صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجلة المنار

وقد رخص لكل من أراد إعادة طبعه أو ترجمته لأية لغة تعميماً للنفع ، ولولا ضيق المقام لأوردنا في العدد شيئاً من تلك الحِكم ، فجزى الله الناظم فوق ما تستحقه عنايته وإخلاصه ونفع بحِكمه وآدابه .

________________________

طائفة من الأخبار

اليمن

أرسلت الدولة العلية إلى اليمن ذخائر تساوي قيمتها مليوني فرنك ، وتفيد الأخبار الأخيرة أن الدولة العلية ظفرت بالثائرين .
***الخط الحديدي بين الإسكندرية ورأس الرجا يقول المسترسل رودس : إن المسافة بين مدينة رأس الرجاء و الإسكندرية ستة آلاف ميل ، منها 3229 ميل لم تمد فيها الخطوط الحديدية ، ويحتاج إلى نحو 250 مليون فرنك إلى مد الخطوط فيها ؛ لأن نفقة الميل الواحد نحو 75 ألف فرنك، وهو يسعى لدى حكومته باتخاذ الوسائل لمد هذه الخطوط ووصل الإسكندرية برأس الرجاء ، ليتم لها الرجاء السابق بامتلاك شرقي إفريقيا من الرأس إلى الذنَب ، وستكون المسافة بين مصر و الكاب عشرة أيام في الأكثر .
***ميزانية روسية الحربية و البحرية كانت ميزانية روسية في العام الماضي 298 مليون روبل للجيش و67 مليونا للبحرية ، وقد جعلتها في هذا العام 324 مليونا للجيش ، و83 مليونا للبحرية ، فما معنى اقتراح القيصر نزع السلاح أو تخفيفه مع زيادة 15 مليون روبل في ميزانية الحربية ، وقد كانت جرائد ألمانيا و إنكلترا تقول منذ شهرين : إن القيصر وافق على بذل 280 ألف روبل في تنظيم بطَّريات الميدان ، فكيف يطابق عمله اقتراحه .

________________________

(46/24)


مجلة المنار
مجلة شهرية تبحث في شؤون الدين وفلسفة الإجتماع
تصدر في كل شهر عربي مرة
لمنشئها
السيد محمد رشيد رضا الحسيني

الصنائع والتربية والتعليم [*]

الصنائع ركن من أركان المعيشة الإنسانية لا يستغني عنها البشر في طور من أطوار حياتهم وهي تترقى بترقي النوع في مدارج الحياة ، فتبتدي في طور البداوة بما يناسبه من البساطة والسذاجة والبعد عن الزخرف والزينة ، ولا حد لنهايتها ، وإنما يسوق الناس إلى الترقي فيها الحاجة ، فكلما ازدادوا عمرانًا وعلمًا تجددت لهم حاجات تناسب الطور الذي ارتقوا إليه ، والحاجة أم الاختراع ، فهي التي تهديهم إلى الاستنباط والعلم .
مطالبة الأمة في طور من أطوار الحياة بالصنائع التي تناسب طورًا أعلى منه ، إعجاز وإعنات ، لا سيما في هذه الأزمنة التي بنيت فيها الصنائع على أسس العلوم الطبيعية والرياضية والاقتصادية ، فإذا كلفنا تجار بغداد - الذين طلب منا مكاتب جريدة وكيل الهندية الغراء أن نحثهم على إنشاء المعامل - أن ينشئوا معملاً للقطن أو للصوف ، ونحن نعلم أنهم يحتاجون في ذلك إلى اجتلاب جميع آلات المعمل وأدواته من أوروبا بأثمان أغلى مما هي عليه في بلادها ، وإلى نفقات النقل مع صعوبة المواصلات ، وإلى دفع المكوس والضرائب للحكومة ، وإلى عمال من الأجانب يشتغلون في المعمل لجهل الوطنيين بذلك ، فهل نقدر على إقناعهم بأن مصنوعهم هذا يمكن أن يباع بالسعر الذي يباع به مثله من المصنوع الأوروبي مع الربح الذي يساوي أو يُربي على ما يربحونه من تصريف أموالهم في تجارتهم الحاضرة ؟ لا بد لمن يحث هؤلاء على عمل كهذا أن يعرف جميع ما أشرنا إليه مفصلاً تفصيلاً .

(47/1)


التجار والعمال أعلم بموضوع عملهم من أرباب الجرائد ، وإن كانوا لا يستغنون عن إرشادها ، وما توصله إليهم من أنباء أبناء صنفهم وأعمال البعداء عنهم مما يتعلق بالموضوع نفسه ، وغير ذلك مما يحتاجون لمعرفته فيما هم فيه ، كما تحتاج السياسة إلى الجرائد السياسية .
ربما تنبه الجرائد أهل السياسة أو التجارة والصناعة إلى ما لم يحيطوا به علمًا ؛ لأنها وصلة الهيئة الاجتماعية وملتقى أفكار الأصناف ، ولكن لا يقول أحد : إن قوام السياسة أو غيرها بالجرائد ، وأن كتابها أعلم من السياسة والتجار والصناع في مواضيع أعمالهم .
من مست حاجته إلى شيء وتهيأت له أسبابه تكفيه الإشارة الإجمالية إلى الأخذ به ، ويزيده التفصيل بصيرة ، ومن يؤمر بما تنافيه حالته في نفسه وفي قومه ووطنه ، فجدير بأن لا يمتثل الأمر ولا يعي الخطاب .

(47/2)


إذا شئت أن تُعصَى وإن كنت ناصحًا فمُرْ بالذي لا يستطاع من الأمر مما شرحنا تفهم السر في اكتفاء الديانة الإسلامية - التي جاءت لسوق الناس إلى سعادة الدارين - بالإرشاد الإجمالي في المصالح الدنيوية ، كقوله تعالى : [ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ]( الجاثية : 13 ) ونحوها ، وقوله عز وجل : [ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ]( الأعراف : 32 ) وقوله : [وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ]( النحل : 78 ) والشكر إنما يكون باستعمالها فيما خُلقت لأجله ، وقوله : [ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِياًّ وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ]( النحل : 14 ) الابتغاء من فضله مفسَّر بالتجارة .
اكتفى القرآن بمثل هذا الإجمال والتنبيه على أن للكون سننًا لا تتغير ينبغي الاهتداء بها ، وأفاض في تقبيح العقائد الباطلة والحث على الأخذ بالبرهان في الاعتقاد ، كما أفاض في الحض على تهذيب الأخلاق ومحاسن الأعمال ؛ لأن هذا هو الذي يجمع كلمة الأمة ويرقيها في معارج الكمال الاجتماعي ، وعند ذلك تهتدى إلي ما في ذلك الإجمال من الإرشاد إلى السعادة ، فتندفع له عن بصيرة وعقل ، فتبلغ الغاية منه بإذن الله تعالى .

(47/3)


والخلاصة أن لكل مقام مقالاً ، ولكل طور من أطوار الحياة أعمالاً ، ونحن معشر المسلمين اليوم منحطون في كل شيء ومحتاجون أشد الاحتياج إلى مجاراة مجاورينا في كل ما هم فيه من التقدم الاجتماعي والمدني والعسكري ، ويتوقف ذلك على علوم وفنون وأعمال وصناعات نحن في بعد عنها كلها بقدر ما نحن في حاجة إليها ، وما يبعدنا عنها أمور كثيرة ترجع إلى شيئين ، وهما : الدين ، والحكومات .
أما الدين فمن وجهين : ( أولهما ) : الإعراض عنه تخلقًا وعملاً ؛ لعدم تعلمه والتربية عليه على الوجه الذي ينبغي ، ولذلك تفرقت الكلمة وارتفعت الثقة وصار الإخوة أعداء ، ولا يمكن مع هذا القيام بالصنائع والأعمال النافعة التي تتوقف على الاجتماع والتعاون وروحهما الثقة ، وهي لا تحصل بالتكلف ولا بالإجبار ، بل يكون الإنسان أهلاً لأن يوثق به لصدقه وأمانته ونشاطه ، وكل هذا يكون بالتربية والتعليم الصحيحين .
( وثانيهما ) : فهمه على غير وجهه ؛ فإن أكثر المسلمين يعتقدون أن العلوم الطبيعية والرياضية كفر ، وكل من تعلمها تفسد عقيدته ، ويحتجون على ذلك بأن متعلميها لا يبالون بالدين ، والسبب الصحيح في عدم المبالاة هو عدم تعلم الدين وعدم التربية عليه ، وربما كان قول بعض شيوخ الدين لمن تكلم في مسألة من هذه الفنون يعتقدها بالبرهان : أنها من الكفر ومخالفة للدين - سببًا في اعتقاده بطلان الدين ؛ لأن كل ما خالف الحقيقة الثابتة بالبرهان باطل ، ويقع مثل هذا كثيرًا .

(47/4)


وأكثر المسلمين يعتقدون أيضًا أن السعة في الدنيا خاصة بالكافرين ، ومن الجمل المسلَّمة الدائرة على ألسنتهم : ( لهم الدنيا ولنا الآخرة ) وقد جاءهم هذا الوهم من الوعاظ وخطباء الفتنة ، وقد أوردنا لك آنفًا قوله تعالى : [ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ ]( الأعراف : 32 ) وهو صريح في أن الزينة والطيبات هي موهوبة من الله تعالى للمؤمنين باستحقاق ؛ لأنهم الذين يشكرون عليها ويأخذونها بحقها ، وإن كان غيرهم يشاركهم فيها كما أفاده قوله : [خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ ]ولهم غير ذلك من الاعتقادات المأخوذة من الدين على غير وجهها ، وهي من عقبات التقدم والإصلاح ، وقد ألممنا بها في المقالات السابقة إجمالاً وتفصيلاً .

(47/5)


وأما الحكومات فهي متمكنة بما لها من الاستبداد المطلق والسلطة النافذة من تمهيد العقبات والنهوض بالأمة في أقرب الأوقات كما فعل ميكادو اليابان ، ولكنها تُعسِّر ولا تُيسِّر ، وتمنح الأجنبي وتحرم الوطني ، وتفصيل ذلك يطول ، والشواهد عليه كثيرة جدًّا ، نكتفي هنا بواحدة منها ، وهو ما كُتب إلينا حديثًا من سوريا ، قال المكاتب ما مثاله : احتكر المسيو موسى فريج من بيروت من عدة سنين بضاعة إفرنجية ، وهي نوع من نسيج الديباج أو الإستبرق يتخذ سجوفًا للمناظر ( ستائر للنوافذ والشبابيك ) وظهارات للأرائك والمقاعد ، يبيع الذراع منه بثمانين قرشًا إلى 150 قرشًا ، فاطَّلع على ذلك أحد المهرة في صناعة الحياكة والنسيج من أهل دمشق الشام ، فأنشأ يقلد هذا النسيج حتى جاء بخير منه متانة وحسنًا وأرخص منه ثمنًا ، فهبطت أسعار النسيج الإفرنجي ، ونقص ربح فريج الفاحش ، فطفق يتجسس الأخبار ويبحث عن السبب حتى اهتدى إلى ما كان من النساج الدمشقي ، فابتغى إلى رشيد بك والي بيروت الوسيلة في منعه ، فقابل الوالي ذلك بما تقتضيه عثمانيته من الاهتمام ، واستحضر ذلك الوطني المسكين ، وحتم عليه ترك العمل وهدده بالعقوبة إذا هو عاد إليه ، ولم يكتفِ بذلك ، بل كسر له المنوال الذي يحوك عليه ، لكن حلاوة الربح حملت العامل على اتخاذ منوال آخر يحوك عليه سرًّا ، قال الكاتب : وهذا النسيج الوطني يباع الآن في بيروت سراً كما يباع البارود والديناميت ، إنا لله وإنا إليه راجعون .

(47/6)


هذا هو الوالي الذي تقدسه جرائد سوريا ، ويشفع له بعض المقربين كلما أراد مولانا السلطان عزله ، أي خزي تخزى به أمة أشد من نزول البلاء عليها من حيث تُرتجى النعماء لها ، وفيضان طوفان الشقاوة عليها من سماء السعادة ؟ أمة هذا شأنها بماذا يكون إرشادها ؟ ما هو الأهم الذي يقدَّم على المهم ؟ بماذا ينبغي الإسهاب والتفصيل ، وما الذي يكفي فيه الإجمال والاختصار ؟ يذهب قوم إلى أن الأهم المقدَّم هو التحامل على الأمراء والحكام وإظهار معايبهم ، وآخرون إلى الترغيب في الأعمال والصنائع وما تتوقف عليه من العلوم والفنون ، وهذا ما تلهج به الجرائد العملية والسياسية .
أما رأينا فهو : أن أهم ما يجب تقديم العناية به وتفصيل القول فيه هو الحث على التربية والتعليم الصحيحين، إذ بهما تتآلف القلوب وتجتمع الكلمة وتُعرف الحقوق والواجبات الملية والقومية والوطنية معرفة كاملة تبعث الإرادة على العمل ، ومتى تكونت الأمة وتربت وتعلمت فهي تصلح حكامها ، وتندفع بطبيعتها إلى الأعمال النافعة والصنائع المفيدة ؛ ولهذا أنشأنا المنار وعليه جرينا ، نعم إننا ما قلنا ولن نقول : إنه لا ينبغي أن يكون مع التربية والتعليم شيء آخر ، بل حثثنا ولا نزال نحث على تأليف الشركات المالية للقيام بالأعمال النافعة ، زراعية وتجارية وصناعية ، بحسب ما تقتضيه حالة الزمان والمكان ، ونبين أن ذلك لا ينافي الدين ، بل يحفظه ويعزه ، ونكل التفصيل في ذلك لأهله ، جريًا على سنة الدين ، فقد كان الشارع عليه السلام يرغب في الأعمال بمثل قوله : ( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فَسيلة فليغرسها ) وهو أبلغ ما يقال في التنشيط على العمل الدنيوي ، وقال في حادثة تأبير النخل : أنتم أعلم بأمور دنياكم .
هذا هو رأينا ، ومن أُشربه في قلبه لا يعذلنا فيه ، وبالله التوفيق .

________________________
(*) افتتح بها العدد 47 المؤرخ في 8 شوال سنة 1316 الموافق 18 فبراير سنة 1899 .

(47/7)


_______________________

صلاة الجمعة في جامع عمرو

هذا الجامع أقدم جوامع مصر وأعظمها ، ولا يُصَلَّى فيه إلا آخر جمعة في رمضان من كل سنة ، وللناس فيه اعتقادات وهمية غريبة ، منها : أنه سيكون هناك في آخر الزمان ملحمة عظيمة ، ويتأولون بذلك ما تطلقه الحربية من المدافع إجلالاً لأمير البلاد ، وعناية الحكومة بتجريد من يدخل الجامع من السلاح ، بل ومن العصي ( على ما يقولون ) وكأن السبب في هذا هو الاحتراس من قوع مشاجرة تُفضي إلى فتنة كبيرة يشتعل ضرامها بريح الاعتقاد الوهمي ، وكنت عازمًا على الصلاة في هذا الجامع لأنظر بعيني ما يكون من أمر الناس في الأعمدة التي أشرنا إليها فيما كتبناه تحت عنوان ( الاعتقاد بالجمادات ) في العدد الماضي ، فلم يتح لي ذلك ولكن حدثني منتقد فاضل بما أذكره ملخصًا ، قال : كان الطريق مفروشًا بالرمل النظيف ، وطائفة من الجند تذود عنه المسلمين دون الإفرنج ، مع أن الأولين هم المقصودون بالذات الذين تقام بهم الصلاة ، ولولا ذهابهم لما ذهب الإفرنج ، فكيف جاز لهم إهانة المصلين واضطرارهم إلى المشي في الطريق الذي تسوخ الأرجل فيه ، فتثير غبارًا يملأ أفواههم وخياشيمهم وهم صائمون ، وتتسخ منه أبدانهم وثيابهم ، ويستحب أن يصلوا وهم منظفون ، وقد جرى هؤلاء الجنود على قاعدة الاستصحاب في تعظيم الإفرنج والمتفرنجين ، وتحقير الوطنيين ، لا سيما إن كانوا صالحين ، ولا شك أن سمو العباس أعزه الله تعالى لا يرضى بهذه المعاملة الجائرة ، فقد سمعه منشئ هذه الجريدة يقول : إنه يحب التنقل في المساجد لصلاة الجمعة ، ويرى من فائدتها إصلاح الطرق ، لا سيما في المساجد البعيدة كجامع أبي العلا في بولاق - وكان الحديث بعد صلاته فيه - فعسى أن يلتفت لهذا الأمر من يناط بهم مثله بعد الآن .

(47/8)


قال محدثي : أما المسجد ، فقد كان مملوءًا بالمنكرات والمنتقَدات ، فمِن ذلك أن صدره كان مفروشًا بالزرابي والطنافس والبُسُط الجميلة ، وقسم منه كان مفروشًا بالحصير ، وباقيه غير مفروش ، فصَلَّت الألوف من الناس على الأرض الوسخة الرطبة .
ومنها : أن أبناء الطريق ( العاقِّين ) قد اجتمعوا بعد الصلاة يرقصون ويعزفون بدفوفهم ومزاميرهم .
ومنها : أن الإفرنج وغيرهم دخلوا المسجد رجالاً ونساءً بأحذيتهم ، وازدحم الذكران والإناث على حِلق المنتسبين للطريق ، ولا تسل عما في هذا الازدحام من المنكرات ، وأقلها الضوضاء والجلبة .
ومنها : التبرك بالعمود الذي كانوا يضربونه من قبل ، وقد سألهم محدثي عن سبب ما كان من إهانته وضربه أولاً وما استبدل بذلك من تعظميه والتبرك به ، بل بحظيرة الحديد التي أقامتها الحكومة الخديوية حوله ؟ فقالوا له : أنه كان عصى عمرو بن العاص عندما أراد الإتيان به للمسجد ، فكانوا يضربونه لذلك ، ثم إن الخديوى رآه في نومه وقد هَمَّ أن يفتك به فسأله عن السبب فقال : لأنك لا تمنع هؤلاء الناس من ضربي وايذائي ، فهذا ما حمل سموه على الأمر ببناء الحظيرة عليه ، وتبين أن فيه سرًّا يتمكن به من التصرف في الناس .
ومنها : العمودان اللذان يختبر الطائع والعاصي بالمرور من بينهما ، وقد شاهد ذلك محدثي بعينيه .
أما الخطبة : فأخبرني أنها كانت بعض سجعات في وداع رمضان .

