذلك، أو إلى ابن زياد إن شئت، فلعل الله أن يرزقني العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك.
فتياسر الحسين إلى طريق العذيب والقادسية وبينه حينئذ وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلاً، ثم إن الحسين سار في أصحابه، والحر بن يزيد يسايره.
وخطب الحسين عليه السلام فقال: إن هؤلاء قوم لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، فأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأنا أحق من غير، وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم فإن تتموا علي بيعتكم تصيبوا رشدكم، ووبخهم بما فعلوا بأبيه وأخيه قبله، فقام زهير بن القين فقال: والله لو كنا في الدنيا مخلدين لآثرنا فراقها في نصرتك ومواساتك. فدعا له الحسين بخير.
وأقبل الحر بن يزيد يقول: يا حسين أذكرك الله في نفسك فإني أشهد لئن قاتلت لتقاتلن ولئن قوتلت لتهلكن، فقال الحسين: أبا لموت تخوفني ؟ أقول كما قال أخو الأوس:
سأمضي فما بالموت عار على الفتى ... إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه ... وفارق مثبوراً وخالف مجرما
فإن عشت لم أُذمم وإن مت لم أُلم ... كفى لك ذلاً أن تعيش وترغما
فلما سمع ذلك الحر بن يزيد تنحى بأصحابه في ناحية عذيب الهجانات وهي التي كانت هجائن النعمان بن المنذر ترعى بها، وإذا هم بأربعة نفر مقبلين من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له الكامل، وكان الأربعة النفر: نافع بن هلال المرادي، وعمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه ومجمع بن عبد الله العائذي من مذحج. فقال الحر: إن هؤلاء القوم ليسوا ممن أقبل معك فأنا حابسهم أو رادهم. فقال الحسين: إذاً أمنعهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد جعلت لي ألا تعرض لي حتى يأتيك كتاب ابن زياد. فكف عنهم.
وسألهم الحسين عن الناس فقالوا: أما الأشراف فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم ليستمال ودهم وتستنزل نصائحهم فهم عليك ألب واحد، وما كتبوا إليك إلا ليجعلوك سوقاً وكسباً، وأما سائر الناس بعد فأفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورة عليك.
وكان الطرماح بن عدي دليل هؤلاء النفر فأخذ بهم على الغريين ثم ظعن بهم في الجوف، وخرج بهم على البيضة إلى عذيب الهجانات، وكان يقول وهو يسير:
يا ناقتي لا تذعري من زجري ... وشمّري قبل طلوع الفجر
بخير ركبانٍ وخير سفر ... حتى تجلّي بكريم النّجر
أتى به الله بخير أمر ... ثمّت أبقاه بقاء الدهر

(1/414)


فدنا الطرماح بن عدي من الحسين فقال له: والله إني لأنظر فما أرى معك كبير أحد، ولو لم يقاتلك غير هؤلاء الذين أراهم ملازمين لك مع الحر لكان ذلك بلاء. فكيف وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهر الكوفة مملوءاً رجالاً فسألت عنهم فقيل: عرضوا ليوجهوا إلى الحسين، أو قال ليسرحوا، فنشدتك الله إن قدرت أن لا تتقدم إليهم شبراً إلا فعلت، وعرض عليه أن ينزله أجأ أو سلمى أحد جبلي طئ، فجزاه خيراً ثم ودعه ومضى إلى أهله، ثم أقبل يريده فبلغه مقتله، فانصرف.
وحدثنا سعدويه، ثنا عباد بن العوام، حدثني حضين، حدثني هلال بن إساف قال: أمر زياد فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة فلا يترك أحد يلج ولا يخرج، فانطلق الحسين يسير نحو طريق الشام يريد يزيد بن معاوية، فتلقته الخيول فنزل كربلاء.
وكان فيمن بعث إليه، عمر بن سعد بن أبي وقاص، وشمر بن ذي الجوشن، وحصين بن نمير، فناشدهم الحسين أن يسيروه إلى يزيد فيضع يده في يده فأبوا إلا حكم ابن زياد، وكان ابن زياد ممن بعث إليه الحر بن يزيد الحنظلي فقال: ألا تقبلون ما يسألكم من إتيان يزيد، فوالله لو سألكم هذا الترك والديلم ما كان ينبغي أن تمنعوهم إياه، فضرب الحر وجه فرسه وصار مع الحسين، فلما دنا منه سلم عليه وعلى أصحابه وقاتل أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ثم قتل.
قالوا: ومضى الحسين إلى قصر ابن مقاتل فنزل به فإذا هو بفسطاط مضروب فسأل عن صاحبه فقيل له: عبيد الله بن الحر الجعفي، فبعث إليه رسولاً يدعوه فقال للرسول: إني والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنابها، فإن قاتلته كان ذلك عند الله عظيماً، وإن كنت معه كنت أول قتيل في غير غناء عنه، ووالله لا أراه ولا يراني.
فانتعل الحسين وأتاه فدعاه إلى الخروج معه وأعاد عليه القول الذي قاله لرسوله فقال الحسين: فإذا امتنعت من نصرتي فلا تظاهر علي، فقال: أما هذا فكن آمناً منه.
ثم إنه أظهر الندم على تركه نصرة الحسين وقال في ذلك شعراً سنكتبه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وكان أنس بن الحارث الكاهلي سمع مقالة الحسين لابن الحر، وكان قدم من الكوفة بمثل ما قدم له ابن الحر، فلما خرج من عند ابن الحر سلم على الحسين وقال له: والله ما أخرجني من الكوفة إلا ما أخرج هذا من كراهة قتالك أو القتال معك ولكن الله قذف في قلبي نصرتك وشجعني على المسير معك، فقال له الحسين، فاخرج معنا راشداً محفوظاً.
وأقبل الحسين حتى دخل رحله فخفق برأسه خفقة فرأى في منامه قائلاً يقول: القوم يسرون والمنايا تسري إليهم. ثم سار فلم يزل يتياسر حتى صار إلى نينوى فإذا راكب قد أقبل على نجيب له من الكوفة، فلما انتهى إليهم سلم على الحر بن يزيد ولم يسلم على الحسين، ثم رفع الحر كتاباً من ابن زياد فيه: أما بعد فجعجع بحسين حيث يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ولا تنزله إلا في العراء في غير حصن وعلى غير ماء.
فقال الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله وقرأه وأخذهم بالنزول فأنزلهم في غير قرية وعلى غير ماء، وسألوه أن ينزلوا بنينوى والغاضرية فأبى ذلك عليهم، فأشار عليه زهير بن القين بن الحارث البجلي أن يقاتلهم فقال: هؤلاء أيسر علينا فنقاتلهم حتى ننحاز إلى بعض هذه القرى التي على الفرات، فلم يفعل، ونزل وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة إحدى وستين.
فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف، وكان عبيد الله بن زياد أراد توجيه عمر بن سعد إلى دستبى لأن الديلم كانوا خرجوا إليها وغلبوا عليها فولاه الري ودسبتى فعسكر للخروج إليها بحمام أعين، فلما ورد أمر الحسين على ابن زياد أمره أن يسير إلى الحسين، فإذا فرغ منه سار إلى عمله فاستعفاه عمر من قتال الحسين فقال: نعم أعفيك على أن ترد عهدنا على الري ودستبى، فقال له: انظري يومي هذا. فجاءه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن أخته فقال له: يا خال إن سرت إلى الحسين أثمت بربك وقطعت رحمك فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك خير من أن تلقى الله بدم الحسين.

(1/415)


ثم أتى عمر بن سعد ابن زياد فقال: إما أن تخرج إلى الحسين بجندنا وإما أن تدفع إلينا عهدنا، فألح عليه في الاستعفاء، وألح ابن زياد بمثل مقالته، فشخص عمر بن سعد إلى الحسين في أربعة آلاف حتى نزل بإزائه، ثم بعث إليه يسأله عن سبب مجيئه فقال: كتب إلي أهل الكوفة في القدوم فأما إذ كرهوني فإني أنصرف.
وكان رسول عمر إليه قرة بن قيس الحنظلي فقال له حبيب بن مظهر: ويحك يا قرة، أترجع إلى القوم الظالمين ؟ فقال: أصير إلى صاحبي بالجواب ثم أرى رأيي.
وكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بقول الحسين فقال ابن زياد:
الآن إذ علقت مخالبنا به ... يرجو النجاة ولات حين أوان
وكتب إلى عمر: إعرض على الحسين أن يبايع يزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا. فلم يفعله.
قالوا: ولما سرح ابن زياد عمر بن سعد من حمام أعين، أمر الناس فعسكروا بالنخيلة، وأمر أن لا يتخلف أحد منهم، وصعد المنبر فقرظ معاوية وذكر إحسانه وإدراره الأعطيات، وعنايته بأمور الثغور، وذكر اجتماع اللفة به وعلى يده، وقال: إن يزيد ابنه المتقيل له، السالك لمناهجه المحتذي لمثاله، وقد زادكم مائة مائة في أعطيتكم، فلا يبقين رجل من العرفاء والمناكب والتجار والسكان إلا خرج فعسكر معي، فأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن العسكر برئت منه الذمة.
ثم خرج ابن زياد فعسكر وبعث إلى الحصين بن تميم، وكان بالقادسية في أربعة آلاف فقدم النخيلة في جميع من معه، ثم دعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي، ومحمد بن الأشعث بن قيس، والقعقاع بن سويد بن عبد الرحمن المنقري، وأسماء بن خارجة الفزاري، وقال: طوفوا في الناس فمروهم بالطاعة والاستقامة وخوفوهم عواقب الأمور والفتنة والمعصية، وحثوهم على العسكرة. فخرجوا فعذروا وداروا بالكوفة ثم لحقوا به غير كثير بن شهاب فإنه كان مبالغاً يدور بالكوفة يأمر الناس بالجماعة ويحذرهم الفتنة والفرقة، ويخذل عن الحسين.
وسرح ابن زياد أيضاً حصين بن تميم في الأربعة الآلاف الذين كانوا معه إلى الحسين بعد شخوص عمر بن سعد بيوم أو يومين، ووجه أيضاً إلى الحسين حجار بن أبجر العجلي في ألف، وتمارض شبث بن ربعي، فبعث إليه فدعاه وعزم عليه أن يشخص إلى الحسين في ألف ففعل.
وكان الرجل يبعث في ألف فلا يصل إلا في ثلاثمائة أو أربعمائة وأقل من ذلك كراهة منهم لهذا الوجه.
ووجه أيضاً يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم في ألف أو أقل، ثم ان ابن زياد استخلف على الكوفة عمرو بن حريث، وأمر القعقاع بن سويد بن عبد الرحمن بن بجير المنقري بالتطواف بالكوفة في خيل، فوجد رجلاً من همدان قد قدم يطلب ميراثاً له بالكوفة، فأتى به ابن زياد فقتله فلم يبق بالكوفة محتلم إلا خرج إلى العسكر بالنخيلة.
ثم جعل ابن زياد يرسل العشرين والثلاثين والخمسين إلى المائة غدوة وضحوة ونصف النهار وعشية من النخيلة، يمد بهم عمر بن سعد، وكان يكره أن يكون هلاك الحسين على يده. فلم يكن شيء أحب إليه من أن يقع الصلح.
ووضع ابن زياد المناظر على الكوفة لئلا يجوز أحد من العسكر مخافة لأن يلحق الحسين مغيثاً له، ورتب المسالح حولها وجعل على حرس الكوفة والعسكر زخر بن قيس الجعفي، ورتب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلاً مضمرة مقدحة فكان خبر ما قبله يأتيه في كل وقت.
وهم عمار بن أبي سلامة الدالاني أن يفتك بعبيد الله بن زياد في عسكره بالنخيلة فلم يمكنه ذلك. فلطف حتى لحق بالحسين فقتل معه.
وقال حبيب بن مظهر للحسين: إن ههنا حياً من بني أسد أعراباً ينزلون النهرين وليس بيننا وبينهم إلا روحه، أفتأذن لي في إتيانهم ودعائهم لعل الله أن يجر بهم إليك نفعاً أو يدفع عنك مكروها، فإذن له في ذلك فأتاهم فقال لهم: إني أدعوكم إلى شرف الآخرة وفضلها وجسيم ثوابها، أنا أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيكم فقد أصبح مظلوماً، دعاه أهل الكوفة لينصروه فلما أتاهم خذلوه وعدوا عليه ليقتلوه، فخرج معهم منهم سبعون.
وأتى عمر بن سعد رجل ممن هناك يقال له جبلة بن عمرو فأخبره خبرهم، فوجه أزرق بن الحارث الصيداوي في خيل فحالوا بينهم وبين الحسين، ورجع ابن مظهر إلى الحسين فأخبره الخبر فقال: الحمد لله كثيراً.

(1/416)


وكان فراس بن جعدة بن هبيرة المخزومي مع الحسين وهو يرى أنه لا يخالف، فلما رأى الأمر وصعوبته هاله ذلك فأذن له الحسين في الانصراف فانصرف ليلاً.
وجاء كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد أن حل بين حسين وأصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم، فبعث خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ومنعوهم أن يستقوا منه وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام، وناداه عبد الله بن حصن الأزدي: يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً.
فقال الحسين: اللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً، فمات بالعطش، كان يشرب حتى يبغر فما يروى فما زال ذاك دأبه حتى لفظ نفسه.
فلما اشتد على الحسين العطش بعث العباس بن علي بن أبي طالب وأمه أم البنين بنت حزام من بني كلاب في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وبعث معهم بعشرين قربة فجاؤوا حتى دنوا من الشريعة، واستقدم أمامهم نافع بن هلال المرادي ثم الجملي، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي، وكان على منع الماء: من الرجل ؟ قال: نافع بن هلال، قال: ما جاء بك ؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه. قال: اشرب هنيئاً. قال: أفأشرب والحسين عطشان ومن ترى من أصحابه ؟ فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء.
فأمر أصحابه باقتحام الماء ليملاؤا قربهم فثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس ونافع بن هلال فدفعوهم ثم انصرفوا إلى رحالهم وقد ملاؤا قربهم.
ويقال إنهم حالوا بينهم وبين ملئها فانصرفوا بشيء يسير من الماء.
ونادى المهاجر بن أوس التميمي: يا حسين ألا ترى إلى الماء يلوح كأنه بطون الحيات، والله لا تذوقه أو تموت، فقال: إني لأرجو أن يوردنيه الله ويحلأكم عنه.
ويقال أن عمرو بن الحجاج قال: يا حسين. إن هذا الفرات تلغ فيه الكلاب وتشرب منه الحمير والخنازير، والله لا تذوق منه جرعة حتى تذوق الحميم في نار جهنم.
قال: وتواقف الحسين وعمر بن سعد خلوين فقال الحسين: اختاروا مني الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه أو أن أضع يدي في يد يزيد فهو ابن عمي ليرى رأيه في، وإما ان تسيروني إلى ثغر من ثغور المسلمين فأكون رجلاً من أهله لي ما له وعلي ما عليه. ويقال إنه لم يسله إلا أن يشخصه إلى المدينة فقط.
فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد بما سأل فأراد عبيد الله أن يجيبه إلى ذلك، فقال له شمر بن ذي الجوشن الكلابي ثم الضبابي: لا تقبلن منه إلا أن يضع يده في يدك فإنه إن لم يفعل ذلك كان أولى بالقوة والعز، وكنت أولى بالضعف والعجز فلا ترض إلا بنزوله على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت كان ذلك لك وإن غفرت كنت أولى بما تفعله، لقد بلغني أن حسيناً وعمر يجلسان ناحية من العسكر يتناجيان ويتحادثان عامة الليل، فقال ابن زياد: نعم ما رأيت فاخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على حسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا ابعث بهم إلي سلماً، وإن هو أبوا قاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطعه، وإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه.
وكان كتابه إلى عمر: أما بعد فإني لم أبعثك إلى حسين لتطاوله، وتمنيه بالسلامة وتكون له عندي شافعاً، فانظر إن نزل حسين وأصحابه على الحكم فابعث بهم إلي سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، وإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره لنذر نذرته وقول قلته، فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم، فإن فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر وأمر الناس، فإنا قد أمرناه فيك بأمرنا والسلام.
فلما أوصل شمر الكتاب إليه قال عمر: يا أبرص ويلك لا قرب الله دارك ولا سهل محلتك، وقبحك وقبح ما قدمت له، والله إني لأظنك ثنيته عن قبول ما كتبت به إليه.
فقال شمر: أتمضي لأمر الأمير وإلا فخل بيني وبين العسكر وأمر الناس، فقال عمر: لا ولا كرامة، ولكني أتولى الأمر. قال: فدونك.

