صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : صفة الصفوة
المؤلف : ابن الجوزي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

عبد الله بن حبيق عن أبيه قال: قال لي يوسف بن أسباط: خرجت سحراً لأؤذن، فإذا علي ليل. فقعدت فإذا أسود مقبل وفي يده حجر يريد أن يضربني ووراءه شيء أبيض، بيده حجر يريد أن يصرفه عني فصرفه. فقلت: هذان شيطانان يريدان أن يرياني أني رجل صالح. فقلت: كلاكما شيطانان. فطارا.
أدرك يوسف بن أسباط حبيب بن حسان، ومحل بن خليفة، والسري بن إسماعيل، وعابد بن شريح والثوري في آخرين. وقالت زوجته: كان يقول: أشتهي من ربي ثلاث خصال. قلت: وما هن؟ قال: أشتهي أن أموت حين أموت وليس في ملكي درهم، ولا يكون علي دين، ولا على عظمي لحم. قالت: فأعطي ذلك كله. ولقد قال لي في مرضه: أبقي عندك نفقة؟ فقلت: لا. قال: فماذا ترين؟ قلت: أخرج هذه الخابية للبيع. فقال: يعلم الناس بحالنا ويقولون ما باعوها إلا وثم حاجة شديدة. فأخرج إلي شيئاً كان أهداه إليه بعض إخوانه فباعه بعشرة دراهم، وقال: اعزلي منها درهماً لحنوطي وأنفقي باقيها. فمات وما بقي غير الدرهم.
وتوفي يوسف بن أسباط قبل المائتين بسنة.
مخلد بن الحسين
يكنى أبا محمد. كان من أهل البصرة فتحول فنزل المصيصة.
عبدة بن عبد الله قال: قال مخلد بن الحسين: ما تكلمت بكلمة أريد أن أعتذر منها، منذ خمسين سنة.
محمد بن بشير الدعاء قال: ذكر عند مخلد بن الحسين أخلاق من أخلاق الصالحين فقال:
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
سنيد بن داود قال: ثنا مخلد بن الحسين قال: ما ندب الله تعالى العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلواً فيه وإما تقصيراً عنه.
أسند مخلد عن هشام بن حسان وتوفي بالمصيصة سنة إحدى وتسعين ومائة. والله أعلم.
علي بن بكار البصري
يكنى أبا الحسن. سكن المصيصة مرابطاً وكان فقيهاً.
موسى بن طريف قال: كانت الجارية تفرش لعلي بن بكار، فيلمسه بيده ويقول: والله إنك لطيب، والله إنك لبارد، والله لا علوتك الليلة، فكان يصلي الغداة بوضوء العتمة.
أبو الحسن بن أبي الورد قال: قال رجل: أتينا علي بن بكار فقلنا له: حذيفة المرعشي يقرأ عليك السلام، فقال: عليكم وعليه السلام، إني لأعرفه يأكل الحلال منذ ثلاثين سنة، ولأن ألقى الشيطان أحب إلي من أن ألقاه. قلت له في ذلك، فقال: أخاف أن أتصنع له فأتزين لغير الله فأسقط من عين الله عز وجل.
يوسف بن مسلم قال: بكى علي بن بكار حتى عمي، وكان قد أثرت الدموع في خديه.
فيض بن إسحاق قال: جئت إلى علي بن بكار وأنا أريد الخروج فقلت: أوصني فقال: اتق الله وألزم بيتك، وأمسك لسانك، واترك مخالطة الناس تنزل عليك الحكمة من فوقك.
يحيى زكريا قال: كنا عند علي بن بكار فمرت سحابة. فسألته عن شيء؟ فقال اسكت أما تخشى أن تكون فيها حجارة.
أبو عبد الله قال: خرج أبو إسحاق الفزاري وعلي بن بكار يحتطبان. فأبطأ علي بن بكار على أبي إسحاق فدار أبو إسحاق في الجبل خلفه فجاء فنظر إليه وهو متربع وفي حجره رأس سبع وهو نائم يذب عنه، فقال له أبو إسحاق: ما قعودك ههنا؟ فقال: لجأ إلي فرحمته فأنا أنتظره لينتبه فألحقك.
وقد بلغنا عن علي بن بكار أنه طعن في بعض مغازيه فخرجت أمعاؤه على قربوس سرجه فردها إلى بطنه وشدها بالعمامة وقاتل حتى قتل ثلاثة عشر علجاً.
أسند علي بن بكار عن هشام بن حسان وأبي إسحاق الفزاري، وأبي خلدة في آخرين.
وصحب إبراهيم بن أدهم. وتوفي بالمصيصة سنة تسع وتسعين ومائة.
حذيفة بن قتادة المرعشي
عبد الله بن خبيق قال: قال حذيفة: إن لم تخش أن يعذبك الله على أفضل عملك فأنت هالك.
وقال حذيفة: لو نزل علي ملك من السماء يخبرني أني لا أرى النار بعيني، وأني أصير إلى الجنة إلا أني أقف بين يدي ربي تعالى يسائلني ثم أصير إلى الجنة، لقلت: لا أريد الجنة ولا أقف ذلك الموقف، ولو جاءني رجل فقال لي: والله الذي لا إله إلا هو، ما عملك عمل من يؤمن بيوم الحساب لقلت له: يا هذا لا تكفر عن يمينك فإنك لم تحنث.
وسمعت حذيفة يقول: إني لأستغفر الله من كلامكم إذا خرجتم من عندي خمسين مرة.

(1/481)


قال ابن خبيق: وقال لي حذيفة: إنما هي أربعة، عيناك، ولسانك، وهواك، وقلبك، فانظر عينيك لا تنظر بهما إلى ما لا يحل لك، وانظر لسانك لا تقل به شيئاً يعلم الله خلافه من قلبك، وانظر قلبك لا يكن فيه غل ولا دغل على أحد من المسلمين، وانظر هواك لا تهوى شيئاً، فما لم تكن فيك هذه الأربع الخصال فالرماد على رأسك.
موسى بن المعلى قال: قال حذيفة: يا موسى، ثلاث خصال إن كن فيك لم ينزل من السماء خير إلا كان لك فيه نصيب: يكون عملك لله عز وجل وتحب للناس ما تحب لنفسك، وهذه الكسرة تحر فيها ما قدرت.
عن عبد الله بن عيسى الرقي قال: قال لي حذيفة: هل لك أن أجمع لك الخير كله في حرفين؟ قتل: ومن لي بذلك؟ قال: مداراة الخبز من حله وإخلاص العمل لله عز وجل حسبك.
يوسف بن أسباط قال: سمعت حذيفة بن قتادة المرعشي يقول: لو أصبت من يبغضني على حقيقة في الله لأوجبت على نفسي حبه.
يوسف بن أسباط قال: قال لي حذيفة المرعشي: ما أصيب أحد بمصيبة أعظم من قساوة قلبه.
قال يوسف: وقال حذيفة: كان يقال: إذا رأيتم الرجل قد جلس وحده فانظروا لأي شيء جلس؟ فإن كان جلس ليجلس إليه فلا تجلسوا إليه.
عن بشر بن الحارث قال: سمعت المعافي بن عمران يقول: كان عشرة ممن مضى من أهل العلم ينظرون في الحلال النظر الشديد لا يدخلون بطونهم إلا ما يعرفون من الحلال، وإلا استفوا التراب، منهم حذيفة المرعشي.
الفيض بن إسحاق قال: ذكر عند حذيفة المرعشي الوحدة وما يكره منها. فقال: إنما يكره ذلك للجاهل، فأما عالم يعرف ما يأتي فلا. وقال: ما أعلم من أعمال البر أفضل من لزومك بيتك، ولو كانت لك حيلة لهذه الفرائض لكان ينبغي لك أن تحتال لها.
عبد الله بن حبيق قال: قال حذيفة المرعشي إياكم وهدايا الفجار والسفهاء فإنكم إن قبلتموها ظنوا أنكم قد رضيتم فعلهم.
بشر بن الحارث قال: كتب حذيفة إلى يوسف بن أسباط: يا أخي إني أخاف أن يكون بعض محاسننا أضر علينا في القيامة من مساوئنا.
قال: وكتب إليه أيضاً: لا حتى تكون في موضع إذا جئت إلى البقال فقلت أعطني مطهرتك قال: هات كساءك.
ابن أبي الدرداء قال: قلت لحذيفة: أوصني، قال: انظر خبزك من أين تأكل، ولا تجالس من يرخص لك ويعطيك، ثم قال: إن أطعت الله في السر أصلح قلبك، شئت أو أبيت.
نبهان بن المغلس قال: أخبرني حذيفة بن قتادة المرعشي قال: كنت في المركب فكسر بنا، فوقعت أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب فمكثنا سبعة أيام. فقالت المرأة: أنا عطشى، فسألت الله تعالى أن يسقينا. فنزلت علينا من السماء سلسلة فيها كوز معلق فيه ماء. فشربت، رفعت رأسي إلى السلسلة فرأيت رجلاً جالساً في الهواء متربعاً فقلت: من أنت؟ قال: من الأنس. قلت: فما الذي بلغك هذه المنزلة؟ قال: آثرت مراد الله عز وجل على هواي فأجلسني كما تراني. لا نحفظ لحذيفة مسنداً، وكان مشغولاً بالرعاية عن الرواية. وقد صحب الثوري. وتوفي سنة سبع ومائتين.
أبو معاوية الأسود
واسمه اليمان: نزل طرسوس أحمد بن وديع قال: قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني. قيل له: وكيف ذلك يا أبا معاوية؟ قال: كلهم يرى الفضل لي على نفسه، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني.
أحمد بن فضيل العتكي قال: غزا أبو معاوية الأسود. فحصر المسلمون حصناً فيه علج لا يرمي بحجر ولا نشاب إلا أصاب. فسكوا إلى أبي معاوية فقرأ " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " سورة الأنفال آية 17. ثم قال: استروني منه. فلما وقف قال: أين تريدون بإذن الله؟ قالوا: المذاكير قال: يا رب سمعت ما سألوني فأعطني ما سألوني. بسم الله، ثم رمى فمر السهم حتى إذا قرب من الحائط ارتفع حتى أخذ العلج مذاكيره فوقع. فقال: شأنكم به.

(1/482)


جعفر بن محمد بن الحسين بن زيد بن مسلم الرامهرمزي قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا معاوية الأسود يقول، وهو على سور طرسوس، من جوف الليل، يبكي ويقول: ألا من كانت الدنيا من أكبر همه طال في القيامة غداً همه. ومن خاف ما بين يديه ضاق في الدنيا ذرعه. ومن خاف الوعيد، لهي من الدنيا عما يريد، يا مسكين إن كنت تريد لنفسك الزيل، فأقلل نومك بالليل إلا القليل، أقبل من اللبيب الناصح، إذا أتاك بأمر واضح، لا تهتمن بأرزاق من تخلف، فلست أرزاقهم تكلف، وطن نفسك للمقال، إذا وقفت بين يدي رب العزة للسؤال، قدم صالح الأعمال، ودع عنك كثرة الأشغال، بادر ثم بادر، قبل نزول ما تحاذر، إذا بلغ روحك التراقي، وانقطع عنك من أحببت أن تلاقي، كأني بها وقد بلغت الحلقوم، وأنت في سكرات الموت مغموم، وقد انقطعت حاجتك إلى أهلك، وأنت تراهم حولك. وبقيت مرتهناً بعملك، الصبر ملاك الأمر، وفيه أعظم الأجر، فاجعل ذكر الله من جل شأنك، واملك فيما سوى ذلك لسانك. ثم بكى أبو معاوية بكاء شديداً. ثم قال: أوه من يوم يتغير فيه لوني، ويتلجلج فيه لساني، ويجف فيه ريقي، ويقل فيه زادي. فقيل له: يا أبا معاوية من قال هذا الكلام؟ فقال لحكيم.
أبو حمزة، نصير بن الفرج الأسلمي، وكان خادماً لأبي معاوية الأسود قال: كان أبو معاوية قد ذهب بصره، فكان إذا أراد أن يقرأ فتش المصحف وفتحه فيرد الله عليه بصره، وإذا أطبق المصحف ذهب بصره.
عن أبي الزاهرية قال: قدمت طرسوس، فدخلت على أبي معاوية الأسود وهو مكفوف البصر، وفي منزله مصحف معلق. فقلت: رحمك الله مصحف وأنت لا تبصر؟ قال: تكتم علي يا أخي حتى أموت؟ قال: قلت: نعم. قال: إني إذا أردت أن أقرأ القرآن فتح لي بصري.
عبد الرحمن بن عبد الله قال: استطال رجل على أبي معاوية الأسود فقال له رجل: مه. فقال أبو معاوية: دعه يشتفي. ثم قال: اللهم اغفر الذنب الذي سلطت علي به هذا.
أبو موسى المغازلي قال: كنت أسمع أبا معاوية الأسود إذا قام من الليل يستقي الماء، يقول: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا. جبر الله لهم كل مصيبة بالجنة.
يحيى بن المعين قال: رأيت معاوية السود وهو يلتقط الخرق من المزابل فيلفقها ويغسلها، فقيل له: يا أبا معاوية إنك تكسي. فقال: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا، جبر الله عز وجل لهم بالجنة كل مصيبة. قال أبو علي فرأيت يحيى يبكي. لا نعرف لأبي معاوية مسنداً.
سليمان الخواص
مضاء بن عيسى قال: مر سليمان الخواص بإبراهيم بن أدهم، وهو عند قوم قد أضافوه وأكرموه فقال: نعم الشيء هذا يا إبراهيم إن لم تكن تكرمة على دين.
أحمد بن وديع قال: قال سليمان الخواص: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة. ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه.
يزيد بن سعيد قال: دخل سعيد بن عبد العزيز على سليمان الخواص فقال له: أراك في ظلمة، قال: ظلمة القبر أشد من هذا، قال: أراك وحدك، قال: إن للصاحب على الصاحب حقاً فخفت أن لا أقوم بحق صاحبي، قال: فأخرج سعيد صرة فيها شيء، فقال له: تنفق هذا وأنا أحلف لك بين يدي الله تعالى أنه حلال، قال: لا حاجة لي فيها. فقال له يرحمك الله ما ترى ما الناس فيه دعوى! قال: فصرخ سليمان صرخة ثم قال: ما لك يا سعيد فتنتني بالدنيا وتفتنني بالدين؟ ما لي والدعاء؟ من أنا؟ فخرج سعيد فأخبر بما كان الأوزاعي. فقال الأوزاعي: دعوا سليمان، لو كان سليمان من الصحابة كان مثلاً.
لا نعلم لسليمان مسنداً، كان مشغولاً بالعبادة.
سلم بن ميمون الخواص
من أهل طبرية. وبها مات.
إسماعيل بن أبي سلمة قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن منادياً ينادي: ألا ليقم السابقون. فقام سفيان الثوري ثم نادى الثانية: ألا ليقم السابقون فقام سلم الخواص. ثم نادى الثالثة: ألا ليقم السابقون. فقام إبراهيم بن أدهم.
أحمد بن ثعلبة قال: سمعت سلماً الخواص يقول: كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة. فقلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعته من رسول الله(. قال: فجاءت حلاوة قليلة، ثم قلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعته من جبريل يخبر النبي (، فازددت الحلاوة. قال: ثم قلت لها اقرئيه كأنك سمعته منه حين يتكلم به. فجاءت الحلاوة كلها.

(1/483)


قاسم الجوعي قال: جئت سلماً الخواص فقدم إلي نصف بطيخة ونصف رغيف وقال لي: كل يا قاسم، نزلت على أخ لي فقدم لي نصف خيارة ونصف رغيف وقال لي: كل يا سلم فإن الحلال لا يحتمل السرف، ومن درى من أين يكسب دري كيف ينفق.
أسند سلم عن مالك بن أنس وابن عيينة وأقرانهما.
أبو عبيدة الخواص واسمه عباد بن عباد
وقد اشتهر بأبي عبيدة وإنما هو أبو عتبة، كذلك ذكره البخاري وغيره.
أبو موسى الصوري قال: كتب بن عباد الخواص إلى إخوانه يعظهم: إنكم في زمان قد رق فيه الورع وقل فيه الخشوع، وحمل العلم مفسدوه فأحبوا أن يعرفوا بحمله، وكرهوا أن يعرفوا بإضاعة العمل به، فنطقوا فيه بالهوى ليزينوا ما دخلوا فيه من الخطر، فذنوبهم ذنوب لا يستغفر منها، وتقصيرهم تقصير لا يعترف به. أحبوا الدنيا وكرهوا منزلة أهلها فشاركوهم في العيش وزايلوهم بالقول..
أبو عبيد العسقلاني قال: رأيت أبا عبيدة الساحلي لم يضحك أربعين سنة. فقيل له: لم لا تضحك؟ فقال: كيف أضحك أنا وفي أيدي المشركين من المسلمين أحد.
عبد الأعلى بن سليمان قال: رأيت أبا عبيدة الخواص على سرته خرقة، وعلى رقبته خرقة وهو يمشي في طريق البصرة. وهو يقول واشوقاه إلى من يراني ولا أراه.
أحمد بن الحواري قال: دخل عباد الخواص على إبراهيم بن صالح وهو أمير فلسطين، فقال له: يا شيخ عظني؟ فقال: بم أعظك أصلحك الله؟ بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرض على رسول الله ( من عملك. فبكى حتى سالت الدموع من لحيته.
عن بشر بن الحارث قال: رأيت على جبال عرفة رجلاً قد ولع به الوله وهو يقول:
سبحان من سجدنا بالعيون له ... على شبا الشوك والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معشار نعمته ... ولا العشير ولا عشراً من العشر
هو الرفيع فلا الأبصار تدركه ... سبحانه من مليك نافذ القدر
سبحان من هو أنسي إذ خلوت به ... في جوف ليلي، وفي الظلماء والسحر
أنت الحبيب وأنت الحب يا أملي ... من لي سواك ومن أرجوه يا ذخري
ثم أنشد أيضاً:
كم قد زللت فلم أذكرك في زللي ... وأنت يا سيدي في الغيب تذكرني
كم اكشف الستر جلاً عند معصيتي ... وأنت تلطف بي حقاً وتسترني
لأبكين بدمع العين من أسف ... لأبكين بكاء الوله الحزن
قال: ثم غاص من خلال الناس فلم أره فسألت عنه فقيل: هذا أبو عبيدة الخواص منذ سبعين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله عز وجل.
عقبة بن فضالة قال: سمعت أبا عبيدة الخواص بعد ما كبروا هو آخذ بلحيته يبكي ويقول: قد كبرت فأعتقني.
أسند عباد عن الأوزاعي، وأبي بكر بن أبي مريم، وغيرهما.
أبو يوسف الغسولي
جنيد قال: سمعت سرياً يذكر أن أبا يوسف الغسولي كان يلزم الثغر ويغزو، وكان إذا غزا مع الناس ودخلوا بلاد الروم أكل أصحابه من ذبائح الروم ومن فواكههم، وكان أبو يوسف لا يأكل فيقال له: يا أبا يوسف تشك أنه حلال؟ فيقول هو حلال. فيقال له: فكل من الحلال. فيقول: إنما الزهد في الحلال.
حرمي بن يونس قال: سمعت أبا يوسف الغسولي يقول: أنا أتفقه في مطعمي من ستين سنة.
قال المروزي: وسمعت بعض المشيخة يقول: سمعت أبا يوسف الغسولي يقول: إنه ليكفيني في السنة اثنا عشر درهماً، في كل شهر درهم، وما يحملني على العمل إلا ألسنة هؤلاء القراء. يقولون: أبو يوسف من أين يأكل؟ قال المروزي: وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أبو يوسف الغسولي قد خلف ابن إدريس. يعني في الورع.
أحمد بن عاصم الأنطاكي
يكنى أبا علي. ويقال أبا عبد الله. من متقدمي مشائخ الثغور وكان يقال له جاسوس القلوب.
أحمد بن أبي الحواري قال: أنا أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: إذا صارت المعاملة إلى القلب استراحت الجوارح.
قال: وسمعته يقول: هاه غنيمة باردة أصلح فبما بقي يغفر لك ما قد مضى.
وسمعته يقول: ما أغبط أحداً إلا من عرف مولاه واشتهى أن لا أموت حتى أعرفه معرفة العارفين الذي يستحبونه لا معرفة التصديق.