(47/9)


وأجدر بمن يخطب في مسجد تؤتى فيه المنكرات ، وتشاهد فيه البدع والخرافات ويحضره الألوف وعشرات الألوف - أن يخطب الناس في الموضوع الذي يناسب المقام ، وتمس إليه الحاجة ، نعم إن من أسباب الخروج بالخطب عما شُرعت لأجله مرضاة الأمراء والسلاطين ، ولكن أميرنا العباس ليس من أولئك الأمراء الذين يجعلون الحق تابعًا لأهوائهم ، بل هو من أمراء الإصلاح[*] الذين يحبون أن يَصدُق عليهم الحديث الشريف : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به ) ومن آية ما أقول صلاته الجمعة في جامع أبي العلاء ، فإنه أيده الله تعالى قصد بذلك نسخ آيه خرافية ، وإبطال عقيدة وهمية ، ذلك أن عامة المصريين يعتقدون من زمن بعيد أن بلاءً كبيرًا يحدث إذا صلى أمير مصر في مسجد أبي العلاء ، وكنت أحب أن تكون الخطبة يومئذ في موضوع هذا الاعتقاد وتوَخي العزيز حماه الله تعالى إبطاله ، وبيان أن في صلاته تلك تربية عملية للأمة .
وأي عمل إصلاحي يمكن أن يعمله سمو العباس في هذا المقام أشرف من هذا ؟ أمر النبي عليه الصلاة والسلام الناس بالحَلق يوم الحديبية ، فتوقفوا عن الامتثال ، فلما حَلَقَ بادروا للاقتداء به ؛ لأن التربية بالعمل أنفع من بالتربية بالقول ، فلو أن الخطيب قال : أيها الناس إن الله تعالى خالق كل شيء قد جعل بحكمته لكل شيء سببًا ، وقد هدانا لهذه الأسباب بمشاعرنا وعقولنا وبما أرشد إليه في كتابه وعلى لسان نبيه لنعمل لمعاشنا ومعادنا على بصيرة ، وقد ضل كثير من الناس فجعلوا ما ليس بسبب سببًا للنفع أو للضر ، فكان ذلك عقبة في طريق سعادتهم في دينهم أو دنياهم بحسب الاختلاف في موضوع الضلال .
وإن مما شاع بينكم من الأسباب الباطلة مما لم ينزل الله تعالى فيه وحيًا ولم يرشد إليه بعقل ولا حس : اعتقاد بعضكم أن صلاة عزيز مصر في هذا المسجد يتولد منها مضرة ، وأن في زيارة بعض أعمدة الرخام في المسجد الحسيني والتمسح بها منفعة .

(47/10)


وإن من عناية مولانا العباس في إرشاد أمته أن جاء وصلى في هذا المسجد ليزيل هذا الاعتقاد الوهمي الفاسد ، وينبهكم على أن تقيسوا على ذلك سائر المواقع والمساجد ، فالنفع والضر والبلاء والنعماء كل ذلك بيد الله تعالى ، ويُطلَب من أسبابه العادية التي يعرف الضروري منها ، وما عدا ذلك ينكشف بعلوم مخصوصة قد سعد المشتغلون بها في دنياهم من حيث شقينا ، واستغنوا من حيث افتقرنا ، وقووا من حيث ضعفنا ، وإن شقاءنا وفقرنا وضعفنا في الدنيا من ضعف الدين ؛ لأن حماية الحق والتمكن من القيام به لا يُمكِنان إلا بالقوة والثروة ، فلا تعولوا في نيل مصالحكم وتحصيل سعادتكم إلا على الأسباب الصحيحة التي خلقها الله تعالى ، وجعلها سننًا ثابتة لا تتغير ولا تتحول ، واعلموا أنه ليس وراء سنن الكون قوة إلا القوة الإلهية التي يستند إليها كل شيء ، واتفق على هذا برهانا العقل والوحي ، قال الله عزو جل فيما أوحاه إلى نبيه الأكمل : [ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ]( الأعراف : 188 ) بمثل هذا كان ينبغي أن يُخطَب في مسجد أبي العلاء أو في مسجد عمرو عند ما صلى الأمير فيهما لا بمدح الشهور ووداعها .
وفق الله خطباءنا لما فيه الخير للأمة بمنّه وكرمه .

________________________
(*) هذا ما كان يظنه الكاتب في ذلك الوقت ، ولم يقصد به المصانعة ولا حدثته به ، ولا حملت أحدًا على إبلاغه إياه .

__________________________

دمشق الشام

(47/11)


علمنا من أنباء سوريا أن حضرة دولتلو ناظم باشا والي الولاية المشار إليها أصدر أمره باجتماع بعض الأعيان وأرباب الغيرة الوطنية في نادي دولته ، وذَاكَرَهم بما فيه ترقي الوطن ونجاح أهله ، وكان أهم بحث طال الأخذ والرد به : لزوم الزراعة التي عليها مدار الثروة والنجاح ، وفي ختام هذه الجلسة قرأ حضرة عزتلو عبد القادر بك مُحرر المؤيد العظمى مقالة مهمة في هذا الباب وهي : بنا على استدعاء دولتكم بعض الذوات لحضوركم العالي لطفًا وتنزلاً ، وفي جملتهم هذا العاجز ، للتداول في ترقي الزراعة التي هي ينبوع ثروة الولاية ، ومصدر سعادة الأهالي ورفاهيتهم ، بظل سيدنا الخليفة الأعظم عناية مخصوصة من قِبل دولتكم بهذا الأمر المهم ، بادرت لتحرير هذه اللائحة في بيان الوسائل التي تأول لترقي الزراعة في ولايتنا وتحسين أحوال الفلاحين ، وقدمتها وأنا لا أشك في أن الحكمة والصواب في رأي دولتكم ، فأقول : إن الوسائل والتدابير اللازمة لترقي الزراعة هي كثيرة جدًّا تحتاج لزيادة شرح وإسهاب لا يحتملها المقام ، فأذكر منها ما يأتي بوجه الإيجاز والاختصار : ( 1 ) تأليف مجالس زراعية في مركز الولاية التابعة لها للنظر في الأمور الزراعية والاهتمام على الدوام باتخاذ التدابير والوسائل المقتضية ، وكل ما يأول لترقي الزراعة وتحسين شؤون الفلاحين ، وعرض قراراتهم المتعلقة بذلك على مقام الولاية العالي ؛ لأجل النظر فيها .
( 2 ) إصلاح الطرق الوعرة المسالك بين القرى والقصبات بإلزام كل فرد مكلف من الفلاحين بالشغل بها أيامًا معدودة في السنة ، وفقًا لنظام الطرق والمعابر ، وذلك تحت مناظرة مجلس الزراعة ، بشرط أن لا يقع سوء استعمال في سَوْقهم وتشغليهم .
( 3 ) فتح مكاتب ابتدائية في القرى الكبيرة والاستئذان من المرجع الإيجابي بأن تكون نفقاتها من حصة المعارف على وجه أن تعم بعد ذلك كل القرى .

(47/12)


( 4 ) إرسال تلميذين في كل سنة من أولاد الفلاحين النجباء إلى المدارس الزراعية العالية في الآستانة العلية والممالك الأوروبية ، لتعلم علم الزراعة النظري والعملي على الأصول الجديدة ، واستخدامهم بعد عودتهم في المصالح الزراعية .
( 5 ) توحيد أسعار النقود في كل الولاية ، واعتبار المجيدي أساسًا لها، وتنزيل سعره إلى عشرين قرشًا في التداول بين الأهالي ، وتسعة عشر قرشًا في الصاغ ، كما هو متداول في الآستانة العلية ، وهكذا تتنازل أسعار النقود المتنوعة فيخلص الفلاحون من الفرق الذي بين الصاغ والرائج .
( 6 ) تسهيل أسباب الاستدانة على المضطرين للنقود من الفلاحين من المصارف ( البنوك ) الزراعية التي إنما فتحت رحمة بهم في ظل الحضرة العلية السلطانية ، لوقايتهم من ظلم الصيارفة ورباهم الفاحش ، وذلك بمنع المصاعب التي يقيمها بعض مأموري هذه المصارف ، وإزالة العقبات التي يضعونها في سبيل الفلاح المسكين جرًّا للمنفعة الشخصية .
( 7 ) وقاية الفلاحين من أعمال بعض صغار الموظفين وحركاتهم المخالفة للرضاء العالي ، وخصوصًا أنفار الدرك (الجاندرمة) الذين يعاملون الفلاح معاملة مخالفة للقانون .
( 8 ) التنبيه على الجباة ( التحصيلدارية ) بأن لا يطلبوا تقاسيط الخراج ( الويركو ) منهم قبل إدراك مواسمهم ، حتى لا يضطروا للاستدانة من الصيارفة وتحصيلها دفعة واحدة عند إدراك الموسم ، وإلزامهم بأعشار قراهم بالبدل اللائق ، وفقًا للرضاء العالي ، ووقايتهم من ظلم الملتزمين وغدرهم .

(47/13)


( 9 ) فتح معرض زراعي في مركز الولاية مدة ثلاثة أو أربعة أيام في السنة ، تحت حماية دولتكم ونظارة مجلس الزراعة ، تعرض فيه أدوات الزراعة القديمة والحديثة ، والفواكه الغضة والمجففة ، وأنواع البقول والبذور والخضر والأزهار والنباتات والماشية ، وتخصص أربع أو خمس جوائز من البلدية أو من واردات المعرض لا تتجاوز الجائزة عشر ليرات عثمانية لمن ينالون قصب السبق في إتقان آلات الزراعة وأدواتها ، وتربية الماشية وتنمية الأثمار والخضر وتربية الأزهار والنباتات ، والحكم في ذلك راجع لمجلس الزراعة ، أو لجنة يختارها من كبار المزارعين .
( 10 ) مكأفاة المجتهدين من الفلاحين مكافأة مادية لقاء تربيتهم عددًا معلومًا من الأشجار النافعة ، مثلاً : أن من يغرس مائة شجرة زيتون يعفى من دفع العشر عنها 15 سنة ، ومثله : من يغرس 500 شجرة توت أو مشمش و4000 جفنة كرم، وحيث إن ذلك لا يكون إلا بإرادة سنية سلطانية ، فإذا سنحت به العواطف الملوكانية بعد الاستئذان من طرف الولاية الجليلة يصير إعلانه للفلاحين .
( 11 ) حث الفلاحين على زراعة الحراش الصناعية في الأماكن القابلة لذلك، كجبال الكلبية في لواء حماة و جبل الشيخ و جبل عجلون و القنيطرة و القلمون وبعلبك وغيرها .
( 12 ) تعيين مكأفاة نقدية من صندوق بلدية كل لواء تُعطى لمن يشتغل أوفر غلة من الحنطة أو الذرة من فدان من الأرض بمعرفة مجلس الزراعة وبعض أهل الخبرة .
( 13 ) إبدال المحراث القديم بالمحراث الجديد الأوروبي تدريجًا ، وذلك بتشويق بعض الذوات لجلب عدة محاريث من أحدث نوع وأبسطة وأقله كلفة مما يجره فدان واحد من البقر ليستعملوه في أراضيهم ، فإذا رأى الفلاحون فوائده اقتدوا بهم أيضًا ، وهكذا يجلب غيره من أدوات الفلاحة الحديثة والبذور والأغراس الغربية.

(47/14)


( 14 ) تسهيل الزواج بين الفلاحين تكثيرًا لنسلهم ، وذلك بالإيعاز إلى الخطباء والمشايخ بالوعظ على المنابر وحلقات المساجد والاجتماعات بتخفيض المهور وعدم المغالاة بالجهاز ، مما يكون سببًا في إفقار بعض الفلاحين أو وقوعهم تحت طائلة الدَّين أو إبطائهم عن الزواج ، وخصوصًا في لواء حوران و قضاء المرج وغيرهما .
( 15 ) توزيع المهاجرين الوافدين للولاية على القرى ليشتغلوا في الأرض التي هي في احتياج شديد إلى العمال ، فتستفيد البلاد منهم ويستفيدون هم منها .
( 16 ) ترجمة بعض الكتب الحديثة الزراعية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية ، وطبعها في مطبعة الولاية ، ونشرها بين الناس ، وهذا كله مفتقِر لمساعدة دولتكم وعنايتكم ، وبه تزداد الزراعة ترقياً والأهالي راحة وسعادة في أيام دولتكم ، بظل الحضرة العلية السلطانية الساهرة على راحة تبعتها ورعيتها ، خلد الله ملكها إلى ما شاء الله .
(طرابلس) ( المنار ) إن مثل هذه الآراء السديدة والإرشادات المفيدة جديرة بأن تصدر من مثل هذا الأمير العاقل والسري الفاضل ، كما أن صاحب الدولة ناظم باشا في همته وإقدامه جدير بتنفيذها ، ونرى أن بعض ما يتوقف على إذن الآستانة العلية ، كإنشاء المكاتب الزراعية من حصة المعارف من الأموال الأميرية يعسر الوصول إليه إلا إذا ساعدت المقادير وما لا يدرك كله لا يترك قله .

________________________

وعود فرنسا في تونس

أرسل بعضهم رسالة إلى التيمس يذكر فيها وعود فرنسا وعهودها التي فاهت بها عند احتلالها تونس ، وهذه صورتها : كتب المسيو سان هيلار ناظر خارجية فرنسا حينئذ في 27 أبريل سنة 1881 يقول عن احتلال تونس : ( إننا لا نفكر ألبتة في ضمها إلى أملاكنا ، بل كل ما نسعى إليه عقد معاهدة مع الباي تضمن لنا حدودنا ومصالحنا ) .

(47/15)


وكتب في 19 مايو يقول : ( لا يمكن أن تكون تونس سببًا للخلاف بيننا ( بين فرنسا و إنكلترا ) فقد صرحنا لأوروبا بأننا لا نروم ضمها ولا فتحها ، ولا نحاول ذلك ، بل نحتل بنزرت وأماكن أخرى ، ما دمنا نرى احتلالها لازمًا ، ولكننا لا نجعل بنزرت ميناء لنا ، ولن تمتلك فرنسا تونس ، وستشهد أعمالنا بأننا لا نقول غير الحق ) .
وكتب أيضًا في 23 مايو يقول : ( إن ما صرحتُ به عن مقاصدنا في تونس هو الحق الذي لاريب فيه ، وضمها حمق وجهل ، ثم إننا لا نريد أن نفعل شيئاً في بنزرت ) .
وكتب أيضًا في 9 يوليو ما يأتي : ( إننا سنخمد الثورة ، ولكن ذلك لا يغرينا بالفتوحات ؛ لأننا لا نريدها ، وليس في زيادة سطوتنا على تونس إجحاف بالمصالح الإنكليزية ولا بغيرها ، وسترى أوروبا عن قريب أن وعودنا ليست من قبيل العبث ، وأن مقاصدنا في تونس حسنة ؛ لأننا لا نطلب شيئًا غير سلامة مستعمرتنا الأفريقية العظيمة الجزائر ) .
وكتب في 27 منه : ولي الأمل أن ما أجبت به أول أمس يقنع إنكلترا بحسن نيتنا وبصدق السياسة الفرنسوية وإخلاصها .
وكتب في 15 أبريل سنة 1884 - ولا أعلم ما إذا كان لا يزال ناظرًا للخارجية حينئذ - يقول : ( إني على رأيكم في سياسة إنكلترا المصرية فما عليكم إلا أن تفعلوا ما قلناه نحن في تونس ، حيث الأحوال على ما يرام ، فإن في ذلك مصلحة بلادكم ومصلحة التمدن والإنسانية معًا ) .

(47/16)


وكتب الكونت دي باري عدو الجمهورية الفرنسوية إلى المستر ريف في 17 سبتمبر سنة 1884 عن حملة تونكين فقال : ( إن السياسة الاستعمارية سارت على خطة غير منتظمة ، فتشددت عزائمها في تونكين وارتخت في مصر ، وقد كان يمكن اتخاذ مسألة مصر قاعدة للاتفاق مع إنكلترا ، فعوضًا عن ذلك لم ترد فرنسا مساعدتها ، بل حنقت عليها لأنها أقدمت على العمل وحدها ، ولما بدأت المشاكل والمصاعب في سبيل إنكلترا لم تتفق فرنسا معها على حلها ، ولا توارت وراء أوروبا حينئذ حتى لا تقع المسئولية عليها عند الإخفاق في المؤتمر ) .
( المقطم ) ( المنار ) فليعتبر الذين لا يزالون ينخدعون بأوروبا ويغترون بعهودها ووعودها ، فقد علَّمتهم الحوادث والوقائع الكثيرة إن كانوا يفقهون .

________________________

فرنسا والسودان

لا تزال الجرائد الفرنسوية تقيم الحجج والبراهين على مخالفة ( وفاق السودان) لجميع الأصول القانونية والشرائع الدولية ، ومما نشرته جريدة الديبا في ذلك من عهد قريب رسالة من القاهرة ملخصها : أن مصر ولاية تابعة للدولة العلية في جميع شؤونها الداخلية الكبرى والخارجية العظمى ، مقيدة بفرامين سلطانية أقدمها فرمان سنة 1810 ، وأحدثها فرمان سنة 1892 ، فلا حق لحكومتها أن تعقد وفاقًا أو معاهدة مع دولة ما ، وأوضح دليل على هذا أن الدول تأبى عليها تعيين وكلاء ومعتمدين في بلادها ، وما وكلاء الدول في مصر إلا قناصل جنرالية لا يمكن أن يعطى لهم غير هذا اللقب ، وأن جلالة السلطان هو الذي أذن للخديوي في سنة 1874 بأن يوافق الدول على معاهدات الإصلاح القضائي ، وفي سنة 79 بأن يعقد قرضًا في البلاد الأجنبية لحل المسائل المالية .
ولما أذن له في فرماني سنة 79 وسنة 92 بعقد المعاهدات التجارية والجمركية قيد ذلك بهذا النص :( ليس للخديوي أن يتنازل لآخرين بأية حجة وسبب عن الامتيازات الممنوحة لمصر كلها أو بعضها، ولا عن أي جزء من الأراضي ) .

(47/17)


وعلى هذا كان يجب أن يكون وفاق السودان بإذن خاص من جلالة السلطان ليكون صحيحًا ، وأما الاعتراض بأن إنكلترا مشاركة في الفتح والفاعل مستحق أجرته على قول الإنجيل الشريف ، فهو ضعيف لأن الولايات السودانية لم تخلها الجنود المصرية على الإطلاق منذ سنة 1882، وإنما هي ولايات ثارت وعصت وأدبت ، فإخماد الثورة شيء والفتح شيء آخر، وقد صرحت إنكلترا بلسان حكومتها وجرائدها بأن مصر أبقت حقوق سيادتها على السودان غير ممسوسة ، وأن الحملة لم يك المقصود منها إلا تسكين مقاطعات ثائرة .
وصرح اللورد كرزون وكيل خارجيتها - حاكم الهند الآن - في مجلس العموم سنة 1896 بأن شرق السودان التي تقرر أمرها عائد كله إلى الحكومة المصرية وحدها ، والنتيجة أن وفاق السودان فيه غمط لحقوق السلطان وحقوق أوروبا ، وقد أورد الكاتب كلمتين من كتب فن الحقوق الدولية محتجًّا بهما على الإنكليز : الأولى : ( أن المعاهدة المعقودة بين مملكتين تنفذ في جميع الأملاك والأراضي التي تنفذ فيهما سلطتهما ، وتقرر عليهما سيادتهما ) .
والثانية : ( أنه حينما تضم الدولة دولة أرضًا ما إليها ، فكل المعاهدات التي تربط بها هذه الدولة تنفذ لساعتها في الأرض التي تضمها إليها ) .
وختم كلامه بأنه سوف يرى إذا كانت تصبر أوروبا على هضم حقوقها أم لا ، انتهى .

