صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : موسوعة الخطب والدروس
جمعها ورتبها الشيخ علي بن نايف الشحود

والعلمانية أيضاً تلحق بهذا ، فهي اليوم تحتاج أن نشبهها - إذا صح التعبير - أنها طفقت تقصف عليها من الورق ، تستر عليها سوءاتها الباقية ؛ لأنها كل يوم تنزع أو ينزعوا منها ورقة أو لباس ،حتى انكشفت على حقيقتها أمام العامة والبسطاء والدهماء قبل المتعلمين والمثقفين ، فإنها أيضاً أرادت أن تقول للناس أن الدين له أن يحكم شؤون الزواج والطلاق وكذا، ولكن ليس له أن يحكم شؤون الاقتصاد والسياسة ، وسنأتي لهذا بأنظمة العصر ونحل بها المشكلات .
وكل الدول العلمانية بلا استثناء في العالم الثالث ، كلها تشكل خط انحدار في النواحي الاقتصادية ، وفي النواحي الأمنية ، وفي النواحي السياسية ، في جملة تتردّى من هاوية إلى هاوية، وكل ما يتصل بهذه السياسات يظهر في أمثلة كثيرة ، حتى إنها تناقض ذاتها كل مرة تستحدث نظاماً جديد ، وإذا ما جاءت حكومة كلما دخلت أمة لعنت أختها ، واتهمت التي قبلها بأنها لم تكن على نهج سوي ، وبأنهم كانوا مزيفين ، وبأنهم كانوا سارقين ، وبأنهم كانوا كذا .. حتى أظهر كل جيل بكذب الجيل الأول ، وهؤلاء أظهروا زيف هؤلاء ، وأولئك أظهروا زيف الآخرون ، وظهر الجميع كلهم كذبة خونة ، وكذلك كان أعظم شعارات العلمانية أنها توفر الحرية ، وأن السلطة الدينية - كما يصورون - فيها نوع من الكبت ، والقهر ، والتسلط . وما نرى في أغلب الدول التي تدَّعي مثل هذا إلا كل صور التجبر ووأد الحرِّيات .
ويكفي أن نضرب بعض الدول التي تدعي هذه الديموقراطيات ، والحكم العلماني وهي من أكبر الدول العربية ، لها إلى الآن نحو خمسة عشر سنة بقانون الطوارئ .. قانون الطوارئ الذي يعني في أسوء الأحوال المفروض أن لا يتجاوز أشهراً معدودات ما يزال يجدد ويجدد والديموقراطية تمارس تحت قانون الطوارئ الذي يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يشاء، أي الحاكم أو السلطة التي تتولى تنفيذ العقوبات ، وتتولى الاعتداء على الناس بكل الصور وشتّى المظاهر .
وأيضاً ظهرت في نواحي السياسات لهذه العلمانية ظهرت فيها الخيانات والتحالفات التي كانت لحساب أفراد ، وكانت ضد مصالح عموم الأمة ، فشاهد الحال نقول : بإيجاز في المعلم إن هذه كلها وغيرها اصبح الإنسان المسلم العادي البسيط لا يقتنع بها ولا يتفاعل معها، بل هو من أعمق أعماق قلبه يلعنها، لأنه ذاق من مرارتها فقراً ، وبؤساً ، وظلماً ، وعدواناً ، وجهلاً ، وتجهيلاً ما رأى في سنوات طوال ، إلا أنه يطحن ويدور كما يدور الحمار في الرحى ، ولا يخرج بنتيجة ولا بطائل .
فلذلك الآن كل هذه الشعارات لا تلفت الأنظار ، ولا تجلب الجماهير كما يقولون ، وهذا الذي يجمع الوقائع ويرى الشواهد ، ربما أيضاً تتضح في الصور المقابلة يرى الأمر لا يحتاج إلى ذكاء كبير ولا إلى استنباط دقيق وهو واضح جداً ويمكن حتى للإنسان أن يجرب تجربة فيسأل أي إنسان عامي عن مثل هذه الأمور بفطرته السليمة، المعلومات الكبيرة التي ظهرت تجعله يعرف حقائق مثل هذه الأمور هذا الجانب أو هذه الظاهرة الأولى .
الظاهرة الثانية : سقوط الشيوعية
ولماذا فصلت الشيوعية على وجه النصوص ؛ لأنها كانت كيان كبير وقوة عظمى وهي عاثت في الأرض فساداً وضمت إليها من ديار الإسلام في فكرها وكفرها أقطاراً عديدة ، هذه الشيوعية حينما سقطت أيضاً أعطت الأمة دروساً ومن أعظم هذه الدروس أن الشيوعية اجتمع فيها أعظم أسباب سقوط الدول وانهيارها ، وهما سببان : الأول الكفر والثاني الظلم ؛ فإن هذين إذا اجتمعا قطعاً وجزماً لا يبقي للمتشبث بهما أو المعتمد عليهما قائمة إن طال الزمان أو قصر ؛ لأنه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية : أن الدولة الكافرة إذا كانت عادلة تدوم أطول أحياناً من الدولة المؤمنة إذا كانت ظالمة ؛ لأن العدل أساس الملك والعدل يوفر أحياناًً الرضا عند الناس ، ويوفر الاطمئنان ، ويوفر شيء مما يقوى به الكيان ويستمر ويطول ، وعلى العكس من ذلك الظلم ، ثم الكفر والإيمان ، لا شك أنه له أثر ، إما إذا اجتمع الكفر والظلم فهي ظلمات بعضها فوق بعض .

(52/4)


فهؤلاء أعلنوا الحرب على الله سبحانه وتعالى ، وأنكروا وجوده ، و أنكروا الأديان ، ثم أيضاً كانوا صورة كاملة للظلم ، الذي ربما لم يرى الناس مثله إلا في هذه الشيوعية ، ثم كذلك ظهر من خلال ذلك أيضاً اليقين بتدبير الله سبحانه وتعالى وتدميره لأعدائه ؛ فإن أحداً لا يدعي أنه كان هو المخطط والمدبر ، وأنه هو الفاعل والمؤثر في سقوط هذه الشيوعية ، لا القوى الكبرى ولا المسلمين ولا غيرهم ، نعم هناك أسباب من هنا ومن هناك بشكل أو بآخر ، مثل الجهاد الأفغاني ، أو مثل الحصار الغربي ، والسياسات التي كانت تهدف إلى الزعزعة الداخلية ونحو ذلك ، لكن ما كان أحد لا من المحللين ولا من المراقبين يتوقع هذا السقوط ، وإنما كان هذا آية من آيات الله - سبحانه وتعالى - تدل على أن الله - جل وعلا - له حكمة بالغة ، وأن قدره يجري ، وأن نصره ينزل من حيث لا يحتسب الناس ، وتنفس الناس الصعداء ، ورأى المسلمون أن أموراً تجري بقدر الله وبإذن الله يكون فيها الخير ، وما يكون ذلك إلا بأمر الله - عز وجل - وربما أيضاً بناء أو فيه صلة أو به صلة بسلوك الناس واستقامتهم ، أو رجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى .
دروس مستفادة من سقوط الشيوعية
منها ظهور فطرية وأصالة هذا الدين العظيم ؛ فإنه رغم سنوات سبعين عجاف ، ورغم قهر وعسف .. لا يُتصور مع ذلك بقية تلك الأجيال المسلمة التي طحنتها الشيوعية ، والتي مُزقت وشُتت في شرق الأرض وغربها ، ومنع منها القرآن ، واللغة العربية ، والعلوم الشرعية ، والمدارس والمساجد ، وإذا بها الآن كأنها تبعث من جديد كأنها تخرج من تحت الأنقاض ، وإذا القلوب مملوءة بالإيمان ، وإذا الإسلام منشرحة به الصدور ، وإذا الألسن تنطق بالعربية الفصيحة ، وإذا القرآن محفوظ في الصدور يشكل ظاهرة عجيبة .. تبين أن هذا الدين بفطريته ، وبأنه إذا خالط شغاف القلب لا يمكن أن تنزعه قوة مهما بلغت في هذه الأرض ، وهذا أعطى للناس أن هؤلاء على مدى سبعين سنة من الاضطهاد بقيت لهم هذه الأصول الإسلامية ، والروح الإيمانية ، فكيف بالآخرين ؟ اضطهاد ولسنوات عارضات أو في أجزاء محدودة من حياتهم .. أعطى هذا قوة لنفوس الأمة المسلمة أن تكون أكثر وأقوى تشبثاً بدينها وارتباطاً به ، وأنه في آخر الأمر ينتصر بإذن الله سبحانه وتعالى .
وأظهرت طبعاً من بعد ذلك ومن قبله كشوف الإجرام ضد الإسلام والمسلمين على وجه الخصوص ، وأيضاً كان درس المسلمون المنسيون عرج على ذلك في تاريخ ووقائع كثيرة ، هذا أيضاً عامل من العوامل التي لو تأمل الإنسان فيها ورآها من بشائر النصر والخير .
الظاهرة الثالثة : عوامل الضعف في المعسكر الغربي
أو الحضارة الغربية الآن بعد أن سقطت الشيوعية ، والمعسكر الشرقي كما يقولون ، ظهرت القوة العظمة الوحيدة المنفردة ، أو ظهر بما يسمى بنظام العالم الجديد، وبعض الناس ينفخ في هذا المسمَّى ؛ حتى يجعله يشمل الدنيا بل أكبر من هذه الدنيا ، وبعض الناس يصوِّر أن هذه القوة أصبحت تهيمن على كل شيء ، وتسيِّر كل شيء ، وتعرف كل شيء ، عياذاً بالله كأننا فقدنا الإيمان بالله سبحانه وتعالى ، كأنه ليس هناك رب يدير هذا الكون ، ويصرف أموره ، ويقصم ظهور الظالمين ، ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر .
وكأننا نسينا أيضاً أن الله - سبحانه وتعالى - له سنن في هذا الكون ، وأن الإيمان به من حقائق الإيمان البدهية ، فهذه الصورة التي يضخمها كثير من الناس ، وللأسف أيضاً الصحف والإذاعات تكرس هذا ، وتكرس أن هذا النظام هو الذي سيهيمن ، وأنه لا يمكن لقوة أن تقف أمامه ، وأنه لا بد للجميع أن يُخضعوا له الرقاب ، وأن يدخلوا في سلكه ، وأن ينضموا في إطاره ، وأن يدور في فلكه .
هذه التصورات في الحقيقة بمنطق الإيمان ليست صحيحة ؛ لأن الكفر ملة واحدة .. شيوعية .. نصرانية .. يهودية .. الكفر ملة واحدة .
ذكر الله - جل وعلا - من تكفير الملل والنحل ما هو أصرح من الصريح : { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } وقال تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } ، وذكر الله - جل وعلا - في القرآن آيات لا تحتاج إلى بيان ولا إلى شرح .

(52/5)


ثم أيضاً الأمر الذي ينبغي أن نلتفت إليه هو أن نعرف بواطن الأمور ، وحقائقها في داخلها ، وألا نتأثر بالتضخيم والتهويل ؛ فإن هذا التضخيم والتهويل قد مرّت له أمثلة في أزمة الخليج ، وفي غيرها ، الناس تنفعل بالدعايات وكذا ، وحتى في أيام حرب الأيام الستة - كما يقولون - كانت الإذاعات العربية تذيع :" سنضرب إسرائيل .. سنقذف فيها في البحر " ، وتبدأ في اليوم الأول : " أسقطنا عشرة .. عشرين .. مائة .. مائتين " ثم في منتصف الطريق وقف حمار الشيخ في العقبة كما يقولون ، هذه الدعايات ينبغي للإنسان المؤمن أن يعلم أن الله أعطاه ميزاناً في كتاب الله ، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وذكر وبيَّن له سنن في مجريات هذه الأحداث ، ينبغي أن لا يغفل عنها ، وأنه يمكن أن يلبس عليه بغيرها ، فهناك هذه القوة في الحضارة الغربية لا شك أن فيها قوة ، وأن من يقول بغير ذلك فهو إما مكابر أو جاهل ، لكن لا بد أيضاً أن نعطي الأمر قدره وميزانه .
فإن هناك أيضاً صور من الضعف لا تستطيع دائماً أن تحكم أو أن تتصور متى سيؤدي هذا الضعف ، إلى الأثر المحتوم والسريع والمتسارع ، كما أشرنا في الدول الشيوعية منذ زمن والناس يعرفون أن الشعوب متذمرة من الشيوعية ، وأنها ترى أنها مقهورة وكذا ، ولكن ما كان أحد يتصور تتابع الأحداث وأنها ستأتي وكأننا في أحلام !! سقطت اليوم ألمانيا الشرقية ، وانهدم السور ، وبعد ذلك حدث ما حدث ، كأن الإنسان يقص القصة من الخيال ، وليس الأمر ببعيد أن يكون أوان تكون صورة قريبة من هذه الصور في الحضارة الغربية ؛ لأن فيها - كما يقولون - مسامير مدقوقة أو مضروبة في نعشها .
صور الضعف والانهزام في المعسكر الغربي
1 ـ الكفر بالله ، والإعراض عن دين الله ، ومحاداة الله ، والاعتداء على عباد الله المؤمنين .. هذه في حد ذاتها عند الإنسان المؤمن كافية أن تكون الدائرة ، طبعاً ليس معنى ذلك أن ينام المسلمون ، ويأكلون ، ويشربون ، ويقولون : ننتظر أن يقصف الله ، وأن يقصم الله ظهور الظالمين ، ولكن لوجود الأسباب الأخرى ، ويقين المؤمن أن هذا الأمر إلى زوال ، وأن المكر والكيد إلى إحباط بإذن الله سبحانه وتعالى .
وكذلك هناك أيضاً المشكلات الاقتصادية العويصة التي تواجه هذه الدول ، وقد يعني هناك تقارير وتفصيلات عند الاقتصاديين والخبراء ليس من تخصصنا ، ولا من مجالنا ، لكن بعض الناس يقول إن أمريكا هي صاحبة الأموال ، ودول الغرب هي صاحبة كذا ، هم يعانون من مشكلات اقتصادية ضخمة جداً ، وأعداد البطالة تتزايد عندهم بشكل رهيب ، وتبلغ بالملايين ليست فقط بالآلاف ، ولا بعشرات الآلاف ، بل بملايين ، تضخم الاقتصاد بعد عام 73 م كان نحو أربعة أضعاف ، وفي بداية الثمانينات وبعد بداية حرب الخليج بين العراق وإيران زاد التضخم إلى ستة أضعاف ، وما يزال الناس يعرفون من الناحية الاقتصادية أن هذا التضخم يشكل عبئاً كبير على الدول الغربية أو الدول الحضارة الغربية .
والحقيقة أن هذا العامل هو من أبرز العوامل التي تتحكم في سياساتهم وانتخاباتهم ، الآن الانتخابات الأمريكية محورها الأساسي على الناحية الاقتصادية ، والإنعاش الاقتصادي في داخل أمريكا ، وهو الذي يذكر انه سيكون المرشِّح والمرجِّح لفريق على فريق ، أو لشخص على شخص .
2 ـ الانحلال الأخلاقي الرهيب
والعجيب الذي من إحصائيات تقشعر لها الأبدان ، ولا تظن أن هذا الأمور عارضة ، أو أن هذه الأمور بسيطة لا تؤثر في الدول ولا في الحضارات ، كلا ! فإن النبي - عليه الصلاة والسلام - قد أخبر عن من يتنكبون أمر الله - عز وجل - أنه يصيبهم الأوجاع والأدواء التي لم تكن فيمن قبلهم ، الآن يحصد الإيدز مئات ، بل الأعداد بالآلاف ،بل بعشرات الألاف حصداً أو موتاً ، بالإضافة إلى المرض والإنهاك والإضعاف .
إضافة إلى الملايين بل الآن إلى بلايين الدولارات ، التي تصرف في الأبحاث ، والدراسات ، والإعلانات ، والدعايات ، وهذا كله نوع من الاستنزاف ، لا تظن هذه الأمور سهلة ، هذه الأمور تستنزف وتنخر في المجتمع ، وتحتاج إلى وقت من الزمن حتى تفعل فعلها .. الإحصاءات في الجريمة الناتجة عن هذا الانحلال الأخلاقي عجيبة جداً ، الإحصاءات تقول : " أن في أمريكا في كل دقيقة تحصل ثلاث جرائم : جريمة اغتصاب ، وجريمة سرقة ، وجريمة قتل " فتصور هذا المجتمع بهذه البشاعة وبهذه الصورة ! .
لا شك أن هذه المؤشرات لا ليست هذا من قولنا بل من قول عقلائهم ، ليس هذا أيضاً في هذه العصور ، بل في عصورٍ منذ سنوات ، يعني ليست بقريبة منذ أكثر من عشرات السنوات ، وزعمائهم وحكمائهم يؤكدوا ويشيروا إلى خطورة هذه الأمور .