(1/484)


أحمد بن عبد الله قال: سمعت أبي يقول: سمعت خالي عثمان بن محمد بن يوسف يقول: سمعت أبي يقول: قال أحمد بن عاصم: أنفع اليقين ما عظم في عينيك ما به أيقنت وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي، وأطال منك الحزن على ما فات، وألزمك الفكر في بقية عمرك وخاتمة أمرك، وأنفع الصدق أن تقر لله عز وجل بعيوب نفسك، وأنفع الحياء أن تستحيي أن تسأله ما تحب وتأتي ما يكره، وأنفع الصبر ما قواك على خلاف هواك وأفضل الجهاد مجاهدتك نفسك لتردها إلى قبول الحق، وأوجب الأعداء منك مجاهدة أقربهم منك دنوا وأخفاهم عنك شخصاً وأعظم لك عداوة وهو إبليس. قلت: فما ترى في الأنس بالناس؟ قال: إن وجدت عاقلاً مأموناً فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع. قلت: فما أفضل ما أتقرب به إلى الله عز وجل؟ قال: ترك معاصيه الباطنة - قلت: فما بال الباطنة أولى من الظاهرة؟ قال: لأنك إذا اجتنبت الباطنة بطلت الظاهرة والباطنة، قلت: فما أضر الطاعات لي؟ قال: ما نسيت بها مساوئك، وجعلتها نصب عينيك إدلالاً بها وأمناً.
قال: وسمعته يقول: استكثر من الله عز وجل لنفسك قليل الرزق تخلصاً إلى الشكر، واستقلل من نفسك لله عز وجل كثير الطاعة إزراء على النفس وتعرضاً للعفو، واستجلب شدة التيقظ بشدة لاخوف؛ وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة، واقطع أسباب الطمع بصحة اليأس؛ وسد سبيل العجب بمعرفة النفس، وطلب راحة البدن بإجمام القلب، وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخلطاء، وتعرض لرقة القلب بدوام مجالسة أهل الذكر، وبادر بانتهاز البغية عند إمكان الفرصة، وأحذرك سوف.
قلت: لأحمد بن عاصم كلام كثير انتخبنا منه ما ذكرنا ولا نعلم له مسنداً.
أبو عبد الله النباجي واسمه سعيد بن يزيد
قال محمد بن أبي الورد: قال أبو عبد الله النباجي من خطرت الدنيا بباله لغير القيام بأمر الله حجب عن الله.
وقال ابن أبي الورد: صلى أبو عبد الله النباجي يوماً بأهل طرسوس فصيح النفير، فلم يخفف الصلاة، فلما فرغوا قالوا: أنت جاسوس. قال: ولم؟ قالوا: صيح بالنفير وأنت في الصلاة فلم تخفف. قال: ما حسبت أن أحداً يكون في الصلاة فيقع في سمعه غير ما يخاطبه الله عز وجل.
الحسين بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله النباجي قال: قال لي قائل في منامي: أو يحسن بالحر المريد أن يتذلل للعبيد، وهو واجد عند مولاه كل ما يريد؟ أحمد بن أبي الحواري عن أبي عبد الله النباجي قال: إن في خلق الله عز وجل خلقاً يستحيون من الصبر لو يعلمون أقداره تلقفوها تلقفاً.
أحمد بن محمد بن بكر القرشي قال: سمعت أبا عبد الله النباجي يقول: اطلبوا النظر في الرضا عن الله عز وجل وتساءلوا عنه بينكم إنكم إن ظفرتم منه بشيء علوتم به الأعمال كلها.
قال: وسمعته يقول: لا تستكثروا الجنة للمؤمن، فإنه قد وافى بأعظم قدر عنده من الجنة: معرفة الله والإيمان به. وسمعته يقول: الذي جعل الله عز وجل المعرفة عنده يتنعم مع الله عز وجل في كل أحواله.
أبو عبيد الله الإمام قال: سمعت أبا عبد الله النباجي يقول: إذاكان عندك ما أعطى الله عز وجل نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً ( لا تراه شيئاً وإنما تريد ما أعطى الله نمرود وفرعون وهامان فمتى تفلح؟ لا نعرف للنباجي مسنداً، وإنما كان مشغولاً بالزهد والتعبد، وقد حكى عن الثوري والفضيل وغيرهما.
عبد الله بن خبيق بن سابق
أبو محمد. أصله من الكوفة. ثم سكن أنطاكية واستفاد من يوسف بن أسباط.
محمد بن المسيب الأرغياني قال: أنا عبد الله بن خبيق قال: أنت لا تطيع من يحسن إليك فكيف تحسن إلى من يسيء إليك.
عمر بن عبد الله الهجري قال: سمعت عبد الله بن خبيق يقول: لا تغتم إلا من شيء يضرك غداً، ولا تفرح بشيء لا يسرك غداً، وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي وأطال منك الحزن على ما فاتك، وألزمك الفكرة في بقية عمرك. أسند ابن خبيق عن يوسف بن أسباط وغيره.
أبو الحارث الأولاسي

(1/485)


واسمه فيض بن الخضر كان شاباً يغني في أول أمره وقال: بينا أنا في غفلتي رأيت عليلاً مطروحاً على قارعة الطريق، فدنوت منه فقلت: هل تشتهي شيئاً؟ قال: نعم رماناً. فجئته برمان فلما وضعته بين يديه رفع بصره وقال: تاب الله عليك. فما أمسيت حتى تغير قلبي عما كنت عليه، وخرجت إلى الحج وأنا أسير بالليل إذا بقوم يشربون، فما رأوني ذهلوا فأجلسوني وعرضوا علي الطعام والشراب. فقلت: أحتاج إلى البول فذهبت فوقعت في غابة فإذا سبع. فقلت: اللهم إنك تعلم ما تركت ومماذا خرجت وفيما ذا خرجت فاصرف عني شر هذا السبع، فولى السبع ودخلت مكة فلقيت بها من انتفعت به، منهم إبراهيم بن سعد العلوي.
الحسن بن خلف قال: قال لي أبو الحارث الأولاسي فيض بن الخضر: رأيت إبليس له جمة شعر فأقبلت أتملقه واقول: ويحك ما أنا في هذا الخلق؟ خلني وربي. فقال: هيهات هيهات، كيف أخليك وفيك وفي أبيك هلكت، لا أو تهلكوا معي. قال: فأخذت برأسه فجعلته على حجر وأخذت بحلقه أخنقه ثم قلت: كيف أقدر على قتله وقد أخره الله عز وجل إلى يوم القيامة؟ ولكن أرفق به فجعلت أتملقه وهو يأبى. فقلت له: دلني على ما ينفعني؟ فقال: أدلك على السكر والحملان والجوذابات والدنانير والدراهم أن تكثر منها. فقلت له: يا ملعون أنا أسألك أن تدلني على شيء ينفعني في أمر آخرتي، تدلني على الدنيا وما أصنع أنا بهذا وما حاجتي إليه؟ فقال: من ههنا صار رأسي وحلقي في يدك تقلبه كيف شئت وتلعب به. قلت: أفدتني علماً، لا جرم إني لأرجو أن لا أنال منها شيئاً إلا ما لا غنى بي عنه فقال: إن تركتك فاصعد العقبة وسأستعين عليك بولد جنسك الذين زينت في أعينهم ما قبح في عينك فأجابوني إليه فبهم أستعين عليك فيأتوك من مأمنك.
توفي أبو الحارث بطرسوس سنة سبع وتسعين ومائتين.
أبو الخير التيناتي
أصله من المغرب وسكن تينات، وهي قرية من قرى أنطاكية. ويقال له الأقطع، لأنه كان مقطوع اليد. وكان سبب ذلك أنه كان في جبال أنطاكية وحواليها يطلب المباح وينام بين الجبال وأنه عاهد الله تعالى أن لا يأكل من ثمر الجبال إلا ما طرحته الريح. فبقي أياماً لم تطرح إليه الريح شيئاً. فرأى يوماً شجرة كمثرى فاشتهى منها فلم يفعل. فأمالتها الريح إليه فأخذ واحدة. واتفق أن لصوصاً قطعوا هنالك الطريق وجلسوا يقتسمون. فوقع عليهم السلطان فأخذهم وأخذ معهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وقطعت يده، فلما هموا بقطع رجله عرفه رجل فقال للأمير: أهلكت نفسك، هذا أبو الخير. فبكى الأمير وسأله أن يجعله في حل. ففعل وقال: أنا أعرف ذنبي.
منصور بن عبد الله قال: قال أبو الخير: الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها، فليلقها إلى اللسان فتنطق بها ألسنة الحمقى. قال: وسمعته يقول: دخلت مدينة الرسول (،وأنا بفاقة فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذوماأ فتقدمت إلى القبر فسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وقلت أنا ضيفك الليلة يا رسول الله وتنحيت فنمت خلق المنبر فرأيت في النوم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعلي ابن أبي طالب بين يديه. فحركني علي وقال لي: قم قد جاء رسول الله (، فقمت إليه وقبلت بين عينيه، فدفع إلي رغيفاً فأكلت نصفه وانتبهت وإذا في يدي نصف رغيف.
إبراهيم بن محمد المراغي قال: سمعت أبا الخير التيناتي يقول: بقيت بمكة سنة فأصابني ضر وفاقة، فكلما أردت أن أخرج إلى المسألة هتف بي هاتف يقول: الوجه الذي يسجد لي تبذله لغيري؟ أخبرنا المحمدان بن عبد الملك وابن ناصر قال أنبأ أحمد بن الحسن بن خيرون قال: قرأت على أبي الحسين علي بن محمود الصوفي أخبركم علي بن المثنى، وأخبرنا أبو بكر العامري قال: أنبأ علي بن أبي صادق قال: أنا ابن باكويه قال: أخبرني إبراهيم بن أحمد المراغي قالا: سمعنا أبا الخير التيناتي الأقطع يقول: ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة ومعانقة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين وخدمة الفقراء الصادقين.

(1/486)


محمد بن الفضل قال: خرجت من أنطاكية ودخلت تينات ودخلت على أبي الخير الأقطع على غفلة منه بغير إذن فإذا هو ينسج زنبيلاً بيديه، تعجبت، فنظر إلي وقال: يا عدو نفسه، ما الذي حملك على هذا؟ فقلت: هيجان الوجد لما بي من الشوق إليك. فضحك ثم قال لي: اقعد لا تعد إلى شيء من هذا بعد اليوم. ثم قال: استر علي في حياتي، ففعلت.
قال ابن باكويه، وسمعت إبراهيم بن محمد السباك برها يقول: كنا نطلع على أبي الخير التيناتي من الخوخة وهو يسف الخوص بيديه فإذا خرج رأيناه أقطع.
أبو الحسن البغراسي قال: قال لي أبو الخير التيناتي: إياك وكثرة السفر فإنه يقسي القلب ويذهب بالدين.
أبو بكر المصري قال: سمعت بعض أصحابنا فقيراً يعرف بالأنصاري يقول: دخلت على أبي الخير فناولني تفاحتين فجعلتهما في جيبي وقلت: لا أتناولهما وأتبرك بهما لموضع الشيخ عندي فكانت تجري علي فاقات لا أتناولهما فأجهدتني الفاقة فأخرجت واحدة أكلتها وأدخلت يدي لأخرج الثانية إذا التفاحتان مكانهما، فما زلت آكل منهما حتى دخلت الموصل فجزت على خراب وإذا بعليل ينادي من الخراب: يا ناس أشتهي تفاحة، ولم يكن وقت التفاح، فأخرجت التفاحتين فناولتهما إياه فأكل وخرجت روحه من وقته. فعلمت أن الشيخ أعطاني من أجل ذلك العليل.
صحب أبو الخير التيناتي أبا عبد الله بن الجلاء وغيره من المشايخ. ولا نعلمه أسند شيئاً من الحديث. وتوفي بعد الأربعين وثلاث مائة.
ذكر المصطفين من عباد الثغور المجهولي الأسماء
عابد طوسوسي
أبو سليمان المغربي قال: كنت أحمل الحطب من الجبل وأتقوت منه، وكان طريقي فيه التوقي والتحري، قال: فرأيت جماعة من البصريين في النوم، منهم الحسن ومالك بن دينار وفرقد السبخي، فسألتهم عن علم حالي فقلت: أنتم أئمة المسلمين دلوني على الحلال الذي ليس لله فيه تبعة ولا للخلق فيه منه، فأخذوا بيدي فأخرجوني من طرسوس إلى مرج فيه خبازي فقالوا لي: هذا الحلال الذي ليس لله عز وجل فيه تبعة ولا للمخلوق فيه منه. قال: فمكثت آكل منه نصف سنة، ثلاثة أشهر في دار السبيل، وكنت آكله نياً ومطبوخاً فصار لي حديث، فقلت: هذه فتنة. فخرجت من دار السبيل فكنت آكله ثلاثة أشهر أخر. فأوجدني الله عز وجل قلباً طيباً حتى قلت: إن كان أهل الجنة بهذا القلب الذي لي فهم والله في شيء طيب، وما كنت آنس بكلام الناس، فخرجت يوماً من باب قلمية إلى صهريج يعرف بالمدنف فجلست عنده فإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية لامش يريد طرسوس وقد بقي معي قطيعات من ثمن الحطب الذي كنت أجيء به من الجبل فقلت: أنا قد قنعت بهذا الخبازي، أعطي هذه القطع هذا الفقير إذا دخل طرسوس اشترى بها شيئاً وأكله، فلما دنا مني أدخلت يدي إلى جيبي حتى أخرج الخرقة فإذا أنا بالفقير قد حرك شفتيه وإذا كل ما حولي من الأرض ذهب يتقد حتى كاد يخطف بصري، ولبسني منه هيبة فجاز ولم أسلم عليه من هيبته. قال الشيخ أبو بكر: وزادني أبو الفرج بن أبان في هذه الحكاية قال: فقلت له: فرأيته بعد ذلك؟ فقال: نعم، خرجت يوماً خارج طرسوس إذا بالفتى جالس تحت برج من الأبرجة وبين يديه ركوة فيها ماء فسلمت عليه ثم استدعيت منه موعظة فمد رجله فقلب الماء، ثم قال لي: كثرة الكلام تنشف الحسنات كما أنشفت الأرض هذا الماء. قم يكفيك.
عابد آخر
علي بن الحسن بن موسى قال: قال رجل: لأمتحنن أهل البلاء. قال: فدخلت على رجل بطرسوس وقد أكلت الآكلة أطرافه. فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله وكل عرق وكل عضو يألم على حدته من الوجع، وإن ذلك لبعين الله أحبه إلي أحبه إلى الله، وما قدر ما أخذ ربي مني؟ وددت أن ربي قطع مني الأعضاء التي اكتسبت بها الإثم، وأنه لم يبق مني إلا لساني يكون له ذاكراً. قال: فقال له رجل: متى بدأت بك هذه العلة؟ فقال: الخلق كلهم عبيد الله وعياله، فإذا نزلت بالعباد علة فالشكوى إلى الله ليس يشتكى إلى العبيد.
عابد مصيصي
علي بن الحسن قال: كان رجل بالمصيصة ذاهب نصفه الأسفل لم يبق منه إلا روحه في بعض جسده، ضرير على سرير مثقوب فدخل عليه داخل فقال له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا، منقطع إلى الله عز وجل ما لي إليه من حاجة إلا أن يتوفاني على الإسلام.
عابد من أهل بيروت

(1/487)


أبو عبد الرحمن الأزدي قال: كنت أدور على حائط بيروت فمررت برجل متدلي الرجلين في البحر وهو يكبر. فاتكأت على الشرافة التي إلى جنبه فقلت: يا شاب مالك جالساً وحدك؟ قال: اتق الله ولا تقل لي إلا حقاً، ما كنت قط وحدي منذ ولدتني أمي، إن معي ربي حيث ما كنت، ومعي ملكان يحفظان علي، وشيطان ما يفارقني فإذا عرضت لي حاجة إلى ربي عز وجل سألته إياها ولم أسأله بلساني، فجاءني بها.
من المصطفيات من عابدات الثغور
زينب الطبرية
هارون بن الحسن قال: سمعت سلماً الخواص يقول: كانت عندنا جارية يقال لها زينب، وكانت تحسن خدمة مولاها، فذهبت أسلم عليها فقالت: يا أبا محمد كنت منذ ليال قائمة أخدم مولاي فغلبتني عيني فسمعت قائلاً يقول:
صلاتك نور والعباد رقود ... قومي فصلى للغفور الودود
قال: وخرجت يوماً في حاجة فعثرت فانقطع إصبع من أصابعها قال: فاجتمعنا رجالاً ونساء نعزيها في إصبعها، فقالت: يا إخوتي وأخواتي أنساني لذة ثوابها وجعها فوهب الله لي ولكم الرضا والعفو عما مضى، قوموا حتى نخدم من الطريق عليه غداً.
ذكر المصطفين من عباد أهل الشام المجهولي الأسماء
عابد يقال له الديلمي
محمد بن المبارك الصوري قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: غزا المسلمون غزوة فيهم الديلمي، فأسرته الروم وصلبوه على الدقل، لما رآه المسلمون مصلوباً حملوا على الروم حملة فأخذوا المركب الذي فيه الشيخ فأنزلوه عن الدقل. فقال لهم: أعطوني ماء أصب علي. فقالوا: لم تصب عليك؟ فقال: إني جنب، لأنهم لما صلبوني أخذتني نعسة فرأيت نفسي كأني على نهر فيه وصائف فمددت يدي إلى واحدة منهن فافترعتها فأصابتني جنابة.
عابد آخر
عن معروف الكرخي قال: رأيت رجلاً في البادية شاباً حسن الوجه، له ذؤابتان حسنتان، وعلى رأسه رداء قصب وعليه قميص كتان، وفي رجله نعل طاق. قال معروف: فتعجبت منه في مثل ذلك المكان ومن زيه فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام ورحمة الله يا عم، فقلت: الفتى من أين؟ فقال: من مدينة دمشق. قلت: ومتى خرجت منها؟ قال: ضحوة النهار. قال معروف: فتعجبت وكان بينه وبين الموضع الذي رأيته فيه مراحل كثيرة فقلت له: وأين المقصد؟ فقال: مكة، فعلمت أنه محمول فودعته ومضى ولم أره. حتى مضت ثلاث سنين. فلما كان ذات يوم وأنا جالس في منزلي أتفكر في أمره وما كان منه إذا بإنسان يدق الباب فخرجت إليه فإذا أنا بصاحبي فسلمت عليه وقلت: مرحباً وأهلاً. وأدخلته المنزل فرأيته منقطعاً والهاً تالفاً عليه زرمانقة حافياً حاسراً فقلت: هيه أي هيه أي شيء الخبر؟ فقال: يا أستاذ لاطفني حتى أدخلني الشبكة ورماني، فمرة يلاطفني ومرة يهددني، ويجيعني مرة ويكرمني أخرى، فليته وقفني على بعض أسرار أوليائه ثم ليفعل بي ما شاء. قال معروف: فأبكاني كلامه فقلت له: فحدثني ببعض ما جرى عليك منذ فارقتني. فقال: هيهات أن أبديه وهو يريد أن نخفيه، ولكن بدياً ما فعل، في طريقي إليك، مولاي وسيدي، ثم استفرغه البكاء فقلت: وما فعل بك؟ قال: جوعني ثلاثين يوماً ثم جئت إلى قرية فيها مقثأة قد نبذ منها المدود وطرح، فقعدت آكل منه فبصر بي صاحب المقثأة فأقبل إلي بضرب ظهري وبطني، ويقول: يا لص ما خرب مقثأتي غيرك، منذ كم أنا أرصدك حتى وقعت عليك؟ فبينا هو يضربني إذ أقبل فارس نحوه مسرعاً إليه وقلب السوط في رأسه وقال: تعمد إلى ولي من أولياء الله عز وجل فتقول له: يا لص؟ فأخذ صاحب المقثأة بيدي فذهب بي إلى منزله فما أبقى من الكرامة شيئاً إلا عمله واستحلني وجعل مقثأته لله عز وجل ولأصحاب معروف فقلت له: صف لي معروفاً، فوصف لي فعرفتك بما قد كنت شاهدته من صفتك. قال معروف؛ فما استتم كلامه حتى دق صاحب المقثأة الباب ودخل إلي وكان موسراً فأخرج جميع ماله وأنفقه على الفقراء وصحب الشاب سنة وخرجا إلى الحج فماتا بالربذة.
عابد آخر