(47/18)


( المنار ) قد ذكرت جريدة الأهرام ما نشرته الديبا بإسهاب ، ونحن نقول كما قلنا من قبل : إن المسألة مبنية على القوة لا على الحق ، وإلا فما بال سواكن ووادي حلفا ، فلو كان عند الفرنسويين أسطول كأسطول الإنكليز لنهضت حججهم ، وأصابوا غرضهم ، نعم إن فرنسا ليست كفؤًا لإنكلترا ، ولكنها دولة قوية ، والاحتجاج لا بد أن يمنحها فائدة ما ، فقد جاء في أنباء البرق العمومية ما يُشعر بأن إنكلترا قد تسمح لفرنسا بمنفذ في النيل ، ولكن المصيبة الكبرى على من له كل شيء ولا يسمح له بشيء ؛ لأنه لا يستطيع أن يقول لأنه لا يستطيع أن يفعل ، فعلى المصريين أن لا يغتروا بأحد ولا يثقوا بأحد ، وأن يتفكروا في كيفية حياتهم في هذه الأطوار الجديدة التي طرأت عليهم ، فالإنكليز لا يمنعونهم من منافعهم إن لم يقوموا بها بعنوان مناهضتهم ومعاداتهم ، فليشيدوا المدارس الوطنية ، وليعقدوا الشركات المالية ، وليسابقوا الأوروبي إلى السودان للاتجار وابتياع الأراضي الواسعة الرخيصة ، فهم أقدر على سكنى السودان واستعماره من الأوروبيين ، إن كانوا يعقلون .

________________________

إنكلترا والسودان

خطب اللورد سالسبوري في مجلس الأعيان خطبة رد فيها على اللورد كمبرلي زعيم الأحرار في اعتراضاته في مسألة السودان ، وأبدى ارتيابه في كون بلاد السودان غدت في زمن من الأزمان جزءًا من بلاد السلطان ، وأعرب عن حسن نية حكومته في هذه البلاد ، وتكلم عن حقوق الحضرة الخديوية كلمة نتمنى أن تكون صادرة عن الإخلاص لا عن التمويه السياسي المعهود ، لا سيما عند الإنكليز وهي : هذا وليس في كل الكلام الذي قلناه حتى الآن ما يفيد أن السودان صار ملكًا لجلالة الملكة ، فإننا استحوذنا على أملاك الخليفة بحقين : الأول : أنها جزء من أملاك مصر التي نحتلها الآن .

(47/19)


والثاني : حق الفتح وهو أقدم الحقوق وأقلها إشكالاً وأقربها إلى الأفهام ؛ لأن الجنود الإنكليزية والجنود المصرية فتحت تلك البلاد .
وقد بنيت حجتي على السودان في البلاغ الأول الذي كتبته إلى فرنسا على حق الفتح ، علمًا مني أن هذا الحق أفيد وأبسط وأقرب إلى التؤدة والسلام من الحق الآخر، ولكنني دحضت كل ما يمكن استنتاجه من ذلك ، وهو أننا ننوي أن ننازع الجناب الخديوي حليفنا على حقوقه أو أن نظلمه بشيء من الأشياء ، بل قد اعترفت له بمقامه في السودان .

________________________

الصوم والفطر

تناقلت الجرائد المحلية أن كثيرًا من أهل الريف أفطروا في يوم السبت ( 30 رمضان ) بناء على أن التقاويم ( النتائج والإمساكيات ) متفقة على أن الشهر 29 يومًا ، ولا سبب لهذا إلا الجهل بالحكم الشرعي ، فمن عرف الحكم لا يبالي بالتقاويم ، ومن الغريب أن بعض أهل القاهرة قد أفطروا بحجة اتفاق التقاويم وتوهموا أن فطرهم صادف الواقع ، حيث تبين أن الهلال رؤي في ليلة الأحد مرتفعًا وكبيرًا بحيث يجزم أنه ابن ليلتين ، وكل هذا لا اعتبار له في نظر الشرع.
الدين الإسلامي لم يجعل أمر العبادة منوطًا برئيس ولا عالم ، بل جعله مما يتناوله الكافة ؛ لأن إناطة العبادات بالرؤساء قد جر على الأمم السابقة شقاءً طويلاً ، فلو أن إثبات الصوم والفطر موكول إلى الفلكيين ، ولو على تقدير وجودهم لجاز أن لا يوجد في البلد الكبير أو القطر العظيم إلا واحد منهم ، وربما كان هذا الواحد أو الآحاد من أصحاب الأهواء الذين يتلاعبون بأمر الدين ، إجابة لداعي الشهوة ، أو لرغائب الأمراء والكبراء ، أو لغير ذلك من الأسباب ، وفي ذلك فساد كبير لا يخفى على المستبصرين .

(47/20)


لاحظ الشرع الحكيم هذا فجعل أمر الصوم والفطر مبنيًّا على رؤية الهلال ، فإن لم يُر فعلى كمال عدة الشهر ثلاثين يومًا ، وأول ليلة يُرى فيها الهلال من الشهر هي أول الشهر في الاصطلاح الشرعي ، سواء كان مرتفعًا أم منخفضاً ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، والحكمة ظاهرة ، إذ يتساوى بهذا الحكم جميع المسلمين ، لا فرق بين الأعرابي في باديته والحضري في مصره ، يعمل كل مسلم بعلمه إلا إذا ثبت شرعًا برؤية الهلال أن يوم الثلاثين من شعبان هو أول رمضان ، أو يوم الثلاثين من رمضان أنه العيد ، فيصوم ويفطر بحسب رؤيته ، وإن لم يثبت ذلك شرعًا بأن لم يشهد أو لم يحكم بشهادته ، ولكن ينبغي أن لا يتظاهر بخلاف ما عليه الناس ، لئلا يظن به السوء .
ينحي أكثر الناس باللوم فيما حصل من الخطأ في الفطر على الحكومة ويقولون : كان من وظيفتها إعلام سائر جهات القطر بعدم ثبوت العيد ليلة السبت ، وقالت جريدة المقطم : كان ينبغي الإعلام بعدم إمكان رؤية الهلال .
والصواب : معرفة الحكم الشرعي كافية لعدم الخطأ ، وأن التعريف به من وظيفة الخطباء والمدرسين ، فأكثر المسلمين يحضرون صلاة الجمعة ، فلو استبدل الخطباء في آخر جمعة من رمضان بيان هذا الحكم بوداع رمضان وإعلام الناس بما يعلمونه من إيقاد المصابيح وإطفائها ونحو ذلك مما لا فائدة فيه - لاهتدى الناس ولما وقعوا في هذا الالتباس ، فعسى أن يلاحظوا هذا في السنين المقبلة ، وبالله التوفيق .

________________________

تنازع أوربا الممالك الإسلامية

يقول خطباؤنا في خطبهم التي هي عبارة عن ( روزنامة دينية ) كلمة في فضل الشهور تناسب ما نريد أن نقول عن تنازع أوروبا في الممالك الإسلامية وهي :( فلا يمضي عنكم شهر شريف إلا ويأتيكم نظيره في الشرف ، فإن كان شهر رجب قد رحل عنكم وبان ، فهذا نور شعبان قد وضح لكم وبان) .

(47/21)


وحكومات أوروبا يقول بعضها لبعض : لا تستولون على مملكة إسلامية ، إلا ويعرض لكم مثلها في المنافع الاستعمارية ، فإن كان قد انتهى أمر مملكة السودان فقد فتح باب ممالك بورنو و وداي و عمان ، فهذه فرنسا قد سبقت إلى الأخيرة ، فتنازل لها سلطانها عن مرفأ بندر جبار في خليج عمان ، وهو على بعد خمسة أميال من مسقط عاصمة المملكة ، ويساوي ميناءها في الاتساع وإذا حُصِّن يكون من أمنع المعاقل الحربية ، وتتحدث بعض الجرائد الأوروبية بإنشاء قنصلية روسية في مسقط ، وهذه مبادئ الاستيلاء على المملكة كلها ، وقد وجهت إنكلترا أنظارها إلى منازعة فرنسا أو مشاركتها في هذه الغنيمة الجديدة ، ولا ندري كيف تنتهي المناظرة .
((يتبع بمقال تالٍ))
________________________

سلطانا العثمانيين والمغرب الأقصى

يسوء المسلمين جميعاً أن أمراءهم وملوكهم لا صلة بينهم ، ويتمنون أن يرتبط بعضهم ببعض بالوداد والحلاف مع استقلالهم في داخلية بلادهم ، وأن يستعين ضعيفهم بقويهم ، وجاهلهم بعالمهم على إصلاح البلاد وترقية الأمة ، وقد سرَّنا ما نقلته الجرائد من عهد قريب من تكرم مولانا أمير المؤمنين وكبير سلاطين المسلمين بهدايا نفيسة من الخيول الجياد وغيرها ، أرسلها إلى مولاي عبد العزيز سلطان مراكش ، فعسى أن تكون هذه الهدية فاتحة الألطاف وبداية الإسعاف .

________________________

(47/22)


مجلة المنار
مجلة شهرية تبحث في شؤون الدين وفلسفة الإجتماع
تصدر في كل شهر عربي مرة
لمنشئها
السيد محمد رشيد رضا الحسيني

القوة والقانون [*]
من مقالات الأستاذ الحكيم الشيخ محمد عبده الشهير

قبل الكلام على خصائص هذين الركنين لهيئة الوجود الإنساني ، نريد أن نبين حقيقة كل منهما ؛ ليكون القارئ على علم بما يلقى إليه بعد ، فلا يخطئ الغرض ولا يجاور المرض ، ولا تلحقه شبهة توقعه في ظلام الحيرة ، وغيهب التردد - أما القوة فلا نعني بها إلا ما يستعمل لجلب الملائم ، ودفع المكروه سواء كان من شخص واحد أو جماعة متآلفة أو شعب من الشعوب أو أمة من الأمم ، وسواء كانت آلة تحصيل الملائم ورفع المصادم هي القوة البدنية مجردة عن سواها ، كما تراه في السباع الضارية والحيوانات الكاسرة ، أو هي منضمة إلى السيوف القاطعة والآلات المحرقة ، وغير ذلك مما يستعمله الإنسان في مواطن الغلبة والصيال .
أما القانون فهو الناموس الحق الذي ترجع إليه الأمم في معاملاتها العمومية ، وأحوالها الخصوصية ، وهيئاتها النفسانية أعم من أن يكون متعلقاً بروابط المماليك وعلائقها ، أو منوطًا بالسياسة الداخلية ، كالإدارة المدنية والتدابير المنزلية ، أو باحثًا عن الأخلاق الفاضلة ، وما ينبغي أن يتحلى به الإنسان منها ، وما يجب أن يبتعد عنه من أضدادها ، وسواء كان في أمة واحدة أو أمم متعددة .

(48/1)


وهاتان الحقيقتان هما موضوع كلامنا الآن ، أما القوة فكانت شرعة الأمم الغابرة والشعوب السالفة ، وقت أن كان الإنسان جبلي الطبع ، لا يمتاز عن غيره من أنواع الحيوانات إلا بالفصل المميز ، أعني : قابلية النطق المجرد عن نور المعارف وشعار التمدن ، فكانت له الحاكم الفيصل ، يرجع إليها في تحصيل غرضه ونوال مطلوبه ، وباختلافها وتفاوتها اشتدادًا وضعفًا وتقدمًا وتقهقرًا كانت تختلف الأمم وقتئذ في الشرف والضعة والسطوة والفقر والغنى ، من غير نظر إلى شيء من وسائل تلك الوجوه مهما كانت طرائقها ، فكان الرجل يمتاز بين قومه بصفة الإقدام والجراءة وكثرة السلب والنهب والبتك والفتك ، وكانت القبيلة التي هي أشهر القبائل في هذه الصفات تعرف بالمجد الأثيل ، والشرف الباذخ ، والمكانة العالية ، فيدين لها مجاوروها ، ويخضع لسطوتها كل أمة قرع أسماعها ما هي عليه من علو المنزلة وشدة الأنفة وقوة الشمم ، وتساق إليها الهدايا من تخوم الأقطار وشاسع البلدان ، وتأتيها الغنائم أفواجًا يقتادها رجالها الأبطال من ساحات الصدام والنزال ، ولم تزل الأزمان الغابرة محكومة بسلطان القوة ، تقلب الأمم على جمر الخوف والاضطراب ، وتضرب بصولجانها جراثيم القلوب الضعيفة ، فتلقي بها في مهاوي الذل والهوان، حتى خضعت لها الأمم ، ودانت لها الشعوب ، وصارت هي الديان المسيطر على كل شئ ، فإذا تمت لقوم تبعتها السلطة التامة والحكم المطلق ، فيتسلطون بقدر مكنتهم على ما شاء الله من الشعوب والقبائل ، ويتخيرون واحدًا منهم سلطانًا أو ملكًا، قد امتاز بالتهور والجراءة وجلالة المنظر والنضارة ، يملكونه زمام الحكم والسلطة ، ثم ينتخبون من عشائرهم رجالاً يعدونهم حفاظ الملك وأرباب النجدة والنصرة على العدو والعدة لفتح الممالك والأمصار ، ويتسلطون بهؤلاء على بقية من هم تحت سلطانهم بالرهبة والقساوة ، لئلا يتخلصوا من ربقتهم فيذعنون لملكهم قهرًا لا طوعًا، وينظرونه مقتًا

(48/2)


لا حبًّا ، ويحملون إليه الخراج وهم صاغرون ، وذلك دون مراعاة طرق عادلة أو أحكام مؤسسة على أصول المساواة واستعمال الشفقة والمرحمة ، بل بحسب ما تقتضيه القوة التي سفكت الدماء ، وذللت الشعوب ، وانتهكت حرمات الأمم وسجنت حرية الإنسان في مطمورة الرق والاستعباد .
هذا ما ولدته القوة في تلك الأعصار الخالية التي كانت مشحونة بظلمات الجهالة ، مسربلة بجلابيب الغباوة ، مغمورة في بحار الوحشية ، وما أظن تلك الشريعة المشار إليها كانت خاصة بأمة من الأمم ، أو صنف من أصناف البشر ، بل كانت عامة بين أبناء الإنسان على اختلاف أجناسه وتباين مواطنه ، فكنت ترى عامة القبائل وكافة الشعوب مقسمة إلى ممالك متعددة ، وإمارات متباينة ، تجول فيها يد القوة ، ويحكمها مجرد الرهبة ، ويطويها الخوف وينشرها الفزع ويشملها الاضطراب والاختلال ، وتتبادلها أيادي السلب ، يبيت ضعفاؤها غير أمنين على أنفسهم ، ويصبح أقوياؤها غير مطمئنين على حياتهم ، فانبعثت في قلوب هؤلاء الأوزاع الذين ضربتهم يد السطوة بعصى القوة علة الضغف ، ودبت فيها سخائم الحقد ، فاختلفت الأغراض ، وتباينت المشارب ، وتفرقت القلوب ، وتنوعت وحدة الإنسان الحقيقية إلى أنواع لا يجمعها سوى جامعة الحيوان الناطق ، وتبدلت فطرته السليمة إلى أخلاق لا مناسبة بينها وبين جوهره المقدس الشريف .

(48/3)


ولقد تمكنت سطوة القوة في قلوب أولئك الشعوب وارتسمت صورها في مخيلاتهم ، وانسحبت معانيها إلى ذاكراتهم ، وصارت محفوظة في خزانة حافظاتهم ، قائمة نصب أعينهم ، حتى توهموها مقلب القلوب والأحوال ، حافظ القوى والأكوان، إليها مرجع الحوادث ، وعليها تدبير النوازل والكوارث ، فاحتسبوها المدبر في المكونات بأجمعها ، وصوروا تماثيل على صور مختلفة ، وأنواع متباينة ، تشير ظواهرها إلى القوة وتؤدي هيئاتها معاني العظمة والسطوة ، ووضعوها في أماكن عبادتهم ليؤدوا لها فرائض السجود والركوع ، ويقربوا إليها القرابين من نوع الإنسان وأنواع الحيوان ، وهذه أصنام العرب والصين والعجم ، وآثار قدماء المصريين ، وآلهة اليونانيين المصنوعة على أشكال الحيوانات العادِية والملوك العاتية ، يشرح التاريخ أحوالها ، فلا داعي إلى الإسهاب في تفاصيل شؤونها ، ومن تتبع تواريخ هذا الإنسان الوحشي بإمعان وتبصُّر ظهر له أن القوة هي التي دوخت قوى الإنسان السلمية وبددتها أحدثت به من القبائح ما أحدثت ، ولولا أن القانون كسر سورتها وذلل صعوبتها لما أشرق نور الحق على صفحات الوجود ، ولا تمتع الإنسان في الأزمان الأخيرة بلذة الراحة والسعادة ، فالحق للقانون لا للقوة .

(48/4)


وبينما الإنسان تائه في أغوار الاستعباد في هاتيك الأزمنة أزمنة القوة والاستبداد ، والجور والعيث والعار ، ليس له حق يصان ، ولا عر ض إلا ويهتك ويهان - إذ أشرقت عليه قرائح الذين جادت بهم مراحل الفضل ، وعرفوا بمناهج الخير ، فأبصر من طلائع أفكارهم ما يهديه إلى سبيل الرشاد ، ويوقظ فكرته إلى التماس الصواب من أبواب السداد ، فعلم أن القوة هي منحة جليلة ، ونعمة كبيرة ، يستعين بها على حاجاته الضرورية ، ولوازم معيشته المرضية ، قد غرزها الله تعالى بالاتحاد والائتلاف ، حتى إذا عجز الفرد الواحد عن ما لا طاقة له عليه من نفائس المطالب ، وجلائل الرغائب استعان بعشيرته ثم بقبيلته ثم بأمته التي يجمعها دين أو ملك ، ثم بجميع أفراد نوعه ، وإن القوة إذا لم تكن على قانون لا تتعداه ، وخط لا تتخطاه ، بأن استعملت على أي وجه ، وفي أي زمان أو مكان ، لا ينال ثمرتها المحبوبة ، وغايتها المطلوبة ، فأسف على ما كان ، ونزع من رقدة الغفلة يحاول لها النظام المعبر عنه بالقانون ، فكان نورًا يهتدى به ، وقائدًا رشيدًا يسلك بالإنسان إلى ما أهله له من الكرامة والنعيم ، فاتبع سبيله المهتدون ، ومال عن سننه الضالون .