(1/417)


فجعل عمر شمراً على الرجال ونهض بالناس عشية الجمعة، ووقف شمر فقال: أين بنو اختنا؟ يعني: العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان بني علي بن أبي طالب، وأمهم أم البنين بنت حزام بن ربيعة الكلابي الشاعر، فخرجوا إليه، فقال: لكم الأمان، فقالوا: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن بنت رسول الله لا أمان له ؟ ثم إن عمر بن سعد نادى: يا خيل الله اركبي وابشري، فركب في الناس وزحف نحو الحسين وأصحابه بعد صلاة العصر والحسين جالس أمام بيته محتبياً بسيفه، فقال العباس بن علي: يا أخي، أتاك القوم، فنهض فقال: يا عباس اركب، بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم: ما بدا لكم وما تريدون ؟ فأتاهم العباس في عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظهر، فسألوهم عن أمرهم فقالوا: جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه أو نناجزكم.
فانصرف العباس وحده راجعاً فأخبر الحسين بقولهم، وقال لهم حبيب بن مظهر. والله لبئس القوم عند الله قوم قتلوا ذرية نبيهم وعترته، وعباد أهل المصر. فقال له عزرة بن قيس: انك لتزكي نفسك.
وقال عزرة لزهير بن القين: كنت عندنا عثمانياً فما بالك ؟ فقال: والله ما كتبت إلى الحسين ولا أرسلت إليه رسولاً ولكن الطريق جمعني وإياه فلما رأيته ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت ما تقدم عليه من غدركم ونكثكم وميلكم إلى الدنيا، فرأيت أن أنصره وأكون في حزبه حفظاً لما ضيعتم من حق رسول الله.
فبعث الحسين إليهم يسألهم أن ينصرفوا عنه عشيتهم حتى ينظر في أمره، وإنما أراد أن يوصي أهله ويتقدم إليهم فيما يريد.
فأقبل عمر بن سعد على الناس فقال: ما ترون ؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله. لو كان هؤلاء من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي أن تجيبهم إليها.
وقال له قيس بن الأشعث بن قيس، أجبهم إلى ما سألوا فلعمري لنصحبنك بالقتال غداً، فقال: والله لو أعلم أنهم يفعلوا ما أخرتهم، فانصرفوا عنه تلك العشية.
وعرض الحسين على أهله ومن معه أن يتفرقوا ويجعلوا الليل جملاً، وقال: إنما يطلبونني وقد وجدوني، وما كانت كتب من كتب إلي فيما أظن إلا مكيدة لي وتقرباً إلى ابن معاوية بي، فقالوا: قبح الله العيش بعدك.
وقال مسلم بن عوسجة الأسدي: أنخليك ولم نعذر إلى الله فيك في أداء حقك، لا والله حتى أكسر رمحي في صدورهم، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن سلاحي معي لقذفتهم بالحجارة دونك.
وقال له سعيد بن عبد الله الحنفي نحو ذلك، فتكلم أصحابه بشبيه بهذا الكلام، وكان مع الحسين حوي مولى أبي ذر الغفاري فجعل يعالج سيفه ويصلحه ويقول:
يا دهرٌ أُفٍّ لك من خليل ... كم لك بالإشراق والأصيل
من طالبٍ وصاحبٍ قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل ... وكل حيٍّ سالكٌ سبيل
ورددها حتى حفظت وسمعتها زينب بنت علي فنهضت إليه تجر ثوبها وهي تقول: واثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة اليوم، ماتت فاطمة أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي، وثمال الباقي، فقال الحسين: يا أخية، لا يذهبن حلمك الشيطان. قالت: أتغتصب نفسك اغتصاباً، ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وهو يعزيها ويصبرها، ثم أمر أصحابه أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا بعض الأطناب في بعض، وأن يقفوا بين البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد والبيوت وراءهم وعن أيمانهم وشمائلهم، وقد حفت بهم البيوت إلا الوجه الذي يأتيهم عدوهم منه.
ولما جن الليل على الحسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويسبحون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون.
مقتل الحسين بن علي عليهما السلام
قالوا: فلما صلى عمر بن سعد الغداة، وذلك يوم السبت ويقال يوم الجمعة عاشوراء خرج فيمن معه من الناس، وعبأ الحسين أصحابه الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً. فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه وحبيب بن مظهر في ميسرة أصحابه وأعطى رايته العباس بن علي أخاه، وجعل البيوت في ظهورهم.
وكان الحسين أمر فأتي بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفض كأنه ساقية وكانوا حفروه في ساعة من الليل فصار كالخندق، ثم ألقوا فيه ذلك القصب والحطب وقالوا: إذا غدوا فقاتلوا، ألهبنا فيه النار لئلا يأتونا من ورائنا، ففعلوا.

(1/418)


وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجالة شبث بن ربعي الرياحي، وأعطى الراية دريداً مولاه.
وأمر الحسين بفسطاط فضب فأطلى فيه بالنورة، ثم أتى بجفنة أو صحفة فميث فيها مسك وتطيب منه، ودخل برير بن خضير الهمداني فأطلى بعده، ومس من ذلك المسك، وتحنط الحسين وجميع أصحابه وجعلت النار تلتهب خلف بيوت الحسين وأصحابه فقال شمر بن ذي الجوشن: يا حسين، تعجلت النار، فقال: أنت تقول هذا يا بن راعية المعزى، أنت والله أولى بها صلياً، فقال مسلم بن عوسجة: يا بن رسول الله ألا أرميه بسهم فإنه قد أمكنني فقال الحسين: لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم.
وكان مع الحسين فرس يدعى لاحقاً يقال إن عبيد الله بن الحر أعطاه إياه حين لقيه فحمل عليه ابنه علي بن الحسين، ثم دعا براحلته فركبها ونادى بأعلى صوته: أيها الناس اسمعوا قولي، فتكلم بكلام عدد فيه فضل أهل بيته، ثم قال: أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو بمال استهلكته أو بقصاص من جراحة جرحتها ؟ فجعلوا لا يكلمونه.
ثم نادى: يا شبث بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار واخضر الجناب وطمت الجمام، وإنما تقدم على جند لك مجند؟ قالوا: لم نفعل، ثم قال: أيها الناس، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني، فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب.
فقال: إنك أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل الذي غره أخوك، والله لا أعطي بيدي إعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبد، عباد الله، " واني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون " .
وبكين أخواته فسكتهن، ثم قال: لا يبعد الله ابن عباس وكان نهاه أني خرجهن معه.
وقال له زهير بن القين: عباد الله، إن ولد فاطمة أحق بالنصر والود من ولد سمية، فإن لم تنصروهم فلا تقتلوهم، وخلوا بين هذا الرجل وابن عمه يزيد فلعمري أن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.
فرماه شمر بسهم وقال: اسكت أسكت الله نأمتك. فقال له زهير: ابشر بالحرق يوم القيامة، فقال له شمر: إن الله قاتلك وقاتل أصحابك عن ساعة.
وكلمهم برير بن خضير وغيره ووعظوهم وذكروا غرورهم الحسين بكتبهم، وقال الحر بن يزيد اليربوعي وهو الذي كان يساير الحسين ويوافقه: والله لا أختار النار على الجنة، ثم ضرب فرسه وصار إلى الحسين فقتل معه، وقال له الحسين حين صار إليه: أنت والله الحر في الدنيا والآخرة، وفي الحر بن يزيد يقول الشاعر:
لنعم الحرّ حرّ بني رياحٍ ... وحرٌّ عند مختلف الرّماح
وأقبل الحر على أهل الكوفة وهو عند الحسين فقال: لأمكم الهبل والعبر، دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه فصار في ايديكم كالأسير قد حلأتموه ونساءه وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس، ويتمرغ فيه خنازير السواد، لبئسما خلفتم به محمداً في ذريته، فدعوا هذا الرجل يمضي في بلاد الله، أما أنتم مؤمنون، وبنبوة محمد مصدقون ولا بالمعاد موقنون ؟. فحملت عليه رجالة لهم، فرمته بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين، وزحف عمر بن سعد نحوهم، ونادى يا دويد، أدن رايتك، فأدناها، ثم وضع عمر سهماً في كبد قوسه ورمى قال: اشهدوا أني أول من رمى. فلما رمى عمر ارتمى الناس.
وخرج يسار مولى زياد، وسالم مولى ابن زياد فدعوا إلى المبارزة، فقال عبد الله بن عمير الكلبي: أبا عبد الله، رحمك الله إئذن لي أخرج إليهما، فخرج رجل آدم طوال شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين فشد عليهما فقتلهما وهو يقول:
إن تنكروني فأنا ابن كلب ... حسبي بيتي في كليبٍ حسبي
إني امرؤٌ ذو مرّةٍ وعصب ... ولست بالخوّار عند النّكب
إني زعيمٌ لك أمّ وهب ... بالطّعن فيهم مقدماً والضّرب
؟ضرب غلام مؤمنٍ بالرّبّ فأقبلت إليه امرأته فقالت: قاتل بأبي أنت وأمي عن الحسين ذرية محمد فأقبل يردها نحو النساء.

(1/419)


وحمل عمرو بن الحجاج الزبيدي وهو الميمنة، فلما دنا من الحسين وأصحابه جثوا له على الركب، وأشرعوا الرماح نحوه ونحو أصحابه، فلم تقدم خيلهم على الرماح، ورجعت فرشقوهم بالنبل فصرعوا منهم رجالاً وجرحوا آخرين.
وحمل شمر من قبل الميسرة في الميسرة فاستقبلوهم بالرماح فلم تقدم الخيل عليها فانصرفوا فرموهم بالنبل حتى صرعوا منهم رجالاً وجرحوا آخرين.
وقال رجل من بني تميم يقال له عبد الله بن حوزة، وجاء حتى وقف بحيال الحسين فقال: أبشر يا حسين بالنار، فقال: كلا، إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، ثم قال: من هذا ؟ قالوا: ابن حوزة. قال: حازه الله إلى النار، فاضطرب به فرسه في جدول فعلقت رجله بالركاب ووقع رأسه في الأرض، ونفر في الفرس فجعل يمر برأسه على كل حجر وأصل شجرة حتى مات، ويقال: بقيت رجله اليسرى في الركاب فشد عليه مسلم بن عوسجة الأسدي فضرب رجله اليمنى فطارت، ونفر به فرسه يضرب به كل شيء حتى مات.
وبارز يزيد بن معقل برير بن خضير، فضرب بريراً ضربة خفيفة وضربه برير ضربة قدت المغفر، وجعل ينضنض سيفه في دماغه.
وحمل رضي بن منقذ العبدي فاعتنق بريراً فاعتركا ساعة، ثم إن بريراً قعد على صدره فقال رضي: أين اهل المصاع والدفاع ؟. فحمل كعب بن جابر بن عمرو الأزدي بالرمح فطعنه في ظهره، فلما وجد برير مس الرمح عض أنف رضي فقطع طرفه، وشد عليه كعب فضربه بسيفه حتى قتله.
فلما رجع كعب بن جابر قالت له أخته النوار بنت جابر: أعنت على ابن فاطمة وقتلت بريراً سيد القراء، لقد أتيت عظيماً، والله لا أكلمك أبداً.
وخرج عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري يقاتل دون الحسين وهو يقول:
قد علمت كتيبة الأنصار ... أني سأحمي حوزة الذّمار
أضرب غير نكسٍ شار
وقاتل حتى قتل، وكان الزبير بن قرظة بن كعب أخوه مع عمر بن سعد فنادى: يا حسين يا كذاب يا بن الكذاب أضللت أخي وغررته حتى قتلته، فقال حسين: إن الله لم يضل أخاك ولكنه هداه وأضلك فقال: قتلني الله إن لم أقتلك، وحمل على الحسين فاعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه، فاستنقذ وبرأ بعد. وقال بعضهم اسم ابن قرظة الذي كان مع عمر بن سعد: علي، والأول قول الكلبي.
وقتل الحر بن يزيد رجلين بارزاه أحدهما: من شقرة من بني تميم يقال له يزيد بن سفيان، والآخر من بني زبيد ثم من بني قطيعة يقال له مزاحم بن حريث، فقال عمرو بن الحجاج حين رأى ذلك: يا حمقى، أتدرون من تقاتلون، إنما تقاتلون نقاوة فرسان أهل المصر، وقوماً مستقتلين مستميتين فلا يبرزن لهم منكم أحد، فإنهم قليل، وقل ما يبقون. والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم. فقال عمر: صدقت، هذا الرأي، ونادى: ألا لا يبارزن رجل منكم رجلاً من أصحاب الحسين.
ثم إن عمرو بن الحجاج حمل على الحسين من نحو ميمنة عمر بن سعد مما يلي الفرات، واضطربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي أول أصحاب الحسين، فلم يلبث أن مات، فصاحت جارية له: يا بن عوسجياه يا سيداه. وكان الذي قتله مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الرحمن بن خشكارة البجلي.
وسر أصحاب عمرو بن الحجاج بقتل مسلم، فقال لهم شبث بن ربعي: ويحكم أتفرحون بقتل مسلم، والله لقد رأيته يوم سلق اذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تنام خيول المسلمين، أفيقتل منكم مثله وتفرحون ؟ وحدثنا عمر بن شبه، ثنا أبو أحمد الزبيري، حدثني عمي الفضيل بن الزبير عن أبي عمر البزار عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال: كنا مع الحسين بنهري كربلاء فجاءنا رجل فقال: أين حسين ؟. قال: ها أنذا. قال: ابشر بالنار تردها الساعة، قال: بل أبشر برب رحيم وشفيع مطاع، فمن أنت ؟ قال: محمد بن الأشعث.
ثم جاء رجل آخر فقال: أين الحسين ؟. قال ها أنذا. قال: ابشر بالنار تردها الساعة. قال: بل أبشر برب رحيم وشفيع مطاع فمن أنت ؟ قال: شمر بن ذي الجوشن. فقال الحسين: الله أكبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت كلباً أبقع يلغ في دماء أهل بيتي.
قال: ثم قتل الحسين فحمل رأسه إلى يزيد وحملنا فأقعدني يزيد بن حجره، وأقعد ابناً له في حجره ثم قال لي: أتصارعه ؟ فقلت: اعطني سكيناً وأعطه سكيناً ودعني وإياه. فقال: ما تدعون عداوتنا صغاراً وكباراً.