(1/488)


داود بن رشيد قال: حدثني الصبيح والمليح، شابان كانا يتعبدان بالشام، سميا الصبيح والمليح لحسن عبادتهما، قالا: جعنا أياماً، فقلت لصاحبي، أو قال لي: أخرج بنا إلى الصحراء، لعلنا نرى رجلاً نعلمه بعض دينه، لعل الله عز وجل أن ينفعنا به. فلما أصحرنا استقبلنا أسود على رأسه حزمة حطب. فدنونا منه فقلنا له: يا هذا - من ربك؟ فرمى الحزمة عن رأسه وجلس عليها وقال: لا تقولا لي من ربك؟ ولكن قولا لي: أين محل الإيمان من قلبك فنظرت إلى صاحبي ونظر إلي صاحبي، ثم قال: سلا، سلا، فإن المريد لا تنقطع مسائله، فلما رآنا لا نحير جواباً قال: اللهم إن كنت تعلم أن لك عباداً كلما سألوك أعطيتهم فحول حزمتي هذه ذهباً، فرأيناها قضبان ذهب تلتمع، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم لك عباداً الإخمال أحب إليهم من الشهرة فردها حطباً. فرجعت والله حطباً. ثم حملها على رأسه ومضى فلم نجترئ أن نتبعه.
عابد آخر
عن عبد السلام بن حرب قال: ذكر الحسن بن حي رجلاً من أهل الشام فذكر عبادته، قال له خلف بن حوشب: فكيف كانت رقته؟ قال: ذهبت رقته، أما رأيت الثكلى تكمد؟
عابد آخر
بكر العابد قال: كان عابد من أهل الشام قد حمل على نفسه في العبادة. فقالت له أمه: يا بني عملت ما لم يعمل الناس أما تريد أن تهجع؟ فأقبل يردد عليها ويقول: ليتك كنت لي عقيماً، إن لبنيك في القبر حبساً طويلاً.
عابد آخر
أبو بكر الكتاني وجماعة من المشايخ. قالوا: كان لأبي جعفر الدينوري أخ يكون بالشام، وكان لا يقيم في قرية ولا بمدينة أكثر من ليلة أو يوم ثم يخرج، فدخل إلى قرية فاعتل فيها سبعة أيام لم يأكل ولم يشرب ولم يكلمه أحد، فمات فأصبح القوم في اليوم الثامن فوجدوه ميتاً فغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلوا عليه، وحملوه ليدفنوه، فجاء الناس من كل قرية إليهم وقالوا: سمعنا صائحاً يصيح: من أراد أن يحضر جنازة ولي من أولياء الله عز وجل فليحضر قرية كذا وكذا. قال: فصلوا عليه ودفنوه. فلما كان من الغد وجدوا الكفن والحنوط مصروراً في محرابهم ومعه كتاب فيه مكتوب: لا حاجة لنا في كفنكم هذا، يقيم بين أظهركم ولي من أولياء الله عز وجل سبعة أيام، لا عدتموه ولا عللتموه ولا أطعمتموه ولا سقيتموه ولا كلمتموه؟ قال الكتاني: فجعل أهل تلك القرية فيها بيتاً للضيافة.
من عقلاء مجانين الشام
عابد
عبد الواحد بن زيد قال: خرجت إلى الشام في طلب العباد فجعلت أجد الرجل بعد الرجل شديد الاجتهاد حتى قال لي رجل: قد كان ها هنا رجل من النحو الذي تريد، ولكنا فقدنا من عقله، فلا ندري، يريد أن يحتجب من الناس بذلك أم هو شيء أصابه؟ قلت: وما أنكرتم منه؟ قال: إذا كلمه أحد قال: الوليد وعاتكة، لا يزيده عليه. قال: قلت فكيف لي به؟ قال: هذه مدرجته. فانتظرته فإذا برجل واله، كريه الوجه، كريه المنظر، وافر الشعر، متغير اللون وإذا الصبيان حوله وخلفه وهو ساكت يمشي، وهم خلفه سكوت يمشون وعليه أطمار دنسة. قال: فتقدمت إليه فسلمت عليه، فالتفت إلي فرد علي السلام. فقلت: يرحمك الله إني أريد أن أكلمك. فقال: الوليد وعاتكة. قلت: قد أخبرت بقصتك. فقال الوليد وعاتكة.
ثم مضى حتى دخل المسجد ورجع الصبيان الذين كانوا يتبعونه فاعتزل إلى سارية فركع فأطال الركوع ثم سجد، فدنوت منه فقلت: رحمك الله، رجل غريب يريد أن يكلمك ويسألك عن شيء، فإن شئت فأطل وإن شئت فأقصر، فلست ببارح حتى تكلمني. قال وهو في سجوده، يدعو ويتضرع، ففهمت عنه، وهو يقول: سترك سترك، قال: فأطال السجود حتى سئمت فدنوت منه فلم أسمع له نفساً ولا حركة. قال: فحركته فإذا هو ميت كأنه قد مات من دهر طويل.
قال فخرجت إلى صاحبي الذي دلني عليه فقلت: تعال فانظر إلى الذي زعمت أنك أنكرت من عقله. وقصصت عليه قصته. قال فهيأناه ودفناه.
ذكر المصطفيات من عابدات الشام
أم الدرداء
واعلم أن أم الدرداء اثنتان: فالكبرى تسمى خيرة بنت أبي حدرد، زوجة أبي الدرداء، لها صحبة ورواية عن النبي (، ويقال إنها ماتت قبل أبي الدرداء. وأم الدرداء الصغرى: اسمها هجيمة بنت حيي الوصابية، قبيلة من حمير، وهي زوجة أبي الدرداء أيضاً. ويقال فيها جهيمة وهي التي خطبها معاوية بعد موت أبي الدرداء فأبت أن تتزوجه.

(1/489)


قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: الكبرى لها صحبة، وروت عن النبي ( ثلاثة أحاديث، والصغرى لا صحبة لها، روت عن أبي الدرداء وكلتاهما زوجة أبي الدرداء.
وقال أبو القاسم الطبري: يروي عن الصغرى: إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، وزيد بن أسلم، وطلحة بن عبد الله بن كريز، وصفوان بن عبد الله بن صفوان، وعثمان بن حيان الدمشقي، وسالم بن أبي الجعد، ويونس بن ميسرة بن حلبس.
قلت: وكان لأبي الدرداء بنت تسمى الدرداء، وليست من هذه ولا من هذه، بل من امرأة أخرى على ما ذكر محمد بن سعد. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث صفوان بن عبد الرحمن قال: قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام: فقلت: نعم. قالت: فادع لنا بخير فإن النبي ( كان يقول " دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل " . قال: فخرجت إلى السوق فلقيت أبا الدرداء فقال لي مثل ذلك يرويه عن النبي (. أخرجه مسلم في كتاب الدعاء. وأخرج متصلاً به ليدل على أن الحديث من روايتها عن أبي الدرداء، من حديث طلحة بن عبد الله بن كريز، قال: حدثتني أم الدرداء قالت: حدثني سيدي، يعني أبا الدرداء، أنه سمع رسول الله ( يقول: " من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به: ولك بمثل " . قال أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي: قال ابو بكر البرقاني: وهذه أم الدرداء الصغرى التي روت هذا الحديث وليس لها صحبة ولا سماع من النبي (، وإنما هو من مسند أبي الدرداء. فأما أم الدرداء الكبرى فلها صحبة وليس لها في الكتابين حديث والله أعلم. قلت: فإذ قد كشفنا عن هاتين الكنيتين على ما يوجبه النظر في النقل فالأخبار التي نوردها عن الصغرى لا عن الكبرى والله أعلم.
عبد الله بن أحمد قال: حدثتني خديجة أم محمد، وكانت تجيء إلى أبي تسمع منه ويحدثها، قالت: حدثنا إسحاق الأزرق قال: حدثنا المسعودي عن عون بن عبد الله قال: كنا نجلس إلى أم الدرداء فنذكر الله عندها فقالوا: لعلنا قد أمللناك قال: تزعمون أنكم قد أمللتموني؟ فقد طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت شيئاً أشفى لصدري ولا أحرى أن أصيب به الذي أريد من مجالس الذكر.
عن عون بن عبد الله قال كنا نأتي أم الدرداء فنذكر الله عندها. قال: فاتكأت ذات يوم. فقيل لها: لعلنا أن نكون قد أمللناك يا أم الدرداء، فجلست فقالت: رعمتم أنكم قد أمللتموني؟ فقد طلبت العبادة بكل شيء فما وجدت أشفى لصدري ولا أحرى أن أدرك منه ما أريد من مجالسة أهل الذكر.
عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: قلت لأم الدرداء ادعي لنا قالت: أو بلغت أنا ذلك؟ عن ميمون بن مهران قال: ما دخلت على أم الدرداء في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية.
يونس بن ميسرة بن حلبس قال: كنا نحضر أم الدرداء وتحضرها نساء متعبدات يقمن الليل كله حتى إن أقدامهن قد انتفخت من طول القيام.
شيخ من بني تميم قال: حدثني هزان قال: قالت لي أم الدرداء: يا هزان هل تدري ما يقول الميت على سريره؟ فقلت: لا. قالت: فإنه يقول يا أهلاه ويا جيراناه وياحملة سريراه، لا تغرنكم الدنيا كما غرتني، ولا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي فإن أهلي لا يحملون عني من وزري شيئاً، ولو حاجوني عند الجبار لحجوني. ثم قالت أم الدرداء الدنيا أسحر لقلوب العابدين من هاروت وماروت، وما آثرها عبد قط إلا أضرعت خده.
عن أبي عمران الأنصاري قال: كنت أقود دابة أم الدرداء فيما بين بيت المقدس ودمشق فقالت لي: يا سليمان أسمع الجبال وما وعدها الله عز وجل فأرفع صوتي بهذه الآية " ويوم نسير الجبال " سورة الكهف آية 47.
سعيد بن عبد العزيز قال: أشرفت أم الدرداء على وادي جهنم ومعها إسماعيل بن عبيد الله فقالت: يا إسماعيل اقرأ فقرأ " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون " سورة المؤمنون آية 115 فخرت أم الدرداء على وجهها وخر إسماعيل على وجهه فما رفعا رؤوسهما حتى ابتل ما تحت وجوههما من دموعهما.
عن خالد بن ذكوان قال: أخبرتني أمي أن ابنة لأبي الدرداء توفيت فصلت عليها أم الدرداء ثم رجعت فدعت بالمجمر فوضعته تحت ثيابها ثم ناولتنيه.
وقال يحيى بن معين: ماتت الدرداء قبل أم الدرداء، فلام دفنتها قالت: اذهبي إلى ربك وأذهب إلى ربي. فدخلت المسجد.

(1/490)


عن ميمون بن مهران قال: خطب معاوية أم الدرداء فأبت أن تزوجه وقالت سمعت أبا الدرداء يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المرأة في آخر أزواجها " أو قال " لآخر أزواجها " أو كما قال ولست أريد بأبي الدرداء بدلاً.
عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء قالت: إنما الوجل في قلب ابن آدم كاحتراق السعفة، أما تجد لها قشعريرة؟ قال: بلى. قالت: فادع الله إذا وجدت ذلك، فإن الدعاء يستجاب عند ذلك.
عثامة
عن محمد بن سليمان أن عثامة كف بصرها. وكانت متعبدة.
قال الجروي: حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن سعيد بن عبد العزيز قال: ما نعلم أحداً أحنث في مشي فمشى إلا عثامة فإنها حنثت فمشت إلى مكة فأنفقت خمسمائة دينار.
محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء أن أمه عثامة كف بصرها فدخل عليها ابنها يوماً وقد صلى، فقالت: أصليتم أي بني؟ قال: نعم. فقالت:
عثام مالك لاهيه ... حلت بدارك داهية
أبكي الصلاة لوقتها ... إن كنت يوماً باكية
وأبكي القرآن إذا تلي ... قد كنت يوماً تالية
تتلينه بتفكر ... ودموع عينك جارية
فاليوم لا تتلينه ... إلا وعندك تاليه
لهفي عليك صبابة ... ما عشت طول حياتيه
أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر
عن علي بن أبي جملة قال: سمعت أم البنين ابنة عبد العزيز بن مروان تقول: أف للبخل، لو كان قميصاً ما لبسته، ولو كان طريقاً ما سلكته.
سعيد بن مسلمة بن هشام الأموي قال: كانت أم البنين ابنة عبد العزيز بن مروان تبعث إلى نسائها فيجتمعن ويتحدثن عندها وهي قائمة تصلي ثم تنصرف إليهن فتقول: أحب حديثكم فإذا قمت في صلاتي لهوت عنكن ونسيتكن. قال: وكانت تكسوهن الثياب الحسنة وتعطيهن الدنانير وتقول: الكسوة لكن والدنانير اقسمنها بين فقرائكن. وكانت تقول: جعل لكل قوم نهمة في شيء، وجعلت نهمتي في البذل والإعطاء، والله للصلة والمواساة أحب إلي من الطعام الطيب على الجوع، ومن الشراب البارد على الظمأ، وكانت تقول: وهل ينال الخير إلا باصطناعه؟ وكانت تقول: ما حسدت أحداً قط على شيء، إلا أن يكون ذا معروف فإني كنت أحب أن أشركه في ذلك.
أحمد بن سهل قال: حدثني منصور، مولى بني أمية، قال: كانت أم البنين تعتق في كل جمعة رقبة، وتحمل على فرس في سبيل الله عز وجل.
قال محمد: وحدثني يوسف بن الحكم قال حدثني مروان بن محمد بن عبد الملك بن مروان قال: دخلت عزة على أم البنين. فقالت لها: يقول كثير:
قضى كل ذي دين علمت غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
ما كان هذا الدين يا عزة؟ فاستحيت. فقالت: علي ذلك. قالت: كنت وعدته قبلة فتحرجت منها. فقالت أم البنين: أنجزيها له وإثمها علي.
قال محمد: وقال لي يوسف بن الحكم: حدثني رجل من بني أمية يكنى أبا سعيد قال: بلغني أن أم البنين أعتقت لكلمتها هذه أربعين رقبة وكانت إذا ذكرتها بكت وقالت: ليتني خرست ولم أتكلم بها.
قال يوسف: وحدثني سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك قال: حدثتني امرأة من أهلي قالت: سمعت أم البنين تقول: ما تحلى المتحلون بشيء أحسن عليهم من عظم مهابة الله في صدورهم.
عبدة أخت أبي سليمان الداراني
أبو سليمان قال: وصفت لأختي عبدة قنطرة من قناطر جهنم، فأقامت يوماً وليلة في صيحة واحدة ما تسكت. ثم انقطع عنها بعد. فكلما ذكرت لها صاحت. قلت: من أي شيء كان صياحها؟ قال: مثلت نفسها على القنطرة وهي تكفأ بها.
وقد روى أحمد بن الحواري عن أبي سليمان أنه قال: سمعت أختي تقول: الفقراء كلهم أموات إلا من أحياه الله تعالى بعز القناعة والرضا بفقره.
وذكر أبو عبد الرحمن السلمي أنه كان لأبي سليمان أختان: عبدة وآمنة قال: وكانتا من العقل والدين بمحل عظيم.
رابعة بنت إسماعيل زوجة أحمد بن أبي الحواري
كذا نسبها أبو بكر بن أبي الدنيا. وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي أن رابعة العدوية تشارك هذه في اسمها واسم أبيها وعموم ما يأتي في الحديث عن زوجة أحمد أنها رابعة بالباء، والعدوية بصرية وهذه شامية.