(48/5)


أما الإنسان الذي ساعده التوفيق بالانقياد لأحكام القانون ، فإنه حفظه باطنًا وظاهرًا ، وتمسك به غائبًا وحاضرًا ، حتى صار ركنًا من لوازم حياته ، وعدة لمقاصده وغاياته ، ولهج لسانه في بكره وعشياته ، إلى أن عرف به واجباته الحقوقية ، وفرائض معيشته العمومية والخصوصية ، وأمن به من مصائب الظلم ونوازله ، والجور وغوائله ، واطمأن به على نفسه وعرضه وماله ، فسكن قلبه بعد اضطراب ، وقرت عينه برياض الأمن والأمان ، وتولد فيه أمل حمله على إدمان العمل ، فأعمل فكرته الخامدة ، وأجرى حركته الراكدة ، ولا زال يرتاد مواطن العلم ومعاهده ، ويقتنص بحيالة الاستكشاف كل فائدة ، ويستعمل قواه في حل المبهمات ، ويستطلع ببصيرته ما خفي من مجهول الكائنات ، إلى أن حداه العلم إلى معرض الاختراع والإبداع ، فطار على جناح البخار بدل الشراع ، واستخدم النضار لقضاء الأوطار ، واستعمل البرق على بعد الديار ، رسولًا للأخبار ، وجعل المدافع والقنابل ليبيد بها مضاديه ومعانديه ، وانغمس في النعيم مطعمًا ومشربًا وملبسًا ومسكنًا ، إلى غير ذلك مما أتيح له من محاسن الحضارة ، ولطائف الرفاهة والنضارة ، ولا زال يضرب في تخوم البلاد ويذلل بقوة عزمه أخلاق العباد إلى أن أصبحت البسيطة في قبضة زمامه ، ولا غرو فإن فائدة الاتحاد والائتلاف ، وباعثه الوفاق لا الاختلاف ، وهو الآن كما بدأ يحافظ على القانون بإنسان مقلته ، ويصرف في حراسته ما يدخل تحت قوته ، فإنه ملاك سعده ، وأساس مجده ، ومنتهى جده .
أما الذي ضرب عن القانون صفحًا ، وطوى عنه كشحًا ، فهو هو على رذالة أخلاقه وبساطة أفكاره ، يصبح مضغة تحت أضراس الظلم ، ويمسي كرة لصولجان البغي ، فليحيَ صاحب القانون على بساط النعمة الهني .

(48/6)


فيا أيها الذين ينحرفون عن القوانين ويعدلون عن طرق النظامات لغرور وقتي، ارفقوا بأنفسكم واعتبروا بمن يماثلكم في الصورة الإنسانية ، وانظروا إليهم كيف عظموا القوانين ، ورفعوا شأن الحقوق ، فأصبحوا في غاية من القوة والعزة ، فانهضوا لمجاراتهم في الصدق إن كنتم تعقلون ، وإياكم والتمادي فيما تسوله النفوس من الاغترار بظاهر من السلطة فالأيام تغلب وتقلب ، لكن صراط الحق واحد وسالكه لا يضل إن عثر يومًا استقام أعوامًا ، أما طرق الاعوجاج فهي وعرة خطرة كثيرة الغوائل ، سالكها معارض لمدبر العالم سبحانه وتعالى في أحكامه فإنه عز شأنه قد أقام الكون بنظام الحكمة ، ورتب لكل شيء حدودًا هي سور بقائه وسياج دوامه ، فإن خرج عنه انحدر إلى مهاوي العدم والفناء ، ومن تأمل الكون الأعلى وما فيه من الكواكب والشموس والأقمار ، ثم نظر إلى العالم الأسفل وما احتوى عليه من نبات وحيوان يشهد في الجميع لكل نوع منها قانونًا خاصاً في سير وجوده ، تقوم البراهين القاطعة على أنه لو انحرف عنه لحكم عليه السلطان القهر الإلهي بالعدم والانقلاب وأنه يباهر حكمته قد جعل للهيئة الإنسانية حدودًا عامة ، هي الشرائع وقوانين الآداب التي تحدد سير الإنسان في معيشته الخاصة نفسه ، أو معاملته مع غيره ، وقد أودعها العلماء والحكماء بطون كتب التهذيب والتربية البشرية ، بعد أن نطقت بها الشرائع الإلهية ، وقد شهدت التجارب بالأخبار المتواترة ، عن الأمم الماضية والمشاهدة الحالية في الأوقات الحاضرة ، أن من تخطى حدود هذه الحقائق رماه القهر الإلهي بسهم لا يخطئ مرماه ، فالقانون هو سر الحياة وعماد سعادة الأمم، وإن القوة لا تأتي بثمرتها الحقيقة إلا إذا عضدت باتباع الشرع والقانون العام الذي أقر العقلاء بوجوب اتباعه .

(48/7)


فكيف يصح لذي شوكة أو صاحب سلطة أن يغتر بعد رؤيته هذه البراهين الباهرة بقوته ، أو يعجب بصولته ، ويدع الأمور لإرادته ومشيئته ، ويزدري ما للقانون من حفظ القوة ونمو الثروة في من هم تحت إمرته ، فيفعل ما تسول له نفسه، ويأتي كل ما يسوقه إليه حسه ، فيسري الإهمال في طبقات رجاله ، ويجارون حاكمهم في عوائده وأخلاقه ، وتصير الأموال لديهم مباحة ، والحقوق مبتذلة ، والأعراض منتهكة ، ووسائل الربط والضبط معطلة ، وعقد المواثيق والعهود محللة، فيكثر فيما وليه غوائل الخسران ، وتنمو به جوائح البهتان ، حتى تصير أفراد المحكومين أخلاطًا رعاعًا ، لا فرق بين كبيرهم وحقيرهم إلا بوفرة الشهوات ، والتمكن من وسائل اللذات مع توافق في الفطرة ، وتشابه في الغريزة ، ولا يطول عليهم ذلك العهد حتى يصبح الحاكم محاطًا بجم غفير من الغرماء يتجاذبونه بأيدٍ طالما نقدته من خزائنها ما ظنه نزرًا يسيرًا في جانب إسرافه وتبذيره ، وهو على كاهل الأهالي حمل ثقيل العبء ، لا تقدر أن تقله وتمسي عمارية البلاد تنعي محاسن صبحتها أربابها طوامس المعالم مظلمة الأطراف ، وليس فيها سوى نعاب اليوم ، وهمس الهوام ، وحينئذ لا تسل عن العاقبة ، فإنها أسر ونهب وبئس المآل .

(48/8)


ذلك ما يولده الغرور بالقوة والإعجاب بالسطوة ، وترك القانون الذي عليه سعادة العباد وخصب البلاد ، فإذا أرادت تلك الأمة التي تصرف فيها ذوو البغي والغرور على خلاف القانون أن تعيد لها مجدها الأثيل وعزها الأول ، فلا بد لها من إعادة شأن القانون ، فتشيد منه ما هدمته يد الغرور ، وبددته سطوة الفجور ، وتأخذ الوسائل النافعة لاستمالة قومها إلى التمسك بعراه ، ومتابعة رشده وهداه ، ولا تبارح الحيل والتدابير لهذا الغرض ، وما كان أغناها عن الإصلاح بعد الإفساد ، والتعمير بعد التخريب ، ولكنها باعت القانون بثمن بخس ، فكان جزاؤها أن تشتريه بنفوسها العزيزة ودمائها الشريفة ، حيث عرفت ما هي القوة ، وما هو القانون ، ولنا في هذا الموضوع كلام يأتي بعد إن شاء الله تعالى .
( المنار ) إن مباحث هذه المقالة من ( علم الاجتماع ) الذي يستمد من علم التاريخ ، وقد جرى فيها مولانا الأستاذ على نهج السداد بجعل الكلام فيها عام في القوانين ، سواء كانت وضعية أم سماوية ؛ لأن خلط الفنون الفلسفية وغيرها بالدين الذي جرى عليه المسلمون أولاً أضر بهذه الفنون كما أضر بالدين ، كما يعلم ذلك من النظر الدقيق في التاريخ ، ولا شك أن النسبة بين سلطة القوة وسلطة القانون وإن كان وضعيًّا هو عين ما ذكره الأستاذ ، وأما كون الحكم بالقانون الوضعي غير مرض لله تعالى ولا مؤدٍّ لسعادة الآخرة ، فهو ليس من مباحث هذا الفن ، واعتقاد المسلمين فيه معلوم ، وقد ألمع إليه الأستاذ وأشار إلى تعظيم شأن الشريعة السماوية .

________________________
(*) افتتح بها العدد 48 المؤرخ في 51 شوال سنة 1316 الموافق 25 فبراير سنة 1899 .

__________________________

حجة ناهضة وشبهة داحضة

(48/9)


من عَذِيرِيّ من قومٍ لا يكادون يفقهون حديثًا ، يرون القبيح حسنًا ويحسبون الطيب خبيثاً ، يهيجون على من قال الحق ، ويحتمون على من نطق بالصدق ، وأما الأعمال فقيمتها عندهم بحسب تسميتها لا بحسب حقيقتها ، فإذا سموا الرذيلة فضيلة والمنكر معروفاً والفجور برًا والفسق طاعة والكفر إيمانًا ، فتعظيم هذه الأشياء واعتبارها يكونان عندهم بمقدار ما تستحق مفهومات هذه الأسماء في الأصل، كما أن الجاهل منهم يفرح ويسر إذا سمي عالمًا أو أطلق عليه لفظ الأستاذ ونحوه ، والغر الأهبل يتبجح بلقب بك أو باشا ، والدَّعِي يفتخر بكلمة السيد الشريف ، وهكذا قد جارت علينا مملكة الألفاظ ، حتى جعلت بيننا وبين الحقائق سدًّا منيعًا ، لا ندري متى يدك أو يخرق .
انحرف المنتسبون لطريق التصوف عن هدي سلفهم الصالح ، حتى صاروا معهم على طرفي نقيض ، ومع ذلك ترى العامة تخضع لهم ؛ لأن العلماء يقرونهم على ما هم فيه ويحترمونهم على مقدار مظاهرهم الدنيوية ، وقد كان العلماء من قبل واقفين بالمرصاد لأهل التصوف الصادقين ، حتى إذا آنسوا منهم انحرافًا بقول أو عمل أقاموا عليهما النكير وسلطوا عليهم الحكام ، يجلدون ويسجنون ، بل يصلبون ويسلخون ، فأين صوفيتنا من أولئك الصوفية ، وعلماؤنا من أولئك العلماء ؟ الحمد لله قد بقي عندنا من الحق التسليم بأن سلف الفريقين خير من هذا الخلف المخالف له في عمله والمتخلف عنه في علمه .

(48/10)


إن سكوت العلماء ، بل سكونهم إلى هؤلاء المنكوسين المركوسين الذين اتخذوا دينهم هزؤًا ولعبًا وحرفة وكسبًا ، أثبت في اعتقاد العامة أنهم على شيء ، ولذلك عذلنا في الكلام على منكرات الموالد ونحوها منهم العاذلون ، وأنكر علينا معروفنا من سفائهم المنكرون ، أما العلماء فقد قالوا : إن ما كتبته كلام شرعي صحيح ، ويا ليته يُقبل ويُنتفع به ! ولقد قرأت في مجلس إدارة الأزهر الشريف مقالة ( المرشدون والمربون أو المتصوفة والصوفيون ) وهي إحدى المقالات التي كتبتها تحت عنوان [ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ ]( الأحزاب : 67 ) فأعجب بها شيخ الإسلام ، وأثنى عليها هو ومن حضر مجلسه ذاك من العلماء الأكارم ، والعجيب في هذا المقام أن بعض مَن يعتقدون أن جميع ما أنكرناه منكر لا ريب في قبحه وبعده عن هدي الدين ، اعترضوا علينا بنشره في الجريدة محتجين بأن في ذلك نشرًا لمعايب قومنا ، وإطلاعًا لأعدائنا الأجانب عليه ، وفاتهم أن الجريدة لا يكاد يقرأها أحد من الأجانب ، وإن من الجهل وسفه الرأي أن يكتم المريض داءه وهو ظاهر حذرًا من شماتة عدوه به ، وإن الأجانب أعلم منهم بهذه القبائح ، بل الفضائح ، وإنهم يعيبون بها المسلمين بل الدين الإسلامي نفسه ، وإن المجامع الهذيانية الجنونية التي تسمى (حضرات) و( أذكارًا) مصورة في كتبهم وجرائدهم ، وإنهم استأجروا نفرًا من هؤلاء الأشرار وأخذوهم لمعرض شيكاغو لعرض عبادات المسلمين وأسرارهم المضحكة على أنظار العموم .

(48/11)


وقد حدث في هذه الأيام ما فيه عبرة لمن يعتبر وعظة لمن يتدبر ويزدجر ، وهو حجة لنا يذعن لها المنتقدون من أهل الإنصاف ، وتنقطع بها ألسنة اللاغطين من ذوي الاعتساف ، وهاك الخبر نقلاً عن المؤيد الأغر ، وهو ما جاء في عدد يوم الثلاثاء الماضي بنصه قال : وأين باب مشيخة الطرق لنقرعه ؟ كانت ليلة الأمس من أبهج الليالي وأبهاها في منزل جناب البارون أوبنهايم الموظف في الوكالة الألمانية ، حيث كان جنابه قد وزع رقاع الدعوة على الكثيرين من السياح لحضور ( حفلة ذكر ) فلم تأت الساعة الرابعة مساء حتى ازدحم شارع الكُبرِي الكائن فيه منزل جنابه بالعربات على اتساعه ازدحامًا يفوق ازدحام شارع السيوفية أيام الجمع في الشتاء بعربات المتفرجين من السياح على تكية المولوية ، وأخذ المدعوون يدخلون فرادى وجماعات من سائحين وسائحات ، ليشنفوا الأسماع برخيم الغناء ويمتعوا الأنظار بجميل الرقص المعبر عنه بالذكر .
وبعد أن أخذ الجميع مجالسهم وتناولوا ما طاب من مأكل وشراب ، وكان مجلس الذكر قد استعد للرقص هب المتفرجون من مجالسهم وانتشروا حول حلقة الذاكرين يلعبون ويمرحون ، ويهزءون ويضحكون من قوم ترى عمائمهم على شكل دائرة تمثل قوس قزح أو ألوان الطيف ، من بيضاء ناصعة ، وصفراء فاقعة ، وحمراء قانية ، وخضراء صافية ، وسوداء حالكة ، وهم بين شاب في مقتبل العمر غض الشباب ، وشيخ هرم تهوي السنون برجله إلى القبر ، قد أخلقت لباس جدته الأيام ، فلم تكسُه غير شيب وعيب ، حيث جعل دينه هزؤًا وسخرية أمام قوم يظنون ذلك من الدين ، وهو بريء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، ولم يفعلوا ذلك إلا طمعًا في بعض دريهمات لا تكفي لشراء غداء ، فبئس هذا الحال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فهلا يوجد في مصر من علماء الإسلام وأهل الطرق من يمنع هؤلاء من تحقير ديننا في أعين الأجانب ، حتى صيروه لعبة وهزؤًا ، وصرنا نحن أمامهم كالأنعام وساء ما يفهمون اهـ .

(48/12)


وفي عدد اليوم التالي ( الأربعاء ) ما ملخصه : أين باب مشيخة الطرق لنقرعه ؟ تحققنا اليوم أن ( الليلة الراقصة ) التي جاد بها جناب البارون أوبنهايم على ضيوفه من السياح بواسطة ( قرود الذاكرين ) كانت تحت إدارة حضرة الروحاني الكبير الذي يسمي نفسه : ( الشيخ عليش ) وقد كان جالسًا على تخته أثناء انعقاد مجلس الرقص وشيبته تتصبب أسرارًا روحانية يوجهها إلى دراويشه الذين كانوا ببركته يأكلون النار ويزدردون الزجاج ، ويبرزون من الكرامات ( الباهرات ) ما يعجز عنه مهرة المشعوذين ، بل كبار السحرة المتفننين اهـ .
( المنار ) أما جوابنا عن سؤال المؤيد (وأين باب مشيخة الطرق لنقرعه) فهو إذا كان رب البيت بالطبل ضاربًا فلا تلم الصبيان فيه على الرقص وما منعنا أن نوجه الملام فيما كتبناه عن منكرات أهل الطرق من قبل إلا أن شيخهم ورئيسهم الأكبر سماحتلو الشيخ محمد توفيق البكري كان يعدنا ويمنينا بالإصلاح ، وقد عيل الصبر ولم نر للوفاء بالوعود وتحقيق الأماني أثراً .
فعسى أن تزعجه وخزات هذه الحوادث المؤلمة إلى العمل والتجافي عن مضجع الكسل ، فيبطل الغرور ويستنير الديجور ، ويستبدل المدح والثناء باللوم والإزراء .