(1/420)


وحمل شمر في الميسرة فثبتوا له وطاعنوه ونادى أصحابه، فحمل على الحسين وأصحابه من كل جانب، وقتل عبد الله بن عمير الكلبي، فجعلت امرأته تبكي عند رأسه، فأمر شمر غلاماً له يقال له رستم فضرب رأسها بعمود حتى شدخه فماتت مكانها.
قالوا: وبكب الحسين دابة له ووضع المصحف في حجره بين يديه فما زادهم ذلك إلا إقداماً عليه، ودعا عمر بن سعد الحصين بن تميم فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية، فرشقوا الحسين وأصحابه بالنبل حتى عقروا خيولهم فصاروا رجالة كلهم، واقتتلوا نصف النهار أشد قتال وأبرحه، وجعلوا لا يقدرون على إتيانهم إلا من وجه واحد لاجتماع أبنيتهم وتقاربها ولمكان النار التي أوقدوها خلفهم.
وأمر عمر بتخريق أبنيتهم وبيوتهم فأخذوا يخرقونها برماحهم وسيوفهم، وحمل شمر في الميسرة حتى طعن فسطاط الحسين برمحه ونادى: علي بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله. فصحن النساء وولولن وخرجن من الفسطاط، فقال الحسين: ويحك أتدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي ؟ وقال شبث بن ربعي: يا سبحان الله ما رأيت موقفاً أسوأ من موقفك، ولا قولاً أقبح من قولك، فاستحيا شمر منه.
وحمل عليه زهير بن القين في عشرة نفر فكشفه وأصحابه عن البيوت، وشد الحصين بن تميم على حبيب بن مظهر، فشد حبيب على الحصين فضرب وجه فرسه بالسيف فشب ووقع عنه فاستنقذه أصحابه، وجعل حبيب يقول:
أنا حبيب وأبي مظهر ... فارس هيجاء وحرب مسعر
وأنتم منا لعمري أكثر ... ونحن أوفى منكم وأصبر
ونحن أعلى حجة وأظهر ... حقاً وأبقى منكم وأعذر
فقاتل قتالاً شديداً، وحمل على رجل من بني تميم يقال له: بديل بن صريم فضربه بالسيف على رأسه فقتله، وحمل عليه رجل من بني تميم آخر فطعنه فوقع ثم ذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم بالسيف على رأسه فسقط، ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه وأخذه الحصين فعلقه في عنق فرسه ساعة ثم دفعه إلى التميمي يتقرب به إلى ابن زياد، فأتى به الكوفة فرآه القاسم بن حبيب بن مظهر فسأله أن يدفع إليه رأس أبيه فأبى فحقد ذلك عليه حتى قتله في أيام مصعب بن الزبير، وهو قائل نصف النهار، ضربه بالسيف حتى برد.
وقاتل الحر بن يزيد وهو يقول:
أضرب في أعراضهم بالسيف ... عن خير من حلّ منى والخيف
فقاتل هو وزهير بن القين قتالاً شديداً، وشدت رجاله على الحر فقتل، وحضرت الصلاة فصلى الحسين بأصحابه صلاة الخوف، فلما فرغوا شد عليهم العدو فاقتتلوا بعد الظهر قتالاً شديداً، ووصل إلى الحسين فاستهدف دونه سعيد بن عبد الله الحنفي، فما زال يرمي حتى سقط، ويقال إنه استهدف دونه رجل من بني حنيفة غير سعيد بن عبد الله.
وقاتل زهير بن القين وهو يقول:
أنا زهير وانا ابن القين ... أذودهم بالسيف عن حسين
وجعل يقول:
أقدم هديت هادياً مهدياً ... فاليوم تلقى جدك النبيا
وحسناً والمرتضى عليا
فشد عليه مهاجر بن أوس التميمي وكثير بن عبد الله الشعبي فقتلاه.
وقاتل حوي مولى أبي ذر بين يدي الحسين وهو يقول:
كيف ترى الفجّار ضرب الأسود ... بالسيف صلتا عن بني محمد
أذبّ عنهم باللسان واليد ... أرجو به الجنة يوم المورد
فلم يزل يكر حتى قتل.
وقاتل بشير بن عمرو الحضرمي وهو يقول:
اليوم يا نفس ألاقي الرحمن ... واليوم تجزين بكل إحسان
لا تجزعي فكل شيء فان ... والصبر أحظى لك عند الديّان
وجعل عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن يقول:
إني لمن ينكرني ابن الكدن ... إني على دين حسين وحسن
وقاتل حتى قتل، وكان نافع بن هلال قد سوم نبله، أي أعلمها، فكان يرمي بها ويقول:
أرمي بها معلّماً أفواقها ... والنفس لا ينفعها إشفاقها
فقتل اثني عشر رجلاً من أصحاب عمر بن سعد، ثم كسرت عضده وأخذ أسيراً فضرب شمر عنقه.
قالوا: فلما رأى بقية أصحاب الحسين أنهم لا يقدرون على أن يمتنعوا ولا يمنعوا حسيناً تنافسوا في أن يقتلوا فجعلوا يقاتلون بين يديه حتى يقتلوا.

(1/421)


وجاء عابس بن أبي شبيب فقال: يا أبا عبد الله، والله ما أقدر على أن أدفع عنك القتل والضيم بشيء أعز علي من نفسي فعليك السلام. وقاتل بسيفه فتحاماه الناس لشجاعته، ثم عطفوا عليه من كل جانب فقتل.
ولما رأى الضحاك بن عبد الله المشرقي، من همدان، انه قد خلص إلى الحسين وأهل بيته وقتل أصحابه، قال له: كنت رافقتك على أن أقاتل معك ما وجدت مقاتلاً فأذن لي في الانصراف فإني لا أقدر على الدفع عنك ولا عن نفسي، فأذن له، فعرض له قوم من أصحاب عمر بن سعد من اليمامة، ثم خلوا سبيله فمضى.
وترك أبو الشعثاء يزيد بن زياد بن المهاصر بن النعمان الكندي بين يدي الحسين فرمى ثمانية أسهم أصاب منها بخمسة، قتلت خمسة نفر وقال:
أنا يزيدٌ وأبي المهاصر ... أشجع من ليث بغيلٍ خادر
يا رب إني للحسين ناصر ... ولا بن سعدٍ رافضٌ مهاجر
وكان أبو الشعثاء مع من خرج مع عمر بن سعد ثم صار إلى الحسين حين ردوا ما سأل ولم ينفذوه، فقاتل حتى قتل.
وقتل مع الحسين زياد بن عمرو بن عريب الصائدي من همدان فكان يكنى أبا ثمامة، وقاتل مع الحسين جياد بن الحارث السلماني من مراد فقتل وقتل معه سوار بن أبي خمير، أحد بني فهم الجابري من همدان، أصابته جراحة فمات منها، وسيف بن الحارث بن سريع الهمداني، ومالك بن عبد الله بن سريع وهو ابن عمه وأخوه لأمه.
وقاتل بدر بن المغفل بن جعونه بن عبد الله بن حطيط بن عتبة بن الكلاع الجعفي وجعل يقول:
انا ابن جعفي وأبي الكلاع ... وفي يميني مرهفٌ قراع
ومازنٌ ثعلبه لمّاع
فقتل، وقتل مع الحسين: الحجاج بن مسروق بن مالك بن كثيف بن عتبة بن الكلاع الجعفي أيضاً، وقتل مجمع بن عبد الله بن مجمع من عائذ الله بن سعد العشيرة، وقتل معه عبد الأعلى بن زيد بن الشجاع الكلبي، وقتل معه عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة الغفاري.
قالوا: وكان أول قتيل من آل أبي طالب: علي الأكبر بن الحسين بن علي، قتله مرة بن منقذ بن الشجاع العبدي. ورمى عمرو بن صبيح الصيداوي عبد الله بن مسلم بن عقيل، واعتوره الناس فقتلوه ويقال إن رقاد الجنبي كان يقول: رميت فتى من آل الحسين ويده على جبهته فأثبتها فيها وجعلت أنضنض سهمي حتى نزعته من جبهته، وبقي النصل فيها.
وحمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله، وشد بشر بن شوط العثماني، وعثمان بن خالد الجهني على عبد الرحمن بن عقيل فقتلاه.
وحمل عامر بن نهشل من بني تيم الله بن ثعلبة على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله، ورمى عبد الله بن عروة الخثعمي جعفر بن عقيل بسهم فغلق قلبه، وقتل عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي القاسم بن الحسن فصاح يا عماه، فوثب الحسين وثبة ليث فضرب عمراً فأطن يده، وجاء أصحابه ليستنقذوه فسقط بين حوافر الخيل فتوطأته حتى مات.
ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسن بن علي بسهم فقتله، ففي ذلك يقول ابن أبي عقب:
وعند غنيٍّ قطرة من دمائنا ... وفي أسدٍ أخرى تعدّ وتذكر
وقال بعضهم: قتل حرملة بن كاهل الأسدي ثم الوالبي العباس بن علي بن أبي طالب مع جماعة وتعاوروه، وسلب ثيابه حكيم بن طفيل الطائي، ورمى الحسين بسهم فتعلق بسرباله، ورمى حرملة بن كاهل الوالبي عبد الله بن حسين بسهم فذبحه.
وشد هانئ بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن علي فقتله وجاء برأسه، وقتل عثمان بن علي أيضاً، رماه خولي بن يزيد بسهم، ثم شد عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله.
قالوا: واشتد عطش الحسين بن علي عليهما السلام فدنا ليشرب من الماء فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فمه فجعل؟ يتلقى الدم من فمه ويرمي به، ثم جعل يقول: اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بددا، ولا تذر على الأرض منهم حدا.
ويقال إنه لما فض عسكره مضى يريد الفرات فرماه رجل من بني أبان بن دارم فأصاب حنكه فقال: اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بي.
قالوا: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في عشرة أو نحوهم من رجال أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله، فمشى نحوهم فحالوا بينه وبين رحله، فقال لهم: ويحكم إن لم يكن لكم دين فكونوا في أمر دنياكم أحراراً، امنعوا أهلي من طغامكم وسفهائكم.

(1/422)


فقال له شمر: ذاك لك يا بن فاطمة، وأقدم عليه بالرجالة منهم أبو الجنوب عبد الرحمن بن زياد بن زهير الجعفي، وخولي بن يزيد الأصبحي والقاسم بن عمرو بن نذير الجعفي، وكان فيمن اعتزل علياً، وصالح بن وهب اليزني، وسنان بن أنس النخعي. فجعل شمر يحرضهم عليه، فقال لأبي الجنوب: أقدم على حسين، فقال له: وما يمنعك أنت من ذلك ؟. فقال: إلي تقول هذا ؟ فقال أبو الجنوب: هممت أن أخضخض سناني في عينك. وانصرف عنه شمر.
وكان أبو الجنوب شجاعاً مقداماً، ثم إن شمراً أقبل في خمسين من الرجالة فأخذ الحسين يشد عليهم فينكشفون عنه، حتى إذا أحاطوا به ضاربهم حتى كشفهم عن نفسه.
وشد بحر بن كعب بن عبيد الله على الحسين فلما أهوى إليه بالسيف غدا غلام ممن مع الحسين إلى الحسين فضمه الحسين إليه فقال الغلام: يا بن الخبيثة، أتقتل عمي، فضربه بالسيف فاتقاه الغلام بيده فعلقها بجلدة منها.
ولما بقي الحسين في ثلاثة نفر أو أربعة دعا بسراويل محشوة فلبسها، فذكروا أن بحر بن كعب التيمي سلبه إياها حين قتل، فكانت يداه في الشتاء تنضحان الماء، وفي الصيف تيبسان فكأنهما عودان.
وكان الحسين يحمل على الرجالة عن يمينه وشماله حتى ينذعروا، وعليه قميص من خز أو جبة وهو معتم فما رأى الناس أربط جأشاً ولا أمضى جنانا منه، ينكشفون عنه انكشاف المعزى إذ شد فيها الذئب.
قالوا: ومكث الحسين طويلاً كلما انتهى إليه رجل فأمكنه قتله انصرف عنه كراهة أن يتولى قتله، ثم إن رجلاً يقال له مالك بن النسير الكندي وكان فاتكا لا يبالي على ما أقدم، أتاه فضربه على رأسه بالسيف وعليه برنس فقطع البرنس وأصاب السيف راسه فأدماه حتى امتلأ البرنس دماً فألقى البرنس ودعا بقلنسوة فلبسها وقال للرجل: لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين.
وأخذ الكندي البرنس فيقال إنه لم يزل فقيراً وشلت يداه.
وقالت زينب بنت علي لعمر بن سعد: يا عمر أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر ؟. فبكى وانصرف بوجهه عنها.
ونادى شمر في الناس: ما بالكم تحيدون عن هذا الرجل ؟ ما تنتظرون ؟. اقتلوه ثكلتكم امهاتكم فحملوا عليه من كل جانب فضربه زرعة بن شريك التيمي على كفه اليسرى وضرب على عاتقه ثم انصرفوا عنه وهو ينوء ويكبو.
وحمل عليه وهو في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع، ثم قال لخولي بن يزيد الأصبحي: احتز رأسه، فأراد أن يفعل فضعف وأرعد، فقال له سنان، فت الله في عضدك وأبان يدك، ونزل إليه فذبحه ثم دفع رأسه إلى خولي.
وكان قد ضرب قبل ذلك بالسيوف وطعن فوجد به ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، ويقال أن خولي بني يزيد هو الذي تولى احتزاز رأسه بإذن سنان.
وسلب الحسين ما كان عليه، فأخذ قيس بن الأشعث بن قيس الكندي قطيفة له وكانت من خز، وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له الأسود، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم، ومال الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها، وأخذ الرحيل بن زهير الجعفي، وجرير بن مسعود الحضرمي، وأسيد بن مالك الحضرمي أكثر تلك الحلل والورس وأخذ أبو الجنوب الجعفي جملاً كان يستقى عليه الماء، وسماه حسيناً.
وكان سويد بن عمرو بن أبي المطاع قد صرع فأثخن، فسمع قائلاً يقول: قتل الحسين فنهض بسكين معه فقاتل به فقتله عزرة بن بطان التغلبي، وزيد بن رقاد الجنبي، فكان آخر قتيل.
وجاذبوا النساء ملاحفهن عن ظهورهن، فمنع عمر بن سعد من ذلك فأمسكوا.
ونادى عمر بن سعد في أصحابه: من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه فانتدب عشرة منهم اسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب الحسين قميصه فبرص، فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره.
وكان سنان بن أنس شجاعاً وكانت به لوثة، وقال هشام بن محمد الكلبي: قال لي أبي محمد بن السائب أنا رأيته وهو يحدث في ثوبه، وكان هرب من المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى الجزيرة. ثم انصرف إلى الكوفة، قالوا: وأقبل سنان حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد ثم نادى بأعلى صوته:
أوقر ركابي فضة وذهبا ... أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أماً وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسباً
وخيرهم في قومهم مركبا

(1/423)


فقال له عمر بن سعد: أشهد أنك مجنون ما صححت قط، أدخلوه إلي فلما دخل حذفه بالقضيب ثم قال: يا أحمق أتتكلم بهذا، والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك.
وكان مع الحسين عليه السلام عقبة بن سمعان مولى الرباب بنت امرئ القيس، الكلبية، أم سكينة بنت الحسين، فقال له عمر بن سعد: من أنت ؟ قال: مملوك. فخلى سبيله.
وكان المرقع بن قمامة الأسدي مع الحسين فجاء قوم من بني أسد فأمنوه فخرج إليهم. فلما قدم به عمر على ابن زياد أخبره خبره فسيره إلى الزارة من البحرين.
قالوا: وكان جميع من قتل مع الحسين من أصحابه اثنين وسبعين رجلاً، ودفن أهل الغاضرية من بني أسد جثة الحسين، ودفنوا جثث أصحابه رحمهم الله بعدما قتلوا بيوم، وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلاً، سوى من جرح منهم، فصلى عمر عليهم ودفنهم.
وبعث عمر برأس الحسين من يومه مع خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، وحميد بن مسلم الأزدي إلى ابن زياد فأقبلا به ليلاً فوجدا باب القصر مغلقاً، فأتى خولي به منزله فوضعه تحت أجانة في منزله، وكان في منزله امرأة يقال لها النوار بنت مالك الحضرمي فقالت له: ما الخبر ؟. قال: جئت بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معك في الدار. فقالت: ويلك جاء الناس بالفضة والذهب وجئت برأس ابن بنت رسول الله، والله لا يجمع رأسي ورأسك شيء أبداً.
وأقام عمر بن سعد يومه والغد، ثم أمر حميد بن بكير الأحمري، فنادى في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه أخوات الحسين وبناته ومن كان معه من الصبيان، وعلي بن الحسين الصغر مريض، فلطمن النسوة، وصحن حين مررن بالحسين، وجعلت زينب بنت علي تقول:
يا محمداه صلى عليك ملك السما.
هذا حسين بالعرا، مزمّلٌ بالدما، مقطع الأعضا.
يا محمداه، وبناتك سبايا وذريتك مقتلةٌ تسفي عليها الصّبا.
فأبكت كل عدو وولي واحتزت رؤوس القتلى فحمل إلى ابن زياد اثنان وسبعون رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج الزبيدي، وعزرة بن قيس الأحمسي من بجيلة، فقدموا بالرؤوس على ابن زياد.
وحدثني بعض الطالبيين أن ابن زياد جعل في علي بن الحسين جعلاً، فأتي به مربوطاً فقال له: ألم يقتل الله علي بن الحسين ؟ فقال: كان أخي يقال له علي بن الحسين وإنما قتله الناس، قال: بل قتله الله. فصاحت زينب بنت علي: يا بن زياد، حسبك من دمائنا فإن قتلته فاقتلني معه، فتركه.
وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين، قال: وكان يقول يا أيها الناس احببتمونا حب الإسلام، فما برح حبكم حتى صار علينا عاراً.
وقال أبو مخنف: لما قتل الحسين جيء برؤوس من قتل معه من أهل بيته وأصحابه إلى ابن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة عشر رأساً، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر قيس بتسعة أرؤس.
قالوا: وجعل ابن زياد ينكث بين ثنيتي الحسين بالقضيب، فقال له زيد بن أرقم: إعل بهذا القضيب غير هاتين الثنيتين فوالله لقد رأيت شفتي رسول الله عليهما تقبلهما، ثم جعل الشيخ يبكي، فقال له: أبكى الله عينيك فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت لضربت عنقك، فنهض وهو يقول للناس: أنتم العبيد بعد اليوم يا معشر العرب، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم، فبعداً لمن رضي بالعار والذل.
ولما أدخل أهل الحسين على ابن زياد نظر إلى علي بن الحسين فقال: انظروا أنبت ؟ قيل: نعم. قال: اضربوا عنقه. فقال: إن كانت بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهن رجلاً يحافظ عليهن، فقال: انت الرجل فبعث به معهن.
حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام عن أبي حصين قال: لما قتل الحسين مكثوا شهرين أو ثلاثة وكأنما تلطخ الحيطان بالدم من حين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس.
وحدثني عمر بن شبه عن موسى بن اسماعيل عن حماد بن سلمة عن سالم القاص قال: مطرنا أيام قتل الحسين دماً.
حدثني عمر بن شبه بن عفان عن حماد عن هشام عن محمد بن سيرين قال: لم تر هذه الجمرة في آفاق السماء حتى قتل الحسين.
حدثنا عمرو عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي قبيل أن السماء أظلمت يوم قتل الحسين، حتى رأوا الكواكب.