(52/6)


هذه سنن جارية في هذا الكون .. هناك كاتب غربي اسمه : " ولسن " ، له كتابان يصوِّران هذه الحقيقة تصويراً كاملاً .. كتاب اسمه : "سقوط الحضارة" والآخر اسمه : "رحلة نحو البداية" ..كلها تصوِّر المجتمع الغربي والمؤثرات التي تنخر فيه ويحذر من هذه الظواهر ، طبعاً هناك الجوانب جوانب أخرى .
3 ـ الضعف في الجانب النفسي والفراغ الروحي
وهو يكتسح في جانبين اثنين : الجانب الأول يكتسح في جوانب من الانتحار ، وجوانب من خواء الروح والجنون والصداع والصور العجيبة التي يظهرون بها ، والجانب الثاني : أن هذا الفراغ أحياناً أصبح مؤهلاً أن يغزوا الإسلام تلك القلوب ، وأن يجدها فارغة ويتمكن منها ، وهذا حاصل وظاهر أيضاً في الظواهر التي سنشير إلى بعض ٍمنها ، فهذه الصور التي بإيجاز ذكرت بعض جوانبها في سنة الله - عز وجل - وفي ميزان الإنسان المسلم ، تدل على أن هذا ضعفٌ مؤذنٌ - أيضاً - بمزيد يتوالى من الضعف ، وبقوة من المسلمين ، وبحول من الله ستكون دائرة يظهر فيها هذا الدين ، ويظهر أهله بإذن الله سبحانه وتعالى .
الظاهرة الرابعة : ظهور العداء للإسلام والمسلمين بشكل واضح ومحدد ومخصص
فكل ما يعلن من أمور في ظاهرها رحمة أو فيها خير سواء إن كانت مطالبة بعدالة ، أو كانت المطالبة بديموقراطية ، أو كانت مطالبة بحقوق الإنسان ، أو كانت المطالبة بالإغاثة والإعانة ، كل هذا كله فيما يتعلق بالمسلمين ، ينقلب رأساً على عقب ويتغير تغيراً واضح .
ونرى أن الموازين في هذا جائرة ، وهذا كله أعطى صورة واضحة أن المسلمين مستهدفون ، وأنهم من بين كل الناس شر وغرب مميزون .. يعني لو كان المسلم بين آلاف هو المخصوص بكل ظلم وكل اعتداء وكل مؤامرة ، فهذا أيضاً يدل على استماتة ، وهذا ليس علامة قوة ، بل علامة ضعف ؛ لأن الخوف من الإسلام والمسلمين يدل على أن الرعب قد ملأ قلوبهم ، وعلى أن عقولهم هاجسها الأول والأخير هو هذا الإسلام ، الذي بدأت تعلو رايته وتُسمع كلماته ، وتبدو بعض جولاته التي يُحقَّق فيها النصر .
وأيضاً قد مرّ في درس " القراءة في دفاتر المذعورين " كيف كانت الصيحات والمؤتمرات في دول الغرب ، وفي دول الشرق كلها تعكف على درء خطر المسلمين ، رغم أن المسلمين حتى الآن ليس عندهم لا قوة عسكرية ولا حرية .. ليس عندهم غير بعض من بصيص الأمل مما ظهر من خيرات هذه الصحوة الإسلامية ، ومع ذلك بهذا القدر القليل ، وبالحجارة البسيطة ، وبالأسلحة النادرة ، وبالكلمات القليلة ، وإذا برعب يزلزل القلوب ، وإذا بالأرض تميل تحت الأقدام ، وإذا بهم يصبون كل القوة في مواجهة الإسلام .
هذا دليل على الاستماتة مثل الإنسان في آخر رمق حياته ، أو في حينما يكون يخشى من شيء يجعل كل قوته ، وماله ، وفكره ، وعقله في مواجهته ، فإذا خسر خسر مرة واحدة ، وهذا هو الذي يرجى ويؤمل بإذن الله سبحانه وتعالى .
ظواهر الصعود
ظواهر الصعود هي الظواهر الإيجابية في المجتمع المسلم ، وفي ديار الإسلام ، وهي كثيرة
، لكن اخترت منها ما أرى أنه كبير الحجم وظاهر وبشكل بارز .
الظاهرة الأولى : ظهور الإسلام كخيار للأمة وموجه للفرد
وهذا أصبح أمراً بيناً أذكر له أمثلة ، هي من أسباب ما حصل من رغبة وخوف من هذا الإسلام ، حينما نرى أن الآلاف المؤلفة و الشعوب والجماهير ، تقول بقولها ، وبفعلها ، وبموقفها ، وبثباتها ضد أعدائها أنها تريد هذا الإسلام ، أضرب لذلك أمثلة تعتبر من أمثلة الاستفتاء الناطقة ، التي لا تحتاج لا إلى إعلانات ، ولا إلى دعايات ؛ لأنها بنفسها تفرض نفسها .
لما كانت قبل بضع سنوات يمكن نحو سنتين ونصف أو أكثر في الجزائر ، قامت مظاهره نسائية من نحو ثلاث مائة امرأة يطالبن ببعض الحرية في البغاء ، وممارسة الفاحشة ونحو ذلك .. قامت في مقابلها مظاهرة نسائية إسلامية تلتزم الحجاب ، وترفع رايات الآيات القرآنية التي تأمر النساء بالحجاب ، وتذكر آداب المرأة في المجتمع المسلم ، وإذا العدد الذي كان هناك ثلاث مائة يكون في المقابل نحو سبعمائة ألف امرأة محجبة ، وترفع هذه الآيات القرآنية ، وتقول بشكل واضح وصارخ يذهل العقول : " إن هذا هو خيار الأمة " .. إنها تريد أن تلتزم بدينها ، وأن تطبق شرع ربها ، وأنها لا تقبل عن ذلك بديلاً ، و لا تجعل له مثيلاً .

(52/7)


والأمثلة في ذلك أيضاً كثيرة ، وكان المسلمون في اليمن أيضاً أكدوا ذلك في مسيرة أُطلق عليه اسم : " المسيرة المليونية " أيضا تُرفع شعارات ، وتطلب تطبيق الشريعة الإسلامية ، ولو سِرت في بلاد الإسلام الآن ، من استطاع أن يقول كلمته ؛ فإنه يقول : "هو الإسلام وليس شيء غير الإسلام " ، من لم يقلها إيماناً وعقيدةً ؛ فإنه يقولها تجربة ، يقول : "جربنا كل شيء .. جربنا العلمانية ، وجربنا القومية وجربنا كذا على أقل التقدير ـ وان كان هذا ليس منهجاً إيمانياً ـ فلنجرب الإسلام وما يقوله هؤلاء المسلمون " يعني إذا استطعنا أن نتحمل عشرات السنين في تجارب ، وكأننا يعني مثل حيوانات التجارب ، كل مرة تجربة تنجح أو تفشل ، فليكن على أقل التقدير أن يكون الإسلام تجربة من هذه التجارب .
رغم أن الإسلام منزل من عند الله - سبحانه وتعالى - فهو محكم كامل في كل جوانبه . لكن من لم يقل ذلك اعتقاداً ويقيناً ؛ فإنه يقول تجربة أو يسأم من كل شيء ، قد ظهر له عواره وجربه ، ومارسه ، فيريد أن يرى صورة أخرى ، ومثال آخر وتجربة جديدة ، والذي يتأمل يجد هذه الظاهرة قوية في كثير من البلاد ، حتى في البلاد التي جاءت أو ظهرت حديثاً في دول آسيا الوسطى ، التي ظهرت في أعقاب سقوط الإتحاد السوفيتي .. الذي يتأمل يجد أنهم لا يريدون المحافظة على الإسلام فقط وأنهم يريدون المساجد ، ولكن هم يقولون : نريد تطبيق الشريعة الإسلامية ، ونريد قيام الدولة الإسلامية ، ونريد أن يكون الإسلام مهيمن على الاقتصاد ، والسياسة ، والاجتماع ، وكل جوانب الحياة ، فأصبح هذا مطلب كثير من البرلمانات في الدولة الإسلامية والعربية .
كل القضايا التي تناقش وتطرح ، ويطالب بها هي : تطبيق الشريعة الإسلامية ، فالإسلام هو خيار الأمة اليوم بلا منازع ، والذي يقول بغير ذلك هو مكابر .
وأيضاً انتخابات الجزائر الأخيرة ، والنسبة العالية رغم الدعايات المحاربة ، ورغم كل شيء كانت أيضاً تدل على أن الشعوب المؤمنة تريد أن ترجع إلى ربها ، وأن تحكم شرع ربها ، فالإسلام خيار الأمة ، وكذلك هو هوية الفرد ، يعني ليست القضية مطالبة عامة ، الآن ترى في المجتمع المسلم ظواهر مهمة جداً ، والذي يتأمل ويحلل يرى أنها تشكل ظاهرة إيجابية كبيرة جداً ، وهي أن الناس يأتون اليوم لا يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى إلا وهم يفكرون ما هو حكم الإسلام في هذا .
ليس في القضايا العامة فحسب بل في القضايا الخاصة أيضاً ؛ لأنه يأتي من يسأل ويقول : " لي جار لا يصلي في المسجد ، أو كذا ، أو يقول مثل كذا ، أو يفعل بعض الأمور ، هل أكون على صلة به أم أقاطعه ؟ هل يحل لي أن آكله أو أشاربه ؟ " هذا يدل على أن سيطرة الإيمان والإسلام أصبحت بدرجة جيدة مرضية طيبة ، حتى أنها تريد - وهذا الأمر مطلوب - أن تحكم كل صغيرة وكبيرة في حياة الفرد المسلم .
ويأتي هذا حيال المساهمة في البنوك ، والآخر يقول : "لو أعطيت اسمي للإنسان يريد أن يساهم في البنك " .. وأمور دقيقة جداً تدل على أن الناس والمسلمين اليوم كثيرون منهم أصبحوا يريدون حكم الإسلام في كل دقيقة وكبيرة من الأمور الشخصية ، في بيته ، وفي أهله ، وفي علاقاته ، وفي عمله ، وكم من الناس حينما يرون إمرأة في العمل يتركونه ، وآخرون يرون إمرأة في المهنة فيتركونها وكذا وكذا ، وهذا يدل أن تغلغل هذا الروح ، هو الذي يؤذن بالصد عن كل شيء غير دين الله عز وجل ، فلتأتي كل المذاهب ، وكل الأحكام ، وكل الشرائع ، إذا كانت النفوس لا ترضاها ، والقلوب تريد أن لا تقدِّم ولا تؤخِّر إلا بأمر الله سبحانه وتعالى فتسقط ، ولن يكون لها أي شيء ، ولا أي قبول ، وهذا معلم بارز من المعالم المهمة .
الظاهرة الثانية : ظهور الأمثلة الحية لتطبيق الإسلام في مجالات الحياة المختلفة
أعني بذلك أن المسلمين ، والدعاة ، والعلماء يقولون : " الإسلام يحل جميع المشكلات ، له نظام اقتصادي كامل ، ونظام إسلامي شامل ، ونظام اجتماعي نافع ، وكذا هذا كلام، الآونة الأخيرة جسدت هذا في صور عملية ، وهذا لا شك أنه من أقوى الأسباب التي تحرك الأمة نحو ارتباطها بدينها ، وترسخ قناعتها بهذه النظريات المطروحة .
فإننا نجد اليوم - والحمد لله - تجارب البنوك الإسلامية ، والاقتصاد الإسلامي ، والمصارف الإسلامية جيدة ، طبعاً ذكر الإيجابيات لا يعني أنه ليس هناك سلبيات ولا أخطاء ، على العكس من ذلك ، هناك أخطاء ، ليس هناك كمال مطلق ، خاصة وأن الأمور بعضها في أوائلها ، لكن خيرها غلب شرها ، وما تزال تتحسن عافيتها ، وتتصوب مسيرتها بشكل أو بآخر ، فهذه الآن أصبحت تشكل ليس فقط جانباً بديلاً بل جانباً أصيلاً .

(52/8)


يعني في الأول الناس كانوا يقولون : " نريد البديل الإسلامي عن شيء معين شيء بديل على أقل يسد الثغرة " .. أصبح هذا البديل يشمخ ويكبر ، حتى أصبح أصيلاً ، بل أصبح منافساً ، فالبنوك الإسلامية تعطي نسبة من الأرباح أكبر حالياً من البنوك الربوية ، وهذا واقع عملي محسوس ، إضافة إلى أنها تنأى بالمسلم عن الحرام ، فهي كذلك تقدم له المنفعة الدنيوية ، والناس تريد أن تعرف أن هذا الإسلام يحقق لها منافع الدنيا .
الله - سبحانه وتعالى - جعل هذا الدين والإيمان والإسلام يحقق خير الدنيا والآخر ، قال تعالى : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } ، وقال تعالى : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً } .
هذا الدين إذا طبق في واقع الحياة كما كان في عهد عمر بن عبد العزيز لما طبق تطبيقاً اقتصادياً كاملاً عمّ الخير الأمة كلها ، حتى لم يبقى فقير .. حتى لم يجدوا من يعطونه الزكاة .. حتى أعطيت الزكاة لمن يريد أن يتزوج ، فإذا انتهى المتزوجون أعطيت الزكاة لمن يقود العميان ، ثم لم يجدوا من يعطونه الزكاة . هذا التطبيق الكامل الشامل حينما بدت الآن ظواهره ـ ولله الحمد ـ تبرز تعطي اليقين والقوة في هذا الجانب .
الناحية الاجتماعية أيضاً ظاهرة بشكل جيد ، الناحية التعليمية وقيام مؤسسات تعليم إسلامي سواء كان في مراحل التعليم الأولى أو مراحل التعليم الجامعي ؛ فإن هذه المناهج التي كانت يدّعي بعض الناس والعلمانيين أنه لا يمكن أن يكون هناك تعليم ديني ، وأنه جعل الدين في جانب وكذا ، أصبحت المطالبة أن يكون التعليم إسلامياً مرتبطاً بالدين ، غير خارجٍ عنه ولا محاربٍ له ، يعني مطالبة قوية ، بل تجد كل ما جاء كتاب مقرر وفيه مخالفة شرعية ، وإن كان هو في تخصص غير مباشر في الأحكام الشرعية ، تجد هناك من يقف له ، ومن يطالب بتغييره ، ومن يفضح عواره .
وكل المناهج التي تتغير بصورة أو بأخرى ، وفيها انحرافات فيما يتصل بالناحية الإسلامية ، تجد أنها غير مقبولة بل مرفوضة ، بل إن الناس الآن يذهبوا أبناءهم إلى التعليم في المدارس التي قد يكون فيها مناهج فاسدة ، ثم يعلمون أبناءهم في بيوتهم أو في المساجد ، و في معاهد إسلامية ، أو في تعليم آخر يربطهم بالله سبحانه وتعالى .
وكذا التجارب السياسية التي خاضها أو خاضتها أجيال الصحوة ، وقيادات الصحوة في ديار الإسلام المختلفة ، أيضاً أثبتت نجاحاً كبيراً ، وأظهرت صورة - لا نقول أيضاً بأنها كلها إيجابية - لكنها كانت أكثر إيجابية من غيرها ، وكانت أكثر مصداقية من غيرها .
الظاهرة الثالثة : ظهور الأعمال الإسلامية الإغاثية
والتي تجسد وحدة الأمة والتي تكون سبباً من أسباب تثبيت المسلمين والمؤمنين ، من خلال نصرتهم ، ومن خلال الدفاع عنهم .
قبل سنوات قليلة لم يكن مثل هذا الأمر موجوداً .. هذه الهيئات التي قامت في كثير من بلاد الإسلام ، وأصبحت تؤكد عملياً وحدة الأمة المسلمة، وأنه إذا أصيب المسلم في مشارق الأرض ينبغي أن يتنادى المسلمون في مغارب الأرض من نجدته ونصرته عملياً ، وأصبح المسلمون يزور بعضهم بعضاً ، وتقوم هذه الهيئات بعمل التقارير ، والزيارة ، وإنشاء المدارس ، وإنشاء الملاجئ ، وبتقديم المعونات .
هذه الصورة أيضاً قوية في تأثيرها بالنسبة للمسلمين ، والذي يسافر أو يشارك في بعض هذا العمل ، يرى هذا الأثر حينما تذهب إلى بلد نائي من بلاد الإسلام ، أو إلى أقلية من أقليات الإسلام من المسلمين في بعض الديار ، ويرون أنك تأتيهم لتعلمهم أو لتعطيهم بعض الصدقات ، أو بعض المساعدات ، كم يكون أثر هذا عظيماً في تثبيت الإيمان ، وفي تلاحم وترابط بين أمة الإسلام والمسلمين .
لو أنا تصورنا أن ظهور الدولة الإسلامية التي جاءت بعد الإتحاد السوفيتي كان قبل عشر سنوات ، هل كانت ستجد هذا التعاطف والاهتمام ، رغم أنه ضعيف وغير مقبول ، ومطلوب أكثر من ذلك ، لكن لو كانت في فترة خلت قبل ذلك لظلت في طي النسيان .. لن يكون هناك فرق بين كونها في الإتحاد السوفيتي ولا في غير الإتحاد السوفيتي ،لم يسمع لها أحداً ذكراً ، أو لم يأبه أحد ولم يمد لها احدٌ يداً ، أما اليوم هذه تجسد الوحدة ، وتجسد النصرة ، وتعمل صورة عملية للدعاة ، ولتثبت الإيمان ، ولمحاربة التنصير والتبشير .