(48/13)


حضرات أهل الطريق كنا كتبنا من بضع سنين نبذة في حال المنتسبين للطريق في الديار السورية ، أودعناها فاتحة المقصد السادس من كتابنا ( الحكمة الشرعية ) أحببنا أن نوردها هنا بمناسبة الحادثة التي كشفت القناع للمغرورين بهؤلاء القوم من كون فعلهم إهانة للإسلام ، تجعله سخرية عند جميع الأنام ، قلنا هناك بعد كلام في حقيقة التصوف وأهله ما نصه : قد علمت مما شرحناه أصل طريقة القوم وما كانوا عليه علمًا وعملاً ، وكيف صرح أئمتهم من بضعة قرون بأنهم قد انحرفوا عن الصراط السوي ، ولم يبق عندهم إلا الرسوم ، وأما الآن فقد محيت تلك العلوم ، واندرست هياتيك الرسوم ، وطاحت تلك الإشارات ، وذهبت تلك العبارات ، واعتكر الإظلام ، واشتبهت الأعلام ، وتمسكوا بحبال الأوهام والإيهام ، فاتخذوا الطريق أحبولة للجاه ، وحيلة للمفاخرة والمباراة ، فبعد أن كان عملاً وحالاً صار صناعة وعلمًا ، ثم انتكس حال المتظاهرين بذلك فأخذوا أولاً بالتقليد والتشبه بالقوم تيمناً وتبركًا على حد قول القائل: إن لم تكونوا مثلهم فتشبهوا إن التشبه بالكرام فلاح وسارت أيام وسرت ليال على ذلك وهم ، تعرفهم بسيماهم : أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها ثم غلبت الأهواء ، وعمت اللأواء ، فلا خيام ولا نساء ، إلا ما كان تحت حجاب الخفاء ، ولم يبق عند المتأخرين من علم القوم إلا شقشقة اللسان وزخرفة الكلام بألفاظ لا يفكرون بمعناها ، وكلمات لا يعقلون مرماها ، كالسكر والوجد ، والإدلال والشطح ، والفرق والجمع ، والتلوين والتمكين ، وما أشبه هاتا من الكلم الذي تلقفوه من الكتب مع تحريفه عن مواضعه ، وأما العمل فليس لهم منه الآن إلا ضرب الدفوف ودق النقارات والصنوج ، والنفخ بمزمار الشبابة ، بل والضرب بآلات الأوتار عند البعض ، والتغني بالأشعار الغرامية المهيجة للنفوس المنغمسة في الترف والنعيم ، والباعثة لها على التوغل في الحظوظ النفسية ، والاستهتار في

(48/14)


عشق الأحداث والنساء ، بما فيها من التخيلات في أوصاف الحسان المهيجة للانفعال، المحركة للوجدان ، وشرح أحوال العشاق وأطوارهم كالهجر والوصال ، والتيه والدلال ، كأشعار سيدي عمر بن الفارض وغيره ، ويسمون كل ذلك عبادة ؛ حيث يأتونه في حالة الذكر الذي جعلوه كيفية من الرقص يتعلمها حسان الأحداث وغيرهم، ويتمزجون أثناء الذكر بالرجال ، ويتواجدون ويصيحون ، وإذا أنكر عليهم منكر وعذلهم في صنعهم هذا عاذل فالعذر لهم أن بعض الشيوخ الصادقين والأولياء السالفين ، قد اتفق لهم شيء من مثل ذلك ، وهذا لا تقوم به حجة ؛ لأن من ينقل عنه لم يقل أحد : إنه كان متعمداً له ومتخذه صناعة ، وإنما قيل : إنه كان لغلبة الحال عليه ، وذلك مما صرحوا بأنه لا يقتدى بصاحبه فيه ، وهذا فيما لا يقطع بتحريمه في نظر الفقه ، وأما ما صرح الفقهاء بتحريمه فلا يلتفت لفاعله ، سواء كان متعمدًا أم مغلوبًا على أمره .
ينطبق على هذا الخلف الصالح لذلك السلف الصالح أتم الانطباق ما نقله الحفني في حواشيه على الجامع الصغير عن المناوي عند الكلام على الخبر الذي أخرجه الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف ، وهو : ( إن الأرض لتعجّ إلى الله تعالى من الذين يلبَسون الصوف رياءً ) قال : أي إيهامًا للناس أنهم من الصوفية الصلحاء الزهاد ، ليعتقدوا ويعطوا وما هم منهم ، قال المعري : أرى حبل التصوف شر حبل فقل لهم وأهون بالحلول أقال الله حين عبدتموه كلوا أكل البهائم وارقصوا لي وقال آخر : قد لَبِسُوا الصوف لترك الصفا مشايخ العصر بشرب العصير بالرقص والشاهد من شأنهم شر طويل تحت ذيل قصير انتهى ما نقله الحفني رحمه الله تعالى .

(48/15)


أقول : وقد أكثر العلماء والأولياء من الكلام في السماع ، فقال به أقوام ومنعه آخرون ، وللمحققين فيه تفصيل معروف ، ومنه أنه محظور في حق مَن يحركهم على فعل محرم ، أو يحملون ما يسمعون من الغزل والنسيب على أمرد أو أجنبية ، وما أكثر هذا في أبناء هاته الأيام وما قبلها بسنين وأعوام ، وقد شاهدت بعيني غير مرة بعض من عرف واشتهر بحب الأحداث ، وقد حضر مجلس ذكر وفيه قوال حسن الصوت ، خبير بصناعة الإنشاد والتغني ، فكان الشاب العاشق يبكي كلما غرد المنشد حتى ينقطع عن الذكر لغلبة البكاء والنشيج ، ومعظم الحاضرين على علم بأن سبب بكائه استيلاء عشق الحدث عليه ، وقهره إياه تحت سطوة سلطانه .

(48/16)


ولعمر الإنصاف إنه لا يعذل على بكائه ، وإنما العذل والملام على من عقد له ولأمثاله مجلس سماع يتوخى حضوره وينتحيه حيث كان ، لعجزه عن إنشاء مثله ، ومعلوم أن الإنسان لا يخلو في وقت من الأوقات من حال حاكمة عليه ، وناهيك بحال العشق الذي : كم ملك الأحرار للعباد وأوجد الرقة في الجماد وحكم الظبا على الآساد وصوب الخطأ على السداد وألبس الغي بعين الرشد وهو من أشد أمراض النفوس ، قاهرًا ومذللاً لها ، حتى إنه يهبط بطباع أعاظم الأشراف من أوج عزها إلى الاستكانة والخضوع لأحقر فتيان السوقة أو فتيات الأعراب من ذوي النذالة والمهانة ، وإن السماع من أمسّ الدواعي لتحريك سواكنه ، وإنشاب براثنه ، وأَنَّى لذلك الشاب المسكين ولأمثاله بأَلْهِيَةٍ يشغل بها نفسه عن التفكير بمحاسن محبوبه وإدلاله عليه إذا سمع المنشد يلحن هذه الأبيات : تِهْ دلالاً فأنت أهل لذاكا وتحكَّمْ فالحسن قد أعطاكا لك الأمر فاقضِ ما أنت قاضٍ فعليَّ الجمال قد ولاكا وبما شئت في هواك اختبرني فاختياري ما كان فيه رضاكا وأمثال ذلك مما يعتاد إنشاده في مجلس الذكر ، وليت شعري ماذا يسبق إلى فهم الجاهل منهم أو العالم وهو مكبل في أسر النفس الحيوانية وغريق في بحار رعوناتها إذا سمع القوال ينشد : تمسك بأذيال الهوى واخلع الحيا وخل سبيل الناسكين وإن جلوا وقلت لزهدي والتنسك والتقى تخلوا وما بيني وبين الهوى خلوا ولقد حدثنا بأغرب من نبأ الشاب الذي مرّ وأدهى وأمرّ .
ثم توسعنا بالقول في السماع بما لا محل له هنا .

(48/17)


ولما جئنا هذه الديار ورأينا المجامع التي تسمى الأذكار ، تجلى لنا أن سيئات السوريين عندها حسنات ، فهنالك يذكر الله تعالى كل مَن حضر ولا ينشدون من الشعر إلا ما كان منسوبًا للصوفية من الإلهيات والنبويات ، والخمريات والغراميات، وهنا يوجد نفر قليل بين المئات والألوف يرقصون بتكسر وتثنٍّ ، ولا يكاد يسمع منهم قول : الله ، أو لا إله إلا الله ، وباقي القوم يستمعون المنشد الذي يغنيهم بأحدث الأغاني الغرامية التي تُغَنَّى في مجالس اللهو والشرب على العود والقانون ، وهم يصرخون ويتأوَّهون إلى آخر ما هو مشاهَد ، ولا حاجة بنا إلى شرحه ، وإنما الحاجة إلى منعه ، وجعل الذكر ذكراً ، لا لهوًا ولغوًا وهزؤًا ولعبًا ، أما آن لنا أن نعتبر وندَّكر ؟ حسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

________________________

ملوك المسلمين والتاريخ

(48/18)


كان الملوك ولا يزالون في الشرق فتنة للأمم وبلاء على التاريخ ، إذ هم الذين يحملون الكاتب على ستر الحقائق ، والتمويه على الناس بجعل الباطل حقًّا ، وإلباس القبيح ثوب الحسن ، وكلما ترقت الأمم والدول الغربية وعلت تتدلى الشعوب والحكومات الشرقية وتسفل ، فلقد كان مؤرخو الشرق الغابرين - لا سيما المحدثين منهم - أكثر حرية من مؤرخيه الحاضرين ، لذلك كانوا ينتقدون أعمال الخلفاء والملوك الذين كانوا أحسن حالاً من خلفهم ، ويشرحون سيئاتهم من غير مبالاة ، ومؤرخو عصرنا هذا عامة وأصحاب الجرائد منهم خاصة يقدسون الملوك الأمراء وينزهونهم ، خداعًا لعامة الناس ، وتغريرًا بهم ، ولولا أنهم صبغوا ذلك بصبغة دينية لما كنا نحفل بالبحث فيه ، ونعنى بكشف الحجاب عنه ، فإننا وقفنا جريدتنا على خدمة الملة والأمة ، لا على القدح والهجاء ، أو المدح والإطراء ، وسنبين الحق في جميع ما يتعلق بشؤون الملوك والأمراء الدينية ، حفظاً للدين وأحكامه أن تكون سياجًا للظلم وآلة للغش ، ونكتفي الآن بذكر مسألة نعرضها على أرباب الجرائد المتملقة من المؤرخين الكاذبين ، ونرغب إليهم بيان ما عندهم من الأعذار المنتحلة وهي : الحج ركن من أركان الدين الإسلامي ، وقد ورد في الأحاديث الشريفة ما معناه: أن مَن مات ولم يحج وهو مستطيع فلا عليه أن يموت غير مسلم وقال الخليفة الأعظم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عليه الرضوان : (لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى الأمصار ، فينظروا كل من له جِدة ولم يحج فليضربوا عليهم الجزية ، فما هم بمسلمين ) .

(48/19)


قال العلامة ابن حجر : ومثل ذلك الحديث لا يقال من قِبل الرأي ، فيكون في حكم المرفوع ، ومن ثم أفتيت بأنه حديث صحيح ، ثم إن اجتماع الحج هو أعظم اجتماع في العالم ؛ لأنه مع كونه دينيًّا فيه من الفوائد المدنية والسياسية ما لا يخفى ، ولإمام المسلمين في الموقف الأكبر فيه وظيفة الخطابة التي تجمع القلوب وتوحد وجهتها بوحدة التعليم والإرشاد ، إذا جاءت على وجهها الصحيح .
وقد كان الخلفاء والملوك يؤدون فريضة الحج مع بُعد عواصمهم ، وتنائي ممالكهم ، وعدم إمكان الوقوف على ما يجري فيها مدة سفرهم ، فلماذا أهمل ملوك المسلمين في هذه الأزمنة أمر هذه الفريضة ولم يبالوا بهذا الركن العظيم الذي هو دعامة بقاء سلطتهم ، لو اهتدوا إلى إقامته وحافظوا عليه ، كما يجب مع أنه يتسنى لأكثرهم الوقوف على أحوال مملكته تفصيلاً في كل زمان وفي كل مكان .
فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إن ملوك أوروبا وقياصرتهم وعواهلهم ( إمبراطوريهم) لو وجدوا سبيلاً إلى شهود هذا الجمع الأكبر ( الحج ) لأقبلوا عليه ، فما بال أهله - وقد فُرض عليهم - لا يسعون إليه ؟ ! نرجو الجواب ( من الجرائد ) عن هذا السؤال ، ولنا على كل جواب مقال .

________________________

ولي العهد للخديوية المصرية

ألا يا بشير السعد كرر لنا البشرى

(48/20)


ويا أيها الأقوام حسبكم بشرا فقد أنجز ( الإقبال ) ربي وعده وجاد على مصر بما أثلج الصدرا هلال تيقنا بحسن نموه بأن سنراه في سما قطرها بدرا أحب بنوها أن يدوم أميرهم بأبنائه طول المدى لهم ذخرا مرام توقعناه قبل وقوعه فكان وحققنا العيافة والزجرا فقم أيها العباس لله شاكرًا وإن كنت لا تحصي على فضله الشكرا وقل للذي أنجبت قم وارق للعلى معي فهو واعٍ يعقل النهي والأمرا وعش يا ولي العهد بالله واثقًا بمنّة تاريخ نغيث بها مصرا سنة 1316 1899 طالما ترقبت الآمال بزوغ بدر الكمال من فلك الإقبال ، وتشوفت نفوس الناس لتحقق الأماني بولي عهد العباس ، إذ قد سبق لسموه ثلاث ودائع ، كانت شموسًا طوالع ، شموس خدور مقصورات في الخيام ، لا شموس سياسة وأحكام ، ثم نادى بشير السعد يقول : قد أنجز الزمان الوعد بولادة ولي العهد ( في الساعة الثامنة العربية والثانية الأفقية من ليلة الإثنين 9 شوال سنة 1316 هـ و 20 فبراير سنة 1899 م ) .
وبلغت نظارة الداخلية الخبر رسميًّا ، فطيرته مع البرق إلى جميع أنحاء القطر ، وأطلق من كل موقع عسكري مائة مدفع ومدفع ، احتفالاً بالمولود الميمون ، وبلغ الجناب العالي ذلك لمولاه الأعظم سيدنا أمير المؤمنين في دار السعادة العلية .
أما ما كان من ابتهاج المصريين واحتفالاتهم من جميع أنحاء القطر بهذا المولود الميمون فحدث عنه ولا حرج ، فلقد كان لهم في شهر شوال عيدان : عيد الفطر الأصغر ، وعيد ولي العهد الأكبر ، الذي سيبقى مستمرًّا إلى ما شاء الله تعالى .

(48/21)


ولو أردنا أن نصف الزينة التي تقيمها دولة والدة الجناب العالي في قصر عابدين وميدانه أو الزينات التي تقوم بها اللجان المؤلفة من كبراء المصريين أو أفرادهم - لضاقت ببعضها صحائف الجريدة ، وقد عجز مكتب ( عموم التلغرافات ) في القاهرة كما عجزت جميع المكاتب في أنحاء القطر عن أداء رسائل التهاني إلى قصر المنتزه من جماهير المهنئين ، وما قولك برسائل عجز البرق في سرعته عن أدائها وإيصالها ؟ ما هو السبب في كل هذه البهجة والحبور ، والحفاوة والاحتفال بصورة لم يعهد لها نظير ؟ السبب في ذلك هو الحب الصادق لشخص سمو العزيز عباس حلمي باشا ، فلقد صدقنا فيما كتبناه في عدد سابق من أن قلوب المصريين لم تجمع على حب عزيز بعد يوسف الصديق ، كإجماعها على حب العباس بن توفيق ، ومن صدق في حب شيء أحب بقاءه ، وبقاء الإنسان لا يكون إلا بأبنائه الذين يعد وجودهم نسخة من وجوده ، ويحفظ بهم اسمه ونسبه ، فنسأل الكريم المنان الذي أفاض هذا الإنعام والإحسان ، أن يحفظه بعين عنايته ، ويحرسه في ظل سمو والده ورعايته ، وأن يبلغ هذا القطر في أيامهما مراده ، ويسبغ عليه حلل السعادة ، وأن يجعل هذه السلسلة بهما متصلة الحلاق إلى آخر الزمان ونهاية الدوران ، إن ربي سميع الدعاء .
*** جاء في مصباح الشرق المنير : أن مرتب ولي العهد في الشهر ثلاثة عشر ألفًا وثلاثمائة جنيه ، وكانت تستولي عليه دولة والدته المعظمة قبل ولادته .

________________________

ليلة الجمعية الخيرية الإسلامية

(48/22)


ما رأى الراءون منظرًا أبدع ، ولا محضراً أروع ( المحضر : القوم النازلون على المياه ) مما كان في ليلة السبت الماضية من الزينة التي أنشأتها الجمعية الخيرية الإسلامية في حديقة الأزبكية والجمع لها ، وحبذا الاجتماع على الصفاء والوداد ، المنبعث من حب سعادة البلاد ، كنا نقابل من الحديقة فتاة من أحسن الجواري ، متمنطقة من المصابيح بالدرر بل الدراري ، ولها من كل باب وجه يتلقى وجوه الناس بغاية البشر والإيناس ، فإذا ما دخلتها تجدك من ليلك في نهار ، في جنة تجري من تحتها الأنهار ، لا تسمع فيها إلا قيلاً سلامًا سلامًا ، وألحانًا مشجية وأنغامًا ، ولا تبصر إلا مواكب تواكب ( تساير ) مواكب ، وأشجارًا مثمرة بالكواكب ، ومادة تطير في الجواء ، وتتحد بإكسير الهواء ، فتعود إلى الأرض بهيئة قلائد من العقيان ، أو عقود من الياقوت والزمرد واللؤلؤ والمرجان ، وبحيرة قد أحاطت بها أشكال من الأضواء ، وانطبعت فيها نجوم المصابيح ، فخايلت بذلك السماء ، بل حاكت شمس النهار ، بما انعكس من سطحها من الأنوار ، قد أقيمت على جوانبها هياكل ونصب نورانية ، ذات أشكال هندسية ، وألوان طيفية ، ما أحاط بها الطرف ، فيحيط بها الوصف ، وبالجملة : قد كانت ليلتنا تلك جدًّا في صورة هزل ، وبرًّا وإحسانًا في قالب لهو ولعب ، وخبر اجتماع عام على مصلحة الإسلام ، عليها مدار تربية المئات والألوف من أبناء الفقراء والمساكين ، وكل فرد من أفراد الحاضرين قد سر بأنه ركن من أركان هذا الخير العظيم ، إذ مجموع الأمداد من هذه الأفراد .

________________________

أخبار وآراء

( مراكش )
كل يوم تبدي صروف الليالي خلقًا من أبي سعيد عجيبا
ما كفى بلاد مراكش فتنها الداخلية حتى تشن عليها دول أوروبا كل يوم غارة جديدة ينتحلون لها سبباً ، فلا يزالون يمتصون دماءها باسم التعويض عن إهانة أو خسارة لمن يلم بأطرافها من رعاياهم ، حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين .

(48/23)


كانوا يطلبون منها المغارم فرادى ، فصرن يطلبنها مجتمعات ، فقد جاء في الأهرام أن وكلاء الدول في طنجة اجتمعوا في دار السفارة الإنكليزية في 14 الجاري ليقرروا طلب تعويض عام من سلطان مراكش عن القلاقل التي وقعت في سنة 1896 في ناحية ميزاب ؛ لأن جواب حاكم كازابلانكة على مطالب التجار الإنكليز وغيرهم لم يكن مرضيًا لهم .
*** ( التعايشي وفارة السودان ) انضم إلى التعايشي ومن انهزم معه بضعة أوزاع من الفارِّين بعد هزيمته ، فألف منهم جيشًا عظيمًا ، وكان نازلاً على بحيرة شركلة على مسافة 112 ميلاً من النيل ، فغادرها وتوجه شمالاً وقاتل بعض الأعراب ، فهزمهم ونكل بهم ، بهذا جاءت رواد الأخبار من كردفان إلى أم درمان ، وطير الخبر مع البرق إلى العاصمة، وفيه أن التعايشي قطع بجيشه ثلثي المسافة بين بحيرة شركلة والنيل .
وقد صدر أمر السردار حاكم السودان إلى ضباط الجيش المصري الذين هنا من الإنكليز والسودانيين أن يعودوا إلى أم درمان ليكون دائمًا على أهبة واستعداد للقائه وهم يسافرون تباعًا .