(1/424)


قالوا: وخطب ابن زياد فقال: الحمد لله الذي قتل الكذاب ابن الكذاب الحسين وشعيته، فوثب عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الغامدي وكان شيعياً وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل، واليمنى يوم صفين، وكان لا يفارق المسجد الأعظم، فلما سمع مقالة ابن زياد قال له: يا بن مرجانة، إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاه وأبوه، يا بن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين ؟ فقال ابن زياد: علي به فنادى بشعار الأزد: مبرور، يا مبرور، وحاضروا الكوفة من الأزد يومئذ سبعمائة، فوثبوا فتخلصوه حتى أتوا به أهله، فقال ابن زياد للاشراف: أما رأيتم ما صنع هؤلاء. قالوا: بلى. قال: فسيروا أنتم يا أهل اليمن حتى تأتوني بصاحبكم، وامتثل صنيع أبيه في حجر حين بعث أهل اليمن. وأشار عليه عمرو بن الحجاج بأن يحبس كل من كان في المسجد من الأزد، فحبسوا وفيهم عبد الرحمن بن مخنف وغيره فاقتلت الأزد وأهل اليمن قتالاً شديداً، واستبطأ ابن زياد أهل اليمن فقال لرسول بعثه إليهم: انظر ما بينهم. فرأى أشد قتل. فقالوا: قل للأمير: إنك لم تبعثنا إلى نبط الجزيرة لا جرامقة الموصل، إنما بعثتنا إلى الأزد، إلى أسود الأجم ليسوا ببيضة تحسى ولا حرملة توطأ، فقتل من الأزد عبيد الله بن حوزة الوالبي ومحمد بن حبيب الكبري، وكثرت القتلى بينهم وقويت اليمانية على الأزد وصاروا إلى خص في ظهر دار ابن عفيف فكسروه واقتحموا، فناولته ابنته سيفه فجعل يذب به، وشدوا عليه من كل جانب فانطلقوا به إلى ابن زياد وهو يقول:
اُقسم لو يفسح لي من بصري ... شقّ عليكم موردي وصدري
وخرج سفيان بن يزيد بن المغفل ليدفع عن ابن عفيف، فأخذوه معه، فقتل ابن عفيف وصلب بالسبخة، وأتي بجندب بن عبد الله فقال له ابن زياد: والله لأتقربن إلى الله بدمك فقال: إنما تتباعد من الله بدمي، وقال لابن المغفل: قد تركناك لابن عمك سفيان بن عوف فإنه خير منك.
وجعل عمر بن سعد يقول: ما رجع أحد إلى أهله بشر مما رجعت به، أطعت الفاجر الظالم ابن زياد وعصيت الحكم العدل، وقطعت القرابة الشريفة.
حدثني عمر بن شبه عن أبي عاصم عن قرة بن خالد عن أبي رجاء قال: قال جار لي حين قتل الحسين: ألم تر كيف فعل الله بالفاسق ابن الفاسق، فرماه الله بكوكبين في عينيه.
قالوا: ونصب ابن زياد رأس الحسين بالكوفة وجعل يدار به فيها، ثم دعا زحر بن قيس الجعفي فسرح معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه وأهل بيته إلى يزيد بن معاوية، وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان الأزدي، فلما قدموا عليه قال: لقد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية، أما والله لو كنت أنا صاحبه لعفوت عنه، رحم الله الحسين فقد قتله رجل قطع الرحم بينه وبينه قطعاً، ولم يصل زحر بن قيس بشيء.
العمري عن الهيثم عن عبد الملك بن عمير أنه قال: رأيت في هذا القصر عجباً، رأيت رأس الحسين على ترس موضوعاً بين يدي ابن زياد، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي مصعب، ثم رأس المختار بين يدي مصعب ثم رأس مصعب بن يدي عبد الملك بن مروان.
وقال الهيثم بن عدي عن عوانة: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد تمثل ببيت الحصين بن حمام المري:
يفلّقن هاماً من رجالٍ أعزّةٍ ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
حدثني عمرو الناقد، وعمر بن شبة قالا: ثنا أبو أحمد الزبيري عن عمه فضيل بن الزبير وعن أبي عمر البزار عن محمد بن عمرو بن الحسن قال: لما وضع رأس الحسين بن علي بين يدي يزيد قال متمثلاً:
يفلّقن هاماً من رجال أعزّةٍ ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
قالوا: وأمر عبيد الله بن زياد بعلي بن الحسين فغل بغل إلى عنقه، وجهز نساءه وصبيانه، ثم سرح بهم مع محفز بن ثعلبة من عائذة قريش، وشمر بن ذي الجوشن وقوم يقولون: بعث مع محفز برأس الحسين أيضاً، فلما وقفوا بباب يزيد رفع محفز صوته فقال: يا أمير المؤمنين هذا محفز بن ثعلبة أتاك باللئام الفجرة. فقال يزيد: ما تحفزت عنه أم محفز ألأم وأفجر.
وبعث يزيد برأس الحسين إلى نسائه فأخذته عاتكة ابنته وهي أم يزيد بن عبد الملك فغسلته ودهنته وطيبته. فقال لها يزيد: ما هذا ؟ قالت: بعثت إلي برأس ابن عمي شعثاً فلممته وطيبته.

(1/425)


ودفن رأس الحسين في حائط بدمشق إما حائط القصر وإما غيره، وقال قوم: دفن في القصر حفر له وأعمق.
قالوا: وجعل يزيد ينكث بالقضيب ثغر الحسين حين وضع رأسه بين يديه، فقال أبو برزة الأسلمي: أتنكث ثغر الحسين، لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً ربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشفه، أما إنك يا يزيد تجيء يوم القيامة وشفيعك ابن زياد، ويجيء الحسين وشفيعه محمد. ثم قام. ويقال إن هذا القائل رجل من الأنصار.
وحدثني ابن برد الأنطاكي الفقيه عن أبيه قال: ذكروا أن رجلاً من أهل الشام نظر إلى ابنة لعلي فقال ليزيد: هب لي هذه، فأسمعته زينب كلاماً، فغضب يزيد وقال: لو شئت أن أهبها له فعلت، أو نحو ذلك.
وقال يزيد حين رأى وجه الحسين: ما رأيت وجهاً قط أحسن منه. فقيل له: إنه كان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسكت.
وصيح نساء من نساء يزيد بن معاوية وولولن حين أدخل نساء الحسين عليهن، وأقمن على الحسين مأتماً. ويقال إن يزيد أذن لهن في ذلك.
وأعطى يزيد كل امرأة من نساء الحسين ضعف ما ذهب لها وقال: عجل ابن سمية لعنة الله عليه.
وبعث يزيد بالنساء والصبيان إلى المدينة مع رسول، وأوصاه بهم، فلم يزل يرفق بهم حتى وردوا المدينة، وقال لعلي بن الحسين: إن أحببت أن تقيم عندنا بررناك ووصلناك. فاختار إتيان المدينة، فوصله وأشخصه إليها.
ولما بلغ أهل المدينة مقتل الحسين كثر النواضح والصوارخ عليه، واشتدت الواعية في دور بني هاشم، فقال عمرو بن سعيد الأشدق: واعية بواعية عثمان، وقال مروان حين سمع ذلك:
عجّت نساء بني زبيد عجّةً ... كعجيج نسوتنا غداة الأزيب
وقال عمرو بن سعيد: وددت والله أن أمير المؤمنين لم يبعث إلينا برأسه. فقال مروان: بئس ما قلت هاته:
يا حبذا بردك في اليدين ... ولونك الأحمر في الخدّين
وحدثنا عمر بن شبة، حدثني أبو بكر عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه قال: رعف عمرو بن سعيد على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بيار الأسلمي وكان زاجراً: إنه ليوم دم، قال فجيء برأس الحسين فنصب فصرخ نساء أبي طالب فقال مروان:
عجت نساء بني زبيد عجة ... كعجيج نسوتنا غداة الأزيب
ثم صحن أيضاً فقال مروان.
ضربت ذو شر فيهم ضربة ... أثبتت أن كان ملكٌ فاستقر
وقام ابن أبي حبيش وعمرو يخطب فقال: رحم الله فاطمة، فمضى في خطبته شيئاً، ثم قال: واعجباً لهذا الألثغ، وما أنت وفاطمة. قال: أمها خديجة، يريد أنها من بني أسد بن عبد العزى. قال: نعم والله وابنة محمد. أخذتها يميناً وأخذتها شمالاً. وددت والله أن أمير المؤمنين كان نحاه عين ولم يرسل به إلي، ووددت والله أن رأس الحسين كان على عنقه، وروحه كانت في جسده.
وقال عوانة بن الحكم: قتل الحسين بكربلاء، قتله سنان بن أنس، واحتز رأسه خولي بن يزيد، وجاء به إلى ابن زياد، فبعث به إلى يزيد مع محفز بن تعلبة.
ويقال إن الحجاج سأله كيف صنع بالحسين فقال: دسرته بالرمح دسراً وهبرته بالسيف هبراً. فقال الحجاج: لا تجتمعان في الجنة والله أبداً، وقال: ادفعوا إليه خمسمائة درهم، فلما خرج قال: لا تعطوه شيئاً.
قال وكان الحسين يوم قتل ابن ثمان وخمسين سنة، وذلك في سنة إحدى وستين يوم عاشوراء.
وقال الواقدي: قتل الحسين شمر بن ذي الجوشن وقد نصل خضاب لحيته، وكان يخضب بسواد، وأوطأه شمر فرسه وذلك في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ويقال ابن ست وخمسين.
وقال الكلبي: ولد الحسن في سنة ثلاث من الهجرة، والحسين في سنة أربع. وقال: بعث يزيد برأسه إلى المدينة فنصب على خشبة، ثم رد إلى دمشق فدفن في حائط بها، ويقال في دار الإمارة. ويقال في المقبرة.
حدثني شجاع بن مخلد الفلاس عن جرير عن مغيرة قال: قال يزيد حين قتل الحسين: لعن الله ابن مرجانة، لقد وجده بعيد الرحم منه.
حدثني هشام بن عمار، حدثني الوليد بن مسلم عن أبيه قال: لما قدم برأس الحسين على يزيد بن معاوية وأدخل أهله الخضراء تصايحت بنات معاويه ونساؤه، فجعل يزيد يقول:
يا صيحةً تحمد من صوائح ... ما أهون الموت على النوائح
إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً، قد كنا نرضى من طاعة هؤلاء بدون هذا.

(1/426)


ولما أدخل علي بن الحسين على يزيد قال: يا حبيب. إن أباك قطع رحمي وظلمني فصنع الله به ما رأيت، فقال علي بن الحسين: " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها " . فقال يزيد لخالد ابنه أجبه، فلم يدر ما يقول، فقال يزيد: قل له: " ما أصاب من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " .
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد بن سعيد قال: كتب يزيد إلى ابن زياد: أما بعد: فزد أهل الكوفة أهل السمع والطاعة في أعطياتهم مائة مائة.
قال الهيثم بن عدي، قال سليمان بن قته:
إن قتيل الطّفّ من آل هاشمٍ ... أذلّ رقاباً من قريشٍ فذلّت
وكانوا لنا غنماً فعادوا رزيةً ... لقد عظمت تلك الرزايا وجلّت
وعند غنيٍّ قطرة من دمائنا ... سيجزيهم يوماً بها حيث حلّت
مررت على أبيات آل محمدٍ ... فألفيتها أمثالها يوم حلت
وقال أبو دهبل الجمحي:
يبيت السكارى من أمية نوّماً ... وبالطّفّ قتلى ما ينام قتيلها
وقالت زينب بنت عقيل ترثي قتلى أهل الطف. وخرجت تنوح بالبقيع:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بأهل بيتي وأنصاري أما لكم ... عهدٌ كريمٌ أما توفون بالذمم
ذرّيتي وبنو عمي بمضيعةٍ ... منهم أسارى وقتلى ضرّجوا بدم
ما كان ذا جزائي إذا نصحتكم ... أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي
فكان أبو الأسود الدولي يقول: " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " .
وكانت زينب هذه عند علي بن يزيد بن ركانة من بني المطلب بن عبد مناف، فولدت له ولداً منهم عبدة، ولدت وهب بن وهب أبا البختري القاضي.
وقال المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
أضحكني الدهر وأبكاني ... والدهر ذو صرفٍ وألوان
يا لهف نفسي وهى النفس ... س لا تنفكّ من همٍّ وأحزان
على أناس قتّلوا تسعةٌ ... بالطّفّ أمسوا رهن أكفان
وستّةٌ ما إن أرى مثلهم ... بني عقيلٍ خير فرسان
قال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان بن الحكم بن أبي العاص:
لهام بجنب الطّفّ أدنى قرابة ... من ابن زياد العبدذي الحسب الوغل
سمية أمسى نسلها عدد الحصا ... وبنت رسول الله ليس لها نسل
فذكر أنه أنشد يزيد هذه الأبيات فضرب صدره وقال: اسكت.
وقال الهيثم: خرج رجل من الأزد فيمن وجه إلى الحسين فنهته امرأته فلما رجع قال:
ألم تخبري عني وأنت ذميمةٌ ... غداة حسينٍ والرماح شوارع
ألم آت أقصى ما كرهت ولم يعب ... عليّ غداة الرّوع ما أنا صانع
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير عن أبيه عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس بن مالك، قال: لما جئ برأس الحسين إلى ابن زياد وضع بين يديه في طست فجعل ينكث في وجنته بقضيب ويقول: ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قط. فقلت إنه كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب عن عبد الملك بن عمير قال: لقد رأيت في قصر الكوفة عجباً، رأيت رأس الحسين بين يدي ابن زياد على ترس، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار على ترس، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب على ترس، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان على ترس.
وقال سراقة البارقي:
عين بكيّ بعبرةٍ وعويل ... واندبي إن ندبت آل الرسول
خمسةٌ منهم لصلب عليٍّ ... قد أُبيدوا وسبعةٌ لعقيل
قال المدائني: قتل الحسين والعباس وعثمان ومحمد لأم ولد بنو علي، وعلي بن الحسين وعبد الله وأبا بكر والقاسم بنو حسين، وعون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر، وعون وعبد الرحمن وعبد الله بن عقيل، وعبد الله بن مسلم بن عقيل، ومحمد بن أبي سعد بن عقيل.