(1/491)


وقد أخبرنا ابن ناصر قال: أنبأ أبو الغنائم بن النرسي قال: رابعة بالباء بنقطة من تحتها بصرية، ورابعة بالياء باثنتين من تحتها شامية.
أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لرابعة، وهي امرأتي وقد قامت بليل: قد رأينا أبا سليمان وتعبدنا معه، ما رأينا من يقوم من أول الليل. فقالت: سبحان الله مثلك يتكلم بهذا؟ إنما أقوم إذا نوديت. قال: وجلست آكل وجعلت تذكرني. فقلت لها: دعينا يهنينا طعامنا. قالت: ليس أنا وأنت ممن يتبغص عليه الطعام عند ذكر الآخرة.
أحمد بن أبي الحواري قال: قالت لي رابعة: أي أخي أعلمت أن العبد إذا عمل بطاعة الله أطلعه الجبار على مساوئ عمله فيتشاغل به دون خلقه؟ عن أحمد بن أبي الحواري قال: كانت لرابعة أحوال شتى فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها الأنس، ومرة يغلب عليها الخوف فسمعتها تقول في حال الحب:
حبيب ليس يعدله حبيب ... ولا لسواه في قلبي نصيب
حبيب غاب عن بصري وشخصي ... ولكن عن فؤادي ما يغيب
وسمعتها في حال الأنس تقول:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
وسمعتها في حال الخوف تقول:
وزادي قليل ما أراه مبلغي ... أللزاد أبكي أم لطول مسافتي؟
أتحرقني بالنار يا غاية المنى ... فأين رجائي فيك؟ أين محبتي؟
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت رابعة تقول: إني لأضن باللقمة الطيبة أن أطعمها نفسي، وإني لأرى ذراعي قد سمن فأحزن. قال: وربما قلت لها: أصائمة أنت اليوم؟ فتقول: ما مثلي يفطر في الدنيا. قال: وربما نظرت إلى وجهها ورقبتها فيتحرك قلبي على رؤيتها ما لا يتحرك مع مذاكراتي أصحابنا من أثر العبادة. وقالت لي: لست أحبك حب الأزواج إنما أحبك حب الإخوان، وإنما رغبت فيك رغبة في خدمتك، وإنما كنت أحب وأتمنى أن يأكل ملكي ومالي مثلك ومثل إخوانك.
قال أحمد: وكانت لها سبعة آلاف درهم فأنفقتها علي. فكانت إذا طبخت قدراً قالت: كلها يا سيدي فما نضجت إلا بالتسبيح. وقالت لي: لست أستحل أن أمنعك نفسي وغيري، اذهب فتزوج. قال: فتزوجت ثلاثاً، وكانت تطعمني اللحم وتقول: اذهب بقوتك إلى أهلك. وكنت إذا أردت جماعها نهاراً قالت: أسألك بالله لا تفطرني اليوم، وإذا أردتها بالليل قالت: أسألك بالله لما وهبتني لله الليلة.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت رابعة تقول: ما سمعت الأذان إلا ذكرت منادي القيامة، ولا رأيت الثلج إلا رأيت تطاير الصحف، ولا رأيت جراداً إلا ذكرت الحشر.
أحمد بن أبي الحواري قال: قالت لنا رابعة: نحوا عني ذلك الطست، فإنما عليه مكتوب: مات أمير المؤمنين هارون الرشيد. قال أحمد: فنظروا فإذا هو مات ذلك اليوم.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت رابعة تقول: ربما رأيت الجن يذهبون ويجيئون، وربما رأيت الحور العين يستترن مني بأكمامهن. وقالت بيدها على رأسها.
قال أحمد: ودعوت رابعة فلم تجبني، فلما كان بعد ساعة أجابتني وقالت: إنما منعني من أن أجيبك أن قلبي قد كان امتلأ فرحاً بالله، فلم أقدر أن أجيبك.
أم هارون
عبد العزيز بن عمير قال: قالت أم هارون، وكانت من الخائفين العابدين: قد أنزلت الدنيا منزلتها. وكانت تأكل الخبز وحده. قالت: بأبي الليل لما أطيبه، إني لأغتم بالنهار حتى يجيء الليل، فإذا جاء الليل قمت أوله، فإذا جاء السحر دخل الروح قلبي.
قال أحمد بن أبي الحواري: وخرجت أم هارون من قريتها تريد موضعها. فصاح صبي بصبي خذوه. فسقطت أم هارون فوقعت على حجر فدميت، فظهر الدم من مقنعتها.
قال: وقال أبو سليمان: من أراد أن ينظر إلى صعق صحيح فلينظر إلى أم هارون. وقال أبو سليمان: ما كنت أرى أنه يكون بالشام مثلها.
قال أحمد بن أبي الحواري: وقالت لي رابعة: ما دهنت أم هارون رأسها منذ عشرين سنة. فإذا كشفنا رؤوسنا كان شعرها أحسن من شعورنا.

(1/492)


وبالإسناد قال أبو بكر القرشي: وبلغني عن القاسم الجوعي قال: مرضت أم هارون فأتينا نعودها أنا وصاحب لي، فدخلنا عليها وهي على طرف الدرجة فسألناها عن حالها. فقلت لها: أم هارون أيكون من العباد من يشغله خوف النيران عن الشوق إلى الجنان؟ فقالت: آه وسقطت عن الدرجة مغشياً عليها. قال قاسم: وكانت أم هارون تأتي بيت المقدس من دمشق كل شهر مرة على رجليها. فدخلت عليها فقالت: يا قاسم كنت أمشي ببيسان فإذا قد عرض لي هذه الكلب الأسد فمشى نحوي. فلما قرب مني نظرت إليه فقتل: تعال يا كلب، إن كان لك رزق فكل. فلما سمع كلامي أقعى ثم ولى راجعاً.
أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأم هارون: أتحبين الموت؟ قالت: لا. قلت: ولم؟ قالت: لو عصيت آدمياً ما أحببت لقاءه، فكيف أحب لقاء الله وقد عصيته.
ثويبة بنت بهلول
ابن أبي الحواري قال: سمعت ثويبة بنت بهلول، وكانت زاهدة دمشق، تقول قرة عيني ما طابت الدنيا والآخرة إلا بك فلا تجمع علي فقدك والعذاب.
حمادة الصوفية
علي بن أبي الحر قال: دخلت أنا وخشيش الموصلي من باب الجابية وفي يدي كتاب جاءني من حمادة الصوفية. فقرأت فيه: أبلغ كل مخزون بالشام عني السلام. فانتحب خشيش على رؤوس الناس.
البيضاء بنت المفضل
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أسماء الرملية، وكانت من العابدات، تقول: سألت البيضاء بنت المفضل، فقلت: يا أختي هل للمحب لله دلائل يعرف بها؟ قالت: يا أختي والمحب للسيد يخفى؟ لو جهد المحب للسيد أن يخفى ما خفي. قلت: صفيه لي. قالت: لو رأيت المحب لله عز وجل لرأيت عجباً عجيباً من واله ما يقر على الأرض، طائر مستوحش أنسه في الوحدة، قد منع الراحة، طعامه الحب عند الجوع، وشربه الحب عند الظمأ، لا يمل من طول الخدمة لله تعالى.
آمنة الرملية
جعفر بن محمد، صاحب بشر، قال: اعتل بشر بن الحارث فعادته آمنة الرملية من الرملة. فإنها لعنده إذ دخل أحمد بن حنبل يعوده. فقال: من هذه؟ فقال: هذه آمنة الرملية. بلغها علتي فجاءت من الرملة تعودني. قال: فسلها تدعو لنا. فقالت: اللهم إن بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيرانك من النار فأجرهما. قال أحمد: فانصرفت فلما كان من اللي لطرحت إلي رقعة مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم " قد فعلنا ولدينا مزيد "
ذكر المصطفيات من عابدات الشام المجهولات الأسماء
مولاة لأبي أمامة - شامية
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثتني مولاة أبي أمامة قالت: كان أبو أمامة يحب الصدقة ويجمع لها، ولا يرد سائلاً ولو ببيضة، ولو بتمرة أو بشيء مما يؤكل، فأتاه سائل ذات يوم وقد أقفر من ذلك كله وما عنده إلا ثلاثة دنانير. فسأله فأعطاه ديناراً. ثم أتاه سائل فأعطاه ديناراً. ثم أتاه سائل فأعطاه ديناراً. قالت: فغضبت وقلت: لم تترك لنا شيئاً. قالت: فوضع رأسه للقائلة. قالت: فلما نودي الظهر أيقظته فتوضأ ثم راح إلى مسجده. قالت: فرققت عليه وكان صائماً، فاقترضت ما جعلت له عشاء وسرجت له سراجاً وجئت إلى فراشه لأمهد له فإذا بذهب فعددتها فإذا ثلثمائة دينار. قالت قلت: ما صنع الذي صنع إلا ولقد وثق بما خلف. فأقبل بعد العشاء فلما رأى المائدة والسراج تبسم وقال: هذا خير من غيره. قالت: فقمت على رأسه حتى تعشى، فقلت: رحمك الله خلفت هذه النفقة في سبيل مضيعة ولم تخبرني فأرفعها؟ قال: وأي نفقة؟ ما خلفت شيئاً. قالت: فرفعت الفراش فلما أن رآه فرح واشتد تعجبه. قالت: فقمت فقطعت زناري وأسلمت. قال ابن جابر: فأدركتها في مسجد حمص وهي تعلم النساء القرآن والسنن والفرائض وتفقههن في الدين.
عابدة أخرى

(1/493)


أحمد بن أبي الحواري يقول: بينا أنا ذات يوم في بلاد الشام في قبة من قباب المقابر ليس عليها باب، إلا كساء قد أسبلته. فإذا أنا بامرأة تدق الحائط، فقلت: من هذا؟ قالت: امرأة ضالة، دلني على الطريق رحمك الله، قلت: عن أي الطريق تسألين؟ فبكت ثم قالت: عن طريق النجاة، قلت: هيهات، إن بيننا وبين طريق النجاة عقاباً وتلك العقاب لا تنقطع إلا بالسير الحثيث، وتصحيح المعاملة، وحذف العلائق الشاغلة من أمر الدنيا والآخرة. قال: فبكت بكاءً شديداً ثم قالت: يا أحمد سبحان من أمسك عليك جوارحك فلم تنقطع، وحفظ عليك فؤادك فلم يتصدق، ثم خرت مغشياً عليها. فقلت لبعض النساء: انظرن أي شيء حال هذه الجارية؟ فقمن إليها ففتشنها فإذا وصيتها في جيبها: كفنوني في أثوابي هذه فإن كان لي عند الله خير فهو أسور لي، وإن كان غير ذلك فبعداً لنفسي. وحركوها فإذا هي ميتة. فقلت: لمن هذه الجارية؟ قالوا جارية قرشية كانت تشكو إلينا وجعاً بجوفها فكنا نصفها لمتطيبي الشام، فكانت تقول: خلوا بيني وبين الطبيب الراهب، تعني أحمد بن أبي الحواري، أشكو إليه بعض ما أجد من بلائي، لعله يكون عنده شفائي.
عابدة أخرى
محمد بن سعد التيمي قال: رأيت جارية سوداء في بعض مدن الشام وبيدها خوص تسفه، وهي تقول مع سفها:
لك علم بما يجن فؤادي ... فارحم اليوم ذلتي وانفرادي
فقلت: يا سوداء ما علامة المحب؟ فإذا رجل قد صرع بالقرب منها. فنظرت إلي وإلى الرجل وقالت: يا بطال، علامة المحب الصادق لله في حبه أن يقول لهذا المجنون قم فيقوم. فإذا الرجل قد قام وإذا الجنية تقول لها على لسانه: وحق صدق حبك لربك لا رجعت إليه أبداً.
انتهى ذكر أهل الشام بحمد الله ومنه.
ومن المصطفين من أهل عسقلان
آدم بن أبي إياس العسقلاني
واسم أبي إياس ناهية.
وقال البخاري: هو آدم بن عبد الرحمن بن محمد. ويكنى أبا الحسن، مولى. أصله من خراسان ومنشؤه ببغداد وبها طلب العلم، وكتب عن شيوخها ثم رحل إلى الكوفة والبصرة والحجاز والشام واستوطن عسقلان فعرف بالعسقلاني، وكان من الصالحين متمسكاً بالسنة.
أبو علي المقدسي قال: لما حضرت آدم بن أبي إياس الوفاة ختم القرآن وهو مسجى، ثم قال: بحبي لك رفقت بي في هذا المصرع كنت آملك لهذا اليوم كنت أرجوك. ثم قال: لا إله إلا الله. ثم قضى نحبه.
أسند آدم عن شعبة والليث بن سعد وخلق كثير، وتوفي سنة عشرين ومائتين.
ذكر المصطفين من أهل مصر
حيوة بن شريح، أبو يزيد النجيبي
وقال أبو زرعة: سمع من عقبة بن مسلم، وروى عنه الليث.
خالد بن الفزر قال: كان حيوة بن شريح دعاء، من البكائين، وكان ضيق الحال جداً. فجلست إليه ذات يوم وهو متخل وحده يدعو. فقلت: رحمك الله لو دعوت الله عز وجل فوسع عليك في معيشتك. قال: فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً فأخذ حصاة من الأرض فقال: اللهم اجعلها ذهباً. قال: فإذا هي والله تبرة في كفه، ما رأيت أحسن منها. قال: فرمى بها إلي وقال: ما خير في الدنيا إلا الآخرة. ثم التفت إلي فقال: هو أعلم بما يصلح عباده. فقلت: ما أصنع بهذه؟ قال: استنفقها. فهبته والله أن أراده.
سليم بن عتر
عن الحارث بن يزيد أن سليم بن عتر كان يقرأ القرآن كل ليلة ثلاث مرات.
الليث بن سعد يكنى أبا الحارث، مولى لقيس
ولد سنة ثلاث وتسعين، واستقل بالفتوى والكرم بمصر.
أبو صالح قال: كنا على باب مالك بن أنس فامتنع علينا. فقلنا: ليس يشبه صاحبنا قال: فسمع مالك كلامنا فأدخلنا عليه فقال لنا: من صاحبكم؟ قلنا: الليث بن سعد. فقال: تشبهوني برجل كتبنا إليه في قليل عصفر نصبغ به ثياب صبياننا وثياب جيراننا فأنفذ إلينا ما صبغنا به ثيابنا وثياب صبياننا وثياب جيراننا وبعنا الفضلة بألف دينار؟

(1/494)


محمد بن موسى الصائغ قال: سمعت منصور بن عمار يقول: تكلمت في جامع مصر يوماً فإذا رجلان قد وقفا على الحلقة فقالا: أجب الليث. فدخلت عليه فقال: أنت المتكلم في المسجد؟ قلت: نعم: قال رد علي الكلام الذي تكلمت به. فأخذت في ذلك المجلس بعينه. فرق وبكى حتى رحمته. ثم قال: ما اسمك؟ قلت: منصور، قال: ابن من؟ قلت: ابن عمار. قال: أنت أبو السري؟ قلت: نعم. قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك. ثم قال: يا جارية. فجاءت فوقفت بين يديه فقال لها: جيئي بكيس كذا وكذا فجاءت بكيس فيه ألف دينار فقال: يا أبا السري خذ هذا إليك وصن هذا الكلام أن تقف به على أبواب السلاطين، ولا تمدحن أحداً من المخلوقين بعد مدحتك لرب العالمين، ولك علي في كل سنة مثلها. فقلت: رحمك الله إن الله قد أحسن إلي وأنعم. قال: لا ترد علي شيئاً أصلك به، فقبضتها وخرجت. قال: لا تبطئ علي، فلما كان في الجمعة الثانية أتيته فقال لي: اذكر شيئاً فتكلمت، فبكا وكثر بكاؤه فلما أردت أن أقوم قال: انظر ما في ثني هذه الوسادة وإذا خمسمائة دينار. فقلت: عهدي بصلتك بالأمس. قال: لا تردن علي شيئاً أصلك به. متى رأيتك؟ قلت: الجمعة الداخلة. قال: كأنك فتت عضواً من أعضائي. فلما كانت الجمعة الداخلة أتيته مودعاً فقال لي: خذ في شيء أذكرك به، فتكلمت، فبكا وكثر بكاؤه. ثم قال لي: يا منصور انظر ما في ثني الوسادة، إذا ثلثمائة دينار قد أعدها للحج. ثم قال: يا جارية هاتي ثياب إحرام منصور، فجاءت بإزار فيه أربعون ثوباً. قلت: رحمك الله أكتفي بثوبين. فقال لي: أنت رجل كريم ويصحبك قوم فأعطهم. وقال للجارية التي تحمل الثياب معه: وهذه الجارية لك.
سليم بن منصور قال: سمعت أبي يقول: دخلت على الليث بن سعد يوماً فإذا على رأسه خادم، فغمزه فخرج، ثم ضرب الليث بيده إلى مصلاة فاستخرج من تحته كيساً فيه ألف دينار، ثم رمى بها إلي. ثم قال: يا أبا السري لا تعلم ابني فتهون عليه.
الحسن بن عبد العزيز قال: قال لي الحارث بن مسكين اشترى قوم من الليث بن سعد ثمرة استغلوها فاستقالوه فأقالهم. ثم دعا بخريطة فيها أكياس فأمر لهم بخمسين ديناراً، فقال له الحارث ابنه في ذلك، فقال: اللهم غفراً إنهم كانوا قد أملوا فيها أملاً فأحببت أن أعوضهم عن أملهم بهذا.
سعيد الآدم قال مررت بالليث بن سعد فتنحنح لي فرجعت إليه، فقال لي يا سعيد خذ هذا الفنداق، فاكتب لي فيه من يلزم المسجد ممن لا بضاعة له ولا غلة. قال: فقلت: جزاك الله خيراً يا أبا الحارث. وأخذت منه الفنداق ثم صرت إلى المنزل، فلما صليت أوقدت السراج وكتبت بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قلت: فلان بن فلان. ثم قلت: فلان. فبينا أنا على ذلك إذ أتاني آت فقال: ها الله يا سعيد تأتي إلى قوم عاملوا الله عز وجل سراً فتكشفهم لآدمي؟ مات الليث ومات شعيب بن الليث، أليس مرجعهم إلى الله الذي عاملوه؟ قال فقمت ولم أكتب شيئاً، فلما أصبحت أتيت الليث بن سعد فلما رآني تهلل وجهه فناولته الفنداق فنشره فأصاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم. ثم ذهب ينشره. فقلت له: ما فيه غير ما كتبت فقال لي: يا سعيد وما الخبر؟ فأخبرته بصدق عما كان. فصاح صيحة، فاجتمع عليه الخلق فقالوا: يا أبا الحارث أليس خيراً؟ فقال: ليس إلا خير. ثم أقبل علي فقال: يا سعيد تبينتها وحرمتها صدقت - مات الليث أليس مرجعهم إلى الله؟ قال علي بن محمد: سمعت مقدام بن داود يقول: سعيد الآدم هذا يقال إنه من الأبدال، وقد كان رآه مقدام.
عبد الملك بن يحيى بن بكير قال: سمعت أبي يقول: وصل الليث بن سعد ثلاثة أنفس بثلاثة آلاف دينار: احترقت دار ابن لهيعة فبعث إليه بألف دينار، وحج فأهدى إليه مالك بن أنس رطباً على طبق فرد إليه على الطبق ألف دينار، ووصل منصور بن عمار بألف دينار، وقال: لا يسمع بهذا ابني فتهون عليه، فبلغ ذلك شعيب بن الليث فوصله بألف دينار إلا ديناراً، وقال: إنما نقصتك هذا الدينار لئلا أساوي الشيخ في العطية.
محمد بن رمح قال: كان دخل الليث بن سعد في كل سنة ثمانين ألف دينار وما وجب الله تعالى عليه زكاة قط.
سليم بن منصور قال: سمعت أبي يقول: كان الليث بن سعد يستغل في كل سنة خمسين ألف دينار فيحول عليه الحول وعليه دين.