(52/9)


أضرب لذلك أمثلة ، والأمثلة كثيرة ليست الأمثلة لما أذكره للتقليل ، وليس للحصر ، والهيئات الكثير مثل الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في الكويت ، أو هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية هنا في المملكة ، أو غيرها ، كلها أصبحت الآن كأنها الذي يزور هذه الهيئات ، كأنه يدخل في مبناها إلى العالم الإسلامي ، هنا أفريقيا ، وهنا آسيا ، وهنا بلغاريا ، وهنا أمريكا ، وهنا كذا .. كل البلاد كأنها الآن تمثل هذا الديار الإسلام في مكان واحد ، وكل عضو في هذا المكان كأنه يمثل شعبة أو قطعة من هذه البلد ، يعرفها ويعرف أهلها ، ويعرف احتياجاتها ويزورها ويعيش فيها ويعيش مأساتها هذه الصورة يعني عظيمة جداً .
أضرب لذلك مثلاً واحداً للتأثير الدعوي والإيماني : " لجنة مسلمي أفريقيا في الكويت " هذه لجنة واحدة تخصصت في العمل الإسلامي في أفريقيا ، وأفريقيا نحن نعلم أنها من أكبر القارات التي صب التنصير والتبشير فيها جهوده ، وهذه جمعية واحدة وإمكانياتها مقارنة بتلك الإمكانيات الرهيبة التي كما أشرنا مرة في إحصائية تعتبر ضئيلة أمامها .. وأعيد فقط الأرقام من الأرقام هذه الإحصائية أن أجهزة الكمبيوتر فقط العاملة في أجهزة البشر أربعة مليون ونصف مليون جهاز كمبيوتر يعمل في هذه المؤسسات .
فإذا كان هذه أعداد الأجهزة ، فكيف أعداد البشر ، وأعداد الإدارات ، وما يلحق بذلك ، أقول : هذه اللجنة أقضت مضاجعهم ، وساروا يخشون منها ، ويرفعون التقارير فيها مرة بعد أخرى .. أدركونا.. أغيثونا .. وهي اللجنة واحدة ، وهم عندهم لجان كثيرة .
وهذه الهيئات واللجان بدأت تأخذ أعمال إيجابية ، وأعمال حديثة وتقنية ، ليس هكذا .. أخذت إذاعة تبث على ستة عشر دولة أفريقية ، وكان من وراء ذلك خيرٌ كبير ، وما يزال هذا الأثر يصد من هذا التبشير ، ويفتح آفاقاً في تثبيت الإسلام في تلك الديار ، وفي قلوب أهلها ، وهذه إيجابيات كبيرة ، وأؤكد مرة أخرى أن السلبيات موجودة ، ولكن الخير أكثر ، ومن يعمل هو الذي يخطئ ، أما الذي يقعد وينام هذا لم يخطئ ؛ لأنه لم يعمل عمل حتى يخطئ . هذا الإيجابية كما أشرت تجسد الوحدة وتثبت الإسلام في كثير من المواقع والديار .
الظاهرة الرابعة : النهضة العلمية الشرعية
الذي يلاحظ الساحة الإسلامية وأجيال الصحوة الإسلامي في كثير من الديار يرى أنها الآن
في عودٍ حميدٍ إلى مصادر هذا الدين ..كتاب الله سبحانه وتعالى وتفاسيره .. سنة المصطفى - صلى الله علي وسلم – وشروحها .. كتب الأئمة والعلماء ، والكتب التي كانوا يسمونها بالكتب الصفراء ، والتي كانوا يريدون أن تزين بها المكتبات ، أو أن تسعر أو أن توقد بها النيران .. أصبحت الآن هي التي تطبع ، وتحقق ، وتنشر ، وتدرس ، ويقرأ فيها حتى يرى حتى أمثلة جيدة جداً ، وتلفت النظر ، حتى المكفوفين الآن غير محرومين من هذا ، بل الرغبات والاندفاع ، وهذا الاهتمام أصبحت تسجل هذه الكتب تسجيلاً كاملاً على أشرطة ، ويسمعها هؤلاء ، إضافة إلى انتشار الأشرطة والتسجيلات والمحاضرات والدروس .. لا تظن هذا في هذه البلاد وإن كان في هذا البلاد ربما أفضل وأكثر صورة واضحة في هذا الأمر انتشاراً ، وكثرةً ، وأصالةً ، وخيراً .. لكن في كل البلاد وقد لقيت وقابلت بعض ونماذج من بلاد أخرى مختلفة ، تجد العناية بالعلم ، والأصالة الإسلامية ، والارتباط بالكتاب والسنة ما يثلج الصدر .
وتجد أن البلاد عاشت في التغريب سنوات عجاف ، ودرست لغة غير لغة العربية ، وتأدبت بآداب غير آدابها ، وإذا بك ترى شبابها الذين عاشوا في هذه الأجيال ، وإذا بهم يحدثونك عن الإمام أحمد بن حنبل ، وأقوال البخاري وروايات مسلم ، وفي المسألة قولان ، ونحو ذلك من الأمور مما تعجب منه ، وكأن هؤلاء نبتة غريبة .. نبات في غير أرضه يعني في غير البيئة التي كانت حوله ، وهذه ظاهرة الذي يحللها يجد أنها ظاهرة كبيرة جداً .
حتى الكتب الآن أيضاً تترجم إلى اللغات التي ينطق بها المسلمون غير الناطقين بالعربية ، وإذا بها أيضاً تطبع بالآلاف ومئات الآلاف ، ورغم أن هذا أيضاً كما ذكرت ، وأشير وأكرر ليس بالعدد المطلوب ، لكن هو شكَّل نهضة تنير القلوب ، وتحيي العقول وتربط الناس أيضاً مرة أخرى وبشكل قويّ وبشكل منهجيّ لا عاطفي لا عاطفي وأنا أؤكد على هذا الجانب ؛ لأن العواطف لا تستمر طويلاً ، تحتاج إلى العلم الذي يوضح المنهج ، ويربط الناس به ، فهذا أيضاً ظاهرة طيبة ، ولها صور كثيرة ربما يضيق الوقت عن حصرها .
الظاهرة الخامسة : ظهور أجيال الصحوة في كل ميدان من ميادين الحياة

(52/10)


في السابق قبل سنوات ربما عشر أو عشرين ، كان الناس يعرفون الشخص الملتزم والمطوِّع هو الذي درس الدراسات الشرعية فقط ، أما المهندس فلا بد في الغالب أن يكون مدنياً ، كما كان أهل مصر يسمونه " أفندي " وَ " أزهري " يعني هذا في طريق وهذا في طريق ، فكانت دائرة الدين والالتزام به محصورة في طائفة معينة ، وهذا كان يكرس الانفصام ، وكان يكرس التباعد بين حقيقة هذه الدنيا ومجالات العمل فيها ، وبين حقيقة هذا الدين وفاعليته في هذه المجالات وهذه الحياة .
أما اليوم ؛ فإنك تجد في أعقد التخصصات ، وفي كل الميادين الحياة من هو ملتزم بها الدين يظهر أبهى صوره ، ويظهر كمال هذا الدين ، وفي نفس الوقت هو مبدع ، وأصيل ومبرز في عمله ، فكم هو الآن من الملتزمون من أبناء الصحوة من الأطباء ، والمهندسون ، وأهل الزراعة ، وأهل الاقتصاد وكذا .. وإلا ما قامت تلك الأعمال التي ذكرناها ؛ لأنها كانت تفتقر إلى هذه العلوم والتخصصات ، لكن كتب الله - سبحانه وتعالى – البركة في هذه الأوقات ، والله أعلم أنه ما من ميدان إلا وللإسلام له فيه نصيب ، وله فيه رجال ، وهذا يبشر بأن المسلمين ، وأجيال الصحوة ، وأمة الإسلام ، تستطيع أن تقود الحياة ، لماذا ؟ لأنها ليست فقط تحفظ القرآن ، وتحفظ الأحاديث ، بل هي تعرف الفيزياء وتطبق الكيمياء وهي خبيرة بالطب وعالمة بالهندسة ، وتستطيع أن تقاوم القوة بالقوة : { وأعدوا لهم ما استطعم من قوة } كل ألوان القوة الإيمانية ، والقوة العسكرية ، والقوة الصناعية ، والقوة العلمية كلها بوادرها وأسسها . وأقول ليس هو الكمال الموجود حالياً ، لكن الأمل والظواهر تبشر بخير كثير .
الظاهرة السادسة : ظهور التراجع في المجالات الإفسادية
والتي كانت وبالاً على الأمة ، واعني بذلك نموذجاً واضحاً في توبة الفنانين والفنانات وغيرهم من أصحاب بعض الأعمال التي فيها حرمة ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى ، هذه الظاهرة - أحبتي الكرام - ليست هي مجرد واحد أو اثنين ، أو امرأة أو امرأتين ، أو عشرة أو عشرين ، هي ظهور للحق من الباطل ، وإلغاء للتزييف والتدجيل الذي كان يمارس على الناس ، ويقال إن الفن لا يخالف الدين ، وإن كذا لا يعارض الدين ، وإن الربا ليس فيه حرمة ، وإن الفوائد كذا . هذا الأمر حينما يقوله أصحابه ويلبِّسونه على الناس قد يمر على الناس هذا الأمر ، فتأتي أنت وتعارض ، أنت أصلاً في صف المعارضة ، لكن كما يقولون : " الحق ما شهدت به الأعداء " والذي ينطق من أبناء المهنة هو أعرف بها ، وهو الذي قد مارسها فحينما ينطق بلسانه بعوارها ، وحرمتها ، وفضائحها ، وآثارها السيئة وبلائها الذي حل بالأمة وأفسد فيها ، لا شك أن هذا كما يقولون سحب البساط الآن في هذه المواقع التي كانت مواقع إفساد ولا تزال .
لكن هذه أصبحت تهز هذه المواضع ، ويعني تجعلها على شفا جرف هار نسأل الله أن ينهار سريعاً ، وهذه الظاهرة أيضاً أرى أنها من أكبر الظواهر المبشرة بالخير ، والخير يتوالي وهذا يؤثر في هذا ، ثم أيضاً هذه تشكل عائق صد ، إذا الآن كان الإقبال كبيراً ومنتشراً ودائماً، وليس هناك لا تحذير ، ولا قول يعارض ، ولا أحداً ينسحب ، تبقي المسيرة مستمرة ، أما الآن فالتي كانت تراوده نفسه ، والتي كان يقدِّم رجلاً ، ويؤخِّر أخرى حينما يسمع ، وحينما يرى ، وحينما يلاقي هؤلاء ، قطعاً هذا يخفِّف من بهرج هذه الأمور واستقطابها للناس ، وزيفها الذي تبدو فيه أنه لا خلاف بينها وبين أمر الله سبحانه وتعالى . وهذه الظاهرة أيضاً بينة ومتتابعة ومتوالية . والحقيقة أنها لا تشمل فقط مجال الفن أيضاً في مجال الاقتصاد ، ومجال الربا على وجه الخصوص فيها يعني شواهد كثيرة .
الظاهرة السابعة : النماذج الجهادية
التي قامت في أمة الإسلام ، وما أفرزته من دروس عظيمة انتفعت بها الأمة ، وجعلت عندها حقائق الإيمان التي كانت مقروءة جعلتها منظورة ظاهرة ، أمثلة كثيرة سواء في أفغانستان أو في فلسطين أو غيرها أعطت هذه الأمثلة دروساً كثيرة .
أولاً الثبات وطول النفس ، حتى لا يقال أنها مسألة عاطفة ، أو أنها ردة فعل أو كذا ، المجاهدون الأفغان انهوا اثنتي عشر سنة وهم في الجهاد وما يزالون ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتهم ويعجل نصرهم .
القضية الفلسطينية جلست عشرات أو ظلت عشرات السنوات ، تدور تحت الشعارات والمزايدات ، ولم يظهر أثر صادق للمقاومة يهز ، ويؤثر ، ويقلق ويرعب مثلما ظهر ، حينما ظهرت هذه المقاومة من المساجد ، ورفعت راية الإسلام وهتفت بـ " الله أكبر " ، وجاءت بالعجب العجاب ، الذي ما يزال يحير الناس ، ويملأ قلوب اليهود رعباً .

(52/11)


والمتأمل في الإحصائيات ربما يرى أن هذه الحجارة ، وتلك الخناجر الصغيرة والضعيفة ، والعصي القليلة قتلت من اليهود ما لم تقتله الدول العربية في سنوات طويلة خلت ، وأثَّرت في اقتصادهم ما لم يؤثر ذلك العداء من تلك الدول ، ويعني أقضّت مضاجعهم وأرعبتهم أكثر مما ترعبهم تلك الخطب التي يحفظها الناس ، وعرفوا أسلوبها وإلقائها ، ونبرات صوتها والقائلين لها ، فما عادت تُغني ولا تجدي شيئاً .
هذا التجربة أعطت جانباً مهماً ، وهو أثر وأهمية التربية الإسلامية طويلة المدى .. المواجهة الإسلامي لا تحتاج إلى عاطفة ، أو خطبة عصماء ، وحماسة قوية ، ثم بعد ذلك إذا قيل نريد أن نتقدم خطوة ؛ فإن الذين يتقدمون ربما النصف ، فإذا قيل أنها خطوتان يتقدمون الربع ، وإذا قيل أكثر من ذلك كما هو المثل في قصة طالوت : { فلما فصل طالوت بجنوده قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم } القليل هؤلاء { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } جزء منهم { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } وجاءت البقية الباقية { قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين * ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين } إلى آخر الآيات .
هذا الشأن لو كانت الانتفاضة - مثلاً - عبارة عن حماس أو ردة فعل للظلم لما كانت تستمر ، طبعاً فضل الله - سبحانه وتعالى - وتوفيقه قبل ذلك وأثناء ذلك ، لكن التربية والمدى الطويل ، والتعليم الإسلامي ، والتربية الإيمانية ، والعبادة والإخلاص لله سبحانه وتعالى ، والارتباط باليقين ، والنصرة ، واستجداء النصر من الله عز وجل على المدى الطويل أنبت هذا النبات ، وهذا الكيان الذي استعصى على هذا الاستئصال .
رغم أن المكافأة منعدمة بعشرات ومئات الدرجات ، مع ذلك هذا استمرار إنما يدل على بناء قوي ، وعلى تربية أصيلة تبشر ، وإن كانت في أجيال إن شاء الله كثيرة أنها تستطيع أن تواصل مسيرتها ، وأن تدافع عن ذاتها .
الظاهرة الثامنة : ظهور قوة الإسلام في ديار الغرب
وهذا قد أشرت إليه سابقاً في الحديث عن "الخوف من الإسلام والمذعورين منه" حتى إن هناك من ألّف كتباً تحذر من الإسلام ، ويسمى مثلاً فرنسا بلد الإسلام ، أو بلد الألف مأذنة أو كذا ، هذا التنامي الآن الذي يظهر للإسلام هو أيضاً مبشِّر من مبشِّرات الخير .
والذي يقرأ أو يسافر يرى ظواهر قوية جداً في هذا الشأن في كثير من البلاد ، وهذه الظواهر كلها مبشرات الخير .
الظاهرة التاسعة : تجمع اليهود من شرق الأرض وغربها
الهجرات المستمرة والاستيطان القادم على قدم وساق ، كأنه ينبئ عن تجمعهم للجولة الفاصلة ، التي يُرجى أن تكون ونحن نعتقد بكونها كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ، وكما ورد في القرآن الكريم : { فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوْا تتبيراً } وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام : ( لتقاتلنّ اليهود ) هذه الظاهرة مع استعلاء غطرسة اليهود وعلوَّهم ؛ فإنهم - كما يقولون - ليس بعد الارتفاع إلا الهبوط ، وليس بعد كمال القوة والازدهار إلا كمال الضعف .
وهذا يظهر في النفوس المؤمنة التي كلما مرّ الوقت ، كلما ثبت إيمانها في قلبها ، وترسَّخ عدائها لليهود ، وعلم حقيقة ما أخبر به القرآن عنهم من نقضهم للمواثيق ، ومن عدائهم العميق للإسلام والمسلمين ، ومن حقدهم الأسود على كل من هو غير يهودي .
كل هذه الظواهر لو كان الأمر كما كان قبل سنوات ، الآن في الأمة حماس وعداء وتحفز ضد اليهود ما لم يكن من قبل في الناس ، بطبيعة ما يجري الله - عز وجل - من قدره في هذه الصورة والتجمع ، وما يلحق بهذا الأمر .

(52/12)


أقول : هذه الظواهر تبشر بالخير ، وهذه الأحداث حينما بالفعل ربما يفصل الإنسان فيها ، ويستقصي خبرها ، ويجمع أرقامها وأحداثها ، سيجد بالفعل أنها أكثر مما ذكرتْ في دلالتها على الخير ، وتبشيرها بالمستقبل ، وعندنا بعد ذلك وقبله ما هو أقوى منه هذا ، وهو ما يتعلق بالبشارات القرآنية والنبوية ؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - يقول : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً } .. وعدٌ من الله ووعد الله لا يتخلّف ، { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وبمجرد تحقق هذا بالقدر الذي يستنزل نصر الله ؛ فإن الأمر يتحقق على ما ذكر الله جل وعلا : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً } وقوله جل وعلا : {إنا للنصر رسلنا والذين آمنوا } وقوله سبحانه وتعالى : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلون * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون } .
هذا اليقين عند المسلم لا يتبدل ، وهي بشارات وآيات كثيرة في هذا الجانب تؤكد هذا ، والنبي - عليه الصلاة والسلام - أيضاً أخبر المبشرات : ( لتقاتلنّ اليهود حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا ورائي يهودي فتعال فاقتله ) . وقد أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام - فقال : ( تفتحوا أو تفتحون قسطنطينة ورومية ) وأثنى على فاتح القسطنطينة فقال : ( فنعم الأمير أميرها ) ، وقد فتحت القسطنطينية وروما لم تفتح ، وهي من بشارات المستقبل ، ولا نقول المستقبل البعيد ؛ فإن أمور الغيب بيد الله سبحانه وتعالى ، لكن في المستقبل القريب هناك ما يدل على أن هذا الإسلام قادم بإذن الله سبحانه وتعالى ، وأن الدائرة له ، وأن له الجولة القادمة بإذن الله عز وجل ، ثم بجهد وإخلاص وعمل العلماء ، والدعاة ، والمصلحين ، وعامة الأمة ، إخلاصاً لله - عز وجل - وعبادة كاملة له سبحانه وتعالى ، وصلحاً معه ودعوة إلى دينه .
هذه كلها أسباب تجتمع ، لا يستطيع الإنسان أن يعرفها ، ولا أن يحصرها ؛ فإنها تتراكم تراكماً جزئياً مع مرور الزمن والأعوام ، ثم أنها هي أيضاً تجري بقدر الله لا تعرف من أين يبزغ نورها ، ولا من أين ينطلق شرارها ، فكم من بلد ظنّ الناس أن الإسلام فيه لن تقوم له قائمة ، فإذا به يظهر فيه من العمل والجد والجهاد مالم يكن في غيره ؛ فإنها في جملتها إرهاصات تنبئ عن مستقبل نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله قريباً ، ومشرقاً وضَّاءً ، وأن ينفع به أمة الإسلام والمسلمين .
هذه الظواهر التي أحببت الإشارة إليها وأحسب أنها في أحداث هذا العصر والزمن القريب تُنبئ إن شاء الله عن بشائر وآمال ، نسأل الله عز وجل أن يعجِّل بها ، وأن يكملها لنا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
...