________________________

حرية الجرائد في السودان

نشرت جريدة السلام الغراء مقالة بينت فيها أن نسخها ونسخ جريدتي المؤيد والأهرام تحرق في عمل ( مديرية أو قومندانية ) أسوان ، بأمر اللورد كتشنر باشا حاكم السودان العام ، منعًا لهما من دخول البلاد السودانية ، ويؤذن لجرائد الاحتلال التي تسبح بحمد الإنكليز وتقدسهم في كل أصيل ، وقابلت الجريدة بين هذا الفعل المنكر من حماة الفوضويين وأنصار الحرية ، وبين مراقبة الجرائد في بلاد الدولة العلية التي قصاراها قص بعض أوراقها أو ترميج بعض سطورها ( إفسادها بعد كتابتها ) وعبارة السلام ( أو الضرب بالقلم الأحمر على بعض سطورها ) .

(48/24)


*** عالم الأرواح لقد انتشر الاعتقاد بعالم الأرواح وتعاليمه ، ومحادثة الذين ماتوا بواسطة وسيط أو وسيطة ، وكثر في إنكلترا إلى حد يفوق الوصف ، وحمل البرق عن لندن في 29 الجاري ( يناير ) أن إحدى السيدات الباذلة كل ما في وسعها لنشر هذا المعتقد قد ارتأت مؤخرًا تعليم هذا المذهب في المدارس العالية ، كما يعلم فن الطب وارتأت بناء كليات كبرى لتدريس الوسطاء والوسيطات فيها ، أما السيدة التي اهتمت بهذا المشروع فهي ( لادى ستاثرد ) من البارعات المتقدمات في هذا المذهب الجديد الذي يُحدِّث عنه الناس غرائب عجائب .
( كوكب أمريكا ) ( المنار ) لم تزل الأبحاث في هذا الموضوع غامضة ، وأكثر العلماء في أوروبا على أن ما يزعمون مشاهدته من الأرواح لا حقيقة له إن هو إلا تخيلات وأوهام وستُظهر مواصلةُ البحث حقيقة الأمر ولو بعد حين .

________________________

تقاريظ

( مجموعة سعادة الدارين ) أهدانا نسخة منها جامعها المعن المفن ، الضارب بسهمه في كل فن ، الملا عثمان الموصلي الغني بشهرته عن التعريف ، مشطر اللامية والباقيات الصالحات ، والمجموعة تحتوي على ( المنظومة الموصلية العثمانية في أسماء السور القرآنية ) وهي من نظمه ، ومتن الحِكم للعارف ابن عطاء الله السكندري ، ومنظومة ( أسماء الله الحسنى ) المنسوبة للإمام العارف بالله تعالى سيدي عبد القادر الجيلي مخمسة بأسماء النبي صلى الله عليه وسلم من نظمه ( أي الملا عثمان ) وقد أذن لمن شاء بطبعها ليعم في الناس نفعها فجزاه الله تعالى خير .

(48/25)


*** ( حافظة الآداب وموقظة الألباب ) كتاب صغير منشور لمؤلفه الأستاذ الفاضل الشيخ محمد الجنبيهي حملته على تأليفه وطبعه الغيرة الدينية على حرمة الأدب من هؤلاء الشبان الفاسدي التربية ، المنغمسين في المنكرات والفواحش ، فنحث محبي الفضيلة الذين لم تطمس من قلوبهم أعلام الهداية ، ولم تدرس من نفوسهم رسوم الخير من هؤلاء الشبان على مطالعة الكتاب ، وهو يباع عند السيد عبد الواحد بك الطوبي والسيد محمد صالح في السكة الجديدة ، والشيخ حسنين محمد في درب الجماميز و علي أفندي أبي زيد في الحلوجي و محمد أفندي حبيب في باب الخلق .
*** ( آداب الفتاة ) كتيب لطيف ألفه الفاضل علي أفندي فكري من الموظفين في نظارة المعارف المصرية ، جمع فيه كثيرًا من الحكم والوصايا الدينية والأدبية والصحية ، التي لا تستغني عنها الفتيات ، وعبارته في السهولة بحيث لا يتوقفن في فهمه مهما كن جاهلات ، بل فيه كثير من المفردات والأساليب المولدة والعصرية ، وأقل ما فيه الوصايا الدينية ، فلو استبدل بغسل الوجه والفم والوجه كل صباح وتنظيف الأسنان ( بواسطة الخلة أو من منظف الأسنان) الوصية بالوضوء والسواك لكان أولى وعسى أن ينتبه الشبان إلى أنه لا يمكن صيانة النساء وتهذيبهن إلا بالدين ( فعليك بذات الدين تربت يداك ) .
*** ( الجامعة العثمانية ) مجلة سياسية أدبية علمية ذات عشرين صفحة ، تصدر ثلاث مرات في الشهر، وستكون شهر مارث المقبل مبدأ ظهورها ، وهي لمديرها الوجيه ميخائيل أفندي كرم ، ومنشئها الكاتب الفاضل فرح أفندي أنطون ، وأحسن ما يكتب الآن عنها إعلام قراء الجرائد بأن صاحبيها كفؤان لإدامة إصدارها على الوجه الذي سيرونه من نموذجها لما عندهما من المادة الوافرة : مالية وقلمية ، فنحث عليها سلفًا .

(48/26)


*** ( البريد المصري ) يشتكي كثير من قراء المنار في مصر من عدم وصوله إليهم في أوقاته ، ومن احتجاب بعض أعداده عنهم ، ولقد كنا من قبل ننيط الإهمال بمستخدمي إدارة الجريدة الذين يتولون تغليفها وإرسالها إلى البريد ، ثقة بأمانة إدارة البريد المصري وانتظام أعمالها ، ثم لما تكررت الشكوى بعد التنبيه على مستخدمي الجريدة ممن ذكر ، والاستيثاق منهم ، علمنا أن التقصير من مُستخدمي البريد ، ويشكو وكلاؤنا في القطر التونسي منذ شهرين من تأخر وصول الجريدة إليهم عن مواعيدها الأولى ، فقد كانت تصل إلى تونس في نحو تسعة أيام ، وهي لا تصل الآن إلا في سبعة عشر يومًا ، فنستلفت المكلفين بهذا الأمر أن يتداركوا الأمر ويكفونا مؤنة الشكوى .

________________________

(48/27)


مجلة المنار
مجلة شهرية تبحث في شؤون الدين وفلسفة الإجتماع
تصدر في كل شهر عربي مرة
لمنشئها
السيد محمد رشيد رضا الحسيني

الأُخوَّة والصداقة[*]

] إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ [**]
الصِّنْو أشبه بالصنو منه بالشجرة التي يخرجان من أصلها ، أو الثمرة التي تخرج منهما ، والأخوان صِنْوَان متساويان في الأصل والمنشأ ، وفي النبات والنمو ، ويتعاهدان بتربية واحدة في الغالب ، فأجدر بالأخ أن يأنس بأخيه ، ما لا يأنس بأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، لما ذكرنا من كمال المناسبة والمشاكلة التي هي علة الأنس والحب ، ولأن للوالدين من الرفعة وحقوق الاحترام والاحتشام ما يقف بالأنس بهما دون كماله ، كما أن القيام على البنين بالتأديب والسيطرة منافٍ للاسترسال في الأنس بهم والانبساط إليهم في جميع الشؤون والأطوار ، فكم من كلام وعمل مما يرتاح إليه يعرض عنهما الإنسان إذا كان على مرأى ومسمع من أصوله وفروعه ، ويقبل إليه مع إخوانه وصنوانه ، أما الصاحبة ( الزوجة ) فلا يظهر هذا الوجه بالإضافة إليها ؛ لأن الأنس بها لا يكاد يساويه أنس ، ولكن الأخ يفوقها في مناسبة الاتفاق في المنبت والتربية ، فإن لاختلاف التربية أقوى تأثير في الألفة والمحبة والنفور والوحشة ، وهو العلة في التنازع بين الأزواج ، واختلال نظام العائلات المؤدي إلى سقوط الأمة في عواثير الشقاء ومهاوي الهلكات .
ومزية أخرى يفضل بها الأخُ الزوجَ ، وهي : أن الاستعاضة عنه إذا فقد ليست مما يناله الكسب ، ويتوصل إليه بسعي أخيه الذي فقده .

(49/1)


يحكى أن امرأة كان لها ابن وأخ وزوج وقعوا في غضب الحجاج ، فأراد الإيقاع بهم ، وعهد إلى المرأة أن تختار أحدهم كفيلاً لها ليقتل من عداه ، فاختارت الأخ قائلة : إن الابن والزوج يمكن الاعتياض عنهما ، وأما الأخ فلا عوض عنه ، فأعجب الحجاج بقولها ؛ لأنها غلَّبت العقل والحكمة على الحنان والشهوة ، وعفا عن الجميع وقال : لو اختارت غير الأخ لقتلت الكل ولم أدع لها أحداً .
وبالجملة إن لكل قريب ونسيب مكانة تفضله من وجه على الآخر ، فللوالدين : التعظيم والاحترام ، وللولد : الرأفة والحنان وللأخ والزوج ( يطلق على الذكر والأنثى كما لا يخفى ) ارتياح المساواة ، وأنس الكفؤ والنديد ، ولذلك يسمى الأخ شقيقًا ، كأن الأخوين شيء واحد شُق نصفين ، ويسمى صنوًا ، والصنوان هما فسيلتا النخل تخرجان من أصل واحد ، ويسمى كل من الرجل والمرأة المقترنين زوجًا للآخر بملاحظة أنهما شيء واحد في المعنى ، ظهر بصورتين ثَنَّت إحداهما الأخرى ، وقد علمت أن مكانة الأخ لا يحلها سواه ، وأن الميل إليه ميل إلى كفيح ونديد ، ترى له عليك مثل ما لك عليه ، بخلاف سائر الأقربين ، ولهذا سمي الصديق أخًا ، وجاء القرآن يعلم الناس ويرشدهم لأن يكونوا كلهم أصدقاء وإخوة ، ويجعلوا أباهم في هذه الأخوة الإيمان بالله تعالى بما نزل من الحق فقال : [ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ]( الحجرات : 10 ) ، ورتب على ذلك قوله : [ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ]( الحجرات : 10 ) ، وفي الحصر بـ ( إنما ) والعطف بالفاء ووضع الظاهر في ( أخويكم ) موضع الضمير - ما لا يخفى من تأكيد هذه الأخوة وتقريرها ، ثم قال : [ وَاتَّقُوا اللَّهَ ]( الحجرات : 10 ) بأن تقوموا بحقوق هذه الأخوة ، وما ترتب عليها من الإصلاح بالمساواة إذ لا وجه لمحاباة أحد والكل إخوة : [ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ]( الحجرات : 10 ) في الدنيا والآخرة ، وما أجدر من يقوم على هذا الصراط السوي بأن يرحم .

(49/2)


يسمي الناس كل صاحب صديقًا وأخًا ، وأين الصداقة والأخوة من كل تصحبه، أذكر هنا ملخص رقيم كنت أرسلته في سنة 1304 لصاحب آخيته في بعض البلاد السورية [***] وهو ما جاء بعد كلام : إنني أحب أن أكتب إليك الآن كلمات تتعلق بهذا اللقب الشريف ( الأخ الصديق ) الذي أطلقته عليك وهي : قد اعتاد الناس إطلاق هذا اللقب الشريف على كل من ارتبطوا معه برابطة من روابط الاجتماع ، ولو كانت الرابطة منفصمة العرى مقطعة الأسباب ، أو انتكث فتلها بعد إبرام ، وتداعت دعائمها بعد إحكام ، فإذا كانت رابطة المصاحبة هي الاجتماع على القيل والقال وإضاعة المال ، بنحو أكل وشرب ولهو ولعب ، فيجدر بنا أن ندعو ذويها أصحاب الوجوه وهم كثيرون حيث تكثر البطالة وتقل دواعي العمران ، وإذا كانت الجامعة بينهم الاشتراك في المنافع المالية والعلائق الشخصية العملية ، فينبغي أن نسمي صحبتهم صحبة المصالح والحظوظ ، وهؤلاء يكثرون بكثرة الأعمال التجارية والصناعية في المدن النافقة الأسواق الكثيرة السكان الوافرة العمران ، وإذا كانت جامعتهم هي المشاكلة في الأخلاق والسجايا ، فهؤلاء هم الذين يصح إطلاق لقب الصاحب على آحادهم بغير قيد ، وصحبتهم هي الصحبة الحقيقية ، وهم فرق كثيرة لاختلاف السجايا وتباين الأخلاق ، وأكثر أفراد المتصاحبين من الأنواع المتقدمة الذكر لا يعرفون معنى الصدقة ، وإن أكثروا من الثرثرة بلفظها ؛ لأن أساسها الذي يقوم عليه بناؤها هو الصدق في السر والعلن ، والغيبية والشهود ، والقرب والبعد ، وفي السراء والضراء ، والزعزع والرخاء ، وهو أعز من الكبريت الأحمر ، ولذلك أنكر الصديق الوفي المنكرون فقال أحدهم : سمعنا بالصديق ولا نراه على التحقيق يوجد في الأنام وأحسبه محالاً أو مقولاً على وجه المجاز من الكلام وقال آخر : أيقنت أن المستحيل ثلاثة الغول والعنقاء والخل الوفي لعمرك إن غير الصدوق معذور باعتقاد استحالة وجود الصديق ، لما عنده من الدليل

(49/3)


الوجداني على ذلك ، والصدوق يعذر أيضًا إذا ارتأى أنه انفرد بالصدق في بعض الأحايين ، لما يعانيه من الابتلاء بمراوغة المنافقين ومخادعة الكاذبين ، ونظير ذلك ما تُنوقل عن السلطان محمود أنه أقسم مرة أنه لا يوجد في إستانبول مسلم غيره وغير فرسه وسيفه ، يريد عليه الرحمة أنه لم يصدق معه غيرهما ، وأنه لا يثق إلا بهما ، فإذا ظفر مثل هذا الصديق بآخر مثله ربما ادعى انحصار الصداقة فيه وفي صديقه ، وإنما يصح ذلك بالنسبة لاختباره في وطن إقامته .
ثم إن أقوى الصداقة أساسًا وأضوأها نبراسًا ، وأمنعها من الانحلال وأبعدها عن الاختلال ، صداقة أرباب المبادئ الشريفة والمقاصد الجليلة ، فمهما كان للصديقين منزع واحد ومشرب واحد هو مقصدهما من حياتهما تعاهدا عليه وتآخيا من أجله ، فلا جرم أن أخوتهما تكون أقوى من الأخوة النَّسَبية ، ورابطة صداقتهما أقوى من سائر الروابط الاجتماعية .
نعم ، إن الثبات على الصداقة - كغيرها - مشروط بحسن الخلق وتهذيب النفس؛ لأن فاسد الأخلاق عرضه للتغير والانقلاب ، تتلاعب به عواطف الأهواء فتقلبه ذات اليمين وذات الشمال ، فلا يستقر له شأن ، ولا يثبت على حال ، فكم تألفت في أوطاننا شركات تجارية وصناعية ، فبدد فساد أخلاق أفرادها شملها ، ونثر منظوم أهلها ، وفرق اجتماعهم وجعلهم عبرة للمعتبرين ، ربما كان التنازع على شيء لا يبالي به عاقل ولا يلتفت إليه مهذب ، سبباً للفشل ونفض اليدين من العمل ، بل في نقض أساس رفع بناؤه وحل عُرى أُحْكِم فتلها ، وذلك كالتقدم في المجلس أو في الختم على الأوراق أو التحلي بلفظ رئيس أو مدير ونحوهما من الألقاب ، أو مراعاة مصلحة شخصية ( واخجلتاه ) .
وهذا هو السبب الذي قضى على الأمم الشرقية أو الإسلامية في هذه الأزمنة الأخيرة بالتقاطع والتنازع ، حتى رزءوا بالضعف والهبوط ، بل بالخسف والسقوط وصارت حالهم - كما نرى - شر الأحوال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

(49/4)


قام فيهم مصلحون مجددون ، نبهوا الأفكار الغافلة وحركوا سواكن الهمم ، فاستضاءت بنور الحقيقة بصائر ، ونشطت للعمل أعضاء سلكت الجادة وأتت البيوت من أبوابها ، حتى كادت تبلغ الغاية ، لكن عارضها في سيرها وحال دون تمام العمل نفوذ العدو الغربي المتيقظ لما يعقب نهضة هذه الفئة المصلحة من إيقاف مطامعه في الشرق عن الامتداد ، بل من تحويل مده إلى جزر لا يفيض بعده ثائب ، وساعد العدوَّ الغربي على معاكسة ( كذا ) الإصلاح الأمير الشرقي الجاهل ، فكان عاملاً على ثل عرشه وانتزاع سلطانه ، ولقي أولئك المصلحون من الألاقي ( الدواهي ) ما لا محل لشرحه هنا ، وهم لا يزالون على سعيهم ، وتعاليمهم الشريفة لها من ذوي النفوس الزكية والعقول الصافية ، المحل الأول والمقام الأسنى ، وبانبعات أشعتها في أفكارهم ، وإضاءتها أرجاء قلوبهم ، تدب فيهم حرارة الغيرة على الدين والوطن ، وما بعد انفعال الغيرة إلا الأخذ بوسائل العمل ومقاصده ، [ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ]( النور : 46 ) .