(1/495)


أسند الليث عن خلق كثير من التابعين كعطاء، ونافع، وأبي الزبير، والزهري. وقيل إنه أدرك نيفاً وخمسين تابعياً.
وتوفي يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شعبان من سنة خمس وسبعين ومائة ودفن بعد الجمعة.
المفضل بن فضالة القتباني
وقتبان من اليمن. قاضي مصر سمع عقيل بن خالد - كذا ذكره البخاري.
ابن رغبة قال كان مفضل بن فضالة قاضياً علينا، وكان مجاب الدعوة، وكان مع ضعفه طويل القيام، وحدثني من أثق به أنه دعا الله عز وجل أن يذهب عنه الأمل، فذهب عنه فلم يصبر فدعا الله أن يرده عليه.
ومن الطبقة التي تلي هؤلاء
عبد الله بن وهب مولى لقريش
أحمد بن سعيد الهمداني قال: دخل ابن وهب الحمام فسمع قارئاً يقرأ: " وإذ يتحاجون في النار " سورة غافر آية 47 فسقط مغشياً عليه فغسلت عنه النورة وهو لا يعقل.
خالد بن خداش قال: قرئ على عبد الله بن وهب كتاب أهوال القيامة فخر مغشياً عليه. فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد ذلك بأيام، وذلك بمصر سنة سبع وتسعين ومائة.
أسند ابن وهب عن الأئمة كالثوري ومالك وشعبة.
أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي
أبو الوليد بن أبي الجارود قال: كان أبو يعقوب البويطي جاري. قال: فما كنت أنتبه ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي.
قال الربيع: كان أبو يعقوب أبداً يحرك شفتيه، يذكر الله عز وجل أو نحو ما قال.
الربيع بن سليمان قال: رأيت البويطي على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: والله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت إليه لأصدقنه. يعني الواثق.
أسند البويطي عن عبد الله بن وهب والشافعي وغيرهما. وكان قد جمع بين الفقه والتقوى وامتحن فلم يجب.
علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى المصري قال: حدثنا أبي قال: حمل البويطي من مصر أيام الفتنة والمحنة بالقرآن إلى العراق فأرادوه على الفتنة فامتنع فسجن ببغداد وقيد وأقام مسجوناً إلى أن توفي في السجن والقيد ببغداد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين - وقال غيره: سنة أحدى وثلاثين.
ذو النون المصري ابن إبراهيم، أبو الفيض
أصله من النوبة وكان من قرية من قرى صعيد مصر يقال لها إخميم. نزل مصر ويقال اسمه الفيض. ويقال ثوبان، وذو النون لقب. وكان أبوه إبراهيم مولى لإسحاق بن محمد الأنصاري، كان له أربعة بنين: ذو النون، وذو الكفل، وعبد الباري، والهميسع.
ابن الجلاء قال: لقيت ستمائة شيخ ما لقيت فيهم مثل أربعة: أحدهم ذو النون.
أبو بكر محمد بن خلف المؤدب قال: رأيت ذا النون المصري على ساحل البحر فلما جن الليل خرج فنظر إلى السماء والماء فقال: سبحان الله ما أعظم شأنكما، بل شأن خالقكما أعظم منكما ومن شأنكما. لما تهور الليل لم يزل ينشد هذه الأبيات إلى أن طلع عمود الصباح:
اطلبوا لأنفسكم ... مثل ما وجدت أنا
قد وجدت لي سكناً ... ليس في هواه عنا
إن بعدت قربني ... أو قربت منه دنا
يوسف بن الحسن يقول: سمعت ذا النون يقول: بصحبة الصالحين تطيب الحياة والخير مجموع في القرين الصالح إن نسيت ذكرك، وإن ذكرت أعانك.
إسرافيل قال: حضرت ذا النون في الحبس، وقد دخل الجلواز بطعام له فقام ذو النون فنفض يده فقيل له: إن أخاك جاء به. فقال: إنه على يدي ظالم. قال: وسمعت رجلاً سأل ذا النون فقال: رحمك الله ما الذي أنصب العباد وأضناهم؟ فقال له: ذكر المقام، وقلة الزاد، وخوف الحساب. ولم لا تذوب أبدان العمال وتذهل عقولهم، والعرض على الله أمامهم وقراءة كتبهم بين أيديهم، والملائكة وقوف بين يدي الجبار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار؟ ثم قال: مثلوا هذا في نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم. قال: وسمعت رجلاً يسأل ذا النون: متى تصح عزلة الخلق؟ فقال: إذا قويت على عزلة النفس.
يوسف بن الحسين قال: قلت لذي النون في وقت مفارقتي له: من أجالس؟ قال: عليك بصحبة من تذكرك الله عز وجل رؤيته، وتقع هيبته على باطنك، ويزيد في عملك منطقة، ويزهدك في الدنيا عمله، ولا تعصي الله ما دمت في قربه، يعظك بلسان فعله، ولا يعظك بلسان قوله.

(1/496)


وسمعت ذا النون يقول سقم الجسد في الأوجاع، وسقم القلوب في الذنوب، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب. وسمعته يقول: من لم يعرف قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم.
يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: ما خلع الله عز وجل على عبد من عبيده خلعة من العقل، ولا قلده قلادة أجمل من العلم، ولا زينه بزينة أفضل من الحلم، وكمال ذلك كله التقوى.
عبد القدوس بن عبد الرحمن قال: سمعت ذا النون يقول: إلهي لو أصبت موئلاً في الشدائد غيرك، أو ملجأ في النوازل سواك لحق لي أن لا أعرض إليه بوجهي عنك، ولا أختاره عليك لقديم إحسانك إلي وحديثه، وظاهر منتك علي وباطنها، ولو تقطعت في البلاء إرباً إرباً أو انصبت علي الشدائد صباً صباً ولا أجد مشتكى لبثي غيرك ولا مفرجاً لما بي سواك، فيا وارث الأرض ومن عليها، ويا باعث جميع من فيها ورث آملي فيك مني أملي، وبلغ همتي فيك منتهى وسائلي.
محمد بن أحمد بن سلمة النيسابوري قال: سمعت ذا النون يقول: احذر أن تنقطع عنه فتكون مخدوعاً. قلت: فكيف ذلك؟ قال: لأن المخدوع من ينظر إلى عطاياه فينقطع عن النظر إليه بالنظر إلى عطاياه. ثم قال: تعلق الناس بالأسباب تعلق الصديقون بولي الأسباب.
ثم قال: علامة تعلق قلوبهم بالعطايا طلبهم منه العطايا، ومن علامة تعلق قلب الصديق بولي العطايا انصباب العطايا عليه وشغله عنها به. ثم قال: ليكن اعتمادك على الله عز وجل في الحال، لا على الحال مع الله. ثم قال: اعقل فإن هذا من صفة التوحيد.
محمد بن أحمد بن سلمة قال: سمعت ذا النون يقول، وقد سألته عند الفراق أن يوصيني فقال: لا يشغلنك عيوب الناس عن عيب نفسك، لست عليهم برقيب. ثم قال: إن أحب عباد الله إلى الله عز وجل أعقلهم عنه، وإنما يستدل على تمام عقل الرجل وتواضعه في عقله بحسن استماعه للمحدث إن كان به عالماً وسرعة قبوله للحق وإن كان ممن هو دونه، وإقراره على نفسه بالخطأ إذا جاء منه.
سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون يقول: من ذكر الله على حقيقة نسي في جنبه كل شيء، ومن نسي في جنب الله كل شيء حفظ الله عز وجل عليه كل شيء، وكان له عوضاً من كل شيء. قال: وسمعته يقول: أكثر الناس إشارة إلى الله في الظاهر أبعدهم من الله.
قال: وسمعته يقول: إلهي إن كان صغر في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي.
وسئل عن الآفة التي يخدع بها المريد عن الله عز وجل فقال: برؤية الكرامات. قيل فبم يخدع قبل وصوله إلى هذه الدرجة؟ قال: بوطء الأعقاب وتعظيم الناس له. قال: وسمعته يقول: من ذبح الحنجرة الطمع بسيف اليأس، وردم خندق الحرص؛ ظفر بكيمياء الخدمة، ومن استقى بحل الزهد على دلو المعروف؛ استقى من جب الحكمة، ومن سلك أودية الكمد جنى حياة الأبد، ومن حصد عشب الذنوب بمنجل الورع أضاءت له روضة الاستقامة، ومن قطع لسانه بشفرة الصمت وجد عذوبة الراحة، ومن تدرع درع الصدق قوي على مجاهدة عسكر الباطل، ومن فرح بمدحة الجاهل ألبسه الشيطان ثوب الحماقة.
أبو عثمان، سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون يقول: ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته.
يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: دوام الفقر إلى الله تعالى مع التخليط أحب إلي من دوام الصفاء مع العجب.
محمد بن عبد الملك قال: سمعت ذا النون يقول: ما أعز الله وجل عبداً بعز هو أعز له من أن يدله على ذل نفسه، وما أذل الله عز وجل عبداً بذل هو أذل له من أن يحجبه عن ذل نفسه.
هلال بن العلاء قال: قال ذو النون: من تطأطأ لقط رطباً ومن تعالى لقي عطباً.
سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون يقول: لا تثقن بمودة من لا يحبك إلا معصوماً. وقال: من صحبك ووافقك على ما تحب، وخالفك فيما تكره فإنما يصحب هواه، ومن صحب هواه فإنما هو طالب راحة الدنيا.
وسمعته يقول: كل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش، وكل محب ذليل، وكل خائف هارب، وكل راج طالب.
يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: أنت ملك مقتدر وأنا عبد مفتقر، أسألك العفو تذللاً فأعطنيه تفضلاً. وسمعته يقول: من المحال أن يحسن منك الظن ولا يحسن منه المن.

(1/497)


أبو عثمان، سعيد بن عثمان الخياط، يقول: سمعت ذا النون يقول: لم أر شيئاً أبعث لطلب الإخلاص مثل الوحدة، لأنه إذا خلا لم ير غير الله، فإذا لم ير غير الله لم يحركه إلا حكم الله، ومن أحب الخلوة فقد تعلق بعمود الإخلاص.
قال الفتح بن شخرف: دخلت على ذي النون عند موته فقلت له: كيف تجدك؟ قال:
أموت وما ماتت إليك صبابتي ... ولا رويت من صدق حبك أوطاري
مناي المنى كل المنى أنت لي منى ... وأنت الغني كل الغنى عند إقتاري
وأنت مدى سؤلي وغاية رغبتي ... وموضع آمالي ومكنون إضماري
تضمن قلبي منك ما لك قد بدا ... وإن طال سري فيك أو طال إظهاري
وبين ضلوعي منك ما لا أبثه ... ولم أبد باديه لأهل ولا جار
سرائر لا يخفى عليك خفيها ... وإن لم أبح حتى التنادي بأسراري
فهب لي نسيماً منك أحيا بروحه ... وجدلي بيسر منك يطر إعساري
أنرت الهدى للمهتدين ولم يكن ... من العلم في أيديهم عشر معشار
وعلمتهم علماً فباتوا بنوره ... وبانت لهم منه معالم أسرار
معاينة للغيب حتى كأنها ... لما غاب عنها منه حاضرة الدار
وأبصارهم محجوبة وقلوبهم ... تراك بأوهام حديدات أبصار
جمعت لهم الهم المفرق والتقى ... على قدر والهم يجري بمقدار
ألست دليل القوم إن هم تحيروا؟ ... وعصمة من أمسى على جرف هار
قال الفتح بن شخرف: فلما ثقل قلت له: كيف تجدك؟ فقال:
ومالي سوى الإطراق والصمت حيلة ... ووضعي على خدي يدي عند تذكاري
وإن طرقتني عبرة بعد عبرة ... تجرعتها حتى إذا عيل تصباري
أفضت دموعاً جمة مستهلة ... أطفي بها حراً تضمن أسراري
فيا منتهى سؤل المحبين كلهم ... أبحني محل الأنس مع كل زوار
ولست أبالي فائتاً بعد فائت ... إذا كنت في الدارين يا واحدي جاري
أسند ذو النون أحاديث كثيرة من مالك والليث بن سعد وسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض وابن لهيعة وغيرهم. وتوفي بالجيزة وحمل في مركب إلى الفسطاط خوفاً عليه من زحمة الناس على الجسر، ودفن في مقابر أهل المعافر، وذلك في يوم الاثنين لليلتين خلتا من ذي القعدة من سنة ست وأربعين ومائتين.
الحسن بن الخليل بن مرة
أحمد بن صالح قال: سمعت عبد الله بن وهب، وذكر الحسن بن الخليل بن مرة، فقال: ذاك رجل صدق قد شغلته العبادة.
قال الحسن بن محمد بن باذا: وثنا عبد الله بن صالح قال: ما رأيت بمصر من أفضله على الحسن بن الخليل في زهده وورعه، ولقد رأيته يحمل دقيقاً في جراب للناس بأجرة يتقوت بها في كل جمعة يحمل يوماً، ثم زاد أمره فلم يكن يدخر لوقت يأتي، وعليه مدرعة قيمتها أقل من درهم، وأجمع أهل مصر أنه مستجاب الدعوة.
قال الحسين: وسمعت محمد بن رمح يقول: أتيت الحسن بن الخليل لأسمع منه شيئاً فإذا هو يقرأ سورة " ق " ويبكي. ثم غشي عليه. فتركته وقمت وكان قد شغلته العبادة عن الحديث. وعدت إليه غير مرة فلم يكن فيه فضل، وكان مصفر اللون كثير البكاء.
قال الحسين: وحدثنا يحيى بن بكير قال: اعتل الحسن بن الخليل فجاء الليث بن سعد يعوده ونحن معه فقرأ على رأسه ثم قمنا من عنده فقال هذا أعبد من رأيت.
موسى بن هارون قال: رأيت الحسن بن الخليل بن مرة بعرفات وكلمته. ثم رأيته يطوف بالبيت قلت: ادع الله لي أن يقبل حجي. فبكى ودعا لي، ثم أتيت مصر فقلت: إن الحسن كان معنا بمكة. فقالوا: ما حج العام. وقد كان يبلغني أنه يمر إلى مكة في كل ليلة، فما كنت أصدق، حتى رأيته فعاتبني وقال: شهرتني، ما كنت أحب أن تحدث بها عني، فلا تعد بحقي عليك.
محمد بن عمرو الغزي
أبو زرعة قال: كان يأتي على محمد بن عمرو الغزي ثمانية عشر يوماً لا يذوق فيها ذواقاً ولا طعاماً ولا شراباً. ما رأيت بمصر أصلح منه.

(1/498)


إبراهيم بن أبي أيوب قال: حدثنا محمد بن عمرو الغزي، وكان يأكل في كل شهر رمضان أكلتين من غير تكلف، يأكل في كل خمسة عشر يوماً مرة.
أسند الغزي عن الوليد بن مسلم وعثمان بن سعيد وعطاف بن خالد في آخرين.
أبو علي الحسن بن أحمد المعروف بابن الكاتب من كبار الصالحين من مشايخ المصريين
أحمد بن علي بن جعفر قال: سمعت أبا علي الكاتب يقول: إذا انقطع العبد إلى الله تعالى بالكلية فأول ما يفيده الله عز وجل الاستغناء به عمن سواه. وكان يقول: قال الله عز وجل: من صبر علينا وصل إلينا.
وكان يقول: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه.
أبو القاسم المصري قال: قال أبو علي ابن الكاتب إن الله عز وجل يرزق العبد حلاوة ذكره، فإن فرح به وشكره آنسه بقربه، وإن قصر في الشكر أجرى الذكر على لسانه وسلبه حلاوته.
صحب أبو علي ابن الكاتب أبا علي الروذباري وغيره وتوفي بعد الأربعين والثلثمائة والله أعلم.
ذكر المصطفين من عباد مصر المجهولي الأسماء
عابد
يوسف بن الحسين قال: كنت قاعداً بين يدي ذي النون وحوله ناس، وهو يتكلم عليهم، والناس يبكون، وشاب يضحك. فقال له ذو النون: ما لك أيها الشاب؟ الناس يبكون وأنت تضحك. فأنشأ يقول:
كلهم يعبدون من خوف النار ... ويرون النجاة حظاً جزيلا
ليس لي في الجنان والنار رأي ... أنسالاً أبتغي بحبي بديلاً
فقيل له: فإذا طردك فماذا تفعل؟ فأنشأ يقول:
فإذا لم أجد من الحب وصلاً ... رمت في النار منزلاً ومقيلا
ثم أزعجت أهلها ببكائي ... بكرة في ضرامها وأصيلا
معشر المشركين نوحوا علي ... أنا عبد أحببت مولى جليلا
لم أكن في الذي ادعيت محقاً ... فجزاني به العذاب الطويلا
يوسف بن الحسين قال: كان شاب يحضر مجلس ذي النون بن إبراهيم المصري مدة. ثم انقطع عنه زماناً. ثم حضر عنده وقد اصفر لونه ونحل جسمه وظهرت آثار العبادة والاجتهاد عليه فقال ذي النون: يا فتى، ما الذي أكسبتك خدمة مولاك واجتهادك من المواهب التي منحك بها فوهبها لك واختصك بها؟ فقال الفتى: يا أستاد وهل رأيت عبداً اصطنعه مولاه من بين عبيده واصطفاه وأعطاه مفاتيح الخزائن ثم أسر إليه سراً أيحسن أن يفشي ذلك السر؟ ثم أنشأ يقول:
من شاوروه فأبدى السر مجتهداً ... لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وباعدوه فلم يسعد بقربهم ... وأبدلوه من الإيناس إيحاشا
لا يصطفون مذيعاً بعض سرهم ... حاشا ودادهم من ذالكم حاشا
عابد آخر
عبد الملك بن هاشم قال: قلت لذي النون صف لنا من خيار من رأيت فذرفت عيناه وقال: ركبنا مرة البحر نريد جدة، معنا فتى من أبناء نيف وعشرين سنة قد ألبس ثوباً من الهيبة، فكنت أحب أكلمه فلم أستطع فبينا نراه مصلياً نراه قارئاً ونراه مسبحاً. إلى أن رقد ذات يوم ووقعت في المركب تهمة فجعل الناس يفتش بعضهم بعضاً إلى أن بلغوا إلى الفتى النائم. فقال صاحب الصرة: لم يكن أحد أقرب إلي من هذا الفتى النائم، فلما سمعت ذلك قمت فأيقظته، فما كلمني حتى توضأ للصلاة وصلى أربع ركعات، ثم قال: يا فتى ما تشاء؟ فقلت: إن تهمة وقعت في المركب وإن الناس لم يزل يفتش بعضهم بعضاً حتى بلغوا إليك فالتفت إلي صاحب الصرة فقال: أكما يقول: فقال: نعم لم يكن أحد أقرب إلي منك، فرفع الفتى يديه يدعو وخفت على أهل المركب من دعائه فيخيل إلينا أن كل حوت في البحر، قد خرجت في فم كل حوت درة، فقام الفتى إلى جوهرة في في حوت فأخذها فألقاها إلى صاحب الصرة وقال: في هذه عوض مما ذهب منك وأنت في حل.
وقد رويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر:

(1/499)