(52/13)


أحداث الهجرة
أولاً: الهجرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
1 ـ الهجرة الأولى إلى الحبشة.
2 ـ الهجرة الثانية إلى الحبشة.
3 ـ الهجرة من مكة إلى المدينة.
ثانياً: الرواية الصحيحة للهجرة النبوية من مكة إلى المدينة.
ثالثاً: دروس وعبر من حادثة الهجرة.
رابعاً: التأريخ الهجري.
أولاً: الهجرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
لقد حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث هجرات مشهورة:
1- الهجرة الأولى إلى الحبشة:
كانت هذه الهجرة في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، حيث خرج أحد عشر رجلاً وأربع نسوة مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار فنزلوا بخير دار إلى خير جار أمنوا على دينهم ولم يخشوا ظلما([1]).
2- الهجرة الثانية إلى الحبشة:
بلغ المسلمين وهم بأرض الحبشة أن أهل مكة أسلموا، فرجع ناس منهم عثمان بن مظعون إلى مكة، فلم يجدوا ما أخبروا به صحيحاً، فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وكانوا أكثر من ثمانين رجلاً، وهي الهجرة الثانية([2]).
3- الهجرة من مكة إلى المدينة النبوية:
وسنفرد لها فصلاً خاصاً بها.
([1]) انظر: فتح الباري (7/ 188).
([2]) انظر: فتح الباري (7/ 189).
ثانياً: أحداث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم:
· كان اختيار المدينة مهاجراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي من الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم : ((رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي يثرب)) ([1])، وقال صلى الله عليه وسلم : ((إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين)) ([2]).
قال ابن المنير: "كأن النبي صلى الله عليه وسلم أُرِي دار الهجرة بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم أُري الصفة المختصة بالمدينة فتعينت".
· وأول من هاجر إلى المدينة كما تذكر كتب السير هو أبو سلمة بن عبد الأسد، وكان ذلك قبل بيعة العقبة بسنة، وكذلك كان مصعب بن عمير وابن أم مكتوم من أوائل المهاجرين حيث كانا يقرئان الناس القرآن، ثم تتابع المهاجرون فقدم المدينة بلال بن رباح وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر ثم عمر بن الخطاب في عشرين من الصحابة([3]).
· أراد أبو بكر أن يهاجر إلى المدينة وتجهز لذلك فقال له النبي : ((على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي)).وكان ذلك قبل الهجرة بأربعة شهر.
ولم يهاجر أبو بكر رضي الله عنه رجاء أن يكون في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم إن أذن له في الهجرة([4]).
· أجمعت قريش على قتل النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر القرآن: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}[الأنفال:30].
· أذن للنبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة فجاء إلى الصديق في وقت الظهيرة، تقول عائشة: فلما أذن له في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهراً . . قال : ((أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج؟!))، قال: الصحبةَ يا رسول الله؟ قال: ((الصحبة)) ([5]).
وكان الصديق قد أعد ناقتين فعرض إحداهما على رسول الله يركبها فقبل وقال: ((بالثمن)) ([6]).
· وبدأ آل أبي بكر بالتجهيز السريع للرحلة، قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب([7]).
· وقد كان خروجهم من مكة ليلاً يقول الصديق: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة([8]).
قال ابن حجر: "أسريت: في سير الليل"([9]).
وكان ذلك في يوم الاثنين أو الخميس، قال الحاكم: "تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين".
قال ابن حجر: "خروجه من مكة كان يوم الخميس، وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين"([10]). فكأنه اعتبر بداية رحلة الهجرة.
· وأوى رسول الله إلى بئر ميمون (في طريق منى) حيث واعد الصديق، ثم دخلا الغار فيما بقي علي بن أبي طالب في فراش النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعمي على قريش خروج النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وقد كانت قريش ترميه بالحجارة، وهي تظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم([11]).
· كَمَنَ صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة، فيسمع أخبار قريش، فإذا جاء الظلام انطلق إلى الغار يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار قريش، فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، فيما كان عامر بن فهيرة يرعى بغنمه عليهما فيشربان من ألبانها، ويعود عند الغلس إلى رعيان قريش([12]).
· وصلت قريش باقتفاء الأثر إلى غار ثور حتى وقفوا على باب الغار يقول أبو بكر: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره لرآنا قال : ((ما ظنك باثنين ـ يا أبا بكر ـ الله ثالثهما))([13]).
· وبعد المكث في الغار ثلاثة أيام انطلق النبي وصاحبه صباحاً بصحبة الدليل الليثي وعامر بن فهيرة وقد خلا الطريق لا يمر فيه أحد ([14]) .

(53/1)


· وقصد رسول الله وصاحبه صخرة طويلة وإذا براع لرجل من أهل مكة، فحلب لهما ورسول الله نائم، فبرده الصديق له، فاستيقظ رسول الله فشرب ثم شرب الصديق([15]).
· ومر رسول الله وصاحبه بخيمة أم معبد بقُديد، وطلبا منها القِرى، فاعتذرت لهم لعدم وجود طعام عندها، وعندها شاة هزيلة لا تدر لبناً، فأخذ رسول الله الشاة فمسح ضرعها بيده، ودعا الله وحلب في إناء، حتى علت الرغوة، وشرب منه الجميع([16]).
· وانطلق الركب من طريق الساحل، وشعرت قريش بخيبتها فجعلت لمن قتل رسول الله وصاحبه ديتين فلما جازا قديداً أدركهما سراقة بن مالك المدلجي يقول : فركبت فرسي .. تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عُثَان ساطع في السماء مثل الدخان . . فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت وجئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال: ((أخف عنا))، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم([17]).
· وأما الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته فقد ذكره ابن إسحاق والحاكم فرويا عن عائشة رضي الله عنها قالت: ثم لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار مهاجراً ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مردفه أبو بكر، وخلفه عبد الله بن أريقط الليثي فسلك بهما أسفل من مكة، ثم مضى بهما حتى هبط بهما على الساحل أسفل من عسفان، ثم استجاز بهما على أسفل أمج، ثم عارض الطريق بعد أن أجاز قديداً، ثم سلك بهما الحجاز، ثم أجاز بهما ثنية المرار، ثم سلك بهما الحفياء، ثم أجاز بهما مدلجة ثقف ثم استبطن بهما مدلجة صحاح ثم سلك بهما مذحج ثم ببطن مذحج من ذي الغصن ثم ببطن ذي كشد ثم أخذ الجباجب ثم سلك ذي سلم من بطن أعلى مدلجة ثم أخذ القاحة ثم هبط العرج ثم سلك ثنية الغائر عن يمين ركوبه ثم هبط بطن ريم فقدم قباء على بني عمرو بن عوف([18]).
وفي الطريق كان الصديق إذا سئل عن النبي قال: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني طريق الخير([19]).
· وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل([20]) .
وقد كان الصحابة يخرجون كل يوم ينتظرون مقدم النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا ارتفعت الشمس عادوا إلى بيوتهم.
· ولما أتى النبي قباء كانت الشمس قد اشتدت فدخلوا بيوتهم، وقدم رسول الله فبصر به يهودي فصرخ : يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون([21]). فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة([22]).
· وبلغ عدد مستقبليه صلى الله عليه وسلم حين جاء المدينة-كما جاء في بعض الروايات- خمسمائة من الأنصار، ودخل والرجال والنساء فوق البيوت، والغلمان في الطرقات يقولون : يا محمد يا رسول الله([23]). يقول البراء: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله([24]).
يقول أنس: فشهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه([25]).
· ومشى موكب النبي صلى الله عليه وسلم في طرقات المدينة، وتطلع زعماء الأنصار إلى استضافة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكلما مر بأحدهم دعوه للنزول عندهم، فكان يقول لهم: ((دعوا الناقة فإنها مأمورة))، فبركت على باب أبي أيوب([26]).

(53/2)


وكانت داره طابقين، يقول أبو أيوب : لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له : يا نبي الله – بأبي أنت وأمي – إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك، وتكون تحتي، فاظهر أنت، فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل. فقال: ((يا أبا أيوب، إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت))، قال: فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، وما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء تخوفاً أن يقطر على رسول الله منه شيء يؤذيه([27]) .
وفي رواية ضعيفة لابن سعد أن مقام النبي في دار أبي أيوب استمر سبعة أشهر([28]).
([1]) أخرجه البخاري ح (6629) ومسلم ح (2272).
([2]) أخرجه البخاري ح3694.
([3]) أخرجه البخاري ح (4657).
([4]) أخرجه البخاري ح (2176).
([5]) أخرجه البخاري ح (2318).
([6]) أخرجه البخاري ح (2318).
([7]) أخرجه البخاري ح (3906).
([8]) أخرجه البخاري ح (1365).
([9]) فتح الباري ح (6/ 623).
([10]) فتح الباري ح (7/ 237).
([11]) أخرجه أحمد ح (3052) وإسناده صحيح.
([12]) أخرجه البخاري ح (3906).
([13]) أخرجه البخاري ح (3653)، ومسلم ح (2381).
([14]) أخرجه البخاري ح (3615).
([15]) أخرجه البخاري ح (3615)، ومسلم ح (2009).
([16]) أخرجه الحاكم ح (4274)، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
([17]) أخرجه البخاري ح (3906).
([18]) أخرجه الحاكم ح (4272) وصححه، وسكت عنه الذهبي، وصحح ابن حجر إسناده في الفتح (7/238).
([19]) أخرجه البخاري ح (3911).
([20]) أخرجه الحاكم (3/ 8).
([21]) أخرجه البخاري ح (3906).
([22]) أخرجه البخاري ح (3906).
([23]) أخرجه مسلم ح (2009).
([24]) أخرجه البخاري ح (3925).
([25]) أخرجه أحمد ح (13110).
([26]) أخرجه الطبراني وفيه راو ضعيف.
([27]) أخرجه الحاكم ح (5939) وصححه ووافقه الذهبي.
([28]) الطبقات (1/ 237).
ثالثاً: دروس وعبر من حادثة الهجرة:
- معية الله لأوليائه المؤمنين ونصرته لهم، ويتجلى هذا في حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار من أن تناله أيدي المشركين ثم نجاته من سراقة بن مالك.
- الثقة المطلقة بالله وبنصره وتأييده، ويتجلى هذا الدرس في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما))، ثم في عدم تلفته عندما لحقه سراقة، وكأن الأمر لا يعنيه صلى الله عليه وسلم، ثم في إعطائه صلى الله عليه وسلم سراقة كتاب أمان، وهو الذي يخرج من بلده مهاجراً، لكنه كان يرى نصر الله له ويرقبه ويتيقنه كما يتيقن الشمس في رابعة النهار.
- الأخذ بالأسباب المادية لا ينافي التوكل، فها هو صلى الله عليه وسلم حال هجرته يأخذ شتى الوسائل المادية المتاحة له، فيستخفي بالظهيرة ثم بسواد الليل ثم بتجويف الغار، ويسلك طريقاً غير معتادة، وينطلق جهة الجنوب ومقصده الشمال، ويستعين بكافر قد أمنه ... لكن ذلك كله لم ينسه أن يتوكل على ربه ويعتمد عليه.
وهذه الأسباب التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن كافية لإبعاد قريش عنه، فقد وصلت قريش إلى غار ثور، لكن الله حجبه عنهم فلم يصلوا إليه بسوء.
يقول ابن حجر: "فالتّوكّل لا ينافي تعاطي الأسباب لأنّ التّوكّل عمل القلب وهي عمل البدن، وقد قال إبراهيم عليه السّلام: {وَلَاكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى}[البقرة:260] وقال عليه الصّلاة والسّلام: ((اعقلها وتوكّل))" ([1]).
وقال الشّيخ أبو محمّد بن أبي جمرة رحمه الله: "مهما أمكن المكلّف فعل شيء من الأسباب المشروعة لا يتوكّل إلا بعد عملها، لئلا يخالف الحكمة, فإذا لم يقدر عليه وطّن نفسه على الرّضا بما قدّره عليه مولاه، ولا يتكلّف من الأسباب ما لا طاقة به له".
قال ابن حجر: الأسباب إذا لم تصادف القدر لا تجدي"([2]).
وقال بعد أن ذكر أقوال العلماء في العلاقة بين الأسباب والتوكل: "والحقّ أنّ من وثق باللّه وأيقن أنّ قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكّله تعاطيه الأسباب اتّباعًا لسنّته وسنّة رسوله, فقد ظاهر صلّى اللّه عليه وسلّم في الحرب بين درعين, ولبس على رأسه المغفر, وأقعد الرّماة على فم الشّعب, وخندق حول المدينة, وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة, وهاجر هو, وتعاطى أسباب الأكل والشّرب, وادّخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السّماء, وهو كان أحقّ الخلق أن يحصل له ذلك, وقال الّذي سأله : أعقل ناقتي أو أدعها ؟ قال : ((اعقلها وتوكّل)) فأشار إلى أنّ الاحتراز لا يدفع التّوكّل, واللّه أعلم"([3]).
- جواز استخدام المعاريض في دفع الشر والبلاء كما صنع الصديق حين كان يخبر من قابله في طريق الهجرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم دليله في الطريق، فيفهم المخاطب أنه طريق السفر، وهو يقصد الطريق إلى الجنة.

(53/3)


قال ابن تيمية في بيان جواز استخدام المعاريض في بعض المواطن، بل وجوبها: "وقد يكون واجباً إذا كان دفع ذلك الضرر واجباً ولا يندفع إلا بذلك، مثل التعريض عن دم معصوم وغير ذلك، وتعريض أبي بكر الصديق رضي الله عنه قد يكون من هذا السبيل"([4]).
وبين رحمه الله الفيصل بين ما يحل وما يحرم من المعاريض فقال: "والضابط أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام لأنه كتمان وتدليس، ويدخل في هذا الإقرار بالحق والتعريض في الحلف عليه، والشهادة على الإنسان والعقود بأسرها، ووصف العقود عليه والفتيا والتحديث والقضاء إلى غير ذلك، وكل ما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز بل واجب"([5]).
قال ابن حجر: "ومحلّ الجواز فيما يخلّص من الظّلم أو يحصّل الحقّ, وأمّا استعمالها في عكس ذلك من إبطال الحقّ أو تحصيل الباطل فلا يجوز"([6]).
وقال النووي: "استعمال المعاريض عند الحاجة .... وشرط المعاريض المباحة ألا يضيع بها حقّ أحد"([7]).
- العفة والزهد فيما عند الناس رغم الحاجة إليه درس آخر من دروس الهجرة، حيث عرض سراقة بن مالك عليه الزاد والعون وهو صلى الله عليه وسلم أحوج الناس يومذاك إليه، يقول سراقة: وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال: ((أخف عنا)) ([8]).
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله)) ([9]).
- جواز الاستعانة بالمشرك إذا أمن شره ومكره، فقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أرقط فكان دليله في سفره وكان (هادياً خرّيتاً – والخريت الماهر بالهداية – قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش فأمناه([10]) .
- بذل الصحابة أنفسهم وأموالهم وأهليهم فداء لنبي الله صلى الله عليه وسلم فقد نام علي في فراشه ليلة خروجه، وكان الصديق شريكه في أهوال رحلة الهجرة، فيما جهد ولداه عبد الله وأسماء ومولاه عامر في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من علامات الإيمان وضروراته، قال صلى الله عليه وسلم (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))([11]).
- دلائل صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ثباته في الغار، وحين دهمهم سراقة، وذلك لا يتأتى إلا لمن علم أن ربه لا يسلمه إلى عدوه.
ومنه أيضاً معجزاته عليه الصلاة والسلام فقد ساخت يدَا فرس سراقة لما همه بالسوء، كما حلبت شاة أم معبد وهي عجفاء لم يطرقها فحل -كما جاء في بعض الروايات – لما مسّ صلى الله عليه وسلم ضرعها.
- الاستفادة من الطاقات المختلفة، وكل حسب نوعه وسنه، فقد كان الصديق بحكمته خير رفيق للرسول صلى الله عليه وسلم، فيما تولى الشاب عبد الله بن أبي بكر مهمة تحسس أخبار قريش، وتولى عامر بن فهيرة الخدمة، وتولت أسماء إعداد الجهاز والطعام لهذا الركب.
- استحباب الرفقة في السفر، وأن يكونوا أكثر من واحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم ((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب))([12]).
قال الخطابي : "والمنفرد في السّفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه, ولا عنده من يوصي إليه في ماله ويحمل تركته إلى أهله ويورد خبره إليهم, ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة, فإذا كانوا ثلاثةً تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة وصلّوا الجماعة وأحرزوا الحظّ فيها"([13]).
- فضل عبادة الهجرة وعظم ثواب المهاجر حيث قال صلى الله عليه وسلم مخاطباً مكة: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)) ([14])، وفي بيان ما فيها من بلاء قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} [النساء:66]، فجعل ترك الديار والأوطان قرين القتل والموت.
- فضل الصديق وشدة محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان له أنيساً وصاحباً في الهجرة وخادماً، فقد كان يحرسه ويخاف عليه ويبرد له اللبن ويؤثره على نفسه ويظله إذا قامت الشمس.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "نطقت بفضله الآيات والأخبار، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، فيا مبغضيه في قلوبكم من ذكره نار، كلما تليت فضائله علا عليهم الصغار، أترى لم يسمع الروافض الكفار: {ثاني ... الغار} [التوبة: 40]؟!
دعا إلى الإسلام فما تلعثم ولا أبى، وسار على المحبة فما زل ولا كبا، وصبر في مدته من مدى العدى على وقع الشبا، وأكثر في الإنفاق فما قلل حتى تخلل بالعبا([15]) .
تا لله لقد زاد على السبك في كل دينار دينار، {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ}.
من كان قرين النبي في شبابه؟! من ذا الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه؟! من الذي أفتى بحضرته سريعًا في جوابه؟! من أول من صلى معه؟! من آخر من صلى به؟! من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟! فاعرفوا حق الجار.