(49/5)


إن لكل عاقل غرضًا صحيحاً من حياته ، وغرض هذا العاجز إنما هو خدمة أمته ووطنه من طريق علمي تهذيبي على ما يرشد إليه سير المصلحين ، ولما كان هذا أمرًا عامًّا كليًّا - وكل أمر كلي عام لا يفي به الواحد - احتجت لانتقاء الإخوان المؤازرين المساعدين الذين يوثق بثباتهم لتهذبهم وحسن مقاصدهم ونياتهم ، فلم اصطف في طرابلس إلا واحدًا أو اثنين من صنفنا ( أهل العلم ) وقد اصطفيتك أنت من أهل ( .... ) [1] لما رأيته فيك من سمو الأفكار والنظر في حوادث الكون بعين الاعتبار ، مع التبصر والتدبر والتأسف والتحسر ، بحيث لم يبق عندي ريب في أنك على المشرب الذي نستقي منه ، والمنحا الذي ننتحيه ، ولم يبق من شروط الأخوة الكبرى إلا الصدق والثبات الناتجين عن تهذيب الأخلاق ( كذا في الأصل ولا أرى أن قول الناس : نتج كذا عن كذا عربيًّا ) وعندي أن اكتناه المرء واختباره التام الذي تُعرف به أخلاقه وسجاياه لابد فيه من المعاشرة والمخالطة عدة سنين ، لكن لما كان مشربنا الذي أومأنا إليه محالفًا للتهذيب غالبًا لا يكاد يجنح إليه إلا محب للكمال ، ولا يرسخ في نفس فاسدة الأخلاق والآداب ، وكنتم مع قوة ميلكم إليه قد توفقتم ( الصواب : وُفِّقتم ) للمطالعة في كتاب إحياء العلوم ، الذي هو أحسن كتاب تهذيبي إسلامي ، وهو أستاذي الأول - فهذان الأمران أثبتا لي أملاً قويًّا وحسن ظن بصدقكم وثباتكم فعاهدتكم على الولاء ، وأطلقت عليكم لقب : ( الأخ الصديق ) وسيزيد الرجاء قوة وتمكنًا بكرور الأيام ، ويصير الظن عين اليقين [2] ، ونكون في جنة الأعمال المفيدة إخوانًا على سرر متقابلين ، يوم ينفع العالم منا بعلمه ، والمتمول بماله ، ونعم أجر العاملين اهـ .

________________________
(*) افتتح بها العدد 49 المؤرخ في 22 شوال سنة 1316 الموافق 4 مارس سنة 1899 .
(**) (الحجرات : 10) .

(49/6)


(***) إن الصديق الذي كتبت إليه هذا لم يثبت على صداقته ، بل حل عُقَدها بعد ظهور المنار وانتشاره لما حدث له من الميل إلى الخرافات .
(1) وضعنا في الأصل نقطًا مكان اسم البلد لئلا تطلع الحكومة على المقالة فتبحث عن الصديق فتُوقِع به ، أما وقد أُعلن الدستور فنقول : إنها بيروت .
(2) تقدم في هامش سابق أن الزمان جعل هذا الظن كذبًا لا يقينًا .
_____________________________

حقوق الأخوة والصحبة

قال الإمام الغزالي : اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين كعقد النكاح بين الزوجين ، وكما يقتضي النكاح حقوقًا يجب الوفاء بها قيامًا بحق النكاح ، فهكذا عقد الأخوة ؛ فلأخيك عليك حق في المال والنفس وفي اللسان والقلب بالعفو والدعاء والإخلاص والوفاء وبالتخفيف وترك التكلف والتكليف ، وذلك يجمعه ثمانية حقوق .
( الحق الأول ) : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ) وإنما شبههما باليدين لا باليد والرجل ؛ لأنهما يتعاونان على غرض واحد ، فهكذا الأخوان إنما تتم أخوتهما إذا توافقا في مقصد واحد ، فهما من وجه كالشخص الواحد ، وهذا يقتضي المساهمة في السراء والضراء ، والمشاركة في المال والحال وارتفاع الاختصاص والاستئثار .
والمواساة بالمال مع الإخوة على ثلاث مراتب : ( أدناها ) أن تُنزله منزلة عبدك أو خادمك ، فتقوم بحاجته من فضل مالك ، فإذا سنحت له حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ، ولم تُحوِجه إلى السؤال ، فهو غاية التقصير في حق الأخوة .
( الثانية ) : أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ، ونزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال ، قال الحسن : ( كان أحدهم يشق إزاره بينه وبين أخيه ) .
( الثالثة ) وهي العليا : أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك ، وهذه رتبة الصديقين ومنتهى درجات المتحابين .

(49/7)


( أقول في هذا بحث أوردته في كتابي ( الحكمة الشرعية ) وبينت فيه أن مرتبة الإيثار على النفس ليست عُليا المراتب ، وسأذكره في الجزء الآتي إن شاء الله تعالى ) .
ومن تمام هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضًا ، كما رُوي أنه سُعي بجماعة من الصوفية إلى بعض الخلفاء ، فأمر بضرب رقابهم وفيهم أبو الحسين النوري .
فبادر إلى السياف ليكون هو أول مقتول ، فقيل له في ذلك فقال : أحببت أن أوثر إخواني بالحياة في هذه اللحظة ، فكان ذلك سبب نجاة جميعهم - من حكاية طويلة - فإن لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك ، فاعلم أن عقد الأخوة لم ينعقد في الباطن ، وإنما الجاري بينكما مخالطة رسمية ، لا وقع لها في العقل والدين ، فقد قال ميمون بن مهران : ( مَن رضي من الإخوان بترك الأفضال فليؤاخِ أهل القبور ) .
وأما الدرجة الدنيا فليست مَرضية عند ذوي الدين ؛ روي أن عتبة الغلام جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه ، فقال : أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف ، فقال : خذ ألفين ، فأعرض عنه ، وقال : آثرتَ الدنيا على الله ، أما استحيت أن تدَّعي الأخوة في الله وتقول هذا .
ومَن كان في هذه الدرجة من الأخوة فينبغي أن لا تعامله في الدنيا ، قال أبو حازم : إذا كان لك أخ في الله فلا تعامله في أمور دنياك .
وإنما أراد به من كان في هذه الرتبة .
وأما الرتبة العليا : فهي التي وصف الله تعالى المؤمنين بها في قوله [ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ]( الشورى : 38 ) أي كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله عن بعض ، وكان منهم من لا يصحب من قال : مالي أو نعلي؛ لأنه أضافه إلى نفسه .
وجاء فتح الموصلي إلى منزل أخ له وكان غائبًا ، فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه وأخذ حاجته ، وأخبرت الجارية مولاها فقال : ( إن صدقتِ فأنت حرة لوجه الله ) سرورًا بما فعل .

(49/8)


وجاء رجل إلى أبي هريرة رضي الله عنه وقال : إني أريد أن أواخيك في الله ، فقال : أتدري ما حق الإخاء ؟ قال : عرفني ، قال : أن لا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني .
قال : لم أبلغ هذه المنزلة بعد ، قال : فاذهب عني .
وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما لرجل : ( هل يُدخِل أحدكم يده في كُم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه ؟ قال : لا ، قال : فلستم بإخوان ) .
ودخل قوم على الحسن رضي الله عنه فقالوا : يا أبا سعيد ، أصليت ؟ قال : نعم ، قالوا : فإن أهل السوق لم يصلوا بعد ، قال : ومن يأخذ دينه من أهل السوق ، بلغني أن أحدهم يمنع أخاه الدرهم .
قاله كالمتعجب منه ، وجاء رجل إلى إبراهيم ابن أدهم رحمه الله وهو يريد بيت المقدس فقال : إني أريد أن أرافقك ، فقال له إبراهيم : على شرط أن كون أملك لشيئك منك ، قال : لا ، قال : أعجبني صدقك .
قال : فكان إبراهيم رحمه الله إذا رافقه رجل لم يخالفه ، وكان لا يصحب إلا من يوافقه ، وصحبه رجل شرَّاك ( هو الذي يعمل الشُّرُك للنعال ) فأهدى رجل إلى إبراهيم في بعض المنازل قصعة من ثريد ففتح جراب رفيقه وأخذ حزمة من شُرُك وجعلها في القصعة وردها إلى صاحب الهدية ، فلما جاء رفيقه قال : أين الشُّرُك ؟ قال : ذلك الثريد الذي أكلته إيش كان ؟ قال : كنت تعطيه شراكين أو ثلاثة ، قال : اسمح يُسمح لك .
وأعطى مرة حمارًا كان لرفيقه بغير إذنه رجلاً رآه راجلاً ، فلما جاء رفيقه سكت ولم يكره ذلك .
قال ابن عمر رضي الله عنهما : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال : أخي فلان أحوج مني إليه، فبعث به إليه ، فبعثه ذلك الإنسان إلى آخر ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر ، حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة .

(49/9)


وروي أن مسروقًا ادَّان دينًا ثقيلاً وكان على أخيه خيثمة دين ، قال : فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم ، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم ، ولما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن الربيع آثره بالمال والأهل ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك فيهما ، فآثره بما آثره به ، وكأنه قَبِله ، ثم آثره به وذلك مساواة والبداية إيثار والإيثار أفضل من المساواة .
وقال أبو سليمان الداراني : ( لو أن الدنيا كُلَّها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له ) .
وقال أيضا: ( إني لألقم اللقمة أخًا من إخواني فأجد طعمها في حلقي ) .
ولما كان الإنفاق على الإخوان أفضل من الصدقات على الفقراء قال علي رضي الله عنه : لَعشرون درهمًا أعطيها أخي في الله أحب إليَّ من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين .
وقال أيضًا : ( لأن أضع صاعًا من طعام وأجمع إخواني في الله أحبُّ إليَّ من إعتاق رقبة ) .
واقتداء الكل في الإيثار برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه دخل غيضة مع بعض أصحابه فاجتنى منها سواكين : أحدهما معوج ، والآخر مستقيم ، فدفع المستقيم إلى صاحبه فقال : يا رسول الله ، كنت والله أحق بالمستقيم مني ، فقال : ( ما من صاحب يصحب صاحبًا ولو ساعة من النهار إلا سئل عن صحبته ، هل أقام فيها حق الله أم أضاعه ) .
فأشار بهذا إلى أن الإيثار هو القيام بحق الله في الصحبة.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر يغتسل عندها ، فأمسك حذيفة ابن اليمان الثوب وقام يستر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اغتسل ، ثم جلس حذيفة ليغتسل ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوب وقام يستر حذيفة عن الناس ، فأبى وقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، لا تفعل ، وأبى عليه السلام إلا أن يستره بالثوب حتى اغتسل ، وقال صلى الله عليه وسلم : ما اصطحب اثنان قط إلا كان أحبهما إلى الله أرفقهما بصاحبه .

(49/10)


وروي أن مالك بن دينار و محمد بن واسع دخلا منزل الحسن وكان غائبًا ، فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت سرير الحسن ، فجعل يأكل ، فقال له مالك : كُفَّ يدك ، حتى يجيء صاحب البيت ، فلم يلتفت محمد إلى قوله وأقبل على الأكل ، وكان محمد أبسط منه وأحسن خلقًا ، فدخل الحسن وقال : يا مُوَيْلِك ، هكذا كنا لا يحتشم بعضنا من بعض ، حتى ظهرت أنت وأصحابك ، وأشار بهذا إلى أن الانبساط في بيوت الإخوان من الصفاء في الأخوة، كيف وقد قال الله تعالى : [أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ [(النور:61) كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه ويفوض إليه التصرف كما يريد ، وكان أخوه يتحرج من الأكل بحكم التقوى ، حتى أنزل الله تعالى هذه الآية ، وأذن لهم في الانبساط في طعام الإخوان والأصدقاء .

________________________

الاشتراكية والدين
( ملخص من كتابنا : الحكمة الشرعية )

(49/11)


علم مما تقدم عن الإحياء للإمام الغزالي أن عُليا درجات الأخوة ورُتبها هي كون الإخوان كلهم خُلطاء في الأموال وشركاء ، لا يميز بعضهم رحله عن بعض ، ومعلوم أن المؤمنين كلهم إخوة - كما في نص القرآن - وإن كان الكثير بل الأكثر منهم غير قائم بحقوق هذه الأخوة ، وإذا كان بلوغ الرتبة العليا من الأخوة مستحسنًا ومطلوبًا شرعًا ، فهو دليل على أن الاشتراكية التي ينزع إليها بعض الجمعيات في أوروبا مستحسنة ومطلوبة في الجملة ؛ لأن لها أصلاً في الشريعة الإسلامية الحقة المؤيدة بالعقل الصحيح ، مع أننا نرى الحكماء والعقلاء ، لا سيما رجال الدين منهم يطلقون القول في ذمها وذم ذويها ، فهل ذلك من الصواب أم لا ؟ الجواب الذي يتراءى لنا هو أننا إذا نظرنا في المسألة بعين الحق المجرد تجلى لنا أن للاشتراكيين مطالب عادلة في الجملة ، وأنهم معذورون في تحزبهم للتحامل على الأغنياء الذين هم يُرَاءون ويمنعون الماعون ، وينفقون إسرافًا وتبذيرًا، ولا يرحمون مسكينًا ولا فقيرًا ، لكن بعض مطالبهم جائرة ، لا يمكن أن ترضى بها أمة من الناس ، كما ينقل عن بعضهم القول بأن الاشتراك ينبغي أن يكون في كل شيء ، حتى في الأبضاع ، وهو سفه من القول لا يقول به إلا السفهاء ، وإلى الآن لم يستطع أحد من زعماء الاشتراكيين أن يأتي بتعاليم للاشتراكية مقبولة عند جماهير العقلاء المنصفين ، ولو طلبوا هاته الرغيبة في الدين الإسلامي لظفروا بها ، ذلك أن الشريعة الإسلامية الغراء تفرض في أموال الأغنياء من عين أو تجارة ، وفي نتائج زراعة الزارعين فرضًا معينًا يخف عليهم أداؤه ، تصرفه لمن يعجز عن كسب يقوم بكفايته من فقير ومسكين وللغارمين وأبناء السبيل إلخ التفصيل المعروف في كتب الفروع .

(49/12)


وهذا الفرض يُلزم به الأغنياء إلزامًا ويُجبرون عليه إجبارًا ، وتُحث الناس بعد ذلك على التنفل في الصدقة ، وعلى الصلة والهدية والمواساة وإكرام الضيوف وعلى الصداقة والأخوة التي أرفع درجاتها أن يتصرف الصديق في مال صديقه كما يتصرف في مال نفسه ، ولا يصادف منه على ذلك إلا الرضا ، بل الفرح والاستبشار .
نعم هذه الرتبة لا يُحمل عليها الناس كرهًا وإنما يُقادون إليها بسلاسل الآداب الدينية مع الرفق والحكمة إلى أن يأتوها راغبين ، وذلك بنشر تلك الآداب والتربية للأحداث ذُكرانًا وإناثًا على أصول تعاليمها .
لا ريب أن انتهاج هذا المسلك يأتي بفائدة كبرى للأمة ، هي السعادة بعينها ، وإن كان وصول جميع الأفراد لمرتبة الأخوة الكبرى بعيد المنال ، لما يعترض التربية من العوارض الخارجية والأحوال ، فضلاً عن كون تعميمها لا يتم إلا بالقوة وكثرة المال ، وفي إكراه العموم على ذلك حرج شديد ، لا يقول به ذو رأي سديد ، ولا يزال أولئك الاشتراكيون كلاًّ على كاهل أوروبا ، ولا يصلون إلى تمام ما يطلبون ؛ لأن رجل الدين ورجال السياسة جميعاً يرفضون تعاليمهم ويسفهون أحلامهم ، إلا ما كان من الجمعية الفرنسوية التي تسمى : جمعية الأخوة ، فأولئك تشبه أحوالهم وتعاليهم ما كان من الأخوة في شبيبة الملة ، كما تقدم عن الإحياء ، وقد صدر عن هذه الجمعية آثار نافعة لأمتهم من نشر العلوم والفنون الرياضية والفلسفية مقرونة بالدين المسيحي على المذهب الكاثوليكي ، وقد انتشرت مدارسهم في ممالك الشرق يوطئون المسالك ويمهدون السبل لامتداد نفوذ فرنسا وتسلُّطها على البلاد التي ينشرون فيها تعاليمهم ، كما يفعله غيرهم من جمعيات دول أوروبا في ممالك الشرق، وأهل الشرق لاهون غافلون عما يراد بهم .

(49/13)


(قاعدة في الطاقة ، والكلب يأكل في العجين ، يا كلب كُلْ واتهنَّا ما للعجين أصحاب ) بل أهل الشرق نيام ، فإذا ماتوا باستعباد الأجانب لهم ونوقشوا الحساب ، وحاق بهم العذاب ، انتبهوا ، وأَنَّى ينفع الانتباه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وأجدر بالمسلمين أن يكونوا هم السابقين لمثل تلك الجمعية ، بل ولكل مزية مفيدة مرضية من المزايا التي سبقتنا بها الأمم الغربية ، وما كنا لنستفيق فصبر جميل .
هذا ، وإن للاشتراكيين والمتآخين في أوروبا حجة في كتابهم الديني الذي عليه مدار النصرانية وهو المسمى بالعهد الجديد ، فقد ذكر فيه ما نصه : وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة ، ولم يكن أحد يقول : إن شيئًا من أمواله له ، بل كان عندهم كل شيء مشتركًا وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع ، ونعمة عظيمة كانت على جميعهم ، إذ لم يكن فيهم أحد محتاجًا لأن كل الذين كانوا أصحاب حقول أو بيوت كانوا يبيعونها ويأتون بأثمان المبيعات ويضعونها على أرجل الرسل ، فكان يوزع على كل واحد له احتياج ، و يوسف الذي دعي من الرسل برنابا الذي يترجم ابن الوعظ لاوي قبرسي الجنس ، إذ كان له حقل باعه وأتى بالدراهم ووضعها عند أرجل الرسل ، ورجل اسمه حنانيا وامرأته سفيرة باع ملكًا واختلس من الثمن وامرأته لها خبر ذلك وأتى بجزء ووضعه عند أرجل الرسل ، فقال بطرس : يا حنانيا ، لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل ، أليس وهو باق كان يبقى لك ، ولما بيع ألم يكن في سلطانك ، فما بالك وضعت في قلبك هذا الأمر أنت لم تكذب على الناس ، بل على الله ، فلما سمع حنانيا هذا الكلام وقع ومات ، وصار خوف عظيم على جميع الذين سمعوا بذلك ، فنهض الأحداث ولفوه وحملوه خارجًا ودفنوه ، ثم حدث بعد مدة نحو ثلاث ساعات أن امرأته دخلت ، وليس لها خبر ما جرى فأجابها بطرس قولي لي : أفبهذا المقدار بعتما الحقل ؟ فقالت : نعم بهذا

(49/14)


المقدار ، فقال لها بطرس : ما بالكما اتفقتما على تجربة روح الرب ، هو ذا أرجل الذين دفنوا رجلك على الباب وسيحملونك خارجًا ، فوقعت في الحال عند رجليه وماتت ، فدخل الشباب ووجدوها ميتة ، فحملوها خارجًا ودفنوها بجانب رجلها ، فصار خوف عظيم على جميع الكنيسة وعلى جميع الذين سمعوا بذلك .
انتهى من أواخر الإصحاح الرابع وأوائل الإصحاح الخامس من سفر أعمال الرسل ( ابركسيس ) .
وفيه أن الاشتراك كان في كل شيء متمول عندهم وهو مصرح به في الإصحاح الثاني أيضًا ، وأن الاشتراك كان مانعًا لأحدهم أن يتصرف في ماله كيف يشاء ويختار ، أو يمسكه عنده ، بل كانوا يلزمونه أن يؤديه إلى الرسل ، وهم ينفقون عليه كما يريدون ، ألم تر إلى (بطرس) كيف عد (حنانيا) مختلسا عندما أمسك بعض ثمن الحقل ، وهذا الحد من الإفراط لم تقل به الشريعة الإسلامية ، ولا في أوائل مدة الهجرة التي شارك فيها الأنصار المهاجرين في أموالهم طوعًا واختيارًا ، وحيث كان التوارث بالإسلام لا بالقرابة ، لما تقتضيه حالة ذلك الوقت ، وأما تعاليم العهد الجديد الذي هو أصل النصرانية ، كما ألمعنا إليه قريباً فجميعها ناطقة بالإفراط في التمسك بالفضائل ، وتلزم الآخذ بها أن يكون أزهد الزهاد ، لا يتخذ مالاً ، ولا يبتغي جاهًا ، ولا يدافع عن نفسه ، بل يكون خافضًا ضارعًا مستسلمًا لتصرف الحاكمين ، مستبسلاً لتعدي المعتدين ، وقد رفض النصارى تلك التعاليم من حيث التخلق والعمل، وادعوها بقول الجدل ، كما أن المسلمين قصروا بنشر تعاليم دينهم الخالصة من الشوائب ولم يتخلقوا بأخلاقه على وجه الكمال الذي حدده ، نعم إلا قليل منهم ، مع أنه الكافل لهم سعادة الدارين والفوز بالحُسنيين ؛ ولذلك جدت أمم النصارى في مصالح الدنيا وهم قاعدون ، فازوا بالتغلب وهم خائبون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

(49/15)


( المنار ) هذا ما كتبناه في ( الحكمة الشرعية ) من بضع سنين ، ولم نقصد به الاعتراض على أعمال هذه الملة النصرانية ، ولا على تعاليمهم ؛ لأننا نعلم أن الإفراط في التنفير من الدنيا ، وفي التزهيد بالمال والسلطة كان مناسبًا لحال ذلك العصر ، لما كان عليه الناس من الفساد والبغي ، وطغيان الشهوة والقوة بسبب مدنية الرومانيين المعروفة ، وإنما تتعجب من أحوال الأمتين وعدم انطباقها على تعاليم الديانتين ، وفي العروة الوثقى مقالة نفيسة في هذا الموضوع ، سننشرها في عدد تالٍ، إن شاء الله تعالى .