(1/427)


حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام عن حصين أن أهل الكوفة كتبوا إلى الحسين: إنا معك ومعنا مائة ألف سيف، فبعث إليهم مسلم بن عقيل فنزل بالكوفة دار هانئ بن عروة، فبعث إليه ابن زياد فأتى فضربه بقضيب كان معه، ثم أمر فكتف فضربت عنقه فبلغ ذلك مسلم بن عقيل فخرج في ناس كثير.
قال حصين: فحدثني هلال بن إساف قال: لقد تفرقوا عنه، فلما قلت الأقوات قيل لابن زياد: ما نرى معه كبير أحد. فأمر فرفعت جرادي فيها النار حتى نظروا فإذا ليس مع مسلم إلا قدر خمسين، فقال ابن زياد للناس: تميزوا أرباعاً، فانطلق كل قوم إلى رأس ربعهم فنهض إليهم قوم قاتلوا مع مسلم فجرح مسلم جراحة، وقتل ناس من أصحابه، ولجأ إلى دار من دور كندة، فجاء رجل إلى محمد بن الأشعث وهو جالس عند ابن زياد فأخبره بذلك، فقال لابن زياد: إنه قال لي أن مسلماً في دار فلان، فقال ائتوني به، فدخل عليه وهو عند امرأة قد أوقدت ناراً فهي تغسل عنه الدم فقالوا له: انطلق إلى الأمير: فقال: عفواً ؟ قالوا: ما نملك ذلك. فانطلق معم فلما رآه أمر به فكتف. وقال: أجئت يا بن حلية لتنزع سلطاني ؟ وأمر به فضربت عنقه، قال: وحلية أم مسلم بن عقيل، وهي أم ولد.
ثم أمر بأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة.
وأقبل الحسين وهو لا يشعر بشيء حتى لقي الأعراب فسألهم فقالوا: والله ما ندري غير أنا لا نقدر على أن نخرج أو نلج، فانطلق يسير نحو الشام إلى يزيد فلقيته الخيول بكربلاء فناشدهم الله، وكان بعث إليه عمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وحصين بن نمير، فناشدهم الله أن يسيروه إلى يزيد فيضع يده في يده، فقالوا: لا إلا على حكم ابن زياد وكان فيمن بعث إليه الحر بن يزيد الحنظلي فقال لهم: يا قوم لو سألتكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تمتنعوا منه، فأبوا إلا أن يحملوه على حكم ابن زياد، فركب وصار مع الحسين، ثم كر على أصحاب ابن زياد فقاتلهم فقتل منهم رجلين ثم قتل.
وذكر أن زهير بن القين العجلي لقي الحسين وكان حاجاً فأقبل معه.
قالوا: وأخرج إليه ابن زياد ابن أبي حويزة المرادي، وعمرو بن الحجاج، ومعناً السلمي. قال حصين: فحدثني سعد بن عبيدة قال: إن أشياخنا من أهل الكوفة لوقوف على تل يبكون ويقولون: اللهم أنزل عليه نصرك، فقلت: يا أعداء الله ألا تنزلون فتنصرونه.
قال: وأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد، وإني لأنظر إليه وعليه جبة برد فلما أبوا ما قال لهم انصرف إلى مصافه، وإنهم لمائة رجل أو قريب من مائة فيهم من صلب علي خمسة وستة عشر من الهاشميين، وفيهم رجل من سليم حليف لهم، ورجل من كنانة حليف لهم.
قال حصين: وأخبرني سعد بن عبيدة قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد إذا أتاه رجل فساره فقال: بعث إليك ابن زياد ابن حويزة بن بدر التميمي وأمره ان أنت لم تقاتل أن يضرب عنقك، قال فخرج فوثب على فرسه، ثم دعا بسلاحه وصار إليهم فقاتلهم، فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد فوضع بين يديه وجعل ينكثه بقضيب له ويقول: أرى أبا عبد الله قد كان شمط وأمر ببناته ونسائه فكان أحسن ما صنع بهن أن أمر لهن بمنزل في مكان معتزل وأجرى عليهن رزقاً وأمر لهن بكسوة ونفقة.
ولجأ ابنان لعبد الله بن جعفر إلى رجل من طئ فضرب أعناقهما، وأتى ابن زياد برؤوسهما، فهم بضرب عنقه، وأمر بداره فهدمت.
قال حصين: فلما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة وكأنما تلطخ الحوائط بالدماء مذ صلاة الصبح إلى ارتفاع الشمس.
قال حصين فحدثني مولى ليزيد بن معاوية قال: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد رأيته يبكي ويقول: ويلي على ابن مرجانة فعل الله به كذا، أما والله لو كانت بينه وبينه رحم ما فعل هذا.
حدثني عبيد الله بن محمد بن عائشة عن مهدب بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب الضبي عن ابن أبي نعيم قال: سأل رجل ابن عمر عن دم البعوض يصيب المحرم، فقال له: من أين أنت ؟ قال: أنا من أهل العراق، فقال؛ واعجباً من قوم يسألون عن دم البعوض وقد سفكوا دم ابن بنت نبيهم.

(1/428)


وحدثني أبو خيثمة، ثنا وهب بن جرير عن أبيه قال: بعث ابن زياد عمر بن سعد على جيش وبعث معه شمر بن ذي الجوشن وقال له: اذهب معه فإن قتل الحسين والا فاقتله وأنت على الناس، فلقوه في تسعة عشر من أهل بيته فقال: يا أهل الكوفة كتبتم إلي في القدوم ثم صنعتم ما أرى، فأنا أنزل على حكم يزيد، قالوا: انزل على حكم الامير، قال: ما كنت لأنزل على حكم ابن مرجانة. وقاتل ومن معه حتى قتلوا. فقال الشاعر.
فأيّ رزيّةٍ عدلت حسيناً ... غداة سطت به كفّا سنان
وحدثنا عمرو بن شبه، ثنا الصلت بن مسعود الجحدري، ثنا عاصم بن قرهد عن أبي بكر الهذلي عن الحسن أنه لما قتل الحسين بكى حتى اختلج جنباه، ثم قال: واذل أمة قتل ابن دعيها ابن نبيها.
وحدثت عن أبي عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن ابن شهاب قال: ما رفع حجر بالشام يوم قتل الحسين إلا عن دم.
حدثنا يوسف بن موسى عن جرير عن الأعمش أن رجلاً أحدث على قبر الحسين فجذم وبرص وجن، فولده يتوارثون ذلك.
؟؟أمر زيد بن علي بن الحسين
بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
كان زيد بن علي لسناً خطيباً دخل على هشام بن عبد الملك فقال: إنه ليس احد بدون أن يوصي بتقوى الله ولا أحد فوق أن يوصى بها. وأقام قبله في خصومة فلما شخص عن بابه كتب إلى عامله على المدينة: أما بعد فإن زيد بن علي قدم علي فرأيته رجلاً حولاً قلباً خلياً بصوغ الكلام وتمويهه، وأمره بتفقده والإشراف عليه وحذره إياه.
وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه قال: نازع محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عبد الله بن حسن بن حسن في صدقة علي بن أبي طالب، فوكل محمد أخاه زيد بن علي بالخصومة فكان محمد وعبد الله يتنازعان عند عامل المدينة ابراهيم بن هشام، فقال عبد الله لزيد، وكانت أمه سندية: يا بن السندية الساحرة، أتطمع في الخلافة ؟ فانصرف زيد فدخل على عمته فاطمة بنت الحسين بن علي وهي أم عبد الله بن حسن، وأخويه إبراهيم، وحسن بن حسن بن حسن، فشكا فبكى إليها فقالت: إن سب أمك فسبني. فعاد للخصومة فعاد له عبد الله فشتم أمه فقال له زيد: أوتذكر عبد الله بن الضحاك بن قيس حين كانت أمك تبعث إليه بالعلك الأحمر والأخضر والأصفر فتجيئه فتقول له: فمك. فإذا فتح فاه طرحته فيه، فأخبرها بنوها عبد الله، وحسن، وابراهيم بنو حسن بن حسن بن علي بقول زيد، فغضبت وقالت: كنتم أحداثاً فكنت أداريه وأمنيه أتزوجه لأنه كان يتوعدني إن لم أفعل، حتى كتبت إلى يزيد بن عبد الملك فعزله.
قال: وشخص ولد الحسن بن علي والحسين إلى هشام بسبب هذه المنازعة، فاجتمع زيد بن علي وحسن بن حسن عنده، فأعان عمر بن علي زيداً على حسن، فقال هشام لعمر: كيف لا تطلب القيام بهذه الصدقة لنفسك ؟ فقال حسن: يمنعه من ذلك خولة والرباب جرتاه اللتان كان ينتبذ فيهما، فصب أبان بن عثمان ما فيهما على رأسه وهو والي المدينة.
وروى بعضهم أن زيداً رأى في منامه أنه أضرم بالعراق ناراً ثم أطفأها، فقصها على يحيى ابنه وقد راعته، وورد عليه كتاب هشام في القدوم عليه، فلما أتاه قال له: إلحق بأميرك يوسف بن عمر. فقدم عليه وحذره إياه.
المدائني عن ابن جعدبة قال: كان جعفر بن حسن بن الحسن بن علي من رجال بني هاشم، فاختصم ولد الحسن والحسين في وصية علي فقال كل قوم: فينا. فكان زيد يخاصم لولد الحسين، وكان جعفر يخاصم لولد الحسن.
المدائني عن جويرية بن أسماء قال: تنازع ولد الحسن والحسين في أموال علي فكان القائم بأمر ولد الحسين زيد، والذي يقوم بأمر ولد الحسن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي، فكانا يختصمان. ثم مات جعفر بن الحسن بن الحسن فقام مقامه عبد الله بن الحسن بن الحسن، ثم جرى بين زيد وخالد كلام بالكوفة فخرج هو وعبد الله بن الحسن وعمر بن علي بن أبي طالب ومحمد بن عمر إلى هشام فلما عذب يوسف بن عمر طارقاً غلام خالد بن عبد الله القسري، ادعى أن له عند زيد بن علي وعمر، ومحمد بن عمر، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس مالاً - وكان داود مع خالد بن عبد الله في أصحابه - وعند أيوب بن سلمة المخزومي ودائع وأموالاً فكتب يوسف بذلك إلى هشام فحملهم هشام إليه ولم يحمل المخزومي لأن مخزوماً أخواله.

(1/429)


وكان عمر مسناً فأمر بالرفق به، وكتب هشام إلى يوسف: إن ثبت عليهم حق فخذهم به وإلا فلا تطالبهم بشيء، وسرح هشام معهم رجلاً، فلما جمع بينهم وبين طارق قال: إنما التمست أن يكف عني العذاب إلى أن يذهب الرسول ويحملوا. وما لخالد قبلهم شيء.
وقال عمر بن علي: كيف يودعنا من كان يلعننا ؟ فخلى سبيلهم، فخرج محمد بن عمر وداود بن علي إلى المدينة، وخرج زيد معهما، فاتبعه قوم من أهل الكوفة فدعوه إلى أن يبايعوه، فرجع وأقام بالكوفة، فبلغ يوسف أمره فقال: لا أصدق به. لقد كلمت زيداً فرأيت ثم نبلاً وعقلاً ولم يوسف أمره فقال: لا أصدق به. لقد كلمت زيداً فرأيت ثم نبلاً وعقلاً ولم يكن ليفسد نفسه.
وبلغ هشاماً مكان زيد بالكوفة وأنه يدعو الناس، فكتب إلى يوسف: أن أحبس الناس في المسجد واحلفهم رجلاً رجلاً على خبره وأمره حتى تتيقنه.
فلما اجتمعوا سد الأبواب إلا باب الفيل وحده وأحلف الناس وبحثهم عن أمر زيد، ثم إن زيداً قتل فبعث يوسف برأسه إلى هشام فنصبه هشام بدمشق، فقال بعض الشعراء
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلةٍ ... وما كان مهديٌّ على الجذع يصلب
فلما ظهر عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما على الشام أخذ ذلك الشاعر فجعل يضرب رأسه بعمود بيده حتى نثر دماغه، وأمر فأحرق بالنار.
قال وقال الكميت بن زيد الأسدي:
دعاني ابن الرسول فلم أُجبه ... أيا لهفي على القلب الفروق
حذار منيّةٍ لا بدّ منها ... وهل دون المنية من طريق
وقال أيضاً:
دعاني ابن الرسول فلم أُجبه ... فلهفي اليوم للراي الغبين
فواندمي على أن لا أكن عاضدت زيداً ... حفاظاً لابن آمنة الأمين
وقال الشاعر حين أشخص ريد وداود:
يأمن الظبي والحمام ولا يأ ... من أهل النبي عند المقام
طبت بيتاً وطاب أهلك أهلاً ... أهل بيت النبيّ والإسلام
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف، وقرأت على المدائني عن أشياخ ذكرهم، وأخبرني عبد الله بن صالح رحمه الله عن عبثر بن القاسم بن زبيد، وابن كناسة قالوا: كان زيد بن علي رضي الله تعالى عنه مع خالد بن عبد الله القسري في أصحابه في الكوفة، وخالد والي العراق. وكان داود بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله تعالى عنهم مع خالد أيضاً، فلما ولي يوسف بن عمر الثقفي العراق مكان خالد بلغه أن خالداً أودع زيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم وداود بن علي بن عبد الله بن العباس مالاً، فحلفا على ذلك فقبل يمينهما، وانصرفا إلى مكة فلقيهما نصر بن خزيمة العبسي فدعاهما إلى الخروج فأجابه زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما، فقال داود لزيد: يا بن عم لا تفعل فإنهم يغرونك ويسلمونك. قال عبد الله بن صالح في حديثه عن ابن كناسة، وأنشد داود:
أنا ابن بجدتهم علماً وتجربةً ... فاسأل بسعدٍ تجدني أعلم الناس
قالوا: فقال زيد: يا بن عم، كم نصبر لهشام ؟ قال داود: نصبر يا أبا الحسين حتى نجد الفرصة. فقال: يا بن عم من أحب الحياة ذل. ومضى داود لوجهه، ثم رجع إلى الكوفة وقد صلب زيد فأراد انزاله فأدركته خيل يوسف فتركه، فقال له سلمة بن كهيل: إن أباك كان خيراً منك، وقد كان بايعه أكثر ممن بايعك، وكان اولئك خير من هؤلاء فامض لوجهك.
فلما أتى إلى اليمامة كتب هشام إلى يوسف إن سلمة كان خيراً لك بالمصر من عشرة آلاف دارع، وقد كان ينبغي لك أن لا تحول بينه وبين الشخوص عن الكوفة.
وقد قيل إنه بايعه هو وحجية بن الأجلح الكندي، وقتل حجية معه. عمرو بن محمد عن ابن ادريس عن ليث قال: جاء منصور إلى زياد اليامي وهو يبكي ويقول: ابن بنت نبيكم فقال زياد: ما كنت لأخرج إلا مع نبي وما أنا بواجده فأمسك.

(1/430)


المدائني عن أبي مخنف وغيره: ادعى يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وقد جلده يوسف بن عمر وحلقه، مالاً قبل زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وداود بن علي بن عبد الله، وسعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن سلمة بن الوليد المخزومي، دفعه أبوه إليهم، فكتب يوسف بن عمر فيهم إلى هشام بن عبد الملك، وزيد بن علي، ومحمد بن عمر يومئذ برصافة هشام يخاصمان عبد الله بن حسن بن حسن بن علي في صدقة علي ووصيته، فلما ورد كتاب يوسف على هشام بعث إليهما فذكر لهما ما كتب به يوسف، فأنكرا، فأشخص زيداً ومحمداً إلى يوسف، وأمره أن ينظر فيما ادعى ابن خالد عليهما وعلى أصحابهما، فإن أقام البينة أشخصهم إليه، وإلا أخرجهم بعد العصر إلى المسجد وأحلفهم على صدقهم، فإن حلفوا خلى سبيلهم.
فقدم زيد بن علي الحيرة، فنزل بها على رجل يقال له عبد المسيح، فولد له غلام فسماه عيسى، وناظر يوسف زيداً ومحمد بن عمر وأصحابهما، فقال ابن خالد: ما لي قبلهم شيء، فقال يوسف: أبي كنت تهزأ أم بأمير المؤمنين ؟ قال: لا، ولكني استرحت إلى قولي، وقلت تمسك عن عذابي إلى أن تكتب بحمل من حمل.
فعذبه حتى ظن أن قد قتله، ثم أخرج زيد وأصحابه إلى المسجد بعد العصر فحلقوا أنه ليس لخالد ولا ليزيد عندهم شيء، وغلظ عليهم الأيمان وكتب بذلك إلى هشام، فأمره بتخلية سبيلهم وإشخاصهم إلى المدينة.
وقد روي أن ابن داود، وزيدا، ومحمد بن عمر كانوا في عسكر هشام، وأن يوسف بن عمر حمل إليه باقيهم فأحلفهم فحلفوا فخلى سبيلهم.
قالوا: ولقي زيد بن علي الأبرش الكلبي وهو خارج من عند هشام فقال: إنه والله ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا، فسمعها خادم لهشام، ويقال سمعها الأبرش فابلغها الأبرش هشاماً فاحتملها عليه وقال له: يا زيد أخرج إلى حيث شئت ولا تدخل الكوفة.
قالوا: ولحق زيداً بعد شخوصه من الكوفة قوم من الشيعة فقالوا له: أنا نرجو أن تكون المنصور، وأن يكون هذا الزمان زمان هلاك بني أمية، فقال له داود حين أراد المضي إلى الكوفة وقد أطلع على أمره: يا أبا الحسين، إن أهل الكوفة أصحاب علي وأصحاب الحسين فاحذرهم، فلم يقبل ورجع إلى الكوفة مستتراً. فقال له محمد بن عمر بن علي: قد صدقك ابن عمك فلا تخرج، فلما أبى مضى إلى المدينة وتركه.
قالوا: ولما قدم زيد الكوفة أقبلت الشيعة تختلف إليه وأتته المحكمة أيضاً فبايعوه جميعاً حتى أحصى في ديوانه خمسة عش ألفاً، ويقال، اثنا عشر ألفاً من أهل الكوفة خاصة، سوى: أهل المدائن، والبصرة، وواسط، والموصل، وخراسان، والري، وجرجان، والجزيرة، فأقام بالكوفة بضعة عشر شهراً، وأتى البصرة وأقام بها شهرين.
وقد كان وجه دعاته إلى الآفاق فأجابه ناس من أهل كل ناحية، وكان قد نزل بالكوفة في منزل مولى له يقال له حميد بن دينار في أحمس وفي منزل نصر بن خزيمة العبسي، فبلغ يوسف أنه بالكوفة في عبس فتحول إلى بارق فنزل فيهم في منزل نصر بن عبد الرحيم البارقي، ثم تحول إلى بني يربوع ثم إلى بني بكر بن وائل، وكتب إلى هلال بن خباب فأجابه.
وكان إذا بويع قال: أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، واعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء على أهله، ورد المظالم وإقفال المجمرة، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا الحرب، أتبايعون على هذا ؟ فيبايعونه ويضع يده على يد الرجل، ثم يقول: عليك عهد الله وميثاقه لتفين لنا، ولتنصحنا في السر والعلانية، والرخاء والشدة، والعسرة واليسرة، فيماسح على ذلك.