(53/4)


نهض يوم الردة بفهم واستيقاظ، وأبان من نص الكتاب معنى دق عن حديد الألحاظ، فالمحب يفرح بفضائله والمبغض يغتاظ، حسرة الرافضي أن يفر من مجلس ذكره، ولكن أين الفرار؟!.
كم وقى الرسول بالمال والنفس، وكان أخص به في حياته وهو ضجيعه في الرمس، فضائله جلية وهي خلية عن اللبس، يا عجبًا! من يغطي عين ضوء الشمس في نصف النهار، لقد دخلا غارًا لا يسكنه لابث، فاستوحش الصديق من خوف الحوادث، فقال الرسول: ((ما ظنك باثنين الله الثالث)) فنزلت السكينة فارتفع خوف الحادث، فزال القلق وطاب عيش الماكث، فقام مؤذن النصر ينادي على رؤوس منائر الأمصار (ثاني اثنين إذ هما في الغار).
حبه ـ والله ـ رأس الحنيفية، وبغضه يدل على خبث الطوية، فهو خير الصحابة والقرابة والحجة على ذلك قوية، لولا صحة إمامته ما قيل: ابن الحنفية، مهلاً مهلاً، فإن دم الروافض قد فار.
والله ما أحببناه لهوانا، ولا نعتقد في غيره هوانًا، ولكن أخذنا بقول علي وكفانا: (رضيك رسول الله لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟!).
تا الله لقد أخذت من الروافض بالثأر، تا لله لقد وجب حق الصديق علينا، فنحن نقضي بمدائحه ونقر بما نقر به من السني عينًا، فمن كان رافضيًا فلا يعد إلينا وليقل: لي أعذار([16]).
- اختلف العلماء في توجيه شرب النبي صلى الله عليه وسلم من لبن الراعي في الطريق، قال المهلّب بن أبي صفرة : "إنّما شرب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من لبن تلك الغنم لأنّه كان حينئذ في زمن المكارمة, ولا يعارضه حديثه: ((لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه))، لأنّ ذلك وقع في زمن التّشاحّ, أو الثّاني محمول على التّسوّر والاختلاس، والأوّل لم يقع فيه ذلك بل قدّم أبو بكر سؤال الرّاعي: هل أنت حالب؟ فقال: نعم, كأنّه سأله هل أذن لك صاحب الغنم في حلبها لمن يرد عليك؟ فقال: نعم، أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك والإذن في الحلب على المارّ ولابن السّبيل, فكان كلّ راع مأذونًا له في ذلك .
وقال الدّاوديّ : إنّما شرب من ذلك على أنّه ابن سبيل وله شرب ذلك إذا احتاج, ولا سيّما النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم"([17]).
- أهمية المسجد ودوره في الإسلام، حيث حرص النبي صلى الله عليه وسلم عليه أينما حل، فقد بنى مسجد قباء قبل وصوله المدينة، وكان بناء المسجد النبوي أول أعماله صلى الله عليه وسلم حين وصل المدينة.
وليس هذا آخر الدروس والعبر المستفادة من حادثة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
([1]) رواه الترمذي 2517، فتح الباري (6/ 82).
([2]) فتح الباري (9/ 120).
([3]) فتح الباري (10/ 212).
([4]) الفتاوى الكبرى (3/ 205).
([5]) الفتاوى الكبرى (3/ 206).
([6]) فتح الباري (10/ 594).
([7]) شرح النووي على مسلم (2144).
([8]) أخرجه البخاري ح (3694).
([9]) أخرجه البخاري ح (1361).
([10]) أخرجه البخاري ح (3694).
([11]) أخرجه البخاري ح (15).
([12]) أخرجه أبو داود ح (2107)، والترمذي ح (1174).
([13]) تحفة الأحوذي 5/ 260.
([14]) رواه الترمذي ح (3925) وقال: "حديث حسن غريب صحيح".
([15]) أي: حتى توفي.
([16]) الفوائد (ص 100 ـ 101).
([17]) انظر: فتح الباري لابن حجر (7/ 10).
رابعاً: التأريخ الهجري:
إن من المؤسف جدًا أن نجد اليوم أكثر المسلمين يجهلون التأريخ الهجري ويجهلون الشهور العربية، ولا يحسبون إلا بالتاريخ الإفرنجي أو غيره من التواريخ المبدلة المحرفة، يقول الشيخ أبو يعلى الزواوي رحمه الله: "ومن هنا اعتمد الصحابة التاريخ الهجري منتبهين ومستنبطين، حين استشارهم العبقري الذي يفري الأمور فريًا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنهم، فاتفقوا أن يكون التاريخ من عام الهجرة، وكانوا يؤرخون بالحوادث المشهورة كعام الفيل... ومن الجهل والغفلة بل من العار والشنار أن يؤرخ عربي مسلم بتاريخ جوان وجوليت وحزيران وأغسطس وبشنس وهلم جرا، وبالميلاد المنسوخ بالهجرة، فيترك الناسخ ويجعل الهجرة مهجورة والعياذ بالله، وإن بعض الحكومات كمصر تعمل بهذا وهي مسلمة ويا للغفلة!! والمطلوب كل المطلوب أن تعتبر الهجرة وصاحب الهجرة صلى الله عليه وعلى وآله وصحبه وسلم ومن تبعه وتبعهم من أمته إلى يوم الدين"([1]).
([1]) الثمرة الأولى لجمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين (ص 41، 42).

(53/5)


أحزان العراق
خطبة جمعة بمسجد محمد الفاتح
أعدها
أبو البراء عادل باناعمة
6/7/1423هـ
الحمد لله ذي القدرة القاهرة ، و الآيات الباهرة ، و الآلاء الظاهرة ، و النعم المتظاهرة ، حمدا يؤذن بمزيد نعمه ، و يكون حصنا مانعا من نقمه ، وصلى الله على خير الأولين و الآخرين ، من النبيين و الصديقين ، سيدنا محمد النبي ، و الرسول الأمي ، ذي الشرف العلي ، و الخلق السني ، و الكرم المرضي ، و على آله الكرام ، و أتباعه سرج الظلام ، ما امتد الدهر و تعاقبت الأيام .
و بعد فإن الله أمر بالتقوى ، في السر و الجهر ، و الخفاء و العلن ، لأنه سبحانه يسمع النجوى ، و يعلم السر و أخفى .
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته … }
{ يا أيها الناس اتقوا ربكم … }
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا … }
اللهم إنا نعوذ بك من أن قول كلمة لا ترضاها ، و نبرأ إليك من كل زلة غفل عنها القلب أو طاش بها الرأي ، و نضرع إليك أن تجعل حياتنا كلها و أوقاتنا كلها و أعمارنا كلها خدمة لك و لدينك ولكتابك .
وبعد ،،،
قبل ألف عام وقف الخليفة العباسي الرشيد على ربى بغداد يخاطب سحابة جازتها فلم تمطر ويقول لها : أمطري حيث شئت فسيأتينا خراجك .
وقبل أيام وقف الرئيس الأمريكي على منبر الأمم المتحدة يهدد العراق بعد أن حرمها خيرات سحابها وهضابها .
وبين الوقفتين تاريخ طويل يمتد لأكثر من ألف عام .
تاريخ طويل عرفت فيه العراق ألوانا من المجد ، وأشكالا من الذل .
تاريخ طويل ضحكت فيه العراق ملء مزارعها ونخيلها ، وبكت دموعا ملء دجلة والفرات .
وكلما امتد بالعراق الزمن تقلصت مساحات الفرح ، واتسعت دوائر الأسى ، وتورمت الأحزان .
حتى بات العراق والحزن كلمتين رديفتين ... لا تدري أيهما أصل في التعبير عن الأسى والجراح !!
وحتى التقت على أرض العراق النقائض ...
فبلد دجلة والفرات يبيت يتشكى الظمأ !!
وأرض النخيل والسواد تئن من الجوع !!
ومخازن النفط والغاز تفتقد حبة الدواء وإبرة الشفاء !!
" وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
رحى تدور في الحقول .. حولها بشرْ
وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع
ثم اعتللنا خوف أن نلام بالمطرْ !!
ومنذ أن كنا صغارا كانت السماء
تغيم في الشتاء
ويهطل المطر
وكل عام حين يعشب الثرى نجوعْ
ما مر يوم ليس في العراق جوع " [ السياب 1/478 ]
كانت بداية الحزن عام 656هـ ... حين انقض على بغداد طوفان التتار المهول ... فكان ماكان من الأهوال التي قال عنها ابن الأثير " فلو قال قائل إن العالم منذ خلق الله سبحانه آدم وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا ... ولم ينل المسلمين أذى وشدة منذ جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوقت مثل مادفعوا إليه الآن ... فياليت أمي لم تلدني ، وياليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيا منسيا " [ الكامل 12/358 ] .
وإليكم ما وصف به ابن كثير تلك الحادثة الفظيعة ، قال رحمه الله : " ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان .
ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش وقني الوسخ وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون ، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ، ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم في الأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة فإنا لله وإنا إليه راجعون وكذلك في المساجد والجوامع والربط ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانا بذلوا عليه أموالا جزيلة .
وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين فقيل : ثمانمائة ألف وقيل : ألف ألف وثمانمائة ألف وقيل : بلغت القتلى ألفي ألف نفس فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ولما انقضى أمد الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس والقتلى في الطرقات كأنها التلول وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ولما نودى ببغداد بالأمان خرج من تحت الارض من كان بالمطامير والقني والمغاير كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم وقد أنكر بعضهم بعضا ، فلا يعرف الوالد ولده ، ولا الأخ أخاه وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا ولحقوا بمن سبقهم من القتلى واجتمعوا في البلى تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى " [ البداية والنهاية 13 ] .

(54/1)


هكذا عانت بغداد ... وهكذا بكى بلد الرشيد ومنطلق جيوش الفتوحات .
وتمر الأزمنة ... وتلتقي العراق بحزن جديد .. حزن كبير ماتزال ترزح تحته إلى اليوم ...
بدأ ذلك في السابع عشر من تموز عام 1979م حين تولى صدام رئاسة العراق وبدأ في تصفية الرفاق الذين وقف في صف سلفه البكر .
كان ذلك اليوم بداية سيمفونية جديدة من الآلام مختلفة الإيقاع عما سبقها ، لحنها ورتلها حزب البعث .
كان الشعرة الأولى في الريشة التي رسمت قتامة العراق المعاصر ، وخطت ملامح بؤسه وشقائه .
كان العراق أميرة عربية ... فتك الطغاة بها فمال المئزرُ
صهل الأسى في رافديه وحمحمت ... خيل البغاة وفاسق متنمر
بعثوا الخطيئة فاستوت في أرضنا ... حزبا عليه الملحدون تأمروا
[ قلبي على وطني ، السماوي 53 ]
أنا لا أريد أن أكون عاطفيا مبالغا .. أريد فقط أن أنقل لكم بعض الحقائق لتدركوا كم بكى العراق وكم تألم ...
" لقد ظلت التقارير ترد على نطاق واسع عن تعذيب السجناء ، وإساءة معاملتهم وكان بينهم معتقلون دون الثامنة عشرةمن العرم ، قيل إنهم تعرضوا للضرب والجلد بالسياط ، والاعتداء الجنسي ، والتعذيب بالصدمات الكهربائية ، والحرمان من الطعام ، وجاء في شهادة سجين سابق أن السجينات كنت يعلقن رأسا على عقب من أقدامهن أثناء فترة الحيض ، كما كان يجري إدخال أشياء في مهبل الفتيات مما يؤدي إلى فض بكارتهن .
وكان مصير حوالي 178 شخصا اختفنونا وهم قيد الاعتقال بين عام 80 و 85 لا يزال مجهولا وبينهم 17 ولدا تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والسابعة عشرة !
ومن أغرب أنواع العدل البعثي في الإعدام استدعاء الضحية ثم مص دمه بواسطة أجهزة طبية وتحت إشراف طبي حتى يموت ثم تخزين هذا الدم لإرساله إلى المستشفيات الميدانية لإسعاف الجنودالمصابين " [ حزب البعث ، الغامدي 33 ]
وفي كردستان العراق فصل آخر من فصول هذا الحزن .. كان ذلك في الساعة العاشرة وأربعين دقيقة صباح السادس عشر من فبراير عام 1988م حين بدأت طائرات العراق تضرب العراق .. حيا تلو حي ، ولم تكد تذهب هذه الطائرات حتى جاءت ست أخرى تلقي القنابل الخارقة للصوت لتهدم النوافذ والأبواب وتكسر الزجاج وتخرج صفوف المنازل .. وكان هذا تمهيدا للضربة الكبرى ..
في الساعة الثالثة ظهرا أقبل سرب من طائرات الميراج وانفجرت القنابل وظهرت طبقة كثيفة من الدخان الأبيض والأصفر تخرج منها روائح نتنة .. وفجأة بدأ الناس يشعرون بضيق في التنفس واحمرار في العيون وفقدان للبصر وتقيؤ وإغماء ، فخرج منهم من استطاع .. وكان يوما مهولا يفر فيه كل أحد من كل أحد .. لقد أدركوا ساعتها أنهم ضربوا بالقنابل الكيماوية .. وبينا هم في ذلك الأمر المريج إذ أقبلتا الطائرات من جديد ترش أطراف المدينة كلها بالغازات فسقط الناس كالجراد المباد .. هذا أب يحتض ابنه لينقذه وإذا به يموت معه ، وهذه امرأة تحمل علىكتفها طفلة وتجر خلفها أخرى وإذا بهم يسقطون جميعا ، وهذه عجوز تطلب الماء ولا مجيب .. ومن وصل إلى الماء لم يكن أسعد حظا لأن الطائرات ملأت الجداول والأنهار بالخردل والسيانيد فمات الناس مع أول شربة " [ الشعب الكردي المسلم 19 ]
هكذا بكت حلبجة العراقية طويلا طويلا ... ولم يستمع لبكائها أحد ..
وهكذا أباد الشعب من كان يفترض أن يكون حاميا له ..
آه على زمن تعثر فجره ... فاستعبدت أرض الأسود تيوس
فإذا ابن طاهرة الثياب مشرد... وإذا ابن خالعة الإزار رئيس
وإذا العراق مدينة غجرية ... ومن المآذن يشهق الناقوس
[ قلبي على وطني 90 ]
وتمضي الأيام وتستمر المآسي ...
وتبدء لوحة حزن أخرى في الظهور .. لوحة رسمها الحصار الاقتصادي الظالم ، الذي كافأ الجلاد وعاقب الضحية !!!
أتراكم سمعت صريخ أطفال العراق ؟
أتراكم تنبهت إلى أكثر من مليون طفل عراقي ماتوا جوعا ومرضا ؟
بل بلغ معدل الوفيات في جنوب العراق 5000 طفل في الشهر الواحد !!
أتراكم عرفتم كيف صار حال المستشفيات في العراق ؟
" لا تصل المستشفيات إلا المياه الملوثة،و لا تشم للأدوات المتهالكة رائحة التعقيم، ولا يوجد أَسِرة حديدية جيدة.. على كل مريض أن يحضر ومعه سريره الخاص به إن أمكن أو يشارك الآخرين في مرتبة واحدة.. المصاعد والمكيفات معطلة، الأسقف والشبابيك تتدلى منها القاذورات، معظم المواد الطبية ثنائية الغرض ممنوعة بمقتضى العقوبات، فأجهزة القلب والرئة والأشعة،وحضانات الأطفال الخدج، وعربات الإسعاف، حتى لا تستخدم كعربات عسكرية، كل هذا ممنوع استيراده.. أما الأدوية مثل المضادات الحيوية والمسكنات وأدوية التخدير والعلاج الكيميائي وكثير من التطعيمات بل ومواد معامل التحاليل محظورة بأمر من مجلس الأمن حتى لا تتحول إلى أسلحة بيولوجية أو كيميائية، حتى الأدوية العادية المنقذة للحياة، من محاليل الجفاف إلى الأنسولين عادة غير متواجدة.. الإبر والقفازات تغسل ويعاد استخدامها !