________________________

الإصلاح الإسلامي والجرائد

عندما عزمنا على إنشاء المنار كاشفنا بعض أهل النظر والخبرة بعزمنا ، وشاورناهم في الأمر ، فقال أوسعهم اختبارًا : إن الجريدة لا تروج إلا إذا جاءت بمشرب جديد وطرقت سبلاً لم تكن تُطرق ، وهي مما يحتاج إلى السلوك فيها .

(49/16)


ولما ظهر المنار ، اعترف صاحب هذا الرأي كغيره بأنه جاء بما لم تأتِ به الأوائل من بيان الأمراض الاجتماعية التي طرأت على الأمة الإسلامية والشرق كله ، والبحث في أسبابها وعلاجها ، وحمد سعينا وعملنا العقلاء والفضلاء وأصحاب الجرائد خاصة قولاً وكتابةً ، إلا أن جريدة معلومات العربية انتقدت علينا مرة ما كتبناه عن مراكش من سوء الحال ، ودوام الاختلال ، المُؤْذِن - إن لم يُتدارك - بالزوال ، وبَنَت انتقادها على أن تلك البلاد متمسكة بالدين ، ومن لوازمه الانتظام وحسن الحال ، وأنه ما كان ينبغي لنا أن نهول ببيان ضعفها واختلال شؤونها ، محافظة على كرامتها ، نعم ، إنها مع ذلك استحسنت ما نصحنا به سلطان مراكش من الاستعانة بمولانا السلطان الأعظم على الإصلاح بأن يطلب منه رجالاً لِبثِّ المعارف والفنون العسكرية في بلاده ، ومن الغريب أن بعض أكابر رجال الدولة كتب إلينا يومئذ يستحسن ما نشرناه في شأن مراكش إلا الاستعانة بسلطاننا ، قال : لئلا ترسل إليه الدولة مثل فلان ، وذكر رجلاً من موظفي المعارف يعلم أننا واقفون على جهالته ، وانتقد علينا أيضًا من إدارة جريدة طرابلس ، فكتب لنا أولاً [1] بأننا بيَّنَّا معايب المسلمين ، وكشفنا الستار عن جهالتهم وضعف دولهم وأنه كان ينبغي لنا أن نسدل الستار على هذه المخازي والمقاذر ، ونؤول للمخطئين على أعين الناس من الأجانب والأعداء ، ثم كتب في الجريدة شيء من هذا ، ووافق طرابلس على هذا الرأي جريدة مصرية واحدة لا قيمة لها فنذكر اسمها .

(49/17)


ثم ماذا - لم يمضِ على المنار إلا أشهر حتى رن صوته في الآذان ، ولهجت بمواضيعه الألسن ، وظهر لها أثر في الجرائد ، واتفق أن الآلام التي دفعت بنا إلى الكتابة في هذه المواضيع ، حركت بعض من ألمَّت بهم من الكُتاب في المشرق والمغرب ، وحملتهم على الكتابة في الأخطار التي تتهدد الشرق كله والمسلمين فيه بخصوصهم ، فكانت جريدة المؤيد ملتقى أفكارهم ، ومنعكس صدى أصواتهم ، ولم يطُل الأمد على نشر مقالة المراكشي ومقالة الهندي فيها ( وفي المنار ) حتى جاءته رسالة ضافية من حضرة جودت بك محرر جريدة ( إقدام ) في الآستانة العلية في ضعف الأمة الإسلامية أو الأخطار التي تحدق بها ، وما عساه يقيها منها ، وليس في تلك الرسالة جملة لم يرد مثلها في المنار ، حتى توهم بعض المصريين أنها قد لخصت من المنار تلخيصًا .
ثم نشرت جريدة معلومات العربية مقالة وجيزة في الموضوع وجهت إليها نظر المؤيد ، فنشرها ثم جاءنا العدد الأخير من جريدة طرابلس ، فإذا هي مفتتحة بمقالة لخصت فيها ما كتبه جودت بك ، وما جاء في معلومات معترفة بما أنكرته علينا من قبل ، فالحمد لله على الوفاق بعد الخلاف .
ذكرت معلومات أن للإصلاح 13 أصلاً لا بد منها ، وذكرت أصولاً مجملة مبهمة متداخلة ، الأول منها : ( الاعتصام بالدين القويم ) ويا ليت شعري ما مراده به ؟ فإن كان مراده التعاليم الشائعة التي يسميها الناس دينًا ، فهي التي أوقعتهم فيما هم فيه ، وذلك كالتوحيد أو التوكل الذي رماهم بالجبر والكسل ، فمنعهم من الاعتماد على الأسباب التي ناط الله بها مصالح الكون دون الاعتماد على الشيوخ أحياءً وأمواتًا ، وطلب الحوائج من قبورهم ...
إلخ ما شرحناه غير مرة في المنار ، ومَن فهم الدين مقلوبًا مما يأتيه بعض المتديّنين من أمرائنا وأغنيائنا من بذل الأموال الوافرة لعمارة الأضرحة والقُبَب عليها باسم الدين ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عمارة القبور في أحاديث كثيرة .

(49/18)


ومن ذلك ما نقل إلينا أخيراً عن السلطانة عديلة عمة مولانا السلطان الأعظم التي ماتت من عهد قريب مِن أنها أرسلت جميع ما عندها من الحلي والجواهر إلى المدينة المنورة ليزيّن بعقد منها - يساوي 180 ألف جنيه - قبر السيدة فاطمة عليها السلام ، ويصنع من الباقي - وثمنه نحو 150 ألف جنيه - ثُريا ( نجفة ) تعلق في روضة النبي (عليه الصلاة والسلام ) ولو أنها كانت تعلم أن النبي وبنته لا يحبان الزينة ، لا سيما بعد الموت ، وأنهما يحبان العلوم والمعارف - لأوصت بأن تُصرف هذه الأموال لفتح المدارس في تلك البلاد التي كانت مشرق أنوار المعارف للكون ، فأمست من أجهل البلاد ، وضيقت الدولة في أمر المطبوعات التي تدخلها ، حتى إن كل عدد من أي جريدة لا يدخل الحجاز إلا بأمر من الآستانة ، على ما بلغنا ، وإن لنا لعودة إلى هذا الموضوع إن شاء الله تعالى ، وقيل : إن حلي السلطانة أرسل للمدينة لغير تلك الغاية .
( الأصل الثاني : الاعتصام بحبل الخلافة ) : وهذا يدخل في الأول ، كما يدخل فيه قيام الخليفة بحقوق الخلافة على ما شرحناه في مقالات الإصلاح الديني .
( الثالث : علم العلماء وأعاظم الأمة ما عليه الأمة وتركهم ترجيح النفع الخاص على العام ) ومَن الذي يقلب تربيتهم ، وأكثرهم عالِم بحال الأمة ويائس من إصلاحها ؛ ولذلك يعمل لنفسه فقط .

(49/19)


( الحادي عشر : إصدار جريدة في كل بلدة إسلامية تختص مباحثها بما يناسب شأن تلك البلدة وارتقاء أهلها علمًا وأخلاقًا ) وهذا الأصل يمكن أن يوجد فيما عدا بلاد الدولة العلية من بلاد الإسلام ، فإننا قد أنشأنا المنار لهذه الغاية ، فكانت تمنع أعداده من بلاد سوريا بحجة أننا نرمي المسلمين بالجهالة ونقول : إنهم في حاجة إلى التربية والتعليم بالصبغة الدينية ، ثم صدرت الإرادة السنية من مقام الخلافة الإسلامية بمنعها من البلاد العثمانية بكلمة كتبها للمابين والي بيروت ( رشيد بك ) الذي يعرف مولانا السلطان فمن دونه حقيقة حاله السيئة ، فبلاد يمنع فيها عمل عظيم عام الفائدة بكلمة من جهول فاسد الأخلاق سيئ الأعمال ، هل يمكن يجري فيها إصلاح ؟ ونحن قد سبقنا معلومات لمثل هذا الاقتراح في مقالات الإصلاح الديني .
أما بقية الأصول التي ذكرها فهي ترجع إلى شيء واحد هو : تأليف شركات مالية لتعميم المدارس للذكور والإناث ، ولطبع المؤلَّفات النافعة ، وإنشاء المنتديات العلمية ، وتوظيف خطباء طوافين ، وكل هذه المباحث قد فصلنا القول فيها تفصيلاً وإنشاء المنتديات العلمية متعذر في دار السلطنة ومتعسر في سائر بلاد الدولة ؛ لأن كل اجتماع يكون مدعاة لبث الدسائس من الجواسيس كما هو معلوم ، ومن العجب أنه ذكر التعليم ولم يذكر التربية ، وهي الركن الأهم الأنفع .
وفي الختام نسأل الله تعالى بكمال الإخلاص أن يوفق حكامنا وعلماءنا وجرائدنا لما فيه خير الأمة والملة ، ونحمد الله ونثني عليه أن وفق الجرائد في بلاد الدولة على مشاركتنا في البحث في أمراض الأمة وعلاجها ، ونرجو من فضله أن يقي أصحابها من ولاة السوء الذين يصدون عن سبيل الله مَنْ آمن ويبغونها عوجاً ، فيواظبوا على هذا العمل المبرور الذي يُحيي الهمم ، ويبعث على النهوض ، وبالله التوفيق .

________________________
(1) الذي كتب هذا هو شيخنا : الشيخ حسين الجسر .

(49/20)


____________________________

منتدى سمر

ضمّنا وبعض فضلاء السُّمَّار سامر من السمار ( السمر الحديث في الليل ويسمى فاعله ومكانه سامرًا ، وجمعه في معنَيَيْه : سُمَّار ) فجرى ذكر الطرق وما كتبه المنار في عدده الماضي بمناسبة الحادثة الأخيرة في شأن ذويها ، وتحدثوا بأن شيخ الشيوخ سيجمعهم للمذاكرة في الإصلاح ، فقال قائل : لا يمكن أن يأتي الإصلاح من جانب هؤلاء الشيوخ ؛ لأنهم إذا تركوا الرقص والغناء وآلات الطرب ينفضُّ أكثر الناس من حولهم ، فيقل سوادهم الذي يفيض عليهم بالأبيض والأصفر ، ومدار معاشهم وجاههم على هذا ، إنهم ليعلمون - كما نعلم أو أكثر علمًا - أنهم لو اقتصروا على الذكر الشرعي لا يحضر مجالسهم إلا بعض الأتقياء العقلاء الذين لا يقدمون لهم نذرًا ولا ينقدونهم شيئاً ، وهذا ما يضطرهم إلى استمالة الغوغاء من الناس باللهو والباطل ، فلغواً يكتب المنار ، وعبثًا يحاول مبتغي الإصلاح ( وأشار إليَّ ) فقال سامر آخر: نرجو أن يظلوا واقفين عند هذا الحد في الاستمالة ولا يتعدوه إلى نحو الحشيش والأفيون ، فانبرى له آخر وقال : وما يدريك أنهم لم يتعدوا الحدود التي ذكرتَ ، إن الخيام التي يُشرب فيها الحشيش في الموالد هي مأوى المجاذيب المعتقدين ومنتحى العفاة والطالبين ، ولا يمكن لأحد أن ينبس ببنت شفة في الاعتراض على ذويها لئلا يتصرفوا فيه ، فتذكرت بكلام هذا السامر ما كنت سمعته من بعض القضاة الشرعيين في غضون مدة مولد السيد من أن بعض الحشاشين من الأولياء أصحاب الكشف وأنه سُرق لبعض الناس متاع ، فوقف على خيمة حشاشين فأشار واحد منهم إلى أن متاع الرجل قفة ، وأنها في مكان كذا ، فجاء الرجل المكان المشار إليه فوجد متاعه هناك في قفة كما قال الحشاش .

(49/21)


ولم أحدث السمار بالقصة ، لكنني قلت لمن قال إن الكلام في إصلاح الطرق عبث : إنني يغلب علي اليأس من الشيوخ في الغالب ، ولكن رجائي في الأمة كامل، وأنا أكتب لأبين لها الحق من الباطل ، فمتى علمَتْ أعرَضَتْ عن هؤلاء المضلين الذين يأكلون أموالنا باسم الدين ويشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ، وإن الحق يعلو ولا يُعلَى عليه ، والعاقبة للمتقين .

________________________

أخبار وآراء

( ولي العهد للخديوية )

سمى الجناب العالي الخديوي نجله وولي عهده ( محمد عبد المنعم ) فجمع بين فضيلتي الأسماء المشار إليها في حديث ( أفضل الأسماء ما عُبد وحُمد ) فنسأل الله تعالى الذي ألهم سمو والده بأن يضع له خير الأسماء أن يجعله خير مسمى ، ويقر به عيون الأمة والوطن المصري العزيز .
*** ( اشتراك يوناني بالجمعية الخيرية ) كتب الموسيو أكيلو بولو من وجهاء التجار اليونانيين في الإسكندرية إلى الجمعية الخيرية الإسلامية بأنه يعتد مصر وطناً ثانيًا له ، لطول إقامته فيها ، ومن حق الوطن مساعدة الأعمال الخيرية فيه ؛ ولذلك يلتمس من الجمعية أن تعتبره من المشتركين بمبلغ سنوي قدره أربعون جنيهًا إنكليزيًّا ، فأجابته الجمعية معترفة له بالفضل ومكافئة عليه بالشكر ، فليعتبر الذين يرجئون دفع ما عليهم من سنة إلى أخرى ، بل ليعتبر سائر أغنياء القاهرة ، ثم أغنياء القطر الذين يقصرون في مساعدة هذه الجمعية ، ولو كان للكثير منهم روح شريف ومعرفة بقيمة الوطن كمعرفة الموسيو أكيلو بولو - لعمَّت مدارس هذه الجمعية جميع مدن القطر ولكن الكرام قليل ، فنسأل الله تعالى أن يزيد في أوطاننا عددهم ، ويضاعف مددهم ، فبالأغنياء الفضلاء تحيا البلاد وتنهض الأمم ، وبهم تسقط في مهاوي العدم .

________________________

خاتمة السنة الأولى للمنار

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى .

(49/22)


أما بعد : فقد تم لمنارنا بفضل الله تعالى سنة قمرية كاملة ( إذ كان صدور أول عدد منه في 22 شوال سنة 1315 ) أنبته صدق الخدمة فيها نباتًا حسنًا ، وتقبله فضلاء الأمة بقبول حسن ، ولا يزال في نمو تدريجي يبشر بالكمال ، ولقد صدق الله تعالى إلهامنا ، وحقق رجاءنا بمؤازرة الكرام ومعاضدة الأخيار ، وها نحن أولاء نراهم يزدادون يومًا فيومًا ، أما الرجاء الذي أشرنا إليه فهو ما جاء في آخر فاتحة الجريدة - بعد بيان منهاجها والإشارة إلى مشارب الناس في الجرائد ، وأنه انتقاد الحكومة أو المدح والذم في الأشخاص أو النكت الهزلية والروايات الغرامية - وهو: ( فإذا رأوا جريدة تفند أكثر أقوالهم ، وتنعي على إسرافهم في أمرهم ، وتسجل عليهم التقصير في العمل المفيد لعمارة بلادهم ، بل التشمير للعمل على خراب أوطانهم ، أو تسليمها لأيدي الأغيار من المهطعين إلى الاستعمار ، يوشك أن يلفظوها لفظ النوى ويضربوا بها عُرْض الحائط ، لكنني وطَّنت النفس على الاقتناع بمؤازرة الكرام ومعاضدة الأخيار ، نعم ، إن الكرام قليل ورجاؤنا أن يكونوا آخذين في النمو لما تقتضيه حالة العصر ويزعج الأمة إليه موقفها الحرج ...
) إلخ .
كانت الجريدة تُرسَل إلى المشهورين من القراء فيردونها من غير أن يزيلوا غلافها وينظروا فيها ، ثم يتفق لهم النظر فيها عند بعض أصحابهم ، فيطلبونها ، وأكثر الذين اشتركوا في أثناء هذه السنة - حتى في الشهرين الحادي عشر والثاني عشر - طلبوا الجريدة من أولها ، حتى احتجنا لإعادة طبع ما نفد من أعدادها ، ولو أن لنا وكلاء يسعون في نشرها لكان نموها أسرع وانتشارها أعم .

(49/23)