يوسف بن الحسين قال: لما استأنست بذي النون المصري قلت: أيها الشيخ ما كان بدو شأنك وما أنت فيه؟ قال: كنت شاباً صاحب لهو ولعب، ثم إني تبت وتركت ذلك كله وخرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام ومعي بضيعة فركبت في المركب مع تجار من مصر، وركب معنا شاب صبيح كأنه يشرق وجهه. فلما توسطنا فقد صاحب المركب كيساً فيه مال، فأمر بحبس المركب وفتش من فيه وأتعبهم. فلما وصلوا إلى الشاب ليفتش، وثب وثبة من المركب حتى جلس على موج من أمواج البحر، وقام له الموج سرير على مثال وهو جالس عليه ننظر إليه من المركب. ثم قال: يا مولاي إن هؤلاء اتهموني وإني أقسم يا حبيب قلبي أن تأمر كل دابة في هذا المكان أن تخرج رؤوسها وفي أفواهها جوهر. قال ذو النون: فما تم كلامه حتى رأينا دواب البحر أمام المركب وحواليه قد أخرجت رؤوسها وفي فم كل واحدة منها جوهر مضيء يتلألأ ويلمع، ثم وثب الشاب من الموج إلى البحر وجعل يتبختر على متن الماء ويقول " إياك نعبد وإياك نستعين " سورة الفاتحة آية 4 و5 حتى غاب عن عيني.
عابد آخر
حكيم من الحكماء قال: مررت بعريش من مصر وأنا أريد الرباط، فإذا أنا برجل في مظلة قد ذهبت عيناه ويداه ورجلاه، وبه أنواع البلاء وهو يقول: الحمد لله حمداً يوافي محامد خلقك بما أنعمت علي وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلاً. فقلت: لأنظرن أشيء علمه أم ألهمه الله إلهاماً؟ فقلت: على أي نعمة من نعمه تحمده؟ أم على أي فضيلة تشكره؟ فوالله لو أرسل السماء علي ناراً فأحرقتني، وأمر الجبال فدكدتني، وأمر البحار فغرقتني ما ازددت له إلا حمداً وشكراً وإن لي إليك حاجة: بنية لي كانت تخدمني وتتعاهدني عند إفطاري انظر هل تحس بها؟ وقال عبد الوهاب بني كان لي فقلت: والله إني لأرجو أن يكون لي في قضاء حاجة هذا العبد الصالح قربة إلى الله عز وجل. فخرجت أطلبها بين تلك الرمال فإذا السبع قد أكلها. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، من أين آتي هذا العبد الصالح أخبره بموت ابنته؟ فأتيته فقلت له: أنت أعظم عند الله منزلة أم أيوب عليه السلام؟ ابتلاه الله في ماله وولده وأهله وبدنه حتى صار عرضاً للناس؟ فقال: لا بل أيوب. قلت: فإن ابنتك التي أمرتني أن أطلبها أصبتها وإذا السبع قد أكلها. فقال: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا وفي قلبي منها شيء. فشهق شهقة فمات. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، من يعينني على غسله ودفنه؟ فإذا أنا بركب يريدون الرباط، فأشرت إليهم فأقبلوا إلي فأخبرتهم بالذي كان من أمره فغسلناه وكفناه ودفناه في مظلته تلك، ومضى القوم. وبت ليلتي في مظلته آنساً به حتى إذا مضى من الليل قد ثلثه إذا أنا به في روضة خضراء، وإذا عليه حلتان خضراوان، وهو قائم يتلو القرآن. فقلت ألست صاحبي بالأمس؟ فقال: بلى. فقلت: فما صيرك إلى ما أرى؟ قال: وردت من الصابرين على درجة لم ينالوها إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء.
عابد آخر
عمرو بن عثمان المكي قال: لقيت رجلاً بين قرى مصر يدور. فقلت: ما لي أراك لا تقر بمكان؟ قال: وكيف يقر مطلوب؟ فقلت له: أو ليس أنت في قبضته في كل مكان؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن أستوطن الأوطان فيأخذني على غرة الاستيطان مع المغرورين.
عابد آخر
أبو بكر المصري قال: خرجت من عينونة أريد الرملة. فبينا أنا أمشي إذا بفقير يمشي حافي القدمين حاسر الرأس، وعليه خرقتان متزر بإحداهما مرتد بالأخرى ليس معه زاد ولا ركوة فقلت في نفسي لو كان مع هذا ركوة وحبل، فإذا ورد الماء توضأ وصلى كان خيراً له.

(1/500)


فلحقت به وقد اشتدت الهاجرة فقلت له: يا فتى لو جعلت هذه الخراقة التي على كتفيك على رأسك تتوقى بها الشمس كان خيراً لك، فسكت ومشى، فلما كان بعد ساعة قلت له: أنت حاف، أي شيء ترى في نعل تلبسها ساعة وأنا ساعة؟ فقال: أراك كثير الفضول لم تكتب الحديث؟ قلت: بلى. قال: فلم تكتب عن النبي ( " إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " فسكت ومشى. وعطشت وأنا على ساحل البحر فالتفت إلي فقال: أنت عطشان؟ فقلت: لا. فمشى ساعة وقد كظني العطش ثم التفت إلي فقال: أنت عطشان؟ فقلت: نعم، وما تقدر أن تعمل في مثل هذا الموضع؟ فأخذ الركوة مني ودخل البحر وعرف الماء وجاءني به، وقال: اشرب. فشربت ماء أعذب من ماء النيل وأصفى لوناً وفيه حشيش، فقلت في نفسي هذا ولي الله ولكني أدعه حتى إذا وافينا المنزل سألته الصحبة. فوقف وقال: أيما أحب إليك تمشي أو أمشي؟ فقلت: إن تقدم فاتني ولكن أتقدم أنا وأجلس في بعض المواضع، فإذا جاء سألته الصحبة. فقال: يا أبا بكر إن شئت تقدم واجلس وإن شئت تأخر فإنك لا تصحبني، ومضى وتركني، دخلت المنزل وكان لي به صديق وعندهم عليل فقلت لهم: رشوا عليه من هذا الماء. فرشوا عليه فبرأ وسألتهم عن الشخص فقالوا: ما رأيناه.
عابد آخر
عبد العزيز بن عمير قال: كان في خرابات القبائل بمصر رجل مجذوم وكان شاب من أهل مصر يختلف إليه ويتعاهده ويغسل خرقه ويخدمه. فتقرأ فتى من أهل مصر فقال للذي كان يخدمه: إنه بلغني أنه يعرف اسم الله الأعظم فأنا أحب أن أجيء معك إليه فأتاه فسلم عليه وقال: يا عم إنه بلغني أنك تعرف اسم الله الأعظم فلو سألته أن يكشف ما بك؟ فقال: يا بن أخي، هو الذي أبلاني فأنا أكره أن أراده.
من عقلاء المجانين بمصر
رجل من أصحاب ذي النون
أبو الحسن الفارسي قال: بلغنا أن رجلاً من أصحاب ذي النون أصيب بعقله فكان يطوف ويقول: آه أين قلبي؟ أين قلبي؟ من وجد قلبي؟ من وجد قلبي؟ والصبيان قد أولعوا به يرمونه من كل جانب.
فقضي أنه دخل يوماً بعض سكك مصر وقد هرب من الصبيان فجلس يستريح ساعة إذ سمع بكاء صبي تضربه والدته ثم أخرجته من الدار وأغلقت دونه الباب. فجعل الصبي يلتفت يميناً وشمالاً لا يدري أين يذهب؟ وإلى أين يقصد؟ فلما سكن ما به عاد ناكصاً على عقبيه حتى رجع إلى باب دار والدته فوضع رأسه على عتبة الدار فذهب به النوم. ثم انتبه فجعل يبكي ويقول: يا أماه من يفتح لي الباب إذا أغلقت عني بابك؟ ومن يدنيني من نفسه إذا طردتني من نفسك؟ ومن الذي يربيني بعد أن غضبت علي؟ قال: فرحمته أمه فقامت فنظرت من خلل الباب فوجدت ولدها تجري الدموع على خديه متمعكاً في التراب. ففتحت الباب وأخذته حتى وضعته في حجرها وجعلت تقبله وتقول: يا قرة عيني ويا عزيز نفسي، أنت الذي حملتني على نفسك، وأنت الذي تعرضت لما حل بك، لو كنت أطعتني لم تلق مني مكروهاً. قال: فتواجد الفتى وصاح حتى اجتمع عليه الخلق فقالوا: ما الذي أصابك؟ فقال: قد وجدت قلبي، قد وجدت قلبي. فلما بصر بذي النون قال: يا أبا الفيض قد وجدت قلبي في سكة كذا وكذا عند فلانة. وسماها. ثم لم يزل إذا تواجد يقول ذلك.
ذكر المصطفيات من عابدات مصر
فاطمة بنت عبد الرحمن بن عبد الغفار الحراني
علي بن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى المصري قال: أنبأ أبي قال: فاطمة بنت عبد الرحمن تكنى أم محمد، مولدها ببغداد، وقدم بها إلى مصر وهي حدثة. سمعت من أبيها وطال عمرها حتى جاوزت الثمانين، وكانت تعرف بالصوفية لأنها أقامت تلبس الصوف ولا تنام إلا في مصلاها بلا وطاء فوق ستين سنة.
توفيت سنة اثنتي عشرة وثلثمائة.
أم أيمن بنت علي امرأة أبي علي الروذباري واسمها عزيزة
أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: كانت عزيزة امرأة أبي علي تقول: كيف لا أرغب في تحصيل ما عندك وإليك مرجعي؟ وكيف لا أحبك وما لقيت خيراً إلا منك؟ وكيف لا أشتاق إليك وقد شوقتني إليك؟ وحكي عنها أنها قالت: لا ينتفع العبد بشيء من أفعاله كما ينتفع بطلب قوته من حلال. قال: وخرجت يوماً من مصر وقت خروج الحاج والجمال تمر بها وهي تبكي وتقول: واضعفاه. وتنشد على أثره وتقول:
فقلت: دعوني وأتباعي ركابكم ... أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد

(2/1)


وما بال رغمي لا يهون عليهم ... وقد علموا أن ليس لي منهم بد
وتقول: هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف ترى حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت؟
تحية النوبية
أبو عبد الرحمن محمد بن الحسن السلمي قال: سمعت الماليني الصوفي يقول: دخلت على تحية زائراً فسمعتها من داخل البيت وهي تناجي وتقول في مناجاتها: يا من يحبني وأحبه.
فدخلت إليها وسلمت عليها وقلت: يا تحية إنك تحبين الله تعالى فمن أين تعلمين أنه يحبك؟ فقالت: نعم إني كنت في بلد النوبة وأبواي كانا نصرانيين، وكانت أمي تحملني إلى الكنيسة وتجيء بي عند الصليب وتقول: قبلي الصليب، فإذا هممت بذلك أرى كفاً تخرج فترد وجهي حتى لا أقبله. فعلمت أن عنايته بي قديمة.
من المجهولات الأسماء
عابدة
أبو عبد الله، محمد بن شجاع الصوفي قال: كنت بمصر أيام سياحتي فتاقت نفسي إلى النساء فذكرت ذلك لبعض إخواني فقال لي: ههنا امرأة صوفية لها ابنة مثلها جميلة قد ناهزت البلوغ. قال: فخطبتها وتزوجتها، فلما دخلت إليها وجدتها مستقبلة القبلة تصلي. قال: فاستحييت أن تكون صبية في مثل سنها تصلي وأنا لا أصلي. فاستقبلت القبلة وصليت ما قدر لي حتى غلبتني عيني فنمت في مصلاي ونامت في مصلاها. فلما كان في اليوم الثاني كان مثل ذلك أيضاً، فلما طال علي قلت: يا هذه ألاجتماعنا معنى؟ قال: فقالت لي: أنا في خدمة مولاي ومن له حق فما أمنعه. قال: فاستحييت من كلامها وتماديت على أمري نحو الشهر. ثم بدا لي في السفر، فقلت لها: يا هذه. قالت: لبيك. قلت: إني قد أردت السفر. قالت: مصاحباً بالعافية. فقمت فلما صرت عند الباب قامت فقالت لي: يا سيدي كان بيننا في الدنيا عهد لم يقض بتمامه عسى في الجنة إن شاء الله. فقلت لها: عسى. فقالت لي: أستودعك الله خير مستودع. قال: فتودعت منها وخرجت.
قال: ثم عدت إلى مصر بعد سنين فسألت عنها فقيل لي: هي على أفضل مما تركتها عله من العبادة والاجتهاد. انتهى ذكر أهل مصر.
ذكر المصطفين من عباد الإسكندرية
أسلم بن زيد الجهني
إبراهيم بن أدهم قال: لقيت رجلاً بالإسكندرية يقال له أسلم بن زيد الجهني. فقال: من أنت يا غلام؟ فقلت: شاب من أهل خراسان. قال: ما حملك على الخروج من الدنيا؟ فقلت: زهداً فيها ورجاء ثواب الله تعالى. فقال: إن العبد لا يتم رجاؤه لثواب الله تعالى حتى يحمل نفسه على الصبر. فقال له رجل ممن كان معه: وأي شيء الصبر؟ فقال: إن أدنى منازل الصبر أن يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس. قال: قلت ثم مه؟ قال: إذا كان محتملاً للمكاره أورث الله عز وجل قلبه نوراً، قلت: فماذا النور؟ قال: سراج يكون في قلبه يفرق بين الحق والباطل والمتشابه. ثم قال: يا غلام إياك إذا صحبت الأخيار وجاريت الأبرار أن تغضبهم عليك، لأن الله تعالى يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم، وذلك أن الحكماء هم العلماء، هم الراضون عن الله إذا سخط الناس. يا غلام احفظ عني واعقل واحتمل، ولا تعجل، إياك والبخل. قلت: وما البخل؟ قال: أما البخل عند أهل الدنيا فهو أن يكون الرجل ضنيناً بماله، وأما عند أهل الآخرة فهو الذي يضن بنفسه عن الله. ألا وإن العبد إذا جاد بنفسه لله أورث الله قلبه الهدى والتقى، وأعطي السكينة والوقار والحلم الراجح والعقل الكامل.
عابد آخر
العباس بن يوسف الشكلي قال: دخلت الإسكندرية فسألت: هل بها أحد من الزهاد؟ فقالوا: فتى قد كان يصوم النهار ويقوم الليل فإذا أفطر على الشهوات، فرأى رؤيا هالته فأخذ في التقلل وصار فطره في خمسة عشر يوماً مرة. فقلت فعلى أي شيء يفطر إذا أفطر؟ فقيل لي: على شيء من الكسب وتمرات يعجنها فهي فطره من الوقت إلى الوقت. فقلت: فما الرؤيا التي رآها؟ قالوا: رأى فتى وقف عليه فقال له:
تجوع فإن الجوع يورث أهله ... مصادر بر خيرها الدهر دائم
ولا تك ذا بطن رغيب وشهوة ... فتصبح في الدنيا وقلبك هائم
عابدة

(2/2)


عن حجاج بن ربان قال: دخلت أنا ابن أبي رفاعة مسجد الإسكندرية فإذا أنا بامرأة قد اعتزلت عن النساء وجعلت حولها حظيرة من حجارة، فتقدم إليها ابن أبي رفاعة فقال لها: ما لي أراك قد اعتزلت النساء وجعلت حولك هذه الحجارة؟ فقالت: يا أبا عبد الرحمن كلمة من هذه، وكلمة من هذه، وقد ذهب الصيام قال: فالتفت إلي ابن أبي رفاعة فقال: أترى هذه سمعت من مالك بن أنس شيئاً؟ يعني أن الله تعالى هو الذي بصرها.
من المصطفين من أهل أبلة
أبو صخر يزيد بن أبي سمية الأبلي
محمد بن عمر قال: كان أبو صخر من العباد، وكان يصلي ليله أجمع ويبكي. وكانت معه في الدار امرأة يهودية ساكنة تبكي رحمة له، فقال ليلة في دعائه: اللهم إن هذه اليهودية قد بكت رحمة لي ودينها مخالف لديني فأنت أولى برحمتي. وكان يوافي الموسم عام مع محمد بن المنذر وصفوان بن سليم ويزيد بن خصيفة وأبي حازم، فيلقون عمر بن ذر فيقص عليهم ويذكرهم أمر الآخرة. فلا يزالون كذلك حتى ينقضي الموسم ثم لا يلتقون بعد إلا في كل موسم.
ذكر المصطفين من أهل المغرب
أبو عبد الله المغربي واسمه محمد بن إسماعيل
إبراهيم بن شيبان قال: سمعت أبا عبد الله المغربي يقول: ما رأيت ظلمة منذ سنين كثيرة. قال إبراهيم: وذلك أنه كان يتقدمنا بالليل المظلم ونحن نتبعه وهو حاف حاسر، وكان إذا عثر أحدنا يقول يميناً وشمالاً، ونحن لا نرى ما بين أيدينا، فإذا أصبحنا نظرنا إلى رجله كأنها رجل عروس خرجت من خدرها. وكان يقعد لأصحابه يتكلم عليهم فما رأيته انزعج إلا يوماً واحداً: كنا على الطور وهو قد استند إلى شجرة خروب وهو يتكلم علينا. فقال في كلامه لا ينال العبد مراده حتى ينفرد فرداً بفرد. فانزعج واضطرب ورأيت الصخور قد تدكدكت، وبقي في ذلك ساعات فلما أفاق كأنه نشر من تبر.
إبراهيم بن شبيان قال: سمعت أبا عبد الله المغربي يقول: أفضل الأعمال عمارة الأوقات في الموافقات. وقال: أغظم الناس ذلاً فقير داهن غنياً وتواضع له.
أسند أبو عبد الله المغربي الحديث عن عمرو بن أبي غيلان وتوفي على جبل الطور في سنة تسع وتسعين، وقيل تسع وسبعين ومائتين، وأوصى أن يدفن إلى جانب أستاذه علي بن رزين. وعاش كل واحد منهما عشرين ومائة سنة. وفهما على جبل الطور.
وكان المغربي أستاذ إبراهيم الخواص.
ذكر المصطفين من عباد المغرب المجهولي الأسماء
عابد
سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون قال: بينا أنا سائر في بلاد المغرب إذا أنا برجل على عريش من البلوط وعنده عين ماء تجري فأقمت عليه يوماً وليلة أريد أن أسمع كلامه. فأشرف علي بوجهه، فسمعته يقول: شهد قلبي لله بالنوازل، وكيف لا يشهد قلبي بذلك؟ هيهات هيهات لقد خاب لديك المقصرون، سيدي ما أحلى ذكرك، أليس قصدك مؤملوك فنالوا ما أملوا، وجدت لهم بالزيادة على ما طلبوا؟ فقلت له: يا حبيبي إني مقيم عليك منذ يوم وليلة أريد أن أسمع كلامك. فقال لي: قد رأيتك يا بطال حين أقبلت، ولكن ما ذهب روعك من قلبي إلى الآن. فقلت له: ولم ذلك؟ وما الذي أفزعك مني فقال: بطالتك يوم عملك وتركك الزاد ليوم معادك، ومقامك على المظنون. فقلت له: يا حبيبي ما ها هنا فتية تستأنس بهم، فقال: بلى، ها هنا فتية متفرقون في رؤوس الجبال. قلت: فما طعامهم في هذا المكان؟ قال: أكلهم الفلق من خبز البلوط، ولباسهم الخرق من الثياب، قد يئسوا من الدنيا ويئست الدنيا منهم، أعطوا المجهود من أنفسهم، فلما دبرت المفاصل من الركوع وقرحت الجباه من السجود وتغيرت الألوان من السفر ضجوا إلى الله عز وجل بالاستغاثة.
عابد آخر

(2/3)