(54/2)


وكثيرا ما يضطر الأطباء لإجراء العمليات فتسمع أروقة هذه المستشفيات صرخات الألم الموجعة.
أما الأطباء والممرضات فحدث عنهم ولا حرج.. فقبل عام 1990، كانت المستشفيات تضج بالمنظفات والممرضات من كل مكان ، ولكن مع العقوبات رجع كلٌّ إلى بلاده. لا تكاد ترى ممرضة في هذه الأماكن، الممرضة الآن هي أم الطفل المريض نفسه أو جدته.. تحضر ومعها الطعام والمياه المغلية ويشرفون على تشغيل الماكينات وأعمال التمريض الخفيفة.
الأطباء الذين تَلقى الكثير منهم دراسته في أمريكا وبريطانيا.. رواتبهم لا تتعدى 2-4 دولار شهريًّا! ويشتركون في نُسخ متهالكة من الكتب الطبية القديمة.. فلا يوجد بحث علمي.. ولا إنترنت.. بل إن بعضهم يُضطر للعمل كسائق تاكسي مساء لتلبية الاحتياجات الأسرية" [ إسلام أون لاين ]
هذا ما فعله الحصار الجائر الظالم بالعراق ... والجلادون مازلوا يبتنون القصور ويتنعمون بالمال الوفير !!
واليوم تتبدى ملامح لوحة حزن جديدة يراد للعراق أن يعيشها ..
لكأنما كتب على هذا الشعب المسكين أن يتجرع كأس البؤس حتى الثمالة ..
اليوم تقف أمريكا رأس حربة ضد العراق تريد أن تدمره وتضرب شعبه بحجة الأسلحة الكيماوية ذات الأسلحة التي ضربت بها أمريكا اليابان .
" ومن الخطأ بل من السذاجة المتناهية أن نتصور أن المعركة بين رجلين ، أو بين النظام البعثي في العراق وبين الحكومة في أمريكا، إن هذا التحليل مع ما يحمله من غفلة وحماقة، قد يجر إلى السلبية القاتلة نحو ما سيجري هناك، بل قد يدفع البعض إلى أن يضع يده في يد أمريكا، أملاً وطمعاً في التخلص من صدّام وحزبه الذي جرّ على الأُمّة ويلاتٍ ونكبات.
إن حقيقة المعركة تتمثل في أهداف أمريكا تجاه العالم الإسلامي فهي حلقة من سلسلة الحروب الصليبية التي أعلنها بوش وبدون مُوارَبَة في العام الماضي، فقد أعلن أن معركته الأولى في أفغانستان والثانية في العراق وهلمّ جَرّا .
ولئن كانت إدارة بوش تردد الحديث عن خطورة نظام صدام وخطورة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وتتعمد إثارة البلبلة الإعلامية حول خططها الحربية العسكرية وتوقيتها، فإنه من الأهمية التساؤل عن مبرر إثارة هذه القضيّة الآن وفي هذا التوقيت بالذات؟ أليس العدو الصهيوني يمتلك ترسانة من الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل أكثر مما يملك العراق؟
إن الذي يظهر من التسريبات الصحفية والأجواء العالمية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يشير إلى أن القضية أبعد من إسقاط نظام صدام أو حتى التحكم في منتوجاته النفطية على أهمية ذلك.
إن الهدف الأكبر هو إيجاد نظام بديل أكثر طواعية وعمالة، يكون صنيعة أمريكية بحتة، سواءً بالأسلوب العسكري أو الأمني الاستخباري، وهذا بدوره سوف يدخل المنطقة بل العالم في طور جديد من النفوذ الأمريكي إذا سمح له أن يمر دون مقاومة " [ من كلام ناصرالعمر في مقالة نشرت بالانترنت ] .
ومن الأهداف كذلك التدخل المباشر في مقومات الأمة المسلمة علىمستوى التعليم والتربية وغيرها . إضافة إلى القضاء على علماء الأمة في مجالات الذرة والفيزياء النووية .
" ولو أن الرأي العام الإسلامي كان على ثقة بأن ما تريده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو -كما يتحدث عنه الإعلام الأميركي اليوم بمناسبة الإعداد للحرب وإضفاء المشروعية عليها- تخليص العراق من الدكتاتورية وإقامة نظم ديمقراطية وطمأنة الأقليات وتحرير المنطقة من عوامل السيطرة والهيمنة والقهر في سبيل تحقيق الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط لجميع الدول والشعوب، لكان يمكن أن نتمحل عذرا لمن يعطي مباركته لواشنطن أو لأي قوة دولية أخرى في المنطقة أو خارجها " [ من مقالة لبرهان غليون في موقع الجزيرة ]، ولكان يمكن أن نتمحل عذرا كذلك لشحاذي كراسي الحكم من أبناء الشعب العراقي، الذين توافدوا إلى أبواب البيت الأبيض، طامعين في نقلهم على دبابات أمريكية إلى قصور الحكم في بغداد ؟!!
الخطبة الثانية
إن الواجب على جميع المسلمين – وبخاصة العرب منهم - أن يقفوا ضد الغزو الصليبي الصهيوني للشعب العراقي، وأن ينصروا هذا الشعب المظلوم - الذي دمرته المعارك، وسحقته المقاطعة الظالمة - على من يعتدي عليه من أعداء الله وأعداء دينه، فذلك هو واجبهم شرعاً.
قال تعالى ))ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً (( [النساء 75 ] .
وفي حديث أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ([ صحيح البخاري 1/182 وصحيح مسلم [4/1999]
وفي حدبث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (( [ صحيح البخاري 5/2238 وصحيح مسلم 4/19999 ] .

(54/3)


وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة( [ صحيح البخاري2/862 ، وصحيح مسلم4/1996 ]
ومعنى "لا يُسلمه" ما قاله الحافظ ابن حجر في شرح الحديث:
"أسلم فلان فلاناً إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه".
وقال بعد ذلك: "ولا يسلمه أي لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه بل ينصره ويدفع عنه" [فتح الباري 5/97 ]
فإذا ورد النهي عن إسلام المسلم أخاه المسلم، لظالمه، فكيف به إذا ظلمه؟ وكم من الزمن مر على شعب العراق وهو يعاني من الظلم، وبعضنا يؤيد ظالمه عليه، وبعضنا يتركه يُظلم، فلا ينصره؟
وعلى المسلم الذي يعلم من نفسه – بينه وبين ربه – أنه لا يستطيع نصر هذا الشعب على من يعتدي عليه، أن يبتعد عن إعانة المعتدين عليه، وأن يعلم أنه إذا أعان المعتدي على إخوانه المسلمين، فإن الدائرة ستعود عليه، وسيذوق يوماً مَّا، ما أذاق غيره وكما تدين تدان: (( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )) والعدو الذي تعينه على أخيك المسلم، سيتعين عليك به أو بغيره، لأنه لا ولاء له إلا مصالحه المادية" [ د.الأهدل ـ الساحات ]
أيها الإخوة .. هذا واجبنا تجاه العراق ..
عراق الأمجاد والمفاخر ... عراق أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وبشر الحافي وغيرهم من أعلام الأمة .
عراق أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد والمعتصم .
عذرا حبيبي ياعراق فإنني ... دنف وإن البعد عنك لموجع
عذرا سنرجع ياحبيب قلوبنا ... وسيلتقي الأحباب مهما ودعوا
القائمون إلى الصباح تهيأوا ... وطبول فجر الناسكين ستقرع
سنعود بالشجر الوريق وبالندى ... للجائعين فما يعود مروع
[ قلبي على وطني ـ السماوي ]

(54/4)


أحكام الذبائح
إعداد/ سعيد عامر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق اللَّه محمد بن عبد اللَّه ومن والاه. أما بعد:
فقد سبق الحديث عن الأحكام الخاصة بالهدي والأضاحي والفدية والعقيقة، وإليك الأحكام الخاصة بالوليمة.
5- أحكام الوليمة:
أولاً: تعريفها:
الوليمة: طعامُ العُرْس، أو كُلُّ طعامٍ صُنِعَ لدعوةٍ وغيرها. القاموس المحيط، للفيروز آبادي (ص1902).
ثانيًا: حكمها:
جمهور العلماء على أن الوليمة سنة مؤكدة، وهو مشهور مذهب المالكية، والحنابلة، وبعض الشافعية.
ثالثًا: حكمة مشروعيتها:
الإسلام دين المحبة والمودة والإخاء، دين الترابط والتكاتف والتعاون والتراحم، يحث على كل ما يحقق هذه الأهداف السامية، ويرغب في الوسائل المؤدية إليها، وأهم هذه الركائز إطعام الطعام، وقد عبر الحديث الصحيح أوضح تعبير عن هذه الوسيلة حين سئل صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».
والدعوة إلى الوليمة تجمع الأمرين: السلام والطعام، والإجابة إليها تجمع الأمرين: السلام والطعام، وقد شرع الإسلام الدعوة إلى الطعام في كل وقت بصفة عامة، وزادها تأكيدًا في مناسبات خاصة، وجعلها أساسًا من أسس إشهار النكاح وإعلانه، فكانت وليمة العرس، ومن بعدها وليمة الولادة «العقيقة»، وعند كل فرح وسرور ونعمة كبرى.
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم من يدعى إلى ضيافة من هذه الضيافات أن يجيب، وليعلم أن ما بعث الداعي إلى الدعوة إلا صدق المحبة والسرور بحضور المدعو، والتحبب إليه بالمؤاكلة، وإقامة الطعام كعهد أمان بينهما.
رابعًا: وقت الوليمة:
اختلف السلف في وقت الوليمة، هل هو عند العقد، أو عقبه، أو عند الدخول، أو عقبه، أو من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول؟
قال الإمام النووي: اختلفوا، فحكى القاضي عياض أن الأصح عند المالكية استحبابها بعد الدخول. قال السبكي: والمنقول من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنها بعد الدخول.
روى البخاري والبيهقي من حديث أنس رضي الله عنه قال: بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة فأرسلني، فدعوت رجالاً على الطعام.
وروى البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى بصفية فدعوت المسلمين إلى وليمته.
خامسًا: إجابة الدعوة:
جمهور العلماء على أن إجابة الدعوة إلى الوليمة واجبة وجوبًا عينيًا عند المالكية والشافعية والحنابلة حيث لا عذر من نحو برد وحر وشغل.
روى مسلم وغيره من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دُعي أحدكُم إلى الوليمة فليأتها». وفي رواية: «فليجب». وفي رواية: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة عُرس فليجب».
وفي الحديث المتفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها عرسًا كان أو نحوه». «ومن لم يجب الدعوة، فقد عصى اللَّه ورسوله».
وفيه دليل على وجوب الإجابة لأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب. راجع الفتح.
ونقل القاضي عياض: اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس. قال: واختلفوا فيما سواها.
فقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها (أي الولائم غير وليمة العرس)، وقال أهل الظاهر: تجب الإجابة لكل دعوة من عرس وغيره، وبه قال بعض السلف. فتح المنعم (9/569).
وإذا دعي وكان صائمًا فيجب أن يجيب، روى مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فَيْلُصَلِّ، وإن كان مفطرًا فَلْيَطْعَمْ». ومعنى: «فليصل» أي فليدع، فالمقصود بالصلاة هنا الدعاء.
والصائم لا يجب عليه الأكل، لكن فإن كان صومه فرضًا لم يجز له الأكل لأن الفرض لا يجوز الخروج منه.
وإن كان نفلاً جاز له الفطر وتركه، والبعض قال باستحباب الفطر على رأي من يُجوِّز الخروج من صوم النفل، وخاصة إذا أَلَحَّ عليه الداعي. ويؤيد ذلك ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما: «إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليُجب، فإن شاء طَعِم، وإن شاء ترك».
وروى الطيالسي والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد، قال: دعا رجل إلى طعام، فقال رجل: إني صائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعاكم أخوكم وتكلف لكم، أفطر وصم يومًا مكانه إن شئت».
وروى النسائي والحاكم والبيهقي والحديث صحيح الإسناد «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» ولا يجب قضاء يوم النفل.
ويستحب لمن حضر الدعوة الدعاء لصاحب الدعوة، والسلام عليهم:
روى أحمد وأبو داود والبيهقي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار فأتى إلى باب سعد بن عبادة، فقال: السلام عليكم ورحمة اللَّه، ثم أدخله البيت، فقرب له زبيبًا، فأكل نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم فلما فرغ قال: «أكل طَعَامَكُم الأبْرَارُ، وصلت عليكم الملائكةُ، وأفطرَ عندكمُ الصائمون».

(55/1)


وروى مسلم وأبو داود من حديث عبد اللَّه بن بسر أن أباه صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا فدعاه، فأجابه، فلما فرغ من طعامه قال: «اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وبارك لهم فيما رزقتهم».
وروى مسلم وأحمد من حديث المقداد بن الأسود، وفيه: «اللهم أطعم من أطعمني، وأسق من سقاني».
وروى الطبراني بسند حسن: «اللهم بارك فيهما وبارك لهما في بنائهما».
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي والألباني، وفيه: «بارك اللَّه لك، وبارك اللَّه عليك، وجمع بينكما في خير - على خير».
- تكره إجابةُ من كان ماله حرامًا، كما يكره قبول هديته وهبته وصدقته، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته.
- إن كان المكان فيه منكر من معازف أو خمر، فلا يجوز حضور الدعوة إذا اشتملت على معصية، إلا أن يقصدَ إنكارَها ومحاولةَ إزالتِها، وإن لم يقدر على إزالتها لا يحضر.
قال الإمام الأوزاعي: لا ندخل وليمة فيها طبل ولا معازف.
وكذلك لو كان في الموضع ستائر بها تصاوير ذوات الأرواح أو كانت منقوشة على الحائط.
روى البيهقي وسنده صحيح من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو أن رجلاً صنع له طعامًا، فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسر الصورة، ثم دخل.
سادسًا: الأعذار المبيحة لعدم الحضور:
أ- العذر الذي يبيح التخلف عن الجمعة: مثل كثرة المطر، أو خوف على مال، أو مرض، أو تمريض قريب ونحوها يبيح التخلف عن الوليمة.
د- تخصيص الأغنياء بالدعوة:
لا يجوز أن يخص بالدعوة الأغنياء دون الفقراء، روى مسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شرُّ الطعام طعامُ الوليمة، يُمنعها من يأتيها ويُدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى اللَّه ورسوله». وفي رواية: «بئس الطعام طعام الوليمة يُدعى إليه الأغنياء ويُترك المساكين».
ومن ذلك أخذ بعض العلماء أن دعوة الأغنياء دون الفقراء عذر في عدم الحضور، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا خص الغني وترك الفقير أمرنا أن لا نجيب».
قال ابن بطال: إذا ميز الداعي بين الأغنياء والفقراء، فأطعم كلا على حدة لم يكن به بأس، وقد فعله ابن عمر. انظر فتح المنعم (5/570).
ويستحب مشاركة الأغنياء بمالهم في الوليمة «من كان عنده شيء فليجيء به»، «من كان عنده فضل زاد فليأتنا به» متفق عليه.
سابعًا: جواز الوليمة بغير لحم:
يجوز أن تؤدى الوليمة بأي طعام تيسر، ولو لم يكن فيه لحم، لحديث أنس، وقد سبق «أقام النبي صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة ثلاث ليالي يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبُسطت. (وفي رواية: فحصت الأرض أفاحيص، وجيء بالأنطاع فوضعت فيها، فألقى عليها التمر والأقط والسمن فشبع الناس». البخاري (7/387)، انظر آداب الزفاف (ص42).
والأنطاع: جمع نطع، وهو بساط متخذ من الأديم وهو الجلد المدبوغ.
أفاحيص: جمع أفحوص القطاة، وهو موضعها الذي تجثم فيه وتبيض كأنها تفحص عند التراب: أي تكشفه.
والحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامًا على إمام الأنبياء.