(1/431)


وقرأت في كتاب سالم كاتب هشام كتاباً نسخته: أما بعد فقد عرفت حال أهل الكوفة في حبهم أهل هذا البيت، ووضعهم إياهم في غير مواضعهم لافتراضهم على أنفسهم طاعتهم، ونحلتهم إياهم عظيم ما هو كائن مما استأثر الله بعلمه دونهم حتى حملوه على تفريق الجماعة والخروج على الأئمة، وقد قدم زيد بن علي على أمير المؤمنين في خصومه، فرأى رجلاً جدلاً لسناً حولاً قلباً، خليقاً بصوغ الكلام وتمويهه واجترار الرجال بحلاوة لسانه، وكثرة مخارجه في حججه، وبما يدلي به عند الخصام من العلو على الخصم بالقوة المؤدية إلى الفلج، فعجل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تدعه العام قبلك من لين لفظه، وحلاوة منطقه، مع ما يدلي به من القرابة برسول الله، وجدهم سبيلاً إليه غير متفرقين.
وكتب زيد إلى أهل الآفاق كتباً يصف فيها جور بني أمية، وسوء سيرتهم، ويحضهم على الجهاد ويدعوهم إليه، وقال: لا تقولوا خرجنا غضباً لكم، ولكن قولوا خرجنا غضباً لله ودينه.
وبعث زيد بن علي عطاء بن مسلم وهو ابن اخت سالم بن أبي الجعد إلى زبيد اليامي يدعوه إلى الجهاد معه، فقال: أخبره أن نصرته حق وحظ، ولكني أخاف أن يخذل كما خذل جده الحسين.
وبعث إلى أبي حنيفة فكاد يغشى عليه فرقاً، وقال: من أتاه من الفقهاء ؟ فقيل له: سلمة بن كهيل ويزيد بن أبي زياد، وهاشم البرند، وأبو هاشم الرماني وغيرهم. فقال: لست أقوى على الخروج، وبعث إليه بمال قواه به.
وقد كان سلمة بن كهيل فيما يقال أشد الناس نهياً لزيد عن الخروج، ويقال: إنه بايعه.
وبعث زيد إلى سليمان الأعمش فقال: قولوا له إني لا أثق لك بالقوم، ولو وثقت لك بثلاثمائة رجل منهم لغيرنا لك جوانبها.
وكتب إلى الزهري مع رسول له يدعوه إلى الجهاد معه، فقال: أما ما دام هشام حياً فلا. فإن أخرت الخروج إلى ولاية الوليد خرجت معك.
وحدثنا يوسف بن محمد، ثنا حكام الرازي عن عنبسة قال: سمعت أبا حصين قال لقيس بن الربيع: يا قيس. قال: لبيك. قال: لا لبيك ولا سعديك، تبايع رجلاً من ولد رسول الله ثم تخذله، وكان ممن بايع زيداً.
قالوا: وبلغ يوسف بن عمر بيعة من بايع من أهل واسط فحصنها وتوثق من أبوابها واستد عليهم، وكذلك المدائن، وشحن واسطاً بالخيول.
وكان خليفته على الكوفة الحكم بن الصلت بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل، فقدم يوسف الكوفة وصار إلى الحيرة فنزل بها، ولما رأى أصحاب زيد المبايعون أن يوسف بن عمر قد علم بأمر زيد وصح عنده خبره، وأنه يبحث عنه، ويفحص عن خبره، ويدس إليه، اجتمع إلى زيد جماعة منهم من الرؤساء، فقالوا: يرحمك الله ما قولك في أبي بكر وعمر ؟ فقال: كنا أحق البرية بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأثرا علينا، وقد وليا علينا وعلى الناس فلم يألوا عن العمل بالكتاب والسنة، ففارقوه ورفضوا بيعته، وقالوا: إن أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين هو الإمام، وجعفر بن محمد إمامنا بعد أبيه، وهو أحق بها من زيد، وإن كان زيد أخاه، فسماهم زيد حين رفضوا بيعته: الرافضة.
وقال لهم زيد: وجهوا إلى أبي جعفر رسولاً، فإن أمركم بالخروج معي فاخرجوا، فاعتلوا عليه، ثم قالوا: لو أمرنا بالخروج؟ معك ما خرجنا لأنا نعلم أن ذلك تقية منه واستحياء منك. فقال: كفوا أيديكم عني.
وكان زيد يقول: رفضتني الرافضة كما رفضت الخوارج علياً.
ويقال إن طائفة منهم قالوا لمحمد بن علي قبل خروج زيد: إن أخاك زيداً فينا يبايع، فقال بايعوه فهو اليوم أفضلنا، فلما قدم الكوفة كتموا زيداً ما سمعوا من أبي جعفر محمد بن علي أخيه.
قالوا: وكتب عبد الله بن حسن إلى زيد: يا بن عم، إن أهل الكوفة قوم نفج العلانية خور السريرة، هرج الرخاء جزع عند اللقاء، تقدمهم ألسنتهم ولا تشايعهم قلوبهم لا يثوون بغناء فرجون ولا يثبتون على عداوة فيخافون، ولقد تواترت إلي كتبهم فصممت عن ندائهم وألبست قلبي غطاء عن ذكرهم يأساً منهم واطراحاً لهم، وإنما هم كما قال علي رحمه الله تعالى: إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن دعيتم إلى مشاقة أجبتم.
وقال علي بن هاشم: إني سمعت زيداً يقول: البراءة من أبي بكر وعمر: البراءة من علي.

(1/432)


قالوا: ولما استتب لزيد خروجه واعد أصحابه الزيدية الذين وافقوه على تولي أبي بكر وعمر ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة، فخرج قبل الأجل، وذلك أنه بلغ يوسف بن عمر أمره، فأمر الحكم أن يجمع وجوه أهل الكوفة في المسجد الأعظم ثم يحصرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء والشرط والمناكب ووجوه المقاتلة فأدخلهم المسجد، ثم نادى مناديه: أيما رجل من وجوه العرب والموالي أدركناه في رحله الليلة فبرئت منه الذمة، إئتوا المسجد الأعظم.
فأتوا المسجد وطلبوا زيداً في دار إسحاق بن معاوية الأنصاري ثم الأوسي وبلغهم أنه تحول إليها فلم يقدروا عليه وذلك لأنه هرب منها حين بلغه إقبالهم إليها لطلبه.
وخرج ليلة الأربعاء لسبع ليال بقين من المحرم سنة إثنتين وعشرين ومائة في جماعة كانوا حوله، وآخرين بعث إليهم رسله فوافوه، وأمر فأشعلت النيران في الجرادي، فكلما أكلت جردياً رفعوا آخر فلم يزالوا كذلك إلى طلوع الفجر، وكانت ليلة باردة فلم يتتام إليه فيها إلا أربعمائة، فقال: أين الناس، أتراهم تخلفوا للبرد ؟ فقيل له: لا، ولكنهم جمعوا في المسجد وأغلقت الدروب ليقطعوا عنك.
وقد ذكر بعض أهل الكوفة أنه اجتمع إلى زيد أربعة آلاف فلم يصبح إلا وهو في ثلاثمائة أو أقل منها.
وقال أبو مخنف فيما حدثني به عباس بن هشام عن أبيه عنه أن زيداً أصبح في مائتين وثمانية عشر رجلاً.
وقال عوانة: أصبح في مائتين وخمسين.
وقيل إن يوسف دس مملوكاً خراسانياً ألكن، وأعطاه خمسة آلاف درهم فأمره أن يلطأ لبعض الشيعة فيخبر أنه قدم من خراسان حباً لأهل البيت، وأن معه مالاً يريد تقويتهم به، فلم يزل يتدسس حتى أدخل على زيد، ثم دل يوسف عليه، فوجه إليه الخيل فخرج زيد ونادى بشعاره، فخرج إليه أقل من ثلاثمائة، فقال: لا تبعد يا داود.
قالوا: وكان زيد وجه القاسم بن عبد الله التنعي من حضرموت لينادي بشعار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس وهو: يا منصور أمت، وهو كان شعار زيد الذي واطأ عليه أصحابه، فلقيه جعفر بن عباس بن زيد الكندي فشد عليه وعلى أصحابه فقتل من أصحابه رجلاً وارتث القاسم، فأتي به يوسف بن عمر فضرب عنقه على باب القصر، فأقبل نصر بن خزيمة العبسي يريد زيداً في جماعة من الزيدية، فلقيه خليفة الحكم بن الصلت فشد عليه نصر بن خزيمة فقتله وانهزم من كان معه.
وندب يوسف بن عمر بن الحكم لمحاربة زيد عبيد الله بن عباس بن يزيد الكندي، والأصبغ بن ذؤالة بن لقيم بن لجأ بن حارثة بن زامل الكلبي، وبعث يوسف لمحاربته أيضاً: الريان بن سليمة الأراشي من بلي في القيقانية وهم ألفان وثلاثمائة، وهم من أهل السند يقال إنهم بخارية، لقبوا القيقانية. فلما كان من الغد يوم الأربعاء عبأ زيد أصحابه وعليه درع تحت قباء أبيض ومعه سيف ودرقة فجعل على ميمنته نصر بن خزيمة، وعلى ميسرته معاوية بن إسحاق الأنصاري، ثم خطب فذكر أبا بكر وعمر فترحم عليهما، وذكر عثمان وما أحدث، وذم معاوية وبني أمية ثم انحاز إلى جبانة الصائديين من همدان، وبها خمسمائة فارس من أهل الشام، فحمل عليهم فهزمهم، وكان على فرس له جواد، فوقف على باب رجل ممن بايعه يقال له أنس بن عمرو فناداه يا أنس، قد " جاء الحق وزهق الباطل " ، فلم يجبه ولم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلقكم أن تكونوا فعلتموها فالله حسبكم.
ثم أتى زيد الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام كانوا بها فهزمهم وشلهم إلى المقبرة، ويوسف على تل مشرف ينظر إلى زيد وأصحابه وهو في مائتين فلو شاء قتل يوسف قتله، ولكنه صرف عنه.
ودعا زيد الناس بالكناسة وناشدهم فلم يجبه إلا رجلان أو ثلاثة، فقال لنصر بن خزيمة: أراها والله حسينية، فقال نصر: إنما علي أن أضرب بسيفي حتى أموت.
قالوا: وقال نصر لزيد إن الناس محصورون في المسجد فامض بنا إليهم، فخرج زيد معه يريد المسجد، فمر على دار خالد بن عرفطة وبلغ عبيد الله بن عباس الكندي، وكان قائداً من قواد يوسف بالكوفة، إقباله فخرج إليه في أهل الشام الذي كانوا بالكوفة، وأقبل زيد إليه فالتقوا على باب عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري فكاع صاحب لواء عبيد الله، وهو مولى يقال له سلمان، فقال له: احمل يا بن الخبيثة، فحمل حتى انصرف وقد خضب لواؤه. ويقال إنهم التقوا بجبانة السبيع.

(1/433)


حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف قال: لما التقوا ضرب واصل الحناط الأحول عبيد الله بن عباس الكندي ضربة وقال: خذها وأنا الغلام الحناط. فقال: والله لأتركنك لا تكيل بقفيز بعدها، وحمل عليه فضربه، فلم يصنع شيئا وانهزم ابن عباس حتى انتهى إلى دار عمرو بن حريث.
وجاء زيد ومن معه إلى باب الفيل، وجعل نصر بن خزيمة ينادي: يا أهل المسجد اخرجوا من الذل إلى العز، ومن الضلالة إلى الهدى، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنكم لستم في واحد منهما.
وأشرف أهل الشام عليهم يرمونهم بالحجارة من فوق المسجد، وكانت بالكوفة يومئذ مناوشة في نواحيها، وكان منادي زيد ينادي بين يديه: من ألقى سلاحه فهو آمن. وأمر أصحابه أن ينادوا بذلك، وعرض نساء من نساء أهل الكوفة على زيد أن يخرجن فيقاتلن معه فقال: قرن في بيوتكن فوالله فما ترجى رجالكم فكيف النساء. ليس على النساء ولا على المرضى قتال.
وحدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش الهمداني قال: إني لواقف على رأس يوسف قبل قتل زيد إذ قال لي: يا بن عياش إن هذا الزاني ابن الزانية - يعني زيداً - قد خرج بأجمة سالم - وهو يريد جبانة سالم - فقلت: أصلح الله الأمير، أجمة سالم على خمسة عشر فرسخاً من الكوفة وأكثر فلعله خرج بجبانة سالم. فقال: نعم ويحك. جبانة سالم.
قال: وبلغني أن على شرطته نصر بن سيار، قلت: نصر بن خزيمة العبسي، قال: نعم. فوجه رسولاً يأتيه بخبرهم فقال: قد استقبل نصر بن خزيمة أبا حفص عمر بن عبد الرحمن خليفة الحكم فقتله، قال: وكان يوسف دهره سكران من الخمر لا يفيق.
قالوا: ولما نادى زيد أهل المسجد ونودوا له فلم يخرج إليه أحد منهم انصرف إلى ناحية دار الرزق، فوجه يوسف إليه الخيول فجعلت تمر كردوساً كردوساً، ونادى مناديه: إن من جاء برأس الفاسق زيد بن علي فله ألف دينار. فقوتل أشد قتال وصبر أشد صبر.
وقدم عامر بن ضبارة المري على يوسف، أمده به هشام حين بلغه أن زيداً بويع، ومعه ثمانية آلاف فانتدب رجل من أصحاب ابن ضبارة من أهل الشام فطلب المبارزة، فبرز له نصر بن خزيمة العبسي، فقال أهل الشام؛ من أنت ؟ قال: نصر بن خزيمة العبسي. قال: ما أحد أبغض إلي من أن أصيبه منك، وكان قيسياً - فصاح به الشاميون: فعل الله بك وفعل، وأنبوه وعيروه، فعطف على نصر فتشاولا ساعة، ثم ضرب كل واحد منهما صاحبه فأثبته، فرجع نصر مثخناً، ورجع الشامي وقد قطع نصر رجله من الفخذ فهو مثخن أيضاً، فمات الشامي ومات نصر، وقد عرف مكانه فأتي به يوسف فأمر بصلبه.
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن أبيه قال: اجتمع إلى زيد في أول ليلة أربعمائة، ثم أصبح وهم أقل من ثلاثمائة ثم لم تزل يثوب إليه العدة بعد العدة، ودعا نصر بن خزيمة قوماً من قيس فتتام مع زيد ألف رجل فلقي بهم من لقي من أصحاب ابن ضبارة. وكانت وقعتهم بجبانة سالم، ويقال بغيرها.
قالوا: ولما قتل نصر بن خزيمة وأحاطت الخيول بزيد بن علي قال: إن القيام لهؤلاء الطغاة لغرر فلو لجأنا إلى الحيطان فجعلناها من وراء ظهورنا فلم يأتوا إلا من وجه واحد. فصوبه أصحابه فعطف برأس دابته. فناداه أهل الشام: يا بن أبي تراب، يا بن المنافق، يا بن السندية. إلى أين ؟ فلما سمع زيد ذلك كر عليهم فكشفهم، فما رأى الناس قط فارساً أشجع منه، وقد كانوا على ذلك كالمتهيبين لقتله، وكانت مواقعته إياهم عند دار الرزق بالكوفة، فلما كان المساء رمي زيد بسهم في جبهته من يسارها، وذلك الثبت، ويقال في رجله.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: تولى حرب زيد بالكوفة عبيد الله بن العباس الكندي والأصبغ بن ذؤالة الكلبي في جماعة بعث بهم إليه يوسف من الحيرة وكان بها وهو يومئذ على العراق، وكان الحكم بن الصلت بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي خليفته على الكوفة، فأهل الكوفة يقولون: رمى زيداً داود بن سليمان بن كيسان مولى بشر بن عمارة بن حسان بن جبار الكلبي، وكيسان صاحب الباب بدمشق وأولاد داود يدفعون ذلك وينتفون منه ويقولون رماه رجل من القيقانية فأصاب جبهته وذلك عند المساء، فدعي له بحجام فنزع النشابه فسالت نفسه معها.
وقال أبو مخنف: رمي زيد بسهم في جبهته فبلغ الدماغ فرجع ورجع أصحابه، وأهل الشام يظنون أنهم إنما رجعوا للمساء والليل.
مقتل زيد بن علي