يوسف بن الحسين قال: قال ذو النون، وصف لي رجل بالمغرب وذكر لي من حكمته وكلامه ما حملني على لقائه، فرحلت إليه إلى المغرب فأقمت على بابه أربعين صباحاً على أن يخرج من منزله إلى المسجد ويقعد، فكان يخرج وقت كل صلاة يصلي، ويرجع كالواله لا يكلم أحداً فقلت له يوماً: يا هذا إني مقيم ها هنا منذ أربعين صباحاً لا أراك تكلمني. فقال لي: يا هذا لساني سبع إن أطلقته أكلني. فقلت له: عظني رحمك الله بموعظة أحفظها عنك. قال: وتفعل؟ قلت: نعم إن شاء الله، قال: لا تحب الدنيا وعد الفقر والغنى والبلاء من الله نعمة، والمنع من الله عطاء، والوحدة مع الله أنساً، والذل عزاً والطاعة حرفة والتوكل معاشاً والله تعالى لكل شديدة عدة.
ثم مكث بعد ذلك شهراً لا يكلمني، فقلت له: رحمك الله إني أريد الرجوع إلى بلدي فإن رأيت أن تزيدني في الموعظة فقال: اعلم أن الزاهد في الدنيا قوته ما وجد ومسكنه حيث أدرك ولباسه ما ستر الخلوة مجلسه، والقرآن حديثه، والله الجبار العزيز أنيسه والذكر رفيقه، والصمت جنته، والخوف سجيته، والشوق مطيته، والنصيحة نهمته والصبر وساده، والصديقون إخوانه والحكمة كلامه، والعقل دليله، والجوع أدمه والبكاء دأبه، والله عز وجل عدته. قلت بما تتبين الزيادة من النقصان؟ قال: عند المحاسبة للنفوس.
عابدة من أهل إفريقية
محمد بن حفص قال: مررت على أخ لي من أهل مصر ونحن بالثغر، فأخرج إلي شكالاً. فقال: انظر من أي شيء هذا الشكال؟ فنظرت فإذا شكال من شعر، كأنه من صفائه وشدة سواده قد دهن بالدهن. فقلت: هذا عندي من أعراف الخيل العتاق الكرام. فقال: لا. والله، ولكنه من شعر امرأة من أهل إفريقية جعلت منه شكالاً، ثم أرسلت به إلي فقالت: اجعله شكال فرس غاز في سبيل الله عز وجل فإني طالما تمتعت به في غير طاعة الله قلت: إنما ينظر إلى ذل هذه المرأة لله تعالى وقصدها لا إلى صورة فعلها لأنها جهلت أن هذا الفعل لا يجوز.
ذكر المصطفين من عباد الجبال
الجبال على ضربين: جبال مسماة معروفة، وجبال غير مسماة. فنبدأ بالمعرفة.
ذكر المصطفين من عباد جبل اللكام
وهم قسمان: من يعرف اسمه، ومن لا يعرف - فمن المعرفين:
إسحاق بن إبراهيم الجمال
كان ينزل جبل اللكام عبد الله بن محمد الزنجاني قال: دخلت جبل اللكام فغلطت فوقعت على شيخ متزر بجلد متشح بمسح فقال: الله أكبر، جني أم إنسي؟ قلت: بل إنسي. قال: ضللت الطريق؟ قلت: نعم. قال: فعلمني كليمات. ودفع إلي عصا وقال: خذ هذه العصا فإنها تدلك على الطريق فإذا بلغت مرادك فألق العصا، فمشيت قليلاً فإذا أنا على باب أنطاكية فألقيت العصا. فلا أدري كيف كان ذلك؟ فرآني قوم فقالوا: من أين؟ قلت: من اللكام، ضللت الطريق فوقعت على شيخ فدلني وعلمني كلمات وقال لي: منذ ثلاثين سنة ما رأيت إنسياً. قالوا: نعم، كان ها هنا أخوان يقطعان الطريق فوقعا على هذا الشيخ فدعا لهما فتابا فليس اليوم في هذه النواحي أصلح منهما. وهذا الشيخ إسحاق بن إبراهيم الجمال.
القسم الثاني: من لا يعرف اسمه من عباد جبل اللكام
عابد
أبو سليمان الداراني قال: مررت في جبل اللكام في جوف الليل فسمعت رجلاً يقول في دعائه: يا سيدي وأملي ومؤملي ومن به تم عملي أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك، وأعوذ بك من قلب لا يشتاق إليك، وأعوذ بك من دعاء لا يصل إليك، وأعوذ بك من عين لا تبكي عليك فعلمت أنه عارف فقلت له: يا فتى إن للعارفين مقامات، وللمشتاقين علامات. قال: وما هي؟ قلت: كتمان المصيبات، وصيانة الكرامات، فقال لي عظني. فقلت: اذهب فلا ترد الدنيا، واتخذ الفقر غنى، والبلاء من الله عز وجل شفاء، والتوكل معاشاً، والجوع جرفة، واتخذ الله لكل شدة عدة صعق صعقة فتركته.
عابد آخر

(2/4)


جعفر بن محمد سهل السامري قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا سائر في جبل اللكام مررت على واد كثير الأشجار والنبات. فبينا أنا واقف أتعجب من حسن زهرته ومن خضرة العشب في جنباته إذ سمعت صوتاً أهطل مدامعي وهيج بلابل حزني، فاتبعت الصوت حتى وقفني بباب مغار في سفح ذلك الوادي، فإذا الكلام يخرج من جوف المغار فاطلعت فيه فإذا أنا برجل من أهل التعبد والاجتهاد. فسعته يقول: سبحان من أخرج قلوب المشتاقين في رياض الطاعة بين يديه، سبحان من أوصل الفهم إلى عقول ذوي البصائر فهي لا تعتمد إلا عليه، سبحان من أورد حياض المودة نفوس أهل المحبة فهي لا تحن إلا إليه. ثم أمسك فقلت: السلام عليك يا حليف الأحزان وقرين الأشجان. فقال: وعليك السلام، ما الذي أوصلك إلي من قد أفرده خوف المسألة عن الأنام، واشتغل بمحاسبة نفسه من التنطع في الكلام؟ قلت: أوصلني إليك الرغبة في التصفح والاعتبار. فقال: يا فتى إن لله عز وجل عباداً قدح في قلوبهم زندا الشغف نار الومق فأرواحهم لشدة الاشتياق تسرح في الملكوت، وتنظر إلى ما ذخر لها في حجب الجبروت.
قلت: صفهم لي. قال: أولئك قوم آووا إلى كنف رحمته. ثم قال: يا سيدي بهم فألحقني. ولأعمالهم فوفقني. قلت: ألا توصيني بوصية؟ قال: أحب الله عز وجل شوقاً إلى لقائه فإن له يوماً يتجلى فيه لأوليائه. وأنشأ يقول:
قد كان لي دمع فأفنيته ... وكان لي جفن فأدميته
وكان لي جسم فأبليته ... وكان لي قلب فأضنيته
وكان لي يا سيدي ناظر ... أرى به الجو فأعميته
عبدك أضحى سيدي موثقاً ... لو شئت قبل اليوم داويته
عابد آخر
يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: مررت برجل بجبل اللكام وهو ساجد يقول في سجوده: إلهي، بك عرفتك فما حاجتي إلى غيرك.
عابد آخر
أبو إبراهيم الزهري قال: كنت جائياً من المصيصة، فمررت باللكام فأحببت أن أراهم، يعني المتعبدين، هناك فقصدتهم ووافيت صلاة الظهر، وأحسبه رآني فيهم إنسان عرفني. فقلت له: فيكم رجل تدلوني عليه؟ فقالوا: هذا الشيخ الذي يصلي بنا. فحضرت معهم صلاة الظهر والعصر. فقال له ذلك الرجل: هذا رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف وجده أبو أمه سعد بن معاذ. قال: فبش بي وسلم علي كأنه كان يعرفني قال: فقلت له: من أين تأكل؟ فقال لي: أنت مقيم عندنا قلت: أما الليلة فأنا عندكم. قال: ثم مضيت معه فجعل يحدثني ويؤانسني حتى جاء إلى كهف جبل فقعدت ودخل فأخرج قعباً يسع رطلاً ونصفاً، قد أتى عليه الدهور. فوضعه وقعد يحدثني حتى إذا كادت الشمس تغرب اجتمعت حواليه ظباء فاعتقل منها ظبية فحلبها حتى ملأ ذلك القدح، ثم أرسلها. فلما سقط القرص حساه. ثم قال: ما هو غير ما ترى، وربما احتجت إلى الشيء من هذا فتجتمع حولي هذه الظباء فآخذ حاجتي وأرسلها. قلت: أبو إبراهيم اسمه أحمد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، معروف بالعلم والزهد، وكان أحمد بن حنبل إذا رآه قام قائماً.
عابد آخر
أبو صالح الدمشقي قال: كنت أدور في جبل اللكام أطلب الزهاد والعباد فرأيت رجلاً عليه مرقعة جالساً على حجر مطرقاً إلى الأرض، فقلت له: يا شيخ ما تصنع ها هنا؟ قال أنظر وأرعى. فقلت له: ما أرى بين يديك إلا الحجارة، فما الذي تنظر وترعى؟ قال: فتغير لونه ثم نظر إلي مغضباً وقال: أنظر خواطر قلبي، وأرعى أوامر ربي وبحق الذي أظهرك علي إلا جزت عني. فقلت: كلمني بشيء أنتفع به حتى أمضي. فقال: من لزم الباب أثبت في الخدم، ومن أكثر ذكر الذنوب أكثر من الندم، ومن استغنى بالله أمن العدم. ثم تركني ومضى.
عابد آخر

(2/5)


سري السقطي قال: مكثت أربعين سنة أسأل الله عز وجل أن يريني ولياً من أوليائه، قال: فلم أر أحداً. فخرجت إلى الثغر وصعدت جبل اللكام بينما أنا أمشي في المحجة إذ رأيت قوماً جلوساً نحو ثلاثين نفساً مرضى، عليهم ثياب خلقان، فسلمت عليهم ووقفت فقلت: لأي شيء أنتم جلوس في هذا القفر؟ قالوا: نحن من هذه المدينة التي في أسفل الجبل إذا كان رأس كل شهر في مثل هذا اليوم في مثل هذا الموضع نجلس، فإذا كان الظهر أقبل علينا رجل من هذا الموضع فنقوم إليه فيدعو الله لنا. فقعدت معهم. قال: فلما أن كان الظهر أقبل رجل أسمر شديد السمرة عليه مئزر صوف، فقرأ على كل واحد قال: فلحقته قلت له: قف علي يرحمك الله أكلمك. فالتفت إلي وقال: يا سري لا تعامل غيره فتسقط من عينه.
عابد آخر
بلغنا عن بعض السلف أنه قال: مضيت إلى جبل اللكام فما رأيت أعبد من شاب أصفر اللون، كان يصف قدميه فيصلي ركعتين من أول الليل إلى آخره فيختم فيها القرآن ثم يجلس فيعتذر إلى الصباح.
ومن عقلاء المجانين بجبل اللكام
بلغنا عن ذي النون المصري قال: وصف لي رجل من أهل المعرفة في جبل اللكام، فقصدته فلقيني جماعة من المتعبدين فسألتهم عنه؟ فقالوا: يا ذا النون تسأل عن المجانين؟ فقلت: وما الذي رأيتم من جنونه؟ قالوا: نراه في أكثر أوقاته هائماً ساهياً يكلم فلا يجيب، ويتكلم فلا نفقه ما يقول، وينوح في أكثر أوقاته على نفسه ويبكي فقلت في نفسي: ما أحسن أوصاف هذا المجنون. ثم قلت لهم: دلوني عليه. فقالوا: إنه يأوي في الوادي الفلاني. انطلقت إلى الوادي فأشرفت على واد وعر، فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فإذا أنا بصوت محزون شج من وجد قلب وهو يقول:
يا ذا الدي أنس الفؤاد بذكره ... أنت الذي ما إن سواه أريد
تفنى الليالي والزمان بأسره ... وهواك غض في الفؤاد جديد
قال ذو النون: فاتبعت الصوت فإذا أنا بفتى حسن الوجه حسن الصوت، وقد ذهبت تلك المحاسن وبقيت رسومها، نحيل قد اصفر واحترق وهو شبيه بالواله الحيران. فسلمت عليه فرد السلام وبقي شاخصاً يقول:
أعميت عيني عن الدنيا وزينتها ... فأنت والروح شيء غير مفترق
إذا ذكرتك وافى مقلتي أرق ... من أول الليل حتى مطلق الفلق
وما تطابقت الأجفان عن سنة ... إلا رأيتك بين الجفن والحدق
ثم قال: يا ذا النون ما لك وطلب المجانين؟ قلت: أومجنون أنت؟ قال: قد سميت به. فقلت: مسألة؟ فقال: سل، قلت: أخبرني ما الذي حبب إليك الانفراد وقطعك عن المؤانسين وهيمك في الأودية؟ قال: حبي له هيمني، وشوقي إليه هيجني، ووجدي به أفردني. ثم قال: يا ليت شعري يا فتى إلى متى تتركني مقلقلاً في محبتي؟ فقلت: أخبرني أين محل الحب منك؟ وأين مسكن الشوق فيك؟ فقال: مسكن الحب سواد الفؤاد. قلت: فما الذي تجد في خلوتك؟ قال: الحق سبحانه. قلت: كيف تجده؟ قال: بحيث لا حيث. ثم قال: يا ذا النون أعجبك كلام المجانين؟ قلت: إي والله وأشجاني، ثم قلت له: ما صدق وجدانك للحق تعالى؟ فصرخ صرخة ارتج لها الجبل. ثم قال: يا ذا النون هكذا موت الصادقين. ثم سقط إلى الأرض ميتاً فتحيرت في أمره، لا أدري ما أصنع به، وإذا به قد غاب عني فلا أدري أين ذهب.
ذكر المصطفين من عباد جبل لبنان
وهم على ضربين: معروف ومجهول فنبدأ بالمعروف
علي الجرجرائي
كان من أستاذي بشر الحافي. وكان ينزل جبل لبنان.
القاسم بن القاسم قال: بلغني أن بشراً الحافي لقي علياً الجرجرائي بجبل لبنان على عين ماء. قال: فلما أبصرني قال: بذنب مني لقيت اليوم إنسياً. فعدوت خلفه وقلت: أوصني. فالتفت إلي وقال: أمستوص أنت؟ عانق الفقر، وعاشر الصبر، وعاد الهوى، وعاف الشهوات، واجعل بيتك أحلى من لحدك يوم تنقل إليه، على هذا طاب المسير إلى الله عز وجل.
ذكر المصطفين من المجهولين الأسماء من عباد جبل لبنان
عابد

(2/6)


محمد بن حسان قال: بينا أنا أدور في جبل لبنان إذ خرج علي شاب قد أحرقته السموم والرياح، عليه طمر رث، وقد سقط شعر رأسه على حاجبيه. فلما نظر إلي ولى هارباً مستوحشاً. فقلت له: يا أخي، موعظة لعل الله عز وجل أن ينفعني بها. فالتفت إلي وهو مار فقال: يا أخي، احذر الحق فإنه غيور، ولا يحب أن يرى في قلب عبده سواه.
عابد آخر
إبراهيم بن الجنيد قال: حدثني أبو فروة السائح قال: بينا أنا أسح في جبل لبنان إذ جن الليل علي وأنا في بعض أوديته، فإذا بصوت محزون وهو يقول: يا من آنسني بقربه، وأوحشني من خلقه، وكان عند مسرتي ارحم اليوم عبرتي، فدنوت منه فإذا شيخ قد سقط حاجباه على عينيه. فلما أحس بي نفر وقال: إنسي أنت؟ قلت: إنسي. قال: إليك عني، فمنك فررت.
عابد آخر
يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا أسير على جبل لبنان في جوف الليل إذا أنا بعريش من ورق البلوط، وإذا شاب قد أخرج رأسه من العريش بوجه أحسن من القمر. فقال: شهد لك قلبي في النوازل بمعرفة درجة الفضل لك، وكيف لا يشهد لك قلبي بذلك ولا يحسن بقلبي أن يألف غيرك؟ هيهات لقد خاب لديك المقصرون عنك. ثم أدخل رأسه في عريشه وفاتني كلامه، فلم أزل واقفاً إلى أن طلع الفجر ثم أخرج رأسه فنظر إلى القمر فقال: إلهي أشرقت بنورك السموات، وأنارت بنورك الظلمات، وحجبت جلالك عن العيون فوصلت به معارف القلوب، ثم قال: بالتجائي إليك في حزني انظر إلي نظرة من ناديته فأجاب، فوثبت إليه فسلمت عليه فرد علي السلام. فقلت: رحمك الله أسألك عن مسألة؟ قال: لا. قلت: ولم ذاك؟ قال: ما خرج روعك من قلبي. قلت: حبيبي وما الذي أفزعك مني؟ قال: بطالتك في يوم شغلك، وتركك الزاد ليوم معادك، ووقوفك على الظنون يا ذا النون. فوقعت مغشياً علي. فما أفقت إلا بحر الشمس. ثم رفعت رأسي فلم أره ولا العريش. فقمت فسرت وفي منه حسرة.
عابد آخر
عن أبي الحارث الأولاسي قال: بلغني أن بجبل لبنان رجلاً تطوى له الأرض من يومه إلى بيت المقدس، ووصف لي مكانه فصرت إليه فإذا هو رجل قد ألبس سلامة. فسألته من أين المطعم؟ فدعا بظبية كانت قريباً منه في الجبل فجاء بها إلى صخرة فيها نقرة فحلبها وسقاني من اللبن.
ومن عقلاء المجانين بجبل لبنان
شيبان المصاب
محمد بن أحمد بن سلمة قال: حدثني سالم قال: بينا أنا سائر مع ذي النون في جبل لبنان إذا قال لي: مكانك يا سالم حتى أعود إليك. فغاب عني في الجبل ثلاثة أيام وأنا أنتظره، إذا هاجت علي النفس أطعمتها من نبات الأرض وسقيتها من ماء الغدران، فلما كان بعد الثالث رجع إلي متغير اللون ذاهب العقل، فقلت له بعد أن رجعت إليه نفسه: يا أبا الفيض أسبع عارضك؟ فقال: لا. دعني من تخويف البشرية، إني دخلت كهفاً من كهوف هذا الجبل فرأيت رجلاً أبيض الرأس واللحية أشعث أغبر نحيفاً نحيلاً كأنما أخرج من قبره، ذا منظر مهول وهو يصلي، فسلمت عليه بعد ما سلم. فرد علي السلام وقام إلى الصلاة فما زال راكعاً وساجداً حتى صلى العصر واستند إلى حجر حذاء المحراب يسبح، لا يكلمني. فبدأته بالكلام فقلت له: رحمك الله توصيني بشيء، ادع الله عز وجل لي بدعوة؟ فقال: يا بني آنسك الله تعالى بقربه. ثم سكت. فقلت: زدني. فقال: يا بني من آنسه الله بقربه أعطاه أربع خصال: عزاً من غير عشيرة، وعلماً من غير طلب، وغنى من غير مال، وأنساً من غير جماعة.
ثم شهق شهقة فلم يفق إلا بعد ثلاثة أيام حتى توهمت أنه ميت، فلما كان بعد ثلاثة أيام قام فتوضأ من عين ماء إلى جنب الكهف وقال لي: يا بني كم فاتني من الفرائض؟ صلاة أو صلاتان أو ثلاث؟ قلت: قد فاتتك صلاة ثلاثة أيام بلياليهن فقال:
إن ذكر الحبيب هيج شوقي ... ثم حب الحبيب أذهب عقلي
وقد استوحشت من ملاقاة المخلوقين، وقد أنست بذكر رب العالمين، انصرف عني بسلام. فقلت له: يرحمك الله وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة. وبكيت فقال: أحبب مولاك ولا ترد بحبه بدلاً، فالمحبون لله تعالى هم تيجان العباد وعلم الزهاد، وهم أصفياء الله وأحباؤه.