(55/2)


... أحكام الزكاة
...
تعريف الزكاة
تعرف الزكاة بأنها الجزء المخصص للفقير والمحتاج من أموال الغنى . وتحسب الزكاة كنسبة 2.5% من المدخرات السنوية إذا تعدت قيمة معينة تعرف بالنصاب .
الزكاة مشتقة في اللغة العربية من زكا والتى تعنى النماء والطهارة والبركة . فإخراج الزكاة طهرة لأموال المسلم وقربة إلى الله تعالى يزداد بها ومجتمعه بركة وصلاحا .
فالزكاة طهرة للمجتمع من التحاسد والتباغض وعنصر هام لزيادة التواد والتكافل بين أفراد المجتمع .
أهمية الزكاة
الزكاة ركن من أركان الإسلام الأساسية وهى فريضة على كل مسلم تتوفر فيه شروطها فيجب عليه إخراجها لمستحقيها . وقد ورد لفظ الزكاة فى القرآن الكريم مع الصلاة فى أكثر من (80) آية .
" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة 2-آية 277)
أعلى الصفحة
حكمة الزكاة
المسلم الغنى ينظر إلى ثروته وأمواله كأمانة استأمنه الله عليها ينبغي عليه أن يؤدى حقها ويستعملها فيما يرضى الله تعالى .
ويحث الله تعالى المسلمين على الإنفاق من أموالهم ليسدوا حاجات الفقراء والمحتاجين "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون " ( البقرة 2- آية 245 )
والزكاة في الإسلام هى أول نظام عرفته البشرية لتحقيق الرعاية للمحتاجين والعدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع حيث يعاد توزيع جزء من ثروات الأغنياء على الطبقات الفقيرة والمحتاجين .
والزكاة طهرة لأموال المزكيَ وطهرة لنفسه من الأنانية والطمع والحرص وعدم المبالاة بمعاناة الغير
.
وهى كذلك طهرة لنفس الفقير أو المحتاج من الغيرة والحسد والكراهية لأصحاب الثروات .
وتؤدى الزكاة إلى زيادة تماسك المجتمع وتكافل أفراده والقضاء على الفقر وما يرتبط به من مشاكل اجتماعية واقتصادية وأخلاقية إذا أحسن استغلال أموال الزكاة وصرفها لمستحقيها .
أعلى الصفحة
النصاب
والنصاب هو مقدار معين من المال محدد شرعا لا تجب الزكاة في أقل منه وتختلف قيمة النصاب حسب نوع المال .
وقد حدد النبى صلى الله عليه وسلم النصاب بعشرين مثقالا من الذهب وهي تساوى (85) جراما من الذهب الخالص – وحدد نصاب الفضة بمائتى درهم وهى تساوى ( 595) جراما من الفضة الخالصة .
ونصاب العملات الورقية هو ما يكافئ (85) جراما من الذهب الخالص ويتغير بتغير قيمة العملة . وحاليا يساوى النصاب (340) دينارا كويتيا أو (740) جنيها استرلينيا أو (1150 ) دولارا أمريكيا .
ويعد الشخص غنيا إذا امتلك النصاب زيادة على حاجاته الرئيسه وحاجات عائلته ومن تحت رعايته بالنسبة للطعام والشراب والملبس والمركب والمسكن وأدوات عمله والضرورات الأخرى .
ومتى امتلك الشخص النصاب زيادة على حاجاته وحاجات أسرته الأساسية لمدة سنة قمرية وجب عليه إخراج الزكاة .
وتجب الزكاة أيضا بمعدلات متفاوتة فى الثروة الحيوانية والزروع والثمار والثروة المعدنية
.
أعلى الصفحة
الأموال تجب عنها الزكاة
فرض الإسلام الزكاة فى الذهب والفضة ويقاس عليهما العملات المختلفة وكذلك عروض التجارة والزروع والثمار والأنغام والركاز والمعادن .
وهذه بعض الملاحظات على الأموال الواجب فيها الزكاة وقيمة النصاب فيها:
الذهب والفضة
يبلغ نصاب الذهب 85 جراما من الذهب الخالص
ونصاب الفضة 595 جراما من الفضة الخالصة
والذهب الخالص هو السبائك الذهبية ( 999)
الذهب والفضة تستحق الزكاة متى ما بلغت النصاب وحال عليها الحول. وقيمة الزكاة فيها 2.5% من قيمتها الخالصة حسب سعر الذهب والفضة يوم وجوب الزكاة .
زكاة الحلى من الذهب والفضة
الحلى المصنعة من غير الذهب والفضة لا زكاة فيها .
حلى المرأة المعدة للاستعمال الشخصي لا زكاة فيها إذا لم تزد عن القدر المعتاد للبس المرأة بين مثيلاتها فى المستوى الاجتماعي لها .
أما ما زاد عن القدر المعتاد لبسه فيجب تزكيته لأنه صار فيه معنى الاكتناز والادخار وكذلك تزكى المرأة ما عزفت عن لبسه من الحلي لقدم طرازه أو نحو ذلك من الأسباب .
وتجب الزكاة فى الحلى مهما بلغت إذا اشترتها المرأة بنية الادخار أو الاستثمار .
وتحسب زكاة حلى الذهب والفضة حسب وزن الذهب والفضة الخالصين ولا اعتبار بالقيمة ولا زيادتها بسبب الصياغة والصناعة ولا بقيمة الأحجار الكريمة والقطع المضافة من غير لذهب والفضة .
الحلى المصنوعة من غير الذهب الخالص يسقط من وزنها مقدار ما يخالطها من غير الذهب .
فى الذهب عيار (21) قيراطا يسقط مقدار الثمن ويزكى عن الباقي .
والذهب عيار (18) قيراطا يسقط مقدار الربع ويزكى عن الباقى .
أعلى الصفحة
المقتنيات من الذهب والفضة
المقتنيات من الذهب والفضة وإن حرمت تجب الزكاة فيها . ومثال ذلك ما اتخذه الرجل من الزينة المحرمة كسوار الذهب للساعة أو قلم ذهبى أو ساعة ذهبية أو خاتم ذهبى .

(56/1)


وحلى المرأة من الذهب والفضة التى تتخذها تشبها بالرجال ، وكذلك آنية الذهب والفضة ونحوها.
ويضم الذهب بعضه الى بعض وتضم الفضة بعضها إلى بعض فإن بلغ النصاب وجبت الزكاة .
ملاحظة :
إذا لم يرغب الشخص فى إخراج القدر الواجب عليه ذهبا أو فضة يجوز أن يخرج قيمتها بالعملات الورقية .
العملات الورقية
تعامل العملات الورقية معاملة الذهب والفضة من حيث النصاب .
قيمة النصاب فى أى عملة ورقية هو ما يساوى قيمة (85) جراما من الذهب الخالص.
ويدخل فى حساب مدخراتك من العملات الورقية ما تمتلكه نقدا والحسابات البنكية والقيمة السوقية للأسهم والسندات وكذلك الدين المرجو السداد .
زكاة العقارات
لا يدخل فى حساب الزكاة قيمة المنزل المعد للسكن وكذلك أثاثه
تجب الزكاة على إيرادات العقارات المؤجرة ، فيضم المالك ايرادها الى أمواله فإن لغت نصابا يؤدي زكاتها 2.5% .
العقارات التى تتخذ للاستثمار تجب الزكاة على قيمتها السوقية وكذلك الإيرادات المتحصلة منها .
زكاة عروض التجارة
تجب الزكاة في جميع الأموال التى اشتريت بنية المتاجرة بها سواء كانت عقارا أو مواد غذائية أو زراعية أو مواشى أو غيرها .
ولا تجب الزكاة فى العروض التى ينوى التاجر أو الشركة الاحتفاظ بها كأدوات إنتاج مثل المبانى والآلات والسيارات والمعدات والأراضى التى ليس الغرض بيعها والمتاجرة فيها .
كيف تزكى عروض التجارة
عند حولان الحول يقيم التاجر ما عنده من بضاعة ويضمها الى ما لديه من نقود ثم يضيف إليها ماله من ديون مرجوة السداد ثم يطرح منها الديون التى عليه ثم يزكى الباقى بنسبة ربع العشر2.5 % ويقيم التاجر سلعته بسعر السوق الحالى سواء كان منخفضا عن سعر الشراء أو مرتفعا . ويجوز إخراج الزكاة من أعيان البضائع تيسيرا على الناس .
زكاة الثروة الصناعية
لا زكاة فى المبانى والمعدات وأدوات الانتاج المعدة للتصنيع .
وتخرج الزكاة على الربح الذى يدره المصنع وكذلك على المواد الخام المستخدمة في التصنيع إذا حال عليها الحول وكذلك المواد المصنعة التى لم يتم بيعها بعد وتقيم بما فيها من المواد الخام ولا عبرة بما زادته الصنعة فى قيمتها .
زكاة الديون
يقسم الفقهاء الديون إلى قسمين:
1. دين مرجو الأداء
وهو ما كان على مقر بالدين قادر على أدائه أو جاحد للدين ولكن عليه بينة أو دليل بحيث لو رفع أمره للقضاء استطاع التاجر استرداده .
تجب الزكاة فى هذا القسم من الديون .
2. دين غير مرجو الأداء
وهو ما كان على جاحد أو منكر وليس عليه بينة أو كان على مقر بالدين ولكن كان مماطلا أو معسرا لا يقدر على السداد .
لا تجب الزكاة فى هذا القسم من الديون إلا بعد قبضه فعلا فيزكى سنة واحدة وإن بقى عند المدين سنين .
كيفية حساب الزكاة
تحدد قيمة النصاب وهى ما يكافئ قيمة 85 جم من الذهب الخالص والتى تساوى حاليا ما يقرب من 340د.ك أو 1150 دولار أمريكى أو ما يعادلها بالعملات الأخرى .
تحدد أنواع الأموال التى تجب فيها الزكاة كما هى موضحة فى الجدول التالى.
تضاف الأموال الزكوية ثم يطرح منها الديون المستحقة حالا .
تحسب قيمة الزكاة بنسبة ربع العشر من الناتج .
الزكاة = (مجموع الأموال الزكوية – الديون المستحقة حالا) x 2.5%
النية :
النية ركن هام فى الزكاة . ينبغى عقد النية على أن هذا المال المستخرج هو الزكاة الواجبة إرضاء لله تعالى وإتماما للدين
وقت الزكاة:
تجب الزكاة فورا عند حولان الحول ولا يجوز تأخيرها . ويجوز إخراج الزكاة قبل وقتها .
الأموال الزكوية ... القيمة
أموال نقدية ...
حسابات بنكية ...
القيمة السوقية للأسهم والسندات ...
ذهب ...
فضة ...
ديون مرجوة الأداء ...
عروض معدة للتجارة ...
عقارات وأراض للتجارة ...
مجموع الأموال الزكوية ...
الديون الحالية ...
ما تجب فيه الزكاة ...
قيمة الزكاة ...
أنواع أخرى من أموال الزكاة
زكاة الزروع والثمار
ثبت وجوب الزكاة فى الثروة الزراعية بالقرآن والسنة والإجماع. يقول الله تعالى " كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده " الانعام (141)
يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض (البقرة 2- 267)
ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم : " فيما سقت الأنهار والغيم العشور وفيما سقي بالساقية نصف العشر " ( رواه مسلم ).
هل تزكى جميع الحاصلات الزراعية ؟
اختلف فقهاء المسلمين قديما وحديثا فى الحاصلات الزراعية التى تجب فيها الزكاة على عدة أقوال :
• يرى الإمام أبو حنيفة أن الزكاة واجبة فى جميع ما تنتجه الأرض من محاصيل وثمار وفاكهة وخضار ونحوها . وهذا الرأى هو الذى أختارته الهيئة الشرعية لبيت الزكاة فى الكويت .
• ذهب آخرون الى أن الزكاة واجبة فقط في كل ما يتخذه الناس قوتا يعيشون به حال الأختيار لا الاضطرار مثل الحنطة والأرز والذرة ونحوها .
• وذهب آخرون الى أن الزكاة واجبة فى كل ما ييبس ويبقى ويكال فقط .
نصاب المحاصيل الزراعية

(56/2)


جاء فى الحديث الصحيح :" ليس فى دون خمسة أو سق صدقة" والخمسة أوسق تعادل ما وزنه ( 653) كيلوجراما من القمح ونحوه .
وقت إخراج زكاة المحاصيل الزراعية :
لا يراعى الحول في زكاة الزروع ، بل يراعى الموسم والمحصول لقوله عزوجل : "وآتو حقه يوم حصاده" . فلو أخرجت الأرض أكثر من محصول فى السنة وجب على صاحبها إخراج الزكاة عن كل محصول .
مقدار زكاة الزروع :
يختلف مقدار زكاة الزروع بحسب الجهد المبذول فى الرى على النحو التالي :-
فى حالة الرى بدون تكلفة يكون المقدار الواجب هو العشر 10% .
فى حالة الرى بوسيلة فيها كلفة يكون مقدار الزكاة هو نصف العشر أى 5%
فى حالة الرى المشترك بين النوعين يكون المقدار الواجب ثلاثة أرباع العشر أى 7.5% .
ملاحظات :-
الأصل أن تخرج الزكاة من أصل المحصول ويرى بعض العلماء جواز إخراج القيمة وذلك بأن يحسب قيمة الزكاة الواجبة فى المحصول ثم يقدر قيمتها بالسوق ويخرجها نقدا .
يضم الزرع الواحد بعضه إلى بعض ولو اختلفت الأرض التى زرع فيها .
تضم الأصناف من الجنس الواحد من الزروع والثمار بعضها إلى بعض ولا يضم جنس إلي آخر .
زكاة الأنعام
تجب الزكاة فى الإبل والبقر والغنم
شروط وجوب الزكاة فى الأنعام :
1. أن تبلغ النصاب وهو الحد الأدنى لما تجب فيها الزكاة وهو كالآتى :-
• نصاب الإبل خمسة وليس فيما كان أقل من ذلك زكاة .
• نصاب الغنم أربعون وليس فيما كان أقل من ذلك زكاة .
• ونصاب البقر ثلاثون وليس فيما كان أقل من ذلك زكاة .
2. أن يحول عليها الحول وتضم أولاد الأنعام الى أمهاتها وتتبعها فى الحول .
3. أن تكون سائمة .
4. ويقصد بالسائمة لغة الراعية وشرعا هى المكتفية بالرعى أكثر أيام السنة من الكلأ المباح عن أن تعلف .
5. فأما إن كانت معلوفة فلا زكاة فيها .
6. وكذلك لا زكاة فى الإبل والبقر العاملة وهى التى يستخدمها صاحبها فى الحرث أو السقى أو الحمل وما شابه ذلك من الأشغال .
مقدار الزكاة من الأنعام
الجدول الآتى توضح قيمة النصاب والزكاة الواجبة فى كل نوع من الأنعام .
نصاب الإبل ومقدار الزكاة فيها
عدد الإبل
من - الى ... القدر الواجب فيه
4 – 1 ... لا شئ فيها
9 – 5 ... 1شاة
10- 14 ... 2شاتان
15-19 ... 3 شاه
20- 24 ... 4شياه
25- 35 ... 1بنت مخاض (هى أنثى الإبل التى أتمت سنة وقد دخلت فى الثانية، سميت بذلك لأن أمها لحقت بالمخاض وهى الحوامل)
36- 45 ... 1بنت لبون أو هى أنثى الابل التى أتمت سنتين ودخلت فى الثالثة . سميت بذلك لأن أمها تكون قد وضعت غيرها فى الغالب وصارت ذات لبن .
46- 60 ... 1حقة (وهي أنثى الابل التى أتمت ثلاث سنين ودخلت الرابعة . سميت حقة لأنها استحقت أن يطرقها الفحل
61- 75 ... 1جذعة (هى انثى الابل التى أتمت اربع سنين ودخلت الخامسة)
76- 90 ... 2بنتا لبون
91- 120 ... حقتان
121- 129 ... 3 بنات لبون
130- 139 ... 1حقة + 2 بنتا لبون
140- 149 ... 2حقة + 1 بنت لبون
159 – 150 ... 3 حقات
160 – 169 ... 4 بنات لبون
170- 179 ... 3بنات لبون + 1 حقة
180–189 ... 2 بنتا لبون + حقتان
190 –199 ... 3 حقات + 1 بنت لبون
200-209 ... 4 حقات أو 5 بنات لبون
وهكذا ما زاد على ذلك يكون فى كل خمسين حقة وفى كل أربعين بنت لبون.
نصاب زكاة البقر ومقدار الزكاة فيها على النحو التالي :
عدد البقر
من – الى ... القدر الواجب فيه
1- 29 ... لا شيء فيه
39 -30 ... تبيع (التبيع ما أتم من البقر سنة ودخل الثانية ذكرا كان أو أنثى )
- 40 59 ... مسنة (انثى من البقر أتمت سنتين ودخلت فى الثالثة)
60- 69 ... تبيعان أو تبيعتان
70- 79 ... مسنة وتبيع
80- 89 ... مسنتان
90- 99 ... ثلاثة أتبعة
-100 109 ... مسنة وتبيعان
110 – 119 ... مسنتان وتبيعان
120 - 129 ... ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة
وهكذا ما زاد عن ذلك فى كل ثلاثين تبيع أو تبيعة . وفى كل أربعين مسنة .
والجواميس صنف من أصناف البقر ينبغى ضمها الى ما عنده من البقر واخراج زكاتها .
نصاب الغنم والقدر الواجب فيها
يكون نصاب الغنم ومقدار الزكاة فيه على النحو التالي :-
النصاب من الغنم القدر الواجب منه
عدد الأغنام
من - إلى ... القدر الواجب فيه
1- 39 ... لا شئ فيه
40- 120 ... شاه واحدة (انثى من الغنم لا تقل عن سنة)
121 - 200 ... شاتان
201- 399 ... ثلاث شياه
400- 499 ... أربع شياه
500- 599 ... خمس شياه
وهكذا ما زاد على ذلك فى كل مائة شاة شاة واحدة.
ملاحظات:
1. الانعام المعدة للتجارة

(56/3)