(1/434)


وتحامل زيد حتى دخل دار الجرارين التي بالسبخة وأوصى يحيى ابنه بتقوى الله وجهاد بني أمية، ومكث هنيهة ثم قضى ليلة الجمعة فدفن في دار الجرارين وأجروا عليه ساقية من ماء السبخة كي يخفى قبره، وكان معهم غلام سندي أتى زيداً من أول النهار في قوم أتوه ليقاتل معه فلم يقبله وقال: لا يقاتل مملوك بغير إذن مولاه، فدل على قبره.
وحدثني عبد الله بن صالح عن حمزة الزيات قال: دخل زيد دار جرار فجاءه بطبيب يقال له سفيان مولى لبني رؤاس فانتزع النصل الذي رمي به من جبهته فلم يلبث أن مات.
وقال أبو مخنف: أرسل إلى حجام حميد الرؤاسي فقال له الحجام: انك إن نزعته مت مع إخراجه فقال: الموت أيسر مما أنا فيه، فأخذ الكلبتين وانتزعه فخرجت نفسه معه ودفن في حفرة من الحفر التي يؤخذ منها الطين، ومضى عبد سندي إلى الحكم فأخبره بخبره.
وحدثني العمري عن الهيثم عن عوانة قال: رمي زيد بسهم فأصاب جبهته أو عينه فسقط فحامى عليه يحيى ابنه ووجوه من معه حتى جاوزه إلى عسكرهم وبه رمق ذلك في الظلام، ثم عبروا به الفرات بالكوفة وقطعوا الجسر وانتزعوا السهم ففاضت نفسه معه، ثم دفنوه وتفرقوا، فلما أصبح الصبح جاء علج وقد رآه يدفن، فدل الحكم على قبره فنبشه واحتز رأسه، وبعث به إلى يوسف فحملت جثته على بعير وصلبت بالكناسة بالكوفة، وكان عليه قميص أصفر هروي. وصلب معه معاوية بن إسحاق الأنصاري وكان قتل قبل ذلك في المعركة، ونصر بن خزيمة العبسي وزياد النهدي ثم خلى سبيل أهل المسجد.
وبعث يوسف برأس زيد وسائر رؤوس من قتل معه إلى هشام بن عبد الملك، وطلب يحيى بن زيد فلم يقدر عليه.
حدثني أبو الحسن المدائني قال: لما أتي يوسف برأس زيد وهو بالحيرة نظر الناس إليه، ثم تفرقوا وهو مطروح في ناحية من منزل يوسف، فجاء ديك فنقره، فقال زميل الكلابي:
اطرد الديك عن ذؤابة زيد ... طال ما كان لا يطأه الدجاج
ابن بنت النبيّ أكرم خلق الل ... ه زين الوفود والحجاج
حملوا رأسه إلى الشام ركضاً ... بالسّرى والبكور والإدلاج
في أبيات.
وحدثني محمد بن الاعرابي عن سعد بن الحسن بن قحطبة قال: رمى زيداً رجل من ولد كيسان مولى كلب فأخذه عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بالشام فقتله وصلبه.
وقال ابن عباس الكلبي حين قتل زيد لريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية أم يحيى بن زيد:
بسيف ابن عباسٍ وسيف ابن زاملٍ ... بدت مقلتاها والبنان مخضّب
يعني عبيد الله بن العباس الكندي والأصبغ بن ذؤالة يقول: بسيفي هذا غلب أصحاب زيد وظهرت حرمته.
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ، حدثني أصحابنا قالوا: أعطى يوسف الذي جاءه برأس نصر بن خزيمة ودلهم على جثته ألف درهم، وأعطى الذي جاءه برأس معاوية بن إسحاق الأنصاري ودلهم على جثته سبعمائة درهم.
وقال بعض الهلاليين في زيد:
يا ابا الحسين فلو رجال نصّرٌ ... نصروك كان لوردهم إصدار
يا ابا الحسين كيف عذت بمعشر ... غدرٍ لئام أسلموك وطاروا
غرّوا أباك وأسلموه وقبلهم ... غروا الوصيّ وكلهم غرّار
وقال أبو ثميلة في قصيدة له:
يا ابا الحسين أعاد فقدك لوعة ... من يلق ما لاقيت منها يكمد
كنت المؤمّل للعظائم والذي ... يرجى لأمر الأمة المتأوّد
أرضيتم في دينكم أن تأمنوا ... والخوف في أبيات آل محمد
ونساؤكم بغضارة وبشاشة ... ونساؤهم يعولن بين العوّد
يبكين أشيب بالكناسة طيباً ... نبش التراب عليه من لم يوسد
وقال آخر:
لعن الله حوشباً ... وخراشاً ومزيدا
إنهم حاربوا الإل ... ه وآذوا محمدا
يا خراش بن حوشب ... أنت اشقى الورى غدا
وكان خراش على شرط يوسف بن عمر وهو تولى نبش زيد وصلبه.
وحدثني يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: كنت كثيراً أضحك فلما قتل زيد انقطع ضحكي.

(1/435)


قالوا: وبعث يوسف بن عمر إلى أم امرأة لزيد أزدية فهدم دارها وحملت إليه فقال لها: أزوجت زيداً ؟ قالت: نعم زوجته وهو سامع مطيع، ولو خطب إليك إذ كان كذلك لزوجته. فقال: شقوا عليها ثيابها فجلدها بالسياط وهي تشتمه وتقول: ما أنت بعربي تعريني وتضربني لعنك الله، فماتت تحت السياط ثم أمر بها فألقيت في العراء فسرقها قومها ودفنوها في مقابرهم.
قالوا: وأخذ امرأة قوت زيداً على أمره فأمر بها أن تقطع يدها ورجلها فقالت: اقطعوا رجلي أولاً حتى أجمع علي ثيابي، فقطعت يدها ورجلها ولم تحسم حتى ماتت. وضرب عنق زوجها.
وضرب امرأة أشارت على أمها أن تؤوي ابنة زيد خمسمائة سوط، وهدم دوراً كثيرة.
وأتى يوسف بعبد الله بن يعقوب السلمي من ولد عتبة بن فرقد، وكان زوج ابنته من يحيى بن زيد فقال له يوسف: ائتني بابنتك. قال: وما تصنع بها جارية عاتق في البيت. قال: أقسم لتأتيني بها أو لأضربن عنقك.
وقد كان كتب إلى هشام يصف طاعته، فأبى أن يأتيه بابنته، فضرب عنقه، وأمر العريف أن يأتيه بابنة عبد الله بن يعقوب فأبى فأمر به فدقت يده ورجله.
ووكل يوسف بخشبة زيد أربعمائة رجل يحرسونها. ينوب في كل ليلة مائة رجل، وبنى حول جذعه بناء كالدكة من آجر.
وكان زهير بن معاوية أحد من يحرسه، فلما مات هشام وولي الوليد بن يزيد وفد إليه يوسف فلما رجع من عنده إلى الكوفة أمر بإحراق زيد عليه السلام، فجمع الحطب والقصب، وجاء الغوغاء من ذلك بشيء كثير فأعطاهم دراهم كثيرة، ثم أمر به فأحرق وألقى رماده في الفرات.
ويقال إن الوليد قال له: انظر عجل أهل الكوفة فحرقه ثم انسفه في اليم نسفاً، ويقال إنه كتب إليه بذلك.
وكتب يوسف بن عمر إلى هشام في أم ولد لزيد ومعها ثلاثة أولاد لها صبيان، فأمر أن يدفعوا إلى أقرب الناس إليهم فدفعوا إلى الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وهو الذي يقول:
إذا ما كنت متخذاً خليلاً ... فلا تجعل خليلك من تميم
بلونا حرّهم والعبد منهم ... فما عرف العبيد من الصميم
موالينا إذا احتاجوا إلينا ... وسير قدّ من من وسط الأديم
وأعداءٌ إذا ما النعل زلّت ... وأول من يغير على الحريم
وهو الذي يرثي زيداً في قصيدة طويلة:
ألا عين جودي ثم جودي ... بدمعك ليس ذا حين الجمود
ولا حين التجّلّد فاستهلّي ... وكيف جمود دمعك بعد زيد
أبعد ابن النبيّ أبي حسينٍ ... صليباً بالكناسة فوق عود
يظل على عمودهم ويمسي ... بنفسي أعظمٌ فوق العمود
تعدى المترف الجبار فيه ... فأخرجه من القبر اللحيد
دعاه معشر غرّوا أباه ... حسيناً بعد توكيد العهود
قالوا: ولما فرغ يوسف من أمر زيد صعد منبر الكوفة فشتم أهلها وقال: يا أهل المدرة الخبيثة، والله ما يقعقع لي بالشنان، ولا تقرن بي الصعبة، لقد هممت أن أخرب بلدكم وأن أحربكم بأموالكم، والله ما أطلت منبري إلا لأسمعكم عليه ما تكرهون، فإنكم أهل بغي وخلاف. ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم ولو فعل لقتلت مقاتلتكم وسبيت ذريتكم، إن يحيى بن زيد ليتنقل في حجال نسائكم كما كان أبوه يفعل وما فيكم مطيع إلا حكيم بن شريك المحاربي، ووالله لو ظفرت بيحياكم لعرقت خصيتيه كما عرقت خصيتي أبيه.
وكتب إلى هشام في أهل الكوفة، فكتب إليه: أهل الكوفة أهل سمع وطاعة، فمر لهم بأعطياتهم. فقال: يا أهل الكوفة، إن أمير المؤمنين قد أمر لكم بأعطياتكم فخذوها لا بارك الله لكم فيها.
وكان شريك بن حكيم سعى بزيد.
ورأت امرأة على زيد برداً حسناً وذلك قبل خروجه، فسألت زوجها أن يشتري لها مثله فقال:
تكلفني أبراد زيد ووشيه ... ولست ببياع لدى السوق تاجر
ويقال إنه زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب.
وحدثني أبو مسعود قال: دخل رجل من الأنصار بين زيد وعبد الله بن حسن فقال له زيد: ما أنت والدخول بيننا فأنت من قحطان، فقال: أنا والله خير منك، فانبرى له رجل من قريش فقال: كذبت والله. هو خير منك نفساً وأماً وأباً، وأولاً وآخراً. وفوق الأرض وتحتها، فحلف زيد أن لا ينازع عبد الله بين يدي الوالي وقاما.

(1/436)


أمر يحيى بن زيد بن علي بن الحسين
عليهم السلام
حدثني الحسين بن علي الحرمازي عن علي القصير مولى قريش قال: لما قتل زيد بن علي استخفى ابنه يحيى ثم هرب حين سكن عنه الطلب إلى خراسان فقتل بها، رماه رجل من أصحاب نصر بن سيار فقتله، وأخذ رأسه فبعث به نصر إلى يوسف بن عمر.
وكان يحيى بن الحسين بن زيد يسمى ذا الدمعة، وكانت عينه لا تكاد تجف من الدموع فقيل له في ذلك فقال:
وهل ترك السهمان فيّ مضحكاً ... سهم زيد وسهم يحيى بن زيد
وقال الكوفيون: لما قتل زيد أتى يحيى جبانة السبيع فلم يزل بها وهو في عشرة فقيل له: قد فضحك الصبح وأين تريد ؟ فأتى نينوى، ثم أتى قرية قصر ابن هبيرة ولم يكن القصر يومئذ، فنزل على رجل من أهل الكوفة يقال له سالم فتفرق أصحابه عنه، ثم أتى المدائن وهي إذ ذاك طريق الناس إلى خراسان، فبلغ يوسف خبره فسرح في طلبه حريث بن أبي الجهم الكلبي فخرج حتى أتى المدائن، ومضى يحيى حتى أتى الري فأقام بها أياماً، ثم توجه إلى سرخس فأقام بها ستة أشهر عند يزيد بن عمر وأتاه قوم من المحكمة فسألوه أن يبايعوه على قتال بني أمية، فأعجبه ذلك منهم، فنهاه يزيد بن عمر، وقال: كيف تقاتل بقوم يتبرأون من علي وأهل بيته ؟ فقال لهم قولاً جميلاً وفرقهم عنه، وأتى بلخ من سرخس فأقام عند الحريش وهو رجل من ربيعة، فلم يزل عنده حتى مات هشام بن عبد الملك، وكتب يحيى إلى بني هاشم من خراسان:
خليليّ عني بالمدينة بلّغا ... بني هاشمٍ أهل النّهى والتجارب
فحتّى متى لا تطلبون بثأركم ... أمية إن الدهر جمّ العجائب
لكل قتيلٍ معشر يطلبونه ... وليس لزيدٍ بالعراقين طالب
قالوا: وبلغ يوسف بن عمر خبر يحيى فكتب إلى نصر بن سيار أن خذ الحريش بيحيى بن زيد حتى يأتيك به، فكتب نصر إلى عقيل بن معقل عامله على بلخ في ذلك فجحد الحريش أن يكون يعرف مكانه، فحمله إلى نصر فلم يقر له بأنه عنده ولا أنه يدري أين هو، فضربه ستمائة سوط وهو يقول: دلني على يحيى فيقول: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه فاصنع ما أنت صانع. فلما رأى ذلك ابنه قريش بن الحريش دل على يحيى فوجد في بيت فأخذوه ومعه يزيد بن عمر، ورجل آخر من عبد القيس شخص معه من الكوفة فحمله إلى نصر فلما صار إليه حبسه.
وكتب نصر إلى يوسف بخبره، فكتب بذلك إلى الوليد، فأمر الوليد أن يؤمن يحيى ويخلى سبيله وسبيل أصحابه وقال: إنما هو رجل هرب واستخفى فأطلقه نصر وأمره أن يلحق بالوليد وأعطاه ألفي درهم وبغلين، فخرج حتى أتى سرخس، فبعث إليه نصر من أزعجه وكتب إلى العمال في إزعاجه وأن يسلمه كل عامل إلى العامل الذي يليه، وكان يبسط لسانه في بني أمية، والوليد، ويوسف بن عمر، وهشام فيكف عنه، فلما صار بأبر شهر سلم إلى عاملها عمرو بن زرارة فبره وأمر له بألف درهم نفقة، ويقال بخمسة آلاف درهم، فلما صار ببيهق خاف أن يصير إلى يوسف فيغتاله يوسف، وبيهق أقصى عمل خراسان وكان يحيى بن زيد قد اشترى دواب لحمل أصحابه عليها وهم سبعون رجلاً، فرجع إلى عمرو بن زرارة فقال: إني إنما أريد بلخ ولست أقيم في عملك إلا ريثما أريح وأستريح فإني أجد علة، فأقام بأبر شهر أياماً.
وكتب عمرو بن زرارة بذلك إلى نصر، فوجه نصر جيشاً أمده به فواقعهم يحيى وهو في سبعين فهزمهم وقتل عمراً وعدة من أصحابه، وأخذ سلاحهم، وسار حتى أتى هراة، ثم أتى الجوزجان فانضم إليه قوم من أهلها، وأهل الطالقان، والفارياب، وبلخ فتتام جميع من معه مائة وخمسون رجلاً، فلما بلغ نصراً مقتل عمرو بن زرارة ونزول يحيى الجوزجان، وجه سلم بن أحوز التميمي من بني كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم في ثمانية آلاف من أهل الشام، وغيرهم من أهل خراسان، فخرج سلم فواقعه وقد عبأ أصحابه فجعل سورة بن محمد بن عبد الله بن عزيز الكندي على ميمنته، وحماد بن عمرو السعدي على ميسرته.
وعبأ يحيى أيضاً أصحابه فاقتتلوا ثلاثة أيام ينتصف كل من كل وليست تزول قدم رجل من أصحاب يحيى.