(2/7)


ثم صرخ صرخة فحركته فإذا هو قد فارق الدنيا. فما كان إلا هنية وإذا بجماعة من العباد منحدرين من الجبل حتى واروه تحت التراب. فسألت: ما اسم هذا الشيخ؟ قالوا: شيبان المصاب. قال سالم: فسألت أهل الشام عنه فقالوا: كان مجنوناً خرج من أذى الصبيان. قلت: تعرفون من كلامه شيئاً؟ قالوا: نعم، كلمة واحدة كان يغني بها إذا ضجر: إذا بك لم أجن يا حبيبي فبمن؟ قال سالم: فقلت عمي والله عليكم.
عباس المجنون
عن ابن المبارك قال: صعدت جبل لبنان فإذا برجل عليه جبة صوف مفتقة الأكمام، عليها مكتوب، لا تباع ولا تشترى، قد ائتزر بمئزر الخشوع، واتشح برداء القنوع. فلما رآني اختفى وراء شجرة. فناشدته بالله فظهر فقلت: إنكم معاشر العباد تصبرون على الوحدة، وتقاسون هذه القفار الموحشة، فضحك ووضع كمه على رأسه وأنشأ يقول:
يا حبيب القلوب من لي سواكا ... ارحم اليوم مذنباً قد أتاكا
أنت سؤلي ومنيتي وسروري ... قد أبى القلب أن يحب سواكا
ليس سؤلي من الجنان نعيم ... غير أني أريدها لأراكا
قال: ثم غاب عني فتعاهدت ذلك الموضع سنة لأقع عليه فلم أره. فلقيني غلام أبي سليمان الداراني فسألته عنه وأعطيته صفته فبكى وقال: واشوقاه إلى نظرة أخرى منه. فقلت: من هو؟ قال: ذاك عباس المجنون، يأكل في كل شهر أكلتين من ثمار الشجر ونبات الأرض، يتعبد منذ ستين سنة.
من عباد جبل الطور
عابد
سهل بن عيسى الجبلي قال: كنت عند إبراهيم بن شيبان فسألوه عن وصف العارف؟ فقال: كنت على جبل الطور مع شيخي أبي عبد الله المغربي ومعنا نحو من سبعين رجلاً، أقل أو أكثر. فأتانا ذات يوم شاب عليه أثر الخشوع فكنا إذا صلينا قام فصلى معنا، وإذا تجارينا العلم قعد يستمع إلينا فبينا نحن ذات يوم قعود تحت شجرة في مكان فيه عشب، وكانت أيام الربيع، فتكلم الشيخ علينا في علوم المعارف فرأيت الشاب يتنفس، فاحترق ما بين يديه من العشب. ثم غاب فلم أره بعد ذلك. فقال الشيخ: هذا هو العارف، وهذا وصفه.
من عباد جبال بيت المقدس
عابد:
محمد بن أحمد النيسابوري قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا في بعض جبال بيت المقدس سمعت صوتاً وهو يقول: ذهبت الآلام عن أبدان الخدام وولهت بالطاعة عن الشراب والطعام، وألفت أبدانهم طول القيام بين يدي الملك العلام. فتبعت الصوت فإذا شاب أمرد قد علا وجهه اصفرار يميل ميل الغصن إذا ميلته الريح، وعليه شملة قد اتزر بها، وأخرى قد اتشح بها. فلما رآني توارى عني بالشجر فقلت له: أيها العالم، الجفاء ليس من أخلاق المؤمنين. فكلمني وأوصني. فخر ساجداً وجعل يقول: هذا مقام من لاذ بك واستجار بمعرفتك، وألف محبتك فيا إله القلوب وما تحويه من جلال عظمتك احجبني عن القاطعين لي عنك. قال ذو النون: ثم غاب عني فلم أره.
ومن عابدات جبال بيت المقدس
عابدة
محمد المبارك الصوري قال: بينما أنا أجول في بعض جبال بيت المقدس إذا أنا بشخص منحدر من جبل، فإذا هي امرأة عليها مدرعة من صوف وخمار من صوف. فسلمت فردت فقالت: يا هذا من أين أقبلت؟ فقلت: رجل غريب. قالت: يا سبحان الله، وهل تجد مع سيدك وحشة الغربة وهو مؤنس الغرباء ومحدث الفقراء؟ فبكيت، فقالت: مم بكاؤك، ما أسرع ما وجدت طعم الدواء؟ فقلت: أو لا يبكي العليل إذا وجد طعم العافية؟ قالت: لا. قلت: لم؟ قالت: لأنه ما خدم القلب خادم هو أحب إليه من البكاء، ولا خدم البكاء خادم هو أحب إليه من الشهيق والزفير في البكاء. قلت: علميني رحمك الله فإني أراك حكيمة. فأنشأت تقول:
دنياك غرارة فذرها ... فإنها مركب جموح
دون بلوغ الجهول منها ... منيته، نفسه تطيح
لا تركب الشر واجتنبه ... فإنه فاحش قبيح
والخير فاقدم عليه ترشد ... فإنه واسع فسيح
فقلت: زيديني. فقالت: أحبب ربك شوقاً إلى لقائه، فإن له يوماً يتجلى فيه لأوليائه.
ومن عقلاء المجانين مجنونة في جبل من جبال بيت المقدس يقال لها زهراء الوالهة
زهراء الوالهة

(2/8)


محمد بن سلمة قال: سمعت ذا النون المصري يقول: بينا أنا في بعض أودية بيت المقدس إذ سمعت صوتاً يقول: يا ذا الأيادي التي لا تحصى، ويا ذا الجود والبقاء متع بصر قلبي من الجولان في بساتين جبروتك، واجعل همتي متصلة بجود لطفك يا لطيف، وأعذني من مسالك المتحيرين بجلال بهائك يا رؤوف، واجعلني لك في جميع الحالات خادماً وطالباً، وكن لي يا منور قلبي وغاية طلبي في الفضل صاحباً. قال ذا النون: فطلبت الصوت حتى ظهر لي، فإذا امرأة كأنها العود المحترق، وعليها درع من الصوف، وخمار من الشعر أسود قد أضناها الجهد وأفناها الكمد وذوبها الحب، وقتلها الوجد. فقلت لها: السلام عليك. فقالت: وعليك السلام يا ذا النون فقلت: لا إله إلا الله كيف عرفت اسمي ولم تريني؟ قالت: كشف عن سري الحبيب فرفع عن قلبي حجاب العمى فعرفني اسمك. فقلت: ارجعي إلى مناجاتك. فقالت: أسألك يا ذا البهاء أن تصرف عني شر ما أجد فقد استوحشت من الحياة. ثم خرت ميتة. فبقيت متحيراً متفكراً. فأقبلت عجوز كالوالهة فنظرت إليها ثم قالت: الحمد لله الذي كرمها. قلت: من هذه؟ فقالت: ألم تسمع بزهراء الوالهة؟ هذه ابنتي توهم الناس منذ عشرين سنة أنها مجنونة وإنما قتلها الشوق إلى ربها.
من عباد جبال المغرب
عابد
عن ذي الكفل أخي ذي النون قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا في جبال المغرب إذ وقعت على رجل عابد في رأس جبل، فسلمت عليه؛ فأطرق إلى الأرض ثم رفع رأسه وقال: عليكم السلام. قال ذو النون فقلت له: ما مقامك في هذا المكان؟ فقال: معي بضيعة قد هربت بها من الأسواق وقد جئت بها لأدفنها في هذا المكان. قلت: وما بضاعتك هذه؟ قال: عقد توحيدي وخالص ضمير مكنوني قلت: لو أنست بالناس. قال: منهم هربت، وقد قصدت إلى من قصده غيري من الراجين. فوجدوه مؤنساً. ثم رفع طرفه نحو السماء ثم قال: أنت أنت. قال ذو النون: فرفعت طرفي في موضع رفع طرفه ورددت طرفي فلم أره.
من عباد جبال الإسكندرية
عابد
جعفر بن النعمان الرازي قال: قال إبراهيم بن أدهم ذات يوم: يا أهل الشام تعجبون مني؟ وإنما العجب من الرجل الإسكندراني، فإني طلبته في جبال الإسكندرية حتى وقعت عليه بعد ثمانية أيام وهو يصلي كأنه مدهوش. ثم حانت منه التفاتة إلي فقال لي: من أنت؟ قلت: رجل أعرابي. قال: هل عندك حديث تحدثنا به؟ قال: فحدثته بخمسة أحرف فغشي عليه وأنا أنظر، ثم أفاق فقال: خذ أنت ها هنا حتى آخذ أنا ههنا. فطلبته بعد فلم أقدر عليه.
من عباد جبل المقطم
884 - يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون المصري يقول: وصف لي رجل في جبل المقطم فقصدته فرأيت رجلاً متعبداً، فمكثت معه أربعين يوماً لا أكلمه. ثم استخرت الله تعالى يوماً في كلامه، وسألت الله أن يوفقه لي، فقلت: أيها الشيخ فما النجاة؟ فقال: في التقوى والمراقبة. فقلت: زدني، فقال: فر من الخلق ولا تستأنس بهم. فقلت له: زدني. فقال: إن لهل عباداً نظروا إلى باطن الدنيا لما نظر الخلق إلى ظاهرها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم؟ إنهم قوم صافوه بالعقول ودققوا له الفطن فسقاهم كأساً من محبته فهم في عطشهم أروياء، وفي ربهم عطاش. قال: فقلت له: زدني. فقال: إنهم أقوياء في توكلهم.
من عباد جبل الأقرع
عابد
قال بشر بن الحارث: كنت ماراً في جبال الشام فأتيت على رجل يقال له الأقرع، فإذا أنا بشاب قد نحل جسمه ورق جلده، وعليه ثوب من صوف، فسلمت عليه فرد علي. فقلت في نفسي: أقول له عظني وأبلغ. فقال لي قبل أن أكلمه فأجاب عن سري: عظ نفسك بنفسك، وفك نفسك من حبسك، ولا تشتغل بموعظة غيرك من جنسك، واذكر الله في الخلوات يقك السيئات، وعليك بالجد والاجتهاد. ثم بكى وجعل يقول: شغلت النفوس بالقليل الفاني ونحبت الأبدان بالتسويف والأماني. ثم قال: يا بشر، وما رآني وما عرفني قبل ذلك، إن لله عباداً خالط قلوبهم الحزن، فأسهر ليلهم وأظمأ نهارهم، وأبكى عيونهم، كما وصفهم ربهم في كتابه " كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون " سورة الذاريات آية 17 و18.
ذكر المصطفين من عباد جبال الشام المجهولة الأسماء
حميد بن جابر، الأمير الشامي

(2/9)


إبراهيم بن بشار قال: كنت يوماً ماراً مع إبراهيم بن أدهم في صحراء إذ أتينا على قبر مسنم فترحم عليه وبكى، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن كلها، كان غرقاً في بحار الدنيا ثم أخرجه الله عز وجل منها فاستنقذه. لقد بلغني أنه سر ذات يوم بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره وفتنته. قال: ثم نام في مجلسه ذلك مع من يخصه من أهله. قال: فرأى رجلاً واقفاً على سريره وبيده كتاب فناوله ففتحه فإذا فيه كتاب بالذهب مكتوب: لا تؤثرن فانياً على باق، ولا تغترن بملكك وقدرتك وسلطانك وخدمك وعبيدك ولذاتك وشهواتك، فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أن بعده هلك وهو فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور، وهو يوم لو كان يوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله عز وجل فإن الله قال: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين " سورة آل عمران آية 133. قال: فانتبه فزعاً وقال: هذا تنبيه من الله عز وجل وموعظة. فخرج من ملكه لا يعلم به، وقصد هذا الجبل فتعبد فيه. فلما بلغتني قصته وحدثت بأمره قصدته فسألته فحدثني ببدو أمره وحدثته ببدو أمري، فما زلت أقصده حتى مات ودفن ههنا. فهذا قبره رحمه الله.
عابد آخر
بشر بن الحارث قال: استقبلني رجل في طريق الشام وعليه عباءة قد عقدها مستوفزاً كأنه وحشي. فقلت له: رحمك الله من أين جئت؟ قال لي: جئت من عنده. فقلت: وإلى أين تذهب؟ فقال: غليه فقلت له: ففيم النجاة رحمك الله؟ قال: في التقوى والمراقبة لمن أنت له مبتغ، قلت: فأوصني. قال: لا أراك تقبل. قلت: أرجو أن أقبل إن شاء الله. قال: فر منهم ولا تأنس بهم واستوحش من الدنيا فإنها تعرضك للعطب. ثم قال: من عرف الدنيا لم يطمئن إليها ومن أبصر ضررها أعد لها دواءها، ومن عرف الآخرة ألح في طلبها، ومن توهمها اشتاق إلى ما فيها فهان عليه العمل.
ثم قال: فكيف لو توهمت من يملكها ومن زخرفها ومن قال لها: فكانت وتزيني فتزينت؟ والتشوق إلى مالكها أولى بقلوب المشتاقين، وأطيب لعيش المستأنسين.
ثم قال: قد أنسوا بربهم فالأمر فيما بينهم سليم، صافوه بالعقول، ودققوا له الفطن، فسقاهم من كأس حبه شربة فظلوا في عطشهم أروياء، وفي ربهم عطاشاً.
ثم قال: يا هذا أتفهم ما أقول وإلا فلا تتبعني؟ قلت: بلى رحمك الله إني أفهم جميع ما قلت. قال: الحمد لله الذي فهمك. قال: ورأيت في وجهه السرور ثم قال: خذ إليك نعم هم الذين لا يملون كاساته من تحفه، فالحكمة إلى قلوبهم سائلة متواصلة، لأنهم الأكياس الذين لم تدنسهم المطامع ولم تقطعهم عن الله عز وجل القواطع، ليوث في تعززهم، أغنياء في توكلهم، أقوياء في تقلبهم، قد قطعتهم الخشية وولهتهم الغربة، نعيمهم اليقين، وروحهم السكون، ألين الخلق عريكة وأشده حياء، وأشرفه مطلباً. لا يركنون إلى الدنيا جزعاً. ولا يتطاولون ولا يتماوتون، فهم صفوة الله عز وجل من خلقه، وضائن من خالص عباده. ثم قال لي أن القلوب الحية من دون هذا لها مقنع. نفعنا الله وإياك بما علمنا وسلمنا وإياك بما علمنا، السلام عليك ورحمة الله. قال بشر: فطلبت إليه فأبى علي وقال: لست أنساك فلا تنسني. ثم مضى وتركني. قال بشر: فلقيت عيسى بن يونس فحدثته بقصته فقال لي: لقد أنس بك ذلك الرجل الصالح، إنه رجل من خيار الناس يأوي في الجبل وإنما يدخل إلى المدينة في كل جمعة لصلاة الجمعة ويبيع في ذلك اليوم حطباً يكفيه إلى الجمعة الأخرى، وعجباً له كيف كلمك؟ لقد حفظت عنه كلاماً حسناً.
عابد آخر

(2/10)


ابن مسروق قال: سمعت سرياً يقول: بينا نحن نسير في بلاد الشام ملنا عن الطريق ناحية جبل عليه عابد، فقال رجل من القوم: إنا قد ملنا عن الطريق، وها هنا عابد فميلوا بنا إليه نسأله، لعل الله عز وجل يوفقه يكلمنا. فملنا إليه فوجدناه يبكي. قال سري: فقلت له ما أبكى العابد؟ قال: ما لي لا أبكي؟ وقد توعرت الطرق وقل السالكون فيها، وهجرت الأعمال وقل الراغبون فيها، وقل الحق ودرس هذا الأمر فلا أراه إلا في لسان كل بطال ينطق بالحكمة، ويفارق الأعمال، قد افترش الرخصة وتمهد التأويل، واعتل بزلل العاصين ثم صاح صيحة وقال: كيف سكنت قلوبهم إلى روح الدنيا، وانقطعت عن روح ملكوت السماء؟ ثم جعل يقول: واغماه من فتنة العلماء، واكرباه من حيرة الأدلاء. وجال جولة ثم قال: أين الأبرار من العلماء؟ بل أين الأخيار من الزهاد؟ ثم بكى وقال: شغلهم والله ذكر طول الوقوف،وهم الجواب عن ذكر الجنة والنار والثواب. ثم قال: أنا أستغفر الله من شهوة الكلام. تنحوا عني. فخليناه يبكي وقد ملئنا منه غماً وهماً.
عابد آخر
محمد بن أحمد الشمشاطي قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا سائر بين جبال الشام إذا بشيخ على تلعة من الأرض قد تساقطت حاجباه على عينيه كبراً. فتقدمت إليه فسلمت عليه فرد علي السلام ثم جعل يقول: يا من دعاه المذنبون فوجدوه قريباً، ويا من قصده الزاهدون فوجدوه حبيباً، ويا من استأنس به المجتهدون فوجدوه مجيباً ثم أنشأ يقول:
وله خصائص مصطفون لحبه ... اختارهم في سالف الأزمان
اختارهم من قبل فطرة خلقه ... فهم ودائع حكمة وبيان
عابد آخر
أبو عثمان سعيد بن الحكم قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا أسير في بلاد الشام فإذا أنا بعابد قد خرج من بعض الكهوف فلما نظر إلي استتر بين تلك الأشجار. ثم قال: أعوذ بك سيدي ممن يشغلني عنك، يا حبيب التوابين، ومعين الصادقين، وغاية أمل المحبين، ثم صاح: واغماه من طول البكاء وطول الحزن واكرباه من طول المكث في الدنيا. ثم قال: سبحان من أذاق قلوب العارفين به حلاوة الانقطاع إليه، فلا شيء ألذ عندهم من ذكره والخلوة بمناجاته. ثم مضى وهو يقول: قدوس قدوس قدوس. فناديته: أيها العابد قف لي. فوقف وهو يقول: اقطع عن قلبي كل علاقة، واجعل شغله بك دون خلقك. فسلمت عليه ثم سألته أن يدعو الله لي فقال: خفف الله عليك مؤن نصب السير إليه، وأداك إلى رضاه حتى لا يكون بينك وبينه علاقة. ثم سعى بين يدي كالهارب من السبع.
ومن عابدات جبال الشام
عابدة
عبد الملك بن هاشم قال: سمعت ذا النون يقول: كنت سائراً في بعض جبال الشام فإذا أنا بكوخ فقصدته فإذا أنا بعجوز قد عميت من البكاء. فدنوت منها فسلمت وقلت: يا عجوز حدثيني ما الغنى؟ قالت: الزهد في الدنيا. قلت: فما الزهد في الدنيا؟ قالت ترك طلب المفقود حتى يفقد الموجود.
ذكر المصطفين من عباد جبال غير معروفة المكان
عابد في جبل
عن مسعر أن عابداً كان يتعبد في جبل، يؤتى بقوته كل يوم قرصين. قال سفيان: وقال غير مسعر: كان يأتيه طير أبيض. قال فأتاه ذات يوم بقوته فجاءه سائل فأعطاه أحد القرصين. ثم أتاه سائل آخر فكسر القرص الثاني نصفين فأعطاه النصف وبقي النصف لنفسه، ثم قال والله: ما هذا النصف بالذي يغني عن هذا شيئاً، ولا هذا النصف بالذي يكفيني، ولأن يشبع واحد خير من أن يجوع اثنان. فسلم القرص كله للسائل وبات طاوياً، فأتي في منامه فقيل له: سل. فقال: أسأل المغفرة. فقيل له: هذا شيء قد أعطيته فسل. قال أسأل أن يغاث الناس. قال: وكان عام جدب فأغيثوا.
عابد آخر على جبل

(2/11)