تعامل الأنعام المعدة للتجارة معاملة عروض التجارة ، وتحسب زكاتها بالقيمة لا بعدد الرؤوس المملوكة ، لذا لا يشترط النصاب المذكور سالفا لوجوب الزكاة فيها ، بل يكفى أن تبلغ قيمتها نصاب زكاة النقود (وهو ما قيمته 85 غم من الذهب الخالص ) لتجب الزكاة فيها ، فيضمها مالكها الى ما عنده من عروض التجارة والنقود ويخرج الزكاة عنها بنسبة ربع العشر (2.5%) متى ما استوفت شروط وجوب زكاة التجارة من بلوغ النصاب وحولان الحول .
2. زكاة غير الأنعام :-
لا زكاة فى شئ من الحيوانات غير الإبل والبقر والغنم . فلا زكاة فى الخيل والبغال والحمير إلا إذا كانت للتجارة .
زكاة الركاز والمعدن :
ذهب العلماء إلى وجوب الزكاة بنسبة الخمس في الركاز والمعدن المستخرج من الأرض لقول النبي صلى الله عليه وسلم "وفى الركاز الخمس ولقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ".
فكل ما استخرج من الأرض مما له قيمة كالذهب والفضة والحديد والنحاس والنفط والياقوت والكبريت ونحو ذلك يجب إخراج خمسه زكاة من قليله وكثيره عند وقت استخراجه .
واشترط البعض أن يبلغ نصابا.
مصارف الزكاة :
مصارف الزكاة ثمانية أصناف محصورة فى قوله تعالى "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم " (التوبة –9 آية60)
هذا بيان لأصناف الزكاة الثمانية المذكورة فى الآية الكريمة :
1,2 الفقراء والمساكين :
وهم المحتاجون الذين لا يجدون كفايتهم . والمساكين قسم خاص من الفقراء وهم الذين يتعففون عن السؤال ولا يفطن لهم الناس .
ويعطى الفقراء والمساكين من الزكاة ما يسد حاجتهم ويخرجهم من الحاجة الى الكفاية .
3- العاملون على الزكاة :
وهم الذين يتولون العمل على جمع الزكاة ولو كانوا من الأغنياء ويدخل فيهم الجباة والحفظة لها والرعاة للأنعام منها والكتبة لديوانها .
- 4 المؤلفة قلوبهم :-
وهم الذين يراد تأليف قلوبهم وجمعها على الإسلام أو تثبيتها عليه ، لضعف إٍسلامهم ، أو كف شرهم عن المسلمين أو جلب نفعهم فى الدفاع عنهم .
5- وفى الرقاب :
ويشمل المكاتبين والأرقاء فيعان المكاتبون بمال الصدقة لفك رقابهم من الرق ويشترى به العبيد ويعتقون .
6- الغارمون :
وهم الذين تحملوا الديون وتعذر عليهم أداؤها فيأخذون من الزكاة ما يفى بديونهم .
7- وفى سبيل الله :
المراد المجاهدون فى سبيل الله فيعطون من الزكاة سواء كانوا أغنياء أم فقراء . وينفق من الزكاة على الإعداد للحرب وشراء السلاح وأغذية و احتياجات الجند .
"وفى سبيل الله " هو مصرف عام يشتمل على كل ما من شأنه إعلاء كلمة الله . ويدخل فيها إعداد الدعاة وبناء المدارس والمساجد فى غير بلاد المسلمين والنفقة على المدارس الشرعية وغير ذلك .
8- وابن السبيل :
وهو المسافر المنقطع عن بلده فيعطى من الزكاة ما يستعين به على تحقيق مقصده نظرا لفقره العارض .
• ويحرم إعطاء الزكاة للزوجة والآباء والأبناء والأغنياء وغير المسلمين .
• ويستحب أعطاؤها للأقارب والزوج وطلبة العلم .
• ويجوز نقل الزكاة من بلد الى آخر إذا استغنى أهل البلد عنها .
صدقة التطوع
• يقصد بالصدقة التبرعات النقدية أو العينية سوى الزكاة .
• وتشمل التبرع بالأموال والطعام والملابس والدواء والأثاث وكل ما له قيمة .
• الصدقة هي عنصر أصيل في الثقافة الإسلامية وقيمة عليا من قيم المجتمعات الإسلامية.
• وتعد الصدقة وسيلة ضرورية لتربية النفس وإصلاحها وإثارة معانى الخير والبر فيها وحضها على الإحسان إلى الغير .يقول الله تعالى " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم "(آل عمران92)
• ويتصدق المسلم غالبا شكرا لله تعالى على نعمه و فى المناسبات السارة كالزواج والولادة ورجوع الغائب والنجاح فى العمل ونحو ذلك .
• كذلك يتصدق المسلم عن الميت ليصله ثواب الصدقة .
• ويمكن أن تكون الصدقة بديلا لبعض الممارسات الحديثة مثل إقامة الحفلات وإرسال بطاقات التهنئة والورود والتى غالبا ما ينفق فيها الكثير من الأموال بلا جدوى ولا منفعة للفقير .
زكاة الفطر
وهى الزكاة التي تجب بالفطر من رمضان .
وهى واجبة على كل فرد من المسلمين ، صغير أو كبير ، ذكر أو أنثى ، حر أو عبد .
وحكمتها تطهير الصائم مما عسى أن يكون قد وقع فيه أثناء الصيام من لغو أو رفث وكذلك لتكون عونا للفقراء والمحتاجين على شراء احتياجات العبد ليشاركوا المسلمين فرحتهم .
على من تجب ؟
- تجب على كل مسلم يكون لديه ما يزيد عن قوته وقوت عياله وعن حاجاته الأصلية .
- ويلزم المسلم أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه وزوجته وعن كل من تلزمه نفقتهم.
مقدار زكاة الفطر :
الواجب فى زكاة الفطر صاع من أرز أو قمح أو شعير ونحو ذلك مما يعتبر قوتا يتقوت به .

(56/4)


والصاع مكيال يتسع لما مقداره (2.5) كيلو جرام من الأرز . ويختلف الوزن بالنسبة لغير الأرز من الأقوات .
ويجوز إخراج زكاة الفطر نقدا بمقدار قيمتها العينية وتقدر قيمتها بمبلغ دينار كويتى أو2.5 جنيه استرلينى أو 5 دولارات أمريكية .
وقت زكاة الفطر :
تجب زكاة الفطر بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان ، والسنة إخراجها يوم الفطر قبل صلاة العيد .
ويجوز تعجيل إخراجها من أول أيام رمضان ولا سيما إذا سلمت لمؤسسة خيرية حتى يتسنى لها الوقت الكافى لتوزيعها .
وتصرف زكاة الفطر مصرف الزكاة الواجبة أى توزع على الأصناف الثمانية المذكورة سابقا .
فدية الإفطار
هى مبلغ من المال يؤديه العاجز عن الصوم للفقراء بدلا عن الصيام وذلك لقوله تعالى " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ".
وتجب الفدية على من فقد القدرة على الصوم أبدا ويحصل ذلك بالشيخوخة والمرض الذى لا يرجى برؤه .
مقدار الفدية :
- الأصل فى الفدية أن تكون بإطعام فقير واحد عن كل يوم .
- فيطعم فقيرا واحدا طعاما جاهزا وجبتين مشبعتين عن كل يوم أفطره .
- ويجوز أن يخرج الطعام عينا بأن يخرج صاعا من قوت أهل البلد عن كل يوم .
- وله أن يخرج قيمة الطعام نقدا وتقدر بدينار كويتى عن كل يوم .
استفسارات عن الزكاة
س : اشتريت قطعة أرض بنية الاستثمار فهل يجب حساب الزكاة تبعا لقيمتها الشرائية أو السوقية ؟
ج: عند حولان الحول قدر قيمة الأرض تبعا لسعر السوق ثم أخرج زكاتها 2.5% من قيمتها السوقية ؟
س : هل تجزئ الضرائب التى تخصمها الدولة عن الزكاة ؟
ج: الضرائب لا تجزئ عن الزكاة فهى تختلف عن الزكاة من وجوه متعددة وفى الغالب لا تنفق فى مصارف الزكاة .
س : أعرت أخى قطعة أرض ليزرعها فعلى من تجب زكاتها علي أم عليه ؟
ج: إذا كان أخوك يزرعها لنفسه فيجب عليه إخراج زكاتها . أما إن كان أخوك يزرعها لك فتجب عليك زكاتها .
س : امتلك النصاب أول الحول ثم نقص ماله أثناء العام عن النصاب ثم كمل النصاب فمتى تجب عليه الزكاة ؟
ج: عند أبى حنيفة أن المعتبر هو وجود النصاب أول الحول وآخره و لا يضر نقصه بينهما .
وذهب البعض الى أنه لو نقض النصاب أثناء الحول ثم كمل اعتبر اكتمال الحول من يوم كماله .
س : مات وعليه زكاة فهل تجب الزكاة فى التركة ؟
ج: تجب الزكاة فى ماله وتقدم على الدين والوصية والورثة . لقوله تعالى "من بعد وصية يوصى بها أو دين " والزكاة دين قائم لله تعالى ولقول النبى صلى الله عليه وسلم " فدين الله أحق أن يقضى "
س : كيف يزكى المال المشترك ؟
ج: إذا كان المال مشتركا بين شريكين أو أكثر لا تجب الزكاة على واحد منهم حتى يكون لكل واحد منهم نصاب كامل وإن بلغ المال المشترك نصابا .
س : هل يجوز إعطاء الزكاة للزوجة والوالدين والأبناء ؟
ج: يحرم إعطاء الزكاة للزوجة والآباء وإن علوا والأبناء وإن نزلوا وذلك لأنه مكلف بالنفقة عليهم .
س : هل يجوز إعطاء غير المسلم من الزكاة ؟
ج: لا يجوز إعطاء غير المسلم من الزكاة .
إنما يجوز إعطاؤهم من الصدقة .
الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية
P.O. Box 3434
13035 الصفاة - الكويت
http://www.iico.org

(56/5)


... ... ...
أحكام السفر المباح ... ... ...
ناصر محمد الأحمد ... ... ...
... ... ...
... ... ...
ملخص الخطبة ... ... ...
1- فوائد السفر المباح 2- ما الذي ينبغي للمسلم أن يفعله إذا أراد السفر 3- بعض أحكام السفر 4- آداب المسافر المتعلقة برجوعه من سفره ... ... ...
... ... ...
الخطبة الأولى ... ... ...
... ... ...
أما بعد:
إن الحديث عن السفر والسياحة هو حديث الساعة، وقد تحدثنا في الجمعة الماضية عن السفر والسياحة المحرمة، ثم تعرضنا للسياحة الجائزة وذكرنا بعض المحاذير في ذلك. ولوع الناس بالسفر في الإجازات، حتى كأن الإجازة من غير سفر لا تكون. صار لزاماً ذكر بعض الأحكام والآداب المتعلقة بالسفر المباح والسياحة الجائزة. اعلموا رحمني الله وإياكم بأن السفر له فوائد كثيرة أشار إليها الشافعي رحمه الله في قوله:
تغرب عن الأوطان تكتسب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج همٍّ واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد
فان قيل في الأسفار ذل وشدة وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد
فموت الفتى خير له من حياته بدار هوان بين واش وحاسد
فالشافعي رحمه الله عدّ من فوائد السفر خمس فوائد: وهي: انفراج الهم، واكتساب المعيشة، وحصول العلم، والآداب، وصحبة الأخيار والأمجاد. وقال الثعالبي: من فضائل السفر، أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، ومن بدائع الأقطار ومحاسن الآثار ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى، وقال أبو الحسن القيرواني: كتب إلى بعض أخواني: مثل الرجل القاعد كمثل الماء الراكد، إن ترك تغير، وإن تحرك تكدر، وفي هذا يقول الشافعي:
سافر تجد عوضا عمن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب
إني وجدت وقوف الماء يفسده والعود في أرضه نوع من الحطب
وعن فوائد الأسفار العزيزة، إنه يرفع الذل عن الإنسان إذا كان بين قوم لئام، وإذا عاش في وسط يكيدون به، ويتربصون به، وكان هذا الإنسان ذا شأن فليبحث له عن أرض يعرفون قيمته، وقد ورد عن الشافعي أيضا حول هذا المعنى: أنه قال:
ارحل بنفسك من =رض تضام بها ولا تكن من فراق الأهل في حرق
فالعنبر الخام روث في مواطنه وفي التغرب محمول على العنق
والكحل نوع من الأحجار تنظره وفي أرضه وهو مرمي على الطرق
لما تغرب حاز الفضل أجمعه فصار يحمل بين الجفن والحدق
أيها الأحبة في الله :
من عزم على السفر فليبدأ بالتوبة من المعاصي ويخرج من مظالم الخلق ويقضي ما أمكنه من ديونهم، ويرد الودائع ثم يستحل ممن كان بينه وبينه مماطلة في شيء أو مصاحبة. ويكتب وصيته ويوكل من يقضي دينه ما لم يتمكن من قضائه ويترك لأهله ما يلزمهم من نفقة ونحوها. ويستحب له أن يطلب رفيقاً موافقا راغبا بالخير عارفاً في الشر، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه. ويستحب السفر يوم الخميس، لحديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في سفر إلا في يوم الخميس. رواه أبو داود. والسنة أن يخرج باكراً، لحديث صخر بن وداعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم بارك لأمتي في بكورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار))، وكان صخر تاجرا فكان يبعث تجارته أول النهار، فأثرى وكثر ماله، أخرجه أبو داود والترمذي. ونهى عن سفر الإنسان لوحده، لحديث عبد الله بن عمر رضي عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده)) رواه البخاري. وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)) رواه أبو داود والترمذي. والسنة أن يؤمروا أحدهم، لما رواه أبو داود عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)) قال نافع: فقلت لأبى سلمة، فأنت أميرنا.
ومن أحكام السفر، أن المسافر قد يحتاج إلى الراحة بعض الوقت أثناء الطريق، خصوصا آخر الليل، فعليه أن يجتنب الطريق، لما أخرج مالك في الموطأ حديث خالد بن معدان يرفعه ((ثم قال: وعليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، وإياكم والتعريس على الطرق – والتعريس نزول المسافر آخر الليل ساعة للاستراحة - فإنها طرق الدواب ومأوى الحيات)).
ولا ينسى في أول سفره دعاء السفر: ((اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل)).

(57/1)


ومن فضل الله أن الأعمال التي كان يعملها العبد من الأعمال الصالحة والتي تفوته بسبب سفره، فإنها تكتب له وإن لم يعملها، روى البخاري في صحيحه عن أبى موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله مقيما صحيحا)) وأيضا المسافر مستجاب الدعوة فعن أبى هريرة يرفعه ((ثلاث دعوات مستجابات، لاشك فيهن، دعوة المظلوم، ودعوة الوالد، ودعوة المسافر)) رواه أبو داود والترمذي. والرسول صلى الله عليه وسلم كان في سفره إذا علا على شرف كبر، وإذا هبط واديا سبح، فيشرع للمسافر التكبير إذا ارتفعت به الأرض، والتسبيح إذا انخفضت به الأرض. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا) رواه البخاري. قال أهل العلم: التكبير عند إشراف الجبال استشعار لكبرياء الله عندما تقع عليه العين من عظم خلق الله، إنه أكبر من كل شيء، وأما تسبيحه في بطون الأودية فقيل انه مستنبط من قصة يونس عليه السلام وتسبيحه في بطن الحوت قال تعالى: فلولا انه كان من المسبحين وقيل معنى التسبيح عند الهبوط: استشعار تنزيه الله تعالى عن صفات الانخفاض والضعة والنقص. وإذا خاف المسافر من قوم أثناء سفره دعا بما رواه أبو داود عن أبى موسى رضي الله تعالى عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خاف قوما قال: ((اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم)). ومن أحكام السفر: المسح على الخفين، فعن صفوان بن عسال قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة ايام ولياليهن، رواه الترمذي وغيره، فيجوز للمسافر أن يمسح على الجوارب وهو مسافر ثلاثة ايام بلياليهن يبتدأ المسح، من أول مسحة يمسحها. ومن الأحكام: التيمم، فإن الله جعل التراب بدلا عن الماء عند انعدامه أو تعذره، فالمسافر قد ينقطع به الماء فلا يجوز له تأخير الصلاة، بل يتيمم بالتراب ويصلي، فيضرب الصعيد ضربة واحدة يمسح بهما كفيه ووجهه، والتراب يرفع الحدث الأصغر والأكبر.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العزيز الحكيم. ... ... ...
... ... ...
الخطبة الثانية ... ... ...
أما بعد:
ومن أحكام السفر أيضا: جواز الفطر في رمضان قال الله تعالى: ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر فافطر الناس)) متفق عليه. والإنسان مخير بين الصيام والفطر بحسب مقدرته فعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن حمزة بن عمر الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم والسلام أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) متفق عليه. وعن أنس بن مالك قال: ((كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُعِب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم)) متفق عليه.
ومن أحكام السفر وهذا من رخص الله عز وجل علينا قصر الصلاة وجمعها، فإن المسافر يجوز له أن يقصر الصلاة ويجمع أيضا مادام أنه مسافراحتى يرجع إلى بلده، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كنا نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة لا نخاف إلا الله عز وجل نصلي ركعتين)) رواه النسائي بسند صحيح، وعن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم اصلي مع الأمام؟ فقال: ((ركعتين، سنة أبى القاسم صلى الله عليه وسلم)) رواه مسلم.
فالمسافر يجوز له قصر الرباعية ركعتين، وله الجمع أيضا سواء جد به السير أم لم يجد به السير مادام أنه مسافر لما رواه مسلم في صحيحه عن عامر بن وائله أن معاذ بن جبل أخبره: أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاًًً ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً.
ويسقط عن المسافر السنن الرواتب التي كان يصليها مقيما وهي راتبة الظهر والمغرب والعشاء، وباقي السنن التي كان يحافظ عليها حال إقامته يفعلها في السفر أيضا. أما راتبة الفجر والوتر فما كان يدعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حضرا ولا سفرا.
ومن أحكام السفر، جواز أداء النوافل وكذلك الوتر على الدابة أو السيارة وهي تسير، وإن لم تكن إلى جهة القبلة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)) متفق عليه. وعن جابر بن عبد الله ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته نحو المشرق فإذا أراد إن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة)) رواه البخاري.

(57/2)