(1/437)


فلما كان اليوم الثالث من آخر النهار رمى رجل من موالي عنزة يحيى بنشابة فأصابت جبهته، وحف به أصحابه فقاتلوا أشد قتال سمع به، ولم يفارقوه حتى قتلوا عن آخرهم، ووجد سورة بن محمد بن عبد الله يحيى قتيلاً فاحتز رأسه، وأخذ الذي رماه سلبه حتى قميصه.
فلما ظفر أبو مسلم بعد، أخذ سورة بن محمد بن عبد الله بن عزيز الكندي والرجل الذي رمى يحيى فقطع أيديهما وأرجلهما وصلبهما.
وكان عبد الله بن عزيز من أصحاب ابن الحنفية، وقتل يوم عين الوردة مع التوابين.
وبعث سلم بن أحوز برأس يحيى إلى نصر، فبعث به نصر إلى يوسف بن عمر، وبعث به يوسف إلى الوليد بن يزيد، وصلبت جثته على باب الجوزجان سنة خمس وعشرين ومائة، فلم تزل جثة يحيى مصلوبة إلى أن ظهرت المسودة بخراسان فأنزلوه وغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، وتولى ذلك أبو داود خالد بن ابراهيم وخازم بن خزيمة، وعيسى بن ماهان.
وبلغ أبا مسلم أن ابراهيم بن ميمون الصائغ، كان ممن أعان على يحيى فقتله، وتتبع قتلة يحيى وأصحابه فجعل يقتلهم فقيل له: إن أردت استقصاء أمرهم فعليك بالديوان، فلم يدع أحداً ممن وجد اسمه في الجيش الموجه إليه ممن قدر عليه إلا قتله.
وكان ابراهيم البيطار أشد الناس على يحيى فمر أبو مسلم يوماً في غلمان يلعبون بالحمام فقال قائل منهم: سقط حمامي في منزل ابراهيم البيطار، فسأل عن منزل ابراهيم فوقفوه عليه فأمر به فاستخرج من منزله فعرفه بالصفة، وأقر باعانته على يحيى فقطع يديه وصلبه.
فقال الشاعر:
ألا يا عين ويحك أسعديني ... لمقتل ماجدٍ بالجوزجان
وقتل سلم بن أحوز بجرجان حين قدمها قحطبة وهو يريد العراق، وسلم هو الذي قتل جهم بن صفوان صاحب الجهمية بمرو.
حدثني محمد بن الأعرابي قال: قتل يحيى بالجوزجان، وصلب في طاق بها، فلم يزل مصلوباً حتى ظهر أمر أبي مسلم بخراسان، فأمر به فأنزل وووري وتولى الصلاة عليه ودفنه وتتبع جميع من قاتله فقتلهم إلا من أعجزه منهم، وسود أهل خراسان.
وقال أبو عبيدة: هرب يحيى ومعه زهير بن محمد العامري فأخفاه في قرية لعبد الملك بن بشر بن مروان فطلب فلم يقدر عليه، فلما سكنت الأفوه مضى إلى خراسان، وكان معه أبو نميلة مولى بني عبس وكان دليل نصر بن سيار عليه.
وحدثني علي بن الأثرم عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عن أبي جنادة العدوي، قال: خرج أبو مسلم في رمضان للطلب بدم يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، فعقد لواءً أسود، وخرج ومن معه مسودين كما يلبس للإحداد، وكان ذلك أول سواد رأيناه فاقشعررنا منه.
وحدثني أبو مسعود الكوفي قال: هرب يحيى بن زيد فاستخفى ولمخ يقدر يوسف بن عمر عليه، وانطوى عنه خبره، فلما كف عنه الطلب مضى إلى خراسان، فدل نصر بن سيار عليه فكتب إلى عامله على بلخ فأخذه وحمله إلى نصر في الحديد، فقال له نصر: ارحل عن خراسان إلى حيث شئت فإن أباك قتل أمس وأنا اكره أن أقتلك اليوم أو أعرضك للقتل، فلم يقبل قوله وأتى نيسابور فاجتمع إليه قوم فقتل عاملها وهو رجل من بني سليم، وأخذ ما في بيت المال، فوجه نصر بن سيار إليه سلم بن أحوز المازني من تميم صاحب شرطته فقاتله في يوم جمعة إلى وقت الصلاة ثم تحاجزوا، ودخل يحيى وأصحابه مبقلة ليتوضأوا للصلاة ويصلوا فكار عليهم سلم الخيل وهم غارون فقتلهم، وشد رجل من كندة يقال له سورة بن محمد على يحيى فقتله واحتز رأسه وأتى نصراً به، فبعث به إلى الوليد بن يزيد فنصبه بدمشق.
قال الشاعر في يحيى حين حمل مكبلاً:
أليس بعين الله ما تصنعونه ... عشيّةً موثقٌ في السلاسل
كلاب تعاوت لا هدى الله أمرها ... فجاءت بصيدٍ لا يحلّ لآكل
وبعضهم يقول: صلب بالطالقان، وذلك غلط.
المدائني قال: كان زيد بن علي يقول: اطلب ما يعنيك واترك ما لا يعنيك، فإن في ترك ما لا يعنيك دركاً لما يعنيك، وإنما تقدم على ما قدمت لا على ما أخرت. وآثر ما تلقاه غداً على ما لا تلقاه أبداً.
أمر محمد بن محمد بن زيد بن علي
عليهم السلام

(1/438)


قالوا: لما مات ابن طباطبا عقد أبو السرايا لمحمد بن محمد بن زيد بن علي بن حسين بن علي وهو يومئذ غلام، فخطب فأحسن القول في بني العباس، وقال: إن قوماً يزعمون أن مال بني العباس فيء لنا، جهال ضلال، يحكمون بلا علم ويقولون بلا روية، فقام إليه عبد العزيز بن عيسى بن موسى فجزاه خيراً وشكره، وقال له عبد الله بن رئاب: قد كان هذا الكلام يتلجلج في صدري حتى أخرجه الله على لسانك.
ووجه الحسن بن سهل عبدوس بن أبي خالد المروزي أحد قواد الأبناء في كثف من الناس فقاتله فقتل عبدوس وجميع أصحابه، وأسر هارون أخوه المقتول بالسند في خلافة الواثق بالله فحبس بالكوفة، ونزل أبو السرايا قصر ابن هبيرة، ثم نهر صرصر، وبعث إلى المدائن من أخذها.
فوجه الحسن بن سهل إليه بمشورة منصور بن المهدي وغيره هرثمة بن أعين. وقال علي بن أبي سعيد: هبوا أن هرثمة قد مات أتضيع الخلافة ؟ وكان هرثمة قد شخص يريد خراسان والمأمون بها، فوجه إليه من رده، وضم إليه محمد بن إبراهيم الإفريقي وموسى بن يحيى بن خالد بن برمك فعسكر بالفرك، ومضى إلى نهر صرصر واتخذ جسراً ربطه بالسلاسل فقاتل أبا السرايا فهزمه، ولقيته خيل ابن أبي سعيد بالمدائن فقتل أبو الهرماس أحد أصحابه، ومضى أبو السرايا يريد قصر ابن هبيرة، وأقحم هرثمة مهراً له في الأجمة، فلم تكن له حيلة فنادى: يا أبا السرايا إني لم آت لمحاربتك، ولكنه بلغنا موت المأمون فجئت لنجتمع على رجل يلي الأمر، فربثه حتى تخلص وتلاحق به أصحابه، فحمل على أبي السرايا وأصحابه، وأنشب الحرب، فهزمهم هرثمة، وقتل من أهل الكوفة زهاء ثلاثين ألفاً، وصار أبو السرايا إلى الكوفة منهزماً.
وقدم قوم من أهل قم فصاروا مع أبي السرايا فلقي هرثمة فتضعضع أصحابه للقاء القميين إياهم، ثم لم يزل هرثمة يغاديهم القتال ويراوحهم إياه أربعين يوماً حتى قتل من أهل الكوفة خلق، وفشلوا، فكان يصاح السلاح فلا يخرج منهم أحد.
وتوجه أبو السرايا إلى البصرة وعامله عليها العباس بن محمد الجعفري، فغلبه عليها زيد بن موسى، وسبق علي بن أبي سعيد أبا السرايا إلى البصرة فقاتله أهلها ومن بها من العلوية، وكان أحمد بن سعيد بن سلم على مقدمة ابن أبي سعيد، فخرج زيد بن موسى إلى المدينة، ومال أبو السرايا إلى الأهواز فلقيه الباذغيسي وهو يلقب المأموني، والقطيعة بسر من رأى منسوبة إليه، فقتل أصحاب أبي السرايا تحت كل حجر.
واعتل أبو السرايا فمضى هو ومحمد بن محمد، وأبو الشوك، والطبكي - وكان الطبكي قد صار مع أبي السرايا - متنكرين حتى صاروا إلى ناحية خانقين، فأنزلهم رجل هناك، وكان حماد الكندغوش على طريق خراسان، فبعث إليه الذي آواهم: إن أردت أبا السرايا، ومحمد بن محمد، وأبو الشوك فإنهم عندي، فركب حماد وأحس القوم بالشر فتسوروا حائطاً ومضوا فدخلوا الجبل فطلبهم حماد حتى وقف عليهم فأخذهم وجاء بهم إلى الحسن بن سهل، والحسن بالنهروان فأدخلهم عليه، فأمر بضرب عنق ابن أبي السرايا، فضربه هارون بن أبي خالد، وبعث بمحمد وبأبي الشوك إلى المأمون بخراسان، فمات محمد بعدما شاء الله وبقى أبو الشوك حياً ثم مات.
فكان عقب علي من ولده للحسن والحسين والعباس ابن الكلابية، وعمر ابن التغلبية، ومحمد ابن الحنفية، عليهم السلام.
أمر محمد بن علي بن أبي طالب
وهو ابن خولة الحنفية
حدثنا الحسين بن علي الأسود العجلي عن يحيى بن آدم عن عبد الله بن المبارك عن الحسن بن عمرو الفقمي عن منذر الثوري عن ابن الحنفية أنه قال: ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بداً حتى يجعل الله له فرجاً ومخرجاً.
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ عن ابن كناسة، حدثني مشايخ لنا قالوا: أهدى يزيد بن قيس إلى الحسن والحسين هدية فحطأ علي كتف ابن الحنفية ثم قال متمثلاً:
وما شر الثلاثة أم عمروٍ ... بصاحبك الذي لا تصحبينا
فأهدى إليه كما أهدى إلى أحدهما.
وحدثنا أبو الحسين المدائني قال: قال ابن الحنفية: الكمال في ثلاث: العفة في الدين والصبر على النوائب وحسن التقدير للمعيشة.
المدائني عن أبي العباس التميمي قال: قال محمد بن الحنفية: من كرمت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينه.

(1/439)


وقال ابن الكلبي: كان خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد مع ابن الحنفية، وكان المهاجر أبوه قتل مع علي بصفين، فأخذ عبد الله بن الزبير خالد بن المهاجر فعلق في عنقه زكرة مملوءة شراباً، ثم ضربه الحد، فقال ابن الحنفية: ان ابن الزبير لرحب الذراع بما يضره.
وكان ابن الحنفية يقول: إنما يأمن في غده من خاف الله في يومه. وكان يقول: شر عادات المرء اتباعه هواه.
المدائني قال: قال رجل لابن الحنفية وهو بالشام: أعلي أفضل أم عثمان ؟ فقال: اعفني، فلم يعفه فقال: أنت شبيه فرعون حين سأل موسى فقال: ما " بال القرون الأولى قال عِلْمُها عند ربي في كتاب " فصاح الناس بالشامي: يا شبيه فرعون، حتى هرب إلى مصر.
وروي عن ابن الحنفية أنه قال: من لم يستعن بالرفق في أمره أضر الخلق بعمله.
وولد لمحمد بن الحنفية، ويكنى أبا القاسم: الحسن بن محمد لا بقية له وأمه جمال بنت قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمها درة بنت عقبة من الأنصار، وهو أول من تكلم في الإرجاء، وكان ناسكاً مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وأخوه لأمه الصلت بن سعد بن الحارث بن الصمة بن بني النجار من الأنصار.
وعبد الله بن محمد ويكنى أبا هاشم. وجعفر الأكبر. وحمزة. وعلي، لأم ولد تدعى نائلة.
وجعفر الأصغر. وعون، أمهما أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب.
والقاسم بن محمد. وعبد الرحمن، لا بقية لهما. وأم القاسم، وأم أبيها. ورقيه. وحبابه، أمهم الشهباء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمها ابنة المطلب بن أبي وداعة السهمي.
وابراهيم بن محمد، وأمه مشرعة ويقال بسرة بنت عباد بن شيبان بن جابر بن نسيب بن وهيب من ولد مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، وأمها أميمة بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأمها أم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب.
وقال أبو اليقظان: لا عقب لأبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية.
وقال غيره: ولد له هاشم ومحمد الأكبر أمهما من ولد آبي اللحم الغفاري. ومحمد الأصغر وغيرهم.
حدثني عبد الله بن صالح عن ابن كناسة عن قيس بن الربيع أن الشيعة كانت تزعم أن محمد بن الحنفية هو الإمام بعد علي بن أبي طالب، فلما توفي قالوا: هو أبو هاشم ابنه، فوشى بأبي هاشم رجل إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان وقال: إن له بالعراق شيعة وإنه يتسمى أمير المؤمنين، فقبل الوليد ذلك، وبعث إلى عبد الله بن محمد فقدم به عليه فحبس في سجن دمشق، ثم حول من السجن إلى دار حتى قدم علي بن الحسين بن علي على الوليد وكان مرضياً عندهم، فكلمه فيه فأطلقه وأنزله في قصره، فكان يسمر عنده، فقال له ليلة من الليالي: لقد أسرع إليك الشيب يا أبا البنات، وكان أكثر ولده بنات. فقال له: أتعيرني بالبنات وقد كان نبي الله لوط، ونبي الله شعيب، ومحمد نبي الله صلى الله عليهم آباء بنات، فغضب الوليد وقال: إنك لألد، وأمره أن يرحل عنه فرحل يريد المدينة، فلما كان بالبلقاء مرض فمال إلى محمد بن لعي بن عبد الله بن العباس فتوفي عنده وأوصى إليه.
المدائني عن غسان بن عبد الحميد قال: وفد أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية على سليمان بن عبد الملك فوصله، ثم تجهز فقدم ثقله، وأتى سليمان ليودعه فحبسه سليمان حتى تغدى عنده في يوم شديد الحر، فخرج نصف النهار وقد عطش شديداً فمر بأخبية، فعدل إلى خباء منها فاستسقى فسقي ففتر وسقط، فأرسل رسولاً إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقال له: ان هذا الأمر أمر أنت أول من يقوم به ولولدك آخره.
المدائني قال: كان ابراهيم بن محمد بن طلحة أخا الحسن بن الحسن لأمه وكان جلداً فغلب على الأموال التي لبني الحسن فشكوا ذلك لأبي هاشم بن محمد بن الحنفية، فإنه لعند هشام بن اسماعيل المخزومي، وهو والي المدينة، اذ دخل ابراهيم بن محمد بن طلحة، فقال أبو هاشم: أصلح الله الأمير، إن أردت الظالم الظالع فهذا، وكان ابراهيم أعرج، فأغلظ له ابراهيم وقال: أما والله إني لأبغضك. فقال: ما أحقك بذلك، ولم لا تبغضني وقد قتل جدي أباك، وناك عمي أمك، وأمة خولة بنت منظور.

(1/440)